المحصول في علم الاُصول‏ - ج3

- محمود الجلالي المازندراني المزيد...
654 /
101

1 أنّ التكرار لعب بأمر المولى، و ما يعدّ لعباً لا يمكن التقرّب به، و أُجيب بأنّ اللعب في كيفية الإطاعة لا في أصل الطاعة، و لا يخفى ضعفه لأنّ اللعب في الكيفية ربّما يسري إلى أصل الطاعة في نظر العرف و العقلاء.

و الأولى أن يجاب بأنّه: ربّما يكون هناك داع عقلائي للامتثال الإجمالي مكان التفصيلي، كما إذا كان في تحصيل الاجتهاد أو الأخذ بفتوى الغير مشاكل فردية أو اجتماعية فيجمع بين الصلاتين: الظهر و الجمعة مع ترك التقليد و الاجتهاد.

2 ما أفاده المحقق النائيني من أنّ حقيقة الطاعة عند العقل هو الانبعاث عن بعث المولى، بحيث يكون الداعي و المحرِّك له نحو العمل هو تعلّق الأمر به و انطباق المأمور به عليه، و هذا المعنى في الامتثال الإجمالي لا يتحقّق، فإنّ الداعي له نحو العمل بكلّ واحد من فردي الترديد، ليس إلّا احتمال تعلّق الأمر به، فإنّه لا يعلم انطباق المأمور به عليه بالخصوص‏ (1).

يلاحظ عليه أوّلًا: أنّ الانبعاث في عامّة الموارد ليس من أمر المولى، بل عمّا يترتّب على الأمر من المثوبة و العقوبة إلّا المخلصين الذين ينبعثون من معرفة المعبود و يجدونه أهلًا للعبادة.

ثانياً: أنّ الداعي إلى الإتيان بكلّ واحد من الطرفين هو بعث المولى المقطوع به و لو لا بعثه لما قام بالإتيان بواحد من الطرفين. نعم لا يعلم أنّ هذا الفرد هل هو واجب أو ذاك الفرد، و ذلك لا يضرّ بكون الباعث هو الأمر القطعي، و لو سألت المحتاط عن سبب الاحتياط لأجابك بأنّ أمر المولى المردّد بين الطرفين حمله على الاحتياط.

الامتثال الإجمالي فيما إذا لم يستلزم التكرار:

إنّ التكليف المحتمل الذي لا يتوقف الاحتياط فيه على التكرار، تارة

____________

(1)- الفوائد للكاظمي: ج 3 ص 73.

102

يكون تكليفاً استقلالياً و أُخرى تكليفاً ضمنياً، ثمّ القسم الأوّل تارة يدور الأمر فيه بين الوجوب و الاستحباب و أُخرى بين الوجوب و الإباحة، و إليك بيان أحكامها:

1 إذا كان التكليف المحتمل تكليفاً مستقلًا و دار الأمر بين الوجوب و الاستحباب كغسل الجمعة، فالحقّ كفاية الامتثال الإجمالي و جواز ترك الاجتهاد و التقليد و إن لم يتبيّن وجه العمل و أنّه واجب أو مستحب، و ذلك لأنّ مقوّم الإطاعة في القربيات قصد الأمر المتوجّه إليه و المفروض أنّ الفاعل قاصد إليه و إن لم يعلم خصوصية الأمر، و الذي يفوت من المحتاط هو قصد الغاية كقولنا:» اغتسل لوجوبه «، أو التوصيف كقولنا:» اغتسل غسل الجمعة الواجب «. و سيوافيك عدم وجوبهما غاية و توصيفاً.

2 إذا كان التكليف المحتمل تكليفاً استقلالياً و دار الأمر بين الوجوب و الإباحة، فيجري فيه نفس ما قلناه في القسم الأوّل غير أنّه يقصد فيه الأمر القطعي و في المقام يقصد الأمر المحتمل، و الفائت هو قصد الغاية و التوصيف و سيأتي البحث عنه.

نعم يظهر من المحقق النائيني المنع من الامتثال الإجمالي مع التمكن من الامتثال التفصيلي في المقام، و ذلك بنفس الدليل المذكور في الاحتياط المستلزم للتكرار، و قال: الانبعاث عن احتمال البعث و إن كان أيضاً نحواً من الطاعة عند العقل، إلّا أنّ رتبته متأخرة عن الامتثال التفصيلي‏ (1).

يلاحظ عليه: أنّ الحاكم في باب الطاعة هو العقل و هو مستقلّ بتحقق الطاعة إذا أتى بالفعل بقصد الأمر القطعي أو الاحتمالي و إن لم يعلم حين الاتيان أنّ ما يأتي به هل هو واجب أو لا، فادّعاء دخل العلم التفصيلي بكونه واجباً في تحقّق الطاعة، لم يدلّ عليه دليل.

____________

(1)- الفوائد: ج 3 ص 73.

103

3 إذا كان التكليف ضمنياً و دار أمره بين الوجوب و الاستحباب كقراءة السورة في الصلاة، فكفاية الامتثال الإجمالي فيه أوضح لما قرّر في محلّه من أنّ الأجزاء الاستحبابية ليست بمعنى كون الواجب ظرفاً لها، بل معناها أنّ تحقق الطبيعة لا يتوقف على تلك الأجزاء، و لكنّه لو أتاها في ضمن سائر الأجزاء لكانت جزء للمأمور به و من مشخّصاته فيتعلّق بها الوجوب بنفس تعلّقه بسائر الأجزاء، و على ضوء ذلك فيمكن للمكلّف المحتاط أن يقصد امتثال الأمر الوجوبي إذا صلّى مع السورة. نعم الذي يفوته هو تمييز الأجزاء المستحبّة بالذات من غيرها و لم يدلّ دليل على وجوبه.

هذا كلّه حسب القواعد الأُصولية.

و أمّا حسب القواعد الفقهية فنقول: لم يدلّ دليل على اعتبار قصد الوجه من الوجوب و الاستحباب غاية أو توصيفاً، كما لم يدلّ دليل على لزوم تمييز الأجزاء المستحبة عن الواجبة، و ذلك بالبيان التالي.

إنّ قصد الوجه و التمييز من الانقسامات اللاحقة للتكليف، فإمّا أن نقول بإمكان أخذها في المتعلّق، أو نقول بعدمه.

فعلى الأوّل: يتمسّك بإطلاق متعلّق التكاليف حيث لم يرد قصد الوجه و لا تمييز الأجزاء جزءاً للواجب أو شرطاً له.

و أمّا على الثاني: فالتمسّك بالإطلاق اللفظي و إن كان غير ممكن لفرض عدم إمكان ذكره جزءاً للمتعلّق، و لكن التمسّك بالإطلاق المقامي أمر ممكن، و هو لا يختص بقيد دون قيد، بل يعمّ كل قيد عقلي لا تلتفت إليه العامة، فعندئذ يجب على الشارع إلفات النظر إليه. و التفات الخاصة إليه مع غفلة العامة عنه غير كاف، و هذا كقصد الوجه و تمييز الأجزاء فلو كانا واجبين و دخيلين في الأغراض الشرعية كان على الشارع التنبيه عليهما، و مجرد وصول عقول الخاصة إليهما لا يغني عن التنبيه.

104

نعم استدلّ على وجوبهما بأمرين:

1 الإجماع المذكور في كلام صاحب السرائر و هو كما ترى.

2 ما ربّما يقال: إنّ حسن الأفعال و قبحها إنّما يكون بالعناوين القصديّة كضرب اليتيم المتّصف بالحسن إذا كان الضرب بقصد التأديب، و القبح إذا كان بقصد الإيذاء، و في المقام نحتمل أن يكون حسن الفعل منوطاً بهذا القصد، أي قصد الوجه و تمييز الأجزاء الواجبة عن المستحبة فمع التمكّن منهما يجب الإتيان بهما حتى يتحقّق القصد المحقّق لحسن الفعل.

يلاحظ عليه أولًا: أنّ الواجب علينا هو الإتيان بما وقع تحت دائرة الطلب و لا يجب علينا إحراز أيّ عنوان ينطبق عليه من الحسن و غيره حتى يحكم بوجوب القصد لإحراز هذا العنوان، و تكون النتيجة هو تقدّم الامتثال التفصيلي على الإجمالي.

و ثانياً: أنّ هذا يتمّ إذا كان المأمور به غير معنون بالحسن الذاتي كضرب اليتيم، و أمّا إذا كان معنوناً به كالعبادة، فلا يتوقف حسنه على قصد العناوين الطارئة.

فخرجنا بهذه النتيجة: أنّ الامتثال الإجمالي في عرض الامتثال التفصيلي في جميع المراحل إلّا إذا عدّ التكرار لعباً بأمر المولى.

الامتثال الإجمالي مع التمكّن من الامتثال الظني التفصيلي:

قد اتّضح ممّا ذكرنا أنّ الامتثال العلمي التفصيلي غير مقدّم رتبة على الامتثال العلمي الإجمالي، و بهذا تبيّن عدم تقدّم الامتثال الظنّي التفصيلي على العلمي الإجمالي، فإنّ الظنّ الخاص الذي ثبتت حجّيته بدليل خاص مهما تصعّد أو تصوّب، لا يكون أرقى من العلم التفصيلي و قد عرفت عدم تقدّمه على الامتثال العلمي الإجمالي فكيف يكون الظنّ الخاص مقدّماً على العلم الإجمالي، و إن شئت‏

105

قلت: ليس الانبعاث من الأمر القطعي متقدماً على الانبعاث من الأمر الاحتمالي، بل كلاهما إطاعة غاية الأمر تكون الإطاعة، في الأوّل إطاعة للأمر القطعي و في الآخر إطاعة للأمر الاحتمالي.

و أمّا الظنّ المطلق الذي ثبتت حجّيته بدليل الانسداد، فإن كان المأخوذ في مقدّماته حرمة العمل بالاحتياط لكونه غير مرضي عند الشارع أو مفوّتاً لقصد الوجه المعتبر في العبادات، فلا شك، في تقدّم الامتثال التفصيلي الظنّي على الامتثال الإجمالي.

و أمّا لو كان المأخوذ في إحدى مقدماته عدم لزوم الاحتياط، فلا مانع من الاحتياط و الاكتفاء بالامتثال الإجمالي مع التمكّن من الظنّ المطلق.

ثمّ إنّ اختلاف القوم في كون نتيجة الانسداد، هو الكشف أو الحكومة، مبنيّ على ذاك الأمر و أنّ المأخوذ فيها، هو بطلان الاحتياط، فيكشف العقل عن أنّ الشارع جعل لنا حجّة من الظن أو الوهم أو الشك و حيث إنّ الظنّ أقرب يتعيّن هو.

و أمّا لو كان المأخوذ فيها هو عدم وجوب الاحتياط، فتصير النتيجة هو حكم العقل بالعمل بالظن من دون أن يستكشف جعل الحجية للظنّ من جانب الشارع، لاحتمال اكتفاء الشارع في طريق امتثال أوامره بالاحتياط غير الباطل بالفرض، و على الجملة على القول بجواز الاحتياط، لا يستكشف أنّ الشارع جعل لنا الظنّ حجّة في مقام الانسداد.

هذا خلاصة الكلام في باب القطع و بقيت أبحاث طفيفة ضربنا عنها صفحا.

106

الكلام في حجّية الأمارات‏

قد عرفت أنّ الهدف الأسنى في المقصد السادس، هو بيان ما هو الحجّة عقلًا أو شرعاً من الأمارات، و كان البحث عن أحكام القطع بحثاً استطراديّاً، و بما أنّ الأمارات التي نبحث عن حجيتها ظنون، فلا بدّ من إثبات إمكان التعبّد بها، قبل البحث عن وقوعه، كيف و قد أحاله ابن قبّة (1) و خالفه الآخرون.

لا شكّ أنّ الظنّ ليس كالقطع فإنّه لا يحتاج في حجّيته إلى جعل الشارع بل العقل يبعث القاطع إلى العمل به. و هذا بخلاف الظنّ فإنّه لا يقتضي بنفسه العمل به، و لا ينقدح في نفس الظانّ باعث و محرّك عقلي إلى تطبيق العمل طبق ما ظنَّ به.

و هذا هو الذي دعا المحققين إلى البحث عن أمرين:

1 إمكان التعبّد به.

2 وقوعه بعد ثبوت إمكانه.

____________

(1)- هو محمد بن عبد الرحمن بن قبّة الرازي المتكلّم الكبير المعاصر لأبي القاسم البلخي المتوفّى عام 317 و قد توفّي قبله و له كتاب» الانصاف «في الإمامة، لاحظ ترجمته في رجال النجاشي برقم 1024. و قد نقل عن أبي الحسن السوسنجرديّ أنّه قال: مضيت إلى أبي القاسم البلخي إلى بلخ بعد زيارة الرضا (عليه السلام) بطوس سلّمت عليه و كان عارفاً بي و معي كتاب أبي جعفر بن قبة في الإمامة المعروف بالانصاف فوقف عليه و نقضه بالمسترشد في الإمامة فعدت إلى الريّ، فدفعت الكتاب إلى ابن قبة فنقضه بالمستثبت في الإمامة فحملته إلى أبي القاسم فنقضه بنقض المستثبت، فعدت إلى الريّ فوجدت أبا جعفر قد مات (رحمه الله).

107

و إليك الكلام في كلا الأمرين:

الأوّل: في إمكان التعبّد بالظن:

إنّ البحث عن إمكان التعبّد يتوقف على البحث عن مفاد الإمكان و هو يحتمل أحد أُمور ثلاثة:

1 الإمكان الذاتي في مقابل الاستحالة الذاتية الذي هو من صفات الماهيّة كإمكان الإنسان و امتناع اجتماع النقيضين أو الضدين.

