المحصول في علم الاُصول‏ - ج3

- محمود الجلالي المازندراني المزيد...
654 /
151

أدلّة الأخباريين على عدم حجّية ظواهر الكتاب:

إذا وقفت على ما ذكرنا فاعلم أنّ الأخباريين استدلوا على عدم حجّية القرآن بوجوه:

الأوّل: انّ الظاهر من مذاكرة الإمام (عليه السلام) مع أبي حنيفة و قتادة، هو أنّ القرآن ليس من قبيل المحاورات العرفية و لم يكن مقصود المتكلّم تفهيم مطالبه بنفس هذا الكلام بل بضميمة أهل الذكر: قال لأبي حنيفة: أنت فقيه العراق؟ قال: نعم. قال: فبم تفتيهم؟ قال: بكتاب اللّه و سنّة نبيّه (صلى الله عليه و آله و سلم).

قال: يا أبا حنيفة تعرف كتاب اللّه حقّ معرفته و تعرف الناسخ و المنسوخ؟ قال: نعم.

قال: يا أبا حنيفة لقد ادّعيت علماً ويلك ما جعل اللّه ذلك إلّا عند أهل الكتاب الذين أنزل عليهم، ويلك و لا هو إلّا عند الخاص من ذرّية نبيّنا محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) و ما ورّثك اللّه من كتابه حرفاً (1).

و قال الباقر (عليه السلام) لقتادة: بلغني أنّك تفسّر القرآن.

فقال له قتادة: نعم. فقال له أبو جعفر (عليه السلام): إن كنت إنّما فسرت القرآن من تلقاء نفسك فقد هلكت و أهلكت، و إن كنت فسّرته من الرجال فقد هلكت و أهلكت‏ (2).

يلاحظ عليه أوّلًا: أنّ ما ذكره من أنّ قصد المتكلّم لم يكن تفهيم مطالبه بنفس ذاك الكلام باطل جدّاً يردّه نصوص القرآن و السنّة النبوية و أحاديث العترة الطاهرة.

____________

(1)- الوسائل: الجزء 18 ص 30، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 27.

(2)- المصدر نفسه: ص 136، الباب 13 من أبواب صفات القاضي، الحديث 25.

152

أمّا الأوّل: فقوله سبحانه: (وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) (القمر/ 17 و 22 و 32) و قال عزّ شأنه: (أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى‏ قُلُوبٍ أَقْفالُها) (محمّد/ 24) فحثّ المشركين على التدبّر فيه فلو كان الغرض تفهيم مطالبه بغيره لما كان للحث معنى، فإذا كان المشرك قادراً على الاستهداء فكيف بمن صرف عمره في فهم القرآن الكريم؟

إنّ القرآن يصف نفسه بأنّه هدى للناس و يقول: (شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ‏) (البقرة/ 185). إلى غير ذلك من الآيات التي وردت في شأنه، أ فيمكن الهداية بلا فهم المعنى؟

فإن قلت: إنّ الاستدلال بهذه الآيات على ردّ الأخباري مستلزم للدور، إذ هو لا يقول بحجّية الكتاب حتّى في نفس الآيات، فاثبات حجّية القرآن بنفس هذه الآيات فرع كون ظواهر خصوص هذه الآيات حجّة، و هي متوقفة على حجّية ظواهر القرآن كلّها و هذا دور واضح.

قلت: إنّ إنكار حجّية مثل هذه الآيات مكابرة واضحة لا ينكرها إلّا الغبي و الجاهل بتاريخ الإسلام و القرآن و السيرة النبوية، فكان النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) يقرأ هذه الآيات على المشركين و هم يسمعونها و يفهمون مفاهيمها و هم بين محبّ للإسلام و معاند، و محارب. و لو لا فهم معاني الآيات لما كان معنى لحبّهم و عنادهم و محاربتهم.

و أمّا السنّة: فيكفي في ذلك حديث الثقلين، حيث جعل كلّ واحد منهما حجّة مستقلة لا يفترقان، يؤكّد كلّ واحد مضمون الآخر.

و أمّا أحاديث العترة الطاهرة فقد جعلت القرآن المرجع الأصيل لتشخيص الحديث الصحيح من الزائف، و صرّحوا لأصحابهم أنّهم لا يقولون خلاف قول ربّهم‏ (1).

____________

(1)- الوسائل: ج 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1 و 10 و 11 و هكذا.

153

و ثانياً: أنّ الإمعان في كيفية احتجاج أبي حنيفة و قتادة بظواهر القرآن، يبيّن موقف هذه الروايات من حجّية ظواهره، فإنّهما و نظائرهما كانوا يحتجّون بها من دون الرجوع إلى باب علم النبي و أولاده المعصومين الذين ورثوا علم الكتاب و عرفوا منسوخه عن ناسخه، و مخصّصه و مقيّده، و أين ذلك من عمل علمائنا فهم لا يحتجّون بها إلّا بعد الرجوع إلى ما ورد حول الآية من الروايات، آخذين بقوله سبحانه: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا) (فاطر/ 32).

أضف إلى ذلك: أنّ الإمام يزجرهما لتفسيرهما القرآن بالرأي و ليس العمل بالظواهر تفسيراً له، كما سيوافيك توضيحه.

الثاني: اشتمال القرآن على معان شامخة لا يصل إليها إلّا الأوحدي من الناس.

يلاحظ عليه: أنّ اشتماله على ذلك غير منكر، و قد ورد في الحديث عن علي ابن الحسين (عليهم السلام): إنّ اللّه عزّ و جلّ علم أنّه يكون في آخر الزمان أقوام متعمّقون، فأنزل اللّه تعالى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) و الآيات من سورة الحديد، إلى قوله: (عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ) فمن رام وراء ذلك فقد هلك‏ (1).

لكن ذلك لا يكون مانعاً عن فهم ما ورد حول القصص و الأحكام و الأخلاق، و الأوحدي و غيره في مقابل قوله سبحانه: (وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى‏* وَ أَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى‏) (النجم/ 4039) سواسية، و مثله قوله تعالى: (وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ) (آل عمران/ 104).

الثالث: العلم الإجمالي بوجود مخصّصات و مقيدات لمطلقاته و عموماته، و معه كيف يصحّ العمل بها.

و الجواب: أنّ العلم الإجمالي بهما ينحل بالظفر بهما في الأخبار و لا علم لنا بوجودهما في غير الأخبار الواصلة إلينا.

____________

(1)- نور الثقلين: ج 5 ص 231 تفسير سورة الحديد.

154

الرابع: اشتمال القرآن على المتشابه كما هو صريح قوله تعالى: (مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ‏) (آل عمران/ 7) و المتشابه بما هو متشابه ممنوع الاتباع كما هو صريح قوله سبحانه: (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ‏) (آل عمران/ 7).

و الجواب: أنّ الظاهر غير المتشابه، و بينهما بون بعيد، إذ الأقوال في بيان ما هو المتشابه و إن كان كثيراً إلّا أنّ العبرة بقولين من بينها:

1 ما تشابه المراد بغير المراد و لم يظهر مفاد الآية لبّاً و جدّاً، كما في قوله سبحانه: (وَ جاءَ رَبُّكَ‏) فهل المراد هو بعينه أو مجي‏ء أمره و حكمه أو غير ذلك، و قوله: (الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى‏) فهل المراد استقراره على العرش أو استيلاؤه عليه.

2 المراد منه ما لا يعلم كنهه في هذه الدار كحقيقة البرزخ و المعاد و الجنّ و الملك و غير ذلك. كقوله سبحانه: (إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ* طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ‏) (الصافات/ 6564) إلى غير ذلك من الأُمور المجهولة الكنه.

و على كلا الاحتمالين فالظواهر ليست من المتشابهات إذ ليس المراد الاستعمالي في الظواهر بمتشابه أبداً، و أقصى ما يحتمل فيها أن يكون منسوخاً أو مخصّصاً أو مقيّداً. و المفروض الرجوع إلى مظانّها و ليس الظاهر إلّا محتملًا لمعنى واحد. و المحتملات الأُخرى في غاية المرجوحيّة.

على أنّ المتشابه يرجع إلى المحكمات و قد عرّفها سبحانه بأنّها أُمّ الكتاب و أصله و أساسه فبالأصل يعرف الفرع و يتبيّن المراد منه.

كما أنّ الظواهر ليست من الأُمور المجهولة من حيث الكنه و الحقيقة.

الخامس: قد وردت روايات متواترة على النهي عن التفسير بالرأي، فيشمل حمل الظاهر في معنى على إرادة هذا المعنى.

155

و الجواب: أنّ حمل الظاهر على شي‏ء بناءً على أنّه المراد ليس بتفسير أوّلًا، فإنّ التفسير مشتق بالاشتقاق الكبير من» سفر «و هو رفع القناع عن وجه المراد، كرفع القناع عن الرأس و الوجه، و لا قناع للظاهر، و إنّما القناع في المجمل و المتشابه و أيّ قناع لقوله سبحانه: (وَ الْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ) (البقرة/ 228).

و على فرض كونه تفسيراً فليس تفسيراً بالرأي، فإنّ التفسير بالرأي عبارة عن أخذ الموقف الخاص في المسألة، ثم التفحّص عن دليله و مدركه، و عندئذ يعود المفسّر يطبّق القرآن على رأيه المسبق فيكون هدفه تطبيق القرآن على المعتقد السابق و أين هو من حمل الآيات على معانيها الظاهرة فيها لدى العرف.

السادس: دعوى التحريف في القرآن الكريم حسب ما ورد في الروايات من الفريقين و بما أنّ هذه شبهة تخالج أذهان الفضلاء فضلًا عن الطلّاب، و بما أنّها اتّخذها أعداء الإسلام أوّلًا، و أعداء التشيّع ثانياً، ذريعة للوقيعة في القرآن و مذهب الشيعة، نبحث عنه حسب ما يسمح لنا الوقت فنقول:

إنّ التحريف يستعمل في موارد لا بدّ من الإشارة إليها ثم ننظر في أنّ أيّاً منها هو المقصود في المقام.

1 حمل كلامه سبحانه على خلاف مقصوده و مراده و يشهد على ذاك الاستعمال قوله سبحانه حاكياً عن عمل اليهود: (مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ‏) (النساء/ 46) و قد كانت أحبار اليهود متسالمين مع أهل القدرة و الثروة فيحرّمون ما أحلّ اللّه، و يحلّون ما حرّمه، و يؤوّلون كلامه سبحانه لإرضائهم أصحاب السلطة و المال.

و التحريف بهذا المعنى واقع في القرآن، و لا يمسّ أبداً بكرامته بل هو محفوظ في صدور الذين آمنوا يتلونه كلّ يوم و ليلة، و إن فسّره أهل الأهواء برأيهم و عقيدتهم الفاسدة، و من أوضح مصاديق هذا النوع من التحريف تفسير الباطنية

156

حيث قالوا: للقرآن ظاهر، و باطن، و المراد منه باطنه دون ظاهره، المعلوم من اللغة و نسبة الباطن إلى الظاهر كنسبة اللّب إلى القشر، و أنّ باطنه يؤدي إلى ترك العمل بظاهره، فالغسل عندهم عبارة عن تجديد العهد ممّن أفشى سراً من أسرار الباطنية من غير قصد، و الاحتلام عبارة عن إفشائه، و الزكاة هي تزكية النفس، و الصلاة عبارة عن الناطق الذي هو الرسول لقوله سبحانه: (إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ) (1).

2 النقص و الزيادة في الحركات و الحروف مع حفظ القرآن و صيانته و إن لم يتميّز في الخارج أنّ أيّاً منها هو القرآن، مثاله: قراءة (يَطْهُرْنَ‏) على الوجهين و غيرها، فلو قلنا بتواتر القراءات السبع كلّها من النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و أنّه (صلى الله عليه و آله و سلم) قرأ على وجوه سبعة لعدّ الجميع من صميم القرآن و وحيه، و إن لم نقل بذلك و قلنا بأنّ القرآن نزّل برواية واحدة فهي القرآن و أمّا الستة الأخرى فكلّها تحريف اخترعتها عقول القرّاء و زيّنوا قراءتهم بالحجج التي ذكرها علماء القراءة في كتبهم، و نقلها الطبرسي في مجمعه، و للقارئ الواعي أن يقول: إنّ إقامة هؤلاء الحجج على قراءتهم أوضح دليل على أنّ هذه القراءات ليست لها أصالة سوى اجتهادات القرّاء، و لو كانت مروية عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) لما احتاجوا إلى إقامة الحجج و الدلائل‏ (2).

3 النقص و الزيادة بكلمة أو كلمتين مع التحفّظ على نفس القرآن المنزّل، أو تبديل كلمة مكان كلمة أُخرى يتّحد معه في المعنى: مثل أمضوا و أسرعوا (3) و قد كان بعض المصاحف كمصحف عبد اللّه بن مسعود و غيره مشتملًا على تلك الأُمور، و لأجل سدّ هذا النوع من التحريف قام الخليفة الثالث لسدّ تطرق هذا

____________

(1)- المواقف: ج 8 ص 390.

(2)- روى في الكافي ج 2 ص 630، الحديث 12 عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:» إنّ القرآن واحد نزل من عند واحد و لكن الاختلاف يجي‏ء من قبل الرواة «.

(3)- في قوله سبحانه: (وَ لا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَ امْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ‏) الحجر/ 65.

157

النوع من التحريف بتوحيد المصاحف و غسل غير ما جمعه، و أمر ولاته بغسل كل قرآن غيره، و لم يكن هو القائم بالجمع وحده بل استعان في ذلك من حفظة القرآن و كتّاب الوحي و القرّاء (1) فارتفع بذلك التحريف بالمعنى المزبور.

