بحوث في علم الأصول - ج6

- الشيخ حسن عبد الساتر المزيد...
749 /
655

و لكنّ الصحيح، هو ثبوت المفهوم فيها أيضا، لأنّ التقييد بالشرط الذي يفيد النسبة التوقفيّة، يقتضي انتفاء مصبّه إذا انتفى الشرط، بحيث يكون التعليق مفيدا لأمر لا يتحصل لولاه، و هذا متوفر في المقام، لأنّ انتفاء الشرط، و هو مجي‏ء الفاسق، غير مساوق لانتفاء الموضوع، كما هو الحال في الجملة المسوقة لبيان تحقق الموضوع، أي جملة، إذا رزقت ولدا فاختنه و عليه، فالتعليق في الآية، أفاد أمرا، لا يتحصّل لولاه، و حينئذ، فإذا انتفى الشرط، و هو مجي‏ء الفاسق، ينتفي وجوب التبيّن، كما في صورة مجي‏ء العادل بالنبإ. و هكذا يكون مقتضى إطلاق التعليق في الآية، ثبوت المفهوم فيها أيضا.

2- التنبيه الثاني: و فيه نعالج، إشكال كون المنتفي بالمفهوم، هل هو، مطلق الوجوب، أو الوجوب المطلق‏

، حيث يقال: انّ المفهوم في قولنا: «إذا جاء زيد فاكرمه» هل يدل على انتفاء مطلق وجوب الاكرام، بحيث إذا لم يجي‏ء، ينتفي أيّ وجوب إكرام له؟، أو انّه يدل على انتفاء الوجوب المطلق للإكرام؟، بحيث انّه إذا لم يجي‏ء يكون المنفي هو الوجوب المطلق؟، و هذا لا ينافي ثبوت الوجوب المقيّد.

و من هنا، كان لا بدّ من وضع ميزان فني لبيان انّ المفهوم هل يقتضي انتفاء مطلق الوجوب، أو الوجوب المطلق.

و بتعبير آخر يقال: انّه لا إشكال في انّ جملة الجزاء في الشرطيّة مطلقة، فقولنا، «إذا جاءك زيد فاكرمه»، يدل على وجوب مطلق الإكرام لزيد إذا جاء، و حينئذ، يستشكل في دلالة الجملة الشرطيّة على المفهوم، حيث يقال: انّ الجزاء المعلّق على الشرط إن كان هو وجوب مطلق الإكرام، فغاية ما تقتضيه دلالة الجملة الشرطيّة على الانتفاء عند الانتفاء، هو انتفاء هذا الوجوب، و هذا لا ينافي ثبوت وجوب إكرام مقيّد له، كالإكرام بنحو الضيافة مثلا، و إنّما الذي ينافيه، انتفاء مطلق وجوب الإكرام.

656

و الجواب هو: انه في القضية الشرطية يوجد أمران:

الأمر الأول: التعليق، و الأمر الثاني، وجوب الإكرام.

و حينئذ، فتارة يفرض انّا نثبت أولا، الإطلاق في وجوب الإكرام ثم نعلقه بعد ذلك، فتكون النتيجة ان المعلق على الشرط هو الوجوب المطلق للإكرام.

و أخرى يفرض العكس، فيقال: ان المعلق على الشرط هو طبيعة وجوب الإكرام، و بعد التعليق يشك في انّ المعلّق، هل هو مطلق الوجوب؟

أو الوجوب المقيّد؟

فبمقدمات الحكمة يثبت انّ المعلّق هو مطلق الوجوب.

إذن ففي المقام دعويان.

أ- الدعوى الأولى: هي أن يكون إجراء مقدمات الحكمة، في مرتبة سابقة على التعليق.

و هذا يفيد انتفاء الوجوب المطلق، عند انتفاء الشرط.

ب- الدعوى الثانية: هي أن يكون إجراء مقدمات الحكمة، في طول التعليق.

و هذا يفيد انتفاء مطلق وجوب الإكرام.

و الصحيح في المقام، هي الثانية، و أنّ التعليق في مرتبة سابقة على إجراء مقدمات الحكمة، فيكون المفهوم مقيّدا لانتفاء مطلق الوجوب، و هذا، ينافي ثبوت أيّ حصة من حصص الوجوب.

و هذه الدعوى الثانية، مطابقة مع الوجدان العرفي، كما أنّها مطابقة للبرهان.

و توضيح ذلك هو: إنه قد يدّعى قيام البرهان على الدعوى الأولى،

657

و أنّ التعليق يطرأ على الوجوب بعد إثبات إطلاقه، بدليل انّ التعليق حكم، و موضوعه، هو وجوب الإكرام، و هذا الموضوع، ينبغي معاملته كأيّ موضوع آخر، فمثلا في قوله: أحلّ اللّه البيع، فإنّ الموضوع هو البيع، و هذا الموضوع، يدور أمره، بين المطلق، و المقيّد، فنثبت إطلاقه بمقدمات الحكمة، و بعد إثبات إطلاقه، يجعل موضوعا للحكم.

و محل كلامنا من هذا القبيل، فإنّ وجوب الإكرام، موضوع للتعليق، فإذا دار أمر هذا الموضوع بين المطلق، و المقيّد فإنّا نثبت إطلاقه بمقدمات الحكمة، و حينئذ يثبت انّ موضوع التعليق، هو الوجوب المطلق للإكرام، فيكون التعليق طارئا على الوجوب المطلق.

و بهذا يتبيّن صحة الدعوى الأولى.

إلّا أنّ هذا الكلام غير تام، أمّا أولا، فإنّ هناك فرقا بين الموضوعين، فالبيع، و هو الموضوع في قوله تعالى، أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ، لا يمكن أن يراد به طبيعة البيع الجامعة بين البيع المطلق، و البيع المقيّد، باعتبار انّه لا وجود مستقل لهذه الطبيعة مع قطع النظر عن حصتيها، و معه لا يعقل أن تكون موضوعا للحكم الشرعي.

و حينئذ، فيدور الأمر، بين أن يكون المراد، هو البيع المطلق، أو البيع المقيّد، و بمقدمات الحكمة نثبت كون المراد، هو البيع المطلق.

و هكذا، بالنسبة لكل موضوع لا يعقل بقاؤه على الجامع.

و أمّا الموضوع في محل الكلام، و هو وجوب الإكرام، فلا يدور أمره بين المطلق و المقيّد فقط، بل هناك طرف ثالث، و هو أن يكون المقصود به مطلق الوجوب الجامع بين المطلق و المقيّد، و هذا الجامع، و إن لم يكن له وجود مستقل عن حصّتيه، إلّا انّه يعقل أن يجعل موضوعا للتعليق و لا محذور فيه.

و حينئذ، فمقدّمات الحكمة، تعيّن هذا الطرف الثالث، لأنّه أوسع‏

658

دائرة، و بهذا يكون الإطلاق طارئا على التعليق، كما هو لسان الدعوى الثانية.

و أمّا ثانيا: فإنّ إجراء مقدمات الحكمة قبل التعليق، يثبت انّ المعلّق هو الوجوب المطلق للإكرام، و هذا تضييق لدائرة التعليق، لأنّ مرجعه، إلى انّ المعلّق ليس هو طبيعة الوجوب على إطلاقها و بكلتا حصتيها، بل المعلّق هو الطبيعة في ضمن إحدى الحصتين، و هي الوجوب المطلق، و هذا خلف مقدمات الحكمة.

و هذا بخلاف ما لو أجرينا مقدمات الحكمة بعد التعليق، فإنّها تفيد كون المطلق هو الطبيعة، كما عرفت.

و هذا الجواب الثاني، يستفاد من الأول.

و قد يتوهم في مقام إثبات الدعوى الأولى، فيقال: إنّ الإكرام الذي هو موضوع الوجوب، يحتمل الإطلاق، و التقييد، فنثبت إطلاقه بمقدمات الحكمة، فيكون المقصود منه مطلق الإكرام، فبعد تعلّق الوجوب به و تعليق هذا الوجوب على الشرط، تكون النتيجة، انّ المعلّق على الشرط، هو وجوب مطلق الإكرام، و حينئذ، بانتفاء الشرط، ينتفي وجوب مطلق الإكرام، و هذا لا ينافي ثبوت وجوب بعض حصص الإكرام.

و بهذا، يثبت مضمون الدعوى الأولى.

إلّا انّ هذا الكلام، لو تمّ، لانتفى مفهوم الجملة رأسا، و بيان ذلك هو: انّا ذكرنا انّ ضابط المفهوم، مؤلف من ركنين، و الركن الثاني، هو كون المعلّق على الشرط، هو مطلق الحكم و طبيعته، لا شخصه.

و قد عرفت، انّ إثبات ذلك، موقوف على إجراء مقدمات الحكمة، و إجراؤها، يتوقف على شروطها، و بعض هذه الشروط، يرجع إلى أن لا يكون المدلول التصديقي بإزاء جملة الجزاء، بل لا بدّ و أن يكون بإزاء جملة الشرط نفسها، أي بإزاء النسبة التوقفيّة، إذ لو كان بإزاء جملة الجزاء، للزم‏

659

عدم جريان مقدمات الحكمة، و معه لا يثبت انّ المعلّق طبيعي الحكم، بل يكون شخص الحكم، لأنّ المدلول التصديقي شخصي دائما، و قد عرفت تفصيله.

و ممّا ذكرنا، يفهم انّ المعلّق هو طبيعي الحكم الذي هو مدلول تصوري، و حينئذ نقول.

إذا كان مدلول جملة الجزاء هو الحكم كمفهوم كلّي، فلا يعقل إجراء مقدمات الحكمة لإثبات الإطلاق في الإكرام، لأنّ مقدمات الحكمة، إنّما تجري لأجل التوفيق بين مرحلتي الثبوت و الإثبات، أي بين المدلول التصوري، و المدلول التصديقي.

و قد عرفت انّه لا مدلول تصديقي لجملة الجزاء، لأنّ المدلول التصديقي قد فرض جعله بإزاء جملة الشرط نفسها.

نعم، إذا فرض انّ المدلول التصديقي بإزاء جملة الجزاء، فحينئذ، يكون للجزاء مدلول تصديقي، و معه يمكن إثبات الإطلاق، لأنّه لا مانع حينئذ من جريان مقدمات الحكمة.

إلّا انّه بناء على هذا الفرض، لا يمكن أن نثبت كون المعلّق هو طبيعي الحكم، أي الركن الثاني، لما عرفت أولا.

و بهذا يثبت، انّ تمامية الركن الثاني، ملازمة لاستحالة إثبات الإطلاق في نفس الإكرام قبل التعليق.

فإن قيل: انّه من المتسالم عليه، انّ ما يثبته المنطوق، هو الذي ينفيه المفهوم، و في قولنا: «إذا جاء زيد فاكرمه»، فهنا المنطوق، يثبت وجوب مطلق الإكرام، و من هنا صحّ امتثاله بإكرامه، بنحو الضيافة، و الهدية، و نحو ذلك مما هو إكرام، و حينئذ فالمفهوم لا بدّ و أن ينفي وجوب مطلق الإكرام، و هذا لا ينافي وجوب بعض حصص الإكرام، فبهذا تثبت صحة مضمون الدعوى الأولى.

660

قلنا: ما ذكر من انّ الثابت بالمنطوق هو الذي ينفى بالمفهوم، صحيح إلّا أنّا نقول، انّ الثابت بالمنطوق، و المعلّق على الشرط هو مطلق وجوب الإكرام، و هذا له حصتان كما عرفت سابقا، إحداهما، الوجوب المطلق، و الثانية، الوجوب المقيد، و حينئذ، فبانتفاء الشرط، ينتفي الجامع، و انتفاء الجامع لا يكون إلّا بانتفاء كلتا حصتيه، و أمّا إذا وجد الشرط فحينئذ يوجد الجامع، و وجود الجامع، يتحقق و لو في ضمن إحدى حصصه، فالذي أثبته المنطوق هو عين ما نفاه المفهوم، و هو الجامع.

فإن قيل: انّ وجود الشرط يقتضي وجود الجامع بين المطلق و المقيد، و حينئذ، فما هو المعيّن لهذه الحصة؟.

قلنا، المعيّن لها، هو مقدمات الحكمة، فإنّها تقتضي تحقق الجامع في ضمن حصته المطلقة، و مقدمات الحكمة هذه، لا بدّ و ان تكون في طول التعليق كما عرفت.

3- التنبيه الثالث: [الكلام فى مرحلة الثبوت و الاثبات للشرط المسوق لتحقق الموضوع‏]

إذا فرض عموم الجزاء كما في قوله، «إذا رزقت مالا فتصدق به، على كل الفقراء»، ففي مثله، يقع الكلام في مرحلتين:

أ- المرحلة الأولى: مرحلة الثبوت، و في هذه المرحلة، يوجد عندنا ثلاث احتمالات.

أ- الاحتمال الأول: هو ان يكون المعلّق على الشرط هو نفس العموم، أي بما هو صفة، و في مثله، يكون المفهوم مقتضيا لانتفاء العموم عند انتفاء الشرط، فيكون المنفي هو وجوب الإكرام بنحو العموم، و هذا لا ينافي وجوب إكرام بعض الأفراد.

ب- الاحتمال الثاني: هو أن يكون المعلّق على الشرط، ذات العام، أي نفس الأفراد، على نحو، تكون ملحوظة بنحو العموم الاستغراقي، و في مثله: المفهوم يقتضي انتفاء الحكم بوجوب الإكرام عن سائر الأفراد، فيكون المفهوم مقتضيا للسالبة الكليّة.

661

و قد علّل ذلك الميرزا (1) (قده)، بأنّ نقيض الموجبة الكليّة، و إن كان سالبة جزئيّة بحسب قوانين المنطق إلّا انّ المفهوم يثبت النقيض العرفي لا المنطقي، و النقيض العرفي للموجبة الكليّة هو سالبة كلية، و من هنا كان المفهوم بناء على هذا الاحتمال، مقتضيا للسالبة الكلية.

و هذا التعليل غير تام، فإنّ النقيض العرفي كالنقيض المنطقي، حيث انّه لا إشكال في وجود التناقض عرفا بين قولنا، «مات كل القوم»، و بين قولنا، «بعض القوم لم يمت».