2 الإمكان الوقوعي، أعني: ما لا يترتب على وقوعه مفسدة، بعد إمكانه ذاتاً في مقابل خلافه كصدور القبيح من اللّه الحكيم، أو ما يوجب الخرق و الالتئام في الأفلاك الممكنين ذاتاً لا وقوعاً حسب زعم عدّة من الحكماء.

3 الإمكان الاحتمالي و هو عدم الجزم بامتناع الشي‏ء بمجرّد سماعه، و هو الذي أشار إليه الشيخ الرئيس في كلامه: كل ما قرع سمعك من الغرائب فذره في بقعة الإمكان ما لم يذرك عنه، واضح البرهان.

و الفرق بين المعاني الثلاثة للإمكان، هو أنّ المراد من الأوّل ملاحظة نفس ماهيّة الشي‏ء و سلب الضرورة من الطرفين، و أنّه ممّا لا يجب و لا يمتنع وجوده في مقابل الواجب أو اجتماع النقيضين أو ارتفاعهما، أو اجتماع الضدين أو ما يستلزم وجوده اجتماعهما أو ارتفاعهما، فكلّ ذلك يعدّ من الممتنعات الذاتيّة.

و المراد من الثاني ما لا يترتب على وقوعه مفسدة، في مقابل ما يعدّ في حدّ ذاته ممكناً، غير أنّ هناك أمراً يمنع صدوره عن العلّة، كإدخال المطيعين في النار فإنّه في حدّ ذاته ممكن، غير أنّ صدوره لمّا كان مخالفاً لحكمته و عدله لا قدرته فيعدّ محالًا وقوعاً لا ذاتاً.

و المراد من الثالث هو احتمال الإمكان و الامتناع، فالإمكان هناك بمعنى نفس الاحتمال أي احتمال وجوده و احتمال امتناعه و عدم القضاء بشي‏ء حتى‏

108

تتجلّى الحال.

و أمّا الحكم بالإمكان بالمعنيين الأوّلين فيحتاج إلى الدليل، لأنّه حكم على الماهية بأنّها كذا و كذا، أو حكم على وجود الشي‏ء بأنّه لا يترتب عليه محذور في عالم التكوين، و لا يصحّ الحكم إلّا بالدليل بخلاف المعنى الثالث، فإنّه ليس إلّا الاجتناب عن الحكم، و هو لا يحتاج إلى الدليل بل هو مستمرّ إلى أن يدلّ دليل على أحد الأمرين.

ما هو محل النزاع من معاني الإمكان:

لا شكّ أنّه ليس الإمكان بالمعنى الثالث، محلّا للنزاع لما عرفت من أنّه ليس أزيد من عدم القضاء بشي‏ء من الطرفين حتى يتبيّن الحال و مثل ذلك لا يليق أن يقع مورداً للجدال.

كما أنّ الإمكان بالمعنى الأوّل أي عدم اقتضاء الذات لواحد من جانبي الوجود و العدم، ليس بأمر خفي حتّى يقع فيه النزاع بداهة قابلية الظن للأمر بالاتباع، و ليس كاجتماع الضدين أو النقيضين الذين يقتضيان بالذات الامتناع بشهادة تسليم الخصم إمكانه عند انسداد باب العلم.

أضف إلى ذلك: أنّ البحث عن الإمكان الماهوي من شئون الفلاسفة الباحثين عن ضرورة الوجود و إمكانه و امتناعه.

فتعيّن كون النزاع في الإمكان الوقوعي الذي يحرز بالبرهان كسائر المسائل الفلسفية و العلميّة.

دليل القائل بإمكان التعبّد:

ثمّ إنّه ربّما يستدل على إمكان التعبّد بأنّا نقطع بأنّه لا يلزم من وقوعه محال ذاتي أو عرضي.

109

و أورد عليه الشيخ الأعظم: بأنّ القطع بعدم لزوم المحال في الواقع موقوف على إحاطة العقل بالجهات المحسّنة و المقبّحة و علمه بانتفائها و هو غير حاصل فيما نحن فيه.

ثمّ استدلّ هو (قدس سره) على الإمكان بأنّا لا نجد في عقولنا بعد التأمّل ما يوجب الاستحالة و هذا طريق يسلكه العقلاء في الحكم بالإمكان.

يلاحظ عليه: أنّ ما نسبه إلى العقلاء ثابت في مورد الإمكان الاحتمالي و قد عرفت أنّه خارج عن مورد البحث، و ما هو مطروح في المقام هو الامكان بالمعنى الثاني و ليس هنا أصل عقلائي متّبع في المقام.

و الحاصل: أنّ المدّعى هو إثبات الإمكان بالمعنى الثاني و ما ذكره يثبت الإمكان بالمعنى الثالث، و لا يثبت ما فيه الحكم، بما ليس فيه حكم، مضافاً إلى ما أورد عليه صاحب الكفاية من الإشكالات.

فتلخّص أنّ النزاع في الإمكان بالمعنى الثاني و هو لا يثبت إلّا بالبرهان، لا بالأصل العقلائي.

ثمّ إنّ المحقق النائيني: حمل الإمكان الوارد في كلامهم على معنى رابع و هو الإمكان التشريعي قائلًا: بأنّ النزاع في أنّه هل يلزم من التعبّد بالأمارات محذور في عالم التشريع من تفويت المصلحة و الإلقاء في المفسدة و اجتماع الحكمين المتضادين أو لا؟ و ليس المراد من الإمكان، الإمكان التكويني بحيث يلزم من التعبّد بالظن محذور في عالم التكوين‏ (1).

يلاحظ عليه: أنّ الإمكان التشريعي بهذا المعنى قسم من الإمكان التكويني و ليس قسيماً له، فإنّ التوالي المتوهمّة تعدّ أُموراً ممتنعة في صفحة الوجود و التكوين، و كون مورد الإمكان تشريع التعبّد بالظنّ، لا يوجب عدّه قسماً مستقلا.

____________

(1)- فوائد الأُصول: ج 3 ص 88.

110

دليل القائل بامتناع التعبّد:

استدل القائل بالامتناع بما نقل عن ابن قبّة، و قرّره المتأخرون بوجه علمي دقيق. و حاصله:» أنّ تجويز التعبّد بالظن لا يخلو من محذور راجع إمّا إلى ملاكات الأحكام أو إلى خطاباتها «.

توضيحه على وجه يندرج الكلّ تحت هذين الأمرين:

أمّا المحذور الملاكي، فإنّ الأحكام الشرعية واقعية كانت أو ظاهرية، مشتملة على مصالح و مفاسد داعية إلى جعلها و انشائها، فإذا قام الدليل على عدم وجوب ما هو واجب في الواقع أو على عدم حرمة ما هو حرام كذلك، يلزم منه تفويت المصلحة أو الإلقاء في المفسدة (الصورة الأُولى).

كما أنّه إذا قام الظن على وجوب ما هو حرام، أو حرمة ما هو واجب، يلزم منه اجتماع المصلحة و المفسدة و تدافع ملاكات الأحكام (الصورة الثانية). فالمراد من المحذور الملاكي ما يرجع المحذور إليه سواء كان بصورة تفويت الملاك أو تدافع الملاكين.

و أمّا المحذور الخطابي أو التكليفي، فالمراد منه توجّه المحذور إلى نفس الخطاب و التكليف أو مبادئه، أعني: الإرادة و الكراهة و الحبّ و البغض، مثلًا لو كانت الامارة موافقة للواقع يلزم اجتماع الحكمين المتماثلين و الإرادتين، و إن كانت مخالفة يلزم اجتماع الحكمين المتضادّين. كما يلزم اجتماع الإرادة و الكراهة و الحبّ و البغض في بعض الصور كما إذا قامت الأمارة على تحريم الواجب أو وجوب الحرام.

و على ذلك فالأولى هو جعل الإشكالات تحت عنوانين: الملاكي و الخطابي. لكن بالبيان الذي عرفت، فما يرجع إلى الملاك له صورتان: إمّا تفويت الملاك الواقعي، أو اجتماع الملاكين المتضادين، و ما يرجع إلى الخطاب له أيضاً صورتان:

111

الخلف إمّا في نفس الخطاب، أو في مبادئه.

فما صنعه المحقق النائيني (قدس سره) أضبط ممّا صنعه سيدنا الأُستاذ دام ظلّه‏ (1).

فنقول: أمّا المحذور الملاكي، فقد عرفت أنّ له صورتين:

الصورة الأُولى: ما إذا كان إيجاب التعبّد بالظنّ مفوّتاً للمصلحة أو ملقياً في المفسدة كما إذا قام الدليل على عدم وجوب الواجب أو عدم حرمة الحرام. فلا شكّ أنّه يفوت الملاك عند العمل بالامارة و هو قبيح.

و الجواب أنّه تامّ لو لم تكن هناك مصلحة أقوى مسوّغة لذلك.

توضيحه: أنّ طلب الخير الكثير و إن كان فيه شرّ قليل، مطلوب عند العقل و العقلاء وعليه سلوكهم في معاشهم، تراهم أنّهم يكتفون في أخذ القوانين بالطرق المألوفة من وسائل الإعلام مع أنّها لا تخلو عن خطأ و اشتباه، لأنّ الالتزام بتحصيل العلم موجب للعسر و الحرج، و في الرجوع إلى تلك الوسائل، اليُسر الذي هو الخير الكثير (و إن اشتمل على الشر القليل، و هو الإلقاء في المفسدة أو تفويت المصلحة أحياناً). و قد أمضاه الشارع فاكتفى بخبر الثقة أو سائر الأمارات لما فيه من اليسر و السهولة و الرغبة إلى الدين كما كان في الإلزام بتحصيل العلم حتّى في زمن التمكّن منه، العسر و الحرج و بالتالي عدم إقبال الناس إلى الدين أو خروجهم منه فقدّم هذا الخير الكثير على الشر الطفيف، أعني: المخالفة في موارد محدودة من غير فرق بين زمن الحضور و الغيبة، و فرض إمكان تحصيل العلم و عدمه، فأمر بالأخذ بقول الثقة تفصّياً من المحذور المتولّد عن إلزام الناس بالعلم.

فإن قلت: إنّ هذا إنّما يتمّ إذا أمر الناس بتحصيل العلم أو الاحتياط مطلقاً، و أمّا إذا أمر بهما إلى درجة لا يستلزم العسر و إخلال النظام فلا.

____________

(1)- فوائد الأُصول: ج 3 ص 88.

112

قلت: إنّ إيجاب تحصيل العلم أو العمل بالاحتياط إلى درجة لا يلزم العسر، لا يدخل تحت ضابطة معينة بل يصير نفس هذا التكليف أمراً موجباً للعسر، فاكتفى من أوّل الأمر بالأمارات التي لا تقصر في الإتقان و الإصابة عن العلوم القطعية التي يُحصِّلها المكلّف في بعض الأحايين، إذ ليس كلّ قطع مطابقاً للواقع، كما أنّه ليس كلّ ظنّ مخالفاً له، نعم ردع الشارع بعض الظنون (القياس) التي لا تلائم روح الشريعة الإسلامية المبنيّة على جمع المختلفات و رفض المجتمعات.

ثمّ إنّ هذا الجواب مبنيّ على حجّية الأمارات من باب الطريقية، و أنّه لا مصلحة في العمل بالأمارة سوى مصلحة الواقع، و أمّا على القول بالسببيّة، و أنّ قيام الأمارة تحدث مصلحة في المؤدّى، فالإشكال ساقط من رأس لانجبار المصلحة المفوّتة أو المفسدة الملقاة فيها بالمصالح المستحدثة في مؤدّى الأمارة.

غير أنّ القول بالسببيّة (حدوث المصلحة في المؤدّى عند قيام الأمارة) لمّا كان ساقطاً عند الإمامية، التجأ الشيخ إلى المصلحة السلوكية و أسماه المحقّق النائيني بالتصويب الإمامي‏ (1).

و ما ذكره الشيخ من المصلحة السلوكية يكفي في رفع الإحالة التي ادّعاها ابن قبّة من تفويت المصلحة و الإلقاء في المفسدة، و لكن الشيخ لم يفسّر المصلحة السلوكية فهي تحتمل أحد أمرين:

1 الاكتفاء بالأمارة في مقام الامتثال، آية المرونة و السهولة، و هما يلازمان، لإقبال الناس إلى الدين و عدم خروجهم عنه كما أوعزنا إليه.

2 أنّ العمل بالأمارة يوجب ترويج العلم و نقل الأحاديث و تكريم الرواة

____________

(1)- قسّم المحقق النائيني القول بحدوث المصلحة في المؤدّى إلى: التصويب الأشعري و التصويب المعتزلي، و لم يذكر لقوله مصدراً من كتب الأشاعرة و المعتزلة، مع أنّ المعروف من الأشاعرة عدم تبعية الأحكام للمصالح و المفاسد.

113

العدول، إلى غير ذلك مما يمكن أن تفسّر بها المصلحة السلوكية.

هذا كلّه في الصورة الأُولى من المحاذير الملاكية، و أمّا الصورة الثانية من ذاك القسم، أعني: تدافع الملاكين و اجتماع المصلحة و المفسدة فيما إذا قامت الأمارة على إيجاب الحرام أو تحريم الواجب، فإليك بيانه: الصورة الثانية: أعني بها محذور تدافع ملاكات الأحكام و حاصلها: أنّه إذا قامت الأمارة على وجوب ما كان حراماً في نفس الأمر، يلزم هنا وجود مفسدة حسب الواقع و وجود مصلحة حسب حكم الأمارة، هذا إذا لم نقل بالكسر و الانكسار قلنا ببقاء الملاكين بحالهما و إلّا يلزم أن لا يكون سوى مؤدّيات الأمارات أحكام.

