نهاية الأرب في فنون الأدب‏ - ج29

- أحمد بن عبد الوهاب النويري‏ المزيد...
495 /
305

و استهلّت سنة اثنتين و أربعين و ستمائة:

ذكر الواقعة الكائنة بين عسكر مصر- و من معه من الخوارزمية- و بين عسكر الشام- و من شايعهم من الفرنج، و انهزام الفرنج و عسكر الشام، على غزّة

قد ذكرنا وصول الخوارزمية إلى الشام، و نزولهم على غزّة.

و لما استقروا بها، أرسل إليهم السلطان الملك الصالح النفقات و الخلع و الكساوى، و طائفة من العسكر المصرى. فاتفق الملك الصالح إسماعيل صاحب دمشق، و الملك المنصور صاحب حمص، و الملك الناصر داود صاحب الكرك، و راسلوا الفرنج. و كان الصالح إسماعيل قد سلّم إليهم من الحصون ما تقدم ذكره. و وعدهم الآن أنه متى ملك الديار المصرية، أعطاهم الأعمال الساحليّة بأسرها. و استقر ذلك بينهم و بين الملوك الثلاثة المذكورين.

و خرج الملك المنصور- صاحب حمص- بعسكره و عساكر دمشق.

و أقام الصالح بدمشق. و جهّز الملك الناصر داود عسكره من نابلس- صحبة الظهير سنقر الحلبى و الوزيرىّ، و أقام هو بالكرك. و اجتمعت هذه العساكر، و عساكر الفرنج: الدّيويّة و الإسبتار و الكنود (1)، على يافا. و العسكر المصرى و الخوارزمية على غزّة.

____________

(1) سبق تفسير هذه الكلمات. فالدّيويّة هم طائفة «فرسان المعبد، من الفرنج، «الذين نذروا أنفسهم لحرب المسلمين فى الحروب الصليبية. و «الاسبتار» أو «الاسبتارية» هم طائفة أخرى من فرسانهم، و هم مثل هؤلاء فى التعصب و الحماس، و الكنود: أى الأشراف أو الأمراء من الفرنج.

306

قال أبو المظفّر: و ساق صاحب حمص و عسكر دمشق، تحت أغلام الفرنج- و على رءوسهم الصّلبان، و الأقساء (1) فى الأطلاب‏ (2) يصلّبون‏ (3) على المسلمين و يقسّسون عليهم، و بأيديهم كئوس الخمر و الهنّابات‏ (4) يسقونهم. و ساق العسكر المصرى و الخوارزمية. و التقوا بمكان يقال له أربيا (5)- بين غزّة و عسقلان.

و كان الفرنج فى الميمنة، و عسكر الناصر داود فى الميسرة، و صاحب حمص فى القلب. و كان يوما عظيما، لم يجر فى الإسلام بالشام مثله، و اقتتلوا. فانكسرت الميسرة، و هرب الوزيرى، و أسر الظّهير سنقر الحلبى و جرح فى عينه. ثم انهزم صاحب حمص. و كان العسكر المصرى قد انهزم، و وصل إلى قرب العريش. و ثبت الخوارزمية و الفرنج، و اقتتلوا، فمالت الخوارزمية عليهم بالسيوف، يقتّلونهم كيف شاءوا.

قال أبو المظفّر: و كنت يوم ذاك بالقدس، فتوجهت فى اليوم الثانى من الكسرة إلى غزة، فوجدت الناس يعدّون القتلى بالقصب، فقالوا: إنهم يزيدون على ثلاثين ألفا.

____________

(1) هكذا فى (ع). و المفهوم أنها جمع قس. و فى القاموس: القسّ، بالفتح: رئيس النصارى فى العلم.

كالقسيس. ج قسوس و قسيسون و قساوسة. فالجمع الوارد هنا لم يذكر، و لكن يظهر أنه جمع قياسى:

جمع قس، على وزن أفعال، و لكن أبدلت السين الأخيرة همزة لتعددها، و لسهولة الهمزة فى النطق.

(2) سبق شرح هذه الكلمة، و أنها جمع: طلب: بمعنى الكتيبة فى الجيش، و هو لفظ كردى، دخل فى المصطلحات الحربية منذ الدولة الأيوبية.

(3) معنى ذلك: يباركونهم بالصلبان، أو الإشارات بها أو نحو ذلك.

(4) ج هنّاب: و هو قدح الشراب. و توجد هذه الكلمة فى اللغة الفرنسية.

(انظر السلوك- زيادة ج 1- ص 607- حاشية 3)

(5) هذه موقعة تاريخية هامة فى الحروب الصليبية. و لم يلتفت إليها كثير من المؤرخين إلا أخيرا.

307

و بعث الخوارزمية بالأسارى و الرءوس إلى الديار المصرية. و فى جملة الأسرى الظّهير سنقر و جماعة من المسلمين. و كان يوم وصولهم إلى القاهرة يوما مشهودا. و علّقت رءوس القتلى على الأسوار، و امتلأت الحبوس بالأسرى.

و وصل صاحب حمص إلى دمشق فى نفر يسير، و نهبت خزانته و خيله و سلاحه، و قتل أكثر أصحابه. فكان يقول: و اللّه لقد علمت، حيث سقنا تحت أعلام الفرنج- أننا لا نفلح! و فى هذه السنة، توفى شيخ الشيوخ: تاج الدين أبو محمد عبد اللّه بن عمر بن على بن محمد بن حموية، بن محمد بن محمد بن أبى نصر بن أحمد، بن حموية بن على. و كانت وفاته بدمشق، فى سادس صفر.

و صلّى عليه بجامعها، و دفن بمقابر الصّوفية. و مولده يوم الأحد، رابع عشر شوال، سنة اثنتين و سبعين و خمسمائة.

و هو عمّ الأمراء: فخر الدين، و عماد الدين، و معين الدين، و كمال الدين: أولاد صدر الدين شيخ الشيوخ. و كان شيخا حسنا متواضعا، عالما فاضلا، نزها عفيفا أديبا، صحيح الاعتقاد، شريف النفس عالى الهمة، قليل الطمع، لا يلتفت إلى أحد من أبناء الدنيا، لا إلى أهله و لا إلى غيرهم، بسبب دنياهم. و صنف التاريخ و غيره- (رحمه الله تعالى).

و فيها توفى الأمير عمر: بن الملك المظفر شهاب الدين غازى، بن الملك العادل سيف الدين أبى بكر بن أيوب. و كان يلقّب: بالملك السعيد.

و كان شابا حسن الأخلاق، جميل الصورة، جوادا شجاعا.

308

و كان التّتار قد استولوا على ديار بكر، و أخذوا خلاط. فخرج الملك المظفر غازى من ميّافارقين، ليستنجد عليهم الخليفة و الملوك. و خرج معه ولده عمر هذا، و أمير حسن بن تاج الملوك أخى غازى. فوصلوا إلى الهرماس‏ (1)، لوداع الملك المظفر: فقال المظفر لولده عمر: المصلحة تقتضى أن ترجع إلى ميّافارقين، و تحفظ المسلمين من التتار، و أنا أتوجه إلى بغداد و إلى مصر أستنجد الملوك.

فقال: و اللّه لا أفارقك. و جاء حسن بن تاج الملوك و جلس إلى جنبه، و أخرج سكّينا و ضرب عمر فى خاصرته. و هرب ليرمى نفسه فى ماء العين فيغرق. فصاح الملك المظفر: امسكوه، فقد قتل عمر ولدى! و قام غازى ليقتله، فقصد حسن الملك المظفر ليقتله. فرمى عمر نفسه على أبيه، و قال لحسن: يا عدوّ اللّه، قتلتنى و تقتل والدى! فضربه حسن بالسيف، فقطع خاصرته فسقط إلى الأرض. و أمر غازى بحسن فقطّع قطعا، و حمل عمر إلى الحصن فدفن به- (رحمه الله).

ذكر وفاة الملك المظفر تقىّ الدين محمود صاحب حماه و ملك ولده المنصور

و فى هذه السنة، فى يوم السبت ثامن جمادى الأولى، توفى الملك المظفر تقى الدين محمود، بن الملك المنصور ناصر الدين أبو المعالى محمد، بن‏

____________

(1) (بكسر الهاء و آخره سين مهملة) و هو نهر نصيبين، و يسير حتى يلتقى بنهر الخابور، فهو من روافده، و يجرى.

النهر الكبير حتى يصب عند قرقيسياء.

(معجم البلدان: ج 3- 383)

309

الملك المظفر تقى الدين عمر، بن الأمير نور الدولة شاهنشاه بن أيوب- صاحب حماه.

و مولده فى يوم الثلاثاء منتصف شهر رمضان، سنة تسع و تسعين و خمسمائة. و ملك حماه فى سنة ست و عشرين و ستمائة، كما تقدم. و لما مات ملك بعده ولده الملك المنصور: ناصر الدين محمد.

و فيها كانت وفاة السلطان نور الدين أرسلان شاه، بن عماد الدين زنكى، بن نور الدين أرسلان شاه، بن عز الدين مسعود، بن قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكى‏ (1)، بن قسيم الدّولة: آق‏سنقر (2). كان والده- (رحمه الله تعالى)- لما ملك شهرزور، و حضرته الوفاة- أخذ العهود على الأمراء و الأجناد و الأعيان، فاستقرّ بها. و قاتل التتار مرارا عديدة. ثم مات- (رحمه الله تعالى). و كانت وفاته فى يوم الأحد، رابع عشر شعبان.

و فيها فى يوم الأربعاء، العشرين من ذى القعدة، كانت وفاة الشيخ شهاب الدين أبو طالب: محمد بن أبى الحسن بن على، بن على بن الفضل ابن التامغاز، المعروف بابن الخيمى. كان إماما فى اللغة، راوية للشعر و الأدب. و كان مولده فى الثامن و العشرين من شوال، سنة تسع و أربعين و خمسمائة، بالحلّة المزيديّة (3). و له نظم حسن: (رحمه الله تعالى).

____________

(1) الذى هو «الأتابك» عماد الدين صاحب الموصل، والد السلطان نور الدين.

(2) هو جد الأسرة الأتابكية.

(3) الحلّة: علم لعدة مواضع. و أشهرها حلّة بنى مزيد: مدينة كبيرة بين الكوفة و بغداد. و كان أول من عمرها و نزلها سيف الدولة صدفة بن منصور بن دبيس بن على بن مزيد، الأسدى.

(معجم البلدان: ج 2- 327) و لذا فهى تنسب إلى مزيد هذا، جدهم.

310

و استهلّت سنة ثلاث و أربعين و ستمائة:

ذكر استيلاء الملك الصالح نجم الدين أيوب على دمشق، و أخذها من عمه الملك الصالح إسماعيل. و عود الصالح إسماعيل إلى بعلبك و ما معها

لما اتّفقت الوقعة- التى ذكرناها- بين عساكر السلطان الملك الصالح نجم الدين و من انضم إليها من الخوارزمية، و بين عسكر الملك الصالح إسماعيل و الفرنج و حصلت المكاشفة- جهّز الملك الصالح نجم الدين جيشا كثيفا إلى دمشق، فى سنة اثنتين و أربعين و ستمائة، و قدّم عليه الصاحب معين الدين بن شيخ الشيوخ. و أقامه مقام نفسه، و أمره أن يجلس فى رأس السّماط على عادة الملوك، و يقف الطواشى شهاب الدين رشيد- أستاد الدار- فى خدمته، و أمير جاندار، و الحجّاب.