فالصحيح في مقام بيان اقتضاء المفهوم، السالبة الكلية، أن يقال:

إنّا قد فرضنا انّ المعلّق على الشرط، هو ذات الأفراد، على نحو الاستغراق.

و التعليق، حكم كسائر الأحكام، فيتعدّد و يتكثّر بتكثّر أفراده، فيكون لكلّ فرد تعليق خاص، فكلّ فرد من الأفراد، يكون وجوب إكرامه معلّقا على الشرط، فإذا انتفى الشرط ينتفي وجوب إكرام كل فرد.

3- الاحتمال الثالث: هو أن يكون المعلّق على الشرط ذات العام، أي نفس الأفراد كما في الثاني، إلّا انّه في الثالث، لوحظ هذا العام بنحو العموم المجموعي، لا الاستغراقي، و في مثله، يكون المفهوم، مقتضيا لانتفاء وجوب اكرام المجموع، و هذا لا ينافي ثبوت وجوب إكرام الأفراد.

نعم إذا بني في مقام إثبات المفهوم، على استفادته من الإطلاق الأحوالي للشرط، باعتبار إفادته للانحصار كما عرفت، حينئذ، يكون المفهوم مقتضيا لانتفاء وجوب الإكرام، و جميع حصصه، لأنّ مقتضى الإطلاق الأحوالي للشرط، أنّ هذا الشرط، علة منحصرة لمجموع حصص‏

____________

(1) فوائد الأصول- الكاظمي ج 1- ص 301- 302.

662

الوجوب، و هذا ينافي وجود علة أخرى، و لو لبعض حصص الوجوب، و من هنا، يكون المفهوم مقتضيا للسالبة الكلية.

إلا انك عرفت فساد هذا المبنى‏ (1).

و إن شئت، قلت في هذا الاحتمال: انّ المعلّق على الشرط فيه هو، مجموع الأحكام كمركب واحد، فانّه لا يثبت بالمفهوم أكثر من انتفاء هذا المجموع، و هذا لا ينافي ثبوت البعض.

نعم بناء على بعض المباني في استفادة المفهوم، قد يقال، باستفادة عموم الانتفاء في طرف المفهوم أيضا.

و هو المبنى القائل بالمفهوم، على أساس استفادة العليّة المنحصرة، بضميمة الإطلاق الأحوالي للشرط، بلحاظ اقترانه مع علة أخرى محتملة و عدمه، فإنّ مقتضاه، كون الشرط علة مستقلة في جميع الأحوال، فيقال حينئذ، انّ مقتضى الإطلاق الأحوالي، كون الشرط علة تامة مستقلة للمجموع، سواء اقترن بتحمل العليّة أم لا، و هذا ينفي وجود علة أخرى حتى للبعض، إذ لو كان موجودا لكان الشرط في حال الاقتران بها، علة غير مستقلة بلحاظ ذلك البعض، فلم تصبح علة مستقلة لذات العام.

2- المرحلة الثانية: مرحلة الإثبات و الاستظهار، و فيها نقول: إنّ العموم، تارة يستفاد بنحو المعنى الاسمي، «ككل، و جميع»، و أخرى، يستفاد بنحو المعنى الحرفي، كالجمع المحلى باللام، بناء على دلالته على الاستغراق.

فإن كان مستفادا بنحو المعنى الاسمي، من قبيل «كل و جميع»، فحينئذ، يكون الظاهر من الجملة و المستظهر منها، هو الأول، أي تعليق‏

____________

(1) المصدر السابق.

663

العموم على الشرط، لأن «كل و جميع» عبارة ثانية عن العموم، فكأنه قال:

«إذا جاء زيد فاكرم عموم الفقراء».

و إن كان العموم مستفاد بنحو المعنى الحرفي، كما في الجمع المعرّف باللام، بناء على دلالة هذه اللّام على العموم، فحينئذ، يكون الظاهر من الجملة، هو تعليق العام لا العموم، لأنّ المنظور مستقلا هو العام، و أمّا العموم، فهو نسبة ناقصة مندكّة في جنب المدخول.

و بناء على ذلك، إن كان العموم استغراقيا، كما هو الظاهر منه- لأنّ المجموع مئونة زائدة- فيتعيّن الاحتمال الثاني، و إن قامت قرينة على هذه المئونة، فيتعيّن الاحتمال الثالث.

و الخلاصة: هي انّه في مرحلة الإثبات، إن فرض انّ الدال على العموم كان بنحو المعنى الاسمي، كما في «كل، و جميع»، فيكون كما لو قال: «إذا جاءك زيد فاكرم عموم الفقراء» يكون المستظهر حينئذ، هو الاحتمال الأول، أي تعليق العموم على الشرط، و هذا لا ينافي كون الحكم منحلا من جهة المنطوق إلى عدة أحكام، لأنّه لا معنى لثبوته على عنوان العموم بنحو الموضوعيّة، و إنّما موضوعيّة العموم تكون مرآة للأفراد بنحو الانحلال.

و أمّا بلحاظ الحكم بالتعليق، فإنّ المعلّق إنّما هو وجوب العموم بعنوانه، و هو عرفا، في قوة قولنا: «عموم الوجوبات، متوقفة على الشرط»، و أمّا إذا كان العموم مستفادا بنحو المعنى الحرفي، كالجمع المحلّى باللّام- بناء على دلالته على الاستغراق- فانّ مقتضى القاعدة، هو الاحتمال الثاني، و ذلك لانحلال الحكم- الذي هو موضوع التعليق- إلى أحكام عديدة، و مقتضى الإطلاق، تعليقها جميعا بنحو الاستغراق، إلّا أن تقوّم قرينة على ملاحظة التركيب و المجموعيّة، فيثبت حينئذ الاحتمال الثالث.

و بإتمام الكلام في المرحلة الثانية، يتم الكلام في التنبيه الثالث.

664

4- التنبيه الرابع: و هو فيما إذا تعدّد الشرط في الجملة الشرطيّة، و اتحد الجزاء

، فلا إشكال في انّ دائرة المنطوق تضيق، و بقدر ما تضيق هذه الدائرة، تتسع دائرة المفهوم، كما في قولنا: «إذا جاء زيد، و كان عالما تقيا، فاكرمه»، فالمنطوق، عبارة عن وجوب الإكرام، إذا اجتمعت هذه الشرائط كلها.

و أمّا المفهوم فهو يثبت بمجرد اختلال شرط واحد من الشروط المذكورة، لأنّ ظاهر هذه الجملة، هو توقف وجوب الإكرام على مجموع هذه الشرائط، و هذا ممّا لا إشكال فيه و لا كلام.

و إنما الكلام في عكس ذلك، و هو ما لو فرض اتّحاد الشرط و تعدّد الجزاء في الجملة الشرطية، كما لو قال: «إذا رزقت ولدا فصلّ ركعتين و صم يومين»، ففي مثل هذا يقع الكلام، في أنّ المفهوم، هل هو انتفاء الجميع، أي انتفاء وجوب كل من الصلاة و الصوم عند انتفاء الشرط، أو انّ المفهوم هو انتفاء المجموع، أي مجموع الجزاءات الذي لا ينافي ثبوت بعضها.

و لتحقيق ذلك، يقع الكلام في مرحلتين.

1- المرحلة الأولى: هي مرحلة الثبوت، و في هذه المرحلة، يوجد عندنا ثلاث احتمالات، فإنّ قوله، «إذا رزقت ولدا فصل، و صم»، فقوله «صل»، طرأت عليه حالتان، الأولى، التعليق، حيث انّه علّق على رزق الولد، و قد دلّ على ذلك، أداة الشرط، و الثانية، هي العطف، حيث انّه قد عطف عليه قوله، «صم»، و قد دلّ على ذلك حرف «الواو»، فمن هاتين الحالتين يمكن فرض ثلاث احتمالات في المقام.

1- الاحتمال الأول: هو أن يكون العطف في طول التعليق، بمعنى انّ عطف قوله، «صم»، على «صل»، كان بعد تعليق الصلاة على الشرط، و في مثله، يكون مقتضى المفهوم، هو انتفاء الجميع عند انتفاء الشرط، لأنّ المفروض انّ عطف «الصوم» على «الصلاة» كان بعد تعليق الصلاة على‏

665

الشرط، و هذا معناه، انّه عطف الصوم على الصلاة بما هي معلّقة على الشرط، و العطف يقتضي التشريك في هذا الحكم، و هو التعليق، فحينئذ، يكون الصوم أيضا معلقا على الشرط، فبانتفاء الشرط، ينتفي كل من وجوب الصلاة و وجوب الصوم.

و الخلاصة: في هذا الاحتمال هي، أن يكون العطف في طول التعليق، أي انّ الحكم الأول علّق على الشرط، ثم عطف عليه الحكم الثاني، فيرجع إلى تشريكه مع الأول في التعليق، و مقتضى هذا، هو انتفاء الجميع، بانتفاء الشرط.

2- الاحتمال الثاني: و هو عكس الأول، إذ انّه يفرض التعليق في طول العطف، أي انّ عطف الصوم على الصلاة، كان قبل اكتساب الصلاة للتعليق، و فائدة هذا العطف، هو تشريك الصوم مع الصلاة في الانحصار الذهني، و بعد هذا التشريك، يطرأ التعليق عليهما معا.

و هذا الاحتمال لا بدّ فيه من مئونة، و هي ملاحظة الصلاة مع الصوم أمرا واحدا، و بعد أن ينظر إليهما بما هما شي‏ء واحد، يطرأ التعليق على ذلك الشي‏ء الواحد، فيكون المعلّق على الشرط، هو المجموع من الصلاة و الصوم، فيكون مقتضى المفهوم، هو انتفاء المجموع الذي لا ينافي ثبوت أحدهما.

و بتعبير آخر يقال: إنّ هذا الاحتمال، هو أن يكون التعليق في طول العطف، و ذلك بأن يجمع بين الحكمين في مرتبة سابقة على التعليق، و يوحّد بينها، ثم يعلّق المجموع بما هو مجموع، على الشرط، و مقتضى هذا، هو انتفاء المجموع، دون منافاته لثبوت أحدهما.

3- الاحتمال الثالث: هو أن يفرض انّ التعليق في طول العطف، كالاحتمال الثاني، لكن يفترق عنه، في انّه يفرض في هذا الاحتمال الثالث، انّ التعليق لم يطرأ على الصلاة و الصوم بما هي جملة جزاء واحد، بل يطرأ عليها بما هي جزاءات متعددة، و هذا يقتضي انحلال التعليق إلى تعليقات‏

666

بعدد جمل الجزاء، لأنّ التعليق الواحد يستحيل أن يكون أكثر من طرف واحد.

و عليه فلا بدّ من فرض الانحلال كما ذكرنا، فيكون مقتضى المفهوم حينئذ، هو انتفاء الجميع بانتفاء الشرط، لأنّ كل تعليق يقتضي انتفاء ما علّق عليه في صورة انتفاء الشرط، فتكون نتيجة هذا الاحتمال كنتيجة الاحتمال الأول.

و بعبارة أخرى، يقال في الاحتمال الثالث: بأنّ التعليق فيه، يكون في طول العطف، و لكن من دون افتراض الوحدة و التركيب بين الجزاءين في مقام التعليق.

و مقتضاه، انتفاء الجميع بانتفاء الشرط كما في الأول.

2- المرحلة الثانية: و هي مرحلة الإثبات و الاستظهار، و قد يقال في المقام، بأنّ المتعيّن في هذه المرحلة، هو الاحتمال الثالث، لبطلان الاحتمالين الأوّلين.

أمّا بطلان الاحتمال الأول، فباعتبار انّا ذكرنا سابقا انّه كلما اجتمعت نسبة ناقصة و نسبة تامة فلا يعقل أن تكون النسبة الناقصة في عرض النسبة التامة أو في طولها، و إلّا لبقيت ناقصة، و لكان الكلام مشتملا على ما لا يصح السكوت عليه كما تقدم.

و عليه فلا بدّ و ان تندمج الناقصة في طرف التامة، و هذا يبرهن على بطلان الاحتمال الأول، لأنّ العطف نسبة ناقصة، و لهذا إذا قيل، «زيد و عمرو»، يكون الكلام ناقصا، و التعليق نسبة تامة.

فهنا قد اجتمعت النسبة الناقصة، مع النسبة التامة، و معه لا بدّ و أن تكون الناقصة مندمجة في طرف التامة، فيكون العطف الذي هو نسبة ناقصة، مأخوذا في طرف النسبة التعليقية.

667

و هذا معناه، انّ التعليق في طول العطف، لا في رتبة سابقة عليه، كما هو لسان الاحتمال الأول.

و الخلاصة هي، انّ بطلان الاحتمال الأول، باعتبار ما قد يتصوّر، من انّ العطف معنى حرفي، فيكون نسبة ناقصة، و معه يستحيل أن تكون في طول التعليق الذي هو النسبة التامة في الجملة، لما تقدم، من انّ النسب الناقصة تؤخذ دائما في أطراف النسب التامة و لا تكون في عرضها أو في طولها، و إلّا لبقي الكلام غير تام.

و لهذا لا يكون قولنا «زيد و عمرو»، ممّا يصح السكوت عليه.

و أمّا بطلان الاحتمال الثاني: فهو من جهة انّه محتاج إلى مئونة زائدة كما عرفت، و الإطلاق ينفي هذه المئونة، و بعد بطلان هذين الاحتمالين، يتعيّن الاحتمال الثالث، و تكون النتيجة، هي انّ المفهوم، يقتضي انتفاء جميع الجزاءات عند انتفاء الشرط، و هذا ينافي ثبوت بعضها.

و التحقيق في المقام، هو انّ هذه النتيجة صحيحة، فإنّ المتفاهم العرفي يقتضيها، إلّا انّ إثبات هذه النتيجة، لا يحتاج إلّا إلى إبطال الاحتمال الثاني، و لا يحتاج إلى إبطال الاحتمال الأول، لأنّه يقتضي عين هذه النتيجة، كما عرفت، مضافا إلى انّ ما ذكر من وجود النسبة الناقصة إلى جانب النسبة التامة، فإنه غير تام، فإنّا قد ذكرنا في بحث المعاني الحرفيّة انّ العطف نسبة تامة، لا ناقصة، باعتبار انّ النسبة التامة، هي التي يكون موطنها الأصلي هو الذهن كما تقدم تحقيقه، و العطف لا يراد به في المقام العطف الخارجي، بل يراد به العطف الذهني، إذ قد لا يكون المعطوف و المعطوف عليه ممّا يراد بيان اجتماعهما في الخارج أصلا، فمفاد العطف هو إحضار الشيئين في سياق ذهني واحد، و هذا معناه انّ موطن العطف الأصلي هو الذهن.

