المحصول في علم الاُصول‏ - ج3

- محمود الجلالي المازندراني المزيد...
654 /
51

موضع القيام، و المفروض عدمها و كون القطع طريقاً بالذات، لوحظ أم لا، لا يصحّح القيام لأنّ المفروض أنّ الشارع اعتبر القطع في الموضوع لا من ذاك اللحاظ بل بلحاظ أنّه وصف نفساني لا بلحاظ أنّه طريق.

و إن شئت قلت: إنّ قضية الحجّية و الاعتبار ترتيب ما للقطع من الآثار بما هو حجّة لا بما هو صفة و موضوع.

قيام الأمارات مكان القطع الموضوعي الطريقي:

و إنّما الكلام في قيام الأمارة مكان القطع الموضوعي الطريقي، فذهب الشيخ الأعظم إلى أنّ القيام بنفس الأدلّة و المحقق الخراساني إلى عدمه، و تحقيق الحقّ يتوقّف على البحث في مقامين: الثبوت و أنّه هل هو ممكن أو لا؟ و الاثبات و مدى دلالة الأدلّة.

أمّا الأوّل: فذهب المحقق الخراساني إلى عدم الإمكان قائلًا:

إنّ القطع المأخوذ بهذا النحو (الطريقية) في الموضوع شرعاً كسائر ما له دخل في الموضوع (كالعقل و البلوغ و القدرة) فلا يقوم مقامه شي‏ء بمجرد حجّيته أو قيام دليل على اعتباره ما لم يقم دليل على تنزيله و دخله في الموضوع كدخله‏ (1).

فإن قلت: إذا كان لدليل الحجّية إطلاقاً يثبت أنّ الأمارة كالقطع في كلا الأمرين الطريقية و المدخلية في الموضوع يؤخذ به، و يرتفع الإشكال.

قلت: إنّ الدليل الدال على الغاء الاحتمال، لا يكاد يكفي إلّا بأحد

____________

(1)- توضيحه: أنّ دليل حجية الأمارة، أعني: قوله:» العمري و ابنه ثقتان، ما أدّيا عني فعنّي يؤدّيان «ناظر إلى طريقيتها فتكون النتيجة هو قيام الأمارة مكان القطع في الحجّية، أعني: التنجيز في المصادفة و التعذير في المخالفة، و أمّا كونها مثله في دخله في موضوع الحكم كسائر ما له دخل، فلا يدل عليه دليل الاعتبار لأنّه يحتاج إلى عناية أُخرى و تنزيل آخر.

راجع الكفاية ج 2 ص 20.

52

التنزيلين، حيث لا بدّ في كل تنزيل منهما من لحاظ المنزّل و المنزّل عليه، و لحاظهما في أحدهما آلي، و في الآخر استقلالي، بداهة أنّ النظر في تنزيلها منزلة القطع من جهة الطريقية إلى الواقع و مؤدّى الطريق آلي، كما أنّ النظر في كونها بمنزلته في دخله في الموضوع إلى أنفسهما فيكون استقلالياً و لا يكاد يمكن الجمع بينهما، نعم لو كان في البين ما بمفهومه جامع بينهما، يمكن أن يكون دليلًا على التنزيلين و المفروض عدمه فلا يكون دليلًا على التنزيل، إلّا بذاك اللحاظ الآلي، فتكون حجة موجبة لتنجّز متعلّقها و صحّة العقوبة على مخالفتها في صورتي إصابتها و خطائها بناءً على استحقاق المتجرّي، أو بذاك اللحاظ الآخر الاستقلالي فتكون مثله في الدخل في الموضوع و ترتيب ما للقطع من الأثر الشرعي على الأمارة (1).

تحليل دليل المانع:

هذا مرامه و مقالته و هو لا يهدف إلّا إلى أمر واحد و هو: أنّ وجه الشبه وجهة التنزيل إمّا الطريقية، أو الدخل في الموضوع. و الأوّل يستلزم النظر إلى المؤدّى و الواقع استقلالًا و إلى القطع و الأمارة آلياً، و الثاني: يستلزم كون التوجّه إلى القطع و الأمارة استقلالياً و هما غير مجتمعين.

و على أيّ تقدير: فالجواب عن هذا الدليل واضح، فإنّ النظر في كلا التنزيلين إلى القطع و الأمارة استقلالي، لأنّه إنّما يكون النظر إليهما آلياً إذا كان المنزّل عليه، قطع نفس المولى، أمّا إذا كان قطع المكلّف الذي يعدّ طريقاً إلى الواقع، فلا يلزم أن يكون القطع و الأمارة منظوراً إليهما آلياً، بل الكل منظور إليه بالنظر الاستقلالي في كلا التنزيلين سواء كان وجه الشبه هو الحجّية و الطريقية أو المدخلية و التأثير. غاية الأمر أنّ القطع و الأمارة يلاحظان في التنزيل الأوّل لأجل الطريقية و الحجّية، و في التنزيل الثاني من أجل التأثير و المدخلية، و كون وجه الشبه‏

____________

(1)- الكفاية: ج 2 ص 23، (غيّرت عبارة الكفاية لسهولة الفهم).

53

في الأوّل طريقيتهما لا يستلزم كونهما منظورين بلحاظ آلي، و ذاك كملاحظة المرآة في زمان واحد لأجل مرآتيتها و في الوقت نفسه لأجل شكلها و تحدّبها و تقعّرها، ففي الكلّ تكون المرآة ملحوظة استقلالًا لا آلياً، و إن كان وجه الشبه هو الطريقية في الأوّل، و الصفات الهندسية في الثاني، فتبيّن أنّه لم يقم دليل على امتناع التنزيلين في زمان واحد و بعبارة واحدة.

نعم الكلام في وجود تنزيل له إطلاق مثل ما يدّعيه الشيخ الأعظم، و هذا هو الذي نبحث في المقام الآتي.

الكلام في مقام الإثبات:

بقي الكلام في الإثبات و قيام الدليل فنقول:

التصديق بأحد الطرفين يتوقّف على إحراز لسان دليل حجيّة الأمارة، و أنّ ما صدر عن الشارع ما هو؟ فمن قائل: إنّ المجعول في باب الأمارات هو الطريقية و الكاشفية. و من قائل آخر: بأنّ المجعول تتميم الكشف، و من ثالث: بأنّ المجعول جعل المؤدّى مكان الواقع، و من رابع: انّ المجعول هو المنجّزية عند الإصابة و المعذّرية عند الخطاء، إلى غير ذلك من المحتملات، و لكن الكلّ مخدوش.

أمّا الأوّل و الثاني فلأنّ الطريقيّة و الكاشفية أو التتميم كلّها من الأُمور التكوينية التي لا تقبل الجعل و لا تقع في أُفق الإنشاء، فكيف يمكن جعل الأدلّة ناظرة إليها؟

و أمّا الثالث: فلأنّه أشبه شي‏ء بالتصويب و لا بدّ من إخراجه عنه إلى تمحّلات و تصرّفات كما سيوافيك بيانه عند الجمع بين الحكم الواقعي و الظاهري.

54

و أمّا الرابع: فهو و إن كان أمراً ممكناً، لكنّه خلاف ظاهر الأدلّة كما سيوافيك بيانه.

و على أيّ تقدير: فليس المجعول في باب الامارات واحد من المحتملات بل ليس هنا جعل سوى إمضاء ما بيد العقلاء، و لأجله لا تجد دليلًا لفظياً يتعرّض لكبرى القضية، بأنّ قول الثقة حجّة، بل الجلّ لو لا الكلّ راجع إلى بيان الصغرى كقوله (عليه السلام): إنّ العمري و ابنه ثقتان. أو يونس بن عبد الرحمن ثقة أو غير ذلك مما سيوافيك بيانه في حجيّة خبر الواحد.

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ العمل بخبر الواحد في مورد القطع الطريقي ليس لأجل كونه قائماً مقامه، بل هو حجة في نفسه و طريق عند العقلاء كالقطع و إن كان بعض الطرق مقدّماً على بعض.

و أمّا الموضوعي منه، فلا بدّ من ملاحظة لسان الدليل فإن أخذ فيه بما أنّه إحدى الكواشف فيقوم مقامه، لأنّه كالقطع في الكشف. و إن أخذ فيه بما أنّه كاشف تامّ فلا يقوم كما لا يقوم مقام القطع الوصفي لفقدان الملاك.

و بذلك يظهر ضعف ما أفاده صاحب مصباح الأُصول من قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي الطريقي مطلقاً، قائلًا: بأنّ ترتيب آثار المقطوع على مؤدّى الأمارة إنّما هو لتنزيل الأمارة منزلة القطع، فترتيب أثر نفس القطع لأجل هذا التنزيل بطريق أولى‏ (1).

لأنّ الملاك في ترتيب آثار المقطوع على المؤدّى هو وجود كاشف في البين سواء كان تامّاً أو ناقصاً.

فيترتب أثر المقطوع على المؤدّى بعد جعله حجّة، و أمّا الملاك في ترتيب أثر نفس القطع فلو أخذ في الموضوع بما أنّه كاشف لصحّ الترتّب، و أمّا إذا أخذ فيه بما أنّه كاشف تام، فليس الملاك موجوداً في الأمارة، فالأولوية المدعاة ساقطة عندئذ، فالحقّ هو التفصيل.

____________

(1)- مصباح الأُصول: ج 2 ص 37.

55

في قيام الأُصول مقام القطع:

إنّ الأُصول العمليّة بين محرزة و غير محرزة، و المراد من الأُولى ما يكون ناظرة إلى الواقع، و يكون المجعول فيها البناء العملي على أحد طرفي الشك بناء على أنّه الواقع و الغاء الطرف الآخر، كالاستصحاب و قاعدة التجاوز و الفراغ على قول. و قاعدة عدم اعتبار شكّ الإمام أو المأموم مع حفظ الآخر. و عدم اعتبار شكّ من كثر شكّه، كما أنّ المراد من الثاني هي المقررة للجاهل في مقام العمل شرعاً أو عقلًا.

أقول: أمّا الأُصول غير المحرزة: فلا يصحّ إقامتها مكان القطع و ذلك ببيانين:

الأوّل: أنّ وجه التنزيل بين القطع الطريقي إلى الواقع و الأُصول المقررة بعنوان الوظيفة للجاهل في مقام العمل شرعاً و عقلًا غير موجود، فأين ما يؤخذ به لأجل كونه طريقاً إلى الواقع، ممّا يؤخذ به لأجل كونه مبيّناً للوظيفة الفعلية، سواء أ كان مطابقاً للواقع أم لا.

و بعبارة أُخرى: أنّ الأُصول غير المحرزة مبيّنة لوظيفة من انقطعت حيلته من كل شي‏ء يوصله إلى الواقع، فعندئذ لا معنى للتنزيل، لا تنزيل الأصل مكان القطع، و لا تنزيل المؤدّى مكان المقطوع و معه لا وجه للقيام.

الثاني: يجب أن يكون في التنزيل أُمور ثلاثة: المنزّل، و المنزّل عليه، و وجه التنزيل، كما في تنزيل الامارة منزلة القطع، في التنجّز أو الدخل، لكن ليس في الأُصول غير المحرزة إلّا أمران:

الأوّل: المنزّل عليه و هو القطع.

الثاني: جهة التنزيل و هو أثر القطع، أعني: المنجّزية و المعذّرية.

و أمّا المنزّل فليس شيئاً وراء جهة التنزيل و أثر القطع، فالاحتياط العقلي‏

56

ليس إلّا نفس حكم العقل بتنجّز الواقع الذي هو أثر القطع و وجه التنزيل، كما أنّ الاحتياط الشرعي في الأُمور المهمّة في الشبهات البدويّة ليس إلّا نفس حكم الشرع بتنجّز الواقع على فرض وجوده.

و الحاصل: أنّ الاحتياط عقلياً و شرعياً ليس إلّا نفس حكم العقل و الشرع بتنجّز الواقع، و هو نفس جهة التنزيل، فلا شي‏ء هنا باسم المنزّل حتى ينزّل مكان القطع.

و ما يظهر من المحقق الخراساني من الفصل بين الاحتياطين من جعل الاحتياط العقلي نفس تنجّز الواقع و الاحتياط الشرعي شيئاً وراءه و هو إلزام الشارع به لأجل تنجّز الواقع، ليس بتامّ، فانّ إلزام الشارع عبارة أُخرى عن حكمه بتنجّز الواقع على فرض وجوده، و إلّا ففي الاحتياط العقلي أيضاً إلزام.

و منه يظهر حال البراءة العقلية و الشرعية فالأولى عبارة عن حكم العقل بعدم العقاب لعدم تنجّز الواقع، لأجل عدم وصول البيان، و البراءة الشرعية عبارة عن رفع الحكم و عدم تنجّزه لأجل عدم العلم.

و بالجملة: فما نسمّيه بالاحتياط و البراءة عبارة عن حكم العقل و الشرع بتنجّز الواقع، و عدم تنجّزه، و هو نفس أثر القطع المنزّل عليه، فليس هنا شي‏ء ثالث حتى يكون هو المنزّل، كما لا يخفى.

و أمّا الأُصول المحرزة، فالمراد منها ما يكون المجعول فيها البناء العملي على أحد طرفي الشك على أنّه هو الواقع و إلغاء الطرف الآخر، فيقع الكلام في مقامي الثبوت و الإثبات.

