البرهان في تفسير القرآن - ج4

- السيد هاشم البحراني المزيد...
907 /
409

قوله تعالى:

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ يََا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ اِتَّقِ اَللََّهَ وَ لاََ تُطِعِ اَلْكََافِرِينَ وَ اَلْمُنََافِقِينَ إِنَّ اَللََّهَ كََانَ عَلِيماً حَكِيماً [1]

99-8516/ (_1) - علي بن إبراهيم: هذا هو الذي قال الصادق (عليه السلام) : «إن الله بعث نبيه بإياك أعني و اسمعي يا جارة» . فالمخاطبة للنبي (صلى الله عليه و آله) ، و المعنى للناس.

قوله تعالى:

مََا جَعَلَ اَللََّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ [4]

99-8517/ (_2) - محمد بن العباس، قال: حدثنا محمد بن الحسين بن حميد بن الربيع، عن جعفر بن عبد الله المحمدي، عن كثير بن عياش، عن أبي الجارود، عن أبي عبد الله (عليه السلام) ، في قول الله عز و جل: مََا جَعَلَ اَللََّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ .

قال: «قال علي بن أبي طالب (عليه السلام) : ليس عبد من عبيد الله، ممن امتحن الله قلبه للإيمان، إلا و يجد مودتنا في قلبه، فهو يودنا، و ما من عبد من عبيد الله ممن سخط الله عليه إلا و يجد بغضنا على قلبه، فهو يبغضنا، فأصبحنا نفرح بحب المحب لنا، و نغتفر له، و نبغض المبغض، و أصبح محبنا ينتظر رحمة الله جل و عز، فكأن أبواب الرحمة قد فتحت له، و أصبح مبغضنا على شفا جرف هار من النار، فكأن ذلك الشفا قد انهار به في نار

____________

(_1) -تفسير القمّي 2: 171.

(_2) -تأويل الآيات 2: 446/1.

410

جهنم، فهنيئا لأهل الرحمة رحمتهم، و تعسا لأهل النار مثواهم، إن الله عز و جل يقول: فَلَبِئْسَ مَثْوَى اَلْمُتَكَبِّرِينَ (1) .

و إنه ليس عبد من عبيد الله يقصر في حبنا لخير جعله الله عنده، إذ لا يستوي من يحبنا و من يبغضنا، و لا يجتمعان في قلب رجل أبدا، إن الله لم يجعل لرجل من قلبين في جوفه، يحب بهذا، و يبغض بهذا، أما محبنا فيخلص الحب لنا كما يخلص الذهب بالنار، لا كدر فيه، و مبغضنا على تلك المنزلة، و نحن النجباء، و أفراطنا أفراط الأنبياء، و أنا وصي الأوصياء، و الفئة الباغية من حزب الشيطان، و الشيطان منهم، فمن أراد أن يعلم حبنا فليمتحن قلبه، فإن شارك في حبنا عدونا فليس منا، و لسنا منه، و الله عدوه، و جبرئيل، و ميكائيل، و الله عدو للكافرين» .

8518/ (_2)

قال علي (عليه السلام) : «لا يجتمع حبنا و حب عدونا في جوف إنسان، إن الله عز و جل يقول: مََا جَعَلَ اَللََّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ .

99-8519/

____________

_3

- علي بن إبراهيم، قال: و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر (عليه السلام) ، في قوله: مََا جَعَلَ اَللََّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ .

قال: «قال علي بن أبي طالب (عليه السلام) : لا يجتمع حبنا و حب عدونا في جوف إنسان، إن الله لم يجعل لرجل من قلبين في جوفه، فيحب بهذا و يبغض بهذا، فأما محبنا فيخلص الحب لنا كما يخلص الذهب بالنار، لا كدر فيه، فمن أراد أن يعلم حبنا فليمتحن قلبه، فإن شارك في حبنا حب عدونا فليس منا، و لسنا منه، و الله عدوهم، و جبرئيل، و ميكائيل، و الله عدو للكافرين» .

99-8520/ (_4) - الطبرسي، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) : «ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه، يحب بهذا قوما، و يحب بهذا أعداءهم» .

قوله تعالى:

وَ مََا جَعَلَ أَدْعِيََاءَكُمْ أَبْنََاءَكُمْ -إلى قوله تعالى- فَإِخْوََانُكُمْ فِي اَلدِّينِ وَ مَوََالِيكُمْ [4-5]

99-8521/ (_1) - علي بن إبراهيم، قال: حدثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن جميل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) ، قال: «كان سبب نزول ذلك أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) لما تزوج بخديجة بنت خويلد خرج إلى سوق عكاظ في

____________

(_2) -تأويل الآيات 2: 2: 447/2.

(_3) -تفسير القمّي 2: 171.

(_4) -مجمع البيان 8: 527.

(_1) -تفسير القمّي 2: 172.

(1) النحل 16: 29.

411

تجارة لها، فرأى زيدا يباع، و رآه غلاما كيسا حصيفا (1) ، فاشتراه، فلما نبئ رسول الله (صلى الله عليه و آله) دعاه إلى الإسلام فأسلم، و كان يدعى زيد مولى محمد (صلى الله عليه و آله) .

فلما بلغ حارثة بن شراحيل الكلبي خبر ولده زيد قدم مكة، و كان رجلا جليلا، فأتى أبا طالب، فقال: يا أبا طالب، إن ابني وقع عليه السبي، و بلغني أنه صار إلى ابن أخيك، فاسأله، إما أن يبيعه، و إما أن يفاديه، و إما أن يعتقه. فكلم أبو طالب رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله) : هو حر، فليذهب حيث شاء. فقام حارثة فأخذ بيد زيد، فقال له: يا بني، الحق بشرفك و حسبك. فقال زيد: لست أفارق رسول الله (صلى الله عليه و آله) أبدا.

فقال له أبوه: فتدع حسبك و نسبك، و تكون عبدا لقريش؟فقال زيد: لست أفارق رسول الله (صلى الله عليه و آله) ما دمت حيا. فغضب أبوه، فقال: يا معشر قريش، اشهدوا أني قد برئت من زيد، و ليس هو ابني.

فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله) : اشهدوا أن زيدا ابني، أرثه و يرثني. و كان زيد يدعى ابن محمد، و كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يحبه، و سماه: زيد الحب.

فلما هاجر رسول الله (صلى الله عليه و آله) إلى المدينة زوجه زينب بنت جحش، فأبطأ عنه يوما، فأتى رسول الله (صلى الله عليه و آله) منزله يسأل عنه، فإذا زينب جالسة وسط حجرتها تسحق طيبا بفهر (2) لها، فنظر إليها، و كانت جميلة حسنة، فقال: سبحان الله خالق النور، و تبارك الله أحسن الخالقين!ثم رجع رسول الله (صلى الله عليه و آله) إلى منزله، و وقعت زينب في قلبه موقعا عجيبا، و جاء زيد إلى منزله، فأخبرته زينب بما قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، فقال لها زيد: هل لك أن أطلقك حتى يتزوجك رسول الله (صلى الله عليه و آله) ؟فلعلك قد وقعت في قلبه. فقالت: أخشى أن تطلقني و لا يتزوجني رسول الله (صلى الله عليه و آله) .

فجاء زيد إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، فقال: بأبي أنت و امي-يا رسول الله-أخبرتني زينب بكذا و كذا، فهل لك أن أطلقها حتى تتزوجها؟فقال له رسول الله (صلى الله عليه و آله) : اذهب، و اتق الله، و أمسك عليك زوجك، ثم حكى الله، فقال: أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَ اِتَّقِ اَللََّهَ وَ تُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اَللََّهُ مُبْدِيهِ وَ تَخْشَى اَلنََّاسَ وَ اَللََّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشََاهُ فَلَمََّا قَضى‏ََ زَيْدٌ مِنْهََا وَطَراً زَوَّجْنََاكَهََا إلى قوله: وَ كََانَ أَمْرُ اَللََّهِ مَفْعُولاً (3) فزوجه الله من فوقه عرشه، فقال المنافقون: يحرم علينا نساء أبنائنا و يتزوج امرأة ابنه زيد!فأنزل الله في هذا: وَ مََا جَعَلَ أَدْعِيََاءَكُمْ أَبْنََاءَكُمْ إلى قوله: يَهْدِي اَلسَّبِيلَ . ثم قال: اُدْعُوهُمْ لِآبََائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اَللََّهِ إلى قوله: وَ مَوََالِيكُمْ » .

فاعلم أن زيدا ليس ابن محمد (صلى الله عليه و آله) ، و إنما ادعاه للسبب الذي ذكرناه، و في هذا أيضا ما نكتبه في غير هذا الموضع، في قوله: مََا كََانَ مُحَمَّدٌ أَبََا أَحَدٍ مِنْ رِجََالِكُمْ وَ لََكِنْ رَسُولَ اَللََّهِ وَ خََاتَمَ اَلنَّبِيِّينَ وَ كََانَ اَللََّهُ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيماً (4) .

____________

(1) الحصيف: الجيد الرأي المحكم العقل. «لسان العرب-حصف-9: 48» .

(2) ) الفهر: الحجر قدر ما يدق به الجوز و نحوه. «لسان العرب-فهر-5: 66» .

(3) الأحزاب 33: 37.

(4) الأحزاب 33: 40.

412

ثم نزل: لاََ يَحِلُّ لَكَ اَلنِّسََاءُ مِنْ بَعْدُ (1) أي من بعد ما حلل عليه في سورة النساء. و قوله: وَ لاََ أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوََاجٍ (2) معطوف على قصة امرأة زيد وَ لَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ (3) أي لا يحل لك امرأة رجل أن تتعرض لها حتى يطلقها زوجها و تتزوجها أنت، فلا تفعل هذا الفعل بعد هذا.

قوله تعالى:

اَلنَّبِيُّ أَوْلى‏ََ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ أَزْوََاجُهُ أُمَّهََاتُهُمْ وَ أُولُوا اَلْأَرْحََامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ََ بِبَعْضٍ فِي كِتََابِ اَللََّهِ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْمُهََاجِرِينَ إِلاََّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلى‏ََ أَوْلِيََائِكُمْ مَعْرُوفاً كََانَ ذََلِكَ فِي اَلْكِتََابِ مَسْطُوراً [6]

99-8522/ (_1) - محمد بن يعقوب: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أبيه، عن عبد الله بن المغيرة، عن ابن مسكان، عن عبد الرحيم بن روح القصير، عن أبي جعفر (عليه السلام) ، في قول الله عز و جل: اَلنَّبِيُّ أَوْلى‏ََ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ أَزْوََاجُهُ أُمَّهََاتُهُمْ وَ أُولُوا اَلْأَرْحََامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ََ بِبَعْضٍ فِي كِتََابِ اَللََّهِ ، فيمن نزلت؟ فقال: «نزلت في الإمرة، إن هذه الآية جرت في ولد الحسين (عليه السلام) من بعده، فنحن أولى بالأمر، و برسول الله (صلى الله عليه و آله) من المؤمنين و المهاجرين و الأنصار» .

فقلت: فلولد جعفر فيها نصيب؟فقال: «لا» . قلت: فلولد العباس فيها نصيب؟فقال: «لا» . فعددت عليه بطون بني عبد المطلب، كل ذلك يقول: «لا» . قال: و نسيت ولد الحسن (عليه السلام) ، فدخلت بعد ذلك عليه، فقلت له:

هل لولد الحسن (عليه السلام) فيها نصيب؟فقال: «لا و الله-يا عبد الرحيم-ما لمحمدي فيها نصيب غيرنا» .

8523/ (_2)

عنه: عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن الحسين بن ثوير بن أبي فاختة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) ، قال: «لا تعود الإمامة في أخوين بعد الحسن و الحسين (عليهما السلام) أبدا، إنما جرت من علي بن الحسين (عليه السلام) كما قال الله تعالى: وَ أُولُوا اَلْأَرْحََامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ََ بِبَعْضٍ فِي كِتََابِ اَللََّهِ ، فلا تكون بعد علي بن الحسين (عليه السلام) إلا في الأعقاب، و أعقاب الأعقاب» .

8524/

____________

_3

عنه: عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، و علي بن محمد، عن سهل بن

____________

(_1) -الكافي 1: 228/2.

(_2) -الكافي 1: 225/1.

(_3) -الكافي 1: 227/1.

(1) الأحزاب 33: 52.

(2) الأحزاب 33: 52.

(3) الأحزاب 33: 52.

413

زياد أبي سعيد، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) ، قال: «لما قبض رسول الله (صلى الله عليه و آله) كان علي (عليه السلام) أولى الناس بالناس، لكثرة ما بلغ فيه رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، و إقامته للناس، و أخذه بيده، فلما مضى علي (عليه السلام) لم يكن يستطيع علي، و لم يكن ليفعل، أن يدخل محمد بن علي، و لا العباس بن علي، و لا أحدا من ولده، إذن لقال الحسن و الحسين (عليهما السلام) : إن الله تبارك و تعالى أنزل فينا كما أنزل فيك، و أمر بطاعتنا كما أمر بطاعتك، و بلغ فينا رسول الله (صلى الله عليه و آله) كما بلغ فيك، و أذهب عنا الرجس كما أذهبه عنك.

فلما مضى علي (عليه السلام) كان الحسن (عليه السلام) أولى بها لكبره، فلما توفي لم يستطع أن يدخل ولده، و لم يكن ليفعل ذلك، و الله عز و جل يقول: وَ أُولُوا اَلْأَرْحََامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ََ بِبَعْضٍ فِي كِتََابِ اَللََّهِ ، فيجعلها في ولده، إذن لقال الحسين (عليه السلام) : أمر الله تبارك و تعالى بطاعتي كما أمر بطاعتك و طاعة أبيك، و بلغ في رسول الله (صلى الله عليه و آله) كما بلغ فيك و في أبيك، و أذهب عني الرجس كما أذهب عنك و عن أبيك.

فلما صارت إلى الحسين (عليه السلام) لم يكن أحد من أهل بيته يستطيع أن يدعي عليه، كما كان هو يدعي على أخيه و على أبيه لو أراد أن يصرفا الأمر عنه، و لم يكونا ليفعلا، ثم صارت حين أفضت إلى الحسين (عليه السلام) ، فجرى تأويل هذه الآية: وَ أُولُوا اَلْأَرْحََامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ََ بِبَعْضٍ فِي كِتََابِ اَللََّهِ ، ثم صارت من بعد الحسين (عليه السلام) ، لعلي بن الحسين (عليه السلام) ، ثم صارت من بعد علي بن الحسين (عليه السلام) إلى محمد بن علي (عليه السلام) » .

و قال: «الرجس هو الشك، و الله لا نشك في ربنا أبدا» .

8525/ (_4)

عنه: عن محمد بن الحسن، عن سهل بن زياد، عن محمد بن عيسى، عن صفوان بن يحيى، عن صباح الأزرق، عن أبي بصير، قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام) إن رجلا من المختارية (1) لقيني، فزعم أن محمد بن الحنفية إمام؟فغضب أبو جعفر (عليه السلام) ثم قال: «أ فلا قلت له؟» قال: قلت: لا و الله، ما دريت ما أقول له. قال: «أ فلا قلت له: إن رسول الله (صلى الله عليه و آله) أوصى إلى علي و الحسن و الحسين (عليهم السلام) ، فلما مضى علي (عليه السلام) أوصى إلى الحسن و الحسين (عليهما السلام) ، و لو ذهب يزويها عنهما لقالا له: نحن وصيان مثلك؛ و لم يكن ليفعل ذلك، و أوصى الحسن إلى الحسين (عليهما السلام) ، و لو ذهب يزويها عنه لقال له: أنا وصي مثلك من رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، و من أبي؛ و لم يكن ليفعل ذلك، قال الله عز و جل: وَ أُولُوا اَلْأَرْحََامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ََ بِبَعْضٍ ، هي فينا و في أبنائنا» .

8526/ (_5)

عنه: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي نجران، عن عاصم بن حميد، عن محمد بن قيس، عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال: «قضى أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) في خالة جاءت تخاصم في مولى رجل مات، فقرأ هذه الآية: وَ أُولُوا اَلْأَرْحََامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ََ بِبَعْضٍ فِي كِتََابِ اَللََّهِ ، فدفع الميراث إلى الخالة، و لم يعط

____________

(_4) -: 231/7.

(_5) -الكافي 7: 135/2.

(1) المختاريّة: أصحاب المختار بن أبي عبيد الثقفي، و يعتقدون بإمامة محمّد بن الحنفية. «فرق الشيعة: 27، معجم الفرق الإسلامية: 217» .

414

المولى» .

8527/ (_6)

عنه: عن محمد بن يحيى، و غيره، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن الجهم، عن حنان، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) : أي شي‏ء للموالي؟فقال: «ليس لهم من الميراث إلا ما قال الله عز و جل: إِلاََّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلى‏ََ أَوْلِيََائِكُمْ مَعْرُوفاً » .

8528/ (_7)

عنه: عن أبي علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان بن يحيى، عن عبد الله بن سنان، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «كان علي (صلوات الله عليه) إذا مات مولى له و ترك ذا قرابة لم يأخذ من ميراثه شيئا، و يقول: وَ أُولُوا اَلْأَرْحََامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ََ بِبَعْضٍ » .

8529/ (_8)

عنه: عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال: «الخال و الخالة يرثان المال إذا لم يكن معهما أحد، إن الله عز و جل يقول: وَ أُولُوا اَلْأَرْحََامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ََ بِبَعْضٍ فِي كِتََابِ اَللََّهِ » .

8530/ (_9)

عنه: عن حميد بن زياد، عن الحسن بن محمد بن سماعة، عن وهيب، عن أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال: سمعته يقول: «الخال و الخالة يرثان إذا لم يكن معهما أحد يرث غيرهما، إن الله تبارك و تعالى يقول: وَ أُولُوا اَلْأَرْحََامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ََ بِبَعْضٍ فِي كِتََابِ اَللََّهِ » .

99-8531/ (_10) - الشيخ في (التهذيب) : بإسناده عن الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) ، قال: «اختلف علي (عليه السلام) و عثمان بن عفان في الرجل يموت و ليس له عصبة يرثونه، و له ذو قرابة، لا يرثونه. فقال علي (عليه السلام) : ميراثه لهم، يقول الله عز و جل: وَ أُولُوا اَلْأَرْحََامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ََ بِبَعْضٍ فِي كِتََابِ اَللََّهِ ، و كان عثمان يقول: يجعل في بيت مال المسلمين» .

8532/ (_11)

عنه: بإسناده عن علي بن الحسن بن فضال، عن محمد بن عبيد الله الحلبي، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) ، قال: «اختلف أمير المؤمنين (عليه السلام) و عثمان بن عفان في الرجل يموت و ليس له عصبة يرثونه، و له ذو قرابة، لا يرثونه. فقال علي (عليه السلام) : ميراثه لهم، يقول الله تعالى: وَ أُولُوا اَلْأَرْحََامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ََ بِبَعْضٍ ، و كان عثمان يقول: يجعل في بيت مال المسلمين» .

8533/ (_12)

عنه: بإسناده عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سهل، عن الحسين بن الحكم، عن أبي

____________

(_6) -الكافي 7: 135/3.

(_7) -الكافي 7: 135/5.

(_8) -الكافي 7: 119/2.

(_9) -الكافي 7: 119/3.

(_10) -التهذيب 9: 396/1416.

(_11) -التهذيب 9: 327/1175.

(_12) -التهذيب 9: 325/1168.

415

جعفر الثاني (عليه السلام) ، في رجل مات و ترك خالتيه و مواليه، قال: « وَ أُولُوا اَلْأَرْحََامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ََ بِبَعْضٍ ، المال بين الخالتين» .

99-8534/ (_13) - ابن بابويه، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا سعد بن عبد الله، عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن حماد بن عيسى، عن عبد الأعلى بن أعين، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «إن الله عز و جل خص عليا (عليه السلام) بوصية رسول الله (صلى الله عليه و آله) و ما يصيبه له، فأقر الحسن و الحسين (عليهما السلام) له بذلك، ثم وصيته للحسن، و تسليم الحسين للحسن (عليهما السلام) ذلك، حتى أفضى الأمر إلى الحسين (عليه السلام) ، لا ينازعه فيه أحد له من السابقة مثل ما له، و استحقها علي بن الحسين (عليهما السلام) لقول الله عز و جل: وَ أُولُوا اَلْأَرْحََامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ََ بِبَعْضٍ فِي كِتََابِ اَللََّهِ ، فلا تكونن بعد علي بن الحسين (عليهما السلام) إلا في الأعقاب، و أعقاب الأعقاب» .

8535/ (_14)

عنه، قال: حدثنا محمد بن محمد بن عصام الكليني (رضي الله عنه) ، قال: حدثنا محمد بن يعقوب الكليني، قال: حدثنا القاسم بن العلاء، قال: حدثنا إسماعيل بن علي القزويني، قال: حدثني علي بن إسماعيل، عن عاصم بن حميد الحناط، عن محمد بن قيس، عن ثابت الثمالي، عن علي بن الحسين، عن أبيه، عن علي‏ (1)

ابن أبي طالب (عليهم السلام) أنه قال: «فينا نزلت هذه الآية: وَ أُولُوا اَلْأَرْحََامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ََ بِبَعْضٍ فِي كِتََابِ اَللََّهِ ، و فينا نزلت هذه الآية: وَ جَعَلَهََا كَلِمَةً بََاقِيَةً فِي عَقِبِهِ (2) ، و الإمامة في عقب الحسين إلى يوم القيامة، و إن للقائم منا غيبتين إحداهما أطول من الاخرى: أما الاولى، فستة أيام، أو ستة أشهر، أو ست سنين، و أما الاخرى، فيطول أمدها حتى يرجع عن هذا الأمر أكثر من يقول به، فلا يثبت عليه إلا من قوي يقينه، و صحت معرفته، و لم يجد في نفسه حرجا مما قضينا، و سلم لنا أهل البيت» .

8536/ (_15)

عنه، قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن المطلب الشيباني (رضي الله عنه) ، قال: حدثنا محمد أبو بكر ابن هارون الدينوري، قال: حدثنا محمد بن العباس المصري، قال: حدثنا عبد الله بن إبراهيم الغفاري، قال: حدثنا حريز بن عبد الله الحذاء، قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الله، قال: قال الحسين بن علي (عليهما السلام) : «لما أنزل الله تبارك و تعالى هذه الآية: وَ أُولُوا اَلْأَرْحََامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ََ بِبَعْضٍ فِي كِتََابِ اَللََّهِ سألت رسول الله (صلى الله عليه و آله) عن تأويلها. فقال: و الله ما عنى بها غيركم، و أنتم اولوا الأرحام، فإذا مت فأبوك علي أولى بي و بمكاني، فإذا مضى أبوك فأخوك الحسن أولي به، فإذا مضى الحسن فأنت أولى به.

فقلت: يا رسول الله، و من بعدي؟قال: ابنك علي أولى بك من بعدك، فإذا مضى فابنه محمد أولى به، فإذا مضى محمد فابنه جعفر أولى به من بعده و بمكانه، فإذا مضى جعفر فابنه موسى أولى به من بعده، فإذا مضى

____________

(_13) -علل الشرايع: 207/5.