4 اشتمال القرآن على آيات و سور لم تكن منزّلة من اللّه سبحانه و التحريف بهذا المعنى باطل بإجماع المسلمين و إلّا لبطل إعجازه، فإنّ آي القرآن على نسق تتميز عن ما سواها إذ هو من حيث الجزالة و الفصاحة و البلاغة على نمط لا يمكن مباراته و مناضلته، و لا يمكن للبشر القيام بإتيان سورة منه، و لو كان بعض الآي و السور منه مجعولًا و داخلًا في القرآن و لم يتميّز ذاك من غيره، فهو ينتج أنّ البشر قادر على الإتيان بمثله. فيبطل كونه معجزة و يلزم تكذيب قوله سبحانه: (وَ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى‏ عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَ ادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ‏) (البقرة/ 23).

5 نقصان القرآن عن بعض ما أنزل اللّه سبحانه على قلب سيد المرسلين. و هذا هو الذي وقع فيه الخلاف بين المسلمين و المشهور بين علماء الإسلام سنّيهم و شيعيهم هو عدم وقوع التحريف فيه، و أنّ ما أنزل اللّه سبحانه هو نفس ما بين الدفتين، و لا يمكن لنا الإتيان في هذه العجالة بأسماء نفاة التحريف من رؤساء الشيعة، بل نذكر نصّ المتقدّمين في نفي التحريف و نترك نصوص متأخري المتأخرين روماً للاختصار:

1 الشيخ الأجل الأقدم: الفضل بن شاذان الأزدي النيسابوري المتوفّى عام 260 ه فقد ذكر في جملة نقده على العامة قولهم بذهاب قسم من القرآن فقد

____________

(1)- لاحظ تاريخ القرآن للزنجاني ص 43: يظهر منه أنّ الداعي لجمع القرآن هو اختلاف المسلمين في التلفظ ببعض الكلمات أو تغيير بعضه ببعض مع عدم التغيير في المعنى، مثل: امض، عجّل، اسرع، و توحيد اللهجات مثل سعى أو سعي بالياء، أو الاشتمال على زيادة كلمة أو كلمات على احتمال كما هو المقول في حقّ قرآن عبد اللّه بن مسعود.

158

ذكر شواهد على قولهم بذلك و قال: إنّ عمر بن الخطاب قال: لو لا إنّي أخاف أن يقال: زاد عمر في القرآن، أثبتّ هذه الآية فإنّا كنّا نقرأها على عهد رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): الشيخ و الشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة بما قضيا من الشهوة، نكالًا من اللّه و اللّه عزيز حكيم‏ (1).

و هذا يعرب على أنّ المسلّم بين الإمامية هو عدم التحريف و إلّا لما صحّ له الانتقاد على المخالف بما هو مبتلى به.

2 أبو جعفر الصدوق (م 381 ه) قال: اعتقادنا في القرآن أنّه كلام اللّه و وحيه تنزيلًا و قوله و كتابه و أنّه لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه تنزيل من حكيم عليم. و انّه القصص الحقّ و انّه لحقّ فصل و ما هو بالهزل و انّ اللّه تبارك و تعالى محدثه و منزله و ربّه و حافظه و المتكلم به‏ (2).

3 قال الشيخ المفيد:» و قد قال جماعة من أهل الإمامة: إنّه لم ينقص من كلمة و لا من آية و لا من سورة و لكن حذف ما كان مثبتاً في مصحف أمير المؤمنين (عليه السلام) من تأويله و تفسير معانيه على حقيقة تنزيله، و ذلك كان ثابتاً منزلًا و إن لم يكن من جملة كلام اللّه تعالى الذي هو القرآن المعجز، و قد يسمّى تأويل القرآن قرآناً ... «.

قال:» و عندي أنّ هذا القول أشبه [بالحق‏] من مقال من ادّعى نقصان كلم من نفس القرآن على الحقيقة دون التأويل و إليه أميل «.

قال:» و أمّا الزيادة فيه فمقطوع على فسادها إن أُريد بالزيادة زيادة سورة على حد يلتبس على الفصحاء فإنّه متناف مع تحدّي القرآن بذلك.

و إن أُريد زيادة كلمة أو كلمتين أو حرف أو حرفين، و لست أقطع على كون‏

____________

(1)- الايضاح: 217 219 و روى البخاري آية الرجم في صحيحه ج 8 ص 211208 باب رجم الحبلى، مسند أحمد: ج 1 ص 23، و ج 5 ص 132.

(2)- الاعتقادات: ص 93.

159

ذلك، بل أميل إلى عدمه و سلامة القرآن عنه قال: و معي بذلك حديث عن الصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام) « (1).

و قال في أجوبة المسائل السروية:» فإن قال قائل: كيف يصحّ القول بأنّ الذي بين الدفتين هو كلام اللّه تعالى على الحقيقة من غير زيادة و لا نقصان، و أنتم تروون عن الأئمة (عليهم السلام) أنّهم قرءوا:» كنتم خير أئمة أُخرجت للناس «» و كذلك جعلناكم أئمة وسطاً «و قرءوا» يسألونك الأنفال «و هذا بخلاف المصحف الذي بأيدي الناس: قيل له: قد مضى الجواب عن هذا و هو، أنّ الأخبار التي جاءت بذلك، أخبار آحاد لا يقطع على اللّه تعالى بصحتها فلذلك وقفنا فيها و لم نعدل عمّا في المصحف الظاهر على ما أمرنا به حسب ما بيّناه مع أنّه لا ينكر أن تأتي القراءة على وجهين منزلين أحدهما ما تضمّنه القرآن و الثاني ما جاء به الخبر، كما يعترف به مخالفونا من نزول القرآن على وجوه شتّى « (2).

4 السيد المرتضى علي بن الحسين الموسوي العلوي (436 ه) قال: إنّ جماعة من الصحابة مثل عبد اللّه بن مسعود، و أُبي بن كعب، و غيرهما ختموا القرآن على النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) عدة ختمات و كل ذلك يدلّ بأدنى تأمّل على أنّه كان مجموعاً مرتّباً غير مبتور و لا مبثوث‏ (3).

5 أبو جعفر محمّد بن الحسين الطوسي المعروف بشيخ الطائفة) (م 460 ه) قال: و أمّا الكلام في زيادة القرآن و نقصه فممّا لا يليق به أيضاً لأنّ الزيادة فيه مجمع على بطلانها، و أمّا النقصان فالظاهر أيضاً من مذهب المسلمين خلافه، و هو الأليق بالصحيح من مذهبنا، و هو الذي نصره المرتضى و هو الظاهر في الرواية، قيل: إنّه رويت روايات كثيرة من جهة الشيعة و أهل السنّة بنقصان كثير من آي‏

____________

(1)- أوائل المقالات: 53 56.

(2)- مجموعة الرسائل للشيخ المفيد: 266، البحار: 75: 89.

(3)- مجمع البيان: ج 1 ص 10 نقلًا عن جواب المسائل الطرابلسيات للسيد.

160

القرآن، و نقل شي‏ء منه من موضع إلى موضع، لكن طريقها الآحاد التي لا توجب علماً و لا عملًا و الأولى الإعراض عنها (1).

6 أبو علي الطبرسي، صاحب تفسير» مجمع البيان «يقول: الكلام في زيادة القرآن و نقصانه أمّا الزيادة فيه فمجمع على بطلانها، و أمّا النقصان منه فقد روى جماعة من أصحابنا و قوم من حشوية العامّة أنّ في القرآن تغييراً أو نقصاناً و الصحيح من مذهب أصحابنا خلافه‏ (2).

7 السيد علي بن طاووس الحلي (م 664 ه) قال: إنّ رأي الإمامية هو عدم التحريف‏ (3).

8 جمال الدين العلّامة الحلّي (م 726 ه) في أجوبة المسائل المهناوية، عند ما سأله السيد المهنا بقوله:» ما يقول سيدنا في الكتاب العزيز هل يصح عند أصحابنا أنّه نقص منه شي‏ء أو زيد فيه أو غُيّر ترتيبه أم لم يصح عندهم شي‏ء من ذلك؟ «فأجاب: الحقّ أنّه لا تبديل و لا تأخير و لا تقديم و أنّه لم يزد و لم ينقص و نعوذ باللّه من أن يعتقد مثل ذلك و أمثال ذلك، فإنّه يوجب تطرق الشك إلى معجزة الرسول المنقولة بالتواتر (4).

9 القاضي السيد نور اللّه التستري صاحب كتاب إحقاق الحق (م 1019 ه) يقول: ما نسب إلى الشيعة الإمامية من وقوع التحريف في القرآن ليس ممّا يقول به جمهور الإمامية إنّما قال به شرذمة قليلة منهم، لا اعتداد لهم فيما بينهم‏ (5).

____________

(1)- التبيان: ج 1 ص 3 الطبعة الثانية.

(2)- مجمع البيان: ج 1 ص 10.

(3)- سعد السعود: ص 144.

(4)- أجوبة المسائل المهناوية، المسألة: 121/ 13.

(5)- آلاء الرحمن: ج 1 ص 25.

161

10 الشيخ البهائي: نابغة عصره و نادرة دهره محمد بن حسين المعروف ببهاء الدين العاملي (م 1030 ه) قال: الصحيح إنّ القرآن العظيم محفوظ من التحريف زيادة كانت أو نقصاناً بنص آية الحفظ من الذكر الحكيم، و ما اشتهر بين العلماء من إسقاط اسم أمير المؤمنين (عليه السلام) في بعض المواضع فهو غير معتبر عند العلماء، و المتتبع للتاريخ و الأخبار و الآثار يعلم بأنّ القرآن ثابت بغاية التواتر و بنقل الآلاف من الصحابة و أنّ القرآن الكريم كان مجموعاً في عهد الرسول‏ (1).

11 المحدّث الأكبر الفيض الكاشاني صاحب كتاب الوافي الذي يعدّ من الجوامع الحديثية المؤخرة (م 1091 ه) قال بعد نقل روايات توهم وقوع التحريف: و على هذا لم يبق لنا اعتماد بالنص الموجود و قد قال اللّه تعالى: (وَ إِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ* لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ‏) و قال: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ‏) و أيضاً يتنافى مع روايات العرض على القرآن، و كيف يتطرق إليه التحريف و التغيير ... مع أنّ خبر التحريف مخالف لكتاب اللّه و تكذيب له فيجب ردّه و الحكم بفساده و تأويله‏ (2).

12 الشيخ الحر العاملي (م 1104 ه) يقول في كتابه:» و أنّ من تتبَّع أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) و تصفّح التاريخ و الآثار علم علماً يقينيّاً، أنّ القرآن قد بلغ أعلى درجات التواتر، فقد حفظه الأُلوف من الصحابة و نقلته الأُلوف، و كان منذ عهده (صلى الله عليه و آله و سلم) مجموعاً مؤلفاً (3).

هذه هي الشخصيات الكبيرة من الإمامية الذين عرفت تنصيصهم على عدم طروء تحريف على الذكر الحكيم و قد جئنا بأسماء القائلين بعدم التحريف إلى‏

____________

(1)- آلاء الرحمن: ج 1 ص 26.

(2)- تفسير الصافي: ج 1 ص 51 المقدمة السادسة.

(3)- إظهار الحق: 89 كما في الفصول المهمّة للسيد شرف الدين: 166.

162

نهاية القرن الحادي عشر، و أمّا الذين نصّوا على عدم التحريف في القرون الأخيرة فحدّث عنهم و لا حرج، كيف و قد ألّفوا رسائل كبيرة و صغيرة حول الموضوع و نختم البحث بكلام قائد الثورة الإسلامية الإمام الخميني دام ظله و نأتي بنصّ كلامه في هذا الموضع، و هذا ما جاء في محاضراته التي أُلقيت قبل بضع و ثلاثين سنة:

» إنّ الواقف على عناية المسلمين بجمع الكتاب و حفظه و ضبطه قراءة و كتابة، يقف على بطلان تلك المزعمة التحريف و أنّه لا ينبغي أن يركن إليها ذو مسكة، و ما وردت فيه من الأخبار، بين ضعيف لا يستدل به، إلى مجعول، تلوح عليه أمارات الجعل، إلى غريب يقضي بالعجب، إلى صحيح يدلّ على أنّ مضمونه تأويل الكتاب و تفسيره، إلى غير ذلك من الأقسام التي يحتاج بيان المراد منها إلى تأليف كتاب حافل، و لو لا خوف الخروج عن طور البحث لأرخينا عنان البيان إلى تشريح تاريخ القرآن و المراحل التي قضاها طيلة القرون، و أوضحنا لك أنّ الكتاب هو عين ما بين الدفّتين حتى أنّ الاختلاف بين القرّاء ليس إلّا أمراً حديثاً لا ربط له بما نزّل به الروح الأمين على قلب سيّد المرسلين « (1).

*** دلائل الصيانة:

الدليل الأوّل: إنّ تطرق التحريف إلى القرآن لا بدّ أن يستند إلى قدرة قاهرة حتّى يتلاعب بالقرآن بالحذف و النقص، و لم يكن للأمويين و لا العباسيين تلك القدرة القاهرة لأنّ انتشار القرآن بين الحفّاظ و القرّاء، و نسخه و تفاسيره و شروحه على صعيد هائل، قد جعل هذه الأُمنية الخبيثة في عداد المحالات، و إنّما يتصوّر

____________

(1)- تهذيب الأُصول: تقريرات أبحاث الإمام الخميني ج 2 ص 96 بقلم شيخنا الأُستاذ دام ظلّه.

163

ذلك بعض التصوّر في عصر الخلفاء الثلاثة.

أمّا الأوّلان فاحتمال تحريفهما للقرآن لا يخلو إمّا أن يقع في الآيات التي لا تمس زعامتهما فهو بعيد غايته، إذ لا داعي لهما في هذا و كانت زعامتهما حسب الظاهر على الاهتمام بالدين و سننه و طقوسه و فرائضه و عزائمه.

و أمّا الآيات التي تمس كرامتهما فهي أيضاً مثلها لأنّ آيات الولاية كآية البلاغ و الإكمال و غيرهما من الأمر بإطاعة أُولي الأمر، أو أنّ الأمير من أعطى الزكاة و هو راكع، موجودة في القرآن فيتلى كل يوم و ليلة.

