المحصول في علم الاُصول‏ - ج3

- محمود الجلالي المازندراني المزيد...
654 /
451

فصل في أصل التخيير

و قبل الخوض في المطلب نقدّم أُموراً:

الأمر الأوّل: انّ الشيخ الأعظم عنون في البراءة مطالب ثلاثة،

و بحث في كلّ مطلب، عن أربعة مسائل، لأنّ التكليف المشكوك فيه، إمّا تحريم مشتبه بغير الوجوب، و إمّا وجوب مشتبه بغير التحريم، و إمّا تحريم مشتبه بالوجوب. و منشأ الشك في كل منها إمّا فقدان النص أو إجماله أو تعارضه، أو خلط الأُمور الخارجية (1).

و المطلب الثالث أعني: التحريم المشتبه بالوجوب، هو الذي نريد أن نبحث عنه هنا بعنوان دوران الأمر بين المحذورين.

ثمّ إنّه (قدس سره): عنون في الشك في المكلّف به، مطالب ثلاثة أيضاً، أعني: دوران الأمر بين الحرام و غير الواجب، و دورانه بين الواجب و غير الحرام، و دورانه بين الواجب و الحرام.

» و الأوّل هو اشتباه الحرام بغير الواجب، و الثاني اشتباه الواجب بغير الحرام، و الثالث اشتباه الواجب بالحرام «و منشأ الشك في الكلّ إمّا فقدان النص أو

____________

(1)- الفرائد: ص 228.

452

إجماله، أو تعارضه، أو خلط الأُمور الخارجية، فصارت المسائل في كلّ مطلب أيضاً أربعة (1).

و لقائل أن يسأل عن الفرق بين المطلبين في المقامين و إليك الجواب:

الفرق هو أنّ في دوران الأمر بين المحذورين في الشك في التكليف ليس إلّا تكليفاً واحداً مردّداً بين الوجوب و الحرمة، سواء كان الموضوع و المتعلّق معلومين كما إذا تردد حكم العبادة في أيام الاستظهار بين الوجوب و الحرمة أو تردد أمر زيد بين كونه مؤمناً أو محارباً، أو كان الموضوع مردّداً مثل الحكم، دون المتعلّق، كما إذا علم أنّه حلف إمّا على نُصح المرأة أو على ترك مسّها إلى شهر، فالحكم مردد بين الوجوب و الحرمة، و الموضوع أيضاً مثله مردّد بين النصح و ترك المس، و يدور أمر التكليف بين وجوب النصيحة لها أو حرمة المس، و سيوافيك أنّه ليس كلّ مورد يكون الحكم دائراً بين المحذورين يكون مجرى للتخيير، بل ربّما يكون مجرى للاحتياط كما في هذا المورد، و إن كان المتعلّق أعني المرأة معلوماً لكن الحكم الموجود في البين واحد على كلّ تقدير.

و أمّا في دوران الأمر بين المحذورين في الشك في المكلّف به، فإنّ هناك حكمين متضادين قطعيين اشتبه موضوعهما كما إذا علم أنّ واحدة من صلاتي الظهر أو الجمعة واجبة و الأُخرى محرّمة و لم يعرف الواجب من الحرام فهما حكمان قطعيان اشتبه موضوعهما.

فالميزان هو وحدة الحكم (لا وحدة الموضوع) في الشك في التكليف، و تعدّد الحكم في الآخر كما عرفت.

و إن شئت قلت: إنّ نوع التكليف في دوران الأمر بين المحذورين في قسم الشك في التكليف مجهول، بخلافه في المقام، فإنّ النوع معلوم و نحن نعلم أنّ المولى تارة قال: افعل. و أُخرى قال: لا تفعل. لكن اشتبه الموضوع.

____________

(1)- الفرائد: 335 طبعة رحمة اللّه.

453

الأمر الثاني: انّ هذا الفصل منعقد لبيان» أصالة التخيير «التي هي إحدى الأُصول الشرعية،

فإنّ الشيخ الأنصاري عقد لكل من البراءة و الاشتغال و الاستصحاب فصلًا خاصاً و لم يخصّها بفصل. و لأجل ذلك ربّما يشتبه الأمر على المبتدئ و يقول في نفسه ما هو البحث المخصَّص بالتخيير.

و كان الأنسب في الكتب الدراسية فتح فصل خاص لأصل التخيير، مثل الأُصول الثلاثة و البحث عن مسائلها في مكان واحد. كما صنعه المحقّق النائيني (قدس سره) و لأجل ذلك تبعنا المحقّق في ذلك الفصل و طرحنا جميع ما يمكن أن يكون مجرى لأصل التخيير في هذا المقام من غير فرق بين الشك في التكليف و الشك في المكلّف به و قدَّمنا البحث عن الأوّل على الثاني.

الأمر الثالث: أصل التخيير مع كون الشك في التكليف.

إذا كان الشك في أصل التكليف بأن كان نوعه مجهولًا و كان الأمر دائراً بين المحذورين، فهو مجرى ذلك الأصل و يقع الكلام فيه في مقامين:

الأوّل: دوران الأمر بين المحذورين في التوصّليات كتردّد الانسان بين كونه واجب القتل أو محقون الدم.

الثاني: دوران الأمر بين المحذورين في التعبّديات سواء كان أحد الحكمين تعبّدياً أو كليهما كالصلاة في أيّام الاستظهار لفرض كون أحد الحكمين تعبدياً لا يسقط إلّا بالقربة.

و بذلك يظهر أنّ المخالفة العملية القطعية غير ممكنة في الأُولى دون الثانية.

أمّا المقام الأوّل: فنقول: إذا دار الأمر بين المحذورين و كان الحكمان توصّليين فهل المورد محكوم بحكم ظاهري أو لا، و على الأوّل فما هو الحكم الظاهر في المقام فيه أقوال:

454

1 الحكم بالبراءة عقلًا و نقلًا، قائلًا بجريان الأُصول النافية (كالبراءة) دون المثبتة كأصالة الإباحة.

2 وجوب الأخذ بأحدهما تعييناً و هو الحرمة.

3 وجوب الأخذ بأحدهما تخييراً.

4 ليس المورد محكوماً بحكم ظاهري شرعاً و لا تجري فيه البراءتان و لا أصالة التخيير، و لا الاستصحاب و لا أصالة الإباحة، و يكفي فيه كون الإنسان مخيّراً تكويناً بلا حاجة إلى حكم ظاهري أبداً حتى التخيير من الشرعي و العقلي كما سيوافيك، و هو مختار المحقّق النائيني.

5 الحكم بالتخيير عقلًا مع الحكم بالإباحة شرعاً، و هو مختار الكفاية، قائلًا: بجريان الأُصول المثبتة للتكليف و هي الإباحة.

و لنأخذ بدراسة الأقوال واحداً بعد واحد:

أمّا القول الأوّل: فقد استدلّ على البراءة العقلية بحكم العقل بقبح المؤاخذة على خصوص الوجوب أو الحرمة للجهل به و عموم النقل. و قد أورد على التمسّك بالبراءة العقلية بوجهين:

الأوّل: ما أفاده المحقّق الخراساني: لا مجال هاهنا لقاعدة قبح العقاب بلا بيان. فانّه لا قصور فيه هاهنا، و إنّما يكون عدم تنجّز التكليف لعدم التمكّن من الموافقة القطعية كمخالفتها، و الموافقة الاحتمالية حاصلة لا محالة.

يلاحظ عليه: أنّ المقصود من البيان ما يكون إمّا باعثاً و محرّكاً، أو زاجراً و ناذراً، و يُخرِج المكلّف عن الحيرة، بالجنوح إمّا إلى الفعل، و إمّا إلى الترك، و الخطاب المردّد بين» افعل «و» لا تفعل «فاقد لهذه الخصوصية.

و بعبارة أُخرى البيان الوافي عبارة عمّا لو سكت المتكلّم عليه لكفى في نظر العقلاء و يصدق عليه أنّه أدّى الوظيفة في مقام التبيين، و الخطاب المردّد بين‏

455

النقيضين ليس كذلك، بخلاف ما لو أمر و تردّد بين أمرين، فانّ السكوت عليه يصحّ إذا اقتضى الإجمال.

الثاني: ما أفاده المحقّق النائيني: انّ مدرك البراءة العقلية قبح العقاب بلا بيان، و في باب دوران الأمر بين المحذورين يقطع بعدم العقاب، لأنّ وجود العلم الاجمالي كعدمه، لا يقتضي التنجّز و التأثير، فالقطع بالمؤمِّن حاصل بنفسه بلا حاجة إلى حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان‏ (1).

يلاحظ عليه: أنّ كون العلم الإجمالي غير منجّز و كون وجوده كعدمه لا يكون مؤمِّناً، لأنّ كون وجوده كعدمه يوجب كون المقام أشبه بالشبهات البدئية، و هي ممّا يجب فيه تحصيل المؤمِّن، و بالجملة إذا احتملنا أنّه يجب أن يؤخذ في مقام الظاهر لواحد من الحكمين، يصحّ أن يتمسّك في رفعه بالبراءة العقلية.

هذا كلّه حول البراءة العقلية.

و أمّا الشرعية: فقد استشكل فيه المحقّق النائيني بأنّ مدركها قوله:» رفع ما لا يعلمون «و الرفع فرع الوضع، و في موارد دوران الأمر بين المحذورين لا يمكن وضع الوجوب و الحرمة كليهما لا على سبيل التعيين (لاستلزامه التكليف بغير المقدور) و لا على سبيل التخيير. (لكونه تحصيلًا للحاصل) و مع عدم امكان الوضع لا يعقل تعلّق الرفع فأدلة البراءة الشرعية لا تعمّ المقام‏ (2).

يلاحظ عليه: أنّ الممتنع هو وضع كلّ واحد في عرض وضع الآخر، و أمّا وضع كلّ واحد مستقلًا وحده، فلا مانع منه وعليه فلا مانع من رفعه، وعليه يشير المكلّف إلى الوجوب و يجده مشكوكاً، فيرفعه لإمكان وضعه كذلك، و مثله الحرمة و إلى ما ذكرنا ينظر ما ذكره صاحب المصباح: إجراء الأصل في الوجوب لا يفيد إلّا جواز الترك و لا نظر له إلى جانب الفعل حتى يحتمل حرمته في زمان اجراء ذاك‏

____________

(1)- الفوائد ج 3 ص 448.

(2)- المصدر نفسه.

456

الأصل، كما أنّ إجراءه في جانب الحرمة يفيد جواز ارتكابه مع احتمال وجوبه هذا الآن‏ (1).

فإن قلت: ما هو الأثر الشرعي لجريان البراءة العقلية و الشرعية في المقام، فإنّ المفروض أنّ المكلّف غير قادر على المخالفة القطعية، و الموافقة الاحتمالية و المخالفة كذلك، حاصلة فما هو الهدف من التمسّك بالبراءتين.

قلت: إنّ الأثر هو رفع توهّم لزوم الإفتاء بواحد من الحكمين في مقام العمل، إمّا معيّناً كما هو مختار المحقّق القمي أو مخيّراً كما هو القول الثالث، و كفى بهذا كونه أثراً، لأنّ البيان غير واف لواحد بعينه.

فإن قلت: أ ليس جريان البراءة مستلزماً للمخالفة الالتزامية حيث إنّ المكلّف واقف على كون واحد منهما حكم الواقعي و قد طرحه بالبراءة.

قلت: سيأتي الكلام فيها في آخر الفصل.

و أمّا القول الثاني: أعني الأخذ بأحدهما تعييناً و هو جانب الحرمة فاستدل عليه بأنّ دفع المفسدة أولى من جلب المنفعة.

يلاحظ عليه: بأمرين: 1 الضابطة ليست بتامّة إذ ربّ واجب أولى من محرّم كنجاة النفس المحترمة بالنسبة إلى التصرّف في مال الغير.

2 أنّ القاعدة فيما إذا ثبت الملاك و دار الأمر بين ارتكاب المفسدة القطعية، و جلب المنفعة القطعية، لا في مثل المقام، الذي لم يثبت وجود المفسدة، غاية الأمر احتمالها، و أمّا توهّم لزوم الأخذ بأحدهما عملًا بالموافقة الالتزامية فقد أوضحنا حالها عند البحث عن وجوبها في مبحث القطع، و قلنا بأنّ المراد منها هو الاعتقاد بما جاء به النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) إجمالًا أو تفصيلًا إذا علم، لا الأخذ بمحتمل التكليف بجدّ و حماس فانّه أشبه بالتشريع.

____________

(1)- مصباح الأُصول: ج 2 ص 330.

457

و أمّا القول الثالث: أعني: كون الحكم الظاهري هو التخيير شرعاً فقد استدل عليه بما يلي:

ما ورد في الأخبار المتعارضة من الأمر بالتخيير (1) ابتداءً أو عند فقد الترجيح من غير فرق بين مطلق الخبرين المتعارضين أو خصوص ما دلّ أحدهما على الوجوب و الآخر على الحرمة.

يلاحظ عليه: أنّ المقصود من التخيير في المقام هو التخيير في المسألة الأُصولية أي الإفتاء بأحدهما و موضع الروايات ما إذا دار الأمر بين المحذورين لأجل تعارض النصّين، لا في مورد فقدان النص أو إجماله أو الشبهة الموضوعية و التعدّي من مورد التعارض إلى مطلق الدوران و تفريع الإفتاء بأحدهما مطلقاً، قياس لا نقول به.