(_14) -كمال الدين و تمام النعمة: 323/8.

(_15) -كفاية الأثر: 175.

(1) في المصدر: علي بن الحسين بن علي.

(2) الزخرف 43: 28.

416

موسى فابنه علي أولى به من بعده، فإذا مضى علي فابنه محمد أولى به من بعده، فإذا مضى محمد فابنه علي أولى به من بعده، فإذا مضى علي فابنه الحسن أولى به من بعده، فإذا مضى الحسن وقعت الغيبة في التاسع من ولدك، فهذه الأئمة التسعة من صلبك، أعطاهم الله علمي و فهمي، طينتهم من طينتي، ما لقوم يؤذوني فيهم، لا أنالهم الله شفاعتي؟!» .

99-8537/ (_16) - محمد بن العباس، قال: حدثنا الحسين بن عامر، عن محمد بن الحسين، عن أحمد بن محمد ابن أبي نصر، عن حماد بن عثمان، عن عبد الرحيم بن روح القصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) ، قال: إنه سئل عن قول الله عز و جل: وَ أُولُوا اَلْأَرْحََامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ََ بِبَعْضٍ فِي كِتََابِ اَللََّهِ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْمُهََاجِرِينَ ، قال: «نزلت في ولد الحسين (عليه السلام) » .

قال: قلت: جعلت فداك، نزلت في الفرائض؟قال: «لا» قلت: ففي المواريث؟فقال: «لا، نزلت في الإمرة» .

8538/ (_17)

قال أيضا: حدثنا عبد العزيز بن يحيى، عن محمد بن عبد الرحمن بن الفضل، عن جعفر بن الحسين الكوفي، عن أبيه، عن محمد بن زيد، مولى أبي جعفر (عليه السلام) ، قال: سألت مولاي، فقلت: قوله عز و جل:

وَ أُولُوا اَلْأَرْحََامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ََ بِبَعْضٍ فِي كِتََابِ اَللََّهِ ، قال: «هو علي بن أبي طالب (عليه السلام) ، معناه أنه رحم النبي (صلى الله عليه و آله) ، فيكون أولى به من المؤمنين و المهاجرين» .

8539/ (_18) -و عنه، قال: حدثنا علي بن عبد الله بن أسد، عن إبراهيم بن محمد، عن محمد بن علي المقري بإسناده، يرفعه إلى زيد بن علي (عليه السلام) ، في قول الله عز و جل: وَ أُولُوا اَلْأَرْحََامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ََ بِبَعْضٍ فِي كِتََابِ اَللََّهِ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْمُهََاجِرِينَ ، قال: رحم النبي (صلى الله عليه و آله) أولى بالإمارة و الملك و الإيمان.

99-8540/ (_19) - ابن شهر آشوب: عن تفسير القطان، و تفسير وكيع، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن ابن عباس: أن الناس كانوا يتوارثون بالاخوة، فلما نزل قوله تعالى: اَلنَّبِيُّ أَوْلى‏ََ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ أَزْوََاجُهُ أُمَّهََاتُهُمْ وَ أُولُوا اَلْأَرْحََامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ََ بِبَعْضٍ فِي كِتََابِ اَللََّهِ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْمُهََاجِرِينَ و هم الذين آخى بينهم النبي (صلى الله عليه و آله) ، ثم قال النبي (صلى الله عليه و آله) : «من مات منكم و عليه دين فعلي قضاؤه، و من مات و ترك مالا فلورثته» فنسخ هذا الأول، فصارت المواريث للقرابات، الأدنى فالأدنى.

99-8541/ (_20) - علي بن إبراهيم ، في قوله تعالى: اَلنَّبِيُّ أَوْلى‏ََ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ أَزْوََاجُهُ أُمَّهََاتُهُمْ .

قال: نزلت: «و هو أب لهم و أزواجه أمهاتهم» فجعل الله المؤمنين أولادا لرسول الله (صلى الله عليه و آله) ، و جعل رسول الله (صلى الله عليه و آله) أبا لهم، ثم لمن لم يقدر أن يصون نفسه، و لم يكن له مال، و ليس له على نفسه ولاية، فجعل

____________

(_16) -تأويل الآيات 2: 447/4.

(_17) -تأويل الآيات 2: 447/5.

(_18) -تأويل الآيات 2: 448/6.

(_19) -المناقب 2: 187.

(_20) -تفسير القمّي 2: 175.

417

الله تبارك و تعالى لنبيه (صلى الله عليه و آله) الولاية بالمؤمنين‏ (1) من أنفسهم، و هو قول رسول الله (صلى الله عليه و آله) بغدير خم:

«يا أيها الناس، أ لست أولى بكم من أنفسكم؟» قالوا: بلى. ثم أوجب لأمير المؤمنين (عليه السلام) ما أوجبه لنفسه عليهم من الولاية، فقال: «ألا من كنت مولاه فعلي مولاه» .

فلما جعل الله النبي أبا للمؤمنين ألزمه مؤونتهم، و تربية أيتامهم، فعند ذلك صعد النبي (صلى الله عليه و آله) المنبر، فقال: «من ترك مالا فلورثته، و من ترك دينا، أو ضياعا فعلي و إلي» . فألزم الله نبيه (صلى الله عليه و آله) للمؤمنين ما يلزم الوالد، و ألزم المؤمنين من الطاعة له ما يلزم الولد للوالد، و كذلك ألزم أمير المؤمنين (عليه السلام) ما ألزم رسول الله (صلى الله عليه و آله) من ذلك، و بعده الأئمة (عليهم السلام) واحدا واحدا، و الدليل على أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) و أمير المؤمنين (عليه السلام) هما الوالدان: قوله: وَ اُعْبُدُوا اَللََّهَ وَ لاََ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَ بِالْوََالِدَيْنِ إِحْسََاناً (2) فالوالدان:

رسول الله، و أمير المؤمنين (صلوات الله عليهما) .

و قال الصادق (عليه السلام) : «و كان إسلام عامة اليهود بهذا السبب، لأنهم أمنوا على أنفسهم و عيالاتهم» .

8542/ (_21) -قال: و قوله: وَ أُولُوا اَلْأَرْحََامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ََ بِبَعْضٍ فِي كِتََابِ اَللََّهِ قال: نزلت في الإمامة.

قوله تعالى:

وَ إِذْ أَخَذْنََا مِنَ اَلنَّبِيِّينَ مِيثََاقَهُمْ وَ مِنْكَ وَ مِنْ نُوحٍ وَ إِبْرََاهِيمَ وَ مُوسى‏ََ وَ عِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ وَ أَخَذْنََا مِنْهُمْ مِيثََاقاً غَلِيظاً [7]

99-8543/ (_1) - علي بن إبراهيم، قال: حدثني أبي، عن النضر بن سويد، عن يحيى الحلبي، عن ابن سنان، قال:

قال أبو عبد الله (عليه السلام) : «أول من سبق إلى الميثاق رسول الله‏ (3) (صلى الله عليه و آله) ، و ذلك أنه كان أقرب الخلق إلى الله تبارك و تعالى، و كان بالمكان الذي قال له جبرئيل لما أسري به إلى السماء: تقدم-يا محمد-فقد وطئت موطئا لم يطأه ملك مقرب، و لا نبي مرسل، و لولا أن روحه و نفسه كانت من ذلك المكان لما قدر أن يبلغه، فكان من الله عز و جل كما قال الله تعالى: قََابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى‏ََ (4) ، أي بل أدنى، فلما خرج الأمر، وقع من الله‏ (5) إلى

____________

(_21) -تفسير القمّي 2: 176.

(_1) -تفسير القمّي 1: 246.

(1) في المصدر: على المؤمنين.

(2) النساء 4: 36.

(3) في المصدر: سبق من الرسل إلى بلى محمّد.

(4) النجم 53: 9.

(5) في المصدر: الأمر من اللّه وقع.

418

أوليائه (عليهم السلام) » .

فقال الصادق (عليه السلام) : «كان الميثاق مأخوذا عليهم لله بالربوبية، و لرسوله بالنبوة، و لأمير المؤمنين و الأئمة بالإمامة، فقال: أ لست بربكم، و محمد نبيكم، و علي إمامكم، و الأئمة الهادون أئمتكم؟فقالوا: بلى، شهدنا. فقال الله تعالى: أن تقولوا يوم القيامة-أي لئلا تقولوا يوم القيامة-إنا كنا عن هذا غافلين.

فأول ما أخذ الله عز و جل الميثاق على الأنبياء له بالربوبية، و هو قوله: وَ إِذْ أَخَذْنََا مِنَ اَلنَّبِيِّينَ مِيثََاقَهُمْ ، فذكر جملة الأنبياء، ثم أبرز عز و جل أفضلهم بالأسامي، فقال: وَ مِنْكَ يا محمد، فقدم رسول الله (صلى الله عليه و آله) لأنه أفضلهم وَ مِنْ نُوحٍ وَ إِبْرََاهِيمَ وَ مُوسى‏ََ وَ عِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ فهؤلاء الخمسة أفضل الأنبياء، و رسول الله (صلى الله عليه و آله) أفضلهم، ثم أخذ بعد ذلك ميثاق رسول الله (صلى الله عليه و آله) على الأنبياء بالإيمان به، و على أن ينصروا أمير المؤمنين (عليه السلام) ، فقال: وَ إِذْ أَخَذَ اَللََّهُ مِيثََاقَ اَلنَّبِيِّينَ لَمََا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتََابٍ وَ حِكْمَةٍ ثُمَّ جََاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمََا مَعَكُمْ (1) يعني رسول الله (صلى الله عليه و آله) لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ

____________

1 «2»

يعني أمير المؤمنين (عليه السلام) ، تخبروا أممكم بخبره، و خبر وليه من الأئمة (عليهم السلام) » .

8544/ (_2) -علي بن إبراهيم، قال: هذه الواو زائدة في قوله: وَ مِنْكَ إنما هو: منك وَ مِنْ نُوحٍ فأخذ الله الميثاق لنفسه على الأنبياء، ثم أخذ لنبيه (صلى الله عليه و آله) على الأنبياء و الأئمة (عليهم السلام) ، ثم أخذ للأنبياء على رسول الله (صلى الله عليه و آله) .

قوله تعالى:

لِيَسْئَلَ اَلصََّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ [8]

99-8545/ (_1) - الطبرسي، قال: قال الصادق (عليه السلام) : «إذا سئل الصادق عن صدقه على أي وجه قاله فيجازى بحسبه، فكيف يكون حال الكاذب!» .

}}}}}}}قوله تعالى:

يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اُذْكُرُوا نِعْمَةَ اَللََّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جََاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنََا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهََا وَ كََانَ اَللََّهُ بِمََا تَعْمَلُونَ بَصِيراً

____________

(_2) -تفسير القمّي 2: 176.

(_1) -مجمع البيان 8: 531.

(1) (1، 2) آل عمران 3: 81.

419

-إلى قوله تعالى- وَ مََا زََادَهُمْ إِلاََّ إِيمََاناً وَ تَسْلِيماً [9-22]

99-8546/ (_1) - محمد بن يعقوب: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن هشام ابن سالم، عن أبان بن عثمان، عمن حدثه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) ، قال: «قام رسول الله (صلى الله عليه و آله) على التل الذي عليه مسجد الفتح في غزوة الأحزاب، في ليلة ظلماء قرة (1) ، فقال: من يذهب فيأتينا بخبرهم، و له الجنة؟ فلم يقم أحد، ثم أعادها، فلم يقم أحد-فقال أبو عبد الله (عليه السلام) بيده-و ما أراد القوم، أرادوا أفضل من الجنة؟!ثم قال: من هذا؟فقال: حذيفة. فقال: أما تسمع كلامي منذ الليلة، و لا تكلم؟اقترب‏ (2) . فقام حذيفة، و هو يقول: القر و الضر-جعلني الله فداك-منعني أن أجيبك. فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله) : انطلق حتى تسمع كلامهم و تأتيني بخبرهم. فلما ذهب قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) : اللهم احفظه من بين يديه و من خلفه، و عن يمينه و عن شماله، حتى ترده-و قال له رسول الله (صلى الله عليه و آله) -يا حذيفة، لا تحدث شيئا حتى تأتيني. فأخذ سيفه و قوسه و حجفته‏ (3) . قال حذيفة: فخرجت، و ما بي من ضر و لا قر، فمررت على باب الخندق، و قد اعتراه المؤمنون و الكفار.

فلما توجه حذيفة، قام رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، و نادى: يا صريخ المكروبين، و يا مجيب دعوة المضطرين، اكشف همي و غمي و كربي، فقد ترى حالي و حال أصحابي. فنزل عليه جبرئيل (عليه السلام) ، فقال: يا رسول الله، إن الله عز ذكره قد سمع مقالتك، و دعاءك، و قد أجابك، و كفاك هول عدوك. فجثا رسول الله (صلى الله عليه و آله) على ركبتيه، و بسط يديه، و أرسل عينيه، ثم قال: شكرا، شكرا كما رحمتني، و رحمت أصحابي. ثم قال: يا رسول الله‏ (4) ، قد بعث الله عز و جل عليهم ريحا من السماء الدنيا فيها حصى، و ريحا من السماء الرابعة فيها جندل‏ (5) .

قال حذيفة: فخرجت، فإذا أنا بنيران القوم، و أقبل جند الله الأول، ريح فيها حصى، فما تركت لهم نارا إلا أذرتها، و لا خباء إلا طرحته، و لا رمحا إلا ألقته، حتى جعلوا يتترسون من الحصى، فجعلنا نسمع وقع الحصى في الترس. فجلس حذيفة بين رجلين من المشركين، فقام إبليس في صورة رجل مطاع في المشركين، فقال: أيها الناس، إنكم قد نزلتم بساحة هذا الساحر الكذاب، ألا و إنه لا يفوتكم من أمره شي‏ء، فإنه ليس سنة مقام، قد هلك الخف و الحافر، فارجعوا، و لينظر كل واحد منكم جليسه. قال حذيفة: فنظرت عن يميني، فضربت بيدي، فقلت:

من أنت؟فقال: معاوية، فقلت للذي عن يساري: من أنت؟فقال سهيل بن عمرو.

____________

(_1) -الكافي 8: 277/420.

(1) القرّ: البرد. «النهاية 4: 38» .

(2) في المصدر: أقبرت.

(3) الحجفة: الترس. «الصحاح-حجف-4: 1341» .

(4) في المصدر: ثمّ قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)

(5) الجندل: الحجارة. «لسان العرب-جندل-11: 128» .

420

قال حذيفة: و أقبل جند الله الأعظم، فقام أبو سفيان إلى راحلته، فصاح في قريش: النجاء النجاء. و قال طلحة الأزدي: لقد زادكم محمد بشر، ثم قام إلى راحلته، و صاح في بني أشجع: النجاء النجاء: و فعل عيينة بن حصن مثلها، ثم فعل الحارث بن عوف المري مثلها، ثم فعل الأقرع بن حابس مثلها، و ذهب الأحزاب، و رجع حذيفة إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) فأخبره الخبر» . قال أبو عبد الله (عليه السلام) : «إنه كان أشبه بيوم القيامة» .

99-8547/ (_2) - علي بن إبراهيم: إنها نزلت في قصة الأحزاب من قريش و العرب، الذين تحزبوا على رسول الله (صلى الله عليه و آله) . قال: و ذلك أن قريشا تجمعت في سنة خمس من الهجرة، و ساروا في العرب، و جلبوا (1) ، و استنفروهم‏ (2) لحرب رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، فوافوا في عشرة آلاف، و معهم كنانة، و سليم، و فزارة.

و كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) حين أجلى بني النضير-و هم بطن من اليهود-من المدينة، و كان رئيسهم حيي ابن أخطب، و هم يهود من بني هارون (عليه السلام) ، فلما أجلاهم من المدينة، صاروا إلى خيبر، و خرج حيي بن أخطب، و هم إلى قريش بمكة، و قال لهم: إن محمدا قد وتركم و وترنا، و أجلانا من المدينة من ديارنا و أموالنا، و أجلى بني عمنا بني قينقاع، فسيروا في الأرض، و اجمعوا حلفاءكم و غيرهم، حتى نسير إليهم، فإنه قد بقي من قومي بيثرب سبع مائة مقاتل، و هم بنو قريظة، و بينهم و بين محمد عهد و ميثاق، و أنا أحملهم على نقض العهد بينهم و بين محمد، و يكونون معنا عليهم، فتأتونه أنتم من فوق، و هم من أسفل.

و كان موضع بني قريظة من المدينة على قدر ميلين، و هو الموضع الذي يسمى (بئر المطلب) (3) ، فلم يزل يسير معهم حيي بن أخطب في قبائل العرب حتى اجتمعوا قدر عشرة آلاف من قريش، و كنانة، و الأقرع بن حابس في قومه، و العباس بن مرداس في بني سليم.

فبلغ ذلك رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، و استشار أصحابه، و كانوا سبع مائة رجل، فقال سلمان الفارسي: يا رسول الله، إن القليل لا يقاوم الكثير في المطاولة. قال: «فما نصنع؟» قال: نحفر خندقا يكون بيننا و بينهم حجابا فيمكنك منعهم في المطاولة، و لا يمكنهم أن يأتونا من كل وجه، فإنا كنا معاشر العجم في بلاد فارس إذا دهمنا دهم‏ (4) من عدونا نحفر الخنادق، فتكون الحرب من مواضع معروفة. فنزل جبرئيل (عليه السلام) على رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، فقال: «أشار سلمان بصواب» . فأمر رسول الله (صلى الله عليه و آله) بمسحه‏ (5) من ناحية أحد، إلى راتج‏ (6) ، و جعل على كل عشرين خطوة، و ثلاثين خطوة قوما من المهاجرين و الأنصار يحفرونه، فأمر، فحملت

____________

(_2) -تفسير القمّي 2: 176، و نحوه في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 19: 62، و الفصول المهمّة: 60، و مناقب الخوارزمي: 104.

(1) أجلب الرّجل الرّجل: إذا توعّده بشر، و جمع الجمع عليه. «لسان العرب-جلب-1: 272» .

(2) في «ط» و المصدر: و استفزّوهم.

(3) في «ج» : بئر بن أخطب.

(4) يدهمهم: يفجأهم، و الدّهم: العدد الكثير. «النهاية 2: 145» .

(5) مسح الأرض: ذرعها. «الصحاح-مسح-1: 405» . و في المصدر بحفره.

(6) راتج: أطمة-حصن-من آطام المدينة. «الروض المعطار: 266» .

421

المساحي و المعاول، و بدأ رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، فأخذ معولا، فحفر في موضع المهاجرين بنفسه، و أمير المؤمنين (عليه السلام) ينقل التراب عن الحفرة، حتى عرق رسول الله (صلى الله عليه و آله) و أعيا، و قال: «لا عيش إلا عيش الآخرة، اللهم اغفر للمهاجرين و الأنصار» .

فلما نظر الناس إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) يحفر، اجتهدوا في الحفر، و نقلوا التراب، فلما كان في اليوم الثاني بكروا إلى الحفر، و قعد رسول الله (صلى الله عليه و آله) في مسجد الفتح، فبينا المهاجرون و الأنصار يحفرون، إذ عرض لهم جبل لم تعمل المعاول فيه، فبعثوا جابر بن عبد الله الأنصاري إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) يعلمه بذلك.

قال جابر: فجئت إلى المسجد، و رسول الله (صلى الله عليه و آله) مستلق على قفاه، و رداؤه تحت رأسه، و قد شد على بطنه حجرا فقلت: يا رسول الله، إنه قد عرض لنا جبل لم تعمل المعاول فيه. فقام مسرعا حتى جاءه، ثم دعا بماء في إناء، فغسل وجهه و ذراعيه، و مسح على رأسه و رجليه، ثم شرب، و مج من ذلك الماء في فيه، ثم صبه على ذلك الحجر، ثم أخذ معولا فضرب ضربة، فبرقت برقة، فنظرنا فيها إلى قصور الشام، ثم ضرب اخرى، فبرقت اخرى، فنظرنا فيها إلى قصور المدائن، ثم ضرب اخرى فبرقت برقة اخرى، فنظرنا فيها إلى قصور اليمن، فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله) : «إن الله سيفتح عليكم هذه المواطن التي برق فيها البرق» . ثم انهال علينا الجبل كما ينهال الرمل.

فقال جابر: فعلمت أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) مقو-أي جائع-لما رأيت على بطنه الحجر، فقلت: يا رسول الله، هل لك في الغذاء؟قال: «ما عندك، يا جابر؟» فقلت: عناق‏ (1) ، و صاع من شعير. فقال: «تقدم، و أصلح ما عندك» قال جابر: فجئت إلى أهلي، فأمرتها، فطحنت الشعير، و ذبحت العنز، و سلختها، و أمرتها أن تخبز، و تطبخ، و تشوي، فلما فرغت من ذلك جئت إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، فقلت: بأبي أنت و امي-يا رسول الله-قد فرغنا، فاحضر مع من أحببت، فقام (صلى الله عليه و آله) إلى شفير الخندق، ثم قال: «يا معاشر المهاجرين و الأنصار، أجيبوا جابرا» قال جابر: و كان في الخندق سبع مائة رجل، فخرجوا كلهم، ثم لم يمر بأحد من المهاجرين و الأنصار إلا قال:

«أجيبوا جابرا» . قال جابر: فتقدمت، و قلت لأهلي: قد-و الله-أتاك محمد رسول الله (صلى الله عليه و آله) بما لا قبل لك به.

فقالت: أعلمته أنت بما عندنا؟قلت: نعم. قالت: فهو أعلم بما أتى.

قال جابر: فدخل رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، فنظر في القدر، ثم قال: «اغرفي، و أبقي» . ثم نظر في التنور، ثم قال: «أخرجي، و أبقي» ، ثم دعا بصفحة (2) ، فثرد فيها، و غرف، فقال: «يا جابر، أدخل علي عشرة» . فأدخلت عشرة، فأكلوا حتى تملؤوا (3) ، و ما يرى في القصعة إلا آثار أصابعهم، ثم قال: «يا جابر، علي بالذراع» . فأتيته بذراع، فأكلوه، ثم قال: «أدخل علي عشرة» . فأدخلتهم، فأكلوا حتى تملؤوا (4) ، و لم ير في القصعة إلا آثار أصابعهم، ثم قال: «علي بذراع» فأكلوا، و خرجوا. ثم قال: «أدخل علي عشرة» ، فأدخلتهم، فأكلوا حتى تملؤوا، و لم ير في القصعة

____________

(1) العناق: الأنثى من المعز. «لسان العرب-عنق-10: 274» .

(2) الصحفة: إناء كالقصعة المبسوطة. «النهاية 3: 13» .

(3) في «ي» : نهلوا.

(4) في «ط» و المصدر: نهلوا، و كذا في الموضع الآتي.

422

إلا آثار أصابعهم، ثم قال: «يا جابر علي بالذراع» فأتيته، فقلت: يا رسول الله، كم للشاة من ذراع؟قال: «ذراعان» .

فقلت: و الذي بعثك بالحق نبيا، لقد أتيتك بثلاثة. فقال: «أما لو سكت-يا جابر-لأكل الناس كلهم من الذراع» . قال:

«يا جابر، أدخل عشرة» . فأقبلت ادخل عشرة عشرة، فيأكلون، حتى أكلوا كلهم، و بقي لنا-و الله-من ذلك الطعام ما عشنا به أياما.

