المحصول في علم الاُصول‏ - ج3

- محمود الجلالي المازندراني المزيد...
654 /
251

كان المقتضي موجوداً يحسن الحذر و يجب، و لو لم يكن موجوداً لما حسن و لما وجب.

و الحاصل: أنّ مسألة» الحذر «عند الإنذار يدور أمره بين الحسن و القبح، فبما أنّه يكشف عن حسنه، يكشف عن وجوبه، إذ لا معنى لاستحبابه بعد ثبوت مقتضيه.

و على ضوء هذه المقدمات: دلّت الآية على لزوم الإنذار على المنذر منفرداً كان أو لا، بحكم المقدمة الأُولى، و المطلوب من الإنذار هو الحذر العملي و تطبيق العمل على قوله، لا الحذر النفساني بحكم المقدمة الثانية، و الحذر بهذا المعنى واجب بحكم المقدمة الثالثة، فينتج حجّية قول المنذر غير أنّ الأدلّة دلّت على شرطية الوثاقة.

أقول: إنّ المهم من هذه المقدمات هي المقدمة الأُولى و لكنّها غير ثابتة جدّاً. لأنّ الآية عند الإمعان إرشاد إلى السيرة المستمرة بين العقلاء من تقسيم العمل بين الأفراد، إذ لو لا ذلك لاختلّ النظام، فتقوم عدة للبناء و العمران، و أُخرى للخياطة، و ثالثة للفلاحة و الزراعة إلى غير ذلك، و لا تشذّ عن ذلك مسألة الإنذار و التعليم و تعلّم العباد فلا يمكن أن ينفر المؤمنون كافّة، لاستلزامه اختلال النظام، و لكن لما ذا لا ينفر من كلّ فرقة طائفة و تسدّ ذلك الفراغ الهائل الحاصل من الجهل بالدين.

هذا هو هدف الآية و يدلّ على ذلك أمران:

الأوّل: العناية بلفظة» كافّة «في الجملة الأُولى و أنّه لا يمكن نفر الكافة و لكن في وسعهم نفر البعض، و هذا يعرب عن أنّ الآية مركّزة على مسألة تقسيم العمل، لا على كيفية الإنذار.

الثاني: أنّ الآية لم تذكر الشرط اللازم، أعني الوثاقة أو العدالة، فكيف توصف بكونها في مقام البيان مع تركها الشرط اللازم، و ما أتعب به المحقق الخوئي دام ظله من قياس الآية بقوله سبحانه: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى‏

252

الْمَرافِقِ‏) غير مفيد لأنّه فرع كون الآية في مقام بيان تلك الحيثية حتى يستفاد منها لزوم إنذار كلّ واحد من النافرين بعضاً من قومهم. و على ذلك تكون الغايات المذكورة في الآية من الأُمور الجانبية، لم يتعلّق بها الغرض الأصلي في المقام و إن كانت في نفسها أهمّ الأغراض.

ثم إنّ صاحب مصباح الأُصول أجاب عن الإشكال بوجوه:

1 من أنّ الأصل كون المتكلّم في مقام البيان.

يلاحظ عليه: أنّما يصحّ هذا في مقام الشك، لا ما إذا دلّت القرينة على أنّه ليس في مقامه، و الدليل عليه مضافاً إلى ما ذكرنا من الأمرين: لحاظ سياق الآيات فقد ابتدأ كلامه بقوله: (وَ ما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً).

فإذا كان كذلك:

» فلولا نفر من كل فرقة طائفة للتفقه و الإنذار و الحذر عند الإنذار «و على ذلك فالكلام مركَّز على أنّ نفر الكلّ غير ممكن بخلاف نفر البعض، فإذا كان كذلك فلما ذا لا تنفر من كلّ فرقة طائفة، ففي مثل ذاك المورد لا يصحّ القول بأنّه في مقام بيان كيفية الإنذار.

2 إنّ إطلاقها كما يقتضي وجوب الإنذار سواء أفاد العلم للمستمع أم لم يفد، كذلك يجب الحذر له مطلقاً سواء أعلم أم لم يعلم.

يلاحظ عليه: أنّ الإطلاق المدّعى في جانب الإنذار أوّل الكلام، فكيف يستدل بوجود الإطلاق فيه، على وجود الإطلاق في جانب الحذر.

3 إنّ ظاهر الآية أنّ الإنذار موضوع للحذر، و تخصيص وجوب الحذر بما إذا أفاد العلم بالواقع، موجب لإلغاء عنوان الإنذار.

يلاحظ عليه: أنّ القول بشرطية التعدّد في الناذر لا يستلزم إلغاء عنوان‏

253

الإنذار. بخلاف ما إذا قيل بشرطية إفادته العلم، على أنّ القول باللغوية مع اشتراط إفادته العلم لا يخلو من نظر، يظهر بالتأمّل.

و قد أورد على الاستدلال بها بأُمور واضحة الدفع نشير إليها:

1 إنّ الإنذار و التخويف من شأن المرشد و الواعظ بالنسبة إلى المسترشد و المتّعظ، و مثله المفتي فإنّه بإفتائه بأنّ هذا واجب و ذاك حرام، ينذر مقلّديه بالدلالة الالتزامية فتعمّه الآية كالواعظ، و أمّا ناقل الرواية، فليس فيه إنذار بل هو ناقل لفظ الحديث بلا زيادة و نقيصة من دون إنذار و إيعاد.

يلاحظ عليه: أنّ ناقل الحديث بنقله لفظ المعصوم يكون نذيراً كالواعظ و المفتي، فإذا قال: سمعت الإمام (عليه السلام) يقول:» أصحاب الكبائر إذا أُقيم عليهم الحدّ قتلوا في الثالثة «يكون منذراً قطعاً، و مثله إذا روى الواجبات و المحرّمات، و بعدم الفرق بين أقوال الراوي يكون قوله حجّة مطلقاً و إن لم يكن مشتملًا على الإنذار، مثل قوله:» الماء إذا بلغ قدر كر لم ينجسه شي‏ء «و إن كان يمكن القول باشتماله على الإنذار أيضاً بالدقة و الإمعان.

2 ما أفاده السيد المحقق البروجردي في درسه من أنّ لفظة (لِيَتَفَقَّهُوا) ظاهر في الافتاء دون مجرّد نقل الخبر.

يلاحظ عليه: أنّ الفقه بمعنى الفهم، و التفقّه بحكم كثرة المباني تدل على كثرة المعاني هو التعمّق في فهم الدين و هو لا يستلزم سوى كون المنذر فاهماً للدين، لا مفتياً و مستنبطاً للحكم. قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): ربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه‏ (1).

و قال الصادق (عليه السلام): أنتم أفقه الناس إذا عرفتم معاني كلامنا (2) فالفقه و الفقيه و المتفقّه، لا يراد منها إلّا الفهم، و الفهيم أي من يتكلّم عن دقّة و إمعان لا

____________

(1)- الوسائل: ج 18 الباب 8 من أبواب صفات القاضي، الحديث 43.

(2)- المصدر نفسه: الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 27.

254

فيمن يستنبط الأحكام عن أدلّتها.

3 إنّ الآية لا تدلّ إلّا على حجّية قول من يخبر عن تفقّه و تفهّم و علم بصحّة ما ذكره، و هذا غير القول بحجّية قول الثقة سواء أ كان عالماً بصحّة ما يخبره أم لا.

يلاحظ عليه: أنّ لفظ» التفقّه «لا يدلّ إلّا على كونه فهيماً و مدركاً لما يقول، لا ما إذا كان عالماً بصحّة ما ينقل.

فإنّ الرواة على قسمين: قسم ناقل نفس الألفاظ من دون توجّه إلى نكات الرواية و خصوصياتها، و قسم فهيم و ذو إمعان لما ينقل، و هو غير العلم بصحّة ما يقول.

الآية الثالثة: آية الكتمان:

قال عزّ من قائل: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَ الْهُدى‏ مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ* إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَ أَصْلَحُوا وَ بَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَ أَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ‏) (البقرة/ 160159).

تقريب الاستدلال: أنّ وجوب الإظهار و تحريم الكتمان يستلزم وجوب القبول و إلّا لغى وجوب الإظهار. نظير قوله سبحانه: (وَ لا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَ‏) (البقرة/ 228) فإنّ حرمة كتمانهنَّ لما في أرحامهنَّ من الجنين، يقتضي قبول قولهنّ و إلّا لغى التحريم.

يلاحظ عليه: أنّ الآية في مقام إيجاب البيان على علماء أهل الكتاب لما أنزل اللّه سبحانه من البيّنات و الهدى، و من المعلوم أنّ إيجاب البيان بلا قبول أصلًا، يستلزم كونه لغواً. أمّا إذا كان القبول مشروطاً بالتعدّد، أو بحصول الاطمئنان أو العلم القطعي، فلا تلزم اللغوية، و ليست الآية في مقام البيان من هذه الناحية

255

كآية النفر حتى يتمسّك بإطلاقها.

و الحاصل: أنّ وزان الآية وزان قوله سبحانه: (وَ لا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَ تَكْتُمُوا الْحَقَّ وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ‏) (البقرة/ 42) و قوله سبحانه: (وَ إِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ‏) (البقرة/ 146).

كما أنّ وزانها في الروايات قوله (صلى الله عليه و آله و سلم):» إذا ظهرت البدع فللعالم أن يظهر علمه «، و روى طلحة بن زيد عن الصادق (عليه السلام): أنّه قال: قرأت في كتاب علي (عليه السلام) إنّ اللّه لم يأخذ على الجهّال عهداً بطلب العلم حتى أخذ على العلماء عهداً ببذل العلم للجهّال « (1).

و هدف الآية إيجاب البيان لكلّ واحد حتّى يتهيّأ ظهور الحقّ و طلوعه بأجلى مظاهره، فلا يجوز لكلّ واحد منهم التقاعس عن بيان الحقّ بحجّة أنّ قوله لا يفيد العلم، بل عليه أنّ يبيّن، و للآخر أيضاً أن يبيّن حتّى يحصل العلم و يتجلّى الحقّ أو يحصل الشرط اللازم بقبول القول، و يكفي هذا في دفع اللغوية و هذا بخلاف قول النساء فيما يتعلّق بأرحامهنّ، إذ ليس له إلّا صورة واحدة و أمرها يدور بين القبول و الردّ، و لو ردت لزمت اللغوية.

الآية الرابعة: آية السؤال:

قال سبحانه: (وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ‏) (النحل/ 43).

و قال عزّ من قائل: (وَ ما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ* وَ ما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَ ما كانُوا خالِدِينَ‏) (الأنبياء/ 87).

____________

(1)- الكافي: ج 1 ص 41 باب بذل العلم، الحديث 1.

256

و كيفية الاستدلال على نحو ما مضى في آية الكتمان حيث إنّ إيجاب السؤال يلازم لزوم القبول و إلّا يلزم اللغوية.

و الجواب على النحو المتقدم في الآية السابقة، من أنّه إنّما تلزم اللغوية إذا لم يقبل قولهم مطلقاً، و أمّا على القول بقبول قولهم عند تعددهم أو حصول العلم من قولهم، فلا تلزم، و ليست الآية في مقام البيان من هذه الناحية حتّى يتمسّك بإطلاقها، بل الآية ناظرة إلى قاعدة عقلائية مطردة و هو رجوع الجاهل إلى العالم، سواء أفسّر أهل الذكر بعلماء أهل الكتاب كما هو مقتضى حفظ السياق في الموردين حيث أمر سبحانه المشركين بالسؤال عن أهل الذكر حتّى يقفوا على أنّه سبحانه يبعث رجالًا و يوحي إليهم، و ليس إرسال الرسل و الإيحاء إليهم أمراً بدعاً، أم فسّر بالأئمّة، كما هو مقتضى عدّة من الروايات التي نقلها الشيخ الكليني في كافيه‏ (1).

فإنّ الآية إشارة إلى تلك القاعدة المطّردة بين العقلاء، غاية الأمر: أنّ أهل الذكر عند المشركين، هو علماء اليهود و النصارى، و عند المسلمين هو النبيّ و الأئمّة (عليهم السلام)، و في زمان الغيبة الرواة و العلماء، فعندئذ لا يكون مضمون الآية أمراً تعبّدياً بل إرشاد إلى ما هو رائج بين العقلاء من رجوع الجاهل إلى العالم.

و لا إشكال في أن تشير الآية في مورد إلى علماء أهل الكتاب، و في آخر إلى النبيّ و الأئمّة، و في ثالث إلى العلماء و الرواة فإنّ القرآن يجري كما تجري الشمس و القمر، قال الصادق (عليه السلام): ظهره تنزيله، و بطنه تأويله، منه ما مضى و منه ما لم يجئ بعد، يجري كما تجري الشمس و القمر (2). و قال (صلوات اللّه عليه): إذا نزلت آية على رجل ثمّ مات ذلك الرجل ماتت الآية، مات الكتاب؟! و لكنّه حي يجري فيمن بقي كما جرى فيمن مضى. (3)

____________

(1)- الكافي: ج 1 ص 210 باب انّ أهل الذكر ...

(2)- مرآة الأنوار: ص 4.

(3)- نور الثقلين: ج 2 ص 483، الحديث 22.

257

إنّ القرآن يحكي عن سنّة إلهية سائدة على المجتمع البشري و يقول: (إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ) (الرعد/ 7) و النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) قال:» أنا المنذر و علي الهادي إلى أمري « (1).

الآية الخامسة: آية الاذن:

قوله سبحانه: (وَ مِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَ يَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ رَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ‏) (التوبة/ 61).

وجه الاستدلال: أنّ اللّه يمدح النبي بتصديقه للمؤمنين، و لو لم يكن حسناً لما صحّ المدح.

يلاحظ عليه: أنّ تصديقه إنّما هو على حدّ قول المنافقين» اذن «و هو لا يتجاوز التصديق الصوري، و يدلّ على ذلك أُمور: 1 إنّ ظاهر الآية أنّ النبي يصدّق كلّ المؤمنين الذين ينقلون أخباراً متناقضة، و من المعلوم التصديق الجدّي لكلّ من النقيضين غير ممكن.

