بحوث في علم الأصول - ج6

- الشيخ حسن عبد الساتر المزيد...
749 /
605

2- المرحلة الثانية: هي، في انّ المربوط بالشرط أصالة، هل هو المدلول التصوري للجزاء، و هو النسبة التحريكيّة الإرساليّة؟، أو انّ المربوط به، هو المدلول التصديقي له؟ و هو جعل الوجوب.

و إن شئت قلت: بعد اتّضاح انّ أداة الشرط تدل على الربط بين الشرط و الجزاء كما ذهب إليه المشهور، حينئذ يصير الكلام، في تحقيق كون المربوط من الشرط و الجزاء ما هو، هل هو مدلولهما التصوري؟ أو أنّها تربط بين مدلوليهما التصديقيين؟ فمثلا قولك، «إن جاء زيد فاكرمه» هل ان كلمة الشرط تدل على كون المربوط هو المدلول التصوري للجزاء، و هو النسبة التحريكية الإرسالية بين الإكرام و المكلف، و بذلك يكون المدلول التصوري للجزاء هو المعلّق و هو المربوط؟ أو انها تدل على كون المربوط، هو المدلول التصديقي له؟ و هو الإلزام و الإيجاب الثابت في نفس المولى، أو جعل الوجوب، و بذلك يكون المدلول التصديقي للجزاء هو المعلّق و هو المربوط؟

و ليس معنى كون المربوط هو المدلول التصوري، يعني انّ المدلول التصديقي للجزاء سوف لا يكون مربوطا و معلقا، بل يمكن أن يكون المدلول التصديقي أيضا مربوطا، لكن بتبع ربط المدلول التصوري.

فالأداة، تربط بين المدلولين التصوريين أولا و بالذات، ثم يسري الربط هذا، إلى المدلول التصديقي ثانيا و بالعرض.

و الصحيح هو الشق الأول، و هو انّ المربوط بأداة الشرط إنّما هو المدلول التصوري للشرط و الجزاء، و يدلنا على ذلك أمران.

1- الأمر الأول: هو انّه قد ذكرنا في بحث الوضع، انّ الدلالة الوضعيّة، هي دلالة تصورية دائما، و أمّا الدلالة التصديقيّة، فهي خارجة عن الوضع، و إنّما ترجع إلى ظهور سيأتي كما عرفت تحقيقه، و حينئذ نقول: إنّه‏

606

في محل الكلام، لا بدّ و أن نفرض معنى كاملا للجملة الشرطية في مرحلة مدلولها التصوري قبل ملاحظة مدلولها التصديقي، باعتبار انّه قد لا يكون لها مدلول تصديقي أصلا، كما لو صدرت الجملة الشرطية من غير العاقل الملتفت، كآلة التسجيل مثلا، و إمّا لكون المدلول التصديقي ليس موازيا للجزاء، و إنّما هو موازيا لما دخل على الجملة الشرطيّة كما في قوله: «هل إن جاء زيد فتكرمه»، أو، «ليس إذا جاء زيد فتكرمه»، فالمدلول التصديقي هنا هو الاستفهام عن الجملة، أو نفي مفاد الجملة، دون إثبات الإكرام و الجزاء بنحو الإخبار أو الإنشاء، و مع عدم وجود مدلول تصديقي للجزاء، لا يمكن أن تربط الأداة بين المدلولين التصديقيين، إذ لو كانت مفيدة لربط مدلولها التصديقي، للزم، أن لا يكون هناك معنى متكامل للجملة الشرطيّة في مورد عدم وجود مدلول تصديقي لها، مع انّ هذا واضح الفساد، لأنّ المعنى المتكامل للجملة الشرطية محفوظ على مستوى المدلول التصوري، سواء كان لها مدلول تصديقي، أو لم يك لها ذلك.

فهذا يثبت انّ الأداة تفيد ربط المدلول التصوري بالشرط.

2- الأمر الثاني: هو انّ المدلول التصديقي قد يكون مستفادا من كلمة في ضمن الجملة الشرطية، و ليس من نفي الجملة الشرطية، كما في قولنا، «هل إذا جاء زيد تكرمه»؟ فالجزاء هنا، ليس له مدلول تصديقي، ليقال، بأنّ أداة الشرط تدل على ربطه بالشرط، و إنّما المدلول التصديقي، مستفاد من كلمة «هل»، و هذا بخلاف المدلول التصوري، فإنّه دائما يستفاد من الجملة الشرطية.

و هذا يدل على انّه هو المربوط بالشرط، و إلّا لما كان معنى الجملة مكتملا في فرض عدم وجود مدلول تصديقي لها كما عرفت سابقا.

إلّا ان‏ (1) السيد الخوئي (قده) يرى انّ المربوط بالشرط هو المدلول‏

____________

(1) اجود التقريرات- ج 2- الخوئي ص 419- 420.

607

التصديقي للجملة، و هذا القول منه مبني على ما ذهب إليه في بحث الوضع من ان الدلالة الوضعية هي دلالة تصديقية دائما، و بناء على هذا يتعذّر تخريج الركن الثاني لضابط المفهوم، كما انه يترتب عليه أمور أخرى سوف نتعرض لها إنشاء اللّه تعالى.

و بعد ان ثبت انّ المربوط أصالة بالشرط إنّما هو المدلول التصوري، يقع الكلام في انّ هذا الربط هل يسري تبعا منه إلى المدلول التصديقي للجملة، أو انّه لا يسري؟

فنقول: ان الجملة الشرطية قد لا يكون لها مدلول تصديقي، و إنما يكون المدلول التصديقي بإزاء كلمة في ضمنها كما عرفت في مثل، «إذا جاء زيد تكرمه» فإن مثل هذه الجملة خارجة عن محل الكلام موضوعا حيث لا مدلول تصديقي بإزاء الجملة الشرطية ليبحث عن سريان الربط من المدلول التصوري إلى المدلول التصديقي.

و قد يكون للجملة الشرطيّة مدلول تصديقي، و هذا يتصوّر على نحوين:

1- النحو الأول: هو أن يكون الجزاء جملة خبرية.

2- النحو الثاني: هو أن يكون الجزاء جملة إنشائية.

أمّا النحو الأول، فكقولنا، إذا طلعت الشمس فالنهار موجود، و المدلول التصديقي لهذه الجملة هو قصد الحكاية، و يمكن تصوير قصد الحكاية هنا على ثلاثة وجوه.

أ- الوجه الأول: أن يكون كل من قصد الحكاية، و الحكاية المقصودة، و المحكي عنه، فعليا.

و في مثله، لا يمكن أن يكون الجزاء، هو المحكي عنه، لأنّه قد فرضنا فعليّة المحكي، مع انّ الجزاء ليس فعليا في المثال كما هو واضح،

608

و لا بدّ أن يكون المحكي عنه هو الربط و التعليق بين جملتي الشرط و الجزاء.

فالمقصود من قوله، «إذا طلعت الشمس فالنهار موجود»، هو الكشف عن الملازمة بينهما، و صدق هذه الحكاية، لا يستلزم صدق الطرفين، فإنّ نفس الربط و التعليق صادق، سواء طلعت الشمس أم لا.

و في هذا الوجه، لم يسر التعليق و الربط من المدلول التصوري إلى المدلول التصديقي، لأنّ المدلول التصديقي لم ينصّب على المدلول التصوري للجزاء، بل انصبّ على التعليق كما عرفت، و مع اختلاف المصبّ لا موجب لئن يسري القيد من أحدهما إلى الآخر.

2- الوجه الثاني: هو أن يكون قصد الحكاية فعليا دون الحكاية، و المحكي عنه، و يكون مرجع الجملة حينئذ إلى الإخبار بالجزاء على تقدير الشرط، فتكون الحكاية مشروطة، و هنا أيضا صدق الحكاية لا يستلزم صدق الطرفين، لأنه إذا فرض عدم الشرط، لا يتحقق الكذب، باعتبار ان الحكاية حينئذ لا تتحقّق.

و في هذا الوجه، التعليق يسري من المدلول التصوري إلى المدلول التصديقي لأن الحكاية علّقت على الشرط تبعا لتعليق المدلول التصوري عليه، فبمقتضى أصالة التطابق بين مقام الإثبات و مقام الثبوت، بعد وحدة المصبّ، هو سراية التعليق.

3- الوجه الثالث: هو أن يكون كل من قصد الحكاية، و الحكاية، فعليا، دون المحكي عنه. فيكون مرجع قولنا. إذا جاء زيد، جاء ابنه معه، إلى قولنا، سوف، يجي‏ء ابن زيد عند مجي‏ء أبيه، و هذه حكاية فعليّة عن مجي‏ء ابن زيد في المستقبل.

و فرق هذا الوجه عن الوجهين السابقين هو لزوم الكذب هنا فيما إذا لم يتحقق الشرط، لأن له حكاية فعلية عن مجي‏ء الابن عند مجي‏ء الأب، فلو

609

ان الأب لم يأت، تكون هذه الحكاية كاذبة لأنها حكاية عن أمر استقبالي لم يقع.

و في هذا الوجه لا يسري التعليق من المدلول التصوري إلى المدلول التصديقي.

و في هذا الوجه، قد ارتكبت مخالفة للظاهر، باعتبار انّ مصبّ المدلول التصديقي و التصوري للجزاء متحد، فكان لا بدّ من السراية بمقتضى أصالة التطابق بين مقام الإثبات و مقام الثبوت، مع انّه لا سراية.

فهذا دليل لميّ، على كونه مخالفا للظاهر، كما انّ هناك دليلا إنّيا على ذلك، و هو انّ العرف، لو سمع هذه الجملة، فإنّه لا يتهم المتكلم بالكذب فيما إذا لم يتحقق الشرط، و ليس ذلك، الّا من جهة عدم وفاء هذه الجملة ببيان حقيقة الوجه الثالث، و من هنا كان هذه الوجه محتاجا إلى قرينة.

و أمّا النحو الثاني من النحوين، و هو ما إذا كانت جملة الجزاء إنشائية، كما في قولنا، «إذا جاءك زيد فأكرمه»، فهنا، تارة، يفرض انّ المدلول التصديقي يكون موازيا لمدلول جملة الجزاء، و أخرى يفرض عدم موازاته له، و إنّما يكون موازيا لهيئة الجملة الشرطيّة ككل.

فإن فرض الثاني، فحينئذ، تكون جملة الجزاء متمحّضة في المدلول التصوري، و لا يكون ما يوازي هذا المدلول التصوري في عالم المدلول التصديقي، و في مثله، لا يسري التعليق من المدلول التصوري للجزاء، إلى المدلول التصديقي، و بذلك يكون المدلول التصديقي لهذه الجملة، غير معلّق على شي‏ء، و تكون الجملة بهذا اللحاظ، خبرية، لا إنشائية، و إن كانت جملة الجزاء إنشائية، و ذلك لأنّ مرجع الجملة بلحاظ مدلولها التصديقي، إلى الحكاية عن ربط الجزاء بالشرط، و لهذا كانت خبرية.

و قد يقال: انّ المدلول التصوري للجزاء، إنشائي، فإذا فرض انّ الجملة بمدلولها التصديقي خبريّة، يكون ذلك منافيا لأصالة التطابق بين المدلول التصوري و المدلول التصديقي.

610

إلّا انّا نقول: إنّ اصالة التطابق هذه، إنّما تكون، فيما إذا كان المدلول التصديقي، موازيا للمدلول التصوري لجملة الجزاء، و هذا عكس فرض محل الكلام.

و أمّا إذا فرض الأول، و هو كون المدلول التصديقي، موازيا لمدلول جملة الجزاء، بمعنى انّ ما يفاد بهذه الجملة، هو إيجاب الإكرام، لا الربط بين إيجابه، و مجي‏ء زيد، كما كان على الفرض الثاني، فمقتضى اصالة التطابق بين مقام الإثبات و مقام الثبوت، أن يكون التعليق ساريا من المدلول التصوري إلى المدلول التصديقي، و هو الوجوب، فكما انّ المدلول التصوري لهيئة «أكرمه» يكون مقيدا الشرط، و هو، «المجي‏ء»، كذلك المدلول التصديقي الموازي له، و الذي هو الإيجاب، يكون مقيدا بذلك الشرط.

و معنى كون الوجوب مقيدا الشرط، بالنسبة للقضايا الحقيقية، التي يكون للوجوب فيها، جعل و مجعول، هو انّ الوجوب، بمعنى المجعول، مقيد بالشرط، لا بمعنى الجعل، لأنّ الجعل موجود الآن، و قبل تحقق الشرط.

و قد ذكرنا في محله، انّ قيديّة الشرط للمجعول، ترجع إلى التحصيص، لا إلى السببيّة الحقيقيّة، إذ لا ثبوت للمجعول حقيقة عند ثبوت الشرط، لأنه لا وجود للأحكام وراء عالم الجعل.

هذا بالنسبة للقضايا الحقيقية، التي يكون للوجوب فيها مرحلة جعل و مرحلة مجعول.

و أمّا بالنسبة للقضايا الشخصيّة الخارجيّة، التي قد يكون للوجوب فيها، مرحلة جعل و مرحلة مجعول، و قد تكون إحداهما مندمجة في الأخرى، ففي مثله، أي إذا كانتا مندمجتين، فإنّ تقييد الوجوب بالشرط، يرجع إلى انّ أصل الجعل مقيد به.

611

الّا انّ هذا خلاف الظاهر بالنسبة للقضايا الشرطية، فإنّ الظاهر منها بحسب الارتكاز العرفي، هو كونها قضايا حقيقية، فيرجع تقييد الوجوب بالشرط إلى تقييد المجعول، لا أصل الجعل، كما عرفت.

و من مجموع ما ذكر، اتّضح انّ المناط في سراية التعليق من المدلول التصوري إلى المدلول التصديقي، هو أن تكون الجملة من قبيل الوجه الثاني من النحو الأول، و أن تكون من قبيل الفرض الأول من النحو الثاني.

و إن شئت قلت: عند ما يكون المدلول التصديقي موازيا لمفاد هيئة الجملة الشرطية، لا يسري التعليق حينئذ إلى المدلول التصديقي، و عند ما يكون موازيا لمفاد الجزاء، فالظاهر السريان، سواء كان الجزاء جملة إخباريّة أو إنشائيّة.

و هنا نبحث فيما هو الظاهر من هذين الاحتمالين. فقد يقال بأن الظاهر هو الثاني، لأن الأول مخالف لما تقتضيه اصالة التطابق بين عالم الثبوت و عالم الإثبات، إذ في عالم الإثبات يكون المدلول التصوري للجزاء معلقا، و يكون المدلول التصوري فيما إذا كان الجزاء جملة إنشائية عبارة عن النسبة الإرسالية، بينما لو كان المدلول التصديقي موازيا لمفاد هيئة الجملة الشرطية لكان المدلول التصديقي غير معلق، و كان المدلول التصديقي مخالفا مع المدلول التصوري.