قال: و حفر رسول الله (صلى الله عليه و آله) الخندق، و جعل له ثمانية أبواب، و جعل على كل باب رجلا من المهاجرين، و رجلا من الأنصار، مع جماعة يحفظونه، و قدمت قريش، و كنانة، و سليم، و هلال، فنزلوا الزغابة (1) ، ففرغ رسول الله (صلى الله عليه و آله) من حفر الخندق قبل قدوم قريش بثلاثة أيام.

و أقبلت قريش، و معهم حيي بن أخطب، فلما نزلوا العقيق جاء حيي بن أخطب إلى بني قريظة في جوف الليل، و كانوا في حصنهم قد تمسكوا بعهد رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، فدق باب الحصن، فسمع كعب بن أسد قرع الباب، فقال لأهله: هذا أخوك قد شأم قومه، و جاء الآن يشأمنا، و يهلكنا، و يأمرنا بنقض العهد بيننا و بين محمد، و قد وفى لنا محمد، و أحسن جوارنا. فنزل إليه من غرفته، فقال له: من أنت؟قال: حيي بن أخطب، قد جئتك بعز الدهر. قال: كعب: بل جئتني بذل الدهر. فقال: يا كعب، هذه قريش في قادتها و سادتها قد نزلت بالعقيق، مع حلفائهم من كنانة، و هذه فزارة، مع قادتها و سادتها قد نزلت الزغابة، و هذه سليم و غيرهم قد نزلوا حصن بني ذبيان، و لا يفلت محمد و أصحابه من هذا الجمع أبدا، فافتح الباب، و انقض العهد الذي بينك و بين محمد. فقال كعب: لست بفاتح لك الباب، ارجع من حيث جئت. فقال حيي: ما يمنعك من فتح الباب إلا جشيشتك‏ (2) التي في التنور، تخاف أن أشركك فيها، فافتح فإنك آمن من ذلك. فقال له كعب: لعنك الله، لقد دخلت علي من باب دقيق. ثم قال: افتحوا له الباب. ففتحوا له، فقال: ويلك-يا كعب-انقض العهد الذي بينك و بين محمد، و لا ترد رأيي، فإن محمدا لا يفلت من هذا الجمع أبدا، فإن فاتك هذا الوقت لا تدرك مثله أبدا.

قال: فاجتمع كل من كان في الحصن من رؤساء اليهود، مثل: غزال بن شمول، و ياسر بن قيس، و رفاعة بن زيد، و الزبير بن باطا، فقال لهم كعب: ما ترون؟قالوا: أنت سيدنا، و المطاع فينا، و صاحب عهدنا و عقدنا، فإن نقضت نقضنا، و إن أقمت أقمنا معك، و إن خرجت خرجنا معك. فقال الزبير بن باطا-و كان شيخا كبيرا مجربا، قد ذهب بصره-: قد قرأت التوراة التي أنزلها الله في سفرنا بأنه يبعث نبي في آخر الزمان، يكون مخرجه بمكة، و مهاجرته إلى المدينة في هذه البحيرة (3) يركب الحمار العري‏ (4) ، و يلبس الشملة (5) ، و يجتزئ بالكسيرات

____________

(1) زغابة: موضع قرب المدينة. «معجم البلدان 3: 141» .

(2) الجشيش: السويق، الواحدة جشيشة. و حنطة تطحن جليلا فتجعل في قدر، و يجعل فيها لحم أو تمر، فيطبخ. «أقرب الموارد-جشّ- 1: 124» .

(3) البحرة: البلدة، و البحيرة: مدينة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) ، و هو تصغير البحرة. «النهاية 1: 100» .

(4) أي الخالي من السرج.

(5) الشملة كساء يشتمل به الرجل. «مجمع البحرين-شمل-5: 404» .

423

و التميرات، و هو الضحوك القتال، في عينيه الحمرة، و بين كتفيه خاتم النبوة، يضع سيفه على عاتقه، لا يبالي من لاقى، يبلغ سلطانه منقطع الخف و الحافر، فإن كان هذا هو فلا يهولنه هؤلاء و جمعهم، و لو ناوأته هذه الجبال الرواسي لغلبها.

فقال حيي: ليس هذا ذاك، ذاك النبي من بني إسرائيل، و هذا من العرب، من ولد إسماعيل، و لا يكون بنو إسرائيل أتباعا لولد إسماعيل أبدا، لأن الله قد فضلهم على الناس جميعا، و جعل فيهم النبوة و الملك، و قد عهد إلينا موسى ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار، و ليس مع محمد آية، و إنما جمعهم جمعا، و سحرهم.

و يريد أن يغلبهم بذلك، فلم يزل يقلبهم عن رأيهم حتى أجابوه، فقال لهم: أخرجوا الكتاب الذي بينكم و بين محمد. فأخرجوه، فأخذه حيي بن أخطب و مزقه، و قال: قد وقع الأمر، فتجهزوا و تهيأوا للقتال.

و بلغ رسول الله (صلى الله عليه و آله) ذلك، فغمه غما شديدا. و فزع أصحابه، فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله) لسعد ابن معاذ، و أسيد بن حضير، و كانا من الأوس، و كانت بنو قريظة حلفاء الأوس، فقال لهما: «ائتيا بني قريظة، فانظرا ما صنعوا، فإن كانوا نقضوا العهد، فلا تعلما أحدا إذا رجعتما إلي، و قولا: عضل و القارة» .

فجاء سعد بن معاذ، و أسيد بن حضير إلى باب الحصن، فأشرف عليهما كعب من الحصن، فشتم سعدا، و شتم رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، فقال له سعد: إنما أنت ثعلب في جحر، لتولين قريش، و ليحاصرنك رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، و لينزلنك على الصغر و القماءة (1) ، و ليضربن عنقك، ثم رجعا إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، فقالا له: عضل و القارة. فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله) : «لعنا، نحن أمرناهم بذلك» و ذلك أنه كان على عهد رسول الله (صلى الله عليه و آله) عيون لقريش يتجسسون خبره، و كانت عضل و القارة قبيلتان من العرب، دخلتا في الإسلام، ثم غدرتا، فكان إذا غدر أحد ضرب بهما المثل، فيقال: عضل و القارة. و رجع حيي بن أخطب إلى أبي سفيان و قريش، و أخبرهم بنقض بني قريظة العهد بينهم و بين رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، ففرحت قريش بذلك.

فلما كان في جوف الليل جاء نعيم بن مسعود الأشجعي إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، و قد كان أسلم قبل قدوم قريش بثلاثة أيام، فقال: يا رسول الله، قد آمنت بالله، و صدقتك، و كتمت إيماني عن الكفرة، فإن أمرتني أن آتيك بنفسي فأنصرك فعلت، و إن أمرتني أن اخذل بين اليهود و قريش فعلت، حتى لا يخرجوا من حصنهم. فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله) : «خذل بين اليهود و قريش، فإنه أوقع عندي» . قال: أ فتأذن لي أن أقول فيك ما أريد؟قال:

«قل ما بدا لك» .

فجاء إلى أبي سفيان، فقال له: تعرف مودتي لكم، و نصحي، و محبتي أن ينصركم الله على عدوكم، و قد بلغني أن محمدا قد وافق اليهود أن يدخلوا بين عسكركم، و يميلوا عليكم، و وعدهم إذا فعلوا ذلك أن يرد عليهم جناحهم الذي قطعه: بني النضير، و قينقاع، فلا أرى أن تدعوهم يدخلوا عسكركم حتى تأخذوا منهم رهنا تبعثونهم إلى مكة، فتأمنوا مكرهم و غدرهم. فقال له أبو سفيان: وفقك الله، و أحسن جزاك، مثلك أهدى النصائح.

____________

(1) الصغر: الذل و الضيم. «أقرب الموارد-صغر-1: 649» . و قمأ الرّجل قماءة: ذلّ و صغر. «لسان العرب-قمأ-1: 134» .

424

و لم يعلم أبو سفيان بإسلام نعيم، و لا أحد من اليهود.

ثم جاء من فوره ذلك إلى بني قريظة، فقال: يا كعب، تعلم مودتي لكم، و قد بلغني أن أبا سفيان قال: نخرج بهؤلاء اليهود، فنضعهم في نحر محمد، فإن ظفروا كان الذكر لنا دونهم، و إن كانت علينا كانوا هؤلاء مقاديم الحرب، فلا أرى لكم أن تدعوهم يدخلوا عسكركم حتى تأخذوا منهم عشرة من أشرافهم يكونون في حصنكم، إنهم إن لم يظفروا بمحمد لم يبرحوا حتى يردوا عليكم عهدكم و عقدكم بين محمد و بينكم، لأنه إن ولت قريش و لم يظفروا بمحمد، غزاكم محمد، فيقتلكم. فقالوا: أحسنت، نصحت و أبلغت في النصيحة، لا نخرج من حصننا حتى نأخذ منهم رهنا يكونون في حصننا.

و أقبلت قريش، فلما نظروا إلى الخندق، قالوا: هذه مكيدة ما كانت العرب تعرفها قبل ذلك. فقيل لهم: هذا من تدبير الفارسي الذي معه. فوافى عمرو بن عبد ود، و هبيرة بن وهب، و ضرار بن الخطاب إلى الخندق، و كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) قد صف أصحابه بين يديه، فصاحوا بخيلهم حتى طفروا الخندق إلى جانب رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، و صار أصحاب رسول الله (صلى الله عليه و آله) كلهم خلف رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، و قدموا رسول الله (صلى الله عليه و آله) بين أيديهم، و قال رجل من المهاجرين-و هو فلان-لرجل بجنبه من إخوانه: أما ترى هذا الشيطان -عمرو-لا و الله ما يفلت من بين يديه أحد، فهلموا ندفع إليه محمدا ليقتله، و نلحق نحن بقومنا. فأنزل الله على رسول الله (صلى الله عليه و آله) في ذلك الوقت قوله: قَدْ يَعْلَمُ اَللََّهُ اَلْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَ اَلْقََائِلِينَ لِإِخْوََانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنََا وَ لاََ يَأْتُونَ اَلْبَأْسَ إِلاََّ قَلِيلاً* `أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ إلى قوله وَ كََانَ ذََلِكَ عَلَى اَللََّهِ يَسِيراً (1) .

فركز عمرو بن عبد ود رمحه في الأرض، و أقبل يجول حوله، و يرتجز، و يقول:

و لقد بححت من الندا # ء بجمعكم: هل من مبارز؟

و وقفت إذ جبن الشجا # ع مواقف القرن المناجز

إني كذلك لم أزل # متسرعا نحو الهزاهز

إن الشجاعة في الفتى # و الجود من خير الغرائز

فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله) : «من لهذا الكلب؟» فلم يجبه أحد، فقام إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) ، فقال: «أنا له، يا رسول الله» فقال: «يا علي، هذا عمرو بن عبد ود فارس يليل‏ (2) » فقال: «أنا علي بن أبي طالب» فقال له رسول الله (صلى الله عليه و آله) : «ادن مني» فدنا منه، فعممه بيده، و دفع إليه سيفه ذا الفقار، و قال له: «اذهب، و قاتل بهذا» . و قال:

«اللهم احفظه من بين يديه، و من خلفه، و عن يمينه، و عن شماله، و من فوقه، و من تحته» .

فمر أمير المؤمنين (عليه السلام) و هو يهرول في مشيه، و هو يقول:

«لا تعجلن فقد أتا # ك مجيب صوتك غير عاجز

____________

(1) الأحزاب 33: 18 و 19.

(2) يليل: موضع، و هو وادي ينبع، أو وادي الصفراء دوين بدر. و فارس يليل: لقب عمرو بن عبد ودّ، انظر: «لسان العرب-يليل-11: 740» .

425

ذو نية و بصيرة # و الصدق منجي كل فائز

إني لأرجو أن أقيم # عليك نائحة الجنائز

من ضربة نجلاء يبقى # صوتها بعد الهزاهز»

فقال له عمرو: من أنت؟قال: «أنا علي بن أبي طالب، ابن عم رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، و ختنه‏ (1) » . فقال:

و الله إن أباك كان لي صديقا و نديما، و إني أكره أن أقتلك، ما أمن ابن عمك حين بعثك إلي أن أختطفك برمحي هذا، فأتركك شائلا بين السماء و الأرض، لا حي و لا ميت! فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام) : «قد علم ابن عمي أنك إن قتلتني دخلت الجنة، و أنت في النار، و إن قتلتك فأنت في النار، و أنا في الجنة» . فقال عمرو: كلتاهما لك-يا علي-تلك إذن قسمة ضيزى‏ (2) .

قال علي (عليه السلام) : «دع هذا-يا عمرو-إني سمعت منك و أنت متعلق بأستار الكعبة تقول: لا يعرضن علي أحد في الحرب ثلاث خصال إلا أجبته إلى واحدة منها، و أنا أعرض عليك ثلاث خصال، فأجبني إلى واحدة» .

قال: هات، يا علي. قال: «إحداها: أن تشهد أن لا إله إلا الله، و أن محمدا رسول الله» قال: نح عني هذا، هات الثانية.

فقال: «أن ترجع، و ترد هذا الجيش عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، فإن يك صادقا فأنتم أعلى به عينا، و إن يك كاذبا كفتكم ذؤبان العرب أمره» . فقال: إذن لا تتحدث نساء قريش بذلك، و لا تنشد الشعراء في أشعارها أني جبنت و رجعت على عقبي من الحرب، و خذلت قوما رأسوني عليهم؟ فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) : «فالثالثة: أن تنزل إلي، فإنك راكب، و أنا راجل، حتى أنابذك» فوثب عن فرسه و عرقبه، و قال: هذه خصلة ما ظننت أن أحدا من العرب يسومني عليها. ثم بدأ فضرب أمير المؤمنين (عليه السلام) بالسيف على رأسه، فاتقاه أمير المؤمنين (عليه السلام) بالدرقة، فقطعها، و ثبت السيف على رأسه، فقال له علي (عليه السلام) : «يا عمرو، أما كفاك أني بارزتك و أنت فارس العرب حتى استعنت علي بظهير؟!» فالتفت عمرو إلى خلفه، فضربه أمير المؤمنين (عليه السلام) مسرعا على ساقيه، فقطعهما جميعا، و ارتفعت بينهما عجاجة، فقال المنافقون: قتل علي بن أبي طالب. ثم انكشفت العجاجة، فنظروا، فإذا أمير المؤمنين (عليه السلام) على صدره، قد أخذ بلحيته يريد أن يذبحه، فذبحه ثم أخذ رأسه، و أقبل إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، و الدماء تسيل على رأسه من ضربة عمرو، و سيفه يقطر من الدم، و هو يقول، و الرأس بيده:

«أنا علي و ابن عبد المطلب # الموت خير للفتى من الهرب»

فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله) : «يا علي، ماكرته؟» قال: «نعم-يا رسول الله-الحرب خديعة» .

و بعث رسول الله (صلى الله عليه و آله) الزبير إلى هبيرة بن وهب، فضربه على رأسه ضربة فلق هامته، و أمر رسول الله (صلى الله عليه و آله) عمر بن الخطاب أن يبارز ضرار بن الخطاب، فلما برز إليه ضرار انتزع له عمر سهما، فقال له

____________

(1) في «ط» : و حبيبه.

(2) قسمة ضيزّى: أي جائرة. «لسان العرب-ضيز-5: 368» .

426

ضرار: ويحك-يا بن صهاك-أ ترمي في مبارزة؟و الله لئن رميتني لا تركت عدويا بمكة إلا قتلته. فانهزم عند ذلك عمر، و مر نحوه ضرار، و أشار (1) على رأسه بالقناة، ثم قال: احفظها-يا عمر-فإني آليت ألا أقتل قرشيا ما قدرت عليه. فكان عمر يحفظ له ذلك بعد ما ولي، فولاه.

فبقي رسول الله (صلى الله عليه و آله) يحاربهم في الخندق خمسة عشر يوما، فقال أبو سفيان لحيي بن أخطب:

ويلك-يا يهودي-أين قومك؟فصار حيي بن أخطب إليهم، فقال: ويلكم، اخرجوا، فقد نابذكم محمد الحرب، فلا أنتم مع محمد، و لا أنتم مع قريش. فقال كعب: لسنا خارجين، حتى تعطينا قريش عشرة من أشرافهم رهنا يكونون في حصننا، إنهم إن لم يظفروا بمحمد لم يبرحوا حتى يرد محمد علينا عهدنا و عقدنا، فإنا لا نأمن أن تفر قريش و نبقى نحن في عقر دارنا، و يغزونا محمد، فيقتل رجالنا، و يسبي نساءنا و ذرارينا، و إن لم نخرج لعله يرد علينا عهدنا.

فقال له حيي بن أخطب: تطمع في غير مطمع، قد نابذت العرب محمدا الحرب، فلا أنتم مع محمد، و لا أنتم مع قريش.

فقال كعب: هذا من شؤمك، إنما أنت طائر تطير مع قريش غدا و تتركنا في عقر دارنا، و يغزونا محمد.

فقال له حيي لك عهد الله علي و عهد موسى إن لم تظفر قريش بمحمد أني أرجع معك إلى حصنك، يصيبني ما يصيبك.

فقال كعب: هو الذي قد قلته لك، إن أعطتنا قريش رهنا يكونون عندنا، و إلا لم نخرج. فرجع حيي بن أخطب إلى قريش فأخبرهم، فلما قال: يسألون الرهن. قال أبو سفيان: هذا-و الله-أول الغدر، قد صدق نعيم بن مسعود، لا حاجة لنا في إخوان القردة و الخنازير.

فلما طال على أصحاب رسول الله (صلى الله عليه و آله) الأمر، اشتد عليهم الحصار، و كانوا في وقت برد شديد، و أصابتهم مجاعة، و خافوا من اليهود خوفا شديدا، و تكلم المنافقون بما حكى الله عنهم، و لم يبق أحد من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه و آله) إلا نافق، إلا القليل. و قد كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) أخبر أصحابه: «أن العرب تتحزب، و يجيئونا من فوق، و تغدر اليهود و نخافهم من أسفل، و أنه ليصيبهم جهد شديد، و لكن تكون العاقبة لي عليهم» . فلما جاءت قريش، و غدرت اليهود، قال المنافقون: ما وعدنا الله و رسوله إلا غرورا. و كان قوم منهم لهم دور في أطراف المدينة، فقالوا: يا رسول الله، تأذن لنا أن نرجع إلى دورنا فإنها في أطراف المدينة، و هي عورة، و نخاف اليهود أن يغيروا عليها؟و قال قوم: هلموا فنهرب و نصير في البادية، و نستجير بالأعراب، فإن الذي كان يعدنا محمد كان باطلا كله. و كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) أمر أصحابه أن يحرسوا المدينة بالليل، و كان أمير المؤمنين (عليه السلام) على العسكر كله بالليل يحرسهم، فإن تحرك أحد من قريش بارزهم‏ (2) ، و كان أمير

____________

(1) في المصدر: و ضربه.

(2) في المصدر: نابذهم.

427

المؤمنين (عليه السلام) يجوز الخندق، و يصير إلى قرب قريش حيث يراهم، فلا يزال الليل كله قائما وحده يصلي، فإذا أصبح رجع إلى مركزه، و مسجد أمير المؤمنين (عليه السلام) هناك معروف، يأتيه من يعرفه فيصلي فيه، و هو من مسجد الفتح إلى العقيق أكثر من غلوة (1) النشاب.

فلما رأى رسول الله (صلى الله عليه و آله) من أصحابه الجزع لطول الحصار صعد إلى مسجد الفتح، و هو الجبل الذي عليه مسجد الفتح اليوم، فدعا الله، و ناجاه فيما وعده، و كان مما دعاه أن قال: «يا صريخ المكروبين، و يا مجيب دعوة المضطرين، و يا كاشف الكرب العظيم، أنت مولاي و وليي و ولي آبائي الأولين، اكشف عنا غمنا و همنا و كربنا، و اكشف عنا شر هؤلاء القوم بقوتك، و حولك، و قدرتك» . فنزل عليه جبرئيل (عليه السلام) ، فقال: «يا محمد، إن الله قد سمع مقالتك، و أجاب دعوتك، و أمر الدبور-و هي الريح-مع الملائكة أن تهزم قريشا و الأحزاب» .

و بعث الله على قريش الدبور، فانهزموا، و قلعت أخبيتهم، فنزل جبرئيل (عليه السلام) ، فأخبره بذلك، فنادى رسول الله (صلى الله عليه و آله) حذيفة بن اليمان، و كان قريبا منه، فلم يجبه، ثم ناداه ثانيا فلم يجبه، ثم ناداه الثالثة، فقال:

لبيك يا رسول الله. قال: «أدعوك فلا تجيبني؟» قال: يا رسول الله-بأبي أنت و أمي-من الخوف، و البرد، و الجوع.

فقال: «ادخل في القوم، و ائتني بأخبارهم، و لا تحدثن حدثا حتى ترجع إلي، فإن الله قد أخبرني أنه قد أرسل الرياح على قريش، و هزمهم» .

قال حذيفة: فمضيت و أنا انتفض من البرد، فو الله ما كان إلا بقدر ما جزت الخندق حتى كأني في حمام، فقصدت خباء عظيما فإذا نار تخبوا و توقد، و إذا خيمة فيها أبو سفيان قد دلى خصيتيه على النار و هو ينتفض من شدة البرد، و يقول: يا معشر قريش، إن كنا نقاتل أهل السماء بزعم محمد فلا طاقة لنا بأهل السماء، و إن كنا نقاتل أهل الأرض فنقدر عليهم، ثم قال: لينظر كل رجل منكم إلى جليسه لا يكون لمحمد عين فيما بيننا. فقال حذيفة:

فبادرت أنا، فقلت للذي عن يميني: من أنت؟فقال: أنا عمرو بن العاص. ثم قلت للذي عن يساري: من أنت؟قال:

أنا معاوية، و إنما بادرت إلى ذلك لئلا يسألني أحد منهم من أنت.

ثم ركب أبو سفيان راحلته و هي معقولة، و لولا أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال: «لا تحدثن حدثا حتى ترجع إلي» لقدرت أن أقتله، ثم قال أبو سفيان لخالد بن الوليد: يا أبا سليمان، لا بد من أن أقيم أنا و أنت على ضعفاء الناس. ثم قال لأصحابه: ارتحلوا، إنا مرتحلون، فنفروا (2) منهزمين، فلما أصبح رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، قال لأصحابه: «لا تبرحوا» . فلما طلعت الشمس دخلوا المدينة، و بقي رسول الله (صلى الله عليه و آله) في نفر يسير.

و كان أبو فرقد (3) الكناني رمى سعد بن معاذ (رحمه الله) بسهم في الخندق فقطع أكحله‏ (4) فنزفه الدم، فقبض

____________

(1) الغلوة: قدر رمية بسهم. «لسان العرب-غلا-15: 132» .

(2) في المصدر: ففرّوا.

(3) في المصدر: ابن فرقد.

(4) الأكحل: عرق في اليد. «لسان العرب-كحل-11: 5886» .