و الجواب: أنّا نختار كلا الشقين و نجيب:

أمّا على الشقّ الأوّل: فلأنّ متعلّق المفسدة إنّما هو متعلّق الحكم، أعني: الخمر، و أمّا المصلحة فليست قائمة في متعلّقه، و إنّما هي في سلوك الأمارة و العمل بها من إيجاد الرغبة إلى الدين و ترويج العلم، و هذه هي المصلحة التي أفضت إلى تصويب العمل بالأمارة و الأمر به، و ليس هناك تدافع بين هذين الملاكين حتى يحصل الكسر و الانكسار، نعم على القول بأنّ قيام الأمارة يوجب حدوث مصلحة في المؤدّى يأتي حديث التدافع لكنّه منسوب إلى الأشاعرة و المعتزلة (1) لا الإمامية، فهم بين قائل بحجيّتها على الطريقية، و قائل بالسببية السلوكية، و قد عرفت أنّها تجتمع مع الطريقية أيضاً.

و إن شئت قلت: إنّ الأمارة إن كانت موافقة للواقع بأن قامت على وجوب ما هو واجب أو حرمة ما هو حرام، فلا مصلحة فيها سوى مصلحة نفس الواقع‏

____________

(1)- للفرق بين تصويبي الأشاعرة و المعتزلة لاحظ: تقريرات الكاظمي للمحقق النائيني، ج 3 طبعة جماعة المدرسين ص 95 و الفرائد للشيخ الأعظم ص 27 طبعة رحمة اللّه.

114

و ليس لها دور سوى صيانة نفس تلك المصلحة، و إن كانت مخالفة للواقع بأن قامت على وجوب ما هو حرام أو بالعكس، فلا مانع من أن يكون متعلّق الحكم مشتملًا على المفسدة. و يكون نفس تشريع العمل بالأمارة و العمل بها مشتملًا على مصلحة التسهيل التي لولاها كان تحصيل العلم أو الاحتياط واجباً و موجباً للعسر و الحرج، و ليس مثل هذا أمراً محالًا، لاختلاف متعلّقي المفسدة و المصلحة.

و أمّا على الشق الثاني: أعني ما إذا كان هناك كسر و انكسار و كان إحراز المصلحة السلوكية مقدّمة على المفسدة الموجودة في المتعلّق، أعني: الخمر في مقام الامتثال، فلا يلزم أن لا يكون سوى مؤدّيات الامارات أحكام، إذ المراد من الكسر و الانكسار ليس انفعال مفسدة الواقع عن المصلحة الظاهرية، بل مفسدة الواقع باقية على حالها لأنّ الخمر مُفسدة للعقل و ضارّة للمجتمع سواء أقامت الأمارة على حلّيتها أم على حرمتها، لكن المصالح الاجتماعية أوجبت تقدّم إحراز تلك المصلحة على تلك المفسدة فشرع العمل بها، و لم يجب تحصيل العلم أو الاحتياط.

و الحاصل: أنّ المراد من الكسر و الانكسار هو تقدّم ملاك تشريع العمل بالأمارة على مفسدة الواقع.

و لأجله أُجيز العمل بها مع تلك المفسدة.

نعم لازم ذلك عدم تنجّز الأحكام الواقعية في حقّ من قامت الأمارة على خلافها، و هو غير التصويب، لأنّه عبارة عن نفي الأحكام المشتركة بين العالم و الجاهل إنشاءً أو فعليّة، و المفروض في المقام خلافه، فإنّ الحكم الفعلي الذي تمّ بيانه من جانب المولى و إن لم يصل إلى يد المكلّف، مشترك بين الجميع. غير أنّه لما اقتضت المصالح تشريع العمل بالامارة، صار ذلك موجباً لعدم تنجّز الأحكام في مورد المخالفة، و المراد منه عدم صحّة العقاب على الجاهل بالواقع إذا كان في جهله معذوراً.

إلى هنا تمت المحاذير الملاكية بكلتا صورتيه و بقي الكلام في المحاذير الخطابية أو التكليفية.

115

المحاذير الخطابية:

قد عرفت أنّ المحاذير الخطابية إمّا في نفس الخطاب، أعني: اجتماع المثلين و ذلك عند موافقة الأمارة للواقع، أو اجتماع الضدين و ذلك عند مخالفتها له، و إمّا في مبادئه كاجتماع الارادة و الكراهة أو الحبّ و البغض عند مخالفة الامارة للواقع، فالبحث في موردين:

المورد الأوّل: محذور اجتماع المثلين أو الضدّين:

إذا كانت الأمارة موافقة للواقع يلزم على زعم المستدل اجتماع المثلين، و إن كانت مخالفة يلزم اجتماع الضدين.

و الجواب: أنّ التضاد و التماثل من الأعراض الخارجية التي تتّصف بها الأُمور الحقيقية. و أمّا الأُمور الاعتبارية كالأحكام الخمسة، فلا تتّصف بالتضاد و التماثل إلّا من باب التشبيه و المجاز.

توضيح ذلك: أنّ التقابل ينقسم إلى التضاد و التضايف، و السلب و الإيجاب، و العدم و الملكة. و قد عرّف المتضادان بأنّهما أمران وجوديان، غير نسبيين، يتعاقبان على موضوع واحد بينهما غاية الخلاف.

فخرج بالقيد الأوّل: تقابل السلب و الإيجاب و العدم و الملكة، و بالثاني: المتضائفان كالابوّة و البنوّة، و بالقيد الثالث: الاعراض التي لا يتعاقبان بل قد يجتمعان كالحلاوة و السواد، و بالقيد الرابع: ما لا يجتمعان و لكن ليس بينهما غاية الخلاف كالبياض و الصفرة، و ربّما زيد على التعريف قيد آخر و هو: ما يدخلان تحت جنس قريب.

و على أيّ حال فمقولة التضاد مثل مقولة التماثل من الأُمور الحقيقية، و لا يتصف بهما الأُمور الاعتبارية إلّا بالاعتبار و التشبيه.

و قد عرفت أنّ الوجوب و الحرمة من الأُمور الاعتبارية يقومان في عالم‏

116

الاعتبار مقام البعث و الزجر التكوينيين فإنّ الإنسان إذا أراد بعث ولده يحرّكه نحو العمل بيده، أو أراد زجره يمنعه بها، فهذا هو البعث و الزجر التكوينيان.

و لمّا كان هذا أمراً غير ممكن في كلّ الأحايين، خصوصاً فيما إذا أراد بعث جماعة أو زجرهم ليسوا بحضرته، حاول العقلاء أداء ذينك الأمرين التكوينيّين بوضع لفظ افعل و لا تفعل على الحكاية عنهما في عالم الاعتبار، فكلّ من هذين اللفظين مصداق تكويني للّفظ و الصوت، و مصداق اعتباري للبعث و الزجر التكوينيين فناب اللفظ حسب الاعتبار مكان الأمر التكويني.

و لمّا كانت دلالة الألفاظ على المعاني بالوضع و الاعتبار كان البعث و الزجر المفهومان من اللفظين أولى بأن يكونا اعتباريين، فلا يتّصفان بالتضاد إلّا بالتشبيه و التمثيل.

و إن شئت قلت: إنّ كلّا من البعث و الزجر المنشأين باللفظ ليس بعثاً حقيقياً و زجراً كذلك، بل وجود اعتباري لهما، و التضاد من صفات القسم الأوّل دون الثاني.

و أوضح دليل على كونهما أو كون الوجوب و الحرمة من الأُمور الاعتبارية، أنّه إذا أمر الآمر بشي‏ء، أو نهى عنه، لا يتحقق أثر خارجي في ناحية المتعلّق، بل هو على ما هو عليه قبل التعلق.

فإن قلت: إذا كان البعث و الزجر أو الوجوب و الحرمة، من الأُمور الاعتبارية، فلما ذا لا يجوز الأمر و النهي بشي‏ء واحد في زمان واحد و يعدّ من التكليف المحال أو التكليف بالمحال.

قلت: إنّ الموصوف بالامتناع حقيقة، في هذا المورد، إنّما هو اجتماع مبادئ الأمر و النهي في زمان واحد بالإضافة إلى شي‏ء واحد، لا نفس التكليف الاعتباري مع قطع النظر عن المبادئ إذ هو ليس محالًا، غاية الأمر يكون لغواً.

أضف إلى ذلك ما سيوافيك في المستقبل من أنّه ليس في مورد الأمارات‏

117

و الأُصول المحرزة حكم وراء الحكم الواقعي.

فإن قلت: إنّ البعث و الزجر الإنشائيين و إن كانا من الأُمور الاعتبارية و لا يجري فيهما حديث التضاد المختص بالتكوين، لكنّهما كاشفان عن الإرادة و الكراهة النفسانيتين، و هما لا يجتمعان، فعاد التضاد في مبادئ الحكمين لا في أنفسهما.

قلت: هذا هو المورد الثاني للمحذور الخطابي و الكلام في المورد الأوّل.

و ما ذكرناه من الجواب هنا مع الغض عمّا سيوافيك، فيه الكفاية. نعم لا إشكال في وجود حكم ظاهري في مورد الأُصول غير المحرزة مثل أصالتي البراءة و الحلّية، و مضمونهما قد يخالف الواقع و قد يوافق و لا يتوجّه محذور من هذه الناحية، لأنّ التضادّ و التماثل من صفات الأُمور الحقيقية لا الاعتبارية فلاحظ.

أجوبة أُخرى عن المحذور الخطابي:

هذا هو الحقّ القراح في الجواب، غير أنّ القوم الذين يعاملون مع الاعتباريات معاملة الأُمور الحقيقية مالوا يميناً و شمالًا في رفع غائلة التضاد و التماثل فجاءوا بأجوبة غير تامّة نذكرها مع ما فيها من الإشكال:

الأوّل: ما أجاب به الشيخ الأعظم في صدر رسالة التعادل و الترجيح، و حاصله: أنّ الأحكام الواقعية تختلف عن الأحكام الظاهرية موضوعاً، فإنّ موضوع الأُولى هي الأشياء بعناوينها الأوليّة، و موضوع الثانية هي الأشياء بعناوينها الثانوية، أي بما هو مشكوك الحكم و مجهوله، فلا تضادّ إذا اختلف الموضوع‏ (1).

____________

(1)- الفرائد: قسم التعادل و الترجيح ص 431، طبعة رحمة اللّه، و هذا الجواب يختلف عن الثاني جوهراً لأنّ الحكمين عليه فعليان، بخلافهما على الجواب الثاني بأنّ الحكم الواقعي ليس بفعلي عند مخالفة الأمارة.

118

و ما نقله في الكفاية (1) عن السيد الفشاركي يرجع إلى هذا الجواب و ليس بشي‏ء جديد، قال: إنّ الحكمين ليسا في مرتبة واحدة بل في مرتبتين ضرورة تأخّر الحكم الظاهري عن الواقعي بمرتبتين.

و الجواب موهون بما في الكفاية و هذا توضيحه: و هو أنّ الإهمال غير متصوّر في عالم الثبوت، و الحكم الواقعي إمّا أن يختص بالعالم به، فيلزم التصويب و انتفاء الحكم الواقعي المشترك بين جميع المكلفين، و إمّا أن يعمّ جميع الحالات، أعني: الشاك و الظانّ بالحكم، و عندئذ يكون الحكم الواقعي بحكم إطلاقه موجوداً في مرتبة الحكم الظاهري و إن كان الظاهري غير موجود في جميع مراتبه. فعندئذ يلزم اجتماع الضدين في مرحلة الشك أيضاً.

الثاني: ما أجاب به الشيخ الأعظم أيضاً في الفرائد (2): انّ المراد بالحكم الواقعي الذي يلزم بقاؤه هو الحكم المتعيّن المتعلّق بالعباد، الذي تحكى عنه الامارة، و يتعلق به العلم و الظن و أُمر السفراء بتبليغه و إن لم يلزم امتثاله فعلًا في حقّ من قامت عنده الامارة على خلافه، إلّا أنّه يكفي في كونه الحكم الواقعي، أنّه لا يعذر فيه إذا كان عالماً به أو جاهلًا مقصراً و الرّخصة في تركه عقلًا كما في الجاهل القاصر أو شرعاً كمن قامت عنده أمارة معتبرة على خلافه، و الحاصل أنّ المراد بالحكم الواقعي هو مدلولات الخطابات الواقعية غير المقيّدة بعلم المكلفين و لا بعدم قيام الأمارة على خلافها إلى أن قال: نعم ليست هذه الأحكام فعلية بمجرّد وجودها الواقعي.

و قد أوضحه المحقق الخراساني في تعليقته على الفرائد (3) بما لا مزيد عليه و قال ما هذا حاصله: و لنمهّد لذلك مقدمة: إنّ للحكم مراتب في الوجوب أوّلها:

____________

(1)- الكفاية: ج 2 ص 53.

(2)- لاحظ الفرائد: ص 30، من طبعة رحمة اللّه.

(3)- تعليقة المحقق الخراساني على الفرائد: ص 34.

119

أن يكون له شأنه من دون أن يكون بالفعل موجوداً، و ثانيها: أن يكون له وجود و إنشاء من دون أن يكون له بعث و زجر و ترخيص فعلًا، ثالثها: أن يكون له ذلك مع كونه كذلك فعلًا من دون أن يكون منجّزاً بحيث يعاقب عليه، رابعها: أن يكون له ذلك كالسابقة مع تنجّزه فعلًا.

ثمّ أوضح أنّه ربّما يكون هناك مقتضى للإنشاء و يكون هناك مانع عنه، كما لا يبعد أن يكون كذلك قبل بعثته، أو تكون العلة التامة للإنشاء موجودة و يكون هناك مانع من أن ينقدح في نفسه البعث و الزجر لعدم استعداد الأنام كما في صدر الإسلام بالنسبة إلى غالب الأحكام.

و قال: إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ تضادّ الأحكام فيما إذا وصلت إلى المرتبة الثالثة و لا تضادّ بينهما في المرتبة الأُولى و الثانية فلا يزاحم إنشاء الإيجاب لاحقاً، إنشاء التحريم سابقاً أو في زمان واحد بسببين كالكتابة و اللفظ، و إنّما التزاحم في المرتبة الثالثة و هو غير لازم، أمّا فيما إذا أصابت الأمارة، فإن أُريد اجتماع البعثين فهو غير لازم. بل يوجب إصابتها أن يصير إنشاء الايجاب و التحريم بعثاً و زجراً فعليين.