و هذا بخلاف ما إذا كان المدلول التصديقي موازيا لنفس الجزاء.

الّا انه لا يمكن المساعدة على هذا، لأن المدلول التصديقي، إنّما ينبغي أن يكون مطابقا مع المدلول التصوري، فيما إذا كان موازيا لنفس ذاك المدلول التصوري، لا فيما إذا كان موازيا لمدلول تصوري آخر.

و عليه، فلا تعقل البرهنة، على لزوم كون المدلول التصديقي موازيا للجزاء، بأصالة التطابق، بين المدلول التصديقي، و المدلول التصوري للجزاء.

612

و بناء على هذا، يقال: إنّ الصحيح هو، انّ الظاهر هو الاحتمال الأول، أي انّ المدلول التصديقي، مواز لنفس مفاد هيئة الجملة الشرطية، و ذلك، باعتبار انّه بحسب عالم المدلول التصوري، تكون النسبة الإرساليّة طرفا للنسبة التعليقيّة، فإنّ النسبة التعليقيّة نسبة بين مفاد الشرط و مفاد الجزاء، و ليست النسبة التعليقية طرفا للنسبة الإرسالية، بل النسبة الإرسالية قائمة بطرفين مستقلين لها.

و بهذا الاعتبار، يكون المركز و المحور و المنظور الأساسي في المداليل التصورية، هو النسبة التعليقية لا النسبة الإرسالية، و إنّما جي‏ء بالنسبة الإرساليّة، ليتم بذلك أطراف النسبة التعليقية.

و حينئذ يقال، بأنّه لو كان المدلول التصديقي و المنظور الأساس فيه، هو النسبة التعليقية، حينئذ يتطابق المدلول التصديقي مع المدلول التصوري، و أمّا لو كان المدلول التصديقي بإزاء النسبة الإرسالية، فإنّه حينئذ تنعكس المسألة، و يكون المنظور الأساس هو النسبة الإرساليّة، و تكون النسبة التعليقيّة منظورة بالتبع، و مقتضى اصالة التطابق بين مقام الثبوت و الإثبات، ان يكون المدلول التصديقي مواز مع النسبة التعليقيّة لا النسبة الإرسالية.

3- المرحلة الثالثة: هي انه بعد أن عرفنا انّ المعلّق على الشرط هو المدلول التصوري للجزاء أولا و بالذات، يقع الكلام في ان المعلق، هل هو المدلول التصوري لهيئة الجزاء أو المدلول التصوري لمادة الجزاء.

و مقتضى ما ينساق إليه الذهن، الفطري، كون المعلّق عليه هو المدلول التصوري لهيئة الجزاء دون مادته. لأن أداة الشرط موضوعة لإفادة تعليق نسبة على نسبة، و النسبة مدلول للهيئة، و ليس للمادة.

و بتعبير آخر، يقال: انّ الجزاء مركب من هيئة تدل على النسبة

613

الإرسالية، فيما إذا كان جملة إنشائية، و من مادة تدل على مفهوم اسمي خاص، و هو الإكرام مثلا.

و حينئذ يقال: هل انّ المعلّق على الشرط هو النسبة الإرسالية، أو انّ المعلق عليه هو الإكرام؟.

فإذا ادّعي انسياق الذهن إلى كون المعلّق هو المدلول التصوري لهيئة الجزاء دون مادته، استشكل في ذلك، باعتبار أنّ مدلول الهيئة هو النسبة بنحو المعنى الحرفي، و المعنى الحرفي غير قابل للتقييد، و معه يستحيل أنّ يكون المعلّق و المقيّد، هو المدلول التصوري لهيئة الجزاء.

و هذا الإشكال قد ارتضاه جملة من العلماء، منهم الشيخ الأعظم (قده).

و من هنا، ذهب الشيخ الأعظم (قده) إلى انّ جميع القيود في الواجب المشروط ترجع إلى المادة لا إلى الهيئة (1)، كما حقّق ذلك في محله.

و بعبارة أخرى، فإنّ الشيخ الأعظم (قده) ذهب إلى كون المعلّق على الشرط هو المدلول التصوري لمادة الجزاء، أي المفهوم الاسمي الخاص، الذي هو «الإكرام».

و من هنا، استشكل عليه، بأنّه بناء على ذلك، لا يبقى فرق بين قيد الوجوب، و قيد الواجب، لأنّ القيد فيهما راجع إلى المادة، مع انّه لا إشكال في الفرق بينهما، حيث إنّه لا يجب تحقيق شرط الواجب في مقام امتثال الجملة الشرطية، فلو قال، «إن جاء زيد فأكرمه»، فإنّه لا يجب أن نأتي يزيد كي نكرمه، بينما يجب الإتيان بالمدلول التصوري لهيئة الجزاء، و الذي هو «الإكرام».

____________

(1) مطارح الأنظار- الأنصاري- ج 1- ص 46- 47- 48.

614

و قد تصدّى المحقق النائيني‏ (1) (قده) لدفع هذا الإشكال عن الشيخ الأعظم (قده)، فوجّه مقصوده، بحيث لا يرد هذا الإشكال عليه، فادّعى وجود فرق بين قيد الوجوب و قيد الواجب، و إنّ كان كلاهما راجعا إلى المادة.

و حاصل هذا الفرق، هو انّ رجوع القيد إلى المادة، تارة يكون قبل عروض الوجوب عليها، و أخرى يكون في عرض عروض الوجوب عليها، فعلى الأول، يكون الوجوب عارضا على المادة المقيدة بما هى مقيدة، و حينئذ، يجب تحصيل القيد و هذا شأن قيد الواجب، كالوضوء بالنسبة إلى الصلاة، و على الثاني، يكون عروض الوجوب على المادة في عرض تقييد المادة بالشرط، و حينئذ لا يكون القيد واجب التحصيل، و هذا شأن قيد الوجوب كالاستطاعة بالنسبة إلى الحج، و هذا الذي سمّاه بتقييد المادة المنتسبة (2)، حيث قال انّ القيد يرجع إلى المادة المنتسبة.

و هذا الكلام من الميرزا (قده) على ما هو عليه، لا يدفع الإشكال الوارد على الشيخ الأعظم (قده).

و من هنا كان لا بدّ من توضيحه بشكل يدفع هذا الإشكال، و لهذا فإنّ الكلام يقع في أمرين.

1- الأمر الأول: في أصل المشكلة، و أنّه هل يمكن رجوع القيد إلى الهيئة، أو لا يمكن، و قد ذكر المحقق الأصفهاني‏ (3) (قده) في المقام، انّ رجوع الشرط إلى الهيئة يتصور على نحوين.

أ- النحو الأول: هو أن يفرض رجوع الشرط إلى مفاد الهيئة، و هي النسبة الإرسالية، بعد أن تستكمل هذه النسبة وجودها كنسبة متقوّمة

____________

(1) فوائد الأصول- الكاظمي ج 1 ص 181- 182- 301.

(2) فوائد الأصول الكاظمي، ج 1، ص 301.

(3) نهاية الدراية- الأصفهاني ج 2 ص 290- 291

615

بطرفين، و هما المرسل، و المرسل إليه، و هذا النحو يرد عليه الإشكال المذكور لأنّ هذه النسبة معنى حرفي، و لا يتصوّر فيه التقييد.

ب- النحو الثاني: أن تكون هذه النسبة الإرساليّة، من أوّل الأمر، متقومة بثلاثة أطراف، المرسل، و المرسل إليه، و الشرط، فيكون الشرط داخلا في أصل وجود هذه النسبة، و هنا لا يرد الإشكال، لأنّا لا نريد تقييد النسبة بعد اكتمالها.

إذن فهذا النحو الثاني، يدفع الإشكال الوارد على القول برجوع القيد و الشرط إلى مفاد الهيئة.

و قد ذكرنا في بحث الواجب المطلق و المشروط، انّ هذا الكلام، لا يدفع الإشكال، لأنّ رجوع القيد إلى الهيئة، يكون على النحو الأول، لا الثاني، و قد عرفت انّ النحو الأول لا يدفع الإشكال.

و التحقيق في حلّ هذا الإشكال قد ذكرناه في محله. و ملخصه: انّ هذا الإشكال ينحل في الحقيقة إلى إشكالين.

1- الإشكال الأول: هو انّ النسبة معنى حرفي، و المعنى الحرفي من المعاني الآلية التي لا يلتفت إليها، و حينئذ، فيستحيل تقييدها، لأنّ تقييد شي‏ء، فرع الالتفات إليه.

الإشكال الثاني: هو انّ المعنى الحرفي، من المعاني الجزئية، و هي غير قابلة للتقييد.

و قد ذكرنا في مقام دفع الإشكال الثاني، انّه ليس المقصود بجزئية المعنى الحرفي، الجزئية الحقيقية، أيّ عدم الصدق على كثيرين، بل المراد بجزئيته، انّه متقوّم بالأطراف التي يربط بينها و يستحيل تجرده عنها.

و أمّا بالنسبة لبقيّة الخصوصيّات الأخرى، فهو أمر كلّي يقبل الإطلاق و التقييد.

أمّا الإشكال الأول: فقد اعترفنا في محله انّ هذا الإشكال لا يمكن‏

616

تجاوزه بالنظرة الأولى التي هي نظرة إلى المعنى الحرفي، لأنّه بهذه النظرة لا إشكال في عدم قابليته للتقييد، لكن بنظرة ثانية، و لو بتوسط مفهوم اسمي مشير إليه، يمكن تقييده على ما عرفت تحقيقه في محله.

هذا حاصل ما ذكرناه في مقام دفع أصل هذا الإشكال ممّا يهمنا ذكره، و أمّا التفصيل فقد ذكر في محله، و بهذا تمّ الكلام في الأمر الأول.

2- الأمر الثاني: هو في توضيح ما ذكره الميرزا (قده) في مقام دفع الإشكال، حيث ذكر ان الشرط يرجع إلى المادة المنتسبة (1)، و بعد توضيح كلامه يظهر ان ما ذكره من الجواب يرجع إلى ما ذكرناه في مقام الجواب عن هذا الإشكال، فكلا الجوابين يرجعان إلى معنى واحد، و حاصل ما يمكن ان يقال في مقام توضيح كلامه (قده) هو ان المادة، و هي الإكرام، في قولنا، إذا جاء زيد فأكرمه، فهذه المادة وقعت موضوعا لنسبتين، الأولى، النسبة الإرسالية التي هي مفاد «هيئة أكرم»، و الثانية، النسبة التي هي عبارة عن تقييد «المادة بالشرط».

و هنا يوجد ثلاثة أنحاء لتنظيم العلاقة بين هاتين النسبتين.

1- النحو الأول: هو أن يكون عروض النسبة الإرسالية، أي الوجوب، على المادة بعد تقييد المادة بالشرط، و هذا النحو غير صحيح، لأن لازمه عروض الوجوب على نفس الشرط، باعتبار ان الوجوب طرأ على الإكرام المقيد بهذا الشرط بما هو مقيد، و هذا معناه، عروض الوجوب على هذا الشرط، و هذا واضح البطلان، لأنّ الشرط لا يجب تحصيله، فلو قال، إذا قمت فأكرم زيدا، فإنه لا يجب تحصيل الشرط، و هو القيام كي نكرم زيدا، و هذا واضح.

2- النحو الثاني: هو أن يكون عروض كل من النسبة الإرسالية، و التقييد بالشرط، على المادة في عرض واحد.

____________

(1) فوائد الأصول الكاظمي ج 1 ص 296- 297.

617

و هذا المعنى، و إن كان هو ظاهر عبارة تقريرات‏ (1) بحث الميرزا (قده)، إلّا انّه من المظنون أنه قصور في عبارة التقريرات.

و هذا النحو أيضا غير صحيح، لأنّ لازمه أن لا يكون هناك أيّ علاقة تقييدية بين الشرط و الواجب، لا مباشرة، بأن يكون الشرط قيدا للوجوب لأنه في عرضه، و لا بالواسطة، بأن يكون قيدا لمتعلق الوجوب، لأن كل تقييد لمتعلق الوجوب يجب ان يكون أسبق من الوجوب، و قد فرضنا ان هذا القيد في عرض الوجوب، إذن فهذا النحو باطل أيضا.

و بعبارة أخرى، يقال: ان النحو الثاني هو أن تطرأ النسبتان الإرسالية و التعليقية على مفاد المادة في عرض واحد، و هذا النحو أيضا باطل، لأنه بناء عليه لا يثبت التقييد لا في الوجوب و لا في الواجب، و لازمه انه يجب على المكلف بالفعل أن يكرم زيدا و إن لم يجي‏ء، فإن المفروض ان الوجوب لم يعرض على القيد كما ان المفروض ان التقيد ليس في طول الوجوب، فهذا النحو باطل أيضا.

3- النحو الثالث: هو أن يفرض أولا عروض الوجوب على المادة.

و هذه المادة بما هي معروضة للوجوب يطرأ عليها الشرط، فيكون التقييد بالشرط في طول التقييد بالوجوب فالشرط قيد للإكرام المعروض للوجوب، لكن لا بمعنى انه قيد لنسبة الإكرام إلى الوجوب كما فهمه السيد الخوئي (قده) فأشكل عليه بأن هذا رجوع إلى أصل الإشكال، بل المقصود ان الشرط قيد لحصة خاصة من الإكرام، المعروض للوجوب بما هو مفهوم إفرادي متحصص و للنسبة الإرسالية، فإن هذا الإكرام المعروض للوجوب المقيّد، هو حصة خاصة من المفهوم الاسمي، و هو الذي يكون منوطا بالشرط.

____________

(1) فوائد الأصول ج 1- الكاظمي ص 296- 301 المطبعة العلمية.

618

لا يقال: بأن أداة الشرط موضوعة لتعليق نسبة (1) على نسبة كما استظهر ذلك الميرزا (قده) من عبارة التهذيب، فكيف صار المعلّق مفهوما إفراديا.

فإنّا نقول: ان أداة الشرط موضوعة لتعليق نسبة على نسبة، بمعنى انه لا بدّ و أن يكون المعلّق، و المعلق عليه، في مرحلة الكلام جملة تامة، لا أنّ المعلّق لبا يجب أن يكون نسبة.

و هذا النحو الثالث، هو المتعيّن بعد بطلان النحوين، الأول و الثاني.

و هذا النحو يرجع في حقيقته إلى نفس ما ذكرناه في مقام دفع الإشكال الأول، و هو إشكال الآليّة، لأنّ ما ذكرناه يرجع إلى انّا ننتزع من «أكرم» مفهوما اسميا تقيديا و هو مفهوم «الإكرام» المعروض للوجوب و نرجع القيد إليه. و هذا هو لسان النحو الثالث أيضا الذي ذهب إليه الميرزا (قده).