فإن قلت: إنّ مناط التخيير هو كون الخبرين منشأ لوجود احتمالين، و هو موجود في المقام. أضف إليه أنّه إذا جاز الأخذ بأحد الحكمين في مقام الإفتاء فيما إذا لم يعلم مطابقة أحدهما للواقع كما في مورد الخبرين المتعارضين لاحتمال كذب كليهما، لجاز فيما إذا علم قولان نعلم بمطابقة أحدهما للواقع بطريق أولى.

قلت: إنّ تنقيح المناط أو ادّعاء الأولوية إنّما يصحّ إذا لم تكن الخصوصية محتملة المدخلية، و الحال أنّه من المحتمل أن يكون لقيام الحجّتين دخل في الأمر بالتخيير، حيث إنّ الخبرين حجّتان كاملتان و ليس في البين سوى التعارض، بخلاف المقام إذ ليس في المقام سوى العلم بواحد من الحكمين.

ثمّ إنّ المحقّق النائيني أورد على هذا القول ما هذا حاصله: أنّ التخيير إمّا شرعي واقعي (كخصال الكفّارات) أو ظاهري كالتخيير في باب تعارض الطرق و الأمارات. و إمّا عقلي كالتخيير الذي يحكم به في باب التزاحم و الكلّ في المقام‏

____________

(1)- الوسائل: ج 18، الباب 12 من أبواب صفات القاضي و قد ادّعى الشيخ تواتره و هو بعد غير ثابت.

458

منتف. أمّا الأوّل و الثاني: فإنّ الهدف من جعل التخيير، هو سوق المكلّف إلى المجعول، و المكلّف مخيّر بين فعل الشي‏ء و تركه تكويناً فلا يمكن جعل ما هو الحاصل بنفسه سواء كان جعلًا واقعياً أو ظاهرياً.

و أمّا الثالث فلأنّه إنّما يجري فيما إذا كان في طرفي التخيير ملاك يلزم استيفاءه و لم يتمكّن المكلّف من الجمع بين الطرفين كما في باب التزاحم، و في دوران الأمر بين المحذورين ليس الأمر كذلك. لعدم ثبوت الملاك في كلّ من طرفي الفعل و الترك. و التخيير في باب دوران الأمر بين المحذورين إنّما هو من التخيير التكويني حيث إنّ الشخص لا يخلو بحسب الخلقة من الأكوان الأربعة، لا التخيير الناشئ عن ملاك يقتضيه فأصالة التخيير عند دوران الأمر بين وجوب الفعل و تركه ساقطة (1).

يلاحظ عليه: أنّ المقصود من التخيير في المقام هو التخيير في المسألة الأُصولية و أنّه يجوز للمجتهد في هذه الموارد، الإفتاء بأحد المضمونين، كما يجوز في الخبرين المتعارضين، و هذا وراء التخيير التكويني، و هذا التخيير مثل التخيير المجعول في الأمارات المتعارضة، و السوق إليه، ليس أمراً لغواً و لا تحصيلًا للحاصل، و منشأ الإشكال هو الخلط بين التخيير في المسألة الأُصولية و التخيير في المسألة الفرعية، أعني: الأخذ بأحدهما في مقام العمل بأن يكون الواجب على المكلّف أحد الأمرين تخييراً من الفعل و الترك فإنّ هذا تحصيل للحاصل، و لا يعقل تعلّق الطلب به.

و ثانياً: انّا نمنع تعلّق التخيير العقلي بما إذا كان في كلا الطرفين ملاك، بل هو يدرك ويحكم به إذا لم يكن كذلك، كما إذا وقف بين الطريقين و لم يدر ما هو الطريق الموصل، ففي مثله يحكم بالتخيير، لإمكان الوصول إلى المقصد، بنسبة الخمسين بالمائة، و أمّا التوقّف فهو غير موصل مائة بالمائة.

و أمّا القول الرابع: أعني الحكم بالتخيير من دون الالزام بحكم ظاهري فهو

____________

(1)- الفوائد: ج 3 ص 444 445.

459

خيرة المحقّق النائيني فقد منع عن جريان الأُصول، لا بملاك واحد، بل عدم جريان كلّ واحد منها بملاك خاص. أمّا أصالة البراءة العقلية و الشرعية، فقد عرفت ما أفاده كما وقفت على ما أفاده حول عدم جريان أصالة التخيير. بقي ما أفاده حول الأصلين، أعني: أصالة الإباحة و الاستصحاب.

أمّا الأوّل: فسيوافيك بيانه عند البحث عن القول الخامس و إنّما المهم هو بيان ما هو الوجه في عدم جريان الاستصحاب، و حاصل ما أفاده: هو أنّه لمّا كان الاستصحاب من الأُصول المتكفّلة للتنزيل، فلا يمكن الجمع بين مؤدّاه و العلم الإجمالي، فإنّ البناء على عدم وجوب الفعل و عدم حرمته واقعاً، كما هو مفاد الاستصحابين لا يجتمع مع العلم بوجوب الفعل أو حرمته و كذلك لا تجري الأُصول التنزيلية في أطراف العلم الإجمالي، سواء لزمت منها المخالفة العملية أم لا (1).

يلاحظ عليه: أنَّ حكم الاستصحاب حكم البراءة الشرعية، و قد قلنا هناك أنّ المجموع و إن كان غير قابل للوضع لكن كلّ واحد وحده قابل له فهكذا الاستصحاب، فإنّ نتيجة الاستصحابين و إن كانت مخالفة للعلم الإجمالي بوجوبه أو حرمته، لكن كلّ واحد منهما وحده، غير مخالف له، و الفقيه عند ما يتمسّك بأصالة عدم الوجوب، لا نظر له إلى الاستصحاب المقابل، و هكذا العكس و كون نتيجة الاستصحابين غير مجامعة مع العلم الإجمالي، لا يكون سبباً لعدم إجراء كلّ واحد، في محلّه بعد كونه جامعاً للشرائط.

غاية الأمر تلزم المخالفة الالتزامية، فسيأتي الكلام فيه.

أضف إليه: أنّ مفاد الاستصحاب، و إن كان هو البناء على أنّ المستصحب هو الواقع، لكن المقصود منه ليس البناء القلبي، لتوقّفه على اليقين الواقعي و لا يكفي اليقين التنزيلي، بل المراد هو البناء عملًا و ترتّب آثاره عليه في ظرف الشك،

____________

(1)- الفوائد: ج 3 ص 449.

460

و هذا لا ينافي العلم بوجوب الفعل أو حرمته فهذا هو الغاصب يعلم بأنّ المغصوب مال زيد، و لكنّه يبني عملًا على أنّه المالك.

هذا كلّه حول القول الرابع و إليك بيان القول الأخير.

و أمّا القول الخامس: و حاصله: هو التخيير عقلًا، لعدم الترجيح بين الفعل و الترك مع كونه محكوماً بالإباحة ظاهراً لشمول مثل» كلّ شي‏ء هو لك حلال حتى تعلم أنّه حرام بعينه «.

و أورد عليه المحقّق النائيني: بأنّ أصالة الإباحة بمدلولها المطابقي تنافي المعلوم بالإجمال، لأنّ مفاد أصالة الإباحة الرخصة في الفعل و الترك، و ذلك يناقض العلم بالإلزام و إن لم يكن لهذا العلم أثر عملي و كان وجوده كعدمه، إلّا أنّ العلم بثبوت الإلزام المولوي حاصل بالوجدان، و هذا العلم لا يجتمع مع جعل الإباحة و لو ظاهراً (1).

و تبعه تلميذه الجليل في مصباحه حيث قال: المفروض في المقام هو العلم بثبوت الإلزام في الواقع إجمالًا و عدم كون الفعل مباحاً يقيناً فكيف يمكن الحكم بالإباحة ظاهراً (2).

توضيحه: أنّ قياس أصالة الإباحة بالاستصحاب قياس مع الفارق فإنّ كلّ واحد من الاستصحابين، و كذا كلّ واحد من البراءتين، غير مخالف للعلم الإجمالي في المقام، إنّما المخالف هو نتيجتهما و قد عرفت حالهما، و هذا بخلاف أصالة الإباحة فإنّ هناك أصلًا واحداً يضاد العلم الإجمالي تضاداً تطابقياً، فالعلم الإجمالي يدلّ على خروج الموضوع عن حدّ الاستواء و لكن الأصل يدلّ على كونه باقياً عليه فلأجل ذلك لا تجري أصالة الإباحة.

نعم يلاحظ على ما ذكره المحقّق النائيني ما ذكرناه في قوله: كل شي‏ء هو

____________

(1)- الفوائد: ج 3 ص 445.

(2)- مصباح الأُصول: ج 2 ص 330.

461

لك حلال حتى تعلم أنّه حرام بعينه، أو قوله: كل شي‏ء فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه‏ (1).

فمعنى الحلّية، فيهما هو الحكم بالإباحة المخالفة للعلم بالإلزام، لا مثل قوله: كلّ شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهي فمعنى الإطلاق عبارة عن عدم الحرمة، لا رفع الإلزام الموجود في البين، فما ذكره يجري في الأوّلين دون الثالث.

إلى هنا تبيّن عدم المانع من جريان الأُصول من البراءتين و التخيير العقلي و حتى الإباحة على بعض الوجوه، فيكون المختار قولًا سادساً.

بقيت هنا أُمور:

1 ما هي الفائدة في جعل الحكم الظاهري؟ حيث إنّ المكلّف لا يخلو من الفعل أو الترك.

و الجواب: أنّ فائدة الأصل دفع احتمال كون الوظيفة الفعلية، الأخذ بأحد الطرفين معيّناً أو مخيّراً، فيرفع ببركة الأصل، فهذا الاحتمال لا يرتفع إلّا بالأصل.

2 إنّ الرجوع إلى الأصل مخالف للعلم الإجمالي بكون أحد الأصلين على خلاف الواقع، و تلزم المخالفة الالتزامية.

و الجواب: أنّ حرمة المخالفة الالتزامية ترجع إلى لزوم الموافقة الالتزامية وعليه، إن أُريد من لزوم الموافقة القلبية، هو الإلزام بما جاء به النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) من فرائض و محظورات و سنن و مستحبّات على وجه الإجمال، فهو حاصل لا ينفك عن الاعتقاد برسالته.

و إن أُريد أنّ العلم بالجنس (الإلزام الأعم من الفعل و الترك) حاصل و يجب الالتزام به، و بالتالي يجب أن يكون مفاد الأُصول غير مخالف له، فهو أيضاً متين لما عرفت من عدم مخالفة كلّ أصل منفرداً له، و لذلك منعنا عن جريان‏

____________

(1)- التهذيب: ج 9 ص 79، الحديث 72/ 337. و الفقيه ج 3 ص 216، الحديث 92/ 1002.

462

أصالة الإباحة.

و إن أُريد أنّه يجب الالتزام بخصوص أحدهما فهو ممنوع لا تمكن المساعدة عليه إلّا مع العلم بالخصوصية و إلّا كان من التشريع المحرَّم.

و إن أُريد أنّ نتيجة الأصلين تخالف العلم الإجمالي، و أنّه كيف يصحّ الالتزام بالبراءة من الوجوب و الحرمة، و استصحاب عدمهما، مع العلم الإجمالي بالإلزام الجامع، فذلك ليس مانعاً إذ ليس مفاد الأصلين حتّى بعد الجريان، عدم كونه واجباً و حراماً واقعاً، لوضوح فساده بل المراد أنّه لم يقم حجّة على الوجوب بالخصوص، و لا على الحرمة كذلك و إن كان الواقع غير خال عنهما، و هذا المقدار من المخالفة أي الحكم بعدم الوجوب و الحرمة ظاهراً مع العلم بأنّ الحكم الواقعي أحدهما غير ضائر.

3 هل التخيير بدئي أو استمراري: إذا دار الأمر بين المحذورين و كانت الواقعة واحدة فلا شك أنّه مخيّر عقلًا بين الأمرين، مع جريان البراءة عن كلا الحكمين في الظاهر و لا موضوع للبحث عن بدئية التخيير أو استمراريته، نعم لو كانت له أفراد في طول الزمان كما إذا دار أمر شي‏ء بين الوجوب و الحرمة ليلة الجمعة إلى شهر، يقع الكلام في كونه استمرارياً، أو لا، فعلى الأوّل له أن يختار في الواقعة الثانية غير ما اختاره في الواقعة الأُولى و إن استلزم ذلك المخالفة القطعية اختاره المحقّق النائيني و استدل عليه بما هذا حاصله:

1 أنّ حكم العقل بقبح المخالفة القطعية فرع تنجّز التكليف و إلّا فنفس المخالفة بما هي مخالفة لا يحكم العقل بقبحها ما لم يتنجّز التكليف، و بالجملة: مخالفة التكليف المنجّز قبيحة عقلًا، و أمّا مخالفة التكليف غير المنجّز فلا قبح فيها.

463

و ذلك لأنّ أمره في كلّ ليلة الجمعة دائر بين المحذورين فكون الواقعة مما يتكرر، لا يوجب خروج المورد عن كونه من دوران الأمر بين المحذورين و لا يلاحظ انضمام الليالي بعضها إلى بعض، لأنّ الليالي بقيد الانضمام لم يتعلَّق الحلف و التكليف بها، بل متعلّق التكليف و الحلف كلّ ليلة من ليالي الجمعة مستقلّة بحيال ذاتها فلا بد من ملاحظة الليالي مستقلّة، ففي كلّ ليلة يدور الأمر فيها بين المحذورين و يلزمه التخيير الاستمراري‏ (1).

يلاحظ عليه: أنّه لا فرق في تنجيز العلم الإجمالي بين كون الوقائع دفعية أو تدريجية و لذلك اتفقت كلمتهم على تنجيزه في موارد كثيرة يُعدّ من القسم الثاني.

