بحوث في علم الأصول - ج11

- الشيخ حسن عبد الساتر المزيد...
473 /
205

القسم الأول: هو أن يكون الأثر مترتباً على واقع المستصحب فقط.

فمثلًا: طهارة الثوب المتنجس المغسول بماء مستصحب الطهارة، مترتب على واقع المستصحب، يعني: على طهارة الماء، بحيث يكون المؤدّى إذا كان الماء الذي غسلنا به الثوب طاهراً، إذاً، فقد طهر الثوب، و إلّا فلم يطهر.

القسم الثاني: هو أن يكون الأثر المرغوب مترتباً على مجرد الشك من دون أن يكون للواقع المستصحب دخل أو موضوعية للأثر المطلوب، كما لو فرض أنّ حرمة التشريع كان موضوعها (إسناد ما لا يعلم) أنّه من الشارع، إلى الشارع، سواء كان في الواقع صادراً من الشارع أو لم يكن صادراً، فموضوع الحرمة التشريعية إنّما هو مجرد الشك.

القسم الثالث: هو أن يكون الأثر مترتباً على كلا الأمرين على الشك و واقع المستصحب كما لو فرض أنّ حرمة التشريع لها موضوعان: أحدهما الشك في صدور الحكم الشرعي، و الآخر هو عدم صدور الحكم الشرعي، بمعنى: أنّ الشارع حكم في كل ما يشك بصدوره بحرمة نسبته إلى المولى، و حكم أيضاً بأنّ كل ما لم يكن صادراً من المولى يحرم نسبته إلى المولى، إذاً، فالعدم الواقعي موضوع للأثر، و الشك أيضاً موضوع للأثر.

و بناء على هذا التقسيم يقال: إنّ الاستصحاب يجري في القسم الأول بلا إشكال.

و أمّا في القسم الثاني فلا يجري فيه استصحاب، و ذلك لأنّ المستصحب هنا ليس موضوعاً لحكم شرعي، لأنّ الأثر الشرعي‏

206

المرغوب و المطلوب إثباته بالأصل العملي ليس مترتباً على مؤدّى هذا الأصل، بل هو مترتب على مجرد الشك كما مثلنا في القسم الثاني من أنّ حرمة التشريع موضوعها الشك بصدور حكم من المولى، فمجرد الشك في صدوره يحصل العلم الوجداني بحرمة التشريع، لتحقق الشك وجداناً، و حينئذٍ لا معنى لإجراء الاستصحاب، لأنّ الاستصحاب ليس موضوعاً لهذه الحرمة لكي نجريه.

و أمّا القسم الثالث: فهنا أيضاً نقول: بأنّ لا يجري الاستصحاب، لأنّه تحصيل للحاصل، بل من أردأ أنحاء تحصيل الحاصل، لأنّ هذه الحرمة، (أي الحرمة التشريعية)، لها أحد موضوعين على سبيل البدل، هما: (إمّا الشك، و إمّا العدم الواقعي)، و من الواضح أنّ الشك محقق وجداناً، و هذا يعني: أنّ الحرمة ثابتة يقيناً، فإذا أردنا أن نثبتها بالتعبد بموضوعها الواقعي كان ذلك تحصيلًا للحاصل، بل هو تحصيل لما هو ثابت وجداناً بالتعبد، و هذا معنى قولنا: إنّ هذا من أردأ أنحاء تحصيل الحاصل.

و لا بدّ أن يلاحظ هنا: أنّ سحب هذه النكتة على القسمين الثاني و الثالث فيه نوع من التسامح، لأنّ القسم الثاني ينبغي أن يكون الإشكال فيه، أنّ المستصحب أجنبي عن الأثر المطلوب لا أنّه تحصيل للحاصل فيما لو أجرينا الاستصحاب، لأنّه لا يحصل به شي‏ء أصلًا، و إنّما إشكال تحصيل الحاصل ينبغي أن ينصب على القسم الثالث، لأنّه يقال: إنّ الأثر المطلوب من إجراء استصحاب عدم التكليف هو، التأمين من العقاب، و هذا يترتب على نفس الشك وجداناً ببركة قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) (عند من يقول بها)، فإذا أريد تحصيل هذا الأمر الوجداني بالتعبد الاستصحابي، حينئذٍ يكون هذا من تحصيل الحاصل، بل من أردأ أنحاء تحصيل الحاصل.

207

و الحاصل: هو أنّ الميرزا (قده) اعترض على صيغ الاستصحاب بما حاصله: إنّ الأثر المطلوب ترتبه، تارة يكون مترتباً على الواقع المستصحب، كالطهارة المترتبة على عدم ملاقاة المغسول بماء مستصحب الطهارة، فهنا الأثر مترتب على واقع المستصحب، أي طهارة الماء، و أخرى يكون مترتباً على مجرد الشك من دون أن يكون للواقع المستصحب دخل أو موضوعية للأثر المطلوب ترتبه، كحرمة إسناد ما لا يعلم أنّه من الشارع إلى الشارع، بقطع النظر عن صدوره في الواقع و عدمه، فموضوع الحرمة هو مجرد الشك، و ثالثة: يكون الأثر المرغوب من إجراء الأصل مترتباً على كلا الأمرين، (الشك، و واقع المستصحب)، كما لو فرض أنّ حرمة التشريع لها موضوعان: أحدهما، الشك في صدور الحكم، و الآخر، عدم صدور الحكم، بمعنى: أنّ الشارع حكم في كل ما يشك بصدوره بحرمة نسبته إلى المولى، إذاً، فالعدم الواقعي موضوع للأثر، و الشك أيضاً موضوع للأثر.

و بناء على هذا التقسيم، فإنّ الاستصحاب إنّما يجري في الفرض الثالث دون الأول و الثاني، لأنّه في الأول، لا يكون الواقع موضوعاً للأثر المطلوب ترتبه لكي يجري في الاستصحاب، و في الثاني، يكون الأثر مترتباً على نفس الشك المحرز وجداناً، و معه يكون حكمه محرزاً وجداناً أيضاً، إذاً، فإحرازه ثانية بالاستصحاب تعبداً يكون من تحصيل الحاصل، بل من أردأ أنحائه، لأنّه من تحصيل الحاصل وجداناً بالتعبد.

و قد سحب الميرزا (قده) هذه النكتة على الأولين معاً، مع أنّ مقتضى الفن أن يعترض على الأول بما ذكرناه من أنّه لا موضوع‏

208

للاستصحاب، لا أنّه تحصيل للحاصل، بينما في المقام مبنياً على ما أفاد يقال: إنّ الأثر المطلوب من إجراء استصحاب عدم التكليف هو التأمين من العقاب ببركة قبح العقاب بلا بيان عند من يقول بها، مع أنّه مترتب على نفس الشك وجداناً، إذاً، فيكون من أحد القسمين الأولين، إذاً، فلا يمكن إجراء الاستصحاب فيه.

و تعليقنا على ما أفاده الميرزا: هو أنّ ما أفاده (قده) فيه خلط بين معنيين للأثر و و ذلك لأنّ الأثر تارة: يقصد به الحكم الشرعي المشكوك الذي يراد إثباته و التعبد به بالاستصحاب، من قبيل طهارة الثوب المتنجس المغسول بماء مستصحب الطهارة، فهنا: الأثر الشرعي الملحوظ في إجراء الاستصحاب هو الحكم الواقعي بطهارة الثوب الذي نشك فيه و لا ندري أنّ هذا الحكم وجد أو لا؟ فإن كان الماء طاهراً فالحكم قد وجد، و إلّا فالثوب باق على نجاسته.

و هذا المعنى من الأثر دائماً يكون إثباته بالاستصحاب، أو بأيّ أصل آخر إثباتاً تعبدياً ظاهرياً لا وجدانياً لأنّه حتى بعد إجراء الاستصحاب لا ندري: بأنّ هذا الثوب هل هو في علم الله تعالى طاهر أو نجس.

و أخرى يقصد بالأثر، الأثر العملي النهائي الذي هو عبارة عن التأمين و التنجيز، و هذا أثر لنفس الاستصحاب، لا للمستصحب، فإنّ المستصحب على واقعه لا يترتب عليه تأمين و لا تنجيز، و إنّما يترتب ذلك على وصول المستصحب بالاستصحاب، فإن كان المستصحب تكليفاً ترتب الحكم على وصول الاستصحاب، و إن كان المستصحب ما يقابل التكليف ترتب على وصول الاستصحاب، و على كل تقدير فالأثر العملي بهذا المعنى وجداني بوجدانية نفس الاستصحاب، لأنّه‏

209

أثر له، و ما كان أثراً للوجداني يكون وجدانياً لا محالة، لا أنّه تأمين ظاهرياً، بل حقيقة و واقعاً.

و حينئذٍ، هنا في محل الكلام في استصحاب عدم التكليف، الميرزا (قده)، نظر إلى الأثر بالمعنى الثاني، بينما مقتضى المقدمة التي بيّنها على فرض تماميتها ينبغي أن يكون نظره إلى الأثر بالمعنى الأول.

و توضيحه: هو أنّ المستصحب بعد افتراض أنّه لا بدّ و أن يكون له أثر شرعي، يقال: بأنّ الأثر الشرعي إذا كان مترتباً على واقع المستصحب فلا بأس بإجراء الاستصحاب، و يثبت هذا الأثر ثبوتاً تعبدياً، و إذا كان الأثر الشرعي المشكوك مترتباً على نفس الشك و الاحتمال فقط، إذاً، لا معنى لإجراء الاستصحاب، لأنّ هذا الأثر تحقق موضوعه وجداناً بوجدانية نفس الشك، و المستصحب ليس له أثر شرعي حتى يجري الاستصحاب، و إذا كان موضوعه أحد الأمرين على سبيل البدل، إذاً فقد تحقق أحد موضوعيه بالوجدان، إذاً، فلما ذا نذهب لتحصيل موضوعه الآخر بالتعبد؟ إذ هذا يصير من أردأ أنحاء تحصيل الحاصل، فهذا معقول إذا كان ناظراً إلى الأثر بالمعنى الأول.

إلّا أنّه في محل الكلام، التأمين ليس من المعنى الأول للأثر، لأنّه ليس من الأثر الشرعي، لأنّ التأمين أثر عقلي مترتب على نفس الاستصحاب، و يكون وجدانياً بوجدانية نفس الاستصحاب، لا أنّه يثبت ثبوتاً تعبدياً، و هو أثر عملي، لا أنّه أثر شرعي للمستصحب لنثبته بالتعبد.

و بناء عليه: فحساب المطلب يجب أن يكون بهذه الصيغة بناء

210

على القول: بقاعدة (قبح العقاب بلا بيان) بأن التأمين يثبت بأحد ملاكين:

الأول: هو الشك، كما لو شك في التكليف الواقعي، فيترتب عليه وجداناً التأمين.

و الثاني: الاستصحاب، فإنّه أيضاً يترتب عليه وجداناً التأمين، فعليه: التأمين وجداني على كلا الملاكين، و حينئذٍ، مسألة أنّ هذا يكون من أردأ أنحاء تحصيل الحاصل، و أنّه تحصيل لما هو حاصل وجداناً بالتعبد، لا معنى له.

نعم يبقى هنا سؤال واحد: و هو أنّه ما فائدة جريان الاستصحاب بعد أن كان التأمين حاصلًا وجداناً؟ أ ليس تحصيله بالوجدان ببركة الاستصحاب يكون لغواً؟

و حينئذٍ هذا السؤال و الإشكال لا يختص بخصوص استصحاب عدم التكليف، بل يجري في كل أصل آخر مؤمّن، لأنّ التأمين حاصل بمجرد الشك، و حصول التأمين بالأصل بعد ذلك يكون لغواً.

و جوابه: يستنبط من منهجنا الذي سلكناه في قاعدة (قبح العقاب بلا بيان)، حيث ذكرنا هناك أنّ التأمين بناء على قاعدة (قبح العقاب بلا بيان)، له درجتان:

إحداهما: التأمين بملاك أنّه (لا علم للمكلّف بالتكليف)، فهذا التأمين بمرتبة من المعذرية أضعف من المرتبة التي تحصل من الدرجة الثانية.