مع أنّه لو صدر هذا التحريف منهما لما سكت أصحاب النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) الغيارى على الإسلام و القرآن نظراء أبي ذر و عمّار و المقداد و في مقدمتهم أمير المؤمنين و ضجيعته الطاهرة، كيف و قد اعترض على خلافتهم اثنا عشر صحابياً في مسجد رسول اللّه و اعترض الإمام و بنت رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) على غصب فدك، و غير ذلك من البدع و لا تبلغ فدك معشار ما للقرآن من العظمة و الأهمية.

و أمّا وقوع التحريف من عثمان فهو أبعد، لانتشار الإسلام و الحفّاظ و القرّاء و المصاحف في أرجاء الدنيا و العواصم الإسلامية، و لا يقدر على ذلك إلّا أن يضع السيف على رقاب المسلمين على أن يحذف آيات أو سور من القرآن.

أضف إلى ذلك: أنّه كان على الإمام (عليه السلام) و حوارييه من أبي ذر و عمّار و حجر بن عدي و عمرو بن الحمق ذوي الغيرة و الحماس، المعارضة بلغ ما بلغ.

و يرشدك على صدق المقال: أنّه قد اختلف أُبي بن كعب و الخليفة في قراءة قوله سبحانه: (وَ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ) (التوبة/ 34) فأصرّ أُبيّ على أنّه سمعه عن النبي بالواو و كان نظر الخليفة إلى أنّه خال منها. فتشاجرا عند كتابة المصحف الواحد، و إرساله إلى العواصم، فهدّده أُبي و قال: لا بدّ و أن تكتب الآية بالواو، و إلّا لأضع سيفي على عاتقي‏ (1).

____________

(1)- الدر المنثور 232: 2.

164

ترى أنّ الإمام (عليه السلام) قام بردّ قطائع عثمان إلى بيت المال و قال:» و اللّه لو وجدته قد تزوّجت به النساء و ملكت به الإماء لرددته و من كان العدل عليه ضيقاً فالجور عليه أضيق « (1) فردّ الآيات المزعوم حذفها من القرآن إلى محالها أوجب و ألزم.

نرى أنّه (عليه السلام) بعد أن تقلّد الخلافة الظاهرية، اعترض على إقامة صلاة التراويح بالجماعة كما اعترض على قراءة البسملة سرّاً في الصلوات الجهريّة (2) إلى غير ذلك من البدع المحدثة، فعارضها و شدّد النكير عليها بحماس فلو صدر من عثمان شي‏ء من ذلك لقام بواجبه و ردّ ما حذف من الكتاب العزيز إليه، بلا واهمة. لأنّه (عليه السلام) ممن لا تأخذه في اللّه لومة لائم.

ثمّ إنّه سبحانه توخياً لصيانة القرآن عن التحريف ترك التصريح بأسماء أوليائه، و إنّما بيّنه على نحو ينطبق عليهم، و يقف عليه كلّ من أراد الحقيقة، كما أنّه ترك التصريح بأسماء المنافقين و أعداء الإسلام، لأنّهم لا يرضون بفضيحتهم فيتمسكون بكلّ رطب و يابس لإزالة أسمائهم أو أسماء أوليائه سبحانه، و هذا أحد الأسباب لصيانة القرآن عن التحريف بإماتة الدواعي و إبادتها بالنسبة إليه.

الدليل الثاني: قوله سبحانه: (وَ قالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ* لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ* ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَ ما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ* إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ‏) (الحجر/ 96).

تقريب الاستدلال: أنّ المراد من الذكر في كلا الموردين هو القرآن بقرينة (نُزِّلَ‏) و (نَزَّلْنَا) و الضمير في (لَهُ‏) يرجع إلى القرآن. و المشركون الألدّاء لما لم يجدوا ذريعة لردّ دعوة الرسول اتّهموه بالجنون أوّلًا حتّى يصحّ تقوّلهم بأنّه ليست له قدرة لتلقي القرآن و نقله على ما هو عليه، لأنّه مجنون، و نسبوا إنزال القرآن إلى‏

____________

(1)- نهج البلاغة الخطبة 14.

(2)- لاحظ خطبة الإمام حول البدع المحدثة: الكافي: الروضة 105 و 107 طبعة المكتبة الإسلامية.

165

فاعل مجهول ثانياً، كما يشهد قوله: (نُزِّلَ‏) و لم يكتفوا بهذا الأمر، بل اعترضوا عليه بأنّه لما ذا لا يجي‏ء بالملائكة ثالثاً، فنزل الوحي بنقد أقوالهم.

فأجاب عن الثالث: بأنّ نزول الملائكة موجب لإهلاكهم و إبادتهم و هو يخالف هدف البعثة إذ الهدف هو الهداية لا الإبادة و أمّا وجه الملازمة بين رؤية الملائكة و إبادتهم فقد فصّلناه في محله.

و عن الثاني: بالتصريح بأنّ المنزّل هو اللّه سبحانه قال: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ) لا شخص مجهول كما يحكيه عنه قولهم: (نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ).

و عن الأوّل: بأنّه سبحانه هو الحافظ لذكره عن تطرق أيّ بطلان و زوال عليه، و هو لا يُغلب في إرادته، ثمّ إنّ الاستهزاء بالنبيّ الأكرم باتّهامه بالجنون أمر جرى عليه أعداء الدعوة الإلهية خلفاً عن سلف كما قال سبحانه: (كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ‏) (الذاريات/ 52).

إلى هنا ظهر مفاد الآيات و أهدافها كما ظهر من دلالة الآية على أنّه سبحانه تعهّد على حفظه من الخلط و الزوال.

و بذلك يظهر عدم تمامية عدّة احتمالات:

1 حفظه من قدح القادحين.

2 حفظه في اللوح المحفوظ.

3 حفظه في صدر النبي و الإمام بعده.

فإنّ قدح القادحين ليس مطروحاً في الآية حتى تكون نافية له، كما أنّ حفظه في اللوح المحفوظ أو في صدر المعصوم لا ترتبط باعتراض المشركين، فإنّ اعتراض المشركين كان مبنياً على اتّهام النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) بالجنون الذي لا ينفك عن الخلط، فأجاب سبحانه: بأنّه هو الحافظ أوّلًا. و أنّ اتّهام النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) بالجنون ليس بأمر جديد، بل المشركون كانوا مستهزءين في طوال القرون السابقة متهمين الأنبياء و الرسل بهذه التهم.

166

فالحقّ الذي لا ريب فيه، أنّ اللّه سبحانه يخبر عن تعهده لحفظ القرآن بين من أُنزل إليهم حتّى يستضي‏ء به كمصباح ينور أطرافه، فالقول بالنقصان يضادّ مع تعهده سبحانه.

الدليل الثالث: قوله سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ وَ إِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ* لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) (فصّلت: 4241).

و المراد من الذكر هو القرآن، و توصيفه بالعزّة إمّا لأجل كونه عديم النظير، أو المقتدر الذي لا يُغلب.

و الثاني هو المناسب لقوله: (لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ‏) و المراد من البطلان هو نقيض الحقّ الثابت، فهو حقّ ثابت لا يغلب و لا يتطرق إليه البطلان و لا إلى أحكامه و سننه حتى لا تنطبق على الحياة الانسانية، و لا على أخباره الغيبية حتّى تصبح كذباً، و لا على معارفه حتّى تصبح غير حقّة، و لا على ذاته و أجزائه و سوره و آياته حتّى تفتقد و يكون معدوماً بين المجتمع الانساني، و البطلان بأي معنى تصوره لا سبيل له على مادة القرآن و لا على صورته و لا على معناه و لا على لفظه. و المقصود نفس الموجود بين المسلمين، فلا يعدّ نقضاً لتطرق البطلان للقرآن المكتوب بحرق أو غرق، إذ لا يعدّ ذلك تطرقاً للبطلان إلى القرآن بما هو هو.

الدليل الرابع: حديث الثقلين الذي تواتر بين المسلمين و حفظه الصغير و الكبير و أنّ النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) قال في مواقف مختلفة:» إني تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه و عترتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا «و الترك بالقرآن فرع وجوده كما هو فرع حجية ظواهره.

الدليل الخامس: أخبار العرض‏ (1) التي تأمر بعرض الأخبار المتعارضة المختلفة على كتاب اللّه.

____________

(1)- الوسائل: ج 18، كتاب القضاء، الباب 9 من أبواب صفات القاضي.

167

فلولا كون الكتاب حجّة لما كان القرآن مقياساً لتمييز الحقّ عن الباطل، نعم الأخبار لا تدلّ على عدم التحريف لكن تدلّ على أنّ التحريف على فرض وجوده لا يضر بحجيته.

هذا و أنّ الغور في الروايات يوقف الإنسان على موقف القرآن عند أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) فلاحظ كلمات الإمام: و اعلموا أنّ هذا القرآن هو الناصح الذي لا يغش إلى أن قال: ليس لأحد بعد القرآن من فاقة، و لا قبل القرآن من غنى، فكونوا من حرثته و أتباعه و استدلّوه على ربّكم ... إلى آخره‏ (1).

*** شبهات التحريف:

قد وقفت على أدلّة نفاة التحريف، بقي الكلام حول شبهات دعاة التحريف و هي شبهات ضئيلة غير لائقة بالبحث و النقد المبسوط فنكتفي بالإجمال:

الشبهة الأُولى: وجود مصحف لعليّ (عليه السلام).

روى ابن النديم في الفهرست بسند عن علي أنّه رأى بين الناس طيرة عند وفاة النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) فأقسم أن لا يضع رداءه حتّى يجمع القرآن فجلس في بيته ثلاثة أيام حتى جمع القرآن‏ (2).

و روى اليعقوبي في تاريخه‏ (3): روى بعضهم أنّ علي بن أبي طالب (عليه السلام)

____________

(1)- نهج البلاغة: الخطبة 171 ج 2 ص 109، ط الاستقامة مصر ترجمة محمد عبده.

(2)- فهرست ابن النديم، كما نقله الزنجاني في تاريخ القرآن ص 76.

(3)- تاريخ اليعقوبي: 125/ 2 126.

168

كان جمعه يعني القرآن لمّا قبض رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) و أتى به يحمله على جمل فقال: هذا القرآن جمعته و كان قد جزّأه سبعة أجزاء.

(فالجزء الأوّل) البقرة، و سورة يوسف، و العنكبوت، و الروم، و لقمان، و حم السجدة، و الذاريات، و هل أتى على الإنسان، و الم تنزيل السجدة، و النازعات، و إذا الشمس كورت، و إذا السماء انفطرت، و إذا السماء انشقت، و سبّح اسم ربّك الأعلى، و لم يكن، فذلك جزء البقرة ثمانمائة و ست و ثمانون آية و هو ست عشرة سورة.

(الجزء الثاني) آل عمران، و هود، و الحج، و الحجر، و الأحزاب، و الدخان، و الرحمن، و الحاقة، و سأل سائل، و عبس، و الشمس و ضحاها، و إنّا أنزلناه، و إذا زلزلت، و ويل لكل همزة لمزة، و أ لم تر، و لإيلاف، فذلك جزء آل عمران ثمانمائة و ست و ثمانون آية و هو خمس عشرة سورة.

(الجزء الثالث) النساء، و النحل، و المؤمنون، و يس، و حمعسق، و الواقعة، و تبارك الملك، و يا أيّها المدّثر، و أ رأيت، و تبّت، و قل هو اللّه أحد، و العصر، و القارعة، و السماء ذات البروج، و التين و الزيتون، وطس النمل، فذلك جزء النساء ثمانمائة و ست و ثمانون آية و هو سبع عشرة سورة.

(الجزء الرابع) المائدة، و يونس، و مريم، و طسم الشعراء، و الزخرف، و الحجرات، و قد و القرآن المجيد، و اقتربت الساعة، و الممتحنة، و السماء و الطارق، و لا أقسم بهذا البلد، و أ لم نشرح لك، و العاديات، و إنّا أعطيناك الكوثر، و قل يا أيّها الكافرون، فذلك جزء المائدة ثمانمائة و ست و ثمانون آية و هو خمس عشرة سورة.

(الجزء الخامس) الأنعام، و سبحان، و اقترب، و الفرقان، و موسى و فرعون، و حم، و المؤمن، و المجادلة، و الحشر، و الجمعة، و المنافقون، و ن و القلم، و إنّا أرسلنا

169

نوحاً، و قل أوحى إليّ، و المرسلات، و الضحى، و ألهاكم. فذلك جزء الأنعام ثمانمائة و ست و ثمانون آية، و هو ست عشرة سورة.

(الجزء السادس) الأعراف، و إبراهيم، و الكهف، و النور، و ص، و الزمر، و الجاثية، و الذين كفروا، و الحديد، و المزمل، و لا أقسم بيوم القيامة، و عمّ يتساءلون، و الغاشية، و الفجر، و الليل إذا يغشى، و إذا جاء نصر اللّه، فذلك جزء الأعراف ثمانمائة و ست و ثمانون آية و هو ست عشرة سورة.

(الجزء السابع) الأنفال، و براءة، و طه، و الملائكة، و الصافات، و الأحقاف، و الفتح، و الطور، و النجم، و الصف، و التغابن، و الطلاق، و المطفّفين، و المعوذتين، فذلك جزء الأنفال ثمانمائة و ست و ثمانون آية و هو ست عشرة سورة (1).

و هذا كما ترى لا يختلف مع المصحف الموجود إلّا من حيث ترتيب السور.

و هذا يعطي أنّ ترتيب السور كان باجتهاد الصحابة و الجامعين بخلاف وضع الآيات و ترتيبها فإنّه كان بإشارة النبي (صلى الله عليه و آله و سلم). و قد ذكر تفصيل بعض هذه المصاحف السيد علي بن طاووس في سعد السعود، و نقله منه الزنجاني في تاريخ القرآن، و من أراد التفصيل فليرجع إليه.