فسار إلى دمشق، و معه الخوارزمية، فحاصروها أشد حصار. فلما كان فى يوم الاثنين ثامن المحرم- سنة ثلاث و أربعين، بعث الملك الصالح إسماعيل إلى الأمير الصاحب- معين الدين بن الشيخ- سجّادة و إبريقا و عكّازا، و قال: اشتغالك بهذا أولى من اشتغالك بقتال الملوك! فبعث إليه الصاحب معين الدين جنكا (1) و زمرا، و غلالة حرير أصفر و أحمر، و قال: أما ما أرسلت به إلىّ فهو يصلح لى، و قد أرسلت بما يصلح لك!

____________

(1) من آلات الطرب.

(انظر السلوك- زيادة: ج 1- 275: حاشية 3)

311

ثم أصبح معين الدين و ركب فى العسكر، و زحفوا على دمشق من كل ناحية، و رميت بالمجانيق. و كان يوما عظيما.

و بعث الملك الصالح إسماعيل الزّرّاقين‏ (1)، فى يوم الثلاثاء تاسع الشهر، فأحرقوا الجوسق‏ (2) العادلى، و منه إلى زقاق الرّمّان و العقيبة بأسرها. و نهبت أموال الناس. و فعل فيها كما فعل عند حصار الملك الكامل دمشق، و أشدّ منه. و استمر الحال على ذلك. ثم خرج الملك المنصور صاحب حمص فى شهر ربيع الأول إلى الخوارزمية، و اجتمع ببركة خان‏ (3) و عاد إلى دمشق. و جرت وقائع فى خلال هذا الحصار.

ثم أرسل السامرىّ وزير الملك الصالح إلى الأمير معين الدين، يطلب منه شيئا من ملبوسه. فأرسل إليه فرجيّة و عمامة و قميصا و منديلا، فلبس ذلك و خرج إليه بعد العشاء الآخر، و تحدث معه و عاد إلى دمشق.

ثم خرج إليه مرة أخرى، فوقع الاتفاق على تسليم دمشق- على أن يكون للملك الصالح إسماعيل ما كان له أوّلا، و هو بعلبك و أعمالها و بصرى و بلادها، و السّواد. و أن يكون للملك المنصور حمص و بلادها، و تدمر و الرّحبة.

فأجاب الأمير معين الدين إلى ذلك، و تسلّم دمشق. و دخلها فى يوم الاثنين- العاشر من جمادى الأولى، سنة ثلاث و أربعين و ستمائة. و توجه الملك الصالح إلى بعلبك. و صاحب حمص إلى بلده.

____________

(1) سبق تفسيرها. و هم الدين يرمون النّفط بالزّرّاقات.

(2) الجوسق: القصر. أو نوع خاص من القصور.

(3) رئيس الخوارزمية.

312

و نزل الأمير الصاحب معين الدين- بدار أسامة، و الطواشى شهاب الدين رشيد بالقلعة. و ولّى الأمير معين الدين بن الشيخ الجمال هارون المدينة. و عزل قاضى القضاة محيى الدين، و فوّض القضاء لقاضى القضاة:

صدر الدين بن سنىّ الدولة. و وصل الأمير سيف الدين بن قليج من عجلون، منفصلا من خدمة الملك الناصر داود، و أوصى بعجلون و ما له بها من الأموال للملك الصالح، و نزل بدمشق بدار فلوس.

و جهّز الأمير- معين الدين بن الشيخ- الأمير ناصر الدين بن يغمور إلى الديار المصرية- و كان الملك الصالح إسماعيل قد اعتقله بقلعة دمشق، فى سنة إحدى و أربعين و ستمائة، لموافقته الملك الجواد، فاستمر فى الاعتقال إلى الآن- فجهّزه، و جهّز أيضا أمين الدولة السامرى إلى الديار المصرية، تحت الاحتياط. فاعتقلا مدة، ثم شنقهما الملك الصالح نجم الدين على قلعة الجبل.

و كان أمين الدولة يطبّ فى ابتداء أمره. ثم تمكن من الملك الصالح إسماعيل، و وزر له. و ارتفع محلّه عنده، بحيث إنه ما كان يخرج عن إشارته. و كان يتستّر بالإسلام و لا يتمسك بدين. و قيل إنه مات فى سنة ثمان و أربعين و ستمائة.

313

قال أبو المظفر: و ظهر له من الأموال و الجواهر و اليواقيت، و التّحف و الذخائر ما لا يوجد فى خزائن الخلفاء و السلاطين. و أقاموا ينقلونه مدة.

قال: و بلغنى أن قيمة ما ظهر له ثلاثة آلاف ألف دينار- غير الودائع التى كانت له عند ثقاته و التجار. و وجد له عشرة آلاف مجلد، من الكتب النفيسة و الخطوط المنسوبة.

و أما الخوارزمية فإنهم ما عملوا بالصلح إلا بعد وقوعه. فرحلوا إلى داريّا (1)، فنهبوها. و قيل إن معين الدين منعهم من الدخول إلى دمشق، و أقطعهم أكثر بلاد الشام و السواحل بمناشيره. و دبّر الأمر أحسن تدبير.

قال: و لما بلغ السلطان خروج عمه الملك الصالح إلى بعلبك، كتب بالإنكار على الطّواشى شهاب الدين رشيد و الأمراء، لكونهم‏ (2) مكنوه من المسير إلى بعلبك. و قال إن الأمير معين الدين حلف، و أنتم ما حلفتم. فلم يفد إنكاره شيئا، بل أثّر ما نذكره- إن شاء اللّه تعالى.

____________

(1) قرية كبيرة مشهورة من قرى دمشق، بالغوطة.

(معجم البلدان: ج 4- 24)

(2)- فى (ع) «كونهم».

314

ذكر وفاة الأمير الصاحب معين الدين‏

و فى ليلة الأحد- ثانى عشر شهر رمضان، من السنة- كانت وفاة الأمير الصاحب معين الدين الحسين، بن شيخ الشيوخ صدر الدين محمد، ابن عمر بن حموية- بدمشق، و هو يومئذ نائب السلطنة بها.

و مات و له ست و خمسون سنة. و دفن إلى جانب أخيه عماد الدين.

و كان جوادا كريما ديّنا صالحا- (رحمه الله تعالى). و لما مات، كتب السلطان إلى الطّواشى شهاب الدين رشيد أن يتولى نيابة السلطنة، بدمشق.

ذكر محاصرة الملك الصالح إسماعيل صاحب بعلبك دمشق، و ما حصل بها من الغلاء بسبب الحصار

قال المؤرخ: لمّا بلغ الملك الصالح عماد الدين- صاحب بعلبك- إنكار الملك الصالح نجم الدين أيوب- ابن أخيه- على الأمراء، لكونهم‏ (1) مكّنوه من التوجه إلى بعلبك- خاف على نفسه، و علم سوء رأى السلطان فيه، و أنه متى ظفر به لا يبقى عليه، فكاتب الأمير عزّ الدين أيبك‏

____________

(1) فى (ع) «كونهم».

315

المعظّمى صاحب صرخد و أكابر الخوارزمية، و اتفقوا و نازلوا دمشق، فى ثالث عشرين ذى القعدة، من السنة. و حاصروها، و نهبوا بلادها و عاثوا فيها، و قطعوا الميرة (1) عنها.

فغلت الأسعار، و عدمت الأقوات. و بلغ سعر القمح- عن كل غرارة- ألف درهم و ثمانمائة درهم ناصرية. فمات أكثر أهل البلد جوعا و استمر ذلك مدة ثلاثة شهور.

و فى هذه السنة، وصل رسول الخليفة المستعصم باللّه‏ (2)- و هو الشيخ جمال الدين‏ (3) عبد الرحمن، بن الشيخ محيى الدين يوسف بن الجوزى- إلى السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب، بالخلع و التقليد.

و كانت خلعة السلطان عمامة سوداء، و فرجيّة مذهّبة، و ثوبين مذهّبة، و سيفين محلّاة، و قلمين، و طوق ذهب، و حصان بسرج و لجام و عدة خلع لأصحاب السلطان. و قرأ الشيخ جمال الدين- رسول الخليفة- التقليد على منبر و السلطان قائم على قدميه، و قد لبس خلعة الخليفة، حتى انتهت قراءة التقليد.

____________

(1) الأقوات و المئونة.

(2) هو آخر الخلفاء العباسيين ببغداد (640- 656 ه).

(3) حفيد أبى الفرج بن الجوزى، الإمام المشهور الذى مرت ترجمته. و قد خلف والده الشيخ محيى الدين فى وظيفته، فقد سبق أن وفد محيى الدين من قبل الخليفة المستنصر، رسولا بالتقليد و الولاية إلى السلطان الملك الكامل. (كما مرّ فى أحداث سنة 630).

316

و كان من جملة الخلع الواصلة من الخليفة خلعة سوداء للوزير معين الدين- و كان قد توفى- فرسم السلطان أن يلبسها أخاه الأمير فخر الدين بن الشيخ، فلبسها- و كان السلطان قد أفرج عنه من الاعتقال فى هذه السنة، بعد أن لاقى شدائد كثيرة- و كان له فى الاعتقال ثلاث سنين.

و فى هذه السنة، بعث الملك الصالح نجم الدين الأمير حسام الدين بن بهرام الى حصن كيفا، لإحضار ولده الملك المعظم تورانشاه الى الديار المصرية. و كتب إليه: الولد يقدّم خيرة اللّه، و يصل الى بالس‏ (1)، و يعدّى عندها، فقد اتفقنا مع الحلبيّين، و ذكروا أنهم يجرّدون ألف فارس فى خدمتك. و اعبر ببلد ماردين ليلا، فما نحن متفقين. فلما قرأ الكتاب كره ذلك، و ما كان يؤثر الخروج من الحصن. و قال لابن بهرام: يكون الانسان مالك رأسه يصبح مملوكا محكوما عليه! و لم يجبه.

و لما اتصل خبر طلبه بالملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ- صاحب الموصل أرسل إليه المماليك و الخيل و الخيام. و كذلك فعل شهاب الدين غازى. قال أبو المظفّر: حكى لى الأمير حسام الدين بن أبى على أن الملك الصالح كان يكره مجى‏ء ابنه المعظم اليه. و كنا إذا قلنا له: أحضره، ينفض يديه و يغضب، و يقول: أجيبه أقتله؟! و كأنّ القضاء موكّل بالمنطق!

____________

(1) بلدة بالشام، بين حلب و الرقة.

و كانت على ضفة الفرات، فلم يزل الفرات يشرق عنها قليلا قليلا، حتى صار بينها فى أيامنا هذه (أى القرن السابع) أربعة أميال.

(ياقوت: ج 2- 46).

317

و فيها وصلت الكرجيّة بنت إيوانى ملك الكرج‏ (1). و هى التى كانت زوجة الملك الأوحد بن الملك العادل، و تزوجها بعده أخوه الملك الأشرف موسى. ثم أخذها جلال الدين خوارزم شاه، عند ما استولى على خلاط.

فوصلت الآن الى خلاط، و معها فرمان القان- ملك التّتار- بخلاط و أعمالها.

فراسلت الملك المظفر شهاب الدين غازى بن الملك العادل تقول: أنا كنت زوجة أخيك، و القان قد أقطعنى خلاط، فان تزوجت بى فالبلاد لك. فما أجابها إلى ذلك. فأقامت بخلاط. و كانت غارات عساكرها تصل الى ميّافارقين.

و فى هذه السنة، توفى فلك الدين المسيرى، وزير العادل و ابنه الكامل. و كانت وفاته فى يوم الجمعة تاسع شهر رجب. و كان عالى المنزلة فى الدولة الأيوبية.

و فيها توفيت ربيعة خاتون بنت أيوب، أخت الملك الناصر و الملك العادل، و أخت ست الشام. و كانت وفاتها بدمشق بدار العقيقى- و قد قاربت ثمانين سنة.

____________

(1) سبق ذكرهم، و هم- كما عرّفهم ياقوت- «جيل من النصارى كانوا يسكنون فى جبال القبق (القوقاز) فقويت شوكتهم، و لهم ولاية تنسب اليهم. (ولاية الكرج أو جورجيا).