و الأخرى: و هي الدرجة الأقوى في المعذرية و التأمين، و هي التأمين بلحاظ تصدّي المولى لإبراز عدم شدّة اهتمامه بالتكاليف‏

211

الواقعية المشكوكة، و إذنه في اقتحامها، و من الواضح أنّ التأمين العقلي الذي يستقل به العقل في هذه الدرجة أشد منه مما يستقل به في الدرجة الأولى، بمعنى: أنّه لو أراد أن يعاقب عبده معاقبة في الحالة الثانية لكان ذلك أشد قبحاً مما لو أراد أن يعاقبه بلحاظ الحالة الأولى، و من الواضح أنّ التأمين بهذه الدرجة القوية لم يكن حاصلًا قبل إجراء الأصل أو الاستصحاب، و إنّما الذي كان حاصلًا إنّما هو الدرجة الضعيفة، إذاً، فلا لغوية.

و الخلاصة: هي أنّ الميرزا (قده) خلط بين معنيين من الأثر، إذ إنّه تارة يقصد بالأثر: الحكم الشرعي المشكوك الذي يراد إثباته و التعبد به بالاستصحاب.

و أخرى يقصد به: الأثر العملي بمعنى: التنجيز و التأمين.

فالأول يكون إثباته و التعبد به بالاستصحاب ظاهرياً لا وجدانياً، لأنّه من آثار المستصحب لا الاستصحاب.

بينما الثاني، يكون إثباته به واقعاً وجدانياً بوجدانية نفس الاستصحاب لأنّه أثر من آثار نفس التعبد الثابت وجداناً، لا أنّه تأمين ظاهري، بل هو تأمين حقيقة و واقعاً.

و من هنا يعرف: أنّ المنظور إليه عند الميرزا (قده)، في استصحاب عدم التكليف في المقام، إنّما هو الأثر بالمعنى الثاني، بينما المنظور إليه في المقدمة التي بينها هو، الأثر بالمعنى الأول، لأنّ محذور تحصيل الحاصل بل أردأ أنحائه، على فرض تمامية المقدمة التي بيّنها، إنّما يرد في ذلك.

و أمّا في الأثر بالمعنى الثاني، فحساب المطلب أن يقال: إنّ‏

212

التأمين يثبت بأحد ملاكين، أحدهما: الشك، و الثاني: الاستصحاب، فإنّه أيضاً مما يترتب عليه وجداناً التأمين، و من الواضح أنّ ترتب كلا التأمينين وجداني واقعي، و معه لا معنى لمسألة: أنّ هذا يكون من (أردأ أنحاء تحصيل الحاصل)، لأنّه حاصل وجداناً بالتعبد.

و أمّا السؤال عن فائدة جريان الاستصحاب بعد أن صار التأمين حاصلًا وجداناً، و أنّه أ ليس تحصيله بالوجدان ببركة الاستصحاب يكون لغواً بعد فرض وجود الملاك الأول؟

و هذا إشكال و سؤال لا يختص بخصوص استصحاب عدم التكليف، بل يجري في كل أصل آخر مؤمّن شرعي في مورد عدم البيان، حتى البراءة الشرعية، لأنّ التأمين حاصل بمجرد الشك، فحصول التأمين بالأصل بعد ذلك يكون لغواً.

و جوابه العام يستنبط من منهجنا الذي سلكناه في قاعدة (قبح العقاب بلا بيان)، حيث ذكرنا هناك، أنّ التأمين بناء على قاعدة (قبح العقاب بلا بيان)، له درجتان و ملاكان:

أحدهما: التأمين بملاك عدم علم المكلّف بالتكليف، إذ سلّمنا و بنينا على قاعدة (قبح العقاب بلا بيان)، و هذه مرتبة ضعيفة من المعذرية كما عرفت.

و الثاني: التأمين بملاك تصدّي المولى نفسه لإبراز عدم اهتمامه بتكاليفه الإلزامية المشكوكة، و إذنه في اقتحامها ترجيحاً لملاكاته الترخيصية عليها في مقام التزاحم الحفظي كما عرفت في محله، و هذه مرتبة أقوى من التأمين، إذ يكون العقاب في موردها أشدّ قبحاً، و من الواضح أنّ التأمين بهذه الدرجة القوية في هذه المرتبة لم يكن حاصلًا

213

لو لا إجراء الأصل أو الاستصحاب، و إنّما الذي كان حاصلًا إنّما هو المرتبة الضعيفة، إذاً، فلا لغوية.

و أمّا الاعتراضات الخاصة بالصيغتين الأوليين، فقد اعترض على الصيغة الأولى للاستصحاب باعتراضين نصنّفهما بين مجموع الاعتراضات، اعتراضاً ثالثاً و رابعاً.

الاعتراض الثالث، و إن كان هو الاعتراض الأول الخاص على الصيغة الأولى.

و حاصله: هو أنّ عدم التكليف المتيقن في حال الصغر، هو العدم اللاحرجي، أي العدم بملاك نفي الحرج و قصور المحل، و عدم قابلية المورد للتكليف، و أمّا العدم المشكوك، فهو العدم في الموضع القابل، فلا يمكن باستصحاب العدم اللاحرجي إثبات العدم في الموضع القابل للوجود.

و جوابه: نقضاً، و حلًا.

أمّا نقضاً فحاصله: أنّ العدم قبل البلوغ ليس على الإطلاق عدماً لا حرجياً، بل في كثير من الأحيان يكون عدماً في الموضع القابل، و ذلك كما في الصبي المميز غير البالغ فهو ممّا يمكن تكليفه، غاية الأمر، أنّ الشارع امتناناً منه رفع التكليف عنه.

و أمّا حلًا، فحاصله: أنّ العدم لا يتعدد و لا يتكثر بتكثر ملاكاته، فلو فرضنا أنّ عدم التكليف حدوثاً كان لعدم المورد القابل، و بقاء كان لعدم الملاك مع قابلية المورد، فهذه حيثيات متعددة للعدم، إلّا أنّ تعدد الحيثيات للعدم لا توجب تكثر نفس العدم و تغاير العدم المتيقن مع العدم المشكوك، فمثلًا: هذا الجسم كان عدم الحرارة فيه‏

214

متيقناً لعدم وجود النار، ثمّ شك في بقاء عدم الحرارة مع فرض وجود النار، لاحتمال وجود رطوبة مانعة عن تأثير النار، فهنا العدم المشكوك هو عين العدم المتيقن، و اختلاف الحيثية التعليلية للعدم، و أنّ العدم المتيقن حدوثاً مستند إلى عدم المقتضي، و المشكوك بقاء لو كان لكان مستنداً إلى وجود المانع كل ذلك لا يوجب تكثيراً في نفس العدم، فالعدم واحد مستقر، و معه تتم أركان الاستصحاب، في عدم الحرمة، إذاً، فلا مانع متن جريانه.

الاعتراض الرابع: و هو الاعتراض الثاني على الصيغة الأولى، و هو أن يقال: إنّ الاستصحاب إنّما يجري مع حفظ الموضوع و بقائه، و في المقام، الموضوع ليس باقياً، بل هو متغير، لأنّ حيثية (الصغر و الصبا) مقومة لموضوع الإباحة الأولى، و هذه الحيثية ارتفعت في المقام، فلو كان في المقام إباحة أخرى ثابتة على البالغ، فهي جديدة و ليست بقاء لتلك الإباحة.

و جوابنا على هذا الاعتراض: هو أنّنا لا نريد من اشتراط بقاء الموضوع في جريان الاستصحاب إلّا صدق (إبقاء ما كان، و رفع ما كان)، بأن يصدق على مورد التعبد بالاستصحاب عنوان (الإبقاء)، و يصدق على نقيضه عنوان (الرفع)، لأنّ جريان الاستصحاب إنّما هو بلسان إبقاء الحالة السابقة، و من الواضح أنّ الصبي بعد البلوغ كان محكوماً بالإباحة، و الآن بعد بلوغه، يشك في أنّه ما زال محكوماً بتلك الإباحة، أو أنّها ارتفعت؟ إذاً، فالإباحة لوحظت منصبة على مصب واحد، و هو البالغ، و لذلك كان الشكك في بقائها و ارتفاعها.

و هذا الكلام عرفي، و عرفيته برهان على صحة جريان الاستصحاب في مورده، و على صدق عنوان الشك في البقاء.

215

و قد يدّعى تقريب لهذا الاعتراض، بأن يقال: إنّه توجد إباحتان من أول الأمر.

فمثلًا: في الماء توجد إباحتان، إحداهما: إباحة للماء بالنسبة (للصبي) بما هو صبي، و هذه إباحة بملاك الصغر، و الثانية: إباحة للماء بالنسبة للإنسان بما هو إنسان، سواء كان صبياً أو بالغاً، باعتبار عدم المقتضي للتحريم.

فالإباحة الأولى تسمى اقتضائية، باعتبار رفع القلم عن الصبي.

و الإباحة الثانية تسمّى لا اقتضائية.

و هاتان الإباحتان قد تجتمعان في مورد واحد، كما في الماء مثلًا: فهو مباح بالإباحة الاقتضائية بالنسبة للصبي، و مباح بالإباحة اللااقتضائية بالنسبة للإنسان بما هو إنسان.

و قد تفترقان كما في العصير العنبي بغد غليانه و قبل ذهاب ثلثيه، فهذا فيه إباحة اقتضائية بالنسبة للصبي، و لكن ليس فيه إباحة لا اقتضائية بالنسبة للبالغ.

فمثلًا: إذا شككنا في (السكنجبين)، بأنّه هل هو من قبيل الماء الذي تجتمع فيه إباحتان، أو هو من قبيل العصير العنبي بعد غليانه و قبل ذهاب ثلثيه الذي لا تجتمع فيه إباحتان؟ فهل يمكن إجراء استصحاب الإباحة الثابتة قبل البلوغ؟

و من الواضح أنّه هنا لا يمكن ذلك، لأنّنا إن أردنا أن نستصحب الاقتضائية المجعولة بقوله (عليه السّلام)

): (رفع القلم عن الصبي حتّى يبلغ)،

فهي معلومة الارتفاع، لأنّ الصبي قد بلغ، فكيف يمكن استصحابها؟

216

و إن أردنا أن نستصحب اللااقتضائية الناشئة من عدم الموجب للتحريم، فعلى تقدير ثبوتها و إن كانت موجودة إلى الأخير، إلّا أنّها مشكوكة الحدوث من أول الأمر، فيتعذر استصحابه.

و أمّا استصحاب جامع الإباحة، فهذا يكون من القسم الثالث من استصحاب الكلي، لأنّ الجامع في ضمن أحد الفردين معلوم الحدوث و الارتفاع، و في ضمن الفرد الآخر مشكوك الحدوث من أول الأمر، و قد ذكرنا في محله أنّ الاستصحاب لا يجري في هذا القسم.

و الخلاصة: هي أنّه يدّعى تقريب لهذا الاعتراض بدعوى: أنّ هناك إباحتين، إحداهما: إباحة اقتضائية ثابتة للصبي قبل البلوغ، و الأخرى: إباحة لا اقتضائية، كإباحة الماء بالنسبة للإنسان، سواء كان صبياً أو بالغاً باعتبار عدم المقتضي للتحريم و الأولى، يقطع بارتفاعها بعد البلوغ، لأنّ الصبي بلغ، و الثانية يشك في حدوثها، و معه: يكون الاستصحاب فيها من استصحاب القسم الثالث من الكلي.

و جوابه: أنّ ما ذكر لا موجب له، لأنّ المباحات اللااقتضائية ثابتة في حق الصبي و البالغ معاً كما عرفت بملاك واحد و بجعل واحد، و إنّما هناك إباحة أخرى بملاك الصبا تثبت له في المحرمات الواقعية بملاك قضية رفع القلم، إذ لا موجب لتقييد أدلة المباحات الواقعية به، وعليه: فيعلم في مورد بوجود إباحة، إمّا أولية، أو اقتضائية، و هي على الأول باقية، و على الثاني مرتفعة قطعاً، و إنّما يعلم بوجود إحداهما، فيكون من القسم الثاني من استصحاب الكلي.

و قد عرفت أنّه حتى لو سلّمنا إشكال تغير الموضوع، فإنّ هذا إنّما يكون فيما لو أريد استصحاب الإباحة، لا استصحاب عدم‏

217

التكليف، و إلّا كان جارياً حتى لو فرض تعدد الموضوع، لأنّه يكفي استصحاب عدم الحكم و لو الأزلي منه، أي قبل تحقق الموضوع، و قد عرفت أنّه لا تعدد للموضوع بلحاظ الحكم العدمي.

و بعبارة أخرى نقول: إنّه لا نسلم بوجود إباحتين على المباحات، لأنّ الإباحات اللااقتضائية ليس وراءها إباحة أخرى بالنسبة للصبي، و إنّما الصبي يتميّز بالإباحة الاقتضائية في موارد لا توجد الإباحة اللااقتضائية، لأنّه لا موجب لذلك، لأنّ دليل الإباحة الاقتضائية إنّما هو مثل (رفع القلم)، و هذا يدل على رفع التكليف في مورد كلّف به البالغ، و أمّا في مورد لا تكليف على غيره، فحال الصبي حال البالغ، إذاً، في المقام نقول: إنّ السكنجبين المشكوك إن كان من المباحات الحقيقية، إذاً، فهو محكوم بالإباحة من أول الأمر، و هذه باقية حتى بعد البلوغ، و إن كان من قبيل العصير العنبي المغلي بالنار قبل ذهاب ثلثيه، إذاً، فهو محكوم بإباحة قصير الأمد تنتهي بالبلوغ، فيكون أمر السكنجبين دائراً بين فردين من الإباحة، أحدهما: طول الأمد، و الآخر، قصير المدة و الأمد، فلو أريد استصحاب الكلي في المقام، لكان من استصحاب الكلي من القسم الثاني، و لا إشكال في جريان الاستصحاب فيه حينئذٍ.

هذا كلّه مضافاً إلى أنّه لو سلّم إشكال تغيير الموضوع، و لكن في المقام لا نريد أن نستصحب الإباحة، بل يكفينا أن نستصحب عدم التكليف باستصحاب العدم الأزلي للتكليف، بناء على ما ذكرناه سابقاً من صحة جريان الاستصحاب في العدم الأزلي.

أمّا الصيغة الثانية، من صيغ الاستصحاب، و هي أن نستصحب (عدم الجعل)، فهذه الصيغة يرد عليها عدة اعتراضات.

218

الاعتراض الأول و الثاني: هما نفس الاعتراض الأول و الثاني اللذان اعترض بهما على الصيغة الأولى، و الأجوبة عنهما هي نفس الأجوبة.

الاعتراض الثالث: هو ما ذكره الميرزا (قده) ( (1)) من أنّه لا يجري استصحاب عدم الجعل، كما أنّه لا يجري استصحاب الجعل، لأنّه مثبت، بدعوى أنّ الآثار المرغوبة و المطلوبة من التأمين و التنجيز مترتبة على المجعول لا على الجعل، و ترتب المجعول على الجعل ترتب عقلي و ليس شرعياً، إذاً، فاستصحاب الجعل لا يثبت المجعول عند تحقق الموضوع، كما أنّ باستصحاب عدم الجعل لا ينفي المجعول عند تحقق الموضوع، لأنّ ترتب عدم المجعول على عدم الجعل عقلي، فلو أريد إثباته به لكان أصلًا مثبتاً.

و تعليقنا على هذا الاعتراض: هو أن نقول: إنّ محل التعرض التفصيلي لما ذكره الميرزا (قده) إنّما هو في بحث الاستصحاب، و لكن نذكر هنا بنحو الإجمال و نقول: إنّه لا مثبتية في المقام، و ذلك لأنّ المجعول ليس شيئاً آخر وراء الجعل، لكن منظوراً إليه بما هو مضاف إلى موضوعه و إلى محله، و من الواضح أنّ التنجيز خارجاً لا يتوقف على أكثر من إثبات الكبرى التي هي الجعل، و هي الحرمة مثلًا، في دليل (يحرم شرب الخمر)، و الصغرى التي هي الموضوع الخارجي، كما لو علم أنّ هذا المائع خمر، فحينئذٍ، بمقتضى علمه بالكبرى و الصغرى يحرم عليه شرب الخمر.

و قد يحرز كلتا القضيتين: الصغرى و الكبرى، إحرازاً وجدانياً،

____________

(1) فوائد الأصول: الكاظمي، ج 4، ص 60.

219

و قد يحرزان بالتعبد، و قد تحرز إحداهما بالوجدان، و الأخرى بالتعبد، كما أنّه قد تنفى إحداهما بالتعبد فيحصل بذلك التأمين، و لا أساس لمحذور المثبتية، لأنّ الأثر العقلي لا يترتب عليه أكثر من وصول الصغرى و الكبرى.

و الحاصل: هو أنّ الميرزا (قده) اعترض على الصيغة الثانية، بأنّ استصحاب عدم الجعل أو الجعل لا يجري، لأنّه مثبت، لأنّ الأثر المطلوب من جريانه و هو التأمين و التنجيز مترتبان على المجعول إثباتاً و نفياً و ليس على الجعل، و ترتب المجعول على الجعل و انتفاؤه بانتفائه عقلي لا شرعي.

و كان خلاصة جوابه: أنّه قد ذكرنا في بحوث الاستصحاب، أنّ المجعول ليس شيئاً آخر وراء الجعل منظوراً إليه مضافاً إلى موضوعه في ظرف تحقق موضوعه.

و التنجيز خارجاً لا يتوقف على أكثر من إثبات الكبرى الشرعية، و الصغرى التي هي الموضوع، فإنّه كلما أحرزت هاتان بالوجدان أو التعبد، أو إحداهما بالوجدان و الأخرى بالتعبد أو العكس، حينئذٍ يحكم العقل بالمنجزية، و كلّما انتفت إحداهما بالتعبد حكم العقل بالتأمين، و معه لا أساس لمحذور المثبتية، لأنّ الأثر العقلي لا يترتب عليه أكثر من وصول الصغرى و الكبرى.

الاعتراض الرابع: على الصيغة الثانية و هو أن يقال: بأنّ عدم الجعل المتيقن هو العدم الأزلي، أو العدم المحمولي غير المربوط بالمولى، لأنّه قبل الشريعة لا مولوية للمولى، لأنّ مولويته يتقمصها حينما يشرع الشرائع و يبعث الرسل، و العدم المشكوك إنّما هو العدم‏

220

النعتي المنسوب إلى المولى و المضاف إليه، و إثبات هذا باستصحاب ذاك غير معقول.

و يرد عليه أولًا: بأنّه لو تمّ فإنّما يتم فيما لو أريد استصحاب العدم الثابت قبل الشريعة، و لكن بالإمكان في كثير من الأحيان أن نستصحب عدم التكليف في السنوات الأولى للشريعة بعد إحرازنا لعدم هذا التكليف فيها، و حينئذٍ يكون العدم نعتياً منسوباً إلى المولى.

و يرد عليه ثانياً: أنّه إن كان المقصود من هذا الكلام أنّه يوجد عندنا عدمان متغايران: أحدهما، مقطوع الارتفاع، و هو العدم المحمولي، أي (الأزلي)، و الآخر، مشكوك الحدوث، و هو العدم النعتي.

فجوابه: هو أنّ العدم من حيث هو عدم لا يتكثر و لا يتعدد، فالعدم المحمولي باقٍ، و مجرد أنّه اقترن مع الموضوع لا يغير ذلك من هويته.

و إن أريد استصحاب العدم المحمولي و إن كان جارياً، إلّا أنّه لا يثبت العدم النعتي، و نحن نريد أن نثبت العدم النعتي، إذاً، فما يثبته الاستصحاب، لا ينفعنا، و ما ينفعنا لا يجري فيه الاستصحاب، لأنّه مشكوك الحدوث.

و لا يحتمل أنّه يمكن الجواب على ذلك بأنّ الاستصحاب بنفسه ينسب هذا العدم إلى المولى، لأنّ الاستصحاب لا يضيف إلى المستصحب شيئاً، و إنّما هو تعبد ظاهري منسوب إلى المولى، و لكن لا يضيف إلى المتعبد به شيئاً، و المتعبد به إنّما هو ذات العدم، و نحن كلامنا في المتعبد به لا في انتساب نفس التعبد، إذ ممّا لا إشكال فيه هو أنّه لو تمّت أركان الاستصحاب و جرى لكان منتسباً إلى المولى،

221

إلّا أنّ هذا ليس هو محل الكلام، لأنّ كلامنا في انتساب المتعبد به، و هو العدم، و هذا مما لا يحتمل الاستصحاب نسبته إلى المولى.

إلّا أنّ الجواب الصحيح هو أن يقال: بأنّنا لا نحتاج إلى أن نثبت التعبد و الانتساب إلى المولى بهذا العدم، لأنّ المقصود في المقام هو التأمين من ناحية التكليف، و من الواضح أنّ التأمين كما يتحقق بعد التكليف المنسوب إلى المولى، فهو يتحقق بعدم التكليف الأزلي.

و خلاصة هذا الاعتراض: هو أنّ عدم الجعل المتيقن هو العدم الأزلي للتكليف، أي قبل الشريعة، و هو عدم غير مربوط و غير منسوب إلى المولى، و يقال له: (العدم المحمولي)، بينما محل الكلام هو العدم المشكوك، و هو العدم المنسوب إلى المولى تعالى، و يقال له: العدم النعتي، و هو إنّما يكون بعد تحقق الشريعة، و إعمال مولوية المولى، و إثبات العدم النعتي بواسطة العدم الأزلي من الأصل المثبت.

و خلاصة جوابه أولًا: هو أنّه في كثير من الأحيان يحرز عدم جعل الحكم في أوّل الشريعة بنحو العدم النعتي.

و ثانياً: هو أنّه إن كان المقصود وجود عدمين متغايرين، فجوابه: ما عرفت سابقاً من عدم تكثر الأعدام بتكثر علله و حصصه.

و إن أريد أن العدم المحمولي لا يترتب عليه أثر عملي كالتأمين مثلًا، بل لا بدّ من انتسابه إلى الشارع، كما يتوهم أنّ الاستصحاب بنفسه ينسب هذا العدم إلى المولى، فإنّ الاستصحاب لا يضيف إلى المستصحب شيئاً، و إنّما هو تعبّد ظاهري بنفس المستصحب الثابت في الحالة السابقة.

222

فالجواب: هو أنّه لا يحتاج في التأمين إلى هذا الانتساب، بل إنّ موضوع التأمين هو مطلق عدم الجعل، و لو من باب العدم المحمولي، و معه فلا حاجة إلى إثبات العدم النعتي.

أمّا الصيغة الثالثة: و هذه الصيغة أقل الصيغ الثلاث إشكالًا و أوضحها جرياناً، فإنّ جملة من الإشكالات التي يتوهم ورودها على الصيغتين السابقتين، من قبيل تغير الموضوع مثلًا، فإنّه لا يتوهم ورودها في هذه الصيغة، لعدم تبديل الموضوع، لأنّه استصحاب لعدم المجعول بلحاظ حالة الكبر كما عرفت سابقاً.

نعم، لو فرض أنّه في بعض الموارد تغير الموضوع، حينئذٍ لا بدّ من العدول عن الاستصحاب النعتي إلى استصحاب العدم الأزلي المحمولي و أيضاً لا يتوهم بأنّ الاستصحاب لا يجري، لأنّه لا يثبت عدماً منسوباً إلى المولى، لأنّ الأعدام هنا كلها منسوبة إلى المولى.

و الخلاصة: هي أنّه في كل مورد لم يكن تحقق الموضوع للتكليف المشكوك مغايراً و مبايناً مع الحالة السابقة المتيقنة للتكليف، يجري استصحاب عدم التكليف، أي الاستصحاب النعتي.

و في كل مورد يوجد تباين في الموضوع للتكليف بين الحالة المشكوكة اللاحقة، و بين الحالة المتيقنة السابقة، يجري الاستصحاب المحمولي، أي استصحاب العدم الأزلي.

و بهذا تبيّن أنّ الاستصحاب صحيح وجار بصيغه الثلاث لإثبات التأمين.

223

تنبيهات في جريان استصحاب عدم التكليف‏

التنبيه الأول: هو أنّه قد يستشكل في جريان هذا الاستصحاب‏

بأيّة صيغة من الصيغ المتقدمة و يقال: بأنّ الاستصحاب لو جرى لكان حاكماً على البراءة الشرعية بناء على ما هو المختار من حكومة الاستصحاب على البراءة، لأنّه يرفع موضوعها، و بما أنّ الاستصحاب يجري في تمام الشبهات التي تجري فيها البراءة و يرفع موضوعها، فلا يبقى للبراءة موضوع، و كأنّه إلغاء للبراءة الثابتة بدليلها، إذ لا يبقى لها مورد مع جريان الأصل الحاكم.