و أمّا إذا أخطأت الامارة فالحكم الفعلي ليس إلّا ما أدّت إليه الأمارة لا ما أخطأت عنه من الحكم الواقعي و لا تضادّ إلّا بين البعث و الزجر الفعليين.

و أورد عليه صاحب مصباح الأُصول: أنّ المراد من الحكم الإنشائي إن كان الإنشاء المجرّد عن داعي البعث و الزجر كما إذا كان بداعي الامتحان أو الاستهزاء فلا يسمى هذا حكماً، بل يكون مصداقاً لواحد منهما و يترتب عليه أُمور من لزوم التصويب أوّلًا، و عدم وجوب موافقته و حرمة مخالفته ثانياً، و إن أراد الإنشاء بداعي البعث و الزجر فهذا هو الحكم الفعلي من قبل المولى‏ (1).

____________

(1)- مصباح الأُصول: ج 2 ص 102 103.

120

يلاحظ عليه: أنّ المختار هو الشق الثاني لكنّه يتمّ إذا قام المولى بالبيان، و كانت الظروف صالحة له، دون ما إذا لم تكن كذلك، و النموذج الواضح لهذا النوع من الأحكام الإنشائية هو الأحكام المخزونة عند صاحب الأمر (عليه السلام) فهي إنشائية لأنّها خرجت عن الشأنية (عالم الاقتضاء) إلى عالم الإنشاء، و ليست فعلية، لعدم بيانها للناس.

نعم يرد على هذا الجواب:

أنّه لو كانت الأحكام الواقعيّة إنشائية، لما يتنجّز عند العلم بها، و لا عند قيام الأمارة عليها كما هو صريح كلامه، فإنّ العلم بالإنشائية علم بأحكام لم تصل إلى مقام الفعلية، و البعث الجدّي، و ما هذا شأنه و وصفه لا يكون منشئاً للأثر و لو تعلّق به العلم.

فإن قلت: إذا كانت الأحكام قبل قيام الأمارة إنشائية تصير بقيامها فعلية.

قلت: قد أجاب عنه في الكفاية، بما حاصله: أنّ قيام الأمارة لا ينتج أكثر من الوصول إلى حكم إنشائي، و مفاد حجيّة الأمارة، هو تنزيله منزلة العلم و تكون النتيجة هو العلم التنزيلي بالحكم الإنشائي، كالعلم الحقيقي، و كلا العلمين لا تؤثران في فعلية الحكم، فقد مرّ.

و لأجل ذلك التجأ صاحب الكفاية إلى أنّ الأحكام الواقعية أحكام فعلية لو علم به المكلف لتنجّز عليه كسائر التكاليف التي تتنجّز بسبب القطع بها.

الثالث: ما ذكره المحقّق الخراساني في كفايته: و هو غير الجواب الذي ذكره الشيخ الأعظم في مقدمة رسالة الظن و أوضحه هو في تعليقته عليها و إن خلط المحقق الخوئي دام ظلّه بين الجوابين، و حاصله: أنّ المجعول في باب الأمارات هو الحجّية و هي غير مستتبعة لإنشاء أحكام تكليفية حسب ما أدّى إليه الطريق، بل إنّما تكون موجبة لتنجّز التكليف إذا أصاب الواقع و صحة الاعتذار به إذا أخطأ.

121

و لو قلنا: بأنّ جعل الحجية للأمارات مستتبعة لأحكام تكليفية أي جعل حكم على طبق مفاد الأمارة أو بأنّه لا معنى لجعلها إلّا جعل تلك الأحكام و تكون الحجية منتزعة من نفس تلك الأحكام، فاجتماع حكمين و إن كان يلزم إلّا أنّهما ليسا بمثلين أو ضدّين لأنّ أحدهما طريقي عن مصلحة في نفسه، موجبة لانشائه، الموجب للتنجّز، أو لصحة الاعتذار بمجرّده، من دون إرادة نفسانية أو كراهة كذلك متعلّقة بمتعلّقه، و الآخر واقعي حقيقي عن مصلحة أو مفسدة في متعلّقه موجبة لإرادته أو كراهته، فغاية ما يلزم إنشاء حكم واقعي حقيقي بعثاً و زجراً، و إنشاء حكم آخر طريقي و لا مضادّة بين الإنشاءين فيما إذا اختلفا و لا يكون من اجتماع المثلين إذا اتّفقا (1).

و هذا لب جوابه بحذف ما لا دخالة فيه من حقيقة الإرادة و الكراهة في المبدأ الأعلى و في المبادئ العالية فإنّها أبحاث كلامية خارجة عن محطّ البحث.

و هذا الجواب يفارق الجواب السابق جوهراً فإنّ الأساس في السابق هو إعطاء الأهميّة لمفاد الأمارات، أعني: الأحكام الظاهرية لا الواقعية، على عكس ما في هذا الجواب من توصيف الأحكام الواقعية بالحقيقية، و أمّا الأحكام الظاهرية، فإمّا ينكر وجودها كما على القول بأنّ المجعول هو الحجّية و هي لا تستتبع أحكاماً، أو توصف بالطريقية و الحكم الطريقي تابع للمصلحة في السلوك أو في الجعل، و الحكم الواقعي تابع للمصلحة في المتعلّق.

و أمّا المتعلّق فهو ليس بمراد في الأحكام الظاهرية لا استقلالًا و لا آلياً، بل المراد نفس الحكم بخلافه في الواقعية فإنّها مرادة استقلالًا.

ثمّ إنّه (قدس سره) قد حسم بجوابه هذا سائر المحاذير الموجودة في المقام، من اجتماع المصلحة و المفسدة أو الإرادة و الكراهة، و قد عقدنا لكل محذور بحثاً و هو بحث عنها جملة واحدة فلاحظ.

____________

(1)- الكفاية: ج 2 ص 44.

122

و لبّ الجواب عن المحذور الذي نبحث عنه: أنّ التضاد و التماثل في الحكمين الفعليين الحتميين إنّما هو فيما إذا كانا نفسيين، و إلّا فلو فرض الاختلاف بالطريقية و النفسية فلا تضادّ و لا مماثلة فيمكن أن يجعل حكم طريقي فعلي مخالفاً لحكم واقعي فعلي نفسيّ، كما يمكن جعل حكم طريقي فعليّ، من سنخ الواقعي الفعلي و ذلك لعدم البعث و الزجر فيه.

يلاحظ عليه: أمّا أوّلًا: فإنّ القول بأنّ المجعول في باب الأمارات هو الحجّية، خال عن الشاهد، فإنّ الباحث لا يجد أثراً من هذا الجعل فيها، بل الموجود فيها هو إمضاء ما عليه العقلاء من العمل بقول الثقة بالسكوت، و إخراج الفاسق، و إبقاء العادل بحكم آية النبأ و ليس إمضاء السيرة بالسكوت جعلًا للحجّية.

و ما ورد في الروايات من الإشارة إلى ثقات الرواة مثل قول الإمام الصادق (عليه السلام) للفيض بن المختار:» إذا أردت حديثنا فعليك بهذا الجالس « (1) و أشار إلى زرارة. و قول أبي محمّد (عليه السلام):

» العمري و ابنه ثقتان « (2) فالكلّ ناظر إلى بيان الصغرى (الثقة) مع كون الكبرى مسلمة عندهم، و مع ذلك فكيف يدعى أن المجعول هو الحجّية.

و أمّا ما ورد في الناحية المقدسة من التوقيع الرفيع:» و أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا فإنّهم حجّتي عليكم و أنا حجّة اللّه « (3) فليس بصدد إنشاء الحجّية، بل إخبار عن كونهم حجج اللّه كما يخبر عن نفسه بأنّه حجّة من اللّه، و يكفي في التوصيف بأنّهم حجج، إمضاء عمل العقلاء.

و ثانياً: أنّ القول بوجود حكمين في مورد خطأ الأمارة أحدهما نفسي و الآخر طريقي، قول بلا دليل، فإنّ المجعول هو الحكم الواقعي النفسي، و لا دليل على جعل حكم طريقي في مقابل الواقع، بل أقصى ما هناك امضاء أو أمر بالعمل بالطرق لتوصل المكلّف إلى الواقع، فإن أوصلته إليه فهو و إلّا فتكون اكذوبة

____________

(1)- الوسائل: ج 18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 19 و 4 و 9.

(2)- الوسائل: ج 18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 19 و 4 و 9.

(3)- الوسائل: ج 18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 19 و 4 و 9.

123

نسبت إلى الإمام، و إن صدرت عن تقية تكون كذباً عن مصلحة أو تورية كذلك، على الاختلاف في الأخبار الواردة تقية.

و بالجملة: حكم نقلة الأحاديث و الروايات عن اللّه سبحانه بواسطة أنبيائه و أئمته، حكم المراسلين في الأجهزة الإعلامية إذا اعترفت بهم الدولة، فلو أصابت الواقع يكون المؤدّى نفس الواقع، و إن أخطأت تكون أحكاماً مكذوبة على لسان الدولة.

و من لاحظ نظام التشريع في الإسلام، يجد أنّ الأمر بالعمل بقول الرواة لأجل التحفّظ على الواقع بأيسر طرقه، و أسهل مناهجه، فلو أصاب المحكي فهو الواقع، و إن أخطأ فيكون معذّراً.

و لقد أحسن المحقق النائيني في كلمته من أنّ حال الامارة المخالفة حال العلم المخالف فلا يكون في البين إلّا الحكم الواقعي، أصابت الواقع أو أخطأت فإنّه عند الإصابة يكون المؤدّى هو الحكم الواقعي كالعلم الموافق، و عند الخطأ تكون معذِّرة كالعلم المخالف من دون أن يكون هناك حكم آخر مجعول.

و بذلك تظهر الحال في الأُصول المحرزة سواء أ كانت جارية في خصوص الشبهات الموضوعية كما هو الحال في قاعدة اليد و الفراغ، أم الأعمّ منها كالاستصحاب فتجويز العمل بها كتجويز العمل بالأمارات خصوصاً على اعتبارها عند العقلاء أيضاً، و الملاك هو التحفّظ على الواقع، فلو أصابت الواقع يكون نفس الواقع و لو خالفت تكون معذِّرة، فليس في موردها تشريع حكم من الشارع إلّا الأمر بالعمل بها، لأجل الحفاظ على الواقعيات بأيسر الطرق و أسهل المناهج‏ (1).

____________

(1)- و لقد أحسن المحقق النائيني حيث يقول: المجعول هو الجري العملي على طبق تلك الأُصول من دون أن يكون هناك حكم شرعي على طبق المؤدّى.

124

حكم الأُصول غير المحرزة:

نعم: تختلف عنها الأُصول غير المحرزة، فانّ للشارع هناك أحكاماً في ظرف الشك كالعلّية و البراءة و الاحتياط، و لا يمكن لأحد إنكار وجود ذاك التشريع الذي يخالف الواقع تارة و يوافقه أُخرى.

و بالجملة: فرق واضح بين الأمر بالعمل بالامارات و المحرزة من الأُصول، ففيها أمر بالعمل. فلو خالفت تكون المخالفة مستندة إلى الراوي لا الإمام.

و هذا بخلاف الأُصول غير المحرزة، فلو ثبت صدور مداليل هذه الأُصول من الإمام كما هو المفروض فلو وافقت فهو من الإمام، و إن خالفت فهو أيضاً منه، و لا يكفي ما ذكرنا من إنكار حكم ظاهري وراء الواقع.

نعم، الجواب عنه، ما مرّ في أوّل البحث من أنّ التضاد و التماثل من أعراض الأُمور الحقيقية التكوينية، و الأحكام من الأُمور الاعتبارية، فلا معنى للتحدث عنها في الأُمور الاعتبارية.

فقد خرجنا إلى هنا بهذه النتيجة و هي أنّه ليس في مورد الأمارات و الأُصول المحرزة أيّ حكم ظاهري وراء الحكم الواقعي، و أنّ الأمر بالعمل بها لأجل حيازة الواقع بأسهل طرقه و أيسر مناهجه. فلا موضوع للتضاد و التماثل، و في مورد الأُصول غير المحرزة، و إن كان هناك جعل من الشارع بالحلّية و البراءة فهو حكم في ظرف الشك لرفع الحيرة و بيان الوظيفة و لكن التضاد من أحكام الأُمور التكوينية لا الاعتبارية.

المورد الثاني: اجتماع الإرادة و الكراهة:

لا شكّ أنّ الأمر و النهي مسبوقان بمبادئهما من الإرادة و الكراهة، و الحب و البغض، فالبعث الجدّي يحكي عن الأُولى، و الزجر الحقيقي يحكي عن الثانية،

125

فعند ما خالفت الأمارة، يلزم اجتماع الإرادة و الكراهة و الحبّ و البغض، و إن وافقت يلزم اجتماع الإرادتين أو الحبّين، و ليست هذه الأُمور من الأُمور الاعتبارية حتّى يجوز اجتماعهما، بل من الأُمور الحقيقية.

و إن شئت قلت: إنّ الإرادة القطعية قد تعلّقت بالأحكام الواقعية، فلو تعلّقت أيضاً بالأحكام الظاهرية سواء أ وافقت الواقع أم خالفت، لزم ظهور الإرادتين المتماثلتين، أو المتضادّتين في النفس في آن واحد، و مثلهما الحبّ و البغض حرفاً بحرف.