الكلام في مقام الثبوت:

فقد اختار المحقق الخراساني التفصيل بين القطع الطريقي المحض و بين القطع الموضوعي الطريقي بالقيام في الأوّل و عدمه في الثاني.

57

أمّا الأوّل: فلأنّ الأثر مترتّب على نفس الواقع، و لإحرازه طرق، منها القطع و الاستصحاب و سائر الأُصول.

و أمّا الثاني: فلاستلزامه الجمع بين اللحاظ الآلي و الاستقلالي في ملحوظ واحد.

توضيحه: أنّ تنزيل الشك المسبوق باليقين منزلة القطع، إن كان بلحاظ الطريقية يكون النظر إلى المتيقن و المشكوك في الموردين استقلالياً و إلى القطع و الاستصحاب (الشك بعد اليقين) آليّاً. و إن كان التنزيل بلحاظ المدخلية في الموضوع يكون النظر إليهما استقلالياً، و إلى المتيقّن و المشكوك آلياً.

و إن شئت قلت: إنّ النظر إلى القطع و الشك المسبوق باليقين في تنزيل الاستصحاب منزلة القطع الطريقي آلي، لأنّ الأثر مترتب على الواقع المنكشف بالقطع، لا على نفس القطع. فيكون النظر إلى الواقع و المشكوك استقلالياً، و إلى القطع و الاستصحاب آلياً.

و لكن النظر في تنزيله منزلة القطع الموضوعي الطريقي، استقلالي، باعتبار مدخليتهما في الحكم، و أنّ الحكم مترتب على الواقع الذي تعلّق به القطع، و لا يمكن الجمع بين اللحاظين في لحاظ واحد.

يلاحظ عليه: ما عرفته عند البحث في تنزيل الأمارة مكان القطع الموضوعي الطريقي. و حاصله: أنّ المنزَّل عليه (بالفتح) لو كان هو نفس قطع المنزِّل (بالكسر) و الأصل القائمين عنده لكان لما ذكر وجه. و لكن المنزَّل عليه (بالفتح) عبارة عن القطع و الأصل الموجودين عند المكلّف، فالشارع الحكيم أو المبيّن لحكمه، ينظر إلى القطع الموجود في ذهن المكلّف على وجه الطريقية، و هكذا الشك بعد اليقين، فيلاحظهما استقلالياً، لا آلياً (و إن كان كذلك في ذهن المكلّف) فينزّل الشك بعد اليقين، مكان القطع الوجداني، في الطريقية و المدخلية، فيقال هذا مثله طريقاً و دخيلًا.

58

هذا كلّه إذا قمنا بكلا التنزيلين دفعة واحدة، و في عرض واحد، و قد عرفت أنّ المحقّق الخراساني أحاله، لاستلزامه الجمع بين اللحاظين المختلفين في آن واحد. و قد عرفت جوابه.

ثمّ إنّ له تقريباً في حاشية الفرائد لإثبات صحّة كلا التنزيلين. لكن لا بالدلالة المطابقية، بأن يكون التنزيلان في عرض واحد. بل بالدلالة الالتزامية بأن يكون أحد التنزيلين في طول الآخر. و الدليل اللفظي يتكفّل بإثبات أحد التنزيلين، أعني: تنزيل المؤدّى منزلة الواقع بالدلالة المطابقية، و أمّا التنزيل الآخر، أعني: تنزيل الأصل مكان القطع فإنّما يفهم بالدلالة الالتزامية و الملازمة العرفية، فعندئذ لا يلزم الجمع بين اللحاظين المختلفين في آن واحد و إليك توضيحه في ضمن مثال.

إذا شككنا في مائية مائع مع كرّيته، فاستصحاب مائيّته لا يغني عن استصحاب كريّته، كما أنّ استصحاب كريّته لا يغني عن استصحاب مائيّته إلّا إذا أحرز الجزء الثاني بالتعبّد في عرضه أو بالوجدان، أو يكون هناك ملازمة عرفية بين الإحرازين، كما في المقام فإنّ الجزء الثاني في المقام غير محرز لا بالتعبّد في عرضه لاستلزامه الجمع بين اللحاظين المتباينين، و لا بالوجدان بل بالثالث، فإذا فرضنا أنّ إحراز أحدهما يلازم عرفاً إحراز الثاني فيكفي أحد التنزيلين عن الآخر، و المقام من هذا القبيل، قال في تعليقته: بأنّ تنزيل المؤدّى منزلة الواقع لما كان أمراً متيقناً، و لا يبعد دلالة دليل الأمارة (أو الأصل) على التنزيل الثاني بالملازمة بدعوى الملازمة العرفية بينه (القطع التعبّدي مكان القطع الوجداني) و بين تنزيل المؤدّى‏ (1).

و الحاصل: أنّه يتولّد من تنزيل مشكوك الخمرية منزلة الخمر الواقعي المدلول عليه بالدلالة المطابقية، القطع بالخمر التعبّدي و هو من نتائج التنزيل‏

____________

(1)- تعليقة المحقق الخراساني على الفرائد: ص 9.

59

الأوّل، و هذا ملازم عرفاً مع تنزيل القطع بالخمر التعبّدي منزلة القطع بالخمر الواقعي فيكشف بالدلالة الالتزامية المستند إلى الملازمة العرفية وجود هذا التنزيل.

و الحاصل: أنّ تنزيل المستصحب و المؤدّى منزلة الواقع بالمطابقة و يتولّد من هذا التنزيل، كون الاستصحاب قطعاً تعبّدياً بالواقع، و حيث إنّ ذاك التنزيل لا يترتب عليه الأثر لكون الأثر هنا مترتباً على الواقع و القطع، فلا بدّ من القول بأنّ الشارع نزّل القطع التنزيلي التعبّدي منزلة القطع الواقعي بالملازمة.

و لكنّه (قدس سره) لم يرتض هذا الجواب، و وصفه في الكفاية بالتكلّف أوّلًا، و بالتعسّف ثانياً.

أمّا الأوّل: فلعدم الملازمة العرفية، و أمّا الثاني فلاستلزامه الدور.

أمّا ادّعاء عدم الملازمة العرفية، فلأنّ التنزيل الثاني ليس من قبيل اللازم البيّن و لا من قبيل اللازم غير البيّن و إنّما هو نتيجة صون فعل الحكيم عن اللغوية و هو فرع شمول دليل الاستصحاب للمورد، بل هو أوّل الكلام لاحتمال اختصاصه بما إذا كان القطع طريقاً محضاً كما هو مورد الروايات.

و أمّا استلزامه الدور، فتوضيحه و إن كانت عبارته في الكفاية مغلقة: أنّه إذا كان الأثر مترتّباً على المركّب كالماء الكر، لا يصحّ تنزيل أحد الجزءين إلّا إذا كان الجزء الآخر محرزاً بالوجدان كما إذا أحرز المائية و شكّ في الكريّة، أو محرزاً في عرض هذا التنزيل كما إذا كانت المائيّة و الكريّة مشكوكتين فيُستصحب كلّ في عرض الآخر، لعدم المانع من شمول الدليل للجزءين في عرض واحد، و أمّا إذا كان شمول الدليل للجزءين محالًا كما في المقام لاستلزامه الجمع بين اللحاظين، بل كان التنزيل الثاني، منكشفاً بالدلالة العرفية من التنزيل الأوّل، فلا يصح لاستلزامه الدور و ذلك:

لأنّ تنزيل المشكوك منزلة الواقع، موقوف على ترتّب الأثر على ذاك الجزء

60

المحرَز، و ترتّب الأثر على ذلك الجزء موقوف على تنزيل الجزء الآخر، أعني: تنزيل القطع التعبّدي، منزلة القطع بالواقع الحقيقي، و ذلك التنزيل موقوف على دلالة الدليل عليه و هو موقوف على التنزيل على الأوّل.

و إن شئت قلت: إنّ تنزيل المستصحب منزلة الواقع يتوقف على تنزيل القطع التعبّدي، منزلة العلم بالواقع، لكون الأثر مترتباً على المركّب من الواقع و العلم به، و المفروض أنّ تنزيل القطع التعبّدي منزلة العلم بالواقع يتوقف على تنزيل المستصحب منزلة الواقع فيكون أحد التنزيلين موقوفاً على الآخر.

و ما قرّرنا به كلام المحقق الخراساني أكثر انطباقاً لعبارته و أوضح ممّا أفاده المحقق النائيني فلاحظ الفوائد (1) لتلميذه الكاظمي أعلى اللّه مقامهما.

و أجاب عنه سيدنا الأُستاذ بأنّ الدّور إنّما يلزم إذا كانت الغاية من التنزيل الأثر الفعلي، لا الأثر التعليقي، أعني: ما إذا انضمّ إليه الجزء الآخر لترتّب عليه الأثر، و المفروض أنّ هذا التنزيل يستلزم عرفاً في الرتبة المتأخّرة تنزيل العلم بالمستصحب، منزلة العلم بالواقع، و به يتمّ ما هو تمام الموضوع للأثر (2).

و لا يخفى أنّه و إن ارتفع الدور بهذا البيان لكنّه تبطل به الملازمة. لأنّ التنزيل الثاني، و ملازمته مع التنزيل الأوّل لأجل الملازمة و لصون فعل الحكيم عن اللغوية، فإذا ارتفعت اللغوية بالأثر التعليقي، فلا وجه للملازمة بين التنزيلين.

و بالجملة: ما ذكره و إن أثبت الأثر للتنزيل الأوّل، لكنّه نفى أساس الملازمة، فإنّ أساسها هو صون فعل الحكيم عن اللغوية، و هو يحصل بالأثر التعليقي و لا يتوقف على الأثر الفعلي الذي يترتب على كلا التنزيلين فلاحظ.

و أجاب عنه مقرّر المحقّق الخوئي في تعليقته على» مصباح الأُصول «

____________

(1)- الفوائد: ج 3 ص 28.

(2)- تهذيب الأُصول: ج 2 ص 35 الطبعة الحديثة.

61

بالتفصيل بين ما إذا كان لتنزيل نفس المؤدّى أثر مستقل، و ما إذا لم يكن له أثر إلّا إذا انضمّ إليه العلم، ففي الصورة الأُولى يصحّ التنزيل الأوّل و يدلّ بالملازمة على التنزيل الثاني. و ذلك كما إذا فرضنا أنّ الخمر بما هو هو، له أثر شرعي، و هو وجوب الاجتناب و هو مع ذلك جزء موضوع لوجوب التصدّق، إذا تعلّق به العلم و قيل: إذا قطعت بخمريّة شي‏ء تصدّق، فإذا كان مقتضى الأصل خمريّة شي‏ء كان مقتضى دليل حجيّة الأصل بالمطابقة، تنزيل المؤدّى منزلة الواقع فيجب الاجتناب عنه. و هذا التنزيل مضمون الدلالة المطابقية. لكنّه يدلّ بالدلالة الالتزامية على أنّه نزّل العلم التعبّدي منزلة العلم الواقعي، إذ لو لا كون الانكشاف بالأصل، مثل الانكشاف بالعلم، لما ترتّب عليه الاجتناب فحينئذ يترتب على قيام الأصل بالمؤدّى، أثر نفس العلم بالواقع و هو وجوب التصدّق.

نعم لو لم يكن لمتعلّق الأصل أثر لما كان للتنزيل الأوّل أثر، إلّا مع التنزيل الثاني فيتوقف التنزيلان على أنفسهما (1).

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره المقرّر متوقف على صحّة ما نقله عن أُستاذه سابقاً في باب قيام الأمارة من أنّ ترتيب آثار الواقع على المؤدّى إنّما هو لتنزيل الأمارة منزلة القطع فيترتّب عليه أثر نفس القطع‏ (2).

و قد عرفت فيما سبق، أنّ إثبات المؤدّى بالامارة و ترتّب أثر الواقع عليه لا يستلزم صحّة ترتّب أثر القطع نفسه على الأمارة، إلّا إذا علم أنّ القطع أخذ في الموضوع بما أنّه أحد الكواشف، و إلّا فلو فرض أنّ الأثر مترتّب على القطع بالواقع بما هو كاشف تام، فلا يدل بالملازمة على التنزيل إذ ليست الأمارة و لا الأصل من هذا السنخ.

و الأولى أن يجاب: أنّ الدور انّما يلزم لو كان أحد التنزيلين في طول الآخر.

____________

(1)- مصباح الأُصول: ج 2 ص 43 44.

(2)- المصدر نفسه: ص 37.

62

كما عليه في الحاشية، و أمّا إذا كانا في عرض واحد فلا يلزم أبداً. و أمّا اشكال الجمع بين اللحاظين المختلفين في آن واحد، ببيان أنّ التنزيل بلحاظ الطريقية يستلزم لحاظ القطع و الأصل باللحاظ الآلي. و التنزيل بلحاظ المدخليّة و الموضوعية يستلزم لحاظهما باللحاظ الاستقلالي، فقد عرفت الجواب و أنّ المنزِّل لا يلاحظ قطعه الموجود في نفسه، أو المؤدّى الموجود في ذهنه، حتى يكون النظر عندئذ إلى القطع و الأصل آليين، بل يُنزّل الأصل الموجود في ذهن المكلّف، مكان القطع الموجود أيضاً في ذهنه و المكلَّف (بالفتح) و إن كان ينظر إليهما باللحاظ الآلي، لكن المنزِّل ينظر إليهما باللحاظ الاستقلالي في كلا التنزيلين كما لا يخفى.