و الحاصل: هو أنّه قد يستشكل بأنّه لو جرى الاستصحاب بأيّ صيغة من صيغه المذكورة لكان رافعاً لموضوع دليل البراءة بناء على حكومة الاستصحاب على البراءة، و لأنّه يجري في تمام الشبهات الحكمية التي تجري فيها البراءة، فيلزم منه إلغاء دليل البراءة.

و قد أجاب السيد الخوئي في تقرير الدراسات عن هذا الإشكال بجوابين ( (1)):

الجواب الأول: هو أن يقال: إنّ دليل البراءة لم يؤخذ شرط لا من حيث الاستصحاب، فلعلّ هذه البراءة المجعولة في دليل (رفع‏

____________

(1) دراسات في علم الأصول: الهاشمي الشاهرودي، ج 3، ص 272.

224

ما لا يعلمون)، و أمثاله لعلّها بنكتة الاستصحاب، فليس عندنا أصلان منحازان أحدهما عن الآخر، أحدهما: اسمه (البراءة) بدليل، و الآخر: اسمه (الاستصحاب)، بدليل آخر، حتى يقال: إنّه إذا تمّ الاستصحاب لم يبق مورد للبراءة، فنحن ننكر هذه الاثنينية بين البراءة و الاستصحاب، و ندّعي أنّ مفاد دليل البراءة في مورد البراءة لعلّه يرجع روحاً إلى الاستصحاب، و يكون بنكتة الاستصحاب، إذاً، فلا يلزم في المقام إشكال.

و حاصله: هو أنّ دليل البراءة لم يؤخذ (بشرط لا)، من حيث الاستصحاب، بل غاية الأمر أنّه يدل على التأمين في الشبهات، و لعلّه تأمين بنكتة الاستصحاب، و مع عدم إحراز التعدد يكون مفاد الدليل حجة.

و جوابنا على جواب السيد الخوئي (قده) هو: أنّ هذا الجواب غير صحيح، و ذلك لوضوح أنّ تنزيل أدلة البراءة على الاستصحاب هو على خلاف أدلة البراءة، لأنّ الظاهر من أدلة البراءة أنّ التأمين فيها مجعول بنكتة عدم العلم بالتكليف، لا بنكتة أنّ عدم التكليف مسبوق بالحالة السابقة، و كم فرق بين النكتتين، ففي لسان مثل لسان (رفع ما لا يعلمون)، أو (الناس في سعة ما لا يعلمون)، هذا اللسان ظاهر في أنّ التأمين بملاك عدم معلومية التكليف، لا بملاك أنّ عدم التكليف كان له حالة سابقة، فتنزيله على الاستصحاب معناه: إجراء تعديل على موضوع هذا الدليل، و هذا خلاف ظهور الدليل بالتطابق بين موضوعه الإثباتي و موضوعه الثبوتي، إذاً، فهذا الجواب لا يمكن المصير إليه.

و خلاصته: هو أنّ هذا خلاف ظاهر أدلة البراءة، حيث إنّه تدل‏

225

على أنّ التأمين المجعول فيها إنّما هو بملاك عدم العلم بالتكليف، لا بملاك أنّ عدم الحكم مسبوق بحالة سابقة، و مقتضى قانون التطابق بين مرحلة الإثبات و الثبوت، أنّ الحكم المراد بيانه بهذه الأدلة هو التأمين عند مجرد الشك، و ليس لسبق عدم التكليف.

الجواب الثاني‏ للسيد الخوئي (قده): هو بيان أربع ثمرات و فوائد، أو موارد لدليل البراءة دون أن تترتب على الاستصحاب.

المورد الأول: هو دوران أمر التكليف بين الأقل و الأكثر، فإنّه في موارد الدوران هذه تجري البراءة في الزائد، و لكن لا يجري الاستصحاب.

أمّا جريان البراءة فلما يأتي في محله من جريان البراءة في موارد الدوران بين الأقل و الأكثر الارتباطيين.

و أمّا أنّ الاستصحاب لا يجري، فلأجل المعارضة، لأنّ الوجوب ارتباطي، فيعلم أنّه، إمّا مطلق، أو مقيّد، يعني: أنّ الشارع إمّا أنّه حكم بوجوب التسعة مقيدة بالعاشر، و هو معنى وجوب الأكثر، و إمّا أنّه حكم بوجوب التسعة مطلقة من هذه الناحية، و هو معنى وجوب الأقل، و استصحاب عدم التقييد معارض باستصحاب عدم الإطلاق، فهذان الاستصحابان متعارضان و متساقطان، ففي مثل هذه الحالة يظهر الأثر لجريان البراءة.

و الخلاصة: هي أنّه من الموارد التي تختص بالبراءة دون الاستصحاب، هي مورد دوران الأمر بين الأقل و الأكثر الارتباطيين، فإنّه تجري البراءة فيه دون الاستصحاب، لأنّ أصل التكليف بجعله، و استصحاب عدم تقييده بالجزء أو الشرط الزائد معارض باستصحاب عدم إطلاقه، فيتعارض الاستصحابان و يتساقطان.

226

و تعليقنا على المورد الأول: هو أنّ هذه الثمرة غير صحيحة و ذلك، لأنّ الاستصحابين لا يتعارضان في المقام، فإنّ استصحاب عدم التقييد، أو عدم وجوب الزائد يكون جارياً و لا يعارض باستصحاب عدم الإطلاق، لأنّه لا أثر له، إذ ما ذا يراد باستصحاب عدم الإطلاق؟

فإن أريد إثبات التقييد، و إثبات الأمر بالقيد، هو الزائد، فهو مثبت بعد افتراض أنّ الإطلاق و التقييد متقابلان تقابلًا وجودياً إذا كان الإطلاق مضاداً للتقييد، إذ حينئذٍ، باستصحاب عدم الإطلاق لا يمكن أن نثبت التقييد، لأنّه مثبت.

و أمّا إذا كان الإطلاق مجرد عدم التقييد و يقابل التقييد مقابلة السلب و الإيجاب، فمن الواضح أنّه لا معنى لاستصحاب عدمه، فإنّ عدم التقييد يكون ثابتاً و لو بنحو العدم الأزلي.

و بعبارة أخرى: إنّ الإطلاق إذا كان مقابلًا للتقييد تقابل السلب و الإيجاب، إذاً، فالإطلاق هو مجرد عدم التقييد، إذاً، فلا معنى لاستصحاب عدم عدم التقييد، و إن كان أمراً له نحو وجود و ثبوت في مقابل التقييد، فباستصحاب عدم الإطلاق لا يمكن أن نثبت التقييد إلّا بناء على الأصل المثبت، إذاً، فباستصحاب عدم الإطلاق لا يثبت التقييد، و مجرد نفي الإطلاق لا يكفي لترتيب الأثر العملي، و هو الإلزام، (المئونة)، فإنّ المئونة ليست من شئون عدم الإطلاق، بل من شئون التقييد، فما لم يثبت التقييد لا يترتب على ذلك المئونة، إذاً، فاستصحاب عدم الإطلاق لا يجري في نفسه، لأنّه ليس له أثر عملي، إذ الأثر العملي المرغوب فيه إنّما هو المئونة، و هذه المئونة مترتبة على التقييد، (على عدم الإطلاق)، و التقييد لا يمكن إثباته في‏

227

المقام باستصحاب عدم الإطلاق، إذاً، فاستصحاب عدم التقييد يجري بلا معارض، فتبطل الثمرة، لأن الاستصحاب يكون مؤمنا أيضاً كما تكون البراءة مؤمنة.

و الخلاصة: هي أنّ استصحاب عدم الإطلاق لا يجري، لأنّه إذا أريد بذلك إثبات التقييد، فهو مثبت، و إن أريد إثبات أثر التقييد، و هو لزوم الإتيان بالزائد، فموضوعه هو التقييد لا عدم الإطلاق.

هذا فيما لو فرض أنّ الإطلاق أمر وجودي أو مطعّم به، و إن فرض أنّ الإطلاق هو مجرد عدم التقييد، إذاً، فلا موضوع لاستصحاب عدم الإطلاق، بل المستصحب هو عدم التقييد و لو بنحو العدم الأزلي كما سيأتي في محلّه من بحث الدوران بين الأقل و الأكثر.

المورد الثاني: هو أنّه إذا كان في مورد كان هناك أثر على الإباحة بعنوانها، فمن الواضح أنّه مع إجراء أصالة الإباحة و البراءة يترتب ذلك الأثر، و لا يترتب على استصحاب عدم التكليف، لأنّ استصحاب عدم التكليف لا يثبت الإباحة بعنوانها، و إنّما ينفي التكليف، ففي موارد من هذا القبيل يظهر الأثر العملي للبراءة و أصالة الإباحة في مقابل الاستصحاب.

و إن شئت قلت: إذا كان الأثر المطلوب مترتباً على الإباحة بعنوانها، فإنّه سوف يترتب ذلك بإجراء أصالة الحل و البراءة، و لا يترتب على استصحاب عدم التكليف.

و تعليقنا على المورد الثاني: هو أنّنا نقول: إنّه لا يمكن المساعدة على ما ذكر، لأنّ الاستصحاب يمكن تحويله من استصحاب الأمر العدمي إلى الأمر الوجودي، فبدلًا من أن نستصحب‏

228

عدم التكليف، نستصحب الإباحة، فأيّ صيغة من الصيغ السابقة لجريان الاستصحاب و التي تسالمنا على صحتها كانت تسمح لنا باستصحاب الإباحة، إذاً، فنستصحب الواقعة المعلومة قبل ظرف الشك، و يترتب على ذلك الآثار المجعولة على الإباحة، بل إنّ هذا هو الطريق الوحيد لترتب هذه الآثار فيما لو كانت هذه الآثار رتبت على الإباحة الواقعية لا على مطلق الإباحة، و لم نلتزم بأنّ أصل الإباحة من الأصول التنزيلية كما هو المشهور، فالمشهور لا يلتزمون بأنّ الإباحة من الأصول التنزيلية.

و بناء على ذلك: فإنّ الثمرة سوف تكون بالعكس، و حينئذٍ، أصالة الإباحة لا تفيد، و الاستصحاب يفيد.

أمّا أنّ الإباحة لا تفيد لترتيب ذلك الأثر المرغوب، لأنّ ذلك الأثر المرغوب مرتب في دليله على الإباحة الواقعية، و أصالة الإباحة إذا لم تكن من الأصول التنزيلية فإنّها لا تثبت الإباحة الواقعية و يجرها بالتعبد إلى مرحلة البقاء، فيترتب عليها آثارها، إذاً، فالاستصحاب أحسن حالًا من البراءة في تصوير هذه الثمرة.

و الحاصل: هو أنّ الاستصحاب يمكن إجراؤه في الإباحة الثابتة قبل الشرع، أو قبل البلوغ، أو قبل تحقق شرط التكليف المشكوك مع وجود الموضوع، بل إنّ هذا هو الطريق الوحيد لترتيب أثر الإباحة الواقعية، لأنّ أصالة الحل بناء على المشهور هي أصل غير تنزيلي، إذاً، فلا يثبت به الإباحة الواقعية و آثارها.

المورد الثالث: هو مورد تعارض الاستصحابين فيما لو فرض تعارض الاستصحابين لسبب من الأسباب، من قبيل أن يفرض توارد الحالتين، فحينئذٍ سوف يتعارض استصحاب عدم التكليف مع‏

229

استصحاب التكليف، و يلحق بذلك مورد آخر و هو، فيما لو فرض أنّه كان من موارد تغيير الموضوع، بحيث لم نلتزم بجريان الاستصحاب لأجل تغيير الموضوع، و لم نبن على استصحاب العدم الأزلي، حينئذٍ يبقى هذا مورداً لجريان البراءة مع عدم جريان الاستصحاب.

لكن، هل يتصور هذا المطلب؟ هل يتصور أنّ أدلة البراءة بتمامها ناظرة إلى هذا المورد الذي هو مورد توارد الحالتين و تعارض الاستصحابين الذي لا يشكل إلّا حالات قليلة نادرة من مجموع الشبهات الحكمية؟

فمثلًا: (رفع ما لا يعلمون)، هذا البيان بعرضه العريض، ينزل على خصوص موارد توارد الحالتين، و العلم بالتكليف في زمان، و عدمه في زمان، و الشك في المتقدم و المتأخر و أمثال ذلك، فهل إنّ هذا التنزيل أمر عرفي؟

من الواضح أنّ هذا التنزيل ليس أمراً عرفياً، إذاً، فهذه الكلمات لا تستأصل هذه الشبهة.

و حاصله: هو ما إذا تعارض الاستصحابان، كما لو فرض توارد الحالتين، و كذلك مثله ما لو تغيّر الموضوع، بحيث لم يجرِ استصحاب الإباحة، و لم نلتزم بجريان استصحاب العدم الأزلي.

و الصحيح هو أن يقال أولًا: إنّ هذه الشبهة مبني على أنّ الاستصحاب يتقدم على البراءة بالحكومة، لكونها حاكماً عليها، لا بنكتة أخرى من نكات الجمع العرفي بالقرينة و الأظهرية، بينما نحن لم نقبل حاكمية دليل الاستصحاب على دليل البراءة، لأنّ حاكميته إنّما هي بدعوى: أنّ دليل الاستصحاب يجعل الإنسان متيقناً بعد الشك.

230

و هذا اليقين يقوم مقام العلم الذي جعل غاية في دليل البراءة، فيرفع موضوع دليل البراءة.

و هذه المسألة مبتنية على قبول دعوى قيام الأمارات و الحجج مقام القطع الموضوعي، بينما نحن لم نقبل وفاء دليل الحجية بإقامة الأمارات و الحجج مقام القطع الموضوعي، و سيأتي تفصيل الكلام في محله إن شاء الله تعالى.

إذاً، فنحن لم نتعامل مع دليل البراءة و الاستصحاب كدليلين: أحدهما حاكم، و الآخر محكوم، و إنّما في المورد الذي يتعارضان فيه نتعامل معهما كدليلين متعارضين، فنقدم الأقوى على الأضعف منهما.

و قد بيّنا في محله نكاتاً لأبرز أقوائية دليل الاستصحاب من دليل البراءة، و لهذا يقدم دليل الاستصحاب على دليل البراءة، وعليه: فهذا التقديم بملاك التعارض، و تقديم الأقوى على الأضعف، و القرينة على ذي القرينة إنّما يكون في موارد التعارض و هو إنّما يكون إذا كان أحدهما يثبت و الآخر ينفي، أمّا إذا كان براءة مع استصحاب عدم التكليف فلا تعارض بينهما أصلًا، إذاً، فلنأخذ بهذا الدليل و بذلك الدليل، و لا معنى لأن يقال: إنّ الاستصحاب لا يبقى مورداً للبراءة، بل هو يضيف تأميناً و ملاكاً جديداً للتأمين إلى ذلك التأمين، و لا إشكال في ذلك أن تكون هناك خطابات تأمينية متعددة و ملاكات متعددة أيضاً، إذاً، فدعوى أنّ البراءة لا يبقى لها مورد إنّما هذه دعوى مبنية على فكرة حاكمية دليل الاستصحاب على دليل البراءة، و نحن لا نقبلها.

و يقال ثانياً: لو سلّمنا الحاكمية، فهي بمعنى: يرجع بحسب روحه إلى التخصيص لا إلى رفع الموضوع، فإنّنا بيّنا في بحث‏

231

الحكومة و الورود، أنّ الحكومة تخصيص روحاً و ورود لساناً، و بهذا تختلف عن الورود، لأنّه رفع للموضوع روحاً و لساناً، و التخصيص هدم للمحمول مع بقاء الموضوع روحاً و لساناً، فالحكومة وسط بين الورود و التخصيص.

و هذا مطلب موكول تحقيقه إلى بحث تعارض الأدلة.

و بناء على هذا، فحينئذٍ في المقام، الحكومة ترجع إلى التخصيص، و هو فرع التكاذب في المفاد و التعارض، و حيث يكون الخاص موافقاً مع العام، إذاً، لا معنى للتخصيص كما هو واضح، إذاً، فنأخذ بالعام و نأخذ بالخاص، و لا موجب للالتزام بالتخصيص مع توافق الخاص مع العام.

و يقال ثالثاً: لو سلّمنا أنّ دليل الاستصحاب حاكم، و سلّمنا أنّ الحاكمية بمعنى، بحيث يرفع الموضوع بالتقييد فينزل هذا الشاك منزلة العالم، فمع هذا لا يلغو دليل البراءة، إذ من الواضح أنّ هذه الحاكمية لا يظهر أثرها إلّا عند من وصل إليه دليل الاستصحاب، لأنّه متى وصل إليه دليل الاستصحاب، إذاً، فسوف يرتفع في حقه موضوع دليل البراءة، و لا يستطيع أن يستفيد من دليل البراءة شيئاً، لأنّه يقول: البراءة بقيت بلا موضوع، لكن ليس دائماً يجب أن يفرض أنّ دليل الاستصحاب واصل إلى كل المكلّفين و في كل الحالات، (فرفع ما لا يعلمون) يكفيه في مقام ترتب أثر على صدور هذا الخطاب من قبل الشارع و إلقاء هذا التأمين بهذا اللسان، يكفيه أن يكون مورداً للأثر و مرجعاً في مقام التأمين عند كل من لم يصل إليه دليل الاستصحاب، و ما أكثر من لم يصل دليل الاستصحاب، و لم يصل دليل الاستصحاب مدة مئات السنين إلى أنْ جاء الشيخ حسين بن‏

232

عبد الصمد والد الشيخ البهائي (قدس سرّهما)، و تمسك بروايات الاستصحاب و ادّعى أنّها قاعدة كلية، ثم اتُّب و درج ذلك من بعده، و إلّا فإنّه قبله كان علماؤنا يقرءون روايات الاستصحاب و لم يتمسك واحد منهم بكبرى الاستصحاب، و أكثرهم قالوا: بعدم حجيته، بل جعلوه كالقياس، إذاً، كان عندهم دليل البراءة نافذ المفعول، و كان يحتمل أن لا يصل إلينا دليل الاستصحاب، لو لا أن ينقل زرارة تلك الرواية المشهورة، إذاً، فدليل البراءة يكون أثره واضحاً، باعتبار أنّ دليل الاستصحاب ليس من المفروغ عنه بالضرورة وصوله إلى الجميع، فيكفي أثراً لدليل البراءة أنّه يكون مرجعاً للتأمين، حيث لا يصل تأمين من ناحية دليل الاستصحاب.

و الحاصل: أنّ التحقيق في دفع هذه الشبهة هو أن يقال:

أولًا: إنّ هذه الشبهة مبنية على دعوى حكومة الاستصحاب على البراءة، لا تقدم دليله على دليلها بالأظهرية أو الجمع العرفي، و الحكومة مبنية على كبرى قيام الأمارات و الاستصحاب مقام القطع الموضوعي الموقوف بدوره على مسالك جعل الطريقية التي لم نقبلها في الأمارات كما لم نقبلها في الاستصحاب كما عرفت في محله.

وعليه: فإذا كان ملاك تقديم الاستصحاب على البراءة هو الجمع العرفي و الأظهرية، فمن الواضح أنّ هذا إنّما يكون في فرض التنافي بين مفاد الدليلين و التعارض، لا ما إذا كان مفادهما معاً التأمين، كما هو الحال في محل الكلام.

و ثانياً: هو أنّه لو سلّمنا الحكومة، فكبرى الحكومة عندنا هي عبارة عن التخصيص روحاً و الورود لساناً و رفع الموضوع، لا أنّه رفع للموضوع حقيقة.

233

و من الواضح أنّ كبرى الحكومة حينئذٍ ترجع إلى التخصيص، و هو فرع التعارض و التنافي بين مدلولي الدليلين أيضاً، و هذا لا يكون في المقام.

و ثالثاً: هو أنّه لو سلّمنا بملاك رفع الموضوع حقيقة، فإنّه مع ذلك نقول:

بأنّ هذه الحاكمية لا توجب إلغاء دليل البراءة، إذ يبقى مفادها مؤثراً عند من لم يصل إليه دليل الاستصحاب، فيكون حال هذا الاستصحاب حال الحكم الواقعي الذي يكون بوصوله رافعاً حقيقة لموضوع دليل البراءة من دون أن يلزم منه لغوية دليل البراءة.

التنبيه الثاني: هو ما ذكره في الدراسات من الاستشكال بدعوى إيقاع المعارضة بين استصحاب عدم جعل التكليف، و استصحاب عدم الإباحة

( (1)).

فمثلًا: إذا شك في حرمة (التتن) و إباحته، إذ نحن نعلم إجمالًا بأنّ الشارع قد حكم على التتن بحكم من الأحكام الخمسة، فهو إمّا محكوم بالحرمة، أو محكوم بالإباحة، و استصحاب عدم الحرمة يكون معارضاً باستصحاب عدم جعل الإباحة، فكأن هذه المعارضة ناظرة إلى الصيغة الثانية من صيغ إجراء الاستصحاب، و هي صيغة استصحاب عدم جعل التكليف الذي لا يجري فيه استصحاب بالإباحة، لأنّنا نعلم بأحد الجعلين.

ثمّ إنّه في الدراسات، حاول أن يرد على هذا الاستشكال بجوابين:

____________

(1) دراسات في علم الأصول: الشاهرودي الهاشمي، ج 3، ص 271.

234

الجواب الأول: هو أنّ الإباحة الثابتة يحتمل فيها احتمالان.

الاحتمال الأول: هو أن تكون الإباحة المجعولة على المباحات، ثابتة بعناوينها الأولية، فالماء بما هو ماء مباح، و هكذا الخل و نحوه.

كما أنّ الحرمة ثابتة للأشياء بعناوينها الأولية، فإذا كان الأمر كذلك، فحينئذٍ لا يمكن أن يتوهم أن استصحاب عدم جعل الحرمة يعارض باستصحاب عدم جعل الإباحة، لأنّ التتن إن كان من قبيل الخمر، فقد جعلت الحرمة عليه، و إن كان من قبيل الخل فقد جعلت عليه الحلية.

الاحتمال الثاني: هو أن تكون الإباحة من المباحات الواقعية ثابتة للأشياء لا بعناوينها الأولية، بل بعنوان أنّه لم يجعل فيها الحرمة و لم يرد فيها النهي، بمعنى: أنّ الشارع له إباحة واقعية واحدة ذات عرض عريض موضوعها

(كل شي‏ء لم يجعل فيه التحريم)،

و هذا ينطبق على الماء و نحوه من الأشياء المباحة التي لم يجعل فيها التحريم، و لكن كل واحد من هذه الأمور مباح بعنوان أنّه لم يجعل فيه التحريم لا بعنوانه الأولي، وعليه: فإذا شككنا في التتن، فحينئذٍ استصحاب عدم جعل الحرمة يجري و لا يعارض باستصحاب عدم جعل الإباحة، لأنّ استصحاب عدم جعل الحرمة يكون أصلًا موضوعياً و حاكماً على استصحاب عدم جعل الإباحة، لأنّ الإباحة قد جعلت على موضوع‏

(كل ما لم يجعل عليه الحرمة)

فباستصحاب عدم جعل الحرمة ننقح موضوع الإباحة، فالشك في الإباحة يكون مسبباً عن الشك في جعل الحرمة، و إذا عولج السبب لا يجري الاستصحاب في المسبب.

235

ثمّ إنّ الدراسات ذكر في سياق كلامه، أنّ هذا الأخير هو المستفاد من قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)

): (إذا أمرتكم بشي‏ء فأتوا منه ما استطعتم).

و هذا الكلام منه يناقض ما تقدّم منه في بحث لسان‏

(كل شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهي)،

حيث إنّه هناك لم يرتضِ هذا التصوير للإباحة الذي ذكره هنا، من أنّ الإباحة مجعولة على عنوان ثانوي هو: (كل ما لم يجعل عليه التحريم)، لأنّ معناه أخذ عدم أحد الضدين في موضوع الآخر، أي أخذ عدم الحرمة في موضوع الإباحة.

قد ذكر هناك، أنّه لا يعقل أن يكون الورود، بمعنى: الصدور، و الإطلاق، بمعنى: الإباحة الواقعية، إذ يلزم من ذلك أن تكون الإباحة الواقعية مقيّدة بعدم صدور النهي، أي بعدم ضدها، و هذا غير معقول، لعدم إمكان توقف أحد الضدين على عدم ضده الآخر، و ذلك لإنكار المقدمية بينهما.

هذا كلّه مضافاً إلى أنّنا لم نفهم ما هو دخل قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)

): (إذا أمرتكم بشي‏ء فأتوا منه ما استطعتم)

في مثل هذه الإباحة، بل مهما فسرناه فهو ناظر إلى باب العجز و القدرة.

الجواب الثاني: هو أنّه لا بأس بجريان الاستصحابين معاً، و لا تعارض، لأنّ الاستصحابين إنّما يلزم المحذور من جريانهما فيما إذا أدّى الجمع بينهما إلى المخالفة العملية لتكليف معلوم بالإجمال، فمتى لا يلزم من إجرائهما ذلك فإنّهما يجريان، و في المقام لا يلزم أيّ محذور.

و هذا الكلام منه لا يمكن المساعدة عليه، و ذلك لأنّ الصحيح هو أن يقال: إنّ استصحاب عدم جعل الإباحة لا يجري في نفسه، لا

236

أنّه يجري و لا يعارض مع استصحاب عدم جعل التكليف، و ذلك لأنّه ليس له أثر، لأنّ المراد من استصحاب عدم الإباحة، إن كان هو نفي التأمين الناشئ من الإباحة، و إلقاء المطلب في العهدة، فمن الواضح أنّ هذا لا يحصل إلّا إذا أمكن بنفي أحد الضدين إثبات الضد الآخر، فحينئذٍ بنفي الإباحة تثبت الحرمة.

إذاً، ما لم نثبت التحريم لا نستخلص المنجزية من هذا الاستصحاب، لأنّ المنجزية من تبعات جعل الحرمة، و لهذا لو فرض أنّ المولى لم يجعل الإباحة، و لم يجعل التحريم، لم يكن منجزاً، و لكن باستصحاب عدم جعل الحرمة نثبت التأمين، لأنّه يكفي في التأمين نفي عدم الحرمة.

نعم لو قيل: بأنّه يكفي في ترتب الأثر على جريان الاستصحاب جواز الإسناد إلى المولى الذي هو من الآثار المترتبة على قيام الاستصحاب مقام القطع الموضوعي، بأن يترتب عليه ما كان يترتب على القطع الموضوعي من الأحكام، و التي من جملتها المترتبة عليه جواز الإسناد إلى المولى، فحينئذٍ يكون استصحاب عدم جعل الإباحة جارياً بلحاظ الأثر المترتب عليه، و هو صحة إسناد عدم الإباحة إلى المولى، فتقع المعارضة بينه و بين استصحاب عدم الحرمة الذي معناه: إطلاق العنان و إسناد عدم التحريم إلى المولى، و لا يمكن أن يقال: بأنّه يجوز له إسناد عدم الإباحة، و الإباحة (التي هي من آثار استصحاب عدم جعل الحرمة) لأنّه غير ممكن، فإذا بنى على كل هذه المباني الباطلة، فسوف يتعارض الاستصحابان، و لا يكفي جواب الدراسات، بل لا بدّ من التساقط حينئذٍ.

و حاصل الجواب الأول للدراسات: هو أنّ الإباحة الثابتة في‏

237

المباحات لا ينحصر في جعل الإباحة لها بعنوانها، بل هناك إباحة بعنوان (ما لم يرد فيه نهي و لم يجعل فيه حرمة)، و بالنسبة لهذه الإباحة يكون استصحاب عدم الجعل موضوعياً و حاكماً على استصحاب عدم الإباحة، ثمّ ذكر أنّ هذه الإباحة هي المستفادة من مثل قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)

): (إذا أمرتكم بشي‏ء فأتوا منه ما استطعتم).

و حاصل جوابه: هو أنّ هذا الكلام مناقض لما تقدم منه في البحث عن الحديث: (كل شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهي)، لأنّ هذا معناه: أخذ عدم أحد الضدين في موضوع الضد الآخر، و هذا عين ما أبطله في ذلك البحث، حيث أفاد هناك بأنّه لا يعقل أن يكون الورود بمعنى: الصدور، و الإطلاق بمعنى: الحلية الواقعية، إذ يلزم تقيّدها بعدم ضدها، و هو غير معقول.

هذا مضافاً إلى أنّنا لم نفهم ما هو دخل قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم):

(إذا أمرتكم بشي‏ء فأتوا منه ما استطعتم)

في المقام، فإنّه ناظر فيه هنا إلى باب العجز و رفع التكليف في مورده، هذا إذا كان التبعيض بلحاظ أفراد الواجب، و إن كان بلحاظ أجزاء المركب، فيكون النظر فيه إلى قاعدة الميسور.

و حاصل الجواب الثاني للدراسات ( (1)): هو لا بأس بجريان الاستصحابين معاً و لا تعارض بينهما، لأنّ الأصول في أطراف العلم الإجمالي إنّما تتعارض إذا لزم من جريانها الترخيص في مخالفة قطعية عملية، و هذا غير لازم في المقام.

و حاصل جوابه: هو أنّ هذا الجواب غير صحيح أيضاً، فإنّ‏

____________

(1) دراسات في علم الأصول: الهاشمي الشاهرودي، ج 3، ص 272.

238

فإنّ استصحاب عدم الإباحة لا يجري في نفسه، و لو جرى لما كان ما ذكره جواباً عليه.

و توضيح ذلك: هو أنّ استصحاب عدم الإباحة، إن أريد به نفي التأمين، فموضوع التأمين ليس هو الإباحة، بل هو عدم الإلزام، و إن أريد به إثبات التنجيز، فهذا لا يحصل، لأنّ موضوعه الإلزام، و هو لا يثبت بنفي ضده، و هذا بخلاف استصحاب عدم التحريم أو الوجوب، فإنّه ينفي موضوع التنجيز، وعليه: فحتى لو قيل: بأنّ الاستصحاب لا يجري في أطراف العلم الإجمالي، و لو لم يلزم مخالفة قطعية، فإنّه لا محذور في المقام في جريان استصحاب عدم الجعل.

نعم لو قيل: بقيام الاستصحاب مقام القطع الموضوعي، و قلنا: بأنّه يكفي في ترتب الأثر على جريان الاستصحاب بأن يترتب أثر على نفس الاستصحاب و لو لم يكن للمستصحب أثر، جرى استصحاب عدم الإباحة، لتجويز إسناد عدمها إلى المولى، إلّا أنّه على هذا سوف يلزم مخالفة قطعية عملية من إجراء الاستصحابين، إذ سوف يجوز إسناد عدم الإباحة، و عدم التكليف معاً إلى المولى، و هذا مما يعلم بكذب أحدهما و أنّه إسناد لما ليس من الدين، و هو محرّم.

التنبيه الثالث: هو ما ذكره في الدراسات ( (1)):

من أنّ استصحاب عدم جعل التكليف كما يجري في الشبهة الحكمية، كذلك يجري في الشبهة الموضوعية.

و توضيحه: هو أنّ هذا الكلام منه كأنّه ناظر إلى الصيغة الثانية،

____________

(1) نفس المصدر السابق.

239

و يوجد فيها قول: بأنّ هذه الصيغة معقولة في خصوص الشبهات الحكمية، لأنّه فيها يكون الشك في الحكم شكاً في جعل زائد فيجري استصحاب عدم جعل هذا التكليف.

و أمّا في الشبهات الموضوعية فليس الشك فيها شكاً في جعل زائد، بل إنّما الشك شك في مرحلة فعلية المجعول من أجل الشك في تحقق الموضوع خارجاً، و هذا كلام صحيح.

و كأنّه في الدراسات حاول أن يصور إجراء استصحاب عدم الجعل في الشبهات الموضوعية، بدعوى أنّ الجعل انحلالي و متكثر بتكثر أفراد المجعول خارجاً، فالشك في الشبهة الموضوعية يرجع إلى الشك في تلك الحصة من الجعل، إذاً، فيجري استصحاب عدم الجعل.

و هذا الكلام لا يمكن المساعدة عليه نقضاً و حلًا.

أمّا نقضاً: فإنّه إذا بنينا على أنّ الجعل يزيد و ينقص بزيادة و نقصان القضية المجعولة خارجاً، إذاً، سوف يعارض استصحاب بقاء المجعول باستصحاب عدم الجعل، و يلزم منه سقوط الاستصحاب الذي تمسّك به الإمام الصادق (عليه السّلام)، لأنّه استصحاب بقاء الجعل.

و أمّا حلًا: فواضح، لأنّ تكثر المجعول إنّما هو تكثر انحلالي في عالم التطبيق الخارجي، و هذا لا يوجب زيادة في الجعل بما هو جعل، لأنّ الجعل حالة نفسانية مستقرة لا تزيد و لا تنقص، و إنّما الذي يزيد و ينقص هو فعلية المجعول، إذاً، فالاستصحاب يجري في المجعول الذي يقبل الزيادة و النقصان، إذاً، استصحاب عدم الجعل في الشبهات الموضوعية لا يجري، و لا حاجة إليه، لأنّه إن كان هناك‏

240

استصحاب موضوعي جرى، و إن فرض عدم جريانه لعارض أجري الاستصحاب الحكمي.

و الخلاصة: هي أنّه أفاد في الدراسات أنّ استصحاب عدم التكليف كما يجري في الشبهات الحكمية، كذلك يجري في الشبهات الموضوعية، و كأن نظره إلى الصيغة الثانية من صيغ الاستصحاب الثلاث المتقدمة، و هي استصحاب عدم الجعل، فإنّه يقال عادة: بأنّ هذه الصيغة مخصوصة بالشبهات الحكمية و لا تتم في الموضوعية، لأنّ الشك فيها ليس في الجعل، بل في المجعول، و هذا هو الصحيح.

و لكن في الدراسات كأنّه يحاول إبطال هذا الزعم بدعوى: إمكان إجراء استصحاب عدم الجعل حتى في الشبهات الموضوعية، لأنّ كل فرد من أفراد الموضوع الخارجي يكون مشمولًا لحصة من الجعل الكلي المستقر، إذاً، فيرجع الشك في الموضوع إلى الشك في سعة ذلك الجعل و شموله لذلك الفرد المشكوك.

و هذا الكلام غير تام نقضاً و حلًا.

أمّا نقضاً: فإنّ لازمه جريان شبهة المعارضة بين استصحاب عدم الجعل الزائد، و استصحاب بقاء المجعول في موارد الشبهات الحكمية إلى الشبهات الموضوعية أيضاً، و بالتالي إلى مورد التطبيق في استصحاب الإمام الصادق (عليه السّلام)، حيث إنّه طبق كبرى الاستصحاب على استصحاب بقاء الطهارة التي هي الحكم المجعول شرعاً.

و أمّا حلًا: بأنّ تكثر الموضوع يوجب تكثر الحكم بمعنى: المجعول لا الجعل، و هذا التكثر تكثر انحلالي تحليلي و ليس حقيقياً، و أمّا الحقيقي فهو الجعل الذي هو أمر واقعي و الذي لا يتعدد، و لا

241

يزيد و لا ينقص بتكثر موضوعه، وعليه: فبلحاظ الجعل لا بمعنى لإجراء الاستصحاب في الشبهة الموضوعية، لعدم تأثيرها على ما هو الجعل بالزيادة و النقصان، و إنّما الزائد المجعول الذي هو غير الجعل فلا يجري إلّا استصحاب عدم المجعول فقط.

242

الاستدلال بأخبار أخرى‏

هناك طوائف من الروايات تذكر عادة و يستفاد منها البراءة، نقتصر على اثنتين منها، و هاتان الروايتان تدلان على ثبوت براءة، و لكن لا تنفيان وجوب الاحتياط فيما لو تم دليله، و هذه البراءة لها فائدتان:

الفائدة الأولى: هي أنّها تحكم على الاشتغال العقلي الذي ذكرناه بملاك سعة دائرة حق المولوية.

الفائدة الثانية: هي أنّه لو فرض تمامية دليل وجوب الاحتياط، و وقع التعارض بينه و بين الروايات الدالة على البراءة و النافية للاحتياط، فبعد التساقط تكون البراءة المستفادة من هاتين الروايتين هي المرجع.

أمّا إحدى هاتين الروايتين فهي، ما رواه الكليني (قده) في الكافي ( (1)) عن عدّة من أصحابنا عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحجال عن ثعلبة بن ميمون، عن عبد الأعلى بن أعين، قال: سئل أبو عبد الله (عليه السّلام):

(من لم يعرف شيئاً هل عليه شي‏ء)؟

قال (عليه السّلام): (لا).

و تقريب الاستدلال: هو أنّ قوله:

(من لم يعرف شيئاً ... إلخ)،

فهنا تارة تؤخذ المعرفة بنحو المعنى الاسمي، فيسأل عن أنّ (من لم يعرف)، فالسؤال إنّما هو عن عدم المعرفة بما هو عدم المعرفة، و أنّه، هل يترتب‏

____________

(1) أصول الكافي، ج 1، باب حجج الله على خلقه، ص 164.

243

عليه شي‏ء أو لا؟ فيقول (عليه السّلام): لا يترتب عليه شي‏ء، لو كان هناك قضايا واقعية، في الدين أو في المحشر ما دام هذا الإنسان لا يعرفها.

و تارة أخرى تؤخذ المعرفة بنحو المعنى الحرفي الطريقي، فقول السائل: (من لم يعرف) سؤال عن المعرفة بما هي واقعة في طريق العمل، يعني: لم يأتِ بالعمل المطلوب منه، باعتبار أنّ عدم المعرفة يستبطن عرفاً عدم العمل بما لا يعرف، فكأنّه سئل: إنّ من لم يعرف حكماً فلم يعمل به، فهل عليه شي‏ء؟

فحينئذٍ: إذا بنينا على الاحتمال الأول، تكون الرواية أجنبية عن محل الكلام.

و أمّا إذا بنينا على الاحتمال الثاني، فتكون الرواية داخلة في محل الكلام، و يكون مقتضى قوله:

(إنّه ليس عليه شي‏ء)،

يعني: ليس عليه مؤاخذة لا دنيوية و لا أخروية، و حينئذٍ، يكون قوله هذا دليلًا على البراءة.

و لا شك في أظهرية الاحتمال الثاني، باعتبار ارتكازيته، لكون المعرفة تلحظ على نحو الطريقية لا الموضوعية.

نعم، هذه الرواية فرض فيها عدم العمل ضمناً، باعتبار أنّ عدم العمل من لوازم عدم المعرفة، و من الواضح: أنّ هذا إنّما يكون، حيث لا يثبت دليل على وجوب الاحتياط، و من هنا كانت محكومة لدليل وجوب الاحتياط، إذاً، فهذه الرواية تامة سنداً حيث إنّ رواتها موثقون في كتب الشيخ و النجاشي، و عبد الأعلى موثق عند المفيد في رسالته العددية و دلالة، هذا تمام الكلام في دلالة الحديث و سنده.

و أمّا الرواية الأخرى، فهي معتبرة عبد الصمد بن بشير ( (1))، قال:

____________

(1) الوسائل: الحر العاملي، ج 9، باب 45 من تروك الإحرام، ص 126.

244

(جاء رجل يلبّي حتى دخل المسجد و هو يلبّي وعليه قميصه، فوثب إليه ناس من أصحاب أبي حنيفة فقالوا: شق قميصك و أخرجه من رجليك، فإنّ عليك بدنة، و عليك الحج من قابل، و حجّك فاسد، فطلع أبو عبد الله (عليه السّلام) على باب المسجد، فكبّر و استقبل القبلة، فدنا الرجل من أبي عبد الله (عليه السّلام) و هو ينتف شعره و يضرب وجهه، فقال له أبو عبد الله (عليه السّلام): ما تقول؟ قال:

كنت رجلًا أعمل بيدي، و اجتمعت لي نفقة، فحيث أحج لم أسأل أحداً عن شي‏ء، و أفتوني هؤلاء أن أشق قميصي و أنزعه من رجلي، و أن حجي فاسد، و أن عليّ بدنة)،

فقال له الإمام (عليه السّلام):

(متى لبست قميصك، أبعد ما لبّيت أم قبل)؟

قال الرجل: قبل أن ألبّي، قال الإمام (عليه السّلام):

(فأخرجه من رأسك، فإنّه ليس عليك بدنة، و ليس عليك الحج من قابل، أيّ رجل ركب أمراً بجهالة فلا شي‏ء عليه، طف بالبيت سبعاً، و صلّ ركعتين عند مقام إبراهيم (عليه السّلام) و اسع بين الصفا و المروة، و قصّر من شعرك، فإذا كان يوم التروية فاغتسل و أهل الحج، و اصنع كما يصنع الناس).

و من الواضح أنّ عنوان الجهالة يصدق على الجهالة في مرحلة التصور المساوق للغفلة، و على الجهالة في مرحلة التصديق المساوق للشك و التردد، فإطلاق الحديث لموارد الجهالة التصديقية معناه: نفي التبعية عنها، و من أظهر مصاديق التبعية المؤاخذة و العقاب، فقوله (عليه السّلام): (لا شي‏ء عليه)، يعني: لا عقاب عليه، غاية الأمر أنّه، يخرج من ذلك الجهل عن تقصير في الشبهات الحكمية، من باب أنّه ترك للفحص مع أنّه واجب فيها، فهذا لا بأس أن يقال: إنّه خارج تخصيصاً بلحاظ المؤاخذة، لما دلّ من الروايات على أنّ الجاهل المقصر التارك للفحص يعاقب، و أمّا غير المقصر فيبقى تحت إطلاق النفي في قوله (عليه السّلام): (لا شي‏ء عليه)، كما أنّ المقصّر يبقى تحت هذا

245

النفي أيضاً بلحاظ غير المؤاخذة من الآثار الأخرى، فبهذا يكون دليلًا على البراءة، و هذا ظاهر في أنّ منشئية الجهالة لارتكاب الأمر تكون عرفية ما دام لم يوجد دليل على الاحتياط، و إلّا فمع وجوده لا يقال: ركبه بجهالة، بل يقال: إنّه ركبه بعناد، و من هنا كانت البراءة المستفادة من هذه الرواية براءة محكومة لدليل وجوب الاحتياط إذا تمّ هناك دليل على ذلك، و بذلك يتم الكلام في البراءة الشرعية.

و الحاصل: هو أنّ عنوان الجهالة الوارد في كلام الإمام (عليه السّلام):

(أيّ رجل ركب أمراً بجهالة فلا شي‏ء عليه)،

- هذا العنوان يصدق على عدم العلم التصديقي، كما يصدق على الغفلة و الجهالة التصورية.

و إطلاق الشي‏ء المنفي يشمل العقاب و المؤاخذة كما في الرواية السابقة.

نعم، يخرج منها خصوص الجهل عن تقصير في الشبهات الحكمية، كما لو ترك الفحص، و ذلك لما دلّ على ثبوت العقاب فيه، و إن كانت هاتان الروايتان من حيث نفي سائر الآثار و التبعات غير العقاب، شاملتين له.

و ظاهر هذه الرواية أيضاً رفع المؤاخذة فيما لو نشأ ركوب العمل من نفس الجهالة، و هذا لا يكون إلّا مع فرض عدم العلم حتى بالحكم الظاهري بإيجاب الاحتياط.

246

الكلام في أدلة وجوب الاحتياط

و الكلام فيها يقع في مرحلتين كما صنعنا في البراءة، حيث كان الكلام في البراءة العقلية، و الشرعية، كذلك هنا نتكلّم عن وجوب الاحتياط العقلي أولًا، و عن وجوب الاحتياط الشرعي ثانياً.

المرحلة الأولى: في وجوب الاحتياط العقلي، بمعنى أنّ العقل يحكم بعدم جواز الاقتحام في الشبهة، و عدم كون الاحتمال مؤمّناً، و هذا المدّعى له تقريبان:

التقريب الأول: و هو تقريب قديم، إذ كانوا يعنونون، أنّ الأصل في الأشياء إذا لم يرد دليل على البراءة، هل هو الحظر أو الإباحة؟، و كان جملة من الفقهاء يختارون أنّ الأصل الحظر حتى يرد دليل على الجواز.

و الشيخ الطوسي (قده) في كتابه (العدة) ( (1))، استشكل في أصالة الحظر، و لكنّه أبدل الاسم و سمّاها بأصالة التوقف، يعني: وجوب التوقف، فكأنّ الخلاف ما بين أصالة الوقف، و أصالة الحظر إنّما هو في مقام الفتوى، يعني أنّه لا معنى لأن يقال: إنّ الأصل هو الحرمة،

____________

(1) العدة: شيخ الطائفة الطوسي، ج 2، ص 750 744 742.

247

لأنّه إفتاء بغير دليل كالإفتاء بالإباحة، بل لا بدّ من التوقف في الفتوى.

و لكن ما ذكره الطوسي (قده) يلتقي بالنتيجة مع من قال بأصالة الحظر، لأنّه لا بدّ من الاحتياط على كلا التقديرين حال العمل.

و قد ذكر الشيخ الطوسي (قده)، أنّنا لا نخرج عن هذا الاحتياط إلّا بما يرد من المعصومين (عليهم السّلام) من الترخيص على خلافه.

و كلمات هؤلاء كانت تريد أن تعبّر عن نفس ما قلناه عند ما ناقشنا قاعدة قبح العقاب بلا بيان و قلنا: إنّ حق الطاعة للمولى يشمل المشكوكات و لا يختص بالمعلومات، لأنّ الأصل في الأشياء الحظر أو التوقف، و مرجعه إلى أنّ العقل يحكم بأن الإنسان لا بدّ أن يحتاط و يراعي حق المولى المحتمل فضلًا عن المعلوم، و هذا شاهد على أنّ الطوسي (قده) و الشيخ المفيد (قده) و غيرهما لم يكونوا يدركون قاعدة قبح العقاب بلا بيان التي افترضها المتأخرون.

و هذا الوجه صحيح لإثبات الاحتياط العقلي، و نحن نؤمن بأنّ الأصل يقتضي الاشتغال في الشبهات الموضوعية فضلًا عن الشبهات الحكمية، إلّا أنّ هذا الأصل العقلي محكوم لأدلة البراءة فيما لو قام دليل عليها و لو بأخس الألسنة كلسان الروايتين الأخيرتين لأنّه حينئذٍ سوف يرتفع موضوع أصالة الاشتغال، لأنّ العقل إنّما يحكم بعدم جواز الاقتحام ما لم يرد ترخيص من الشارع، فإذا ورد ترخيص منه، يكون حينئذٍ حاكماً لا محالة.

و الحاصل: هو أنّه ذكر تقريب قديم في إثبات الاحتياط العقلي مفاده: هو أنّ الأصل في الأشياء الحظر إذا لم يسبق بالجواز، و الطوسي (قده) في كتابه العدة و إن استشكل في أصالة الحظر فأبدل‏

248

اسمها و سمّاها بأصالة التوقف، و لكن كأنّ نظره إلى مقام الفتوى، لأنّه لا يكون إفتاء بغير دليل، و إن كان من حيث العمل لا بدّ من الاحتياط، إذاً، فالتوقف كأنّه مزيد احتياط حتى بلحاظ الفتوى، ثمّ إنّ الطوسي (قده) ذكر أنّه لا نخرج عن هذا الاحتياط إلّا بما يرد من الأئمة (عليهم السّلام) من الترخيص على خلافه.

و كلمات هؤلاء الأعلام، ناظرة إلى نفس ما قلناه في مسألة البراءة العقلية: من لزوم الاحتياط في الشبهات المحتملات فضلًا عن المعلومات مراعاة لحق المولى، و هذا صحيح في جميع الشبهات الموضوعية فضلًا عن الحكمية.

إلّا أنّ هذه القاعدة التي كنّا سميناها في محلّها بمسلك حق الطاعة، هي محكومة لأدلة البراءة الشرعية المتقدمة حتى البراءة المحكومة لأدلة الاحتياط الشرعي كما عرفت، لأنّ العقل إنّما يحكم بالاحتياط إذا لم يرد ترخيص منهم (عليهم السّلام)، كما في تعبير الشيخ الطوسي (قده).

إذاً، فهذا تقريب صحيح لإثبات الاحتياط العقلي إلّا أنّه محكوم لأدلة البراءة.

التقريب الثاني: هو ما وجد في كلمات العلماء و المتأخرين، حيث إنّهم بينوا وجهاً آخر مفاده: أنّ الشبهة ليست بدوية، بل شبهة مقرونة بالعلم الإجمالي، لأنّ المكلّف يعلم إجمالًا بوجود تكاليف محرمات و واجبات إذاً، فكل شبهة تكون طرفاً فيه، و أصالة البراءة إنّما تجري في الشبهات البدوية.

و إن شئت قلت: إنّ العلم الإجمالي بوجود أحكام إلزامية في‏

249

الشريعة الإسلامية يمنع عن الرجوع إلى البراءة و يوجب الاحتياط، و لا تجري أصالة البراءة لأنّها إنّما تجري في الشبهات البدوية.

و هذا التقريب بعد أن طرح بهذه الصيغة، صار المحققون إلى أنّ هذا العلم الإجمالي منحل و لا يكون مانعاً عن جريان البراءة.

و انحلاله بيّن تارة بدعوى: أنّه انحلال حقيقي، و أخرى بدعوى: أنّه انحلال حكمي، فهنا جوابان على هذا التقريب:

الجواب الأول: هو أن يدّعى أن هذا العلم الإجمالي ينحل بعلم وجداني أضيق منه دائرة، فكما أنّنا نعلم بوجود مائة تكليف إلزامي في الشبهات الحكمية، نعلم بمائة تكليف في خصوص موارد الأمارات المعتبرة من أخبار الثقات، فهذا العلم الإجمالي الثاني أصغر دائرة، إلّا أنّه من حيث المعلوم، لا يقل عن المعلوم في العلم الإجمالي الأول، إذاً، فالانحلال يكون حقيقياً بناء على ما هو الصحيح من أنّ العلم الإجمالي الكبير ينحل بالعلم الإجمالي الصغير، و هذا الانحلال لا دخل لحجية خبر الثقة فيه، بل ينحل، سواء كان الخبر حجة أو لم يكن، لأنّ ميزان الانحلال هو وجود علم إجمالي أصغر، و سنخ هذا الكلام قد تقدّم في بحث الاستدلال على خبر الثقة بالعلم الإجمالي فليراجع في مظانه.

الجواب الثاني: هو دعوى الانحلال التعبدي، و يوجد بيانان له:

البيان الأول: و هو المتراءى من مدرسة الميرزا (قده) ( (1))، و هو أن يقال: إنّ دليل الحجية الذي يعبدنا بالعلم في مورد الأمارات المعتبرة هو بنفسه تعبّد بإلغاء العلم الإجمالي، و هذا معنى الانحلال‏

____________

(1) فوائد الأصول: الكاظمي، ج 3، ص 378.

250

الحكمي، لأنّ العلم الإجمالي عبارة عن مجموع مركبين: أحدهما، العلم بالجامع، و الآخر، الشك في الأطراف، فلو فرض أنّه قامت أمارة معتبرة في أحد الطرفين و تعبدنا المولى بإلغاء الشك في هذا الطرف، فهذا معناه هدم الركن الثاني في قوام العلم الإجمالي، و هدم الركن هدم لذي الركن، فكأنّه يتعبدنا بهدم العلم الإجمالي، و يكون مفاده حينئذٍ إلغاء العلم الإجمالي.

و هذا الكلام لا محصل له إلّا بإرجاعه إلى معنى آخر، و ذلك لأنّه لو سلّم مثلًا: أنّ دليل حجية الأمارة يكون مفاده إلغاء الشك في هذا الطرف، و سلّم بأن العلم الإجمالي حقيقة مكونة من ركنين: هما: العلم بالجامع، و الشك في أطرافه، و لو سلّم أنّ التعبد بمفاد الأمارة يكون مفاده إلغاء العلم الإجمالي، إلّا أنّ هذا لا أثر له في المقام، إذ من الواضح أنّ المنجزية ليست من شئون العلم الإجمالي ذي الركنين حتى يقال: إذا انهدم أحدهما انهدم العنوان، إذ لم يرد في آية و لا في رواية، أنّ المنجزية شأن من الشئون المترتبة على عنوان العلم الإجمالي المتقوم بالركنين: العلم بالجامع و الشك في الأطراف، و إنّما المنجزية مترتبة على العلم بالجامع، مع تعارض الأصول في الأطراف، لأنّ العلم بالجامع يستتبع تعارض الأصول في الأطراف، لأنّه لو جرت الأصول في الأطراف كلها، إذاً، لخولف الجامع، فبعد تعارض الأصول و تساقطها يتنجز العلم بالجامع، و هنا لا بدّ أن نفحص هذين الأمرين، العلم بالجامع و تعارض الأصول.

فنقول: أمّا العلم بالجامع لم يختل في المقام، إذ لا يزال معلوماً، و أمّا تعارض الأصول، فإن اختل زالت المنجزية، سواء

251

انهدم الركن الثاني، و هو الشك في الأطراف و الذي جعله الميرزا (قده)، أو لم يختل إذا فرض أنّ مفاد دليل الحجية لم يكن التعبد بإلقاء الشك-، إذاً، المناط في منهجية البحث، هو أن نلتفت إلى ما هو سبب المنجزية لنرى أنّه: هل يزول أو لا؟ و ليس سببها عنوان العلم الإجمالي و اسمه، بل هو مجموع أمرين، أحدهما: العلم بالجامع.

البيان الثاني هو أن يقال: إنّ نفس العلم الإجمالي ذاتاً ليس بمنحل، لا حقيقة و لا تعبداً، و لكنّه منحل تأثيراً، بمعنى: أنّه غير مؤثر في التنجيز، و هذا هو الانحلال الحكمي البحت، و هذا السقوط عن المنجزية له مسلكان.

المسلك الأول: و هذا المسلك مبني على ما هو الصحيح، من أنّ العلم الإجمالي ليس علة تامة لوجوب الموافقة القطعية،- و هذا ما يسمّى بمسلك الاقتضاء و أنّ عدم جريان الأصول في الأطراف باعتبار التعارض و التساقط، لأنّ الأصل في هذا الطرف يعارضه الأصل في ذاك الطرف، و إلّا: لو وجد أصل في طرف و لم يكن هناك معارض له، لما كان هناك مانع من جريانه و إن لزم منه المخالفة الاحتمالية و ترك الموافقة القطعية، لأنّ العلم الإجمالي ليس علة تامة لوجوب الموافقة القطعية.

وعليه: فمنجزية العلم الإجمالي ساقطة في المقام، لأنّها فرع تعارض الأصول، و هي غير متعارضة في المقام، لأنّ الشبهات التي دلّت الحجة خبر الثقة مثلًا على ثبوت التكليف فيها لا تجري فيها أصالة البراءة لتكون معارضة لجريانها في الطرف الآخر، لأنّ دليل‏

252

الأمارة خبر الثقة مقدم على البراءة، فتسقط و يبقى الطرف الآخر مجرى لأصالة البراءة بلا معارض.

نعم، هذا البيان لا يتم على مسلك العلية، لأنّ المنجزية حينئذٍ ليست فرع تعارض الأصول ليقال لا تعارض، بل من نتائج علية العلم الإجمالي.

المسلك الثاني: و هذا مبني على عليّة العلم الإجمالي لوجوب الموافقة القطعية.

و حاصله: مبني على أصل موضوعي، و ذلك بأن يقال: إنّ العلم الإجمالي في المقام في نفسه غير صالح للمنجزية، لقصور في ذاته لا لأجل جريان الأصل في بعض الأطراف لأنّه يشترط في منجزية العلم الإجمالي أن يكون صالحاً لمنجزية معلومه على جميع التقادير، بحيث لو وجد منجز لأحد طرفي العلم الإجمالي من غير ناحيته، فلا يصلح حينئذٍ أن يكون العلم الإجمالي منجزاً لمعلومه على جميع التقادير، و هذا يوجب قصوره ذاتاً عن المنجزية.

و هذا مطلب كلّي ادعوه في بحث الانحلال، و مقامنا من صغريات هذا المطلب الكلي، لأنّه قد قامت الأمارة على إثبات التكليف في أحد طرفي العلم الإجمالي، و حينئذٍ يسقط العلم الإجمالي عن المنجزية و تجري البراءة في الطرف الآخر، إلّا أنّ جريانها بناء على هذا المسلك يكون في طول سقوط العلم الإجمالي، و أمّا بناء على المسلك الأول، يكون سقوط العلم الإجمالي في طول جريان البراءة.

و هذا الطرز من التفكير غير مقبول كبروياً عندنا، و سوف نتعرض‏

253

له إن شاء الله تعالى عند التكلم في الانحلال الذي هو أحد تنبيهات أصالة الاشتغال.

الإشكال المشترك على كلا المسلكين: و هو أن يقال: بأنّ الطرف الذي قامت الأمارة على إثبات التكليف فيه إنّما يتنجز و يخرج عن كونه مورداً للبراءة بناء على المسلك الأول-، أو يكون منجزاً، بحيث لا يصلح العلم الإجمالي لتنجيزه بناء على المسلك الثاني عند وصول الأمارة، لا بلحاظ وجودها في الواقع، و هذا صحيح، و لكن بلحاظ الفترة الزمنية الواقعة قبل وصول الأمارة، فهذا الطرف ليس فيه أيّ نقص عن الطرف الآخر، لا من حيث جريان البراءة فيه، لأنّه لم يرد حجة و أمارة مثبتة للتكليف فيه، و لا من حيث صلاحية العلم الإجمالي للاستقلال في مقام تنجيزه، لأنّه ليس بمنجز آخر، لأنّ منجزية الأمارة فرع وصولها، وعليه: كون عندنا علم إجمالي سالم من كلا المسلكين، أحد طرفيه عبارة عن الشبهة التي لا أمارة فيها، و الآخر الشبهة التي وردت فيها الأمارة، و لكن بلحاظ الفترة الزمانية الواقعة قبل وصول الأمارة.

و خروج هذا الطرف عن الموردية للبراءة، أو عن صلاحية تنجيز العلم الإجمالي فيه بعد وصول الأمارة لا يوجب انحلاله.

فمثلًا: لو علمت بنجاسة أحد الإناءين، و لو أنّه بعد يومين أريق أحدهما، فلا بدّ من الاجتناب عن الآخر الباقي، لأنّ العلم الإجمالي كان منجزاً و لو بلحاظ اليومين، و إراقة أحدهما لا يخرجه عن منجزيته.

و حاصله: هو أنّ الطرف الذي قامت الأمارة فيه على التكليف إنّما يخرج عن مورد البراءة بناء على المسلك الأول، أو عن قابليته‏

254

للتنجز بالعلم الإجمالي بناء على المسلك الثاني، من حين وصول تلك الأمارة إلى المكلّف و العلم بها لا من أول الأمر، فيبقى الطرف قبل العلم بالأمارة مجرى للأصل المؤمّن، صالحاً للتنجز بالعلم الإجمالي، فيكون العلم الإجمالي بالتكليف فيه في فترة ما قبل قيام الأمارة، أو في الطرف الآخر، علماً إجمالياً منجزاً على كلا المسلكين.

و الخروج عن الطرفية لأحد الطرفين بعد ذلك لا يمنع عن تنجيز العلم الإجمالي.

و هذا الإشكال له جوابان:

الجواب الأول: و هو ما ذكره المحققون، و حاصله: أنّ هذا الإشكال غير صحيح في المقام، لأنّ الشبهات التي قامت فيها أمارة على ثبوت التكليف تكون منجزة حتى قبل وصول الأمارة، لأنّه يكون من باب الشك قبل الفحص، و هذا مما يوجب عليه الفحص في الشبهات الحكمية، إذ لا يمكن الرجوع إلى البراءة إلّا بعد الفحص، و ليس الأمر كما تخيّله المستشكل، من أنّ الشبهة التي قامت الأمارة على إثبات التكليف فيها قبل وصول الأمارة تكون مجرى للبراءة حتى يلزم ما قاله، و هذا الجواب صحيح.

و الحاصل: هو أنّ الشبهات الحكمية التي قامت الأمارة عليها يكون التكليف فيها منجزاً من أول الأمر، لأنّها شبهات قبل الفحص، فلم تكن مورداً للأصل المؤمّن، و لا صالحاً للتنجز بالعلم الإجمالي.

و هذا جواب صحيح، و إن كان غير تام في الشبهات الموضوعية، لأنّه لا يجب فيها الفحص.