2 اختلاف التعبير في إيمانه باللّه و إيمانه للمؤمنين حيث استعمل في الأوّل بالباء و في الثاني باللام.

3 إنّه سبحانه يقول: (أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ‏) فإنّ المخاطب فيه هو المنافق أو من يقع في الدرجة التالية بعده، و لا يصح للنبيّ تصديقهم جدّاً.

و بذلك يتبيّن أنّ المراد من المؤمنين، هو كلّ من أظهر الإيمان سواء كان مؤمناً حقيقياً أو مؤمناً صورياً.

هذا و أنّ السياسة الحكمية تقتضي أن لا يُهتك الستر و الحجاب بين الرئيس‏

____________

(1)- نور الثقلين: ج 2 ص 485، الحديث 29.

258

و المرءوس، فلو ارتكب المرءوس شيئاً قبيحاً و عند ما سئل عنه أنكر، فالمصلحة الكلّية، توجب الإغماض عنه و قبول إنكاره.

و نفس هذا السؤال و الإحضار موجب في تأديبه، كما لا يخفى.

4 و يدلّ على أنّ التصديق هنا صوري، ما روي في تفسير الآية عن الصادق (عليه السلام) في مورد ولده» إسماعيل «حيث يذمّه في دفعه بضاعته لمن يتّهمه الناس بشرب الخمر قال: يقول الناس في حقّه: إنّه يشرب الخمر فقال: يا بنيّ لا تفعل إنّ اللّه عزّ و جلّ يقول في كتابه: (يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ‏) يقول: يصدق باللّه و يصدق للمؤمنين فإذا شهد عندك المؤمنون فصدّقهم و لا تأتمن شارب الخمر (1).

و ليس المراد من التصديق هو ترتيب جميع آثار شرب الخمر عليه، بل قبول قولهم على حدّ الحذر و الاحتياط كما أنّه لو تبرّأ عن النسبة لصدّقه أيضاً مثل ما صدّق المؤمنين.

5 و يؤيد ذلك: قوله في رواية أُخرى: صدّق سمعك و بصرك عن أخيك المؤمن و لو شهد عندك خمسون قسامة إنّه قال قولًا، و قال: لم أقل، فصدّقه و كذّبهم‏ (2).

فلو كان المراد هو التصديق الجدّي لكان تكذيب الخمسين من المؤمنين و تصديق واحد منهم ترجيحاً للمرجوح على الراجح و هو أقبح من الترجيح بلا مرجح، فالمراد عدم تكذيب ذاك القائل.

و الآية مشيرة إلى قاعدة التساهل و التسامح في الآية مع أخذ الحذر و الاحتياط.

____________

(1)- تفسير البرهان: ج 2 ص 138 139 الحديث 1.

(2)- تفسير نور الثقلين: ج 3 ص 582 و ثواب الأعمال ص 295 و البحار ج 5 ص 255.

259

الإشكالات العامة:

إلى هنا تمّ الاستدلال بالآيات و حان حين البحث عن الإشكالات العامّة التي لا تختص بدليل دون دليل و إليك البيان:

الأوّل: قول السيد أيضاً خبر الواحد العادل:

لو كان خبر الواحد حجّة لزم منه عدم حجّيته، إذ من جملة الخبر، نقل السيد، الإجماع على عدم حجّية الخبر فلو كان حجة لزم من حجيّته عدم حجّية الخبر الواحد.

و قد أُجيب عن الإشكال بوجوه ذكرها الشيخ الأعظم و غيره و نشير إلى البعض:

1 إنّ الآيات لا تدلّ إلّا على حجّية المخبر عن حسّ، و السيد لا يخبر عن قول المعصوم إلّا عن حدس و قد مرّ تفصيله.

2 إنّ ما ادّعاه من الإجماع معارض بادّعاء إجماع الشيخ على الحجّية.

3 إنّ الأمر دائر بين دخول أخبار الآحاد، و خروج قول السيد، و بالعكس، و لا شك أنّ الأوّل متعيّن لانتهاء الثاني إلى تخصيص الأكثر المستهجن.

4 لو كان لهذه الأدلة إطلاق بالنسبة إلى قول السيد، يكون مآلها التعبير عن عدم حجّية خبر الواحد بنقيضه، و ذلك بإدخال قول السيد المنتهي إلى عدم حجّية تمام أخبار الآحاد، و هذا ليس من دأب العقلاء، فضلًا عن الوحي الإلهي، إذ هو أشبه باللغز.

5 إنّ قول السيد يعدّ عرفاً مناقضاً لما تدلّ عليه الآيات، و لا يُعدّ مصداقاً لها، فالآيات تنادي بحجّية خبر الواحد، و هو يدّعي العكس، فكيف يمكن أن‏

260

يعدّ قول السيد مصداقاً لها في نظر العرف.

6 لو كان قول السيد من مصاديق الآية لزم من حجّية قوله، عدم حجّيته، لأنّ إخباره بعدم حجّية خبر الواحد يشمل قول نفسه، بتنقيح المناط، أو بكون كلامه قضية طبيعية شاملة لنفسه و ما يلزم من وجوده عدمه باطل بالضرورة.

هذه هي الوجوه التي ذكرت في نقده، و هي كافية في عدم دخوله.

غير أنّ شيخ مشايخنا العلّامة الحائري نقل عن المحقق الخراساني أنّه قال: إنّ من الجائز أن يكون خبر العادل حجّة في زمان صدور الآية، إلى زمن صدور هذا الخبر من السيد، و بعده يكون هذا الخبر حجّة فقط، فيكون شمول العام لخبر السيد مفيداً لانتهاء الحكم في هذا الزمان و ليس بمستهجن.

أقول: إنّ قول السيد إمّا أن يكون حاكياً عن الحكم الإلهي من زمن عصر الرسالة إلى زمانه أولا، بل يكون حاكياً عن انتهاء أمد الحكم الأوّل أعني الحجّية، فعلى الأوّل يعود محذور تخصيص الأكثر المستهجن، و صيرورة الكلام أشبه بالأحاجي و الألغاز، و إن أراد الثاني كما هو ظاهر كلامه، فالمحذوران و إن كانا مندفعين إلّا أنّ لازمه حدوث النسخ في الأحكام الشرعية بعد رحلة النبيّ بعد مضي أربعة قرون، و لزوم كون بعض أحكام الإسلام مؤقتة و هذا ممّا لا يقول به فقيه نبيه.

هذا كلّه لو قلنا بأنّ سند حجّية خبر الواحد هو الآيات، و أمّا لو قلنا بما هو المختار من عدم وجود دليل لفظي على الحجّية سوى سيرة العقلاء الممضاة، فقول السيد يعارض ما دلّ على الإمضاء، فلا بدّ من معاملة المتعارضين مع ما يدلّ على إمضاء السيرة.

261

الثاني: إشكالات الأخبار مع الواسطة:

إنّ هناك إشكالًا متوجّهاً على أخبار الآحاد المنقولة بوسائط، دون المنقول بواسطة واحدة، و هذا الإشكال الواحد يقرر بوجوه خمسة، و قد ذكر منها المحقق الخراساني وجهين، و اضطرب نسخ الرسائل فاشتمل بعضها على ثلاث و بعضها على أربع و قليل منها على خمس، و قلّما يتفق لمدرّس الفرائد أن يهتدي إلى ما هو المقصود في المقام، و ذلك لوجود الاضطراب و الخلل في نسخ الرسائل، و نحن نقرّرها على وجه ينطبق على جميع النسخ.

1 انصراف الأدلّة عن الأخبار بالواسطة:

إنّ جملة» صدّق العادل «التي هي عصارة الآيات الماضية، منصرفة إلى خبر الواحد الناقل عن الإمام بلا واسطة، و لا تشمل المنقول بواسطتين أو وسائط.

و الجواب: أنّ الانصراف معلول أنس الذهن بفرد دون فرد و هو إمّا نتيجة كثرة وجود فرد و ندرة الآخر، أو كثرة استعمال الكلام، أو الكلمة فيه دون الآخر، أو أكمليته بالنسبة إلى غيره، و الوجه الأوّل منتف لغلبة الأخبار مع الواسطة على ما مقابلها، و أمّا الثاني فهو مفقود أيضاً، لأنّ قولنا» صدّق العادل «كلام منتزع من الآيات، و ليس فيها كثرة استعمال بالنسبة إلى فرد دون فرد، و أمّا الأكملية، فلا يكون سبباً للانصراف إلّا إذا كان على وجه يكون التفاوت بين الفردين كثيراً، نعم لو بلغت الوسائط إلى حدّ صار سبباً لضعف الخبر و عدم اعتباره عند العقلاء كان للانصراف وجه.

2 لزوم كون المخبر به ذا أثر شرعي:

إنّ التعبّد بتصديق خبر العادل من الشارع لا يصحّ إلّا إذا ترتّب عليه الأثر الشرعي، و هو فرع كون المخبر به، ذا أثر شرعي و إلّا فلو كان المخبر به خالياً عن الأثر لما وجب تصديقه، فلو أخبر عادل أنّ منائر الصحن الشريف ترتفع عن‏

262

الأرض سبعة و ثلاثين متراً، لا يجب علينا تصديقه لعدم ترتب أثر شرعي عليه، و على ضوء هذا إذا قال الصفّار: كتب إليّ الإمام العسكري بكذا، يشمله وجوب التصديق لأنّ المخبر به كلام الإمام، و أمّا إذا كان المخبر به، إخباراً عن عادل، فبما أن لا أثر لحكاية قول العادل، فلا يشمله الدليل.

مثلًا إذا قال الشيخ: حدثني المفيد، قال: حدثني الصدوق قال: حدثني ابن الوليد، قال: حدثني الصفّار، قال: كتبت إلى الإمام العسكري (عليه السلام)، فالذي يترتّب عليه الأثر، إنّما هو خبر الصفّار إذ هو الذي جاء بقول الإمام (عليه السلام) و أمّا خبر الشيخ فلا، لأنّه يخبر عن إخبار المفيد بأنّ الصدوق أخبره، و أيّ أثر شرعي لإخبار المفيد عن الصدوق.

يلاحظ عليه: أنّه يكفي في صحّة التعبّد و إلزام التصديق، كون الموضوع (خبر المفيد) سبباً و جزء علّة لثبوت قول الصفّار و خبره الذي يترتّب عليه الأثر، و بعبارة أُخرى يكفي في كونه واقعاً في طريق ثبوت موضوع ذي أثر.

و إن شئت قلت: إنّ الإلزام بالتصديق، يتوقّف على عدم كونه لغواً فلو لم يصل السند إلى موضوع يترتّب عليه الأثر الشرعي كان الإلزام لغواً، و أمّا إذا وصل إلى موضوع حامل للحكم الشرعي كما في المقام فيكفي في إلزام التصديق، إذ لو لا تصديق الشيخ بأنّ المفيد أخبره، لما ثبت قول الصفّار الحامل للحكم الشرعي.

3 إثبات الحكم لموضوعه:

إنّه لو عمّت الأدلّة للأخبار مع الواسطة لزم إثبات الموضوع بالحكم، مع أنّه متوقّف عليه.

توضيحه: لا شكّ أنّ كلّا من إخبار الشيخ، و المفيد، و الصدوق، موضوعات لقوله» صدّق العادل «و المحرز لنا وجداناً، إنّما هو قول الشيخ فيعمّه وجوب التصديق، و أمّا إخبار المفيد، أو إخبار الصدوق، فليس ثابتاً لنا بالوجدان، و إنّما يثبت بعد تصديق الشيخ. و على ذلك يلزم أن يكون الحكم، أي وجوب‏

263

التصديق مثبتاً لموضوعه، أي قول المفيد بأنّ الصدوق أخبره.

و هذا هو الإشكال الثاني في الكفاية، أشار إليه بقوله: لا مجال للإشكال في خصوص الوسائط من الاخبار كخبر الصفّار (الصحيح الصدوق) المحكى بخبر المفيد مثلًا، فإنّه لا يكاد يكون خبراً تعبّداً إلّا بنفس الحكم بوجوب تصديق العادل الشامل للمفيد، فكيف يكون هذا الحكم المحقّق لخبر الصفّار تعبّداً حكماً له.

ثم أجاب عنه بوجوه ثلاثة:

أ: لأنّه إذا كان خبر العدل ذا أثر شرعي حقيقة بحكم الآية، وجب ترتيب أثره عليه عند إخبار العدل به، كسائر ذوات الآثار من الموضوعات لما عرفت من شمول مثل الآية للخبر الحاكي للخبر بنحو القضية الطبيعية.

ب: أو لشمول الحكم فيها له مناطاً و إن لم يشمله لفظاً.

ج: أو لعدم القول بالفصل‏ (1).

و الأجوبة واضحة سوى الأوّل توضيحه: أنّ قوله» صدق العادل «قضية طبيعية أو قضية حقيقية يشمل كل خبر قام بنقله العادل في الأزمنة حتّى الخبر الذي (مثل خبر المفيد عن الصدوق) يثبت بنفس هذا التصديق أي التصديق المترتّب على قول الشيخ.

و على الجملة: هنا وجوب تصديق واحد، لكنّه ليس قضية خارجية، بل إمّا قضية طبيعية أو قضية حقيقية، يعمّ كلّ خبر عادل حتى الخبر الذي (كخبر المفيد عن الصدوق) يثبت بنفس هذا التصديق، نظير شمول قولنا:» كل خبري صادق «لنفسه فهو يعمّ بحكم كونه طبيعية لكلّ خبر حتى الخبر الذي صار خبراً بنفس هذا الحكم.

و كان المحقق الخراساني تصوّر أنّ هنا حكماً واحداً و وجوباً فارداً، فتمسّك‏

____________

(1)- الكفاية: ج 2 ص 89 92.