و بذلك يتبرهن انّه من النسبة التامة.

668

و أمّا عدم صحة السكوت على قولنا، «زيد و عمرو»، فليس ذلك من جهة قصور في نسبة العطف، فإنّ نسبة العطف قائمة بدورها المطلوب، و هو إشراك المعطوف مع المعطوف عليه في السياق الذهني، و إنّما القصور في نفس السياق الذهني، لأنّ السياق الذهني هنا هو مجرد الإحضار و التصور، و هذا يوجب عدم صحة السكوت على هذا الكلام.

و الخلاصة هي: انّ هذه النتيجة، و إن كانت صحيحة، إلّا انّ إبطال الاحتمال الأول المشترك مع الاحتمال الثالث في النتيجة، مبني على كون العطف معنى حرفيا و نسبة ناقصة.

و أمّا إذا قلنا بانّه نسبة تامة لكونه نسبة غير خارجية، بل هو نسبة ذهنيّة موطنها الذهن، من أجل إخطار المعنى الآخر إلى الذهن، و تشريكه في الحكم، فحينئذ، لا يتم الكلام المزبور و النقض الملحوظ في قولنا: «زيد، و عمرو»، و ليس هذا من ناحية نقصان نسبة العطف، و إنّما من جهة عدم وجود حكم يشرّك به «زيد و عمرو» في الكلام، كما يشهد لذلك صحة عطف الجملة على الجملة، و عليه، فيرجع العطف لبا إلى تشريك الحكم الثاني مع الحكم الأول في التعليق، فكأنه كرّر الشرط، فقال: «إذا رزقت ولدا فتصدق، و إذا رزقت ولدا فصلّ ركعتين»، و قد يكون هذا هو المنشأ الفطري لما يقال، من انّ العطف في قوة التكرار.

و من هنا، يعرف اشتراك الاحتمال الأول و الثالث في نتيجة واحدة، لكون المحقق في المعنى الحرفي، كون العطف نسبة ذهنية تامة، و حينئذ لا يتصور أكثر من احتمال واحد، و هو تشريك الحكمين و الجزاءين في التعليق، كما لو كرّر، كما عرفت.

5- التنبيه الخامس: [في بيان الفرق بين هاتين الجملتين «إذا جاء زيد فاكرمه» و «أكرم زيدا عند مجيئه»]

و هو فيما إذا ورد قيد على هيئة الأمر بلسان الجملة الشرطيّة كما في قولنا: «إذا جاء زيد فاكرمه»، فلا إشكال في ثبوت المفهوم لمثل هذه الجملة كما عرفت.

669

و أمّا إذا ورد مثل هذا القيد، لكن لا بلسان الجملة الشرطيّة، كما لو قيل «أكرم زيدا عند مجيئه»، ففي مثله لم يدّع أحد ممّن قال بمفهوم الشرط، بثبوت المفهوم لمثل هذه الجملة في مقام التطبيقات الفقهية، و الوجدان العرفي قاض بما تسالموا عليه، فلا كلام من هذه الجهة.

و إنما الكلام، في بيان الفرق بين هاتين الجملتين، و كل دليل أريد به إثبات مفهوم الشرط و لم يكن متضمنا لإبراز الفرق بين هاتين الجملتين، يكون بنفسه نقضا على صاحب هذا الدليل، فمثلا الميرزا (قده)، حاول إثبات مفهوم الشرط، بالتمسك بالإطلاق في مقابل العطف، «بأو»، كما عرفت، حيث ذكر انّ السبب منحصر بالقيد المذكور في الجملة بمقتضى ذلك الإطلاق، و هذا الكلام لو كان صحيحا لكان مثبتا للمفهوم حتى في مثل «أكرم زيدا عند مجيئه»، لأنّه يقال بأنّ مقتضى الإطلاق، هو كون السبب منحصر بهذا القيد، فمن هنا يعلم انّ هذا الدليل الذي ذكره يكون نقضا عليه، لأنه لم يلتزم بالمفهوم في مثل هذه الجملة.

و توضيح الفرق بين هاتين الجملتين هو: إنّا قد ذكرنا سابقا انّ الركن الثاني لمفهوم الشرط، هو كون المعلّق على الشرط طبيعي الحكم، لا شخصه، و إثبات ذلك يكون بإجراء مقدمات الحكمة، و إجراؤها، يتوقف على شروط.

أحدها: أن يكون المدلول التصديقي بإزاء النسبة الربطيّة لا بإزاء جملة الجزاء، و كونه بإزاء النسبة الربطيّة، موقوف على كون النسبة الربطيّة نسبة تامة، و النسبة الربطيّة في الجملة الشرطيّة نسبة تامة، لأنّ المقصود منها الربط بين الشرط و الجزاء في عالم الحكم، و أفق هذا العالم هو الذهن، و كلّ نسبة كان موطنها الأصلي هو الذهن، تكون تامة، و حينئذ يكون المدلول التصديقي بإزاء هذه النسبة التامة، و يتمحض الجزاء في المدلول التصوري، و معه يمكن إجراء مقدمات الحكمة لإثبات انّ المعلّق على الشرط، هو طبيعي الجزاء لا شخصه، و بذلك يثبت المفهوم.

670

و أمّا بالنسبة لمحل الكلام في قولنا «أكرم زيدا عند مجيئه»، فلا يمكن إجراء مقدمات الحكمة لإثبات انّ المعلّق هو طبيعي الحكم، لأنّ قوله:

«عند مجيئه»، يمثل نسبة ناقصة لا تامة، باعتبار انّه يعبّر عن الربط بين الوجوب و المجي‏ء الخارجي، و هذا الربط موطنه الأصلي هو الخارج، و كل نسبة يكون موطنها الأصلي هو الخارج، تكون ناقصة، كما عرفت مرارا، و إذا كانت ناقصة، فيستحيل أن يكون المدلول التصديقي بإزائها، و يتعيّن أن يكون بإزاء الجزاء، و معه لا يمكن إجراء مقدمات الحكمة، لإثبات انّ المعلّق طبيعي الحكم لا شخصه، و بهذا يختل الركن الثاني لإثبات المفهوم.

و بهذا، أمكن التفريق بين الجملة الشرطية، و بين قوله «أكرم زيدا عند مجيئه»، و ظهر الوجه، في ثبوت المفهوم للأولى دون الثانية.

و ما ذكرناه، يجري في جميع المفاهيم، فكلّ قيد يرجع إلى الوجوب، إن كانت نسبته التقيدية نسبة تامة، فحينئذ، يثبت المفهوم للجملة، و إلّا فلا يثبت.

671

استدراك على التنبيه الخامس، لتوضيح النقاط المذكورة فيه.

فإنه قد يقال: إنّا ذكرنا انّ مفاد كلمة «عند مجيئه»، نسبة ناقصة، و إذا كان يوجد نسبة تامة في قولنا «أكرم زيدا عند مجيئه»، فإنّ هذه التماميّة من شئون هيئة أكرم، و إلّا فكلمة «عند مجيئه» لا تتضمن إلّا نسبة ناقصة.

و حينئذ يقال: إنّه يستشكل في تخريج ذلك، بناء على ما ذكرناه من الضابط للنسبة التامة و النسبة الناقصة، حيث ذكرنا انّ النسبة التامة هي التي يكون موطنها الأصلي هو الذهن، و الناقصة هي التي يكون موطنها الأصلي هو الخارج.

و الإشكال هو أن يقال: انه في قولنا «اكرم زيدا عند مجيئه»، نريد أن نربط، بين وجوب الإكرام، و المجي‏ء، و من المعلوم، انّ وجوب الإكرام، من موجودات النفس و الذهن، و حينئذ، تكون النسبة تامة، لأنّ موطنها الأصلي هو الذهن، و تخرج عن كونها ناقصة، باعتبار انّ أحد طرفيها ذهني.

و جوابه: انّ ما ذكرناه من الضابط، ينطبق على محل الكلام، بحيث يثبت به انّ هذه النسبة ناقصة.

و توضيحه: إنّا لا نقصد بعالم الذهن، عالم النفس بخصوصه، بل نقصد به ما وراء الذهن، سواء كان نفسيا أو خارجا، حيث انّه لكل كلام مدلول بالذات، و هو عبارة عن المفهوم الذهني الذي يخطر في الذهن عند سماع اللفظ، و هذا هو المدلول التصوري للكلام، و مدلول بالعرض، و هو عبارة عن مصداق المدلول بالذات، و هذا المدلول خارج عن عالم المفاهيم‏

672

الذهنية، و ليس معنى ذلك، انّه موجود في خارج النفس، بل قد تكون خارجيّته بهذا المعنى، و قد تكون بمعنى لا ينافي وجوده داخل النفس، فمثلا، كلمة «عالم»، مدلولها بالذات، هو مفهوم «العالم»، و مدلولها بالعرض، مصداق «العالم»، و هذا المصداق، موطنه الخارج، أيّ خارج النفس، لكن كلمة «لحاظ» مدلولها بالذات، هو مفهوم كلمة «لحاظ»، و مدلولها بالعرض، واقع اللحاظ و هو مصداقه، إلّا انّ هذا المصداق موطنه الذهن و النفس، لا الخارج الواقعي.

فإذا عرفت المقصود من عالم الذهن، و عالم الخارج، نقول: إنّ النسبة، تارة تكون بين المدلولين بالعرض، أيّ بين مصداقي المفهومين، من قبيل:

«العصفور في القفص»، فإنّ هذه النسبة قائمة بين مصداق عصفور، و مصداق قفص، كما هو واضح، و حينئذ، فيكون الموطن الأصلي لهذه النسبة هو، الخارج بالمعنى الذي عرفته، و معه لا بدّ و أن تكون هذه النسبة ناقصة، لأنّ كلّ نسبة كان موطنها الأصلي هو الخارج، تكون ناقصة، كما برهنّا عليه.

و تارة أخرى، تكون النسبة بين نفس المفهومين، من قبيل النسبة التصادقيّة في قولنا: «النار محرقة»، فإنّ مفاد ذلك، على ما تقدّم، هو النسبة التصادقيّة، بمعنى انّ ما يصدق عليه هذا المفهوم، هو عين ما يصدق عليه ذلك المفهوم.

و من الواضح انّ النسبة التصادقيّة، نسبة قائمة بين المفهومين في عالم الذهن، لا بين المصداقين، لأنّ الذي يصدق، هو المفهوم، لا المصداق.

و عليه، فيكون الموطن الأصلي لهذه النسبة، هو الذهن، و معه تكون هذه النسبة تامة، لما عرفت من انّ كلّ نسبة كان موطنها الأصلي هو الذهن، تكون تامة.

إذا اتضح ما ذكرناه، نأتي إلى محل الكلام، و هو قولنا: «أكرم زيدا عند مجيئه»، لإثبات انّ النسبة ناقصة في كلمة «عند مجيئه»، فنقول: انّ النسبة التقييدية هنا، القائمة بين، وجوب الإكرام، و المجي‏ء، إنّما هي قائمة

673

بين مصداق المجي‏ء، و مصداق الوجوب، لا بين مفهوميهما، بدليل وجود هذين المفهومين ضمن مصداقيهما، و عليه، فيكون الموطن الأصلي لهذه النسبة هو الخارج، و بذلك تكون ناقصة.

و أمّا النسبة الربطيّة في الجملة الشرطيّة في قولنا: «إذا جاء زيد فاكرمه»، فهي تامة، بدليل انّه يمكن دخول النفي على هذه النسبة، بحيث يكون النفي منصبا على مفاد الجملة، لا مفاد الجزاء، فنقول: «ليس إذا جاء زيد وجب إكرامه»، و كلّ نسبة يمكن أن يطرأ عليها النفي كذلك، يمكن أن يطرأ عليها الحكم بالإثبات التصديقي، لأنّ النفي و الإثبات، يردان على مورد واحد.

و بهذا يثبت انّ هذه النسبة، يمكن أن تكون ذات مدلول تصديقي، و حينئذ، تكون نسبة تامة، لأنّ التامة هي التي يكون بإزائها مدلول تصديقي، فبهذا، ثبت انّ النسبة الربطيّة في الجملة الشرطيّة نسبة تامة.

و أمّا تخريج تماميّتها، على أساس الضابط الذي ذكرناه، من انّ النسبة التامة، هي التي يكون موطنها الأصلي هو الذهن، فهو أن يقال:

إنه في قولنا، «إذا طلعت الشمس فالنهار موجود»، قد يقال، بأنّ الارتباط الواقع بين الجزاء و الشرط هنا ارتباط واقعي، ثابت خارجا، و معه ينبغي أن تكون النسبة ناقصة، لأنّ موطنها الأصلي هو الخارج لا الذهن.

و لكن التحقيق هو، أن يقال في الجواب، إنّ مفاد الجملة الشرطيّة ليس هو الارتباط الواقعي الذي هو خارجي، كما انّه ليس مفاد الجملة الحمليّة كذلك، كما في قولنا، «زيد قائم»، بل مفاد الجملتين، هو النسبة التصادقيّة، ففي الشرطيّة المذكورة، المقصود بيانه، هو انّ صدق هذه النسبة الحمليّة يتوقف على صدق النسبة الحكميّة الأخرى، و الصدق من شئون النسبة في عالم الذهن، و إلّا ففي عالم الخارج لا تتصف النسبة بالصدق أو الكذب، و إنّما تتصف بالوجود أو العدم، و حينئذ، فإذا كان الموطن لهذه النسبة هو الذهن، تكون تامة لا ناقصة.

674

ثم إنّا ذكرنا في التنبيه الخامس، انّ عدم ثبوت المفهوم لقولنا، «أكرم زيدا عند مجيئه»، باعتبار اختلال الركن الثاني، و نضيف هنا فنقول، انّ الركن الأول غير موجود أيضا. لأنّ الركن الأول، عبارة عن دلالة الجملة الشرطيّة على النسبة التوقفيّة، و هذا متوفر في الجملة الشرطيّة، لقيام الوجدان على انّ أداة الشرط، دالة على النسبة التوقفيّة.