كما لو علم بوجوب شي‏ء و تردّد ظرف الوجوب بين اليومين، و مثله إذا علم بحرمته كذلك فيجب عليه، الإتيان به في كلا الوقتين و تركه فيهما، كذلك إذا تردد حكم شي‏ء بين وجوبه في وقت، و حرمته في وقت آخر، فيجب عليه الحركة طبق العلم الإجمالي بتحصيل الموافقة القطعية فضلًا عن الاجتناب عن المخالفة القطعية.

و على ضوء ذلك يظهر النظر فيما أفاده من عدم تنجّز العلم في دوران الأمر بين المحذورين الذي هو الأساس في كلامه لتجويز التخيير الاستمراري.

وجهه أنّه إن أراد من التخيير الاستمراري عدم وجوب الموافقة القطعية، فهو صحيح لعدم إمكانه لدوران الأمر بين المحذورين، و الإنسان في كلّ واقعة غير قادر على الجمع بين الفعل و الترك، و الجمع بينهما في واقعتين بالإتيان به في واقعة و الترك في الواقعة الأُخرى و إن كان ممكناً و محصّلًا للموافقة القطعية لكنّه بما أنّه مستلزم للمخالفة القطعية أيضاً، لا يعتدّ به و لا يسوّغه العقل.

و إن أراد منه عدم حرمة المخالفة القطعية، بالإتيان به في واقعة و الترك في‏

____________

(1)- فوائد الأُصول: ج 453/ 3 454.

464

الأُخرى، فهو ممنوع لاستقلال العقل بقبحها، و كفاية البيان الوارد في المقام بالنسبة إليها واضح و إن لم يكن كافياً بالاضافة إلى الموافقة القطعية. و ما مرّ منّا من عدم وجود البيان الكافي في دوران الأمر بين المحذورين فإنّما هو بالاضافة إلى الموافقة القطعية لا المخالفة كذلك.

و بذلك يظهر أنّ مناط تحريم المخالفة ليس انضمام الليالي بعضها إلى بعض حتّى يقال إنّ كل ليلة موضوع مستقلّ لا صلة لها بالأُخرى، بل ملاكها تنجيز العلم الإجمالي في التدريجيات إمّا مطلقاً، كما إذا كانت الموافقة القطعية ممكنة، أو في خصوص المخالفة القطعية كما في المقام.

فالأساس في المسألة هو تنجيز العلم الإجمالي في التدريجيات و عدم الفرق بينها و بين الدفعيات و حكم العقل بلزوم إطاعة المولى و حرمة المخالفة على حسب الإمكان و الاستطاعة.

4 في تقديم محتمل الأهميّة:

إذا قلنا بالتخيير، فهل يستقلّ العقل به مطلقاً سواء كان أحدهما أقوى احتمالًا، كما إذا كان الوجوب أقوى احتمالًا من الحرمة، أو أقوى محتملًا، كما إذا كان متعلّق الوجوب أقوى أهميّة على فرض مطابقته للواقع، من متعلّق الحرمة، كما إذا دار أمر شخص بين كونه محقون الدم و مهدوره أو لا؟ ذهب المحقّق الخراساني إلى الثاني مستدلّا عليه بوجهين:

الأوّل: أنّ المقام من صغريات دوران الأمر بين التعيين و التخيير و الأصل فيه هو التعيين، لأنّ استقلال العقل بالتخيير، إنّما هو في ما لا يحتمل الترجيح في أحدهما على التعيين. و مع احتماله لا يبعد دعوى استقلاله بتعيينه، كما هو الحال في دوران الأمر بين التعيين و التخيير في غير المقام.

و أورد عليه سيدنا الأُستاذ بأنّ البراءة إذا أُجريت في أصل التكليف‏

465

فخصوصيته أولى بأن يكون مجرى لها (1).

يلاحظ عليه: أنّ البحث على أساس أن يكون الحكم الظاهري هو التخيير فعليه يستقلّ بالتعيين عند وجود المزية احتمالًا أو محتملًا، لا بالبراءة.

الثاني: قياس المقام بالمتزاحمين إذ لا يستقلّ العقل بالتخيير عند احتمال أهمية واحد منهما، مثل ما إذا ابتلي بغريقين يعلم كون واحد منهما إماماً فهكذا المقام، و إلى ما ذكرنا يشير المحقّق الخراساني في كفايته:» و لكن الترجيح إنّما يكون لشدة الطلب في أحدهما، و زيادته على الطلب في الآخر بما لا يجوز الاخلال بها في صورة المزاحمة، و وجب الترجيح بها، فكذا وجب ترجيح احتمال ذي المزية في صورة الدوران.

و أورد عليه في مصباح الأُصول: بالفرق بين المقامين بأنّ الأهمية المحتملة في المقام تقديريّة، إذ لم يعلم ثبوت أحد الحكمين بخصوصه، و إنّما المعلوم ثبوت الإلزام في الجملة، غاية الأمر أنّه لو كان الإلزام ضمن أحدهما المعيّن احتمل أهمّيته، هذا بخلاف باب التزاحم المعلوم فيه ثبوت الحكم في كلا الطرفين، و إنّما كان عدم وجوب امتثالهما معاً للعجز و عدم قدرة المكلّف على الجمع بينهما (2).

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره لا يتجاوز عن بيان الفرق بين المسألتين و هو غير منكر، و أمّا أنّه يجب مراعاة احتمال المزية في المتزاحمين دون المقام، فلم يبيّن وجهه.

و الحق أنّ العقل لا يستقلّ بالتساوي إذا كان أحد الطرفين أقوى احتمالًا أو محتملًا.

و إن شئت قلت: كما لا يحكم العقل بتساوي المرجوح القطعي مع الراجح القطعي، كذلك لا يحكم بتساوي المرجوح الاحتمالي مع الراجح الاحتمالي. فإذا لم يستقلّ بالتساوي لا يستقلّ بالتخيير فلا يجري أصل التخيير.

____________

(1)- تهذيب الأُصول: ج 244/ 2.

(2)- مصباح الأُصول: ج 334/ 2.

466

و إمّا المقام الثاني: ففي ما إذا كان أحد الحكمين أو كلاهما، تعبّدياً، كما إذا دار الأمر بين وجوب الصلاة على المرأة مع القربة، و حرمتها عليها، مع عدم أصل منقّح لحال المرأة بناءً على أنّ نفس العمل مجرّداً عن النيّة محرّم، فالموافقة القطعية و إن كانت غير ممكنة لكنّ المخالفة كذلك ممكنة كما إذا أتى بها مجرّداً عن القربة. فهل يجوز المخالفة أو لا؟ الظاهر لا. لما ذكرناه في نقد القول بالتخيير الاستمراري المستلزم للمخالفة القطعية. و أنّ العلم الإجمالي إنّما يسقط عن التأثير فيما إذا لم يتمكّن كما في مورد الموافقة القطعية، و أمّا إذا تمكّن كما في مورد المخالفة فلا وجه لسقوطه كما أوضحناه.

و الحاصل أنّ العقل يحكم بلزوم إطاعة المولى مهما أمكن و عدم مخالفته كذلك. و المفروض أنّ الاجتناب عن المخالفة القطعية أمر ممكن فلا وجه لتركه.

إلى هنا تمّ الكلام في مجرى أصل التخيير، مع كون الشك في التكليف، بقي الكلام في مجراه فيما إذا كان الشك في المكلّف به.

أصل التخيير مع كون الشك في المكلّف به:

إنّ أصل التخيير ليس مثل البراءة حتى يكون مختصّاً بالشك في التكليف، و لا مثل الاحتياط حتى يكون مختصّاً بالشك في المكلّف به، بل هو يجري في كلا الموردين، فيما إذا دار الأمر بين المحذورين، و بعبارة أُخرى: كلّ مورد امتنعت الموافقة القطعية، مثل المخالفة، فهو مجرى أصل التخيير من غير فرق بين البابين و إليك أمثلة في الشك في المكلّف به:

1 إذا علم أنّ أحد الفعلين واجب و الآخر محرّم و اشتبه أحدهما بالآخر فهو مخيّر بين فعل أحدهما و ترك الآخر، لأنّ أمر كلّ واحد دائر بين المحذورين، و مع ذلك كلّه ليست له الحركة على نحو تلزم المخالفة القطعية كأن يترك كليهما أو يأتي بهما لما عرفت من أنّ تأثير العلم الإجمالي لا يتوقّف على شي‏ء سوى الإمكان،

467

و الموافقة القطعية، و إن لم تكن ممكنة، لكن كان ترك المخالفة القطعية لهما ممكناً يحكم العقل بقبحها.

2 إذا علم بتعلّق الحلف بايجاد فعل في زمان و ترك ذاك الفعل في زمان آخر، و اشتبه الزمانان، فهو مخيّر بين الفعل و الترك في كلّ من الزمانين و لكن على نحو لا تلزم المخالفة القطعية كما عرفت.

3 إذا دار أمر الشي‏ء بين كونه شرطاً للعبادة أو مانعاً، أو دار الأمر بين الضدّين كتردّد أمر القراءة بين وجوب الجهر بها أو الإخفات، فالأمر و إن كان يدور بين المحذورين في كلّ عبادة واحدة، لكن بما أنّ الاحتياط و إفراغ الذمة على الوجه اليقيني ممكن و لو بتكرار الصلاة أو تكرار القراءة، فلا محيص عن وجوبه، و لأجل ذلك قلنا تجب رعاية العلم الإجمالي فراغاً و مخالفة، و لا يجري التخيير المطلق إلّا في دوران الأمر بين المحذورين التوصّليين مع وحدة الواقعة و إلّا فيجري على نحو لا تلزم المخالفة القطعية.

تمّ الكلام في أصل التخيير.

468

الشك في المكلّف به‏

و الكلام فيه يقع في مقامين:

المقام الأوّل: في تردد المكلّف به بين المتباينين:

و قبل الخوض في المقصود نقدّم أُموراً:

الأوّل: في الفرق بين الشك في التكليف و الشك في المكلّف به.

إنّ التكليف عبارة عن الإلزام بالفعل، أو الإلزام بالترك، فإذا علم نوع الإلزام أي الوجوب و الحرمة و جهل المتعلّق كما إذا علم الوجوب و تردّد متعلّقه بين الظهر و الجمعة أو علمت الحرمة و تردّد متعلّقها بين أحد الإنائين فهو من قبيل الشك في المكلّف به.

أو ما إذا علم بوجود كليهما و لكن اشتبه متعلّق كلّ منهما بالآخر كما إذا علم بوجوب واحد من الفعلين و حرمة الآخر لكن جهل متعلّقهما، و اشتبه كلّ منهما بالآخر، ففي هذه الصور الثلاث يقال في مقام التعريف إذا اشتبه الواجب بغيره، أو الحرام بغيره أو اشتبه كلّ بالآخر فهي من موارد الشك في المكلّف به.

و أمّا إذا كان نفس التكليف بنوعه مجهولًا، و كان أصل الوجوب أو أصل الحرمة مشكوكاً فهو من قبيل الشك في التكليف، كما إذا شك في حرمة التتن أو

469

وجوب الدعاء عند الرؤية أو ما إذا علم بتعلّق أحد من الوجوب و الحرمة على الفعل كما إذا دار أمر فعل بين كونه إمّا واجباً أو حراماً، فبما أنّ النوع مجهول فهو من قبيل الشك في التكليف.

و بذلك يظهر الفرق بين دوران الأمر بين المحذورين في المقام و المقام السابق، ففي الأوّل العلم حاصل بصدور الوجوب و الحرمة كليهما لكن اشتبه متعلّق كلّ بالآخر، و هذا بخلاف المقام السابق فهناك علم بصدور واحد منهما أي الوجوب وحده أو الحرمة وحدها. نعم يشتركان في عدم إمكان الاحتياط في كلا الموردين، و بذلك يتّضح أنّ دوران الأمر بين المحذورين ليس شيئاً مقابلًا للقسمين الآخرين فقسم منه داخل في الشك في المكلّف به، و قسم آخر في الشك في التكليف.

فإن قلت: ربّما يكون جنس التكليف معلوماً و النوع مجهولًا، لكن يكون الاحتياط واجباً كما إذا علم إمّا بوجوب هذا الفعل أو حرمة الفعل الآخر، و هذا يدلّ على كفاية العلم بالجنس في الدخول تحت الشك في المكلّف به.

قلت: التكليف في المصطلح عبارة عن العلم بالنوع و هو الوجوب أو الحرمة، و ليس في المورد علم بأحدهما شخصياً، و إنّما هنا علم بالجنس أعني: الإلزام المردّد بين الفعل و الترك، فهو ليس من قبيل الشك في المكلّف به، و مع ذلك يجب الاحتياط للعلم بالمصلحة الملزمة التي لا يرضى المولى بتركها. و هو ليس أمراً بديعاً كيف و ربّما يجب الاحتياط في الشبهات البدوية فيما إذا كان من مهام الأُمور كالنفوس و الأعراض و الأموال لما عرفنا من سيرة الشارع الأقدس من العناية بها و الأخذ بالاحتياط في تلك المجالات.

و إن أردت أن تجعله من قبيل الشك في المكلّف به، فاجعل مرجع ذاك العلم الإجمالي، إلى العلم إمّا بوجوب فعل ذاك أو بوجوب ترك ذاك، فالتكليف معلوم و هو الوجوب و المتعلّق مردّد بين الأمرين: فعل ذاك، أو ترك غيره، و على كلّ تقدير فالاحتياط فيه محكَّم سواء كان من قبيل الشك في التكليف أو المكلّف به.

470

و أمّا الشك في المحصّل فسيوافيك تحقيق الحال فيه.

الأمر الثاني: صور المسألة في المقام.