(معجم البلدان: 7- 230- 231)

318

و كانت زوجة سعد الدين مسعود، بن معين الدين أتسز، ثم مات عنها. فزوجها الملك الناصر- أخوها- من مظفر الدين بن زين الدين- صاحب إربل- فأقامت بإربل. ثم قدمت دمشق فأقامت بها، و خدمتها أمة اللطيف العالمة- بنت الناصح بن الحنبلى- و حصل لها من جهتها الأموال الكثيرة.

فلما ماتت ربيعة خاتون، لقيت أمة اللطيف شدائد كثيرة، و صودرت و طولبت بالأموال، و اعتقلت بقلعة دمشق ثلاث سنين. ثم أطلقت من الحبس و تزوجت بالملك الأشرف- ابن صاحب حمص- و توجه بها إلى الرّحبة. فتوفيت فى سنة ثلاث و خمسين و ستمائة. و ظهر لها من الأموال و الذخائر ما قيمته ستمائة ألف درهم- غير الأملاك و الأوقاف.

و فيها كانت وفاة الشيخ الإمام: تقىّ الدين أبو عمرو عثمان، بن عبد الرحمن بن عثمان، بن الصّلاح- المحدّث‏ (1) المفتى المشهور. و كانت وفاته بدمشق فى ليلة الأربعاء، الخامس و العشرين من شهر ربيع الآخر.

و مولده فى سنة سبع و سبعين و خمسمائة، بشهرزور.

و فيها فى ثانى عشر المحرّم، توفى بالقاهرة الأمير شجاع الدين بن أبى زكرى. كان من أعيان الأمراء.

و فيها توفى القاضى الأشرف: بهاء الدين أبو العباس أحمد، بن القاضى الفاضل: محيى الدين عبد الرحيم البيسانى، فى سابع جمادى الآخرة بمصر. و مولده فى المحرم سنة ثلاث و سبعين و خمسمائة. و كان الملك الكامل‏

____________

(1) سبقت ترجمة له.

319

قد عرض عليه الوزارة فأباها، و توفر على التّرسّليّة إلى الدّيوان العزيز، و المشورة. و كان صالحا نزها عفيفا، سمع الحديث و أسمعه.

و فيها كانت وفاة الشيخ الإمام، المقرئ المفتى: علم الدين أبى الحسن على بن محمد بن عبد الصمد، المصرى السّخاوى‏ (1). قرأ القرآن على الشاطبى، و شرح قصيدته. و كانت وفاته بدمشق، فى ليلة الأحد ثامن عشر جمادى الآخرة، و دفن بقاسيون. سمع الحافظ السّلفى و أبا القاسم البوصيرى، و غيرهما.

و استهلّت سنة أربع و أربعين و ستمائة:

ذكر وقعة الخوارزمية و قتل مقدمهم و استيلاء الملك الصالح على بعلبك و أعمالها، و صرخد

و فى سنة أربع و أربعين، كانت الوقعة بين الخوارزمية- و من انضم إليهم- و بين العساكر الحلبية و الشامية و الحمصية.

و ذلك أن السلطان الملك الصالح نجم الدين كان قد استمال الملك المنصور- صاحب حمص- إليه. فوافقه و مال إليه، و انحرف عن الملك الصالح إسماعيل. ثم كتب إلى الحلبيين يقول: إن هؤلاء الخوارزمية قد كثر فسادهم، و أخربوا البلاد، و المصلحة أن نتفق عليهم، فأجابوه.

____________

(1) كان فقيها مفتيا، إماما فى القراءات، و التفسير و النحو و اللغة. لازم الشاطبى. ثم سكن دمشق و تصدر للإقراء و انتفع به الناس. و له مصنفات كثيرة، منها التفسير و شرح المفصل و شرح الشاطبية. مات سنة 643 ه.

(السيوطى: حسن المحاضرة: ج 1- 173)

320

و خرج الأتابك شمس الدين لؤلؤ بالعساكر الحلبية. و جمع صاحب حمص أصحابه، و من انضم إليه من العربان و التّركمان. و خرج إليهم عسكر دمشق. و اجتمعت هذه العساكر كلها على حمص.

و اتفق الملك الصالح إسماعيل و الخوارزمية، و الملك الناصر داود صاحب الكرك، و عز الدين أيبك المعظّمى صاحب صرخد، و اجتمعوا على مرج الصّفّر (1) و لم ينزل الملك الناصر من الكرك، بل سيّر عسكره و أقام.

و بلغهم أن صاحب حمص يريد قصدهم. فقال بركة خان: إن دمشق لا تفوتنا، المصلحة أن نتوجه إلى هذا الجيش و نبدأ بهم. فساروا و التقوا على بحرة حمص، فى يوم الجمعة- سابع أو ثامن المحرم- من هذه السنة. و كانت الدائرة على الخوارزمية. و قتل مقدمهم بركة خان فى المعركة.

و هرب الملك الصالح إسماعيل، و عز الدين أيبك المعظمى، و من سلم من العسكر، كلّ منهم على فرس و نهبت أموالهم. و وصلوا إلى حوران.

و توجه صاحب حمص و العسكر الحلبى إلى بعلبك، و استولى على الرّبض‏ (2)، و سلّمه للأمير ناصر الدين القيمرى، و جمال الدين هارون. و عاد إلى حمص، و ودع الحلبيين. و توجهوا إلى حلب. و جاء الملك المنصور إلى دمشق، خدمة للملك الصالح، فنزل ببستان أسامة.

____________

(1) بقرب دمشق.

(2) ربض المدينة: ما أمام سورها من الدور و الحظائر و بعض القرية، مما هو مقدم للمدينة.

321

و مضت طائفة من الخوارزمية إلى البلقاء (1)، فنزل إليهم الملك الناصر صاحب الكرك و صاهرهم و استخدمهم، و أسكن عيالهم بالصّلت‏ (2).

و فعل الأمير عز الدين المعظمى كذلك. و ساروا فنزلوا نابلس، و استولوا عليها. و عاثوا فى الساحل.

فندب السلطان الملك الصالح نجم الدين الأمير فخر الدين بن الشيخ بالعساكر إلى الشام. فلما وصل إلى غزّة، عاد من كان بنابلس من الخوارزمية إلى الصّلت. فتوجه إليهم، و قاتلهم على حسبان‏ (3) و كسرهم، و بدّد شملهم.

و كان الملك الناصر معهم، فسار إلى الكرك و تحصّن بها. و تبعه الخوارزمية، فلم يمكّنهم من دخول الكرك. و أحرق ابن الشيخ الصّلت. و كان الأمير عز الدين أيبك المعظمى مع الناصر، فعاد إلى صرخد و تحيّز بها.

و كانت كسرة الخوارزمية هذه فى سابع عشر شهر ربيع الآخر.

و نزل الأمير فخر الدين بن الشيخ على الكرك، فى الوادى. و كتب إلى الملك الناصر يطلب من عنده من الخوارزمية.

و كان عنده صبى مستحسن من الخوارزمية، اسمه طاش بورك بزخان، فطلبه ابن الشيخ، فقال الناصر: هذا طيّب الصوت، و قد أخذته ليقرأ عندى القرآن. فكتب إليه ابن الشيخ كتابا غليظا، و ذكره غدره بأيمانه‏

____________

(1) كورة شرقى أريحا (شرقى الأردن) على مرحلة منها. مدينتها حسبان.

(صبح الأعشى: ج 4- 106).

(2) مدينة بين البلقاء و عجلون. على مسافة يوم من عجلون (بالأردن).

(3) حسبان (و هكذا ضبطها القلقشندى، بضم أولها فسكون) هى مدينة البلقاء.

(صبح الأعشى: ج 4- 106)

322

و خبثه، و قال: لا بدّ من الصبى، و أنا أبعث إليك عوضه أعمى يقرأ أطيب منه. فبعثه إليه. و تسلم أعيان الخوارزمية. و رحل عن الكرك. و أحسن الأمير فخر الدين إلى الخوارزمية و خلع عليهم. و استصحبهم معه.

ذكر استيلاء جيش السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب على بعلبك، و خروج الملك الصالح إسماعيل عنها

و فى هذه السنة- أيضا- توجه الأمير حسام الدين بن [أبى‏] على من دمشق إلى بعلبك، و تسلم قلعتها- باتفاق من السّامانى، مملوك الملك الصالح إسماعيل، و كان حاكما عليها. و بعث أولاد الصالح إسماعيل و عياله إلى مصر و تسلم نوّاب الملك الصالح نجم الدين بصرى- و كان بها الشهاب غازى واليا، فأعطى حرستا (1) القنطرة و فيها، فى شهر ربيع الآخر، توجه الملك الصالح إسماعيل فى طائفة من الخوارزمية، هاربين إلى حلب. و لم يبق للصالح إسماعيل بالشام مكان يأوى إليه. فتلقّاهم الملك الناصر يوسف- صاحب حلب- و أنزل الصالح إسماعيل فى دار جمال الدولة الخادم. و قبض على كشلوخان و الخوارزمية، و ملأ بهم الحبوس.

____________

(1) حرستا: قرية كبيرة عامرة فى وسط بساتين دمشق على طريق حمص. و حرستا القنطرة: من قرى دمشق أيضا، بالغوطة فى شرقيها.

(معجم البلدان: ج 3- 251)

323

ذكر وفاة الملك المنصور صاحب حمص، و قيام ولده الملك الأشرف‏

و فى هذه السنة- فى العاشر من صفر- و قيل فى يوم الأحد حادى عشرة- كانت وفاة الملك المنصور إبراهيم، بن الملك المجاهد أسد الدين شيركوه، بن ناصر الدين محمد بن شيركوه بن شادى، ببستان الملك الأشرف بالنّيرب، بظاهر دمشق و كانت مدة ملكه حمص ست سنين، و سبعة أشهر. و كان شجاعا مقداما. و ملك بعده ولده الملك الأشرف: مظفر الدين موسى.

و فيها بعث السلطان الملك الصالح نجم الدين الصاحب جمال الدين يحيى بن مطروح إلى دمشق، وزيرا. و أنعم عليه بإقطاع، و عدّة سبعين فارسا، فوصل إلى دمشق و باشر ما رسم له به. ثم كان من أمره و عوده ما نذكره- إن شاء اللّه تعالى.

ذكر توجه السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب إلى الشام، و ما استولى عليه فى هذه السفرة، و ما قرره، و عوده‏

فى هذه السنة، توجه السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب من الديار المصرية إلى الشام.

فوصل إلى دمشق فى تاسع عشر ذى القعدة، و أحسن إلى أهلها و فرح الناس به و زيّنت البلد لمقدمه، و كان يوما مشهودا. و أقام خمسة عشر يوما و توجه إلى بعلبك و كشفها

324

ثم رجع، و توجه نحو صرخد. و سعى الأمير ناصر الدين القيمرى و الصاحب جمال الدين بن مطروح، فى الصلح بين السلطان و الأمير عز الدين أيبك المعظمى صاحب صرخد. و توجه السلطان من دمشق إلى بصرى.

و نزل إليه الأمير عز الدين أيبك. و تسلّم صرخد، و صعد إليها- و ذلك فى ذى الحجة منها. و قدم عز الدين أيبك إلى دمشق، و نزل بالنّيرب‏ (1) و كتب له منشور بقرقيسيا (2) و المجدل‏ (3) و ضياع فى الخابور، فلم يحصل له منها شي‏ء. ثم كان من خبره ما نذكره- إن شاء اللّه تعالى- فى سنة خمس و أربعين و ستمائة.