الكلام في مقام الإثبات‏

هذا كلّه راجع إلى الثبوت، و أمّا الإثبات فالظاهر الفرق بين الأُصول التي ظاهرها هو التعبّد ببقاء اليقين كالاستصحاب، و ما ظاهرها هو التعبّد بوجود نفس الواقع، فيقوم في الأوّل مكان القطع الطريقي مطلقاً، طريقياً محضاً، أو موضوعياً طريقياً، و لا يقوم في الثاني.

أمّا الأوّل، أعني: ما إذا كان مفاد الدليل هو التعبّد ببقاء اليقين، أو أنّه غير منقوض بعد، أو لا ينبغي له نقض اليقين بالشك، فيترتّب عليه كلّ ما يترتّب على نفس اليقين الحقيقي، من تنجّز الواقع في الطريقي المحض، و المدخليّة في الموضوع في الموضوعي الطريقي.

و بعبارة أُخرى إذا قيل: إذا قطعت بخمرية شي‏ء فتصدّق، فالظاهر منه هو اليقين الحقيقي، و إذا قيل في دليل الاستصحاب:» و هو على يقين من وضوئه و ليس ينبغي له نقضه بالشك «يستفاد منه أنّ اليقين حسب حكم الشرع بحاله، فيكون حاكماً على الدليل الأوّل، بتوسيع موضوعه و أنّه أعم من الحقيقي و التشريعي كما في قوله:» التراب أحد الطهورين «بالنسبة إلى قوله:» لا صلاة إلّا

63

مع طهور «أو قوله:» الطواف على البيت صلاة «و إن كان بين الحكومتين فرق آخر غير فارق في المقام.

نعم لا يقوم اليقين التعبّدي، مكان القطع الوصفيّ لقصور أدلّته عن الإقامة لأنّ الظاهر من أدلّته هو التعبّد ببقاء اليقين بما هو مرآة و طريق لا بما هو وصف.

و أمّا الثاني: كقاعدة التجاوز، فليس مفادها إلّا التعبّد بوجود ما مضي عنه، لا التعبّد ببقاء اليقين، ففي رواية حماد بن عثمان قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): أشك و أنا ساجد فلا أدري ركعت أم لا؟ فقال: امض‏ (1). و هو تعبّد بوجود الشي‏ء و ليس تعبّداً باليقين و بقائه. فلو ترتّب أثر على نفس وجود الشي‏ء، كسقوط القضاء و الإعادة، يثبت به كما يثبت بالقطع الطريقي المحض، و ليس هنا من القيام عين و لا أثر. و أمّا إذا ترتّب الأثر على العلم بالواقع فلا يثبت بها، لعدم العناية بوجود اليقين حتى ينزّل اليقين التعبّدي، مكان اليقين الواقعي.

و منه يظهر حال قاعدة أصالة الصحّة في فعل الغير و قاعدة اليد على القول بكونها أصلًا، فإنّ العناية فيهما ليس إلّا على التعبّد بوجود الشي‏ء واقعاً فيثبت بهما كلّ ما يثبت بالقطع الطريقي المحض دون ما إذا كان الأثر مترتّباً على اليقين بالواقع، إذ ليست العناية في هذه الأُصول على وجود اليقين فلاحظ.

____________

(1)- الوسائل: ج 4، الباب 13 من أبواب الركوع، الحديث 1.

64

الأمر الرابع: في أقسام القطع الموضوعي‏

إنّ القطع بالحكم، قد يؤخذ في نفس ذلك الحكم كما إذا قال: إذا قطعت بحرمة الخمر تحرم عليك بنفس تلك الحرمة، و أُخرى في موضوع حكم يضادّ ذلك الحكم كما إذا قال: إذا قطعت بحرمة الخمر يجب عليك شربها، و ثالثة في موضوع حكم يماثله كما إذا قال: إذا قطعت بحرمة الخمر تحرم عليك الخمر بحرمة ثانية، و رابعاً في موضوع مخالفه، كما إذا قال: إذا قطعت بحرمة الخمر يجب عليك التصدّق.

و هذه أربعة أقسام، ثمّ القطع إمّا يكون موضوعياً طريقياً أو موضوعياً وصفياً، و يصير المجموع ثمانية، و على كلّ تقدير فتارة يكون القطع تمام الموضوع أو جزءه فيصير ستة عشر قسماً، و مثله الظنّ في جميع الأقسام، غير أنّ الجلّ لو لا الكلّ صرف فروض لا واقعية له، حتى أنّ صاحب الكفاية خصّ القطع بالحكم بالبحث و ترك البحث عن أحكام القطع بموضوع ذي أثر و ذكر للأوّل أقساماً ثلاثة، أعني: المأخوذ في موضوع نفس الحكم أو مماثله أو مضادّه و ترك المخالف و ربّما يكون وجه الترك ذكره في الأمر الثالث عند تقسيم القطع.

فنحن نذكر القطع بالحكم بأقسامه الأربعة الأصلية و نترك الباقي (القطع بموضوع ذي أثر) للقارئ الكريم.

65

1 إذا كان القطع بالحكم موضوعاً لنفس ذاك الحكم، كما إذا قال: إذا قطعت بوجوب الصلاة تجب عليك تلك الصلاة بنفس هذا الوجوب، و ذكر أنّه ممتنع باستلزامه الدور. لأنّ القطع بالوجوب فرع وجوده، و لو توقف وجوده على تعلّقه به، لزم الدور.

و لا يخفى عدم تماميته: لأنّ الحكم بوجوده الواقعي و إن توقّف على تعلّق القطع بالحكم حسب توقف الحكم على الموضوع، لكن القطع بالحكم لا يتوقف على وجوده الواقعي، بل يكفي تخيّل وجوده ذهناً كما هو في الجهل المركب و إلّا فلو توقف على وجوده الواقعي، لزم أن لا يوجد هناك جهل أصلًا.

و بذلك يظهر أنّه يجب التفصيل في جواز أخذ القطع بالحكم موضوعاً لنفس ذاك الحكم، بين كونه تمام الموضوع سواء أ كان هناك حكم أم لا، فيجوز، و كونه جزء الموضوع و يكون الموضوع مركباً من القطع و نفس الحكم الواقعي فلا يجوز.

أمّا الأوّل: فلما عرفت من أنّ الحكم يتوقف على القطع بالحكم و أمّا القطع بالحكم فهو غير متوقّف على وجود الحكم واقعاً بل يكفي تخيّله.

و أمّا الثاني: فلأجل أنّ الحكم أي المحمول بوجوده الواقعي، متفرّع على القطع بالحكم بوجوده الواقعي حسب تفرّع المحمول على الموضوع، و المفروض أنّ الموضوع ليس نفس القطع بل بما أنّه متعلّق بالحكم بوجوده الواقعي (أي المجهول) فيلزم توقف الموضوع (القطع بالحكم بوجوده الواقعي) على ذات الحكم الواقعي أي المحمول و هذا هو الدور.

2 إذا كان القطع بحكم موضوعاً، لحكم مخالفه كما إذا قال: إذا قطعت بوجوب شي‏ء فتصدّق و لا إشكال فيه.

3 إذا كان القطع بالحكم موضوعاً، لحكم يعدّ ضداً للحكم المقطوع به كما إذا قال: إذا قطعت بوجوب الصلاة تحرم عليك الصلاة، فأحاله المحقق‏

66

الخراساني لاستلزامه اجتماع الضدّين. و جوّزه بعضهم قائلًا بتعدّد الموضوع فالصلاة بما هي هي واجبة و إن كانت بما هي مقطوعة الوجوب محرّمة، نعم لا يمكن امتثالهما و يعدّ التكليف لغواً.

أقول: إنّ ما أُجيب به لا ينسجم مع مباني القوم في تفسير الإطلاق‏ (1) من تسرية الحكم إلى جميع الحالات، و على ذلك لقائل أن يقول: إنّ المقيّد و إن لم يكن في رتبة المطلق، لكن المطلق موجود في رتبة الآخر، فإذا تعلّق الوجوب بذات الصلاة يشمل إطلاقه لجميع حالاتها و منها كونها مقطوعة الوجوب، فلو فرض حرمتها في هذه الحالة يجب أن تكون واجبة بحكم إطلاق الدليل الأوّل و محرّمة بحكم نص الدليل الثاني.

فإن قلت: فعلى هذا لا يجوز أن يقول: اعتق رقبة و لا تعتق رقبة كافرة لوجود المطلق في رتبة المقيد و إن لم يكن العكس كذلك.

قلت: فرق واضح بين المقام و المطلق و المقيد، فإنّ المطلق في المقام يبقى على إطلاقه، بخلاف الثاني فإنّ المطلق فيه يحمل على المقيّد فيكون هناك حكم واحد متعلّق بموضوع واحد.

و الأولى أن يجاب بما أوضحناه في باب الاجتماع من أنّ التضاد عبارة عن أمرين وجوديين يتعاقبان على موضوع واحد، بينهما غاية الخلاف. و الأحكام كلّها حتى الوجوب و الحرمة من الأُمور الاعتبارية و ليس من الأُمور الخارجية العارضة لنفس الصلاة و الصوم أو السرقة و الخيانة، حتى يلزم اجتماع ضدين حقيقيين في شي‏ء واحد.

و أمّا مشكلة الملاكات، أعني: المصلحة و المفسدة، أو المبادئ كالارادة و الكراهة، فهي مرتفعة جدّاً لعدم استحالة كون الشي‏ء مثل الصلاة حسب ذاته‏

____________

(1)- إنّ الإطلاق عند القوم لحاظيّ و هو إسراء الحكم لجميع حالات الموضوع لكنّه عندنا غير مرضيّ و قد عرفت تفصيل الكلام عند البحث عن المطلق و المقيد، فلاحظ.

67

ذات مصلحة، فيتعلّق بها الوجوب، و بما هي مقطوعة الوجوب ذات مفسدة.

و مثلها الإرادة و الكراهة، فلا مانع من أن تتعلق الارادة بذات الشي‏ء بما هو هو، و الكراهة به بما هو مقطوع الوجوب.

فليس هنا محذور في مقام التشريع، لا في ملاكاتهما كالمصلحة و المفسدة، و لا في مبادئهما كالارادة و الكراهة و لا في نفس الحكمين.

و لكنّ الكلام كلّه في مقام الامتثال، فإنّه أشبه شي‏ء بالأمر بالمحال، فإنّ الأمر بالمحال كما يتحقق إذا كان نفس المتعلّق أمراً محالًا ذاتاً كالجمع بين الوجود و العدم، أو عادةً كالطيران إلى السماء بلا وسيلة. كذلك يتحقق إذا كان متعلّق كلّ واحد ممكناً. و يكون الجمع بينهما محالًا، كما في المقام فعند ما قطع بالوجوب يكون امتثال كلا الأمرين محالًا كما لا يخفى.

4 إذا كان القطع بالحكم موضوعاً لحكم مماثل كما إذا قال: إذا قطعت بوجوب صلاة الجمعة تجب عليك تلك الصلاة بوجوب آخر.

فالمحذورات المتصورة في القسم الثالث، غير جارية فيه إلّا اجتماع المثلين في شي‏ء واحد و هو محال كاجتماع الضدّين.

و قد عرفت جوابه و أنّه لا تضادّ بين الأحكام كما لا تماثل لاعتباريتها.

و أمّا اجتماع الإرادتين في شي‏ء واحد فهو و إن كان محالًا، لأن تشخّص الإرادة بالمراد، و لا يصحّ تشخّص شيئين تكوينيين بشي‏ء واحد، و لكن المتعلّق متعدّد، حيث إنّ الأُولى متعلّقة بالوجوب و الثانية بوصف كونه مقطوعاً.

فلم يبق من المحذورات إلّا اللغوية و هو مندفع باختلاف الناس في الانبعاث فربّما لا ينبعث بعض الأفراد إلّا بأمرين و بعضهم بأمر واحد، و هذا الاختلاف يصحّح تشريع الأمرين كما لا يخفى.

هذه أحكام الأقسام الأربعة الأُولى، و أمّا الأحكام الأربعة الثانية، أعني:

68

كون القطع بموضوع ذي حكم موضوعاً لنفس ذاك الحكم أو مخالفه أو ضدّه أو مثله، فنترك استخراج أحكامها إلى القارئ الكريم.

ثمّ إنّ المحقق الخراساني استثنى من عدم جواز أخذ الحكم في الموضوع نفسه أو ضدّه أو مثله، جواز أخذ القطع بمرتبة من الحكم، في مرتبة أُخرى منه أو مثله أو ضدّه فيقال: إذا قطعت بوجوب الصلاة انشاء تجب أو تحرم عليك فعلا، أو تجب بوجوب آخر فعلي، لعدم المحذور.

مراتب الحكم الأربعة:

توضيحه: إنّ للحكم عنده مراتب أربع، قال (قدس سره) في تعلقيته على الفرائد (1) (عند البحث عن إمكان التعبّد بالظن): إنّ للحكم مراتب في الوجود؛ أوّلها: أن يكون له شأنه من دون أن يكون بالفعل موجوداً أصلًا، و ذلك كمصالح الأحكام و مفاسدها و يسمّى بمرتبة الاقتضاء.