إنّ صور المسألة في المقام كصورها في الشك في التكليف، بتفاوت أنّ الشك هناك في الحكم، و في المقام الإجمال في المتعلّق، فكما أنّ الحكم المشتبه تارة يدور أمره بين الحرمة و غير الوجوب، و أُخرى بين الوجوب و غير الحرمة، و ثالثة بين الحرمة و الوجوب، فهكذا المتعلّق المشتبه يدور أمره تارة بين الحرام و غير الواجب، و أُخرى بين الواجب و غير الحرام، و ثالثة بين الواجب و الحرام. ثمّ إنّ منشأ الشك في كلّ قسم إمّا فقدان النص أو إجماله أو تعارضه أو خلط الأُمور الخارجية. فعند ذلك تتحد صور المسألة في المقامين و تكون اثنتي عشرة صورة.

غير أنّ الشيخ الأعظم جعل اشتباه الواجب بغير الحرام على قسمين، لأنّ الواجب إمّا مردد بين أمرين متباينين كما إذا دار أمر الواجب يوم الجمعة بين الظهر و الجمعة أو بين الأقلّ و الأكثر، كما إذا تردد الواجب بين فاقد السورة أو واجدها. و بذلك يرتقي عدد المسائل في الشك في المكلّف به إلى ستة عشر.

و لكنّ المحقّق الخراساني جعل البحث في الشك في المكلّف به في مقامين الأوّل: تردده بين المتباينين.

و الثاني: تردده بين الأقل و الأكثر، لوحدة ملاك البحث في الجميع.

الأمر الثالث: ما هو الوجه لتكرار المسألة في الموضعين؟

ترى أنّ القوم يبحثون حول تنجيز العلم الإجمالي في موضعين:

الأوّل: في أحكام القطع. الثاني: في مبحث الاشتغال فما هو الوجه للتكرار؟

و الجواب: وجود الفرق بين المقامين إذ البحث في أحكام القطع يدور حول العلم الوجداني بالتكليف مع تردد المكلّف به، فتجب الموافقة القطعية و تحرم المخالفة احتماليتها و قطعيتها. لأنّ العلم الإجمالي الوجداني، لا يقبل الترخيص و لا جعل الحكم الظاهري و لا غير ذلك.

471

و أمّا المقام فهو فيما إذا كان هناك علم بالحجّة و كان لها إطلاق يعمّ الصورة الإجمالية كما إذا ورد: اجتنب عن الخمر، فإنّ إطلاقه يعمّ الصور التفصيلية و الإجمالية و المشكوكة على فرض وجوب الاحتياط في الشبهات الموضوعية. فيقع البحث عن حكم الصورة الإجمالية من جهة لزوم الموافقة و حرمة المخالفة و عدمهما (كما سيوافيك تفصيله) فليس هنا علم بالتكليف الكلّي أو الجزئي، بل غاية الأمر الانتقال من إطلاق الدليل إلى قيام الحجّة في المقام.

و لكنّ الشيخ الأعظم فرّق بين المقامين، و قال: بأنّ جهة البحث في باب أحكام القطع هي حرمة المخالفة و عدمها، وجهته في المقام هي لزوم الموافقة و عدمه. فالمطلوب في السابق هو إثبات كون العلم الإجمالي علّة تامة بالنسبة إلى حرمة المخالفة أولا فقط. و المطلوب في المقام إثبات لزوم الموافقة القطعية و عدمه.

و هو كما ترى، إذ لا وجه للتفكيك بعد وحدة ماهية البحثين كما لا يخفى.

الأمر الرابع: الأقوال في المسألة:

الأقوال المعروفة لا تتجاوز عن خمسة:

1 العلم الإجمالي غير مؤثّر لا في وجوب الموافقة و لا في حرمة المخالفة فتجوز المخالفة القطيعة فضلًا عن الاحتمالية، نسب هذا القول إلى العلّامة المجلسي.

2 إنّه مؤثّر في حرمة المخالفة، و وجوب الموافقة بصورة المقتضي لا العلّة التامة، و هو مختار المحقّق الخراساني في باب أحكام القطع.

3 إنّه مؤثّر فيهما بصورة العلّة التامة و هو خيرته في المقام.

4 إنّه علّة تامة بالنسبة إلى المخالفة القطعية، و مقتض بالنسبة إلى وجوب الموافقة القطعية.

5 إنّه علّة تامّة بالنسبة إلى المخالفة القطعية، و أمّا بالنسبة إلى الموافقة كذلك فغير مؤثّر أبداً لا بصورة العلّة التامة و لا المقتضي، و بذلك يمتاز عن القول الرابع، نسب إلى المحقّق القمي.

472

الأمر الخامس: إنّ النزاع في العلم الإجمالي الذي لو تعلّق به العلم التفصيلي لتنجّز، و أمّا المورد الذي لا يكون التفصيلي منه منجّزاً فلا يكون الإجمالي فيه منجّزاً بطريق أولى كما إذا تعلّق بحكم إنشائي.

ما هو الحقّ في المقام:

يظهر لك الحقّ من تفصيل ما أجملناه في الأمر الثالث و هو أنّه: إذا علم المكلّف بتكليف لا يرضى المولى مخالفته، أو قامت أمارة يعلم أنّ المولى لا يرضى تركها على فرض صدقها.

فلا شك أنّه يجب فيه الموافقة القطعية فضلًا عن حرمة مخالفته، سواء كان العلم إجمالياً أو تفصيلياً، كانت الشبهة محصورة أو غير محصورة، و البحث عن إمكان الترخيص في كلا الطرفين أو بعضها، مع العلم الوجداني بالتكليف الجدّي و الارادة الحتمية الإلزامية تهافت لاستلزامه اجتماع الإرادتين المتخالفتين.

كما هو الحال في مسألة قتل المؤمن و إراقة دمه فمن المستحيل أن يرخّص المولى عند الاشتباه مع وجود الإرادة الجدّية بصيانته و حفظه، و لا أظنّ أن يريد المرخّص هذا القسم. و لأجل ذلك قلنا: إنّ اللائق بباب القطع هو ذاك القسم.

و أمّا البحث المناسب للمقام: فهو ما إذا قامت الأمارة على حرمة شي‏ء أو وجوبه و شمل إطلاق الدليل مورد العلم الإجمالي كما إذا قال: اجتنب عن النجس و كان مقتضى إطلاقه، شموله للنجس المعلوم إجمالًا.

و هذا هو اللازم بالطرح في المقام و إليه يشير بعض كلمات الشيخ حيث يقول في تقريب حرمة المخالفة القطعية:» لنا على ذلك، وجود المقتضي للحرمة و عدم المانع عنها أمّا ثبوت المقتضى فلعموم دليل تحريم ذلك العنوان المشتبه، فإنّ قول الشارع اجتنب عن الخمر يشمل الخمر الموجود المعلوم المشتبه بين الإنائين أو أزيد و لا وجه‏

473

لتخصيصه بالخمر الموجود المعلوم تفصيلًا « (1).

و على هذا يقع البحث في مقامين:

1 في إمكان الترخيص و جواز المخالفة القطعية.

2 في وقوع الترخيص في لسان الشرع.

أمّا الأوّل، فالحقّ إمكانه، و ذلك لأنّك عرفت أنّ ما لا يقبل الترخيص هو العلم الوجداني بالتكليف فهو الذي لا يجتمع مع الترخيص لاستلزامه العلم بالمتناقضين، و أمّا لو كان سبب العلم بالتكليف هو إطلاق الدليل الشامل للصور الثلاث المعلوم تفصيلًا و إجمالًا و المشكوك وجوداً مع وجوده واقعاً فكما أنّه يصحّ تقييد إطلاقه باخراج المشكوك و جعل الترخيص فيه، فهكذا يجوز تقييد إطلاقه باخراج صورة المعلوم بالإجمال، فتكون النتيجة اختصاص حرمة الخمر بصورة العلم بها تفصيلًا، فالشك في إمكان التقييد كأنّه شك في أمر بديهي.

و لعلّه إلى ذلك ينظر ما ذكره المحقّق الخراساني من التفصيل بين الحكم الفعلي من جميع الجهات فيستحيل جعل الحكم الظاهري على خلافه في تمام الأطراف أو بعضها، و الحكم الفعلي لا من جميعها فيجوز جعل الحكم الظاهري على خلافه في بعض الأطراف أو في جميعها: لكن الأولى التعبير بما ذكرناه.

ثمّ إنّ هنا أسئلة تجب الإجابة عنها:

1 جعل الترخيص في بعض الأطراف أو جميعها ترخيص في المعصية القطعية أو الاحتمالية فلا يجوز.

يلاحظ عليه: أنّه إنّما يجري في الحكم المعلوم وجداناً، لا الحكم المعلوم عن طريق الإطلاق، لأنّ جعل الترخيص يكشف عن رفع اليد عن الحكم في مورد الجعل كما هو الحال في مورد الشك لا أنّه يجوز الترخيص مع حفظ

____________

(1)- الفرائد: ص 240 من طبعة رحمة اللّه.

474

الحكم الواقعي في جميع الحالات، نظير ارتفاع الحكم الواقعي في مورد الحرج و الضرر و سائر العناوين الثانوية، فإنّ التوفيق إنّما يحصل برفع اليد عن الحكم الواقعي في مظانّها، فليكن المقام من قبيل جعل الترخيص في مورد الضرر و الحرج و غيرهما.

2 جعل الترخيص مستلزم للتصويب، و ذلك لأنّ تحليل الخمر في حقّ العالم بالإجمال يساوي عدم وجود حكم مشترك بين الناس.

يلاحظ عليه: أنّ جعل الترخيص يستلزم رفع اليد عن تنجّز الواقع أو عن فعليته لا رفع اليد عن الحكم الانشائي المشترك، فكما أنّ العمل بالأمارات و الأُصول المحرزة و غير المحرزة، لا يستلزم التصويب مع احتمال مخالفتها للواقع، فكذلك المقام، فانّ العمل بالأمارة، أو الأُصول لا يستلزم إلّا رفع اليد عن الواقع بمقدار يحصل التوفيق بين الحكمين المتعارضين، و هو رفع اليد عن التنجّز أو عن الفعلية.

3 جعل الترخيص في بعض الأطراف أو كلّها، يستلزم الإلقاء في المفسدة الاحتمالية أو القطعية، يلاحظ عليه بمثل ما أُجيب به في باب الجمع بين الحكم الواقعي و الظاهري، لأنّه ربما يكون في الترخيص مصالح عالية غالبة على الإلقاء في المفسدة أو تفويت المصلحة الاحتمالية أو القطعية، و بما أنّا قد أشبعنا الكلام في هذه الجهات سابقاً نكتفي في المقام بهذا المقدار.

فظهر أنّه لا مانع من جعل الترخيص في بعض الأطراف أو كلّها، إنّما الكلام في وقوعه، فلو دلّ دليل على جعل الترخيص في طرف واحد أو جميع الأطراف نأخذ به و إلّا كما هو الحقّ فالقاعدة العقلية من لزوم الموافقة القطعية هي المحكَّمة في جميع الموارد. و نقدّم البحث عن الاستصحاب على سائر الأُصول.

475

1 جريان الاستصحاب في أطراف العلم الإجمالي و عدمه:

ذهب الشيخ الأعظم إلى عدم شمول أدلّة الاستصحاب لأطراف العلم الإجمالي، لصيانة الدليل عن مناقضة صدره مع ذيله، لأنّ صدر قوله:» لا تنقض اليقين بالشك، و لكن تنقضه بيقين مثله «يدل على حرمة نقض اليقين بالشك، و ذيله يدل على وجوب نقضه بيقين مثله. فلو عمّ الصدر كلّ واحد من الطرفين لزم خروجه بما ورد في ذيله من لزوم نقضه بيقين مثله، لفرض اليقين المماثل المضادّ و إلّا لزم طرح الذيل.

قال (قدس سره) في مبحث الاستصحاب عند البحث عن تعارض الاستصحابين:» إنّ العلم الإجمالي هنا بانتقاض أحد الضدّين يوجب خروجهما عن مدلول» لا تنقض «لأن قوله:» لا تنقض اليقين بالشك و لكن تنقضه بيقين مثله «يدلّ على حرمة النقض بالشك و وجوب النقض باليقين، فإذا فُرِض اليقين بارتفاع الحالة السابقة في أحد المستصحبين فلا يجوز إبقاء كل منهما تحت عموم حرمة النقض بالشك لأنّه مستلزم لطرح الحكم بنقض اليقين بمثله و لا إبقاء أحدهما المعيّن، لاشتراك الآخر معه في مناط الدخول من غير مرجح، و أمّا أحدهما المخيّر فليس من أفراد العام إذ ليس فرداً ثالثاً غير الفردين المتشخّصين في الخارج، فإذا أُخرجا لم يبق شي‏ء « (1).

و ربّما يجاب: بأنّ دليل الاستصحاب غير منحصر بما هو مشتمل على تلك الغاية. و لكنّه غير تام لتقديم المشتمل على الزيادة على غير المشتمل عليها في باب الروايات، فإنّ الزيادة سهواً أقل من النقص سهواً فيقدّم الثاني على الأوّل.

و الأولى أن يقال: إنّ المراد من اليقين الوارد في تلك الروايات و إن كان أعم من الوجداني و التعبّدي لما سيوافيك من أنّ الراوي إنّما أحرز طهارة ثوبه أو طهارة

____________

(1)- الفرائد: ص 429 ط رحمة اللّه.