428

سعد على أكحله بيده، ثم قال: اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها، فلا أحد أحب إلي من محاربة قوم حادوا الله و رسوله، و إن كانت الحرب قد وضعت أوزارها بين رسول الله (صلى الله عليه و آله) و بين قريش فاجعلها لي شهادة، و لا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة. فأمسك الدم، و تورمت يده، و ضرب له رسول الله (صلى الله عليه و آله) في المسجد خيمة، و كان يتعاهده بنفسه، فأنزل الله: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اُذْكُرُوا نِعْمَةَ اَللََّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جََاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنََا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهََا وَ كََانَ اَللََّهُ بِمََا تَعْمَلُونَ بَصِيراً* `إِذْ جََاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَ مِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ يعني بني قريظة حين غدروا، و خافهم أصحاب رسول الله (صلى الله عليه و آله) وَ إِذْ زََاغَتِ اَلْأَبْصََارُ وَ بَلَغَتِ اَلْقُلُوبُ اَلْحَنََاجِرَ إلى قوله: إِنْ يُرِيدُونَ إِلاََّ فِرََاراً ، و هم الذين قالوا لرسول الله (صلى الله عليه و آله) : تأذن لنا أن نرجع إلى منازلنا، فإنها في أطراف المدينة، و نخاف اليهود عليها، فأنزل الله فيهم:

إِنَّ بُيُوتَنََا عَوْرَةٌ وَ مََا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاََّ فِرََاراً .

99-8548/

____________

_3

- الطبرسي: في معنى قوله: وَ مََا هِيَ بِعَوْرَةٍ بل هي رفيعة السمك‏ (1) ، حصينة. عن الصادق (عليه السلام) . إِنْ يُرِيدُونَ أي ما يريدون إِلاََّ فِرََاراً .

8549/ (_4) -و في رواية علي بن إبراهيم: نزلت هذه الآية في الثاني لما قال لعبد الرحمن بن عوف: هلم ندفع محمدا إلى قريش و نلحق نحن بقومنا: يَحْسَبُونَ اَلْأَحْزََابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَ إِنْ يَأْتِ اَلْأَحْزََابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بََادُونَ فِي اَلْأَعْرََابِ يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبََائِكُمْ وَ لَوْ كََانُوا فِيكُمْ مََا قََاتَلُوا إِلاََّ قَلِيلاً* `لَقَدْ كََانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اَللََّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كََانَ يَرْجُوا اَللََّهَ وَ اَلْيَوْمَ اَلْآخِرَ وَ ذَكَرَ اَللََّهَ كَثِيراً .

99-8550/ (_5) - الطبرسي في (الاحتجاج) : عن موسى بن جعفر (عليه السلام) ، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) ، مع بعض اليهود، في حديث: «قال اليهودي: فإن هذا هودا قد انتصر الله له من أعدائه بالريح، فهل فعل لمحمد شيئا من هذا؟ قال له علي (عليه السلام) : لقد كان كذلك، و محمد (صلى الله عليه و آله) اعطي ما هو أفضل من هذا، إن الله عز و جل قد انتصر له من أعدائه بالريح يوم الخندق، إذ أرسل عليهم ريحا تذر الحصى و جنودا لم يروها، فزاد الله تبارك و تعالى محمدا (صلى الله عليه و آله) على هود بثمانية آلاف ملك، و فضله على هود بأن ريح عاد ريح سخط، و ريح محمد (صلى الله عليه و آله) ريح رحمة، قال الله تبارك و تعالى: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اُذْكُرُوا نِعْمَةَ اَللََّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جََاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنََا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهََا » .

8551/ (_6) -علي بن إبراهيم: ثم وصف الله المؤمنين المصدقين بما أخبرهم رسول الله (صلى الله عليه و آله) ما

____________

(_3) -مجمع البيان 8: 545.

(_4) -تفسير القمّي 2: 188.

(_5) -الاحتجاج: 212.

(_6) -تفسير القمّي 2: 188.

(1) سمك البيت: سقفه. «الصحاح-سمك-4: 1592» .

429

يصيبهم في الخندق من الجهد، فقال: وَ لَمََّا رَأَ اَلْمُؤْمِنُونَ اَلْأَحْزََابَ قََالُوا هََذََا مََا وَعَدَنَا اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ وَ صَدَقَ اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ وَ مََا زََادَهُمْ يعني ذلك البلاء، و الجهد، و الخوف إِلاََّ إِيمََاناً وَ تَسْلِيماً .

قوله تعالى:

مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ رِجََالٌ صَدَقُوا مََا عََاهَدُوا اَللََّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى‏ََ نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَ مََا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً -إلى قوله تعالى- إِنَّ اَللََّهَ كََانَ غَفُوراً رَحِيماً [23-24]

99-8552/ (_1) - محمد بن العباس، قال: حدثنا عبد العزيز بن يحيى، عن محمد بن زكريا، عن أحمد بن محمد ابن يزيد، عن سهل بن عامر البجلي، عن عمرو بن أبي المقدام، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن محمد بن الحنفية (رضي الله عنه) ، و عمرو بن أبي المقدام، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) (1) ، قال: قال علي (عليه السلام) : «كنت عاهدت الله عز و جل و رسوله (صلى الله عليه و آله) أنا، و عمي حمزة، و أخي جعفر، و ابن عمي عبيدة بن الحارث على أمر و فينا به لله و لرسوله، فتقدمني أصحابي و خلفت بعدهم لما أراد الله عز و جل، فأنزل الله سبحانه فينا: مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ رِجََالٌ صَدَقُوا مََا عََاهَدُوا اَللََّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى‏ََ نَحْبَهُ حمزة، و جعفر، و عبيدة وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَ مََا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً . فأنا المنتظر، و ما بدلت تبديلا» .

8553/ (_2)

عنه، قال: حدثني علي بن عبد الله بن أسد، عن إبراهيم بن محمد الثقفي، عن يحيى بن صالح، عن مالك بن خالد الأسدي، عن الحسن بن إبراهيم، عن جده عبد الله بن الحسن، عن آبائه (عليهم السلام) ، قال: و عاهد الله علي بن أبي طالب، و حمزة بن عبد المطلب، و جعفر بن أبي طالب‏ (2) (عليهم السلام) أن لا يفروا من زحف أبدا، فتموا كلهم، فأنزل الله عز و جل: مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ رِجََالٌ صَدَقُوا مََا عََاهَدُوا اَللََّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى‏ََ نَحْبَهُ حمزة استشهد يوم أحد، و جعفر استشهد يوم مؤتة وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ يعني علي بن أبي طالب (صلوات الله و سلامه عليه) ، وَ مََا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً يعني الذي عاهدوا الله عليه.

99-8554/

____________

_3

- ابن بابويه، قال: حدثني أبي، و محمد بن الحسن (رضى الله عنهما) ، قالا: حدثنا سعد بن عبد الله، قال:

____________

(_1) -تأويل الآيات 2: 449/8.

(_2) -تأويل الآيات 2: 449/9.

(_3) -الخصال: 364/58.

(1) في النسخ: عن أبي إسحاق، عن جابر، عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليه السّلام) ، عن محمّد بن الحنفيّة (رضي اللّه عنه) ، و فيه خلط بين طريقين و تحريف، صحيحه ما أثبتناه، انظر سند الحديث (3) الآتي عن (الخصال) ، و متن هذا الحديث هو قطعة من حديث (الخصال)

(2) في المصدر زيادة: و عبيدة.

430

حدثنا أحمد بن الحسين بن سعيد، قال: حدثني جعفر بن محمد النوفلي، عن يعقوب بن يزيد، قال: قال أبو عبد الله جعفر بن أحمد بن محمد بن عيسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، قال: حدثنا يعقوب بن عبد الله الكوفي، قال: حدثنا موسى بن عبيدة، عن عمرو بن أبي المقدام، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن محمد بن الحنفية (رضي الله عنه) . و عمرو بن أبي المقدام، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال: «أتى رأس اليهود إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) عند منصرفه من وقعة النهروان، و هو جالس في مسجد الكوفة، فقال:

يا أمير المؤمنين، إني أريد أن أسألك عن أشياء لا يعلمها إلا نبي، أو وصي نبي، فإن شئت سألتك، و إن شئت أعفيك. قال: سل عما بدا لك، يا أخا اليهود.

قال: إنا نجد في الكتاب أن الله عز و جل إذا بعث نبيا أوحى إليه أن يتخذ من أهل بيته من يقوم بأمر أمته من بعده، و أن يعهد إليهم فيه عهدا يحتذى عليه، و يعمل به في أمته من بعده، و أن الله عز و جل يمتحن الأوصياء في حياة الأنبياء، و يمتحنهم بعد وفاتهم، فأخبرنا: كم يمتحن الله الأوصياء في حياة الأنبياء، و كم يمتحنهم بعد وفاتهم من مرة، و إلى ما يصير آخر أمر الأوصياء، إذا رضي محنتهم؟ فقال له علي (عليه السلام) : و الله الذي لا إله غيره، الذي فلق البحر لبني إسرائيل، و أنزل التوراة على موسى (عليه السلام) لئن أخبرتك بحق عما تسأل عنه، لتقرن به؟قال: نعم.

قال (عليه السلام) : و الذي فلق البحر لبني إسرائيل، و أنزل التوراة على موسى (عليه السلام) ، لئن أجبتك لتسلمن؟ قال: نعم.

فقال علي (عليه السلام) : إن الله عز و جل يمتحن الأوصياء في حياة الأنبياء في سبعة مواطن ليبتلي طاعتهم، فإذا رضي طاعتهم و محنتهم أمر الأنبياء أن يتخذوهم أولياء في حياتهم، و أوصياء بعد وفاتهم، و تصير طاعة الأوصياء في أعناق الأمم ممن يقول بطاعة الأنبياء، ثم يمتحن الأوصياء بعد وفاة الأنبياء (عليهم السلام) في سبعة مواطن ليبلوا صبرهم، فإذا رضي محنتهم ختم لهم بالشهادة (1) ، ليلحقهم بالأنبياء و قد أكمل لهم السعادة.

قال له رأس اليهود: صدقت-يا أمير المؤمنين-فأخبرني، كم امتحنك الله في حياة محمد من مرة، و كم امتحنك بعد وفاته من مرة، و إلى ما يصير أمرك؟فأخذ علي (عليه السلام) بيده، و قال: انهض بنا أنبئك بذلك، يا أخا اليهود. فقام إليه جماعة من أصحابه، فقالوا: يا أمير المؤمنين، أنبئنا بذلك معه. فقال: إني أخاف أن لا تحتمله قلوبكم. قالوا: و لم ذلك، يا أمير المؤمنين؟قال: لأمور بدت لي من كثير منكم. فقام إليه الأشتر، فقال: يا أمير المؤمنين، أنبئنا بذلك، فو الله إنا لنعلم أنه ما على ظهر الأرض وصي نبي سواك، و إنا لنعلم أن الله لا يبعث بعد نبينا (صلى الله عليه و آله) نبيا سواه، و أن طاعتك لفي أعناقنا موصولة بطاعة نبينا (صلى الله عليه و آله) . فجلس علي (عليه السلام) ، فأقبل على اليهودي، فقال: يا أخا اليهود، إن الله عز و جل امتحنني في حياة نبينا (صلى الله عليه و آله) في سبعة مواطن، فوجدني فيهن-من غير تزكية لنفسي-بنعمة الله له مطيعا؟

____________

(1) في «ج» و المصدر: بالسعادة.

431

قال: فيم، و فيم، يا أمير المؤمنين؟ قال: أما أولهن-و ساق الحديث بذكر الاولى، و الثانية، و الثالثة، و الرابعة، إلى أن قال-: و أما الخامسة-يا أخا اليهود-فإن قريشا و العرب تجمعت، و عقدت بينها عقدا و ميثاقا لا ترجع من وجهها حتى تقتل رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، و تقتلنا معه معاشر بني عبد المطلب، ثم أقبلت بحدها و حديدها حتى أناخت علينا بالمدينة، واثقة بأنفسها فيما توجهت له، فهبط جبرئيل (عليه السلام) على النبي (صلى الله عليه و آله) فأنبأه بذلك، فخندق على نفسه، و من معه من المهاجرين و الأنصار، فقدمت قريش، فأقامت على الخندق محاصرة لنا، ترى في أنفسها القوة، و فينا الضعف، ترعد، و تبرق، و رسول الله (صلى الله عليه و آله) يدعوها إلى الله عز و جل، و يناشدها بالقرابة و الرحم، فتأبى عليه، و لا يزيدها ذلك إلا عتوا، و فارسها فارس العرب يومئذ عمرو بن عبد ود، يهدر كالبعير المغتلم‏ (1) ، يدعو إلى البراز، و يرتجز، و يخطر برمحه مرة، و بسيفه مرة، لا يقدم عليه مقدم، و لا يطمع فيه طامع، و لا حمية تهيجه، و لا بصيرة تشجعه، فأنهضني إليه رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، و عممني بيده، و أعطاني سيفه هذا-و ضرب بيده إلى ذي الفقار-فخرجت إليه، و نساء أهل المدينة بواكي إشفاقا علي من ابن عبد ود، فقتله الله عز و جل بيدي، و العرب لا تعد لها فارسا غيره، و ضربني هذه الضربة-و أومأ بيده إلى هامته-فهزم الله قريشا و العرب بذلك، و بما كان مني فيهم من النكاية. ثم التفت (عليه السلام) إلى أصحابه، فقال: أ ليس كذلك؟قالوا: بلى، يا أمير المؤمنين» .

ثم ذكر السادسة، و السابعة، ثم ذكر أول السبع بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، ثم الثانية، ثم الثالثة، ثم الرابعة، و ذكرها، و قال (عليه السلام) فيها: «و أما نفسي، فقد علم من حضر ممن ترى، و من غاب من أصحاب محمد (صلى الله عليه و آله) أن الموت عندي بمنزلة الشربة الباردة في اليوم الشديد الحر من ذي العطش الصدي، و لقد كنت عاهدت الله عز و جل و رسوله (صلى الله عليه و آله) : أنا، و عمي حمزة، و أخي جعفر، و ابن عمي عبيدة على أمر وفينا به لله عز و جل و لرسوله، فتقدمني أصحابي، و تخلفت بعدهم لما أراد الله عز و جل، فأنزل الله فينا: مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ رِجََالٌ صَدَقُوا مََا عََاهَدُوا اَللََّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى‏ََ نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَ مََا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً حمزة، و جعفر، و عبيدة، و أنا-و الله-المنتظر» .

99-8555/ (_4) - ابن شهر آشوب: عن أبي الورد، عن أبي جعفر (عليه السلام) : مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ رِجََالٌ صَدَقُوا مََا عََاهَدُوا اَللََّهَ عَلَيْهِ قال: «علي، و حمزة، و جعفر، فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى‏ََ نَحْبَهُ ، قال: عهده، و هو حمزة، و جعفر وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ، قال: علي بن أبي طالب (عليه السلام) » .

99-8556/ (_5) - علي بن إبراهيم، قال: و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر (عليه السلام) ، في قوله: مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ رِجََالٌ صَدَقُوا مََا عََاهَدُوا اَللََّهَ عَلَيْهِ : «أي لا يغيروا (2) أبدا فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى‏ََ نَحْبَهُ أي أجله، و هو

____________

(_4) -المناقب 3: 92.

(_5) -تفسير القمّي 2: 188.

(1) أي الهائج.

(2) في المصدر: لا يفرّوا.

432

حمزة، و جعفر بن أبي طالب وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ أجله، يعني عليا (عليه السلام) ، وَ مََا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً* `لِيَجْزِيَ اَللََّهُ اَلصََّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَ يُعَذِّبَ اَلْمُنََافِقِينَ إِنْ شََاءَ » . الآية.

99-8557/ (_6) - محمد بن يعقوب: عن عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمد بن سليمان، عن أبيه، قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) ، إذ دخل عليه أبو بصير-و ذكر الحديث إلى أن قال-: «يا أبا محمد، لقد ذكركم الله في كتابه، فقال: مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ رِجََالٌ صَدَقُوا مََا عََاهَدُوا اَللََّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى‏ََ نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَ مََا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً . إنكم وفيتم بما أخذ الله عليه ميثاقكم من ولايتنا، و إنكم لم تبدلوا بنا غيرنا، و لو لم تفعلوا لعيركم الله كما عيرهم، حيث يقول جل ذكره: وَ مََا وَجَدْنََا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَ إِنْ وَجَدْنََا أَكْثَرَهُمْ لَفََاسِقِينَ (1) » .

8558/ (_7)

عنه: عن عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن جعفر بن محمد الأشعري، عن عبد الله بن ميمون القداح، عن أبي عبد الله (عليه السلام) ، قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) : يا علي، من أحبك ثم مات فقد قضى نحبه، و من أحبك و لم يمت فهو ينتظر، و ما طلعت شمس و لا غربت إلا طلعت عليه برزق و إيمان» . و في نسخة:

«نور» .

8559/ (_8)

عنه: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن نصير أبي الحكم الخثعمي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) ، قال: «المؤمن مؤمنان: فمؤمن صدق بعهد الله، و وفى بشرطه، و ذلك قول الله عز و جل: رِجََالٌ صَدَقُوا مََا عََاهَدُوا اَللََّهَ عَلَيْهِ ، فذلك الذي لا تصيبه أهوال الدنيا، و لا أهوال الآخرة، و ذلك ممن يشفع و لا يشفع له، و مؤمن كخامة (2) الزرع، تعوج أحيانا، و تقوم أحيانا، و ذلك ممن تصيبه أهوال الدنيا، و أهوال الآخرة، و ذلك ممن يشفع له و لا يشفع» .

قوله تعالى:

وَ رَدَّ اَللََّهُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنََالُوا خَيْراً وَ كَفَى اَللََّهُ اَلْمُؤْمِنِينَ اَلْقِتََالَ [25] 8560/ (_1) -علي بن إبراهيم: بعلي بن أبي طالب (عليه السلام) .

____________

(_6) -الكافي 8: 34/6.

(_7) -الكافي 8: 306/475.

(_8) -الكافي 2: 193/1.

(_1) -تفسير القمّي 2: 189.

(1) الأعراف 7: 102.

(2) الخامّة: الغضّة الرطبة من النبات. «الصحاح-خوم-5: 1916» .

433

8561/ (_2) -محمد بن العباس، قال: حدثنا علي بن العباس، عن أبي سعيد عباد بن يعقوب، عن فضل بن القاسم البراد، عن سفيان الثوري، عن زبيد اليامي‏ (1) ، عن مرة، عن عبد الله بن مسعود، أنه كان يقرأ: «و كفى الله المؤمنين القتال بعلي و كان الله قويا عزيزا» .

8562/

____________

_3

عنه، قال: حدثنا محمد بن يونس بن مبارك، عن يحيى بن عبد الحميد الحماني، عن يحيى بن معلى الأسلمي، عن محمد بن عمار بن زريق، عن أبي إسحاق، عن زياد (2) بن مطر، قال: كان عبد الله بن مسعود يقرأ: «و كفى الله المؤمنين القتال بعلي‏ (3) » .

و سبب نزول هذه الآية: أن المؤمنين كفوا القتال بعلي (عليه السلام) ، و إن المشركين تحزبوا، و اجتمعوا في غزاة الخندق-و القصة مشهورة، غير أنا نحكي طرفا منها-و هو: أن عمرو بن عبد ود كان فارس قريش المشهور، و كان يعد بألف فارس، و كان قد شهد بدرا، و لم يشهد أحدا، فلما كان يوم الخندق خرج معلما ليرى الناس مقامه، فلما رأى الخندق، قال: مكيدة، و لم نعرفها من قبل. و حمل فرسه عليه، فعطفه‏ (4) ، و وقف بإزاء المسلمين، و نادى: هل من مبارز؟فلم يجبه أحد، فقام علي (عليه السلام) ، و قال: «أنا، يا رسول الله» . فقال له: «إنه عمرو، اجلس» فنادى ثانية، فلم يجبه أحد، فقام علي (عليه السلام) ، و قال: «أنا، يا رسول الله» . فقال له: «إنه عمرو، اجلس» ، فنادى ثالثة، فلم يجبه أحد. فقام علي (عليه السلام) ، و قال: «أنا يا رسول الله» ، فقال له: «إنه عمرو» . فقال: «و إن كان عمرا» فاستأذن النبي (صلى الله عليه و آله) في برازه، فأذن له.

قال حذيفة (رضي الله عنه) : فألبسه رسول الله (صلى الله عليه و آله) درعه‏[ذات‏]الفضول، و أعطاه ذا الفقار، و عممه عمامته السحاب على رأسه تسعة أدوار، و قال له: «تقدم» . فلما ولى، قال النبي (صلى الله عليه و آله) : «برز الإيمان كله إلى الشرك كله، اللهم احفظه من بين يديه، و من خلفه، و عن يمينه، و عن شماله، و من فوق رأسه، و من تحت قدميه» .

فلما رآه عمرو، قال له: من أنت؟قال: «أنا علي» . قال: ابن عبد مناف؟قال: «أنا علي بن أبي طالب» فقال: غيرك-يا ابن أخي-من أعمامك أسن منك، فإني أكره أن أهرق دمك. فقال له علي (عليه السلام) : «و لكني-و الله-لا أكره أن أهرق دمك» . قال: فغضب عمرو، و نزل عن فرسه، و عقرها، و سل سيفه كأنه شعلة نار، ثم أقبل نحو علي (عليه السلام) ، فاستقبله علي (عليه السلام) بدرقته، فقدها، و أثبت فيها السيف، و أصاب رأسه فشجه، ثم إن عليا (عليه السلام) ضربه على حبل عاتقه، فسقط إلى الأرض، و ثارت بينهما عجاجة، فسمعنا تكبير علي (عليه السلام) ، فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله) :

«قتله، و الذي نفسي بيده» . قال: و حز رأسه، و أتى به إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، و وجهه يتهلل، فقال له

____________

(_2) -تأويل الآيات 2: 450/10.

(_3) -تأويل الآيات 2: 450/12

(1) في جميع النسخ و المصدر: النامي، تصحيح صحيحه ما أثبتناه، انظر تقريب التهذيب 1: 57/14.

(2) في جميع النسخ و المصدر: أبي زياد، هو عبد اللّه بن مطر، و يقال له: زياد بن مطر، راجع تهذيب التهذيب 3: 386 و 6: 34.

(3) في المصدر زيادة: قال أبو زياد: و هي في مصحفه، هكذا رأيتها.

(4) في «ي» : فقطعه.

434

النبي (صلى الله عليه و آله) : «أبشر-يا علي-فلو وزن اليوم عملك بعمل امة محمد لرجح عملك بعملهم، و ذلك أنه لم يبق بيت من المشركين إلا و دخله وهن، و لا بيت من المسلمين إلا و دخله عز» .

قال: و لما قتل عمرو، و خذل الأحزاب، أرسل الله عليهم ريحا و جنودا من الملائكة، فولوا مدبرين بغير قتال، و سببه قتل عمرو، فمن ذلك قال سبحانه: وَ كَفَى اَللََّهُ اَلْمُؤْمِنِينَ اَلْقِتََالَ بعلي (عليه السلام) .