إلّا انّ هذا الوجدان غير موجود بالنسبة لكلمة، «عند مجيئه»، و معه، يختل الركن الأول، مضافا إلى اختلال الركن الثاني.

و خلاصة هذا التنبيه: هو انّه إذا ورد قيد على هيئة الأمر، لكن لا بلسان الجملة الشرطيّة، كما في قولنا، «اكرم زيدا عند مجيئه»، فإنّه في مثله، لم يدّع أحد ممّن يقول بمفهوم الشرط، بثبوت المفهوم لمثل هذه الجملة في مقام التطبيقات الفقهية، و الوجدان العرفي قاض بما تسالموا عليه.

و إنّما الكلام في كيفية تخريج الفرق بين هذا، و بين ما إذا وقع نفس القيد في سياق الشرط، كما في قوله، «إذا جاء زيد فاكرمه».

و كلّ دليل أريد به إثبات مفهوم الشرط، و لم يكن متضمّنا لإبراز الفرق بين هاتين الجملتين، يكون بنفسه نقضا على صاحب هذا الدليل، كما حدث مع الميرزا (قده).

و توضيح الفرق بين هاتين الجملتين، هو أن يقال: انّ ثبوت المفهوم للجملة الشرطيّة كما تقدم، يتوقف على إثبات انّ المعلّق هو طبيعيّ الحكم لا شخصه.

و طريقة إثبات ذلك، هو إجراء مقدمات الحكمة فيه، و إجراء مقدمات الحكمة في مفاد الجزاء، يتوقّف على أن لا يكون المدلول التصديقي في الجملة الشرطيّة بإزاء جملة الجزاء، لكي يبقى مفادها مدلولا تصوريا محضا صالحا للإطلاق و التقييد، باعتبار وقوعه طرفا للمدلول التصديقي الذي هو التعليق، و هذا يتوقف على أن تكون النسبة الربطيّة نسبة تامة يعقل أن يقع بإزائها مدلول تصديقي، كما هو الحال كذلك، في الربط بين النسبة الحكميّة

675

في طرف جملة الجزاء، و النسبة، في طرف جملة الشرط المدلول عليها بالأداة، فإنّ هذا الربط، نسبة تامة كما برهنّا عليه عند مناقشة مسلك المحقق الأصفهاني (قده)، حيث تبرهن هناك على انّ هذا الربط، نسبة ذهنيّة لا موطن لها في الخارج، فإنّ فحوى هذا الربط، كفحوى النسبة التصادقيّة، عبارة أخرى عن قولنا، «كلما صدقت النسبة في طرف الشرط، صدقت النسبة في طرف الجزاء»، أي ما دام انّ النسبة الصدقيّة و الصدق و التصادق من شئون المفاهيم الذهنية، فتكون من النسب في عالم الذهن.

و قد عرفت سابقا، أن النسب الذهنية تكون تامة، و عليه، فيتفرغ مفاد الجزاء عن المدلول التصديقي، و يتمحّض في كونه مدلولا تصوريا و طرفا للنسبة الربطيّة التامة، فيجري فيه الإطلاق حينئذ، كما يجري في أطراف سائر النسب الحكميّة التامة.

و هذا التخريج، لا يجري إلّا في مورد تكون فيه النسبة بين القيد و الحكم، نسبة تامة، كالنسبة الشرطيّة الالتصاقية.

و أمّا إذا كانت ناقصة، كما في التقييد، في قولنا، «أكرم زيدا عند مجيئه»، حيث يعبّر التقييد عن الربط الخارجي بين الوجوب و المجي‏ء الخارجي، فإنّه لا يمكن إجراء الإطلاق فيه، لإثبات انّ المعلّق هو طبيعيّ الحكم، لا شخصه، و بهذا يختل الركن الثاني لإثبات المفهوم.

و بهذا، يمكن التفريق بين الجملة الشرطيّة، و بين قوله، «اكرم زيدا عند مجيئه»،. و ظهر الوجه في ثبوت المفهوم للأولى دون الثانية.

و ما ذكرناه، يشكّل نكتة عامة، تجري في تمام موارد عدم المفهوم.

إذن فكل قيد يرجع إلى الوجوب، إن كانت نسبته التقييدية نسبة تامة، فحينئذ، يثبت المفهوم للجملة، و إلّا فلا.

و كذلك، فإنّ الركن الأول في قوله، «اكرم زيدا عند مجيئه»، غير موجود، لأنّ الركن الأول، عبارة عن دلالة الجملة الشرطيّة على النسبة

676

التوقفيّة، و هذا متوفر في الجملة الشرطية، لقيام الوجدان، على انّ أداة الشرط، دالة على النسبة التوقفيّة، إلّا انّ هذا الوجدان، غير موجود بالنسبة لكلمة، «عند مجيئه»، و بهذا يختل الركن الأول، و بهذا يصبح واضحا تخريج انّه لا مفهوم لمثل قوله «اكرم زيدا عند مجيئه».

6- التنبيه السادس: [فى عدم دلالة الجملة الشرطية حينئذ على المفهوم إذا كانت أداة الشرط هي موضوع الحكم‏]

هو ان أداة الشرط، تارة تكون متمحضة في ربط جملة الجزاء بجملة الشرط، كما في «إذا». و «إن». فمثل هذه لا إشكال في ثبوت المفهوم لها.

و أخرى، يفرض. انّ أداة الشرط تشكل موضوعا للحكم في الجزاء، كما في «من» و «ما» كما في قولنا، «من أكرمك فاكرمه». فإن كلمة «من»، هنا التي هي أداة الشرط قد رجع إليها ضمير «اكرمه» في جملة الجزاء، فهي بمثابة «زيد» في قولنا «إذا جاء زيد فاكرمه». و مثل هذه الجمل، و هي، «من أكرمك فاكرمه» و أمثالها لا مفهوم لها، لأنها مسوقة لتحقق الموضوع، لأن أداة الشرط فيها هي موضوع الحكم، فبانتفاء الشرط ينتفي موضوع الحكم.

فتكون القضية حال انتفاء الشرط، سالبة بانتفاء الموضوع، و معه لا يكون لها مفهوم، و تفصيل ذلك قد تقدم في التنبيه الأول.

و الخلاصة، هي: انّ أداة الشرط إذا كانت هي موضوع الحكم كما في قولنا. «من أكرمك فاكرمه»، فالصحيح هو عدم دلالة الجملة الشرطية حينئذ على المفهوم.

و قد ذكرنا في التنبيه الأول تخريج عدم دلالتها على المفهوم، و قلنا هناك إنّ انتفاء الشرط فيها يساوق انتفاء موضوع الحكم و المفروض ان المعلّق على الشرط إنّما هو الحكم المقيّد بموضوعه، لا طبيعي الحكم، و حينئذ فهو ينتفي بانتفاء موضوعه بحكم العقل لا محالة.

7- التنبيه السابع: هو فيما إذا تعدد الشرط و اتحد الجزاء

، كما في قوله، «إذا خفي الآذان فقصر»، و قوله، «إذا خفيت الجدران فقصر»، حيث علّق حكم واحد على كل من الشرطين فيهما.

677

و حينئذ، بناء على ثبوت المفهوم، يقع التعارض بين منطوق كل من الجملتين مع مفهوم الأخرى، لأنّ كلا من الجملتين إذا لوحظت في نفسها، فهي تقتضي أن يكون شرطها علة تامة منحصرة بناء على ثبوت المفهوم، و من المعلوم، انّه يستحيل كون كل من الشرطين المذكورين علة تامة منحصرة لوجوب القصر.

و من هنا، يقع التعارض، بين منطوق كل منهما، و مفهوم الأخرى، و ذلك فيما لو خفي الآذان، دون أن تختفي الجدران، أو العكس، كما هو واضح.

و أمّا لو لم نقل بالمفهوم، فلا تعارض حينئذ، لأنّ غاية ما يستفاد من الجملتين، هو انّ الشرط في كل منهما علة مستقلة للجزاء، و هذا لا يوجب أيّ تعارض كما هو واضح، فالتعارض في المقام، إنّما نشأ من القول بالمفهوم.

و إن شئت قلت: إنّه إذا تعدّد الشرط و اتحد الجزاء في جملتين شرطيتين، بأن علّق حكم واحد على كل من الشرطين، كما في قوله: «إذا خفي الأذان فقصّر»، «و إذا خفيت الجدران فقصّر»، فإنّه حينئذ، يقع التعارض، بين إطلاق المنطوق في كل منهما، مع إطلاق المفهوم في الآخر، و حينئذ، لا بدّ، إمّا من رفع اليد عن إطلاق المفهوم في كل منهما حيث يلتزم حينئذ بوجود علتين مستقلتين لوجوب التقصير، و هذا رفع لليد عن الإطلاق المقابل «بأو»، المثبت للانحصار، أو رفع اليد عن إطلاق المنطوق لكل منهما، المقابل للعطف «بالواو»، فيثبت انّ مجموعهما علة واحدة لوجوب التقصير.

و رفع هذا التعارض يختلف باختلاف المباني في إثبات مفهوم الشرط، و عليه، فلا بدّ من استعراضها أولا، لنعالج رفع التعارض على أساسها ثانيا.

1- المبنى الأول: و هو الذي اختاره الميرزا (قده) (1)، و قد تقدّم‏

____________

(1) فوائد الأصول- الكاظمي- ج 1 ص 302- 303- 304- المطبعة العلمية- 1368 ه أجود التقريرات- الخوئي ج 1 ص 423- 424- 425.

678

تحقيقه، و كان يستند إلى اطلاق اللفظ الراجع إلى «فاء» التفريع، و هو الذي يثبت العليّة، و إلى الإطلاق المقابل «للواو»، و هو الذي يثبت الاستقلاليّة، و الإطلاق المقابل «لأو»، و هو الذي يثبت الانحصار.

و مبنيا على ذلك، ذكر في المقام انّ التعارض في المقام، يرجع إلى التعارض بين إطلاقين، لكل من المنطوقين، باعتبار انّ المفهوم مدلول التزامي للجملة الشرطية، فالتصرّف في المفهوم، يرجع إلى التصرف في المنطوق، و من هنا أرجع (قده)، المعارضة إلى نفس المنطوقين.

و توضيح ما ذكره هو انّ لكل من الجملتين إطلاقين، أحدهما، الإطلاق المقابل للعطف «بالواو»، و هو الذي يثبت العليّة التامة.

و الثاني: الإطلاق المقابل للعطف، «بأو»، و هو الذي يثبت انحصار الشرط، و لا يمكن التحفظ على كل من الإطلاقين في كلا الجملتين، للزوم التعارض كما عرفت، إذن، لا بدّ من رفع اليد عن أحدهما، و إبقاء الآخر على حاله.

فإمّا أن نرفع اليد عن الإطلاق المقابل للعطف «بالواو»، و ذلك بأن نقيّد «بأو»، و نبقي الإطلاق الآخر، و تكون النتيجة حينئذ، انّه إذا «خفي الأذان و الجدران فقصر»، فيكون كلا الشرطين، عبارة عن علة واحدة، فإذا انتفى أحدهما، ينتفي وجوب التقصير حينئذ، لأنّ وجوب التقصير، لا يثبت إلّا بثبوت كلا الشرطين.

و إمّا أن نرفع اليد عن الإطلاق المقابل للعطف «بأو»، بأن نقيّد «بأو»، و نبقي الإطلاق الآخر على حاله، و حينئذ، تكون النتيجة، أنه «إذا خفي الآذان أو خفيت الجدران فقصر»، فيصبح كل منهما علة مستقلة لوجوب التقصير.

و عليه، فلا بدّ في المقام من رفع اليد عن أحد هذين الإطلاقين، و إبقاء الآخر على حاله، و بذلك ترتفع المعارضة، و لمّا كان كل من الإطلاقين المذكورين مستندا إلى مقدمات الحكمة، فلا يبقى مرجّح لأحدهما على الآخر.

679

و معه، لا بدّ من تساقطهما و الرجوع إلى الأصول العملية، و الأصل في المقام، يقتضي عدم وجوب التقصير، إلّا إذا اجتمع الشرطان معا، لأنّه إذا وجد أحدهما دون الآخر، يشكّ حينئذ في وجوب القصر، و الأصل يقتضي عدم وجوبه، فتكون نتيجة الأصل العملي، هي نتيجة التقييد «بالواو».

فإن قيل: إنّ هناك مرجّح لتقديم الإطلاق المقابل «للواو»، على الإطلاق المقابل «لأو»، فيرفع اليد عن الإطلاق الثاني، و ذلك لأنّ الإطلاق المقابل «لأو» و الذي يثبت الانحصار، في طول الإطلاق المقابل «للواو»، الذي يثبت العليّة التامة المستقلة، و لا ريب انّ انحصار العلّية في شي‏ء، فرع، أصله، عليّة ذلك الشي‏ء و تماميّة عليته، و عليه، فيكون الإطلاق المقابل «لأو»، في رتبة متأخرة عن الإطلاق الآخر، و هذا يرجّح الإطلاق الآخر عليه.

و قد أجاب الميرزا (قده) (1) عن هذا بما حاصله: إنّ ما ذكر لا يوجب تقديم أحد الإطلاقين على الآخر بعد فرض انّ الموجب لتساقطهما هو العلم الإجمالي بكذب أحدهما، فإنّا نعلم إجمالا، إمّا بعدم الاستقلاليّة في كل منهما، أو بعدم الانحصار في كل منهما، و نسبة هذا العلم الإجمالي إليهما على حد واحد، و حينئذ، فلا بدّ من تساقطهما، حتى لو كان أحد الإطلاقين متأخرا رتبة عن الآخر.

و الخلاصة هي انّ الميرزا (قده) اختار في المقام وقوع التعارض و التساقط بين الدليلين، لأنّه من التعارض بين إطلاقين.

ثم انّ الميرزا (قده) (2) أشكل على نفسه، بأنّه قد يقال، بتعيّن سقوط الإطلاق المقابل للتقييد «بأو»، لأنّه متفرع على الإطلاق المقابل للعطف «بالواو»، لأنّ الانحصار في العلة، في طول إثبات أصل العليّة.