476

ماء وضوئه بالأمارات و الأُصول. لكنّ المراد من اليقين في الجملة الثانية هو اليقين التفصيلي دون الأعم منه و من الإجمالي، و ذلك لأنّ الظاهر من حرمة نقض اليقين إلّا بيقين مثله، هو كون اليقين الثاني ناقضاً للأوّل و رافعاً له من رأس، و اليقين الإجمالي بورود النجس في أحد الإناءين ليس كذلك، أي ليس ناقضاً لليقين الأوّل و رافعاً له من رأس.

فلو كان كلّ من الإناءين مستقلًا مستصحب الطهارة، فالعلم بورود نجس في أحدهما، ليس ناقضاً لليقين بالطهارة من رأس، غاية الأمر يحصل يقين بطهارة إناء، و نجاسة إناء آخر، و من المعلوم أنّه يجب العمل باليقين السابق في ظرف الشك في الشي‏ء ما لم يكن هناك يقين قائم مقام اليقين السابق، و العلم بنجاسة أحدهما، لا يعدّ يقيناً قائماً مقام اليقين الأوّل.

و مع ذلك يمكن القول بعدم جريان دليل الاستصحاب في أطراف العلم الإجمالي بوجه آخر و هو مشترك بين جميع أدلّة الأُصول، و هو انصراف أدلّتها عن أطرافه و أنّه يعدّ عند العرف ترخيصاً في مخالفة الدليل و المعصية، و هذا لا ينافي ما ذكرناه من تصوير عدم كونه ترخيصاً في المعصية، لأنّ ما ذكرناه كان راجعاً إلى الإمكان العقلي. و هذا يرجع إلى الاستظهار حسب فهم العرف، و يأتي توضيحه في المستقبل.

و إن شئت قلت: إنّ الترخيص في أطراف العلم يحتاج إلى دليل قوي صريح في جواز الارتكاب، كما ورد في الحلال المختلط بالربا، و الزكاة المختلطة بالحرام، و أمّا غير ذلك فلا يصحّ الاستدلال عليه بعمومات أدلّة الأُصول غير الصريحة في المقام في مقابل الارتكاز العرفي على أنّه ترخيص في المعصية.

477

2 في جريان البراءة العقلية في أطراف العلم الإجمالي و عدمه:

هذا كلّه حول الاستصحاب و أمّا البراءة العقلية، المغياة بعدم البيان، فالظاهر عدم جريانها لحصول الغاية في الشبهة الحكمية، كما هو واضح و الموضوعية، للفرق بين الشبهة البدئية و مورد العلم الإجمالي، ففي الأوّل ليس علم بالصغرى أبداً، غاية الأمر وجود الشك و هذا بخلاف المقام لوجود العلم بها، غاية الأمر الموضوع مردّد بين هذا الاناء و الاناء الآخر، فالصغرى محرزة فتضمّ الكبرى إليها و يحتجّ بها على المكلّف.

3 في جريان البراءة الشرعية في أطراف العلم الإجمالي:

إنّ ما ورد في البراءة الشرعية على قسمين، قسم يختص بمورد الشبهة البدئية و لا يتبادر منه العموم لها و للمعلوم إجمالًا، و قسم يستظهر منه شموله لمورد العلم الإجمالي أيضاً.

أمّا الأوّل فهي عبارة عن الأحاديث التالية:

1 رفع عن أُمّتي ...» و ما لا يعلمون. «2 ما حجب اللّه علمه عن العباد فهو موضوع عنهم.

3 الناس في سعة ما لا يعلمون.

4 إنّ اللّه يحتج على الناس ما آتاهم و عرّفهم. و قد تقدّم هذا المضمون بعبارات مختلفة.

5 كلّ شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهي.

و لا يخفى أنّ استظهار العموم من هذا الصنف ضعيف جدّاً. لأنّ المراد من العلم في الثلاثة الأُول و هكذا المراد من الاتيان و التعريف في الرابع هو قيام‏

478

الحجّة، لا العلم التفصيلي بشي‏ء معيّن، و الحجّة بصغراها و كبراها قائمة في مورد العلم الإجمالي.

و إن شئت قلت: المراد أنّ الإنسان معذور ما دام كونه جاهلًا من رأس. لا الجهل المختلط بالعلم.

كما أنّ الرواية الخامسة غير صالحة للاستدلال لحصول الغاية، أعني: العلم بورود النهي في المقام، و إن كان مصداقه مردداً بين هذا و ذاك، و لا دليل على تفسير الورود بالعلم بالورود مشخصاً كما لا يخفى. مع أنّ الرواية مختصة بالشبهات الحكمية و لا تعمّ الموضوعية.

أضف إليه أنّك قد علمت أنّ الترخيص في أطراف العلم الإجمالي الذي ثبت الحكم فيه بالحجّة، يعدّ في ارتكاز العرف، ترخيصاً في المعصية و هذا الارتكاز و إن كان على خلاف الواقع، لما عرفت من أنّه ترخيص في مخالفة الأمارة لا ترخيص في المعصية، لكنّه دقّة عقلية، لا يقف عليه العرف، و هذا يوجب انصراف أدلّة الأُصول ما مضى و ما يأتي عن أطراف العلم الإجمالي المعتبر، و ردع هذا الارتكاز يحتاج إلى نصوص و تنبيهات خاصة و لا يكتفى في مقام الردع بهذه الأدلّة العامّة.

و أمّا الطائفة الثانية: أعني ما يستظهر منه شموله لأطراف العلم الإجمالي.

و هي عبارة عن الأحاديث التالية:

1 كلّ شي‏ء هو لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام بعينه‏ (1).

و قد مضى أنّ معنى بعينه هو» شبهه «و عندئذ يحتمل وجهين:

____________

(1)- الوسائل: ج 12 ص 60. الباب 4 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 4. و قد تقدمت دراسة سند الحديث عند البحث عن الشك في التكليف.

479

1 أن يكون تأكيداً للضمير المنصوب، أعني: قوله» انّه «بمعنى حتى تعلم أنّه بعينه حرام.

2 أن يكون تأكيداً لنفس الفعل و تفسيراً له بمعنى حتى تعلم بعينه أنّه حرام.

و الظاهر هو الأوّل فيكون مقتضى الإطلاق أنّ محتمل الحرمة ما لم يتعيّن أنّه بعينه و بشخصه حرام فهو حلال فيعمّ العلم الإجمالي و الشبهة البدوية.

يلاحظ عليه بوجهين:

أوّلًا: أنّه ليس حديثاً مستقلًا، بل هو جزء من موثّقة،» مسعدة بن صدقة «و الأمثلة الواردة في ذيل الحديث كلّها من الشبهة البدئية، و هذا يوجب انصراف إطلاق الحديث إلى مواردها و عدم عموميته لموارد العلم الإجمالي، و لو كان عامّاً لكلا الموردين لكان له (عليه السلام) الإتيان بمثال من موارد العلم الإجمالي.

ثانياً: أنّ الحلّية الحاكمة في الأمثلة الواردة فيها، ليست مستندة إلى أصالة الحلّ، بل إلى قواعد أُخرى، كاليد في الثوب المأخوذ في السوق، و أصالة الصحّة في العقد للمرأة، و استصحاب عدم كونها رضيعة عند الشك في الرضاع و ما هذا شأنه لا يمكن أن يستدل بإطلاقه على عدم اعتبار العلم الإجمالي، و هذا يوجب وهن الرواية إذ وردت فيها ضابطة، لا تنطبق على الأمثلة المضروبة لها. اللّهمّ إلّا أن يكون المقصود الاستئناس، و على أيّ تقدير فالاستدلال بها على جواز مخالفة الحجّة الشرعية مشكل و غير متبادر لدى العرف.

2 ما رواه عبد اللّه بن سنان‏

قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): كل شي‏ء فيه حلال و حرام فهو لك حلال أبداً حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه‏ (1).

____________

(1)- الوسائل: ج 12، الباب 4 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1، و رواه في الجزء 16، الباب 64 من أبواب الأطعمة و الأشربة، الحديث 2 ص 403 بتفاوت يسير.

480

3 ما رواه عبد اللّه بن سنان عن عبد اللّه بن سليمان‏

قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الجبن فقال لي: لقد سألتني عن طعام يعجبني ثم أعطى الغلام درهماً فقال: يا غلام ابتع لنا جبناً، ثمّ دعا بالغداء فتغدّينا معه فأتى بالجبن فأكل و أكلنا، فلمّا فرغنا من الغداء قلت: ما تقول في الجبن؟ إلى أن قال: سأخبرك عن الجبن و غيره، كلّ ما كان فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتّى تعرف الحرام بعينه فتدعه‏ (1).

4 روى معاوية بن عمّار عن رجل من أصحابنا

قال: كنت عند أبي جعفر (عليه السلام) فسأله رجل عن الجبن، فقال أبو جعفر (عليه السلام) انّه لطعام يعجبني و سأخبرك عن الجبن و غيره كلّ شي‏ء فيه الحلال و الحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام فتدعه بعينه‏ (2).

و يحتمل اتحاد الثالثة مع الرابعة إذا كان السائل فيها هو عبد الله بن سليمان.

قد قدّمنا البحث حول الروايات عند البحث عن الشك في التكليف به، و قلنا: إنّها تحتمل أُموراً ثلاثة (3):

1 أن تكون راجعة إلى الشبهة الحكمية البدئية، كشرب التتن و لحم الأرنب إذا احتمل حرمتهما و ذكرنا هناك الوجوه المبعدة له.

2 أن تكون راجعة إلى الحرام الموجود بين الأفراد الكثيرة، كالجبن الذي فيه الميتة، فتكون راجعة إلى الشبهة غير المحصورة.

3 أن تكون راجعة إلى الحرام المختلط بالحلال.

فعلى الوجهين الأوّلين لا صلة لهما بالمقام، كما هو واضح، و على الثالث فلا

____________

(1)- الوسائل: ج 17 ص 90، الباب 61 من أبواب الأطعمة المباحة، الحديث 1.

(2)- المصدر نفسه: الحديث 7 ص 92.

(3)- راجع ص 393 من هذا الكتاب.

481

يجوز الأخذ بإطلاقها لاحتمال كونها ناظرة إلى الموارد التي يكون العلم التفصيلي فيه قيداً للموضوع، كما ورد به النص في مورد الربا (1) و الصدقة المختلطة (2) بمال المصدِّق، و معه لا يمكن الأخذ بالإطلاق.

فظهر أنّ القاعدة أي حرمة المخالفة القطعية، و لزوم الموافقة كذلك محكَّمة في موارد العلم الإجمالي بالحكم، مطلقاً، من غير فرق بين العلم الوجداني و الحاصل من إطلاق الدليل.

الكلام في تنجيز العلم الإجمالي في التدريجيات:

المراد من التدريجيات هو ما إذا لم يكن جميع الأطراف حاصلًا بالفعل بل يكون بعضها في المستقبل كما إذا علم بأنّ أحد البيعين ربوي إمّا ما يبيعه اليوم، أو ما يبيعه غداً، و مثله العلم بوجوب أحد الفعلين إمّا التصدق في اليوم، أو التصدق غداً، و لا فرق عند العقل بينها و بين غيرها، لتنجّز التكليف بالعلم بالحكم، و تردد المتعلّق بين الحال و المستقبل، لا يضرّ بعد اجتماع شرائط تنجّز التكليف، خصوصاً إذا كان التكليف مطلقاً، أو معلَّقاً فإنّ التكليف في الثاني فعلي و الواجب أو الحرام استقبالي، و أمّا الواجب المشروط فهو مثلهما، إذا علم بتحقق الشرط في محلّه فالعقل يلزم الإنسان بإفراغ الذمّة. قطعاً.

و أمّا الكلام في حكم الشبهة غير المحصورة فسيأتي في التنبيهات الآتية.

نتيجة البحث: انّ الروايات بأجمعها إمّا واردة في الشبهة البدئية، أو منصرفة عن العلم الإجمالي، فلا موضوع للبحث عن شمول أدلّة الأُصول لأطراف العلم جميعها أو بعضها تخييراً الذي صار الشغل الشاغل لكثير من محقّقي العصر.

____________

(1)- الوسائل: ج 12، الباب 5 من أبواب ما فيه الربا، الحديث 3.

(2)- المصدر نفسه: الباب 52 من أبواب ما يكلّف به، الحديث 5 و الباب 4 من هذه الأبواب، الحديث 2.

482

تنبيهات:

التنبيه الأوّل: في الاضطرار إلى أحد الأطراف:

إذا طرأ الاضطرار إلى ارتكاب أحد الأطراف فهل يجب الاجتناب عن الطرف الآخر أو الأطراف الأُخر، أو لا؟ فيه أقوال: و صور المسألة ستة: لأنّ طروّ الاضطرار إمّا قبل حدوث العلم الاجمالي، أو معه أو بعده، و على كلّ تقدير فالاضطرار إمّا إلى الطرف المعيّن أو إلى واحد لا بعينه. أمّا الأقوال فنشير إلى الأقوال المعروفة:

1 إنّ الاضطرار مانع عن فعلية التكليف سواء طرأ قبل العلم أو معه أو بعده و كان المضطرّ إليه واحداً معيناً من الأطراف أو واحداً لا بعينه و هذه خيرة المحقق الخراساني في الكفاية.

2 الفرق بين الاضطرار إلى واحد لا بعينه فلا يجب الاجتناب عن الطرف الآخر، و واحد معيّن فيجب الاجتناب عن الطرف الآخر و هو خيرته في هامش الكفاية.

3 القول بالاجتناب إذا اضطرّ إلى واحد منها لا بعينه مطلقاً، سواء كان الاضطرار قبل العلم بالتكليف أو معه أو بعده، و أمّا الاضطرار إلى المعيّن ففيه التفصيل بين طروءه قبل العلم أو معه فلا يجب الاجتناب عن الآخر، و طروئه بعده فيجب الاجتناب و هو خيرة الشيخ الأعظم في فرائده و إليك توضيح الأقوال و بيان مداركها.