و لما تسلم الملك الصالح صرخد، عاد إلى الديار المصرية و دخل إلى القدس. و تصدق فيه بألفى دينار عينا. و أمر بعمارة سور القدس فذرع، فكان ستة آلاف ذراع بالهاشمى‏ (4)، فرسم أن يصرف مغلّ بلاد القدس عليه، و إن احتاج إلى زيادة جهّزت من الديار المصرية. قال أبو المظفّر:

و كنت لما أطلقه الملك الناصر من اعتقاله، و جاء إلى القدس، أخذت يده على ذلك.

____________

(1) سبق ذكرها غير مرة: قرية مشهورة على نصف فرسخ من دمشق، فى وسط البساتين.

(2) سبق التعريف بها. و هى مدينة مشهورة على أعالى الفرات عند مصب نهر الخابور.

(3) بلدة قريبة من قرقيسياء فى وادى نهر الخابور. مرّ ذكرها.

(4) فى النسختين: القاسمى. و لا يوجد ذراع بهذا الاسم. و صوابه- كما نرى- بالهاشمى. و الذّراع الهاشمى كان هو الذراع الرسمى الذى كان يقاس به أرض السّواد فى العراق، ثم صار يقاس به أرض السّواد فى العراق، ثم صار يقاس به أرض البنيان من الدور و غيرها.

(انظر القلقشندى: صبح الأعشى: ج 3- 446- 47) و لمعرفة هذا الذراع، و الأذرع الأخرى، راجع:

الريس: (الخراج و النظم المالية للدولة الإسلامية) (باب: المقاييس و النقود الإسلامية).

325

و فى هذه السنة، تسلم السلطان- أيضا- حصن الصّبيبة (1) من الملك السعيد: مجد الدين حسن، بن الملك العزيز، بن الملك العادل سيف الدين أبى بكر، فى سابع عشرين ذى الحجة. و تسلم الصّلت من ابن عمه الملك الناصر داود.

و فيها قبض الملك الناصر داود على عماد الدين، بن الأمير عز الدين بن موسك فى الكرك، و احتاط على موجوده. ثم شفع فيه الأمير فخر الدين بن الشيخ فأفرج عنه. و خرج من الاعتقال، و فى حلقه خرّاج كبير فبطّ، وحشى من الدواء الحارق، فمات بالكرك. و دفن بمشهد جعفر الطّيّار.

و كان- (رحمه الله تعالى)- من الأجواد.

و فيها توفى الأمير ركن الدين الهيجاوى، فى معتقله بالديار المصرية.

و كان سبب اعتقاله أنه فارق خدمة السلطان الملك الصالح، و التحق بدمشق. و كان قدومه على العساكر، فقبض عليه، و اعتقله. فمات فى اعتقاله- (رحمه الله تعالى). و كان خيّرا جوادا، عفيفا نزها، كثير الإحسان إلى جيرانه، يبرّ غنيّهم و فقيرهم.

و استهلّت سنة خمس و أربعين و ستمائة:

فى هذه السنة، جهز السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب جيشا، و قدم عليه الأمير فخر الدين بن الشيخ، و بعثه إلى بلاد الفرنج.

____________

(1) سبق ذكرها. و هى قلعة منيعة بحصن بانياس بالقرب من دمشق.

326

ففتح عسقلان- فى ثامن عشرين جمادى الآخرة- و أخربها. و رحل عنها إلى طبريّة، ففعل بها كذلك. ثم كتب إليه أن يتوجه إلى دمشق، و يقيم بها بمن معه من العساكر، لأمر بلغه عن الملك الناصر- صاحب حلب.

و فيها تسلم نوّاب السلطان الملك الصالح نجم الدين قلعة شميمس‏ (1)، من الملك الأشرف صاحب حمص. فأمر السلطان بتحصينها، و بعث إليها الخزائن.

و فيها جهز السلطان تاج الدين بن مهاجر، و المبارز نسيبه، إلى دمشق، و معهما تذكرة فيها أسماء جماعة من الدماشقة، رسم بانتقالهم إلى الديار المصرية، و هم: القاضى محيى الدين بن الزّكى، و ابن الحصيرى، و ابن العماد الكاتب، و بنو صصرى الأربعة، و شرف الدين بن العميد، و ابن الخطيب العقربانى، و التاج الإسكندرانى- الملقب بالشّحرور، و أبو الشامات، مملوك الملك الصالح إسماعيل، و غازى- و الى بصرى- و الحكيمى، و ابن الهادى المحتسب.

فتوجهوا إلى الديار المصرية، و أمروا بالمقام بها، و لم يحجر عليهم، و خلع على بعضهم. و أقاموا بالديار المصرية، إلى أن توفى الملك الصالح أيوب، فعادوا إلى دمشق. و كان سبب طلبهم أن السلطان بلغه أنهم خواصّ الملك الصالح إسماعيل.

و فيها فى شهر ربيع، فوّضت الخطابة بدمشق للقاضى عماد الدين بن الحرستانى، و رسم بإخراج العماد خطيب بيت الآبار (2)، الخطيب بالجامع، إلى بيت الآبار.

____________

(1) مر ذكرها. و هى فى سلمية، من أعمال حمص.

(2) (ج بئر): قرية يضاف إليها كورة، من غوطة دمشق، فيها عدة قرى.

(معجم البلدان: ج 2- 319)

327

ذكر القبض على الأمير عز الدين أيبك المعظمى، و وفاته‏

و فى هذه السنة- فى ثالث عشر ذى القعدة- اعتقل الأمير عز الدين أيبك المعظّمى صاحب صرخد- كان- فى دار فرّخشاه. و ذلك بترتيب الصاحب جمال الدين بن مطروح و غيره. و وضعوا مترجما أنه جاءه من حلب، من جهة الملك الصالح إسماعيل. و كتبوا بذلك إلى السلطان الملك الصالح. [فأمر] أن يحمل إلى القاهرة تحت الاحتياط. فحمل و اعتقل فى دار صواب. و رافعه ولده إبراهيم، و قال للسلطان: إن أموال أبى قد بعث بها إلى الحلبيين و أنه لما خرج من صرخد كانت أمواله فى ثمانين خرجا، أودعها عند ابن الجوزى.

و لما وصل إلى الديار المصرية مرض، و لم يسمع منه كلمة حتى مات.

و دفن بمقابر باب النصر، ثم نقل إلى دمشق، و دفن بتربته. و كان خيّرا ديّنا، كثير الصدقة و الإحسان إلى خلق اللّه تعالى. اشتراه الملك المعظم، فى سنة سبع و ستمائة، لما كان على الطّور، و جعله أستاد داره، و أعطاه صرخد.

و كان عنده فى منزلة الولد. (رحمهم الله تعالى).

و طلب جماعة اتهموا بأمواله، بسعاية ولده إبراهيم، و هم: البرهان كاتبه، و ابن الموصلى صاحب ديوانه، و البدر الخادم، و سرور، و غيرهم، و حملوا إلى الديار المصرية. فمات البرهان بظاهر دمشق، عند مسجد النّارنج، لما ناله من الفزع. و أما بقيّتهم فإنهم عوقبوا على أمواله، فلم يظهر عندهم الدّرهم الواحد.

328

و فيها كانت وفاة الشيخ الصالح المحقّق على الحريرى، المقيم بقرية بشر، المجاورة لزرع‏ (1) من بلاد حوران. و بهذه القرية قبر اليسع- (عليه السلام). و هذا الشيخ هو شيخ طائفة الحريريّة.

و استهلّت سنة ست و أربعين و ستمائة:

فى هذه السنة، استولى الملك الناصر- صاحب حلب- حمص، و انتزعها من الملك الأشرف موسى صاحبها، و عوّضه عنها تلّ باشر.

ذكر توجه السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب من الديار المصرية إلى دمشق، و ما اعتمده‏

فى هذه السنة، توجه السلطان من الديار المصرية إلى دمشق، و عزل الطواشى شهاب الدين رشيد الدين عن النيابة، و الصاحب جمال الدين بن مطروح عن الوزارة. و فوّض نيابة السلطنة بدمشق إلى الأمير جمال الدين موسى بن يغمور.

و جهّز العساكر مع الأمير فخر الدين بن الشيخ إلى حمص. و سخّر الفلاحين لحمل المجانيق إلى حمص، فنالهم لذلك مشقة عظيمة، و كان يغرم على العود الذى يساوى درهما ألف درهم، فخرب الشام لذلك و نصب المجانيق على حمص. و كان الشيخ نجم الدين البادرائى بالشام، فدخل بين الطائفتين، و ردّ الحلبيين إلى حلب، و العسكر الصالحى إلى دمشق.

____________

(1) هكذا ضبطها القلقشندى. و قد مرّ ذكرها.

329

و فيها احترق المشهد الحسينى بالقاهرة. و ذكر من تتّبع التواريخ أنه ما احترق مكان شريف إلا و أعقبه غلاء، أو جلاء من العدو. و كان كذلك: أخذت دمياط، على ما نذكره.

ذكر وفاة الملك المظفر شهاب الدين غازى و قيام ولده الملك الكامل‏

فى هذه السنة، توفى الملك المظفر شهاب الدين غازى، بن الملك العادل سيف الدين أبى بكر محمد بن أيوب- صاحب ميّافارقين. و قام بأمر مملكته بعده ولده الملك الكامل، ناصر الدين محمد.

و فيها، توفى الملك العادل: سيف الدين أبو بكر، بن الملك الكامل، بن الملك العادل- أخو السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب.

و كان السلطان قد رسم أن يتوجه إلى الشّوبك، بنسائه و ولده و عياله، فى خامس شوال، على ما حكاه سعد الدين مسعود بن شيخ الشيوخ تاج الدين. و بعث إليه الطواشى محسن الخادم، فأخبره بما رسم به السلطان من توجهه. فامتنع، و قال: إن أراد قتلى فى الشّوبك فههنا أولى، و لا أتوجه أبدا. فعذله محسن الخادم، فرماه بدواة كانت عنده.

فعاد إلى السلطان و أخبره. فقال له: دبّر أمره. فأخذ ثلاثة مماليك- و قيل أربعة- و دخلوا عليه، فى ليلة الاثنين ثانى عشر شوال، فخنقوه بشاش علمه- و قيل بوتر- و علّقوه بعمامته، و أظهروا أنه شنق نفسه. و خرجت جنازته كجنازة الغرباء، و دفن بتربة شمس الدولة. و لم يتمتع الملك الصالح بعده بالدنيا، فإنه مات بعد ذلك بعشرة أشهر.

330

و فيها، فى خامس شهر رمضان، كانت وفاة قاضى القضاة: أفضل الدين أبو عبد اللّه محمد بن ناماور بن عبد الملك، ابن زنجلين، الخونجى‏ (1)- قاضى مصر و الوجه القبلى. و دفن بالقرافة، بالقرب من تربة الإمام الشافعى. و مولده فى جمادى الأولى، سنة تسعين و خمسمائة. و كان قد تفرّد فى زمانه بعلم المنطق، حكيما أصوليا، فاضلا، مشاركا فيما عدا ذلك‏ (2) و لما مات- (رحمه الله تعالى)- أقرّ نائبه- القاضى جمال الدين يحيى- على القضاء، إلى جمادى الأولى سنة سبع و أربعين ثم فوّض القضاء بمصر و الوجه القبلى للقاضى عماد الدين أبى القاسم إبراهيم. بن هبة اللّه بن إسماعيل ابن نبهان، بن محمد الحموى المعروف بابن المقنشع‏ (3)- فى جمادى الأولى سنة سبع و أربعين.

و فيها كانت وفاة الشيخ الإمام العلّامة: جمال الدين أبو عمرو عثمان، ابن عمر بن أبى بكر بن يونس، الدّوينى‏ (4) ثم المصرى، الفقيه المالكى- المعروف بابن الحاجب.