فالجواب: أمّا في موارد الأمارات و الأُصول المحرزة التي قد عرفت أنّه ليس فيها حكم ظاهري مجعول حتّى تتعلّق بها الإرادة و الكراهة، و لو كانت هناك إرادة أو كراهة فإنّما هما متعلّقتان للحكم الواقعي، فهو ما عرفته عند رفع المحذور الأوّل من المحاذير الملاكية من أنّ إيجاب تحصيل العلم بالأحكام الواقعية من طريق السؤال عن المعصوم (عليه السلام) أو بالاحتياط كان مستلزماً للعسر و الحرج و رغبة الناس عن الدين، و صار ذلك سبباً للأمر بالعمل بالطرق و الأمارات و الأُصول العملية، فعند ما وافقت تكون الإرادة واحدة و ليست وراء الإرادة المتعلّقة بالواقع، إرادة أُخرى، و إن خالفت فلا مفرّ عن رفع اليد عن الإرادة أو الكراهة المتعلّقتين بالأحكام الواقعية، في حقّ الجاهل و الشاك الفاحص عنها بقدر الكفاية، و ليس ذلك لقصور مقتضيات الأحكام و ملاكاتها، بل من باب مزاحمة الأهم و المهمّ و هو ليس أمراً غريباً بين العقلاء.

و إن شئت قلت: إنّ الحكم الواقعي لعدم وصوله إلى المكلّف غير منجّز، و مثل هذا الحكم لا يحكم العقل بلزوم امتثاله، و لا باستحقاق العقاب على مخالفته، و إنّما يحكم بلزوم امتثال ما أدّت إليه الامارة أو الأصل المحرز منه، ففي مورد الموافقة تتعلّق الإرادة القطعية بالواقع لوصوله، و أمّا في مورد المخالفة فليست هنا إرادة جدّية قطعية به، لعدم تمكّن المكلّف من الامتثال و هذا هو معنى رفع‏

126

اليد عن الأحكام لأجل الضرورة، و المفروض عدم حكم ظاهري مجعول حتّى يطلب لنفسه الإرادة أو الكراهة، فلا موضوع للتضادّ و التماثل.

و أمّا الأُصول غير المحرزة فحال الحكم الواقعي فيها حال حكم الأُصول المحرزة، كما عرفت من عدم إرادة أو كراهة جديّة، بل الشارع يرفع اليد عن مطلوبه لأجل مسائل.

و أمّا الحكم الظاهري المجعول في أصل الإباحة و نظائره فليست هنا إلّا إرادة واحدة لا إرادتين و لا إرادة و كراهة.

هذا كلّه في الأمارات و الأُصول المحرزة، و سيوافيك أنّ الأُصول المحرزة تشبه الأمارات من جهة و إن لم تكن أمارة حيث إنّ مفادها هو العمل على مقتضى الأصل بناءً على أنّه الواقع كما هو الحال في الاستصحاب و قاعدة اليد، و أصالة الصحة في فعل النفس و في فعل الغير، ففي هذه الموارد ليس إلّا حكم واقعي تعلّقت به الإرادة أو الكراهة، غير أنّها إنّما تكون باعثة و زاجرة إذا لم يكن هناك عذر للمكلّف، و أمّا في موارد العذر كما إذا أخطأت الأمارة أو الأُصول المحرزة، فالإرادة الفعلية و الكراهة و إن كانت متعلّقتين بالمؤدّى لكنهما ليستا على وجه جدّي مثلما إذا لم يكن للمكلّف عذر.

و أمّا الأُصول غير المحرزة كما هو الحال في أصالة الحلّية فالإرادة متعلّقة بالحكم الظاهري لأنّ المفروض أنّ الحكم المجعول في حقّ الجاهل هو هذا، و أمّا الواقع فالحال فيه كما في الصورة السابقة فليست هناك إرادة جديّة كما لا يخفى.

127

الثاني: في وقوع التعبّد بالظن:

قد عرفت إمكان العمل بالظن، بقي الكلام في وقوعه فيقع الكلام في مقامين:

المقام الأوّل: ما هو مقتضى الأصل الأوّلي في العمل بالظن؟

هل الأصل عدم الجواز إلّا ما خرج بالدليل، أو الأصل الجواز إلّا ما قام دليل على عدم جواز العمل به كالقياس.

و ليس المراد من الأصل هو الأصل العمليّ لعدم كون المسألة فرعية بل مقتضى القواعد الاجتهادية.

فنقول: فقد قرّره المحقّق الخراساني بأنّ الشكّ في جواز التعبّد به يوجب القطع بعدم حجّيته، و عدم ترتب شي‏ء من الآثار عليه.

و ما ذكره في بادئ النظر أمر عجيب حيث يتولّد من الشك في التعبّد بالظن، القطع بعدمها، و كيف يكون الشك مبدأً للقطع.

و لكن تظهر صحته بتقديم أمر: و هو أنّ الحجّية قد تطلق و يراد منها الوسطيّة في الإثبات بأن يكون الحدّ الأوسط علّة لثبوت الأكبر للأصغر أو معلولًا كالحمّى فهو علّة للتعفّن و هو معلول له.

و أُخرى ما يحتجّ به المولى على العبد و يكون قاطعاً للعذر و هذا هو المراد في باب الأمارات، فإنّ الظن إذا كان حجّة في جانبه، يحتجّ به المولى على عبده.

128

ثمّ إنّ الأثر المترتب على الشي‏ء قد يترتب على وجوده الواقعي بما هو هو، كالحرمة المترتّبة على واقع الخمر.

و قد يترتب على واقع الشي‏ء و مشكوكه، كما في الطهارة المترتبة على واقع الأشياء و مشكوكها من حيث الطهارة و النجاسة.

و قد يترتب، على العلم بالشي‏ء فقط، و ينتفي عند عدمه قهراً.

و إن شئت قلت: يكون الشي‏ء بوجوده العلمي موضوعاً للأثر و يترتب عليه قهراً عدم ترتّبه إذا لم يكن كذلك.

إذا عرفت ذلك: فللحجّية آثاراً أربعة: التنجيز، و التعذير، و التجرّي، و الانقياد. و كلّها آثار لما علم كونه حجّة بالفعل و إلّا فلو كان حجّة في الواقع و لم يقف المكلف على كونه كذلك، لا يترتب عليه شي‏ء من هذه الآثار لحكومة العقل بقبح العقاب بلا بيان.

فعند ذلك فلو شككنا في حُجيّة شي‏ء فهو ملازم للقطع بعدم الحجّية العقليّة، لما عرفت من أنّ الحجّة العقليّة عبارة عمّا وقف المكلّف على كونه حجّة و مع عدم الوقوف عليها، يقطع بعدم ترتب أثر من الآثار الأربعة.

و هذا معنى عبارة المحقّق الخراساني من أنّه مع الشك في التعبّد يقطع بعدم حجّيته.

و بذلك يستغنى عن كثير ممّا أُفيد في المقام في تقرير الأصل الأولي.

ثمّ إنّ الشيخ قد سلك هذا المسلك أيضاً غير أنّه ذهب إلى أنّ أثر الحجّية أمران: 1 صحّة الاستناد إليها في مقام العمل.

129

2 صحّة إسناد مؤدّاها إلى الشارع حيث قال‏ (1): إنّ حقيقة العمل بالظن هو الاستناد إليه في مقام العمل و الالتزام بكون مؤدّاه حكم اللّه في حقّه. و هذان الأثران لا يترتّبان مع الشك في الحجّية، لأنّ الاستناد إلى مشكوك الحجّية في مقام العمل، و كذلك إسناد مؤدّاه إلى الشارع تشريع عمليّ و قولي، دلّت على حرمته الأدلّة الأربعة. فإذا حرم الاستناد و الإسناد و علم ارتفاعهما في حالة الشك، يعلم عدم الحجّية للظن إذ لا معنى لوجود الموضوع مع عدم أثره، و هذا معنى قوله: إنّ الشكّ في الحجّية يكفي في القطع بعدمها.

و أورد عليه المحقق الخراساني في كفايته بوجهين:

الأوّل: إنّ بين الحجّية و هذين الأثرين عموماً مطلقاً فإنّ الظن على القول بكون نتيجة الانسداد هو الحكومة حجّة عقلًا، مع أنّه لا يصح فيه الاستناد و الإسناد بخلاف ما إذا كانت النتيجة هو الكشف إذ يصح فيه الاستناد و الإسناد.

توضيحه: أنّه إذا قلنا بأنّ الاحتياط غير مرضيّ عند الشارع و أنّه أمر باطل للإجماع أو مناف للجزم، يستكشف العقل من أنّ الشارع جعل هنا على العبد حجّة، لأنّه إذا سدّ هذا الباب فلا محالة فتح باباً آخر، ثمّ هو بالسبر و التقسيم يستقل بأنّ تلك الحجّة هو الظن دون الشك والوهم، فيكون الظن حجّة شرعية يصحّ نسبة مؤدّاه إلى الشارع.

و هذا بخلاف ما إذا قلنا بأنّه غير مرضي لأجل كونه مستلزماً للحرج، فعندئذ لا يستكشف العقل حجّية الظن شرعاً لعدم سدّ طريق الاحتياط، غاية الأمر يحكم بتضييق دائرة الاحتياط، حتى لا يلزم الحرج و العسر، و هو حاصل بالعمل بالمظنون دون المشكوك و الموهوم. فالظن حجّة في هذه الحال مع أنّ مضمونه لا يصح إسناده إلى الشارع و لا يمكن الاستناد إليه.

____________

(1)- فرائد الأُصول: ص 33، طبعة رحمة اللّه.

130

و أضاف إليه تلميذه المحقق العراقي (قدس سره) مورداً آخر: و هو أنّ الشك في الشبهات البدوية قبل الفحص حجّة على الحكم بالاباحة و البراءة مع أنّه لا يصحّ الاستناد و الإسناد.

و الثاني: لو فرض صحّة الاسناد و الاستناد مع الشك في التعبّد به‏ (1) لما كان يجدي في الحجّية شيئاً ما لم تترتب عليه الآثار الأربعة، و مع ترتبها لما ضرّ عدم صحّة الاستناد و الاسناد.

هذا غاية توضيح لكلامه و لا يخفى عدم تماميتهما.

أمّا الأوّل: فلأنّ الحجّة في الصورة الأُولى هو العلم الاجمالي بالأحكام، و هو الذي صار سبباً للانتهاء في مقام الامتثال بالاكتفاء بالظن دون الوهم و الشك، فالعمل بالظن على الحكومة ليس لأجل كونه حجّة في هذه الحال، بل هو طريق عقلي لامتثال ما قامت عليه الحجّة، أعني: العلم الإجمالي، و أمّا الاسناد و الانتساب فيجوز على النحو الذي قامت عليه الحجّة، فبما أنّ الحجة قامت على التكاليف اجمالًا فيصح الاسناد كذلك بأن يقال: إنّ بين مجموع الأطراف مظنونها أو الأعم منها و من غيرها، واجبات و محرّمات أو في خصوص المظنونات تكاليف كذلك.

و إن شئت قلت: إنّ نتيجة الانسداد على الحكومة ليست حجّية الظن، بل نتيجتها هو التبعيض في الاحتياط بالأخذ بالمظنونات دون غيرها.

و أمّا ما أضافه تلميذه، فالحجّة في الشبهات البدوية ليست هي الشك، كما تصوّره بل العلم الاجمالي بوجود التكاليف في الكتب، و هو حجّة، و يصح الاستناد حسب ما قامت عليه الحجّة على ما عرفت في المورد الأوّل.

____________

(1)- و على فرض صحة هذا الإشكال تنقلب النسبة بين الحجية و صحتها إلى العموم من وجه و لكنّه مجرّد فرض لا واقع له.

131

و أمّا الثاني: فلأنّ ما ذكره من أنّه يمكن أن يصح في مورده الإسناد و الاستناد، و لا يكون حجّة فهو مجرد فرض. و لو صحّ الإسناد و الاستناد لكان حجّة بلا اشكال.

أدلّة حرمة العمل بالظن:

ثمّ إنّ الشيخ استدل على حرمة العمل بالظن بوجوه:

الأوّل: قوله سبحانه: (قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَ حَلالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ‏) (يونس/ 59). قائلًا: بأنّه دل على أنّ ما ليس بإذن من اللّه، في إسناد الحكم إلى اللّه فهو افتراء، فالآية خطاب لمشركي مكّة حيث قسّموا ما أحلّه اللّه إلى قسمين: حرام كالبحيرة و السائبة، و حلال كغيرهما. و لفظة» ما «في قوله: (ما أَنْزَلَ‏) موضع نصب مفعول للفعل المتقدم.

و أورد عليه سيدنا الأُستاذ: بأنّه دلّ على أنّ ما ليس بإذن واقعي من اللّه في مورد إسناد الحكم إلى اللّه فهو افتراء، و على ذلك لا يكون الظن المشكوك الحجّية شبهة مصداقية للافتراء، لاحتمال وجود إذن في الواقع غير واصل إلينا.

نعم، لو كان معنى الآية كلّ ما ليس بإذن واصل من اللّه بإسناد الحكم إلى اللّه افتراء، يكون للاستدلال وجه، لكنّه خلاف ظاهر الآية (1).

ثم قال: الأولى الاستدلال بقوله تعالى: (وَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَ اللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ‏) (الأعراف/ 28) و الملاك فيه هو التقوّل بما لا يعلم كونه من اللّه، سواء أ كان مخالفاً للواقع أم لا.

____________

(1)- تهذيب الأُصول: ج 2 ص 88.

132

و يمكن الذبّ عنه بأنّ الافتراء إن كان مساوياً للكذب فيكون المظنون لأجل عدم العلم بصدور إذن من الشارع واقعاً و عدمه، شبهة مصداقية للكذب، لكنّ الظاهر أنّ المراد منه في الآية و نظائرها هو التقوّل بغير علم كقوله سبحانه: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى‏ عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ‏) (الأنعام/ 144). ففرع على الافتراء قوله: (بِغَيْرِ عِلْمٍ‏) فيعلم منه أنّ التقوّل بغير علم افتراء ما لم يحرز الإذن، سواء كان هناك إذن أم لا.