و بعبارة أخرى يقال: إنّ هذا النحو الثالث هو اختيارنا، و حاصله: هو ان المعلق إنما هو مفاد الهيئة، لكن لا مباشرة، بل بتوسط مفهوم اسمي مشار إليه، كمفهوم هذه النسبة مثلا، فكأنما قيل، «أكرم زيدا» و هذه النسبة الإرساليّة معلّقة على الشرط.

و هذا الذي قلنا، انه يرجع إلى روح ما قاله الميرزا (قده)، من انّ المادة بما هي معروضة للنسبة تكون معلقة، و هذا معناه، اتخاذ مفهوم اسمي مشير إلى النسبة، و تعليق ذاك المفهوم الاسمي على الشرط.

و أمّا بالنسبة للإشكال الثاني، و هو إشكال الجزئيّة، فكلامنا الذي ذكرناه في دفعه، متفق مع ما ذكره الميرزا (قده) في مقام دفعه.

و قد تقدم تحقيق ذلك كله، في بحث الواجب المطلق و المشروط، و الذي ذكرناه في المقام، هو المقدار الذي نحتاجه في مقام استنتاج المفهوم من الجملة الشرطية هذا تمام الكلام في المرحلة الثالثة، و بها تم الكلام في النقطة الأولى.

____________

(1) فوائد الأصول الكاظمي ج 1 ص 296- 297.

619

2- النقطة الثانية: هي في تحقيق الركن الثاني من ضابط المفهوم، و هو انّ المعلّق على الشرط، هل هو طبيعي الحكم، أو شخصه‏

، فإذا أثبتنا انّ المعلّق عليه هو طبيعي الحكم، فيتم الركن الثاني للضابط، كما أشرنا إليه سابقا.

و قد يقال: إنّه بواسطة مقدمات الحكمة، يثبت انّ المعلّق هو طبيعي الحكم، فمثلا في قوله تعالى، أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ‏، إذا شكّ في انّ المحلّل هل هو طبيعي البيع، أو شخص خاص منه، فيتمسّك بمقدمات الحكمة لإثبات كون المحلل هو طبيعي البيع، فيقال: لو أراد المولى شخص بيع معيّن، لبيّن، لأنّه في مقام البيان، و حيث انّه لم يبيّن، فيثبت انّه أراد طبيعي البيع.

و في محل الكلام أيضا يقال ذلك: ففي قوله: «إذا جاء زيد فأكرمه»، عندنا حكم، و هو «وجوب الإكرام»، و قد علّق هذا الحكم على شرط، فإذا شك في انّ المعلّق هل هو شخص هذا الحكم، أو طبيعيّ وجوب الإكرام، فيتمسك حينئذ بالإطلاق، فيثبت انّ المعلّق هو طبيعي الحكم، و ذلك بواسطة مقدمات الحكمة كما عرفت في مثال، «أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ».

فبهذا البيان، يمكن إثبات الركن الثاني، و هو كون المعلّق على الشرط، إنّما هو طبيعي الحكم.

و بعبارة أخرى يقال: انّه في قوله: «إذا جاء زيد فأكرمه»، يوجد عندنا موضوع، و هو عبارة عن مفاد جملة الجزاء، الذي هو «وجوب الإكرام»، و عندنا حكم، و هو تعليق هذا الموضوع، على المجي‏ء، فإذا شك في انّ هذا الحكم، و هو التعليق، هل رتّب على طبيعيّ وجوب الإكرام، أو على شخصه؟ فحينئذ، بواسطة مقدمات الحكمة، يثبت انّه رتّب على الطبيعي، و هذا كما لو بدّلنا المعنى الحرفي بمعنى اسمي، فقلنا بدل قولنا، «إذا جاء زيد فأكرمه»، قلنا، «وجوب إكرام زيد معلّق على مجيئه» و شككنا في كون المعلّق، هل هو طبيعي الحكم أو شخصه، ففي مثله، لا إشكال في‏

620

التمسك بالإطلاق، لإثبات كون المعلّق، هو طبيعي الحكم لا شخصه، فهذا برهان يثبت به الركن الثاني.

و تحقيق الحال في هذا البرهان، هو انّ تماميّته تتوقف على شروط ثلاثة:

1- الشرط الأول: هو أن يكون رجوع الشرط إلى مفاد الهيئة في الجملة الشرطية، كما في قولنا، «إذا جاء زيد فأكرمه»، إنّما هو، بعد استكمال النسبة الإرساليّة و تقوّمها بطرفيها، و هو النحو الأول، من النحوين المذكورين، في تصوير رجوع الشرط إلى مفاد الهيئة كما عرفت، فبناء على ذلك، يمكن أن يتم هذا البرهان، فيقال: إنّه بعد تماميّة النسبة و طرو التقييد بالشرط، يشك في انّ المقيّد هل هو طبيعي الحكم، أو شخصه، فيتمسك حينئذ بالإطلاق، لإثبات الركن الثاني.

و أمّا لو سلكنا مسلك المحقق الأصفهاني (قده)، و هو النحو الثاني، و قلنا بأنّ النسبة الإرساليّة من أول الأمر، هي متقوّمة بثلاثة أطراف، المرسل، و المرسل إليه، و التقييد بالشرط، فيكون التقييد بالشرط داخلا في حقيقة النسبة، و معه لا يتم هذا البرهان، لأنّه لا يكون التقييد أمرا طارئا على النسبة ليكون من باب الموضوع مع حكمه كي يتمسك بالإطلاق بالنحو الذي مرّ، و عليه، فبناء على مسلك الأصفهاني (قده) يتعذر إثبات الركن الثاني.

2- الشرط الثاني: هو أن لا يكون المعلق على الشرط اصالة، هو المدلول التصديقي، كما هو مسلك السيد الخوئي (قده)، فإنّه بناء على ذلك، يكون المعلّق على الشرط، هو الجعل الموجود في نفس المتكلم، و الذي كشفت عنه الجملة الشرطية، و من المعلوم انّ الجعل الموجود في نفس المتكلم، فرد مشخّص، و معه لا يتم الركن الثاني، و هو كون المعلّق طبيعي الحكم.

و أمّا على مسلكنا و كون المعلّق على الشرط هو المدلول التصوري،

621

فيمكن تماميّة هذا البرهان، لأنّ المدلول التصوري كلي دائما فيما عدا الأعلام الشخصية، و إذا كان كليا، فيعقل التمسك فيه بالإطلاق، لأنّ مقدمات الحكمة إنّما تجري في المفاهيم الكلية، و عليه، فعلى مبنى السيد الخوئي (قده) المذكور، يتعذّر إثبات الركن الثاني.

3- الشرط الثالث: هو أن يكون المدلول التصديقي للجملة الشرطية موازيا للجملة الشرطية ككل، أي للنسبة الربطيّة، لا لهيئة الجزاء، و هو النسبة الإرسالية.

و توضيحه: إنك قد عرفت انّ المعلّق على الشرط مباشرة و بالأصالة، هو المدلول التصوري للجزاء، و حينئذ، فالمدلول التصديقي للجملة، أمّا أن يكون موازيا مع هيئة الجزاء، أو مع الجملة الشرطيّة ككل، فإذا كان الأول، فالتعليق يسري من المدلول التصوري إلى المدلول التصديقي، و إن كان الثاني، فلا سريان، كما تقدم تفصيله.

فإذا كان المدلول التصديقي موازيا لهيئة الجملة الشرطية ككل، فإنّ ذلك يعني، انّ النسبة الإرساليّة في جملة الجزاء، وقعت موضوعا للمدلول التصديقي، لا حاكية عنه، فيكون للنسبة الإرساليّة صورتان:

إحداهما على مستوى المدلول التصوري، و الأخرى على مستوى المدلول التصديقي، و المدلول التصوري للنسبة الإرسالية هو طبيعي وجوب الإكرام، لأن المدلول التصوري، كلي دائما كما عرفت، و حينئذ فبمقتضى أصالة التطابق بين مقام الإثبات و مقام الثبوت نعين المقصود من النسبة الإرسالية التي وقعت موضوعا للمدلول التصديقي، و بذلك يثبت، انّ ما هو موضوع التصديق و الربط واقعا، هو عبارة عن نفس ما دلّ عليه هيئة أكرم، أي طبيعي النسبة الإرسالية، فيتم الركن الثاني.

و أمّا إذا كان المدلول التصديقي للجملة، موازيا مع هيئة الجزاء، فحينئذ، تكون النسبة الإرساليّة حاكية عن المدلول التصديقي- و هو حكم المتكلم و جعله للوجوب- لا موضوعا له، و من المعلوم انّ المدلول‏

622

التصديقي جزئي، كما عرفت، و حينئذ، فيتعذّر إجراء مقدمات الحكمة لإثبات كون المعلّق هو طبيعي الحكم، أي الوجوب.

و لا مجال في المقام لإجراء أصالة التطابق بين مقام الإثبات و مقام الثبوت كما في الفرض الأول، لأنّ محكيّ المدلول التصديقي، هو جزئي، و لا إشكال في ان الجزئي يزيد على الكلي بمشخصاته.

و عليه، فلا معنى لإجراء أصالة التطابق.

هذا حاصل الكلام في هذه الشروط الثلاثة، و قد عرفت تماميّة الأول و الثاني، و أمّا الثالث فهو أيضا تام، لأنّ تماميّته عبارة عن تطبيق أصالة التطابق بين مقام الإثبات و مقام الثبوت، لأنه بحسب مقام الإثبات عندنا نسبة إرساليّة، هي مفاد هيئة أكرم، و هذه النسبة الإرسالية، وقعت- على مستوى المدلول التصوري- طرفا لنسبة أخرى تامة، و هي النسبة الربطية، و بهذا خرجت عن كونها ممّا يصح السكوت عليها، إلى كونها ممّا لا يصح السكوت عليها، و حينئذ، فإن فرض ان المدلول التصديقي كان بإزاء هيئة الجملة الشرطية ككل، أي النسبة الربطية و كانت النسبة الإرسالية طرفا له، فحينئذ، تتطابق صياغة مقام الإثبات مع مقام الثبوت.

و أمّا إذا فرض انّ المدلول التصديقي كان على طبق النسبة التي هي طرف، بحيث كأنّ هذه النسبة هي الأصل في مرحلة المدلول التصديقي، و أمّا في مرحلة تركيب المدلول التصوري كانت طرفا، فحينئذ لا يكون هناك تطابق بين مقام الإثبات و مقام الثبوت، فبمقتضى أصالة التطابق، ينصرف الذهن لانتزاع المدلول التصديقي بإزاء هيئة الجملة الشرطية ككل، لا بإزاء هيئة الجزاء، فهذا دليل لميّ لإثبات الشرط الثالث.

و ينبغي الإشارة لشي‏ء، و هو انّ الشعور بدلالة لفظ على معنى، تارة، يكون على أساس وجدان مباشر لاستظهار المعنى منه، و هو ما يسمّى بالانصراف، و نحوه.

623

و في حالة عدم وجود هذا الوجدان، فحينئذ، إن أمكن أن يثبت انّ المقام صغرى من صغريات كبرى مسلمة، من قبيل، «كبرى مقدمات الحكمة»، فيكون ذلك دليلا «لميّا» لإثبات الدلالة.

و مقامنا من هذا القبيل، فبعد تسليم عدم وجود وجدان يثبت الركن الثاني، إلّا انّه قد تمكّنا من إدخاله تحت كبرى مسلّمة، و هي مقدمات الحكمة بالنحو الذي عرفت.

و بذلك، أمكن إثباته، فالركن الثاني من الضابط تام، هذا هو تمام الكلام في النقطة الثانية.

3- النقطة الثالثة: و هي في تحقيق الركن الأول، و الذي كان بحسب تعبير المشهور، عبارة عن إثبات دلالة الجملة الشرطيّة على اللزوم العلّي الانحصاري.

و بحسب تعبيرنا، ينحل إلى مقامين.

1- المقام الأول: انتزاع المفهوم بلحاظ المدلول التصوري، و ميزانه، أن تكون الجملة الشرطية دالة على النسبة التوقفيّة.

2- المقام الثاني: انتزاع المفهوم بلحاظ المدلول التصديقي، و ميزانه، دلالة المدلول التصديقي على عدم الانفكاك بين الشرط و الجزاء، كما عرفت تفصيله.

و من هنا يمكن أن نصنّف التقريبات التي ذكرت لإثبات هذا الركن، إلى نوعين.

أحدهما، تقريبات لانتزاع المفهوم بلحاظ المدلول التصوري.

و الآخر، تقريبات لانتزاعه بلحاظ المدلول التصديقي.

و كلّ تقريب يكون مبنيا على التبادر و الانسباق، يكون مرجعه إلى‏

624

دعوى انتزاع المفهوم بلحاظ المدلول التصوري، لأنّ الانسباق و التبادر دليل الوضع، و الدلالة الوضعيّة دلالة تصورية كما عرفت.

و كلّ تقريب، مبني على التمسّك بمقدمات الحكمة، يكون مرجعه إلى انتزاع المفهوم، بلحاظ المدلول التصديقي، لأنّ مقدمات الحكمة ترجع إلى الظهور السياقي، و الدلالة الراجعة إلى الظهور السياقي، دلالة تصديقية.

[التقريبات في المقام‏]

إذا عرفت ذلك، ندخل في التقريبات التي ذكرت في المقام، و هي خمسة.

التقريب الأول: و حاصله: هو انّ هيئة الجملة الشرطية أو أداة الشرط، موضوعة للربط بين الشرط و الجزاء، و هذا الربط، عبارة عن اللزوم العلّي الانحصاري‏

حسب تعبير المشهور، و بناء على تعبيرنا نقول: بأنّ هيئة الجملة الشرطيّة، موضوعة لإفادة النسبة التوقفيّة، و يستدل على ذلك بالتبادر، و هو دليل الوضع.

و هذا التقريب ان تمّ فهو يثبت المفهوم للجملة الشرطية، لكن في مرحلة المدلول التصوري.

و قد اعترض على هذا التقريب، بأن لازمه التجوز و العناية في الجملة الشرطية التي لا تكون دالة على المفهوم كما في قولنا، إذا شربت السمّ تموت، فهذه جملة لا مفهوم لها قطعا، فإذا فرض ان الجملة موضوعة للنسبة التوقفيّة، أو للربط بنحو اللزوم العلّي الانحصاري، للزم التجوز في الجملة المذكورة، لأنها لم تستعمل فيما وضعت له باعتبار انه لا مفهوم لها، مع انه لا إشكال في عدم التجوّز في أمثال هذه الجملة.