و ما ذكره ابن النديم يعطي أنّ الإمام كان قد كتب القرآن في أيّام رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) كل سورة على حدة، و كان فاقداً للترتيب الذي رتّبه الإمام في سبعة أجزاء. و هذا لو دلّ لدلّ على جمع القرآن في زمن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم).

و لم يكن جمع الإمام منحصراً بنصّ الكتاب، بل كان مشتملًا على التأويل و التنزيل، كما نقل الفيض في تفسير الصافي‏ (2).

____________

(1)- تاريخ القرآن: للزنجاني 48 49، و ذكره اليعقوبي في تاريخه: 125/ 2 طبع النجف الأشرف.

(2)- الصافي: 42/ 1، طبع الأعلمي.

170

الشبهة الثانية: الحديث النبوي:

روى الفريقان عن النبي الأكرم (صلى الله عليه و آله و سلم) أنّه قال: و الذي نفسي بيده لتركبنّ سنّة من قبلكم حذو النعل بالنعل و القُذّة بالقذة لا تخطئون طريقهم‏ (1).

و قد حرفت اليهود و النصارى كتبهم فيلزم وقوع مثله في الأُمة الإسلامية.

الجواب: أنّ الحديث ممّا لا ينكر و قد رواه الفريقان غير أنّ المماثلة في بعض الجهات لا في كلّها للعلم الضروري على عدم المماثلة في الجميع، و ذلك لعدم وقوع عبادة العجل، و التحيّر في التيه و ما حدث في ملك سليمان من الحوادث.

إنّ وجه التشبيه لا ينحصر بالتحريف، بل هناك وجوه له:

1 كتحريف الكتاب بمعناه.

2 تخصيص العقوبات بالفقراء دون الأغنياء.

3 رجوعهم كفاراً يضرب بعضهم رقاب بعض، كما ورد عنه (صلى الله عليه و آله و سلم):

لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض‏ (2).

4 ارتداد بعض أصحابه، كارتداد بعض أصحاب المسيح، كما ورد عنه (صلى الله عليه و آله و سلم) في حديث الحوض الذي رواه البخاري: يقول النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) عند ما يساقون إلى النار: ربّ هؤلاء أصحابي، فيجاب: إنّهم ليسوا من أصحابك إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك، إنّهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى‏ (3).

إلى غير ذلك من وجوه التشبيه، كتفرقهم إلى فرق مختلفة و الكلّ يستمدّ من القرآن و يستدل به، و ليس ذلك إلّا لأجل تحريف القرآن و حمله على غير المراد الحقيقي.

____________

(1)- صحيح مسلم: ج 8، باب اتباع سنن اليهود و النصارى 57. و صحيح البخاري: ج 9، كتاب الاعتصام، 102. و صحيح الترمذي: ج 5، كتاب الإيمان، 26.

(2)- مسند أحمد: 402/ 1.

(3)- جامع الأُصول: ج 11 ص 119 121.

171

الشبهة الثالثة: وجود الروايات المتواترة على تحريف القرآن:

و قد جمعها المحدث النوري في كتابه فصل الخطاب في تحريف الكتاب، و الاستدلال بهذه الروايات موهون عن جهات:

الأُولى: أنّها ليست متواترة و ليست الكثرة آية التواتر إلّا إذا اشتركت في أحد المداليل الثلاثة من المطابقة، و التضمن، و الالتزام، و هذه الروايات فاقدة لهذه الجهة و لا تهدف إلى جهة خاصة، فتارة ناظرة إلى بيان تنزيلها، و أُخرى إلى بيان تأويلها، و ثالثة إلى بيان قراءتها، و رابعة إلى تفسيرها، و هذا هو الكثير، فحسب البعض انّه جزء من الآية، مثلًا قال سبحانه: (وَ إِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً) (النساء/ 135). رواه في الكافي أنّه قال: و إن تلوا (الأمر) أو تعرضوا (عمّا أُمرتم به).

روى علي بن إبراهيم بسند صحيح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: و قرأت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام): (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ‏) فقال: أبو عبد اللّه (عليه السلام): خير أُمّة تقتلون أمير المؤمنين و الحسن و الحسين ابني علي (عليهم السلام)، فقال القارئ: جعلت فداك كيف؟ قال: نزلت» كنتم خير أئمّة أُخرجت للناس «أ لا ترى مدح اللّه لهم (تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ تَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ‏).

و الاستدلال يعطي على أنّ المراد ليس كلّ الأُمّة بل بعضها بشهادة قوله سبحانه: (وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) (آل عمران/ 104) و أراد الإمام تنبيه القارئ على أن لا يغترّ بإطلاق الآية، بل يتدبّر و يقف على مصاديقها الواقعية، و أنّ خير الأُمّة هم الأئمة و هم الأُسوة، و أولياء الدين، و المخلصون من العلماء الاتقياء، لا كلّ الأُمّة بشهادة أنّ كثيراً منهم ارتكبوا أعمالًا إجرامية مشهودة.

و يقرب من ذلك قوله سبحانه: (وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) (البقرة/ 143) فإنّ ظاهر

172

الآية، أنّ كل الأُمّة: هم الأُمّة الوسطى، و الشعب الأمثل، مع أنّا نجد بين الأُمّة من لا تقبل شهادته على باقة بقل في الدنيا، فكيف تقبل شهادته في الآخرة على سائر الأُمم، و هذا يهدينا إلى أن نتأمّل في الآية، و نقف على أنّ الاسناد إلى الكل مجاز بعلاقة كونها راجعة إلى أصفياء الأُمّة و كامليها.

يقول الإمام الصادق (عليه السلام) في هذا الشأن: فإن ظننت أنّ اللّه عنى بهذه الآية، جميع أهل القبلة من الموحدين، أ فترى أنّ من لا تجوز شهادته في الدنيا على صاع من تمر، يطلب اللّه شهادته يوم القيامة و يقبلها منه بحضرة الأُمم الماضية؟ كلّا: لم يعن اللّه مثل هذا من خلقه‏ (1).

و أنت إذا تدبّرت كتاب» فصل الخطاب «الذي جمع هذه الروايات، تقف على أنّ الأكثر فالأكثر من قبيل التفسير.

مثلًا روى العباس في تفسير عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: نزل جبرئيل على رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) بعرفات يوم الجمعة فقال له: يا محمّد إنّ اللّه يقرؤك السلام و يقول لك: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ‏) بولاية علي بن أبي طالب (وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً) (2) فلا شك أنّه بيان لسبب إكمال الدين و إتمام النعمة لا أنّه جزء من القرآن.

مع أنّ قسماً كبيراً منها يرجع إلى الاختلاف في القراءة المنقولة إمّا من الأئمّة بالآحاد لا بالتواتر، فلا حجّيه فيها أوّلًا و لا مساس لها بالتحريف ثانياً، أو من غيرهم من القرّاء و قد أخذ قراءتهم المختلفة من جميع البيان و هو أخذها من كتب أهل السنّة في القراءة، و كلّها مراسيل أوّلًا، و الاختلاف في القراءة، غير التحريف ثانياً، لما عرفت من أنّها على وجه، موصولة إلى النبيّ، و على فرض، لا صلة لها

____________

(1)- تفسر العياشي: 63/ 1 و يؤيد ذلك أنّه سبحانه قال في حقّ بني إسرائيل: (وَ جَعَلَكُمْ مُلُوكاً) (المائدة/ 20) مع أنّ بعضهم ملوكاً لا كلّهم.

(2)- المصدر نفسه: 293/ 1 برقم 21.

173

بالقرآن.

و هناك روايات ناظرة إلى تأويلها و بيان مصاديقها الواقعية و هي أيضاً كثيرة، أو ناظرة إلى بيان شأن نزولها، إلى غير ذلك و بعد إخراج هذه الأقسام، تبقى روايات آحاد لا تفيد العلم و لا العمل.

الثانية: أنّ أكثر هذه الروايات التي تبلغ عددها 1122 حديثاً منقول من كتب ثلاثة:

1 كتاب القراءات لأحمد بن محمد السياري المتوفّى عام 286 ه، الذي اتفق الرجاليون على فساد مذهبه.

قال الشيخ: أحمد بن محمد السياري الكاتب كان من كتّاب آل طاهر، ضعيف الحديث، فاسد المذهب مجفو الرواية، كثير المراسيل‏ (1).

2 كتاب علي بن أحمد الكوفي المتوفّى عام 352 ه الذي نص الرجاليون بأنّه كذّاب مبطل.

قال النجاشي:» رجل من أهل الكوفة كان يقول: إنّه من آل أبي طالب، و غلا في آخر أمره، و فسد مذهبه و صنّف كتباً كثيرة، أكثرها على الفساد، ثم يقول: هذا الرجل، تدّعي له الغلاة منازل عظيمة (2).

3 كتاب تفسير القمي الذي أوضحناه، و قلنا انّه ليس للقمي، بل قسم منه من إملاءاته على تلميذه أبي الفضل العباس بن محمد بن العلوي، و قسم منه مأخوذ من تفسير أبي الجارود، ضمّه إليها تلميذه‏ (3) و هو من المجاهيل، لأنّ العباس بن محمد غير معنون في الكتب الرجالية فهو مجهول، كما أنّ الراوي عنه في أوّل الكتاب يقول: حدثني أبو الفضل بن العباس، مجهول أيضاً، و أسوأ حالًا منهما

____________

(1)- فهرست الشيخ: ص 47 برقم 70، رجال النجاشي: ج 1 ص 211 برقم 190.

(2)- رجال النجاشي: ج 96/ 1 برقم 689.

(3)- لاحظ كتاب» كليات في علم الرجال «بقلم شيخنا الأُستاذ مُدّ ظلّه حول تقييم تفسير القمي.

174

أبو الجارود المعروف ب» زياد المنذر «فهو زيدي بتري وردت الرواية في ذمّه في رجال الكشي‏ (1) أ فيمكن الاعتماد على روايات هذا الكتاب؟! و قس على ذلك، سائر مصادره و منابعه التي لا يعبأ و لا يعتمد عليه.

الثالثة: إنّ هذه الروايات معارضة بأكثر منها و أوضح منها من حديث الثقلين و أخبار العرض، و ما عن رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): إذا التبست عليكم الفتن فعليكم بالقرآن فإنّه شافع مشفّع، و ماحل مصدق، و من جعله أمامه قاده إلى الجنّة، و من جعله خلفه ساقه إلى النار (2).

و ما في النهج‏ (3) حول القرآن من كلمات بديعة لا تصدر إلّا من سيد البشر أو وصيه، و عند التعارض يؤخذ بالموافق لكتابه و المطابق للذكر الحكيم و هو الطائفة الثانية.

الشبهة الرابعة: عدم الانسجام بين الآيات و الجمل:

هذه الشبهة أبدعها الملاحدة في القرآن الكريم و اتّخذها القائلون بالتحريف ذريعة لمقاصدهم و قد كتب» سايل الانكليزي «كتاباً في ذاك المجال و نقله إلى العربية هاشم العربي و ردّ عليه المحقق البلاغي بكتاب أسماه:» الهدى إلى دين المصطفى «و هو مطبوع.

و لنذكر نماذج:

1 قوله سبحانه: (لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لا نَوْمٌ‏) (البقرة/ 255) فإنّ الصحيح تقديم النوم على السنة، فانّ الراجح في هذه الموارد، التدرّج من العالي إلى الداني،

____________

(1)- رجال الكشي: 199.

(2)- الكافي: 599/ 2.

(3)- نهج البلاغة: الخطبة 81 و 110 و 147.

175

و يقول الانسان: لا يأخذني النوم في الدرس بل السنة.

و الجواب: إنّ الأخذ متضمن معنى الغلبة، و القرآن بعد توصيفه سبحانه: ب (الْحَيُّ الْقَيُّومُ‏) يصفه بأنّه لا يصير مغلوباً للدرجة الناقصة من النوم، أعني: السنة، بل لا يصير للدرجة القوية منها، و هذا كما إذا قيل: لا يغلبني ذاك البطل، بل أُستاذه و مربيه.

2 قوله سبحانه: (وَ إِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى‏ فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى‏ وَ ثُلاثَ وَ رُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً) (النساء/ 3) فزعموا أنّه لا صلة بين الشرط و الجزاء.

و الجواب: أنّ القرآن يعتمد في إفهام مقاصده على القرائن الحالية أو الحافّة بالكلام فيختار الإيجاز غير المخلّ للفصاحة، و قد بحث في الآية المتقدّمة الكلام حول الأيتام و قال: (وَ آتُوا الْيَتامى‏ أَمْوالَهُمْ وَ لا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ‏) (النساء/ 2). فحثّ على حفظ أموال الأيتام هذا من جانب.

و من جانب آخر: كانت العرب تتزوج البنات الأيتام ذوات الأموال و الثروة فيأكلون أموالهن ثم يطلّقوهن، و قد أوعد القرآن على ذاك العمل بالنار و قال: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى‏ ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً) (النساء/ 10).

فلأجل ذا و ذاك حثّ القرآن على المؤمنين بأنّهم إن خافوا ألّا يقسطوا في أموال اليتامى إذا تزوجوهنّ فذروهنّ و أنكحوا النساء الأُخر التي ليست فيهنّ تلك المظنّة.

أو المراد أنّكم إذا خفتم ألّا تقسطوا إذا تزوّجتم نساءً و معهنّ أولاد أيتام و لهم أموال، فذروا تلك النساء و تزوّجوا غيرهنّ و يشهد لذاك التفسير قوله سبحانه في تلك السورة: (وَ يَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَ ما يُتْلى‏ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَ تَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ وَ أَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى‏ بِالْقِسْطِ) (النساء/ 127).

176

3 قوله سبحانه: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً) (المائدة/ 3). فقد وقعت الآية في أثناء البحث عن أحكام اللحوم، فصدر الآية و ذيلها في بيانها، و قد توسط قوله: (الْيَوْمَ‏) في ثنايها.

4 قوله سبحانه: (إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) فقد وقع بين قوله: (وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَ‏) و قوله: (وَ اذْكُرْنَ ما يُتْلى‏ فِي بُيُوتِكُنَ‏) (لاحظ سورة الأحزاب الآية: 33 34).