1 مختار المحقق الخراساني في الكفاية:

إنّ الاضطرار كما يكون مانعاً عن العلم بفعلية التكليف لو كان إلى واحد

483

معين، كذلك يكون مانعاً لو كان إلى غير معيّن. ضرورة أنّه مطلقاً موجب لجواز ارتكاب أحد الأطراف أو تركه تعييناً أو تخييراً و هو ينافي العلم بحرمة المعلوم أو بوجوبه بينها فعلًا.

فإن قلت‏ (1): هذا إذا كان الاضطرار سابقاً على حدوث العلم أو مقارناً، فإنّه يمنع عن العلم بتكليف فعلي في أحد الطرفين، و أمّا إذا كان لاحقاً للعلم المتقدّم فلا. فإنّ مقتضى وجود العلم الإجمالي السابق المتعلّق بتكليف فعلي، هو الاجتناب عن الباقي لأنّ المفروض عند تعلّق العلم الإجمالي بتكليف فعلي قابل للامتثال، عدم الاضطرار إلى ارتكاب واحد من الطرفين، و هو كاف في لزوم الاجتناب عن الطرف غير المضطرّ إليه، فالاجتناب من الطرف الآخر من آثار العلم السابق على الاضطرار.

قلت: إنّ التكليف لمّا كان من أوّل الأمر محدوداً بعدم عروض الاضطرار كمحدوديته بعدم عروض الحرج و الضرر، كشف عروض الاضطرار فيما بعد، عن عدم وجود تكليف فعلي لازم للامتثال و أنّ ذاك العلم لم ينعقد منجّزاً و إن زعم صاحبه انّه منجّز، لاحتمال أن يكون مورد التكليف هو المضطرّ إليه فيما إذا اضطرّ إلى المعين، أو يكون هو المختار إذا اضطرّ إلى واحد لا بعينه.

فإن قلت: أيّ فرق بين عروض الاضطرار بعد العلم بالتكليف إلى أحد الأطراف معيّناً أو غير معيّن و بين إراقة أحد الأطراف حيث إنّها لا يجوز معها ارتكاب الطرف الباقي، لأنّ العلم عندئذ و إن لم يكن موجوداً، لكن أثره بعد باق، فإنّ تنجّز العلم آناً ما كاف في لزوم الاجتناب عن كلّ واحد سواء أمكن الاجتناب عن الآخر أم لا.

____________

(1)- و إلى هذا الاشكال يشير بقوله: و كذلك لا فرق بين أن يكون الاضطرار، و إلى الجواب بقوله: و ذلك لأنّ التكليف المعلوم ....

484

قلت: إنّ فقد المكلّف به ليس من حدود التكليف و قيوده و ليس التكليف مقيداً بعدم عروض فقد المكلّف به، و إراقة أحد الأطراف و إن كانت تلازم عدم بقاء العلم بالتكليف المنجّز لكن التكليف لمّا كان مطلقاً غير محدود به، كان الاشتغال آناً ما ملازماً عند العقل للخروج عنه يقيناً، و هذا بخلاف الاضطرار إلى تركه فإنّه من حدود التكليف به و قيوده، و لا يكون الاشتغال به من الأوّل إلّا مقيّداً بعدم عروض الاضطرار. فلا يقين باشتغال الذمة بالتكليف به إلّا إلى هذا الحدّ فلا يجب رعايته فيما بعده‏ (1).

يلاحظ عليه: أنّه كيف يكون الاضطرار حدّاً للتكليف و لا يكون بقاء الموضوع شرطاً لفعلية التكليف، بل هو أولى بأن يكون حدّاً له بأي معنى فسّر.

2 التفصيل بين الاضطرار إلى غير المعيّن و المعيّن:

ذهب المحقق الخراساني في تعليقته إلى التفصيل بين كون المضطرّ إليه، أحدهما لا بعينه، فلا يجب الاجتناب عن عدله، و كونه أحدهما المعين فيتنجز التكليف في غير المضطرّ إليه، فقال ما هذا نصه:» لا يخفى أنّ ذلك إنّما يتمّ فيما كان الاضطرار إلى أحدهما لا بعينه، و أمّا لو كان إلى أحدهما المعين فلا يكون بمانع عن تأثير العلم للتنجّز، لعدم منعه عن العلم بفعليّة التكليف المعلوم إجمالًا، المردّد بين أن يكون التكليف المحدود في ذلك الطرف، أو المطلق في الطرف الآخر، ضرورة عدم ما يوجب عدم فعلية مثل هذا المعلوم أصلًا، و عروض الاضطرار إنّما يمنع عن فعلية التكليف، لو كان التكليف في طرف معروضه بعد عروضه، لا عن فعلية المعلوم بالإجمال المردّد بين التكليف المحدود في طرف المعروض و المطلق في الآخر بعد العروض، و هذا بخلاف ما إذا عرض الاضطرار إلى أحدهما لا بعينه فإنّه يمنع عن فعليّة التكليف في البين مطلقاً فافهم و تأمّل «.

____________

(1)- الكفاية: ج 2 ص 216 218.

485

و لا يخفى أنّه بطوله مجمل جدّاً. و إليك توضيحه:

لو اضطرّ إلى أحدهما المعيّن، يكون التكليف فيه محدوداً بحدّ الاضطرار، فلو كان هو المحرّم يكون التكليف فيه محدوداً بحدّ الاضطرار، بخلاف الطرف الآخر، فإنّه لو كان هو المحرّم يكون التكليف فيه مطلقاً، و العلم الإجمالي المردّد بين المحدود و المطلق، يكون منجّزاً و يكون أشبه بالعلم الإجمالي المردّد بين القصير و الطويل، فلو علم بوجوب قراءة آية مردّدة بين القصيرة (مُدْهامَّتانِ‏) أو الطويلة يكون العلم الإجمالي فيه منجّزاً، و أمّا إذا كان الاضطرار إلى واحد لا بعينه فعدم الاجتناب عن غير المختار، لأجل انّه يمنع عن فعلية التكليف في البين مطلقاً.

يلاحظ عليه: أنّ العلم الإجمالي الصالح للاحتجاج عبارة عن العلم المتعلّق بالتكليف المنجّز على كلّ تقدير، و في أيّ طرف كان، و ليس المقام كذلك، فإنّه إذا كان الاضطرار إلى أحدهما المعيّن يكون هو محدوداً بحدّ الاضطرار لو كان هو المحرّم فإذا وصل إلى الحدّ، فليس هنا علمٌ بالتكليف المنجّز على كلّ تقدير، فلو كان التكليف في المعيّن فقد ارتفع بالاضطرار، و لو كان في غيره فهو و إن كان غير مرتفع، لكنّه ليس أمراً قطعياً بل مشكوك.

و أمّا تشبيه المقام بالعلم الاجمالي المردّد بين القصير و الطويل، فليس بتامّ لأنّ التكليف في المشبّه به بعد باق، و لم يسقط سواء كان الواجب الآية القصيرة أو الطويلة، بخلاف المقام.

3 وجوب الاجتناب في الاضطرار إلى غير المعين و التفصيل في المعيّن:

ذهب الشيخ الأعظم في الفرائد إلى التفصيل بين الاضطرار إلى واحد منهما لا بعينه، فيجب الاجتناب عن الطرف الآخر، سواء كان الاضطرار قبل العلم بالتكليف أو معه أو بعده، و الاضطرار إلى واحد معيّن قبل العلم به أو معه فلا

486

يجب الاجتناب عن الطرف الآخر أو بعده، فيجب.

فهنا دعويان: الأُولى: لزوم الاجتناب عن الطرف الآخر مطلقاً عند الاضطرار إلى واحد لا بعينه.

الثانية: التفصيل عند الاضطرار إلى واحد بعينه بين عروض الاضطرار قبل العلم بالتكليف أو معه و عروضه بعده فلا يجب في الأوّل دون الثاني.

أمّا الدعوى الأُولى: فقال في توضيحها: إذا كان الاضطرار إلى بعض غير المعين وجب الاجتناب عن الباقي، و إن كان الاضطرار قبل العلم الاجمالي لأنّ العلم حاصل بحرمة واحد من الأُمور، لو علم حرمته تفصيلًا، وجب الاجتناب عنه، و ترخيص بعضها على البدل موجب لاكتفاء الأمر بالاجتناب عن الباقي‏ (1).

حاصله: أنّ الميزان في تنجيز العلم الإجمالي، هو أن يتعلّق بشي‏ء لو تعلّق به العلم التفصيلي، لتنجّز عليه التكليف و لا يكون الاضطرار مانعاً عن تنجّزه، و هذا متحقق في الاضطرار إلى الواحد لا بعينه، فإنّه لا يزاحم تنجّز العلم التفصيلي إذ في وسعه رفع الاضطرار بغيره لأنّ المفروض أنّ كلّ واحد كاف في رفع الاضطرار.

و إن شئت قلت: إنّ العلم في نفس الأمر، تعلّق بحكم صالح للاحتجاج في أيّ طرف اتّفق، فليس ما تعلّق به التكليف مورداً للاضطرار واحداً بالمائة. إذ في وسعه رفعه بغير مورد التكليف و لأجل ذلك لو تبدل العلم الإجمالي بالعلم التفصيلي، يكون مؤثّراً لظهور إمكان رفعه بغيره.

هذا كلّه حول الدعوى الأُولى و أمّا الدعوى الثانية فقال في توضيحها:

» لو اضطرّ إلى ارتكاب بعض المحتملات، معيّناً فالظاهر عدم وجوب الاجتناب عن الباقي إن كان الاضطرار قبل العلم أو معه لرجوعه إلى عدم تنجّز

____________

(1)- الفرائد: 254 طبعة رحمة اللّه.

487

التكليف بالاجتناب عن الحرام الواقعي لاحتمال كون المحرّم هو المضطرّ إليه، و إن كان بعده فالظاهر وجوب الاجتناب عن الآخر لأنّ الإذن في ترك بعض المقدمات العلمية بعد ملاحظة وجوب الاجتناب عن الحرام الواقعي، يرجع إلى اكتفاء الشارع في امتثال ذلك التكليف بالاجتناب عن بعض الشبهات.

توضيحه: أنّ الاضطرار المتقدم على العلم بالتكليف أو المقارن معه، مانع عن العلم بتكليف قطعي، مائة بالمائة، إذ لو كان التكليف متعلّقاً بالمضطرّ إليه لما كان منجّزاً، لأجل الاضطرار و كونه في غير المضطرّ إليه و إن كان محتملًا، بنحو الخمسين بالمائة، لكنّه ليس قطعياً، بل مظنون التكليف أو مشكوكه، و يكون مورداً للبراءة، فينحلّ العلم إلى ما لا يجب الاجتناب عنه قطعاً و إلى ما هو مشكوك الاجتناب و عنده تنهدم القاعدة التي أوضحنا حالها، من لزوم وجود تكليف صالح للاحتجاج في أيّ طرف اتفق. و لو تعلّق به علم تفصيلي يوجب امتثاله في كلّ من الطرفين، و من المعلوم أنّ التكليف في المضطرّ إليه المعيّن ليس صالحاً للاحتجاج، و لا العلم التفصيلي فيه منجّزاً.

و أمّا إذا طرأ الاضطرار بعد العلم بالتكليف فالعلم بالتكليف الفعلي القطعي و إن ارتفع بطروئه لدوران الأمر بين ما يجوز اقترافه قطعاً و ما يشكّ في حرمته، لكن وجوب الاجتناب عن غير المضطرّ إليه، إنّما هو من آثار العلم السابق قبل الاضطرار، حيث تنجّز التكليف و أوجب الاجتناب، و حَكم العقل بوجوبه، و إذا طرأ الاضطرار و الضرورة فلا يتقدر إلّا بقدرها، لا بأكثر منه، فالحكم العقلي السابق في لزوم الخروج عن عهدة التكليف المتيقن باق بحاله إلّا ما خرج بالدليل لأنّ العلم المؤثر الجامع للشرائط آناً ما كاف في لزوم الاجتناب دائماً.

و لعلّ تفصيل الشيخ أتقن كما اختاره المحقق النائيني (قدس سره).

488

التنبيه الثاني: في خروج بعض الأطراف عن محلّ الابتلاء:

لا شك أنّه يشترط في صحّة النهي عن الشي‏ء أو الأمر به كون المتعلّق مقدوراً عقلًا و هذا ممّا لا شك في شرطيّته.

إنّما الكلام في شرط آخر مخصوص بالنواهي، و هو كون المنهي عنه مورداً للابتلاء، و واقعاً في متناول يد المكلّف، و هذا ما اعتبره الشيخ الأنصاري فيها، فحكم بعدم صحّة النهي عن شي‏ء خارج عن موضع الابتلاء كالنهي عن محرّم موجود في البلاد النائية. مستدلّا باستهجان النهي عن شي‏ء تكون الدواعي مصروفة عنه و لأنّ الغاية من النهي هو جعل الداعي إلى الانتهاء و المفروض أنّه حاصل بنفسه فطلب الانتهاء عندئذ أشبه بطلب الحاصل.

و لمّا كان مقتضى الدليل هو لغوية الأمر أيضاً بشي‏ء تكون الدواعي إلى فعله موجودة في أذهان المكلّفين كالانفاق على الأولاد و الآباء، نسب إلى المحقق الخراساني، في حواشيه على الرسائل بالالتزام بها (1).

ثمّ إنّ الشيخ الأنصاري رتّب على هذا الأصل، عدم تنجّز العلم الاجمالي فيما إذا كان بعض الأطراف خارجاً عن محلّ الابتلاء، لأنّ التكليف بالنسبة إلى الخارج منتف قطعاً و يكون التكليف بالنسبة إلى الطرف الآخر مشكوك الحدوث فلا مانع من الرجوع إلى أصالة البراءة فيه.

و قد أُجيب عن دليل الشيخ بوجوه:

الأوّل: ما ذكره المحقق الاصفهاني في تعليقته، و حاصله أنّ حقيقة التكليف الصادر من المولى المتعلّق بالفعل الاختياري، لا يعقل أن يكون إلّا جعل الداعي‏

____________

(1)- لم نجد ما نسب إليه في النسخة المطبوعة عام 1319 ه و لعلّه من سهو القلم.

489

بالإمكان، فيجتمع مع الامتناع بالغير بسبب حصول العلّة فعلًا أو تركاً من قبل نفس المكلف‏ (1).

و لا يخفى أنّ ما ذكره لا يدفع الاستهجان العرفي، فإذا كان صدور المعصية أمراً ممكناً، و لكن دلّت القرائن الخارجية على عدم ميله إليها أبداً. فالزجر عن الشي‏ء المرغوب عنه يعدّ أمراً مستهجناً و إن لم يكن قبيحاً عقلًا، فالإمكان الذاتي يرفع القبح العقلي و لا يزيل الاستهجان العرفي.

الثاني: ما ذكره صاحب مصباح الأُصول و حاصله: الغرض من الأوامر و النواهي ليس مجرد تحقق الفعل و الترك خارجاً، بل الغرض صدور الفعل استناداً إلى أمر المولى و كون الترك مستنداً إلى نهيه ليحصل لهم بذلك الكمال النفساني كما أُشير إليه بقوله تعالى:

(وَ ما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ‏) و لا فرق في هذه الجهة بين التعبدي و التوصلي، لأنّ الغرض منهما هو الاستناد في الأفعال و التروك إلى أمر المولى و نهيه، بحيث يكون العبد متحركاً تكويناً بتحريكه التشريعي و ساكناً كذلك بتوقيفه التشريعي. و بعبارة أُخرى الغرض هو الفعل المستند إلى أمر المولى، و الترك المستند إلى نهيه لا مجرد الفعل و الترك فلا قبح في الأمر بشي‏ء حاصل عادة و لا في النهي عن شي‏ء متروك بنفسه، و ليس الغرض مجرد الفعل و الترك حتى يكون الأمر و النهي لغواً و طلباً للحاصل‏ (2).

يلاحظ عليه: أوّلًا: أنّ الغرض المفروض انّما يحصل إذا لم يسبقه عامل طبيعي داخلي، فعند ذلك يستند الترك أو الفعل إلى ذاك العامل الطبيعي الداخلي. و الشارع و إن نهى عن الزنا بالأُمّهات و أكل الخبائث، و أمر بالانفاق على الأولاد

____________

(1)- نهاية الدراية: ج 2 ص 253.

(2)- مصباح الأُصول: ج 2 ص 396.

490

و الآباء و كان الهدف استناد الترك أو الفعل إلى نهيه و أمره، و لكن تلك الغاية لا تحصل إذا كان الرجل منزجراً بالذات عن الفعل، أو معطوفاً و مجلوباً إلى العمل لأجل العاطفة حتّى أنّه لو أراد أن يكون تركه و فعله مستندين إليهما لا يتحقق ذلك.

و ثانياً: أنّ هذا الغرض لا يخلو إمّا أن يكون لازم الرعاية في حصول الإطاعة و تحقق الامتثال أو لا، فعلى الأوّل يختلّ تقسيم الأوامر إلى تعبّديّة و توصّلية، و تصبح الأوامر التوصّلية كلّها تعبّدية أو قربية، و على الثاني لا يكون متحققاً فيما إذا كان هناك باعث و زاجر فطري، فيكون اتخاذه غرضاً عاماً لجميع الأوامر و النواهي، أمراً لغواً لعدم تحقّقه إلّا في قسم خاص لا في جميع الأقسام.

و ثالثاً: أنّ قوله: (وَ ما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ‏) ورد في موضعين في الذكر الحكيم بأدنى اختلاف أحدهما: قوله تعالى: في سورة التوبة الآية 30 و هو: (اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَ رُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَ ما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ‏) و ثانيهما: قوله سبحانه في سورة البينة الآية 5 و هو: (وَ ما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَ يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَ يُؤْتُوا الزَّكاةَ وَ ذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ).

و الآية الأُولى: ناظرة إلى شرك اليهود و النصارى و ردّ عليهم، حيث اتخذوا أحبارهم و رهبانهم أرباباً من دون اللّه. و الآية الثانية: ردّ على المشركين حيث عبدوا الأوثان و الأصنام و لم يخلصوا الدين و هو الطاعة في المقام له، بل: نحتوا له شريكاً في الطاعة.

و على ذلك فالآيتان أجنبيتان عن ما ذكره صاحب المصباح من أنّ الغرض من جميع الأوامر من الطهارة إلى الديات هو التعبّد و التقرّب بها بل الحصر فيهما إضافي، أي أنّ هؤلاء لم يؤمروا في مجال العبادة (لا في كلّ مورد) إلّا بعبادة اللّه‏

491

سبحانه و طاعته فقط لا غيره. و أمّا أنّ الهدف من كلّ أمر و نهي هو العبادة و التقرب أو التحرك بتحريكه، و الموقوف بإيقافه التشريعي، فأجنبي عن هدفها. و أنّ من المأسوف عليه أنّ كثيراً من العلماء يستدلّون بآيات لا صلة بها بالموضوع فالقرآن في فقه بعض الفقهاء غريب. كما أنّ كلمات العترة غريبة في فقه الجمهور.

الثالث: ما أفاده سيدنا الأُستاذ دام ظلّه: و هو التفريق بين الخطابات الشخصيّة، و الخطابات التشريعية القانونية، و أنّ الأوّل مشروط بالقدرة العادية وراء القدرة العقلية، و أمّا الثانية: فيكفي في صحّتها وجود القدرتين في مجموعة من المكلّفين، لا في كلّ واحد واحد منهم. فصحّة النهي غير مشترط بوجود القدرة العقلية، و وجود الدواعي إلى الارتكاب في كلّ واحد كما أنّ الأمر بالانفاق غير مشروط بالقدرة العقلية و وجود الانصراف عنه في كلّ واحد، بل وجود الشرطين في مجموعة من المكلّفين، كاف في القاء النهي و الأمر على المكلفين و المجتمع.

و إليك توضيحه: أنّ الخطاب على قسمين تارة يكون من الشخص إلى الشخص وحده، ففي مثله يشترط وراء القدرة العقلية، كون مورد النهي، ممّا يبتلى المكلّف أو وجود الداعي إلى ارتكابه.

و أُخرى: يكون من مقام إلى أُمّة بعنوان:» الناس «و» المؤمنين «و» المواطنين «إلى غير ذلك فليس هناك خطابات و انبعاث، بل هناك خطاب واحد متعلّق بالعنوان، حجّة في حقّ الكلّ ممّا رآه أو سمعه و وقف على شموله له.

و الخطابات القانونية سواء أ كانت من مصدر الوحي، أو من مقام بشرى كلّها من هذا القبيل، فليست هناك خطابات و لا إرادات في لوح المكلّف لا حقيقة و لا انحلالًا، و إنّما الموجود وجود خطاب و بعث واحد متعلّق بالعنوان العام بحيث يعدّ حجّة، لكلّ من ينطبق عليه العنوان، هذا و العرف و مجلس الشورى الإسلامي ببابك. و قبلهما وجدانك إذا دعوت أهل المسجد إلى إنجاز

492

عمل، فهل ترى من نفسك تعدد الإرادة و انحلال الخطاب بالنسبة إلى كلّ واحد.

و عند ذلك يتغير ملاك صحة الخطاب فإنّ ملاكها إذا كان الخطاب شخصياً، وجود القدرة العقلية و العادية في كلّ فرد و أمّا ملاكها إذا كان قانونياً فيكفي وجودهما في مجموعة كبيرة منهم. فعندئذ يصحّ الخطاب الكلّي العام و يكون الخطاب شاملًا لكل الأفراد قادرها و عاجزها، متمكّنها عادة و غير متمكّنها، واجدها للداعي و فاقدها، إذا كان الغالب قادراً و متمكّناً و ذات داع إلى الفعل أو انصراف عنه. غاية الأمر يكون العجز الشخصي عذراً لدى العقل. و هذا لا بمعنى سقوط الخطاب أو التكليف عنه. بل الخطاب و التكليف بالصورة القانونية باقية غاية الأمر جهل المكلف و عجزه عذر قانوني في مقابل الحجّة القائمة فيقدّم عليها.

و إذا كان الحال في الخطاب التفصيلي ما عرفت، فكيف الحال في الخطاب الإجمالي فلا يكون الخروج عن محلّ الابتلاء، لا قبل الخطاب و لا بعده، موجباً لسقوط العلم الإجمالي عن التنجّز.

ثمّ على ما ذكر من المبنى تنحلّ عدة إشكالات:

الأوّل: ما الفرق بين الشبهات التحريمية و الشبهات الوجوبية حيث اشترطت الأُولى بالقدرة العادية دون الثانية مع وحدة الدليل؟.

الثاني: لو كان خطاب غير المتمكّن عادة قبيحاً لأجل كونه تحصيل الحاصل لزم عدم صحّة النهي عن أكل الخبائث و شربها.

الثالث: إذا كان خطاب غير المتمكّن قبيحاً لزم اختصاص الأحكام الوضعية بالمتمكّن، كنجاسة الخمر من غير فرق بين كونها منتزعة من الأحكام التكليفية، أو مجعولة مستقلّة، فعلى الأوّل يلزم اختصاصها بالمتمكّن من الخمر و المبتلى بها لاختصاص منشأ انتزاعها بها، و على الثاني يكون جعل النجاسة للخمر بلحاظ آثارها التكليفية، كحرمة الشرب، فإذا كان خطاب غير المتمكّن منها

493

بالحرمة أمراً قبيحاً لزمت لغوية جعل النجاسة على الخمر الخارجة عن معرض الابتلاء.

الرابع: لا شك أنّ الخطاب الشخصي مقيد بالقدرة العقلية، و غيرها من الأُمور العامّة، فلو شك في وجودها، كما إذا شك في أنّه هل هو قادر على حفر الأرض لدفن الميت أو لا. فالمشهور لزوم الاشتغال و الفحص حتى يتبيّن الحال، مع أنّ الشك في وجود الشرط شك في وجود الخطاب و الأصل عدمه.

اللّهمّ إلّا أن يقال: بلزوم الفحص في بعض الشبهات الموضوعية أمثال الشك في كونه مستطيعاً أو لا.

أو أنّ الغلّة و النقدين بلغت النصاب أو لا. و الشك في القدرة العقلية من هذا القبيل، لأنّ أصل البراءة للمتحيّر، و لا يقال لمن يقدر على استعلام حاله بسهولة أنّه متحيّر. كما أوضحنا حاله في كتاب الخمس و غيره.

مسائل ثلاث:

المسألة الأُولى‏ (1): لو شككنا في اعتبار القدرة العادية في صحّة التكليف و عدمه،

فهل الأصل هو البراءة أو التمسك بالإطلاق، كما عليه الشيخ الأعظم (قدس سره) ذهب المحقق الخراساني إلى الأوّل، لعدم القطع بالاشتغال. و أمّا الإطلاق فلا يصحّ التمسّك به، إذ هو فيما إذا تحقق الخطاب و شك في التقييد بشي‏ء، لا في ما إذا شك في تحقق ما يعتبر في صحّة الخطاب.

و أورد عليه المحقق الخوئي دام ظلّه: بأنّ بناء العقلاء على حجّية

____________

(1)- جاءت هذه المسألة في كلام الشيخ الأعظم في نهاية المسألة الثانية الآتية بعبارة قصيرة و قال:» أمّا إذا شك في قبح التنجيز فيرجع إلى الاطلاقات ... «لاحظ الفرائد طبعة رحمة اللّه: 252.

494

الظواهر ما لم تثبت القرينة العقلية أو النقلية على خلافها. و مجرّد احتمال الاستحالة لا يعدّ قرينة على ذلك. فانّه من ترك العمل بظاهر خطاب المولى، لاحتمال استحالة التكليف لا يعدّ مثل ذلك معذوراً عند العقلاء، فإذا أمر المولى باتباع خبر العادل و احتملنا استحالة حجية خبر العادل، لاستلزامه تحليل الحرام و تحريم الحلال، فلا يكون هذا الاحتمال عذراً في مخالفة أمر المولى، و مثله احتمال دخالة القدرة العادة في صحّة الخطاب فإنّ ذاك الاحتمال لا يسقط خطاب المولى عن الحجية.

يلاحظ عليه: أنّه فرق واضح بين المثال و الممثل إذ لو كان كلام المولى الحكيم في خصوص مورد الشك فلا شك أنّه يرتفع به الشك و يستدل به على عدم الاستحالة كما في المثال الذي ذكره.

و أمّا إذا كان كلامه وارداً لا في خصوص مورد الشك و احتمل شموله له لأجل عدم شرطية الابتلاء كما احتمل عدم شموله لأجل شرطيته، فالشك يرجع إلى وجود الاطلاق الرافع للشك، و معه كيف يمكن التمسك به.

و على الجملة: فرق واضح بين وجود الظاهر القطعي و احتمال الاستحالة و الشك في وجوده لأجل استهجان الخطاب، و المقام من قبيل الثاني دون الأوّل كما لا يخفى.

المسألة الثانية: إذا قلنا بتقييد الخطابات و صحتها بالابتلاء و لكن شككنا في صدقه مفهوماً على بعض الموارد،

قسم منها يعلم أنّه خارج عن محل الابتلاء كالاناء الواقع في الولايات البعيدة، و قسم منها داخل فيه قطعاً كالاناء الواقع بين أيدينا كما في أكثر صور العلم الاجمالي. و لكن قسم منها مردد بين كونه داخلًا فيه أو خارجاً عنه فهل المرجع في ذلك هو البراءة أو الإطلاق؟

495

يقول الشيخ الأعظم: لو كان الطرف الآخر أرضاً لا يبعد ابتلاء المكلّف به في السجود و التيمم و إن لم يحتج إلى ذلك فعلًا ففيه تأمّل، و المعيار في ذلك و إن كان صحّة التكليف بالاجتناب عنه على تقدير العلم بنجاسته، و حسن ذلك من غير تقييد التكليف بصورة الابتلاء و اتفاق صيرورته واقعة له، إلّا أنّ تشخيص ذلك مشكل جداً.

ثمّ ذهب إلى أنّ المرجع في المسألة إطلاق الخطابات. و أفاد في وجه ذلك: انّ الخطابات بالاجتناب عن المحرّمات مطلقة غير معلّقة، و المعلوم تقييدها بالابتلاء في موضع العلم بتقبيح العرف توجيهها من غير تعليق بالابتلاء. و أمّا إذا شك في قبح التنجيز، فيرجع إلى الإطلاقات، فالأصل في المسألة وجوب الاجتناب إلّا ما علم عدم تنجّز التكليف بأحد المشتبهين على تقدير العلم (التفصيلي) بكونه الحرام‏ (1).

و أوضحه المحقق النائيني على ما في تقريرات الكاظمي و حاصله: أنّه لا إشكال في إطلاق ما دلّ على حرمة شرب الخمر و شموله لكلتا صورتي الابتلاء، و عدمه، و القدر الثابت من التقييد، هو إذا كان الخمر خارجاً عن مورد الابتلاء بحيث يلزم استهجان النهي عنه بنظر العرف، فإذا شك في استهجان النهي فالمرجع هو إطلاق الدليل لما تبيّن في مبحث العام و الخاص من أنّ التخصيص بالمجمل مفهوماً، المردّد بين الأقل و الأكثر لا يمنع عن التمسك.

فإن قلت: المخصص المجمل المتصل بالعام يسري إجماله إلى العام و لا ينعقد له ظهور في جميع ما يحتمل انطباق مفهوم المخصص عليه إذا كان المخصص لفظياً أو لبّياً ضرورياً متصلًا بالعام في ما عدا القدر المتيقن في التخصيص و هو الأقل.

____________

(1)- الفرائد: ص 252 ط رحمة اللّه.

496

قلت: إنّ اجمال المخصص المتصل سواء كان لفظياً أو عقلياً إنّما يسري إذا كان الخارج عن العموم عنواناً واقعياً غير مختلف المراتب، و تردد مفهومه بين الأقلّ و الأكثر، كما في تردد الفاسق بين خصوص مرتكب الكبيرة أو الأعم منه، و أمّا إذا كان الخارج عن العموم عنواناً ذا مراتب مختلفة و علم بخروج بعض أفراده و شك في خروج بعض آخر، فاجمال المخصص و تردّده بين خروج جميع المراتب أو بعضها لا يسري إلى العام، لأنّ الشك في مثل هذا يرجع في الحقيقة إلى الشك في ورود مخصص آخر للعام غير ما علم التخصيص به‏ (1).

يلاحظ على بيان الشيخ الأعظم: بأنّ الخارج عن العام، هو الخارج عن محلّ الابتلاء لأجل استهجانه، و أمّا الشك في كونه واقعاً في محلّ الابتلاء أو خارجاً عنه، فهو شك في صحّة الخطاب و عدمها، و شك في أنّه هل هو داخل تحت المخصص أو باق تحت العام فلا قطع بدخوله تحت العام، و ليس الخارج عن العام، ما علم كونه خارجاً أو علم كون الخطاب مستهجناً.

و يلاحظ على ما أفاده المحقّق النائيني: أوّلًا: أنّ تخصيص العام بمخصص متصل لفظي أو لبّي، ضروري أو غير ضروري، يجعل العام حجّة في غير عنوان المخصص، فلا يمكن الاستدلال به في مورد الشك لأنّ الحكم حسب الإرادة الجدّية مرتب على العالم غير الفاسق، و الخمر المبتلى بها فكما أنّه يجب إحراز كونه عالماً و خمراً، يجب إحراز أنّه لا يصدق عليه عنوان المخصص، أعني: الفاسق و الخارج عن الابتلاء، و مع الشك في إحراز القيد الثاني لم يحرز عنوان العام بما هو حجّة و إن أُحرز بما هو ظاهر فيه.

و إن شئت قلت: لم يحرز بما هو موضوع الإرادة الجدّية و إن أُحرز بما هو موضوع الإرادة الاستعمالية.

____________

(1)- الفوائد: ج 2 ص 6057 بتلخيص.

497

ثانياً: أنّ ما أفاده من أنّ المخصص إذا كان ذات مراتب فعلمنا بخروج مرتبة، و شككنا في خروج مرتبة أُخرى، فإجمال المخصص لا يسري إلى العام، لأنّ مرجع الشك إلى التخصيص الزائد، غير تام. لأنّه لو خرجت كلّ مرتبة بوجه على حدة، لكان لما ذكر وجه، لا ما إذا كان الكلّ بعنوان واحد يعمّ جميع المراتب فإنّ كثرة الخروج و عدمها، لا يوجب كون التخصيص أزيد من واحد كما لا يخفى.

و ثالثاً: أنّ التفريق بين الفسق و الابتلاء، و جعل الثاني من أقسام ذات المراتب دون الأوّل غير تام، لأنّ الأوّل مثل الثاني، فإنّ الفسق كالكفر و الإيمان يزيد و ينقص، فله أيضاً مراتب، فالمسلم القاتل فاسق، و المغتاب أيضاً فاسق و أين هو من ذاك؟

وجه آخر للعلّامة الحائري (قدس سره):

ثمّ إنّ شيخ مشايخنا العلّامة الحائري (قدس سره): أيّد مقالة الشيخ بوجه آخر، و حاصل ما أفاده: أنّه لا يصح التمسّك بالخطاب، لأنّ المفروض الشك في أنّ خطاب الشرع في هذا المورد حسن أم لا؟ فلا بدّ من الرجوع إلى القاعدة، و لكنّها ليست أصل البراءة، بل هي الاحتياط و الاشتغال لأنّ البيان المصحّح للعقاب عند العقل و هو العلم بوجود مبغوض من المولى بين أُمور، حاصل. و إن شك في الخطاب الفعلي من جهة الشك في حسن التكليف و عدمه، و هذا المقدار يكفي حجّة عليه، نظير ما إذا شك في قدرته على الإتيان بالمأمور به و عدمها. بعد إحراز كون ذلك الفعل موافقاً لغرض المولى و معلوماً له ذاتاً و ليس له أن لا يقدم على الفعل بمجرد الشك في الخطاب الناشئ من الشك في قدرته‏ (1).

و للمحقّق النائيني (رضوان اللّه عليه) بيان قريب منه قال: إنّ القدرة

____________

(1)- درر الأُصول: ج 2 ص 121.

498

العقلية و العادية ليست من الشرائط التي لها دخل في ثبوت الملاكات النفس الأمرية. بل هي من شرائط حسن الخطاب لقبح التكليف عند عدمهما، و لكنّ الملاك محفوظ في كلتا الصورتين: وجود القدرة و عدمها، و العقل يستقلّ بلزوم رعاية الملاك و عدم تفويته مهما أمكن، و مع الشك في القدرة تلزم رعاية الاحتمال تخلّصاً عن الوقوع في مخالفة الواقع، كما هو الشأن في المستقلّات العقلية، فلو صار المشكوك فيه طرفاً للعلم الإجمالي يكون حاله حال سائر موارد العلم الإجمالي بالتكليف من حيث حرمة المخالفة القطعية، و لا يجوز اجراء البراءة في الطرف الذي هو داخل في محلّ الابتلاء (1).

يلاحظ على كلا البيانين أوّلًا: أنّ لازم ذلك الاجتناب عن الطرف المشكوك حتى في ما إذا علم خروج الطرف الآخر عن محلّ الابتلاء قطعاً، للتحفّظ على الملاك بقدر ما أمكن و هؤلاء لا يقولون به.

و ثانياً: أنّ العلم بالملاك مع الشك في حسن الخطاب، يحتاج إلى دليل، لأنّ الملاك إنّما يستكشف من خطاب المولى و مع عدمه، كما في الخروج القطعي عن محلّ الابتلاء أو مع الشك فيه كما في المقام لا علم لنا بوجود ملاك قطعي لازم الإحراز، فلعلّ للقدرة العادية تأثير في تمامية الملاك كما هو الحال في القدرة الشرعية كما في الاستطاعة.

المسألة الثالثة: إذا شك في صدق الابتلاء على مورد، لا من جهة إجمال مفهوم المخصّص، بل لأجل الجهل بواقع المورد،

بحيث لو علم واقعة، لما كان هنا شك من ناحية مفهوم الابتلاء و الخارج عنه، كما إذا تردّد الاناء الآخر بين كونه واقعاً في البلد الذي‏

____________

(1)- الفوائد: 55/ 4.

499

تعيش فيه أو في أقصى بلاد الهند فلو علم أنّه واقع في واحد من البلدين، لظهر الحكم، فهل يصحّ التمسّك في مثله بالعام أو لا، التحقيق لا، كما أوضحنا حاله عند البحث عن التمسّك بالعام في مورد الشبهات المصداقية.

و حاصل الدليل: أنّ المخصّص المتصل يجعل الموضوع مركّباً من قيدين كما في قولنا:» أكرم العالم العادل «، أو» غير الفاسق «فإحراز كون المورد عالماً إحراز لأحد الجزءين و هو غير كاف في الاحتجاج.

و أمّا المخصّص المنفصل أعم من أن يكون لفظياً أو لبيّاً، فهو و إن كان لا يتصرّف في موضوع العام و لا يجعله مركّباً من جزءين، و لكنّه يجعله حجّة في غير عنوان الخاص، فكما يجب إحراز أنّ المورد عالم، كذلك يجب إحراز أنّه غير فاسق. فإحراز كون المورد عالماً ليس إحرازاً لموضوع العام بما هو حجّة، إلّا إذا أحرز وراء كونه عالماً أنّه لا يصدق عليه عنوان الخاص.

و إن شئت قلت: إنّ الموضوع في الدليل العام حسب الإرادة الاستعمالية و إن لم يكن غير مقيّد بشي‏ء، و لكنه حسب الإرادة الجدّية مقيّد بغير عنوان الخاص، فيجب إحراز الجزءين.

و نقول في المقام: إنّ الموضوع في الأدلّة الواردة حول تحريم الخمر و لزوم الاجتناب عن البول و إن كان بسيطاً، غير مقيّد، لكن الدليل العقلي دلّ على إخراج غير المبتلى به من تحتها، فإذا دار أمر المورد بين الداخل و الخارج لا يصحّ التمسّك بالدليل، إن لم يحرز موضوع الدليل بما هو حجّة.

ثمّ إنّ كون البراءة هي المرجع إنّما يتم على قول من يعتبر الابتلاء قيداً للدليل، و أمّا على القول الآخر خصوصاً على مبنى السيد الأُستاذ دام ظلّه فالمرجع هو الإطلاق، بل يسقط البحث عن هذه الفروع.

500

التنبيه الثالث: في الشبهة غير المحصورة:

اتّفق الأُصوليون على عدم تنجيز العلم الإجمالي في أطراف الشبهة غير المحصورة، و الكلام يقع في تحديد الموضوع أوّلًا، و بيان حكمها ثانياً.

أمّا الأوّل: فقد عرّفت الشبهة غير المحصورة بوجوه:

منها: أنّ غير المحصورة ما يعسر عدّه.

منها: كون الأطراف في نظر العرف غير محصورة، و هي تختلف حسب الموارد، فالعلم بحبّة مغصوبة بين ألف حبّة مجتمعة محصورة، و العلم بوجود لبن نجس بين مائة إناء متفرّق غير محصورة.

منها: ما لا يتمكّن المكلّف من المخالفة القطعية عادة بارتكاب جميع الأطراف، و على هذا تختصّ بالشبهات التحريمية لتمكّن المكلّف من المخالفة القطعية في الشبهات الوجوبية، و يخرج عنها العلم بنجاسة حبّة من عدّة كيلو غرامات لامكان استعمالها.

و منها: ما ذكره الشيخ الأعظم‏ (1) و تبعه شيخ مشايخنا العلّامة الحائري: من أنّ الميزان هو أن تكون الأطراف على حدّ توجب ضعف احتمال كون الحرام في طرف خاص بحيث لا يعتني به العقلاء و يعاملون معه معاملة الشك البدوي.

و لعلّ الأخير أصحّ التعاريف، فلو أُخبرتَ باحتراق بيت أو اغتيال انسان في بلد كبير و لك فيه بيت أو ولد، فلا تعتدّ به، بخلاف ما إذا أُخبرتَ بأي منهما في قرية صغيرة و لك فيها بيت أو ولد فإنّك تتوحّش من سماع ذلك، فكأنّ كثرة الأطراف يجعل المخبر به موهوماً في كلّ واحد من الأطراف إذا لاحظه بالخصوص.

و هذا بخلاف قلّتها فيكون كلّ طرف إذا لاحظ بالخصوص محتمل الحرام جدّاً.

____________

(1)- الفرائد: 261.