نعم يرد على الشيخ أنّ مجموع ما ورد من الآيات في هذا المضمار إرشاد إلى حكم العقل الفطري القاضي بعدم جواز التكلّم بلا دليل و لا برهان، و ما ورد من الآيات ليست في مقام جعل التحريم للتقوّل بغير علم مولوياً و إنّما هي إرشاد إلى ذاك الحكم الفطري الوارد في غير واحد من الآيات مثل قوله تعالى:

(وَ قالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى‏ تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ‏) (البقرة/ 111) و قوله سبحانه: (لَوْ لا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ‏) (الكهف/ 15) و قوله عزّ اسمه: (إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ‏) (يونس/ 68) و بذلك يتّضح أنّ ما استدل به سيّدنا الأُستاذ دام ظله أيضاً راجع إلى ما ذكرنا من الإرشاد.

الثاني: الإجماع: و لكنّه معلوم السند فإنّ سنده حكم العقل و الآيات المتقدمة و لا يعدّ دليلًا مستقلّا.

الثالث: العقل: و هو متين جداً.

الرابع: السنّة: فقد وردت روايات متضافرة و جمعها الشيخ الحر العاملي في الباب الرابع من أبواب صفات القاضي نظير ما رواه بسند صحيح عن أبي جعفر (عليه السلام): من أفتى الناس بغير علم و لا هدى من اللّه لعنته ملائكة الرحمة و ملائكة العذاب و لحقه وزر من عمل بفتياه‏ (1).

____________

(1)- الوسائل: ج 18، ص 9، الباب 4 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1.

133

الخامس: إنّ التعبّد بالظن ربّما استلزم طرح الأصل الموجود في مورد كما إذا ظنّ بالوجوب و اقتضى الأصل حرمته. و لا يخفى ما فيه: فإنّ طرح الأصل ليس بما هو هو حراماً و إنّما يحرم إذا استلزم المخالفة الواقعية و مع عدمها لا يكون إلّا تجرّؤاً.

كل ذلك حول ما أفاده العلمان: المحقق الخراساني و الشيخ الأعظم.

الأُصول التي يتمسّك بها في المقام:

بقي الكلام في بعض الأُصول التي تمسك به البعض:

فنقول: منها: أنّ الأصل عدم الحجية، و أورد عليه الشيخ الأعظم: بأنّ حرمة العمل يكفي في موضوعها عدم العلم بورود التعبّد من غير حاجة إلى إحراز عدم ورود التعبّد به ليحتاج في ذلك إلى الاستصحاب.

و إن شئت قلت: لو كان الأثر مترتباً على عدم الحجّية الواقعية لكان الحاجة إلى إحرازها بالأصل محرزة، و أمّا لو كان الأثر مترتباً على نفس الشك فيها و إن لم يحرز الواقع، لكفت القاعدة من دون حاجة إلى الاستصحاب، و ذلك مثل الشك في الإتيان بالصلاة مع بقاء الوقت، فنفس الشك يكفي في قضاء العقل بالإتيان من دون حاجة إلى إحراز عدم الإتيان حتى نتمسّك بالأصل‏ (1).

ثم إنّه أشكل على كلام الشيخ بوجوه: 1 ما يترتب على حكم العقل هو عدم الحجّية الفعلية، و ما يحرز بالاستصحاب هو عدم إنشاء الحجّية و عدم جعلها، فما هو حاصل بالوجدان غير ما هو حاصل بالتعبّد (2).

____________

(1)- و قد ناقش المحقق الخراساني كلام الشيخ في تعليقته بوجهين: و ردّه المحقق النائيني في تقريراته، ج 3 ص 127.

(2)- مصباح الأُصول: ج 2 ص 117.

134

يلاحظ عليه: أنّه لا يترتب على إحراز عدم إنشاء الحجّية شي‏ء وراء عدم صحّة الاستناد و الإسناد و هما حاصلان بنفس الشك في الحجّية، فلا وجه لإتعاب النفس إلى إحراز عدم إنشاء الحجّية، و أمّا عدم التنجيز و التعذير فهما أيضاً حاصلان بنفس الشك.

2 ما ذكره سيّدنا الأُستاذ دام ظله: إنّ هنا عنوانين: الأوّل: التقوّل على اللّه بغير علم و يكفي فيه صرف الشك و عدم العلم. الثاني: التشريع و هو إدخال ما ليس من الدين في الدين، و إحراز ذاك الموضوع يتوقف على إحراز أنّه ليس من الدين و لا يحرز إلّا بالاستصحاب‏ (1).

يلاحظ عليه: أنّ الهدف لو كان إثبات أُمور وراء الحرمة ككونه تشريعاً و بدعة، لكان للتمسّك بالاستصحاب وجه، و أمّا إذا كان الهدف هو إثبات الحرمة كما هو اللائح من الشيخ فلا وجه للاستصحاب لحصولها بنفس الشك.

أضف إلى ذلك: أنّه لو كان الملاك في التشريع ما ذكره لكانت للحاجة إلى الأصل وجه. و أمّا لو كان ملاكه هو إدخال ما لم يعلم أنّه من الدين فيه لكفى صرف الشك في كونه من الدين و لا يحتاج إلى إحراز أنّه ليس من الدين.

3 ما ذكره هو دام ظلّه أيضاً: أنّ الاستصحاب حاكم على القاعدة المضروبة للشك، لأنّ القاعدة لا تثبت أزيد من كونه تقوّلًا بلا علم، و الاستصحاب و إحراز عدم إنشاء الحجّية يثبت كونه تقوّلًا مع العلم بالعدم فينطبق عليه أنّه فرية و كذب‏ (2).

يلاحظ عليه أيضاً: ما عرفت في تحليل الوجه الأوّل من أنّ الشيخ الأعظم إنّما اكتفى بالقاعدة لكون الغاية إثبات الحرمة، لا إثبات أُمور أُخرى من كونه فرية و كذباً أو بدعة و تشريعاً فلا حاجة للتمسك بالأصل.

____________

(1)- تهذيب الأُصول: ج 2 ص 85 الطبعة الحديثة.

(2)- تهذيب الأُصول: ج 2 ص 85 الطبعة الحديثة.

135

منها: أنّ الأمر دائر في المقام بين تحصيل مطلق الاعتقاد بالأحكام المعلومة بالإجمال و بين تحصيل خصوص الاعتقاد القطعي، فيكون المقام دائراً بين الأقل و الأكثر و المعروف فيه البراءة، فيكون الأصل هو الاكتفاء بالظن.

يلاحظ عليه: أنّ الشك ليس في متعلّق التكليف حتى يكون من قبيل دوران الأمر بين الأقل و الأكثر بل الشك في كيفية امتثال التكليف القطعي، و أنّه هل يكفي الخروج الظني بالبراءة أو يجب الخروج القطعي؟ و لا شك أنّ العقل يحكم بتحصيل البراءة القطعية. و المقام من قبيل الشك في السقوط و نظيره الشك في المحصِّل.

و ما ذكرناه أوضح ممّا ذكره الشيخ في المقام، فلاحظ.

ثمّ إنّ الشيخ ذكر أُصولًا أُخرى لا وجه لذكرها لوضوح ضعفها.

ما هو حقيقة التشريع و البدعة:

و هل التشريع هو التقوّل بغير علم و أنّه ليس له حقيقة سوى إسناد الشي‏ء إلى الشارع، مع عدم العلم بتشريعه سواء علم المكلّف بالعدم أو ظنّ أو شكّ، و سواء كان في الواقع ممّا شرّعه اللّه أو لم يكن كما يظهر من المحقّق النائيني‏ (1) أو أنّه عبارة عن إسناد شي‏ء إليه مع عدم كونه من الدين في الواقع، أو أنّه عبارة عن الالتزام القلبي بحكم، يعلم أنّه ليس من الدين أو يشكّ فيه.

و على الوجه الأوّل: ليس للتشريع واقع يمكن أن يصيبه المكلّف و يمكن أن لا يصيبه بل واقع التشريع قائم بنفس الإسناد فهو أشبه شي‏ء بالإنشاء الذي يدور أمره بين الوجود و العدم، لا بين كونه صادقاً أو كاذباً، حتى و لو كان الشارع شرّعه يكون أيضاً تشريعاً.

____________

(1)- الفوائد: ج 3 ص 44.

136

و على الوجه الثاني: يكون للتشريع واقع وراء الاسناد، فلو نسبه مع الشك يتوقّف الحكم بالتشريع، على انكشاف الواقع، فلو كان شرعه الشارع لا يتجاوز الأمر عن كونه تجرّياً.

و على الثالث يكون التشريع أمراً قلبياً لا عملًا جارحياً بل عملًا جانحياً.

و الوجه الأخير، لا طائل تحته لما عرفت سابقاً من أنّه لا سلطان لنا على الأفعال القلبية إلّا إذا تمّت مبادئها فلو فقدت لا يحصل العمل القلبي و إن أصرّ الانسان عليه. و على هذا فالالتزام الحقيقي مع العلم بالعدم أو عدم العلم به، ممتنع الحصول و إن كان التظاهر به أمراً ممكناً لكنّه ليس إلّا تظاهراً لا التزاماً.

و أمّا الثاني: فإن كان المراد من الإسناد هو الالتزام القلبي، فيرد عليه ما أوردناه على الثالث، و إن كان المراد هو الانشاء اللفظي فيكون التشريع من أقسام الكذب، إذا كان المنسوب ممّا لم يشرعه الشارع، و إلّا يكون تجرياً مع أنّ الظاهر أنّ التشريع غيره عنواناً و حكماً، فلا مناص عن تفسيره بوجه يغاير كونه كذباً.

فبقي أن يكون المراد هو الوجه الأوّل الذي هو الإسناد بلا علم بكونه من الدين. لكن لا بما هو هو بل إذا انضمّ إليه دعوة الناس إليه بقول و لفظ أو عمل و فعل. فيكون مساوقاً للافتراء الذي قلنا هو التقوّل بغير علم، لكن الفرق بينه و بين التشريع هو أنّ صرف الإسناد ليس تشريعاً بل التشريع عبارة عن دعوة الناس إلى الشريعة المحرّمة بأحد الأسباب المعروفة من اللفظ و الكتابة و الفعل، أو غير ذلك من أجهزة الإعلام و التعليم.

هذا و لكن العنوان الوارد في الاخبار، هو المبدع لا التشريع و له أحكام في جواز غيبته و البراءة عنه، بل سبّه لئلّا ينخدع المسلمون بأفعالهم و أقوالهم.

و قد روى الشيخ الحر (قدس سره) روايات في حقّ المبدع و أهل البدعة (1).

____________

(1)- الوسائل: ج 11، الباب 39 من أبواب الأمر بالمعروف، 508.

137

ثمّ إذا كانت حقيقته قائمة بالالتزام القلبي أو بالإسناد اللفظي، فلا وجه لسراية قبحه إلى العمل الخارجي، فإذا كان العمل أمراً حسناً واقعاً، فلا يصير قبيحاً و لا يعتريه قبح التشريع، لأنّ المفروض أنّ مصبّه هو القلب أو اللسان.

نعم لو كانت حقيقته على ما صوّرناه من دعوة الناس إلى الشريعة المحرّمة و كان الفعل أحد عوامل الدعوة لسرى قبحه إليه لاتحادهما خارجاً فتسري المبغوضية إليه، كما أوضحناه في مبحث» اجتماع الأمر و النهي «.

*** المقام الثاني: في ما خرج عن الأصل:

قد عرفت أنّ الأصل هو عدم الحجّية في الظنون، فهذا مُحكَّم ما لم يدلّ دليل على الخلاف، فقد خرج عن ذلك الأصل موارد نبحث عنها:

الأوّل: الظواهر

إنّ استنباط الحكم الشرعي من الكلام أو إسناد شي‏ء إلى المتكلّم يتوقّف على ثبوت أُمور:

1 ثبوت صدوره من المتكلّم، و هو إمّا بالتواتر أو الاستفاضة المفيدة للعلم أو بخبر الواحد إذا ثبتت حجّيته.

2 ثبوت جهة صدوره و أنّه لم يصدر لاغياً أو تقيّة، و يدفع احتمال اللغوية بكونها خلاف مقتضى الحكمة، و المفروض أنّ المتكلم حكيم لا يرتكب خلافها.

كما أنّه يدفع احتمال التقيّة، بأنّ الأصل هو كون المتكلّم في مقام بيان صميم المراد و هو الداعي للمتكلّم لا غيره.

138

3 ثبوت ظهور لمفرداته و مركّبه، و المتكفّل لبيان هذا هو علائم الوضع من التبادر، و صحة الحمل، و السلب، و الاطراد على القول به و قول اللغوي على القول بحجّيته.

4 حجيّة ظهور كلامه و كونه متّبعاً في كشف مراده، و هو الذي انعقد له هذا البحث، و كان الأولى البحث في هذه الأُمور على الوضع الذي فهرسناه لكن الشيخ و من بعده لم يسلكوا على هذا النمط و لعل ظهور هذه المقدمات أغناهم عن طرحها على بساط البحث، و نحن نقتفي أثرهم.

فنقول: أمّا حجّية الظواهر: فلا شكّ في حجيّتها و كونها السبب الغالب لاستكشاف المراد، و لأجلها يؤخذ باقرار الانسان و اعترافاته في المحاكم، و ينفذ وصاياه، و تؤخذ رسائله و كتاباته، إلى الإخوان و الأصدقاء سنداً إلى غير ذلك من الأُمور.

لكن الكلام في أنّ الظواهر ظنون خرجت عن الأصل بالدليل أو أنّها مفيدة للقطع بين العقلاء في محاوراتهم أي القطع بالمراد الاستعمالي، سكوناً لا يخالجه الشك، فالظاهر هو الثاني، و إليك بيانه.