____________

(1) تقدم ضبطها، و أنها نسبة إلى «خونج» بلد من أعمال أذربيجان.

(2) قال السيوطى عنه: «أفضل الدين الخونجى ... الفيلسوف .. برع فى علوم الأوائل، حتى صار أوحد وقته فيها، و صنف الموجز فى المنطق، و كشف الأسرار فى الطبيعى، و شرح مقالة ابن سينا، و غير ذلك. ولى قضاء الديار المصرية بعد الشيخ عز الدين بن عبد السلام.

(حسن المحاضرة: ج 2- 233)

(3) فى القاموس: «الرجل المقنشع لحمه كبرا»: أى المتيبس، كجلد القربة اليابسة.

(4) نسبة إلى «دوين» (ضبطها ياقوت بفتح أوله و كسر ثانيه»، و ضبطها غيره بضم الأول و فتح الثانى. و هى «بلدة من نواحى أرّان فى آخر حدود أذربيجان، بقرب من تفليس. منها ملوك الشام بنو أيوب».

(ياقوت: ج 4- 112)

331

كان والده حاجب الأمير عز الدين موسك الصّلاحى- متولّى الأعمال القوصية- و مولده بإسنا- مدينة مشهورة من عمل قوص- فى سنة سبعين و خمسمائة. و انتقل إلى القاهرة فى صغره، فقرأ القرآن، و اشتغل بالعلم على مذهب الإمام مالك، فتفقه. و اشتغل بالعربية، فبرع و أكبّ على الاشتغال حتى صار يشار إليه. انتقل إلى دمشق، و درس بجامعها. و كان من أحدّ الناس ذهنا. و غلب عليه علم العربية. و قيل أنه قدم إلى دمشق مرارا، آخرها سنة سبع عشرة و ستمائة. و صحب شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام، و اختص به و لازمه.

و خرج معه من دمشق، فى سنة ثمان و ثلاثين و ستمائة، و قدم إلى الديار المصرية. و أقام بالقاهرة و اشتغل الناس عليه. و له مصنّف فى مذهب الإمام مالك- هو من أجود مختصرات المالكية، ما حفظه طالب منهم إلا و أشير إليه بالفقه. ثم انتقل إلى ثغر الإسكندرية للإقامة به، فلم تطل مدة إقامته بالثغر. و كانت وفاته فى ضحى يوم الخميس، سادس عشر شوال، و دفن بخارج باب البحر- (رحمه الله تعالى).

و فيها، فى شهر رمضان، توفى الوزير: أبو الحسن على بن يوسف بن إبراهيم، بن عبد الواحد بن موسى بن أحمد بن محمد إسحاق، القفطى- المعروف بالقاضى الأكرم، وزير حلب.

كان جمّ الفضائل ذا فنون، مشاركا لأرباب كل علم فى علومهم: من القراءات، و الحديث و الفقه، و النحو و اللغة، و الأصول و المنطق، و النجوم‏

332

و الهندسة، و التاريخ، و الجرح و التّعديل‏ (1)- يتكلم فى كل علم مع أربابه أحسن كلام. و له شعر حسن.

و صنف كتبا كثيرة، منها: كتاب الضاد و الظاء، و هو ما اشتبه فى اللفظ و اختلف فى الخط، و كتاب الدّرّ الثّمين فى أخبار المتيّمين. و كتاب من ألوت الأيام عليه فرفعته، ثم ألوت عليه فوضعته. و كتاب أخبار المصنّفين، و ما صنّفوه. و كتاب أخبار النّحويّين. و كتاب تاريخ مصر، من ابتدائها إلى حين ملكها الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب- فى ستّ مجلدات. و كتاب تاريخ الألموت‏ (2)، و من تولّاها. و كتاب تاريخ اليمن، منذ اختطّت إلى زمانه. و كتاب الحلى و الشيات. و كتاب الإصلاح لما وقع من الخلل فى كتاب الصّحاح‏ (3). و كتاب الكلام على الموطّأ (4) و كتاب الكلام على صحيح البخارى. و كتاب تاريخ محمود بن سبكتكين و بنيه، إلى حين انقراض دولتهم، و كتاب تاريخ السّلجقيّة، من ابتداء أمرهم إلى انتهائه. و كتاب الإيناس فى أخبار آل مرداس. و كتاب الرد على النصارى. و غير ذلك.

____________

(1) معنى ذلك فى مصطلح الحديث العلم بأحوال الرجال رواة الحديث، من حيث الثقة بهم و الاعتماد عليهم فى الرواية و استيفاء الشروط، و غير ذلك. فالجرح الحكم بعدم عدالتهم، و التعديل الحكم بها لهم.

(2) قلعة «الموت» قلعة شهيرة بجبال أذربيجان بالقرب من بحر قزوين، نالت شهرتها لأنها هى التى اعتصم بها «الحسن بن الصباح» زعيم طائفة الباطنية أو «الحشيشية، الذين كان لهم دور كبير فى الأحداث، و كان سلاحهم «الاغتيال».

(3) أى كتاب «الصّحاح» للجوهرى. و هو معجم لغوى كبير.

(4) و هو تأليف الإمام «مالك» أقدم كتاب فى الحديث و الفقه.

333

و كان- (رحمه الله)- سخىّ الكفّ، طلق الوجه. و كان محبا للكتب، جمّاعا لها، جمع منها ما لم يجمعه أحد من أمثاله. و اشتهر بالرغبة فيها، و المغالاة فى أثمانها، فقصده الناس بها من الآفاق. فاجتمع له منها ألوف كثيرة، بالخطوط المنسوبة، و خطوط المشايخ و المصنّفين. و لم يقع له كتاب مليح فردّه، بل يبالغ فى إرضاء صاحبه بالثّمن. فإذا ملكه استوعب قراءته، ثم جعله فى خزائنه، ثم يشحّ فى إخراجه، فلا يكاد يظهر عليه أحدا، صيانة له و ضنّا به!.

قال الحافظ محبّ الدين بن النجار: كنّا عنده ليلة، فى شهر رمضان، فجرى بحث أفضى إلى اعتبار كلمة و كشفها من كتاب الصّحاح.

فقال لبعض مماليكه: اذهب إلى المؤيّد- يعنى أخاه- و أحضر من عنده نسخة من الصّحاح. قال: فقلت له: و المولى ما عنده نسخة من الصّحاح؟! فقال: و حياتك- يا محبّ- عندى خمس نسخ، و ما يطيب على قلبى أن أخرج منها نسخة- لا سيما بالليل، و نحتاج إلى إدخال الضوء. و له فى شغفه بالكتب حكايات كثيرة، أضربنا عن ذكرها. و أوصى بكتبه بعد وفاته للملك الناصر: صلاح الدين يوسف، بن الملك العزيز، صاحب حلب. و كانت تساوى خمسين ألف دينار. و دفن بحلب- (رحمه الله تعالى).

و فيها توفى عماد الدين، بن سديد الدين، محمد بن سليم بن حنّا- و هو أخو الصاحب بهاء الدين.

334

و استهلّت سنة سبع و أربعين و ستمائة:

و السلطان الملك الصالح نجم الدين بدمشق، و هو مريض. فعاد إلى الديار المصرية فى محفّة (1)، لشدة ما ناله من المرض. و كان خروجه من دمشق فى يوم الاثنين، رابع المحرم، و نادى فى الناس: من كان له علينا أو عندنا شي‏ء، فليحضر لقبضه. فطلع الناس إلى القلعة، و أخذوا ما كان لهم.

و فى هذه السنة؛ رسم السلطان لنائبه بدمشق- الأمير جمال الدين بن يغمور- بهدم دار أسامة، و قطع أشجار بستان القصر بالقابون، و هدم القصر. فتوقف عن ذلك مدة، ثم ترادفت عليه الكتب بذلك، ففعل.

ذكر استيلاء الفرنج على ثغر دمياط

و فى سنة سبع و أربعين و ستمائة، وصل ريد افرنس‏ (2) بعساكره و جموعه إلى ثغر دمياط.

و خرج السلطان الملك الصالح بعساكره إلى المنصورة، و نزل بها.

و جرّد إلى ثغر دمياط جماعة من الأمراء، فالتقوا مع ريدافرنس، و اقتتلوا قتالا شديدا فقتل الأمير شهاب الدين بن شيخ الإسلام، و الأمير صارم الدين أزبك الوزيرى.

و خرج أمراء الكنانيّة من دمياط و أخلوها، فاستولى عليها ريدافرنس‏

____________

(1) بالكسر- هو كالهودج، و لكن بدون قبة. سبق ذكر ذلك.

(2) معنى هذا اللقب: أى «ملك فرنسا» و هو الملك «لويس التاسع». و هذه هى حملته على مصر التى بعدها المؤرخون «الحملة الصليبة السابعة».

335

فى يوم الأحد، لسبع بقين من صفر، من السنة. فشنق السلطان أمراء الكنانية- و كانوا نيّفا و خمسين أميرا- بعد أن استفتى فى شنقهم- لخروجهم عن الثّغر بغير أمره. و كان قد جعل [عندهم من الميرة ما يكفيهم زمنا طويلا (1)].

ذكر استيلاء السلطان على قلعة الكرك و بلادها

و فى هذه السنة، ملك الملك الصالح نجم الدين أيوب قلعة الكرك، و بلادها.

و سبب ذلك أن صاحبها الملك الناصر داود بن الملك المعظم شرف الدين عيسى- توجه منها إلى بغداد، و استخلف أولاده بها. فكاتبوا السلطان، و اتفقوا معه على تسليمها. و اشترطوا عليه شروطا، و تولى ذلك من أولاده: الملك الأمجد أبو على الحسن.

فأجاب السلطان إلى ما التمسوه، و تسلم القلعة، و وفى لهم بما اشترطوه- و ذلك فى جمادى الآخرة. و أخرج عيال الملك المعظم و أولاده و بناته، و أمّ الملك الناصر، و جميع من كان بالحصن. و بعث الملك الصالح الى الحصن ألف ألف دينار- عينا- و جواهر و ذخائر و أسلحة، و غير ذلك.

____________

(1) ما بين الحاصرتين لم يكن ظاهرا فى النسخة (ك)، فأكملنا المتن من النسخة (ع).

336

و لما عاد الملك الناصر من بغداد، و وجد الأمر على ذلك، توجه إلى الملك الناصر صلاح الدين يوسف، صاحب حلب، و أقام عنده، إلى أن ملك دمشق. و حضر فى خدمته إليها. ثم بلغه عنه أسباب رديّة، فأخرجه إلى البويضا بظاهر مدينة دمشق. فمات بها حتف أنفه.

و كانت وفاته فى سنة خمس و خمسين و خمسمائة. و نقل من البويضا، و صلّى عليه عند باب النصر، و دفن عند أبيه بالتربة المعظّميّة، بقاسيون- (رحمه الله تعالى).

ذكر وفاة الملك السلطان الصالح نجم الدين أيوب‏

كانت وفاته- (رحمه الله تعالى)- بمنزلة المنصورة، فى ليلة الاثنين النصف من شعبان، سنة سبع و أربعين و ستمائة. و مولده بالقاهرة المعزّيّة فى سنة ثلاث و ستمائة.

و لما مات، كتم أمر وفاته، و دفن بالمنصورة. ثم نقل- فى سنة ثمان و أربعين و ستمائة- إلى تربته، التى بنيت بعد وفاته، بجوار مدرسته بالقاهرة المحروسة، بين القصرين فكانت مدة سلطنته بالديار المصرية عشر سنين، إلا خمسين يوما.

و كان ملكا مهيبا، شجاعا حازما، ذا سطوة. و كانت البلاد فى أيامه آمنة، و الطرق سابلة. و كان عفيف الذّيل. غير أنه كان عظيم الكبر، غليظ الحجاب. و كان محبّا لجمع المال. و يقال إنه عاقب امرأة أبيه- أمّ أخيه الملك العادل- و أخذ منها الأموال و الجواهر. و قتل أخاه و جماعة من الأمراء و مات فى حبسه ما يريد على خمسة آلاف.