99-8563/ (_4) - ابن شهر آشوب: قال الصادق (عليه السلام) ، و ابن مسعود، في قوله: وَ كَفَى اَللََّهُ اَلْمُؤْمِنِينَ اَلْقِتََالَ بعلي بن أبي طالب (عليه السلام) ، و قتله عمرو بن عبد ود.

قال: و رواه أبو نعيم الأصفهاني في (ما نزل من القرآن في أمير المؤمنين) بالإسناد، عن سفيان الثوري، عن رجل، عن مرة، عن عبد الله.

قال: و قال جماعة من المفسرين، في قوله تعالى: اُذْكُرُوا نِعْمَةَ اَللََّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جََاءَتْكُمْ جُنُودٌ (1) أنها نزلت في علي (عليه السلام) يوم الأحزاب.

99-8564/ (_5) - الطبرسي: في معنى الآية: قيل: بعلي بن أبي طالب، و قتله عمرو بن عبد ود، و كان ذلك سبب هزيمة القوم، عن عبد الله بن مسعود. قال: و هو المروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) .

8565/ (_6)

روى الحافظ منصور بن شهريار بن شيرويه بإسناده إلى ابن عباس، قال: لما قتل علي (عليه السلام) عمرا، و دخل على رسول الله (صلى الله عليه و آله) و سيفه يقطر دما، فلما رآه كبر، و كبر المسلمون، و قال النبي (صلى الله عليه و آله) : «اللهم أعط عليا فضيلة لم يعطها أحد قبله، و لم يعطها أحد بعده» . قال: فهبط جبرئيل (عليه السلام) ، و معه من الجنة اترجة، فقال: «يا رسول الله، إن الله عز و جل يقرأ عليك السلام، و يقول لك: حي بهذه علي بن أبي طالب» . قال: فدفعها إلى علي (عليه السلام) ، فانفلقت في يده فلقتين، فإذا فيها حريرة خضراء، فيها مكتوب سطران بخضرة: تحفة من الطالب الغالب إلى علي بن أبي طالب.

قوله تعالى:

وَ أَنْزَلَ اَلَّذِينَ ظََاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتََابِ -إلى قوله تعالى- وَ كََانَ اَللََّهُ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيراً [26-27]

99-8566/ (_1) - علي بن إبراهيم: و نزل في بني قريظة: وَ أَنْزَلَ اَلَّذِينَ ظََاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتََابِ مِنْ صَيََاصِيهِمْ

____________

(_4) -المناقب 3: 134.

(_5) -مجمع البيان 8: 550.

(_6) -... المناقب (للخوارزمي) : 105.

(_1) -تفسير القمي 2: 189.

(1) الأحزاب 33: 9.

435

وَ قَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ اَلرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَ تَأْسِرُونَ فَرِيقاً* `وَ أَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَ دِيََارَهُمْ وَ أَمْوََالَهُمْ وَ أَرْضاً لَمْ تَطَؤُهََا وَ كََانَ اَللََّهُ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيراً فلما دخل رسول الله (صلى الله عليه و آله) المدينة، و اللواء معقود، أراد أن يغتسل من الغبار، فناداه جبرئيل: «عذيرك من محارب، و الله ما وضعت الملائكة لأمتها، فكيف تضع لأمتك؟إن الله يأمرك أن لا تصلي العصر إلا ببني قريظة، فإني متقدمك، و مزلزل بهم حصنهم، إنا كنا في آثار القوم، نزجرهم زجرا، حتى بلغوا حمراء الأسد (1) » .

فخرج رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، فاستقبله حارثة بن النعمان، فقال له: «ما الخبر، يا حارثة؟» . قال: بأبي أنت و امي-يا رسول الله-هذا دحية الكلبي ينادي في الناس: ألا لا يصلين العصر أحد إلا في بني قريظة. فقال: «ذلك جبرئيل، أدعوا لي عليا» . فجاء علي (عليه السلام) ، فقال له: «ناد في الناس: لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة» .

فجاء أمير المؤمنين (عليه السلام) ، فنادى فيهم، فخرج الناس، فبادروا إلى بني قريظة.

و خرج رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، و أمير المؤمنين (عليه السلام) بين يديه، مع الراية العظمى، و كان حيي بن أخطب لما انهزمت قريش، جاء و دخل حصن بني قريظة، فجاء أمير المؤمنين (عليه السلام) و أحاط بحصنهم، فأشرف عليهم كعب بن أسد (2) من الحصن يشتمهم، و يشتم رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، فأقبل رسول الله (صلى الله عليه و آله) على حمار، فاستقبله أمير المؤمنين (عليه السلام) ، فقال: «بأبي أنت و امي-يا رسول الله-لا تدن من الحصن» . فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله) : «يا علي، لعلهم شتموني؟إنهم لو قد رأوني لأذلهم الله» . ثم دنا رسول الله (صلى الله عليه و آله) من حصنهم، فقال: «يا إخوة القردة و الخنازير، و عبدة الطاغوت، أ تشتموني؟!إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباحهم» .

فأشرف عليهم كعب بن أسد من الحصن، فقال: و الله-يا أبا القاسم-ما كنت جهولا. فاستحيا رسول الله (صلى الله عليه و آله) حتى سقط الرداء عن ظهره حياء مما قال.

و كان حول الحصن نخل كثير، فأشار إليه رسول الله (صلى الله عليه و آله) بيده، فتباعد عنه، و تفرق في المفازة، و أنزل رسول الله (صلى الله عليه و آله) العسكر حول حصنهم، فحاصرهم ثلاثة أيام، فلم يطلع منهم أحد رأسه، فلما كان بعد ثلاثة أيام نزل إليه غزال‏ (3) بن شمول، فقال: يا محمد، تعطينا ما أعطيت إخواننا من بني النضير؟احقن دماءنا، و نخلي لك البلاد و ما فيها، و لا نكتمك شيئا. فقال: «لا، أو تنزلون على حكمي» . فرجع، و بقوا أياما، فبكت النساء و الصبيان إليهم، و جزعوا جزعا شديدا، فلما اشتد عليهم الحصار نزلوا على حكم رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، فأمر رسول الله (صلى الله عليه و آله) بالرجال، فكتفوا، و كانوا سبع مائة (4) ، و أمر بالنساء، فعزلن.

و قامت الأوس إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، فقالوا: يا رسول الله، حلفاؤنا و موالينا من دون الناس، نصرونا

____________

(1) حمراء الأسد: موضّع على ثمانية أميال من المدينة. «معجم البلدان 2: 301» .

(2) في المصدر: أسيد، و كذا في المواضع الآتية.

(3) في «ي» : عزّال.

(4) في «ي» : تسع مائة.

436

على الخزرج في المواطن كلها، و قد وهبت لعبد الله بن أبي سبع مائة دارع، و سبع مائة (1) حاسر في صبيحة واحدة، و لسنا نحن بأقل من عبد الله بن أبي. فلما أكثروا على رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، قال لهم: «أما ترضون أن يكون الحكم فيهم إلى رجل منكم؟» . فقالوا: بلى، فمن هو؟قال: «سعد بن معاذ» . قالوا: قد رضينا بحكمه، فأتوا به في محفة (2) ، و اجتمعت الأوس حوله يقولون له: يا أبا عمرو، اتق الله، و أحسن في حلفائك و مواليك، فقد نصرونا ببعاث، و الحدائق‏ (3) ، و المواطن كلها. فلما أكثروا عليه، قال: لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم. فقالت الأوس: وا قوماه، ذهبت و الله بنو قريظة آخر الدهر. و بكت النساء و الصبيان إلى سعد، فلما سكتوا، قال لهم سعد: يا معشر اليهود، أرضيتم بحكمي فيكم؟قالوا: بلى، قد رضينا بحكمك، و قد رجونا نصفك، و معروفك، و حسن نظرك. فأعاد عليهم القول، فقالوا: بلى، يا أبا عمرو. فالتفت إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) إجلالا له، فقال: ما ترى، بأبي أنت و امي، يا رسول الله؟قال: «احكم فيهم-يا سعد-فقد رضيت بحكمك فيهم» . فقال: قد حكمت-يا رسول الله (صلى الله عليه و آله) أن تقتل رجالهم، و تسبى نساؤهم و ذراريهم، و تقسم غنائمهم بين المهاجرين و الأنصار. فقام رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، فقال: «قد حكمت بحكم الله من فوق سبع أرقعة» ثم انفجر جرح سعد بن معاذ، فما زال ينزف حتى قضى.

و ساقوا الأسارى إلى المدينة، و أمر رسول الله (صلى الله عليه و آله) بأخدود، فحفرت بالبقيع، فلما أمسى، أمر بإخراج رجل رجل، فكان يضرب عنقه، فقال حيي بن أخطب لكعب بن أسد: ما ترى يصنع بهم؟فقال له: ما يسوؤك، أما ترى الداعي لا يقلع، و الذي يذهب لا يرجع؟فعليكم بالصبر، و الثبات على دينكم.

فاخرج كعب بن أسد، مجموعة يديه إلى عنقه، و كان جميلا و سيما، فلما نظر إليه رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، قال له: «يا كعب، أما نفعتك وصية ابن الحواس؟!الحبر الذكي الذي قدم عليكم من الشام، فقال: تركت الخمر و الخنزير (4) ، و جئت إلى البؤس و التمور، لنبي يبعث، مخرجه بمكة، و مهاجرته في هذه البحيرة، يجتزئ بالكسيرات و التميرات، و يركب الحمار العري، في عينيه حمرة، بين كتفيه خاتم النبوة، يضع سيفه على عاتقه، لا يبالي من لاقى منكم، يبلغ سلطانه منقطع الخف و الحافر» . فقال: قد كان ذلك يا محمد، و لولا أن اليهود يعيروني أني جزعت عند القتل لآمنت بك، و صدقتك، و لكني على دين اليهودية، عليه أحيا، و عليه أموت. فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله) : «قدموه فاضربوا عنقه» فضربت عنقه.

ثم قدم حيي بن أخطب، فقال له رسول الله (صلى الله عليه و آله) : «يا فاسق، كيف رأيت صنع الله بك؟» فقال: و الله -يا محمد-ما ألوم نفسي في عداوتك، و لقد قلقلت‏ (5) كل مقلقل، و جهدت كل الجهد، و لكن من يخذل الله

____________

(1) في المصدر: ثلاث مائة.

(2) المحفّة: مركب من مراكب النساء كالهودج، إلاّ أنّها لا تقبّب. «الصحاح-حفف-4: 1345» .

(3) بعاث و الحدائق: موضعان عند المدينة، كانت فيهما وقعتان بين الأوس و الخزرج قبل الإسلام، أنظر «الكامل في التاريخ 1: 676 و 680» .

(4) في «ج» : الخمير.

(5) قلقل الشي‏ء: حرّكه فتحرّك و اضطرب. «لسان العرب-قلل-11: 566» .

437

يخذل، ثم قال حين قدم للقتل:

لعمرك ما لام ابن أخطب نفسه # و لكنه من يخذل الله يخذل‏

فقدم، و ضرب عنقه؛ فقتلهم رسول الله (صلى الله عليه و آله) في البردين: بالغداة، و العشي، في ثلاثة أيام، و كان يقول: «اسقوهم العذب، و أطعموهم الطيب، و أحسنوا إسارهم» . حتى قتلهم كلهم، و أنزل الله على رسوله فيهم:

وَ أَنْزَلَ اَلَّذِينَ ظََاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتََابِ مِنْ صَيََاصِيهِمْ أي من حصونهم وَ قَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ اَلرُّعْبَ إلى قوله: وَ كََانَ اَللََّهُ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيراً .

99-8567/ (_2) - الطبرسي، في (إعلام الورى) ، قال: قال أبان بن عثمان: حدثني من سمع أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «قام رسول الله (صلى الله عليه و آله) على التل الذي عليه مسجد الفتح، في ليلة ظلماء، ذات قرة، قال: من يذهب فيأتينا بخبرهم، و له الجنة؟فلم يقم أحد. ثم عاد ثانية، و ثالثة، فلم يقم أحد. و قام حذيفة، فقال (صلى الله عليه و آله) :

انطلق، حتى تسمع كلامهم، و تأتيني بخبرهم. فذهب، فقال: اللهم احفظه من بين يديه، و من خلفه، و عن يمينه، و عن شماله، حتى ترده إلي، و قال: لا تحدث شيئا حتى تأتيني.

و لما توجه حذيفة، قام رسول الله (صلى الله عليه و آله) يصلي، ثم نادى بأشجى صوت: يا صريخ المكروبين، يا مجيب دعوة المضطرين، اكشف همي، و كربي، فقد ترى حالي، و حال من معي. فنزل جبرئيل (عليه السلام) ، فقال: يا رسول الله، إن الله عز و جل سمع مقالتك، و استجاب دعوتك، و كفاك هول من تحزب عليك و ناوأك. فجثا رسول الله (صلى الله عليه و آله) على ركبتيه، و بسط يديه، و أرسل بالدمع عينيه، ثم نادى: شكرا، شكرا، كما آويتني، و آويت من معي. ثم قال جبرئيل (عليه السلام) : يا رسول الله، إن الله قد نصرك، و بعث عليهم ريحا من سماء الدنيا فيها الحصى، و ريحا من السماء الرابعة فيها الجنادل.

قال حذيفة: فخرجت، فإذا أنا بنيران القوم قد طفئت، و خمدت، و أقبل جند الله الأول: ريح شديدة فيها الحصى، فما ترك لهم نارا إلا أخمدها، و لا خباء إلا طرحها، و لا رمحا إلا ألقاها، حتى جعلوا يتترسون من الحصى، و كنت أسمع وقع الحصى في الترسة.

و أقبل جند الله الأعظم، فقام أبو سفيان إلى راحلته، ثم صاح في قريش: النجاء، النجاء؛ ثم فعل عيينة بن حصن مثلها، و فعل الحارث بن عوف مثلها، و ذهب الأحزاب، و رجع حذيفة إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) فأخبره الخبر، و أنزل الله على رسوله: اُذْكُرُوا نِعْمَةَ اَللََّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جََاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنََا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهََا (1) إلى ما شاء الله من السورة.

و أصبح رسول الله (صلى الله عليه و آله) بالمسلمين حتى دخل المدينة، فضربت له ابنته فاطمة (عليها السلام) غسولا، فهي تغسل رأسه إذ أتاه جبرئيل (عليه السلام) على بغلة، معتجرا بعمامة بيضاء، عليه قطيفة من إستبرق، معلق عليها

____________

(_2) -إعلام الورى: 92.

(1) الأحزاب 33: 9.

438

الدر و الياقوت، عليه الغبار، فقام رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، فمسح الغبار عن وجهه، فقال له جبرئيل: رحمك الله، وضعت السلاح و لم يضعه أهل السماء؟و ما زلت أتبعهم حتى بلغت الروحاء. ثم قال جبرئيل (عليه السلام) : انهض إلى إخوانهم من أهل الكتاب، فوالله لأدقنهم دق البيضة على الصخرة.

فدعا رسول الله (صلى الله عليه و آله) عليا (عليه السلام) ، فقال: قدم راية المهاجرين إلى بني قريظة، و قال: عزمت عليكم ألا تصلوا العصر إلا في بني قريظة. فأقبل علي (عليه السلام) ، و معه المهاجرون، و بنو عبد الأشهل، و بنو النجار كلها، لم يتخلف عنه منهم أحد، و جعل النبي (صلى الله عليه و آله) يسرب إليه الرجال، فما صلى بعضهم العصر إلا بعد العشاء، فأشرفوا عليه، و سبوه، و قالوا: فعل الله بك، و بابن عمك، و هو واقف لا يجيبهم، فلما أقبل رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، و المسلمون حوله، تلقاه أمير المؤمنين (عليه السلام) ، و قال: لا تأتهم-يا رسول الله، جعلني الله فداك-فإن الله سيجزيهم.

فعرف رسول الله (صلى الله عليه و آله) أنهم قد شتموه، فقال: أما إنهم لو رأوني ما قالوا شيئا مما سمعت، و أقبل، ثم قال: يا إخوة القردة، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين، يا عباد الطواغيت، اخسؤوا، أخسأكم الله. فصاحوا يمينا و شمالا: يا أبا القاسم، ما كنت فحاشا، فما بدا لك؟!» .

قال الصادق (عليه السلام) : «فسقطت العنزة (1) من يده، و سقط رداؤه من خلفه، و جعل يمشي إلى وراءه، حياء مما قال لهم.

فحاصرهم رسول الله (صلى الله عليه و آله) خمسا و عشرين ليلة، حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ، فحكم فيهم بقتل الرجال، و سبي الذراري و النساء، و قسمة الأموال، و أن يجعل عقارهم للمهاجرين دون الأنصار. فقال له النبي (صلى الله عليه و آله) : لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة.

فلما جي‏ء بالأسارى، حبسوا في دار، و امر بعشرة، فاخرجوا، فضرب أمير المؤمنين (عليه السلام) أعناقهم، ثم امر بعشرة، فاخرجوا، فضرب الزبير أعناقهم، و كل رجل من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه و آله) إلا قتل الرجل و الرجلين» . قال: «ثم انفجرت رمية سعد، و الدم ينضح حتى قضى، و نزع رسول الله (صلى الله عليه و آله) رداءه، فمشى في جنازته بغير رداء، و بعث عبد الله بن عتيك إلى خيبر، فقتل أبا رافع بن أبي الحقيق» .

قوله تعالى:

يََا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوََاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اَلْحَيََاةَ اَلدُّنْيََا وَ زِينَتَهََا فَتَعََالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَ أُسَرِّحْكُنَّ سَرََاحاً جَمِيلاً* `وَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ وَ اَلدََّارَ اَلْآخِرَةَ فَإِنَّ اَللََّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنََاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً

____________

(1) العنزة: عصا في قدر نصف الرّمح أو أكثر شيئا، فيها سنان مثل سنان الرمح. «لسان العرب-عنز-5: 384» .

439

-إلى قوله تعالى- وَ أَعْتَدْنََا لَهََا رِزْقاً كَرِيماً [28-31]

99-8568/ (_1) - محمد بن يعقوب: عن حميد، عن ابن سماعة، عن ابن رباط، عن عيص بن القاسم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) ، قال: سألته عن رجل خير امرأته، فاختارت نفسها، بانت منه؟قال: «لا، إنما هذا شي‏ء كان لرسول الله (صلى الله عليه و آله) خاصة، امر بذلك ففعل، و لو اخترن أنفسهن لطلقهن، و هو قول الله عز و جل: قُلْ لِأَزْوََاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اَلْحَيََاةَ اَلدُّنْيََا وَ زِينَتَهََا فَتَعََالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَ أُسَرِّحْكُنَّ سَرََاحاً جَمِيلاً » .

8569/ (_2)

عنه: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن إسماعيل، عن محمد بن الفضيل، عن أبي الصباح الكناني، قال: ذكر أبو عبد الله (عليه السلام) : «أن زينب قالت لرسول الله (صلى الله عليه و آله) : لا تعدل و أنت رسول الله؟!و قالت حفصة: إن طلقنا وجدنا في قومنا أكفاءنا. فاحتبس الوحي عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) عشرين يوما-قال-فأنف الله عز و جل لرسوله (صلى الله عليه و آله) ، فأنزل: يََا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوََاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اَلْحَيََاةَ اَلدُّنْيََا وَ زِينَتَهََا فَتَعََالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ إلى قوله: أَجْراً عَظِيماً -قال-فاخترن الله و رسوله، و لو اخترن أنفسهن لبن، و إن اخترن الله و رسوله فليس بشي‏ء» .

8570/

____________

_3

عنه: عن حميد بن زياد، عن ابن سماعة، عن جعفر بن سماعة، عن داود بن سرحان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) ، قال: «إن زينب بنت جحش قالت: أ يرى رسول الله (صلى الله عليه و آله) إن خلى سبيلنا أنا لا نجد زوجا غيره!و قد كان اعتزل نساءه تسعا و عشرين ليلة. فلما قالت زينب الذي قالت، بعث الله عز و جل جبرئيل إلى محمد (صلى الله عليه و آله) ، فقال: قُلْ لِأَزْوََاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اَلْحَيََاةَ اَلدُّنْيََا وَ زِينَتَهََا فَتَعََالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَ أُسَرِّحْكُنَّ سَرََاحاً جَمِيلاً الآيتين كلتيهما، فقلن: بل نختار الله، و رسوله، و الدار الآخرة» .

8571/ (_4)

عنه: عن حميد بن زياد، عن الحسن بن سماعة، عن وهيب بن حفص، عن أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إن زينب بنت جحش قالت لرسول الله (صلى الله عليه و آله) : لا تعدل و أنت نبي؟!فقال: «تربت يداك، إذا لم أعدل، فمن يعدل؟» .

فقالت: دعوت الله-يا رسول الله-ليقطع يداي؟فقال: «لا، و لكن لتتربان‏ (1) » .

فقالت: إنك إن طلقتنا وجدنا في قومنا أكفاء. فاحتبس الوحي عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) تسعا و عشرين ليلة» . ثم قال أبو جعفر (عليه السلام) : «فأنف الله عز و جل لرسوله، فأنزل: يََا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوََاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اَلْحَيََاةَ اَلدُّنْيََا وَ زِينَتَهََا الآيتين، فاخترن الله و رسوله، فلم يكن شيئا، و لو اخترن أنفسهن لبن» .

____________

(_1) -الكافي 6: 137/3.

(_2) -الكافي 6: 138/2.

(_3) -الكافي 6: 138/4.

(_4) -الكافي 6: 139/5.

(1) في «ج» : لتثريان.

440

8572/ (_5) - ثم قال الكليني: و عنه، عن عبد الله بن جبلة، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، مثله.

ثم‏

قال الكليني: و بهذا الإسناد، عن يعقوب بن سالم، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) ، في الرجل إذا خير أهله؟فقال: «إنما الخيرة لنا، ليس لأحد، و إنما رسول الله (صلى الله عليه و آله) لمكان عائشة، فاخترن الله و رسوله، و لم يكن لهن أن يخترن غير رسول الله (صلى الله عليه و آله) » .

8573/ (_6)

عنه: عن محمد بن أبي عبد الله، عن معاوية بن حكيم، عن صفوان، و علي بن الحسن بن رباط، عن أبي أيوب الخزاز، عن محمد بن مسلم، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الخيار، فقال: «و ما هو، و ما ذاك؟ إنما ذاك شي‏ء كان لرسول الله (صلى الله عليه و آله) » .

8574/ (_7)

عنه: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن ابن بكير، عن زرارة، قال:

سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «إن الله عز و جل أنف لرسوله (صلى الله عليه و آله) من مقالة قالتها بعض نسائه، فأنزل الله آية التخيير، فاعتزل رسول الله (صلى الله عليه و آله) نساءه تسعا و عشرين ليلة في مشربة ام إبراهيم، ثم دعاهن، فخيرهن، فاخترنه، فلم يكن شيئا، و لو اخترن أنفسهن كانت واحدة بائنة» .

قال: و سألته عن مقالة المرأة، ما هي؟قال: فقال: «إنها قالت: يرى محمد أنه لو طلقنا أنه لا يأتينا الأكفاء من قومنا يتزوجونا» .