و الجواب: انّ إحدى الدواعي لصيانة القرآن عن التحريف عدم التعرض لأسماء أوليائه و إلّا لأصرّ الأعداء على حذف أسمائهم فيتطرق التحريف إليه من هذا الجانب.

و على ذلك الأساس جعل الآيات المربوطة بهم في ثنايا مطالب أُخر، حتى لا يورث حساسية في الأغيار فجعل آية الولاية ضمن الآيات الباحثة عن أحكام اللحوم مع التصريح في السنّة بأنّ المقصود من (الْيَوْمَ‏) المذكور هو يوم الغدير الذي نصب فيه وصيه للإمامة، كما جعل آية التطهير في ثنايا الآيات الباحثة في زوجات النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و نسائه مع نصب أمارات كتذكير الضمائر، و إلقاء العباء على رءوس خمسة من أهل بيته، لئلّا يغترّ القارئ بالسياق و يندفع إلى الحقّ فأصاب الغرض مع عدم التحريف‏ (1).

و حصيلة البحث في حجّية ظواهر الكتاب أنّه إن كان المراد عدم إمكان فهم مقاصد الكتاب أصلًا من دون المراجعة إلى أهل الذكر، فهذا مخالف للضرورة، و إن كان المراد عدم الاشتغال به و لزوم الرجوع إليهم و الأخذ بما ورد عنهم ثمّ الاحتجاج به، فهذا أمر اتفق عليه المسلمون، كيف و عندهم المخصص و المقيد و تعيين الناسخ و المنسوخ.

____________

(1)- هذه إلمامة عابرة حول صيانة الكتاب عن التحريف حسب ما يناسب المقام، و البحث أوسع نطاقاً ممّا ذكره الأُستاذ مد ظلّه، و لعلّ التوفيق يرافقه في المستقبل لإفراده بالبحث بإذنه سبحانه.

177

و لعلّ مراد الأخباريين هو ذلك و إن كان عباراتهم في موارد لا تفي بذلك، و لكن توجد فيها إشارة إلى القول الثاني، فهذا هو محمد الأمين الأخباري، يحتجّ على انحصار الدليل على السماع عن الصادقين بقوله:» لا سبيل إلى فهم مراد اللّه إلّا من جهتهم لأنّهم عارفون بناسخه و منسوخه و الباقي على إطلاقه و المؤوّل و غير ذلك « (1).

و يقول الحر العاملي:» ظواهر الكتاب المحتملة للنسخ و التخصيص و التقييد و التأويل و غيرها « (2).

و قد نقل البحراني كلام شيخ الطائفة في مقدمات الحدائق و عدّه القول الفصل و المذهب الجزل، و قد جعل الشيخ معاني القرآن على أربعة أقسام:

1 ما اختصّ اللّه تعالى بالعلم به.

2 ما يكون ظاهره مطابقاً لمعناه فكلّ من عرف اللغة التي خوطب بها عرف معناه مثل قوله تعالى: (وَ لا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِ‏) (الأنعام/ 151).

3 ما هو مجمل لا يبين ظاهره عن المراد به مفصلًا، مثل قوله: (أَقِيمُوا الصَّلاةَ) فهذا و أمثاله لا يمكن استخراج تفاصيلها إلّا ببيان النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم).

4 ما كان اللفظ مشتركاً بين معنيين فما زاد و اللفظ يحتملها، فلا ينبغي أن يقدم أحد فيقول إنّ مراد اللّه بعض ما يحتمل إلّا بقول نبي أو إمام معصوم‏ (3).

و على ضوء هذا يصبح النزاع لفظياً و النقاش صوريّا و أوّل من أثبت ذلك شيخنا» محمد هادي معرفت «في كتابه» التمهيد «حيّاه اللّه و بيّاه.

____________

(1)- الفوائد المدنية: 48 و 128.

(2)- الفوائد الطوسية: 186.

(3)- التبيان: 5/ 1، و لاحظ الحدائق الناظرة: 32/ 1.

178

الثاني‏ (1): قول اللغوي:

كان البحث السابق حول الكبرى و أنّ الظاهر حجة أو لا؟ و قد عرفت أنّه إمّا من الأُمور المفيدة للقطع بالمقصود الاستعمالي على المختار، أو خارج عن تحت الأصل لأجل بناء العقلاء.

و حان البحث عن تشخيص الظواهر و أنّ هذه الكلمة هل هي ظاهرة في ذاك المعنى أو لا؟ و قد ذكروا لتشخيصه أُموراً و أمارات فرغنا عن أكثرها من التبادر و صحّة الحمل و السلب، و الاطراد، و أصالة الحقيقة، و أصالة عدم القرينة، و من تلك الأمارات: قول اللغوي، فهل هو حجة بالخصوص أو لا؟

توضيحه: أنّه لو قلنا: إنّ تشخيص المعاني الحقيقية عن المجازية من الأُمور الحسّية، و اللغوي يشهد بأنّه موضوع لكذا، يدخل في باب الشهادة فيعتبر فيه التعدد، و العدالة و الإحساس.

و أمّا إن قلنا: بأنّ التشخيص المزبور من الأُمور الحدسية التي تحتاج إلى إعمال النظر و الرأي، و قلنا: بأنّ اللغوي خبير هذا الأمر، تكون حجّية قوله من باب حجّية قول أهل الخبرة كالمقوّم و الطبيب، و لا يعتبر فيه العدالة و التعدد و اعتبار العدالة في الفقيه لدليل.

أمّا القول الأوّل: فقد اختاره المحقق الخوئي دام ظلّه قائلًا: بأنّ تعيين معاني الألفاظ من قبيل الأُمور الحسّية التي لا دخل للنظر و الرأي فيها، لأنّ اللغوي ينقلها على ما وجده في الاستعمالات و المحاورات ليس له إعمال النظر و الرأي فيكون داخلًا في باب الشهادة المعتبرة فيها العدالة و التعدد على قول المشهور (2).

____________

(1)- أي المورد الثاني ممّا خرج عن الأصل الأولي و كان الأوّل هو الظواهر.

(2)- مصباح الأُصول: 131/ 2.

179

يلاحظ عليه: أنّ إخباره عن موارد الاستعمال، فضلًا عن إخباره عن المعنى الحقيقي في مقابل المعنى المجازي، ليس مجرّداً عن إعمال النظر و الاجتهاد، بل مزيج بالحدس و يكفي في إثبات ذلك استشهاد أصحاب المعاجم، بالآيات و الأحاديث النبويّة و أشعار الشعراء حيث إنّهم يعيّنون موارد الاستعمال ببركة الإمعان فيها، لا أنّهم رأوا بأُمّ أعينهم أو سمعوا باذنهم أنّ العرب استعملت الكلمة في المعنى الخاص، حتّى يكون إخبارهم شهادة على الاستعمال، فسواء أ كان إخبارهم عن المعنى الأصلي أم مورد الاستعمال فالكل مزيج بالاجتهاد كما هو لائح لمن سبر كتب اللغة، هذا كلّه حول القول بحجّية قوله من باب الشهادة و قد عرفت حاله.

و أمّا القول الثاني: أي حجيّة قوله من باب أنّهم أهل الخبرة، فقد أورد عليه سيّدنا الأُستاذ بعدم حجية هذه السيرة، لعدم وجودها في زمن المعصومين (عليهم السلام) فإنّ الرجوع إلى كتب اللغويين أمر حادث بعدهم‏ (1).

يلاحظ عليه: أوّلًا: أنّه إذا كان الرجوع إلى أهل الخبرة أمراً أطبق عليه العقلاء في زمان المعصومين كفى ذلك في تصحيح الرجوع إلى كتب اللغة بعد قبول كونهم الخبراء فيما يرجع إليهم.

و ثانياً: أنّ كتاب العين، تأليف الخليل بن أحمد الفراهيدي من الكتب المؤلفة في عصر الصادق (عليه السلام) و الكاظم (عليه السلام) حيث إنّه توفّي عام 170 أو 175 و عاش 74 سنة و لم يؤلّفه إلّا ليرجع إليه الناس.

و كان الأصمعي المتوفّى 207 ه المرجع في اللغة و الأدب و كان الناس يسألونه عن معاني الألفاظ، و قد سئل يوماً عن الألمعيّ فقال:

الألمعيّ الذي يظن بك‏* * * الظن كأن رأى و قد سمعا

و كان ابن عباس المرجع الكبير في تفسير لغات القرآن، و كان يقول: الشعر

____________

(1)- تهذيب الأُصول: 97/ 2.

180

ديوان العرب فإذا خفى علينا الحرف من القرآن الذي أنزله بلغة العرب رجعنا إلى ديوانه فالتمسنا معرفة ذلك منه ثم قال: إذا سألتموني عن غريب القرآن فالتمسوه في الشعر فإنّ الشعر ديوان العرب.

و كان يُسأل عن القرآن فينشد فيه بالشعر، و قد سأله نافع بن الأزرق عن لغات القرآن ما يربو على مائة و سبعين سؤالًا فأجابه مستشهداً بشعر العرب، و من أراد فليرجع إليه و هو يعرب عن احاطة ابن عباس بشعر العرب و موارد استعماله و قد نقلها السيوطي في الاتقان‏ (1).

ربّما يورد على الاستدلال: بأنّ المطلوب من الرجوع إلى قول اللغوي، هو الوقوف على المعنى الحقيقي و تمييزه عن المعنى المجازي ليحمل النص عند التجرّد عن القرينة، على الحقيقي، و لكن اللغوي ليس شأنه إلّا بيان موارد الاستعمال و هو أعم من الحقيقة كما بيّن في محله، فلا فائدة في الرجوع إذ لا يترتب عليه أثر و هو الوقوف على المعنى الحقيقي ليحمل عليه النص.

يلاحظ عليه: أنّ بعض المعاجم ألّف في هذا الشأن، كالمقاييس لأحمد بن فارس بن زكريا المتوفّى عام 395 ه، فقد قام ببراءة خاصة باراءة أُصول المعاني و جذورها ثم مشتقاتها و فروعها، ترى أنّه يذكر لبعض الألفاظ» أصلًا و معنى واحد «و في الوقت نفسه يذكر لها غيره معاني متعددة، و ما هذا إلّا أنّ غيره لم يميّز بين الأصل و فرعه و لكنه عيّن الأصل، و ما اشتق منه، و يقرب من ذلك كتاب العين، للخليل بن أحمد.

أضف إلى ذلك أنّ المأنوس بالمعاجم الموجودة، يستطيع أن يصل إلى مقصده و يقف على ضالّته بالتدبر و الامعان، و يميّز المعنى الأصلي عن المعاني المشتقة منه بمناسبة، و لكنّه يتوقف على قريحة أدبية و أنس باللغة و الأدب.

و ربّما يستدل على حجّية قول اللغوي بوجود الانسداد في خصوص باب‏

____________

(1)- الاتقان: ج 382/ 1 416.

181

اللغة، سواء انسد باب العلم بالأحكام أو لا، فإنّ معاني الألفاظ مجهولة غالباً، أو لا أقلّ سعتها و إطلاقها.

و اعترض عليه الشيخ الأعظم: بأنّه لو كان باب العلم بالأحكام مفتوحاً لما ضرّ انسداد باب العلم باللغة، لعدم الحاجة شرعاً إلى فهم معاني اللغات، و مع انسداده يكون الظنّ بالحكم، الحاصل من قول اللغوي، حجة و إن كان باب العلم مفتوحاً في باب اللغة.

و مع ذلك كلّه ليس للفقيه غنى من الرجوع إلى المعاجم في ذلك، و ذلك لأنّ هناك ألفاظاً فقهية معلومة إجمالًا، لكنّها مجهولة من حيث الشروط و القيود فلا تفهم إلّا بالرجوع إلى المعاجم المعتبرة لاستظهار الحقيقة منها بالامعان و الدقّة.

لا أقول: إنّ قول اللغوي الواحد حجّة، بل أقول: إنّ الرجوع إلى المعاجم المختلفة المعتبرة و الدقّة في كلماتهم و ضرب بعضها على بعض يورث الاطمئنان و يرفع الشك عن وجه الواقع، مثلًا: اختلف الفقهاء في معنى القمار و المقامرة و انّه هل يعتبر فيهما العوض أو لا، و هل يعتبر فيه الآلة المتعارفة أو لا؟ و لا يعلم ذلك إلّا بعد مراجعة اللغات الأصلية حتّى يحصل الاطمئنان بواحد من الطرفين.

مع أنّ نفي الحاجة إلى قول اللغوي لا يصدر من فقيه واع، محيط بأبواب الفقه و مسائله، إذ ربّما يكون المعنى معلوماً إجمالًا، يتعلّق الشك بدخول بعض الأفراد أو خروجها، فلا تحل العقدة إلّا بالرجوع إلى قول اللغوي كالوطن و المفازة، و الكنز و المعدن و الغوص.

و العجب أنّ هؤلاء الأعاظم مع اتفاقهم على عدم حجّية قول اللغوي في هذا الباب تراهم يعملون على خلاف ذلك في الكتب الفقهية و ما أصدق قول القائل: كأنّهم نسوا في الفقه ما ذكروه في الأُصول و ما ذكره الشيخ استدراكاً على كلامه في حاشية الفرائد، كلام متين فلاحظ.

***

182

الثالث: الإجماع المنقول:

إذا نقل إجماع العلماء على أمر بخبر الواحد، فهل هو حجّة على القول بحجّية الخبر الواحد أو لا؟ و لا يخفى أنّ طبع البحث يقتضي ثبوت أمرين:

الأوّل: حجية الإجماع المحصَّل لنفس الناقل، حتى يُبحث أنّ نقله إلى الغير هل هو حجّة أو لا؟

الثاني: حجية خبر الواحد في نقل الحجج الشرعية.

فما لم يثبت الأمرين قبلًا، لا وجه للبحث عن حجّية الإجماع المنقول بخبر الواحد.

أمّا الثاني: فقد أخّره الشيخ الأعظم و تبعه غيره، و كان الأولى عليه، تقديم البحث عن حجّية خبر الواحد، على المقام، فنحن نقتفي أثرهم.

و أمّا الأوّل: فنبحث عنه هنا ثم نعقّبه بالبحث عن حجّية الإجماع المنقول، فنقول:

الإجماع المحصَّل:

إنّ الإجماع بما هو إجماع أحد الأدلّة عند أهل السنّة و قد بنوا على ذلك خلافة المشايخ و كثيراً من الأُمور التي اتفق عليها المسلمون على زعمهم. و استندوا في حجّية الإجماع على أُمور نذكر بعضها بعد نقل الأقوال:

قال المرتضى في الذريعة: اختلف الناس في هذه المسألة، فقال أكثر المتكلّمين و جميع الفقهاء: إنّ إجماع أُمّة النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) حجّة و أنّهم لا يجوز أن يجمعوا على باطل. و خالف النظّام و من تابعه في ذلك و نفى كون الإجماع حجّة، و حكي عن قوم من الخوارج مثل ذلك. و حكي أيضاً عن بعضهم أنّه أحال كون الإجماع حجّة، لأنّه لا يجوز في جماعة يجوز الخطاء على كلّ واحد منها، أن ينتفي عن جماعتها.

و آخرون نفوا كونه حجّة بأن قالوا: إن أجمعوا على الشي‏ء

183

تبخيتاً (1) فذلك لا يجوز اتباعه، و إن كان توقيفاً عن نص فيجب ظهور الحجّة بذلك و يغني عن الإجماع، و إن كان عن قياس فلن يجوز مع اختلاف الهمم و تباين الآراء و اختلاف وجوه الناس أن يتفقوا على ذلك، و في الناس من نفى الاجماع لتعذّر العلم باتفاق الأُمّة.

ثمّ قال: و الصحيح الذي نذهب إليه أنّ قولنا» إجماع «إمّا أن يكون واقعاً على جميع الأُمّة أو على المؤمنين منهم أو على العلماء فيما يراعى فيه إجماعهم، و على كلّ الأقسام لا بد من أن يكون قول الإمام المعصوم داخلًا فيه، لأنّه من الأُمّة و من أجلّ المؤمنين و أفضل العلماء، فالاسم مشتمل عليه و ما يقول به المعصوم يكون حجّة (2).

هذه هي الأقوال في حجّية الإجماع المحصل. و متكلّمو العامة و فقهاؤهم هم الذين اصطلحوا هذا المصطلح. و ليس الإجماع بما هو إجماع حجّة لدى الشيعة خصوصاً في المسائل الاعتقادية، و بالأخص فيما يجب تحصيلها قبل الإجماع، و لكن لكي لا يشاهروا سيف المخالفة على وجه الشيعة احتالوا في ذلك فقالوا: نحن أيضاً نقول إنّ الإجماع حجّة لكن لا بنفسه، بل بما أنّه يتضمّن قول المعصوم الحجّة (عليه السلام).

قال المرتضى: فلسنا نحن المبتدئين بالقول بأنّ الإجماع حجّة، لكنّا إذا سُئلنا به و قيل لنا: ما تقولون في إجماع المسلمين على أمر من الأُمور؟ فلا بدّ أن نقول: إنّه حقّ و حجّة لأنّ قول الإمام المعصوم (عليه السلام) الذي لا يخلو كلّ زمان منه، لا بد من أن يكون داخلًا في هذا الإجماع‏ (3).

و على كل تقدير فلا بدّ من التعرّض لأدلّة من يرى نفس الاجماع حجة:

____________

(1)- الظاهر أنّه مأخوذ من البخت، كلمة فارسية بمعنى الحظّ، و المراد هناك الصدفة.

(2)- الذريعة: ج 2 ص 603 605.

(3)- المصدر نفسه: ص 623.

184

فاستدلوا بآيات:

الاولى: قوله سبحانه: (وَ مَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى‏ وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَ نُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَ ساءَتْ مَصِيراً) (النساء/ 115) فتوعّد المعرض عن سبيلهم، و أوجب اتّباع سبيلهم، فلولا أنّ الإجماع حجّة لم يوجب اتّباعهم.

يلاحظ عليه: أنّ الآية لا تدلّ على حجّية إجماع الأُمّة بعد عصر رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) و ذلك لأنّ إيجاب التبعية لسبيل المؤمنين في عصره (صلى الله عليه و آله و سلم) لأجل أنّ سبيلهم في ذلك العصر، هو سبيل نفس الرسول فكان الرسول و المؤمنون في جانب، و المنافقون و المشركون في جانب آخر، و من المعلوم أنّ تبعية غير ذلك السبيل، ضلال و وبال، و تبعية مقابله هداية و سعادة، و أين ذلك عن كون نفس سبيل المؤمنين منفكّاً عن الرسول، حجّة. و الآية ناظرة إلى عصره (صلى الله عليه و آله و سلم) و مفادها قضية خارجية لا حقيقية.

و الآية نظير قوله سبحانه: (وَ كَيْفَ تَكْفُرُونَ وَ أَنْتُمْ تُتْلى‏ عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَ فِيكُمْ رَسُولُهُ وَ مَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ‏) (آل عمران/ 101).

الثانية: قوله سبحانه: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ تَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ لَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَ أَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ‏) (آل عمران/ 110).

و هذه صفات لا تليق إلّا لمن كان قوله حجّة.

يلاحظ عليه: أنّ الآية ليست في مقام الإخبار و إلّا لزم الكذب في كثير من أفراد الأُمّة، بل هو إخبار لقصد الإنشاء و أنّهم يجب أن يكونوا كذا و كذا. و عندئذ لا يدلّ على شي‏ء، لأنّ الإنشاء لا يدلّ على اتّصافهم لهذه الصفات. و يحتمل أن‏

185

تكون النسبة إلى الكلّ، باعتبار كون البعض كذلك كما ورد في الروايات‏ (1).

أضف إلى ذلك أنّ الآية تدل على حجّية قول مجموع الأُمّة المحمّدية لا حجّية أهل كل عصر على انفراد.

الثالثة: قوله سبحانه: (وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) (البقرة/ 143).

وجه الدلالة أنّه سبحانه جعل الأُمّة شهداء على النّاس، و جعل الرسول شهيداً على الأُمّة، فلولا كون قولهم مثل قوله، حجّة، لما صحّ عدّهم شهداء في الآخرة على سائر الأُمم.

يلاحظ عليه: أنّ الأُمّة بجميع أفرادها ليست وسطاً سواء كان بمعنى العدل، أو الفضل و الفضيلة (2) و المراد جمع منهم و نُسب الحكم إلى الكلّ لكون البعض فيهم، مثل توصيف بني إسرائيل بجعلهم ملوكاً مع أنّه لم يجعل كلّ واحد منهم ملكاً. و إنّما المجعول عدّة قليلة لا يتجاوز عدد الاصابع قال سبحانه: (اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَ جَعَلَكُمْ مُلُوكاً) (المائدة/ 20).

و بذلك يتبيّن أنّ الشهادة أيضاً ليست عامّة لجميع الناس بل لقسم خاص، و إنّما نسب إلى الجميع مجازاً.

و لأجله يقول الإمام الصادق (عليه السلام) في تفسير الآية: فإن ظننت أنّ اللّه عنى بهذه الآية جميع أهل القبلة من الموحّدين، أ فترى أنّ من لا تجوز شهادته في الدنيا على صاع من تمر، تطلب شهادته يوم القيامة و يقبلها منه بحضرة جميع الأُمم الماضية (3).

____________

(1)- لاحظ ص 172 من بحث نفي التحريف.

(2)- مثل قوله سبحانه: (قالَ أَوْسَطُهُمْ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْ لا تُسَبِّحُونَ) (القلم/ 28).

(3)- تفسير البرهان: ج 1 ص 160.

186

الرابعة: قوله سبحانه: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْ‏ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَ الرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَ أَحْسَنُ تَأْوِيلًا) (النساء/ 59).

استدل به الرازي على كون قول أهل الحلّ و العقد حجّة و قال: اعلم أنّ قوله: (وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ‏) يدلّ عندنا على أنّ إجماع الأُمّة حجّة، و الدليل على ذلك أنّ اللّه تعالى أمر بطاعة: (أُولِي الْأَمْرِ) على سبيل الجزم في هذه الآية و من أمر اللّه بطاعته على سبيل الجزم و القطع لا بدّ و أن يكون معصوماً عن الخطاء، إذ لو لم يكن معصوماً عن الخطاء كان بتقدير إقدامه على الخطاء، يكون قد أمر اللّه بمتابعته، فيكون ذلك أمراً لفعل ذلك الخطاء، و الخطاء لكونه خطأ منهيّ عنه، فهذا يفضي إلى اجتماع الأمر و النهي في الفعل الواحد بالاعتبار الواحد و أنّه محال. فثبت أنّ كل من أمر اللّه بطاعته على سبيل الجزم وجب أن يكون معصوماً. ثمّ نقول: ذلك المعصوم إمّا مجموع الأُمّة أو بعضها، و الثاني غير جائز لأنّ إيجاب طاعتهم قطعاً مشروط بكوننا عارفين بهم، قادرين على الوصول إليهم، و الاستفادة منهم، و نحن في زماننا عاجزون عن معرفة ذلك الإمام المعصوم، عاجزون عن الوصول إليهم، و إذا كان الأمر كذلك علمنا أنّ المعصوم الذي أمر اللّه المؤمنين بطاعته، ليس بعضاً من أبعاض هذه الأُمّة و لا طائفة من طوائفهم، و لمّا بطل هذا وجب أن يكون ذلك المعصوم هو أهل الحلّ و العقد من الأُمّة، و ذلك يوجب القطع أنّ اجماع الأُمّة حجّة (1).

يلاحظ عليه: أنّ الرازي قد أصاب الحقّ في الجملة و كان عليه أن يتعرّف على أُولي الأمر بأعيانهم، لكنّه زلّ قدمه ففسّرها بأهل الحلّ و العقد.

ففيه أوّلًا: أنه لو رجع إلى السنّة لعرف أنّ النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) قد عرّف ذلك الجمع‏

____________

(1)- مفاتيح الغيب: ج 3 ص 250 ط مصر عام 1308 ه و الجمع بين أهل الحل و العقد، و اجماع الأُمّة مع أنّ الأوّل جزء منهم، لأجل كونهم وكلاء الأُمّة.

187

المعصوم‏ (1) و قد كان المسلمون يعرفونهم طيلة 260 عاماً، غير أنّ عناد الحاقدين على الأئمّة المعصومين أوجب اختفاءهم على الرازي و أمثاله.

و ثانياً: أنّ مراده من أهل الحلّ و العقد، و هم العلماء العارفون بالأحكام الشرعية، و مثل هؤلاء لا طاعة لهم، إنّما لهم الإرشاد و الهداية، و أمّا الطاعة فإنّما هي لمصادر الحكم و أصحاب الأمر و النهي، و هم غير العلماء بما هم علماء، و لا مناص عندئذ إلّا تفسير الآية بالزعماء و الحكّام الذين لهم حقّ البعث و الزجر، و يؤيّده ذيل الآية حيث يقول: (فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْ‏ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَ الرَّسُولِ‏) و ليس المراد التنازع في حكم من الأحكام الشرعية، إذ هو ليس قابلًا للتنازع بل يجب على الكلّ السؤال، و أمّا ما هو مظنّة التنازع، فإنّما هي الموضوعات السياسية الاجتماعية التي للآراء فيها دخل و نصيب، و ليس حلّ تلك العقدة بيد العلماء، بل بيد الحكّام الخبراء بالمصالح و الآثار.

و الحاصل أنّ الآية تعتمد على أُولي الأمر، أي أصحاب الأمر و النهي، لا على أُولى العلم، أي أصحاب الذكر و الفكر و العلماء بما هم علماء من مصاديق أُولي العلم، لا من مصاديق أصحاب الأمر و النهي، و بينهما بون بعيد، فلا مناص من تطبيق الآية على القادة الذين لهم أمر و نهي، و أين ذلك من المفتي و الفقيه المتمحض في استنباط الأحكام فقط، اللّهمّ إلّا إذا كان من القادة فيكون أمره مطاعاً بما هو قائد لا بما هو فقيه.

و يؤيد ذلك قوله: (وَ إِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلى‏ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ‏) (النساء/ 83). فإنّ الصدر شاهد على أنّ مورد الرد إليهم، ما يورث الأمن أو الخوف و مثل ذلك كما يشهد عليه سياق الآية، أُمور عسكرية أو سياسية يجب إخفائها، و ليس ذلك إلّا شأن الحكّام أو الأُمراء، لا العلماء بما هم علماء. و عندئذ يجب على الرازي‏

____________

(1)- و يكفي في ذلك حديث الثقلين، و السفينة و ما رواه مسلم في الصحيح.

188

التعرّف على الحكّام الذين تجب طاعتهم على وجه الإطلاق، ولس ذلك إلّا أئمّة الشيعة للاتفاق على عدم عصمة غيرهم.

الخامس: ما ورد عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) من قوله: لا تجتمع أُمّتي على خطاء (1).

يلاحظ عليه: أنّه خبر واحد لا يمكن الاحتجاج به على مسألة أُصولية. أضف إليه: إن أُريد منه جميع الأُمّة بحيث لا يشذ منهم أحد. فعدم اجتماعهم على الخطأ لأجل المعصوم في كلّ عصر بينهم. أضف إليه أنّه لا يتحقّق إجماع كذلك في غير الضروريات.

وجه حجّية الإجماع عند الشيعة:

إذا وقفت على عدم تمامية أدلّتهم، فلنعطف عنان البيان إلى توضيح حال الإجماع عند الشيعة.

و اعلم: أنّ الإجماع بما هو إجماع، ليس أحد الأدلّة عند الشيعة إلّا إذا كان مقارناً بقول المعصوم (عليه السلام) بدخوله فيهم، أو كشفه عن قوله بقاعدة اللطف، أو بالحدس، أو عن وجود دليل معتبر وصل إليهم و لم يصل إلينا، أو نحو ذلك، و إلّا فلا قيمة لنفس الإجماع بما هو هو.

و بذلك يعلم أنّه لو اتفق المسلمون على شي‏ء يخالف ما اتفقوا عليه في سالف الزمان، يكون الكلّ حكم اللّه على قول المخالفين. و أمّا على قول الشيعة، فأحد الإجماعين خطأ غير كاشف عن الحجّة.

ثمّ إنّ الشيعة اتّفقوا على حجّية الإجماع بوجوه و قد ذكر المحقّق التستري في رسالة المواسعة و المضايقة اثنا عشر وجهاً في حجّية الإجماع المحصَّل، و نقلها بعينها المحقق الآشتياني في» بحر الفوائد « (2).

____________

(1)- رواه ابن ماجة في سننه: 1203/ 2 و روي أيضاً قريباً منه.

(2)- راجع: ص 123 125.

189

و قد أوضح تلك الوجوه في كتاب» كشف القناع لمؤلفه المحقق التستري «و بيّنها بوجه مبسوط و الكتاب من نفائس الكتب في موضوعه طالعه و اعرف قدره:

الوجه الأوّل:

أنّ المعصوم (عليه السلام) جزء الأُمّة و أفضلهم و اتفاقهم على شي‏ء يلازم لاتفاقه (عليه السلام) معهم فيكون كاشفاً عن موافقته، و هذا هو الإجماع المسمّى بالإجماع الدخولي، و هو غير متحقّق إلّا في زمن الحضور لا الغيبة، و مع ذلك لم نجد مورداً له حتّى في زمن الحضور، فإنّ المتفقات لها دليل واضح من الكتاب و السنّة.

الوجه الثاني:

ما اعتمد عليه المرتضى و تلميذه الشيخ من قاعدة اللطف، قال المرتضى: إنّ العقل قد دلّ على أنّه لا بدّ في كلّ زمان من إمام معصوم ليكون ذلك لطفاً في التكليف العقلي‏ (1).

قال المحقّق التستري في كشف القناع: الثالث: من وجوه الإجماع أنّ يستكشف عقلًا رأي الإمام (عليه السلام) من اتفاق من عداه من العلماء على حكم، و عدم ردّهم عنه، نظراً إلى قاعدة اللطف التي لأجلها وجب على اللّه نصب الحجّة المتصف بالعلم و العصمة. فإنّ من أعظم فوائده، حفظ الحقّ و تمييزه من الباطل كي لا يضيع بخفائه و يرتفع عن أهله أو يشتبه بغيره، و تلقينهم طريقاً يتمكّن العلماء و غيرهم من الوصول به إليه و منعهم و تثبيطهم عن الباطل أوّلًا، أو ردّهم عنه إذا أجمعوا عليه‏ (2).

____________

(1)- الذريعة: ج 2 ص 606 و هو ظاهر أنّ نصب الإمام لطف من اللّه.

(2)- كشف القناع: ص 114.

190

و يظهر من الشيخ في العدة و في كتاب الغيبة له و غيرهما، أنّ الذي ارتضاه المرتضى أوّلًا، رجع عنه، و يظهر في رسالة الطرابلسيات أنّه مذهب أصحابنا قديماً و هذا مذهب جماعة من قدماء الأصحاب و متأخّريهم.

قال: و ذكر المرتضى أخيراً أنّه يجوز أن يكون الحقّ فيما عند الإمام و الأقوال الأُخر تكون كلّها باطلة، و لا يجب عليه الظهور لأنّه إذا كنّا نحن السبب في استتاره فكلّ ما يفوتنا من الانتفاع به و بتصرّفه و ما معه من الأحكام، نكون قد أتينا من قبل نفوسنا فيه، و لو أزلنا سبب الاستتار لظهر و انتفعنا به و أدّى إلينا الحقّ الذي عنده.

و قال الشيخ: و هذا عندي غير صحيح لأنّه ليؤدّي إلى أن لا يصحّ الاحتجاج بإجماع الطائفة أصلًا، لأنّا لا نعلم دخول الإمام فيهم إلّا بالاعتبار الذي بيّناه، فمتى جوّزنا انفراده بالقول و لا يجب ظهوره، منع ذلك من الاحتجاج بالإجماع.

و قال المرتضى في رسالة الطرابلسيات: و الذي يقوى الآن في نفسي أنّه غير ممتنع أن يكون عند إمام الزمان غائباً كان أو حاضراً من الحقّ في بعض الأحكام الشرعية ما ليس عندنا (1).

و ممن ذهب إلى اعتبار الإجماع من هذه الجهة، الشيخ الكراجكي قال: كثيراً يقول المخالفون: إذا كنتم قد وجدتم السبيل إلى علم تحتاجونه من الفتاوى المحفوظة عن الأئمّة المتقدمين، فقد استغنيتم بذلك عن إمام الزمان. فأجاب إلى فائدة وجوده أيضاً بأنّه يكون من وراء العلماء و شاهداً لأحوالهم عالماً بأخبارهم، إن غلطوا هداهم، أو نسوا ذكّرهم‏ (2).

و ممن أيّد هذه القاعدة المحقّق الداماد، قال: و من ضروب الانتفاعات أن‏

____________

(1)- رسائل المرتضى ج 1: رسالة المسائل الطرابلسيات الثالثة: 311.

(2)- كشف القناع: ص 145.

191

يكون حافظاً لأحكامهم الدينية على وجه الأرض عند تشعّب آرائهم، و اختلاف أهوائهم، و مستنداً لحجّية إجماع أهل الحلّ و العقد، فإنّه عجّل اللّه لا يتفرد بقول، بل من الرحمة أن يكون من المجتهدين من يوافق رأيه رأي إمام عصره و صاحب أمره، يطابق قولُه قولَه.

و قد نقل من شريف العلماء أنّه قال: فإنّ وجود الإمام في زمن الغيبة لطف قطعاً، و من ذلك حفظ الشريعة و ردّ المجمعين على الباطل و إرشادهم إلى الحقّ‏ (1).

هذا و قد نقل المحقّق التستري كلمات كثير من العلماء القدامى و المتأخّرين، و استظهر من عباراتهم أنّها تنطبق على الاعتماد على قاعدة اللطف، و مع ذلك فهي غير تامة لوجوه:

الأوّل: إنّ اللطف الواجب على اللّه ينقسم إلى قسمين: محصِّل لغرض التكليف، و مقرِّب للعبد من اللّه سبحانه:

أمّا الأوّل: فهو عبارة عن القيام بالمبادئ و المقدّمات التي يتوقّف عليها تحقّق غرض الخلقة، و صونها عن العبث و اللغو، بحيث لو لا القيام بها لصار فعله فارغاً عن الغاية و ناقضاً حكمته التي تستلزم التحرّز عن العبث.

و من هذا الباب بعث الرسل و تبيين طريق العبادة، و إعطاء القدرة للعبد على امتثال التكاليف التي قام ببيانها الرسل.

و أمّا الثاني: فهو عبارة عن القيام بما يكون محصِّلًا لغرض التكليف بحيث لولاه لما حصل الغرض منه، و ذلك كالوعد و الوعيد و الترغيب و الترهيب التي تستتبع رغبة العبد إلى العمل، و بعده عن المعصية، و هذا النوع من اللطف ليس دخيلًا في تمكين العبد من الطاعة بل هو قادر على الطاعة و المخالفة سواء أ كان‏

____________

(1)- كشف القناع: ص 148.

192

هناك وعد أم لا، فإنّ القدرة على الامتثال رهن التعرّف على التكليف عن طريق الأنبياء، مضافاً إلى إعطاء الطاقات المادّية.

و المفروض حصول هذه المبادئ و المقدّمات، غير أنّ كثيراً من الناس لا يقومون بواجبهم بمجرّد الوقوف على التكليف ما لم يكن هناك وعد و وعيد و ترغيب و ترهيب، فهذا النوع من اللطف قد وقع موقع النقاش بين المتكلّمين.

و الحقّ هو القول بوجوب اللطف إذا كان غرض التكليف (لا غرض الخلقة) موقوفاً عليه عند الأكثرية الساحقة من المكلّفين.

مثلًا: لو فرضنا أنّ غالب المكلّفين لا يقومون بتكاليفهم بمجرّد سماعها من الرسل و إن كانوا قادرين عليها إلّا إذا كانت مقرونة بالوعد و الوعيد، و الترغيب و الترهيب. وجب على المكلّف القيام بذلك صوناً للتكليف عن اللغوية. و لو أهملها المكلّف، ترتّب عليه بطلان غرضه من التكليف، و بالتالي بطلان غرضه من الخلقة.

و في الكتاب و السنّة إشارات إلى هذا النوع من اللطف، يقول سبحانه: (وَ بَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَ السَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ‏) (الأعراف/ 168).

و المراد من الحسنات و السيئات: نعماء الدنيا و ضرّاؤها، و كان الهدف من ابتلائهم بهما هو رجوعهم إلى الحقّ و الطاعة.

و يقول سبحانه: (وَ ما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَ الضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ‏) (الأعراف/ 94). و في الآية إشارة إلى كلا القسمين من اللطف.

و مفاد الآية: أنّ اللّه تعالى أرسل رسله لإبلاغ تكاليفه تعالى إلى العباد و إرشادهم إلى طريق الكمال (اللطف المحصل) غير أنّ الرفاه و الرخاء و التوغّل في النعم المادية، ربّما يسبب الطغيان و غفلة الانسان عن هدف الخلقة و إجابة دعوة

193

الأنبياء، فاقتضت حكمته تعالى أخذهم بالبأساء و الضرّاء لعلّهم يضّرّعون و يبتهلون إلى اللّه تعالى‏ (1).

و لأجل ذلك نشهد أنّ الأنبياء لم يكتفوا بإقامة الحجّة و البرهان، و الإتيان بالمعاجز، بل كانوا مضافاً إلى ذلك مبشّرين و منذرين. و كان الترغيب و الترهيب من شئون رسالتهم، قال تعالى: (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ‏) (النساء/ 165) و الإنذار و التبشير دخيلان في رغبة الناس بالطاعة و ابتعادهم عن المعصية.

و في كلام الإمام علي (عليه السلام) إشارة إلى هذا، قال (عليه السلام):

» أيّها الناس، إنّ اللّه تبارك و تعالى لمّا خلق خلقه أراد أن يكونوا على آداب رفيعة و أخلاق شريفة، فعلم أنّهم لم يكونوا كذلك إلّا بأن يعرّفهم ما لهم و ما عليهم، و التعريف لا يكون إلّا بالأمر و النهي‏ (2) و الأمر و النهي لا يجتمعان إلّا بالوعد و الوعيد، و الوعد لا يكون إلّا بالترغيب، و الوعيد لا يكون إلّا بالترهيب، و الترغيب لا يكون إلّا بما تشتهيه أنفسهم و تلذه أعينهم، و الترهيب لا يكون إلّا بضدّ ذلك ... إلخ «.

(3) و قوله (عليه السلام):» و الأمر و النهي لا يجتمعان إلّا بالوعد و الوعيد «إشارة إلى أنّ امتثال الأمر و النهي و نفوذهما في نفوس الناس، يتوقّف على الثواب و العقاب، فلولاهما لما كانت هناك حركة إيجابية نحو التكليف إلّا من العارفين الذين يعبدون اللّه تعالى لا رغبة و لا رهبة، بل لكونه مستحقاً للعبادة.

فتحصل من ذلك: أنّ ما هو دخيل في تحقّق الرغبة بالطاعة، و الابتعاد عن‏

____________

(1)- لاحظ الالهيات لشيخنا الأُستاذ: ج 1، بحث البلايا و المصائب و الشرور و كونه حكيماً، ص 283 286.

(2)- هذا اشارة إلى اللطف المحصل.

(3)- بحار الأنوار: ج 5، كتاب العدل و المعاد، الباب 15، الحديث 13 ص 316.

194

المعصية، في نفس الأكثرية الساحقة من البشر، يجب على اللّه سبحانه القيام به صوناً للتكليف عن اللغو، و بالتالي صوناً للخلقة عن العبث.

نعم إذا كانت هذه المبادئ كافية في تحريك الأكثرية نحو الطاعة و لكن القليل منهم لا يمتثلون إلّا في ظروف خاصة، كاليسر في الرزق، أو كثرة الرفاه، فهل هو واجب على اللّه سبحانه؟

الظاهر لا، إلّا من باب الجود و التفضّل.

و بذلك يعلم أنّ اللطف المقرّب إذا كان مؤثّراً في رغبة الأكثرية بالطاعة و ترك المعصية يجب من باب الحكمة.

و أمّا اللطف في دائرة أوسع من ذلك أي في غير المحصل و القرب، فلا دليل على وجوبه، و لا يعدّ تركه منافياً للحكمة و لا ظلماً في حقّ العباد و لنذكر موردين:

1 إذا كان اللطف مؤثّراً في آحادهم المعدودين، فالقيام به من باب الفضل و الكرم لا من باب الحكمة كما إذا كان الغنى دخيلًا في رغبة بعض الناس إلى الطاعة، أو كان فقره مانعاً من قربه إلى المعصية، فلا دليل على وجوب إغناء الأوّل و إفقار الثاني إلّا من باب الفضل و الكرم لا من باب الحكمة، و ما يجب عليه سبحانه من ذلك الباب، هو إيجاد الرغبة إلى الطاعة، و الابتعاد عن المعصية على النحو المؤثّر في الكلّ أو الأكثرية الساحقة لئلّا يبطل غرض التكليف. و أمّا تهيئة عوامل القرب من الطاعة و الابتعاد عن المعصية حسب طبيعة آحاد الناس، فليس يلازم و لا يعدّ التخلّف ظلماً، إذ يكفي الترغيب و الترهيب العموميان في تحصّل غرض التكليف.