264

بذيل القضية الطبيعية، و لكن يمكن أن يقال: إنّ الممتنع إثبات الحكم لموضوع نفسه، لا إثباته، موضوع حكم آخر، فإنّ قولنا» صدق العادل «ينحلّ حسب إخبار العادل إلى قضايا كثيرة، فبما أنّ خبر الشيخ محرز لنا وجداناً يتعلّق به الحكم الشرعي بتصديقه، و بتصديقه ينكشف لنا موضوع آخر، و هو خبر المفيد، و يتعلّق به تصديق آخر، و هكذا فالحكم الثابت لموضوع متقدّم، يثبت موضوعاً لحكم آخر متأخّر.

و هذا كالإقرار بالإقرار، فإنّه يحكم بنفوذ إقراره الفعلي بمقتضى قاعدة: إقرار العقلاء على أنفسهم جائز و بشمولها للإقرار الثابت بالوجدان يثبت الإقرار المتقدّم عليه.

و مثله إقامة البيّنة على البيّنة، فإنّ البينة الفعلية يجب تصديقها، و بتصديقها تثبت البيّنة الأُولى و يجب تصديقها.

4 اتّحاد الغاية مع ذيها، أو اتّحاد الحكم مع جزء الموضوع:

توضيحه: أنّ تصديق الأمارة القائمة على الموضوع، فرع كون الموضوع ذا أثر شرعيّ قبله، حتّى يكون وجوب التصديق بلحاظه، فلو أخبر العادل عن عدالة زيد الحيّ، يصحّ التعبّد بتصديقه، لما يترتّب على المخبر به من الآثار من الصلاة خلفه، و الطلاق عنده، و هذا الشرط موجود في الأخبار بلا واسطة، لأنّ للمخبر به (قول الإمام) أثراً وراء وجوب التصديق. و أمّا غيرها، فليس للمخبر به هناك أثر وراء وجوب التصديق، فإذا أخبر الشيخ عن المفيد، فليس المخبر به أعني إخبار المفيد له، أثر شرعي سوى نفس وجوب التصديق، فيلزم أن يكون الأثر الذي وجب لأجله التصديق هو نفس وجوب التصديق مع أنّه يجب أن يكون التصديق لأجل أثر غيره حتى لا تتّحد الغاية مع ذيها.

و إن شئت قلت: يلزم اتحاد الحكم مع جزء الموضوع لأنّ وجوب التصديق حكم شرعي مترتّب على خبر العادل الذي له أثر شرعي. فالموضوع مركب من أُمور ثلاثة: 1 الخبر 2 كون المخبر عادلًا 3 كون المخبر به إمّا أثراً شرعياً أو

265

موضوعاً ذا أثر شرعي، فإذا كان المخبر به قول الإمام تتحقق الشرائط الثلاثة، و أمّا إذا كان المخبر به، خبر المفيد فليس للمخبر به و هو إخبار المفيد، أثر شرعي سوى نفس وجوب التصديق، فيلزم اتّحاد الحكم و بعض أجزاء الموضوع، اللّهمّ إلّا إذا انشأ وجوب التصديق بإنشاءين فيكون بأحد اللحاظين حكماً و باللحاظ الآخر موضوعاً أو جزء موضوع، و هو خلاف المفروض.

و الفرق بينه و بين الإشكال الثاني، هو أنّ ما تقدّم مبنيّ على إنكار أيّ أثر للمخبر به أي إخبار المفيد، و لكن هذا الإشكال مبنيّ على تسليم وجود أثر للمخبر به، أي إخبار المفيد، و لكنّه ليس أثراً مغايراً لنفس وجوب التصديق فيلزم أن يكون وجوب التصديق لنفس وجوبه، و اتّحاد الحكم و الموضوع.

و إلى ذلك أشار المحقق الخراساني في الكفاية: بأنّه كيف يمكن الحكم بوجوب التصديق الذي ليس إلّا بمعنى وجوب ترتيب ما للمخبر به من الأثر الشرعي، بلحاظ نفس هذا الوجوب، فيما إذا كان المخبر به خبر العدل أو عدالة المخبر لأنّه و إن كان أثراً شرعياً له إلّا أنّه بنفس الحكم في الآية بوجوب تصديق خبر العدل حسب الفرض، نعم لو أنشأ هذا الحكم ثانياً فلا بأس في أن يكون بلحاظه أيضاً حيث إنّه صار أثراً بجعل آخر فلا يلزم اتحاد الحكم و الموضوع.

ثمّ أجاب عنه: بأنّه إنّما يلزم إذا لم تكن القضية طبيعية و الحكم فيها بلحاظ طبيعة الأثر بل بلحاظ أفراده، و إلّا فالحكم بوجوب التصديق يسري إليه سراية حكم الطبيعية إلى أفراده بلا محذور (1).

و حاصله: أنّ الملحوظ في ناحية الموضوع لو كان خصوصيات الأثر، و منها وجوب التصديق للزم المحذور المتقدم، و أمّا إن كان الملحوظ هو طبيعة الأثر فلا محذور، فحينئذ يسري حكم الطبيعة إلى كلّ أثر، و لو كان نفس وجوب التصديق و لو فرض في مورد عدم الأثر للمخبر به غير وجوب التصديق لوجب ترتيبه بحكم الأدلّة.

____________

(1)- الكفاية: ج 2 ص 86 89

266

و بعبارة أُخرى: إنّ ما هو الحكم المترتب على قول الشيخ هو ترتيب مطلق الأثر من غير نظر إلى أثر خاص، بل الأعم من وجوب التصديق أو غيره من الحلّية و الحرمة كما هو في تصديق الصفّار، و أمّا ما هو جزء الموضوع فإنّما هو خصوص وجوب التصديق و التفاوت بينهما هو تفاوت الكلي و الفرد.

و لا يخفى أنّ الإشكال باق بحاله لما ذكرنا كراراً من أنّ الإبهام في عالم الثبوت غير معقول. فإذا قال بحكم الآيات الواردة في مورد خبر العادل» صدّق العادل «و رتّب عليه الأثر، فإمّا أن يكون الأثر مهملًا أو مطلقاً، فعلى الأوّل يختلّ نظام الاستدلال فيكون خبر الواحد حجّة على وجه الإجمال. و على الثاني يكون ناظراً إلى نوع الأثر و إن لم يكن ناظراً إلى أفراده الكثيرة، و ليس له إلّا نوع واحد و هو إمّا وجوب التصديق، أو الحرمة و الوجوب، فعندئذ يعود الإشكالان من كون وجوب التصديق لأجل نفسه، و من اتّحاد الحكم و الموضوع.

و الأولى أن يجاب عن الإشكال الرابع بأنّ الالتزام بلزوم وجود الأثر في كلّ خبر العدل من أوّل السلسلة إلى آخرها التزام بلا مُلزم، بل و يكفي في رفع اللغوية، انتهاء السلسلة إلى قول من يحكي الأثر الشرعي، أعني الصفّار. فلا يلزم الإشكالان أبداً. لأنّه إذا سئل السائل لما ذا يصدق الشيخ، أو المفيد، فهل هو لأجل أنّه ذو أثر شرعي (و هو وجوب تصديقه حتى يتوجه إليه: أنّ لازمه كون التصديق لأجل نفسه أو اتّحاد الحكم و الموضوع) أو أنّه لأجل كونه واقعاً في سلسلة إثبات الأثر الشرعي الذي يكفي في إعمال التعبّد؟ فسوف يجيبك بأنّه في طريق ما هو المطلوب الأسنى الذي هو قول الإمام (عليه السلام).

و يمكن أن يجاب: أنّه ليس هنا إخبارات و موضوعات حسب تعدد المخبر حتّى يطلب كلّ موضوع أثراً خاصّاً، بل موضوع واحد و إخبار فارد يحكي قول الإمام و هو كاف في إثبات التعبّد، و لو كان هناك موضوعات، يوجب إثباته بالبيّنة لا بخبر الواحد.

267

5 كون الدليل حاكماً على نفسه:

لو عمّ دليل الاعتبار للخبر مع الواسطة، يلزم أن يكون الدليل حاكماً على نفسه، و يتّحد الحاكم و المحكوم.

توضيحه: أنّ الدليل المتكفّل لبيان موضوع الحكم، حاكم عليه. فإذا قال: زيد عالم، ثم قال: أكرم العالم، فيكون الدليل الأوّل حاكماً على الحكم الكلّي. و الحكومة قد تكون بإدخال فرد كما في المقام، و قد تكون بإخراجه كما إذا قال: لا شك لكثير الشك، فهو حاكم لقوله: إذا شككت فابن على الأكثر.

فإذا كان وجوب التصديق المترتّب على قول الشيخ مثبتاً لقول المفيد الحاكي لخبر الصدوق، يلزم كونه حاكماً على نفسه، لأنّه حكم كلّي في الدرجة الأُولى، و مثبت لموضوعه ثانياً، فهو بما هو مثبت لموضوعه، حاكم، و بما هو متضمّن لبيان الحكم الكلّي، محكوم. و ربّما يتوهم نظير ذلك في الأصل السببي و المسببي لكن بنحو الإخراج، فهو بما أنّه مخرج أحد أفراد الاستصحاب عن القاعدة، حاكم. و بما أنّه متضمّن لبيان حكم كلّي، محكوم.

و الجواب: أنّ هذا الإشكال عبارة عن الإشكال الثالث و هو اثبات الحكم لموضوعه، و الجواب واحد و ليس الإشكالان متغايرين جوهراً و ذاتاً، بل متّحدان لبّاً و مختلفان لفظاً (1).

و عليك بالتأمّل التام في المقام، فإنّ كثيراً ممّا حرّر أو قرّر في المقام غير نقي، و قد اضطربت كلمات الشيخ في المقام، و قد شطب في كثير من النسخ على الإشكال الخامس، و قد قرّره المحقق النائيني بوجه آخر، و الأوضح ما ذكرناه.

____________

(1)- و العجب انّ المحقّق النائيني جعل الإشكال بياناً للإشكال الرابع بل هو بيان للإشكال الثالث على ما عرفت. و على كلّ تقدير فالإشكالات مبنيّة على الدقائق العلمية، المغفولة للعرف الذي هو المرجع في فهم مفاد الآيات الواردة حول حجّية خبر العدل.

268

الثاني: الاستدلال بالروايات:

استدلّ القائلون بحجّية الخبر الواحد بروايات تدلّ على حجّيته على وجه الإجمال و هي على طوائف حسب ما ذكرها الشيخ الأعظم:

الأُولى: ما ورد حول الخبرين المتعارضين من الأخبار العلاجية، بحيث يعلم أنّ العمل بالخبر الواحد كان أمراً مفروغاً عنه، و إنّما توقّف السائل لأجل الاختلاف، و لا يصح أن يقال: إنّ موردها هو الأخبار القطعية، لمنافاة ذلك الاحتمال مع إطلاقها و لسان كثير منها (1).

الثانية: الأخبار الإرجاعية إلى آحاد الرواة من أصحابهم الثقات، بحيث يظهر من تلك الطائفة أنّ العمل بخبر الثقة كان مفروغاً عنه، و إنّما الهدف من السؤال و الجواب: تعيين الصغرى، و قد رواها الحرّ العاملي في الوسائل في الباب الحادي عشر من أبواب صفات القاضي و إليك بيان بعضها:

1 روى أحمد بن إسحاق عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: سألته و قلت: مَنْ أُعامِل؟ و عمّن آخذ؟ و قول من أقبل؟ فقال: العُمري ثقتي فما أدّى إليك عنّي فعنّي يؤدّي، و ما قال لك عنّي فعنّي يقول، فاسمع له و أطع فإنّه الثقة المأمون‏ (2).

2 ما رواه إسماعيل بن الفضل الهاشمي قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المتعة فقال: ألق عبد الملك بن جريح فاسأله عنها فإنّ عنده منها علماً (3).

____________

(1)- و قد جمعها الحرّ العاملي في كتاب القضاء في الباب التاسع من أبواب صفات القاضي فقد روى فيه 48 حديثاً يرجع القسم الوافر إلى علاج الخبرين المتعارضين، بالمخالفة للعامّة و الموافقة للكتاب و غيرهما و سيوافيك بيانها في باب التعادل و التراجيح.

(2)- الوسائل: ج 18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 4 ص 99 100.

(3)- المصدر نفسه: الحديث 5، و بما أنّ عبد الملك كان من علماء العامّة فيحتمل أن يكون الإرجاع إليه من باب الجدل، و الاحتجاج بقول الخصم حتّى تتم الحجّة على نحو أتم فتخرج الرواية من الصلاحية للاستدلال.

269

3 روى الصدوق عن أبان بن عثمان أنّ أبا عبد اللّه (عليه السلام) قال له: إنّ أبان بن تغلب قد روى عنّي رواية كثيرة، فما رواه لك عنّي فاروه عنّي‏ (1).

4 عن جميل بن درّاج قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: بشّر المخبتين بالجنّة: بريد بن معاوية العجلي، و أبو بصير ليث بن البختري المرادي، و محمّد بن مسلم و زرارة (2).

5 عن أبي بصير، أنّ أبا عبد اللّه (عليه السلام) قال له في حديث: لو لا زرارة و نظراؤه لظننت أنّ أحاديث أبي (عليه السلام) ستذهب‏ (3).

6 عن يونس بن عمّار، أنّ أبا عبد اللّه (عليه السلام) قال له في حديث: أمّا ما رواه زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) فلا يجوز لك أن تردّه‏ (4).

7 عن المفضل بن عمر، أنّ أبا عبد اللّه (عليه السلام) قال للفيض بن المختار في حديث: فإذا أردت حديثنا فعليك بهذا الجالس، و أومى إلى رجل من أصحابه فسألت أصحابنا عنه، فقالوا: زرارة بن أعين‏ (5).

و هنا روايات في هذا المضمار يطول بنا المقام بذكرها فلاحظ الباب الحادي عشر من أبواب صفات القاضي‏ (6).

و هذه الروايات تدلّ بصراحة على أنّ حجّية قول الثقة كان أمراً مفروغاً عنه، غير أنّ الإمام كان إمّا في مقام بيان الموضوع أو في مقام مدح بعضهم بأنّهم أدّوا الرسالة الملقاة على عاتقهم، فإنّ مدح كثير من الرواة في هذه الروايات ليس إلّا

____________

(1)- الوسائل: ج 18، ص 101، الباب 11، من أبواب صفات القاضي، الحديث 8.

(2)- المصدر نفسه: ص 103، الحديث 14.

(3)- المصدر نفسه: الحديث 16.

(4)- المصدر نفسه: الحديث 17.

(5)- المصدر نفسه: الحديث 19.

(6)- المصدر نفسه: الأحاديث 21 و 22 و 23 و 24 و 25 و 26 و 27 و 30 و 31 و 33 و 34 و 35 و 36.

270

لأنّهم أنجزوا رسالتهم، و لو لم يكن حديثهم حجّة، لما كان لإنجاز الرسالة معنى.

الثالثة: الأخبار الإرجاعية إلى ثقاة الرواة على النحو الكلّي، و هي أقل من الطائفة الثانية، و إليك ما ورد في الباب الحادي عشر من أبواب صفات القاضي:

1 روى عمر بن حنظلة في حديث طويل قال: ينظران من كان منكم ممّن قد روى حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا (1).

فإنّه و إن ورد في القاضي. لكن لما كان فتواه مستنداً إلى أخبار الآحاد، يستلزم حجّية تلك الروايات بطريق أولى.

2 و بهذا المضمون رواية أبي خديجة المشهورة (2).

3 التوقيع المعروف: و أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنّهم حجّتي عليكم و أنا حجة اللّه‏ (3).

4 التوقيع الشريف: روى القاسم بن العلاء: فإنّه لا عذر لأحد من موالينا في التشكيك فيما يرويه عنّا ثقاتنا (4).

5 رواية علي بن سويد السابي‏ (5) إلى غير ذلك من الأحاديث التي تقول: اعرفوا منازل الرجال منّا على قدر رواياتهم عنّا (6).

الطائفة الرابعة: ما يحثُّ على كتابة الحديث و نقله، و بثّه و نشره بين الناس و يأمر بالرجوع إلى كتب ابن فضال.

____________

(1)- الوسائل: ج 18 ص 99، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1.

(2)- المصدر نفسه: ص 100، الحديث 6.

(3)- المصدر نفسه: ص 101، الحديث 9.

(4)- المصدر نفسه: ص 108، الحديث 40.

(5)- المصدر نفسه: ص 109، الحديث 42.

(6)- المصدر نفسه: ص 108، الحديث 37.

271

أمّا الأخير، فقد روى الحسين بن روح عن أبي محمد الحسن بن علي (عليهما السلام): أنّه سئل عن كتب بني فضال فقال: خذوا بما رووا و ذروا ما رأوا (1).

و أمّا الحث على الكتابة و نشره، فلاحظ الباب الثامن من أبواب صفات القاضي، تراهم (عليهم السلام) مؤكّدين عليه‏ (2).

غير أنّ المهم هو الوقوف على أنّ هناك عدة كتب لأصحاب أئمّتنا قد عرضت عليهم فاستحسنوها أو نقدوها، كلّ ذلك يحكي عن حجّية الخبر الواحد، شفاهاً و كتاباً و لم تكن الأخبار المودعة فيها أخباراً متواترة.

و أمّا الكتب المعروضة فهي عبارة عن:

1 كتاب ظريف بن ناصح، فقد عرض على أبي عبد اللّه (عليه السلام) و على الرضا (عليه السلام) (3).

2 بعض كتب أصحاب أبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليهما السلام) فقد عرضها يونس بن عبد الرحمن على الرضا (عليه السلام) فأنكر منها أحاديث‏ (4).

3 كتاب» يوم و ليلة «فقد رآه أبو جعفر عند أحمد بن أبي خلف فجعل يتصفّحه ورقة ورقة من أوّله إلى آخره و جعل يقول: رحم اللّه يونس، ثلاث مرات‏ (5).

4 و عرض ذلك الكتاب على الحسن العسكري مرتين فاستحسنه. الحديث‏ (6).

____________

(1)- الوسائل: ج 18، ص 103، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 13.

(2)- المصدر نفسه: ص 7552، الباب 8 من أبواب صفات القاضي.

(3)- المصدر نفسه: ص 60، الحديث 32.

(4)- المصدر نفسه: ص 71، الحديث 73.

(5)- المصدر نفسه: ص 71، الحديث 74.

(6)- المصدر نفسه: الحديث 75 76.

272

5 كتاب الفضل بن شاذان، فقد رآه أبو محمد (عليه السلام) فترحّم عليه و قال: أغبط أهل خراسان‏ (1).

6 كتاب عبيد اللّه بن علي الحلبي، فقد عرض على الصادق (عليه السلام) فصحّحه و استحسنه‏ (2).

إلى غير ذلك من الكتب المعروضة.

هذه هي الطوائف الأربعة من الروايات حول الأخبار المروية عن أهل البيت (عليهم السلام) و هي تعطي قبل كلّ شي‏ء أنّ حجّية قول الثقة أو الخبر الموثوق الصدور كان أمراً مسلّماً عند الإمام (عليه السلام) و السائل، و كان محور البحث هو التعرّف على الثقة و الثقات حتى أنّ الطائفة الثالثة التي تُرجع الشيعة إلى ثقات الرواة مؤكدة على لزوم الجري على السيرة المألوفة بين العقلاء، حيث قال: فإنّه لا عذر لأحد من موالينا في التشكيك فيما يرويه عنّا ثقاتنا، قد عرفوا بأنّا نفاوضهم سرّنا و نحمّلهم إيّاه إليهم‏ (3).

و أمّا روايتا عمر بن حنظلة و أبي خديجة، فهما بصدد إفاضة الحجّية لقول الفقيه في القضاء و هي غير كونهما بصدد إعطاء الحجّية لقول الراوي الثقة. نعم تدلّ بالدلالة الالتزامية على حجّية قوله، إذ لولاها لما كان قضاؤه مستنداً إلى دليل و حجّة.

و أمّا قوله: خذوا ما رووا و ذروا ما رأوا (4) فليس في مقام إعطاء الحجّية لأخبار بني الفضال بل في مقام بيان أنّ بطلان رأيهم في الإمامة و اعتقادهم بإمامة عبد الله الأفطح، ليس مانعاً عن الأخذ برواياتهم.

____________

(1)- الوسائل: ج 18، ص 72، الباب 8 من أبواب صفات القاضي، الحديث 77.

(2)- المصدر نفسه: ص 73، الحديث 81.

(3)- المصدر نفسه: ص 108 109، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 40.

(4)- المصدر نفسه: ص 103، الحديث 13.

273

و بالجملة، فالملاحظ يجد ما ذكرناه في عامة الروايات على وجه الصراحة أو الإشارة حتى التوقيع المبارك، أعني:» و أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا «فإنّ كلامه (عليه السلام) في مقام الإجابة عن سؤال السائل، إرشاد إلى الأصل المسلّم بين العلماء تبعاً للعقلاء و أنّه لا ملجأ في الغيبة غيرهم.

الروايات المتواترة إجمالًا:

إنّ الاستدلال بهذه الروايات يتوقّف على تواترها لفظاً أو معنى أو إجمالًا، و قبل الخوض في كيفية الاستدلال بها نذكر تعريف كلّ واحد منها، و إن كان التعرّف عليها على عاتق علم الدراية.

1 التواتر اللفظي: و هو ما إذا اتّحدت ألفاظ المخبرين في خبرهم، كقوله (صلى الله عليه و آله و سلم): إنّما الأعمال بالنيّات على القول بتواتره و قوله (صلى الله عليه و آله و سلم): من كنت مولاه فهذا علي مولاه، و قوله (صلى الله عليه و آله و سلم): إنّي تارك فيكم الثقلين.

2 التواتر المعنوي: و هو ما إذا تعدّدت ألفاظ المخبرين و لكن اشتمل كلّ منها على معنى مشترك بينها بالتضمّن أو الالتزام، و حصل العلم بذلك القدر المشترك بسبب كثرة الأخبار، و ذلك مثل الأخبار الواردة في حروب الإمام علي (عليه السلام) فإنّ كلّ واحد و إن كان خبراً واحداً لكن الجميع يدلّ على شي‏ء بالدلالة الالتزامية، و هو كونه رجلًا شجاعاً و بطلًا مغواراً.

3 التواتر الإجمالي: و هو ما إذا وردت أخبار متوفرة في موضوع واحد تختلف دلالتها سعة و ضيقاً لكن يوجد بينها قدر مشترك يتفق الجميع عليه، فيؤخذ به، و ذلك مثل الأخبار الواردة في المقام فقد اختلفت مضامينها من حيث كثرة الشرائط، حيث إنّ ظاهر بعض، حجّية خبر العادل، و ظاهر بعض آخر، حجّية خبر الثقة، إلى ثالث حجّية خبر الإمامي الثقة و هكذا، فكلّ واحد منها و إن كان‏

274

مشكوكاً بشخصه في مقابل التواتر التفصيلي، و لكن بالنظر إلى المجموع نقطع بصدور بعضها فضلًا عن واحد منها كما في أطراف العلم الإجمالي، فعندئذ لا مناص من الأخذ بالقدر المتيقّن الذي اتّفق الكلّ عليه، مع اختلافه في السعة و الضيق، و هو عبارة عن خبر الإمامي العادل الضابط غير المخالف للكتاب و السنّة.

نعم استظهر سيدنا الأُستاذ دام ظله أنّ القدر المتيقّن وراء الصفات الأربع، كونه فقيهاً مثل زرارة و محمد بن مسلم، و راوياً عن الإمام بلا واسطة، و لو كان هذا هو القدر المتيقن لكان الاستدلال عقيماً، لأنّ جميع الروايات التي بأيدينا منقولة مع الواسطة.

و الذي يسهل الخطب أنّ احتمال مدخلية هذين الوصفين ضعيف جداً، و العرف المخاطب بهذه الروايات لا ينتقل من سماعها إلى شرطيّتهما لأنّ الفقاهة أساس الإفتاء، و الكلام في نقل الحديث بما هو هو، نعم الفقيه يكون أفهم للحديث من غيره، و لكن الشأن في نقل الحديث إلى الغير لا في فهمه و قد قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم):» ربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه «. فيكفي في ذلك كونه ضابطاً عارفاً بمواقع الألفاظ و الكلم، كما أنّ مدخلية الرواية بلا واسطة عن الإمام غير تام جدّاً لتوفر الروايات المروية عن النبيّ و الأمير في عصر الإمام الصادق (عليه السلام) و الجميع كانت مروية مع الواسطة، و بالجملة لا ينقدح في ذهن المخاطب مدخلية هذين الوصفين، و إنّما المنقدح هو الصفات الأربع، و مع ذلك تكون النتيجة على هذا قليلة طفيفة لأنّ الروايات التي يرويها الإمامي العدل الضابط قليلة بالنسبة إلى غيرها في الكتب الأربعة فضلًا عن غيرها، فلا يُسدّ بذلك، الفراغ الهائل من ترك العمل بخبر الواحد، فلا بدّ هنا من محاولة أُخرى لتكون النتيجة أعم.

275

محاولة المحقق الخراساني لتوسيع نطاق الحجّية:

و قد قام المحقق الخراساني بتلك المحاولة، و هو العثور على رواية من بين تلك الروايات تجتمع فيها الصفات الأربع، بأن يكون الراوي لها في كلّ طبقة عدلًا إمامياً ضابطاً و يكون مضمونها غير مخالف للكتاب و السنّة، فمع ذلك يكون مضمونها أوسع من حجّية خبر العدل الإمامي، بل دلّ على حجّية مطلق خبر الثقة، من غير فرق بين كونه ذا ملكة العدالة التي تصدّه عن ارتكاب الكبائر و الإصرار على الصغائر، أو كونه ثقة في اللسان الذي يعبّر عنه في كتب الرجال بأنّه ثقة في الحديث.

و هذه المحاولة هي التي أشار إليها المحقق الخراساني بقوله:» و قضيته و إن كان حجّية خبر دل على حجيّته أخصّها مضموناً إلّا أنّه يتعدّى عنه فيما إذا كان بينها ما كان بهذه الخصوصية، و قد دلّ على حجّية ما كان أعم‏ (1).

و يمكن إراءة نموذجين من هذا النوع من الخبر:

1 ما رواه الكشي عن محمد بن نصير، عن محمد بن عيسى، عن عبد العزيز بن المهتدي، و الحسن بن علي بن يقطين، جميعاً عن الرضا (عليه السلام) قال: قلت: لا أكاد أصل إليك أسألك عن كلّ ما أحتاج إليه من معالم ديني، أ فيونس بن عبد الرحمن ثقة آخذ عنه ما أحتاج إليه من معالم ديني؟ فقال: نعم‏ (2).

____________

(1)- الكفاية: ج 2 ص 97.

(2)- الوسائل: ج 18 ص 107، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 33 و 34، رجال السيد: أ: محمد بن نصير: من أهل» كش «يروي عنه الكشي، ثقة جليل القدر كثير العلم كما ذكره الشيخ في رجاله.

ب: محمّد بن عيسى بن عبيد: وثّقه النجاشي و لكن ضعّفه الشيخ.

ج: عبد العزيز بن المهتدي: وثّقه النجاشي.

د: الحسن بن علي بن يقطين: وثّقه الشيخ في رجاله.

276

2 ما رواه الكليني في باب تسمية من رآه [القائم‏] عن محمّد بن عبد الله الحميري و محمد بن يحيى جميعاً، عن عبد اللّه بن جعفر الحميري، عن أحمد بن إسحاق، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: سألته و قلت: من أُعامل؟ و عمّن آخذ؟ و قول من أقبل؟ فقال: العمري ثقتي، فما أدّى إليك عنّي فعنّي يؤدّي، و ما قال لك عنّي فعنّي يقول، فاسمع له و أطع فإنّه الثقة المأمون ... إلخ‏ (1).

و العبرة بعموم التعليل، أعني:» فإنّه الثقة المأمون «و احتمال كون الراوي مثل يونس بن عبد الرحمن في الرواية الأُولى ضعيف، و على فرض تسليمه فهو منتف في الثانية لعموم الملاك الوارد في آخرها.

***

____________

(1)- الوسائل: ج 18 ص 99 100، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 4.

و الرواية صحيحة على مصطلح المتأخرين: أ: محمد بن عبد اللّه بن جعفر الحميري: ثقة وجه. كما في فهرست النجاشي.

ب: محمد بن يحيى العطار القمي: ثقة. كما في فهرست النجاشي.

ج: عبد اللّه بن جعفر الحميري: ثقة كما في رجال الشيخ.

د: أحمد بن إسحاق: ثقة. و أحمد بن إسحاق سواء كان أشعرياً أو رازيّاً ثقة وثّقهما الشيخ في رجاله. و الرواية وردت بسند عال، رواته كلّهم ثقات عدول. دلّت على حجّية قول الثقة بوجه واضح إمامياً كان أو لا. و هذا طريق متين.

277

الثالث: الاستدلال بالسيرة العقلائية:

إنّك إذا تصفّحت حال العقلاء في حياتهم الدنيوية، تقف على أنّهم مطبقون على العمل بقول الثقة في جميع الأزمان و الأدوار و في تمام الأقطار و الأمصار، و يتّضح ذلك بملاحظة أمرين:

الأوّل: أنّ تحصيل العلم القطعي عن طريق الخبر المتواتر أو المحفوف بالقرائن أمر صعب، خصوصاً بالنسبة إلى من يسكن البوادي و القرى مع قلّة المواصلات و الوسائل الإعلامية.

الثاني: أنّ القلب يسكن إلى قول الثقة و يطمئن به و يخرج عن التزلزل، و لأجل ذلك يعدّ عند العرف علماً لا ظنّاً، خصوصاً إذا كان عدلًا، ذا ملكة رادعة عن الاقتحام في الكذب.

و لو كانت السيرة أمراً غير مرضيّ للشارع، كان عليه الردع عن ذلك كما ردع عن العمل بقول الفاسق.

مع أنّك إذا سبرت حياة الأُمم في العصور السابقة، تقف على أنّ سيرتهم جرت على العمل بخبر الواحد، خصوصاً بين أهل القرى و البوادي التي لا يتوفر فيها الأخبار المتواترة و لا المحفوفة بالقرائن، و أنّ عمل المسلمين بخبر الثقة لم يكن إلّا استلهاماً من السيرة العقلائية التي ارتكزت في نفوسهم.

و الحاصل: أنّه لو كان العمل بأخبار الآحاد الثقات أمراً مرفوضاً، لكان هناك الردع القارع و الطرد الصارم حتّى ينتبه الغافل و يفهم الجاهل.

و لأجل ذلك نرى أنّه وردت الروايات المتضافرة حول ردّ القياس، و الرجوع إلى قضاة الجور، و تقبّل الولاية من الجائر لما جرت عليه سيرة العامة من العمل به و الرجوع إلى قضاة الجور، و تقبّل الولاية من الجائرين، و هي أقل ابتلاء بمراتب‏

278

عن العمل بخبر الواحد، و على ضوء هذا، فهذه السيرة العقلائية حجّة ما لم يردع عنها.

مفاد الآيات الناهية عن العمل بالظن:

ربّما يتصوّر أنّ الآيات الناهية عن العمل بالظن رادعة عن السيرة على العمل بالخبر الواحد لأنّه من أقسام الظنون و ليس مفيداً للعلم، و لكن قد عرفت الجواب عن الاستدلال بهذه الآيات، و أنّ قول الثقة في نظر العرف مفيد للاطمئنان و موجب لسكون النفس، و مثل ذلك ليس من مصاديق الظن، أو قوله تعالى: (ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ‏) (الإسراء/ 36) و إن كان مصداقاً لهما عند العقل، إلّا أنّ الآية لا تعمّه إلّا إذا كان مصداقاً للآية عند العرف المخاطب، و هذا نظير قوله: اجتنب عن الدم، فلا يشمل لونها، و إن كان من مصاديقها عند أهل الاختبار أو الفلسفة.

جواب المحقق الخراساني عن الآيات:

ثمّ إنّ المحقق الخراساني قد أجاب عن الاستدلال بالآيات بوجوه ثلاثة:

1 أنّ الآيات راجعة إلى أُصول الدين، فالظنّ ليس حجّة فيها.

2 أنّها راجعة إلى الظن الذي لم يقم على اعتباره حجّة، و المفروض في خبر الواحد خلافه.

3 أنّ رادعية الآيات تستلزم الدور، لأنّ الردع هنا يتوقف على عدم تخصيص عمومها أو عدم تقييد إطلاقها بالسيرة على اعتبار خبر الثقة، و هو يتوقف على الردع عنها، و إلّا لكانت السيرة مخصّصة أو مقيدة، كما لا يخفى‏ (1).

توضيح الدور: انّ الرادعية عن السيرة موقوف على:

حجّية الآيات بوصف كونها عامّة، إذ لو لا حجيّتها بهذا الوصف، لا تكون‏

____________

(1)- الكفاية: ج 2 ص 99.

279

رادعة، و الحجّية بهذا المعنى موقوف على: عدم تخصيصها بالسيرة، لأنّ حجّية كلّ عام يتوقف على عدم مخصص له، و عدم تخصيصها بها موقوف على:

الردع إذ لو لم تكن الآيات رادعة، تكون السيرة مخصصة لكونها دليلًا خاصاً مقدماً على العام فيلزم توقف الردع على الردع.

و لا يخفى ضعف الأجوبة:

أمّا الأوّل: فلأنّ تخصيص الآيات بأُصول الدين خلاف إطلاقها.

و أمّا الثاني: فلأنّ لسانها آبية عن التخصيص، فكيف يمكن تخصيصها بالظنون التي لم يقم دليل على حجيّتها.

و أمّا الثالث: فإنّ العام حجة قطعية و السيرة حجّة مشكوكة، فكيف يمكن أن يعارض المشكوك مع القطعي، و هذا من الغرائب أن تتعارض الحجّة القطعية مع الحجّة المشكوكة. و إن شئت قلت: العام حجّة حتّى يثبت التخصيص و هو حاصل بالفعل و لا يتوقف على ثبوت عدم تخصيصه بالسيرة، بل يكفي عدم ثبوت تخصيصه بها. و على ذلك، فالدور مرتفع لأنّ الرادعية موقوف على:

حجّية الآيات بوصف العموم، و حجيّتها بهذا الوصف موقوف على:

عدم ثبوت تخصيصه بالسيرة و هو حاصل بالفعل و ليس موقوفاً على شي‏ء حتّى على:

عدم كون السيرة مخصصة أو مقيدة لها واقعاً.

و بالجملة: فكم فرق بين القول بحجّية العموم حتّى يثبت التخصيص، و القول بأنّ حجيّة العموم موقوف على ثبوت عدم تخصيصه بالسيرة.

فلا دور على الأوّل، لثبوته بالفعل، و يكفي في ثبوته الشك في حجّية السيرة بخلاف الثاني فإنّه متوقف على إحراز كونها رادعة للسيرة التي يحتمل كونها مخصصة. و الحق في الإجابة عن الاستدلال بالآيات، ما ذكرنا من حديث التخصص و أنّها غير شاملة لأمثال قول الثقة.

280

مقدار ما هو الحجّة من الخبر الواحد:

إذا كانت السيرة هي الدليل الوحيد في المقام حسب ما عرفت من مناقشة كلّ ما استدل به حتّى الاجماع الذي سيوافيك تقف على أنّ العمل بخبر الثقة، لأجل كون الوثاقة مفيدة للاطمئنان، بصدق الخبر و كونه مطابقاً للواقع و ليست للوثاقة موضوعية في المقام، حتّى يجب التوقف عن العمل، عند عدم إحراز وثاقة الراوي، مع حصول الوثوق بصدور الرواية بل هي مأخوذة في الراوي من باب الطريقية إلى تحصيل الاطمئنان بصدق الخبر.

بل يمكن أن يقال: إنّ مناط الحجّية عند العقلاء، هو الخبر الموثوق بصحته و صدوره، لا خصوص كون الراوي ثقة فلو كان المخبر ثقة، و دلّت القرائن على عدم صدق الخبر، لما عملوا به.

و على ذلك يكون موضوع الحجّية هو الخبر الموثوق بصدوره، فيشمل الخبر الصحيح و الموثوق و الممدوح إذا كان بمرحلة مورثة للاطمئنان، بل يشمل الضعيف إذا دلّت الشواهد و القرائن على صدقه في خصوص المورد.

فإن قلت: إذا كان الخبر الضعيف محفوفاً بالشواهد المورّثة للاطمئنان، يكون ملاك العمل هو القرائن، لا الخبر الضعيف.

قلت: المفروض فيما إذا كان للخبر تأثير في حصول مرتبة ضعيفة من الاطمئنان، مثل ما إذا كان الراوي مهملًا معنوناً في الرجال لكن لم يرد في حقّه مدح و لا ذم فيوصف خبره بالضعف، و لكن مثل هذا الضعف ليس مانعاً من قبوله إذا كان محفوفاً بالقرائن لاما إذا كان مجهولًا لا يعرف منه شي‏ء، أو كان مجروحاً بالكذب و الدّس و الوضع، أو مطعوناً بالخلط، فإنّه ليس لروايته أيّ تأثير إيجابي في حصول الاطمئنان‏ (1).

____________

(1)- إلّا على القول بحجّية مطلق الوثوق و الاطمئنان بمضمون الخبر و إن لم يكن مستنداً إليه.

281

و بذلك نخرج عن البحث بهذه النتيجة و هي حجّية الأقسام الثلاثة من الروايات بضميمة بعض أقسام الضعاف كالمهمل إذا اقترنت بأُمور تورث الاطمئنان.

و لا تنحصر الحجّية بالصحيح دون الموثّق و الممدوح، فضلًا عن اشتراط كون الحديث صحيحاً أعلائياً، معدّلًا رواته بعدلين من أهل الرجال، فإنّ ذلك تفريط في المقام.

و لأجل ذلك قال الشيخ الأعظم بعد الفراغ من بيان الأدلّة العقليّة التي أُقيمت على حجّية خبر الواحد:» و الانصاف أنّ الدالّ منها لم يدلّ إلّا على وجوب العمل بما يفيد الوثوق و الاطمئنان بمؤدّاه و هو الذي فسّر به الصحيح في مصطلح القدماء، و المعيار فيه أن يكون احتمال مخالفته للواقع بعيداً بحيث لا يعتني به العقلاء، و لا يكون عندهم موجباً للتحيّر و التردّد « (1).

الرابع: الاستدلال بالإجماع:

و يمكن تقريره بوجوه:

الأوّل: الإجماع المنقول من الشيخ الطوسي على حجّية خبر الواحد الوارد في عدّته.

الثاني: الاجماع القولي من جميع العلماء عدا السيد و أتباعه.

الثالث: الاجماع العملي من العلماء على العمل بأخبار الآحاد، و هذه الوجوه غير مفيدة.

أمّا الأوّل: فلأنّ الكلام في حجّية خبر الواحد، فكيف يمكن إثبات حجيّته به فإنّ قول الشيخ لا يعدو أنّه خبر واحد.

____________

(1)- الفرائد ص 106، طبعة رحمة اللّه.

282

و أمّا الثاني: فلأنّ مستند دعوى الأكثر هو الآيات و الروايات و غيرهما، و مع معلومية السند لا يصحّ الاستناد إلى الاجماع.

و أمّا السيرة العملية من علماء الفريقين فهي صحيحة، لكن عملهم بها لم يكن بما هم متشرّعة، بل بما هم عقلاء و حيث استقرت سيرتهم على العمل بقول الثقة، يرجع ذلك إلى الدليل الثالث. و على كلا الفرضين لا يكون الاجماع دليلًا مستقلًا.

الخامس: الاستدلال بالعقل و يقرّر بوجوه:

الأوّل: ما قرّره الشيخ في الفرائد، و تبعه المحقق النائيني على اختلاف في كيفية التقرير، و لبّ ما أفاده هو إجراء الانسداد الصغير في مورد الأخبار، في مقابل الانسداد الكبير في الأحكام و الوظائف، و حاصل الفرق بين الانسدادين هو أنّ مقدمات الانسداد الكبير إنّما تجري في نفس الأحكام لتستنتج منها حجّية مطلق الظنّ فيها، و أمّا مقدمات انسداد الصغير فهي إنّما تجري في بعض ما يتوقف عليه استنباط الحكم من الرواية كالعلم بالصدور أو العلم بكون الخبر ظاهراً في المعنى المنطبق، و لو قلنا بانسداد باب العلم فيهما تكون نتيجة إجراء الانسداد فيهما هي الاكتفاء في إحراز الصدور بالظن، و في إحراز الظهور به أيضاً، فتكون نتيجة إجرائه في الأوّل هو حجّية كلّ ما ظن صدوره، و منها قول الثقة أو كلّ ظن يثبت الظهور و منها قول اللغوي.

إذا عرفت ذلك فنقول: فيمكن تقرير الانسداد في المقام بالبيان التالي:

أنّا نعلم إجمالًا بصدور كثير من الأخبار المودعة فيما بأيدينا من الكتب و لا سبيل إلى منع العلم بذلك، و على ذلك فنحن مكلّفون بما تضمّنه هذه الأخبار من الأحكام، هذا من جانب.

283

و من جانب آخر: لا يجب الاحتياط فيها لعدم إمكانه أو تعسّره و لا يجوز الرجوع إلى الأُصول العملية لمنافاته للعلم الإجمالي، فحينئذ يجب الأخذ بمظنون الصدور فقط، لأنّ الأخذ بمشكوكه أو موهومه دون المظنون يوجب ترجيح المرجوح على الراجح.

و أورد عليه الشيخ بوجوه ثلاثة:

الأوّل: أنّ العلم الاجمالي بالأحكام ليس مختصّاً بهذه الأخبار بل الأمارات الظنّية كالشهرة و الإجماع المنقول و الأخبار النبوية المنقولة في كتب المخالفين من أطراف العلم الاجمالي فلازم عدم وجوب الاحتياط، الرجوع إلى كلّ ما أفاد الظن بصدور الحكم الشرعي عن الحجّة سواء كان المفيد للظن، خبراً أو شهرة أو غيرهما، فهذا الدليل لا يفيد حجّية خصوص الخبر، بل يفيد حجّية كل ما ظنّ منه بصدور الحكم من الحجّة و إن لم يكن خبراً (1).

و حاصله: أنّ العمل بالخبر المظنون الصدور لكونه موصلًا إلى الظن بصدور الحكم الشرعي، فيجب أن تكون كلّ أمارة لها هذا الوصف حجّة، أي كلّ أمارة تفيد الظن بصدور الحكم من الحجّة فملاك الحجّية هو الظن بصدور الحكم الشرعي التكليفي من الحجّة، و عندئذ فالخبر و غيره في المقام سواسية، و بالإمعان فيما ذكرنا تقف على الفرق بين الإشكالين: الأوّل و الثاني.

و أجاب عنه المحقق الخراساني بانحلال العلم الإجمالي بين مطلق الأمارات بما علم بين الأخبار بالخصوص و لو بالإجمال.

توضيحه: أنّ الميزان في انحلال العلم الإجمالي الكبير بالعلم الاجمالي الصغير أن لا يزيد عدد المعلوم إجمالًا في الأوّل، على عدد المعلوم إجمالًا في الثاني، فهو عندئذ ينحلّ دون ما إذا زاد الأوّل على الثاني، و إليك توضيحه بمثال:

إذا علمنا أنّ في هذا القطيع عشر شياه محرّمة، و هذا هو العلم الإجمالي‏

____________

(1)- الفرائد: ص 103 104، طبعة رحمة اللّه.

284

الكبير، لسعة أطرافه و شموله للبيض منها و السود، و علمنا أنّ في السود منها أيضاً عشر شياه محرّمة، و هذا هو العلم الاجمالي الصغير، لضيق أطرافه و عدم شموله إلّا للسود، و نحتمل أن يكون الحرام الموجود بين السود، نفس الحرام الموجود في القطيع، و بما أنّ عدد المعلوم في كلا العلمين، لا يزيد على الآخر، ينحلّ العلم الاجمالي الأوّل بالعلم الإجمالي الثاني، و الشاهد على ذلك أنّه لو أفرزنا الشياه السود بأجمعها، لا تكون الشياه البيض طرف العلم بل طرف الشك و الاحتمال، و ينحلّ العلم الإجمالي إلى علم قطعي و شك بدوي، و قد عرفت أنّه يكفي في تحقق الانحلال، احتمال الانطباق و لا يلزم لزوم العلم به.

و هذا بخلاف ما إذا علمنا أنّ في الشياه السود، خمسة محرّمة بحيث يكون عدد المعلوم في الثاني أقلّ من الأوّل فلا ينحلّ العلم، و لو أفرزنا الشياه السود بأجمعها، لبقي العلم الإجمالي بوجود شياه محرّمة مرددة بين البيض و السود بحاله، و مثله ما إذا علمنا أنّ المعلوم، الحادث لا صلة له بالمعلوم السابق، و ارتفع احتمال الانطباق.

و على ذلك فنقول: إنّ في المقام ثلاثة علوم إجمالية:

الأوّل: العلم الإجمالي الكبير و أطرافه تمام الشبهات، و منشؤه العلم بالتكاليف و أنّ الشرع لم يترك الانسان سدى.

الثاني: العلم الإجمالي الصغير و أطرافه الأخبار و سائر الأمارات، و نعلم قطعاً بموافقة قسم كبير منها للواقع.

الثالث: العلم الإجمالي الأصغر و أطرافه خصوص الأخبار إذ نعلم بصدور قسم كبير منها من المعصوم (عليه السلام).

و لا شك أنّ العلم الأوّل ينحلّ بالعلم الثاني بحيث لو أفرزنا موارد قيام الأمارات مطلقاً عن أطراف الشبهات لزال العلم عن الموارد التي ليست فيها أية أمارة و يكون طرف الشبهة و الاحتمال لا طرف العلم.

285

إنّما الكلام في انحلال العلم الثاني بالثالث، فلو أفرزنا الأخبار المعتبرة من مطلق الأمارات من كلّ باب من أبواب الفقه فهل يبقى لنا علم إجمالي بوجود التكاليف في غير المعتبرة من الأمارات، أو يكون وجود التكاليف فيه مجرد احتمال؟ و الشيخ يدّعي أنّ المقام من قبيل الأوّل، و المحقّق الخراساني يدّعي كونه من قبيل الثاني.

و لعلّ‏ (1) الحقّ مع المحقّق لأنّ الأخبار المعتبرة في كلّ باب بمقدار كبير، لا يبقى مع إفرازها، علم بوجود تكاليف في سائر الأمارات و لو مع ضميمة الأخبار المعتبرة، و إلى ذلك الجواب أشار المحقق الخراساني بقوله: ... إنّه يعلم إجمالًا بصدور كثير ممّا بأيدينا من الأخبار من الأئمّة الأطهار، بمقدار واف بمعظم الفقه بحيث لو علمنا تفصيلًا ذلك المقدار لانحلّ علمنا الإجمالي بثبوت التكاليف بين الروايات و سائر الأمارات إلى العلم التفصيلي بالتكاليف في مضامين الأخبار الصادرة المعلومة تفصيلًا، و الشك البدوي في ثبوت التكليف في مورد سائر الأمارات غير المعتبرة (2).

الثاني: أنّ النسبة بين الحجّية، و الخبر المظنون الصدور، هو الأعم من وجه. لا التساوي فلو حصل الظنّ بحكم اللّه من غير الخبر، يكون حجة و إن لم يكن هناك، الخبر المظنون الصدور، و أمّا لو كان هناك خبر مظنون الصدور، و لكن لم يحصل منه الظن بالمطابقة كما إذا احتملنا صدوره تقية، لا تكون حجة، و ذلك لأنّ الأخذ بمظنون الصدور ليس بما هو هو، بل لأجل تضمّنه أحكاماً واقعية، فإذا كان المناط لأخذ مظنون الصدور، كونه متضمّناً للأحكام الواقعية، فيجب الأخذ بكل أمارة ظن مضمونها حكم اللّه الواقعي، سواء حصل من الخبر أو من غيره‏

____________

(1)- وجه الترديد ما ذكرناه سابقاً من أنّ في الفقه مسائل كثيرة ليس لها دليل سوى الشهرة الفتوائية و معه كيف يمكن القول بالانحلال القطعي.

(2)- الكفاية: ج 2 ص 100.

286

كالشهرة و الإجماع المنقول اللذين ليس فيهما إلّا الظن بمطابقة مضمونهما، حكم الواقعي فقط، كما إذا لم يحصل من الظن بالصدور الظن بكون مضمونه حكم اللّه لم يجب العمل به و إن كان مظنون الصدور.

و إلى ما ذكرنا أشار الشيخ الأعظم بقوله: إنّ اللازم من ذلك العلم الإجمالي هو العمل بالظن في مضمون تلك الأخبار لما عرفت من أنّ العمل بالخبر الصادر إنّما هو باعتبار كون مضمونه حكم اللّه الذي يجب العمل به، فكلّما ظنّ بمضمون خبر منها و لو من جهة الشهرة يؤخذ به ... (1).

الثالث: أنّه فرق بين العمل بخبر الواحد بما هو حجة الذي هو المطلوب في المقام، و العمل به من باب الاحتياط كما في هذا التقرير، و لا يترتب على الثاني ما يترتب على الأوّل، إذ كون خبر الواحد حجّة يترتب عليه أُمور ثلاثة:

أ: حجيّته في مثبتاته و لوازمه، و ما يترتب على اللازم من الآثار الشرعية، بخلاف الأُصول و بالأخص أصالة الاحتياط، إذ لا تترتّب عليه لوازم مضمونه و لا الأحكام التي تترتّب عليها.

ب: صحّة نسبة مضمونه إلى اللّه سبحانه، أخذاً بقوله (عليه السلام):» ما أدّيا عنّي فعنّي يؤدّيان «و كيف و قد جعله سبحانه حجّة شرعية، و هذا بخلاف العمل بالخبر من باب الاحتياط، فلا تصحّ نسبة مضمونه إليه سبحانه أو إلى أحد المعصومين.

ج: كونه وارداً على الأُصول العملية و رافعاً لموضوعها و حاكماً على الأُصول‏

____________

(1)- و الفرق بين الاشكالين واضح، فالأوّل: يركز على أنّ ملاك الحجّية هو الظن بصدور الحكم من الحجة فيعود المستشكل و يقول: و عندئذ: الخبر و سائر الأمارات في الملاك سواسية إذا أفاد الظن بصدور الحكم، و أمّا الثاني: فهو يركز على أنّ الملاك ليس هو الظن بصدور الحكم من الحجة، بل كون المظنون مطابقاً للواقع إذ ربّما لا يكون مظنون الصدور مطابقاً للواقع كما في مورد التقية وعليه فالملاك هو الظنّ بالمطابقة للواقع و تكون النسبة بينه و بين الحجّية عموماً من وجه.

287

اللفظية من إطلاق أو عموم، و على أيّ تقدير لا يعمل بها، إذا كان في مقابلها دليل اجتهادي.

و هذا بخلاف ما إذا أخذنا بخبر الواحد من باب الاحتياط فهناك تفصيل.

أمّا الأُصول العملية:

فهي بين كونها مثبتة للتكليف أو نافية كالبراءة.

فلو كان الأصل مثبتاً للتكليف كالاشتغال، فمقتضى الاحتياط، هو العمل بالأصل، لا بالخبر النافي للتكليف، لأنّ موضوع الأصل بعد باق بحاله، فالمورد من مجاريه، لأنّ المفروض أنّ الخبر ليس حجة، و إنّما يؤخذ به من باب الاحتياط، و ليس الأخذ بالخبر موافقاً للاحتياط كما أنّه إذا كان الخبر أيضاً مثبتاً لتكليف آخر، فمقتضى الاحتياط هو العمل بالأصل شرعاً، و بالخبر احتياطاً و رجاءً، و أمّا إذا كان الأصل نافياً للتكليف فيجب العمل بالخبر لموافقته للاحتياط.

هذا كلّه في غير الاستصحاب، و أمّا فيه فلو كان الاستصحاب مثبتاً للتكليف كاستصحاب حرمة مس الحائض بعد حصول النقاء، و قبل الاغتسال مع دلالة الخبر على الجواز إذا غسل الموضع، فبما أنّه يعلم انتقاض الحالة السابقة في بعض الموارد و يحتمل كون المورد منه، فصحة الاستصحاب مبني على جواز العمل بالأصل مع العلم بمخالفته للواقع في بعض الأطراف كاستصحاب نجاسة كل من الإنائين إذا علم بطهارة واحد لا بعينه، فلو قلنا بجواز الاستصحاب في المثال، قلنا به في المقام، لأنّ العلم بانتقاض الحالة السابقة في موارد عديدة، مثل العلم بطهارة أحد الإنائين. و لو قلنا بعدم جوازه، كما عليه الشيخ و المحقق النائيني يسقط العمل بالأصل و يجوز العمل بالخبر.

288

و إلى ما ذكر يشير صاحب الكفاية بقوله:» أو الاستصحاب بناءً على جريانه « (1) في أطراف ما علم إجمالًا بانتقاض الحالة السابقة في بعضها أو قيام أمارة معتبرة على انتقاضها فيه، و إلّا لاختصّ عدم جواز العمل على وفق النافي بما إذا كان على خلاف قاعدة الاشتغال‏ (2).

و أمّا إذا كان الاستصحاب نافياً و الخبر مثبتاً، فلا شكّ في العمل به لعدم منافاته له.

و أمّا الأُصول اللفظية:

فالظاهر من الشيخ و المحقق الخراساني عدم قيامه لتقييد المطلقات و تخصيص العمومات مطلقاً، لعدم كونه حجّة شرعية بل العمل به من باب الاحتياط، قال في الكفاية: إنّه لا يكاد ينهض على حجّية الخبر بحيث يقدّم تخصيصاً أو تقييداً أو ترجيحاً على غيره من عموم أو إطلاق.

و يمكن أن يقال: إنّ الوظيفة هي رعاية الاحتياط، فإنّ العموم و الإطلاق و إن كانا حجّتين، لكنّهما حجّتان بالقوة و إنّما يصيران حجّة إذا تفحّص المجتهد و لم يعثر على المخصص أو المقيّد و خرجا عن مظنّة التخصيص أو التقييد، فيكونان حجّة بالقوّة.

و إن شئت قلت: إنّ العام حجة ما لم يثبت المخصص و لكن عدم الثبوت فرع الفحص و عدم الوقوف على المخصّص، و هو فرع التمكّن عن العثور عليه إذا تفحّص، و المفروض في المقام عدمه، لأنّ المخصصات و المقيّدات و إن صدرت‏

____________

(1)- و الوجهان مبنيان على أنّ المانع من جريان الاستصحاب، هل هو المخالفة العملية فيجري فيما إذا علم بانتقاض الحالة، إذا لم يستلزم المخالفة العملية، كما علم بطهارة أحد الإنائين أو المانع هو محذور التناقض بين الصدر و الذيل في قوله:» و لا تنقض اليقين بالشك، و لكن تنقضه بيقين آخر «إذ العلم في الذيل هو الأعم من اليقين التفصيلي أو الإجمالي، فلا يجري، لأنّ لازم جريانه كون الإنائين محكوماً بالنجاسة حسب الصدر و بالطهارة حسب الذيل.

(2)- الكفاية: ج 2 ص 104.

289

عن الأئمّة لكن اختلط معلوم الصدور بغيره، فلا يعثر عليه المجتهد إذا تفحّص فيكون حجّة بالقوّة، و مقتضياً للاحتجاج، لا علّة تامّة له، هذا من جانب.

و من جانب آخر العقل يحكم بلزوم العمل بالأخبار، للعلم بصدور كثير منها، إلزاماً تامّاً من باب الاحتياط، و نعلم أنّ فيها ما يصادم العموم و الإطلاق، و على ذلك يجب المشي على وجه يوافق الجمع بين الحقّين و العمل بالاحتياطين.

فلو كان مفاد العموم الزامياً و مفاد الخبر غير الزامي، كما إذا قال: و حرّم الربا، و قال: لا ربا بين الوالد و الولد، فمقتضى الاحتياط هو العمل بالعام. و لو انعكس كان مقتضاه هو العمل بالخبر، كما إذا قال: أحلّ اللّه البيع، و قال: نهى النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) عن الغرر. لأنّ الثاني و إن لم يكن حجّة، و لكنّه يجب الأخذ به، كالأخذ بالعموم و إن كانا مختلفين في الكيفية.

و إن كانا كلاهما إلزاميين، كما إذا ورد متواتراً وجوب إكرام العلماء، و ورد في الاخبار الآحاد، حرمة الفاسق منهم، فلا مناص من التخيير، لأنّ العام و إن كان حجّة لكن المفروض أنّ الأخذ بالأخبار أيضاً واجب من باب الاحتياط مع العلم بصدور كثيرها من المعصومين (عليهم السلام) و يحتمل أن يكون المقام منه.

هذا كلّه حول الوجه الأوّل الذي أفاده الشيخ و كان معتمداً عليه في سالف الزمان.

الوجه الثاني: ما نقله الشيخ عن صاحب الوافية للفاضل التوني: و احتجّ على حجّية الخبر الموجود في الكتب المعتمدة للشيعة، كالكتب الأربعة مع عمل جمع به من غير ردّ ظاهر بأنّا نقطع ببقاء التكليف بالصلاة و الزكاة و غيرهما، مع أنّ جلّ أجزائها لا يعلم إلّا بخبر الواحد، فلو تركنا العمل بالخبر، لزم ترك الضروريات.

290

و التقريب تمسك بدليل الانسداد بتخصيص مجراه الأجزاء و الشرائط فلا بد من إجراء جميع مقدماته أضف إليه أنّه يشترك مع الوجه الأوّل في إيجاب الأخذ بالخبر الواحد من باب الاحتياط، لا بما هو حجّة، فيشترك مع ما سبق نقضاً و إبراماً.

و أورد عليه الشيخ بوجهين:

الأوّل: نفس ما أورده على الوجه الأوّل من أنّ العلم الإجمالي حاصل بوجود الأجزاء و الشرائط بين جميع الأخبار لا خصوص أخبار الكتب المعتبرة، فاللازم إمّا الاحتياط و العمل بكلّ خبر دل على جزئية شي‏ء أو شرطيته، و إمّا العمل بكلّ خبر ظن صدوره ممّا دلّ على الجزئية و الشرطية، سواء كان جامعاً لما ذكره من الشرائط من كونه في الكتب الأربعة مع عمل جمع به من غير ردّ ظاهر، أو لا.

و يندفع بأنّ الروايات المعلومة الصدور، إذا ضمّت إلى معلومة الاعتبار يبلغ إلى حدّ ينحل معهما العلم الإجمالي بالأجزاء و الشرائط بين مطلق الأخبار فليس لازم هذا التقريب، الاحتياط المطلق بين جميع الأخبار.

الثاني: أنّ ما هو المطلوب هو حجّية الخبر الواحد بماله من الآثار الثلاثة، و نتيجة هذا التقريب كون العمل به من باب الاحتياط و بينهما فرق واضح كما قرّر عند تحليل الوجه الأوّل، فلا نعيد.

الوجه الثالث: ما ذكره المحقق صاحب الحاشية حيث قال: السادس: أنّه قد دلّت الأخبار القطعية و الاجماع المعلوم من الشيعة على وجوب الرجوع إلى الكتاب و السنّة، بل ذلك ممّا اتّفقت عليه الأُمّة، و حينئذٍ إن أمكن حصول العلم بالحكم الواقعي من الرجوع إليهما في الغالب، تعيّن الرجوع على الوجه المذكور، و إن لم يحصل ذلك و كان هناك طريق في كيفية الرجوع إليهما (أي الظن الخاص) تعيّن الأخذ به، و كان بمنزلة الوجه الأوّل، و إن انسد سبيل العلم به أيضاً، و كان هناك طريق ظنّي في كيفية الرجوع إليهما، لزم الانتقال إليه و الأخذ بمقتضاه (و إن‏

291

لم يفد الظن بالواقع) تنزّلًا من العلم إلى الظن مع عدم المناص عن العلم، و إلّا لزم الأخذ بهما و الرجوع إليهما على وجه يظن منهما بالحكم على أي وجه كان لما عرفت من وجوب الرجوع إليهما و حينئذٍ فيتنزّل إلى الظن، و حيث لا يظهر ترجيح لبعض الظنون المتعلّقة بذلك على بعض، يكون مطلق الظن المتعلّق بهما حجّة، فيكون المتّبع حينئذ هو الرجوع إليهما على وجه يحصل الظن منهما (1).

و أورد عليه الشيخ ما هذا خلاصته:

1 أمّا أن يكون المراد من السنّة هو نفس قول الحجّة و تقريره و فعله، فالمراد هو الرجوع إلى مدلول السنّة لا إلى لفظها، فإذا كان الواجب هو الرجوع إلى المدلول، فلا يختص الرجوع إلى الخبر، بل يعمّ كلّ أمارة مؤدية إلى مدلول السنّة من الشهرة و الإجماع، و يكون مفاده حجّية مطلق الظن بحكم اللّه الملازم بالظن بمدلول الكتاب و السنّة.

2 و إن كان المراد من السنّة الحواكي و الأخبار الواردة في الكتب الأربعة، فيرد عليه أُمور:

أ أنّ السنّة بهذا المعنى على خلاف المصطلح.

ب لم يقم الإجماع و الضرورة على وجوب الرجوع إلى السنّة بهذا المعنى، و إنّما قاما على السنّة بمعنى قول المعصوم و تقريره و فعله، لا الحواكي.

ج أنّ الرجوع إليها إن كان بملاك دعوى العلم بصدور أكثرها إجمالًا فهذا يرجع إلى الوجه الأوّل.

د و إن كان بملاك العلم بتكاليف واقعية، و أنّ العقل يحكم بذلك بعد عدم إمكان الوصول إليها بالقطع فهذا يرجع إلى دليل الانسداد (2).

و أورد المحقق الخراساني على ما أفاده الشيخ في الشق الثاني بأنّ ارجاعه إلى‏

____________

(1)- هداية المسترشدين، و المطبوع غير مرقم.

(2)- الفرائد: ص 105.

292

أحد الوجهين: الانسداد أو الوجه الأوّل، مبنيّ على كون الرجوع إلى السنّة لكونها طريقاً إلى الواقع، و لكن ظاهر كلامه أو محتمله أنّ الرجوع إلى الأخبار بحكم حديث الثقلين له موضوعية، و عند ذلك يسقط كلا الشقّين، و عندئذ فالرجوع إلى السنّة الحاكية، لا لأجل العلم الإجمالي بتكاليف واقعية ليرجع إلى دليل الانسداد، و لا لأجل العلم بصدور أكثر الأخبار فيرجع إلى الوجه الأوّل، بل لأجل الأمر بالرجوع إلى الكتاب و السنّة في حديث الثقلين و لا يعد و غيرهما.

يلاحظ عليه: أنّ الأمر بالرجوع إلى السنّة لا بدّ أن يكون له ملاك، و هو أحد الأمرين: إمّا لأنّ الطريق المنحصر إلى التكاليف الواقعية في هذه الأزمنة هو الحواكي، فلولا الرجوع يلزم الخروج عن الدين فيرجع إلى دليل الانسداد، أو لأجل العلم بصدور أكثرها فيرجع إلى الوجه الأوّل، و إلّا فيلزم أن يكون إيجاب العمل بها بلا ملاك.

ثمّ إنّ المحقق الخراساني أورد على صاحب الحاشية وجهاً آخر. حاصله: أنّ لازم ذلك هو التدرّج في الحجّية بمعنى أنّ مقتضاه هو الرجوع إلى الأخبار المتيقّن الاعتبار فإن وفى بمعظم الفقه، و إلّا أُضيف إليه ما هو المتيقّن اعتباره بالاضافة لو كان، و إلّا فالاحتياط بالعمل بالجميع لا الرجوع إلى ما ظنّ اعتباره‏ (1).

و فيه: أنّ صاحب الحاشية بصدد بيان الحجّية للخبر على وجه الإجمال و ليس في مقام بيان كميّته وسعته و ضيقه، و أمّا المقدار و الكميّة، فهو تابع بمقدار وفاء ما أخذ على معظم الفقه.

هذا كلّه حول حجّية خبر الواحد. و قد عرفت مقدار الحجّية و دليلها.

بقي الكلام حول الوجوه التي أقاموها قديماً و حديثاً على حجّية الظن و هي البحث التالي:

____________

(1)- الكفاية: ج 2 ص 107.

293

في حجّية مطلق الظن:

قد استدلّ على حجّية مطلق الظن بوجوه أربعة:

الأوّل: ما ذكره قدماء الأُصوليين و هو أنّ في مخالفة المجتهد لما ظنّه من الحكم الوجوبي أو التحريمي مظنّة للضرر، و دفع الضرر المظنون واجب.

أمّا الصغرى فلأنّ الظن بوجوب شي‏ء أو حرمته يلازم الظن بالضرر في ترك الأوّل و ارتكاب الثاني لتبعية الأحكام للمصالح و المفاسد، و أمّا الكبرى فلاستقلال العقل بدفع الضرر المظنون.

و الجواب: أنّه إن أُريد من الضرر، العقاب الأُخروي، فالكبرى مسلّمة، لأنّ احتمال العقاب واجب الدفع عند العقل فكيف مظنونه، إلّا أنّ الصغرى (الظنّ بالتكليف ملازم للظنّ بالعقاب) ممنوعة إذ لا ملازمة بين التكليف و العقاب، لأنّ التكليف بما هو هو ما لم يصل إلى درجة التنجّز، لا يوجب العقاب، و إن شئت قلت: إنّما الملازمة بين المخالفة عن علم و استحقاق العقاب، لا مطلق المخالفة و استحقاقه، و إن كان الحكم غير منجّز، و المفروض في المقام أنّ الحكم بعدُ غير منجّز لأنّه لم يصل إلى العبد عن علم و لا عن طريق قطعي الاعتبار، فكيف يكون منجّزاً مع استقلال العقل بقاعدة قبح العقاب بلا بيان.

و الحاصل: أنّ التكليف إذا كان منجّزاً فالعقاب القطعي أو الظنّي أو الاحتمالي واجب الدفع، و لأجل ذلك قالوا بوجوب الاجتناب عن أطراف العلم الإجمالي فإنّ في ارتكاب واحد من الطرفين، ظنّ بالعقاب، كما أنّ في ارتكاب واحد من الأطراف الكثيرة احتماله، إنّما الكلام فيما إذا لم يكن منجّزاً فالعقاب قطعي العدم.

و العجب من المحقق الخراساني حيث احتمل أنّ العقل و إن لم يستقلّ بتنجّزه بمجرده، بحيث يحكم باستحقاق العقوبة على مخالفته، إلّا أنّه لا يستقل‏

294

أيضاً بعدم استحقاقها و معه فتحتمل العقوبة حينئذ على المخالفة، وجه العجب، أنّه لو صحّ ما ذكر لزم عدم استقلال العقل في حكمه و هو خلاف التحقيق، و لزم بطلان قاعدة قبح العقاب بلا بيان، مع أنّه معترف بصحتها في باب البراءة.

و إن أُريد من الضرر الملازم للظن بالتكليف، الضرر الدنيوي، فتارة تكون الصغرى ممنوعة، و أُخرى تكون الكبرى كذلك.

أمّا الأوّل فلأنّ ما هو الثابت على أُصول العدلية هو كون الأحكام تابعة لمصالح و مفاسد نوعية لا شخصية، ففي مورد الظن بالوجوب أو بالحرمة، ظن بمصلحة و مفسدة نوعية لا شخصية، و أين هو من الضرر الشخصي المتوجّه إلى شخص الظان، و ليس ترك كلّ ما فيه مصلحة نوعية و لا فعل كل ما فيه مفسدة نوعية ضرراً شخصياً، بل ربّما يكون النفع الشخصي، في جانب الترك في الأوّل و في جانب الفعل في الثاني كظنّ التكليف بالإنفاق، أو الظن بحرمة الربا و الغيبة، فإنّ في الإنفاق مصلحة نوعية، كما أنّ في الأخيرين مفسدة نوعية، و لكنّ ليس في ترك الأوّل و فعل الأخيرين أيّ ضرر شخصي على الفاعل، فتلخّص أنّ الظن بالضرر في هذا المورد ممنوع، و هذا هو المراد من أنّ الصغرى ممنوعة.

و أمّا الثاني: أعني: منع الكبرى، و هي لزوم الدفع، فهذا في الأحكام التي تكون تابعة لمصالح و مفاسد شخصيّة (و لا ينافي أن تكون فيها أيضاً مصالح و مفاسد نوعيّة) كما في تحريم شرب السمّ و إلقاء النفس في التهلكة، ففي هذا القسم و إن كانت الصغرى محرزة لأنّ الظنّ بالتكليف يكون ملازماً للظن بالضرر الشخصي، غاية الأمر الضرر في مظنون الوجوب، موجود في تركه، و في مظنون الحرمة في فعله، و لكنّ الكبرى أي وجوب دفع الضرر الدنيوي ممنوع، و إلّا لوجب الاحتياط في الشبهات الموضوعية، مع أنّ قاطبة العقلاء على خلافه، اللّهمّ إلّا إذا كانت هناك أهميّة في المظنون و المحتمل. و إن كان الظن و الاحتمال ضعيفين، كما

295

إذا كان راجعاً إلى النفس و النفيس فظنّ ظنّاً ضعيفاً بكون مائع سمّاً، أو أنّ هذا العمل يؤجّج النار في المخزن، ففي هذا المورد يكون الدفع واجباً لأهمّيّة في المحتمل، و هذا غير القول بلزوم الاحتياط في كلّ مظنون التكليف و محتمله.

الوجه الثاني: أنّه لو لم يؤخذ بالظن، لزم ترجيح المرجوح على الراجح، و هو قبيح.

يلاحظ عليه: أنّ لزوم الأخذ إمّا في مقام الإفتاء أو في مقام العمل.

أمّا الأوّل: فيمكن أن يتوقّف عن الإفتاء، لا بالمظنون و لا بالموهوم، بل يجب التوقف عليه لحرمة الافتاء بما لا يعلم سواء كان مظنوناً أو محتملًا.

و أمّا الثاني: فلأنّ لزوم الأخذ بالظن، فرع ثبوت مقدمات قبله، و إلّا لم تصل النوبة إليه، أعني: العلم الإجمالي بالتكاليف، و انسداد باب العلم و العلمي بالأحكام بمقدار يكفي في انحلاله، و بطلان الاحتياط و عدم جواز الرجوع إلى البراءة و التقليد، فينحصر الطريق بالأخذ بواحد من الظن والوهم. فلا ريب في لزوم الأخذ بالأوّل. فيرجع الدليل إلى دليل الانسداد و لا يكون دليلًا مستقلّا.

الوجه الثالث: أنّه لا ريب في وجود واجبات و محرّمات كثيرة بين المشتبهات، و مقتضى ذلك الاحتياط التام حتّى في الموهومات، و بما أنّ الاحتياط التام مستلزم للحرج، فمقتضى الجمع بين القاعدتين هو الاحتياط في المظنونات دون المشكوكات و الموهومات، لأنّ عكسه باطل بالإجماع.

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره بعض مقدمات دليل الانسداد و لا ينتج إلّا بانضمام الجميع.

296

الوجه الرابع: دليل الانسداد، و هو مؤلّف من مقدمات يستقل العقل مع ثبوتها، بكفاية الإطاعة الظنيّة، حكومة أو كشفاً، و هي خمسة و جعلها الشيخ أربعة بحذف المقدمة الأُولى و إليك بيانها:

الأُولى: العلم الإجمالي بوجود تكاليف كثيرة فعلية.

الثانية: انسداد باب العلم و العلمي.

الثالثة: لا يجوز لنا إهمالها و عدم التعرّض لها.

الرابعة: لا يجوز أو لا يجب الاحتياط، كما لا يجوز الرجوع إلى الأُصول من استصحاب و براءة و لا تقليد.

الخامسة: لا بدّ في مقام الإطاعة إمّا من الاكتفاء بالإطاعة الوهمية أو الشكيّة أو الظنّية فعلى الأوّلين يلزم ترجيح المرجوح على الراجح فيتعين الثالث: أعني: الاكتفاء بالإطاعة الظنية.

هذا هو لبّ دليل الانسداد، و تسميته بالدليل العقلي مع كون بعض مقدماته شرعية، أعني: عدم وجوب الاحتياط لقيام الاجماع عليه، أو لدلالة قوله تعالى: (وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏) (الحج/ 78) لأجل انّ الدليل بصورة قياس استثنائي مركب من قضية منفصلة حقيقية ذات أطراف كثيرة و هي: إمّا أن يكون علم إجمالي بالتكاليف، أو لا يكون، و على الأوّل إمّا أن ينسدّ باب العلم و العلمي إلى كثير منها أو لا. و على الأوّل إمّا أن يجوز الإهمال أو لا، و على الثاني فالتعرّض إمّا بالاحتياط أو بالأُصول العمليّة أو بالتقليد أو بالرجوع إلى القرعة أو بالإطاعة الوهمية و الشكيّة أو الظنّية. و الكلّ باطل غير الأخير، فتعيّن الأخير.

و يمكن أن يقال: باغناء المقدمة الأُولى من الثالثة، لأنّ لازم العلم الإجمالي بوجود تكاليف فعلية، هو لزوم التعرّض و عدم الإهمال، فلا حاجة إليها.

297

الكلام في دليل الانسداد يقع في مقامات:

و قد بحث عن تلك المقامات شيخنا الأعظم في فرائده و المحقق الخراساني في كفايته، و بما أنّ المهم هو البحث عن صحّة هذه المقدمات و عدمها فنكتفي في البحث عن ما هو المهم و هو:

البحث عن تمامية هذه المقدمات و عدمها، و إليك دراسة هذه المقدمات واحدة بعد الأُخرى:

أمّا المقدمة الأُولى: فلا كلام فيها، لأنّ الانسان ليس كالبهائم، و قد خلقه سبحانه لغاية لا تحصل إلّا بالاتباع لتشريعه المبيّن بأنبيائه و رسله، فكيف يمكن أن يترك سدى، على أنّ بعث الرسل و إنزال الكتب أوضح دليل على ذاك العلم الإجمالي، و معه كيف يمكن انكاره.

غير أنّ الكلام في بقاء ذاك العلم حتّى بعد الرجوع إلى الكتاب و السنّة القطعيين و الأخبار الواردة في الكتب المعتبرة و غيرها، و قد تقدم أنّ هنا علوماً ثلاثة:

1 علم إجمالي كبير، و هو العلم بوجود الأحكام بين مطلق المشتبهات و منشؤه العلم بالتكاليف و أنّ الشرع لم يترك الانسان سدى.

2 علم إجمالي صغير، و هو العلم بوجود جميع التكاليف بين الأمارات و الأخبار الموجودة بين أيدينا، و هو منحل بالعلم الإجمالي الأصغر، أعني الأخبار الموجودة بين أيدينا أعم من المعتبر و غيره، فلو تمّ‏ (1) هذا الدليل، لاقتضى وجوب الاحتياط في خصوص الأخبار، و ليس الاحتياط فيه موجباً للعسر و الحرج، و قد عمل الأخباريون من أصحابنا بكلّ خبر، و لم يوجب ذلك أيّ عسر و لا حرج.

إلى هنا تبيّن أنّ مقتضى المقدمة الأُولى ليس إلّا وجود العلم الإجمالي بوجود الأحكام الإلزامية بين الأخبار الموجودة، و اللازم الاحتياط فيها، و هو غير

____________

(1)- إشارة إلى ما سيوافيك من إمكان القول بانحلال العلم الإجمالي الثالث، بالرجوع إلى الكتب المعتبرة من الأخبار، بحيث يكون التكليف في غيرها شكاً في نفس التكليف المصحّح للبراءة.

298

حجّية مطلق الظن و سيوافيك انحلال هذا العلم الثالث بعلم رابع.

أمّا المقدمة الثانية: أعني: انسداد باب العلم و العلمي، فالأوّل مسلّم خصوصاً بالنسبة إلى الأجزاء و الشرائط و الكيفيات، بأنّ العلم الضروري و إن كان موجوداً بالنسبة إلى أصل التكاليف لكنّه غير موجود بالنسبة إلى الخصوصيات. و أمّا الثاني، أعني: انسداد العلمي: فهو مبني على عدم حجّية قول الثقة، إمّا لعدم ثبوت وثاقة الرواة، أو لعدم ثبوت حجّية أخبارهم، أو لعدم حجّية ظواهر كلامهم، و قد أوضحنا حال الكلّ، و أثبتنا أنّ الواقع خلافه حيث قلنا بحجّية كلّ خبر موثوق الصدور وراء حجّية قول الثقة، أو حجّية خبر يوثق بصدقه، و مع الأخذ بهذا القسم من الأخبار لا يبقى أي علم في القسم الآخر من الأخبار، و عندئذ لا يبقى مانع من الرجوع في المسائل الخالية عن الظنون الخاصة إلى ما يقتضيه الأصل من البراءة و الاستصحاب و الاحتياط و التخيير، و هذه المقدمة هي العمدة في قبول ذاك الدليل العقلي و عدمه، فلو كان ما ثبت حجيّته وافياً بمعظم الفقه، و موجباً لانحلال العلم الإجمالي الثالث، لسهّل الرجوع في غير مورد الظنون، إلى الأُصول و إلّا فلا، و ليس دليل الانسداد في كلام صاحبي المعالم و الوافية إلّا هذه المقدمة و أمّا المقدمات الأُخرى، فقد أضافها بعض المتأخّرين.

و أمّا المقدمة الثالثة: و هي أنّه لا يجوز لنا إهمالها و عدم التعرّض لامتثالها، فهي أمر قطعي. و قد استدل الشيخ الأعظم عليها بوجوه ثلاثة، و الظاهر عدم الحاجة إلى الاستدلال لوضوح المطلب.

فإن قلت: إذا جاز الاقتحام أو وجب بقدر ما يرتفع العسر أو الحرج، فلا يجب الاحتياط في الأطراف لارتفاع العلم عندئذ. و يكون الباقي من المشتبهات البدئية التي تجري فيها البراءة لا من أطراف العلم.

قلت: الجواب بوجوه:

1 انّ الاضطرار إنّما يزيل العلم و أثره إذا كان إلى طرف معيّن على كلام‏

299

فيه يأتي في محلّه لا ما إذا كان إلى واحد لا بعينه، كما عليه الشيخ الأعظم.

2 ما ذكره المحقق الخراساني من أنّ الرجوع إلى البراءة في ما لا يلزم فيه العسر و الحرج، إنّما يجوز فيما إذا كان الإهمال أمراً غير مرغوب عنه، فإنّا نعلم أنّ إهمال الجميع سواء كان البعض لأجل العسر و الحرج، و البعض الآخر لأجل عدم العلم الإجمالي شي‏ء مبغوض و مرغوب عنه.

3 الفرق بين الاضطرار المقدّم على العلم الإجمالي، حيث يوجب عدم انعقاد العلم الإجمالي مؤثّراً، لأنّ من شرائط تنجيز العلم الإجمالي كونه مؤثّراً على كلّ تقدير، و هذا إنّما يتصوّر إذا لم يتقدّم الاضطرار على العلم إذ عندئذ (فرض التقدّم) يكون مؤثّراً على فرض و غير مؤثر على فرض. و مثل هذا ينافي العلم بتنجّز التكليف على كلّ تقدير، و بين الاضطرار الحادث بعد العلم، و إن كان رافعاً للعلم، لكنّه ليس برافع أثره، لأنّ العقل يحكم بوجوب الاجتناب لأجل العلم السابق المرتفع فعلًا، و أنّ الضروريات تتقدّر بقدرها، و هو الطرف الرافع للاضطرار، لا غيره. و سوف يوافيك تفصيله.

أمّا المقدمة الرابعة: و هي إبطال الرجوع إلى عدة أُمور: فهي عبارة عن الرجوع إلى قول الغير أوّلًا، و إلى القرعة ثانياً، و إلى الاحتياط ثالثاً، و إلى الأصل المثبت للتكليف مثل الاشتغال أو الاستصحاب المثبت رابعاً، و إلى الأُصول النافية للتكليف كالبراءة خامساً، فيبقى بعد إبطالها، أحد الأُمور الثلاثة: الإطاعة الظنية أو الشكيّة أو الوهمية، فالأخذ بالجميع مستلزم للمحذور و الأخذ بالأخيرين مستلزم لترجيح المرجوح على الراجح، فتعيّن الأوّل كما هو مفاد المقدمة الخامسة.

فنقول: أمّا الرجوع إلى الغير فهو لا يجوز لأنّ مدّعي الانسداد من المجتهدين و يرى القائل بالانفتاح خاطئاً فكيف يرجع من يعد نفسه مصيباً إلى من يعدّه خاطئاً؟

و أمّا دليل القرعة: فسيوافيك بيانه في محلّها أنّه لا إطلاق لأدلتها، و أنّها

300

تختص بفصل الخصومات و رفع الاختلاف و لها مصدر قرآني و حديثي، و لم يرد عليها أيّ تخصيص فضلًا عن التخصيص الأكثر حتّى يجعلها موهونةً و لا يعمل بها، إلّا إذا عمل بها الأصحاب كما هو المشهور (1).

و أمّا الرجوع إلى الاحتياط في موارد الشبهات، فهو على قسمين: قسم يلزم منه الاختلال بالنظام، و قسم يلزم منه العسر و الحرج.

أمّا الأوّل: فلا شك في بطلانه، لأنّه قبيح عقلًا، و يستلزم ترك واجبات قطعية فلا يعد احتياطاً.

و أمّا الثاني: أعني: ما إذا كان موجباً للعسر و الحرج، فعدم وجوبه، متوقف على حكومة أدلة العسر و الحرج على وجوب الاحتياط الذي يحكم به العقل، فهل هي حاكمة على ذاك الوجوب أو لا؟ خلاف منشأ الاختلاف في تعيين ما هو الموصوف بالحرج و الضرر في قوله سبحانه: (وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏) و قوله (صلى الله عليه و آله و سلم): و لا ضرر و لا ضرار.

ذهب الشيخ الأعظم إلى أنّ الحرج و إن كان وصفاً للفعل، إذ الفعل قد يكون حرجيّاً و قد لا يكون كذلك، لكنّه استعمل ذاك اللفظ في الآية في الحكم مجازاً، أو حذف الحكم و قام الوصف مكانه، و المراد منه الحكم الحرجي حتّى يصح جعله وصفاً، و المراد على كلا التقديرين نفي الحكم الحرجي، و إن شئت قلت: نفي الحكم الذي ينشأ من قِبَلِه الحرج و الضرر، و لو باعتبار بقائه في حال الاشتباه.

و ذهب المحقق الخراساني: إلى أنّ الحرج و الضرر وصف للفعل، فلا يجريان إلّا إذا كان نفس الفعل حرجياً و ضررياً في حدّ نفسه، لا باعتبار حكمه، و تكون الغاية عند ما كان نفس الفعل حرجياً، هو نفي حكمه الشرعي، و ادّعى أنّ ما ذكره هو القاعدة المطردة في قوله:» لا شك لكثير الشك «، و» لا ربا بين الولد و الوالد «. و المراد من نفي الموضوع هو نفي حكمه بعد تحقّقه (الشك و الربا)

____________

(1)- نعم وردت رواية شاذة في قطيع غنم فيها غنم موطوءة، انّها تخرج بالقرعة و هذه الرواية غير معمولة كما سيوافيك في محله.