8575/ (_8)

عنه: عن عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن ابن أبي نصر، عن حماد بن عثمان، عن عبد الأعلى بن أعين، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «إن بعض نساء النبي (صلى الله عليه و آله) قالت: أ يرى محمد أنه لو طلقنا لا نجد الأكفاء من قومنا؟-قال-فغضب الله عز و جل له من فوق سبع سماواته، فأمره، فخيرهن، حتى انتهى إلى زينب بنت جحش، فقامت، و قبلته، و قالت: أختار الله و رسوله» .

99-8576/ (_9) - علي بن إبراهيم: سبب نزولها: أنه لما رجع رسول الله (صلى الله عليه و آله) من غزاة خيبر، و أصاب كنز آل أبي الحقيق، قلن أزواجه: أعطنا ما أصبت. فقال لهن رسول الله (صلى الله عليه و آله) : «قسمته بين المسلمين على ما أمر الله» فغضبن من ذلك، و قلن: لعلك ترى أنك إن طلقتنا أنا لا نجد الأكفاء من قومنا يتزوجونا!فأنف الله لرسوله (صلى الله عليه و آله) ، فأمره أن يعتزلهن، فاعتزلهن رسول الله (صلى الله عليه و آله) في مشربة ام إبراهيم تسعة و عشرين يوما، حتى حضن و طهرن، ثم أنزل الله هذه الآية، و هي آية التخيير، فقال: يََا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوََاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اَلْحَيََاةَ اَلدُّنْيََا وَ زِينَتَهََا فَتَعََالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ الآية، فقامت ام سلمة، و هي أول من قامت، فقالت: قد اخترت الله

____________

(_5) -الكافي 6: 139/6.

(_6) -الكافي 6: 136/1.

(_7) -الكافي 6: 137/1.

(_8) -الكافي 6: 138/3.

(_9) -تفسير القمّي 2: 192.

441

و رسوله. فقمن كلهن فعانقنه، و قلن مثل ذلك، فأنزل الله: تُرْجِي مَنْ تَشََاءُ مِنْهُنَّ وَ تُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشََاءُ (1) ، قال الصادق (عليه السلام) : «من آوى فقد نكح، و من أرجى فقد طلق» .

و قوله: تُرْجِي مَنْ تَشََاءُ مِنْهُنَّ وَ تُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشََاءُ مع هذه الآية: يََا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوََاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اَلْحَيََاةَ اَلدُّنْيََا وَ زِينَتَهََا فَتَعََالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَ أُسَرِّحْكُنَّ سَرََاحاً جَمِيلاً* `وَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ وَ اَلدََّارَ اَلْآخِرَةَ فَإِنَّ اَللََّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنََاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً و قد أخرت عنها في التأليف.

}ثم خاطب الله عز و جل نساء نبيه، فقال: يََا نِسََاءَ اَلنَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفََاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضََاعَفْ لَهَا اَلْعَذََابُ ضِعْفَيْنِ إلى قوله تعالى: نُؤْتِهََا أَجْرَهََا مَرَّتَيْنِ وَ أَعْتَدْنََا لَهََا رِزْقاً كَرِيماً .

8577/ (_10) -ثم‏

قال علي بن إبراهيم: و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال: «أجرها مرتين، و عذابها ضعفين، كل هذا في الآخرة، حيث يكون الأجر، يكون العذاب» .

8578/ (_11) -ثم‏

قال: حدثنا محمد بن أحمد، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن غالب، عن عبد الرحمن بن أبي نجران، عن حماد، عن حريز، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز و جل: يََا نِسََاءَ اَلنَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفََاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضََاعَفْ لَهَا اَلْعَذََابُ ضِعْفَيْنِ ، قال: «الفاحشة: الخروج بالسيف» .

99-8579/ (_12) - محمد بن العباس، قال: حدثنا الحسين بن أحمد، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن كرام، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) ، قال: قال لي: «أ تدري ما الفاحشة المبينة؟» قلت: لا. قال: «قتال أمير المؤمنين (عليه السلام) » يعني أهل الجمل.

99-8580/ (_13) - الطبرسي: روى محمد بن أبي عمير، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن علي بن عبيد الله‏ (2) بن الحسين، عن أبيه، عن علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) ، أنه قال له رجل: إنكم أهل بيت مغفور لكم. قال:

فغضب، و قال: «نحن أحرى أن يجري فينا ما أجرى الله في أزواج النبي (صلى الله عليه و آله) من أن يكون‏ (3) كما تقول، إنا نرى لمحسننا ضعفين من الأجر، و لمسيئنا ضعفين من العذاب» . ثم قرأ الآيتين.

____________

(_10) -تفسير القمّي 2: 193.

(_11) -تفسير القمّي 2: 193.

(_12) -تأويل الآيات 2: 453/13.

(_13) -مجمع البيان 8: 556.

(1) الأحزاب: 33/51.

(2) في جميع النسخ و المصدر: علي بن عبد اللّه، تصحيف صحيحه ما أثبتناه، راجع معجم رجال الحديث 11: 68 و 12 لا 88 و 89.

(3) في المصدر: نكون.

442

قوله تعالى:

وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَ لاََ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ اَلْجََاهِلِيَّةِ اَلْأُولى‏ََ [33]

99-8581/ (_1) - علي بن إبراهيم، قال: حدثنا حميد بن زياد، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن يحيى، عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) ، عن أبيه (عليه السلام) ، في هذه الآية: وَ لاََ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ اَلْجََاهِلِيَّةِ اَلْأُولى‏ََ ، قال: «أي ستكون جاهلية اخرى» .

99-8582/ (_2) - ابن بابويه، قال: حدثنا علي بن أحمد الدقاق (رحمه الله) ، قال: حدثنا حمزة بن القاسم، قال: حدثنا أبو الحسن علي بن الجنيد الرازي، قال: حدثنا أبو عوانة، قال: حدثنا الحسن بن علي، عن عبد الرزاق، عن أبيه، عن مينا مولى عبد الرحمن بن عوف، عن عبد الله بن مسعود، قال: قلت للنبي (صلى الله عليه و آله) : يا رسول الله، من يغسلك إذا مت؟قال: «يغسل كل نبي وصيه» . قلت: فمن وصيك، يا رسول الله؟قال: «علي بن أبي طالب» .

قلت: كم يعيش بعدك يا رسول الله؟قال: «ثلاثين سنة، فإن يوشع بن نون وصي موسى عاش بعد موسى ثلاثين سنة، و خرجت عليه صفراء بنت شعيب زوجة موسى (عليه السلام) ، فقالت: أنا أحق منك بالأمر. فقاتلها، فقتل مقاتليها، و أسرها فأحسن أسرها، و إن ابنة أبي بكر ستخرج على علي في كذا و كذا ألفا من أمتي، فيقاتلها، فيقتل مقاتليها، و يأسرها فيحسن أسرها، و فيها أنزل الله عز و جل: وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَ لاََ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ اَلْجََاهِلِيَّةِ اَلْأُولى‏ََ يعني صفراء بنت شعيب» .

قوله تعالى:

إِنَّمََا يُرِيدُ اَللََّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ اَلرِّجْسَ أَهْلَ اَلْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً [33]

99-8583/

____________

_3

- محمد بن يعقوب: عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن فضال، عن المفضل بن صالح، عن محمد بن علي الحلبي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) : «و قوله: إِنَّمََا يُرِيدُ اَللََّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ اَلرِّجْسَ أَهْلَ اَلْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً يعني الأئمة (عليهم السلام) ، و ولايتهم، من دخل فيها دخل في بيت النبي (صلى الله عليه و آله) » .

____________

(_1) -تفسير القمّي 2: 193.

(_2) -كمال الدين و تمام النعمة: 27.

(_3) -الكافي 1: 350/54.

443

8584/ (_2)

عنه: عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، و علي بن محمد، عن سهل بن زياد أبي سعيد، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز و جل: أَطِيعُوا اَللََّهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ (1) . قال: «نزلت في علي بن أبي طالب، و الحسن و الحسين (عليهم السلام) » .

فقلت له: إن الناس يقولون: فما له لم يسم عليا و أهل بيته (عليهم السلام) في كتاب الله عز و جل؟قال: فقال:

«قولوا لهم: إن رسول الله (صلى الله عليه و آله) نزلت عليه الصلاة و لم يسم الله لهم ثلاثا، و لا أربعا، حتى كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) هو الذي فسر ذلك لهم، و نزلت عليه الزكاة و لم يسم لهم من كل أربعين درهما درهما، حتى كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) هو الذي فسر ذلك لهم، و نزل الحج و لم يقل لهم طوفوا سبعا، حتى كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) هو الذي فسر ذلك لهم.

و نزلت‏ أَطِيعُوا اَللََّهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ و نزلت في علي، و الحسن و الحسين (عليهم السلام) ، فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله) في علي: من كنت مولاه فعلي مولاه. و قال (صلى الله عليه و آله) :

أوصيكم بكتاب الله و أهل بيتي، فإني سألت الله عز و جل أن لا يفرق بينهما حتى يوردهما علي الحوض، فأعطاني ذلك. و قال: لا تعلموهم، فهم أعلم منكم. و قال: إنهم لن يخرجوكم من باب هدى، و لن يدخلوكم في باب ضلالة.

فلو سكت رسول الله (صلى الله عليه و آله) فلم يبين من أهل بيته لادعاها آل فلان، و آل فلان، و لكن الله عز و جل نزل في كتابه تصديقا لنبيه (صلى الله عليه و آله) : إِنَّمََا يُرِيدُ اَللََّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ اَلرِّجْسَ أَهْلَ اَلْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ، فكان علي، و الحسن، و الحسين، و فاطمة (عليهم السلام) ، فأدخلهم رسول الله (صلى الله عليه و آله) تحت الكساء، في بيت أم سلمة، ثم قال: اللهم، إن لكل نبي أهلا و ثقلا، و هؤلاء أهل بيتي و ثقلي. فقالت ام سلمة: أ لست من أهلك؟فقال:

إنك إلى خير، و لكن هؤلاء أهلي و ثقلي.

فلما قبض رسول الله (صلى الله عليه و آله) كان علي أولى الناس بالناس، لكثرة ما بلغ فيه رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، و أقامه للناس، و أخذ بيده، فلما مضى علي لم يكن يستطيع علي-و لم يكن ليفعل-أن يدخل محمد بن علي، و لا العباس بن علي، و لا واحدا من ولده، إذا لقال الحسن و الحسين: إن الله تبارك و تعالى أنزل فينا كما أنزل فيك، و أمر بطاعتنا كما أمر بطاعتك، و بلغ فينا رسول الله (صلى الله عليه و آله) كما بلغ فيك، و أذهب عنا الرجس كما أذهبه عنك.

فلما مضى علي (عليه السلام) كان الحسن (عليه السلام) أولى بها لكبره، فلما توفي لم يستطع أن يدخل ولده، و لم يكن ليفعل ذلك، و الله عز و جل يقول: وَ أُولُوا اَلْأَرْحََامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ََ بِبَعْضٍ فِي كِتََابِ اَللََّهِ (2) فيجعلها في ولده، إذن لقال الحسين (عليه السلام) : أمر الله تبارك و تعالى بطاعتي كما أمر بطاعتك و طاعة أبيك، و بلغ في رسول الله (صلى الله عليه و آله) كما بلغ فيك و في أبيك، و أذهب الله عني الرجس كما أذهب عنك و عن أبيك.

____________

(_2) -الكافي 1: 226/1.

(1) النساء 4: 59.

(2) الأنفال 8: 75.

444

فلما صارت إلى الحسين (عليه السلام) لم يكن أحد من أهل بيته يستطيع أن يدعي عليه كما كان هو يدعي على أخيه، و على أبيه، لو أرادا أن يصرفا الأمر عنه، و لم يكونا ليفعلا، ثم صارت حين أفضت إلى الحسين (عليه السلام) ، فجرى تأويل هذه الآية: وَ أُولُوا اَلْأَرْحََامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ََ بِبَعْضٍ فِي كِتََابِ اَللََّهِ ، ثم صارت من بعد الحسين لعلي ابن الحسين (عليه السلام) ، ثم صارت من بعد علي بن الحسين (عليه السلام) إلى محمد بن علي (عليه السلام) » . و قال: «الرجس:

هو الشك، و الله لا نشك في ربنا أبدا» .

و عنه: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن خالد، و الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن يحيى بن عمران الحلبي، عن أيوب بن الحر، و عمران بن علي الحلبي، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) ، مثل ذلك‏ (1) .

99-8585/

____________

_3

- محمد بن الحسن الصفار: عن محمد بن خالد الطيالسي، عن سيف بن عميرة، عن أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال: «الرجس: هو الشك، و لا نشك في ديننا أبدا» .

99-8586/ (_4) - ابن بابويه، قال: حدثنا أبي، و محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد (رضي الله عنهما) ، قالا: حدثنا عبد الله بن جعفر الحميري، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، قال: حدثنا النضر بن شعيب، عن عبد الغفار الجازي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) ، في قول الله عز و جل: إِنَّمََا يُرِيدُ اَللََّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ اَلرِّجْسَ أَهْلَ اَلْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ، قال: «الرجس: هو الشك» .

99-8587/ (_5) - قال: حدثنا علي بن الحسين بن محمد، قال: حدثنا هارون بن موسى التلعكبري، قال: حدثنا عيسى بن موسى الهاشمي بسر من رأى، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن علي، عن علي (عليهم السلام) ، قال: «دخلت على رسول الله (صلى الله عليه و آله) في بيت ام سلمة، و قد نزلت عليه هذه الآية: إِنَّمََا يُرِيدُ اَللََّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ اَلرِّجْسَ أَهْلَ اَلْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله) : يا علي، هذه الآية نزلت فيك، و في سبطي، و الأئمة من ولدك.

فقلت: يا رسول الله، و كم الأئمة من بعدك؟قال: أنت-يا علي-ثم ابناك: الحسن، و الحسين، و بعد الحسين علي ابنه، و بعد علي محمد ابنه، و بعد محمد جعفر ابنه، و بعد جعفر موسى ابنه، و بعد موسى علي ابنه، و بعد علي محمد ابنه، و بعد محمد علي ابنه، و بعد علي الحسن ابنه، و الحجة من ولد الحسين؛ هكذا وجدت أسماءهم مكتوبة على ساق العرش، فسألت الله تعالى عن ذلك، فقال: يا محمد، هم الأئمة بعدك، مطهرون معصومون، و أعداؤهم ملعونون» .

____________

(_3) -بصائر الدرجات: 226/13.

(_4) -معاني الأخبار: 138/1.

(_5) -كفاية الأثر: 155.

(1) الكافي 1: 228.

445

8588/ (_6)

عنه، قال: حدثني أبي، قال: حدثني سعد بن عبد الله، عن الحسن بن موسى الخشاب، عن علي بن حسان الواسطي، عن عمه عبد الرحمن بن كثير، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) : ما عنى الله عز و جل بقوله: إِنَّمََا يُرِيدُ اَللََّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ اَلرِّجْسَ أَهْلَ اَلْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ؟ قال: «نزلت في النبي، و أمير المؤمنين، و الحسن، و الحسين، و فاطمة (صلوات الله عليهم أجمعين) ، فلما قبض الله عز و جل نبيه (صلى الله عليه و آله) كان أمير المؤمنين (عليه السلام) إماما، ثم الحسن (عليه السلام) ، ثم الحسين (عليه السلام) ، ثم وقع تأويل هذه الآية: وَ أُولُوا اَلْأَرْحََامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ََ بِبَعْضٍ فِي كِتََابِ اَللََّهِ (1) ، و كان علي بن الحسين (عليه السلام) إماما، ثم جرت في الأئمة من ولده الأوصياء (عليهم السلام) ، فطاعتهم طاعة الله، و معصيتهم معصية الله عز و جل» .

8589/ (_7)

عنه: عن علي بن الحسين بن شاذويه المؤدب، و جعفر بن محمد بن مسرور (رضي الله عنهما) ، قالا:

حدثنا محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري، عن أبيه، عن الريان بن الصلت، عن الرضا (عليه السلام) ، في حديث المأمون و العلماء و سؤالهم للرضا (عليه السلام) ، فكان فيه: قال (عليه السلام) : «فصارت الوراثة للعترة الطاهرة، لا لغيرهم» .

فقال المأمون: من العترة الطاهرة؟ فقال الرضا (عليه السلام) : «الذين وصفهم الله تعالى في كتابه، فقال: إِنَّمََا يُرِيدُ اَللََّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ اَلرِّجْسَ أَهْلَ اَلْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً و هم الذين قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) : إني مخلف فيكم الثقلين: كتاب الله، و عترتي أهل بيتي، ألا و إنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما. أيها الناس، لا تعلموهم، فإنهم أعلم منكم» .

و في الحديث: قالت العلماء: فأخبرنا، هل فسر الله تعالى الاصطفاء في الكتاب؟ فقال الرضا (عليه السلام) : «فسر الاصطفاء في الظاهر سوى الباطن في اثني عشر موضعا و موطنا: فأول ذلك، قوله تعالى: «و أنذر عشيرتك الأقربين و رهطك المخلصين» هكذا في قراءة أبي بن كعب، و هي ثابتة في مصحف عبد الله بن مسعود، و هذه منزلة رفيعة، و فضل عظيم، و شرف عال حين عنى الله عز و جل بذلك الآل، فذكره لرسول الله (صلى الله عليه و آله) ، فهذه واحدة، و الآية الثانية في الاصطفاء: قوله عز و جل: إِنَّمََا يُرِيدُ اَللََّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ اَلرِّجْسَ أَهْلَ اَلْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً و هذا الفضل الذي لا يجهله أحد إلا معاند أصلا، لأنه فضل بعد طهارة تنتظر، فهذه الثانية»

و ساق الحديث بذكر الاثني عشر.

8590/ (_8)

عنه، قال: حدثنا أبي، و محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد (رضي الله عنهما) ، قالا: حدثنا سعد بن عبد الله، قال: حدثنا محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن الحكم بن مسكين الثقفي، عن أبي الجارود، و هشام أبي ساسان، و أبي طارق السراج، عن عامر بن واثلة، قال: كنت في البيت يوم الشورى، فسمعت عليا (عليه السلام) و هو

____________

(_6) -علل الشرائع: 205/2.

(_7) -الأمالي: 421/1.

(_8) -الخصال: 553/31.

(1) الأنفال 8: 75.

446

يقول: «استخلف الناس أبا بكر و أنا-و الله-أحق بالأمر، و أولى به منه، و استخلف أبو بكر عمر و أنا و الله أحق بالأمر، و أولى به منه، إلا أن عمر جعلني مع خمسة أنا سادسهم، لا يعرف لهم علي فضل، و لو أشاء لاحتججت عليهم بما لا يستطيع عربيهم و لا عجميهم، المعاهد منهم و المشرك تغيير ذلك» .

ثم ذكر (عليه السلام) ما احتج به على أهل الشورى، فقال في ذلك: «نشدتكم بالله، هل فيكم أحد أنزل الله فيه آية التطهير على رسوله (صلى الله عليه و آله) : إِنَّمََا يُرِيدُ اَللََّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ اَلرِّجْسَ أَهْلَ اَلْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ، فأخذ رسول الله (صلى الله عليه و آله) كساء خيبريا، فضمني فيه، و فاطمة، و الحسن، و الحسين، ثم قال: يا رب إن هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس، و طهرهم تطهيرا؟» . قالوا: اللهم لا.

8591/ (_9)

عنه، قال: حدثنا أحمد بن الحسن القطان، قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد الحسني، قال:

حدثنا أبو جعفر محمد بن حفص الخثعمي، قال: حدثنا الحسن بن عبد الواحد، قال: حدثني أحمد بن التغلبي، قال: حدثني أحمد بن عبد الحميد، قال: حدثني حفص بن منصور العطار، قال: حدثنا أبو سعيد الوراق، عن أبيه، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده (عليهم السلام) ، قال: «لما كان من أمر أبي بكر و بيعة الناس له، و فعلهم بعلي بن أبي طالب (عليه السلام) ما كان، لم يزل أبو بكر يظهر له الانبساط، و يرى منه انقباضا، فكبر ذلك على أبي بكر، فأحب لقاءه، و استخراج ما عنده، و المعذرة إليه لما اجتمع الناس عليه، و تقليدهم إياه أمر الامة، و قلة رغبته في ذلك، و زهده فيه، أتاه في وقت غفلة، و طلب منه الخلوة، و قال له: و الله-يا أبا الحسن-ما كان هذا الأمر مواطأة مني، و لا رغبة فيما وقعت فيه، و لا حرصا عليه، و لا ثقة بنفسي فيما تحتاج إليه الأمة، و لا قوة لي بمال، و لا كثرة العشيرة، و لا ابتزازا له دون غيري، فما لك تضمر علي ما لا أستحق منك، و تظهر لي الكراهة فيما صرت إليه، و تنظر إلي بعين السأمة مني؟» .

قال: «فقال له علي (عليه السلام) : فما حملك عليه إذا لم ترغب فيه، و لا حرصت عليه، و لا وثقت بنفسك في القيام به و بما يحتاج منك فيه؟ فقال أبو بكر: حديث سمعته من رسول الله (صلى الله عليه و آله) : إن الله لا يجمع امتي على ضلال، و لما رأيت اجتماعهم اتبعت حديث النبي (صلى الله عليه و آله) ، و أحلت أن يكون اجتماعهم على خلاف الهدى، و أعطيتهم قود الإجابة، و لو علمت أن أحدا يتخلف لامتنعت» .

قال: «فقال علي (عليه السلام) : أما ما ذكرت من حديث النبي (صلى الله عليه و آله) : إن الله لا يجمع امتي على ضلال، أ فكنت من الامة، أو لم أكن؟قال: بلى. قال: و كذلك العصابة الممتنعة عليك: من سلمان، و عمار، و أبي ذر، و المقداد، و ابن عبادة، و من معه من الأنصار؟قال: كل من الامة. فقال علي (عليه السلام) : فكيف تحتج بحديث النبي (صلى الله عليه و آله) و أمثال هؤلاء قد تخلفوا عنك، و ليس من الامة فيهم طعن، و لا في صحبة الرسول (صلى الله عليه و آله) و نصيحته منهم تقصير؟!

____________

(_9) -الخصال: 548/30.

447

قال: ما علمت بتخلفهم إلا من بعد إبرام الأمر، و خفت إن دفعت عني الأمر أن يتفاقم إلى أن يرجع الناس مرتدين عن الدين، و كان ممارستكم إلي-إن أجبتم-أهون مؤونة على الدين، و أبقى له من ضرب الناس بعضهم ببعض فيرجعون كفارا، و علمت أنك لست بدوني في الإبقاء عليهم، و على أديانهم.

قال علي (عليه السلام) : أجل، و لكن أخبرني عن الذي يستحق هذا الأمر، بما يستحقه؟فقال أبو بكر: بالنصيحة، و الوفاء، و رفع المداهنة و المحاباة، و حسن السيرة، و إظهار العدل، و العلم بالكتاب و السنة و فصل الخطاب، مع الزهد في الدنيا و قلة الرغبة فيها، و إنصاف المظلوم من الظالم، القريب و البعيد. ثم سكت. فقال علي (عليه السلام) :

نشدتك بالله-يا أبا بكر-أفي نفسك تجد هذه الخصال، أو في؟قال: بل فيك، يا أبا الحسن» .