و أجاب عنه بما حاصله: انّ التعارض بملاك العلم الإجمالي بكذب‏

____________

(1) فوائد الأصول- الكاظمي- ج 1 ص 304.

(2) المصدر نفسه: جزأ و صفحة.

680

أحد الإطلاقين، و نسبة هذا العلم إليهما على حد واحد، فلا بدّ حينئذ من تساقطهما، و إن كان أحد الإطلاقين متأخرا رتبة عن الآخر.

و من هنا ينتقل إلى الأصل العملي حيث انّه يقتضي عدم وجوب التقصير إلّا إذا اجتمع الشرطان معا، لأنّ وجود أحدهما دون الآخر، يوجب الشك في وجوب القصر، و الأصل يقتضي عدم وجوبه، فتكون نتيجة الأصل العملي، هي نتيجة التقييد بالواو. و لنا حول ما ذكره الميرزا (قده) ثلاث تعليقات.

1- التعليق الأول: هو بالنسبة لما ذكره (قده) من تساقط الإطلاقين و الرجوع إلى الأصل العملي المقتضي لوجوب التقصير، حيث يكون المقتضي، هو التقييد «بأو»، كما عرفت.

و حينئذ نقول: إنّ هذا الكلام، تارة يراد تطبيقه على خصوص هذه المسألة، بمعنى انّه ليس كقاعدة كليّة.

و أخرى يقصد به، النظر إلى قاعدة كلية، و تكون هذه المسألة من مصاديقها.

فإن كان مقصوده الأول، فلنا معه كلامان.

1- الكلام الأول: هو انّ الرجوع إلى الأصول العمليّة بعد تساقط الإطلاقين، إنّما يتم في صورة فقد المطلق الفوقاني، و في المقام يوجد مطلق فوقاني يمكن الرجوع إليه.

و هذا المطلق الفوقاني، هو عبارة عمّا دلّ على وجوب القصر بمجرد قصد ثمانية فراسخ، فإنّ مقتضى هذا الدليل، وجوب القصر بمجرد القصد و الشروع في السفر.

غاية الأمر، انّه ورد مخصّص لهذا الدليل، و هو مفهوما قوله، «إذا خفي الجدران»، و قوله، «إذا خفي الأذان فقصّر»، إلّا أنّ هذين المفهومين قد سقطا، لمعارضة كل منهما مع منطوق الآخر كما عرفت و حينئذ فيرجع إلى ذلك المطلق الفوقاني، فيحكم بوجوب القصر بمجرد خفاء أحدهما،

681

و يكون القدر المتيقّن لعدم وجوبه، هو عدم خفاء أيّ منهما، و عليه، فتكون نتيجة هذا المطلق، هي نتيجة التقييد «بأو»، لا التقييد «بالواو»، إلّا أن يدّعى، بأنّ خفاء الآذان وحده يمنع صدق عنوان المسافر على من قصد ثمانية فراسخ و خفيت عليه الجدران، و حينئذ، فلا يكون مشمولا لأدلة وجوب القصر التي فرضناها مطلقا فوقانيا، بل لا بدّ من الرجوع إلى دليل أعم، و هو دليل وجوب التمام، إذا فرضنا انّ المطلقات الأوليّة تقتضي بطبعها وجوب التمام، إلّا انّ هذا مجرد دعوى، فإنّ من يقصد ثمانية فراسخ، إذا خفي عليه الأذان، يصدق عليه انّه مسافر، و إن لم تخف الجدران، و كذلك العكس.

و الخلاصة: هي انّ الميرزا (قده)، إن أراد من قوله- انّ مقتضى الأصل العملي بعد التساقط، هو التقييد، «بالواو»، أي رفع اليد عن إطلاق المنطوق- انّ مقتضى الأصل العملي هو هذا، في خصوص هذا المثال، ورد عليه حينئذ.

أولا: انّ مقتضى القاعدة بعد التساقط، هو الرجوع إلى العموم الفوقاني الدال على وجوب التقصير في السفر الصادق قبل خفاء الجدران أو الآذان، لأنّه بعد أن صار دليل التقييد المتمثل في هاتين الشرطيتين مجملا بالتعارض، فإنّه حينئذ، يقتصر على قدره المتيقن، و هو ما إذا خفي الجدران و الآذان معا.

و لو فرض الشك في صدق مفهوم السفر، مع خفاء أحدهما، كان المرجع حينئذ، هو عمومات «أقيموا الصلاة»، الدالة على وجوب الصلاة تماما، إذا فرض الإطلاق فيها.

2- الكلام الثاني: هو انّه لو سلّمنا عدم وجود مطلق فوقاني، و تعيّن الرجوع إلى الأصل العملي، حينئذ نسأل: انّه ما مراده بالأصل العملي الذي اقتضى عدم وجوب القصر إذا خفي أحدهما دون الآخر؟.

فإن كان هذا الأصل، عبارة عن أصالة البراءة، فهي لا تجري في المقام، لأنّ المورد من موارد العلم الإجمالي، فإنّه يعلم إجمالا، انّه في‏

682

هذه الحالة، إمّا انّه يجب عليه التمام، و إمّا انّه يجب عليه القصر، فأصالة البراءة حينئذ في كل منهما، تكون معارضة بأصالة البراءة في الآخر.

و إن كان هذا الأصل، عبارة عن الاستصحاب، أي استصحاب وجوب التمام؟

ففيه: انّ هذا الاستصحاب تعليقي في كثير من الأحيان، و ذلك لأنّه إذا سافر قبل الوقت، فإنّه في هذه الحالة، لم يكن التمام واجبا عليه ليستصحبه بعد ذلك، إلّا على نحو التعليق، حيث يقال حينئذ، انّه على تقدير دخول الوقت، كان التمام واجبا عليه، فيستصحب حينئذ.

إلّا انّ المفروض انّ الميرزا (قده) لا يقول بالاستصحاب التعليقي.

هذا كله، لو كان نظره (قده) إلى خصوص هذه المسألة بالذات.

و إن شئت قلت: انّه لو فرض عدم وجود عموم فوقاني، فإنّه مع ذلك، لا تجري أصالة البراءة، لأنّه إن أريد به، أصالة البراءة عن وجوب القصر، فإنّ وجوب القصر، طرف لعلم إجمالي آخر، و إن أريد به استصحاب بقاء وجوب التمام، فهذا أصل تعليقي في أكثر الأحيان، حيث لا يكون الوجوب فيها فعليا قبل بلوغ حد الترخص. هذا كلّه لو كان نظره إلى خصوص هذه المسألة بالذات.

و أما إذا كان نظره إلى قاعدة كليّة، فحينئذ ينبغي التفصيل بين ما إذا كان الجزاء حكما إلزاميا، و بين ما إذا كان حكما ترخيصيا.

فإن كان الجزاء حكما إلزاميا، فإنّه يتم ما ذكره، لأنّه إذا وجد أحد الشرطين دون الآخر، يشك في هذا الحكم الإلزامي، حينئذ، فتجري عنه أصالة البراءة، فيكون ذلك موافقا للتقييد «بالواو»، لأنّ مقتضى ذلك، انّه لا يثبت هذا الحكم إلّا إذا وجد كلا الشرطين.

و إن كان الحكم ترخيصيا، فحينئذ، تكون أصالة البراءة على وفقه، و على أي حال، فالأصل يختلف باختلاف ملابسات المسألة. فلا ضابط كلي في المقام ينطبق على مسألتنا.

683

و بتعبير آخر يقال: انّه إذا كان نظر الميرزا (قده) فيما قاله، إلى كونه قاعدة كليّة و يريد تطبيقه على تمام موارد التعارض بين شرطيتين من هذا القبيل، فالإشكال يكون أوضح، إذ قد لا يكون الحكم المعلّق حكما إلزاميا، بل ترخيصي، فحينئذ يكون مقتضى أصالة البراءة العكس و كفاية أحد الشرطين في رفع الإلزام.

إذن لا يوجد في المقام ضابط كلّيّ للأصل العملي الذي يجري بعد التساقط، و إنّما يختلف حاله من مسألة إلى أخرى، و حينئذ لا بدّ من ملاحظة كل مورد بخصوصه.

2- التعليق الثاني: هو في انّ الميرزا (قده)، قد فرض إشكالا، و هو وجود مرجّح للإطلاق، المقابل «للواو»، باعتبار انّه في رتبة سابقة على الإطلاق المقابل «لأو»، ثمّ أجاب عن هذا الإشكال بما عرفت، و نحن في هذا التعليق، نتعرض لثلاثة أمور.

1- الأمر الأول: هو انّه يمكن أن يورد على الميرزا (قده)، بأنّه لا موضوع لهذه الشبهة و الإشكال أصلا، و معه لا يكون جوابه عنها واردا.

و توضيح ذلك: هو انّ الشبهة قد فرضت التعارض بين الإطلاق المقابل «للواو»، و الإطلاق المقابل «لأو» في جملة شرطيّة واحدة، بدليل انّه فرض انّ أحد الإطلاقين في طول الآخر، و هذا لا يتم إلّا إذا كان الملحوظ ذلك، لأنّه إذا كان الملحوظ هو التعارض بين الإطلاق المقابل «للواو» في إحدى الجملتين، مع الإطلاق المقابل «لأو» في الجملة الأخرى، لما كان للطوليّة المذكورة مجالا، باعتبار انّه لا طوليّة بين هذين الإطلاقين، فمن هنا نستكشف انّ صاحب الشبهة، لاحظ هذين الإطلاقين بالإضافة إلى جملة واحدة، مع انّ المعارضة بحسب الحقيقة، هي بين منطوق إحدى الجملتين، و مفهوم الأخرى، و هذا معناه، فرض التعارض بين الإطلاق المقابل «لأو» في كل من الجملتين، مع الإطلاق المقابل «للواو» في الجملة الأخرى، لا فرض التعارض بين الإطلاقين بالنسبة لجملة

684

واحدة كما هو لسان الشبهة، و حينئذ، فلا يكون لهذه الشبهة موضوع، و معه، لا يكون جواب الميرزا (قده) عن هذه الشبهة موجها.

إلّا انّه يمكن الجواب عن هذا الإشكال، و حاصله: انّ التعارض و إن كان بين الإطلاق المقابل «للواو»، في كل من الجملتين، مع الإطلاق المقابل «لأو» في الأخرى، إلّا انّ هذه المعارضة تسري إلى الإطلاقين بالنسبة لكل جملة، بمعنى انّ المعارضة تتحقق بين الإطلاق المقابل «للواو» في جملة «الآذان»، مع الإطلاق المقابل «لأو» في جملة «الآذان»، و كذلك تتحقق المعارضة بين الإطلاقين المذكورين في جملة «الجدران».

و الدليل على ذلك هو، انّ سقوط الإطلاق المقابل للتقييد «بالواو» في إحدى الجملتين، يستلزم سقوط هذا الإطلاق في الجملة الأخرى، لأنّ التقييد «بالواو» في رواية «الآذان»، معناه، انّ الآذان جزء العلّة لا تمام العلّة، و لازم ذلك، هو أن يكون «خفاء الجدران» جزء علة، و إلّا لو كان تمام العلّة، لما كان أيّ معنى لضم خفاء الآذان إليه.

و من هنا يعلم انّ سقوط الإطلاق المقابل للتقييد «بالواو» في جملة «الآذان» يستلزم سقوط الإطلاق المقابل «للواو» في جملة «الجدران»، إذن، فهناك ملازمة بين كل من الإطلاقين المقابلين للتقييد «بالواو» في الجملتين، فيكون المعارض لأحدهما، معارضا للآخر، و المفروض انّ الإطلاق المقابل للتقييد «بالواو» في جملة الجدران، معارض للإطلاق المقابل للتقييد «بأو» في جملة الآذان، و حينئذ يتحقق التعارض بين الإطلاق المقابل للتقييد «بأو» في جملة الآذان، مع الإطلاق المقابل للتقييد «بالواو» في جملة الآذان، لما عرفت من انّ ملازم المعارضة لشي‏ء معارض لذلك الشي‏ء، و كذلك يقال بالنسبة لجملة الجدران.

و بهذا ثبت انه أمكن فرض التعارض بين الإطلاقين بالنسبة للجملة الواحدة، فتكون الشبهة المذكورة وجيهة، و معه يكون جواب الميرزا (قده) عنها واردا.

685

و الخلاصة: هي انّ شبهة تعيين سقوط الإطلاق المقابل «لأو» قد تدفع، بأن يقال: إنّ الإطلاق المقابل «لأو» في كل منهما، إنّما يعارض الإطلاق المقابل «للواو» في الآخر، لا في نفس الطرف، إذن فلا طوليّة بين المتعارضين.

إلّا انّ هذا الكلام غير تام، لأنّ تقييد منطوق أحدهما «بالواو» الذي يعني افتراض الشرط جزء علة الجزاء، يستلزم لا محالة، تقييد منطوق الآخر أيضا «بالواو»، و إلّا كانت الشرطيّة الأولى لغوا.

إذن، فالشرطان متلازمان في الجزئيّة و التماميّة ثبوتا، إذ لا يعقل ان يجعل الشارع أحدهما جزء الموضوع، مع كون الآخر موضوعا مستقلا، فيكون المفهوم لأحدهما بعد فرض ثبوت أصل الترتب، بالقطع، أو بالظهور الوضعي، مثبتا لجزئيّة الشرط فيهما معا، و هذا معنى سريان التعارض إلى منطوق نفس المفهوم.

و التحقيق في مقام الجواب عن هذه الشبهة، هو أن يقال: انّه لا طوليّة بين الإطلاقين، لا بلحاظ المنطوق، و لا بلحاظ المفهوم، فإنّ السكوت عن «الواو» يثبت كون الشرط علة تامة، و السكوت عن «أو»، يثبت انّ ما وقع شرطا لا عدل له، بحيث إذا انتفى، ينتفي الجزء، سواء كان علة تامة أم لا، و يعلم إجمالا بكذب أحدهما في المقام، فيتعارضان، و بهذا يكون جواب الميرزا (قده) عن الشبهة معقولا.

2- الأمر الثاني: هو في الشبهة التي تعرّض لها الميرزا (قده) و أجاب عنها، فإنّ هذه الشبهة، لو سلّمت الطولية المذكورة فيها بين الإطلاقين، لكانت واردة، و لما كان جواب الميرزا (قده) عنها تاما كما ستعرف في الأمر الثالث.