2 إذا اجتمعت الأُمّة في عصر على حكم خاطئ ممّا يتعلّق بالأحكام العملية فلا يجب عليه سبحانه اللطف، بمعنى دفع اجتماعهم عليه، إذ لا تبطل بالاجتماع على الخطاء، غاية الخلقة و لا غاية التكليف.

و أقصى ما يمكن أن يقال:

195

إنّه يجب عليه سبحانه، رفع التكليف الواقعي عنهم و صيرورته غير فعلي، أو غير منجّز لكونهم معذورين في خطئهم و اشتباههم.

و العجب أنّ المتمسّكين‏ (1) باللطف يكتفون في تحقّقه في المقام بإظهار الخلاف، و لو بلسان واحد من علماء العصر أو رجل مجهول النسب، و هو كما ترى، إذ أية فائدة في هداية واحد و ترك الجميع في الضلالة، و لو وجب اللطف، وجب هداية الكلّ، لا النادر الشاذ، نعم يترتّب على مخالفة الفرد، أنّه لا يتلقى الجيل الآتي اجتماعهم حجّة لمخالفة واحد منهم، خصوصاً إذا كان مجهول النسب، و عندئذ يكون لطفاً نسبياً في حقّ الأجيال الآتية، لا لطفاً مطلقاً عاماً يشمل عصر المجمعين و الجيل العائش فيه.

هذا تحليل لأصل القاعدة و مقدار دلالتها و هناك نكات لا بدّ من التنبيه عليها:

1 إنّ حال الغيبة لا تفترق عن حال الحضور، فكما أنّه يجوز له كتمان بعض الحقائق لخوف أو تقية أو غير ذلك من المصالح و ليس له داع أن يلقي نفسه في التهلكة إذا لم يُمكنه اللّه سبحانه، فهكذا حال الغيبة، و لا سيّما في المسائل التي لا تمسّ الحاجة إليها إلّا نادراً.

و إلى ذلك أشار المرتضى في كتابه الشافي: إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) كان منذ قبض اللّه نبيّه (صلى الله عليه و آله و سلم) في حال تقية و مداراة و مرافقة، و أنّه لمّا أُفضي إليه الأمر لم تفارقه التقية و كان يقول لقضاته و قد سألوه بما ذا نحكم؟

فقال: احكموا بما كنتم تحكمون حتى يكون الناس على جماعة (2).

2 إنّ المصالح التي اقتضت غيبة الإمام و أوجبت حرمان الناس من كثير من الفيوض المعنوية، هي التي اقتضت رفع إيجاب إظهار الحق، و الردع عن‏

____________

(1)- كالمحقق الداماد في كلامه السابق.

(2)- كشف القناع: ص 149 نقلًا عن الشافي.

196

الباطل، فليس الحرمان من التعرّف على حكم أعلى من التعرف على الإمام و الاستضاءة بنوره (عليه السلام).

و لا يتوهم من ذلك أنّه ليس لوجوده في زمان الغيبة أي فائدة، فإنّ لوجوده (عليه السلام) فوائد مذكورة في محلّه و يظهر منه الشي‏ء بعد الشي‏ء، و الأمر بعد الأمر بالطرق الظاهرة أو الخفية حسب ما اقتضاه الحكم و المصالح.

و لا تقتصر فائدة وجوده عن فائدة وجود مصاحب موسى، حيث كان له تصرفات لصالح الفقراء و المساكين و مع ذلك ما كان يعرفه الخواص مثل موسى فضلًا عن العوام، و كانت تصرّفاته بمرأى و مسمع من الناس و هم لا يرون بعض تصرّفاته كخرق السفينة و قتل الغلام و إلّا لمنعوه عن الفعل.

و ليس المقام مناسباً لتفصيل فوائد وجوده (عليه السلام) و قد ذكره شيخنا الأُستاذ في كتاب الأسئلة و الأجوبة فراجع.

الوجه الثالث:

حدس قول المعصوم من اتفاق الأُمّة أو العلماء بأنّ فتوى كلّ فقيه و إن كان يفيد الظن و لو بأدنى مرتبة، إلّا أنّه يتقوّى بفتوى فقيه ثان فثالث إلى أن يحصل للانسان اليقين بكون فتوى الجميع موافقاً لقول الإمام (عليه السلام) إذ من البعيد أن يتطرّق الخلاف إلى فتوى هؤلاء (1).

و هذه النظرية كانت معروفة في العصور المتقدمة، لكن بشكل آخر و هو استكشاف كونه موافقاً للواقع و قد نقل عن المرتضى: أنّه أَورد عليها بأنّه لا يجوز في جماعة يجوز الخطاء على كلّ واحد منها، أن ينتفي عن جماعتها (2).

____________

(1)- و على هذا يكون الاجماع من الأدلّة القطعية بخلاف الوجه الآتي، فلاحظ. و يسمّى هذا النوع من الاجماع بالاجماع الحدسيّ.

(2)- فاعل» لا يجوز «.

197

و قرّره المحقّق الآشتياني و قال: إنّ خطأ الانظار في المسائل العلمية النظرية، و إن توافقت و تراكمت، لا تحيله عادة، غاية ما هناك حصول الظن أو القويّ منه‏ (1).

و أوضحه صاحب مصباح الأُصول: بأنّه فرق بين الإخبار عن حس و الإخبار عن حدس، فاخبار الجماعة في الأُولى يفيد القطع، لأنّ احتمال مخالفة الخبر للواقع في الأوّل ناش عن تعمّد الكذب أو الخطاء في الحس، و كلا الاحتمالين ضعيف بكثرة المخبرين، و هذا بخلاف الإخبار الحدسي المبنيّ على البرهان، فإنّ نسبة الخطاء إلى الجميع كنسبته إلى الواحد، إذ احتمال كون البرهان مخالفاً للواقع لا يفرق فيه بين أن يكون الاستناد إليه من شخص واحد أو أكثر (2).

أقول: هذا الوجه هو الوجه السادس من اثني عشر وجهاً لحجّية الإجماع المحصَّل حسب ما أنهاه المحقّق التستري و يلاحظ عليه بأمرين:

الأوّل: أنّ احتمال الاشتباه في العقليّات ممّا لا ينبغي إنكاره و كم فرق بين الإدراك ببصيرة العقل و بين الإدارك بالبصر، و مع ذلك يختلف الحال حسب اختلاف أصحاب النظر في الذكاء و الدقة، و في الألمعية و الفطنة، و في اختلافهم في كثرة الممارسة و قلّتها، و اختلاف جوهر المسائل من حيث كونها عقليّة محضة ككيفية علمه سبحانه، أو قربها من المسائل العقليّة الواضحة أو المحسوسة، و لأجل هذه الاختلافات ربّما يكون احتمال خطأ المجمعين ماثلًا أمام بصيرتنا، و ربّما يكون على العكس و يصل احتمال الخطأ إلى درجة الصفر، و يتضاءل احتمال خطأ البرهان إلى درجة لا تلتفت إليه النفس و يحصل اليقين. فلا يمكن القضاء في المسائل العقلية بنحو واحد. و لا يرمى الجميع بسهم فارد.

____________

(1)- بحر الفوائد: ص 126.

(2)- مصباح الأُصول: ج 2 ص 139.

198

الثاني: و هو المهمّ في المقام: أنّ هذا الوجه إنّما يفيد إذا كان المجمعون أو معظمهم مقتصرين في معرفة الأحكام بالأدلّة القطعية من كلّ وجه، و أمّا إذا لم يكن كذلك بل من المحتمل استناد كثير منهم إلى الدليل الظنّي، غير الموجب للقطع و اليقين، فلا يحصل القطع بكون مفاد الإجماع مطابقاً للواقع أو لقول المعصوم.

و لأجل ذلك لو أخبرنا مائة رجل بظنّهم عدالة شخص لم يحصل القطع بعدالته، أو أخبروا عن ظن برؤية الهلال، أو عن المرئي عن بُعد، المتردّد بين الانسان و الحيوان بأنّه إنسان، لم يحصل اليقين.

و العلماء (رضوان اللّه عليهم) لم يكونوا مكتفين بالدليل القطعي، بل الأكثر لو لا الكلّ كانوا عاملين على الظنون التي ثبت حجّيتها و إذا كان الظن منشأ فتيا هؤلاء فكيف يحصل القطع بأنّ مفادها نفس الواقع و قول الإمام (عليه السلام).

الوجه الرابع:

أن يستكشف من إجماع المجمعين وجود الدليل المعتبر الذي لو وقفنا عليه كما وقفوا لحكمنا بما حكموا به و لم نتخطه، فيكون الإجماع بهذا الاعتبار من الأدلّة المعتبرة غير المفيدة للعلم، و هذا هو الوجه السابع من اثني عشر وجهاً في كلام المحقّق التستري، لحجّية الإجماع المحصَّل، و عند ذلك يحصل القطع من الإجماع على وجود الدليل المعتبر.

و هذا الوجه هو المعتمد، خصوصاً إذا وقفنا على أحوال الفقهاء في العصور الماضية حيث إنّهم صرفوا أعمارهم في حلّ مشكلاته و كشف معضلاته و التزموا بالإفتاء بالسماع عن المعصومين، و بالجملة: ملاحظة احتياطهم في الافتاء و عدم العمل إلّا بالنصوص دون المقاييس، تورث القطع بوجود حجّة في البين وصلت‏

199

إليهم و لم تصل إلينا.

لا أقول: إنّ إجماعهم يكشف عن مطابقة رأيهم لنفس الواقع و نظر المعصوم. بل أنّ إجماعهم مع تورّعهم في الفتيا، يكشف عن وجود حجّة معتبرة في البين فإجماعهم كاشف عن الحجّة على الحكم الواقعي لا عن حكم واقعي.

و يجري ذلك في الخبر المجمع عليه و إن كان ضعيفاً إذا وقع مورداً للاستناد، إذ يكشف عن وجود قرينة مقتضية عن جواز الاعتماد عليه، لا العلم بصدقه و سيوافيك تحقيقه في مبحث الشهرة كما هو الحال في إجماعات المخالفين، إذ يكشف عن وجود دليل معتبر عندهم و إن لم يكن معتبراً عندنا.

فإن قلت: إذا كان إفتاؤهم حاكياً عن وجود دليل معتبر، فيجب أن نعثر عليه في الكتب الأربعة و نظائرها التي أُلّفت لجمع ما في الأُصول و المصنّفات للقدامى من أصحابنا.

قلت: لم يثبت أن مؤلّفي الكتب الأربعة أحاطوا بجميع أخبار أئمّتنا الطاهرين المبثوثة في أُصول أصحابهم و مصنّفاتهم‏ (1) و الشاهد على ذلك: استدراك صاحب الوسائل عليها بالروايات الكثيرة التي نقلها عن سبعين كتاباً، و لمّا كان عمله غير مستوعب، استدرك عليه، المحدّث النوري بتأليف مستدرك الوسائل. و كان سيّدنا الأُستاذ آية اللّه الحجّة الكوهكمري بصدد تأليف مستدرك آخر، و قد هيأ أسبابه و اشتغل، لكن حالت المنية بينه و بين أمله فلبّى دعوة ربّه‏ (2) قبل إنجاز» أُمنيته «.

____________

(1)- قد بُيِّن الفرق بين الأُصول و المصنّفات في كتاب» كلّيات في علم الرجال «لشيخنا الأُستاذ فراجع.

(2)- عام 1372 ه. ق و كان معاصروه يناقشونه و يقولون: المستدرك على المستدرك مستدرك.

200

و كان السيد المحقّق البروجردي يقول: إنّ في فقه المشهور، تسعين مسألة قد أفتى فيها الأصحاب بحكم و ليس هناك أيّ دليل على الحكم سوى الإجماع، و هذا يكشف عن وجود دليل معتبر وصل إليهم، و لم يصل إلينا. و من المؤسف عليه أنّه لم يسمّ تلك المواضع و لم يوفّق أحد من تلاميذه بضبط هذه الموارد.

و ما عن المحقق الخوئي من أنّه يحتمل أن يعتمدوا على قاعدة باطلة، أو أصل مردود، غير تام، بالنظر إلى اتفاقهم على الإفتاء حيث لا يصدرون إلّا بسماع‏ (1).

توضيحه: أنّ اتفاق العلماء إنّما يكشف عن وجود دليل معتبر إذا ثبت، أمران:

1 أن يستكشف من حال المجمعين عدم اعتمادهم في الإفتاء إلّا على النصوص و الروايات، لا على القواعد و الأُصول مطلقاً أو في كتاب خاص، كما هو الحال في الكتب المؤلّفة في الأُصول المتلقّاة من الأئمّة، مثل رسالة علي بن بابويه إلى ولده، و كتابي المقنع و الهداية للصدوق، و المقنعة للشيخ المفيد، و النهاية للشيخ، و أضرابها (2). و لأجل ذلك لا يمكن الاعتماد على انتصار المرتضى و ناصرياته، لاعتماده فيهما في الإفتاء (3) على القواعد و الأُصول.

2 أن تكون المسألة من المسائل المعنونة في عصر الأئمّة قطعاً أو ظنّاً، لا

____________

(1)- سيوافيك تفصيله عند البحث عن حجيّة الشهرة الفتوائية و أنّه ليس كل إجماع أو شهرة كاشفين عن النص الصادر عنهم (عليهم السلام).

(2)- و من هذا القبيل كتاب» المتمسك بحبل آل الرسول «للحسن بن علي بن عقيل، يقول النجاشي: ما ورد الحاج من خراسان إلّا و طلب و اشترى منه نسخاً و كان المؤلّف معاصراً للكليني و شيخاً لابن قولويه (368) و كان موجوداً لدى العلّامة ينقل عنه في» مختلف الشيعة «و لعلّ من هذا القبيل» الأحمدي للفقه المحمدي «لابن الجنيد المتوفّى 381 ه، و هو غير كتابه» تهذيب الشيعة «في عدّة أجزاء، و قد لعب الزمان بهذه الآثار.

(3)- بل في حكاية الاجماع أيضاً كما سيوافيك بيانه في الفصل الآتي.