ثم ذكر علي (عليه السلام) ما احتج به على أبي بكر مما جاء فيه عن الله سبحانه، و عن رسوله (صلى الله عليه و آله) ، إلى أن قال (عليه السلام) : «أنشدك بالله، ألي و لأهلي و ولدي آية التطهير من الرجس، أم لك، و لأهل بيتك؟قال: بل لك و لأهل بيتك، قال: فأنشدك بالله، أنا صاحب دعوة رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، و أهلي، و ولدي يوم الكساء: اللهم هؤلاء أهلي، إليك لا إلى النار، أم أنت؟قال: بل أنت، و أهلك، و ولدك.

و ذكر له أمير المؤمنين (عليه السلام) سبعين منقبة-ثم ذكر في الحديث بعد ذكر السبعين منقبة-: فلم يزل (عليه السلام) يعد عليه مناقبه التي جعلها الله عز و جل له دونه، و دون غيره، و يقول له أبو بكر: بل أنت. قال: فبهذا و شبهه يستحق القيام بأمور أمة محمد (صلى الله عليه و آله) . فقال له علي (عليه السلام) : فما الذي غرك عن الله، و عن رسوله، و عن دينه، و أنت خلو مما يحتاج إليه أهل دينه؟قال: فبكى أبو بكر، و قال: صدقت-يا أبا الحسن-أنظرني يومي هذا، فأدبر ما أنا فيه، و ما سمعت منك. قال، : فقال له علي (عليه السلام) : لك ذلك، يا أبا بكر.

فرجع من عنده، و خلا بنفسه يومه، و لم يأذن لأحد إلى الليل، و عمر يتردد في الناس لما بلغه من خلوته بعلي (عليه السلام) ، فبات في ليلته، فرأى رسول الله (صلى الله عليه و آله) في منامه متمثلا له في مجلسه، فقام إليه أبو بكر ليسلم عليه، فولى وجهه، فقال أبو بكر: يا رسول الله، هل أمرت بأمر فلم أفعل؟فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله) : أرد السلام عليك، و قد عاديت من ولاه الله و رسوله‏ (1) !رد الحق إلى أهله. قال: فقلت: من أهله؟قال: من عاتبك عليه، و هو علي. قال: فقد رددت عليه-يا رسول الله-بأمرك.

قال: فأصبح، و بكى، و قال لعلي (عليه السلام) : ابسط يدك؛ فبايعه، و سلم إليه الأمر، و قال له: نخرج إلى مسجد رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، فأخبر الناس بما رأيته في ليلتي، و ما جرى بيني و بينك، فاخرج نفسي من هذا الأمر، و اسلم عليك بالإمرة. قال: فقال علي (عليه السلام) : نعم. فخرج من عنده متغيرا لونه، فصادفه عمر، و هو في طلبه، فقال له: ما حالك، يا خليفة رسول الله؟فأخبره بما كان منه، و ما رأى، و ما جرى بينه و بين علي (عليه السلام) ، فقال له عمر: أنشدك بالله-يا خليفة رسول الله-أن تغتر بسحر بني هاشم، فليس هذا بأول سحر منهم. فما زال به حتى رده عن رأيه، و صرفه عن عزمه، و رغبه فيما هو فيه، و أمره بالثبات عليه، و القيام به» .

____________

(1) في المصدر: عاديت اللّه و رسوله و عاديت من والى اللّه و رسوله.

448

قال: «فأتى علي (عليه السلام) المسجد للميعاد، فلم يرد فيه منهم أحد، فأحس بالشر منهم، فقعد إلى قبر رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، فمر به عمر، فقال له: يا علي، دون ما تروم خرط القتاد (1) . فعلم بالأمر، و قام، و رجع إلى بيته» .

8592/ (_10)

عنه: بالإسناد عن عمرو بن أبي المقدام، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن محمد بن الحنفية (رضي الله عنه) ، و عمرو بن أبي المقدام، عن جابر الجعفي، عن أبي جعفر (عليه السلام) ، في حديث مع رأس اليهود، فيما يمتحن به الأوصياء، و ذكر الحديث، إلى أن قال علي (عليه السلام) : «[و رأيت تجرع الغصص، و رد أنفاس الصعداء، و لزوم الصبر حتى يفتح الله أو يقضي بما أحب، أزيد لي في حظي‏]و أرفق بالعصابة التي وصفت أمرهم وَ كََانَ أَمْرُ اَللََّهِ قَدَراً مَقْدُوراً (2) ، و لو لم أتق هذه الحالة-يا أخا اليهود-ثم طلبت حقي لكنت أولى ممن طلبه لعلم من مضى من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، و من بحضرتك منهم بأني كنت أكثر عددا، و أعز عشيرة، و أمنع رجالا، و أطوع أمرا، و أوضح حجة، و أكثر في هذا الدين مناقب و آثارا، لسوابقي، و قرابتي، و وراثتي، فضلا عن استحقاقي ذلك بالوصية التي لا مخرج للعباد منها، و البيعة المتقدمة في أعناقهم ممن تناولها.

و قد قبض محمد (صلى الله عليه و آله) و إن ولاية الامة في يده، و في بيته، لا في يد الاولى تناولوها، و لا في بيوتهم، و لأهل بيته الذين أذهب الله عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا أولى بالأمر بعده من غيرهم في جميع الخصال» . ثم التفت (عليه السلام) إلى أصحابه، فقال: «أليس كذلك؟» قالوا: بلى، يا أمير المؤمنين.

و الحديث مختصر، و تقدم سنده في قوله تعالى: فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى‏ََ نَحْبَهُ (3) ، الآية.

8593/ (_11)

عنه، قال: حدثنا أحمد بن الحسن القطان، و محمد بن أحمد السناني، و علي بن أحمد بن موسى الدقاق، و الحسين بن إبراهيم بن أحمد بن هشام المكتب، و علي بن عبد الله الوراق (رضي الله عنهم) ، قالوا:

حدثنا أبو العباس أحمد بن يحيى بن زكريا القطان، قال: حدثنا بكر بن عبد الله بن حبيب، قال: حدثنا تميم بن بهلول، قال: حدثنا سليمان بن حكيم، عن ثور بن يزيد، عن مكحول، قال: قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) : «لقد علم المستحفظون من أصحاب النبي (صلى الله عليه و آله) أنه ليس فيهم رجل له منقبة إلا و قد شركته فيها، و فضلته، و لي سبعون منقبة لم يشركني فيها أحد منهم» .

قلت: يا أمير المؤمنين، فأخبرني بهن. فذكر أمير المؤمنين (عليه السلام) المناقب، إلى أن قال (عليه السلام) : «و أما السبعون: فإن رسول الله (صلى الله عليه و آله) نام، و نومني، و زوجتي فاطمة، و ابني الحسن و الحسين، و ألقى علينا عباءة قطوانية، فأنزل الله تبارك و تعالى فينا: إِنَّمََا يُرِيدُ اَللََّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ اَلرِّجْسَ أَهْلَ اَلْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً و قال جبرئيل (عليه السلام) : أنا منكم، يا محمد؛ فكان سادسنا جبرئيل (عليه السلام) » .

____________

(_10) -الخصال: 374.

(_11) -الخصال: 572/1.

(1) مثل يضرب للأمر الشاقّ. «المستقصى في أمثال العرب 2: 82» . و القتاد: شجر ذو شوك. «لسان العرب-قتد-3: 342» .

(2) الأحزاب 33: 38.

(3) تقدّم في الحديث (3) من تفسير الآيتين (24، 23) من هذه السورة.

449

99-8594/ (_12) - علي بن إبراهيم، قال: حدثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن عثمان بن عيسى، و حماد بن عثمان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) ، في حديث، قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) لأبي بكر: يا أبا بكر، تقرأ كتاب الله؟قال: نعم. قال: فأخبرني عن قول الله تعالى: إِنَّمََا يُرِيدُ اَللََّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ اَلرِّجْسَ أَهْلَ اَلْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً فيمن نزلت، فينا أم في غيرنا؟قال: بل فيكم» .

99-8595/ (_13) - محمد بن العباس، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد، عن الحسن بن علي بن بزيع، عن إسماعيل بن بشار الهاشمي، عن قتيبة بن محمد الأعشى، عن هاشم بن البريد، عن زيد بن علي، عن أبيه، عن جده (عليهم السلام) ، قال: «كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) في بيت ام سلمة، فأتي بحريرة (1) ، فدعا عليا، و فاطمة، و الحسن، و الحسين (عليهم السلام) فأكلوا منها، ثم جلل عليهم كساء خيبريا، ثم قال: إِنَّمََا يُرِيدُ اَللََّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ اَلرِّجْسَ أَهْلَ اَلْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً » . فقالت ام سلمة: و أنا منهم، يا رسول الله؟قال: «أنت إلى خير» .

8596/ (_14)

عنه، قال: حدثنا عبد العزيز بن يحيى، عن محمد بن زكريا، عن جعفر بن محمد بن عمارة، قال: حدثني أبي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه (عليهما السلام) ، قال: «قال علي بن أبي طالب (عليه السلام) : إن الله عز و جل فضلنا أهل البيت، و كيف لا يكون كذلك، و الله عز و جل يقول في كتابه: إِنَّمََا يُرِيدُ اَللََّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ اَلرِّجْسَ أَهْلَ اَلْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً » ؟فقد طهرنا الله من الفواحش، ما ظهر منها و ما بطن، فنحن على منهاج الحق» .

8597/ (_15)

عنه، قال: حدثنا عبد الله بن علي بن عبد العزيز، عن إسماعيل بن محمد، عن علي بن جعفر ابن محمد، عن الحسين بن زيد، عن عمر بن علي (عليه السلام) ، قال: خطب الحسن بن علي (عليهما السلام) الناس حين قتل علي (عليه السلام) ، فقال: «قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الأولون بعلم، و لا يدركه الآخرون، ما ترك على ظهر الأرض صفراء، و لا بيضاء، إلا سبع مائة درهم فضلت من عطائه، أراد أن يبتاع بها خادما لأهله» .

ثم قال: «أيها الناس، من عرفني فقد عرفني، و من لم يعرفني فأنا الحسن بن علي، و أنا ابن البشير النذير، الداعي إلى الله بإذنه، و السراج المنير، أنا من أهل البيت الذي كان ينزل فيه جبرئيل و يصعد، أنا من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس، و طهرهم تطهيرا» .

8598/ (_16)

عنه، قال: حدثنا مظفر (2) بن يونس بن مبارك، عن عبد الأعلى بن حماد، عن مخول بن

____________

(_12) -تفسير القمّي 2: 156.

(_13) -تأويل الآيات 2: 457/21.

(_14) -تأويل الآيات 2: 458/22.

(_15) -تأويل الآيات 2: 458/23.

(_16) -تأويل الآيات 2: 459/24.

(1) الحريرة: دقيق يطبخ بلبن أو دسم. «المعجم الوسيط 1: 166» .

(2) في المصدر: محمد.

450

إبراهيم، عن عبد الجبار بن‏ (1) العباس، عن عمار الدهني، عن عمرة بنت أفعى، عن ام سلمة، قالت: نزلت هذه الآية في بيتي، و في البيت سبعة: جبرئيل، و ميكائيل، و رسول الله، و علي، و فاطمة، و الحسن، و الحسين (صلوات الله عليهم أجمعين) . قالت: و كنت على الباب، فقلت: يا رسول الله، أ لست من أهل البيت؟قال: «إنك إلى خير، إنك من أزواج النبي» . و ما قال إنك من أهل البيت.

99-8599/ (_17) - الشيخ في (أماليه) ، قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن محمد، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن عمر (رحمه الله) ، قال: حدثني أحمد بن عيسى بن أبي موسى بالكوفة، قال: حدثنا عبدوس بن محمد الحضرمي، قال: حدثني محمد بن فرات، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي (عليه السلام) ، قال: «كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يأتينا كل غداة، فيقول: الصلاة يرحمكم الله، الصلاة إِنَّمََا يُرِيدُ اَللََّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ اَلرِّجْسَ أَهْلَ اَلْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً » .

و رواه الشيخ المفيد في (أماليه) ، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن عمر، و ساق الحديث بباقي السند و المتن‏ (2) .

8600/ (_18)

عنه: عن أبي عمر، قال: أخبرنا أحمد بن محمد، قال: حدثنا الحسين بن عبد الرحمن بن محمد الأزدي، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا عبد النور بن عبد الله بن شيبان، قال: حدثنا سليمان بن قرم، قال:

حدثني أبو الجحاف، و سالم بن أبي حفصة، عن نفيع أبي داود، عن أبي الحمراء، قال: شهدت النبي (صلى الله عليه و آله) أربعين صباحا يجي‏ء إلى باب علي و فاطمة (عليهما السلام) ، فيأخذ بعضادتي الباب، ثم يقول: «السلام عليكم أهل البيت و رحمة الله، الصلاة، يرحمكم الله إِنَّمََا يُرِيدُ اَللََّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ اَلرِّجْسَ أَهْلَ اَلْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً » .

8601/ (_19)

عنه، قال: أخبرنا أبو عمر عبد الواحد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن مهدي، قال: حدثنا أحمد بن محمد، يعني ابن سعيد بن عقدة، قال: أخبرنا أحمد بن يحيى، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا أبي، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن المغيرة مولى أم سلمة، عن ام سلمة زوج النبي (صلى الله عليه و آله) ، أنها قالت: نزلت هذه الآية في بيتها: إِنَّمََا يُرِيدُ اَللََّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ اَلرِّجْسَ أَهْلَ اَلْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ، أمرني رسول الله (صلى الله عليه و آله) أن أرسل إلى علي، و فاطمة، و الحسن، و الحسين (عليهم السلام) ، فلما أتوه اعتنق عليا (عليه السلام) بيمينه، و الحسن (عليه السلام) بشماله، و الحسين (عليه السلام) على بطنه، و فاطمة (عليها السلام) ، عند رجليه، ثم قال: «اللهم، هؤلاء أهلي، و عترتي فأذهب عنهم الرجس، و طهرهم تطهيرا» . قالها ثلاث مرات، قلت: فأنا، يا رسول الله؟فقال: «إنك إلى خير، إن شاء الله» .

____________

(_17) -الأمالي 1: 87.

(_18) -الأمالي 1: 256.

(_19) -الأمالي 1: 269.

(1) في «ج» و «ط» نسخة بدل: عن.

(2) الأمالي: 318/4.

451

8602/ (_20)

عنه، بإسناده عن علي بن الحسين (عليه السلام) ، عن ام سلمة، قالت: نزلت هذه الآية في بيتي، و في يومي، كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) عندي، فدعا عليا، و فاطمة، و الحسن، و الحسين (عليهم السلام) ، و جاء جبرئيل فمد عليهم كساء فدكيا، ثم قال: «اللهم، هؤلاء أهل بيتي-اللهم-أذهب عنهم الرجس، و طهرهم تطهيرا» . قال جبرئيل: «و أنا منكم، يا محمد؟» فقال النبي (صلى الله عليه و آله) : «و أنت منا، يا جبرئيل» .

قالت ام سلمة: فقلت: يا رسول الله، و أنا من أهل بيتك، فجئت لأدخل معهم، فقال: «كوني مكانك، يا ام سلمة، إنك إلى خير، أنت من أزواج نبي الله» . فقال جبرئيل: «اقرأ، يا محمد: إِنَّمََا يُرِيدُ اَللََّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ اَلرِّجْسَ أَهْلَ اَلْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً » في النبي، و علي، و فاطمة، و الحسن، و الحسين (صلوات الله عليهم) .

8603/ (_21)

عنه، قال: أخبرنا الحفار، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن عمار الجعابي الحافظ، قال: حدثني أبو الحسن علي بن موسى الخزاز من كتابه، قال: حدثني الحسن بن علي الهاشمي، قال: حدثنا إسماعيل بن أبان، قال: حدثنا أبو مريم، عن ثوير بن أبي فاختة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: قال أبي: دفع النبي (صلى الله عليه و آله) الراية يوم خيبر إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) ففتح الله عليه، و أوقفه يوم غدير خم، فأعلم الناس أنه مولى كل مؤمن و مؤمنة، و قال له: «أنت مني، و أنا منك» . و قال له: «تقاتل على التأويل كما قاتلت أنا على التنزيل» . و قال له:

«أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي» . و قال له: «أنا سلم لمن سالمت، و حرب لمن حاربت» .

و قال له: «أنت العروة الوثقى» .

و قال له: «أنت تبين لهم ما أشتبه عليهم بعدي» . و قال له: «أنت إمام كل مؤمن و مؤمنة، و ولي كل مؤمن و مؤمنة بعدي» . و قال له: «أنت الذي أنزل الله فيه: وَ أَذََانٌ مِنَ اَللََّهِ وَ رَسُولِهِ إِلَى اَلنََّاسِ يَوْمَ اَلْحَجِّ اَلْأَكْبَرِ (1) » .

و قال له: «أنت الآخذ بسنتي، و الذاب عن ملتي» . و قال له: «أنا أول من تنشق عنه الأرض، و أنت معي» . و قال له: «أنا عند الحوض، و أنت معي» . و قال له: «أنا أول من يدخل الجنة، و أنت بعدي تدخلها، و الحسن، و الحسين، و فاطمة» . و قال له: «إن الله أوحى إلي أن أقوم بفضلك، فقمت به في الناس، و بلغتهم ما أمرني الله بتبليغه» . و قال له:

«اتق الضغائن التي لك في صدور من لا يظهرها إلا بعد موتي، أولئك يلعنهم الله و يلعنهم اللاعنون» .

ثم بكى النبي (صلى الله عليه و آله) ، فقيل: مم بكاؤك، يا رسول الله؟قال: «أخبرني جبرئيل (عليه السلام) أنهم يظلمونه، و يمنعونه حقه، و يقاتلونه، و يقتلون ولده، و يظلمونهم بعده، و أخبرني جبرئيل (عليه السلام) عن الله عز و جل أن ذلك يزول إذا قام قائمهم، و علت كلمتهم، و اجتمعت الامة على محبتهم، و كان الشانئ لهم قليلا، و الكاره لهم ذليلا، و كثر المادح لهم، و ذلك حين تغير البلاد، و ضعف العباد، و الإياس من الفرج، فعند ذلك يظهر القائم فيهم‏ (2) » .

فقيل له: ما اسمه؟قال النبي (صلى الله عليه و آله) : «اسمه كاسمي، و اسم أبيه كاسم أبي، و هو من ولد ابنتي، يظهر

____________

(_20) -الأمالي: 1: 378.

(_21) -الأمالي 1: 361.

(1) التوبة 9: 3.

(2) في المصدر: منهم.

452

الله الحق بهم، و يخمد الباطل بأسيافهم، و يتبعهم الناس بين راغب إليهم، و خائف منهم» .

قال: و سكن البكاء عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، فقال: «معاشر المؤمنين، أبشروا بالفرج، فإن وعد الله لا يخلف، و قضاؤه لا يرد، و هو الحكيم الخبير، فإن فتح الله قريب، اللهم إنهم أهلي، فأذهب عنهم الرجس، و طهرهم تطهيرا، اللهم اكلأهم‏ (1) ، و ارعهم، و كن لهم، و احفظهم، و انصرهم، و أعنهم، و أعزهم، و لا تذلهم، و اخلفني فيهم، إنك على كل شي‏ء قدير» .

و روى هذا الحديث من طريق المخالفين موفق بن أحمد، قال: أنبأني مهذب الأئمة أبو المظفر عبد الملك ابن علي بن محمد الهمداني إجازة، أخبرنا محمد بن الحسين بن علي البزاز، أخبرنا أبو منصور محمد بن عبد العزيز، أخبرنا هلال بن محمد بن جعفر، حدثنا أبو بكر محمد بن عمر الحافظ، حدثني أبو الحسن علي بن موسى الخزاز من كتابه، حدثنا الحسن بن علي الهاشمي، حدثني إسماعيل بن أبان، حدثنا أبو مريم، عن ثوير بن أبي فاختة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: قال أبي: دفع النبي (صلى الله عليه و آله) الراية يوم خيبر إلى علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) ، ففتح الله تعالى عليه، و أوقفه يوم غدير خم، و أعلم الناس أنه مولى كل مؤمن و مؤمنة. و ساق الحديث إلى آخره‏ (2) .

8604/ (_22)

عنه، في (مجالسه) ، قال: أخبرنا جماعة، عن أبي المفضل، قال: حدثنا الحسن بن علي بن زكريا العاصمي، قال: حدثنا أحمد بن عبيد الله الغداني، قال: حدثنا الربيع بن يسار، قال: حدثنا الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، يرفعه إلى أبي ذر (رضي الله عنه) : أن عليا (عليه السلام) ، و عثمان، و طلحة، و الزبير، و عبد الرحمن بن عوف، و سعد بن أبي وقاص، أمرهم عمر بن الخطاب أن يدخلوا بيتا، و يغلقوا عليهم بابه، و يتشاوروا في أمرهم، و أجلهم ثلاثة أيام، فإن توافق خمسة على قول واحد و أبى رجل منهم قتل ذلك الرجل، و إن توافق أربعة و أبى اثنان قتل الاثنان، فلما توافقوا جميعا على رأي واحد، قال لهم علي بن أبي طالب (عليه السلام) : «إني أحب أن تسمعوا مني ما أقول لكم، فإن يكن حقا فاقبلوه، و إن يكن باطلا فأنكروه» . قالوا: قل.

فذكر من فضائله عن الله سبحانه، و عن رسوله (صلى الله عليه و آله) ، و هم يوافقونه، و يصدقونه فيما قال، و كان فيما قال (عليه السلام) : «فهل فيكم أحد أنزل الله فيه آية التطهير، حيث يقول الله تعالى: إِنَّمََا يُرِيدُ اَللََّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ اَلرِّجْسَ أَهْلَ اَلْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً غيري، و زوجتي، و ابني؟» . قالوا: لا.

و عنه، قال: حدثنا جماعة، عن أبي المفضل، قال: حدثنا أبو طالب محمد بن أحمد بن أبي معشر السلمي الحراني بحران، قال: حدثنا أحمد بن الأسود أبو علي الحنفي القاضي، قال: حدثنا عبيد الله بن محمد بن حفص العائشي التيمي، قال: حدثني أبي، عن عمر بن أذينة العبدي، عن وهب بن عبد الله بن أبي دبي الهنائي، قال:

حدثنا أبو حرب بن أبي الأسود الدؤلي، عن أبيه أبي الأسود، قال: لما طعن أبو لؤلؤة عمر بن الخطاب جعل الأمر

____________

(_22) -الأمالي 2: 159.

(1) كلأه: أي حفظه و حرسه. «الصحاح-كلأ-1: 69» .

(2) مناقب الخوارزمي: 23.

453

بين ستة نفر: علي بن أبي طالب (عليه السلام) ، و عثمان بن عفان، و عبد الرحمن بن عوف، و طلحة، و الزبير، و سعد بن مالك، و عبد الله بن عمر معهم، و يشهد النجوى و ليس له في الأمر نصيب. و ذكر حديث المناشدة، نحوه‏ (1) .