ثانيها: أن يكون له وجود إنشاء من دون أن يكون له بعثاً و زجراً، و ترخيصاً فعلًا، و ذلك ككتابة الحكم و التلفظ به أو الإشارة إليه.

ثالثها: أن يكون له ذلك مع كونه كذلك فعلًا، كما أمر رسله بابلاغه و نشره غير أنّ المكلّف لم يقف عليه أو وقف و كان عاجزاً عن الإتيان به فلا يكون منجّزاً حيث يعاقب عليه و يسمّى بمرتبة الفعلية.

رابعها: أن يكون له ذلك كالسابقة مع تنجّزه فعلًا بحيث يستحق المثوبة و العقوبة لأجل الموافقة و المخالفة.

إذا عرفت ذلك، لا بأس بأخذ القطع بالحكم الإنشائي الذي لم يبلغ مرتبة الفعلية، موضوعاً لكون نفس ذاك الحكم إذا صار فعلياً، لوضوح إمكان كون‏

____________

(1)- لاحظ ص 34.

69

العلم بالحكم الإنشائي سبباً لفعلية الحكم إذا فرض أنّ المولى اكتفى في الإعلام بعلم المكلّف لا بإبلاغه.

كما أنّه لا مانع من أخذ العلم بالحكم الوجوبي الإنشائي، موضوعاً لكونه محرّماً، أو واجباً بوجوب أمر فعلي. أمّا الأوّل: فلعدم التضاد إلّا في مرحلتي الفعلية و الإنشائية، و المفروض أنّ الأوّل إنشائي و الآخر فعلي. و أمّا الثاني: فلعدم صدق التماثل، لكون أحدهما إنشائياً و الآخر فعلياً كما لا يخفى.

و ما ذكره لا غبار عليه غير أنّ مرتبة الاقتضاء من مقدّمات التكليف لا من مراتبه، كما أنّ مرتبة التنجّز، لا صلة له به بل هو حكم العقل على من اجتمعت لديه الشرائط.

و قد عرفت عدم الحاجة إلى هذه المحاولة و أنّه يجوز أخذ القطع بالحكم في موضوع ضدّه و مثله و مخالفه، لعدم التضاد في الأُمور الاعتبارية، نعم و الاشكال في أخذ القطع بالحكم في موضوع ضدّه إنّما هو في مقام الامتثال دون الجعل الذي هو محطّ البحث.

ثمّ إنّ صاحب مصباح الأُصول ناقش المحقق الخراساني في ذلك قائلًا: بأنّه ليس للحكم إلّا مرتبتان:

الأُولى: مرتبة الجعل و الإنشاء، بداعي البعث و التحريك بنحو القضية الحقيقية كقوله سبحانه: (وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) (آل عمران/ 97).

الثانية: مرتبة الفعلية و الخروج عن التعليق و التقدير بتحقق موضوعه خارجاً كما إذا صار المكلف مستطيعاً، و على ذلك فلا يمكن أخذ القطع بمرتبة الجعل من حكم في موضوع المرتبة الفعلية منه، إذ ليس المراد من القطع بالحكم المأخوذ في الموضوع، هو القطع بالحكم الثابت لغير القاطع، بل المراد هو القطع بالحكم الثابت لنفس القاطع، و حينئذٍ لا يمكن الأخذ، إذ ثبوت الحكم لشخص القاطع‏

70

جعلا ملازم لفعليته فلا محالة يتعلّق القطع بالحكم الفعلي، و حيث إنّ المفروض أنّ للقطع دخلًا في فعلية الحكم لزم الدور (1).

يلاحظ عليه: أنّ الحكم الإنشائي حسب مصطلحه هو الحكم الشرطي الثابت على الشرطية في حقّ آحاد الناس فالقطع به ربّما لا يكون ملازماً لفعليته، إذا فرضنا عدم استطاعته، فلا مانع من أخذ الحكم الشرطي الإنشائي، موضوعاً لفعليته و على ذلك فالقطع بالحكم المتوجّه إلى المكلّف لا يتوقّف على فعليته حتى يلزم الدور.

في أقسام الظن المأخوذ في الموضوع:

قد عرفت أنّ الظن مثل القطع في الانقسام إلى ستة عشر قسماً غير أنّه يزاد عليه كون الظن معتبراً و غير معتبر. فتتجاوز الأقسام إلى اثنين و ثلاثين قسماً.

فنقول: لا شك في عدم جواز أخذ الظن بالحكم في موضوع نفس ذاك الحكم لاستلزامه الدور مطلقاً كما عليه المشهور، أو فيما إذا كان الظن جزء الموضوع و الواقع جزءه الآخر كما أوضحناه.

كما أنّه لا شك في جواز أخذه موضوعاً للحكم المخالف كما إذا قال: إذا ظننت بوجوب شي‏ء فتصدق إلّا أنّ البحث عن الأقسام الأُخر، أعني: أخذه في موضوع ذي حكم ضدّه أو مثله بأن يكون الحكم المترتب على الظن بالحكم، ضد ذاك الحكم أو مثله، فقد جوّزه المحقق الخراساني قائلًا: بأنّه لما كان مرتبة الحكم الظاهري محفوظة جاز ذلك الأخذ.

ثمّ أورد على نفسه: بأنّه يمكن أن يكون متعلّق الظن حكماً فعلياً إذا كان الحكم المترتب على الظن بالحكم أيضاً فعلياً يلزم محذور اجتماع المثلين أو الضدين.

____________

(1)- مصباح الأُصول: ج 2 ص 46.

71

فأجاب عنه: بأنّ الحكم الذي تعلّق به الظن على قسمين: قسم يكون منجّزاً مطلقاً سواء تعلّق به القطع أو الظن المعتبر، و في مثله لا يمكن جعل حكم مماثل أو مضادّ على الظنّ به. و قسم لا يكون منجّزاً و حتمياً إلّا من طريق خاص و هو تعلق القطع به، و عندئذ لما كان الحكمان مختلفين من حيث الحتمية و عدمها جاز جعل المماثل و المضاد، و المفروض أنّ المصالح اقتضت عدم وجوب دفع عذر المكلّف برفع جهله أو جعل الاحتياط، بل أوجبت جعل أصل، أو أمارة مؤدّية إلى مثله تارة و إلى ضدّه أُخرى‏ (1).

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره خارج عن محطّ البحث إذ لو كان الحكم الأوّل مقيداً لبّاً بما إذا تعلّق به القطع لتنجّز، يكون جعل الحكم المضادّ فضلًا عن المماثل فيما إذا لم يكن هناك قطع، بمكان من الإمكان و لا يشكّ أحد في جوازه.

و إنّما الكلام فيما إذا لم يكن تنجّز الواقع مشروطاً بشي‏ء، سوى وصوله إلى المكلّف بطريق من الطرق فهل يجوز جعل المماثل أو المضادّ أو لا؟ فنقول: إنّ الظنّ على قسمين: معتبر و غير معتبر، أمّا الأوّل، أعني: إذا كان الظنّ معتبراً، فإنّه يكون حكمه حكم القطع في الجواز و عدمه، فعلى مختار المحقق الخراساني لا يمكن أن يؤخذ في موضوع نفس الحكم، و لا في موضوع الحكم المماثل، و لا المضادّ، و ذلك لأنّ الظنّ لمّا كان معتبراً شرعاً، يكون حكمه حكم القطع، فهو منجّز عند ما أصاب، و معذّر عند ما أخطأ فيترتّب عليه من القول ما يترتب على أخذ القطع في المقامات الثلاثة من الدور، و اجتماع الضدين، و المثلين و حديث: محفوظية مرتبة الحكم الواقعي إنّما يصحّ في الظنّ غير المعتبر حيث يكون الحكم الواقعي غير منجّز و غير فعلي لعدم قيام الدليل عليه، و أمّا المعتبر منه فالظن بالحرمة، إذا كان حجّة في مجال إثبات متعلّقه، فلو كان مطابقاً و مصيباً كيف يصحّ أن يكون موضوعاً لوجوب المثل أو مضادّه، و ما هذا إلّا اجتماع الضدين أو

____________

(1)- الكفاية: ج 2 ص 26 27.

72

المتماثلين، نعم على المختار، لا يجوز أن يؤخذ الظن بالحكم المعتبر، في موضوع نفسه، إذا كان جزء الموضوع لا تمامه، و يجوز في المتماثلين دون المتضادين، على البيان السابق.

و أمّا إذا كان الظنّ غير معتبر، فعند ذلك يأتي حديث حفظ مرتبة الحكم الواقعي مع الحكم الظاهري عند من يصحّح اجتماع الحكمين المتنافيين من هذا الطريق، فيكون أحد الحكمين واقعياً و الآخر ظاهرياً أحدهما غير منجّز و الآخر منجّز.

73

الأمر الخامس: الموافقة الالتزامية

قبل الخوض في المقصود نقدم أُموراً:

1 لا شكّ أنّه يجب الإيمان بما جاء به النبي في مجال الأُصول و الفروع، لأنّ ذلك لازم الإيمان بنبوّته و رسالته التي نعبّر عنها في الشهادة الثانية في الأذان و الإقامة.

و الإيمان بهذا المعنى غير العلم بصدق كلامه إذا لم يكن هناك خضوعٌ قلباً، و انقيادٌ جناناً، فهناك مطلوب وراء العلم بالصدق و هو الانقياد للنّبي في كلّ ما جاء به في مجالي العقيدة و الشريعة، و الخضوع أمام تشريعه قلباً، و لا يكفي مجرّد العلم بالشريعة من دون تسليم و انقياد، في نجاة الانسان من العذاب الأُخروي، و إلّا فانّ المنافقين كانوا عالمين بصدق النّبي، و كان يجرون شريعته، و لكنّهم لم يكونوا خاضعين له جناناً و لا مسلمين قلباً، فلذلك كانوا مسلمين و لم يكونوا مؤمنين.

و الذي يدلّ على ذلك قوله سبحانه: (فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) (النساء/ 65).

74

ترى أنّه سبحانه ينفي عنهم الإيمان إذ لم يكونوا مسلمين لقضاء النبي، و كانوا غير منقادين في أنفسهم من قضائه و نقضه و إبرامه، فخرجوا بذلك عن عداد المؤمنين إلّا إذا اتّصفوا بوصف التسليم، و هذا هو الحقّ القراح الذي يدور عليه فلك الإيمان و تؤيّده الآيات.

يقول سبحانه: (قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَ لَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ‏) (الحجرات/ 14) فهؤلاء أسلموا لساناً لا قلباً، انقادوا ظاهراً لا باطنا.

و بذلك يتبين أنّ هناك فرقاً بين الإسلام الذي تُحقن به الدماء، و تجري عليه المواريث، و تنكح عليه النساء في المجتمع الإسلامي، و بين الإيمان الواقعي بالشريعة و حاملها بما له من خصوصيات.

ففي الأوّل، يكفي أقل القليل و هو الشهادة اللفظية بالتوحيد و الرسالة، و إن ترك العمل، فضلًا عن الخضوع و التسليم قلباً و جناناً.

و أمّا الثاني، فيجب وراء إظهار الشهادتين، الخضوع و الانقياد القلبي لحامل الشريعة في أُصولها و فروعها على وجه الإجمال.

قال عليّ (عليه السلام):» لأنسبنَّ الإسلام نسبة لم ينسبها أحدٌ من قبلي، ألا و انّ الإسلام هو التسليم، و التسليم هو اليقين، و اليقين هو التصديق « (1) و المراد من الإسلام في كلام عليّ (عليه السلام) كما يشعر به ذيل كلامه، هو الإسلام المنقذ، الملازم للاعتقاد و العمل.

2 لا شكّ أنّ الواجبات القربية تفترق عن التوصلية بعد اشتراكهما في لزوم الإتيان بهما عملًا. فإنّ امتثال الأُولى رهن الإتيان بها لوجه اللّه، بخلاف الثانية، إذ يكفي فيها مجرّد العمل، و إن كان العامل غير قاصد، فضلًا عمّا إذا كان قاصداً،

____________

(1)- نهج البلاغة: قسم الحكم، برقم 125.

75

و لكن أتى بالعمل لأغراض دنيوية، و لكن الاكتفاء بمجرد العمل في هذا القسم لا يُعنى عدم وجوب التسليم و الانقياد للّه سبحانه في مجاله، بل يُعنى أنّه لا يجب وراء ذلك شي‏ء (التسليم) على وجه الإجمال في مقام العمل، سوى نفس الإيجاد، و أنّه يكفي أن يكون الباعث الأغراض الدنيوية، بخلاف القربيات، فيجب فيها وراء الانقياد القلبي الإجمالي، و وراء نفس الإيجاد، الإتيان به بباعث إلهي.

3 إنّ عقد القلب على الوجوب و الحرمة رهن حصول مبادئ و مقدمات تورث ذلك العقد، و لولاها لما أمكن لمتشرّع أن يعتقد بوجوب شي‏ء أو حرمته. فعقد القلب بوجوب شي‏ء، و إن كان أمراً اختيارياً، لأجل اختيارية مبادئه، لكنّه ليس قابلًا للأمر و النهي، قبل حصول مبادئه أو بعدها. أمّا قبل حصولها فالامتناع واضح، و أمّا بعد تحقق المبادئ يكون قهري الحصول، فلو فرض ورود أمر به، فمعناه تحصيل ما يورث ذلك من الحجج و البراهين التي تورث اليقين، و بعبارة أُخرى: المقصود من الأمر بالمسبب (عقد القلب) هو تحصيل سببه.