الظواهر قطعية الدلالة:

إنّ الكلام في الظواهر أي فيما انعقد للكلام ظهور حسب التفاهم العرفي، فخرج ما كان مجملًا في معناه أو متشابهاً في مؤدّاه، فإنّ المجمل ما ليس له ظاهر، بل مردّد بين معان مختلفة كالمشترك اللفظي، أو مفهوم غير مبيّن و لا يعرف تفصيله إلّا بالدليل، كالصلاة و الزكاة، و أمّا المتشابه و هو ما تشابه فيه المراد بغير المراد، و الحقّ بالباطل، و مثل هذا لا يعدّ ظاهراً، فالكلام في غيرهما.

و أمّا كونه قطعيّ الدلالة فتشهد عليه محاوراتنا في مجال التعليم و التعلّم، فإنّ ما يلقيه الأُستاذ من الدروس لا يُتلقّى أمراً ظنّياً بل أمراً قطعياً، و ما يدور بين‏

139

البائع و المشتري لا يوصف بكونه ظنّياً، و ما يتفوّه به الطبيب، يتلقّاه المريض مفهوماً واضحاً لا تردّد فيه، و ما يتلقّاه السائل من الجواب عن الخبير يطمئن به و يسكن إليه بلا تردّد، فإذا كان هذا حال محاوراتنا في حياتنا، فليكن كذلك حال المحاورات الدائرة بين الإمام و السائل و النبي الأكرم و الصحابة الحضور، فلما ذا نصفها بأنّها ظنّية الدلالة و محاوراتنا قطعيتها.

فإن قلت: فإذا كان الأمر كذلك فلما ذا عدّ العلماء الظواهر من الظنون؟ فلم نزل نسمع من الأُصوليين حديثهم و قديمهم أنّ الظواهر ظنون دل الدليل على حجيّتها.

قلت: الذي دفع الأعاظم إلى هذه الفكرة أمران:

1 احتمال كون المتكلّم هازلًا في كلامه، أو مورّياً في مقاله، أو جائياً به على وجه التقية، أو ملقياً للعموم و المطلقات و مريداً منها الخاص و المقيّد، فصار هذا سبباً لتوصيف دلالة الظواهر على المقاصد، ظنية، و ليس لأحد منّا أن ينكر وجود تلك الاحتمالات، فما دامت هي موجودة توصف الظواهر بكونها مفيدة للظن بالمراد لا القطع به.

يلاحظ عليه أوّلًا: أنّ محل النزاع في كون الظواهر ظنّية أو قطعية إنّما هو المداليل الاستعمالية دون المداليل الجدّية، و دلالة اللفظ على معناه، و الهيئة التركيبية على مضمونها، قطعية لا ظنّية، و أمّا كون هذه المداليل، مرادة جدّية فليس هو على عاتق الكلام، و إنّما هو على عاتق الأُصول العقلائية، أعني: كون المتكلّم قاصداً لا هازلًا، مريداً لما يدلّ عليه اللفظ بظاهره لا مورّياً، ملقياً للكلام بما أنّ مدلوله مقصود له عن صميم الذات لا على وجه التقية، و نحوه العام و المطلق، فالأصل فيها تطابق الإرادة الاستعمالية مع الإرادة الجدّية، فلو أراد العام أو المطلق استعمالًا، فالأصل أنّه كذلك حسب الإرادة الجدّية، فما هو على عاتق الكلام، إنّما هو إحضار المراد الاستعمالي في ذهن المخاطب و هو يحضره على وجه القطع‏

140

و البتّ، بلا تردّد و شكّ، و أمّا كونه مراداً جدّاً فليس هو مسئولًا عنه حتى تتّصف دلالتها لأجل ذلك بالظنّية، فالقوم يطلبون من الظواهر ما ليس وظيفتها و شأنها.

و ثانياً: أنّ الاحتمالات الثلاثة الأُول، غير منقدحة في ذهن العرف، و لا يختلج في ذهن واحد منهم، أنّ المتكلّم، تكلّم هازلًا، أو مورّياً، أو تقيّة (إذا لم يكن هناك قرينة) حتى يصحّح بذلك كون المقاصد الجدّية ظنّية.

نعم الاحتمالان الأخيران ينقدحان في محيط التقنين و التشريع، فلا بأس بتوصيف المداليل الجدّية بالظنّية في هذا المجال، و لكنّه غير كون الظواهر ظنّية مطلقاً بالنسبة إلى المداليل الاستعمالية، و المقاصد الجدّية.

2 إنّا نحتمل أنّ المتكلم أراد المعنى المجازي بلا نصب قرينة، أو نصب قرينة و لم يلتفت إليها المخاطب الناقل لكلام غيره، أو كانت القرائن حالية خارجة عن حريم الألفاظ، و لم تبلغ إلى السامع الناقل أو كانت القرينة لفظية و سقطت و لم تنقل إلى المخاطب الثاني و الثالث، فلأجل احتمال طروء هذه الأُمور تتّصف الظواهر بأنّها ظنّية الدلالة.

يلاحظ عليه بوجهين:

أ أنّ هذه الاحتمالات مشتركة بين النصوص و الظواهر فلا وجه لتخصيصها بالظواهر.

ب أنّ هذه الاحتمالات لا تنقدح في ذهن المخاطب في المحاورات العرفية، و لا في الكتب المؤلّفة و لا في الرسائل الدارجة بين الإخوان حتى تدفع بأصالة الحقيقة عند احتمال إرادة المجاز، أو بأصالة عدم القرينة الحالية، أو المقالية، أو عدم سقوطهما على فرض وجودهما حتّى يضرّ بالقطع، و إنّما هي أُصول اخترعها الأُصوليون لدفع احتمالات لا توجد إلّا في ذهن النقّادين من العلماء و ليس عند العرف منها عين و لا أثر.

141

نعم لو كان الأثر منقولًا معنعناً، فلربّما يصح لنا احتمال سقط قرينة في الحديث لغفلة المخاطب في مقام التحمّل ففي مثل ذلك يصح لنا توصيف المداليل الجدية (لا الاستعمالية) بالظنّية، و أين هو من توصيف الظواهر بأنّها ظنّية الدلالة مطلقاً، بلا تعيين و تحديد.

و بالجملة: أنّ الأساتذة زعموا أنّ هذه الأُمور تنقدح في ذهن المخاطب، فيحاول علاجها بالتمسّك بهذه الأُصول، و لأجل ذلك صوّروا الظواهر ظنوناً معتبرة و لكن الحقّ أنّها غير منقدحة في ذهن العاديين من المخاطبين حتّى يحتاجوا إلى العلاج بهذه الأُصول.

و أظنّ أنّ أصالة الحقيقة، أو أصالة عدم القرينة أو أصالة الظهور على فرض تصوّر معنى للثالث راجعة إلى بعض المقامات و بعض الكلمات التي تتطرّق إليها هذه الاحتمالات، و إلّا فالمحاورات العرفية، رفيعة عن هذه الاحتمالات حتى تدفع بتلك الأُصول.

و لو فرضنا كون الظواهر ظنّية، فالقول بها في ظواهر القرآن مشكل و سيوافيك بيانه في فصل خاصّ.

ثمّ إنّه لو فرضنا أنّه يجب الاعتماد في حجّية الظواهر على أصالة الحقيقة أو عدم القرينة، فليعتمد في كلّ مورد بأصل خاص من الأُصول العقلائية في دفع الشكوك عن حريم الظواهر.

فلو شككنا في أنّ المتكلّم في مقام التفهيم أو لا، كالممارسة و التمرين، فالأصل كونه في ذاك المقام، أعني: التفهيم دون الآخر.

و إن كان الشك في استعماله فيما وضع له أو في غيره، من غير مصحّح، فالأصل العقلائي على خلافه.

و إن كان الشك في استعماله في غيره مع المصحّح، فالمتّبع هو أصالة الحقيقة.

142

و إن كان الشك في إخراج بعض الأفراد فالأصل هو الإطلاق و العموم و تطابق الإرادتين.

و إذا كان الكلام منقولًا من متكلّم إلى مخاطب آخر، فشك في حذف القرينة عن عمد فهو مدفوع بوثاقة الناقل، أو شك في سقوطها من الكلام عن غفلة من الناقل أو المنقول إليه، فالأصل هو عدم الغفلة.

غير أنّي أظن أنّ أكثر هذه الأُصول ممّا لا يحتاج إليها إلّا أصل واحد، و هو أصالة الإطلاق و العموم و هو مخصوص بمحيط التقنين، لا المفاهمة العرفية التي بنيت على ذكر تمام الخصوصيات و المقيّدات و المخصّصات في مورد واحد.

و على تقديره لا إشكال في حجّية الظواهر، إنّما الكلام في بعض الصور:

1 هل الظواهر حجّة مطلقاً، أو حجيتها مشروطة بالظنّ بالوفاق، أو بعدم الظنّ بالخلاف؟

2 هل الظواهر حجّة بالنسبة إلى من قصد إفهامه و من لم يقصد، أو مختص بالأوّل؟ اختار الثاني المحقق القمي.

3 هل ظواهر الكتاب حجّة أو لا؟ و المخالف الأخباريون فنعوذ باللّه من تسويل النفس.

و هذه البحوث ساقطة على ما قرّرناه من كون دلالة الظواهر قطعية و إن كان لها وجه بالنسبة إلى مختار القوم.

و إليك البحث فيها:

1 في حجّية الظواهر مطلقاً:

الحق حجّية الظواهر مطلقاً فيما إذا كان تكليفاً من المولى بالنسبة إلى العبد، و من الرئيس إلى المرءوس، فالظاهر هو المتّبع حتّى يقوم دليل على الخلاف، و لا يقبل منه العذر بالظنّ بالخلاف أو عدم الظنّ بالوفاق.

143

و إن شئت قلت: إنّ المتوخّى من هذه الخطابات هو الخروج عن الوظيفة لا تحصيل الواقع، فيعمل به حتّى يدلّ دليل على الخلاف، نعم إذا كان للمورد أهمّية خاصة فربّما يتوقّفون عن العمل حتى يحصل اليقين بالمراد.

2 لا فرق في الحجيّة بين من قصد و غيره:

لا فرق عند العقلاء في حجّية الظواهر بين من قصد إفهامه و بين من لم يقصد، فالرسائل المتبادلة بين الأصدقاء، حجّة حتّى على من لم يقصد إفهامه بل حجّة على من يُحترز عن اطّلاعه كالخصم المحارب.

هذا و في الأنظمة الحكومية رقابة خاصة على الرسائل المتبادلة بين أفراد الشعب فيتجسّسون المكاتيب و الرسائل و يقفون على مقاصد الكاتب، و ربّما يعتقل الكاتب لأجل رسالته و كتابه إلى صديقه إذا كان فيه مؤامرة على النظام أو ما يضرّ به أو يشوّه سمعته.

و لو لا أنّ الظواهر حجّة حتّى بالنسبة إلى من لم يقصد إفهامه، لما كان لذلك وجه.

و مثله الوصايا و الأقارير المكتوبة لشخص خاص، فلو مات الوصي قبل العمل بالوصايا لا تبطل الوصية بل يعمل بها.

نعم فصّل المحقّق القمي بين من قصد إفهامه بالكلام، فالظواهر حجّة بالنسبة إليه من باب الظنّ الخاص، سواء أ كان مخاطباً كما في الخطابات الشفاهية أم لا كما في الناظر في الكتب المصنّفة لرجوع كل من ينظر إليها، و بين من لم يقصد إفهامه بالخطاب كأمثالنا بالنسبة إلى أخبار الأئمة الصادرة عنهم في مقام الجواب عن سؤال السائلين، و بالنسبة إلى الكتاب العزيز بناءً على عدم كون خطاباته موجّهة إلينا و عدم كونه من باب التأليف للمصنفين، فالظهور اللفظي ليس حجّة حينئذ لنا إلّا من باب الظنّ المطلق الثابت حجّيته عند انسداد باب‏

144

العلم‏ (1).

و فسّره الشيخ الأعظم بالفرق بين الخطابين (الخطابات العامّة و الخطابات الموجّهة لشخص خاص) فإنّ الوقوع في خلاف المقصود في الثاني مستند إلى أحد أمرين إمّا غفلة المتكلّم عن إلقاء الكلام على وجه يفي بالمراد أو غفلة المخاطب من الالتفات إلى ما اكتنف به الكلام، و كلاهما منتفيان، و أمّا إذا لم يكن الشخص مقصوداً بالخطاب كان لوقوعه في الخلاف منشأ ثالث و هو أنّ المخاطب قد فهم المراد بقرينة قد اختفت عليه و ليس يجب على المتكلّم إلّا نصب القرينة لمن يقصد إفهامه، و لو سلّمنا حصول الظنّ و انتفاء القرائن المتّصلة، لكن القرائن الحالية و ما اعتمد عليه المتكلّم من الأُمور العقليّة أو النقلية الكلّية أو الجزئية المعلومة عند المخاطب الصارفة لظاهر الكلام، ليست ممّا يحصل الظن بانتفائها بعد البحث و الفحص، و لو فرض حصول الظنّ في الخارج بإرادة الظاهر لم يكن ذلك ظنّاً مستنداً إلى الكلام‏ (2).

أضف إلى ذلك (و إن شئت فاجعله توجيهاً ثانياً): أنّ الأخبار الصادرة عن الأئمة لم تصل إلينا إلّا مقطّعة بحيث كانت الأُصول الأوّلية التي اعتمد عليها أرباب الكتب الأربعة، على غير هذا النحو من التبويب و التقطيع، فمن المحتمل وجود قرينة قد اختفت بواسطة بث رواية واحدة على أبواب متشتتة حسب الأسئلة المختلفة.

و كلا الوجهين ضعيفان.

أمّا الأوّل: فلأنّ القرائن المختفية لا تخلو من أن تكون قرائن منفصلة أو متصلة، و الثانية إمّا مقالية أو حالية و احتمال الاعتماد على أيّ منها غير مضرّ بحجّية الظواهر.

____________

(1)- المحقق القمي: القوانين.