337

و لما مات، كانت سرّيّته- والدة خليل- فى صحبته بالمنصورة. فكتم أمر وفاته إلا عن خواصّ الأمراء. و كان السّماط (1) يمدّ على العادة.

و الأمراء، و من جرت عادته بحضور السّماط، يدخلون و يأكلون و ينصرفون. و يظنون أن السلطان إنما احتجابه بسبب مرضه. و كانت والدة خليل تكتب خطّا يشبه خطّ السلطان، فتخرج العلائم‏ (2) بخطّها.

و اتفق الأمراء على إحضار ولده: الملك المعظّم غياث الدين تورانشاه من حصن كيفا. و كان السلطان الملك الصالح قد كتب كتابا بخطّه. يشتمل على وصيته لولده الملك المعظم. نذكر- إن شاء اللّه تعالى- مضمونه فى أخبار الملك المعظم. فتوجّه لإحضاره الأمير فارس الدين أقطاى الصالحى- مملوك والده و قام بتدبير الدولة- فيما بين وفاة السلطان الملك الصالح و وصول الملك المعظم- الأمير فخر الدين: يوسف بن الشيخ. إلى أن قتل.

____________

(1) المائدة السلطانية.

(2) جمع علامة. و كان المتبع أن كل سلطان له علامة: قول مأثور أو دعاء أو اسم، أو نحو ذلك، يكتبه بخطه على الرسائل، لتدل على صحة الوثيقة. فهذه هى العلامة السلطانية

338

ذكر خبر الأمير فخر الدين أبى الفضل يوسف ابن الشيخ، و قتله‏

لما مات السلطان الملك الصالح، قام بتدبير الأمر بعده- إلى أن يصل ولده الملك المعظم- الأمير فخر الدين أبو بكر أبو الفضل: يوسف، بن شيخ الشيوخ صدر الدين‏ (1). و كان هو وزير السلطان و مقدّم جيوشه، و المشار إليه فى دولته.

فدبّر الأمر أحسن تدبير، و أقطع البلاد بمناشيره. و أطلق السّكّر و الكتّان أن يسافر به التّجّار إلى الشام- و كان ذلك قد منع، و أراد جماعة من العسكر أن يملكوه، فامتنع من ذلك.

و تنكر له بعض الأمراء المماليك الصالحية، و عزموا على قتله فاستدعى أكابر الأمراء، و أعلمهم أنه لا طمع له فى الملك و لا رغبة، و أنه إنما يحفظه للملك المعظّم إلى أن يصل. فاعتذروا له و حلفوا. و كان المتّهم بإغراء الأمراء الطواشى محسن، و جماعة. و جهّز جماعة يستحث الملك المعظم من دمشق، بعد وصوله إليها.

فلما كان فى يوم الثلاثاء- رابع ذى القعدة أو خامسه- هجم الفرنج على عساكر المسلمين، و اندفع المسلمون بين أيديهم. و كانت وقعة عظيمة.

____________

(1) سبقت ترجمة صدر الدين- الفقيه و شيخ الصوفية- و بيته، و أخبارهم. فالأمير فخر الدين، الذى عرف بابن الشيخ، كان أحد أولاده، الذين ميزوا أنفسهم فى الدولة الأيوبية، و تبوءوا مناصب عالية. و قد وصل فخر الدين إلى أن صار وزير الملك الصالح، و مقدم جيوشه- كما ذكر فى المتن- و أصبح له المقام الأول، حتى ذاع الاعتقاد بأنه يطمع فى الملك.

لكنه سيموت شهيدا فى مقدمة موقعة المنصورة- كما سيتبين من المتن‏

339

فركب فخر الدين فى وقت السحر ليكشف الخبر، و أنفذ إلى الأمراء و الحلقة (1) ليركبوا. و ساق بنفسه فى طائفة من مماليكه و أجناده. فصدمه طلب‏ (2) الدّاويّة (3) و حملوا عليه. فهرب من كان معه، و ثبت هو. فطعن فى جنبه، فوقع عن فرسه. فضربوه ضربتين فى وجهه، طولا و عرضا، بالسيف فقتلوه!.

و جاء مماليكه إلى داره، فكسروا صناديقه، و نهبوا أكثر ما فيها.

و نهبت أمواله و خيله. و أخذ الجولانى‏ (4) قدور حمّامه، و الدّمياطىّ أبواب داره. ثم أخرج من المعركة بقميص واحد، و جعل فى حرّاقة (5) و أرسل إلى مصر. و حمل إلى تربته بالقرافة الصغرى، بجوار تربة الإمام الشافعى، فدفن عند والدته. و اشتد بكاء الناس عليه، و عملت له الأعزية. و كان له من العمر، يوم مات ست و ستون سنة- (رحمه الله تعالى). و كان له شعر جيّد كثير، فمن شعره:

عصيت هوى نفسى صغيرا، فعند ما * * * رمتنى الليالى بالمشيب و بالكبر

أطعت الهوى- عكس القضيّة- ليتنى‏ * * * خلقت كبيرا، و انتقلت إلى الصّغر

____________

(1) سبق تفسير ذلك. و هم الجنود النظامية فى الجيش من المماليك القدماء.

(2) سبق تفسير هذا اللفظ، و أن معناه:؟؟؟ أو الفرقة، و هو لفظ كردى.

(3) سبق الحديث عنهم، و هم هيئة صليبية دينية متعصبة، كانوا يسمون فرقة «فرسان المعبد».

(4) نسبة إلى جولان و هى قرية من نواحى دمشق.

(معجم البلدان: ج 3- 176)

(5) سفينة حربية فى (ع)، كما سبق ذكره.

340

ذكر أخبار السلطان الملك المعظم غياث الدين تورانشاه، بن السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب، ابن السلطان الملك الكامل ناصر الدين محمد، بن السلطان الملك العادل سيف الدين أبى بكر محمد، بن أيوب، و هو التاسع من ملوك الدولة الأيوبية بالديار المصرية

ملك الديار المصرية و الشام، بعد وفاة والده السلطان الملك الصالح و كان مقيما بحصن كيفا (1)، و ما مع ذلك، منذ تركه والده هناك- كما تقدم. فلما مات السلطان، اجتمع رأى الأمراء على إقامته، و جهزوا لإحضاره الامير فارس الدين أقطاى، كما ذكرنا آنفا.

و كان السلطان الملك الصالح، فى مرض موته، قد كتب إلى ولده الملك المعظم هذا كتابا، أسند فيه الملك إليه، و اشتمل كتابه على جملة من الوصايا. و قد وقفت على الكتاب المذكور- و هو بخطّ السلطان الملك الصالح بجملته. و قد رأيت أن أشرح ما تضمّنه، لما فيه من الوصايا التى يتعين على الملوك التمسك بها و الرجوع إليها، و الاعتماد عليها.

ابتدأ السلطان الملك الصالح كتابه هذا- الذى منه نقلت- بأن كتب فى طرّته قبل البسملة: والده أيوب بن محمد (2)

____________

(1) بلد، و قلعة عظيمة مشرفة على دجلة، بين آمد و جزيرة ابن عمر، من ديار بكر.

(معجم البلدان: ج 3- 286)

(2) من هنا تبدأ وصية الملك الصالح أيوب لابنه تورانشاه. و هى وصية تاريخية لها أهميتها، و إن كانت مكتوبة بأسلوب الخطاب الدارج بين العربية و العامية. و قد تركنا ألفاظها العامية على ما هى عليه، كما وردت فى (ع)، دون أن نحاول تغييرها.

341

«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ»* الولد تورانشاه- أصلحه اللّه و وفّقه يا ولدى، أنت تعلم ما سبب تأخير طلبك إلا ما أعلمه منك، من الصّبيانية و الجرأة و قلة الثبات. و الملك ما يحتمل هذا. و الوالد ما يشتهى لولده إلا الخير. و الخصائل التى أعرفها منك اتركها، يدوم لك الملك. و إن أنت خالفت أمرى و بقيت على ما أعلمه منك، يروح منك الملك. و اثبت فى جميع أمورك. و سنّ سيرتى فى العسكر. و اترك الأشياء على ما هى عليه: كل أحد متولّى الشغل الذى هو فيه، و لا تحدث حادث.

و الوصية بجميع الأمراء، و أكرمهم و احترمهم، و أرفع منزلتهم. فهم جناحك الذى تطير به، و ظهرك الذى تركن إليه. و طيّب قلوبهم، و زيد فى إقطاعهم. و زيد كلّ أمير على [ما] معه من العدّة عشرين فارس. و أنفق الأموال. و طيّب قلوب الرجال، يحبوك و تنال غرضك فى دفع هذا العدو.

و لا تؤاخذ بما جرى فى دمياط، فهذا أمر سماوىّ، ما لأحد فى هذا حيلة.

و الأخ فخر الدين بن الشيخ ما عندى من أقدّم سواه، فأكرمه، و احترمه كما تحترمنى. و اجعله عندك كالوالد. و اسمع قوله و رأيه و لا تخالفه.

و اجعل له من العدة مائتى فارس.

يا ولدى: الوصية بأم خليل، فلها علىّ من الحقوق و الخدمة ما لا أقدر أصفه، ارعى جانبها و أكرمها و احترمها، و ارفع منزلتها، فهى عندى بمنزلة عظيمة. و كنت طيّب القلب بصحبتها، آمنا على نفسى من جهتها، فاجعلها لك مثل الوالدة. و اجتهد فى اتصال الراحة إليها، و طيّب‏

342

قلبها، و اجعلها حاكمة على جميع أمورك و أموالك. و لا يبدو منك كلمة تضيّق صدرها، و لا توجع لها قلبا أبدا، و لا من يتعلق بسببها، و لا من يضيق صدرها بسببه.

و لا تخرج عن رأيها و تدبيرها. و هذه وصيتى فلا تخالف أمرى.

و اخدمها كما تخدمنى، و احترمها كما تحترمنى. و لا تجعل على يدها يد.

و الوصية بجميع العيال، أحسن إليهم فلهم علىّ خدمة. و لا تقصّر فى حق الصغير منهم و الكبير. و احفظ وصيتى، فمتى خالفتنى يروح منك الملك، و تكون عاقّا لى. و كتبت هذه الوصية و لم يطلع عليها أحد، لئلا تضيق صدورهم. و كتبتها فى مدة طويلة.

و اعلم يا ولدى أن الملك فى ابتداء ملكه كمثل الشّجرة فى ابتداء طلوعها، فيأتى ريح يهب عليها يحرّكها، و ربما يقلعها من أصلها. فإذا مضت عليها الأيام و السنين قوى أصلها، و اشتد ساقها، فلا تحركها الرياح العواصف. فاعلم يا ولدى إشارتى، و تنبّه لغرضى. و إن ضاق صدرك من شخص فاحتمله، و أحسن إليه تحسن سيرتك، و يحبّك عدوّك. و لا تعجل بالعقوبة. و اعلم أن الناس أعداء لبعضهم البعض، فلا تسمع كلام أحد دون أن تقابل بينه و بين خصمه، و لو أتاك مقطوع اليد. فربما خصمه أسوأ حالا منه. فإذا عرف هذا منك، تقلّ الشّكاوى و الرّفاعات‏ (1)، و يستريح خاطرك.

____________

(1) أى ما يرفع من الشكاوى، أى الشكاوى المكتوبة.

343

و الذى أعرّفك به يا ولدى: لمّا نزل العدوّ على زمن الشّهيد (1)- (رحمه الله)- على دمياط، ما كان فيها سوى الوالى و الكنانيّة، و أهلها حفظوها إلى أن وصل الشّهيد من القاهرة، و عسكر مصر من الشام. و ما قدر العدو ينزل برّ دمياط، و ما كان فيها ذخيرة شهر واحد.

فلما اختلف العسكر على الشّهيد- (رحمه الله)- و تحزّبوا- مثل ابن المشطوب‏ (2) و الأكراد- مع الملك الفائز، غضب الشّهيد، و ساق إلى أشموم. و تبعه العساكر، و تركوا جميع الخيم و القماش. و خرج من دمياط من خرج، و الوالى.

و ما بقى فيها إلا أهلها. و غلّقوها و قعدوا فيها و حفظوها، إلى أن مات أكثر من فيها و الباقى تكشّحوا، و خلت الأصوار من المقاتلين. فصعدت الفرنج و أخذتها، بعد أن تعبوا من النّقوب من تحت الأرض، و شربوا بالبتاتى، و الزحف عليها من جميع الجهات، و ما قدروا يأخذوها.

و أنا قوّيت دمياط، و ملأتها ذخائر من كل شي‏ء، يكفيها عشرين سنة، مع ما كان عند أهلها من الذخائر. و اكشف من الديوان يعرّفوك ما كان فيها من الخيرات. و قوّيتها بجميع عسكر الديار المصرية، من فارس و راجل، و نقدى، و ما خليت لها عذر، حتى بقيت وحدى فى أشموم بسبب المرض.

____________

(1) يقصد والده: الملك الكامل بن العادل.

(2) الأمير أحمد بن على الهكّارى- الذى عرف بابن المشطوب. تقدم ذكره و أخباره فى أوائل الكتاب.

344

فلما أن أقبل العدو و شاهدوه و طلبوا البرّ بالحراريق، انهزموا و سلّموا لهم البرّ، و اشتغلوا بالنساء و نقلهم من دمياط، و هربت العوامّ و تبعهم الأجناد.

و كان المقدّم عليهم الأخ فخر الدين ساق خلفهم و ردّهم، و جعل على أبواب دمياط كل باب أمير. فلما أصبح، ما وجد فى المدينة أحد. هربوا الكنانية فى الليل، و كسروا الخوخ‏ (1) و نزلوا من السّور، و تركوا أموالهم و ذخائرهم نهبوها المسلمين بعضهم بعض. و أخلوا دمياط، حتى أخذتها الفرنج ثانى يوم. و هذا كله بقضاء اللّه و قدره .. و اصبر تنال ما تريد.

و هذا العدو المخذول، إن عجزت عنه، و خرجوا من دمياط و قصدوك، و لم يكن لك بهم طاقة و تأخّرت عنك النّجدة، و طلبوا منك الساحل و بيت المقدس و غزّة و غيرها من الساحل- أعطيهم و لا تتوقّف، على أن لا يكون لهم فى الديار المصرية قعر قصبة.

و إن نزلوا منزلة من تقدّمهم من العدوّ قبالة المنصورة، فرتب العسكر يكونوا ثابتين خلف السّتائر مع البحر، ليل و نهار. فهم ما لهم زحف إلا بالشّوانى‏ (2)، فقوّوا الشّوانى، كيفما قدرتم. و اجهدوا أن يكون بعض الحراريق‏ (3) على بحر المحلّة من خلف مراكبهم، تقطع عنهم الميرة. و هو يكون- إن شاء اللّه- سبب هلاكهم. فتلك المرّة ما انتصر الشهيد- (رحمه الله)- عليهم إلا من بحر المحلّة.

____________

(1) الطاقات و النوافذ فى الحصن.

(2) السفن الحربية الكبيرة. تقدم ذكرها.

(3) سفن حربية أصغر من الأولى.

345

و تكون العرب مع الخوارزمية مع ألفين فارس بينهم و بين دمياط.

و استخدم، الفارس و الراجل. و أنفق الأموال و لا تتوقف. و إن كان الشّرق لا ينجدوك لأجل الناصر و إسماعيل، و اشترطوا أن تردّ عليهم بلادهم، و رأيت الغلوبيّة، و لا بدّ من ذلك و إلا ذهب الملك- فالضرورات لها أحكام.

اعلم- يا ولدى- أن الديار المصرية هى كرسىّ المملكة، و بها تستطيل على جميع الملوك. فإذا كانت بيدك، كان بيدك جميع الشّرق. و يضربوا لك السّكّة و الخطبة.

فاتّفق أنت و الأخ فخر الدين، و أرضى الناصر (1) بما يطيب به قلبه.

فالناصر ما أخرجه من يدى إلا تغيّرى عليه، بسبب أوراق كانت تصل إلىّ عنه أنه فعل و صنع. و كشفت عن ذلك، ما رأيت لها صحّة. فلما انقطع رجاه منىّ لتغيّرى، استند إلى إسماعيل و ابن ممدود، و جرى منهم ما جرى.

كل ذلك من إسماعيل و ابن ممدود، و هو يشاركهم فى جميع ما يفعلوه.

و أما الذى فعله معى على نابلس فما كان إلا مصلحة عظيمة، أنا أشكره عليها. طلع بى الكرك إلى أن ذهبت أيام القطوع. لو لا ذلك أخذنى إسماعيل‏ (2)، لأنه ضيّق علىّ أرض الشام بالعسكر فى طلبى، فما فعل فى حقى إلا خير. فهو كان السبب فى خروجى، فى الوقت الذى كان قدّر اللّه بتوجهى فيه إلى الديار المصرية بالملك. فلا يضيع له هذا القدر.

____________

(1) المقصود: الناصر داود صاحب الكرك ابن المعظم عيسى.

(2) يقصد: الملك الصالح إسماعيل، و هو عمه، الذى استولى على دمشق حينا، و طالما نازعه‏

346

و كنت نويت له كلّ خير. فإن حصل بينكما اتّفاق، و صفت نيّته فى محبتك، و وفى لك باليمين، فخاطرك به مستريح فى أمر الساحل. فما ذنوبه عندى ذنوب إسماعيل، الذى بارزنى، و أخذ منّى دمشق، و اعتقل ولدى، و فعل فى حقّى ما فعل، و أعطى الساحل و الحصون التى فيه لعدوّ الدّين، و استعان بالكفر (1) علىّ، و على أخذ بلادى. فارضيه بشى‏ء يستعين به: بصرى مع السّواد، و لا تعطى له قلعة بعلبك. و تحسن إلى أولاده و أهله، و ينفذوا إليه. فاللّه يقابل المسي‏ء، و يجازى المحسن و أطلق المحتبسين كلهم، إلا من كان له تعلّق فى قبض عمك، أو مفسد فى الدولة.

فإن قدّر اللّه لك بالنصر على هذا العدوّ المخذول‏ (2)، و أخذت دمياط- إن شاء اللّه تعالى- ابنى باشورة (3) تكون طول قامة، و بسطة بشراريف، و مرامى من فوق و أسفل، و تكون الباشورة عرّض يتمكّن القتال عليها، إما بالحجر أو بالطوب الأحمر، و يكون لها سلالم، بين كل سلّم و سلّم ثلاثين خطوة. تعمل هذه الباشورة من قبالة برج السّلسلة، قريب من الماء البحر إلى البرزخ، إلى المكان الذى نزلوا فيه الفرنج، و فوق منه بثلاث رميات نشّاب. و من آخر هذه الباشورة تحفر خندق، من البحر المالح إلى البحر الحلو، مثل ما حفره الشّهيد (4) تلك المرّة، بحيث إذا جاء العدو

____________

(1) بالصليبيين.

(2) الصليبيين الذين احتلوا دمياط.

(3) حائط ظاهرى حول الحصن، تقابلها كلمة Bastion¬ بالفرنسية (سلوك: زيادة ج 1- 150- نقلا عن دوزى)

(4) والده: السلطان الكامل.

347

لا يقدر على الماء الحلو، و لا يبقى له منزلة ينزل فيها. و بين كل سلمين لعبتين يرموا بالحجارة، و العسكر تقاتل من على الباشورة و المنجنيق و الرّماة ترمى من خلف الباشورة من المرامى، ما يقدر أحد يقرب البر. و عجبت كيف غفل عن هذا الشهيد- (رحمه الله)- و عمل قلعة.

فهذه الباشورة فيها ألف مصلحة قسّطها على الأمراء و على بيت المال و الأسرى الفرنج تعمل فيها. و اجتهد فى عملها تأمن على دمياط و تستريح و إن لم يخرج العدوّ من دمياط و تطاول الأمر ينتظروا نجدة تصل إليهم، ازحف عليهم من برّ دمياط و من برّ البرزخ، بالفارس و الراجل و بالشّوانى من البحر، لعل أن تملكوا برّ البرزخ. فإذا ملكتموه ملكتم فم البحر، و منعتموا أن يدخل إليه مركب، أو يخرج.

و يا ولدى: قلّدت إليك أمور المسلمين، فافعل فيهم ما أمرك اللّه به و رسوله. يا ولدى إياك و الشّرب، فإن جميع الآفات ما تأتى على الملوك إلا من الشّرب. و لا تخالفنى تندم، و تدخل عليك العارض‏ (1). فما يسقيك إلا من تأمن إليه، و لا يدخل عليك العارض إلا من القريب. يا ولدى:

و امنع المسلمين و النصارى أن يعصروا الخمر. و طهّر العساكر من القحاب، و المدن. و لا تجلس مع من يشرب، فيزين لك الشيطان فتشرب، فتكون قد خالفتنى، و تدخل عليك العارض. و أنا قد جرّبت الأشياء و وقعت فيها، و تحقّقت الخطأ من الصواب، و ندمت وقت لا ينفع الندم. فاجتنب يا ولدى ما حذّرتك منه. فقد أخبرك مجرّب صادق، مشفق عليك‏

____________

(1) المرض.

348

و انظر يا ولدى فى ديوان الجيش. فهم الذين أفسدوا البلاد و أخربوها- و هم النّصارى- أضعفوا العساكر، و كأن البلاد ملكهم يبيعوها بيع. إذا كتب منشور لأمير يأخذوا منه المائتين و أكثر، و من الجندى من المائة و نازل. و يكون الجندى خبزه‏ (1) ألف دينار يفرقوا خبزه فى خمس ست مواضع: فى قوص و فى الشرقية و فى الغربية، فيريد الجندى أربع وكلاء، يروح الخبز للوكلاء. و متى يحصل للجندى من خبزه شي‏ء، إذا كان مثلا فى بيكار (2) و يقاسى العليقة بثلاثة نقرة (3)، كيف يكون حاله؟ يخرب بيته و يهلك! فهذا سبب هلاك الجندى. و النصارى يقصدوا هذا، لخراب البلاد و ضعف الأجناد، حتى تروح منا البلاد. و جندى يحصل له و جندى ما يحصل له شي‏ء أصلا.

تردّ عبرة البلاد (4) إلى ما كانت عليه فى زمن صلاح الدين- (رحمه الله). و الجندى لا يكون خبزه مفرّق، بل فى موضع أو موضعين قريبين.

فتعمر البلاد و يقوى الجندى و يقوى الفلاح. فإذا كانوا جماعة فى بلد، و كل أحد يخرب من ناحية و يجور المقطعين على الفلّاحين، تخرب البلاد. و هذا كله فعل النصارى.

____________

(1) أى: إقطاعه، الذى يأخذ منه راتبه.

(2): أى حرب. هذه الكلمة تعنى الحرب، بصفة عامة.

(3) أى دراهم نقرة. و هى العملة التى كانت متداولة. و قد سبق تفسيرها و العليقة: علف حصانه.

(4) أى نظام البلاد، أو وضعها.

349

و بلغنى أنهم بعثوا إلى ملوك الفرنج فى الساحل فى الجزائر، و قالوا لهم.

أنتم ما تجاهدوا المسلمين، بل نحن نجاهدهم الليل و النهار، بأخذ أموالهم و نستحلّ نساهم، و نخرّب بلادهم و نضعف أجنادهم. تعالوا خذوا البلاد، ما تركنا لكم عاقة. فالعدوّ معك فى دولتك- و هم النصارى. و لا تركن لمن أسلم منهم و لا تعتقد عليه، فما يسلم أحد منهم إلا لعلّة، و دينه فى قلبه باطن كالنار فى الحطب! يا ولدى، أكثر الأجناد اليوم عامّة، و باعة و قزّازين: كل من لبس قباء (1) و ركب فرس، و جاء إلى أمير من هؤلاء الترك، و قدم له فرس، و يبرطل نقيبه و أستاذ داره‏ (2) على خبز جندى، من جندى معروف بالشجاعة و الحرب- طرده أميره، و أعطى خبزه لذاك العامى الذى لا ينفع و أكثرهم على هذه الحالة. فإذا عاينوا العدو وقت الحاجة هربوا، و ينكسروا العسكر. لأنهم ما يعرفوا قتال، و لا هو شغلهم. فينبغى أن لا يستخدم [إلا] من يعرف يلعب بالرمح على الفرس، و يرمى بالنّشّاب و الأكرة، و تظهر فروسيته- حينئذ يستخدم.

و احفظ يا ولدى ما أقوله لك، فهذا جميعه ما عرّفنى به إلا الأخ فخر الدين، و أخبرنى أنه وقف على كتاب بخط صلاح الدين، أن الفيّوم و سمنّود و السواحل و الخراج للأسطول. فالأسطول أحد جناحى الإسلام.

فينبغى أن يكونوا شباعا. و رجال الأسطول إذا أطلق لهم كل شهر عشرين‏

____________

(1) ثوب فوق الثياب، و هو لبس الجندى فى ذلك الوقت‏

(2) أى استاذ دار ذلك الأمير: المتولى شئون قصره، أو وكيله.

350

درهم مستمرة راتبه، جاءوا من كل فجّ عميق، و رجال معروفين بالقذف و القتال. و إنما تجو (1) وقت الحاجة تقبضوا ناس مستورين لهم أطفال و بنات، و هو الذى يطعمهم و يسقيهم، تأخذوه فى الأسطول و لا ينفع، تموت أطفاله بالجوع، و يدعو علينا! كيف تنتصر على العدو؟! و تأخذوا إلى البحر عند قبض الأسطول كل يوم ألف دينار، لأنه يقبض من الصبح إلى المغرب، مساتير و بياعين و أرباب معايش، يجو أهاليهم إلى بيت الوالى، كل أحد يزن الذهب و يخلّص نفسه‏ (2). و الفقير الذى ما له قدرة تحدّروه فى المراكب. فقد نبّهت الولد على هذه الأشياء. و الأخ فخر الدين عرفنى بهذه الأحوال جميعها. فاسمع ما بقوله لك.

الولد يتوصّى بالخدام: محسن و رشيد و الخدام المقدّمين، لا تغيرهم. فما قدّمت أحد من الخدام و لا من المماليك إلا بعد ما تحققت نصحه و شفقته. و أستاذ الدار و أمير جاندار تتوصى بهم. و كذلك الحسام لا تغيرهم. فإنى أعتمد عليهم فى جميع أمورى.

القيمريّة (3)، الولد لا يسمع كلام بعضهم فى بعض. و ناصر الدين عند كذب و خبث. و ما باطنه جيّد. و قد عرّفت الأخ فخر الدين الرّسل الذى مسكوا من دمشق إلى حلب من عنده. و الحسام يكون بمفرده لا حلّ و لا ربط. و ضياء الدين القيمرى، إن احتاجوا إلى أن يخرج عسكر إلى جهة من الجهات، يكون مقدّم. و ناصر الدين أرجل لا يخرج مع عسكر.

____________

(1) أى تجيئوا، أو تجيئون.

(2) يعنى أن الناس يأتون إلى الأسطول يخلصون أنفسهم بدفع مبالغ معينة، و من لا يقدر على الدفع يجنّد مع عدم كفاءته.

(3) طائفة من أمراء الجنود الكردية.

351

و سيف الدين القيمرى تعمل معه ما يقرّر مع الأخ فخر الدين، يكون مقدّم العسكر فى دمشق. و ابن يغمور مشدّ (1)، و ناصر الدين على المظالم. فابن يغمور يصلح يكون مشدّ و والى و جابى الأموال، و لا يصلح يكون مقدّم على عسكر، و لا يصلح لجنديه. و لا تؤمن إليه كل الأمن. بل تمشّى به الحال فى مكان مدة، ثم ينقل إلى غيره. و هو بالكتّاب أليق.

و كذلك قرائب فخر الدين عثمان كلهم لا يصلحوا لجنديه. ابن العزيز الرأى عندى أن تؤخذ جماعته، و يبقى هو و مماليكه بمفردهم، و يقطع له و لمماليكه، و حاشيته و دوره، ما يقوم بهم من خاصة. فالأخ فخر الدين يعرف ما جرى منه، فهو نحس مفسد مخسخس. و قد عرف الأخ فخر الدين حاله و ما جرى منه فى دمياط و غير دمياط، فما يصلح لصالحة.

متولّى ديوان الأحباس‏ (2) اصرفه. و ولىّ ابن النّحوى، فقد سألنى المتصدرين ذلك. و طرائق بن الجباب غير صالحة. و الوكيل اصرفه. و ولىّ ابن الفقيه نصر، فهو رجل جيّد فقيه عنده خوف من اللّه.

و قد عيّنت فى ورقة عند الأخ فخر الدين عشرين من المماليك تقدّمهم، تعطى لكل واحد كوس‏ (3) و علم، و تحسن إليهم.

و تتوصّى بالمماليك غاية الوصية. فهم الذى كنت أعتمد عليهم، و أثق بهم. و هم ظهرى و ساعدى. تتلطّف بهم، و تطيّب قلوبهم، و توعدهم بكل خير. و لا تخالف وصيتى. و لو لا المماليك ما كنت قدرت أركب فرس، و لا أروح إلى دمشق، و لا إلى غيرها. فتكرمهم و تحفظ جانبهم.

____________

(1) و هو الناظر فى حسابات الدواوين.

(2) أى الأوقاف.

(3) من شعارات السلطنة و الإمارة. و هى صنوج من نحاس يدق بها فى المواكب- كما تقدم ذكر ذلك.

352

فهذه وصيتى إليك، فاعمل بما فيها و لا تخالف وصيتى. و كل يوم طالعها، واقف عليها. و لا تعمل شي‏ء دون أن تشاور الأخ فخر الدين. و اللّه يقدر بما فيه الخير- إن شاء اللّه تعالى.

يا ولدى، إن ألزموك- الحلبيين- أن تدفع الكرك‏ (1) إلى الناصر، فأعطه الشّوبك. و إن لم يرض زده من الساحل، حتى يرضى. و لا تخرج الكرك من يدك. اللّه اللّه احفظ وصيتى. فلا تعلم ما يكون من هذا العدو و المخذول، لعله- و العياذ باللّه- أن يتقدم إلى مصر يكون ظهرك الكرك، تحفظ فيه رأسك و حريمك، فمصر ما لها حصن. و يجتمع عندك العسكر و تتقدم إليهم، تردهم عن مصر. و إن لم يكون لك ظهر مثل الكرك، تفرقت عنك العساكر. و قد عزمت أن أنقل إليها المال و الذخائر و الحرم، و كل شي‏ء أخاف عليه، و اجعلها ظهرى. و اللّه ما قوى قلبى و اشتد ظهرى، الا لما حصلت فى يدى.

الحمد للّه وحده، و صلواته على سيدنا محمد نبيه- و آله و صحبه- و سلامه هذا آخر ما تضمنه كتاب الوصية. و قد نقلته بنصّه و هيئته- على ما فيه من لحن فى بعض ألفاظه، و نقص ألفات فى بعضه.

و لم يعتمد الملك المعظم ما أوصاه به، و لا رجع إليه و لا عرّج عليه، بل خالفه فى جميع ما تضمنته وصيته. و كان من أمره، و زوال ملكه، ما نذكره.

____________

(1) قلعة الكرك الشهيرة (شمالى أيلة) التى تقدم ذكرها مرارا و يؤكد الملك الصالح هنا أهميتها.

353

و لنرجع إلى سياقة أخبار الملك المعظم:

قال: و لما وصل إليه الأمير فارس الدين، و هو بحصن كيفا، رحل و سلك البرّيّة (1). و أخفى أمره عن الملوك المجاورين له. خشية من غائلتهم.

و ترك بالحصن ولده الملك الموحد، و سار حتى انتهى إلى دمشق.

فكان وصوله إليها فى يوم السبت، سلخ شهر رمضان، سنة سبع و أربعين و ستمائة. و عيّد بها عيد الفطر. و خلع و أنعم على الأمراء، و أقرّ الأمير جمال الدين موسى بن يغمور على النّيابة بدمشق. و أفرج عن كل من كان فى حبس والده. قال أبو المظفر: و بلغنى أنه كان بدمشق ثلاثمائة ألف دينار، فأخذها صحبته، و تجهز إلى الديار المصرية و كان رحيله من دمشق فى الخامس و العشرين من شوال، منها. و كان سبب تأخره بدمشق، هذه المدة، أن الأمير فخر الدين يوسف بن الشيخ كان قد سيّر إليه جماعة من المماليك الصالحية. يستحثه على سرعة الحضور فأوهمه بعضهم أن فخر الدين حلّف العساكر لنفسه. و أنه متى حضر قتله، و استقلّ بالأمر. فأنفق الملك المعظم الأموال بدمشق. و استحلف العساكر.

و حلّف المماليك الذين حضروا من جهة الأمير فخر الدين، على قتل فخر الدين. فحلفوا له. فاتفق قتل فخر الدين قبل وصول الملك المعظم، كما تقدم.

و جهز الملك المعظم كاتبه- معين الدين، هبة اللّه بن أبى الزّهر حشيش- إلى قلعة الكرك، فى مستهل ذى القعدة فحقّق ما بها من الأموال‏

____________

(1)؟؟؟ بين العراق و الشاء. فى الشمال‏

354

و الذخائر، و حمل إليه من حاصلها مائتى ألف دينار، عينا، مما كان الملك الصالح قد نقله إليها. و لحق معين الدين السلطان إلى الرّمل‏ (1). و كان نصرانيا فوعده بالوزارة، فأسلم. و وصل السلطان إلى العساكر الديار المصرية، بمنزلة المنصورة- فى يوم الثلاثاء سابع عشر ذى القعدة، من السنة.

و لما وصل، وضع يده على ما سلم من تركة الأمير فخر الدين يوسف ابن الشيخ، و أخذ مماليكه الصغار، و بعض قماشه- و ثمّن ذلك بخمسة عشر ألف دينار- و هى دون نصف القيمة، فيما قيل. و لم يعوّض الورثة عن ذلك شيئا، فإنه قتل قبل ذلك.

ذكر عدة حوادث كانت فى سنة سبع و أربعين و ستمائة، غير ما تقدم‏

فى هذه السنة تأمّر بمكة- شرّفها اللّه تعالى- أبو سعد على بن قتادة، و ذلك فى العشرين من ذى القعدة.

و فيها قتل الأمير شيحة، صاحب المدينة النبوية- على ساكنها أفضل الصلاة و السلام- و ولى بعده ولده عيسى بن شيحة.

و فيها فى خامس عشر شعبان، توفى الطّواشى مسرور بالقاهرة، و دفن بتربته بالقرافة.

____________

(1) البادية بين الشام و مصر، من العريش إلى الصالحية. و فيها الطريق إلى مصر