و لأجل ذلك لو لم يكن هناك علم تفصيلي بالحكم سواء كان هناك علم إجمالي أو لا و لم يتمكّن المكلف من كشف الواقع، لا يصحّ بعث المكلّف إلى عقد القلب بالحكم الإلهي لعدم حصول مقدّماته.

و إلى ما ذكرنا يشير قوله سبحانه: (فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ* وَ جَحَدُوا بِها وَ اسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَ عُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ‏) (النمل/ 1413).

و الآية تفيد أمرين:

أ: أنّ قيام الحجج و البراهين الواضحة يورث العلم بالواقع سواء أراده الإنسان أم لم يرده كما يقول: (وَ اسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ‏).

76

نعم، قيام الحجج يورث العلم و الاستيقان، و هذا غير الخضوع و التسليم القلبي، بل يجد كثير منهم في قرارة أنفسهم رفضاً و طرداً لمضمونها و معالمها.

ب أنّ الإنسان المعاند يمكن له التظاهر بخلاف معتقده، و إنكار ما أيقن به و إليه يشير قوله سبحانه: (وَ جَحَدُوا بِها وَ اسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَ عُلُوًّا).

4 ما ذا يراد من وجوب الموافقة الالتزامية في الواجبات بل مطلق الأحكام؟ فإنّ ذلك ممّا لم يحرّر في كلامهم، و كان اللائق بالأُصوليين تحرير محل النزاع، و إن كان اللائح من بعض كلماتهم هو عقد القلب.

و لأجل ذلك نطرح جميع الاحتمالات الممكنة:

الأوّل: التسليم لما جاء به النبي:

إذا كان المراد من الموافقة الالتزامية هو التسليم القلبي و الانقياد الجناني بكل ما جاء به النبي في مجالي العقيدة و الشريعة، فلا شك أنّه محقّق الايمان و من أركانه، و لا أظنّ أن يكون هذا محطّ البحث للأُصولي خصوصاً في مبحث القطع و العلم الإجمالي.

الثاني: قصد القربة:

لا شكّ أنّه يشترط في امتثال الواجبات القربية الإتيان بها بدافع إلهي، بخلاف الواجبات التوصلية، إذ يكفي فيها صرف الموافقة الخارجية، و هذا لا يعني عدم لزوم الانقياد و التسليم لكلّ ما جاء به النبي في مجالي القربي و التوصلي، بل المراد أنّ المطلوب من القربي هو الإتيان لباعث إلهي دون التوصلي، إذ يكفي فيه أيّ داع في الإتيان مع تسليم أنّ الكلّ من جانبه سبحانه و لو على وجه الإجمال. و على كلّ تقدير هذا أيضاً خارج عن محطّ البحث.

77

الثالث: عقد القلب على حكم الشي‏ء:

الذي يمكن أن يكون محطّ البحث، هو وجود عقد القلب على حكم الشي‏ء عند قيام الدليل، فإذا قام الدليل على وجوب الشي‏ء أو حرمته سواء كان توصلياً أو قربياً يجب وراء العمل، عقد القلب على حكمه و الاتيان به، فلو كان هذا هو محطّ البحث فقد عرفت أنّه قهري الحصول عند قيام الدليل و ممتنع الحصول عند عدم قيام الدليل على الحكم.

نعم يصحّ الأمر بعقد القلب على الحكم، بمعنى تحصيل سببه و مقدمته، و هو العلم بالحجج الشرعية التي تورث ذلك و لكن ليس ما بأيدينا من الأدلّة ما يدلّ على وجوب عقد القلب بالأحكام أوّلًا، و الأمر بتحصيل العلم بالأحكام الشرعية و إن كان موجوداً، لكن الغاية منه هو تحصيل العلم لأجل العمل لا عقد القلب ثانياً.

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني فسّر وجوب الموافقة الالتزامية بقوله: موافقة الحكم التزاماً و التسليم له اعتقاداً و انقياداً، و ما ذكره إنّما ينطبق على المعنى الأوّل، و قد عرفت خروجه عن محطّ البحث إلّا أن يريد من قوله» موافقته التزاماً «هو عقد القلب، و يظهر ذلك أيضاً من كلام تلميذه المحقق الاصفهاني حيث وجه وجوب الموافقة الالتزامية بقوله:

» الانسان كثيراً ما يعلم بأهلية المنصوب من قبل من له النصب لكنّه لا ينقاد له قلباً و لا يُقرّ به باطناً و إن كان في مقام العمل يتحرّك بحركته، خوفاً من سوطه و سطوته، و هكذا حال كثير من الكفّار بالنسبة إلى نبيّنا، حيث إنّهم كانوا عالمين بحقيقته كما نطق به القرآن، و مع ذلك لم يكونوا منقادين له قلباً، و لا مقرّين له باطناً، و لو كان ملاك الإيمان الحقيقي نفس العلم التصديقي لزم أن يكونوا له مؤمنين حقيقة « (1).

____________

(1)- نهاية الدراية: ج 2 ص 26.

78

و لكن الظاهر أنّ هذا التفسير بعيد عن مساق كلمات القوم.

ثمرة البحث:

رتّبوا على البحث ثمرتين:

الأُولى: عدم جريان الأصل فيما إذا دار الأمر بين المحذورين، لأنّه مخالف للالتزام بالحكم الواقعي إذ تلزم من إجراء الأصل فيه المخالفة الالتزامية بالنسبة إلى الحكم الواقعي.

الثانية: عدم جريانه في أطراف العلم الإجمالي فيما إذا كانت الأطراف محكومة بحكم إلزامي، مثلًا إذا كان الإناءان نجسين، ثمّ وقفنا على تطهير أحدهما، فاستصحاب النجاسة فيهما مخالف لوجوب الالتزام بالحكم الواقعي و هذا المحذور غير سائر المحذورات التي تترتّب على إجراء الأصل في أطراف العلم.

و قد أجاب الشيخ عن الثمرتين، بما هذا توضيحه:

إن أُريد من وجوب الموافقة الاعتقاد بالحكم الواقعي على ما هو عليه، فذلك لا يعارضه جريان الأصل في الظاهر و الحكم بإباحة الشي‏ء المردد بين الوجوب و الحرمة، و ذلك لأنّ الحكم الظاهري في طول الحكم الواقعي فالمرأة المرددة بين محلوفتي الفعل و الترك، محكومة بحكمها الواقعي، و في الظاهر محكومة بالإباحة، و الموضوع للحكم الواقعي هي المرأة بما هي هي، و للحكم الظاهري المرأة المشكوكة الحكم، و اختلاف المرتبة يصحح جعل حكمين مختلفين، و بذلك يظهر صحّة استصحاب النجاسة في كلا الإناءين، فكلّ واحد بما هو هو محكوم بحكمه الواقعي من النجاسة أو الطهارة و من حيث كونهما مستصحبي النجاسة محكومين بالنجاسة، فلا معارضة بين جريان الأصل و وجوب الموافقة الالتزامية بهذا المعنى.

79

و إن أُريد منه الالتزام بالحكم مشخّصاً و معيّناً، فهذا رهن العلم التفصيلي و المفروض عدمه.

و إن أُريد منه الالتزام بأحد الحكمين تخييراً، فلا دليل عليه لأنّ التخيير ورد في الخبرين المتعارضين لا في أطراف العلم الإجمالي.

و إن أُريد منه عدم جواز الالتزام في الظاهر بحكم خلاف الواقع، فهو ادّعاء محض لا دليل عليه، و قد عرفت الموانع المتوهمة لذلك.

و في الختام نضيف كلمة، و هو أنّك قد عرفت أنّ الالتزام القلبي بالوجوب أمر قهري الحصول بعد قيام الحجّة فلا يمكن للإنسان الواقف بالحال عقد القلب على خلافه، فالتشريع بهذا المعنى أمر غير ممكن، و أمّا الممكن من التشريع هو الإفتاء بغير ما أنزل اللّه، و دعوة الناس إلى العمل به التي نصفها بالبدعة، و للتفصيل مجال آخر.

80

الأمر السادس: في قطع القطّاع‏

نسب إلى الشيخ الأكبر كاشف الغطاء عدم الاعتناء بقطع القطّاع، و توضيح الكلام فيه: أنّ المراد من القطّاع في المقام: من يحصل له القطع من أسباب لا يحصل لنوع الناس منها، و أمّا من يحصل له اليقين الكثير من الأسباب التي يحصل منها لنوع الناس فلا يعدّ مثله قطّاعاً في المقام.

ثمّ إنّ القطّاعية حالة تعرض النفس، فإن كان المبدأ له هو طروء خلل على عقليّة الإنسان، يجزم فوراً ممّا لا يورث للغير الظن. و هذا هو الذي وقع موضع البحث للشيخ و غيره، و أمّا إذا كان المبدأ له التفرّس و الذكاء حيث ينتقل من المراد إلى المبادئ و منها إلى المراد بسرعة، فهذا خارج عن موضع الكلام، فالأوّل عيب و شين و الثاني زين و كمال، كما أنّه لو حصل لهذا القطّاع قطع من السبب العادي فهو خارج أيضاً عن محطّ البحث.

و منه يظهر حال الظنّان، فإنّ عدم الاعتناء به إذا كان المبدأ للظن أمراً غير متعارف لا ما إذا كان متعارفاً.

و أمّا كثير الشك، فلو كان كثير الشك في فعل و متعارفه في فعل آخر لا يعتني في الأوّل و يعتني به في الثاني.

81

إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ القطّاع قد يحصل له القطع في مورد يكون القطع فيه طريقياً، و أُخرى في مورد يكون فيه موضوعياً.

أمّا الأوّل، فإن أُريد من عدم الاعتناء و عدم الحجّية، الحكم التكليفي و أنّه يجب عليه ترك الاعتناء بالقطع فهذا ما لا يتصوّر في حقّه، إذ هو حسب عقيدته يرى نفسه مصيباً للواقع، فكيف يمكن نهيه عن العمل به، إذ هو مساو عنده للنهي عن العمل بالواقع، و هل هذا إلّا التناقض في نظر القاطع؟ نعم يمكن التصرّف في مقدمات علمه و مصادر قطعه بالتشكيك فيها حتى يزول يقينه، و هو غير القول بإيجاب ترك العمل على القطع.

و إن أُريد منه عدم كفايته في الحكم بصحّة العمل على قطعه عند انكشاف الخلاف و لزوم إعادة المأمور به و قضائه فهو حقّ، لكن لا فرق بين القطّاع و غيره لما عرفت من أنّ القطع بشي‏ء لا يستلزم الاجزاء عند كشف الخلاف.

و أمّا الثاني، أعني القطع الموضوعي، فيقع الكلام أيضاً في التكليفي تارة و الوضعي أُخرى، أمّا الأوّل فالنهي عن العمل به بمكان من الإمكان، لأنّ القطع في المورد الذي يحصل له القطع إمّا تمام الموضوع أو جزؤه و للشارع أن يتصرّف في موضوعه بأخذ قطع خاصّ فيه، و هو القطع الحاصل من الأسباب التي يحصل منها القطع لنوع الناس دون القطع الذي يحصل من أسباب لا تكون سبباً له عنده، و أمّا الثاني، فقد عرفت أنّ الحركة على طبق القطع لا يستلزم الإجزاء و إن كان المكلّف يعدّ معذوراً.

هذا كلّه بالنسبة إلى نفس القاطع، و هل يمكن إلغاؤه بالنسبة إلى الغير؟ الظاهر ذلك، من غير فرق بين كونه طريقياً محضاً أو موضوعياً، و ذلك لأنّ قطع القطّاع بالنسبة إلى الغير يكون من قبيل القطع الموضوعي، و قد عرفت أنّ للشارع أن يتصرّف في موضوعه كيف ما شاء، و على ضوء ذلك يصحّ منع العامي عن الرجوع إلى القطّاع سواء كان مجتهداً أو قاضياً أو شاهداً، و إن كانت شهادته‏

82

مستندة إلى الحس.

ثمّ إنّه لو وقف الإنسان على خطأ القاطع قطّاعاً أو غيره في الأحكام و الموضوعات، فهل يجب على الغير إرشاده؟ أمّا الأحكام، فهو غير بعيد بالنظر إلى لزوم إرشاد الجاهل، من غير فرق بين البسيط و المركب. و أمّا الموضوعات، فلا شك في وجوبه في مهامّ الأُمور أعني الدماء و الأعراض و الأموال. و أمّا غيرها فلا دليل على وجوب الردع و الارشاد، نعم لا يجوز أن يكون سبباً لإيقاعه في الخطأ كاعطاء الماء النجس إلى الغير ليشرب.

هذا كلّه في القطّاع، و أمّا الظنّان فيمكن نهيه عن العمل بظنّه تكليفاً و وضعاً، طريقياً كان أم موضوعياً، و ذلك لأنّ حجّيته حجّية عرضية، تابعة لسعة جعلها و ضيقه فمن الممكن أن يخصّص الجاعل الحجّية بالمتعارف من الظن فحينئذ يكون حكمه حكم الشك، فكلّ مورد لا يجب الاعتناء فيه بالشك، يكون الظن مثله، كما إذا شكّ في الإتيان بالجزء بعد الخروج عن محلّه، فلو ظنّ عدم الإتيان لا يعتنى به، لكونه كالشك، بعد المحلّ الذي لا يُعتنى به، كما أنّ كلّ مورد يجب الاعتناء فيه بالشك يكون حكمه حكم الشك كما في الشك في الإتيان قبل الخروج عن المحل، فلو ظن الظنّان بالإتيان به فلا يكفي بل يجب الإتيان به لأنّ ظنّه كالشك.