(2)- الشيخ الأنصاري: الفرائد: ص 41، طبعة رحمة اللّه.

145

أمّا الاولى: فلأنّ احتمال الاعتماد يوجب الفحص عنها في الأحكام العقليّة و الشرعية، و لا يوجب التوقف، و ليست تلك القرائن في انحصار من قصد بالخطاب بل هو و غيره بالنسبة إليها سواسية.

و أمّا الثانية: فلأنّ الناقل إذا كان عارفاً بأُسلوب الكلام و ثقة و أميناً في النقل فلا يخلّ بذكرها لأنّ لحذف القرائن اللفظية المتّصلة سببين: كونه غير عارف بكيفية نقل الكلام، أو كونه غير ديّن و ثقة، و الكل مدفوع.

و أمّا الثالثة: أي اعتماد المتكلّم على قرائن حالية غير قابلة للنقل، فإنّ نفس القرائن و إن كانت غير قابلة للنقل، لكنّها إذا كانت مؤثرة في دلالة الكلام يجب للمتكلّم التنبيه عليها إذا لم يكن المخاطب متوجّها إليها و يجب للناقل الاشارة إليها.

و بذلك يظهر الجواب عن الوجه الثاني فإنّ الغاية من التقطيع هو إرجاع الأجوبة إلى أبوابها المناسبة حتى يسهل العثور عليها حيث كانت الأسئلة المختلفة مع أجوبتها موجودة في الأُصول في مكان واحد فعمد أرباب الكتب الأربعة إلى تقطيع الروايات و إرجاع كلّ سؤال و جواب إلى الباب المناسب. و لو كان التقطيع مضرّاً بالظهور لما ارتكبه العلماء العارفون بالأسئلة و الأجوبة و القرائن الحافّة.

و ربّما يجاب بأنّ الأجوبة الصادرة عن الأئمّة ليس إلّا كالكتب المؤلّفة التي قال القمي بحجّيتها بالنسبة إلى الكلّ، و ذلك لأنّ الأحكام لمّا كانت مشتركة بين الأُمّة يجري الخطاب الخاص مجرى الخطاب العام في أنّ الغرض نفس الكلام من غير دخل افهام مخاطب خاص‏ (1).

يلاحظ عليه: أنّ كون الحكم مشتركاً و النتيجة عامة غير كون الخطاب عاماً، و كون الحكم متوجّهاً إلى الكلّ غير كون الخطاب متوجّهاً إليهم. و لا شكّ أنّها

____________

(1)- تهذيب الأُصول: ج 2 ص 95.

146

خطابات شخصية يأتي فيها ما احتمله المحقّق القمي من الاعتماد على القرائن المنفصلة و المتصلة غير المنقولة، أو الحالية غير القابلة للنقل.

و الجواب: ما ذكرناه. نعم لصاحب المصباح هنا بيان آخر أوضح به كون الكل مقصودين بالخطاب، فلو كان الراوي الأوّل مقصوداً بالخطاب للإمام، و الراوي الثاني مقصوداً بالخطاب للراوي الأوّل. و هكذا إلى أن يصل إلى أصحاب الجوامع، فالمقصود بالافهام هو كلّ من نظر فيها فلا يترتب على ذلك التفصيل ثمرة عملية (1).

في حجّية ظواهر الكتاب:

قد نقل عن بعض أصحابنا الأخباريين عدم حجّية ظواهر الكتاب العزيز، و هذه الدعوى ممّا تقشعر منها الجلود، و ترتعد منها الفرائص، و يتعجّب منها الإنسان المهتمّ بالثقلين، إذ كيف يصفون حجّة اللّه الكبرى و الثقل الأعظم، بعدم الحجّية تارة، و كونه لغزاً غير مفهوم أُخرى إلى غير ذلك من الكلمات التي يعزّ على المسلم الغيور سماعها، و لأجل قلع الشبهة نقدم أُموراً:

الأوّل: ليس المراد من حُجّيّة ظواهر القرآن، هو استكشاف مراده سبحانه من صميم القرآن من دون مراجعة إلى ما يحكم به العقل في مورده، و من دون مراجعة إلى الآيات الأُخرى التي تصلح لأن تكون قرينة على المراد أو من دون المراجعة إلى الأحاديث النبوية و روايات العترة الطاهرة، في مجملاته و عموماته و مطلقاته فالاستبداد في فهم القرآن بنفسه و الغمض عمّا ورد حوله من سائر الحجج ضلال لا شك فيه.

كيف لا يكون كذلك مع أنّه قال سبحانه: (وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ‏

____________

(1)- مصباح الأُصول: ج 2 ص 122.

147

لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ‏) (النحل/ 44) فجعل النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) مبيّناً للقرآن، و أمر الناس بالتفكّر فللرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) سهم في إفهام القرآن كما أنّ لتفكر الناس سهماً آخر، فبهذين الجناحين يُحلّق الانسان في سماء معارفه، و يستفيد من حكمه و قوانينه.

الثاني: إنّ الاستفادة من القرآن ربّما لا تتوقف على إجراء أصالة الحقيقة أو أصالة عدم القرينة، فإنّ لدلالته سعة لا توجد نظيرتها في الكتب الأُخرى سماوية كانت أو أرضية و لا يعرف تلك السعة من الدلالة إلّا الغوّاص في بحار مفاهيمه و معارفه، و لنذكر مثالين:

1 إنّ الأُصوليين تحمّلوا عبئاً ثقيلًا لإثبات كون الأمر موضوعاً للوجوب و مجازاً في الندب، فإذا ورد الأمر في الكتاب احتاجوا في استفادة الوجوب منه إلى نفي المدلول المجازي، بإجراء الأصلين المذكورين.

و لكن هذا النمط جار في المحاورات العرفية و القرآن في غنى عنها في غالب الموارد أو أجمعها، فإنّ لاستفادة الوجوب أو الندب في الأوامر الواردة في القرآن طريقاً آخر، و هو الايعاد بالعذاب أو النار كما نجد في كثير من الواجبات مثل الصلاة و الزكاة و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر قال سبحانه: (ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ* قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ‏) (المدثر/ 4342) و قال سبحانه: (وَ سَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى* الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى‏) (الليل/ 17 18) بل كل ما أوعد على فعله أو تركه يستفاد منه الوجوب أو الحرمة.

2 اختلف الفقهاء في وجوب الكتابة في التداين بدين و الاستشهاد بشاهدين الواردين في قوله سبحانه: (وَ لْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ‏) (وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ‏) (البقرة/ 282). فمن قائل بالوجوب أخذاً بأصالة الحقيقة، و قائل باستحبابه مستدلًا بالاجماع، و معتذراً عن الأصل المذكور بكثرة استعمال صيغة الأمر في الندب، مع أنّ الرجوع إلى نفس الآية و ما ورد حولها

148

من الحكمة يعطي بوضوح أنّ الأمرين لا للوجوب و لا للندب، بل الأمران إرشاديّان لئلّا يقع الاختلاف بين المتداينين فيسدّ باب النزاع و الجدال. قال سبحانه: (ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَ أَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَ أَدْنى‏ أَلَّا تَرْتابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ‏) (البقرة/ 282).

و الأليف بالقرآن بالقراءة المقترنة بالتدبّر و الحفظ المقارن بالإمعان، يقف على آفاق سعة الدلالة فيه على مقاصده و لا يرى نفسه محتاجاً إلى اجراء هذه الأُصول التي تستفاد في المحاورات العرفية و هو من خصائص ذلك الكتاب و لأجله يقول سبحانه: (وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ وَ هُدىً وَ رَحْمَةً وَ بُشْرى‏ لِلْمُسْلِمِينَ‏) (النحل/ 89) فإذا كان تبياناً لكل شي‏ء فهو تبيان لنفسه أيضاً.

و يعرف سعة دلالة القرآن بأُمور نذكر منها أمرين:

أ: أن يجمع الآيات الواردة حول موضوع في محل واحد و يستشهد بآية على أختها، و يرفع إبهام واحدة بالأُخرى.

ب: الرجوع إلى الروايات التي استشهد بها الأئمّة (عليهم السلام) على مقاصدها لا استشهاداً تعبّدياً، بل تعليمياً بحيث يقنع كل من نظر إلى الآية مجرداً عن الغرض و إن لم يكن معتقداً بإمامتهم‏ (1).

الثالث: إنّ ظواهر الكتاب لا تختلف عن سائر الظواهر و قد أثبتنا أنّ دلالة غيرها قطعية، و أنّ ما يتطرق به من الشك في المراد مشترك بين الظاهر و النص، و أنّ المراد قطعية دلالة الظواهر على المراد الاستعمالي دون الجدّي، و كون المقصود

____________

(1)- و قد اشتدّ من شيخنا الأُستاذ الحثّ على حضّار بحثه في الدورة السابقة على قيامهم بجمع هذه الروايات التي يعلم من الوقوف بها كيفية الاستفادة من الآيات و البرهنة بها على الأحكام، فقاموا بذلك فاجتمعت بذلك مذكّرات كثيرة فسلّمها إلى أحد الفضلاء، و هو قد رتبها و صارت كتاباً مستقلًا أسماه ب» الكتاب عند النبي و الآل «. و هو بعد غير مطبوع.

149

الجدّي من حيث السعة و الضيق مظنوناً لا يضرّ بقطعية دلالتها.

ثمّ إنّه لو لم نقل بها في الظواهر المطلقة فالقول به متعيّن في الكتاب العزيز و ذلك بالبيان التالي: لا شك أنّ القرآن هو المعجزة الكبرى للنبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و قد تحدّى به النبي (صلى الله عليه و آله و سلم). و لكن التحدّي و الغلبة على جميع الناس يتوقّف على فهم المتحدّى عليهم مفاهيم الكتاب و دركه أوّلًا ثمّ مقايسته بالكتب الأُخرى ثانياً، ثمّ القضاء بأنّه فوق كلام البشر ثالثاً، فكلّ ذلك يتوقف على العلم بمدلول الآيات لا على الظنّ به و إن كان حجّة، لأنّ حجّيته لا يخرجه عن حدّ الظن.

و بالجملة: الوقوف على إعجاز القرآن و الإذعان بكونه فوق كلام البشر يتوقف على الوقوف على ألفاظ القرآن و معانيها وقوفاً قطعياً حتّى يحصل الإذعان بكونه معجزاً و لو كان الوقوف على مفاده ظنّياً لا يمكن الإذعان القطعي بكونه معجزاً.

فما يلهج به الأخباري من أنّ الوقوف على مفاد القرآن يتوقف على تصديق الرسول و تفسيره و بيانه و لولاه لما كان القرآن أمراً مفهوماً غير تامّ، لاستلزامه الدور، فإنّ حجيّة تفسيره يتوقف على ثبوت رسالته، و هو يتوقف على ثبوت إعجاز القرآن، المتوقف على فهمه و قياسه بسائر الكتب و القضاء بأنّه فوق كلام البشر، فلو توقّف الفهم و ما بعده على تفسيره، المتوقّف على حجّية قوله، و ثبوت رسالته يلزم الدور.

كيف و قد فهم الوليد بصفاء ذهنه و صميم عربيّته أنّ بلاغة القرآن خارج عن طوق القدرة البشرية و قال لما سمع آيات من سورة فصّلت من الرسول الأعظم: لقد سمعت من محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) كلاماً لا يشبه كلام الإنس و لا كلام الجنّ و أنّ له لحلاوة و أنّ عليه لطلاوة و أنّ أسفله لمغدق و أنّ أعلاه لمثمر، و هو يعلو و لا يعلى عليه‏ (1).

____________

(1)- مجمع البيان: ج 5 ص 387، ط صيدا.

150

فإن قلت: إنّما يصح ذلك إذا فرض القرآن كلّه ظنّي الدلالة، و أمّا إذا كان بعضه قطعياً فيكفي في ظهور إعجازه و سطوع برهانه.

قلت: هذا إنّما يصحّ لو لم يتحدَّ القرآن بالكلّ مع أنّه تحدّى بكلّ الآيات و السور، قال سبحانه: (وَ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى‏ عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَ ادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ‏) (البقرة/ 23) و الآية تصدق بكلّ سورة من سوره، فيلزم التحدّي بكل سورة و السورة مؤلّفة من آيات كثيرة و قليلة، فيلزم أن تكون الآيات واضحة الدلالة على المعنى، حتّى يصحّ التحدّي و لو صحّ كونه ظنّي الدلالة فإنّما هو في مجال المراد الجديّ من المطلقات و العمومات، لا الاستعمالي، و مثلهما المجملات و لا يتوقف فهم الإعجاز و الإذعان به على الوقوف على المراد الجدّي منها، و أنّ دائرتها خاص أو عام، مقيّد أو مطلق.

فإن قلت: يكفي في ثبوت رسالته سائر معاجزه التي وصلت إلينا متواترة، فإذا ثبتت نبوّته بها يكون قوله حجّة في تفسير كتابه و صحيفته.

قلت: إنّ لازم ذلك عدم صحّة التحدّي بالكتاب أصلًا، و هو مردود بنص الكتاب العزيز كيف و قد وصفه اللّه بقوله: (ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ‏) أي لا يحومه شك في شأن من شئونه في كونه منزَّلًا من اللّه، و في معانيه و مفاهيمه، قال الطبرسي:» إنّ الأسباب التي توجب الشك في الكلام من التلبيس و التعقيد و التناقض و الدعاوى العارية من البرهان، كلّها منتفية في كتاب اللّه تعالى «.

(1) نعم: لا يحيط بكلّ ما للقرآن من الشئون و الحقائق غير المعصوم، لكن الإحاطة به من جميع الجهات شي‏ء، و درك علوّه و سموّه الذي يتوقف عليه الإعجاز أمر آخر. و الذي يختص بالمعصوم هو الأوّل دون الثاني.

____________

(1)- مجمع البيان: ج 1 ص 36، ط صيدا.