8605/ (_23)

عنه، قال: أخبرنا جماعة، عن أبي المفضل، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن جورية الجنديسابوري من أصل كتابه، قال: حدثنا علي بن منصور الترجماني، قال: أخبرنا الحسن بن عنبسة النهشلي، قال: حدثنا شريك بن عبد الله النخعي القاضي، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون الأودي، أنه ذكر عنده علي ابن أبي طالب (عليه السلام) ، فقال: إن قوما ينالون منه، أولئك هم وقود النار، و لقد سمعت عدة من أصحاب محمد (صلى الله عليه و آله) ، منهم: حذيفة بن اليمان، و كعب بن عجرة، يقول كل رجل منهم: لقد اعطي علي (عليه السلام) ما لم يعطه بشر: هو زوج فاطمة سيدة نساء الأولين و الآخرين، فمن رأى مثلها، أو سمع أنه تزوج بمثلها أحد في الأولين و الآخرين؟ و هو أبو الحسن و الحسين سيدا شباب أهل الجنة من الأولين و الآخرين، فمن له-أيها الناس-مثلهما؟ و رسول الله (صلى الله عليه و آله) حموه، و هو وصي رسول الله (صلى الله عليه و آله) في أهله و أزواجه، و سد الأبواب التي في المسجد كلها غير بابه، و هو صاحب باب خيبر، و هو صاحب الراية يوم خيبر، و تفل رسول الله (صلى الله عليه و آله) يومئذ في عينيه و هو أرمد، فما اشتكاهما من بعد، و لا وجد حرا و لا قرا بعد يومه ذلك.

و هو صاحب يوم غدير خم، إذ نوه رسول الله (صلى الله عليه و آله) باسمه، و ألزم أمته ولايته، و عرفهم بخطره، و بين لهم مكانه، فقال: «أيها الناس، من أولى بكم من أنفسكم؟» قالوا: الله، و رسوله. قال: «فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه» . و هو صاحب العباء، و من أذهب الله عز و جل عنه الرجس و طهره تطهيرا، و هو صاحب الطائر، حين قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) : «اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي» . فجاء علي (عليه السلام) فأكل معه.

و هو صاحب سورة براءة، حين نزل بها جبرئيل (عليه السلام) على رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، و قد سار أبو بكر بالسورة، فقال له: «يا محمد، إنه لا يبلغها إلا أنت، أو علي، إنه منك و أنت منه» . فكان رسول الله (صلى الله عليه و آله) منه في حياته، و بعد وفاته.

و هو عيبة علم رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، و من قال له النبي (صلى الله عليه و آله) : «أنا مدينة العلم و علي بابها، فمن أراد العلم فليأتي المدينة من بابها» كما أمر الله، فقال: وَ أْتُوا اَلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوََابِهََا (2) .

و هو مفرج الكرب عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) في الحروب، و هو أول من آمن برسول الله (صلى الله عليه و آله) ، و صدقه و اتبعه، و هو أول من صلى. فمن أعظم فرية على الله، و على رسوله (صلى الله عليه و آله) ، ممن قاس به أحدا، أو شبه به بشرا!

____________

(_23) -الأمالي 2: 170.

(1) الأمالي 2: 169.

(2) البقرة 2: 189.

454

8606/ (_24)

عنه، قال: أخبرنا جماعة، عن أبي المفضل، قال: حدثني أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد بن عبد الرحمن الهمداني بالكوفة، و سألته، قال: حدثنا محمد بن المفضل بن إبراهيم بن قيس الأشعري، قال: حدثنا علي بن حسان الواسطي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن كثير، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده علي بن الحسين (عليهم السلام) ، قال: «لما أجمع الحسن بن علي (عليه السلام) على صلح معاوية خرج حتى لقيه، فلما اجتمعا قام معاوية خطيبا، فصعد المنبر، و أمر الحسن (عليه السلام) أن يقوم أسفل منه بدرجة. ثم تكلم معاوية، فقال:

أيها الناس، هذا الحسن بن علي، و ابن فاطمة، رآنا للخلافة أهلا، و لم ير نفسه لها أهلا، و قد أتانا ليبايع طوعا.

ثم قال: قم، يا حسن. فقام الحسن (عليه السلام) ، فخطب، فقال: «الحمد لله المتحمد (1) بالآلاء و تتابع النعماء، و صارف الشدائد و البلاء عند الفهماء و غير الفهماء المذعنين من عباده، لامتناعه بجلاله و كبريائه و علوه عن لحوق الأوهام ببقائه، المرتفع عن كنه ظنانة المخلوقين من أن تحيط بمكنون غيبه رويات عقول الرائين، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده في ربوبيته و وحدانيته، صمدا لا شريك له، فردا لا ظهير له، و أشهد أن محمدا (صلى الله عليه و آله) عبده و رسوله، اصطفاه و انتجبه و ارتضاه، و بعثه داعيا إلى الحق، و سراجا منيرا، و للعباد مما يخافون نذيرا، و لما يأملون بشيرا، فنصح الامة، و صدع بالرسالة، و أبان لهم درجات العمالة، شهادة عليها أموت و احشر، و بها في الآجلة أقرب و احبر.

و أقول-معشر الخلائق-فاسمعوا، و لكم أفئدة و أسماع، فعوا: إنا أهل بيت أكرمنا الله بالإسلام، و اختارنا، و اصطفانا، و اجتبانا، فأذهب عنا الرجس و طهرنا تطهيرا، و الرجس هو الشك، فلا نشك في الله الحق و دينه أبدا، و طهرنا من كل أفن‏ (2) و غية (3) ، مخلصين إلى آدم نعمة منه، لم يفترق الناس فرقتين إلا جعلنا الله في خيرهما، فأدت الأمور، و أفضت الدهور إلى أن بعث الله محمدا (صلى الله عليه و آله) للنبوة، و اختاره للرسالة، و أنزل عليه كتابه، ثم أمره بالدعاء إلى الله عز و جل، فكان أبي (عليه السلام) أول من استجاب لله تعالى و لرسوله (صلى الله عليه و آله) ، و أول من آمن و صدق الله و رسوله، و قد قال الله تعالى في كتابه المنزل على نبيه المرسل: أَ فَمَنْ كََانَ عَلى‏ََ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شََاهِدٌ مِنْهُ (4) ، فرسول الله (صلى الله عليه و آله) الذي على بينة من ربه، و أبي الذي يتلوه، و هو شاهد منه.

و قد قال له رسول الله (صلى الله عليه و آله) حين أمره أن يسير إلى مكة و الموسم ببراءة: سر بها-يا علي-فإني أمرت أن لا يسير بها إلا أنا، أو رجل مني، و أنت هو يا علي. فعلي من رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، و رسول الله منه. و قال له نبي الله (صلى الله عليه و آله) حين قضى بينه و بين أخيه جعفر بن أبي طالب (عليهما السلام) و مولاه زيد بن حارثة، في ابنة حمزة: أما أنت-يا علي-فمني، و أنا منك، و أنت ولي كل مؤمن بعدي.

____________

(_24) -الأمالي 2: 174.

(1) في «ط» و المصدر: المستحمد.

(2) الأفن: النقص. «الصحاح-أفن-5: 2071» .

(3) في «ي، ط» و المصدر: و عيبة.

(4) هود 11: 17.

455

فصدق أبي رسول الله (صلى الله عليه و آله) سابقا، و وقاه بنفسه، ثم لم يزل رسول الله (صلى الله عليه و آله) في كل موطن يقدمه، و لكل شديدة يرسله، ثقة منه به، و طمأنينة إليه، لعلمه بنصيحته لله عز و جل و رسوله و إنه أقرب المقربين من الله و رسوله، و قد قال الله عز و جل: وَ اَلسََّابِقُونَ اَلسََّابِقُونَ* `أُولََئِكَ اَلْمُقَرَّبُونَ (1) فكان أبي سابق السابقين إلى الله عز و جل و إلى رسوله (صلى الله عليه و آله) ، و أقرب الأقربين.

و قد قال الله تعالى: لاََ يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ اَلْفَتْحِ وَ قََاتَلَ أُولََئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً (2) ، فأبي كان أولهم إسلاما و إيمانا، و أولهم إلى الله و رسوله هجرة و لحوقا، و أولهم على وجده‏ (3) و وسعه نفقة.

قال سبحانه: وَ اَلَّذِينَ جََاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اِغْفِرْ لَنََا وَ لِإِخْوََانِنَا اَلَّذِينَ سَبَقُونََا بِالْإِيمََانِ وَ لاََ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنََا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنََا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (4) ، فالناس من جميع الأمم يستغفرون له، لسبقه إياهم إلى الإيمان بنبيه (صلى الله عليه و آله) ، و ذلك أنه لم يسبقه إلى الإيمان أحد، و قد قال الله تعالى: وَ اَلسََّابِقُونَ اَلْأَوَّلُونَ مِنَ اَلْمُهََاجِرِينَ وَ اَلْأَنْصََارِ وَ اَلَّذِينَ اِتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسََانٍ رَضِيَ اَللََّهُ عَنْهُمْ (5) فهو سابق جميع السابقين، فكما أن الله عز و جل فضل السابقين على المتخلفين و المتأخرين، فكذلك فضل سابق السابقين على السابقين، و قد قال الله عز و جل: أَ جَعَلْتُمْ سِقََايَةَ اَلْحََاجِّ وَ عِمََارَةَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرََامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللََّهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ وَ جََاهَدَ فِي سَبِيلِ اَللََّهِ (6) ، فهو المؤمن بالله، و المجاهد في سبيل الله حقا، و فيه نزلت هذه الآية.

و كان ممن استجاب لرسول الله (صلى الله عليه و آله) عمه حمزة، و جعفر ابن عمه، فقتلا شهيدين (رضي الله عنهما) في قتلى كثيرة معهما من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، فجعل الله تعالى حمزة سيد الشهداء من بينهم، و جعل لجعفر جناحين يطير بهما مع الملائكة كيف يشاء من بينهم، و ذلك لمكانهما من رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، و منزلتهما، و قرابتهما منه (صلى الله عليه و آله) ، و صلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) على حمزة سبعين صلاة من بين الشهداء الذين استشهدوا معه.

و كذلك جعل الله تعالى لنساء النبي (صلى الله عليه و آله) ، للمحسنة منهن أجرين، و للمسيئة منهن وزرين ضعفين، لمكانهن من رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، و جعل الصلاة في مسجد رسول الله (صلى الله عليه و آله) بألف صلاة في سائر المساجد إلا المسجد الحرام، و مسجد خليله إبراهيم (عليه السلام) بمكة، و ذلك لمكان رسول الله (صلى الله عليه و آله) من ربه.

و فرض الله عز و جل الصلاة على نبيه (صلى الله عليه و آله) ، على كافة المؤمنين، فقالوا: يا رسول الله، كيف الصلاة

____________

(1) الواقعة 56: 10 و 11.

(2) الحديد 57: 10.

(3) الوجد: اليسار و السّعة. «لسان العرب-وجد-3: 445» .

(4) الحشر 59: 10.

(5) التوبة 9: 100.

(6) التوبة 9: 19.

456

عليك؟فقال: قولوا: اللهم صل على محمد و آل محمد. فحق على كل مسلم أن يصلي علينا مع الصلاة على النبي (صلى الله عليه و آله) فريضة واجبة.

و أحل الله تعالى خمس الغنيمة لرسوله (صلى الله عليه و آله) ، و أوجبها له في كتابه، و أوجب لنا من ذلك ما أوجب له، و حرم عليه الصدقة، و حرمها علينا معه، فأدخلنا-و له الحمد-فيما أدخل فيه نبيه (صلى الله عليه و آله) ، و أخرجنا و نزهنا مما أخرجه منه و نزهه عنه، كرامة أكرمنا الله عز و جل بها، و فضيلة فضلنا بها على سائر العباد، فقال الله تعالى لمحمد (صلى الله عليه و آله) حين جحده كفرة أهل الكتاب و حاجوه: فَقُلْ تَعََالَوْا نَدْعُ أَبْنََاءَنََا وَ أَبْنََاءَكُمْ وَ نِسََاءَنََا وَ نِسََاءَكُمْ وَ أَنْفُسَنََا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اَللََّهِ عَلَى اَلْكََاذِبِينَ (1) ، فأخرج رسول الله (صلى الله عليه و آله) من الأنفس معه أبي، و من البنين أنا و أخي، و من النساء فاطمة امي من الناس جميعا، فنحن أهله، و لحمه، و دمه، و نفسه، و نحن منه، و هو منا.

و قد قال الله تعالى: إِنَّمََا يُرِيدُ اَللََّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ اَلرِّجْسَ أَهْلَ اَلْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ، فلما نزلت آية التطهير جمعنا رسول الله (صلى الله عليه و آله) أنا، و أخي، و امي، و أبي، فجللنا و نفسه في كساء لام سلمة خيبري، و ذلك في حجرتها، و في يومها، فقال: اللهم، هؤلاء أهل بيتي، و هؤلاء أهلي و عترتي، فأذهب عنهم الرجس، و طهرهم تطهيرا. فقالت ام سلمة (رضي الله عنها) : أدخل معهم، يا رسول الله؟فقال لها رسول الله (صلى الله عليه و آله) : يرحمك الله، أنت على خير، و إلى خير، و ما أرضاني عنك!و لكنها خاصة لي و لهم.

ثم مكث رسول الله (صلى الله عليه و آله) بعد ذلك بقية عمره حتى قبضه الله إليه يأتينا في كل يوم عند طلوع الفجر، فيقول: الصلاة، يرحمكم الله إِنَّمََا يُرِيدُ اَللََّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ اَلرِّجْسَ أَهْلَ اَلْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً .

و أمر رسول الله (صلى الله عليه و آله) بسد الأبواب الشارعة في مسجده غير بابنا، فكلموه في ذلك، فقال: أما إني لم أسد أبوابكم و أفتح باب علي من تلقاء نفسي، و لكن أتبع ما يوحى إلي، و إن الله أمر بسدها و فتح بابه، فلم يكن أحد من بعد ذلك تصيبه الجنابة في مسجد رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، و يولد فيه الأولاد، غير رسول الله و أبي (عليهما السلام) ، تكرمة من الله تعالى لنا، و فضلا اختصنا به على جميع الناس.

و هذا باب أبي قرين باب رسول الله (صلى الله عليه و آله) في مسجده، و منزلنا بين منازل رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، و ذلك أن الله أمر نبيه (صلى الله عليه و آله) أن يبني مسجده، فبنى‏ (2) فيه عشرة أبيات، تسعة لبنيه و أزواجه، و عاشرها -و هو متوسطها-لأبي، فها هو بسبيل مقيم، و البيت هو المسجد المطهر، و هو الذي قال الله تعالى: أَهْلَ اَلْبَيْتِ ، فنحن أهل البيت، و نحن الذين أذهب الله عنا الرجس، و طهرنا تطهيرا. أيها الناس، إني لو قمت حولا فحولا أذكر الذي أعطانا الله عز و جل، و خصنا به من الفضل في كتابه و على لسان نبيه (صلى الله عليه و آله) لم أحصه، و أنا ابن النذير البشير، و السراج المنير، الذي جعله الله رحمة للعالمين، و أبي علي ولي المؤمنين، و شبيه هارون.

____________

(1) آل عمران 3: 61.

(2) في «ج» : فيبني.

457

و أن معاوية بن صخر زعم أني رأيته للخلافة أهلا، و لم أر نفسي لها أهلا!فكذب معاوية، و ايم الله لأنا أولى الناس بالناس في كتاب الله، و على لسان رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، غير أنا لم نزل أهل البيت مخيفين، مظلومين، مضطهدين منذ قبض رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، فالله بيننا و بين من ظلمنا حقنا، و نزل على رقابنا، و حمل الناس على أكتافنا، و منعنا سهمنا في كتاب الله من الفي‏ء و الغنائم، و منع امنا فاطمة (عليها السلام) إرثها من أبيها.

إنا لا نسمي أحدا، و لكن اقسم بالله قسما تاليا، لو أن الناس سمعوا قول الله عز و جل و رسوله لأعطتهم السماء قطرها، و الأرض بركتها، و لما اختلف في هذه الامة سيفان، و لأكلوها خضراء خضرة إلى يوم القيامة، و ما طمعت فيها، يا معاوية، و لكنها لما أخرجت سالفا من معدنها، و زحزحت عن قواعدها تنازعتها قريش بينها، و ترامتها كترامي الكرة، حتى طمعت فيها أنت-يا معاوية-و أصحابك من بعدك، و قد قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) :

ما ولت امة أمرها رجلا قط، و فيهم من هو أعلم منه، إلا لم يزل أمرهم يذهب سفالا حتى يرجعوا إلى ما تركوا.

و قد تركت بنو إسرائيل-و كانوا أصحاب موسى-هارون أخاه و خليفته و وزيره، و عكفوا على العجل، و أطاعوا فيه سامريهم، و هم يعلمون أنه خليفة موسى، و قد سمعت هذه الامة رسول الله (صلى الله عليه و آله) يقول ذلك لأبي (عليه السلام) : إنه مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي. و قد رأوا رسول الله (صلى الله عليه و آله) حين نصبه لهم بغدير خم، و سمعوه، و نادى له بالولاية، ثم أمرهم أن يبلغ الشاهد منهم الغائب، و قد خرج رسول الله (صلى الله عليه و آله) حذرا (1) من قومه إلى الغار-لما أجمعوا على أن يمكروا به و هو يدعوهم-لما لم يجد عليهم أعوانا، و لو وجد عليهم أعوانا لجاهدهم.

و قد كف أبي يده، و ناشدهم، و استغاث أصحابه، فلم يغث، و لم ينصر، و لو وجد عليهم أعوانا ما أجابهم، و قد جعل في سعة كما جعل النبي (صلى الله عليه و آله) في سعة.

و قد خذلتني الامة و بايعتك-يا ابن حرب-و لو وجدت عليك أعوانا يخلصون ما بايعتك، و قد جعل الله عز و جل هارون في سعة حين استضعفه قومه و عادوه، كذلك أنا و أبي في سعة من الله حين تركتنا الامة و تابعت‏ (2)

غيرنا، و لم نجد عليهم أعوانا، و إنما هي السنن و الأمثال يتبع بعضها بعضا.

أيها الناس، إنكم لو التمستم بين المشرق و المغرب رجلا جده رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، و أبوه وصي رسول الله لم تجدوا غيري و غير أخي، فاتقوا الله، و لا تضلوا بعد البيان، و كيف بكم، و أنى ذلك لكم؟ألا و إني قد بايعت هذا-و أشار إلى معاوية- وَ إِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَ مَتََاعٌ إِلى‏ََ حِينٍ (3) .

أيها الناس، إنه لا يعاب أحد بترك حقه، و إنما يعاب أن يأخذ ما ليس له، و كل صواب نافع، و كل خطأ ضار لأهله، و قد كانت القضية ففهمها سليمان، فنفعت سليمان، و لم تضر داود، و أما القرابة فقد نفعت المشرك، و هي و الله للمؤمن أنفع، قول رسول الله (صلى الله عليه و آله) لعمه أبي طالب و هو في الموت: قل لا إله إلا الله أشفع لك بها يوم

____________

(1) في المصدر: حذارا.

(2) في المصدر: و بايعت.

(3) الأنبياء 21: 111.

458

القيامة. و لم يكن رسول الله (صلى الله عليه و آله) يقول له و يعد إلا ما يكون منه على يقين، و ليس ذلك لأحد من الناس كلهم غير شيخنا، أعني أبا طالب، يقول الله عز و جل: وَ لَيْسَتِ اَلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ اَلسَّيِّئََاتِ حَتََّى إِذََا حَضَرَ أَحَدَهُمُ اَلْمَوْتُ قََالَ إِنِّي تُبْتُ اَلْآنَ وَ لاَ اَلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَ هُمْ كُفََّارٌ أُولََئِكَ أَعْتَدْنََا لَهُمْ عَذََاباً أَلِيماً (1) .

أيها الناس، اسمعوا و عوا، و اتقوا الله و ارجعوا، و هيهات منكم الرجعة إلى الحق و قد صارعكم النكوص، و خامركم الطغيان و الجحود أَ نُلْزِمُكُمُوهََا وَ أَنْتُمْ لَهََا كََارِهُونَ (2) ؟و السلام على من اتبع الهدى» . قال: «فقال معاوية: و الله ما نزل الحسن حتى أظلمت علي الأرض، و هممت أن أبطش به، ثم علمت أن الإغضاء أقرب إلى العافية» .

8607/ (_25)

عنه، قال: أخبرنا جماعة، عن أبي المفضل، قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله العرزمي، عن أبيه، عن عمار أبي اليقظان، عن أبي عمر زاذان، قال: لما وادع الحسن بن علي (عليه السلام) معاوية صعد معاوية المنبر، و جمع الناس، فخطبهم، و قال: إن الحسن بن علي رآني للخلافة أهلا، و لم ير نفسه لها أهلا. و كان الحسن (عليه السلام) أسفل منه بمرقاة، فلما فرغ من كلامه قام الحسن (عليه السلام) ، فحمد الله تعالى بما هو أهله، ثم ذكر المباهلة، فقال: «فجاء رسول الله (صلى الله عليه و آله) من الأنفس بأبي، و من الأبناء بي، و بأخي، و من النساء بامي، و كنا أهله، و نحن آله‏ (3) ، و هو منا و نحن منه.

و لما نزلت آية التطهير جمعنا رسول الله (صلى الله عليه و آله) في كساء لام سلمة (رضي الله عنها) خيبري، ثم قال: اللهم، هؤلاء أهل بيتي و عترتي، فأذهب عنهم الرجس، و طهرهم تطهيرا، فلم يكن أحد في الكساء غيري و أخي و أبي و امي.

و لم يكن أحد يجنب في المسجد، و يولد له فيه إلا النبي (صلى الله عليه و آله) و أبي، تكرمة من الله تعالى لنا، و تفضيلا منه لنا، و قد رأيتم مكان منزلنا من رسول الله (صلى الله عليه و آله) ، و امر بسد الأبواب، فسدها و ترك بابنا، فقيل له في ذلك، فقال: أما إني زعم لكم أني لم أسدها و أفتح بابه، و لكن الله عز و جل أمرني أن أسدها و أفتح بابه.

و إن معاوية زعم لكم أني رأيته للخلافة أهلا، و لم أر نفسي لها أهلا، فكذب معاوية، نحن أولى الناس بالناس في كتاب الله، و على لسان نبيه (صلى الله عليه و آله) ، و لم نزل أهل البيت مظلومين منذ قبض الله تعالى نبيه (صلى الله عليه و آله) ، فالله بيننا و بين من ظلمنا حقنا، و توثب على رقابنا، و حمل الناس علينا، و منعنا سهمنا من الفي‏ء، و منع امنا ما جعل لها رسول الله (صلى الله عليه و آله) .

و اقسم بالله لو أن الناس بايعوا أبي حين فارقهم رسول الله (صلى الله عليه و آله) لأعطتهم السماء قطرها، و الأرض بركتها، و ما طمعت فيها يا معاوية، فلما خرجت من معدنها تنازعتها قريش بينها، فطمعت فيها الطلقاء و أبناء

____________

(_25) -الأمالي 2: 171.

(1) النساء 4: 18.

(2) هود 11: 28.

(3) في «ط» و المصدر: و نحن له.