و أمّا شك الشكّاك، ففي كلّ مورد لا يعتنى بالشك المتعارف فيه لا يعتنى بشك الشكّاك فيه أيضاً بطريق أولى كما في الشك بعد الخروج عن المحل، و أمّا المورد الذي يُعتنى فيه بالشك العادي، فشك الشكّاك لا يعتنى فيه، كما في الشك قبل الخروج عن المحلّ لأنّ المقصود من قوله» لا شكّ لكثير الشك «رفع التكاليف المترتبة على الشك العادي، فلو اعتني به أيضاً لا يبقى فرق بين شكّ الشكّاك و غيره.

83

الأمر السابع: في القطع الحاصل من الدليل العقلي‏

و قبل الخوض في المقصود نقدم أُموراً:

الأوّل: عرّف الدليل العقلي بأنّه حكم يتوصّل به إلى حكم شرعي، و ربّما يعرّف بأنّه ما يمكن التوصّل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب نظري، و التعريف الأوّل أوفق بالمقام، و قد قسّم الأحكام العقلية إلى مستقلّة و غير مستقلّة، أمّا الأُولى فهي ما إذا كان مجموع أجزاء القياس مأخوذاً من العقل، كما في الحكم بأنّ خيانة الأمانة ظلم و الظلم قبيح، فهذا القياس يقع ذريعة لاستكشاف الحكم الشرعي أعني حرمتها.

و أمّا إذا كانت الصغرى مأخوذة من الشرع و الكبرى من العقل فهو حكم عقلي غير مستقل، و ذلك مثل أبواب الملازمات من وجوب المقدمة و حرمة الضد و غيرهما، فالشرع يحكم بمقدّمية الوضوء، و العقل يحكم بالملازمة بين الإرادتين: إرادة المقدمة و إرادة ذيها.

الثاني: هل النزاع في المقام كبرويّ بمعنى أنّه في حجّية القطع الحاصل من غير الكتاب و السنّة، أو صغرويّ بمعنى أنّ القطع لا يحصل من غيرهما؟ جنح إلى الأوّل شيخنا الأعظم في الفرائد، و إلى الثاني المحقّق الخراساني، و يؤيّد قول الشيخ‏

84

أمران:

1 ما ذكره المحدّث الجزائري، حيث قال: فإن قلت: قد عزلت العقل عن الحكم في الأُصول و الفروع فهل يبقى له حكم في مسألة من المسائل؟ قلت: أمّا البديهيات فهي له وحده و هو الحاكم فيها، و أمّا النظريات فإن وافقه النقل و حكم بحكمه قدّم حكمه على النقل ...

فإنّ عطف النظريات على البديهيات يعرب عن كونهما من سنخ واحد لا أنّ الأُولى قطعية و الأُخرى ظنيّة.

2 ما ذكره المحدّث البحراني حيث قال: إنّ الدليل العقلي القطعي المتعلّق بذلك إذا كان بديهياً فلا ريب في صحّة العمل به، و إلّا فإن لم يعارضه دليل عقلي و لا نقلي فكذلك‏ (1). فإنّ الظاهر من قوله:» و إلّا «هو أنّه إذا لم يكن بديهياً و لكن كان قطعياً.

نعم يشهد على صحّة استظهار المحقق الخراساني، ما نقل عن السيد الصدر من إنكار الملازمة بين حكم العقل بالحسن و القبح و حكم الشرع بالوجوب و الحرمة، فانّ معناه عدم حصول القطع، و أوضح منه عبارة المحدث الأسترآبادي حيث قال:» كل مسلك غير التمسّك بكلامهم إنّما يعتبر من حيث إفادته الظن بحكم اللّه، و لا دليل على حجّية الظن بحكم اللّه «.

و على كل تقدير فكلا الاحتمالين جديران بالبحث و نقدّم الكلام في أنّ النزاع صغروي على أنّه كبروي، فنقول:

الأدلّة العقليّة التي يمكن أن تكون مفيدةً

للقطع للأُصولي عبارة عن الأُمور التالية:

____________

(1)- الحدائق: ج 1 ص 132.

85

الأوّل العثور على ملاكات الأحكام:

اتّفقت العدلية على تبعية الأحكام للمصالح و المفاسد، خلافاً للأشاعرة فإذا وقف العقل على أنّ الصدق في مقام ضارٌّ لاستلزامه هلاك إنسان و أنّ الكذب نافع لاستلزامه نجاته، يستكشف من حديث التبعية حرمة الأوّل و وجوب الثاني، و ربّما يردّ هذا الوجه تارة بإنكار الضابطة المسلّمة عند العدلية و أُخرى بأنّ الأحكام الشرعية تابعة للمصالح و المفاسد و لو في نفس الأمر و النهي، و لكنّ الأوّل ضئيل جدّاً لاستلزامه كون إرادته سبحانه إرادة جزافية و الثاني لا يضرّ بالمقام، لأنّه إذا كان وجود المصلحة و المفسدة في نفس الأمر و النهي كافياً في تشريع الحرمة و الوجوب، فكونهما في المتعلّق يكفي بطريق أولى.

نعم الذي يردّ هذا الوجه هو عدم إحاطة العقل بالمصالح و المفاسد و المزاحمات و الموانع، لقصوره عن الإحاطة. و يشهد على ذلك: أنّ المندوبين الخبراء يضعون قوانين في مجلس الشورى ثمّ يظهر بعد فترة من الزمان أنّ المصلحة كانت في خلافه، و هذا إن دلّ على شي‏ء فإنّما يدلّ على قصور الإنسان عن الإحاطة بالمصالح و المفاسد، و إلى ذلك ينظر قول الإمام الصادق (عليه السلام):» ليس شي‏ء أبعد عن دين اللّه من عقول الرجال «أو:» إنّ دين اللّه لا يصاب بالمقاييس « (1).

نعم يصح للخبراء وضع قوانين حكومية مؤقتة تلو الوقوف على مصالح و مفاسد، لا أحكاماً دائمية غير قابلة للنسخ حتى لو تبيّن الخلاف.

الثاني: أن يستكشف الحكم الشرعي من استقلال العقل بالحسن و القبح،

فإذا استقلّ العقل بحسن حفظ النظام و قبح تكليف غير المميز أو المعدوم أو من‏

____________

(1)- الكافي: ج 1، كتاب فضل العلم، باب البدع، الحديث 7.

و الوسائل: ج 18، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 18.

86

لم يبلغه البيان، يستكشف بحكم الملازمة الحكم الشرعي المناسب للمقام.

و هذا الوجه غير الوجه السابق، فإنّ الأساس في الوجه السابق هو إدراك العقل ملاكات الأحكام فيما يعود إلى حياة الانسان في عاجله و آجله، و لكن الأساس لهذا الدليل هو استقلال العقل بحسن شي‏ء أو قبحه و أنّ هذا الفعل حسن مطلقاً في الدنيا و الآخرة، سواء كان الفاعل واجباً أو ممكناً، كانت هناك مصلحة أم لا، مثلًا الخيانة للأمانة و ردّ الإحسان بالإساءة ممّا يستقلّ العقل بقبحهما على الإطلاق، فيستكشف أنّ الحكم عند الشرع أيضاً كذلك.

و قد شغلت هذه المسألة بال الأشاعرة من السنّة و الأخباريين من الشيعة، أمّا الطائفة الأُولى فقد أنكروا إدراك العقل حسن الفعل و قبحه، و خرجوا بهذه النتيجة:

لا يمكن للعقل أن يقف على حسن الفعل و قبحه، و حسبوا أنّ العقل عاجز في ذلك المجال، و أمّا الطائفة الثانية فقد صدّقوا استطاعة العقل بدرك الحسن و القبح، و لكنّهم أنكروا إمكان استكشاف الحكم الشرعي من هذا الحكم العقلي بحجّة أنّ الحكم الشرعي يمكن أن يكون مشروطاً بشرط غير حاصل أو مقروناً بمانع موجود، فلا يمكن لنا استكشاف الحكم الشرعي الفعلي منه.

يلاحظ على قول الأشاعرة: ما حقّقه أكابر العدلية من أنّ إنكار استطاعة العقل و استقلاله على إدراك حسن الأفعال و قبحها، مكابرة محضة، يقوله القائل بلسانه و ينكره في قلبه، و أمّا الثاني أي إنكار الملازمة فإنّما يرجع إلى إنكار استقلال العقل بحسن الشي‏ء على وجه الإطلاق و قبحه كذلك، فإنّ المفروض أنّ العقل حينما يلاحظ العدل مجرّداً عن كلّ شي‏ء، يستقلّ بحسنه، فكيف يمكن أن يكون الحكم الشرعي مشروطاً بشرط غير حاصل أو مقروناً بمانع موجود؟ فاحتمال اشتراط الحكم الشرعي على النحو الذي ذكره، رجوع عن الحكم باستقلال العقل‏

87

في ذلك المجال‏ (1).

الثالث: أن يدرك العقل حكماً بديهياً أو نظرياً منتهياً إلى البديهي،

فيجعل كبرى لصغرى شرعية و ذلك مثل باب الملازمات، فإنّ العقل يرى الملازمة بين إرادة الشي‏ء و إرادة مقدمته، و إرادة عدم ضدّه كما يرى الملازمة بين الثبوت عند الثبوت و الانتفاء عند الانتفاء في باب المفاهيم (على القول بها) و الملازمة بين النهي عن الشي‏ء و فساده، أو الملازمة بين الاشتغال القطعي و لزوم الفراغ عنه يقيناً، إلى غير ذلك من أقسام الملازمات العقلية.

فالاستدلال بالحكم العقلي على الحكم الشرعي، نظير الاستدلال بالعلّة على وجود المعلول، فبما أنّه يحكم بالملازمة بين الإرادتين، يستكشف منها، أنّ الشارع أيضاً أراد الإتيان بالمقدمة و لم يرد الإتيان بضدّه عند الإتيان بالمأمور به، و يعبّر عن ذلك بإيجاب المقدّمة و حرمة الضد.

و يظهر ممّا تقدم حكم مفهوم الخطاب و لحنه، أعني: المفهوم المخالف و الموافق فإنّ الاستدلال فيهما عن طريق الملازمة. غاية الأمر أنّ اللازم في الأوّل هو ارتفاع الحكم عند الارتفاع، و في الثاني ثبوت الحكم على وجه الأولوية كما لا يخفى.

و الحق أنّ الاستدلال على الحكم عن طريق الملازمات استدلال متين، و المنع عن الاستكشاف يرجع إلى نفي الملازمة و هو خلف.

الرابع: الأخذ بالمناط بعد تنقيحه‏

و هو على قسمين لأنّ المناط إمّا مذكور و إمّا مستنبط، فالأوّل يدخل في الدلالة الشرعية و الثاني يدخل في الدلالة العقلية، فلو ساعد العرف على استنباط المناط و إلغاء الخصوصية فهو و إلّا فهو من أخطر المواقف للفقيه لأنّه أشبه شي‏ء بالقياس.

____________

(1)- لاحظ: مطارح الأنظار، ص 224.

88

و لأجل ذلك يقول الشيخ الأعظم:» الإنصاف أنّ الركون إلى العقل فيما يتعلّق بادراك مناطات الأحكام لينتقل منها إلى إدراك نفس الأحكام موجب للوقوع في الخطأ كثيراً في نفس الأمر و إن لم يحتمل ذلك عند المدرك « (1).

هذه هي الأدلّة العقلية التي يمكن أن يركن إليها المجتهد الإمامي و قد عرفت أنّ أيّاً منها يصلح للركون.

هذا كلّه إذا كان النزاع صغرويّاً.

الكلام فيما إذا كان النزاع كبرويّاً:

و أمّا إذا كان النزاع كبرويّاً أي في حجّية القطع الحاصل و عدمها، فيقع الكلام في مقامي الثبوت و الإثبات أي في إمكان النهي عن العمل به و عدمه، و على فرض الإمكان هل ورد النهي عنه شرعاً أو لا؟

أمّا المقام الأوّل: فقد أحاله الشيخ: لو أُريد منه عدم جواز الركون بعد حصول القطع، لاستلزامه اجتماع النقيضين عند القاطع مطلقاً، و في الواقع عند الإصابة و جوّزه على وجه لو أُريد به عدم جواز الخوض في المطالب العقلية لتحصيل المطالب الشرعية لكثرة وقوع الغلط و الاشتباه فيها.

و الحقّ جواز المنع عن العمل بالقطع الحاصل عن غير الكتاب و السنّة، و ذلك لأنّ القاطع و إن وصل إلى الواقع المحض و وقف على الحكم الشرعي، و النهي عن العمل به يعدّ في نظره تناقضاً، لكن للشارع التصرّف في موضوع إطاعته و امتثاله، بأن يطلب إطاعة الأحكام التي وصل إليها المكلف عن طريق الكتاب و السنّة، فإنّ لزوم الإطاعة و إن كان عقلياً لكن تحديد موضوعها سعة و ضيقاً بيد الشارع فله أن يحدّد الموضوع و يخصّها بالأحكام المستنبطة من طريقيهما، لا من الطرق الأُخرى.

