المحصول في علم الاُصول‏ - ج3

- محمود الجلالي المازندراني المزيد...
654 /
201

من المسائل التفرعية التي استنبط العلماء حكمها من الأُصول و القواعد، و يعلم ذلك من التعرّف على الكتب المؤلّفة في تلك العصور، فمنها ما أُلّف في هذا المضمار، و منها ما ألّف في التفريع كالمبسوط و غيره، و الإفتاء لا يكشف عن النص إذا ورد في القسم الثاني.

فإذا اجتمع الشرطان، يكون احتمال اعتمادهم على أصل باطل أو قاعدة غير صحيحة، احتمالًا ضئيلًا لا يُعتنى به و يكون نفس الإجماع كاشفاً عن دليل وصل إليهم و لم يصل إلينا.

و الحاصل: أنّ هذا الوجه من بين الوجوه الخمسة التي ذكرت لإثبات حجية الإجماع المحصَّل، هو الوجه الأمثل القابل للاعتماد، لكن المهمّ هو تحقق الملازمة بين الاتفاق على الحكم، و وجود الدليل المعتبر، و هي لا تتحقق إلّا في الفقه المنصوص، لا في الفقه المستنبط، و مواضع الأوّل هي الكتب التي ألمعنا إلى أسمائها.

الوجه الخامس: أن يحصل لبعض الأولياء سماع قوله (عليه السلام) بعينه فيبرزه في مقام الاستدلال بصورة الإجماع خوفاً من التكذيب و الإذاعة، و ربّما يكون مستند كثير من الزيارات و الأعمال المعروفة التي لا يوجد لها مستنداً ظاهراً هو التشرف و سماع كلامه.

أقول: ذلك الوجه يناسب لبيان حجّية الإجماع المنقول، و الكلام بعد في المحصَّل منه، و هذا ما يقال بالإجماع التشرّفي، و لا يكفي صرف التشرّف إلّا أنّ احتمال تحقق ذلك في حقّ المدّعين للإجماع بعيد جدّاً.

***

202

الاستدلال على حجيّة الإجماع المنقول بخبر الواحد:

إنّ البحث عن حجّية الإجماع المنقول بخبر الواحد، يتركّز في شمول دليل حجّية الخبر الواحد، للإجماع المنقول به و عدمه، و يعود البحث عن سعة دلالة أدلّة حجيته و ضيقها فنقول:

إنّ الدليل الوحيد على حجّية الخبر الواحد هو بناء العقلاء و هو مختصّ بما إذا كان المخبر به أمراً حسّياً أو كانت مقدماته القريبة أُموراً حسّية، كالإخبار بالعدالة النفسانية إذا شاهد منه التورّع عن المعاصي و الإخبار بالشجاعة إذا شاهد قتاله مع الأبطال في ساحة القتال. و أمّا إذا كان المخبر به أمراً حدسياً محضاً لا حسّياً و لم تكن له مقدمات قريبة حسّية كما في المقام، فليس هناك بناء للعقلاء للأخذ بخبره، و توضيح ذلك يتمّ ببيان أمرين:

الأوّل: أنّ احتمال مخالفة الخبر الواحد للواقع ينشأ من أحد الأمرين: إمّا تعمّد المخبر للكذب و هو مدفوع بالعدالة و الوثاقة، أو لاحتمال خطائه و سهوه، و هو مدفوع بالأصل الذي تطابق عليه العقلاء من أصالة عدم الخطاء و السهو و ....

لكن هذا الأصل إنّما يجري فيما إذا كان إخباره عن حس، و أمّا إذا كان عن حدس فلا أصل عقلائي يدفعه، و لأجل ذلك لا يشمل دليل حجّيته و هو بناء العقلاء لذاك المورد.

نعم لا يشترط في جريان الأصل المذكور أن يكون نفس المخبر به حسّياً، بل يكفي أن تكون مقدماته القريبة حسّية و إن كان نفس المخبر به حدسياً، كما في الأمثلة المذكورة.

الثاني: أنّ الإخبار عن حدس إذا كان مستنداً إلى الحس الملازم للمخبر به‏

203

عند الناقل و المنقول إليه كما في رؤية الرعد و البرق الملازمين للمطر، أو مشاهدة ضرب الأبطال في الميدان، الملازم للشجاعة، أو التورّع من الشبهات و المحرّمات الملازم للعدالة، ففي هذه الموارد، يكون الإخبار حجّة إلى المنقول إليه، و أمّا إذا لم تكن هناك ملازمة بين المقدّمات، و المخبر به الحدسي عند المنقول إليه، فلا تشمله أدلّة حجيّته، لأنّ احتمال التعمّد في الكذب و إن كان مرتفعاً، لكن أصالة عدم الخطأ في الحدس و الاستنباط غير جارية، فلا يكون ذلك النقل حجّة بالنسبة إلى المسبب.

و ذلك كالإجماعات الدارجة في ألسن السيد المرتضى و الشيخ و ابن زهرة و أضرابهم. فإنّ الأوّل يدّعي الإجماع على الحكم لكونه مصداقاً للقاعدة أو الأصل المتفق عليهما، فادّعى الاجماع على إزالة النجاسة بالماء المضاف اعتماداً على الأصل المتفق عليه، و هو أنّ الأصل الجواز ما لم يثبت الناقل عنه و ليس في الشرع ما يمنع من الإزالة بالماء المضاف.

و الإجماع الذي يبتنى على ذاك الأصل الباطل، لا يكون له وزن و من هنا يقرب الشك إلى أكثر ما نقله من الإجماع في الانتصار.

و أمّا الشيخ فيدّعي الإجماع لوجود الخبر، قال في الخلاف: إذا بان فسق الشاهدين بما يوجب القتل بعد القتل، فيسقط القود و تكون الدية من بيت المال، دليلنا: إجماع الفرقة فإنّهم رووا:» أنّ ما أخطأت القضاة ففي بيت مال المسلمين «.

و إذا كان هذا هو الحال في كثير من الإجماعات الدارجة في ألسن الفقهاء القدامى فلا يصحّ الاعتماد عليها، فلا تكون هناك ملازمة عندنا بين السبب (الإجماع) و المسبب، أعني: قول الإمام (عليه السلام).

و قد كان السيّد المحقّق البروجردي معتقداً بأنّ الاستدلال بالإجماع كان لأجل إفحام الخصم المخالف، و دفعاً لما ربّما يعترض على الشيعة بأنّكم لما ذا

204

أخذتم بهذا الرأي دون الآخر، يقولون: هذا الحكم إجماعي عندنا.

فإن قلت: إنّ الملاك حسب ما مرّ لحجّية الإجماع المحصَّل، هو كشفه عن الدليل المعتبر، فهل يمكن تصحيح الإجماعات المنقولة عن هذا الطريق فإنّهم و إن كانوا ينقلون قول الإمام عن حدس و لكن ينقلون» الاتّفاق «عن حسّ و هو كاشف عن الخبر المعتبر.

قلت: هذا هو ما نبحث عنه في البحث التالي:

حجّية الإجماع المنقول في نقل السبب:

نعم إنّ الاجماع المنقول حجّة في نقل السبب و الكاشف و إن لم يكن حجّة في نقل المنكشف، فيؤخذ منه ما يدلّ عليه لفظه من الاتفاق. لأنّ ظاهر الحكاية محمول على الوجدان إلّا إذا قام هناك صارف، و على ذلك يجب ملاحظة أُمور:

1 ملاحظة حال الناقل لأنّ نقلة الإجماع مختلفون، فربّ ناقل يكتفي بالكتب الموجودة عنده حال التأليف فيدّعي الاجماع في المسائل الخلافية، و منهم من يتوسّع كصاحب مفتاح الكرامة.

2 ملاحظة الكتاب، فربّ كتاب وضع على التتبع و الدقة و ربّ كتاب لم يوضع على ذلك.

3 ملاحظة لفظ الناقل، فربّما يدّعي الإجماع و الاتفاق و ربّما يقول: بلا خلاف أجده ... إلى غير ذلك من الألفاظ التي تختلف دلالتها على مقدار الاتفاق.

4 ملاحظة نفس المسألة، فهل هي من المسائل المعنونة من لدن تدوين الفقه، أو من الأُصول المتفرّعة بين المتأخّرين؟ فإنّ عنوان المسألة بين القدماء

205

يكشف عن وجود النص دون الأخير.

5 ملاحظة حال الناقل حين النقل و التأليف و مقدرته العلمية، فهل ألّفه في زمان شبابه و أوان اشتغاله بالاستنباط، أو في أُخريات عمره أو بعد خوضه في عباب الفقه أعماراً طويلة؟ فإنّ كل ذلك مؤثّر في مقدار استكشاف الاتفاق.

6 لا ينبغي أن يكتفي بذلك، بل يجب عليه تحصيل أمارات أُخر من أقوال سائر العلماء الذين لم يقف عليهم الناقل، إذ يحتمل عدم وقوفه على كلماتهم ليحصل من مجموع ما نقل و ما حصل، القطع بقول الإمام (عليه السلام) أو القطع بوجود الدليل المعتبر و إن خفي على المتأخّرين.

و لكن تحصيل ذاك المقدار من الاتفاق من الإجماعات الدارجة في كتب السيد و الشيخ و ابن زهرة و من والاهم مشكل جدّاً، إذ لم تؤلّف هذه الكتب على أساس تحصيل الاتفاق عند ادّعاء الاجماع، حتّى يكون النقل حجّة في نقل السبب وعليه أن يستفرغ الوسع في تحصيل الإجماع حتّى في المقدار الذي ينقله الناقل ليكون على طمأنينة من الاتفاق، ثم يلاحظ هل هو يلازم قول المعصوم (عليه السلام) أو يلازم: وجود الحجّة المعتبرة أو لا.

و لم نجد فيما مارسنا من الفقه فائدة في الإجماعات المنقولة نفسها فعلى الفقيه أن يتلقّى المنقول محرّكاً للتتبع حول المسألة.

***

206

الرابع: الشهرة الفتوائية:

إنّ الشهرة على أقسام ثلاثة:

1 الروائية. 2 العملية. 3 الفتوائية.

أمّا الأُولى:

فهي ما اشتهرت روايته بين الأعصار بمعنى كثرة رواته، و يقابله النادر: بمعنى قلّة رواته، فلو كان مورد الخبر يرجع إلى المعارف و العقائد أو إلى الفضائل و المناقب، يؤخذ بلا كلام، كالأحاديث الواردة في نفي التجسيم و التشبيه، و نفي الجبر و التفويض، أو حول الإمام علي (عليه السلام) أو سائر الأئمّة، كحديث الغدير و المنزلة، و الثقلين و السفينة، فلا تعادل تلك الأحاديث المنقولة في كل عصر و زمان بما يخالفها، فإنّ الاطمئنان الحاصل من الكثرة ربّما يورث اليقين و الاذعان، و الشذوذ و الندرة يوجب الشك و سوء الظن.

و أمّا إذا كان مورد الخبر حكماً شرعياً فإنّما تفيد الشهرة الاطمئنان و تورث الطمأنينة إذا كانت النقَلَة عاملين له، و أمّا إذا رووا و لكن أفتوا على خلافه فهو يورث الظن بالخلاف، و أيّ وهن أوضح من عدم عمل الناقل لما يرويه مع كونه ثقة في دينه و يتّضح ذلك في القسم الآتي.

أمّا الثانية:

أعني: الرواية المشهورة التي تضافر نقلها و الافتاء بمضمونها عن نقلة الآثار و أصحاب الفتيا، فلا شك أنّ مثل هذه الشهرة تورث الاطمئنان و تسكن إليه النفس، و هي التي يقول الإمام في حقّها في مقبولة عمر بن حنظلة:» ينظر إلى ما كان من روايتهما عنّا في ذلك الذي حكما به، المجمع عليه عند أصحابك فيؤخذ به من حكمنا و يترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك، فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه ...

و إنّما الأُمور ثلاثة: أمر بيّن رشده فيتبع، و أمر

207

بيّن غيّه فيجتنب، و أمر مشكل يردّ علمه إلى اللّه و رسوله « (1).

و توضيح الدلالة يتوقّف على بيان أُمور:

1 إنّ المراد من» المجمع عليه «ليس ما اتفق الكلّ على روايته، بل المراد ما هو المشهور بين الأصحاب في مقابل ما ليس بمشهور، و يوضح ذلك قول الإمام (عليه السلام):» و يترك الشاذّ الذي ليس بمشهور عند أصحابك «.

2 إنّ المراد من اجماع الأصحاب و اشتهارها بينهم هو نقل الرواية مع الافتاء بمضمونه إذ هو الذي يمكن أن يكون مصداقاً لما لا ريب فيه. و إلّا فيكون ممّا فيه الريب كلّه و الشك أجمعه. و ما أفاده المحقّق الخراساني من أنّ المراد من الموصول في قوله:» ينظر إلى ما كان «هو الرواية لا ما يعمّ الفتوى، و إن كان صحيحاً لكن ليس المقصود مجرّد الرواية، بل المقترنة بالافتاء، و أمّا حجّية مجرّد الافتاء، فسيوافيك الكلام فيه في القسم الثالث.

3 إنّ المراد من قوله:» ممّا لا ريب فيه «هو نفي الريب على وجه الإطلاق لأنّ النكرة في سياق النفي يفيد العموم، فالرواية المشهورة إذا أفتى على مضمونها الأصحاب تكون مصداقاً لما ليس فيه أي ريب و شك، و ما ربّما يتصوّر من أنّ المراد من قوله:» لا ريب فيه «هو نفي الريب النسبي بالاضافة إلى الريب الموجود في مقابلها خلاف الظاهر و خلاف القاعدة المسلّمة بين الأُدباء في مدخول» لا «النافية حيث اتفقوا على أنّها تفيد العموم و الاستغراق: مثل قوله:» لا رجل في الدار «.

و على هذا فالخبر المشهور المفتى به داخل في القسم الأوّل من التثليث الوارد في كلامه (عليه السلام)، كما أنّ الخبر الشاذ داخل في القسم الثاني منه، أخذاً بحكم‏

____________

(1)- الوسائل: ج 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1. و قد رواها المشايخ الثلاثة في جوامعهم و تلقّاها الأصحاب بالقبول، بل هي المدار في باب القضاء و يظهر بالمراجعة إلى كتبه مضافاً إلى إتقان الرواية و علوّ مضمونها و الشك و الترديد في صحّتها أشبه شي‏ء بالوسوسة.

208

المقابلة، لأنّه إذا تبيّن صحّة طرف واحد و صار ممّا لا ريب في صحّته، يصير الطرف المقابل، ممّا لا ريب في بطلانه، لا ممّا» فيه ريب ما و شك إجمالًا «، لأنّه إذا صحّ كون زيد عادلًا على وجه لا ريب في صحّته، يكون نقيضه ممّا لا ريب في بطلانه، لا ممّا فيه ريب إجمالًا بحيث يحتمل صحّته و بطلانه.

فوزان الشهرة العملية وزان بيّن الرشد، و وزان الرواية الشاذة وزان بيّن الغي، و انّ الامام (عليه السلام) لم يذكر التثليث في كلامه إلّا لتبيين تلك الجهة.

ثمّ إنّه تترتّب على هذه المقدمات أُمور نشير إليها:

الأوّل: انّ الشهرة العملية من مميّزات الحجّة عن اللاحجّة و ليست من المرجحات، فإنّ المراد من المرجّح هو ما يوجب تقديم إحدى الحجّتين على الأُخرى، مع كون المتعارضين حجّتين في أنفسهما، ككون إحدى الروايتين مخالفة للعامة. و قد عرفت أنّ نسبة المشهور إلى الشاذ نسبة بيّن الرشد إلى بيّن الغي، و مثل ذلك لا يعدّ من تعارض الحجّة مع الحجّة، بل من قبيل مقابلة ما لا ريب في صحّته، مع ما لا ريب في بطلانه.

الثاني: أنّ إعراض المشهور عن الرواية مسقط لها عن الحجّية، و إن كان السند صحيحاً سواء كان لها معارض أو لا، لكونها مصداقاً للشاذ النادر الذي لا ريب في بطلانه، و هذا هو خيرة سيد المحققين السيد البروجردي، و تبعه الأُستاذ الأكبر الإمام الخميني و هو الذي اخترناه بعد تشييد أساسه.

نعم خالف في ذلك بعض المحقّقين و إليك كلامه:

» إذا كان الخبر الصحيح أو الموثق مورداً لقيام السيرة و مشمولًا لإطلاق الأدلّة اللفظية، فلا وجه لرفع اليد عنه لإعراض المشهور عنه. نعم: إذا تسالم جميع الفقهاء على حكم مخالف للخبر الصحيح أو الموثق في نفسه يحصل العلم أو الاطمئنان بسبب ذلك بأنّ هذا الخبر لم يصدر من المعصوم (عليه السلام) أو صدر عن تقيّة، فيسقط الخبر المذكور عن الحجّية.

209

و أمّا إذا اختلف العلماء على قولين و ذهب المشهور منهم إلى ما يخالف الخبر الصحيح أو الموثق و أعرضوا عنه، و اختار غير المشهور منهم ما هو مطابق للخبر المذكور، فلا وجه لرفع اليد عن الخبر الذي يكون حجّة في نفسه لمجرّد إعراض المشهور عنه « (1).

يلاحظ عليه: أوّلًا: أنّه ليس لنا دليل لفظيّ على حجّية الخبر الواحد، و إنّما الدليل هو السيرة العقلائية و هو دليل لبّي لا إطلاق لها حتّى تعمّ المورد، بل العقلاء يتوقفون في مثل المقام كما لا يخفى.

و ثانياً: أنّ القائل، بكون الإعراض موهناً و مسقطاً للحجّية، إنّما يستند على قوله (عليه السلام) في مقبولة عمر بن حنظلة:» فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه «و لا ينطبق ذلك إلّا على ما إذا بلغت الشهرة إلى حدّ جعلت الخبر المشهور ممّا لا ريب في صحّته، و الخبر الشاذ ممّا لا ريب في بطلانه، و لا ينطبق ذلك إلّا على القسم الأوّل المذكور في كلامه لا القسم الثاني.

الثالث: أنّ عمل المشهور بالرواية جابر لضعفها و هذه من القضايا المشهورة بين العلماء، و خالف فيها السيّد المحقّق الخوئي و له في ذلك بيان ضاف سيوافيك فيما بعد، فنقول:

إنّ عمل المشهور بالرواية، جابر لضعف سندها سواء كان لها معارض أم لا، و المقبولة و إن كانت لا تدلّ عليه بالدلالة اللفظية، و ذلك لأنّ المفروض فيها هو المشهور و الشاذ و كون الراوي فيهما ثقة و جامعاً للشرائط لقوله ...» فإن كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهما الثقات عنكم قال ينظر ... «و مع ذلك تصحيح استظهار ذلك منها بوجه آخر و هو:

» انّ ما هو الحجّة في باب خبر الواحد، هو الخبر الموثوق صدوره، و حجّية قول الثقة لأجل كون وثاقته أمارة على صدوره في الأنام، و لا شك أنّ عمل أكابر

____________

(1)- مصباح الأُصول: ج 2 ص 203.

210

الأصحاب بالرواية من عصر الغيبة يورث الوثوق الشخصي بالصدور و هذا كاف في دخوله تحت دليل حجّية خبر الواحد.

نعم ليس المراد من عمل الأصحاب، عمل المتأخّرين منهم عليها، بل عمل قدماء الأصحاب الذين كانوا متقاربي العصر، لزمان صدور الروايات، و عارفين بخصوصياتها، فإنّ عمل والد الصدوق، و ولده، و المفيد و تلميذيه (المرتضى و الشيخ) و الحلبي و سلّار و القاضي، يورث طمأنينة بصدور الرواية، فتشمله أدلّة حجّية الخبر.

نعم لا عبرة بعمل المتأخّرين و شهرة المسألة بين المتأخّرين، إذ لا يتميّزون عنّا بشي‏ء، و نحن و إيّاهم أمام الأدلّة سواء.

هذا هو الذي ساقنا إلى القول بكون الشهرة العملية بالرواية جابر لضعف السند، بل ضعف الدلالة لاحتمال احتفاف الرواية بقرينة حالية، هداهم إلى الافتاء بمضمونها.

ثمّ إنّه خالف في الموضوع أيضاً المحقق الخوئي، فكما رأى أنّ الإعراض غير موهن، رأى أنّ الشهرة العملية أيضاً غير جابرة، و أفاد في ذلك بأنّ الصغرى (عمل الأصحاب بالرواية) و الكبرى (كونه جابراً) مشكل، فقال:

إذا كان الخبر الضعيف غير حجّة في نفسه على الفرض، و كذلك فتوى المشهور غير حجّة على الفرض يكون المقام من قبيل انضمام غير الحجّة، إلى غير الحجّة فلا يوجب الحجّية، فإنّ انضمام العدم إلى العدم لا ينتج إلّا العدم.

و دعوى أنّ عمل المشهور بخبر ضعيف توثيق عملي للمخبر به، فيثبت به كونه ثقة، فيدخل في موضوع الحجّية، مدفوعة بأنّ العمل مجمل لا يعلم وجهه، فيحتمل أن يكون عملهم به لما ظهر لهم من صدق الخبر و مطابقته للواقع، بحسب نظرهم و اجتهادهم، لا لكون المخبر ثقة عندهم، فالعمل بخبر ضعيف لا يدل على توثيق المخبر به و لا سيما أنّهم لم يعملوا بخبر آخر لنفس هذا المخبر.

211

هذا كلّه من حيث الكبرى، و أمّا الصغرى و هي استناد المشهور إلى الخبر الضعيف في مقام العمل و الفتوى، فإثباتها أشكل من إثبات الكبرى، لأنّ مراد القائلين بالانجبار هو الانجبار بعمل قدماء الأصحاب باعتبار قرب عهدهم بزمان المعصوم (عليه السلام). و القدماء لم يتعرضوا للاستدلال في كتبهم ليعلم استنادهم إلى الخبر الضعيف، و إنّما المذكور في كتبهم مجرّد الفتوى، و المتعرّض للاستدلال إنّما هو الشيخ الطوسي دون من تقدّمه، فمن أين يستكشف عمل قدماء الأصحاب بخبر ضعيف؟ و مجرد المطابقة لا يدلّ على أنّهم استندوا في هذه الفتوى إلى هذا الخبر، إذ يحتمل كون الدليل عندهم غيره، فانجبار الخبر الضعيف بعمل المشهور غير تام صغرى و كبرى‏ (1).

يلاحظ عليه أوّلًا: أنّ أساس منع الكبرى هو تصوّر أنّ قول الثقة بما هو هو حجّة، فرتّب عليه أنّ عمل المشهور لا يثبت وثاقة الراوي مع أنّ ما هو الحجّة من الخبر الواحد حسب بناء العقلاء الذي هو الدليل الوحيد في المقام، هو الخبر الموثوق بصدوره أو الموثوق بصدقه، و حجّية قول الثقة لأجل كون وثاقته أمارة على صدوره من الإمام و صدقه في كلامه، و على ذلك فلو كان عمل الأصحاب مورثاً للوثوق الشخصي أو النوعي بالصدور، و إن لم يكن مورثاً لوثاقة المخبر كفى في كون الخبر حجة، اللّهمّ إلّا أن يمنع من كونه مورثاً للاطمئنان به و هو كما ترى.

و بذلك يظهر عدم تمامية قوله: إنّ الخبر الضعيف ليس بحجّة، و مثله فتوى المشهور و ضمّ العدم إلى العدم لا ينتهي إلى الوجود، و ذلك لأنّ كلّ واحد و إن كان غير حجّة، لكن يحصل من الجميع وثوق بصدور الخبر و صدقه و هذا كاف في الحجّية.

و ثانياً: أنّ ما ذكره من منع الصغرى قائلًا بأنّ إثبات استناد المشهور إلى الخبر الضعيف أمر أشكل من إثبات الكبرى، غير تام لما عرفت من أنّ للقدماء

____________

(1)- مصباح الأُصول: ج 2 ص 202.

212

من الفقهاء لونين من التأليف: أحدهما بصورة الفقه المنصوص، و الآخر بصورة الفقه المستنبط، و كان أساس الأوّل هو تجريد الأسانيد و الأخذ بنفس المتون (لا المضامين) فإذا تضافرت فتاوى تلك الطبقة في مسألة، على عبارة موجودة في الخبر الضعيف يستكشف اعتمادهم في مقام الإفتاء على ذاك الحديث، و احتمال كون الدليل عندهم غيره مع وحدة التعابير، و مع العلم بعدم خروجهم في مقام التأليف عن إطار النصوص، كما ترى.

الثالثة: الشهرة الفتوائية المجرّدة عن الرواية:

الشهرة الفتوائية في مسألة مجرّدة من الرواية، هي التي طرحها الأُصوليون عند البحث عن حجّية الظنون و لكنّهم مع الأسف لم يعطوا غالباً للبحث حقّه‏ (1). فنقول:

إنّ المسائل التي تتحقق فيها الشهرة على قسمين:

1 المسائل التفريعية، أو الفقه المستنبط، و هي المسائل التي لم يرد فيها نص، و إنّما استنبط حكمها الفقهاء من القواعد و الضوابط، كالشهرة المتحققة في جواز الصلاة في اللباس المشكوك، فإنّ المسألة من الفقه المستنبط، و الشهرة حصلت من إفتاء السيد المجدد الشيرازي‏ (2) بعد ما كان عدم الجواز مشهوراً، و الشهرة و عدمها في هذه المسائل سيّان، و ليس على الفقيه إلّا ملاحظة نفس الدليل سواء أ كانت هناك شهرة أم لا.

2 المسائل المتلقاة عن الأئمة التي يعبر عنها» بالفقه المنصوص «و يتضح‏

____________

(1)- إلّا السيد الأُستاذ آية اللّه البروجردي 13801294 و بعده الأُستاذ الأكبر الإمام الخميني دام ظله فقد أدّيا حقّ المقال فيها فراجع ما كتبه شيخنا الأُستاذ عن دروس الإمام دام ظله في هذا المضمار، في» تهذيب الأُصول «الجزء الثاني: 100 102.

(2)- السيد محمد حسن المعروف بالميرزا الشيرازي 13121224.

213

ذلك إذا وقفنا على أنّه ظهر في أوائل القرن الرابع لون جديد من كتابة الفقه و الفتيا و هو الإفتاء بمضمون الرواية مع حذف أسنادها، و قد تعرّفت على الذين كتبوا على هذا النمط، و أنّ الصدوقين و شيخ الأُمة المفيد، و تلميذه الأكبر شيخ الطائفة الطوسي يعدّون من تلك الطبقة الفاضلة، فأفردوا كتباً في ذلك المجال بتجريد الروايات من الأسانيد و الإفتاء بمتونها.

فإذا رأينا اتفاق كلمة تلك الطبقة على مسألة من المسائل، كشفنا عن وجود نص صريح وصل إليهم و أفتوا بمضمونه، و أنّ النص كان بمرحلة من التمامية من حيث السند و الدلالة حتى دعاهم إلى الإفتاء بمضمونه قاطبة.

و عندئذ تدخل الشهرة الفتوائية المجردة في القسم الثاني من أقسام الشهرة، أعني: الشهرة العملية، لأنّها إذا كانت العملية عبارة عن شهرة الرواية مع العمل و الإفتاء بمضمونها، تكون الشهرة الفتوائية في المسائل المتلقاة عن الأئمّة نظيرة لها، فإنّ إفتاء تلك الطبقة بشي‏ء قاطبة تلازم كلا الأمرين: وجود الرواية الواصلة إليهم و إن لم تصل إلينا، و الإفتاء بمضمونها.

فعند ذلك تشملها المقبولة بلفظها أو بمناطها.

نعم ربّما يقال: إنّ اتفاقهم على الإفتاء بمضمون الرواية يكشف عن كمالها من حيث السند و الدلالة عندهم لا عندنا، إذ من المحتمل أنّه لو كانت وصلت الرواية إلينا لم تكن تامّة عندنا من كلتا الجهتين، و لكنّه احتمال ضعيف فإنّ مكانتهم العلمية و قرب عهدهم بزمن المعصومين (عليهم السلام) و تعرّفهم على رجال الحديث، يورث الاطمئنان بصدور الحديث أوّلًا، و تمامية دلالته ثانياً، و لا يكون الاطمئنان الحاصل في ذاك المورد بأقلّ من الحاصل من خبر الثقة أو الخبر الموثوق بصدوره أو بصدقه.

و لو أسلمنا ذاك الاحتمال و لكن الشهرة على هذا النمط، يصد الفقيه المتورّع عن الإفتاء على خلاف الشهرة المحققة عند القدماء على البيان الذي عرفته.

214

تسعون مسألة ليس لها دليل سوى الشهرة:

كان سيدنا آية اللّه البروجردي أعلى اللّه مقامه يقيم وزناً كبيراً للشهرة الفتوائية و يرى مخالفتها أمراً خاطئاً غير جائز، و كان يقول: إنّ في الفقه الإمامي فتاوى مسلّمة تلقاها الأصحاب قديماً و حديثاً بالقبول، يبلغ عددها تسعين مسألة ليس لها دليل إلّا الشهرة الفتوائية، بحيث لو حذفنا الشهرة عن عداد الأدلة لأصبحت تلك المسائل فتاوى فارغة مجردة عن الدليل.

و من المؤسف جداً أنّه (رضوان اللّه عليه) لم يعيّن موارد هذه الفتاوى و لم يُسمِّها، غير أنّ المظنون أنّ قسماً وافراً منها يرجع إلى باب المواريث و الفرائض، ففي ذاك الباب فتاوى ليس لها دليل إلّا الشهرة.

الشهرة الفتوائية و أصحاب الأئمّة:

و مما يؤيد المقصود، ما يستفاد من بعض الروايات من أنّ بعض أصحابهم (عليهم السلام) كان يرجّح و يقدّم الفتوى المشهورة عند أصحاب الأئمّة الذين كانوا بطانة علومهم و خزانة أسرارهم على نفس النص الذي كان سمعه من نفس الإمام، و قد أقرّه الإمام على ذلك التقديم بعد ما اطّلع عليه من دون اعتراض، و هذا إن دلّ على شي‏ء فإنّما يدلّ على أنّ الفتوى المشهورة بين خيار صحابتهم (الذين استأمنهم الأئمّة (عليهم السلام) على غامض أسرارهم و أخذهم خزنة لعلومهم) كانت حجّة بلا كلام أوّلًا، و مقدّمة على النص الذي ألقوه على السائل ثانياً، و ما هذا إلّا لتعرّفهم على الحكم الواقعي الأوّلي و تمييزه عن الحكم الثانوي، و إن شئت قلت: كانوا يعرفون جهات الصدور، و الحكم الجدّي الصادر لبيان الواقع، عن الحكم الصادر لغيره.

و عندئذ يمكن تسرية الحكم من خيار صحابتهم إلى الطبقة التي تليهم من مقاربي عصرهم و عهدهم، و لأجل أن يقف القارئ على متون هذه النصوص نأتي ببعضها:

215

1 روى سلمة بن محرز قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إنّ رجلًا مات و أوصى إليّ بتركته و ترك ابنته، قال: فقال لي: اعطها النصف، قال: فأخبرت زرارة بذلك، فقال لي: اتّقاك، إنّما المال لها، قال: فَدَخَلتُ عليه بعدُ، فقلت: أصلحك اللّه إنّ أصحابنا زعموا أنّك اتّقيتني؟ فقال: لا و اللّه ما اتّقيتك و لكنّي اتّقيت عليك أن تضمن فهل علم بذلك أحد؟ قلت: لا، قال: فاعطها ما بقي‏ (1).

ترى أنّ الشهرة الفتوائية بلغت من حيث القدر و المنزلة عند الراوي إلى درجة منعته عن العمل بنفس الكلام الذي سمعه من الإمام فتوقف حتى رجع إلى الإمام ثانياً، بل كانوا لا يتوقفون و يقدّمون الفتوى المشهورة على المسموع من نفس الإمام شخصياً.

2 روى عبد اللّه بن محرز بيّاع القلانس قال: أوصى إليّ رجل و ترك خمسمائة درهم أو ستمائة درهم، و ترك ابنة، و قال: لي عصبة بالشّام، فسألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن ذلك فقال: أعط الابنة النصف، و العصبة النصف الآخر، فلمّا قدمت الكوفة أخبرت أصحابنا فقالوا: اتّقاك، فأعطيت الابنة النصف الآخر. ثمّ حججت فلقيت أبا عبد اللّه (عليه السلام) فأخبرته بما قال أصحابنا و أخبرته أنّي دفعت النصف الآخر إلى الابنة، فقال: أحسنت إنّما أفتيتك مخافة العصبة عليك‏ (2).

و على ضوء هذه الأحاديث تعرف مكانة الشهرة الفتوائية، عند أصحاب الأئمة، و معه لا يصحّ لفقيه الإعراض عن الشهرة للأصل أو الرواية الشاذّة.

فتبيّن أنّ الشهرة الفتوائية في المسائل المتلقاة (و إن شئت سمّه الفقه المنصوص) في مفاد المقبولة أو مناطها و أنّ سيرة أصحاب الأئمّة جرت على الاعتناء بها، فمثل هذه الشهرة إن لم تكن صالحة للافتاء على طبقها، لكنّها صالحة للاحتياط و عدم الافتاء بشي‏ء، أو الافتاء بالاحتياط.

***

____________

(1)- الوسائل: ج 17، الباب 4 من أبواب ميراث الأبوين و الأولاد، الحديث 3.

(2)- المصدر نفسه: الباب 5 من أبواب ميراث الأبوين و الأولاد، الحديث 4.

216

الخامس: الخبر الواحد:

و البحث عن حجّية الخبر الواحد من أهم المسائل الأُصولية التي يدور عليها مدار الاجتهاد و الاستنباط في هذه الأعصار، و إنكار حجّيتها مساوق لفتح باب العمل بالظن المطلق الذي يستدل على حجّيته بالانسداد و غيره.

أمّا كونها مسألة أُصولية فلأنّ نتيجة البحث على فرض الثبوت، تقع كبرى الاستنباط للحكم الشرعي.

فيقال: حرمة العصير العنبي قبل التثليث ممّا قام عليه خبر الواحد، و كلّما قام عليه الخبر، يجب العمل بمفاده، فينتج: أنّ هذا يجب العمل بمفاده (أي يجب الاجتناب عنه، المساوي للحرمة).

و قد أوضحنا ما هو الملاك في كون الشي‏ء مسألة أُصولية، عند البحث عن موضوع علم الأُصول في الجزء الأوّل.

ثمّ إنّ القدماء الأُصوليين جعلوا البحث في مقامات ثلاث:

1 هل يمكن أن يفيد خبر الواحد بمجرّده لا بالنظر إلى جهات أُخرى العلم؟ ذهب إليه النظّام و خالفه الباقون. و هو الحقّ إلّا إذا كان محتفّاً بالقرائن أو كان المتكلم إنساناً معصوماً، أو كان السامع سريع القبول. إلى غير ذلك من الضمائم التي هي خارجة عن موضوع البحث.

2 هل يجوز التعبّد بالخبر الواحد عقلًا أو لا؟ قال المرتضى في الذريعة: إنّ في المتكلمين من يذهب إلى أنّ خبر الواحد لا يجوز من جهة العقل ورود العبادة بالعمل به. ثم قال: و الصحيح أنّ ذلك جائز عقلا (1).

و هذا البحث قد فرغنا عنه عند البحث عن إمكان التعبّد بالظن، و فنَّدنا دلائل المخالف فلا حاجة إلى التكرار.

3 هل ورد التعبّد به شرعاً؟ قال المرتضى: ذهب الفقهاء، و أكثر المتكلّمين إلى أنّ العبادة قد وردت بالعمل بخبر الواحد في الشريعة، و كان أبو علي الجبّائي‏

____________

(1)- الذريعة: ج 2 ص 519.

217

لا يعمل بخبر الواحد في الشريعة. و يعمل بخبر الاثنين فصاعداً و يجريه مجرى الشهادة.

و اختار المرتضى أنّ العبادة ما وردت بذلك‏ (1) و نقل هذا القول عن كثير من القدماء كالقاضي و الطبرسي و ابن إدريس.

و أمّا الشيخ الطوسي فقد اختلفت كلماته في سعة حجّية الخبر الواحد و ضيقه بعد قوله بالحجّية إجمالًا، فتارة يظهر منها أنّه يقول بحجّية قول الثقة: فإنّه في ضمن الاستدلال على الحجّية بالسيرة يقول:» إنّ واحداً من الفرقة المحقّة إذا أفتى بشي‏ء لا يعرفونه سألوه: من أين قلت هذا؟ فإذا أحالهم على كتاب معروف أو أصل مشهور و كان راويه ثقة لا يُنكر حديثه، سكتوا و سلّموا الأمر في ذلك و قبلوا قوله. هذه عادتهم و سجيّتهم من عهد النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و من بعده من الأئمة (عليهم السلام) (2).

و قريب منه في موضع بعد هذا الكلام.

و أُخرى بحجّية قول غير المطعون منهم فيعمّ الثقة و الممدوح و المهمل حيث قال: و كذلك فيما يرويه المتّهمون و المضعّفون، فإن كان هناك ما يعضد روايتهم و يدلّ على صحّتها، وجب العمل به. و إن لم يكن هناك ما يشهد لروايتهم بالصحّة، وجب التوقف في اخبارهم‏ (3).

و في مقام ثالث صرّح بحجّية قول الفاسق بأفعال الجوارح إذا كان ثقة في روايته متحرزاً فيها (عن الكذب) قائلًا بأنّ ذلك لا يوجب ردّ خبره و كون العمل به غير جائز، لأنّ العدالة المعتبرة في الرواية حاصلة فيه و إنّما الفسق بأفعال الجوارح يمنع عن قبول شهادته و ليس بمانع من قبول خبره‏ (4).

____________

(1)- الذريعة: ج 2 ص 529.

(2)- عدة الأُصول: ج 1 ص 338 من الطبعة الحديثة المحققة.

(3)- عدة الأُصول: ج 1 ص 382 وجه الدلالة: انّه توقف في المتهم و المضعف فقط، و معناه عدم التوقف في غيرهما.

(4)- عدة الأُصول: ج 1 ص 382.

218

أدلّة القائلين بعدم حجّية خبر الواحد:

استدل المخالف بوجوه:

الأوّل: الكتاب:

الآية الأُولى: قوله سبحانه: (وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا) (الإسراء/ 36).

الآية جزء من الحكم و الكلمات الغر التي أوحى اللّه بها إلى نبيّه و ابتدأ بها بقوله: (وَ قَضى‏ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ‏) (الإسراء/ 23) و ختمها بقوله: (ذلِكَ مِمَّا أَوْحى‏ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ) (الإسراء/ 39) فقد جاءت في طيّاتها حكم و عظات بالغة في العقيدة و الأخلاق و الاجتماع يليق كلّ واحد منها بالبحث، و يبلغ عدد المجموع إلى ثمانية عشر حكماً، و يعدّ المجموع من جوامع الكلم الجامعة.

و الاستدلال مبنيّ على أنّ العمل بالخبر الموثوق الصدور، أو بقول الثقة، اقتفاء لغير العلم و لكنّه ممنوع، لأنّ المخاطبين في عصر الرسالة كانوا يعملون بقول الثقات و يصدرون عن رأيهم و لا يرون عملهم مخالفاً للآية، فقد كانوا يأخذون برأي أهل الخبرة في المعيشة، و نظر الطبيب في المعالجة و كان المسلمون يأخذون بأقوال الصحابة و التابعين ثم بآراء الفقهاء و لا يرون أنفسهم أنّهم يقتفون أثر غير العلم.

مضافاً انّ الآية إرشاد إلى حكم الفطرة و أنّ من يتّبع غير العلم فقد خرج عن الفطرة الانسانية، غير أنّ اقتفاء العلم على قسمين:

الأوّل: ما يتجلّى الواقع فيه لدى الإنسان بإحدى الأدوات الحسّية، أو

219

العقليّة، فعبّر عنه بالنظر الجازم المطابق للواقع، و هذا هو المطلوب في باب العقائد و الأُصول.

الثاني: ما يقوم فيه الدليل الشرعي، أو العقلي، على لزوم الأخذ بقول هذا الطبيب و ذاك الخبير، أو ذلك المفتي و الراوي و إن لم ينكشف الواقع لدى الآخذ، فمثل هذا الأخذ بعد قيام البرهان و الدليل عليه لا يعدّ عملًا بغير العلم، بل عملًا بالعلم أي البرهان و الدليل الشرعي.

و إن شئت قلت: المراد من الاقتفاء لغير العلم هو أن يصدر عقيدته و عمله، عن شي‏ء ليس بحجّة بينه و بين ربّه، و إلّا لا يكون اقتفاء لغير العلم.

و إذا قام الدليل القطعي على حجّية قول الثقة أو حجّية الأخبار الموثوق بها، صار الاستناد إليهما استناداً للعلم و الدليل القطعي كما لا يخفى، فيكون أخذ قول الثقة خارجاً عن الآية، تخصّصاً، لا تخصيصاً و لا حكومة (1) كما لا يخفى.

و بالجملة: اتّباع ما قام الدليل عليه، اتّباع للعلم لا لما ليس به علم، فلو قام على حجّية الخبر الواحد دليل قطعي، خرج عنها موضوعاً.

و قد اجيب عن الاستدلال بالآية بوجوه غير تامّة:

1 تخصيص مفاد الآية بالأُصول الاعتقادية، مع أنّه تخصيص بلا دليل.

2 تخصيص عموم الآية بالأدلة الدالة على حجّية خبر الواحد، و لكن لسان الآية آب عن التخصيص لأنّه إرشاد إلى الحكم الفطري له‏ (2).

3 إنّ الاستدلال بالآية اتّباع لغير العلم و مصداق له، لأنّ دلالة الآية على الردع من غير العلم ظنيّة لا قطعيّة فيلزم في الأخذ بمدلولها، عدم جواز اتّباعها لكون دلالتها بالفرض ظنّية (3).

____________

(1)- سيوافيك حكاية القولين عن بعض الأعلام.

(2)- الكفاية: ج 2 ص 80.

(3)- تهذيب الأُصول: ج 2 ص 102.

220

يلاحظ عليه بما عرفت: أنّ دلالة الآيات بل الظواهر مطلقاً على المعاني الاستعمالية، قطعيّة لا يعتريه شك، فليست دلالتها على الزجر عن الاقتفاء بمظنون بل مقطوع.

كيف و قد وصفه القرآن بقوله: (ذلِكَ مِمَّا أَوْحى‏ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ) و المراد منها هو الكلام المحكم الذي لا يقبل التزلزل و التزعزع و لا البطلان و لا الخلاف، و ما هذا شأنه لا يمكن أن يعدّ من المداليل الظنية. و بذلك يظهر ضعف ما أفاده الرازي في تفسيره حيث قال: لو دلّت على أنّ التمسك بالظن غير جائز لدلّت على أنّ التمسك بها غير جائز، فالقول بحجيّتها يقتضي نفيها و هو غير جائز (1).

و هناك أجوبة أُخرى غير تامة فمن أراد فليراجع إلى محالها، و أمّا وجه الصلة بين صدر الآية و ذيلها، أعني: قوله: (إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا) فبوجهين:

1 لا يصح لمؤمن أن يقفو أثر غير العلم، و يتّبع الظن، فيدّعي السماع و الرؤية، مع أنّه لم يسمع و لم ير، و إنّما ظنّ بهما إذ يوم القيامة يسأل عن هذه الأدوات، فعندئذ تشهد على خلاف شهادته، و رميه، قال سبحانه: (وَ ما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَ لا أَبْصارُكُمْ وَ لا جُلُودُكُمْ وَ لكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ‏) (فصّلت/ 22).

نعم شهادة الأعضاء لا تنحصر في هذا الفرع بل دائرتها أوسع من ذلك.

2 ما كان لمؤمن أن يتّبع غير العلم فيتمسك بأُمور واهية لا أساس لها، مع أنّه سبحانه جهّزه بأدوات توصله إلى الواقع، و تريه محيى الحقّ، فعليه إعمالها حتى يقضي في المبصرات بالبصر، و المسموعات بالسمع، و العقليات بالفؤاد لا بالأوهام‏

____________

(1)- مفاتيح الغيب: 210/ 20.

221

و الحدسيات، قال سبحانه: (وَ اللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَ جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَ الْأَبْصارَ وَ الْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‏) (النحل/ 78) أي لعلّكم تصرفونها في محالها و بذلك تؤدّى حقها.

الآية الثانية: قوله سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى‏* وَ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَ إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً) (النجم/ 2827).

و الآية صريحة في عدم حجّية الظن في القول و العمل.

و الجواب: أنّ الظن يطلق على معان:

1 الاعتقاد، كقوله سبحانه: (وَ اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ الصَّلاةِ وَ إِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ* الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَ أَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ‏) (البقرة/ 4645).

فالظنّ بقرينة كونه صفة للخاشعين و بقرينة كون متعلّقه هو لقاء اللّه بمعنى الاعتقاد الجازم.

2 و قد يطلق و يراد منه الاطمئنان الذي يحصل للإنسان من القرائن كما في قوله: (وَ ظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ‏) (التوبة/ 118) فالآية واردة حول الثلاثة الذين تخلّفوا و ضاقت عليهم أنفسهم، لأجل الحصر الاقتصادي الذي ضربوا به من جانب النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) فاطمئنوا بعد فترة أنّه لا حيلة إلّا الرجوع إلى اللّه، و أنّه لا يمكن العيش في المجتمع الإسلامي إلّا مع تطبيق العمل على أُصوله.

3 و قد يطلق و يراد أدنى ترجيح لأحد الطرفين من غير دليل رصين، بل استناداً إلى الخرص و التخمين، مثل قوله سبحانه: (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ‏) (الأنعام/ 116).

و منه المقام، بشهادة ما تقدّمه من تسمية الملائكة أُنثى و ما لهم به من علم‏

222

و إنّما يرجحون أحد الطرفين بأمارات ظنّية، و تخمينات و خرصيات باطلة.

فالآية تدلّ على النهي بمعنى القسم الأخير الذي لا يستند العامل لا إلى حس و لا إلى عقل. و أين هذا من قول الثقة، أو الخبر الموثوق بصدوره الذي تدور عليه رحى الحياة، و يوجب الاطمئنان و الثبات.

و هذا حقّ الجواب، و به يظهر الجواب أيضاً ما في سورة الحجرات: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَ لا تَجَسَّسُوا وَ لا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً) (الحجرات/ 12).

فإنّ الآية تحث على اجتناب الظنّ الذي يدعو إلى التجسّس، و المنتهى إلى الغيبة، و الظنّ الداعي إلى الثاني، هو الظنون الواهية في حقّ الأخ المؤمن و لأجل كونه واهياً يقوم بالفحص و التجسس و لا يراه قابلًا للاعتماد، و هذا أوضح دليل على أنّ المراد هو القسم الثالث، من المعاني الثلاثة.

و قد أجاب المحقق الخوئي عن الاستدلال بالآيات بوجهين:

الأوّل: أنّ أدلّة حجّية خبر الثقة حاكمة على تلك الآيات إذا قلنا بأنّ مفادها جعل الخبر طريقاً بتتميم الكشف، فيكون خبر الثقة علماً بالتعبّد الشرعي‏ (1).

الثاني: أنّ أدلّة حجية خبر الثقة مخصصة للآيات الناهية عن العمل بغير العلم‏ (2).

و لا يخفى عدم تمامية الجوابين.

أمّا الأوّل ففيه أوّلًا: أنّه ليس للشارع أيّ تصرف في حجّية قول الثقة إلّا إمضاء السيرة العقلائية و معه لا وجه لجعل الطريقية و تتميم الكشف، و ثانياً: أنّ‏

____________

(1)- مصباح الأُصول: ج 2 ص 152.

(2)- المصدر نفسه: ص 151.

223

الطريقية أمر تكويني غير قابل للجعل. و ثالثاً: أنّ الحكومة أمر قائم بلسان الدليل، و السيرة العملية لا لسان لها.

و أمّا الثاني: فعلى فرض عمومية الآية لقول الثقة، فهي آبية عن التخصيص إذ كيف يمكن تخصيص قوله: (إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً) و الحقّ في الجواب ما ذكرناه.

الثاني: السنّة:

استدل النافون لحجّية الخبر الواحد بروايات ادّعوا تضافرها لفظاً أو معناً و هي على أقسام:

القسم الأوّل: ما يدلّ على عدم جواز الأخذ بالخبر إلّا إذا وافق كتاب اللّه. و في بعضها إضافة» سنّة رسوله «و إليك ما ورد فيه:

عن أيّوب بن راشد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: ما لم يوافق من الحديث القرآن، فهو زخرف‏ (1).

عن أيّوب بن الحر، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: كل شي‏ء مردود إلى الكتاب و السنّة، و كل حديث لا يوافق كتاب اللّه فهو زخرف‏ (2).

عن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام): في حديث قال: انظروا أمرنا، و ما جاءكم عنّا، فإن وجدتموه للقرآن موافقاً فخذوا به، و إن لم تجدوه موافقاً فردّوه ... (3).

____________

(1)- الوسائل: ج 18 ص 78، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 12.

(2)- المصدر نفسه: ص 79، الحديث 14.

(3)- المصدر نفسه: ص 86، الحديث 37.

224

و مثل ما عن سدير قال: قال أبو جعفر و أبو عبد اللّه (عليهما السلام): لا تُصدِّق علينا إلّا ما وافق كتاب اللّه و سنّة نبيه‏ (1).

روى الصدوق في عيون الأخبار عن الميثمي عن الرضا (عليه السلام): فما ورد عليكم من خبرين مختلفين، فاعرضوهما على كتاب اللّه. فما كان في كتاب اللّه موجوداً حلالًا أو حراماً، فاتّبعوا ما وافق الكتاب. و ما لم يكن في الكتاب، فأعرضوه على سنن رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم)، فما كان في السنّة موجوداً منهياً عنه نهي حرام و مأموراً به عن رسول اللّه أمر إلزام، فاتّبعوا ما وافق نهي رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) و أمره‏ (2).

و على هذا القسم من الروايات يجب إحراز الموافقة، و لا يكفي عدم المخالفة.

القسم الثاني: ما يدلّ على أنّه لا يُصدّق الخبر إلّا إذا وُجد له شاهد من الكتاب:

مثل ما رواه الحسين بن أبي العلاء: أنّه حضر ابن أبي يعفور في هذا المجلس قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن اختلاف الحديث يرويه من نثق به، و منهم من لا نثق به؟ قال: إذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهداً من كتاب اللّه أو من قول رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) و إلّا فالذي جاءكم به أولى به‏ (3).

و مثل ما رواه عبد اللّه بن بكير عن رجل عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث قال: إذا جاءكم عنّا حديث فوجدتم عليه شاهداً، أو شاهدين من كتاب اللّه فخذوا به، و إلّا فقفوا عنده ... (4).

____________

(1)- الوسائل: ج 18 ص 89، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 47.

(2)- المصدر نفسه: ص 81 82، الحديث 21.

(3)- المصدر نفسه: ص 78، الحديث 11.

(4)- المصدر نفسه: ص 80، الحديث 18.

225

القسم الثالث: ما يدلّ على كفاية الشباهة لا الموافقة.

مثل ما رواه الحسن بن الجهم عن الرضا (عليه السلام) قال: قلت له: تجيئنا الأحاديث عنكم مختلفة؟ فقال: ما جاءك عنّا فقس على كتاب اللّه عزّ و جلّ و أحاديثنا، فإن كان يشبههما فهو منّا، و إن لم يكن يشبههما فليس منّا (1).

و مثل ما رواه الحسن بن الجهم عن العبد الصالح (عليه السلام) قال: إذا جاءك الحديثان المختلفان فقسهما على كتاب اللّه و أحاديثنا، فإن أشبهها فهو حق و إن لم يشبهها فهو باطل‏ (2).

و هذه الأقسام الثلاثة، بإطلاقها تفيد عدم حجية الخبر الواحد في نفسه إلّا إذا وجد في الكتاب و السنّة شي‏ء يوافقه أو يشهد بصدقه الكتاب و السنّة أو يشبههما.

يلاحظ عليه أوّلًا: أنّ الروايات الثلاثة المنقولة عن الميثمي أو الحسن بن الجهم يقيّد الإطلاق. و بعبارة صحيحة، يفسر موردها و أنّها وردت في الحديثين المختلفين لا في مطلق الخبر، سواء أ كان له معارض أم لا.

و في مثل هذه الصورة جعلت الموافقة أو الشهادة أو الشباهة دليلًا على تمييز الحجّة عن اللّاحجة، كما سيوافيك من أنّ موافقة الكتاب كالشهرة العملية ليست من المرجّحات، بل من المعيّنات، لأنّ لسان قوله:» و إن لم يكن يشبههما فليس منّا «ليس لسان الترجيح بل لسان التعيين.

و على الجملة: ليست هذه الروايات ناظرة إلى مطلق الخبر، حتى تكون النتيجة عدم حجّية الخبر بتاتاً، بل ناظرة إلى الحديثين المختلفين ففيهما تكون الموافقة من المعينات.

____________

(1)- الوسائل: ج 18 ص 87، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 40.

(2)- المصدر نفسه: ص 89، الحديث 48.

226

و ثانياً: لو كانت هذه الروايات ناظرة إلى مطلق الخبر سواء أ كان له معارض أم لا، تلزم لغوية الخبر و عدم حجيّته مطلقا. و التعبير عنهما بهذه العبارات مستهجن، إذ في وسع الإمام أن يقول: كل ما لم يعلم صدوره منّا فليس لكم أن تعملوا به.

و ثالثاً: لا يمكن الأخذ بإطلاقها، للقطع بصدور ما ليس له شاهد من كتاب اللّه من الأئمّة كيف و هم أعدال الكتاب و قرناؤه، و حفّاظ السنة و مصادرها، فلو كانت حجّية أخبارهم مشروطة بموافقة الكتاب و السنّة الرائجة بين الناس لما كان هنا وجه لعدّهم أعدال الكتاب و حفظة السنّة. فلا مناص عن حمل هذا الاشتراط على ما إذا كان هناك حديثان مخالفان، فالأخذ بواحد منهما مشروط بالموافقة أو بالشهادة و الشباهة.

القسم الرابع: ما يدلّ على طرح المخالف للكتاب، و أنّ المراد من الموافقة هو عدم المخالفة لا الموافقة و الأوّل أعم من الثاني بلا ريب، و ذلك:

مثل ما رواه السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): إنّ على كلّ حقّ حقيقة، و على كلّ صواب نوراً، فما وافق كتاب اللّه فخذوه و ما خالف كتاب اللّه فدعوه‏ (1).

و مثل ما رواه هشام بن الحكم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: خطب النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) بمنى فقال: أيّها الناس ما جاءكم عنّي يوافق كتاب اللّه فأنا قلته، و ما جاءكم يخالف كتاب اللّه فلم أقله‏ (2).

و مثل ما رواه عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه عن الصادق (عليه السلام): إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فاعرضوهما على كتاب اللّه، فما وافق كتاب اللّه فخذوه، و ما

____________

(1)- الوسائل: ج 18 ص 78، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 10.

(2)- المصدر نفسه: ص 79، الحديث 15.

227

خالف كتاب اللّه فردّوه‏ (1).

و مثل ما رواه جميل بن دراج عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): إنّ على كلّ حقّ حقيقة و على ... إلخ.

و هو يتّحد مع رواية السكوني‏ (2).

يلاحظ عليه أوّلًا: أنّ مصبَّ هذه الروايات أيضاً بشهادة رواية عبد الرحمن ابن أبي عبد اللّه هو الروايات المتعارضة، ففي مثل ذلك يطرح المخالف، و لا دلالة فيها على عدم حجيّة خبر الواحد.

ثم إنّ المراد من المخالف في هذه الروايات ليس المخالفة على نحو العام و الخاص المطلق، أو من وجه، بل المراد، ما يعد متباينا في نظر العقلاء و في محيط التقنين و ظرف التشريع، و هو ما يكون متبايناً كليّاً. و ذلك للقطع بورود المخالف على نحو القسمين الأوّلين من النبي الأكرم (صلى الله عليه و آله و سلم) و الأئمّة المعصومين (عليهم السلام) فكيف يصح لنا القول بعمومية الروايات حتى تشمل القسمين.

إن قلت: إنّ هذه العناية لا تناسب التباين لقلّة وجوده، و لأنّ الوضّاع لا يضعون حديثاً يرفضه الناس و لا تقبله العامة إذ عندئذ يكذب و لا يصدق، و إنّما يضعون حديثاً مشابهاً لأحاديثهم حتى يغترّ به الناس و ليس هو إلّا العام و الخاص المطلق أو من وجه.

قلت: الداعي للوضع كان أحد الأمرين:

1 تشويه سمعة الأئمة المعصومين حتى ينفض الناس من حولهم، بحجّة أنّهم يقولون خلاف القرآن و السنّة النبوية.

2 الاستئكال بالأحاديث و ذلك بوضع روايات حول مقامات الأئمّة (عليهم السلام) ترفع شأنهم على وجه الغلو حتى يغترّ عوام الشيعة بها و يصل الواضع إلى هدفه المادّي و دنياه.

____________

(1)- الوسائل: ج 18 ص 84، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 29.

(2)- المصدر نفسه: ص 86، الحديث 35.

228

روى الكشي: قال يحيى بن عبد الحميد الحمّاني في كتابه المؤلَّف في إثبات إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام): قلت لشريك: إنّ أقواماً يزعمون أنّ جعفر بن محمّد ضعيف الحديث؟ فقال: أُخبرك القصّة: كان جعفر بن محمّد رجلًا صالحاً مسلماً ورعا، فاكتنفه قوم جهّال يدخلون عليه و يخرجون من عنده و يقولون: حدّثنا جعفر بن محمد. و يحدّثون بأحاديث كلّها منكرات كذب موضوعة على جعفر، ليستأكلون الناس بذلك و يأخذون منهم الدّراهم، كانوا يأتون من ذلك بكلّ منكر فسمعت العوام بذلك منهم فمنهم من هلك و منهم من أنكر (1).

و عامّة تلك المنكرات كانت حول الأُصول و العقائد و مقامات الأئمّة و صفاتهم، لا في الفروع، و كانت النسبة بين المرويات و الأُصول القرآنية هو التباين.

و من أراد أن يقف على مقالات الغلاة في حقّ الأئمّة المعصومين (عليهم السلام) فعليه أن يرجع إلى الجزء 25 من البحار، فقد أدّى العلّامة المجلسي حق المقال في ذلك الباب.

إنّ علمائنا الأبرار قد بذلوا جهوداً جبارة في تهذيب روايات الشيعة من الموضوعات، يقف على ذلك من قرأ تاريخ حديث الشيعة، و ما بقي من الروايات ممّا هي ظاهرة في الغلو في حقّ الأنبياء و الأولياء من آثار فتنة الغلاة في عصر الأئمّة و من بعدهم، فتلك الروايات ناظرة إلى هذه الأحاديث، و قلّ ما يتفق وجود رواية مخالفة للكتاب على وجه التباين في الفروع و الأحكام.

روى الكشي عن ابن سنان قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): إنّا أهل بيت صادقون لا نخلو من كذّاب يكذب علينا و يسقط صدقنا بكذبه علينا عند الناس‏ (2).

____________

(1)- البحار: ج 25 ص 302، الحديث 67 الطبعة الحديثة.

(2)- لاحظ الخبر في البحار: ج 25 ص 263 باب نفي الغلو، الحديث 1.

229

و في الختام نقول: إنّ كلّ واحد من هذه الروايات أخبار آحاد لا يمكن الاستدلال بها على زعم الخصم لأنّها آحاد، و القدر المتيقن منها الذي يمكن ادّعاء التواتر المعنوي عليه، هو ما خالف صريح الكتاب و السنّة النبوية القطعية على وجه التباين لا المخالف على وجه التخصيص بالعموم المطلق، بل العموم من وجه، كما لا يخفى.

الثالث: الإجماع:

استدلّ المخالف بالإجماع الوارد في كلام المرتضى المدعي على انعقاده على عدم حجّية الخبر الواحد و الاستدلال به باطل من وجوه:

الأوّل: أنّه خبر واحد ليس بحجّة على زعم الخصم، لأنّه إخبار فرد عن قول الإمام عن حدس، و هو ليس بحجّة قطعاً كما مرّ بيانه.

الثاني: أنّ خبر الواحد قد يطلق و يراد منه ما يقابل المتواتر و المحفوف بالقرينة، و قد يطلق بما يقابل الخبر الموثوق الصدور، فمعقد الإجماع الخبر الذي لم يؤيّد بدليل من خارج و داخل كوثاقة الراوي، لا مطلق الخبر.

و بالجملة: أنّ المقصود من قولهم: خبر الواحد، لا يفيد علماً و لا عملًا هو الخبر الواحد بما هو هو، و من المعلوم أنّه بما هو كذلك لا يعتمد عليه، و أمّا أنّه لا يعتمد عليه فيما إذا كان المخبر ثقة أو كان الخبر موثوق الصدور، فلا.

الثالث: أنّ المتتبع في تاريخ محدّثي الشيعة و فقهائهم، يقف وقوفاً تاماً على أنّ السيرة كانت جارية على العمل بخبر الثقة أو الخبر الموثوق الصدور، و ليس هذا شي‏ء ينكر، و سيوافيك توضيحه.

230

أدلّة القائلين بالحجّية:

استدل المثبتون بوجوه:

الأوّل: الاستدلال بآيات من الكتاب:

الآية الأُولى: آية النبأ:

قال تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى‏ ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ‏) (الحجرات/ 6).

قال الطبرسي: نزلت الآية في الوليد بن عقبة، بعثه رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) في جباية صدقات بني المصطلق، فخرجوا يتلقّونه فرحاً به و كانت بينه و بينهم عداوة في الجاهلية فظنّ أنّهم همّوا بقتله، فرجع إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) و قال: إنّهم منعوا صدقاتهم و كان الأمر بخلافه فغضب النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) (1) و همّ أن يغزوهم فنزلت الآية (2) و قيل في شأن نزولها غير ما ذكرناه.

و الاستدلال تارة بمفهوم الوصف و أُخرى بمفهوم الشرط و إليك كلا التقريرين:

الاستدلال بمفهوم الوصف في الآية:

قد استدل بمفهوم الوصف بوجهين:

1 أنّ الفاسق وصف غير معتمد على موصوفه، فتقدير الآية إن جاءكم مخبر

____________

(1)- الموافقة مع هذا الجزء من القصة مشكل، و لو كان النبي قاصداً لكان توجّه الخطاب إليه أولى، مع أنّ الآية تخاطب المؤمنين دون النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) فلاحظ.

(2)- مجمع البيان: ج 5 ص 132 و غيره من التفاسير.

231

فاسق، فيكون مفهومه انتفاء التبيّن عند انتفاء الوصف و كون المخبر عادلًا، كما هو الحال في كل وصف لا ثالث له. مثل قوله:» في سائمة الغنم زكاة «فمفهومه عدمها في معلوفتها.

يلاحظ عليه: أنّ الاستدلال مبني على كون الوصف المأخوذ في الموضوع علّة تامّة منحصرة، و إثبات العلّية التامة فضلًا عن الانحصار، محتاج إلى الدليل، فإنّ غاية ما يستفاد من أخذ الوصف في الموضوع هو مدخليته. و أمّا انحصارها فيه و أنّه لا يقوم مقامه شي‏ء آخر، فإثباته في غاية الإشكال. و قد قلنا في بحث المفاهيم: إنّ غاية ما يدل عليه الوصف هو ما يدور بين الألسن من أنّ الأصل في القيود أن يكون احترازياً و مآله إلى أنّ ثبوت الحكم عند ارتفاع القيد أمر محتمل يحتاج إلى الدليل. و أمّا دلالته على الارتفاع جزماً فلا، لاحتمال قيام قيد مكان هذا القيد، كما هو في قوله تعالى: (وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ‏) (البقرة/ 282) حيث يقوم اليمين مقام العدل الواحد.

فإن قلت: إنّ هذا فيما إذا لم يكن القيد من القيود التي لا ثالث لها، كما في المقام، فإنّ المخبر إمّا فاسق أو عادل، و الغنم إمّا سائمة أو معلوفة، فإنّ ذكر القيد مع عدم مدخليته و مع ثبوت الحكم للجميع، يكون لغواً لعدم تصور النيابة في المقام.

قلت: ما ذكرته صحيح لو لا احتمال أنّ ذكر القيد لأجل التعرّض لحال الراوي ليبقى في جبين الدهر، كما هو الحال في ذكر اسم أبي لهب و أنّه مع صلته بالنبي كان من ألدّ أعدائه. و مثل المقام قوله:» في الغنم السائمة زكاة «فإنّ الغنم و إن كانت غير خارجة عن كونها سائمة و معلوفة، فالتخصيص بالسائمة مع اشتراك الحكم، غير وجيه لو لا احتمال أنّ ذكر القيد لكونه وارداً في سؤال السائل، أو غير ذلك.

2 ما ذكره الشيخ في الفرائد، و حاصله: أنّ لخبر الفاسق حيثيتين: إحداهما

232

ذاتية و هي كونه خبر الواحد، و الأُخرى عرضية، و هي كونه خبر الفاسق، و قد علّق وجوب التبيّن على العنوان العرضي، فيستفاد منه أنّه العلّة لوجوب التبيّن دون العنوان الذاتي المشترك بين خبري العادل و الفاسق، و إلّا كان العدول من الذاتي إلى العرضي قبيحاً و خارجاً عن أدب المحاورة، و المراد من الذاتي ما كان وصفاً لنفس الخبر، و العرضي ما كان وصفاً للمخبر، و ما يكون وصفاً له بما هو هو يقع في الدرجة الأُولى دون ما يقع وصفاً له باعتبار المخبر.

يلاحظ عليه: أنّه متين لو لا أنّه يمكن أن يكون وجه العدول هو التصريح بفسق الراوي ليعرفه المسلمون طول حياته، و الأسف أنّه مع ذلك قد كان عاملًا لعثمان أيّام خلافته، و قد شرب الخمر في الكوفة و صلّى صلاة الصبح في مسجدها جماعة أربع ركعات، و هو سكران حتى أنّ المصلّين أخرجوا خاتمه من يده و أرسلوه إلى عثمان و اشتكوا منه، فكان الخليفة متردّداً في إقامة الحدّ عليه حتى اضطرّ إلى إجرائه بضغط من الصحابة و التابعين و في مقدمتهم أمير المؤمنين (عليه السلام) (1).

هذا كلّه راجع إلى التمسّك بمفهوم الوصف.

الاستدلال بمفهوم الشرط في الآية:

و قبل الخوض في تقرير مفهوم الشرط نشير إلى ضابطة تقدر بها على تمييز ما يكون الشرط محققاً للموضوع عمّا يكون من حالاته و أوصافه، و حاصله: أنّ القضايا الشرطية مثل قولك:» زيد إن سلّم أكرمه «يشتمل على موضوع و هو» زيد «و شرط و هو» التسليم «و جزاء و هو قولك» أكرمه «. ثمّ إنّ الموضوع لو كان باقياً مع وجود الشرط و عدمه، فالشرط يعدّ من حالاته و أوصافه، مثل التسليم بالنسبة إلى زيد، فمثل هذه القضية تعدّ من القضايا ذات المفهوم عند من يقول بدلالتها عليه.

____________

(1)- راجع الغدير: ج 8 ص 120 الطبعة الثانية.

233

و أمّا إذا كان الموضوع غير باق لدى ارتفاع الشرط كما في قولك: إن رزقت ولداً فاختنه، فإنّ رزق الولد ليس شيئاً وراء وجود الولد، و لأجل ذلك ينعدم الولد بانعدامه، فالشرط يعدّ محقّقاً للموضوع، و يكون المفهوم أشبه بالقضية السالبة بانتفاء الموضوع، فإنّ عدم الاختتان عند ارتفاع رزق الولد لأجل عدم وجوده:

إذا عرفت ذلك: فاعلم أنّ دلالة الآية على حجّية خبر العادل عن طريق مفهوم الشرط تقرّر بوجوه.

الأوّل: ما هو المشهور، و حاصله: أنّ الموضوع هو نبأ الفاسق، و الشرط هو مجيئه به، و الجزاء هو وجوب التبيّن عنه، فيكون منطوقه وجوب التبيّن عن خبر الفاسق عند مجيئه، و مفهومه عدم وجوب التبيّن عنه عند عدم مجيئه لكن عدم مجيئه به يتحقق تارة في ضمن عدم مجي‏ء الفاسق و العادل معاً به، فيكون عدم التبيّن من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع و أُخرى في مجي‏ء العادل به فيكون عدم وجوب التبيّن من قبيل السالبة بانتفاء المحمول.

يلاحظ عليه: أنّ المفهوم عبارة عن إثبات الحكم و نفيه عن موضوع واحد مذكور في القضية، فما هو الموضوع الذي هو نبأ الفاسق، يجب أن يرجع التبيّن و عدم التبيّن إليه لا إلى غيره كخبر العادل، و الموضوع (نبأ الفاسق) إن تحقق شرطه أي جاء به الفاسق، يجب التبيّن عنه، و إن لم يتحقق شرطه أي لم يجئ به الفاسق، فلا يجب التبيّن لعدم الموضوع فإنّ انتفاء الشرط هنا مساوق لانتفاء الموضوع، فمجي‏ء الفاسق في المقام كرزق الولد محقق لنبأ الفاسق و ليس شيئاً زائداً عليه، فقولك:» نبأ الفاسق إن جاء به يجب التبيّن عنه «بمنزلة قولك: نبأ الفاسق إن تحقق ... و أمّا خبر العادل، فليس موضوعاً للمنطوق و لم يحكم عليه بشي‏ء من التبيّن حتّى يرتفع عنه الحكم. فليس لعدم مجي‏ء الفاسق بالنبإ في المقام إلّا مصداق واحد هو السالبة بانتفاء الموضوع.

الثاني: ما قرّره المحقّق الخراساني بقوله: إنّ تعليق الحكم بإيجاب التبيّن عن‏

234

النبأ الذي جي‏ء به على كون الجائي به الفاسق، يقتضي انتفاءه عند انتفائه‏ (1).

توضيحه: أنّ الموضوع هو النبأ المفروض وجوده، و قد أشار إليه في كلامه بقوله:» النبأ الذي جي‏ء به «و الشرط مجي‏ء الفاسق به، و الجزاء وجوب التبيّن، فيكون معنى هذا الفرض، أنّ النبأ المفروض وجوده، و المفروغ تحققه، إن جاء به الفاسق فتبيّن عنه، و إن لم يجئ به الفاسق فلا تتبيّن عنه، و في مثل ذلك يكون مجي‏ء الفاسق من حالات النبأ الذي فرغنا عن وجوده، و إن شئت قلت: أُخذ النبأ موضوعاً على وجه القضية الحقيقية التي يفرض فيها الموضوع محققاً طول الزمان، و مفروغاً وجوده في الظروف المختلفة، فهذا النبأ الذي سلمنا وجوده في الخارج إن اتّصف بكون الجائي به فاسقاً يتبيّن عنه، و إن لم يتصف بذلك، لا يجب التبيّن عنه و عدم الاتصاف بكون الجائي فاسقاً ملازم لكون الجائي به عادلًا، لأنّ المفروض أنّ الخبر محقق الوجود، مفروغ التحقق و إن حمله مخبر قطعاً، و لا يخلو من كونه من إحدى الطائفتين، فإذا وجب التبيّن في طائفة لم يجب في طائفة أُخرى.

هذا غاية توضيح كلام المحقق الخراساني.

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره خلاف المتبادر من الآية، فإنّ الظاهر أنّ الموضوع نبأ الفاسق بشهادة قوله: (إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ ...) أي فاسق يحمل نبأ، و في مثله يكون المجي‏ء محققاً للموضوع، فإنّ نبأ الفاسق لا يتحقّق في الخارج إلّا بإتيانه به.

الثالث: ما ذكره المحقّق الخوئي دام ظله، و حاصله: أنّ الشرط تارة يكون بسيطاً و يكون الجزاء في نفسه متوقّفاً على الشرط عقلًا كما في قولك: إن رزقت ولداً فاختنه. و أُخرى يكون مركّباً، و يكون الجزاء متوقّفاً عقلًا على كليهما كما إذا قال: إذا رزقت ولداً و كان ذكراً فاختنه. و ثالثة: يكون متوقّفاً على أحدهما عقلًا دون الآخر كما إذا قال: إن ركب الأمير و كان يوم الجمعة فخذ ركابه.

____________

(1)- الكفاية: ج 2 ص 83.

235

فإنّ أخذ الركاب متوقف على الركوب عقلًا و لا يتوقف على كون ركوبه يوم الجمعة.

و مثله المقام فإنّ التبيّن متوقّف على النبأ و لا يتوقف عقلًا على الجزء الآخر، أعني: كون الآتي به فاسقاً، و مفاده عدم وجوب التبيّن عن النبأ عند انتفاء كون الآتي به فاسقاً (1).

و ما ذكره توضيح لما ذكره المحقق الخراساني، و يرد عليه نفس ما أوردناه عليه، من منع كون الموضوع نفس النبأ، المنقسم إلى أنّ الجائي به تارة يكون، الفاسق، و أُخرى العادل، فإنّ الظاهر أنّ النفي و الإثبات يرجع إلى موضوع ضيق و هو نبأ الفاسق، لا مطلق النبأ، المفروض وجوده في الخارج.

ثمّ إنّه ربما يقرّر دلالتها على حجّية قول العادل بوجه آخر غير مفهوم الشرط و إليك البيان:

أوّلًا: ما أفاده المحقّق الخراساني بعد تسليم أنّ الموضوع هو نبأ الفاسق بقوله: إنّه يمكن أن يقال: إنّ القضية و لو كانت مسوقة لذلك، إلّا أنّها ظاهرة في انحصار موضوع وجوب التبيّن في النبأ الذي جاء به الفاسق فيقتضي انتفاء وجوب التبيّن عند انتفائه و وجود موضوع آخر.

و لعلّ المقصود أنّ الآية بصدد بيان الضابطة الكلّية لما يجب عنه التبين و ما لم يجب، فذكر الفاسق دون العادل يعرب عن انحصار موضوعه في النبأ الذي جاء به الفاسق.

ثانياً: ما أشار إليه المحقق العراقي حيث قال: إنّ المناسبة بين الحكم و الموضوع تقتضي حجّية خبر العادل، لأنّ وجوب التبيّن و عدم القبول بدونه، يناسب جهة فسق المخبر لعدم تحرّزه عن المعاصي التي منها تعمّد كذبه، فوجب التبيّن عن حال خبره لئلّا يقع المكلّف في خلاف الواقع فتحصل له الندامة،

____________

(1)- مصباح الأُصول: ج 2 ص 159.

236

و هذا بخلاف خبر العادل فإنّه من جهة تورّعه عن محارم اللّه لا يقدم على التعمّد بالكذب، فاحتمال تعمّد كذبه في خبره منفي بعدالته، و لازمه حجية خبره و وجوب العمل على طبقه بدون التبيّن‏ (1).

هذه هي التقريبات التي ذكرها الأعلام و هي بين مقبول و مرفوض و المقبول هو الوجهان الأخيران، و لكن لا صلة لهما بمفهوم الشرط.

ثمّ إنّ الإشكالات المتوجّهة إلى الاستدلال بالآية، تتوجّه تارة إلى إنكار الاقتضاء و أنّه لا دلالة للآية على حجّية قول الثقة، و أُخرى إلى إبداء موانع بعد تسليم الاقتضاء، أمّا الأُولى: فقد تقدّمت و إليك بيان القسم الثاني، و هو أُمور:

الأوّل: عموم التعليل مانع عن تمامية دلالة الآية:

إنّ المفهوم على تقدير ثبوته معارض لعموم التعليل، أعني: قوله سبحانه: (أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ) و الجهالة بمعنى عدم العلم، مشترك بين خبري العادل و الفاسق، و التعليل أقوى و يقدّم على المفهوم، و لسانه آب عن التخصيص بأي شي‏ء سواء كان المخصّص هو المفهوم أو غيره.

و أُجيب عن الإشكال بوجوه:

1 ما أجاب به المحقّق النائيني من أنّ المفهوم حاكم على التعليل، لأنّ أقصى ما يدل عليه التعليل، عدم جواز العمل بما وراء العلم، و المفهوم يقتضي إلغاء احتمال الخلاف و جعل الخبر العادل محرزاً للواقع و علْماً في مقام التشريع فلا يعقل أن يقع التعارض بينهما، لأنّ المحكوم لا يعارض الحاكم و لو كان ظهوره أقوى‏ (2).

____________

(1)- نهاية الأفكار: ج 107/ 3 للشيخ محمد تقي البروجردي، تقرير لبحث المحقق العراقي.

(2)- فوائد الأُصول: ج 3 ص 172.

237

يلاحظ عليه أوّلًا: أنّ الحكومة قائمة بلسان الدليل بحيث لو أمعن النظر لعرف لسان الحاكم و المحكوم و جَعَل الأوّل مفسّراً و حاكماً على الثاني، كما إذا قال: لا ربا بين الزوج و الزوجة، و لا ربا بين الوالد و الولد، فيجعل مفسّراً لقوله: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ ذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ‏) (البقرة/ 278) أو قوله: (وَ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبا) (البقرة/ 275). و هذا إنّما يتصوّر إذا كان هناك دليلان منفصلان ينعقد لكلّ منهما ظهور مستقر، كما في الأمثلة المتقدّمة، لا ما إذا كانا متصلين إذ عند ذاك إمّا يكون الكلام مجملًا أو يكون عموم التعليل قرينة على عدم المفهوم، فإنّ الأخذ بالمفهوم لأجل إحراز كون الشرط علّة منحصرة، فإذا صرّح المتكلّم بالعلّة الحقيقية، و كانت موجودة بين مورد الشرط و عدمه، علم أنّ الشرط ليس علّة منحصرة، بل يحرز أنّه ليس علّة حقيقية.

و ثانياً: أنّ ما ذكره من أنّ مقتضى المفهوم إلغاء احتمال الخلاف و كون خبر العادل محرزاً للواقع و علماً في مقام التشريع، ممّا لا يستفاد من المفهوم. بل أقصاه عدم لزوم التبيّن و جواز العمل به فقط، و أين هذا ممّا ذكره من تحليلات ذهنية و مناسبات ليس في اللفظ عنه عين و لا أثر.

و ثالثاً: أنّ ما ذكره من الحكومة يستلزم الدور. لأنّ ظهور القضية في المفهوم يتوقّف على كون المفهوم حاكماً للتعليل المانع عن اشتمال القضية على المفهوم، و كونه حاكماً يتوقّف على وجود المفهوم و هذا هو الدور الصريح.

2 ما أجاب به الشيخ الأعظم، و حاصله: أنّ الجهالة بمعنى السفاهة، أعني: ما لا يركن إليه العقلاء، و ليس العمل بقول الثقة عملًا سفهائياً كيف وعليه تدور رحى الحياة.

فإن قلت: لو كان العمل بقول الفاسق عملًا سفهائياً لما أقدم عليه أصحاب النبي و هم عقلاء.

238

قلت: إنّ إقدامهم على العمل كان لأجل عدم وقوفهم على حال الوليد، و إلّا لما ركنوا على قوله، و ربّما يحمل على هذا قوله سبحانه: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ‏) (النساء/ 17).

و قوله سبحانه: (أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَ أَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ‏) (الأنعام/ 54).

و قوله سبحانه: (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَ أَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ‏) (النحل/ 119).

و ليست الجهالة في هذه الآيات بمعنى عدم العلم، و إنّما هي بمعنى السفاهة أي العمل الذي لا يرغب فيه العاقل.

أقول: ليس في المعاجم ما يشير إلى تفسير الجهالة بالسفاهة إلّا في كلام الراغب، قال في لسان العرب: الجهالة: أن تفعل فعلًا بغير علم. و قال الراغب في مفرداته: إنَّ الجهل على ثلاثة أضرب: الثالث فعل الشي‏ء بخلاف ما حقّه أن يفعل. ثم استشهد بقوله: (أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ) و قال في القاموس: جهله جهلًا و جهالة ضد علمه. و قال في أقرب الموارد: الجهالة ضدّ العلم و المعرفة.

و لكن فيما ذكرنا من الآيات غنى و كفاية فإنّ المراد أنّ الذين يرتكبون السوء و يعدّ عملهم عملًا ضد العلم و العقل فإذا تابوا، على اللّه أن يقبل توبتهم.

و يظهر من الأدب العربي في صدر الإسلام و ما قبله، أنّ لفظ الجهل ربّما يستعمل في عمل يضاد الحكمة و الحلم. و إليك نماذج من ذلك.

قال عمرو بن كلثوم التغلبي أحد الشعراء الجاهليين صاحب المعلّقة:

ألا لا يجهلن أحد علينا* * * فنجهل فوق جهل الجاهلينا (1)

____________

(1)- المعلّقات السبع، معلّقة عمرو بن كلثوم ص 1.

239

و قال الإمام علي (عليه السلام) في ديوانه:

فإن كنت محتاجاً إلى الحلم انني‏* * * إلى الجهل في بعض الأحايين أحوج‏ (1)

و أنشد عبد اللّه بن جعفر الطيار:

أظن الحلم دلّ على قومي‏* * * و قد يتجهّل الرجل الحليم‏ (2)

و مع ذلك كلّه فالجهالة في الآية ليست بمعنى السفاهة، بقرينة ترتب قوله: (فَتَبَيَّنُوا) عليه من غير فرق بين كونه بمعنى الاطمئنان أو المعرفة القطعية. و على كلّ فلا يصحّ تفسيرها إلّا بالجهل مقابل العلم، لا الجهالة ضد الحكمة.

3 ما أجاب به الشيخ الأعظم أيضاً و هو يبتني على تفسير» التبيّن «بمعنى الاطمئنان العرفي و حصول السكينة التي عليها تدور رحى الحياة.

غير أنّ تفسير» التبيّن «بهذا المعنى لا يوافقه القرآن، فإنّه فيه بمعنى العلم و المعرفة القطعية كما في غير واحدة من الآيات:

1 قال سبحانه: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَ لا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى‏ إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا) (النساء/ 94) و مورد الآية هو إراقة الدماء، و لا يكتفى فيها بالوثوق، بل لا بدّ من العلم أو البيّنة تنزيلًا لها منزلته.

2 و قال سبحانه: (سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُ‏) (فصّلت/ 53) أي يتبيّن أنّ القرآن هو الحقّ بأجلى مظاهره.

3 و قال تعالى: (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) (البقرة/ 187).

____________

(1)- ديوان الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام).

(2)- شرح ابن أبي الحديد.

240

إلى غير ذلك من الآيات التي استعملت فيها الكلمة بمعنى الظهور الحقيقي و هو العلم.

الآية لا صلة لها بحجّية خبر العادل و عدم حجّية خبر الفاسق:

و الإمعان في الآية يعطي أنّ الآية ليست في مقام إضفاء الحجّية على خبر العادل و سلبها عن الفاسق، بل هي في شأن آخر يقع ذانك الأمران في حاشيته و جنبه و ربّما لا يكونان مورد النظر.

و الذي عندي في تفسير الآية: هو أنّ الآية لا تبحث عن الأخبار المطلقة حتى نأخذ بالمفهوم و نناقش في ثبوته و مزاحمه، بل يبحث عن النبأ الذي يجب على الإنسان الحزم و الاحتياط و تحصيل التبيّن و اليقين، و ترك الإقدام بالجهل و عدم المعرفة، من غير فرق بين خبر العادل و الفاسق. و تخصيص الفاسق بالذكر لأجل التصريح بفسق الوليد.

توضيح ذلك: هو أنّه فرق بين» الخبر «و» النبأ «و الثاني لا يطلق إلّا على الخبر الخطير. و إنّما أُطلق» النبي «على رسول اللّه، لكونه جائياً بخبر خطير و بنقل أخبار السماء إلى الأرض و مثله سائر الرسل.

و قد استعمل القرآن لفظ النبأ في خمسة عشر مورداً و أُريد من الكلّ: الخبر العظيم، قال سبحانه: (وَ اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً) (المائدة/ 27). و قوله سبحانه: (وَ لَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ‏) (الأنعام/ 34). و قوله سبحانه: (وَ جِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ‏) (النمل/ 22) و توصيفه بالعظيم في موارد لا ينافيه لأنّه يفيد التأكيد، قال سبحانه: (عَمَّ يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ‏) (النبأ/ 1).

و على ذلك فالنبأ بمعنى الخبر الخطير، و الآية تفيد أنّه يجب في الأخبار الخطيرة و الأنباء العظيمة تحصيل العلم و القطع، من غير فرق بين خبر العادل‏

241

و الفاسق، و كان حديث بني المصطلق من الأخبار الخطيرة إذ الوليد كان مخبراً عن ارتدادهم و مروقهم عن الدين الذي لازمه إراقة دمائهم، و أي خبر أخطر من هذا.

و مما يؤيد أنّ الجهالة بمعنى عدم العلم: هو قوله (فَتَبَيَّنُوا)، فإنّه في مقابل قوله (بِجَهالَةٍ) و مترتب عليها (1).

و على ذلك فليست الآية في مقام بيان أنّ خبر الفاسق لا يعتنى به و لا يركن إليه، بل في مقام بيان أنّ الأخبار الخطيرة و الأنباء العظيمة يجب التبيّن و تحصيل العلم، و لا يصحّ ركوبها مع الجهالة و عدم العلم، لا سيما إذا كان المخبر فاسقاً، لأنّه عندئذ يزيد في الطين بلّة. و على ذلك لا فرق بين العادل و الفاسق في لزوم تحصيل العلم و المعرفة في تلك المواضع، و أمّا غيرها فليست الآية في مقام بيان حكمها. و لعلّ الغالب على كلمة النبأ مفرداً، هو الموضوعات و إن كان مفاد النبي مشتقّاً هو الأعم من الموضوع و الحكم.

الثاني: خروج المورد على القول بالمفهوم:

لو كان مفهوم الآية هو حجّية قول الثقة، يلزم خروج المورد عنه، لأنّ المورد هو الإخبار عن ارتداد قوم، و خبر الثقة ليس بحجّة في مطلق الموضوعات خصوصاً في مورد الدماء و الأعراض، و إخراج المورد مستهجن.

و أجاب عنه المحقق النائيني: بأنّ المورد (ارتداد بني المصطلق) داخل في منطوق الآية، و هو غير مخصص لعدم حجّية قول الفاسق لا في الأحكام، و لا في الموضوعات. و أمّا المفهوم، فلم يرد كبرى لصغرى مفروضة الوجود و التحقق لأنّه لم يرد في مورد إخبار العادل بالارتداد، بل يكون حكم المفهوم من هذه الجهة حكم سائر العمومات الابتدائية التي لم ترد في مورد خاص قابل للتخصيص بأي‏

____________

(1)- و قد مرّ آنفا أنّ المراد من» التبيّن «في القرآن هو تحصيل العلم و المعرفة و سيأتي أيضاً أنّ معناه ذلك فتربص.

242

مخصص، فلا مانع من تخصيص عموم المفهوم، بما عدا الخبر الواحد، القائم على الموضوعات الخارجية (1).

يلاحظ عليه: أنّه فرق بين العام الابتدائي غير الوارد في الموضوع و المفهوم، فإنّ الارتداد إذا كان مورداً للمنطوق يكون مورداً للمفهوم أيضاً، لأنّهما في مقام بيان حكم موضوع واحد في حالتين مختلفتين، و إن كان المفهوم في الرتبة متأخراً عن المنطوق، فإذا قيل: لا تَقْبل قول الفاسق في الارتداد، و قلنا: إنّ مفهومه: تقبل قول العادل، يكون معناه: تقبل قول العادل في المورد الذي لم يتقبل فيه قول الفاسق فالإجابة: بأنّ الارتداد ليس مورداً للمفهوم كما ترى.

و أجاب عنه الشيخ بقوله: و جعل أصل خبر الارتداد مورداً للحكم بوجوب التبيّن إذا كان المخبر به فاسقاً، و لعدمه إذا كان المخبر به، عادلًا، لا يلزم منه إلّا تقييد الحكم في جانب المفهوم و إخراج بعض أفراده و هو ليس من إخراج المورد (2).

توضيحه: أنّ منطوق الآية يدلّ على رفض قول الفاسق و طلب التبيّن في مورد الارتداد، و مفهومه يدلّ على عدم رفضه و عدم طلب التبيّن، و هذا لا ينافي لأن يكون العمل به مشروطاً بشرط أو شرائط من ضمّ عادل آخر إليه، و كون العادل ضابطاً متعارفاً في الإدراك بالحواس.

فإن قلت: إنّ مفاد الآية على القول بالمفهوم: أنّه لو لا فسقه لما توجّه لوم و لا اعتراض، مع أنّ الأمر على خلافه إذ لو كان الوليد عادلًا لتوجّه اللوم أيضاً على العاملين بقوله في المورد.

قلت: نلتزم أنّه لو كان المخبر في المورد عادلًا لما توجّه اللوم، لكن عدم توجهه لا ينافي لزوم وجود شرط آخر من ضمّ عادل آخر إليه.

____________

(1)- فوائد الأُصول: ج 3 ص 174.

(2)- الفرائد: ص 7776.

243

و إن شئت قلت: إنّ عدم اللوم أمر نسبيّ فاللوم الذي يتوجّه على العمل بقول الفاسق، لا يترتب على العمل بقول العادل، و ذلك لا ينافي لزوم وجود شرائط أُخر في المورد من لزوم وجود العادل الآخر، و كون كلّ واحد من العدلين ضابطاً متعارفاً من حيث إعمال أدوات المعرفة.

و قد يجاب بالالتزام بحجّية قول العادل في الأحكام و الموضوعات، إلّا فصل الخصومات، فإنّه يتوقّف على البيّنة، دون غيره و على هذا لا يلزم إخراج المورد أيضاً، و ما في رواية مسعدة بن صدقة:» من أنّ الأشياء على هذا حتى تستبين لك غير هذا أو تقوم به البيّنة «فالمراد منه هو الظهور العرفي مقابل الاستبانة التي هي العلم الحقيقي.

و لا يخفى أنّ الجواب غير تام، لأنّ المورد من قبيل فصل الخصومات لا من قبيل إحراز كرّية الماء أو قلّته، و المفروض عدم حجّية خبر العادل الأوّل.

الثالث: ما هو المراد من التبيّن؟

إن أُريد من التبيّن خصوص العلم، يكون معناه إلغاء العمل بخبر الفاسق، و العمل بالعلم الوجداني، و حيث إنّ العمل بالعلم الوجداني، واجب عقلًا كان الأمر به في الآية الشريفة إرشاداً إليه، و لا يستفاد من الأمر الإرشادي المفهوم قطعاً.

و إن أُريد من التبيّن مجرد الوثوق، يقع التنافي بين المفهوم و المنطوق، إذ مقتضى المنطوق حجّية خبر الفاسق، عند حصول الوثوق بقوله، و مقتضى المفهوم حجّية خبر العادل مطلقاً سواء أفاد الوثوق أم لا، فالجمع بين العمل بخبر الفاسق الموثوق به بمقتضى المنطوق، و العمل بخبر العادل و إن لم يوجب الوثوق إحداث لقول ثالث.

يلاحظ عليه: أنّا نختار الشق الثاني، لكن إخبار العادل ملازم للوثوق‏

244

الشخصي أو النوعي، و بما أنّ قول الفاسق لا يفيد الوثوق، يجب التبيّن حتى تحصل الغاية. و أمّا خبر الثقة، فالغاية موجودة فيه لإفادته الوثوق النوعي مطلقاً، بل الشخصي فيما إذا لم يكن معرضاً عنه، أو لم يكتنف بشي‏ء يثير سوء الظن، فالعمل بقول الثقة ليس إحداثاً لقول ثالث، بل العمل به لأجل كونه مقترناً بالوثوق.

ثم إنّ القوم ساقوا إشكالات أُخر لا تختص بآية النبأ، مثل أنّ الآية على القول باشتمالها على المفهوم تشمل قول السيد المخبر عن الإجماع على عدم حجّية الاخبار، أو عدم شمول الآية على الاخبار بالواسطة أو غير ذلك. و الأولى تأخير البحث عنها إلى الفراغ عن أدلّة حجّية خبر الواحد.

الآية الثانية: آية النفر:

قال سبحانه: (وَ لا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَ لا كَبِيرَةً وَ لا يَقْطَعُونَ وادِياً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ‏) (التوبة/ 121).

(وَ ما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ‏) (التوبة/ 122).

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَ لْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ‏) (التوبة/ 123).

و الآية واقعة في سياق آيات الجهاد و السير إلى القتال مع العدو. فالاستدلال بها على حجّية قول العادل في الأحكام لا يناسب السياق، و لنرجع إلى بيان محتملات الآية مع حفظ السياق و عدمه و هي أربع:

الأوّل: أنّ الآية حسب حكم السياق نزلت في موضوع الدعوة إلى النفر إلى الجهاد، غير أنّه لمّا كان نفر الجميع أمراً غير ممكن لاستلزامه تعطيل وسائل الحياة

245

أمر سبحانه:

أوّلًا: بنفر طائفة من كل فرقة و قبيلة.

ثانياً: إنذار النافرين قومهم الباقين بعد الرجوع إليهم.

ثالثاً: طلب منهم الحذر عند الإنذار بشهادة كلمة لعلّ، و هو دليل المحبوبية و المطلوبية.

و الغاية من النفر هو التفقّه في الدين ضمن القتال و المصارعة مع الأبطال إذ يرى المؤمن بأُمّ عينيه كيف نصر اللّه دينه و خذل أعداءه، ثم يرجع و ينذر قومه الباقين، بما شاهد حتّى يكونوا على حذر من أن ينزل بهم من بأس اللّه بما نزل على من شاهدوه من الكفار.

قال الطبرسي: إنّ التفقّه و الإنذار يرجعان إلى الفرقة النافرة و حثّها اللّه تعالى لترجع إلى المتخلّفة فتحذرها، و معنى (لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ‏): ليتبصّروا و يتيقّنوا بما يريهم اللّه من الظهور على المشركين و نصرة الدين، و لينذروا قومهم من الكفّار إذا رجعوا إليهم فيخبروهم بنصر اللّه النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و المؤمنين لعلّهم يحذرون أن يقاتلوا النبي فينزل بهم ما نزل بأصحابهم من الكفار (1).

و هذا المعنى أوفق بسياق الآية من وجهين:

1 إنّ الآية واردة في سياق آيات الجهاد و القتال، و قد فسّرت بما يطابق ذاك السياق.

2 إنّ الظاهر أنّ الضمائر المتصلة الثلاثة في قوله:

(لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ‏) و (لِيُنْذِرُوا) و (إِذا رَجَعُوا) راجعة إلى الطائفة النافرين، و قد احتفظت وحدة مرجع الضمائر في هذا التفسير.

غير أنّه يرد على هذا التفسير أُمور:

____________

(1)- مجمع البيان: ج 3 ص 83.

246

أ: أنّ التفقّه، هو التفهّم، أي فهم الدين عن عمق و بصيرة، و لا يجوز أن يكون الإنسان من الذين يقولون (إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى‏ أُمَّةٍ وَ إِنَّا عَلى‏ آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ‏) (الزخرف/ 23) و رؤية النصر في الحروب و الظفر على أعداء اللّه يوجب ثقة بأنّ اللّه ينصر رسوله و المؤمنين كما قال: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَ الَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ يَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ) (غافر/ 51). و لا يُسمّى مثل هذا تفقّهاً في الدين، أي فهماً لمعارفه و أُصوله و أحكامه و فروعه و لم يستعمل ذلك اللفظ لا في اللغة و لا في القرآن و لا في الحديث في ذلك المعنى.

ب: أنّ النصر لم يكن مطّرداً في كلّ الحروب فربّما كان الانتصار للمسلمين كما في غزوة» بدر «و أُخرى للكافرين كما في غزوة» أُحد «و» حنين «فلا يمكن أن يعدّ مثل ذاك الأمر الذي قد يكون و قد لا يكون غاية للنفر.

ج: يلزم على هذا أن يكون النافرون إلى الجهاد أفقه في الدين من حيث الإيمان و البصيرة من الذين بَقُوا في المدينة و تعلّموا من النبيّ كلّ يوم آية و حديثاً، اللّهمّ إلّا أن يكون النبيّ مع النافرين لا مع المتخلّفين الباقين.

و ما ربّما يقال من أنّ المراد إنذارهم قومهم الكافرين حتّى لا يقاتلوا النبيّ، إنّما يصح إذا كان الخطاب متوجّهاً لمؤمني سائر البلاد و هو خلاف الفرض، كما سيتضح.

الثاني: أنّ الخطاب لمؤمني سائر البلاد، و المراد من النفر هو النفر إلى المدينة و عاصمة العلم و الدّين للتعلّم و التفقّه، و أنّه يجب أن ينفر من كل فرقة طائفة إلى حضرة النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) فيتفقّهوا عنده في الدين و يرجعوا إلى أوطانهم و أقوامهم و ينذرونهم لعلّهم يحذرون.

قال الطبرسي: إنّ التفقّه راجع إلى النافرة، و التقدير ما كان لجميع المؤمنين أن ينفروا إلى النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و يخلوا ديارهم، و لكن لتنفر إليه من كلّ ناحية طائفة لتسمع كلامه و تتعلّم الدّين منه، ثم ترجع إلى قومها فتبيّن لهم ذلك و تنذرهم، و المراد من‏

247

النفر، هو الخروج لطلب العلم‏ (1).

و هذا الوجه يتمايز عن الوجه الأوّل في أنّ الخطاب على هذا لمؤمني سائر البلاد، و فيه لمؤمني المدينة المنورة، و في هذا الوجه أيضاً يكون النافرون إلى المدينة أفقه من المتخلّفين في سائر البلاد سواء أ كان المتخلّفون مؤمنين أم كافرين، و لأجل ذلك قلنا: إنّ ما احتمل من كون المراد إنذارهم قومهم الكافرين إنّما يصح على هذا الوجه دون الوجه الأوّل لأنّ المراد من القوم فيه هو صحابة النبي نعم يشترك الوجهان في عدم لزوم التفكيك في الضمائر الثلاثة، فالكلّ يرجع إلى النافرين.

و يؤيد هذا الوجه كثير من الروايات المروية عن أئمّة أهل البيت و إليك بعضها:

1 روى الصدوق في عيون الأخبار عن الرضا (عليه السلام) عند بيان علل الحج: أنّ منها التفقّه و نقل أخبار الأئمّة (عليهم السلام) إلى كلّ صقع و ناحية، كما قال اللّه عزّ و جلّ: (فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ ...) (2).

2 و روي عنهم (عليهم السلام) في تفسير قول النبي (صلى الله عليه و آله و سلم)» اختلاف أُمّتي رحمة «: أنّ المراد اختلافهم إلى البلدان و أنّ الرسول أراد من قوله:» اختلاف أُمّتي رحمة «، قول اللّه عزّ و جلّ: (فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ ...) (3).

و هذا الوجه أتقن الوجوه، و هو دليل على لزوم تأسيس الحوزات العلمية في البلدان لينتقل إليها طلّاب العلم و بغاة الفضيلة حتى يتفقّهوا فيها و يرجعوا إلى بلدانهم للإنذار.

____________

(1)- مجمع البيان: ج 3 ص 84.

(2)- نور الثقلين: ج 2 ص 283، الحديث 407 و الحديث منقول عن الفضل بن شاذان، انّه سمعه عن الرضا (عليه السلام).

(3)- المصدر نفسه: الحديث 408.

248

و لكن يرد عليه: أنّه على خلاف سياق الآية، فالآية واردة في ضمن آيات الجهاد، فكيف يمكن أن تكون مشيرة إلى هذا المعنى؟

نعم يمكن الذب عن هذا الإشكال إمّا بالالتزام بنزول هذه الآية مرّتين: مرّة في ثنايا آيات الجهاد و مرّة اخرى مستقلّة و منفصلة عن آياته، و ليس ذلك بعزيز، فقد نزلت بعض الآيات مرّتين، مثل قوله سبحانه: (وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى‏) (الضحى/ 5).

كما يمكن الذب عنه بوجه آخر و هو أنّ للآية بُعدين يتعلّق واحد منهما بأمر الجهاد و الآخر بتحصيل العلم و التفقّه، و الأوّل منهما معلوم من سياق الكلام، و الآخر بعد مجهول يعلم من تفسير الأئمّة و تبيينهم، و لا مانع من أن يكون لبعض الآيات بعد ان أحدهما معلوم و الآخر مجهول يحتاج إلى التنبيه.

ثم إنّ العلّامة الطباطبائي فسّر الآية بوجه يتّحد مع هذا الوجه، و لكن لا ترد عليه مشكلة عدم انطباقه على سياق الآيات، و إليك بيانه و إن شئت فاجعله ثالث الوجوه.

الثالث: أنّ الآية تنهى مؤمني سائر البلاد غير مدينة الرسول، أن ينفروا إلى الجهاد كافّة بل يحضّهم على أن تنفر طائفة منهم إلى النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) للتفقّه في الدين، و ينفر غيرهم إلى الجهاد، و معنى الآية أنّه لا يجوز لمؤمني البلاد أن يخرجوا إلى الجهاد جميعاً، فهلّا نفر و خرج إلى النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) طائفة من كل فرقة من فرق المؤمنين ليتعلّموا الفقه و يفهموا الدين فيعملوا به، و لينذروا بنشر معارف الدين قومهم إذا رجعت هذه الطائفة إليهم لعلّهم يحذرون‏ (1).

و على ذلك، فتنفر طائفة للتفقّه في الوقت الذي تنفر طائفة اخرى للجهاد، فعند ما قضيا حاجتهما يتلاقيان في موطنهما للإنذار و الحذر. فتكون للآية صلة بالجهاد، وصلة بالتفقّه.

____________

(1)- الميزان: ج 2 ص 428 بتصرف يسير.

249

و لا يخفى أنّ ظاهر الآية أنّ هنا نفراً واحداً تقوم به طائفة واحدة لغاية واحدة، لا نفرين تقوم بهما طائفتان لغايتين مختلفتين، كما هو صريح كلامه، أضف إليه: أنّ ظاهر كلامه أنّ الضمير في (إِذا رَجَعُوا) يعود إلى النافرين للجهاد و هو مستلزم للتفكيك في الضمائر.

الرابع: ما رواه الطبري في تفسيره عن أبي زيد: أنّ معنى الآية: فلولا نفر من كلّ قوم و قبيلة طائفة ليتفقهوا في الدّين، أي ليتفقّه المتخلّفون في الدين و لينذروا النافرين إذا رجعوا إليهم لعلّهم يحذرون.

و قد نقل عن ابن عباس: إذا رجعت السرايا، و قد نزل بعدهم قرآن تعلّمه القاعدون من النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) قالوا: إنّ اللّه قد أنزل على نبيّكم بعدكم قرآناً و قد تعلّمناه، فتمكث السرايا يتعلّمون ما أنزل اللّه على نبيّه بعدهم و يبعث سرايا أُخر.

و نقله عن قتادة و الضحاك‏ (1).

قال الطبرسي: إنّ معناه فهلّا خرج إلى الغزو من كلّ قبيلة جماعة و يبقى مع النبي جماعة ليتفقّهوا في الدّين، يعني الفرقة القاعدين، يتعلّمون القرآن و السنن و الفرائض و الأحكام، فإذا رجعت السرايا و قد نزل بعدهم قرآن، و تعلّمه القاعدون، قالوا لهم إذا رجعوا إليهم: إنّ اللّه أنزل بعدكم على نبيّكم قرآناً و قد تعلّمناه فتتعلّمه السرايا، و نقل من الباقر (عليه السلام): كان هذا حين كثر الناس أمرهم أن تنفر منهم طائفة و تقيم طائفة للتفقّه و أن يكون الغزو نوباً (2).

يلاحظ عليه: أنّه يستلزم التفكيك بين الضمائر من حيث المرجع فإنّ الظاهر أنّ الضمائر الثلاثة ترجع إلى النافرين، و على هذا القول فالضمير في (لِيَتَفَقَّهُوا) و (لِيُنْذِرُوا) راجعان إلى القاعدين، و الضمير في (رَجَعُوا) راجع إلى النافرين و هو خلاف الظاهر.

____________

(1)- تفسير الطبري: ج 11 ص 49.

(2)- مجمع البيان: ج 3 ص 83 و قد نقل في ذلك شأن نزول الآية فلاحظ.

250

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الاستدلال يتمّ بثبوت أُمور:

الأوّل: أنّ قوله سبحانه: (وَ لِيُنْذِرُوا) يدلّ على وجوب الإنذار. و مقتضى الإطلاق كفاية الإنذار مطلقاً سواء أ كان على وجه الانفراد أم كان على وجه الاجتماع.

و إن شئت قلت: أفاد إنذارهم العلم أم لم يفد، كانوا عند الإنذار منفردين أو مجتمعين، بل يمكن أن يقال بانصرافه إلى صورة الإنذار منفرداً لأنّ طبع الحال يقتضي أن يرجع كلّ نافر إلى وطنه و قبيلته، لا اجتماعهم في محلّ و إنذارهم مجتمعين.

و بعبارة أُخرى:» المراد إنذار كلّ واحد من النافرين بعضاً من قومهم، لا إنذار مجموع القوم، ليقال: إنّ إخبار المجموع و إنذارهم يفيد العلم بالواقع، فيخرج عن محل الكلام في بحث حجّية الخبر، و هذا الأمر ثابت لأنّ تقابل الجمع بالجمع ظاهر في التوزيع كما في قوله تعالى: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ‏) (المائدة/ 6) فإنّ المراد منه: أن يغسل كل واحد وجهه و يده لا أن يغسل المجموع وجه المجموع، كما أنّ طبع الحال هو ذلك، لأنّ الطائفة النافرة للتفقّه في الدين، إذا رجعوا إلى أوطانهم، لا يجتمعون حسب العادة في محل واحد ليرشدوا القوم مجتمعين، بل يذهب كلّ واحد إلى ما يخصّه في المحل « (1).

الثاني: إنّ المراد من الحذر، ليس هو الحذر النفساني مجرداً عن العمل، بل المراد الحذر العملي و تحصيل المأمن و العمل بقول المنذر.

الثالث: إنّ الحذر و إن ورد بصورة المرجوّ بشهادة كلمة (لعل) لكن الرجاء من اللّه لما كان ممتنعاً لاستلزامه الجهل عليه، يتعيّن حمله على الرجاء الإنشائي، بداعي كونه محبوباً له عند الإنذار، و محبوبيته لا تنفك عن وجوبه إذ لو

____________

(1)- مصباح الأُصول: 183/ 2.