و من هنا، فالجواب الصحيح عنها هو، إنكار الطوليّة المدّعاة، بين الإطلاق المقابل «للواو»، و الإطلاق المقابل «لأو».

و الوجه في ذلك، هو انّ الإطلاق المقابل «لأو»، يراد به إثبات‏

686

الانحصار، و من هنا، ذهب صاحب الشبهة (1)، إلى انّ هذا الإطلاق، في طول الإطلاق المقابل «للواو» الذي يراد به، إثبات تماميّة العليّة، لأنّ انحصار العليّة، فرع تماميّتها.

و هذا الكلام غير تام، لما عرفت سابقا، من انّ كون العلّة منحصرة، كما يتلائم مع كونها علة تامة كذلك يتلائم مع كونها جزء علة، و عليه، فما نريد أن نثبته بالإطلاق المقابل «لأو» لا يتوقف على ثبوت مفاد الإطلاق المقابل «للواو» كي تتحقق الطوليّة بينهما.

إذن، فالصحيح في الجواب عن الشبهة المذكورة، هو إنكار الطوليّة رأسا.

و الخلاصة، هي انّ ما أجاب به الميرزا (قده) عن الشبهة، غير تام أيضا، لأنّه لو سلمت الطوليّة بين المدلولين- حيث كانت الدلالة الإطلاقية المثبتة للانحصار، مثبتة انحصار ما هو العلة التامة- فالعلم الإجمالي بكذب هذا الإطلاق، أو الإطلاق المقابل «بالواو»، منحل إلى العلم التفصيلي بكذب الإطلاق المقابل «بأو»، إذ نعلم وجدانا، بعدم كون الشرط علة تامة منحصرة، إمّا لعدم كونه علة تامة، أو لكونه علة غير منحصرة، و مع هذا، نشك بدوا في كذب الإطلاق المقابل «للواو».

و الصحيح في الجواب عن هذه الشبهة أن يقال: انّه لا طوليّة بين الإطلاقين، لا بلحاظ الدال، و لا بلحاظ المدلول، فإنّ السكوت عن «الواو»، يثبت كون الشرط علة تامة، و السكوت عن «أو» يثبت انّ ما وقع شرطا لا عدل له، بحيث إذا انتفى ينتفي الجزء، سواء كان علة تامة أم لا، و الحال انّه يعلم إجمالا بكذب أحدهما في المقام، فيتعارضان.

3- الأمر الثالث: و فيه، نتعرض لجواب الميرزا (قده) (2) عن هذه‏

____________

(1) المصدر السابق.

(2) أجود التقريرات- الخوئي- ج 1 ص 425- 426.

687

الشبهة، حيث ذكر انّ الطوليّة لا أثر لها في تقديم المتقدم رتبة، باعتبار انّ منشأ التعارض، هو العلم الإجمالي بكذب أحدهما، و نسبته إليهما على حد سواء.

و هذا الجواب منه (قده) غير تام: و ذلك، لانحلال العلم الإجمالي إلى علم تفصيلي في الإطلاق المقابل «لأو»، و شك بدويّ في سقوط الآخر، و ذلك، لأنّ الإطلاق المقابل «لأو»، إمّا أن يكون مفاده الانحصار غير المتضمن للعليّة التامة، و إمّا أن يكون مفاده الانحصار المتضمن للعليّة التامة.

فإن كان مفاده الأول، فحينئذ، لا يكون هناك طوليّة بين الإطلاقين كما أوضحناه في الأمر الثاني المتقدم.

و إن كان مفاده الثاني، فحينئذ، يقال: انّ هذا الانحصار المتضمّن للعليّة التامة، يعلم تفصيلا بعدم مطابقته للواقع، لأنّا نعلم إجمالا، بأن الشرط قد عطف عليه عدل، إمّا بواسطة «الواو»، أو بواسطة «أو»، إذن فإمّا لا عليّة تامة إذا كان العطف «بالواو»، و إمّا لا انحصار إذا كان العطف «بأو».

و عليه، فالانحصار المتضمن للعليّة التامة، يعلم تفصيلا بعدم مطابقته للواقع، إذن فالإطلاق المقابل «لأو» يعلم تفصيلا بسقوطه، فينحل العلم الإجمالي، و تجري أصالة الإطلاق المقابل «للواو» بلا معارض.

التعليق الثالث: و هو بالنسبة لما ذكره الميرزا (قده) (1) من تعارض الإطلاقين و تساقطهما، باعتبار عدم المرجح لأحدهما، حيث انّ المعارضة كما ترتفع بتقييد مفهوم كل من الجملتين بمنطوق الأخرى- و هذا نتيجة تقييد الإطلاق المقابل «لأو»- و كذلك ترتفع المعارضة، بتقييد كل من المنطوقين- و هذا نتيجة تقييد الإطلاق المقابل «للواو».

و بما انّه لا مرجح لأحد الإطلاقين، فيحكم بتساقطهما.

____________

(1) فوائد الأصول- الكاظمي- ج 1، ص 484- 489.

688

و قد اعترض السيد الخوئي‏ (1) (قده) على ذلك، مبتدئا بمقدمة لاعتراضه، حاصلها:

ان هناك قانونا عاما في باب التعارض لا بدّ من مراعاته، و هو انّه لو وجد عندنا دليلان متعارضان، و كان هناك دليل ثالث ليس طرفا للمعارضة، إلا انّ رفع اليد عن الدليل الثالث، يوجب رفع التعارض بين الدليلين الأولين، ففي مثل ذلك، لا يجوز رفع اليد عن الثالث، بل يتعين العمل به، لأنّه يجب العمل بظهور كل دليل ما لم يكن له معارض مساو له أو أقوى، فمجرد كون رفع اليد عن الثالث يوجب رفع المعارضة بين الدليلين الأولين، لا يسوّغ رفع اليد عن الدليل الثالث، بل لا بدّ من العمل به، و حينئذ تقع المعارضة بين الأولين، و يرجع فيهما إلى قوانين باب التعارض.

و مثال ذلك: ما لو ورد، «أكرم كلّ فقير»، ثم ورد، «لا يجب إكرام فساق الفقراء»، فحينئذ، يقع التعارض بين هذين الدليلين، و عندنا دليل ثالث، و هو ظهور صيغة افعل في الوجوب، فلو رفعنا اليد عن هذا الثالث لارتفعت المعارضة بين الدليلين الأولين، لأنّ قوله، «أكرم كل فقير»، ينشئ الاستحباب، و قوله «لا تكرم فسّاق الفقراء» ينفي الوجوب، و لا تعارض بينهما.

لكن لو عملنا بالدليل الثالث، لوقعت المعارضة، ففي مثله، لا بدّ و ان نعمل بالدليل الثالث، و نعامل الدليلين الأولين معاملة المتعارضين.

و في مثالنا: يقدم قوله، «لا تكرم فساق الفقراء»، على قوله «اكرم كل فقير» باعتبار انّ الخاص أقوى من العام.

و بناء على هذه المقدمة، رتّب السيد الخوئي‏ (2) (قده) اعتراضه على الميرزا (قده)، فذكر، انّ تقييد أيّ واحد من الإطلاقين، يرفع المعارضة،

____________

(1) أجود التقريرات ج 1، ص 424- 425.

(2) المصدر السابق.

689

لكن ليس كل ما يرفع التعارض، يجب العمل على طبقه، كما عرفت في المقدمة.

ففي محل كلامنا: نجد معارضتين، و هما معارضة كل من المنطوقين مع مفهوم الآخر، و هاتان المعارضتان، ترتفعان إذا قيّدنا كلا من المنطوقين «بالواو»، إلّا انّ هذا لا يعني وجوب تقييدهما، بل لا بدّ من ملاحظة نفس المتعارضين و معاملتهما حسب قوانين باب التعارض.

و نحن إذا لاحظنا المتعارضين في محل كلامنا، نرى انّ أحدهما أقوى من الآخر، لأنّ المنطوق في كل من الجملتين، أقوى من المفهوم في كل منهما، فالمتعيّن هو رفع اليد عن المفهوم، و العمل بالمنطوق، و هذا معناه، تقييد الإطلاق المقابل «لأو»، و العمل بالإطلاق المقابل «للواو»، و عليه، فما ذكره الميرزا (قده) من سقوط هذين الإطلاقين غير تام.

و لنا حول ما ذكره السيد الخوئي (قده) ثلاث تعليقات.

1- التعليق الأول: هو حول المقدمة التي ذكرها، فنقول: انّ ما ذكره (قده) في المقدمة صحيح كبرويا، فإنّه لا مسوغ لرفع اليد عن الدليل الثالث، إذا لم يكن طرفا للمعارضة، فإنّ مجرد ارتفاع المعارضة بين الدليلين الأولين برفع اليد عنه، لا يسوّغ رفع اليد عنه إذا لم يكن طرفا للمعارضة.

إلّا انّ هذا القانون العام مستحيل الوقوع خارجا، بمعنى انّه لا يمكن وجود دليل ثالث من هذا القبيل و لا يكون طرفا للمعارضة، بدليل انّه قد فرض انّ رفع اليد عن الدليل الثالث يوجب رفع التعارض بين الدليلين الأولين، و هذا معناه، انّ صدق الدليلين الأوّلين يتنافى مع صدق الدليل الثالث.

و بهذا يتبرهن انّ الدليل الثالث طرف للمعارضة، لكن يكون معارضا مع صدق مجموع الدليلين.

و هذا الدليل على استحالة خارجيّة هذا القانون و وقوعه، ينطبق على ما ذكره من المثال، لأنّ ظهور صيغة «افعل» في الوجوب، الذي هو الدليل‏

690

الثالث، يتنافى صدقه مع صدق مجموع الدليلين الأولين، بالبرهان المتقدم، فإنّ صدق الدليلين الأوّلين معا و هما، «أكرم كلّ فقير»، و «لا تكرم فسّاق الفقراء»، يتنافى مع ظهور صيغة «افعل» في الوجوب كما هو واضح، و عدم رفع اليد عن هذا الدليل الثالث، لا لما ذكره الخوئي (قده)، بل لأنّ الجمع العرفي يقتضي العمل بالخاص، و رفع اليد عن العام، و هو الدليل الأول.

و حينئذ فصيغة «افعل»، تبقى على حالها، إلّا انّه يلتزم بتخصيص الدليل الأول كما هو مقتضى الجمع العرفي.

نعم، هذا القانون، له نوع واحد من الأمثلة يمكن وقوعها، و ذلك في مورد لا يكون المدلول الالتزامي للدليلين الأولين حجة، كما لو ورد، «أكرم كل فقير»، ثم ورد نفي الحكم بالإكرام عن زيد، فقيل، «لا تكرم زيدا». و إلى هنا لا يعلم انّ خروج زيد من تحت العام كان بنحو التخصيص أو التخصص.

و نحن إذا ضممنا هذين الدليلين إلى بعضهما، و صدّقنا بهما معا، فاللازم العقلي لذلك، هو ان لا يكون زيد فقيرا باعتبار انّ الأول أوجب إكرام كل فقير، و الثاني أخرج زيدا عن وجوب الإكرام.

و عليه، فيثبت انّ خروج زيد كان بنحو التخصّص.

و هذا، بخلاف ما عليه المشهور في موارد دوران الأمر بين التخصيص و التخصص، فانّهم في مثل ذلك، لا يلتزمون بالتخصص، و عليه، فالتخصّص و إن كان لازما عقليا للتصديق بكلا الدليلين، إلّا انّ هذا التخصّص لا يثبت بهذا التصديق.

و إلى هنا ثبت انّ ضمّ الدليلين الأوّلين إلى بعضهما، و التصديق بهما، لا يثبت عدم فقر زيد، فيكون التصديق بهذا الدليل الثالث، موجبا لوقوع المعارضة بين الدليلين الأولين بنحو العموم و الخصوص من وجه، لأنّ الأول، أوجب إكرام كل فقير، و الثاني، نفى وجوب إكرام زيد الفقير.

و أمّا إذا لم نصدق بالثالث، فلا معارضة بين الدليلين الأولين، لأنّ الأول يوجب إكرام كل فقير، و الثاني ينفي وجوب إكرام زيد، و زيد ليس‏

691

بفقير حسب الفرض، و عليه، فالتصديق بالثالث، يوجب المعارضة بين الدليلين الأولين، بحيث لو رفعنا اليد عن الثالث، لارتفعت هذه المعارضة.

و مع هذا، فإنّ الدليل الثالث ليس طرفا للمعارضة، بمعنى انّ مجموع الدليلين، لا ينافي هذا الثالث، لأنّ الدليل الثالث، يثبت فقر زيد، و مجموع الدليلين الأولين لا ينفيان فقره كما عرفت.

إلّا ان هذا اللازم، غير حجة، كما عرفت، لأنّ حجّيته، معناها، خروج زيد عن وجوب الإكرام، من باب التخصّص، لا التخصيص، و هذا خلاف ما عليه المشهور عند دوران الأمر بينهما.

و بهذا يتضح، انّ هذا النوع من الأدلة لا يمكن أن يكون مصداقا للقانون الذي ذكره السيد الخوئي (قده).

إلّا أنّ تحقّق ذلك، موقوف على فرض عدم حجّية المدلول الالتزامي لمجموع الدليلين الأولين، و إلّا، فلا مصداق خارجي لهذا القانون، و أين هذا من محل كلامنا الذي هو شائع الوقوع، و لا يحتاج وقوعه لمثل هذا الفرض.

2- التعليق الثاني: هو حول الدليل الثالث، الذي فرضه السيد الخوئي‏ (1) (قده)، انّه غير داخل في المعارضة، و إن كان رفع اليد عنه، يوجب رفع التعارض بين الدليلين الأولين.

و من كلامه، يفهم انّ مقصوده بالدليل الثالث، هو المنطوق في كل منهما، أي انّ منطوق جملة «الجدران»، يمثّل الدليل الثالث إذا لوحظت المعارضة بين مفهوم الجدران، و منطوق الآذان، و منطوق «الآذان»، يمثّل الدليل الثالث، إذا لوحظت المعارضة بين مفهوم «الآذان» و منطوق «الجدران».

و حينئذ نقول: انّ ما ذكره من الضابط، لا ينطبق على ذلك، مع قطع النظر عمّا جاء في التعليق الأول.

____________

(1) أجود التقريرات- الخوئي- ج 1 ص 424- 425.

692

و الوجه في ذلك، هو انّ الميرزا (قده) قد فرض المعارضة بين منطوق الآذان، و مفهوم الآذان، و كذا بين منطوق الجدران، و مفهوم الجدران، و ذلك بواسطة السراية كما أوضحناه مفصلا.

و عليه: فالمنطوق الذي فرضه الخوئي (قده) دليلا ثالثا، أيضا، هو طرف للمعارضة، فمنطوق «الجدران»، يكون معارضا لمفهومه بالسراية، و لمفهوم «الآذان» بالأصالة، و كذا الحال بالنسبة لمنطوق «الآذان».

و بهذا يثبت انّه ليس هناك دليل ثالث غير داخل في المعارضة كما فرض الخوئي‏ (1) (قده)، هذا أولا.

و ثانيا: انّه لو قطعنا النظر عن ثبوت المعارضة بين منطوق كل جملة مع مفهومها، بحيث لم نقل بالسراية المتقدمة، فمع هذا، لا يتم كلامه، و ذلك لأنّ رفع اليد عن إطلاق منطوق الجدران و تقييده «بالواو»، لا يؤثّر في رفع المعارضة بين منطوق الآذان و مفهوم الجدران، لأنّ منطوق الجدران، بعد رفع اليد عن إطلاقه المذكور، يكون دالا على انّ خفاء الجدران هو جزء العلة لوجوب القصر، إلّا انّ كونه جزء العلّة، لا يلزم منه أن يكون خفاء الآذان جزء العلة، لأنّا قطعنا النظر عن السراية.

و هذا الكلام، إنّما كان يقال لإثبات السراية، و عليه، فيكون منطوق الآذان دالا على انّ خفاء الآذان هو كل العلة، و مفهوم الجدران يدل على عدم وجود العلّة لوجوب القصر إذا انتفى خفاء الجدران، فيتعارضان، مع انّا قد رفعنا اليد عن منطوق الجدران، و لهذا لو فرض انّه لا إطلاق في منطوق جملة الجدران أصلا، فمع هذا تقع المعارضة بين مفهوم الجدران و منطوق الآذان.

1- التعليق الثالث: هو بالنسبة لما ذكره السيد الخوئي (قده) (2)، من‏

____________

(1) المصدر السابق.

(2) المصدر السابق.

693

تقديم المنطوق على المفهوم، باعتبار انّ المنطوق أقوى، لأنّه أخصّ من المفهوم، إذ انّ مفهوم «الجدران» يدل على انّه إذا لم تخف الجدران فلا تقصّر، سواء خفي «الآذان» أم لا، و أمّا منطوق «الآذان»، فيدل على انّ خفاء «الآذان» موجب للتقصير فقط، و هذا أخصّ من الأول كما هو واضح، و كذلك الحال بالنسبة لمفهوم «الآذان»، مع منطوق «الجدران».

و حينئذ، نقول: انّ هذا الذي أفاده، إنّما يتم لو كانت العليّة التامة للشرط، مستفادة من الوضع بواسطة مقدمات الحكمة.

لكن الصحيح، وفاقا للسيد الخوئي و الميرزا و مشهور المحققين (قده)، هو انّ الجملة الشرطيّة، لا تدل على العليّة التامة بالوضع، و إنّما يستفاد ذلك من إطلاق الترتب فيها، هذا الإطلاق الذي يسميه الميرزا (قده) بالإطلاق المقابل للتقييد «بالواو».

إذن فالعليّة التامة، مستفادة من إطلاق الترتب، و النسبة بين إطلاق الترتب، و إطلاق المفهوم، هي العموم من وجه، لا العموم و الخصوص المطلق، و ذلك لاجتماعهما في مادة، و افتراق كل منهما في مادة أخرى.

فمادة الاجتماع، هي فيما إذا لاحظنا مفهوم «الجدران» مع منطوق «الآذان»، كما لو خفي «الآذان»، و لم تخف «الجدران»، فمقتضى إطلاق الترتب في منطوق «الآذان»، هو وجوب التقصير، و مقتضى إطلاق مفهوم «الجدران»، هو عدم وجوب التقصير، فيتعارضان في مثل ذلك.

و مادة افتراق إطلاق الترتب في منطوق «الآذان» هو فيما إذا خفي «الآذان و الجدران» معا، فمنطوق «الآذان» يدل على وجوب التقصير، و مفهوم «الجدران» لا يدل على عدم الوجوب، باعتبار خفاء «الجدران» فلا تعارض، و مادة افتراق مفهوم الجدران، هو فيما إذا لم يتحقّق كلا الشرطين، بأن لم يخف «الآذان» و لا «الجدران»، فمفهوم «الجدران» يقتضي عدم وجوب القصر، إلا انّ منطوق «الآذان» لا يدل على وجوب القصر، لعدم خفاء «الآذان»، فلا تعارض بينهما.

694

و عليه فالنسبة بين إطلاق الترتب في المنطوق في إحداهما، و بين إطلاق المفهوم في الثانية، هي العموم من وجه، و معه يتوجه كلام الميرزا (قده) صناعيا، و هو انّه، يتعارضان و يتساقطان، لعدم المرجح.

ثم انه ينبغي أن يعلم انّ مورد كلامنا هو، فيما إذا كان الحكم المعلّق على خفاء «الآذان» هو، بعينه الحكم المعلّق على خفاء «الجدران»، ففي مثله، بناء على مبنى الميرزا (1) (قده) يتعارض الإطلاقان و يتساقطان كما تقدم.

و أمّا إذا احتملنا أن يكون الحكم المعلّق على خفاء «الآذان» غير الحكم المعلق على خفاء «الجدران»، بحيث انّه إذا حصل الشرطان، يثبت وجوبان للقصر، ففي مثل ذلك، يكون عندنا ثلاث إطلاقات متعارضة، الإطلاق المقابل «للواو»، و الإطلاق المقابل «لأو»، و الإطلاق في المعلّق، و ذلك لأنّ رفع المعارضة في المقام لا يتوقف على رفع اليد عن أحد الإطلاقين الأولين، بل إذا رفعنا اليد عن إطلاق المعلّق، ترتفع المعارضة أيضا، فإنّ مقتضى الإطلاق في المعلّق، انّ الجزاء المعلّق على الشرط، هو طبيعي الحكم، فلو رفعنا اليد عن هذا الإطلاق، و بنينا على انّ المعلق على خفاء «الأذان» إنّما هو شخص من الحكم، و انّ المعلّق على خفاء «الجدران» شخص آخر من الحكم، ففي مثل ذلك، يرتفع التعارض حتى لو تحفظنا على الإطلاق المقابل «لأو» و الإطلاق المقابل «للواو»، لأنّه لا مانع من الالتزام بالعليّة المنحصرة في كلا الشرطين، ما دام انّ الحكم المعلّق على كل منهما، غير الحكم المعلّق على الآخر.

و معنى ذلك هو، انّ إطلاق المعلّق، داخل في المعارضة، و لهذا كان رفع اليد عنه موجبا لرفع التعارض، و بهذا تكون الإطلاقات المتعارضة

____________

(1) المصدر السابق.

695

ثلاثة، و حيث انّه لا مرجّح لأحدها على مبنى الميرزا (قده)، فيحكم بتساقطها.

هذا كله، بناء على مبنى الميرزا (قده)، في إثبات المفهوم.

و قد عرفت انّ النتيجة هي تساقط الإطلاقين.

و هذه النتيجة نفسها، نصل إليها، بناء على مبنانا في إثبات المفهوم، حيث ذكرنا- فيما مرّ عليك- انّ الجملة الشرطيّة تدل على النسبة التوقفيّة، و بضم إطلاق المعلق، و إطلاق التوقف، تكون دالة على المفهوم، كما عرفت تفصيل ذلك.

و هنا قد يتوهم، انّه بناء على مبنانا، ينبغي تقديم إطلاق المفهوم على إطلاق المنطوق، و ذلك، لأنّ أمر الشرط يدور بين أن يكون جزء علة منحصرة، و بين أن يكون علة تامة، و لكن بلا انحصار، فإن كان جزء علة منحصرة، فمعناه، انّا تحفظنا على النسبة التوقفية، لكن رفعنا اليد عن إطلاق المنطوق، لأنّه يقتضي العليّة التامة.

و إنّ كان علة تامة، لكن غير منحصرة، فمعناه، أنّا تحفظنا على إطلاق المنطوق، و لكن رفعنا اليد عن النسبة التوقفيّة، لأنه لا توقف مع عدم الانحصار.

و عليه، فيدور الأمر بين رفع اليد عن إطلاق المنطوق، و بين رفع اليد عن النسبة التوقفيّة، و المتعيّن هو الأول، لأنّه إطلاق حكمي، بينما النسبة التوقفيّة مدلول وضعي، و المدلول الوضعي، مقدم على الإطلاق الحكمي.

فالنتيجة، هي رفع اليد عن إطلاق المنطوق، و الأخذ بإطلاق المفهوم.

إلّا انّ هذا مجرد توهم، و ذلك لأنّ دلالة الجملة الشرطيّة على المفهوم، لا تتم بمجرد دلالتها على النسبة التوقفيّة، بل لا بدّ مع ذلك، من توفر إطلاقين.

696

إطلاق في المعلق، و إطلاق في التوقف، كما تقدم، فإنّ الجملة الشرطية و إن كانت تدل بالوضع على توقف الجزاء على الشرط، إلّا انّ توقفه عليه بنحو مطلق، أي سواء وجد ما يحتمل أن يكون عدلا، أو لم يوجد، فهذا لا يتم إلّا بواسطة الإطلاق في التوقف، و عليه فالدال على نفي عليّة الشرط الآخر، هو إطلاق التوقف، و التصرف فيه، تصرف في المفهوم، و الدال على تماميّة عليّة الشرط هو إطلاق الترتب كما عرفت، و التصرف فيه، تصرف في المنطوق.

فالمعارضة بحسب الحقيقة، هي بين هذين الإطلاقين، و حيث لا مرجّح لاحدهما، فيتساقطان.

فالنتيجة على مبنانا، هي نفس النتيجة على مبنى الميرزا (قده) في إثبات المفهوم.

و أمّا بناء على إثبات المفهوم من باب استفادة العليّة الانحصاريّة فهو بواسطة الانصراف، باعتبار انّ الجملة الشرطيّة تدل على اللزوم، و إنّ أكمل أفراد اللزوم هو اللزوم العلّي الانحصاري، و اللفظ ينصرف إليه لا محالة، و بذلك، تكون الجملة دالة على المفهوم كما مرّ تفصيل ذلك.

و بناء على هذا المبنى المتعيّن، و التحفظ على المنطوق، و رفع اليد عن المفهوم، لأنّه أكمل الأفراد، هنا حينئذ نعلم ببطلانه جزما، لأنّا نعلم إجمالا بأن الشرط، إمّا انّه ليس علة تامة، و إمّا انّه ليس بعلة منحصرة، حتى و ان كان علة تامة، إذن، فأكمل الأفراد غير مراد جزما، و ما هو أقل منه لا معيّن له.

و بهذا يثبت، انّ الدال على المفهوم قد سقط، لأنّ الدال عليه هو عبارة عن الانصراف إلى أكمل الأفراد، و قد عرفت انّه لا موضوع له.

و أمّا الدال على المنطوق، و هو إطلاق الترتب، فهو باق على حاله.

فتكون النتيجة هي، التحفظ على المنطوق، و رفع اليد عن المفهوم.

697

و نفس هذه النتيجة، نصل إليها بناء على المبنى الذي يثبت المفهوم بواسطة الإطلاق الأحوالي للشرط، فإنّ مقتضى هذا الإطلاق، انّ الشرط علة مستقرة على كل حال، سواء اجتمع مع ما يحتمل كونه علة أخرى أو لا.

و هذا يبرهن، على انّ الشي‏ء الآخر الذي احتملنا عليّته ليس بعلة، و إلّا لو كان علة، لما صار الشرط الأول علة مستقلة على كل حال، لأنّه متى ما وجد علة مستقلة في نفس آن العلة الأولى، فلا بدّ و أن يخرجا عن الاستقلاليّة و يكون كل منهما جزء علة.

و عليه، فإذا فرضنا انّ الشرط الأول علة مستقلة حتى في فرض اجتماعه مع الشي‏ء الآخر الذي احتملنا علّيته، كان هذا برهانا، على انّ الشي‏ء الآخر ليس بعلة.

و بهذا يثبت انحصار العليّة بالشرط الأول، فيثبت المفهوم.

فلو بنينا على هذا المبنى في إثبات المفهوم، لكانت النتيجة، التحفظ على المنطوق و رفع اليد عن المفهوم و ذلك، لأنّ الإطلاق الأحوالي للشرط، نعلم ببطلانه جزما، فبالنسبة لخفاء «الآذان» مثلا، إذا فرض اجتماعه مع خفاء «الجدران»، فنعلم حينئذ، انّ خفاء «الآذان» ليس علة تامة، إمّا لأنّه من الأول جزء علة، و هذا معناه، سقوط إطلاق المنطوق، و إمّا لأنّه و إن كان علة مستقلة، إلّا انّه باجتماعه مع العلة الثانية يخرج عن كونه علة مستقلة لاستحالة اجتماع علتين مستقلتين على معلول واحد.

و بهذا، يصبح كل من العلتين بلحاظ الاجتماع جزء علة.

و هذا معناه، سقوط إطلاق المفهوم، فالإطلاق الأحوالي للشرط في جملة «الآذان»، ساقط لا محالة.

و كذا الحال في جملة «الجدران»، للعلم بسقوط الإطلاقين.

698

و عليه، فلا يبقى ما يدل على المفهوم، و إنّما الدال عليه حسب الفرض، هو الإطلاق الأحوالي للشرط، و قد سقط.

و أمّا الدال على المنطوق، و هو إطلاق الترتب، فباق.

فتكون النتيجة هي التحفظ على إطلاق المنطوق، و رفع اليد عن إطلاق المفهوم.

و من مجموع ما ذكرنا، يمكن استظهار النتائج على بقيّة المباني في إثبات المفهوم.

8- التنبيه الثامن: و هو في بيان حال الشرطيتين المتحدتين جزاء، و المختلفتين شرطا، في فرض اجتماع الشرطين‏

من حيث اقتضائهما تداخل الأسباب و عدمه، و تداخل المسببات و عدمه.

و المقصود من التداخل في الأسباب هو، اقتضاء الشرطين معا لحكم واحد لا حكمين، حيث لا يكون حينئذ، إلّا سببيّة واحدة لمجموع الشرطين، و قد يصطلح على هذا، بالتداخل في عالم الجعل.

و المقصود من التداخل في المسبّبات هو انه بعد افتراض تعدد الحكم، قد يقال بكفاية الإتيان بفرد واحد من الطبيعة في مقام الامتثال، و يصطلح على هذا، بالتداخل في عالم الامتثال.

و قد ذكر المحقق الخراساني (قده) (1) في المقام، انه إذا تعدّد الشرط و اتحد الجزاء، فلا إشكال بالتداخل بناء على الوجه الثالث، و هو فيما إذا قيّد إطلاق المنطوق في الشرطيتين لأنه حينئذ يكون المجموع علة لوجوب واحد فيكفي امتثال واحد.

و أمّا على سائر الوجوه الأخرى، فهل يجب الإتيان بالجزاء متعددا

____________

(1) كفاية الأصول- الخراساني ج 1، ص 314- 315، مشكيني.

699

بحسب تعدد الشروط، أو انّه يتداخل، و تكتفي بإتيانه دفعة واحدة.

فيه أقوال، و المشهور عدم التداخل.

و عن جماعة منهم المحقق الخراساني التداخل، و عن الحلّي (قده)، التفصيل بين اتّحاد جنس الشرط، و تعدده.

و التحقيق- و الكلام للمحقق الخراساني- انه لمّا كان ظاهر الجملة الشرطيّة حدوث الجزاء عند حدوث الشرط بسببه و بكشفه عن سببه، و كان قضيّته تعدّد الجزاء عند تعدد الشرط، كان الأخذ بظاهرها إذا تعدّد الشرط حقيقة أو وجودا، محالا، ضرورة انّ لازمه، ان تكون الحقيقة الواحدة، مثل «الوضوء»، بما هي واحدة، في مثل، «إذا بلت فتوضأ»، «و إذا نمت فتوضأ»، أو فيما إذا بال مكررا و نام كذلك، محكوما بحكمين متماثلين، و هو واضح الاستحالة كالمتضادين، و حينئذ فلا بد على القول بالتداخل، من التصرف فيه، إمّا بالالتزام بعدم دلالتها في هذا الحال على الحدوث عند الحدوث، بل على مجرد الثبوت، أو الالتزام، بكون متعلق الجزاء و إن كان واحدا صورة، إلّا انّه حقايق متعددة حسب تعدّد الشرط، إلّا انّ الإجتزاء بواحد لكونه مجمعا لها، كما في «أكرم هاشميا و أضف عالما»، فأكرم العالم الهاشمي بالضيافة، ضرورة انّه بضيافته بداعي الأمرين، يصدق انّه امتثلهما، و لا محالة يسقط الأمر بامتثاله و موافقته، و إن كان له امتثال كل منهما على حدة، كما إذا أكرم الهاشمي بغير الضيافة، و أضاف العالم الغير الهاشمي إلخ.

و هذا الكلام صحيح، و من فهم الطوليّة بين المسألتين، فقد توهم، إذ لم يظهر من كلام المحقق الخراساني (قده) إرادة الطولية هذه.

نعم إنّما هي مجرد دعوى انّ البحث في هذه المسألة إنّما هو في طول عدم التصرف في منطوق الشرطيتين.

و توضيح ذلك: هو انّ هناك معارضتين مستقلتين، عالجنا إحداهما في المسألة السابقة، و الأخرى في هذه المسألة.

700

و المعارضتان، عرضيتان طرفا و موردا و علاجا.

أمّا عرضيّتهما طرفا، فباعتبار انّ المعارضة الأولى، معارضة بين الإطلاق المثبت للمفهوم، و الإطلاق المقابل «للواو» في المنطوق، فإذا أدخلنا إطلاق الحكم في الجزاء، كانت الأطراف ثلاثة كما تقدم و عرفت.

و أمّا المعارضة الثانية، فهي المعارضة، بين ظهور الشرطيّة في كون الشرط علة لأصل الحكم، لا لمرتبة شدّته- كما سيأتي- و بين إطلاق المتعلّق في الجزاء المقتضي لتعلق الحكم بشي‏ء واحد فيهما، حيث يلزم من التحفظ عليهما معا، اجتماع حكمين على موضوع واحد، و هو مستحيل.

إلّا انّ هذه المعارضة، إنّما تكون بعد افتراض إطلاق المنطوق المثبت لكون الشرط علة تامة، و إلّا أمكن الأخذ بكلا الظهورين السابقين.

و هذا يعني، بأنّ هذه المعارضة ثلاثيّة الأطراف، و يكون طرفها الثالث مشتركا بين المعارضتين، و انحلالها، برفع اليد عن إطلاق المنطوق، إنّما هو من جهة رفع اليد عن أحد الأطراف المتعارضة، لا من جهة الطوليّة بين المعارضتين.

و أمّا العرضية بينهما موردا، فلأنه، ربّما تجتمع المعارضتان في مورد، و ربما تفترقان فتوجد إحداهما دون الأخرى.

فإذا كانت الجملتان الشرطيتان دالتين على المفهوم، و كان الجزاء قابلا للتعدّد ثبوتا و إثباتا، اجتمعت المعارضتان فيه لا محالة.

و إن كانتا حمليتين أو شرطيتين، و لكن لا مفهوم لهما، فالمعارضة الثانية وحدها موجودة دون الأولى.

و إن كانتا شرطيتين لهما مفهوم، و لكن كان الجزاء حكما واحدا، لا يقبل التعدّد، كوجوب التقصير مثلا، فالمعارضة الثانية غير موجودة، للعلم على كل حال، بعدم تعدّد الحكم في مورد اجتماع الشرطين معا.

701

و أمّا العرضيّة بينهما علاجا فلأنّ كلا من المعارضتين بعد ان كانت لها أطرافها الخاصة بها، و أنها- كما عرفت- قد تجتمع في مورد، و قد تفترقان، كان لا بدّ حينئذ من ملاحظة الحال في كل مورد.

فإذا كانت إحداهما موجودة دون الأخرى، عولجت المعارضة الموجودة بما عرفت، و إن كانتا مجتمعتين- حيث يعني اجتماعهما هذا، كون إطلاق المنطوق طرفا مشتركا في معارضتين- فاللازم في مقام العلاج، ملاحظته فيهما معا، لا ملاحظته في إحداهما في رتبة أسبق من الأخرى.

و الضابط العام في مثل هذه الحالات، هو انّ الطرف المشترك، تارة يفترض كونه أضعف من طرفه المعارض في كلتا المعارضتين، و في مثله، يتعيّن التصرف فيه، و تقديم طرفه المعارض له، عليه، في كل من المعارضتين.

و أخرى، يفترض كون الطرف المشترك مساو في القوة و الضعف مع طرفه المعارض في كلتا المعارضتين، و في مثله، يحكم بالتساقط في الجميع.

و ثالثة، يفترض كون الطرف المشترك أضعف من طرفه المعارض في إحداهما، و أضعف منه أو مساو في المعارضة الأخرى، و حكمه حينئذ، تقديم الطرف الأقوى عليه، فيتصرف فيه، و حينئذ يبقى الطرف الآخر المساوي أو الأضعف بلا معارض، فيرجع إليه لا محالة، و حينئذ تكون النتيجة كما هي في الحالة الأولى.

و رابعة، يفترض كون الطرف المشترك أقوى من طرفه المعارض في إحداهما، و مساو لطرفه المعارض في المعارضة الأخرى، و حكمه حينئذ، التساقط مع الطرف الآخر المساوي له، و الرجوع إلى الطرف الأضعف، باعتبار سقوط ما يتقدم عليه، فيرجع حينئذ، إليه، بنكتة الرجوع إلى المرجع الفوقاني.

702

و خامسة، يفترض كون الطرف المشترك أقوى من طرفه المعارض في كلتا المعارضتين، و حينئذ، يؤخذ به، و يقع التعارض بينه و بين طرفه المعارض إذا كان متعددا، و لكن يتقدم هذا الطرف المشترك على طرفه المعارض إذا كان واحدا في كلتا المعارضتين.

و هنا، يقع الكلام في هذا التنبيه في مسألتين:

1- المسألة الأولى: في تداخل الأسباب في مورد يعقل فيه تعدّد الحكم، إمّا بتعدّد متعلقه، كما في وجوب الإكرام مرتين، أو بتعدّده مع وحدة المتعلق، كما في حق الفسخ.

و البحث فيها، تارة، عن وجود دلالة تقتضي عدم التداخل في الأسباب.

و أخرى، فيما يقتضي عدم التداخل.

و ثالثة، في كيفية العلاج بينهما.

أمّا البحث عمّا يقتضي الدلالة على عدم التداخل، فيمكن تقريبه بأحد نحوين.

أ- النحو الأول: هو انّ المنطوق يحتوي على ظهورين و هذان الظهوران بمجموعهما يقتضيان عدم التداخل.

أمّا الظهور الأول، فهو كون الشرط علة تامة مستقلة للجزاء.

و أمّا الظهور الثاني، فهو في كون الشرط علة لأصل الحكم، لا لمرتبة تأكّده و شدّته.

و ينتج عن هذين الظهورين، عدم التداخل، حيث يستحيل أن تجتمع علّتان تامّتان مستقلّتان على معلول واحد.

و هذا النحو لا يمكن المساعدة عليه، لأنّ الظهور الثاني و إن كان تاما، إلّا انّ الظهور الأول ليس كما قيل، بمعنى انّ المنطوق لا يدل على عليّة الشرط التامة بهذا العنوان، و إنّما يستفاد ذلك بالإطلاق المقابل «للواو»

703

بحسب تعبير الميرزا (قده)، و بإطلاق الترتب بحسب تعبيرنا، أي بإطلاقه لحالة فقدان الشرط الآخر.

و هذا غاية ما يلزم منه، هو إثبات تماميّة الشرط في حالة انفراده، بينما لا يثبت تماميّته في حالة اجتماعه.

فكونه جزء العلة في حالة الاجتماع، لا ينافي هذا الظهور.

2- النحو الثاني: هو ما ذكره المحقق الخراساني (قده)- عند ما تفطّن إلى عدم تماميّة الظهور الأول في النحو السابق، فاستبدله بتقريب آخر يتفق مع السابق في الظهور الثاني، و يختلف عنه في الظهور الأول- حيث ادّعى هنا، انّ الشرطيّة، ظاهرة في حدوث الجزاء عند حدوث الشرط، لا مجرّد الثبوت.

و هذا الاستظهار، قد يدّعى في باب الأفعال، كفعل الأمر، فيكون مقتضى الشرطيتين حدوث أصل الحكم حين حدوث كل من الشرطين، و هذا ينافي التداخل.

و هذا النحو يفترض فيه عدة افتراضات.

أ- الافتراض الأول: هو انّه لا بدّ و أن يكون الجزاء جملة فعليّة كي يدل على الحدوث، فإنّه لا يجري فيما إذا كان جملة اسميّة، كما في قولنا، «إذا جاءك زيد فإكرامه واجب».

ب- الافتراض الثاني: هو انّه لا بدّ من افتراض تعاقب الشرطين، و عدم اقترانهما في التحقق، و إلّا كان الحدوث عند الحدوث حاصلا بناء على التداخل.

ج- الافتراض الثالث: هو التسليم بالإطلاق الأزماني للشرطيّة التي تحقق شرطها أولا، لإثبات بقاء الحكم بعد تحقّق الشرط الثاني، كي لا يتبدّل أو يرتفع الحكم أو يحدث حكم آخر مماثل بالشرط الثاني.

704

و أمّا ما يدل على التداخل فهو: ان هذا الظهور- أي الظهور في الحدوث عند الحدوث- يقابله ظهوران.

أ- الظهور الأول: هو ظهور مادة الجزاء، في انّ متعلق الحكم- أي مادة الأمر- هو الإكرام بما هو، لا بعنوان آخر.

ب- الظهور الثاني: هو ظهور إطلاق المادة، و عدم تقييدها بفرد من الطبيعة، غير الفرد الذي انطبق عليه الواجب الآخر.

و مقتضى التحفظ على هذين الظهورين هو، التداخل في الأسباب، إذ لا يعقل حدوث مطلق وجوبين متعلّقين بطبيعي الإكرام، و حينئذ، لا بدّ، إمّا من تقييد أحدهما بعدم الآخر، و إمّا افتراض انّ متعلّق أحدهما ليس هو عنوان الإكرام، بل هو عنوان آخر ينطبق عليه، كما هو مجمع العنوانين، أو هو كذلك، و هذا هو مبنى التداخل في المسببات التي هي المسألة الثانية.

و أمّا كيفيّة علاج التعارض بين هاتين الدلالتين، فإنه حيث أنّ الأمر يدور بين الظهور الوضعي، و الظهور الحكمي فانه لا بد حينئذ من تقديم الوضعي، و حيث انّ الظهور في الحدوث عند الحدوث، و الظهور في انّ الإكرام بعنوانه واجب، هما ظهوران وضعيّان- أي من باب أصالة التطابق بين ما يذكر إثباتا، و ما يكون مأخوذا ثبوتا، بينما الظهور الثالث هو ظهور حكمي، أي: من باب أصالة التطابق بين ما لم يذكر إثباتا، و ما لم يؤخذ ثبوتا، فحينئذ يقدّم الظهوران الأولان على الظهور الأخير، و حينئذ تكون النتيجة هي عدم التداخل، لا في الأسباب و لا في المسببات.

و هنا ذكر المحقق النائيني‏ (1) (قده) في المقام كلاما متينا، حاصله: ان لا تقييد أصلا في المادة، في المرتبة السابقة على عروض مفاد الهيئة، لأنّ تعدّد الوجوب، الذي يعني تعدّد النسبة الإرساليّة، يستلزم بنفسه تعدّد

____________

(1) أجود التقريرات- الخوئي- ج 2 ص 429- 430- 431.