____________

(1)- الفرائد، ص 12 (طبعة رحمة اللّه).

89

و الإذعان به و إن كان في التوصليات لا يخلو من إشكال لأنّ المطلوب فيه، هو نفس العمل، و المفروض أنّ القاطع يقوم به لكنّه في التعبّديات و القربيات، التي يعتبر فيها قصد الأمر، أو كون الإتيان بها لوجه اللّه بمكان من الإمكان، فلا يقبل امتثال أمر أو نهي قربي إلّا إذا وصل إليه المكلف من الطرق المسوّغة لا الممنوعة.

ثمّ إنّ المحقق النائيني ذهب إلى جواز التقييد بوجه آخر، و حاصل ما أفاده: أنّ العلم بالحكم لما كان من الانقسامات اللاحقة للحكم فلا يمكن فيه التقييد لاستلزامه الدور، و إذا امتنع التقييد امتنع الإطلاق أيضاً لأنّ التقابل بين الإطلاق و التقييد تقابل العدم و الملكة.

و من جانب آخر: أنّ الإهمال الثبوتي لا يعقل بل لا بدّ إمّا من نتيجة الإطلاق أو من نتيجة التقييد، فإنّ الملاك الذي اقتضى تشريع الحكم إمّا أن يكون محفوظاً في كلتا حالتي الجهل و العلم فلا بدّ من نتيجة الإطلاق، و إمّا أن يكن محفوظاً في حالة العلم فقط فلا بدّ من نتيجة التقييد، و حيث لم يمكن أن يكون الجعل الأوّلي متكفّلًا لبيان ذلك، فلا بدّ من جعل آخر يستفاد منه نتيجة الإطلاق و التقييد و هو المصطلح عليه ب:

متمّم الجعل، فاستكشاف كلّ من نتيجة الإطلاق و التقييد يكون من دليل آخر، و قد ادّعى تواتر الأدلّة على اشتراك الأحكام في حقّ العالم و الجاهل و أنّ الحكم مطلق في حق العالم و الجاهل و لكن تلك الأدلّة قابلة للتخصيص و قد خصّصت في غير مورد كما في مورد الجهر و الإخفات و القصر و الإتمام‏ (1).

و بذلك يمكن أن توجّه مقالة الاخباريين بأنّ يقال: إنّ الأحكام الواقعية قيّدت بنتيجة التقييد إذا أدّى إليها الكتاب و السنّة.

____________

(1)- فوائد الأُصول: ج 3 ص 12.

90

و يرد عليه أوّلًا: أنّ تقابل الإطلاق و التقييد اللحاظيين تقابل الضدّين، لفرض قيامهما بلحاظ السعة و الضيق، و معه كيف يكون تقابلهما تقابل العدم و الملكة؟! و ثانياً: سلمنا أنّ التقابل بين الإطلاق و التقييد تقابل العدم و الملكة، و لكن لا يصحّ ما رتّب عليه من أنّه إذا لم يصحّ تقييد الحكم بالعلم به، يمتنع إطلاقه بالنسبة إلى العالم و الجاهل به، و ذلك لأنّ امتناع التقييد ليس لأجل عدم القابلية كعدم قابلية الجدار لتقييده بالعمى، بل لأجل استلزامه الدور، و بما أنّ الدور مختص بصورة التقييد بالعلم فلا مانع من إطلاقه بالنسبة إلى كلتا الحالتين فلا يلزم من امتناع التقييد، امتناع الإطلاق.

و ثالثاً: أنّ الإطلاق في المقام ذاتي و يكفي في ذلك كون الطبيعة متعلّقة للحكم، و ذات البالغ العاقل موضوعاً للحكم و هو متحقّق في كلتا الحالتين، كان هناك علم بالحكم أو لم يكن، فالمحذور المتصوّر في باب التقييد اللحاظي غير جار في الإطلاق الذاتي فلا معنى لعدّهما من باب واحد.

و رابعاً: أنّ الاكتفاء بما أتى في موارد القصر و الإتمام أو الجهر و الإخفات، ليسا لأجل اختصاص الحكم بالعالم، بل يمكن أن يقال: بأنّ الشارع تقبّل المأتي به مكان المأمور به.

هذا كلّه في مقام الثبوت، و قد عرفت إمكانه، كما عرفت نظرية الشيخ، و أنّه غير ممكن عنده.

و أمّا مقام الإثبات، فالروايات الواردة لا تدلّ على نظرية الاخباري و هي على طوائف نشير إليها:

الطائفة الأُولى: ما دلّ على بطلان القياس، و هو أكثر ما ورد في هذا المقام لابتلاء الصادقين (عليهما السلام) بأهله. روى عثمان بن عيسى قال: سألت أبا الحسن‏

91

موسى (عليه السلام) عن القياس؟ فقال: فما لكم و للقياس؟ إنّ اللّه لا يُسأل كيف أحلّ و كيف حرّم‏ (1).

و روى أبو شيبة الخراساني، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: إنّ أصحاب المقاييس طلبوا العلم بالمقاييس فلم تزدهم المقاييس من الحقّ إلّا بعداً، و إنّ دين اللّه لا يصاب بالمقاييس‏ (2).

و هذه الطائفة لا مساس لها بالمقام لأنّ القياس من الظنون الممنوعة و البحث في القطعيات العقلية التي لم يتعلّق بها النهي.

الطائفة الثانية: ما دلّ على ردّ الاعتماد على الاعتبارات الظنّية من الاستحسان و غيره. روى غياث بن إبراهيم عن الصادق (عليه السلام) عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليهم السلام)، أنّه قال في كلام له: الإسلام هو التسليم إلى أن قال: إنّ المؤمن أخذ دينه عن ربّه و لم يأخذه عن رأيه‏ (3).

و روى ابن مسكان، عن حبيب قال: قال لنا أبو عبد اللّه (عليه السلام): ما أحد أحبّ إليّ منكم، إنّ الناس سلكوا سبلًا شتّى، منهم من أخذ بهواه، و منهم من أخذ برأيه، و أنّكم أخذتم بأمر له أصل‏ (4).

و الجواب عن هذه الطائفة نفس الجواب عن الطائفة السابقة.

الطائفة الثالثة: ما يدلّ على أنّ العلم الصحيح عبارة عمّا صدر عن أهل البيت. روى أبو مريم: قال أبو جعفر (عليه السلام) لسلمة بن كهيل و الحكم بن عتيبة: شرّقا و غرّبا فلا تجدان علماً صحيحاً إلّا شيئاً صحيحاً خرج من عندنا أهل البيت‏ (5).

____________

(1)- الوسائل: ج 18، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 15، و 18 و بهذا المضمون روايات أُخرى في الباب و غيره.

(2)- الوسائل: ج 18، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 15، و 18 و بهذا المضمون روايات أُخرى في الباب و غيره.

(3)- المصدر نفسه: الحديث 21 و 31 و لاحظ أيضاً الحديث 34.

(4)- المصدر نفسه: الحديث 21 و 31 و لاحظ أيضاً الحديث 34.

(5)- المصدر نفسه: الحديث 16، و بهذا المضمون روايات أُخرى.

92

و الحصر في الرواية و نظائرها إضافي و هو نفي ما يرويه المخالفون من غثّ و سمين، و ليس للرواية نظر إلى نفي الملازمات العقليّة البتّة التي لا يتردّد فيها العقل السليم الذي به عرف اللّه سبحانه و به صدّقت كلماته و أنبياؤه.

الطائفة الرابعة: ما يدلّ على أنّ الولاية شرط قبول الأعمال. روى حمّاد بن عيسى عن حريز بن عبد اللّه عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث طويل في الإمامة و أحوال الإمام، قال:

» أما لو أنّ رجلًا صام نهاره و قام ليله و تصدّق بجميع ماله و حجّ جميع دهره و لم يعرف ولاية وليّ اللّه فيواليه و تكون جميع أعماله بدلالته إليه، ما كان له على اللّه ثواب، و لا كان من أهل الإيمان « (1).

يلاحظ عليه: لا شك أنّ قبول العمل رهن الولاية حسب النصوص و لا يخالف فيه أحد إنّما الكلام في معنى قوله:» ليكون جميع أعماله بدلالته «فلا شكّ أنّ في فقدان الولاية فقدان الهداية و في فقدانها خسارة كبيرة، أمّا دخل دلالته في كل صغير و كبير، حتى فيما وصل إليه بالحجّة الباطنية، فلا تظهر مدخليته.

أضف إلى ذلك: أنّ العمل بما يحكم به العقل أيضاً بدلالة ولي اللّه، حيث استفاضت الروايات على أنّ العقل من حجج اللّه تبارك و تعالى، فلاحظ رواية هشام بن الحكم عن أبي الحسن الأوّل في الكافي‏ (2) المعروف بحديث جنود العقل و الجهل.

الطائفة الخامسة: ما يدل على مدخلية تبليغ الحجة في التديّن بحكم. روى جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه قال: من دان اللّه بغير سماع من صادق، ألزمه اللّه التيه يوم القيامة (3).

____________

(1)- الوسائل: ج 18، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 13.

(2)- الكافي: ج 1، كتاب العقل و الجهل.

(3)- الوسائل: ج 18، الباب 7، من أبواب صفات القاضي، الحديث 37 و بهذا المضمون روايات أُخرى.

93

و هذه الرواية و أضرابها ممّا احتجّ به الأخباري، و لكنّه لا صلة له بالمجتهدين الكبار الذين لم يعرضوا عن العترة و أخذوا الأُصول و الفروع منهم، و إنّما هي راجعة إلى المعرضين عن أبوابهم. و أمّا من استضاء بنورهم، و تمسّك بالعقل فيما لم يرد فيه حكم شرعي و كان المجال مجاله فهو خارج عن مدلول الرواية.

ثمّ إنّ المحدث الاسترآبادي ذكر في كلامه: إن تمسّكنا بكلامهم فقد عصمنا عن الخطأ و إن تمسّكنا بغيرهم لم نعصم عنه، و من المعلوم أنّ العصمة من الخطأ أمر مطلوب مرغوب فيه شرعاً و عقلا.

يلاحظ عليه: أنّه مغالطة محضة، فإنّ المسلم الواعي لا يعوّض كلامهم بشي‏ء، إذ لا يعادله شي‏ء لكن الكلام في أنّه إذا لم يوجد عنهم نص صحيح، و لا ظاهر قويم، فهل هنا مرجع غير الشرع؟ فالأُصولي يجيب بالإثبات لكن فيما إذا كان الموضوع ممّا يصحّ أن يرجع إليه، و الأخباري يجيب بالنفي.

94

الأمر الثامن: هل المعلوم إجمالًا كالمعلوم تفصيلًا أو لا؟

و قبل الخوض في المقصود لا بدّ من تقديم أمرين:

الأوّل: أنّ العلم بنفسه لا يقبل الإجمال و التفصيل لأنّه من مقولة الانكشاف و أمره دائر بين الوجود و العدم، لا الإجمال و التفصيل، فلو كان هناك علم كان هناك انكشاف بلا إجمال و إلّا فلا، و كما لا يقبل العلم الإجمال كذلك لا يقبله متعلّقه، لأنّ تشخّص العلم بالمعلوم، كتشخّص الإرادة بالمراد، فلو كان هناك إجمال لسرى إلى نفس العلم و قد عرفت أنّه لا يقبله، و على ضوء ذلك فليس هنا إجمال لا في العلم و لا في المعلوم بالذات، و لو كان إجمال فإنّما هو في مصداق المعلوم بالذات، و انّ المعلوم بالذات كالنجس مثلًا هل هو في هذا الإناء أو ذاك؟

و إن شئت قلت: إنّ الإجمال إنّما يعرض على العلم أو يوصف العلم به على وجه المجاز من ضمّ جهل إلى علم و هو عدم العلم بمصداق المعلوم بالذات.

الثاني: يرى القارئ في الكتب الأُصولية المؤلّفة من عصر الشيخ الأعظم إلى زماننا هذا، أنّهم يكرّرون البحث عن العلم الإجمالي فيبحثون عنه تارة في مباحث القطع و أُخرى في مباحث الاشتغال، فما هو الوجه لهذا التكرار؟ هناك وجوه في كلمات القوم:

95

1 ما ذكره الشيخ الأعظم، و هو أنّ لاعتبار العلم الإجمالي مرتبتين: مرتبة اعتباره من حيث حرمة المخالفة القطعية، و مرتبة اعتباره لأجل وجوب الموافقة القطعية، و المتكفل لبيان الأُولى هو مبحث القطع، و المتكفّل لبيان الثانية هو مبحث الاشتغال.

2 ما ذكره المحقق الخراساني، و هو أنّ تعدد البحث لأجل تعدّد الجهة المبحوث عنها، فتارة يبحث عنه لغاية التعرّف على أنّ العلم الإجمالي هل هو علّة تامة لإثبات التكليف و تنجّزه بحيث لا يمكن المنع عنه و جعل الترخيص لأحد أطرافه، أو هو مقتضى للتنجّز و قابل لجعل الترخيص؟ فإذا ثبت كونه علّة تامة لما بقي مجال للبحث عنه في مبحث الاشتغال، و أمّا إذا ثبت الثاني فيبحث عن وجود الترخيص لبعض الأطراف و عدمه، و المتكفّل له هو مبحث الاشتغال.