و هذا الاعتراض، سوف يأتي الكلام فيه، بعد استعراض باقي التقريبات.

التقريب الثاني: هو أن يقال: ان الجملة الشرطية موضوعة للجامع بين اللزوم العلّي الانحصاري، و اللزوم العلّي غير الانحصاري‏

، إلّا انه عند

625

إطلاقها ينصرف الجامع إلى اللزوم العلّي الانحصاري لكونه الفرد الأكمل و الأجلى و باعتبار أنه أشدّ أنحاء اللزوم استحكاما.

و هذا التقريب كالتقريب السابق، يرجع انتزاع المفهوم إلى مرحلة المدلول التصوري.

و هذا التقريب، ممنوع صغرى و كبرى.

امّا منع الصغرى: فباعتبار انّ هذا اللزوم، ليس بأكمل أفراد اللزوم، لأنّ هذا الجامع الذي يدّعى انصرافه، إن كان عبارة عن النسبة التوقفية، فقد عرفت فيما سبق، انّ النسبة التوقفيّة، هي وحدها كافية، في انتزاع المفهوم، سواء ثبتت العليّة الانحصاريّة أو لم تثبت.

و إن كان هذا الجامع، عبارة عن النسبة الاستلزامية و الإيجادية، فحينئذ نقول: بأنّ النسبة الاستلزاميّة في حال الانحصار، ليست بأقوى منها في حال عدم الانحصار، لأنّ كون «ألف» يستلزم «باء»، لا يفرّق فيه، بين أن يكون هناك شي‏ء آخر يستلزم «باء» أو لا يكون.

نعم حاجة، «باء» إلى «ألف»، مع فرض وجود علة أخرى ل- «باء»-، أقلّ منها، فيما إذا لم يكن هناك علة أخرى.

و هذا بحسب الحقيقة، رجوع إلى النسبة التوقفيّة، و قد عرفت الكلام فيها، فالصغرى ممنوعة.

أو فقل: ليس اللزوم الانحصاري بأكمل أو أشد استحكاما في اللزوم من غير الانحصاري، إذ انّ وحدة العلة أو تعدّدها لا تؤثر في درجة الإيجاد و الاستلزام الموجودة بين العلة و معلولها، و إنّما تختلف درجة حاجة المعلول إلى العلة، بوجود علة أخرى أو عدمه و توقفه عليها.

نعم، لو استفيد من الشرطيّة النسبة التوقفيّة، ثبت المفهوم حينئذ، و لكنّه غير موقوف حينئذ على إثبات العليّة الانحصاريّة للشرط.

626

و أمّا منع الكبرى، فلأنّه لو سلّمت أكمليّة اللزوم العلّي الانحصاري، إلّا انّ مجرّد الأكمليّة، ليست موجبة للانصراف، و إلّا لانصرف لفظ الإنسان لأكمل أفراده، و إنّما الموجب للانصراف، هو اشتداد العلاقة بين اللفظ و أحد معانيه لعوامل و أسباب خارج الوضع و هذا الاشتداد، لا يكفي فيه مجرد الأكمليّة، بل يرجع هذا إلى مناسبات عرفية و استعمالات خارجية لا مجرد الأكملية الثبوتية.

3- التقريب الثالث: و فيه يراد إثبات أمور ثلاثة كي نتوصل إلى مفهوم في الجملة الشرطية. و هذه الأمور الثلاثة هي: أولا، الاستلزام بين الشرط و الجزاء، و ثانيا، كون الاستلزام بينهما على أساس العليّة، و ثالثها، كون هذه العليّة انحصاريّة.

أمّا الاستلزام، فنثبته بالوضع في مرحلة المدلول التصوري للجملة الشرطية، بدعوى انّ اللزوم مأخوذ في مدلول النسبة الربطيّة التي تدل عليها هيئة الجملة الشرطيّة أو أداتها.

و أمّا العليّة، فنستفيدها من إطلاق اللفظ الراجع إلى «فاء» التفريع، الموجودة واقعا أو كيانا في الجملة الشرطية، فيقال: كما انّ الجزاء متفرع على الشرط و مترتب عليه إثباتا، كذلك هو متفرع عليه ثبوتا بمقتضى أصالة التطابق بين مقام الإثبات و مقام الثبوت، فيثبت بذلك انّ الشرط علة للجزاء، و إلّا لما كان هناك تطابق بين عالم الثبوت و الإثبات و هو خلاف الإطلاق.

و أمّا الانحصار، فنثبته بواسطة الإطلاق الأحوالي للشرط، لأنّ مقتضى الإطلاق الأحوالي للشرط، انّه علة على كل حال، سواء قارنه شي‏ء آخر أو لا، و سواء سبقه شي‏ء آخر أو لا، كما عرفت سابقا، و سواء كان هناك علة أخرى لحصة من الوجوب أو لا، و ذلك لأنّه إذا كان هناك علة أخرى، فإن فرض انّ كلا منهما علة مستقلة لشخص هذا الحكم، فلازمه صدور

627

الواحد من متعدد، أو اجتماع علّتين مستقلتين على معلول واحد، و هو محال، و إن كان كل منهما جزء علة، فهذا خلاف إطلاق ترتب الجزاء على الشرط، فإن مقتضاه انّ الشرط علة تامة لترتب الجزاء، كما هو عند المنكر للمفهوم أيضا، و لو كان الشرط علة لحصة، و ذاك علة لحصة أخرى، للزم اجتماع الحكمين المثلين على متعلق واحد، و هو باطل.

إذن فهذا الإطلاق الأحوالي، يبرهن على انحصار العليّة بالشرط، و هذا التقريب إذا تمّ، ثبت المفهوم بلحاظ مرحلة المدلول التصديقي للكلام، المستكشف بالإطلاق و مقدمات الحكمة.

[اعتراضات على هذا التقريب‏]

إلّا ان هذا التقريب غير تام، و يرد عليه عدة اعتراضات.

1- الاعتراض الأول: و هو اعتراض على إثبات العليّة

، و حاصله: انّ غاية ما يقتضيه أصالة التطابق بين مقام الإثبات و الثبوت، هو انّ الجزاء مترتب على الشرط، إلّا انّ الترتب لا ينحصر أمره في الترتب العلّي، ليستكشف منه عليّة الشرط للجزاء، بل يمكن أن يكون ترتبا زمانيا، كما في قولنا: إذا وجد البرق وجد الرعد، فإنّ وجود الرعد مترتّب كلاما على وجود البرق ترتبا زمانيا، باعتبار انّ حركة النور أسرع من حركة الصوت، و ليس معنى ذلك، انّ الرعد معلول للبرق، بل هما معلولان لعلة أخرى.

2- الاعتراض الثاني: و هو اعتراض على إثبات الانحصارية،

و حاصله: هو انّ الإطلاق الأحوالي، إنّما يثبت عليّة الشرط على نحو الانحصار، في صورة ما إذا كانت العلة الأخرى المحتملة يمكن اجتماعها مع الشرط، كما لو احتملنا انّ إهداء زيد هديّة، يمكن أن يكون علة لوجوب إكرامه، كالمجي‏ء الذي كان علة لوجوب الإكرام، فهنا يمكن اجتماع المجي‏ء مع الهدية، ففي مثل ذلك، نثبت عليّة المجي‏ء على نحو الانحصار بالإطلاق الأحوالي بالنحو المتقدم.

و أمّا لو كانت العلة الأخرى المحتملة لا يمكن اجتماعها مع الشرط، كالموت مثلا، فيما إذا احتمل كونه علة، فهنا المجي‏ء لا يجتمع مع الموت،

628

و حينئذ، فلا معنى للتمسك بالإطلاق الأحوالي لإثبات انّ المجي‏ء علة لوجوب الإكرام مطلقا، أي سواء مات أو لا، إذ يمكن اختيار الفرض الثاني من الفروض الثلاثة في ذلك التقريب، و هو فرض احتمال كون العلة الأخرى علة مستقلة أيضا لحصة أخرى من الحكم، دون أن يلزم من ذلك اجتماع حكمين مثلين على موضوع واحد، بعد أن افترضنا عدم اجتماع الشرطين معا.

3- الاعتراض الثالث: و هو انّه لو سلم بأنّ ترتب الجزاء على الشرط، يستفاد من الترتب العلّي، إلّا انّ ذلك لا يثبت انّه علة تامة

، لاحتمال كونه جزء علة، و إطلاق ترتبه على الشرط، لا يثبت انّه علة تامة، لأنّ هذا الإطلاق، ينفي جزئيّة العلة الناشئة من القصور الذاتي، لا الجزئيّة الناشئة من تزاحم العلتين.

و توضيح ذلك هو: انّ الشي‏ء، تارة يكون جزء علة، باعتبار قصوره الذاتي عن الاستقلال في إيجاد المعلول، كالنار، فانّ النار لا تكفي وحدها للإحراق ما لم ينضم إليها عدم المانع، و أخرى يكون الشي‏ء جزء علة، لا من باب القصور الذاتي، بل هو في نفسه علة تامة، إلّا أن يكون هناك شي‏ء آخر علة تامة في نفسه، و حينئذ، فإذا اجتمعا في وقت واحد، فلمّا كان يستحيل تأثيرها معا، على نحو يكون كل منهما علة تامة، فحينئذ، لا بدّ و أن يصبح كل منهما جزء علة.

إذا عرفت ذلك، فنقول: إنّ جزء العلة التي ينافيها إطلاق الترتب هي الأولى، فتنفى بهذا الإطلاق، و أمّا الثانية، فلا تنافيه لتنفى به، فإنّه متى ما وجدت العلة وجد معلولها، سواء وجدت العلة الأخرى أو لا.

و إن شئت قلت: إنّه يمكن اختيار الشق الثالث، و هو احتمال كون الشرط- عند ما يجتمع مع العلة الأخرى المحتملة- يشكل جزء علة، و كذلك العلة الأخرى تشكل جزء آخر.

و الحاصل: انّ كلا منهما يشكل جزء علة لإيجاد الجزاء الواحد، لأنّ هذه الجزئيّة ليست ناشئة عن القصور الذاتي للشرط، كي يكون على خلاف‏

629

ظاهر الجملة الشرطية في كفاية الشرط لإيجاد الجزاء، و إنّما هو قصور بالعرض، أنتجه الاقتران بين علتين مستقلتين في نفسهما، و مثل هذه الجزئيّة غير منفية بالإطلاق، لأنّ الترتب و العليّة بين الجزاء و كلتا العلتين محفوظ في هذه الحالة، إذ الترتب بين الشرط و الجزاء، أعم من أن يكون الشرط علة واحدة أو علتين مقترنتين شكّلتا علة واحدة، و شرطا فاردا.

و عليه، فمن مجموع ما ذكرنا، يظهر عدم تماميّة هذا التقريب الثالث.

4- التقريب الرابع: و فيه يراد إثبات أمور ثلاثة العلّية، و اللزوم و الانحصار كما في التقريب السابق‏

، فالعلية، و اللزوم، يثبتان بنفس ما ذكرنا في السابق، و أمّا الانحصار، فنثبته ببرهان آخر غير برهانه السابق، و حاصله: هو أنّا نفرض انّ العلة الأخرى المحتملة، لا تجتمع مع الشرط، و في هذا الفرض، لم يمكن إثبات انحصار العليّة بالشرط بالتقريب السابق كما عرفت.

بينما هذا التقريب، يدّعى فيه إمكان إثبات ذلك، فيقال: لو كان لوجوب الإكرام علة أخرى غير المجي‏ء، و هو «الموت» مثلا، فحينئذ يقال:

إن كان كل منهما علة مستقلة لشخص هذا الحكم، فيلزم اجتماع علّتين مستقلّتين على شخص معلول واحد، و هذا مستحيل، كما عرفت في التقريب السابق، بل إنّ هذا أوضح بطلانا في هذا التقريب.

و الوجه فيه هو: إنّا نتكلم هنا عن علة أخرى محتملة لا تجتمع مع الشرط، و حينئذ، فكيف يعقل أن يكون الوجود الشخصي الناشئ من «مجي‏ء زيد» هو بعينه الوجود الشخصي الناشئ من موته، و المفروض انّ مجيئه و موته لا يجتمعان في زمان واحد، إذن فالمحذور في هذا التقريب أشدّ منه في التقريب السابق.

و إن كان كل من الشرط و العلة الأخرى المفروضة جزء علة، لا علة تامة، فهذا أيضا باطل، كما عرفت، لأنه خلاف إطلاق ترتب الجزاء على‏

630

الشرط الذي يقتضي كون الشرط علة تامة للجزاء، بل البطلان في هذا التقريب أوضح من سابقه أيضا، لأنّ فرض الكلام في علّتين لا يمكن اجتماعهما، فإذا فرض انّ كلا منهما جزء علة، لتعذّر وجود علة وجوب الإكرام دائما، لأنّ المجي‏ء و الموت لا يجتمعان أصلا.

و إن كان كل من الشرط و العلّة الأخرى المفروضة، علة لوجود من الحكم، غير الوجود الذي يكون الآخر علة له، فإنّ هذا الفرض أبطلناه في التقريب السابق، و قلنا بأنّ لازمه، اجتماع المثلين.

إلّا أنّ هذا المحذور لا يرد في هذا التقريب، لأنّ فرض الكلام فيه، هو عدم إمكان اجتماع العلتين معا، و معه لا يلزم هذا المحذور، إلّا انّ هذا الفرض نبطله ببرهان آخر، و حاصله: هو انّ هاتين العلتين إذا فرض انّ كلا منهما علة بخصوصه، فلازمه صدور الواحد بالنوع من الكثير بالنوع و هو مستحيل.

و إن فرض انّ العلة هي الجامع ما بينهما، فهذا خلاف ظهور الشرط، فإنّ ظاهره انّه علة بعنوانه.

و بهذا نثبت، انّ جميع الاحتمالات المترتبة على فرض وجود علة أخرى غير الشرط، باطلة.

و بهذا يتعيّن أن يكون الشرط علة منحصرة، و يثبت المفهوم بلحاظ المدلول التصديقي.

و هذا التقريب، غير تام، لأنّه يمكن أن نختار الاحتمال الأخير، و هو أنّ يكون كل من المجي‏ء و الموت، علة لوجود من الحكم، غير الوجود الذي يكون الآخر علة له.

و نختار الشق الأول من هذا الاحتمال، و هو أن يكون كل منهما بخصوصه علة، و مع ذلك، فلا يرد ما ذكر من الإشكال، و هو صدور الواحد بالنوع من المتعدّد بالنوع، و الوجه في ذلك هو: لأنّ ذلك الواحد بالنوع،

631

إن كان عبارة عن جعل الوجوب، فمن الواضح بطلانه، لأن الجعل لا يصدر الّا من الجاعل فهو معلول له و ليس معلولا للشرط فلا دخل للشرط في تحققه و إنما دوره دور التحصيص و التقييد. و إن كان ذلك الواحد بالنوع هو الملاك، فحينئذ، لا دليل على انّ ملاك الوجوب عند المجي‏ء، هو عين ملاك الوجوب عند الموت، ليلزم المحذور المذكور.

و عليه فهذا التقريب غير تام.

5- التقريب الخامس: و هو للمحقق النائيني‏ (1) (قده)، و قد أراد إثبات الأمور الثلاثة المتقدمة

، فأثبت الأول و الثاني بعين ما أثبتناهما في التقريبين السابقين.

و أمّا ثالث هذه الأمور، و هو «الانحصار» فقد حاول إثباته بصياغة أخرى، و حاصلها: انّ الجزاء يعقل أن يكون مطلقا من جهة الشرط كما يعقل أن يكون مقيدا به، فكما يعقل ثبوت وجوب إكرام زيد، سواء جاء أو لم يجي‏ء، كذلك يعقل أن يكون وجوب إكرامه مقيدا بمجيئه، إذن لا بدّ من أخذ هذين الأمرين، إمّا الإطلاق في الجزاء، أو التقيّد، و بما انّ الإطلاق غير صحيح، باعتبار أنّه لا يستفاد من الجملة الشرطية وجوب إكرام زيد حتى و لو لم يجي‏ء، فحينئذ يتعيّن التقييد.

و بهذا يثبت انّ الجملة الشرطيّة تدل على تقييد الجزاء بالشرط.

لكن هناك، يشك في انّ هذا الشرط، هل هو كلّ القيد، أي تمام العلة، أو جزؤها؟ و كونه جزء العلة، ينفى بمقدمات الحكمة، لأنّه لو كان هناك شي‏ء آخر، بحيث كان المجي‏ء و ذلك الشي‏ء الآخر كلاهما علة واحدة للجزاء، لوجب على المولى أن يعطف بالواو، فيستكشف عدم كون الشرط جزء علة، و يثبت انّه علة تامة.

____________

(1) فوائد الأصول- الكاظمي ج 1 ص 298- 299- 300- 303.

632

ثم يشك انّ الشرط الذي هو علة تامة، هل هو علة منحصرة، أو انّه له بديلا؟ و بمقدمات الحكمة ننفي البديل. لأنه لو كان له بديل لوجب على المولى ان يعطف بأو و يقول إذا جاء زيد أو أهداك فاكرمه، فمن عدم التقييد بأو يستكشف انه لا بديل له و انه علة منحصرة، و بذلك يثبت المفهوم بلحاظ المدلول التصديقي.

و إن شئت قلت: انّه بعد ثبوت تقييد الجزاء بالشرط، يواجه هذا التقييد تشكيكين، أوّلهما، هو انّه هل يكون الشرط كل العلة أو جزؤها؟

ثانيهما، هو انّه هل يكون الشرط علة تعيينيّة، أو بدليّة، بحيث يوجد هناك شي‏ء آخر يصلح أن يقوم مقامها؟. و التشكيك الأول ينفى بالإطلاق المقابل للواو، فإنّه لو كان الشرط جزء العلة، و المولى في مقام بيان تمام علة حكمه و موضوعه، كان ينبغي عطف الجزء الآخر عليه و جعلهما معا شرطا، و هو خلاف الإطلاق.

و التشكيك الثاني، ينفى بالإطلاق المقابل لأو، إذ لو كان الشرط علة بدليّة، كان ينبغي عطف العلة الأخرى عليه بأو، فيكون مقتضى السكوت عنه عدم البدل. و معنى هذا، ان الشرط علة بنحو التعيين و الانحصار.

[مناقشة هذا التقريب‏]

و هذا التقريب غير تام أيضا، و ذلك لأنّ تقييد الجزاء الذي أثبته ببطلان الإطلاق في الجزاء كما عرفت، فهذا التقييد في الجزاء، إن أراد به معنى يساوق التوقف، بمعنى ان الجزاء يكون موقوفا على الشرط، فهذا حينئذ يرجع إلى النسبة التوقفية و إذا ثبتت دلالة الجملة الشرطية على هذه النسبة، فيثبت المفهوم كما عرفت تفصيله.

إلّا انّ التقييد بهذا المعنى، لا يمكن إثباته بالبرهان كما ذكر الميرزا (قده)، حيث أثبته بإبطال الإطلاق في الجزاء، و ذلك لأنّ مجرد عدم إمكان الإطلاق في جزاء الجملة الشرطية، كما يناسب النسبة التوقفيّة، كذلك يناسب النسبة الإيجاديّة، باعتبار انّ النسبة الإيجاديّة أيضا، تفيد تقييد الجزاء بالشرط، لكن من دون توقف، و إن أراد بالتقييد معنى يتناسب مع‏

633

النسبة الإيجادية أيضا، حينئذ نقول: انّه لا يمكن ان نثبت الانحصار بإطلاق الشرط و عدم تقييده «بأو»، و ذلك لأنّه ليس كل ما لم يذكر في الكلام يستكشف من عدم ذكره، عدم وجوده.

و توضيح ذلك: هو انّه لو قال: أكرم زيدا، و لم يقل أكرم عمروا، فلا يستكشف من ذلك، انّ عمروا لا يجب إكرامه، لأنّ إكرام عمرو، لو كان واجبا، لما كان ذلك قيدا في وجوب إكرام زيد، فلا يستكشف من عدم ذكره عدم وجوده.

و أمّا لو قال: أكرم زيدا، و لم يقل يوم الجمعة، فيستكشف منه انّ وجوب إكرامه ثابت في يوم السبت أيضا، لأنّه لو كان خاصا بالجمعة، لكان يوم الجمعة مقيدا لوجوب اكرامه، فمن عدم ذكره يستكشف عدم دخالته و قيديّته.

إذن فالضابط هو: انّ عدم ذكر شي‏ء، إنّما يكون دالا على عدم وجوده، فيما إذا كان ذلك الشي‏ء، على تقدير ثبوته، مقيدا لمدلول الكلام، و إلّا، فلا يكون عدم ذكره، دليلا على عدم وجوده.

إذا عرفت ذلك فنقول: بناء على انّ المقصود بتقييد الجزاء، معنى يتناسب مع النسبة الإيجادية أيضا، فحينئذ، لا يكون عدم التقييد بأمر، دالا على الانحصار بالشرط، لأنّه لو فرض انّ المجي‏ء يستلزم وجوب الإكرام، و فرض انّ الهديّة تستلزمه أيضا، إلّا انّ استلزام الهديّة للوجوب، لا يقيّد و لا يضيّق دائرة استلزام المجي‏ء له، و إنّما تضيف إليه استلزاما آخر، و إذا لم يكن استلزام الهدية له مضيّقا لدائرة استلزام المجي‏ء له، فلا يكون عدم بيان كون الهديّة مستلزمة له، دليل على عدم ثبوت هذا الاستلزام واقعا.

إذن، فعدم التقييد «بأو»، لا يثبت الانحصار، لأنّ «أو» ليست قيدا حقيقيا، و إنّما تعبّر عن استلزام آخر، فلا يكون عدم ذكرها، كاشفا عن عدم وجود استلزام آخر.

634

و بهذا تبيّن انّه لا يمكن إثبات الانحصار بالبرهان الذي ذكره الميرزا (قده).

و من مجموع ما ذكرنا يتبيّن بطلان هذا التقريب.

بعد أن عرفت انّ كلا من التقريبات الثلاثة الأخيرة، قد أثبت فيها ثلاثة أمور، «اللزوم، و العليّة، و الانحصار»، و قد تقدم الكلام في الأمر الثالث مفصلا، فيبقى الكلام في الأمرين الأول و الثاني.

[الكلام فى الأمر الأول هو دعوى كون اللزوم مأخوذا في المدلول الوضعي للجملة الشرطية دون بقيّة الخصوصيات‏]

أمّا الأمر الأول، فهو دعوى كون اللزوم مأخوذا في المدلول الوضعي للجملة الشرطية دون بقيّة الخصوصيات، كالترتب، و العليّة، و الانحصار، و يدل على ذلك انّه لو استعملت الجملة الشرطيّة في مقام الربط بين الجزاء و الشرط، و لم يكن هناك أيّ تلازم بينهما، لكان ذلك مجازا، بخلاف بقيّة الخصوصيّات، فإذا ربط المتكلم بين الشرط و الجزاء المتلازمين، و لم يكن بينهما ترتب و عليّة و انحصار، لما كان هناك أيّ عناية.

فبهذا، يثبت، انّ اللزوم، هو المأخوذ في المدلول الوضعي للجملة الشرطيّة، دون غيره من الخصوصيّات.

[ابطال تلك الدعوى‏]

إلّا انّ هذا الكلام، غير تام، و ذلك، لأنه يمكن طرح فرضيّتين في المقام، تفسّر هذه العناية الثابتة عند الربط، بين شرط و جزاء لا تلازم بينهما.

1- الفرضية الأول: هي ما ذكروه، من انّ اللزوم مأخوذ في المدلول الوضعي للجملة الشرطيّة، و على ضوء هذه الفرضيّة، يتم هذا الكلام.

2- الفرضية الثانية: و حاصلها، هو انّه حينما يعقد المتكلم جملة شرطيّة، فهنا ثلاثة احتمالات.

أ- الاحتمال الأول: هو أن يكون ربط المتكلم بين الشرط و الجزاء، من جهة اعتقاده بوجود تلازم بينهما، و لو من أحد الطرفين.

635

ب- الاحتمال الثاني: هو أن يكون ربط المتكلم بين الشرط و الجزاء، باعتبار انّ الجزاء ثابت على كل حال، سواء وجد الشرط أم لم يوجد، فكما يمكن للمتكلم أن يخبر عن هذا الجزاء بقول مطلق، كذلك، يمكنه أن يخبر عن حالة وجود شرط، و حينئذ، فيربط بينهما، و يكون ذلك، سكوتا عن الجزاء حال عدم وجود الشرط، و لا مانع منه، بعد أن كان الجزاء ثابتا على كل تقدير، و مثاله، قولنا: إذا كان الإنسان ناطقا، كان المطر نازلا.

الاحتمال الثالث: هو أن يفرض عدم وجود اعتقاد بالتلازم، و عدم علم بثبوت الجزاء على كل حال، و مع ذلك، يعقد المتكلم قضيّة شرطية خارجيّة ناظرة إلى جميع الأزمنة، كما يقول: كلما مطرت السماء، غرّد طائر، و المسوّغ لهذا الربط، هو علمه الغيبي بذلك، و أنه كلّما نزل مطر، غرّد طائر، و لو من باب الصدفة، فهذه احتمالات ثلاثة.

أمّا الاحتمال الثاني، فهو معقول ثبوتا إلّا أنّه خلاف الظاهر إثباتا، و الوجه في ذلك هو انّه إذا فرض ثبوت الجزاء على كل حال، سواء وجد الشرط أم لم يوجد بحيث لم يكن للشرط أيّ تأثير في ثبوت الجزاء، ففي مثله، لا معنى لإناطة الجزاء بالشرط، و يكون ذلك لغوا، فمن إناطة الجزاء بالشرط، يفهم عرفا انّ للشرط نوعا من التأثير في ثبوت الجزاء، و هذا جار حتى في التقييد بالوصف الذي لا مفهوم له، فمثلا لو قال المولى، «اكرم العالم العادل»، فإنّ التقييد بالعادل، يدل على انّ وجوب الإكرام غير ثابت لجميع العلماء، و إلّا لكان ذكر العدالة لغوا، نعم قد يشمل بعضا من غير العدول، لنكتة، فهذا المقدار من المفهوم، ثابت حتى للتقييد بالوصف، و قد سمّيناه بالسالبة الجزئية، كما ستعرف إن شاء اللّه تعالى.

و حينئذ، فإذا كان الأمر كذلك بالنسبة للتقييد بالوصف، فبطريق أولى بالنسبة للتقييد بالشرط، فإذا رأى المتكلم انّ الجزاء ثابت في جميع الحالات، فلا معنى للتقييد بالشرط، لأنّ التقييد هو التحفظ عن بعض‏

636

الحالات، و مع عدم المقتضي للتحفظ، لا موجب له، إذن فهذا الاحتمال الثاني منفي.

و أمّا الاحتمال الثالث: فهو مبني على أن تفرض قضيّة خارجيّة، دائما يتصور فيها علم الغيب، و من المعلوم، انّ طبع المحاورات العرفيّة، غير مبني على القضايا الخارجية.

و عليه، فبالحصر، يتعيّن الاحتمال الأول، و هو أن يكون ربط المتكلم بين الجزاء و الشرط، من جهة اعتقاده بالتلازم بينهما، و لو من أحد الطرفين، و بذلك يثبت استفادة اللزوم من القضيّة الشرطية، لكن على مستوى المدلول التصديقي، باعتبار الظهور الحالي السياقي، فإنّ ظاهر حال المتكلم عند إخباره بوجود الجزاء على تقدير وجود الشرط، هو انّه معتقد للتلازم بينهما، لما عرفت من بطلان الاحتمالين السابقين.

إذن، فهذه فرضيّة ثانية، يمكن على أساسها تفسير العناية الثابتة عند استعمال الجملة الشرطية في مقام الربط بين جزاء و شرط لا تلازم بينهما.

و بناء على هذه الفرضيّة، لا يتم ما ذكر في الأمر الأول، و هو دخالة اللزوم في المدلول الوضعي للجملة الشرطيّة، كما هو واضح، لأنه بناء على هذه الفرضيّة، قد استفدنا اللزوم من الجملة الشرطيّة، لكن بلحاظ مدلولها التصديقي، لا الوضعي التصوري.

و الآن لا بدّ من المقارنة بين هاتين الفرضيّتين، لنرى أيّتهما المتعيّنة في مقام تفسير هذه العناية.

و الصحيح، انّ المتعيّن، هو الفرضيّة الثانية.

و الوجه في ذلك هو: انّا لو لاحظنا شرطا و جزاء لا تلازم بينهما، كمجي‏ء زيد، و نزول المطر، فتارة، نؤلّف منهما جملة شرطيّة ماضويّة فنقول: «كان إذا جاء زيد، نزل المطر»، و أخرى نؤلّف منهما جملة شرطيّة استقباليّة، فنقول: «إذا جاء زيد، نزل المطر».

637

و نحن بالوجدان نرى انه لا عناية في الجملة الأولى، و أمّا في الثانية، فالعناية موجودة، مع انّ التلازم غير موجود بين الشرط و الجزاء في كلتا الجملتين، و حينئذ، فلا بدّ و ان نفسّر العناية بالفرضيّة التي تبرز الفرق بين الجملتين، الماضويّة و الاستقباليّة.

و من الواضح، انّ الفرضيّة الأولى، لا تبرز أيّ فرق بينهما، و ذلك، لأنّه بناء على الفرضيّة الأولى القائلة، بأنّ اللزوم مأخوذ في المدلول الوضعي للجملة، تكون العناية ثابتة، في كل مورد لا يكون هناك لزوم، سواء كانت الجملة ماضويّة أو استقباليّة.

و عليه فهذه الفرضيّة لم تبرز الفرق بين الجملتين، الماضويّة و الاستقباليّة، مع انّ الفرق ثابت بينهما وجدانا.

و أمّا الفرضية الثانية، فهي تبرز الفرق بينهما، لأنّه إذا كانت الجملة استقباليّة كما لو قال: «إذا جاء زيد نزل المطر» فحينئذ، الاحتمال الثالث من الفرضيّة الثانية، يكون واردا، و هو انّ المتكلم، يمكن أن يكون قد اطّلع على الغيب، و أنّه «إذا جاء زيد نزل المطر».

و قد عرفت، انّ هذا الاحتمال، فيه عناية.

و أمّا إذا كانت الجملة ماضويّة، كما لو قال: «كان إذا جاء زيد نزل المطر»، فمثل هذا لا يحتاج إلى علم غيب، و إنّما يحتاج إلى الاستقراء، و هذا لا عناية فيه.

إذن، فعلى هذه الفرضيّة أمكن إبراز الفرق بين الجملة الاستقبالية و الجملة الماضوية، و كون العناية ثابتة في الأولى دون الثانية.

و بهذا، يثبت انّ المتعيّن في مقام تفسير العناية، هو الفرضيّة الثانية، دون الأولى، و معه تبطل دعوى كون اللزوم مأخوذا في المدلول الوضعي للجملة الشرطية، كما هو لسان الفرضيّة الأولى.

و عليه، فما ذكر في الأمر الأول غير تام.

638

2- الأمر الثاني: و قد ادّعي فيه استفادة عليّة الشرط للجزاء بمقتضى إطلاق اللفظ الراجع إلى «فاء» التفريع الموجودة واقعا أو كيانا في الجملة الشرطية

فيقال: كما انّ الجزاء متفرّع على الشرط إثباتا، كذلك هو متفرّع عليه ثبوتا، و ذلك، بمقتضى أصالة التطابق بين مقام الإثبات و مقام الثبوت، فيثبت بذلك، انّ الشرط علة للجزاء بواسطة الإطلاق، لا بواسطة كون العليّة مأخوذة في المدلول الوضعي للجملة الشرطيّة.

و قد اعترضنا على ذلك فيما سبق، و كل ذلك عرفت تفصيله.

[اعتراض أساسى على هذا الكلام حاصله: انّ لمقام الإثبات معنيين‏]

و نريد الآن أن نوجّه اعتراضا أساسيا على هذا الكلام، و حاصله: انّ لمقام الإثبات معنيين.

1- المعنى الأول: هو ان يراد به مرحلة المدلول التصوري، أي مرحلة المراد الاستعمالي للكلام‏

، و حينئذ، فيكون المراد بمرحلة الثبوت، مرحلة المدلول التصديقي، أي مرحلة المراد الجدّي للكلام، و هذا المعنى صحيح كبرويا، فيقال، الأصل التطابق بين هاتين المرحلتين، فلو قال:

«أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ» حينئذ يقال: إنّ المراد الاستعمالي، هو ذات البيع بلا ضم قيد، و بمقتضى أصالة التطابق المذكور، نثبت انّ موضوع الإرادة الجديّة هو ذات البيع بلا قيد زائد، فهذا معنى صحيح لأصالة التطابق.

إلّا انّ مقامنا ليس من صغرياتها، لأنّ تطبيقها على محل الكلام، يستدعي أن نقول: انّ المتكلم في مقام الاستعمال قصد بيان ترتب الجزاء على الشرط، و حينئذ، فبمقتضى أصالة التطابق، نثبت انّه قصد ذلك في مرحلة المدلول الجدي للكلام، فيثبت بذلك، انّ الجزاء معلول للشرط.

إلّا انّ هذا، يستدعي أن يكون ترتب الجزاء على الشرط و عليّة الشرط له مأخوذة في المدلول الوضعي التصوري للكلام، و هذا خلاف فرض الكلام، حيث انّهم في مقام إثبات العليّة، بواسطة الإطلاق، لا بواسطة كون العليّة مأخوذة في المدلول الوضعي للجملة الشرطيّة كما عرفت.

639

2- المعنى الثاني لمقام الإثبات هو: أن يراد به، عالم الألفاظ، لا عالم، مدلولاتها

، فيقال: بأنّ هذا الشكل من التنسيق بين الألفاظ، الأصل أن يكون متطابقا مع تنسيق معنوي في مرحلة المدلول التصديقي.

و هذا المعنى ينطبق على محل الكلام، فيقال: إنّ تنسيق الكلام و ترتيبه في هذه الجملة الشرطية، كان فيه لفظ الجزاء مترتبا على لفظ الشرط، إمّا فعلا، أو تقديرا، و حينئذ يقال: الأصل أن يكون في مرحلة التصديق كذلك، أي يكون واقع الجزاء بعد واقع الشرط، تطبيقا لأصالة التطابق بين مقام الإثبات و مقام الثبوت، و بذلك نثبت علّيّة الشرط للجزاء.

إلّا انّ هذا المعنى لمقام الإثبات غير صحيح كبرويا، بمعنى انّه لا محصل له، باعتبار انّه ليس هناك أصل باسم أصالة التطابق بين عالم بناء الألفاظ، و عالم بناء المعاني، و إنّما أصالة التطابق، ظهور حالي، مرجعه إلى انّه إذا استعمل حينما يريد إحضار معنى باللفظ في ذهن السامع، فلا بدّ و أن يكون ذلك على أساس انّ هذا المعنى مراد جدي له.

فأصالة التطابق، ناظرة إلى مرحلة المراد الاستعمالي مع المراد الجدي، أي إلى المعنى الأول لمقام الإثبات، لا إلى المعنى الثاني، و يدل على ذلك، انّ الترتّب الذكري، لا يستفاد منه الترتب الواقعي، فلو قيل:

«جاء زيد و عمرو»، فهنا، «عمرو»، مترتب ذكرا على «زيد»، فإذا طبّقنا أصالة التطابق، فيثبت بها، انّ مجي‏ء «زيد»، كان قبل مجي‏ء «عمرو»، مع انّ هذا المعنى، لا يستفاد من العطف «بالواو»، جزما.

فهذا دليل على انّ أصالة التطابق بين مرحلة الإثبات و مرحلة الثبوت، لا تطبّق على المعنى الثاني لمقام الإثبات.

و أمّا إذا قال المتكلم، «جاء زيد، ثم عمرو»، فهنا نقول، المتكلم قصد إخطار معنى الترتب، و بمقتضى أصالة التطابق، يثبت انّه يحكي جدا عن ذلك، و هذا يدل على انّ أصالة التطابق، تطبّق على المعنى الأول لمقام‏

640

الإثبات، و بما انّ محل كلامنا ليس من صغريات المعنى الأول الصحيح، بل من صغريات المعنى الثاني الذي هو غير صحيح، فحينئذ لا يمكن ان نثبت عليّة الشرط للجزاء بأصالة التطابق بين مقام الإثبات و مقام الثبوت كما ادّعي في هذا الأمر الثاني.

و من جميع ما ذكرنا، اتضح انّ التقريبات الخمسة التي ذكرت لإثبات مفهوم الشرط غير صحيحة.

[انحاء الاستدلال على إثبات ظهور الكلام‏]

و الذي ينبغي أن يقال هو: انّ الاستدلال على إثبات ظهور الكلام في شي‏ء، يتم بأحد أنحاء.

1- النحو الأول: هو أن يكون الاستدلال بلحاظ تطبيق كبرى مفروغ عن صحتها على محل الكلام‏

، كما عرفت ذلك في التقريبات الثلاثة الأخيرة، حيث انّ أصحابها قد حاولوا تطبيق كبرى مقدمات الحكمة، لاستفادة انحصار الجزاء بالشرط، و قد عرفت عدم صحته.

إذن فهذا النحو من الاستدلال، متعذر في محل كلامنا.

2- النحو الثاني: هو أن يكون اللفظ دالا على معنى مفروغ عن دلالته عليه، لكن يبرهن على استلزام هذا المعنى لمعنى آخر

، و حينئذ، فبضم برهان الملازمة، نثبت دلالة اللفظ على هذا المعنى الثاني.

و هذا النحو متعذر في محل كلامنا أيضا، لأنّ المقدار المتيقّن دلالة الجملة الشرطية عليه، لا يستلزم الانحصار، كما عرفت.

3- النحو الثالث: هو أن تكون الحيثيّة التعليليّة للاستظهار، أمرا قابلا للإدراك المباشر

، و ذلك، يتحقّق في موارد كون الاستظهار ناشئا من القرينة، سواء كانت لبّية أو لفظيّة، و حينئذ، فقد يغفل شخص عن ظهور هذا اللفظ في هذا المعنى، فنثبت له الاستظهار بواسطة الحيثيّة التعليليّة، و المفروض انّها قابلة للإدراك المباشر، فبعد إدراكه، يشعر بالظهور، و يلتفت إليه.

641

و هذا النحو من الاستدلال، متعذر في محل الكلام، لأنّا لا نتكلم عن دلالة الجملة الشرطيّة على المفهوم بلحاظ قرينة معيّنة لتكون الحيثيّة التعليليّة قابلة للإدراك المباشر، و إنّما نتكلّم بلحاظ دعوى كون الجملة موضوعة لما يستفاد منه المفهوم.

4- النحو الرابع: هو دعوى الانصراف و التبادر

، و هذا النحو، هو المتعيّن سلوكه في المقام، فنقول: انّ المنسبق من الجملة الشرطيّة، هو ثبوت المفهوم، و ذلك باعتبار انّ المنصرف عرفا من الربط المستفاد من أداة الشرط، إنّما هو النسبة التوقفيّة، و معه، يثبت المفهوم، كما عرفت سابقا.

و على ضوء إثبات المفهوم بهذا النحو، ينبغي أن نغيّر منهجيّة البحث في المقام، من المنهجيّة التي سار عليها المشهور، حيث طرحوا قضيّة مشكوكة، و هي ثبوت المفهوم للجملة الشرطية، و صاروا في مقام الاستدلال عليها، بما عرفته من التقريبات، إلى منهجيّة أخرى، و هي أن نقول: بأنّ الجملة الشرطية بحسب الوجدان العرفي، تدل على المفهوم، الّا انّه يبقى عندنا وجدانات متعددة لا بدّ من تنسيقها، ضمن نظريّة موحدة، قابلة لتفسيرها كلها، و فائدة هذا التفسير أولا، هي باعتبار انّ التمكن من تفسيرها ضمن نظرية موحدة، يكشف لنا أحقيّة و صحة هذه الوجدانات «كما انّ العجز عن تفسيرها، كذلك يكشف عن خطأ بعضها، و من هنا أنكر بعضهم المفهوم، حيث عجز عن تفسيرها بنحو تتوافق كلها.

و ثانيا: هو انّه من خلال هذا البحث التفسيري للوجدانات، نكتشف جوهر دلالة الجملة الشرطيّة على المفهوم، و هذا يساعدنا على تقييم هذه الدلالة عند معارضتها مع غيرها من الدلالات، و عليه، فيقع الكلام في مقامين.

الأول: في ذكر هذه الوجدانات.

و الثاني: في تفسيرها.

642

1- المقام الأول: و فيه نذكر خمس وجدانات بالنسبة للقضيّة الشرطيّة.

أ- الوجدان الأول: و هو الوجدان القاضي بثبوت المفهوم، لكل جملة شرطيّة يكون الجزاء فيها جملة إنشائيّة، كما في قولنا: «إذا جاء زيد فاكرمه».

ب- الوجدان الثاني: و هو الوجدان القاضي بأن دلالة الجملة الشرطيّة على المفهوم، ليست على نحو، بحيث لو لم تدل عليه، لكان استعمالها مجازا.

ج- الوجدان الثالث: و هو الوجدان القاضي بعدم التجوز، في الجملة الشرطيّة، فيما إذا استعملت في مورد كان الشرط فيه عدل علة أخرى، بحيث لم تكن دالة على المفهوم لا هي و لا الشرط، فإنه مع ذلك لا يسقط المفهوم، بل يثبت بلحاظ ما عدا هاتين العلتين، دون أن يتضرّر بسبب عدم انحصار العلة في الشرط.

4- الوجدان الرابع: و هو الوجدان القاضي، بأنّ دلالة الجملة الشرطيّة على المفهوم، سنخ دلالة قابلة للتبعيض، و ذلك في الموارد التي تتعدّد فيها علة الجزاء، كما إذا قال، «إذا خفي الآذان فقصر»، و علمنا بدليل آخر، بأنّ «خفاء الجدران» سبب التقصير أيضا، ففي مثل ذلك، لا يلغوا المفهوم رأسا، بل يتبعّض، فيقال: بأنّا نلتزم بوجود علة أخرى للتقصير، غير خفاء الآذان، و هي، «خفاء الجدران»، و لكن لا نلتزم بوجود علة ثالثة.

و أمّا لو كنّا نستند في إثبات المفهوم، إلى إثبات الانحصار، للغى المفهوم بالمرة، باعتبار انهدام الانحصار، بمجرد وجود علة ثانية.

5- الوجدان الخامس: و هو الوجدان القاضي، بعدم ثبوت المفهوم للجملة الشرطيّة، التي يكون جزاؤها جملة خبريّة، كما في قولنا: «إذا شربت السمّ، متّ»، فإنّه لا يدل على عدم الموت، إذا لم يأكل السم.

643

2- المقام الثاني: و هو في وضع تفسير نظري لتمام هذه الوجدانات.

أمّا بالنسبة للوجدان الأول و الثاني، فقد اعترف بهما المحققون المتأخرون، و هذا ما جعلهم أمام مشكلة التوفيق بينهما، باعتبار انّ ذلك لا يتلائم مع مبناهم، لأنّهم يرون انّ ضابط المفهوم، هو دلالة الجملة الشرطيّة على اللزوم العلّي الانحصاري، و حينئذ، فإن كان هذا اللزوم العلّي الانحصاري مأخوذا في مدلول الجملة الشرطيّة وضعا، فيصدق الوجدان الأول، لأنّ لازم ذلك، هو ثبوت المفهوم للجملة الشرطيّة، إلّا انّ هذا يكذّب الوجدان الثاني، لأنّه إذا فرض انّ اللزوم العلّي الانحصاري مأخوذ في مدلول الجملة الشرطيّة وضعا، فلازمه، انّه إذا استعملت الجملة الشرطيّة في مورد، و لم يكن لها مفهوم من جهة عدم دلالتها على اللزوم مثلا، لكان هذا الاستعمال لها مجازي، لأنّ اللزوم، داخل في ما هو الموضوع له، و الالتزام بالمجاز في ذلك، تكذيب للوجدان الثاني.

و أمّا إذا لم يكن اللزوم العلّي الانحصاري مأخوذا في مدلول الجملة الشرطيّة وضعا، فحينئذ، يصدق الوجدان الثاني، لعدم لزوم المجاز فيما إذا استعملت الجملة الشرطيّة في غير اللزوم العلّي الانحصاري، بحيث لم تكن دالة على المفهوم، إلّا انّه يكذّب الوجدان الأول، لأنّ الجملة الشرطية إذا لم تكن دالة على اللزوم العلّي الانحصاري الذي هو ضابط المفهوم، فحينئذ، لا تكون دالة على المفهوم، و هذا تكذيب للوجدان الأول، القاضي بثبوت المفهوم.

و باعتبار اعتراف المحققين المتأخرين بالوجدان الأول و الثاني من ناحية، و عدم ملائمة هذين الوجدانين مع مبناهم في كون اللزوم العلّي الانحصاري هو الضابط في مفهوم الجملة الشرطيّة من ناحية أخرى، فقد وقعوا أمام مشكلة التوفيق بينهما، و في مقام حلّ هذه المشكلة ذكر اتجاهان.

1- الإتجاه الأول: هو انّ هذه الخصوصيّات، أي، اللّزوم، و العليّة،

644

و الانحصاريّة، غير مأخوذة في مدلول الجملة الشرطيّة وضعا، و حينئذ، يصدق الوجدان الثاني، إلّا انّ هذه الخصوصيّات، نثبتها بالإطلاق و مقدمات الحكمة، و بذلك، يصدق الوجدان الأول.

و من هنا نشأت محاولة الميرزا (قده)، لإثبات العليّة بأصالة التطابق و إثبات الانحصار بالإطلاق و مقدمات الحكمة، كما عرفت‏ (1)، و هذا الإتجاه غير تام، إذ قد اتضح ممّا ذكرنا عدم إمكان إثبات العلية بأصالة التطابق، و عدم إمكان إثبات الانحصار بمقدمات الحكمة.

2- الإتجاه الثاني: و قد سلكه صاحب الكفاية (قده) (2)، فإنّه بعد أن أدرك، انّ الإطلاق و مقدمات الحكمة، لا تفي بإثبات الانحصار و العليّة، تزلزل وجدانه الأوّل، القاضي بثبوت المفهوم، باعتبار انّه لم يجد حلا لهذه المشكلة، بينما نجد انّه يعمل بالمفهوم في الفقه، فهذا يدل على انّه طرح الوجدان الأول أصوليا فقط، باعتبار عدم تمكّنه من حل المشكلة.

و التحقيق في المقام، بحيث يتلائم الوجدان الأول، مع الوجدان الثاني، هو أن يقال: بأنّ هذه الخصوصيّات، و هي اللزوم، و العليّة، و الانحصاريّة، غير مأخوذة في مدلول الجملة الشرطية وضعا، و بهذا، يصدق الوجدان الثاني.

و يقال أيضا: بأنّ المأخوذ في مدلول الجملة الشرطيّة وضعا، هو النسبة التوقفيّة، بالمعنى الذي عرفته، و حينئذ، يصدق الوجدان الأول، القاضي بثبوت المفهوم، لأنّه إذا كانت الجملة الشرطيّة دالة على النسبة التوقفيّة، يكون لها مفهوما، و قد اتضح ذلك سابقا.

و في قولنا: إذا كان الإنسان ناطقا كان الحمار ناهقا، و إن كنّا نشعر

____________

(1) فوائد الأصول- الكاظمي ج 1- ص 298- 299- 300- 303.

أجود التقريرات- ج 2 ص 417- 418.

(2) كفاية الأصول- الخراساني ج 1 ص 300- 301.

645

بالتجوّز و العناية، إلّا انّه ليس ذلك، من جهة انّه لا تلازم بين الشرط و الجزاء، ليكون ذلك كاشفا عن أخذ اللزوم في مدلول الجملة وضعا، بل التجوز من جهة انّه لا توقف للجزاء على الشرط، فتكون الجملة مستعملة في غير ما وضعت له، فتكون مجازا، فبهذا التفسير النظري، اتضحت ملائمة الوجدان الأول مع الوجدان الثاني.

و أمّا الوجدان الثالث، القاضي بعدم التجوّز في صورة عدم المفهوم، من جهة ثبوت عدل للشرط، كما لو قال: «إن جاء زيد فاكرمه»، و علمنا انّ مرضه أيضا سبب لإكرامه، فهنا لا مفهوم للجملة المذكورة بقول مطلق، و مع ذلك لا تجوّز فيها، فهذا الوجدان أيضا متلائم مع الوجدانين السابقين، و الوجه في ذلك هو: إنّك قد عرفت، انّه متى ما كانت الجملة الشرطيّة دالة على النسبة التوقّفيّة، يكون لها مفهوم، لكن بعد ضم إطلاقين.

الأول: هو الإطلاق الذي يمثّله الركن الثاني من ضابط المفهوم، و هو ان يكون المعلّق، طبيعي الوجوب، و إلّا لما كان لقولنا: «إذا جاء زيد فأكرمه» مفهوما، لأنّ المنفي حينئذ، هو شخص هذا الوجوب، و هذا لا ينافي ثبوت شخص آخر من الوجوب عند مرضه مثلا.

و عليه، فثبوت إطلاق الجزاء، و كون المعلّق طبيعي الحكم، شرط في ثبوت المفهوم، و حينئذ، نقول: انّه إذا علمنا انّ للشرط عدل، فكما يجب إكرامه لمجيئه، كذلك يجب إكرامه عند مرضه، ففي مثل ذلك ينهدم هذا الإطلاق، لكن لا تنتفي دلالة الجملة الشرطيّة على النسبة التوقفيّة، حيث انّه لا موجب لانتفائها، و معه لا يلزم التجوّز، لأنّ الإطلاق الذي رفعنا اليد عنه، ليس مدلولا وضعيا للجملة الشرطيّة، ليلزم التجوّز.

و ما هو مدلول وضعي، و هو النسبة التوقفيّة، لم نرفع اليد عنه.

هذا هو الإطلاق الأول.

الإطلاق الثاني: هو الإطلاق الأحوالي للتوقف، ففي قولنا، «إذا جاء

646

زيد فاكرمه» بعد تحويله للمكافئ الاسمي و هو قولنا، وجوب إكرامه، موقوف على مجيئه، فهنا نثبت ان الوجوب موقوف مطلقا على المجي‏ء بواسطة الإطلاق الأحوالي للتوقف، فلو فرض انّه قيّد هذا التوقف بحال الصحة، فقال: «إذا جاء زيد فاكرمه ما دام صحيحا»، فإنه لا يلزم التجوّز حينئذ، لأنّه تقييد لدائرة التوقف و ليس من باب استعمال اللفظ في غير ما وضع له، و حينئذ نقول: إذا فرض وجود عدل للشرط، فهنا يمكن أن نرجع ذلك إلى تقييد في الإطلاق الأحوالي للتوقف، و معه لا يلزم التجوز.

و الحاصل انّه في صورة وجود عدل للشرط، فإمّا أن يرجع ذلك إلى انهدام إطلاق المعلّق، أو إلى انهدام الإطلاق الأحوالي للتوقف، و في كلتا الصورتين، لا تجوّز، لأنّ المدلول الوضعي للجملة الشرطيّة، و هو النسبة التوقفيّة لم نرفع اليد عنه، بل يبقى ثابتا، و معه، لا موجب للتجوّز.

و بهذا التفسير النظري، يتلائم الوجدان الثالث مع سابقيه.

و أمّا الوجدان الرابع القاضي بأنّ دلالة الجملة الشرطيّة على المفهوم، سنخ دلالة قابلة للتجزئة و التبعيض، و ذلك في صورة وجود عدل للشرط، كما في قولنا: «إذا خفي الآذان فقصّر»، حيث علمنا بوجود عدل للشرط، و هو «خفاء الجدران»، فهذا الوجدان، يتنافى مع الوجدان الأول القاضي بثبوت المفهوم لكل جملة شرطيّة إذا كان جزاؤها جملة إنشائيّة، و ذلك، بناء على مذهب المشهور، من كون الضابط في دلالة الجملة الشرطيّة على المفهوم، هو دلالتها على اللزوم العلّي الانحصاري، فانّه بناء على ذلك، يقال: إذا كان اللزوم العلّي الانحصاري مأخوذا في مدلول الجملة الشرطية وضعا، فحينئذ، يكذب الوجدان الرابع، و ذلك لأنّه بمجرد وجود عدل للشرط، ينثلم الانحصار، و معه يلزم التجوّز في الجملة، و حينئذ، لا يبقى ملاك ينفى به بقيّة الأسباب التي يحتمل كونها عدلا، فيبطل الوجدان الرابع، القاضي بتجزئة المفهوم، باعتبار انّ لازم ذلك، عدم ثبوت المفهوم أصلا.

و أمّا إذا لم يكن اللزوم العلّي الانحصاري مأخوذا في مدلول الجملة

647

الشرطيّة وضعا، فيبطل الوجدان الأول القاضي بثبوت المفهوم، لأنّ ضابطه حسب الفرض، هو ثبوت اللزوم العلّي الانحصاري، و كون هذه الخصوصيّات مدلولة للجملة الشرطيّة، فإذا فرض انّها غير مدلولة لها، فلا وجه حينئذ لثبوت المفهوم.

و أمّا بناء على ما ذكرناه من ضابط المفهوم، فلا تنافي بين هذين الوجدانين، و ذلك لأنّ ضابطه هو، دلالة الجملة الشرطيّة على النسبة التوقفيّة مع توفر إطلاق الجزاء و الإطلاق الأحوالي للتوقف، و المفروض انّ هذين الإطلاقين قابلين للتقييد و التجزئة، فيكون المفهوم قابلا لذلك، و لا يلزم التجوّز، باعتبار انّا لم نرفع اليد عن النسبة التوقفيّة التي هي المدلول الوضعي للجملة الشرطيّة، كما مرّ تحقيقه.

و أمّا الوجدان الخامس، القاضي بعدم ثبوت المفهوم للجملة الشرطيّة إذا كان جزاؤها جملة خبرية، فهنا قد يقال: بأن أداة الشرط لها وضع نوعي واحد، سواء بلحاظ الجملة الخبريّة، أو الإنشائية، و حينئذ، فإن كانت النسبة التوقفيّة مأخوذة في مدلول الأداة، فتكون الجملة الشرطية دالة على المفهوم، سواء كان جزاؤها إخبارا أو إنشاء، و إذا لم تكن مأخوذة في مدلولها، فينبغي عدم دلالتها على المفهوم سواء كان جزاؤها إخبارا أو انشاء، و بهذا يكذب الوجدان الأول. إذن لا بدّ من معرفة الفرق بين الجملة الخبريّة و الإنشائيّة، حتى قيل بثبوت المفهوم في الثانية، و بعدم ثبوته في الأولى.

و لتحقيق الفرق بينهما، لا بدّ و أن نرجع إلى ما ذكرناه مفصلا في بحث الوضع، في مقام التفرقة، بين مفاد الجملة الخبريّة، و مفاد الجملة الإنشائيّة، و التفرقة بين النسبة التامة، و النسبة الناقصة، و نذكر ذلك بنحو مجمل، بحيث يتضح حل هذا الإشكال.

فنقول انّ النسبة على قسمين.

648

1- القسم الأول: النسب التي يكون موطنها الأصلي هو الخارج، من قبيل، نسبة الموت إلى الميّت.

2- القسم الثاني: النسب التي يكون موطنها الأصلي هو الذهن، من قبيل، النسبة الحكميّة، أي نسبة المحمول إلى الموضوع في أفق الحكم، كما في قولنا، «هذا عالم»، فالنسبة في هذا المثال ذهنيّة، ببرهان، انّ النسبة تستدعي طرفين، فلو كانت خارجيّة للزم ان يكون لها طرفان في الخارج، مع انّه في الخارج ليس عندنا إلّا طرف واحد، لأنّ هذا، هو عين العالم، و ليس طرفا غيره في الخارج، لكن في عالم الذهن، فإن الذهن يحلّل ذلك إلى مفهومين، و يربط بينهما، إذن، فالنسبة في المقام ذهنيّة، و لا موطن لها إلّا الذهن.

ثم انه قد برهنّا في بحث الوضع على انّ كل نسبة يكون موطنها الأصلي هو الخارج، يكون ما بإزائها في الذهن، نسبة ناقصة دائما، و لهذا نعبّر عنها بجملة ناقصة، فنقول: «موت زيد».

و كل نسبة يكون موطنها الأصلي هو الذهن، تكون نسبة تامة، لأنّها توجد في الذهن بما هي نسبة واقعيّة.

إذا عرفت ذلك، نقول: إنّ كلا من الجملة الخبريّة و الجملة الإنشائيّة جملة تامة، و مفاد الجملة التامة نسبة تامة، و حينئذ، فتكون الجملتان من القسم الثاني، أي إن موطن النسبة في كل منهما هو الذهن، و عليه، فيكون مفاد قولنا، «زيد ميّت»، هو النسبة الحكميّة، لا النسبة الخارجيّة لما عرفت، و حينئذ، ففي قولنا: «إذا شرب زيد السمّ يموت»، و في قولنا، «إذا جاء زيد فأكرمه»، يكون المعلّق هو النسبة الحكمية فيرجع قولنا «إذا شرب زيد السم يموت»، إلى انّ الحكم على زيد، مشروط بشربه السم، فإذا لم يشرب السم، فلا حكم عليه، و ليس معنى ذلك، انّه إذا لم يشرب السم لا يموت، لأنّ المعلّق هو الحكم و ليس النسبة الخارجيّة.

649

و بهذا اتضح، انّه لا مفهوم للجملة الشرطيّة إذا كان جزاؤها جملة خبريّة.

نعم لو قال: «موت زيد موقوف على شربه السم»، لكان لها مفهوم، لأنّ المعلّق هو النسبة الخارجية، لا الحكميّة، إلّا انّ المفروض انّ المستفاد من قولنا، «إذا شرب زيد السم يموت»، هو انّ المعلق هو النسبة الحكميّة لما عرفت، فلا يكون لها مفهوم.

و أمّا بالنسبة إلى الجملة الإنشائية، كما في قولنا، «إذا جاء زيد فاكرمه»، فالمعلّق هو الحكم أيضا، فيرجع قولنا هذا، إلى انّ النسبة الإرساليّة و الحكم بالوجوب، معلّق على مجيئه، لكن بما انّه ليس للحكم واقع إلّا واقع النسبة الإرسالية، فتكون هذه الجملة، دالة على المفهوم، فإنّ عالم حكم هذه النسبة، هو عالم خارجها، لأنّ خارجيّتها بالجعل و الحكم، و بهذا كان لها مفهوم.

و بهذا، اتضح وجه الفرق بين الجملة الشرطيّة التي يكون جزاؤها جملة إنشائيّة، و بين الجملة الشرطيّة التي يكون جزاؤها إخبارا، بحيث كان للأول مفهوم دون الثانية، مع فرض انّ الأداة في الجملة الشرطيّة موضوعة بوضع نوعي واحد بلحاظ كلتا الجملتين كما عرفت في بحث الوضع، و بهذا اتّضحت ملائمة الوجدان الخامس، مع الوجدان الأول.

و من مجموع ما ذكرنا، ثبت دلالة الجملة الشرطيّة على المفهوم بالضابط المتقدم، و هو كون الجملة الشرطيّة دالة على النسبة التوقفيّة وضعا، بشرط أن ينضم لذلك إطلاق الجزاء، و كون المعلّق طبيعي الحكم، و إطلاق التوقّف كما عرفت.

و على ضوء ذلك، أمكننا وضع نظريّة تفسّر هذه الوجدانات الخمسة.

و إن شئت، قلت في تحقيق الفرق بين الجملتين، بأن هذا التهافت في الدلالة بين الجملتين مبنيّ على تخيّل انّ مفاد الجملة الشرطيّة الخبريّة، إذا

650

كان على وزان الجملة الشرطيّة الإنشائيّة من حيث الدلالة على الانتفاء عند الانتفاء، و تعليق النسبة الواقعيّة بين المخبر و المخبر به على الشرط، فلا بدّ و أن يكون المثال السابق على تقدير وجود المفهوم، مكافئا مع قولنا: «موت زيد معلّق على شربه السم»، الدال بمقتضى إطلاقه، على عدم موته، إذا لم يشرب السم، في حين انّه تحقّق في محله، بأنّ مفاد الجملة الخبريّة ليس هو النسبة الواقعيّة الخارجيّة، و إنّما النسبة الحكمية التصادقيّة التي لا موطن لها إلّا في الذهن، و هي نسبة انّ هذا ذاك، التي هي نسبة غير خارجيّة، بل في الخارج لا توجد إلّا وحدة و عينيّة بين هذا و ذاك، و أمّا النسبة الخارجيّة فتأتي في الذهن بصورها التي لا تكون نسبة حقيقية في الذهن، بل تحليليّة و مختزلة، أي صورة نسبة.

و قد برهنّا في بحث الوضع- في مقام التفرقة بين مفاد الجمل الخبرية، و مفاد الجمل الإنشائيّة، و بين النسب التامة، و النسب الناقصة- انّ جميع النسب الخارجيّة، كالظرفيّة أو الابتدائيّة أو غيرهما، و ممّا وضع بإزائها الحروف و الهيئات الناقصة، يكون ما بإزائها في الذهن نسبة ناقصة تحليليّة، و كل النسب التي موطنها في الذهن، و تكون نشأتها فيه، فهي نسب تامة، و توضع بإزائها الجمل التامة.

و على هذا الأساس، يتّضح انّ المعلّق على الشرط في قولنا: «إذا شرب زيد السم سوف يموت» ليس هو موت زيد المتضمن لنسبة خارجيّة ناقصة، هي نسبة عروض الموت إلى زيد، بل المعلّق، هو النسبة التصادقيّة الذهنيّة بين الذات التي عرض عليها الموت، و بين زيد، و هذه النسبة، هي مدلول الجملة التامة في الجزاء، أي النسبة الحكميّة الإخباريّة، فيكون المعلّق، هو إخباره بالموت، لا واقع الموت، فيكون الناتج من دلالة الجملة على التعليق، هو انتفاء النسبة الحكميّة و الإخبار عن موته عند انتفاء الشرط، لا انتفاء موته الخارجي.

و أمّا الجملة الشرطيّة الإنشائيّة، فهي و إن كانت متضمّنة لنسبة تامة

651

إنشائيّة، هي النسبة الإرساليّة مثلا، و تكون هي المعلّقة على الشرط، لا النسبة الإرساليّة الخارجيّة، و لكن حيث انّ الحكم لا واقع و لا حقيقة له وراء الإنشاء و النسبة الحكميّة، فلا محالة، يدل انتفاء هذه النسبة الحكميّة الإنشائيّة عند انتفاء الشرط على انتفاء الحكم واقعا، إذ لا واقع له في غير أفق الإنشاء المنتفي بحسب الفرض، و هذا بخلاف الإخبار الذي يبقى واقع المخبر به محفوظا مع انتفاء الإخبار أيضا.

[تنبيهات‏]

و بهذا تمّ الكلام في أصل دلالة الجملة الشرطيّة على المفهوم، و بقي تنبيهات، نعالج فيها ما تبقى من مشاكل المفهوم.

1- التنبيه الأول: و نعالج فيه عدم ثبوت المفهوم للجملة الشرطيّة المسوقة لبيان تحقّق الموضوع‏

مثل قوله: إذا رزقت ولدا فاختنه.

و لتوضيح ذلك، نذكر مقدمة، و حاصلها هو: إنّه في قولنا: «إذا جاء زيد فاكرمه»، فالحكم في الجزاء و هو، وجوب الإكرام، له تقييدان.

الأول: تقييد لموضوعه، و هو «زيد»، و هذا التقييد، تستبطنه جملة الجزاء بلا حاجة لضم الشرطيّة إليها، و الثاني، تقييده بشرط و هو «المجي‏ء»، و هذا التقييد يحصل بملاحظة الجزاء داخل الجملة الشرطيّة، و هذان التقييدان للحكم، طوليّان، فتقييده بالشرط، في طول تقييده بالموضوع، بمعنى انّ تقييد وجوب الإكرام بالشرط، إنّما يكون بالنسبة لوجوب الإكرام المفروغ عن تقييده بموضوعه و هو زيد، و هذا أمر عرفي، و يمكن إقامة البرهان عليه صناعيا أيضا.

و حاصل هذا البرهان هو، انّ تقييد الحكم بالموضوع، مرجعه إلى نسبة ناقصة، لأنّ الحكم، هو مفاد الهيئة التي تدل عليها النسبة الإرساليّة، و هذه النسبة، نسبة بين المادة، و هي الإكرام، و بين الفاعل له، و هو عمرو مثلا، فحينئذ، يحصل التقييد بالموضوع عن طريق تحصص المادة بالموضوع، فيرجع ذلك إلى قولنا، «إكرام عمرو»، فتكون كالنسبة الإضافيّة

652

و لا إشكال في كونها ناقصة، هذا بالنسبة إلى تقييد الحكم بالموضوع، و قد عرفت انّ مرجعه إلى نسبة ناقصة.

و أمّا تقييد الحكم بالشرط، فمرجعه إلى النسبة التوقفيّة كما عرفت، و هي نسبة تامة، و بهذا كانت الجملة الشرطيّة جملة تامة، و كلما اجتمعت نسبة ناقصة و نسبة تامة، فيجب أن تكون الناقصة مأخوذة في طرف التامة، لتتم الناقصة بذلك، و حينئذ، يصح السكوت على الكلام المتضمن لهما، و أمّا إذا لم تندمج الناقصة في طرف التامة، و فرض وقوعها في عرضها، فحينئذ، تبقى الناقصة على نقصانها، و هذا معناه، اشتمال الكلام على ما لا يصح السكوت عليه، و هو خلاف الفرض.

و بهذا، يثبت انّ تقييد الحكم بموضوعه الذي مرجعه إلى نسبة ناقصة، هو في رتبة، أسبق من تقييده بشرطه، الذي يرجع إلى نسبة تامة، و بذلك تكون النسبة الناقصة، طرفا في النسبة التامة، و لأجله تمّت و صح السكوت بالنسبة لمجموع الكلام.

و حاصل هذه المقدمة هو: إن الحكم المفروض في الجزاء من الجملة الشرطيّة، «كوجوب إكرام زيد»، على تقدير مجيئه، يتصوّر له تقييدان أحدهما، التقييد بموضوعه، و الآخر التقييد بالشرط، و التقييد الأول، تستبطنه جملة الجزاء، بينما التقييد الثاني، تدل عليه أداة الشرط.

و هذان التقييدان طوليّان بحسب الفهم العرفي و التخريج الصناعي أيضا، بمعنى انّ التقييد بالشرط، يطرأ على وجوب الإكرام المفروغ عن تقييده بموضوعه، فالمقيّد بالشرط هو «وجوب إكرام زيد»، «لا ذات وجوب الإكرام»، و ذلك باعتبار انّ التقييد الأول، مرجعه إلى النسبة الناقصة بين المادة، و هو «الإكرام»، و بين الموضوع، لأنّ الموضوع في الجزاء طرف لنسبة ناقصة بينه و بين المادة، فتكون النسبة الإرساليّة، أي «الوجوب»، أيضا متقيدة بالموضوع، لأنّ الموضوع، تحصيص لمتعلّق الحكم، و تكون النسبة بينه و بين المادة بحسب الروح، نسبة الإضافة

653

الناقصة، و إن كان المتعلق بحسب قواعد النحو، مفعولا به.

و أمّا التقييد الثاني، أعني تقييد الجزاء بالشرط، فهو نسبة توقفيّة تامة كما عرفت سابقا، و كلما اجتمعت نسبتان، إحداهما تامة، و الأخرى ناقصة، كانت النسبة الناقصة مأخوذة في طرف النسبة التامة لكي تتم بها، إذ لو كانت في عرضها، كان الكلام ناقصا و بحاجة إلى تتمة، و هذا هو معنى الطوليّة المقصودة.

و في ضوء هذه المقدمة نقول: إنّ الشرط، تارة، يفرض انّه أمر مغاير مع الموضوع، من قبيل، «المجي‏ء»، بالنسبة «لزيد»، فإنّه مغاير له، كما في قولنا: «إذا جاء زيد فاكرمه» و في مثله لا إشكال في ثبوت المفهوم، باعتبار أنّ مرجع التقييد بالشرط، إلى النسبة التوقفيّة، و هذا يقتضي انتفاء وجوب الإكرام، عند انتفاء المجي‏ء، إلّا انّ وجوب الإكرام الذي ينتفي، هو وجوب الإكرام المقيّد بموضوعه، و هو «زيد»، بناء على ما عرفته في المقدمة، و عليه فتكون هذه الجملة دالة على انتفاء وجوب إكرام زيد، عند انتفاء مجيئه، و لا تدل على انتفاء وجوب إكرام غيره.

و تارة أخرى، يفرض انّ الشرط ملازم مع وجود الموضوع، فيكون عدمه مساوقا لعدم وجود الموضوع، و هذا ما يسمّى بالشرط المسوق لتحقّق الموضوع كما في قوله، «إذا رزقت ولدا فاختنه»، فوجود الشرط، و هو الرزق، مساوق و ملازم لوجود الموضوع، و هو الولد، و عدمه، مساوق لعدمه، كما هو واضح.

و بتطبيق المقدمة المذكورة، يتّضح انّه لا مفهوم لهذه الجملة و أمثالها، حيث نقول: إنّ وجوب الختان، قيّد بتقيدين.

أحدهما بالموضوع، و هو الولد، و الثاني، بالشرط، و هو الرزق، و التقييد الثاني، يجب أن يكون في طول الأول كما عرفت، فالتقييد بالشرط، مصبّه وجوب الختان المقيّد بالولد، و حينئذ، لا يكون لهذه الجملة مفهوم، لأنّه إن أريد بالمفهوم، نفي مصبّ التقييد بالشرط، و هو

654

وجوب ختان الابن، عند انتفاء الشرط، و هو الرزق، ففيه، انّ هذا الانتفاء، قهري، سواء وجدت هناك أداة شرط، أو لم توجد، لأنّ انتفاء الشرط، مساوق لانتفاء الموضوع حسب الفرض، و إن أريد بالمفهوم، نفي مصبّ أوسع من مصب التقييد بالشرط، كما لو أريد نفي ختان أيّ ولد إذا انتفى الشرط المذكور، ففيه، ان هذا الانتفاء، لا يدل عليه الكلام، لأنّ التقييد بالشرط، إنّما يقتضي انتفاء مصبّه عند انتفاء الشرط، و لا يقتضي أكثر من ذلك.

نعم لو كان التقييدان المذكوران عرضيّان، بأن يكون مصبّ التقييد بالشرط، هو وجوب الختان في نفسه، لا وجوب ختان الابن، كما لو قال، «إذا رزقت ولدا فيجب الختان»، ففي مثله، يكون التقيدان عرضيان، و لأجله، يثبت المفهوم، لكن لمّا كان التقييدان في قولنا، «إذا رزقت ولدا فاختنه»، طوليّين بالبرهان المتقدم، يثبت حينئذ انّه لا مفهوم لمثل هذه الجملة كما تقدم لأنه خلاف الطولية بين التقييدين و ممّا ذكرنا، ظهر انّ كل جملة شرطيّة كان الشرط فيها مغايرا مع الموضوع، يكون لها مفهوم، من قبيل قولنا، «إذا جاء زيد فاكرمه»، و كل جملة شرطيّة كان الشرط فيها مسوقا لتحقّق الموضوع، فلا مفهوم لها، من قبيل قولنا، «إذا رزقت ولدا فاختنه»، و هناك جمل وسط بين هاتين الجملتين، كما في قوله تعالى، إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا، فإنّ موضوع الحكم هو النبأ، و الشرط، هو مجي‏ء الفاسق به، و من الواضح انّ مجي‏ء الفاسق بالنبإ، هو إيجاد للنبإ، فمن هذه الناحية، تكون هذه الآية، شبيهة بالجملة المسوقة لبيان تحقّق الموضوع، باعتبار انّ تحقّق الشرط في الآية، يحقق موضوع الحكم.

إلّا انّ تحقق هذا الموضوع، غير منحصر بالشرط، و هو مجي‏ء الفاسق، و ذلك، لإمكان أن يحقّق العادل هذا الموضوع، و بهذا اختلفت الآية عن الجملة المسوقة لبيان تحقق الموضوع، باعتبار انّ الشرط، و هو الرزق، في تلك الجملة، هو المحقق الوحيد للموضوع، و هو الولد، و من هنا كانت هذه الآية المباركة، حدّ وسط بين الجملتين.