3 ما ذكره سيدنا الأُستاذ، و هو أنّ العلم بالتكليف قد يطلق و يراد منه تارة العلم الوجداني بالتكليف الذي لا يرضى المولى بتركه أبداً، و أُخرى العلم بقيام الحجّة الشرعية على التكليف، كما إذا قامت الأمارة على حرمة العصير العنبي إذا غلى، فتردّد المغلي بين إناءين، فليس في صورة العلم الإجمالي علماً بالحكم بل علماً بإطلاق الدليل الشامل للمغلي بكلتا حالتيه: المعلوم تفصيلًا و المعلوم إجمالًا.

ففي مورد العلم الوجداني القطعي بالحكم فالعلم الإجمالي كالعلم التفصيلي علّة تامة للتنجّز فيجب موافقته القطعية كما تحرم مخالفته كذلك، و هذا ما يبحث عنه في مبحث القطع، و أمّا إذا كان هناك علم بالحجّة الشرعية، فيقع الكلام فيه أنّ مقتضى إطلاق الدليل وجوب الاجتناب عن المغلي علم تفصيلًا أو لا، و مع ذلك فهل هنا دليل مقيّد للإطلاق و محدّد له بحالة العلم التفصيلي أو لا؟ و هذا ما يبحث عنه في مبحث الاشتغال.

و بذلك يظهر أنّ البحث عن كون العلم الإجمالي علّة تامة لحرمة المخالفة القطعية أو وجوب الموافقة كذلك، أو كونه مقتضياً لكلتيهما، أو علّة تامة بالنسبة

96

إلى حرمة المخالفة و مقتضياً بالنسبة إلى الموافقة، راجع إلى القسم الثاني أي العلم بقيام الحجّة التي لها إطلاق لا بالنسبة إلى العلم الوجداني بالتكليف.

إذا عرفت ما ذكرناه فنقول: يقع الكلام في مقامين:

الأوّل: في ثبوت التكليف بالعلم الإجمالي و منجّزيته.

الثاني: في سقوط التكليف بالامتثال الإجمالي.

أمّا الأوّل، فلا شك أنّ العلم الإجمالي بوجود التكليف الذي لا يرضى المولى بتركه، علّة تامة لوجوب الموافقة القطعية فضلًا عن الموافقة الاحتمالية، و في مثله لا يمكن الترخيص فإنّ الترخيص في الطرفين يستلزم العلم بإرادة المتناقضين، و في أحدهما يستلزم احتمال إرادة المتناقضين و كلاهما محال.

فإن قلت: كيف يكون العلم الإجمالي بالتكليف علّة تامة لوجوب الامتثال مع أنّ البيان بعد لم يتمّ، إذ ليس هنا إلّا علم بالكبرى و هو لا يكفي في مقام التنجّز؟

و إن شئت قلت: إنّ القبيح هو عصيان المولى و لا يتحقق إلّا مع العلم بالمخالفة حين الفعل، و المفروض أنّه لا علم بها عند ارتكاب كلّ واحد، غاية الأمر يحصل له العلم بعد الارتكاب، و مثل هذا ليس بحرام.

قلت: كلا البيانين ضعيفان: أمّا الأوّل فلأنّ اللازم على المولى هو بيان الكبرى و أمّا تحصيل الصغرى فإنّما هو على عاتق العبد و قد أعطى أدوات المعرفة لأجل هذا الغرض، و أمّا الثاني فلأنّه لا فرق في نظر العقل بين المخالفة الدفعية أو المخالفة التدريجية.

فإن قلت: إنّ التكليف حيث لم ينكشف به تمام الانكشاف و كانت مرتبة الحكم الظاهري محفوظة، جاز الإذن من الشارع بمخالفته احتمالًا (كما في جعل الترخيص لبعض الأطراف) و قطعاً كما في جعله للجميع، و محذور مناقضته‏

97

للمقطوع إجمالًا هو محذور مناقضة الحكم الظاهري للواقعي في الشبهة غير المحصورة أو البدوية.

قلت: إنّ القياس مع الفارق، فإن جعل الحكم الظاهري في الموردين يلازم رفع اليد عن الحكم الواقعي، و إلّا فمع الإصرار على حفظ الواقع و عدم الرضا بتركه لا يصحّ الترخيص حتى في مورد الشبهة البدوية، و هذا بخلاف المقام، فإنّ المفروض هو العلم الإجمالي بالتكليف الذي لا يرضى بتركه. فكما لا يجوز الترخيص مع العلم التفصيلي فكذلك لا يجوز مع العلم الإجمالي، بل قد عرفت أنّه لا يجوز الترخيص حتى في موارد الشبهة غير المحصورة أو البدوية، لأنّ جعل الترخيص يساوق احتمال جعل المتناقضين و إرادتهما، و حديث تأخّر مرتبة الحكم الظاهري عن مرتبة الحكم الواقعي إنّما يفيد إذا لم يكن مقترناً بهذا العلم.

نعم لو قامت الحجّة على التكليف، كما إذا دلّ الصحيح من الروايات على حرمة العصير العنبي إذا غلى و تردّد المغليّ بين إناءين و اقتضى إطلاق التكليف حرمته، حتى في صورة العلم الإجمالي يجوز للشارع تقييد ذلك الإطلاق بأن يرخّص ارتكاب أحد المحتملين، أو يرخّص كليهما فيخصّص دليل الأمارة بصورة العلم التفصيلي، و الفرق بين الصورتين واضح، فإنّ العلم الإجمالي بالتكليف غير المرضي بتركه غير موجود في المقام، إذ ليس هناك إلّا إطلاق الدليل، و من المعلوم أنّه يمكن تقييد الإطلاق، فلا يلزم هناك محال.

و من هنا يعلم أنّ الأقوال المختلفة في اعتبار العلم الإجمالي في مجالي الموافقة و المخالفة إنّما هي راجعة إلى الصورة الثانية دون الأُولى، و اللائق بالأُولى كونه علّة تامة في جميع المراحل و المراتب.

و بذلك يظهر وجود الخلط في كلمات القوم، حيث إنّهم ضربوا القسمين بسهم واحد، و جعلوا الترخيص مطلقاً حتى فيما إذا كان هناك علم بالحجّة مستلزماً للتنافي في المبدأ و المنتهى.

98

أمّا المبدأ فلأنّه يستلزم اجتماع الحكمين كالوجوب و الحرمة، و اجتماع المفسدة و المصلحة في المتعلّق بلا كسر و انكسار و هو من باب اجتماع الضدين، و كذا الحال في اجتماع الوجوب و الترخيص، أو اجتماع الحرمة و الترخيص و هو يستلزم وجود المصلحة الملزمة و عدم وجودها في شي‏ء واحد، أو وجود المفسدة الملزمة و عدم وجودها و هو من باب اجتماع النقيضين المحال.

و أمّا المنتهى و هو مقام الامتثال فلعدم تمكّن المكلّف من امتثال كلا الحكمين كما هو ظاهر فيقع التنافي في حكم العقل بلزوم الامتثال‏ (1).

يلاحظ عليه: أوّلًا: أنّ الكلام مركّز على جعل الترخيص في أطراف العلم الإجمالي سواء كان المعلوم بالإجمال واجباً أو محرّماً، و على ذلك كان عليه الاكتفاء بقوله:» و كذا الحال في اجتماع الوجوب و الترخيص أو اجتماع الحرمة و الترخيص «و حذف ما تقدم عليه:» أنّه يستلزم اجتماع الحكمين كالوجوب و الحرمة و اجتماع المفسدة و المصلحة «.

و ثانياً: أنّ حديث اجتماع المصلحة و المفسدة ليس أمراً مهمّاً في كلتا الصورتين سواء كان هناك علم بالتكليف أو علم بالحجّة، إذ ليستا من العوارض القائمة بنفس المحرّم كالسواد و البياض، حتى لا يصحّ اجتماعهما في محرّم كالخمر بل المصالح و المفاسد في الأحكام غالباً لجهات اجتماعية.

و على ذلك فلا مانع من كون الشي‏ء ذات مفسدة بحال المجتمع و لكن كانت (في إلزام الناس على تركه فيما إذا كان معلوماً بالإجمال) مفسدة أشد من الأُولى فعند ذلك لا مانع من الترخيص، و إنّما المهمّ البحث عن إمكان جعل الحرمة أوّلًا، و جعل الترخيص ثانياً، و الحقّ فيه التفصيل بين العلم بالحكم و بين قيام الحجّة على التكليف و إطلاقه الشامل للمعلوم بالتفصيل و الإجمال.

____________

(1)- مصباح الأُصول: ج 2، ص 72.

99

فلا يجوز جعل الترخيص في الأوّل لفرض وجود الحكم الجدّي القطعي، بخلاف الثاني إذ لا مانع من رفع اليد عن الحكم الواقعي على فرض وجوده، و ذلك لأنّه ليس عند المكلّف إلّا العلم بالحجّة و إلّا العلم باطلاقها الشامل لصورة المعلوم بالتفصيل و المعلوم بالإجمال، و ليس تقييد الإطلاق أمراً ممتنعاً إذ لا مانع من تقييد قوله:» العصير العنبي إذا غلى يحرم «بصورة معلومية المغليّ تفصيلًا كما لا يخفى.

و بذلك يظهر ضعف ما أفاده في الفرق بين الشبهة البدوية و العلم الإجمالي بإمكانه في الأوّل دون الثاني، و بعدم وصول الحكم الواقعي في الأوّل، فلا يجب امتثاله و وصوله في الثاني، و لا فرق في حكم العقل في لزوم الامتثال بين وصول الحكم بالعلم التفصيلي و الإجمالي.

لأنّ ما ذكره إنّما ينطبق على العلم الوجداني بالتكليف لا ما إذا قامت الحجّة على التكليف و كان له إطلاق يعمّ صورة العلم الإجمالي، و لكنّه قابل للتقييد بالعلم التفصيلي، و الحاصل: أنّ القوم خلطوا العلم الوجداني بالعلم بالحجّة التي لها إطلاق يعمّ صورتي المعلوم، بالإجمال و التفصيل، و على ذلك فالحقّ أن يقال بالتفصيل بين العلم الوجداني القطعي بالحكم الشرعي على وجه لا يرضى المولى بتركه، فلا يجوز جعل الترخيص فيه، و العلم بالحجّة التي لها الإطلاق الشامل لصورتي المعلوم بالإجمال و المعلوم بالتفصيل فإنّه يجوز تقييد الإطلاق بصورة العلم التفصيلي، و يجوز الترخيص لكلا الطرفين أو لبعض الأطراف.

هذا كلّه في مقام الثبوت، و أمّا الكلام في مقام الإثبات و هو أنّه هل هنا دليل من الشارع يرخّص ارتكاب كلا الطرفين، أو بعضهما فيما يجوز فيه الترخيص أولا؟ فموكول إلى بحث البراءة و الاشتغال فجدير بنا البحث في المقام الثاني التالي:

100

كفاية الامتثال الإجمالي عن التفصيلي:

هل يجوز الاكتفاء بالامتثال الإجمالي أو لا؟ و الكلام يقع تارة في المتمكّن من الامتثال التفصيلي، و أُخرى في غير المتمكّن و لا شك في الجواز في غير المتمكّن من غير فرق بين القربيّات و التوصليّات، استلزم التكرار أو لا؟ كانت الشبهة موضوعية أو حكمية. إنّما الكلام في المتمكّن من الامتثال التفصيلي بالاجتهاد أو التقليد، فيقع الكلام تارة في التوصليات و أُخرى في القربيات.

أمّا الأوّل فلا شكّ في كفايته لأنّ الواجب هو تحقق المأمور به في الخارج كغسل الثوب، سواء غسله بماء طاهر أو بمائعين طاهرين يعلم أنّ أحدهما ماء.

و يظهر من الشيخ الأعظم الإشكال في باب العقود كما إذا تردّد في أنّ إنشاء النكاح هل يقع بلفظ النكاح أو بلفظ الزواج، مع التمكّن من الاجتهاد أو التقليد للوقوف على العقد الصحيح، قائلًا: بأنّه قام الإجماع على بطلان العقد المعلّق لأجل منافاته الجزم المعتبر في الإنشاء.

يلاحظ عليه: أنّ بطلان المعلّق إنّما هو لأجل الإجماع عليه، فلولا الإجماع كما هو الحقّ لا إشكال في الإنشاء المعلّق إلّا ما دلّ التعبّد على بطلانه، و أمّا الجزم في الإنشاء فلا شك أنّ العاقد بصدد إنشاء النكاح قطعاً، و أمّا العلم بأنّ الانشاء يتحقق بهذا اللفظ معيّناً، فلم يدلّ عليه دليل بل يكفي قصده الجدّي على إنشاء النكاح و هو الباعث على الجمع بين أطراف العلم.

و أمّا الثاني أي القربيات، فلا شك في جوازه فيما لا يجب الاحتياط فيه كالشبهات البدوية الحكمية و الموضوعية لأنّه يكشف عن ملكة الانقياد، إنّما الكلام فيما يجب فيه الاحتياط كصورة العلم الإجمالي، فتارة يقع الكلام فيما إذا استلزم الامتثال الإجمالي التكرار، و أُخرى فيما لا يستلزم، أمّا الأوّل فقد أشكل عليه بوجهين: