المحصول في علم الاُصول‏ - ج3

- محمود الجلالي المازندراني المزيد...
654 /
301

و اتّصاف عمل المكلّف بالحرج.

و تظهر الثمرة بين القولين في موارد نشير إلى بعضها.

منها: استدلال المشهور على إثبات خيار الغبن بحديث لا ضرر، فإنّه يصح على مسلك الشيخ، دون المحقق الخراساني لأنّ الحكم بلزوم العقد، ضرريّ يجب نفيه، بمقدار يرتفع معه الضرر، و هو نفي اللزوم و إثبات جواز العقد. و أمّا على مسلك المحقق الخراساني، فبما أنّ الفعل أعني: العقد ليس بضرري و إن كان حكمه هنا ضرريّاً، فلا يعمّه دليله، إذ لا ضرر في فعل المكلّف حتّى يرتفع، و يرتفع معه حكمه.

منها: إذا فرضنا عملًا ندبياً حرجياً، فعلى مسلك الشيخ لا تعمّه أدلّة الحرج، لأنّ الحكم الندبي بما أنّه غير إلزامي، لا حرج فيه، فلا تشمله أدلته، و على مسلك المحقق الخراساني بما أنّ نفس الفعل و العمل، أمر حرجي و إن لم يكن حكمه حرجياً، تعمّه أدلّة الحرج.

و منها: المقام: فإنّ أدلة الحرج تعمّ المقام على مسلك الشيخ دون المحقق، لأنّ نفس أحكام المشتبهات و لو باعتبار بقائها، موجب للحرج، فيعمّه دليله، فإنّ نفس الحكم حدوثاً و إن لم يكن مستلزماً للحرج، و لكنّه بقاء في هذه الظروف، موجب للحرج، لأنّ امتثاله يستلزم الاحتياط الموجب للعسر و الحرج، و إن كان مستنداً في الظاهر إلى نفس الاحتياط، لكن الاحتياط لما كان معلول نفس الحكم و بقائه، فالحرج مستند في الحقيقة إلى نفس الحكم. و بعبارة أُخرى:» إنّ العسر حينئذ يكون من قبل التكاليف المجهولة فتكون منفية بنفيه «.

و أمّا على مسلك المحقق الخراساني، فلمّا كان كل واحد من الواجبات و المحرّمات، غير حرجي، و لا ضرري لعدم العسر في متعلّق التكليف و إنّما هو في الجمع بين محتملاته احتياطاً، لا يصدق أنّ هنا فعلًا حرجيّاً و لا ضرريّاً، و الحرج و الضرر معلول الجمع بين المحتملات، و هذا الفعل، أي الجمع و إن كان حرجياً،

302

لكنّه ليس بواجب شرعاً، و إنّما هو واجب عقلًا، و القاعدة حاكمة على الأحكام الشرعية لا العقليّة، و على ذلك لا يكون المقام مورداً للقاعدة لعدم وجود فعل حرجي واجب شرعاً، و إن كان هناك فعل حرجي واجب عقلًا.

و لكن الحقّ مع الشيخ الأعظم بوجهين:

أمّا أوّلًا: فلأنّه لو صحّ ما ذكره فإنّما يصح في قوله:» لا ضرر «بناءً على أنّ الضرر صفة الفعل، و أنّ المرفوع خصوص الفعل الضرري لا الحكم الضرري لكن لغاية رفع حكمه، و أمّا القاعدة الأُخرى، فالدليل الواضح فيها قوله سبحانه: (وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏) فهو ظاهر في نفي الحكم الحرجي بقرينة قوله: (ما جَعَلَ‏) فإنّ الجعل التشريعي يتعلّق بالحكم، لا بالموضوع، و المقصود كما هو الظاهر من رواية» عبد الأعلى مولى آل سام «أعني قوله:» إنّ هذا و أشباهه يعرف من كتاب اللّه «هو الإخبار عن عدم جعل وجوب المسح على البشرة برفع ما عليها، فكيف يقاس هذا بهذا.

و أمّا ثانياً: فلأنّ ما ذكره غير تام حتّى في نفس» لا ضرر «لأنّه إذا كان المراد نفي الفعل الضرري بلحاظ نفي حكمه، يلزم ارتفاع حرمة الفعل الضرري و جواز الاضرار بالغير و هو خلاف المقصود قطعاً، إذ لو كان وزان» لا ضرر «هو وزان» لا ربا بين الولد و الوالد «يكون المقصود ارتفاع حرمة الضرر، كارتفاع حرمة الربا بينهما، و هو غير صحيح بالضرورة. فتعيّن أنّ المقصود إمّا ما اختاره الشيخ أو ما ذهب إليه شيخ الشريعة من كون النفي بمعنى النهي، مثل قوله سبحانه: (فَلا رَفَثَ وَ لا فُسُوقَ وَ لا جِدالَ فِي الْحَجِ‏) (البقرة/ 197). أو ما اختاره سيدنا الأُستاذ من كون النهي حكماً سلطانياً و حكومياً، لا حكماً شرعياً و فرعياً. و سيوافيك تحقيق الحال في محله فانتظر (1).

____________

(1)- غير أنّ القول بحكومة دليل الحرج على قاعدة الاحتياط، يقتضي عدم جواز أو وجوب الاحتياط المستلزم للحرج، و أمّا غير المستلزم منه فغير مرفوع. و لأجل ذلك تكون نتيجة دليل الانسداد هو التبعيض في الاحتياط على حدّ لا يستلزم المحذور، لا حجّية الظن. فلاحظ.

303

الأُصول المثبتة للتكليف:

و هذا هو الأمر الرابع في كلامه بعد إبطال الرجوع إلى قول الغير، و القرعة و إيجاب الاحتياط، فنقول: إنّ الأصل المثبت إمّا هو أصالة الاشتغال أو الاستصحاب، و الأوّل أصل غير محرز، بخلاف الثاني، فنبحث عن كلّ مستقلًا: أمّا أصل الاشتغال: فلا مانع من الأخذ به إذا لم يكن مستلزماً للمحذور من اختلال النظام أو الحرج.

و أمّا الاستصحاب: فيجري في المقام على مبنى المحقق الخراساني، و لا يجري على مذهب الشيخ و إليك التفصيل: فلو قلنا بما ذهب إليه المحقق الخراساني من أنّ المانع منه هو لزوم المخالفة العملية الاحتمالية أو القطعية، كما في الإنائين الطاهرين، إذا علم بوقوع نجاسة في أحدهما، فإنّ استصحاب الطهارة في أحدهما أو كليهما يستلزم إحدى المخالفتين، فلو كان الوجه في عدم الجريان هو ذاك، فلا مانع إذا لم يستلزم المخالفة العملية كما إذا كان الإناءان نجسين فعلم بطهارة أحدهما، فإنّ استصحاب النجاسة فيهما، لا يستلزم شيئاً من المخالفة لأنّ الأصلين موافقان للاحتياط.

و المقام من قبيل القسم الثاني، لأنّ جريان استصحاب الاشتغال مع العلم بارتفاعه في بعض الأطراف لا يستلزم المخالفة العملية، بل هو موافق للاحتياط.

و لو قلنا بما ذهب إليه الشيخ الأعظم من أنّ المانع من جريان الأصل في أطراف العلم الإجمالي، هو لزوم التناقض في مدلول الدليل، بداهة أنّ حرمة

304

النقض في كلّ منهما بمقتضى الاستصحاب، ينافي لوجوب النقض في البعض كما هو مقتضى العلم الإجمالي، و إن شئت قلت: يلزم التناقض بين الصدر و الذيل فإنّ لازم قوله» لا تنقض «هو الحكم ببقاء الحالة السابقة، و لكن مقتضى قوله:» و لكن تنقضه بيقين آخر «هو عدم الحكم به بناءً على أنّ المراد من الذيل هو الأعم من الإجمال و التفصيل.

فلو قلنا بأنّ المانع ذاك، فلا يجري الأصل المثبت من الاحتياط و الاستصحاب حول المشتبهات، حتّى ما إذا كان موافقاً للاحتياط لأنّ نفس العلم إجمالًا بأنّ الحالة السابقة ارتفعت في بعض الأطراف مانع، و إن لم تكن هناك مخالفة عملية.

ثمّ إنّ المحقق الخراساني حاول تصحيح جريان الاستصحاب حتّى على مبنى الشيخ، قائلًا بأنّه إنّما يلزم فيما إذا كان الشك في أطرافه فعلياً، و أمّا إذا لم يكن كذلك، بل لم يكن الشك موجوداً بالفعل إلّا في بعض أطرافه، و كان بعض أطرافه الأُخر غير ملتفت إليه أصلًا، كما هو حال المجتهد في مقام استنباط الأحكام، فلا يكاد يلزم ذلك، فإنّ قضية لا تنقض ليست حينئذ إلّا حرمة النقض في خصوص الطرف المشكوك و ليس فيه علم بالانتقاض كي يلزم التناقض في مدلول دليله من شموله له.

يلاحظ عليه: أنّ العلم بالانتقاض و إن لم يكن حاصلًا عند الاستنباط، غير أنّه موجود بعد الفراغ من استنباط معظم الأحكام، فإنّه عندئذ يقف على انتقاض الحالة السابقة في كثير من الاستصحابات فلا يصحّ له أن يفتي بمضمونها.

فالحق أنّه على مسلك الشيخ لا يجري الاستصحاب المثبت للتكليف.

305

أمّا الأُصول النافية:

لا شك أنّ وزان الأُصول النافية وزان الاستصحاب غير المثبت للتكليف، لأنّ العمل بها مستلزمة للمخالفة العملية دون الأُصول المثبتة، فلأجل ذلك إنّما تجري إذا لم تستلزم المخالفة القطعية، و ذلك يتحقق بانحلال العلم الإجمالي، بأن يكون ما علم تفصيلًا و ما نهض عليه دليل علمي. بضميمة الأُصول المثبتة للتكليف، بمقدار ينحل به العلم الإجمالي و لا يكون معه مجال لاستكشاف إيجاب الاحتياط، و ذلك يختلف باختلاف الأشخاص و الأحوال. و عند ذلك لا موجب للاحتياط عقلًا و لا شرعاً.

و أمّا إذا لم ينحلّ العلم بهذه الأُمور الثلاثة كان خصوص موارد الأُصول النافية في مورد المظنونات و المشكوكات و الموهومات محلّا للاحتياط، و يرفع اليد عن الاحتياط بمقدار رفع الاختلال أو العسر و الحرج.

و تكون النتيجة لزوم الاحتياط في خصوص موارد الأُصول النافية إلى حدّ لا يلزم منه الأمران.

و أمّا المقدمة الخامسة: فهي مقدمة بيّنة، لا غبار فيها، فإنّه إذا انسدّت جميع طرق الإطاعة، كما هو المفروض يجب التنزّل إلى الإطاعة الظنية، لأنّ تقديما لإطاعة الشكيّة أو الوهمية عليها، كتقديم المرجوح على الراجح و هو قبيح عقلًا.

لكن الاستنتاج المزبور يتوقف على تسليم المقدمات المتقدمة و إلّا يكون القياس عقيماً. و قد عرفت منع بعض المقدمات، و المهمّ تحليل المقدمتين: الأُولى و الرابعة و الخروج عن البحث بنتيجة قطعية. فنقول:

أمّا الأُولى: فقد عرفت أنّ هنا علوماً ثلاثة، ينحل الكبير منه بالصغير، و العلم بوجود التكاليف بين مطلق المشتبهات ينحل بالعلم بوجودها بين‏

306

الأمارات و الأخبار، و هذا العلم منحل بوجود التكاليف في الأخبار. و لو قلنا بأنّ العلم و العلمي من الأخبار يوجب انحلال ذاك العلم الإجمالي الثالث، فلا ملزم للعمل بالظن، لعدم العلم الإجمالي و صحّة إجراء البراءة بعد ذلك، و لو لم نقل بذاك الانحلال فغاية ما يقتضيه العلم الإجمالي بوجود تكاليف في مطلق الأخبار، هو لزوم الاحتياط في الأخبار مطلقاً معتبرة كانت أو لا. و لا يلزم منه أيّ محذور بشهادة أنّ أصحابنا الأخباريين قد عملوا بمطلق الروايات و لم يترتب على ذلك، محذور العسر و الحرج فضلًا عن اختلال النظام.

و أمّا الرابعة: فإنّها ممنوعة إذ لو كان العلم و العلمي و الأُصول المثبتة للتكليف من الاشتغال و الاستصحاب كافياً في انحلال العلم الإجمالي، فلا مانع من إجراء البراءة في مورد الأُصول النافية، كما أوضحنا فلا يكون الظن أيضاً حجّة.

و لو قلنا بعدم انحلال العلم فأقصى ما يقتضيه الدليل هو أن يكون خصوص مورد الأُصول النافية مورداً لحكومة العقل (الاحتياط) لكن لمّا كان الاحتياط التام، في موردها يستلزم العسر و الحرج، يكتفي به في مورد مظنونات التكاليف، و إلغائه في مورد الموهومات و المشكوكات، إلّا في موارد علم عناية الشرع فيها كالدماء و الأعراض و الأموال فيحتاط حتّى في مشكوكها و موهومها.

و على كلّ تقدير لم يلزم منه حجّية الظن حكومة أو كشفاً و إنّما اللازم أحد أُمور:

1 لزوم الاحتياط في مطلق الأخبار حسب المقدمة الأُولى.

2 لزوم الاحتياط في مظنون التكاليف في مورد الأُصول النافية بضميمة الاحتياط فيما علم اهتمام الشارع به من قبيل الدماء و الأعراض و الأموال، و أين‏

307

ذلك من حجّية الظن مطلقاً، و بعبارة أُخرى: فالنتيجة هو التبعيض في الاحتياط بإحدى الصورتين، لا حجّية الظن مطلقاً.

و عندئذ يسقط جلّ المباحث المترتبة على القول بأنّ نتيجته هو حجّية الظن، لما عرفت من أنّ نتيجته على فرض التسليم هو التبعيض في الاحتياط كما لا يخفى.

و لكن المتأخّرين قد فصّلوا الكلام في نتائج الانسداد بعد إبطال مقدماتها و هي أُمور:

الأوّل: هل نتيجة ذاك الدليل، هو الكشف أو الحكومة؟

الثاني: هل النتيجة مطلقة أو مهملة؟

الثالث: كون نتيجته هو حجّية الظن بالواقع أو الظن بالطريق أو الأعم منهما، و الأوّل كما إذا ظنّ من الشهرة على نجاسة العصير العنبي، و الثاني كما إذا ظنّ بحجّية القرعة.

الرابع: في أحكام الظن المانع و الممنوع كما إذا ظن على حكم من الأحكام و قام ظنّ آخر على عدم حجّية ذلك الظنّ، فهل يقدّم الأوّل أو الثاني؟

الخامس: في كيفية خروج الظنون المنهية، كالقياس و الاستحسان و غيرهما.

السادس: هل نتيجة ذاك هو حجّية الطريق الواصل بنفسه، أو الطريق الواصل بطريقه، أو الطريق و لو لم يصل أصلًا إلى غير ذلك من الأبحاث؟

و بما أنّ الدليل صار عقيماً، كان البحث عن نتائجه أمراً غير لازم لو لم يكن ضياعاً للوقت الثمين.

و قد قلنا في صدر البحث أنّ في دليل الانسداد مقامات أشبع الأعلام الكلام فيها، و بما أنّ الأصل صار باطلًا فالبحث عن الفروع صار أمراً غير صحيح.

308

خاتمة هل الظن حجة في العقائد أو لا؟

اختلفت كلمتهم في حجّية الظن في الأُصول على أقوال:

1 اعتبار العلم الحاصل من النظر و الاستدلال و هو المعروف من الأكثر و ادّعى عليه العلّامة في الباب الحادي عشر إجماع العلماء (1).

2 اعتبار العلم و إن حصل من التقليد سواء حصل من قول الفرد أو قول الجماعة.

3 كفاية الظن مطلقاً.

4 كفاية الظن المستفاد من النظر.

5 كفاية الظن المستفاد من الخبر (2).

إذا عرفت ما ذكرناه من الأقوال. فاعلم أنّ البحث يقع في أُمور:

الأمر الأوّل: أنّ المسائل الاعتقادية تنقسم إلى قسمين:

1 ما يجب على المكلّف الاعتقاد و التديّن به غير مشروط بحصول العلم كمعرفة اللّه سبحانه و توحيده، فيكون تحصيل العلم من مقدّمات الواجب المطلق.

____________

(1)- الباب الحادي عشر: ص 4.

(2)- نقلها الشيخ في الفرائد: ص 169، ط رحمة اللّه، فلاحظ.

309

2 ما يجب التديّن به إن حصل العلم، فيكون تحصيل العلم من مقدمات الواجب المشروط.

الأمر الثاني: لا يجوز العمل بالظنّ الانسدادي و لا بالظنّ الخاص في القسم الثاني،

أعني: ما يجب فيه عقد القلب إن حصل العلم، أمّا الانسدادي فلعدم جريان مقدماته الخمس في هذا القسم، لأنّ الواجب في هذا القسم هو التديّن بالواقع على تقدير حصول العلم و هو غير حاصل.

و على الجملة: إنّ الاحتياط في المقام ممكن بلا محذور، و هذا بخلاف الفروع العملية فإنّ الاحتياط فيها لا يخلو عن أحد المحاذير.

أضف إلى ذلك من لزوم التشريع من التعبّد بالظن الانسدادي، لأنّ المطلوب في الأُمور الجوانحية هو التديّن، و العمل بالظنّ الانسدادي فيها مخالفة قطعية، بالنسبة إلى حرمة التشريع، و موافقة احتمالية بالنسبة إلى وجوب التديّن بالعقيدة الحقّة، و العقل لا يجوّز المخالفة القطعية لأجل الموافقة الاحتمالية، و هذا بخلاف الفروع فإنّ المطلوب فيها هو العمل دون التديّن.

و أمّا الظن الخاص، فالظاهر من الشيخ جوازه حيث قال: فلا مانع من وجوبه في مورد الخبر الواحد، بناءً على أنّ هذا نوع عمل بالخبر الواحد، فإنّ ما دل على وجوب تصديق العادل لا يأبى عن ذلك‏ (1).

و يظهر أيضاً من صاحب مصباح الأُصول حيث قال: إنّه لا مانع من الالتزام بمتعلّقه و عقد القلب عليه لأنّه ثابت بالتعبّد الشرعي‏ (2).

و لكن الاعتماد على خبر الواحد في أُصول الفقه، فضلًا عن أُصول العقائد، فرع وجود إطلاق في أدلّة حجّية خبر الواحد التي عمدتها أو وحيدها هو السيرة

____________

(1)- الفرائد: ص 170، ط رحمة اللّه.

(2)- مصباح الأُصول: ج 2 ص 238.

310

العقلائية، و القدر المتيقن منها هو ما يرجع إلى غير هذا القسم، على أنّه لم يعهد من أعاظم الأصحاب كالمفيد و المحقق العمل بأخبار الآحاد في الأُصول، فالتوقف في هذا القسم و عقد القلب بما هو الواقع هو الأولى.

الأمر الثالث: إنّ تميّز ما يجب تحصيل العلم به مطلقاً عما لا يجب.

و بعبارة أُخرى: تميّز ما يجب التديّن به مطلقاً عمّا لا يجب التديّن به، إلّا إذا حصل العلم، مشكل. و قد ذكر العلّامة في الباب الحادي عشر فيما تجب معرفته على كلّ مكلّف، تفاصيل التوحيد و النبوّة و الإمامة و المعاد، مدّعياً أنّ الجاهل بها عن نظر و استدلال خارج عن ربقة الإسلام، مستحق للعذاب الدائم.

و لكنّه غير تام: فإنّ معرفة الصانع ببعض صفاته الثبوتية، مثل كونه عالماً، قادراً، حيّاً سميعاً، بصيراً.

و صفاته السلبية، مثل كونه غير جسم، و لا مرئي، و لا في مكان و زمان خاص، أو معرفة نبيّه، و إمامه، و يوم ميعاده، ممّا يمكن ادّعاء لزوم معرفته عقلًا، و أنّه يجب تحصيل العلم فيها، و ليست تلك الأُمور ممّا يجب التديّن به إن حصل العلم به، لأنّ الآثار المتوخاة من التديّن بها ليست حاصلة إلّا بعد المعرفة، و لا يكفي فيها عقد القلب بالواقع، و إن لم يعرفه مشخّصاً، و أمّا ما وراء ذلك فلزوم تحصيل العلم به و عدم كفاية عقد القلب ممّا يحتاج إلى الدليل السمعي.

و قد ادّعى الشيخ الأنصاري وجود بعض الإطلاقات في الأدلّة الشرعية الحاكمة بلزوم تحصيل العلم في الأُمور الاعتقادية.

1 مثل قوله تعالى: (وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ‏) (الذاريات/ 56) أي ليعرفون.

2 قوله (صلى الله عليه و آله و سلم): ما أعلم شيئاً بعد المعرفة أفضل من هذه الصلوات الخمس‏ (1)

____________

(1)- جامع أحاديث الشيعة: ج 4 ص 3 الأحاديث: 1 4.

311

بناءً على أنّ الأفضلية من الواجب خصوصاً مثل الصلاة تستلزم الوجوب.

3 عمومات وجوب التفقّه في الدين الشامل للمعارف بقرينة استشهاد (1) الإمام (عليه السلام) بها لوجوب النفر لمعرفة الإمام بعد موت الإمام السابق.

4 عمومات طلب العلم‏ (2).

فنتيجة هذه الإطلاقات هو لزوم معرفة ما جاء به النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) على كلّ قادر يتمكّن من تحصيل العلم، فيجب الفحص حتّى يحصل اليأس فإن حصل العلم بشي‏ء من هذه التفاصيل اعتقد، و إلّا توقّف و لم يتديّن بالظن لو حصل‏ (3).

و لا يخفى أنّ ما ذكره من الإطلاقات غير تامّ، لعدم ورودها في بيان ما يجب التديّن و الاعتقاد به حتّى يؤخذ بإطلاقها.

أمّا الأوّل: فالظاهر أنّ المراد منه هو معرفة اللّه سبحانه لا كلّ ما جاء به النبيّ في مجال المعارف، بدليل أنّ اللام للغاية، و النون للوقاية و المعنى: أي بعبادتي و عرفاني لا مطلق ما يجب معرفته.

____________

(1)- نور الثقلين: ج 282/ 2، الحديث 406 و جاء فيه: أ فيسع الناس إذا مات العالم أن لا يعرفوا الذي بعده؟ فقال: أمّا أهل هذه البلدة فلا يعني المدينة، و أمّا غيرها من البلدان فبقدر مسيرهم أنّ اللّه عزّ و جلّ يقول: (وَ ما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ ...).

(2)- بحار الأنوار: ج 1 ص 162 221.

(3)- الفرائد: ص 171، طبعة رحمة اللّه.

312

و أمّا الثاني: فالحديث في مقام بيان أهمية الصلوات الخمس، لا في مقام بيان ما يجب معرفته حتّى يؤخذ بإطلاق قوله بعد المعرفة.

و أمّا الثالث: فبمثل ما أجبنا عن الثاني فالآية في مقام الحث على النفر، و كيفيته، لا في مقام بيان ما يجب أن يتفقّه فيه، و قد تمسّك الإمام بالآية لإثبات كيفية التعرّف على الإمام بعد تسليم لزوم معرفته.

و أمّا الرابع: فهو في مقام بيان لزوم تحصيل العلم لا في بيان ما يجب تعلّمه.

هذا كلّه فيما يجب المعرفة مستقلًا، و قد عرفت أنّه لا دليل على وجوب معرفة ما ادّعى العلّامة لزوم معرفتها، إلّا معرفة الصانع و توحيده، و بعض صفاته و معرفة نبيّه (صلى الله عليه و آله و سلم) و إمامه و يوم ميعاده.

و هناك روايات تشير إلى الحدّ الواجب في باب المعرفة، روى سماعة: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): أخبرني عن الإسلام و الإيمان، أ هما مختلفان؟ فقال: إنّ الإيمان يشارك الإسلام، و الإسلام لا يشارك الإيمان، فقلت: فصفهما لي، فقال: الإسلام شهادة أن لا إله إلّا اللّه و التصديق برسول اللّه، به حقنت الدماء، وعليه جرت المناكح و المواريث، و على ظاهره جماعة الناس‏ (1).

و في رواية سفيان بن السمط عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): الإسلام هو الظاهر الذي عليه الناس ... و إقام الصلاة و إيتاء الزكاة و حجّ البيت و صيام شهر رمضان، فهذا الإسلام، و قال: الإيمان معرفة هذا الأمر مع هذا (2).

كلّ هذه الروايات و ما في معناها يحدّد الواجب من المعرفة بالشهادتين، و أنّه يكفي في الإسلام و يزيد في تحقّق الإيمان معرفة الولاية، و ما وراء ذلك لا تجب معرفته و لو حصل العلم يجب الاعتقاد به.

و لو فرضنا وجوب معرفة ما وراء ذلك، فهل هي معتبرة في الإسلام و الإيمان أو لا؟ سيوافيك الكلام فيه في مختتم البحث و قد طرحه الشيخ الأعظم في المقام، فلاحظ (3).

____________

(1)- أُصول الكافي: ج 2 ص 25، باب أنّ الإيمان يشارك الإسلام، الحديث 1.

(2)- المصدر نفسه: ص 24، باب أنّ الإسلام يحقن الدم، الحديث 4.

(3)- الفرائد: ص 171 ط رحمة اللّه، قال: هذا كلّه حال وجوب المعرفة مستقلًا، و أمّا اعتبار ذلك في الإسلام و الإيمان ...

313

الأمر الرابع: قد عرفت حكم القسم الثاني من الأُصول الاعتقادية و أنّه لا يجوز العمل بالظن فيها،

إنّما الكلام في القسم الأوّل، أي فيما يجب معرفته عقلًا، أو شرعاً، كالاعتقاد بالمعاد الجسماني، فهل يجوز العمل بالظن فيه أو لا؟ يقع الكلام في موردين:

الأوّل: في المتمكّن من العلم.

الثاني: في العاجز.

أمّا المورد الأوّل: فلا يكفي قطعاً، لأنّ المعرفة الظنّية ليست بمعرفة، و الظانّ بعد غارق في لجج الجهل و لم يخرج من سجن الظلمة إلى فسيح النور، فلا إشكال في لزوم معرفته إذا أمكن. و كما لا يكفي الظن، لا يكفي اتباع قول الغير، لأنّه لا يسمّى معرفة و عرفاناً، و أدلّة جواز التقليد، راجع إلى ما يكون المطلوب فيه العمل، لا العقيدة و العرفان، و هذا هو القدر المتيقّن من الآيات الذامّة للتقليد و الاقتداء بطريق الآباء و الأجداد، مثل قوله: (إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى‏ أُمَّةٍ وَ إِنَّا عَلى‏ آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ‏) (الزخرف/ 23).

نعم يكفي نفس اليقين و العلم سواء حصل عن استدلال أو لا، لأنّ المطلوب فيها هو العلم و اليقين من دون نظر إلى أسبابه، و ليس الاستدلال و النظر واجباً نفسياً و إنّما هو طريق لحصول العلم.

و أمّا المورد الثاني: أعني: غير المتمكّن من العلم و هو من كان جهله عن قصور و غفلة، كما هو المشاهد في كثير من النسوان و الرجال، فهو غير مكلّف بتحصيله، لاستقلال العقل بقبح التكليف بغير المقدور، و هذا ما يعبّر عنه بالجاهل القاصر، فالقصور مستند إمّا إلى قلّة الاستعداد و غموض المطالب، أو وجود الغفلة و عدم احتمال خلل في معتقده.

نعم إنّما يكون معذوراً غير معاقب على عدم معرفة الحقّ إذا لم يكن يعانده، بل كان ينقاد له على إجماله لو احتمله.

314

الأمر الخامس: الكلام في الجاهل القاصر:

و الكلام فيه يقع في الأُمور التالية:

1 في وجود الجاهل القاصر و عدمه في مجال العقائد و المعارف.

2 هل الجاهل القاصر على فرض إمكانه كافر أو لا؟

3 هل تجري عليه الأحكام الوضعية من نجاسته و حرمة تزويجه و ذبيحته أولا؟

4 هل يعاقب في الآخرة أو لا؟

5 المستضعف و أقسامه.

و إليك الكلام في هذه الأُمور واحداً بعد آخر:

أ: في وجود الجاهل القاصر:

ربّما يتصور عدم وجود الجاهل القاصر في العقائد بوجوه:

1 الاجماع على أنّ المخطئ في العقائد غير معذور و صحّة الإطلاق يتوقّف على عدم وجود القاصر، و إلّا لبطل مع كون القاصر معذوراً.

يلاحظ عليه: أنّ مصبّ الإجماع هو المقصّر لا القاصر، و لا يمكن الأخذ بإطلاقه حتّى ينفي وجود القاصر.

2 أنّ المعرفة غاية الخلقة لقوله سبحانه: (وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ‏) فكيف يمكن حينئذ وجود القاصر لاستلزامه عدم تحقّق الغاية فيها.

يلاحظ عليه: مضافاً إلى النقض بالمجانين و الأطفال إذا ماتوا: أنّ الغاية، غاية للنوع، لا لكلّ واحد واحد، بداهة وجود القُصَّر من الناس.

315

3 قوله سبحانه: (وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَ إِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ‏) (العنكبوت/ 69) حيث جعل الملازمة بين المجاهدة و الهداية التي هي المعرفة، فلو لم يكن الطرفان ممكنين لم تصح الملازمة.

يلاحظ عليه: أنّ الآية ناظرة إلى من يتمكّن من الجهاد، فالملازمة بينه و بين الهداية مسلمة، و أمّا غير المتمكّن كالقاصر، فهو خارج عن الآية، و أساسه اثنان، فقد الاستعداد مع غموض المطلب، أو وجوده مقروناً بالمانع من الوصول. و يصدق على الكلّ القاصر.

و ما أجاب به المحقق الخراساني من حمل المجاهدة على المجاهدة مع النفس، خلاف الإطلاق، و ظاهرها الأعم من المجاهدة مع العدو الداخلي أو الخارجي، أو المجاهدة في طريق معرفة الرب و ما تجب معرفته.

و هذه الآية بضميمة ما قبلها تقسّم الناس على أقسام:

1 المفتري على اللّه أو المكذّب بالحق.

2 المجاهد في سبيله.

3 المحسن.

أمّا الأوّل: فوصفه سبحانه بقوله: (وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى‏ عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُ أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ‏) (العنكبوت/ 68) و هذه الطائفة خارجة عن طريق الحقّ لا ترجى هدايتهم و وصولهم إلى الحق، بل كلّما ازدادوا سيراً ازدادوا بعداً و جهلًا.

و الثاني: يهديهم ربّهم إلى سبله لقوله سبحانه: (لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا) فَمَن أخطأ فلتقصير منه، إمّا لعدم إخلاصه في السعي، أو لتقصيره فيه.

و الثالث: وصلت إلى قمّة الكمال و صاروا مع اللّه سبحانه لقوله: (وَ إِنَّ اللَّهَ‏

316

لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ‏).

و مع ذلك فكيف يمكن قصر مفاد الآية بالجهاد مع النفس مع ظهور إطلاقها.

4 قوله سبحانه: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ‏) (الروم/ 30) فإنّ قوله: (فِطْرَتَ اللَّهِ‏) عطف بيان أو بدل من الدين نصب بفعل مقدّر، مثل أعني أو أخص، و إلّا لكان الواجب أن يكون مجروراً بحكم البدلية، و لازم ذلك أن تكون معرفته سبحانه أمراً فطرياً و خلقياً، لا يقبل القصور كسائر الأحاسيس و الأُمور الوجدانية.

و الظاهر أنّ الآية أوضح ما في الباب و هي تدلّ على عدم وجود القاصر في معرفة الربّ و أنّ للعالم خالقاً و صانعاً، و أنّه واحد لا شريك له في ذاته، و هو أمر لا يقبل القصور، إلّا إذا عاند الإنسان فطرته و أنكر وجدانه لغايات مادّية، كالانحلال من القيود الشرعية و غير ذلك، و لأجل ذلك لا يبعد ادّعاء عدم وجود القاصر في أصل وجوده و توحيده، و أمّا غير ذلك، فلا شك في وجوده خصوصاً بالنسبة إلى النبوّة و الإمامة بين الرجال و النساء، لا سيما إذا كانوا عائشين في بلد تعم النصرانية و اليهودية أو غير ذلك. أضف إلى ذلك: أنّ كلمة (حَنِيفاً) في الآية أصدق شاهد على أنّ المراد من الدين هو توحيده سبحانه في مقام الإشراك به، و الحنيف جمعه الحنفاء هم الموحّدون في مقابل المشركين.

و أقصى ما يمكن أن يقال: إنّ الكبريات الواردة في الدين في مجال الفروع أيضاً فطرية، كالدعوة إلى التزويج، و إكرام الوالدين، و ردّ الأمانة، و حرمة الخيانة عليها، و غيرها من القوانين الجزائية و الاقتصادية و غيرهما. و لكن القول به لا يوجب أن لا يوجد في أديم الأرض جاهل قاصر لأنّ البحث في الأُصول لا في الفروع.

317

استدلال آخر على نفي الجاهل القاصر:

ربّما يستدل على عدم تحقق الجاهل القاصر بضمّ العمومات إلى ما يحكم به العقل، و بيّنه الشيخ الأعظم في فرائده و قال ما هذا حاصله:

1 دلّت العمومات على حصر الناس في المؤمن و الكافر.

2 دلّت الآيات على خلود الكافرين بأجمعهم في النار.

3 دل الدليل العقلي بقبح عقاب الجاهل القاصر.

فإذا ضمّ الدليل العقلي إلى العمومات المتقدمة ينتج أنّ من نراه عاجزاً قاصراً عن تحصيل العلم، قد يتمكّن من تحصيل العلم بالحقّ، و لو في زمان ما، و إن صار عاجزاً قبل ذلك أو بعده، و العقل لا يقبح عقاب مثل ذلك.

يلاحظ عليه: أنّ المقام أشبه شي‏ء بإحراز وضع المصداق، بأصالة العموم كما إذا ورد اللّهمّ العن بني أُمية قاطبة، و شككنا في أنّ فلان الأموي مؤمن أو لا؟ فيحكم بالعموم على حاله و أنّه غير مؤمن، و على كلّ تقدير الاستدلال باطل من وجهين:

الأوّل: أنّ حصر الناس في المؤمن و الكافر حصر غير حاصر فانّ الظاهر من الروايات، وجود الواسطة بينهما و هم القاصرون بوجه من الوجوه، و ستوافيك رواياته في الأمر الثاني.

الثاني: أنّ الكبرى الثانية ناظرة إلى المتمكّن من المعرفة، لأنّ عقاب العاجز القاصر قبيح فضلًا عن خلوده في النار، فإذا بطلت الكبريتان فالقياس يكون عقيماً.

إلى هنا تم الكلام في الأمر الأوّل و حان البحث عن الأُمور الأُخرى و إليك البيان:

318

ب: هل الجاهل القاصر كافر أو لا؟

لا شك أنّ الجاهل القاصر ليس بمؤمن إنّما الكلام هل هو كافر أو لا؟ و المعروف بين المتكلّمين أنّه لا واسطة بين الإيمان و الكفر، لأنّهما من قبيل العدم و الملكة، مثلًا الإنسان إمّا بصير أو أعمى و لا ثالث لهما، هذا و إن كان صحيحاً من حيث الأبحاث الكلامية، إنّما الكلام في إطلاق لفظة الكافر في اصطلاح القرآن و السنّة عليه إذ من الممكن أن يكون للكافر اصطلاح خاص فيهما، فيختص بالجاحد أو الشاك مع التمكّن من المعرفة، و لا يعمّ غير المتمكّن أصلًا.

و بعبارة أُخرى: ليس الكلام في الثبوت، حتّى يقال: إنّه لا واسطة بينهما، إنّما الكلام في الإطلاق و الاصطلاح. حيث يظهر في العديد من الروايات وجود الواسطة بينهما. و إليك نقلها:

1 عن أبي جعفر (عليه السلام) في تفسير قوله سبحانه: (إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ ... لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً) فيدخلوا في الكفر (وَ لا يَهْتَدُونَ‏) فيدخلوا في الايمان، فليس هم من الكفر و الايمان في شي‏ء (1).

2 عن سماعة: و هم ليسوا بالمؤمنين و لا الكفّار. (2) و عن زرارة قال: قلت: لأبي عبد اللّه (عليه السلام): أتزوّج المرجئة أو الحرورية أو القدرية؟ قال: لا عليك بالبله من النساء. قال زرارة: فقلت: ما هو إلّا مؤمنة أو كافرة. فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): فأين استثناء اللّه، قول اللّه أصدق من قولك (إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَ النِّساءِ) (3).

____________

(1)- البحار: ج 69 ص 162 باب المستضعفين، الحديث 16.

(2)- المصدر نفسه: ص 163، الحديث 21.

(3)- المصدر نفسه: ص 164 باب المستضعفين، الحديث 24، و نظيره الحديث 26 و فيه مناظرة زرارة مع أبي جعفر (عليه السلام) الذي أشار إليه الشيخ في الفرائد.

319

3 قال حمران: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المستضعفين، قال: إنّهم ليسوا بالمؤمنين و لا بالكافرين و هم المرجون لأمر اللّه‏ (1).

و لاحظ الروايات الأُخر المذكورة في ذلك الباب و لا نطيل الكلام بذكرها (2).

و قد أخرج سليم بن قيس حديثاً عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) يدلّ على وجود المستضعف في مسائل الإمامة و الولاية، فلاحظ (3).

فإن قلت: إنّ هناك روايات تدلّ على أنّ الشاك و الجاحد كافر، و الجاهل القاصر في مجال المعارف بين شاك و جاحد، و ربّما يكون غافلًا. روى عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: من شك في اللّه و رسوله فهو كافر (4).

و روى منصور بن حازم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) فيمن شك في رسول اللّه. قال: كافر (5).

و روى زرارة عن أبي عبد للّه (عليه السلام): لو أنّ العباد إذا جهلوا وقفوا و لم يجحدوا لم يكفروا (6).

قلت: إنّ هذه الروايات ناظرة إلى المتمكّن، فإنّ الشك أو الجحد إذا استمرّا يكون آية التسامح في التحقيق، و التقصير في طلب الحقيقة.

إلى هنا خرجنا بهذه النتيجة:» إنّ القاصر في مجال المعرفة لا مؤمن و لا كافر، إلّا فيما كان العقل و الفطرة كافيين في التعرف على الحقّ و تمييزه عن الباطل كأصل المعرفة باللّه و بعض صفاته، و يكون الكفر عندئذ عن تقصير و لا يكون الإنسان‏

____________

(1)- البحار: ج 69 ص 165، الحديث 29. قال سبحانه: (وَ آخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَ إِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ‏) (التوبة/ 106).

(2)- لاحظ الأحاديث في نفس الباب، الحديث 30 و 34.

(3)- المصدر نفسه: ص 171170، الحديث 36.

(4)- الكافي: ج 2 ص 386 باب الكفر، الحديث 11، 19.

(5)- الكافي: ج 2 ص 386 باب الكفر، الحديث 11، 19.

(6)- الكافي: ج 2 ص 386 باب الكفر، الحديث 11، 19.

320

جاحداً لخالقه و بارئه إلّا لعامل روحي أو مادي يدفعانه إلى الانكار و الجحد، أو الشك و الترديد، و أمّا ما وراء ذلك فالجاهل القاصر متصوّر و محقق فهو ليس بمؤمن و لا كافر على المعنى الذي عرفت.

ج: الجاهل القاصر و الحكم الوضعي:

هل الجاهل القاصر محكوم بالأحكام الوضعية الثابتة في حقّ الكافر كنجاسته و حرمة ذبيحته و تزويجه على التفصيل المحرّر في كتاب النكاح أو لا؟

إنّ التصديق الفقهي يتوقّف على معرفة لسان الأدلّة في هذه الموارد، و أنّ الحكم هل هو مترتّب على عنوان غير المسلم؟ كأن يقول: ذبيحة غير المسلم نجس لا تؤكل، أو هو مترتّب على عنوان الكافر، أو على عنوان من لم يؤمن باللّه و رسوله ... إلى غير ذلك من العناوين، و من المعلوم أنّ الجاهل القاصر غير مسلم فيحكم بما يترتّب عليه، و أمّا الحكم المترتّب على الكافر فهو فرع القول بأنّه كافر، و قد عرفت أنّ الروايات حاكمة على كونه غير مؤمن و لا كافر و أمّا العنوان الثالث، فالجاهل القاصر غير مؤمن باللّه و رسوله و ما جاء به من الأحكام الضرورية التي يرجع انكارها إلى انكار الرسالة، و بالجملة تجب ملاحظة العنوان و أنّه هل هو منطبق على الجاهل القاصر أولا؟ و ليس المقام مناسباً للتصديق الفقهي، فإحراز العناوين موكول إلى محلّها.

د: هل الجاهل القاصر معاقب؟

قد ظهر ممّا ذكرنا حكم العقاب، فإنّه بحكم العقل مختص بالمقصّر، و المتمكّن من المعرفة، و أمّا غير المتمكّن فعقابه قبيح عقلًا و مرفوع شرعاً، كما سيوافيك دليله في باب البراءة، و العجب من المحقق الخراساني، حيث التزم في هامش الكفاية باستحقاقه العقاب، و هو كما ترى إلّا أن يكون العقاب من لوازم‏

321

الابتعاد عن الحق، و ارتكاب الأعمال المحرّمة بالذات، و بما أنّ حدود هذه القضية (كون الجزاء تمثّلًا للعقيدة و العمل و تجسّماً لهما) غير معلومة لنا، فلا يمكن الحكم بالعقوبة حتّى على هذا الأصل، لاحتمال أن تكون الملازمة بين عقائد المتمكّن السخيفة، و الجزاء و العذاب الأليم، و بعبارة أُخرى: أن تكون الملازمة بين العصيان و العقاب لا المخالفة و العقاب، و المخالفة أعم من العصيان.

ه: المستضعف و الجاهل القاصر:

إنّ الجاهل القاصر من أقسام المستضعف و من أوضح مصاديقه، و المراد منه هنا هو المستضعف الديني لا السياسي، و لا المستضعف من ناحية الاقتصاد و أدوات الحياة، فلأجل توضيح هذه الأقسام الثلاثة نأتي بمجمل الكلام و نحيل التبسيط إلى محل آخر:

1 الاستضعاف الديني:

المستضعف الديني عبارة عمّن لا يتمكّن من معرفة الحق في مجال العقائد أو من القيام بالوظيفة في مجال الأحكام، و في الآيات اشارة إلى هذا الصنف من الاستضعاف قال سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَ ساءَتْ مَصِيراً* إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَ النِّساءِ وَ الْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَ لا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا* فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَ كانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً) (النساء/ 97 99).

إنّ الآية تقسّم من يموت على الكفر إلى قسمين:

322

1 من ملك القدرة المالية و البدنية بالخروج عن أرض الشرك و الكفر، و الذهاب إلى دار الإيمان و الإسلام، و لكنّه أخلد إلى الأرض و اتّبع هواه، و حان أجله فهؤلاء لو ماتوا على الكفر و الشرك كانوا معذّبين، و لم يقبل لهم العذر بأنّهم كانوا مستضعفين في الأرض، إذ يجاب عليهم بأنّ أرض اللّه واسعة و كانوا متمكّنين من الخروج عن حومة الكفر بالمهاجرة، فهم لم يكونوا بمستضعفين حقيقة للتمكّن من كسر قيد الاستضعاف و إنّما اختاروا هذا الحال بسوء اختيارهم.

و قسم ليست له مقدرة مالية أو بدنية و لا يهتدي سبيلًا، فهذا هو المستضعف الديني لو مات على الكفر، فأُولئك عسى اللّه أن يعفو عنهم و كان اللّه عَفوّاً غفوراً.

و هم الذين أشار إليهم الذكر الحكيم في آية أُخرى بقوله: (وَ آخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَ إِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ‏) (التوبة/ 106).

و الوارد في الآية الكريمة من الاستضعاف الديني هو غير المتمكّنين من الخروج من أرض الشرك إلى أرض التوحيد، و لكن الملاك إذا كان هو عدم التمكّن فالأقسام التالية كلّها من الاستضعاف الديني:

أ: من يتوطّن في بلد لا يتمكّن من تعلّم المعارف لخلوّه عن العالم العارف.

ب: من لا يتمكّن و الحال هذه من العمل بالوظائف لخلوّ قطره عن الفقيه و العارف بالأحكام، و يشترك القسمان في أنّهما غير متمكّنين من الخروج إلى بلد آخر يتوفر فيه العارف و العالم.

ج: من لا يتردّد في عقائده و دينه و يراه أُصولًا رصينة كأنّها أفرغت من حديد أو رصاص كأكثر البوذيين في المناطق الشرقية و أمثالها.

د: من كان ضعيف العقل و الاستعداد لا يهتدي لشي‏ء لضعف عقله و تفكيره. و هذا هو الاستضعاف الفكري الذي هو أيضاً قسم من أقسام‏

323

الاستضعاف الديني.

كلّ ذلك من أقسام الاستضعاف الديني.

الاستضعاف السياسي:

هناك قسم من الاستضعاف أولى بأن يسمّى الاستضعاف السياسي، و هم المؤمنون حقّاً القائمون بالوظائف بالخوف و تحت غطاء التقية غير أنّ قوى الكفر و الشرك و العدوان قد وضعت في طريقهم عراقيل و قهرتهم، و هم الذين دعا القرآن الكريم المسلمين الأحرار إلى الجهاد ضد عدوّهم لتحريرهم من الاضطهاد، قال سبحانه: (وَ ما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَ النِّساءِ وَ الْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَ اجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَ اجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً) (النساء/ 75).

و في هذه الآية يدعو القرآن المسلمين الغيارى إلى التفدية و التضحية لتحرير إخوانهم المسلمين المكبّلين بالقيود، فما أحسن الحياة إذا كانت في طريق الجهاد، و ما أحسن التضحية إذا تمّت لتحرير الاخوان.

الاستضعاف الاقتصادي:

و هناك نوع من الاستضعاف و هو سلطة الأغنياء على الفقراء و استنزاف دمائهم، و نهب ثرواتهم، و استغلال طاقاتهم بنحو من الأنحاء، و إليه الاشارة في قوله سبحانه: (وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ‏) (القصص/ 5) و ما ورد حول الواجبات المالية من الزكاة و الصدقات و الأخماس يشير إلى هذا النوع من الاستضعاف.

و هذه عبرة عاجلة بمسألة الاستضعاف و التفصيل يطلب من محاله.

324

خاتمة في الظنون الجابرة و الموهنة:

الظنّ الذي لم يقم الدليل على حجّيته، هل يجبر به ضعف السند أو الدلالة أو لا؟ و هل يوهن به السند أو الدلالة أو لا؟ و هل يرجح به أحد المتعارضين على الآخر أو لا؟ و على كلّ تقدير فالظن الذي لم يقم على حجّيّته دليل، إمّا أن لا يكون من الظنون المنهيّة أو يكون ممّا نهي عن إعماله و استعماله، فالقسم الأخير خارج عن محطّ البحث فلا يكون جابراً و لا موهناً و لا مرجحاً للمنع عن استعماله مطلقاً، و القول بالجبر و الإهانة و الترجيح به نحو إعمال له.

و أمّا القسم الأوّل فيقع الكلام فيه في مقامين:

1 في كون الظن جابراً للسند و الدلالة:

احتمل الشيخ الأعظم أن يكون الظن جابراً لضعف السند قائلًا بأنّ الأمارة غير المعتبرة إذا أفاد الظن بصدور ذلك الخبر، يجبر قصور سنده به، ثمّ عدل عنه بقوله: إلّا أن يدعى أنّ الظاهر اشتراط كون الخبر مفيداً للظن بالصدور لا مجرد كونه مظنون الصدور، و لو حصل الظن بصدوره من غير سنده.

و أمّا كونه جابراً لضعف الدلالة فلا، لأنّ المعتبر في باب الدلالات هو ظهور الألفاظ نوعاً فيها، لا مجرد الظن بمراد الشارع من أمارة خارجية غير معتبرة، إذ التعويل حينئذ على ذلك الظن من غير مدخلية للكلام‏ (1).

و اختار المحقق الخراساني تفصيل الشيخ الأعظم (قدس سره) بين جبر السند و الدلالة قائلًا: بأنّه لا يبعد جبر ضعف السند في الخبر بالظن بصدوره أو بصحة مضمونه، و دخوله بذلك تحت ما دل على حجّية ما يوثق به، و عدم جبر ضعف الدلالة بالظن بالمراد، لاختصاص دليل الحجيّة بحجّية الظهور في تعيين المراد، و الظن من أمارة خارجية به لا يوجب ظهور اللفظ فيه كما هو ظاهر. إلّا فيما

____________

(1)- الفرائد: ص 179.

325

أوجب القطع و لو إجمالًا باحتفافه بما كان موجباً لظهوره فيه، لو لا عروض انتفائه‏ (1).

أقول: إن أُريد من الأمارة غير المعتبرة، الشهرة بأقسامها، فقد تقدّم الكلام منها، و قلنا: إنّها من مميزات الحجّة عن اللاحجّة، فلا نعيد الكلام فيها.

و إن أُريد غيرها، فلو كان مفيداً للوثوق بالصدور فيدخل تحت أدلّة الحجّية لما عرفت من أنّ الدليل الوحيد هو بناء العقلاء، و أنّهم يعملون بالخبر الموثوق الصدور، و إن حصل الوثوق من قرينة خارجية كما لا يخفى. نعم ليس كلّ ظن مفيداً للوثوق، فلا بدّ من وصوله إلى حدّ الوثوق و الاطمئنان.

و أمّا ضعف الدلالة فالحقّ عدم الجبر، لأنّ الحجّة عبارة عن الظهور و الأمارة غير المعتبرة لا تثبت الظهور. فلو لم يكن اللفظ بنفسه ظاهراً، و لكن دلّت القرينة الخارجية على أنّ المراد منه ذلك، فهي لا تثبت الظهور.

نعم لو أفاد الاطمئنان الشخصي و الوثوق المؤكد بالمراد الذي يعدّ علماً عرفياً، لزم الأخذ به، لبناء العقلاء على حجّية مثل ذلك الوثوق، و لا يعدّ عملًا بالظهور، بل عملًا بالوثوق الخارجي الحاصل من الظهور و غيره من سائر القرائن.

هذا كلّه في الجبر.

2 في كون الظن غير المعتبر موهناً للسند و الدلالة:

فإن بلغت الأمارة غير المعتبرة إلى حدّ، سلبت الوثوق بالنسبة إلى الرواية، بحيث لا يعمل بمثلها العقلاء فهي موهنة قطعاً، بل توجب خروجها عن مورد أدلّة الحجّية، دون ما إذا لم تبلغ بهذه المرتبة.

و أمّا بالنسبة إلى الدلالة، فلا. لأنّ حجّية الظواهر ليست مقيدة بعدم حصول الظن الخارجي على خلافه، اللّهمّ إلّا إذا بلغت من القوّة بمرحلة سلب الاطمئنان بالظاهر في نظر العقلاء.

***

____________

(1)- الكفاية: ج 2 ص 161.

326

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

327

المقصد السابع في الأصول العملية

و قبل الخوض في المطلب نقدم أُموراً:

الأوّل: المقصود من الأُصول العملية، هو الوظائف المقرّرة للشاك الذي ليس له طريق معتبر إلى الواقع.

و إن شئت قلت: ما ينتهى إليه المجتهد بعد الفحص و اليأس عن الظفر بالدليل الاجتهادي. و سميت بالأُصول، لأنّه بمعنى ما يبتنى عليه الشي‏ء، و الأحكام الظاهرية في ظرف الشك مبتنية عليها. و لا منافاة لكون الأمارة أصلًا أيضاً بهذا المعنى، إذ لا يعتبر في وجه التسمية الإطراد و الانعكاس.

و يمكن أن يقال: إنّ الإطلاق من باب التشبيه بالأُصول الأوّلية التي يبتنى‏

328

عليها الأحكام الأوّلية كالطهارة الذاتية و الحلّية (1) فإنَّ الأصل الأوّلي في الأشياء هو الطهارة، و الحلّية في غير اللحوم فأطلق الأصل أيضاً على الحكم المضروب في حالة الشك لشباهته بالحكم المضروب لها بما هي هي. لاشتراكهما في أنّهما المرجع عند فقدان الدليل الحاكم على خلافهما.

الثاني: إنّ انحصار مجاري الأُصول العملية في الأربعة، عقلي تقدّم الكلام فيه على وجه التفصيل عند البحث عن حجيّة القطع، و أمّا انحصارها في الأربعة فاستقرائي لإمكان تصوير أُصول أُخر. كما إذا قال: إذا شككت بين الوجوب و الإباحة، فابن على الاستحباب، أو إذا شككت بين الحرمة و الإباحة فابن على الكراهة، و لكنّ الاستقراء أثبت عدم أصل سواها.

فإن قلت: إنّ هنا أصلين آخرين جاريين في الشبهات الحكمية، أعني: أصالة الحلّ عند الشك في الحرمة، و أصالة الطهارة عند الشك في النجاسة من حيث الحكم كالشك في طهارة حيوان متولّد من طاهر و نجس، و في نجاسة الكتابي و طهارته و غيرهما.

قلت: إنّ عدّهما من المسائل الأُصولية غير صحيح و ذلك لما تقدم‏ (2) من أنّ الضابطة في المسائل الأُصولية كونها ممهدة لتشخيص الأحكام الإلهية أو الوظائف العملية من دون أن تشمل المسألة على حكم شرعي، كالملازمات العقلية و أبواب البحث عن الحجج و غيرها. و هذا بخلاف القواعد الفقهية فإنّها تتضمّن أحكام عامة فقهية جارية في أبواب مختلفة كقاعدتي» لا تعاد «و قاعدة» ما يضمن بصحيحه «و غيرهما.

____________

(1)- و الفرق بينهما و بين المجعول في ظرف الشك، أنّ الموضوع في الأوّلين ذات الشي‏ء بما هو هو، بخلافه في الأخيرين فإنّ الموضوع هو الشي‏ء بما أنّه مشكوك الحكم من حيث الطهارة و النجاسة و الحلية و الحرمة و كون الأوّلين مرجعاً في ظرف الشك أيضاً غير كونهما مجعولين في هذا الظرف بخلاف الأخيرين فإنّهما مجعولان لهذا الظرف فقط.

(2)- لاحظ الجزء الأوّل، الأمر الأوّل من مقدمة الكتاب.

329

و على ذلك فالقاعدتان بما أنّهما متضمّنتان لأحكام شرعية عامة، قواعد فقهية، لا أُصولية، و هذا بخلاف الأُصول الأربعة.

و قد ذكر في الكفاية وجهاً آخر لعدم عدّهما من المسائل الأُصولية و هو: عدم جريانهما في جميع الأبواب.

يلاحظ عليه: أنّه لا دليل على هذا الشرط بل الدليل على خلافه، فإنّ بعض المسائل الأُصولية تختص ببعض الأبواب، كدلالة النهي على الفساد في العبادات و المعاملات، فلا يعمّ أبواب المرافعات و السياسات كما لا يخفى.

فإن قلت: لو صحّت تلك الضابطة فما معنى تقسيم الأُصول إلى شرعية و عقلية، إذ ليس معنى ذلك إلّا أنّ الأصل المتضمّن للحكم الشرعي، شرعي، و غيره عقلي.

قلت: إنّ ذلك التقسيم باعتبار مصدر الأصل و أنَّ مدركه هل هو الدليل الشرعي من الكتاب و السنَّة، أو غيره من الدلائل العقلية، لا باعتبار المضمون كما لا يخفى.

الثالث: إنّ الأُصول العملية الشرعية الدالّة على الوظائف في ظرف الشك، تسمّى أدلّة فقاهية، كما أنّ الأدلّة الدالّة على الحكم الشرعي في نفس الأمر تسمّى أدلّة اجتهادية، و ليس الاصطلاحان، أمرين ارتجاليين، بل لمناسبة موجودة في تعريفي الفقه و الاجتهاد، تفطّن بها المحقّق البهبهاني.

فقد عرَّفوا الفقه بأنّه العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلّتها التفصيلية، و ليس المراد من الأحكام هي الأحكام الواقعية، لعدم تعلّق العلم بها دائماً، فتعيّنان يكون المراد منها هي الظاهرية الموجودة في مواضع الأُصول العملية، فناسب أن يسمّى ما دلّ على الأحكام الظاهرية التي يتعلّق بها العلم، بالأدلّة الفقاهية.

و عرَّفوا الاجتهاد باستفراغ الوسع لتحصيل الظن بالحكم الشرعي، و من‏

330

المعلوم أن ليس المراد منه، هو الحكم الظاهري و إلّا يكون معلوماً لا مظنوناً بل المراد، هو الحكم الواقعي الذي يتعلّق به الظن، فناسب ذلك أن يسمّى ما دلّ على ذاك الحكم الواقعي الذي يتعلّق به الظن، دليلًا اجتهادياً، و لا مناقشة و لا مشاحة في الاصطلاح.

الرابع: إنّ الأُصول العقلية، ليست في طول الأُصول الشرعية، بل الجميع في عرض واحد، ففي الظرف الذي يحكم العقل، بقبح العقاب بلا بيان، يحكم الشرع برفع الحكم عن الجاهل. و هكذا.

نعم؛ يظهر من صاحب مصباح الأُصول دام ظلّه، كون الأُصول العقلية في طول الشرعية، حيث قال: إنّ المكلّف إذا لم يصل إلى الحكم الواقعي و عجز عن معرفة الحكم الظاهري، تعيّن الرجوع إلى ما يستقلّ به العقل من البراءة و الاحتياط و التخيير على اختلاف الموارد (1).

و لازم ذلك أن لا تصل النوبة إلى الأُصول العقلية إذ ما من مورد إلّا و فيه أصل شرعي، كالبراءة الشرعية و غيرها.

بل الحقّ أنّ الجميع في عرض واحد، و أنّ الاختلاف في التسمية لأجل الاختلاف في المصدر و الدليل.

الخامس: إنّ الشيخ الأعظم جعل الشك في التكليف الذي هو مجرى للبراءة اثني عشرة مسألة باعتبار أنّ الشبهة إمّا أن تكون تحريمية أو وجوبية أو مشتبهة بينهما، و منشأ الشك في الجميع إمّا فقدان النص أو إجماله أو تعارض النصين أو الأُمور الخارجية (2).

فما أفاده صاحب مصباح الأُصول دام ظلّه من أنّ الشيخ قسّم الشك في التكليف الذي هو مجرى للبراءة على أقسام ثمانية غير موافق لنصّ‏

____________

(1)- مصباح الأُصول ج 2 ص 248.

(2)- لاحظ الفرائد ص 192 طبعة رحمة اللّه.

331

الشيخ فلاحظ (1).

ثم إنّ الشيخ بسط الكلام في كل واحد من الأقسام بحثاً مفصّلًا و ذلك لأمرين:

الأوّل: بما أنّ الخلاف مخصوص بالشبهة التحريمية دون الوجوبية و دون الشبهات الموضوعية، بسط الكلام في كل مسألة مستقلّا.

الثاني: إنّ بعض الأدلة لا يعمّ جميع الأقسام، كدليل أصالة الحلّية في قوله (عليه السلام):» كل شي‏ء مطلق حتّى يرد فيه نهي «. فهو مختص بالشبهة التحريمية و لا يعمّ الوجوبية، فعنون كل مسألة مستقلّة، بالاشارة إلى دليلها الخاص.

و أمّا المحقّق الخراساني، فبحث عن المسائل تحت عنوان واحد و هو من لم يقم عنده حجّة على واحد من الوجوب و الحرمة و كان عدم نهوض الحجّة لأجل فقدان النص، أو إجماله، أو خلط الأمور الخارجية.

و جعل الجميع مجرى للبراءة.

و أمّا تعارض النصّين فإن قلنا بتمامية أدلّة العلاج ترجيحاً أو تخييراً فهو خارج عن المبحث لقيام الحجّة المعيّنة على الترجيح أو التخيير.

يلاحظ عليه: أنّ ما دلّ على الترجيح أو التخيير، إنّما يخرج المتعارضين عن موضوع البحث إذا كانا من جنس الخبر، لا ما إذا كانا من جنس القطعيين كالكتاب العزيز، ففي الثاني، لا يصحّ معه معاملة أحكام الخبرين المتعارضين من الترجيح أو التخيير، و إن كان مثل ذلك المورد قليلًا، مثل ما ورد في عدّة الوفاة فقد ورد فيه قوله تعالى: (وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ ...) (البقرة/ 240) و ورد أيضاً قوله تعالى: (وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَ عَشْراً) (البقرة/ 234) فيدخل فيما لا حجّة فيه،

____________

(1)- و بحث عن خصوص دوران الأمر بين المحذورين من أقسام الشك في التكليف في المطلب الثالث جاعلًا له أيضاً مثل المطلبين المتقدمين أربع مسائل فلاحظ ص 235 236 من تلك الطبعة.

332

فيرجع إلى الأصل.

و كما لا يصحّ أيضاً إذا كان التعارض بين الخبرين عموماً و خصوصاً من وجه، فإنّ المجمع محكوم بأحد الحكمين، و لا يعلم بعد، و لا يرجع في مثله إلى الأخبار العلاجية، كما بيّن في محلّه و لا إلى أخبار التخيير، بل يدخل فيما ليس فيه حجّة و يسقط كلا الخبرين و يرجع إلى عام فوقه و مع عدمه إلى الأصل العملي.

السادس: النزاع بين الأُصولي و الأخباري صغروي و ليس كبروياً، فانكار الأخباري، البراءة عند الشك في التكليف ليس بمعنى انكاره حكم العقل الواضح من قبح العقاب بلا بيان، و أنّ المكلّف يستحق العقاب بمجرّد التكليف في الواقع، و إن لم يصل إليه، بل إنّما ينكر تحقق الموضوع بمعنى عدم البيان، إمّا لادّعاء ورود البيان من الشارع في المقام من الروايات الواردة حول المشتبهات، و إمّا لوجود العلم الإجمالي بالتكاليف المقتضي بنفسه الاحتياط، و على ذلك فالبحث في الكبرى أمر غير لازم لكونها أمراً مسلّماً بين الطرفين إلّا لأجل التوضيح.

السابع: إنّ المعروف حكومة الأمارات على الأُصول العملية و المراد منها أن يرجع مفاد أحد الدليلين إلى نحو تصرف في عالم التشريع في عقد وضع الآخر، أو عقد الحمل، كما إذا قال أكرم العالم، ثم قال: النحوي ليس بعالم، نظير ذلك قوله: إذا شككت فابن على الأكثر، ثم قال: لا شك لكثير الشك، أو لا شك للإمام مع حفظ المأموم.

و نظير ذلك إذا كان مرجع مفاد أحد الدليلين إلى التصرّف في عقد الحمل لا في عقد الوضع كأدلّة نفي الضرر و العسر و الحرج فانّها حاكمة على الأحكام الأوّلية، بلا تصرّف في موضوعات الأحكام بل يرجع إلى التصرّف في نفس الأحكام قائلًا بأنّ الحكم الضرري و الحرجي غير مجعول و إن أوهم الإطلاق كونه مجعولًا. و على الجملة إذا كان الدليل وارداً بلسان التصرف في عقدي الوضع أو الحمل‏

333

بايجاد السعة و الضيق فهو حكومة.

فإن قلت: ما الفرق بين التخصيص و الحكومة مع اشتراكهما في إيجاد الضيق في شمول الحكم كما إذا قال: اكرم العلماء، ثم قال: لا تكرم النحوي منهم، فأي فرق بينه و بين أن يقول: النحوي ليس بعالم.

قلت: أمّا الفرق فيما إذا كان مفاد أحد الدليلين هو التصرّف في الموضوع فواضح، فإنّها تصرّف في الموضوع رفعاً في عالم التشريع و يتبعه سلب الحكم عن الموضوع لانتفاء الموضوع حسب الفرض، و هذا بخلاف التخصيص فهو عبارة عن سلب الحكم عن بعض أفراد الموضوع مع التحفّظ عليه، بلا تصرّف فيه فالتخصيص يشارك الحكومة في كون التصرّف في كل منهما إنّما يكون في الحكم الشرعي، إلّا أنّ التصرّف في الحكومة بتوسّط التصرّف في الموضوع، و في التخصيص بالتصرّف في الحكم ابتداء.

و أمّا إذا كان بنحو التصرّف في عقد الحمل كأحكام الموضوعات الثانوية بالنسبة إلى الأوّلية مثل الضرر و الحرج، فهو يشترك مع التخصيص في سلب الحكم عن بعض أفراد العام، كالوضوء الضرري و الحرجي بالنسبة إلى قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ‏) (المائدة/ 5) لكن فرق بين رفع الحكم عن بعض الأفراد لا بلسان النظارة و الرقابة كما في التخصيص، و رفعه عن بعض الحالات بلسان النظارة و التفسير كما في أدلّة الضرر و الحرج، فإنّ قوله سبحانه: (ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏) (الحج/ 77) ناظر إلى تشريع سابق باسم الدين و يريد بقوله: (ما جَعَلَ‏) تضييق دائرة الحكم و تفسيره.

و بالجملة: إنّ تقديم التخصيص على العام، لأجل حكم العقلاء و الرسم الدارج بين المقنّنين من الفصل بين العام و خاصه فيجمع بالتخصيص، و لو لا ذاك الرسم لما كان وجه للتقديم.

334

و هذا بخلاف الدليل الحاكم، فإنّه ينادي بأعلى صوته بأنّه ورد لتحديد المحكوم و تفسيره و تبيين مفاده فأين هذا من ذاك.

ثمّ إنّه إذا كان هذا معنى الحكومة، فيشك في حكومة الأمارات على الأُصول العملية، إذ ليس لسان قوله (عليه السلام):» العصير العنبي إذا غلى يحرم «لسان التصرّف في قوله (عليه السلام): كل شي‏ء هو حلال حتى تعلم أنّه حرام بعينه.

و يمكن الإجابة عنه: أنّ الاشكال إنّما يتوجّه لو قلنا بحكومة نفس الأمارة على نفس دليل الأصل، و أمّا لو قلنا بحكومة أدلّة حجّية الأمارات على أدلّة الأُصول، فالحكومة بهذا المعنى واضحة جدّاً، لأنّ لسان أدلّة حجّية الأمارات على القول بأنّ للشارع فيها تصرّفاً و تأسيساً، هو كون الأمارة علماً عرفياً، و أنّ السماع عن الراوي كالسماع عن المعصوم مثل قوله (عليه السلام): ما أدّيا عنّي، فعنّي يؤدّيان، و إلى ذلك يشير قوله سبحانه في خبر الفاسق: (حتّى يتَبَيَّنُوا) فكان خبر العادل متبيَّن في نفسه، فإذا قيس مثل ذلك إلى قوله:» رفع عن أُمّتي ما لا يعلمون «يستفاد منه حكومة دليل الأمارة على دليل الأُصول، لأنّها تحكم في ظرف الشك و الجهل، و دليل الأمارة يصف ظرفه بأنّه ظرف العلم و التبيّن، فلا معنى للتردّد و الشك.

و سيوافيك تفصيل القول في ذلك عند البحث عن التعادل و الترجيح.

[الأول و الثاني أصلي البراءة و الاحتياط]

أدلّة القائلين بالبراءة:

قد عرفت أنّ النزاع بين الطرفين صغروي و ليس كبروياً، و أنّ التعذيب قبل البيان أمر قبيح عند الجميع فلا حاجة للبحث عنه ثم إنّ ما استدل به القوم على قسمين:

الأوّل: ما يتحد مفاده مع مفاد البراءة العقلية، أي قبح العقاب بلا بيان كأكثر الآيات أو جميعها و من المعلوم أنّه لو تمّ دليل الأخباري يكون وارداً عليه لكونه بياناً للوظيفة حال الشك.

335

الثاني: ما يدلّ على أنّ كل ما جهل به الانسان أو حُجب عنه فهو مرفوع، فإنّ مثل هذا يكون معارضاً لدليل الأخباري، فإن رفع المجهول و المحجوب لا يجتمع مع إيجاب الاحتياط عليه، فعلى ضوء ذلك يجب عليك، الإمعان فيما يوافيك من أدلة البراءة مميّزاً كل قسم، عن القسم الآخر، إذا عرفت ذلك فاعلم أنَّهم استدلّوا على البراءة بالكتاب و السنّة و الإجماع و العقل:

1 الاستدلال بالكتاب:

فبأصناف من الآيات:

أ التعذيب فرع البيان:

إنّ هناك آيات تدلّ على أنّ التعذيب فرع تقدّم البيان:

1 قال سبحانه: (مَنِ اهْتَدى‏ فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَ مَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏ وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) (الاسراء/ 15).

2 قال تعالى: (وَ ما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى‏ حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَ ما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى‏ إِلَّا وَ أَهْلُها ظالِمُونَ‏) (القصص/ 59).

3 قال عزّ و جلّ: (وَ ما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ‏) (الشعراء/ 208).

4 قال سبحانه: (وَ لَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَ نَخْزى‏) (طه/ 134).

و دلالة الآيتين الأُوليين واضحة فإنّ جملة (وَ ما كانَ‏) تارة تستعمل في نفي الشأن و الصلاحية، و أُخرى في نفي كون الشي‏ء أمراً ممكناً.

أمّا الأوّل: فمثل قوله سبحانه: (وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ‏) (البقرة/ 143). و قوله تعالى: (ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَ الْحُكْمَ وَ النُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ‏) (آل عمران/ 73).

أمّا الثاني: فمثل قوله: (وَ ما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً

336

مُؤَجَّلًا) (آل عمران/ 140) أي لا يمكن أن تموت نفس بدون إذنه سبحانه و قوله: (وَ ما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً) (التوبة/ 122). أي لا يمكن بالإمكان العادي نفر الجميع إلى الجهاد. و قوله: (وَ ما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى‏ مِنْ دُونِ اللَّهِ‏) (يونس/ 37) أي لا يمكن لواحد من الأفراد أن يأتي بقرآن هذا شأنه و جلالته من دون أن يستمدّ من اللّه سبحانه، فالبشر العادي يمتنع عليه القيام بتدوين كتاب مثله بلغ في الإعجاز ما بلغ.

و على أي تقدير: فدلالة الآية على البراءة و كون العقاب منوطاً بالبيان واضحة سواء فسر (ما كانَ‏) بنفي الشأن أو نفي الإمكان، إذ ليس لبعث الرسل دخل و لو أُنيط جواز التعذيب ببعثهم فإنّما هو لأجل كونهم وسائط البيان و الإبلاغ، فالملاك هو عدم جواز التعذيب بلا بيان و إبلاغ، فالتعذيب اللائق بشأنه، هو التعذيب معه و إلّا فلا يكون لائقاً بشأنه.

و على ذلك فلو جاء الرسول و لم يتوفّق لبيان الأحكام أبداً، أو توفّق لبيان البعض دون البعض، لا يصحّ التعذيب إلّا فيما تمّت الحجّة و وصل البيان، لما عرفت من أنّ بعث الرسل كناية عن بيان الأحكام و إتمام الحجّة.

و على ذلك فلو فحص المكلّف عن تكاليفه بحثاً أكيداً و لم يجد من المولى بياناً لا بالعنوان الأوّلي و لا بالعنوان الثانوي، يكون التعذيب في حقّه بحكم الآية أمراً غير لائق بشأنه أو أمراً ممتنعاً.

نعم الاستدلال بالآية فرع أن لا يكون هناك بيان من المولى، لا بالعنوان الأوّلي كقولنا: الخمر حرام.

و لا بالعنوان الثانوي كالأمر بعنوان التوقّف و الاحتياط عند الشبهة، أو فرع كون العلم الإجمالي بالأحكام منحلّا و إلّا فتكون تلك الأدلّة واردة على الآية و رافعة لموضوعها.

و قد أورد على الاستدلال بالآية وجوه:

الأوّل: ما أفاده الشيخ الأعظم من أنّ ظاهرها الإخبار بوقوع التعذيب سابقاً

337

بعد البعث فيختص بالعذاب الدنيوي الواقع في الأُمم السابقة (1).

يلاحظ عليه: إذا كان العذاب الدنيوي متوقّفاً على البيان و إتمام الحجّة، فالعذاب الأُخروي الذي سجّرها الجبّار أولى بالتوقّف.

أضف إليه أنّ قوله سبحانه: (وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ‏) و قوله: (وَ ما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى‏) في الآيتين و إن كانا جملة ماضية، إلّا أنّهما منسلختان عن الزمان، إذ هما بمعنى: ليس من شأنه و لا يليق بساحته، التعذيبُ قبل البيان و إتمام الحجّة من غير فرق بين الدنيا و الآخرة، أو من غير فرق بين الأُمم الماضية و اللاحقة، و أنّ ذلك سنته سبحانه في جميع الأدوار و الأزمان.

الثاني: إنّ مفادها الإخبار بنفي التعذيب قبل إتمام الحجّة، كما هو حال الأُمم السابقة، فلا دلالة لها على حكم مشتبه الحكم من حيث هو مشتبه الحكم فهي أجنبية عمّا نحن فيه‏ (2).

يلاحظ عليه: أنّه إذا كان البعث كناية عن البيان و الإعلام كما اعترف به، فيعمّ المشتبه فهو لم يبيّن حكمه، لا بالعنوان الأوّلي و لا بالعنوان الثانوي. و إن بيّنه الرسول و لكن لم يصل إلينا فيكون التعذيب عليه تعذيباً قبل البيان الواصل، و المبين غير الواصل، داخل في غير المبيّن من أساس و هما متّحدان ملاكاً.

الثالث: إنّ مفاد الآيتين، نفي الفعلية لا الاستحقاق، و المطلوب للأُصولي هو نفي الاستحقاق ليطابق حكم العقل.

يلاحظ عليه: أنّه لم يثبت أنّ المطلوب للأُصولي نفي الاستحقاق، ليكون المطلوب غير حاصل من الآية، بل المطلوب له، هو تحصيل المؤمّن من العذاب، و هو حاصل سواء قلنا بأنّ المكلّف الشاك في التكليف بعد الفحص غير مستحق للعقاب، أو هو مستحق، لكنّه معفو، و كلتا الصورتين كافيتان في المقام.

____________

(1)- الفرائد: 193.

(2)- فوائد الأُصول: 333/ 3.

338

فما أفاده المحقق النائيني من أنّ الاستدلال بالآية، لا يجتمع مع القول بأنّ مفادها نفي فعلية التعذيب لا الاستحقاق، لأنّ النزاع في البراءة إنّما هو في استحقاق العقاب على ارتكاب الشبهة و عدم استحقاقه، لا في فعلية العقاب‏ (1) غير تام، لأنّ الهدف من القول بالبراءة هو الإفتاء بجواز ارتكاب مشتبه الحكم، سواء كان استحق العقاب و عُفِيَ عنه أم لم يستحق، نعم الهدف من البراءة العقلية هو نفي الاستحقاق، و أمّا البراءة الشرعية فالهدف أعم، فلاحظ.

أضف إلى ذلك: أنّ ظاهر الآية هو نفي الاستحقاق و أنّ التعذيب قبل البيان، لا يليق بشأنه و ساحته، لأنّه أمر قبيح و ظلم و عدوان، فيكون ملازماً لنفي الاستحقاق و أنّ التعذيب مخالف للعدل و القسط.

نعم: لو فسرت الآية، بأنّ التعذيب مخالف للطفه و رحمته، لكان لذاك التوهّم مجال.

هذا حال الآيتين، و أمّا الآيات الأُخر الواردة في هذا الصنف فقوله تعالى: (وَ ما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ‏) (الشعراء/ 208) يشعر بأنّ الهلاك، كان بعد الإنذار و التخويف، و أنّ شرطه الإنذار، و هو كناية عن البيان و إتمام الحجّة.

و مثله الآية الرابعة: (وَ لَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَ نَخْزى‏) (طه/ 134) فتدلّ على أنّ التعذيب قبل بعث الرسول مردود باحتجاج العباد المذنبين الواردة في الآية و هي قولهم: (لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ‏) فلا يصحّ التعذيب، إلّا بعد إتمام الحجّة عليهم ببعث الرسل.

و يليها في الدلالة قوله سبحانه:

5 (يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى‏ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ‏

____________

(1)- فوائد الأُصول: 334/ 3.

339

تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَ لا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَ نَذِيرٌ وَ اللَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ) (المائدة/ 19) فإنّ ظاهر قوله: (أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَ لا نَذِيرٍ) أَنّه حجّة تامة يصحّ أن يحتجّ به، و لأجل ذلك، قام سبحانه بإرسال الرسل، حتى لا يحتجّ به عليه بل تكون الحجّة للّه سبحانه على العباد (فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ).

6 (رَبَّنا وَ ابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ يُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ‏) (البقرة/ 129) فالآية صريحة في أنّ التعليم و التزكية لا يتمّان إلّا ببعث الرسل، فترقّب التزكية في الدنيا و الآخرة، من دون البعث أمر غير ممكن. و الكافر أو العاصي لا يكون معذّباً إلّا لعدم التعلّم أو لعدم تحصيل التزكية، و من شرائطهما، البيان و الإعلام و إتمام الحجّة.

هذا كلّه حول الصنف الأوّل من آيات الباب و إليك الكلام في الصنف الآخر.

ب التكليف فرع الإيتاء و الوسع:

إنّ في الذكر الحكيم آيات تدلّ على أنّ التكليف فرع الإيتاء و الوسع و هي:

قوله سبحانه: (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَ مَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً) (الطلاق/ 7) و قوله سبحانه: (لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ‏) (الأعراف/ 40) و قوله تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها) (البقرة/ 286) إلى غير ذلك من الآيات الواردة في هذا المضمار فلاحظ: البقرة/ الآية 233 و النساء/ 84.

و الاستدلال بالآية الأُولى يتوقّف على كون المقصود من الموصول هو التكليف، و المراد من قوله سبحانه: (آتاها) هو أعلمها، و المعنى لا يكلّف اللّه نفساً إلّا تكليفاً أعلمها به.

340

لكن كون المراد من الموصول هو التكليف محتمل، و أمّا كون المراد من الإيتاء الإعلام فممنوع إذ الإيتاء بمعنى الإعطاء أو الإقدار، لا الإعلام.

و الظاهر أنّ المراد من الموصول أحد الأُمور الثلاثة:

1 المال 2 القدرة 3 التكليف.

فلو أُريد الأوّلان، يلزم تقدير كلمة» بقدر «أي لا يكلّف اللّه نفساً إلّا بقدر المال أو» القدرة «التي أعطاها و لو أُريد الثالث، يكون المراد إلّا تكليفاً أقدرها عليه.

و على كل تقدير فالآية حسب سياق الآيات الواردة في وظائف الزوج بالنسبة إلى الزوجة راجعة إلى أنّ التكليف على حدّ القدرة، و لا صلة له بمشتبه الحكم و ليس تركه أمراً غير مقدور.

و بذلك يظهر حال الآيات الأُخر من قوله سبحانه: (لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها) و ما أشبهها فإنّ الكل يركِّز على أنّ التكليف بمقدار القدرة لا غير، و أين هو من محل البحث.

ج الإضلال فرع البيان:

هنا آيات تدلّ على أنّ الاضلال فرع البيان و إليك آياته:

1 (وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ‏) (التوبة/ 115).

2 (إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَ هُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى‏ وَ الرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَ لَوْ تَواعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ وَ لكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى‏ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ إِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ‏) (الأنفال 42) (1).

____________

(1)- الاستدلال بالآيتين مع قطع النظر عن سياقهما و معه ربّما تكون لهما معنى آخر. و ليس المقام موضع بيانه.

341

أمّا الآية الأُولى فوجه دلالتها هو أنّ التعذيب من آثار الضلالة و الإضلال و هو لا يتحقق إلّا بعد البيان، فينتج أنّ التعذيب بعد البيان.

و مثلها الآية الثانية حيث تدل على أنّ الهلاك فرع البيان.

و أورد عليه الشيخ الأعظم بأنّ الآية إخبار عمّا وقع في الأُمم السابقة من وقوع التعذيب بعد بعث الرسل إليهم.

و قد عرفت عدم صحته و أنّ الآية بصدد بيان الضابطة الكلّية، بقرينة قوله: (وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ‏) من غير فرق بين الأُمم السالفة و الأُمّة الحاضرة.

و على كلّ تقدير فالاستدلال بهذه الآيات، مبني على عدم تمامية دليل الأخباري من إقامة الدليل على وجوب الاحتياط و التوقف أو عدم انحلال العلم الإجمالي و أنّ الهلاك هنا هلاك عن بيِّنة و برهان.

2 الاستدلال بالسنّة:

قد استدلّ على البراءة بروايات بين صحيحة و غيرها فنقول:

1 حديث الرفع:

و هو مشهور بين العامة و الخاصة و قد رواه الصدوق في خصاله بسند صحيح و إليك السند و المتن، قال:

حدّثنا: أحمد بن محمد بن يحيى العطار قال: حدّثنا سعد بن عبد اللّه، عن يعقوب بن يزيد، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز بن عبد اللّه، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم):» رفع عن أُمّتي تسعة: الخطأ، و النسيان، و ما أُكرهوا عليه، و ما لا يعلمون، و ما لا يطيقون، و ما اضطرّوا إليه، و الحسد، و الطيرة، و التفكّر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق بشفة « (1).

____________

(1)- الخصال باب التسعة ص 417، الحديث 9.

342

و الحديث صحيح، رجاله كلّهم ثقات، أمّا أحمد بن محمد بن يحيى العطّار، فهو و إن لم يوثّق صريحاً في كلمات الرجاليين المتقدمين، لكنّه من مشايخ الصدوق في عداد ابن الوليد و هو أيضاً لم يوثّق و ما ذلك إلّا لأنّ المشايخ كانوا في غنى عن إطرائهم بالتوثيق، و لأجل ذلك نرى أنّ كثيراً من المتأخّرين كالشهيد الثاني و غيره وثّقوه اعتماداً على القرائن.

و يعقوب بن يزيد هو ابن حمّاد الانباري السلمي الذي كان من كُتّاب المنتصر باللّه، قال النجاشي: و كان ثقة صدوقاً له كتاب البداء و ... (1).

و حمّاد بن عيسى أحد أصحاب الإجماع الذي اتفقت العصابة على وثاقته.

و حريز بن عبد اللّه السجستاني أمره في الجلالة أشهر من أن يعرف.

و تقريب الاستدلال: أنّ المتبادر من قوله:» ما لا يعلمون «أنّ هنا شيئاً يتعلّق به العلم تارة، و الجهل أُخرى و يكون رفعه عند الجهل كناية، عن عدم ترتّب أثر عليه في هذه الحالة، و الأثر المترتب على الإلزام المجهول عبارة عن تنجّزه أو ترتب العقاب عليه، و غير ذلك، فرفع ذاك المجهول، اعطاء تأمين للجاهل في تركه، و هذا هو المطلوب للأُصولي.

و لتوضيح أصل الدلالة و حدودها و سائر ما يرجع إلى مفاد الحديث نبحث عن أُمور:

الأمر الأوّل: في أنّ الرفع متعلّق بنفس التسعة لا بأمر مقدّر:

إنّ الرفع متعلّق بأُمور: مثل الخطأ و النسيان، و غيرهما و كلها موجودة في الخارج، فلا بد في إخراج الكلام عن صورة الكذب من تصحيح النسبة، و لأجل ذلك التزم جماعة بتقدير كلمة مثل المؤاخذة و الأثر أو الآثار.

غير أنّ الحقّ وفاقاً لبعض المشايخ عدم الحاجة إلى التقدير و أنّه يصحّ تعلّق‏

____________

(1)- رجال النجاشي 427/ 2 برقم 1216 و عنونه الخطيب في تاريخه ج 14 رقم 7586.

343

الرفع بهذه الأُمور ادّعاءً بيانه: انّ هذه الأُمور تارة تلاحظ بما أنّها أُمور تكوينية موجودة في النفس الإنسانية، و تعدّ من حالاتها، و أُخرى بما أنّها موضوعات يمكن أن تتعلّق بها الأحكام الشرعية.

و بعبارة أُخرى: تارة تلاحظ أمراً موضوعياً و مستقلًا و أُخرى تلاحظ أمراً طريقياً إلى موضوعات الأحكام و متعلّقاتها.

فعلى الأوّل: فهي أُمور قلبية لا تنالها يد الجعل التشريعي وضعها و لا رفعها، فوجودها و عدمها تابع لواقعها الخارجي، فالإنسان حسب الواقع إمّا ناس أو غير ناس، إمّا خاطئ أو غير خاطئ و مثله الأُمور الباقية.

و أمّا على الثاني: فوجود الخطاء في التشريع عبارة عن كونه موضوعاً لأثر شرعي، و عدمه عبارة عمّا إذا لم يكن موضوعاً له، فهذه الأُمور بما هي هي، ليست مطلوبة للشارع بذاتها، بل بما هي موضوعات للأحكام، فإذا كان نسيان الجزء خلواً من الأثر، و القتل الخطئي فاقداً لحكم القصاص أو كان الحكم الشرعي غير منجَّز في ظرف الجهل، يصحّ للشارع الذي ينظر إلى هذه الأُمور بما هي موضوعات الأحكام، أن ينفي وجودها من رأسها، لأنّ وجودها عنده ليس إلّا كونها متعلّقات الأحكام، و لا ينظر إليها من حيث هي هي، فالخطأ إذا لم يكن ذا أثر و كذلك النسيان و الجهل، صحّ للشارع الناظر إليها من جانب الطريقية أنّها غير موجودة في محيط التشريع، كما صحّ له أن يدعي في مورد الضرر و الحرج، بأنّه لا ضرر و لا حرج، فإنّ الضرر الموجود عنده عبارة من الضرر التوأم مع الحكم، فعدم التوأمية نفس القول بعدم الضرر و الموضوع عنده.

فإن قلت: أ ليس هذا قولًا بأنّ المرفوع هو الآثار لا نفس هذه الأُمور، و أنّ الرفع لم يتعلّق بذواتها، و إنّما تعلّق بآثارها، فكيف تقول بأنّه يصحّ الرفع بلا تقدير.

344

قلت: فرق بين القول: بأنّ المرفوع هو الآثار و القول بأنّ الرفع تعلّق بتلك الأُمور بلحاظ كونها فاقدة للأثر حسب الواقع، و المدّعى هو الثاني.

و إن شئت قلت: إنّ الرفع تعلَّق بذات الأشياء حين الإلقاء، و لكن لمّا كانت هذه الأُمور خالية عن الأثر في ظرف التشريع، صحَّ تعلّق الرفع بها، فعدم تعلّق الآثار عليها صار مصحّحاً لتعلّق الرفع بنفسها حين التكلّم، و إلى هذا يهدف ما ورد في كلمات المشايخ من أنّ الرفع من قبيل المجاز في الاسناد.

ثم إنّه ربّما يتصوّر: أنّ الحاجة إلى المصحّح إنّما هو في مثل النسيان و الإكراه، و أمّا مثل» ما لا يعلمون «إذا كان المراد منه الحكم الشرعي، فلا حاجة إلى المصحِّح لأنّ نفس الحكم قابل للرفع حقيقة (1).

يلاحظ عليه: أنّ الرفع الحقيقي ينافي الإجماع على كون أحكامه سبحانه مشتركة بين الجاهل و العالم، و على ضوء ذلك لا يصحّ رفع الحكم الشرعي حقيقة و لا مناص من كون الرفع، بنحو المجاز في الاسناد، فالحكم الشرعي المجهول فاقد للأثر في ذلك الظرف فكأنّه مرفوع.

الأمر الثاني: في أنّ الرفع يعمّ الحكم و الموضوع:

إنّ الاستدلال بالحديث على رفع الحكم الشرعي إنّما يتمّ إذا كان الموصول في» ما لا يعلمون «شاملًا للحكم الشرعي، و لا يكون ظاهراً في خصوص الموضوع المجهول الحال من كونه خلّا أو خمراً، و إلّا لسقط الاستدلال به في مورد البحث.

و ربّما يقال: بأنّ المراد من» ما لا يعلمون «هو الفعل المجهول الحال، لا الحكم المجهول، و يستدلّ عليه بأُمور:

____________

(1)- مصباح الأُصول ج 2 ص 261.

345

شبهات حول عمومية الرفع للحكم و الموضوع:

1 وحدة السياق، إذ المراد من الموصول في سائر الفقرات مثل قوله:» و ما أُكرهوا عليه «و» ما لا يطيقون «و» ما اضطرّوا إليه «هو الفعل المكره عليه و العمل الخارج عن الإطاقة و العمل المضطرّ إليه، فيلزم الحكم بقرينة السياق على أنّ المراد من تلك الفقرة أيضاً هو الفعل.

و الجواب عنه واضح، فانّه خلط بين المستعمل فيه، و المصداق الذي انطبق عليه المستعمل فيه، إذ الموصول من المبهمات، و هو لا يستعمل إلّا في المفهوم المبهم الذي قابل للانطباق على كلّ من الحكم و الموضوع، و إنّما يعرف بصلته، و على ذلك فالموصول لم يستعمل إلّا في المعنى المبهم الذي هو الشي‏ء القابل للانطباق على كلّ من الحكم و الموضوع، غير أنّ الصلة في سائر الفقرات صارت سبباً لعدم انطباقه إلّا على الموضوع، لأنّ الشي‏ء الذي يعرض عليه الاكراه و الحرج و الاضطرار، هو الفعل الخارجي دون الحكم.

و أمّا الفقرة المبحوثة عنها، فهي باقية على عمومها، و المراد من الموصول فيها هو الشي‏ء المجهول، و هو ينطبق على كلّ من الحكم و الفعل.

و بالجملة: فرق بين استعمال الموصول في بقية الفقرات في الفعل المتّصف بالاكراه و الاضطرار، و بين القول باستعماله في المعنى المبهم الوسيع، غير أنّه لا ينطبق إلّا على الفعل الخارجي بقرينة صلته و الذي يمكن أن يكون صحيحاً هو الثاني دون الأوّل.

و إلى ما ذكر أشار شيخ مشايخنا العلّامة الحائري حيث قال: إنّ عموم الموصول إنّما يكون بلحاظ سعة متعلّقه و ضيقه، فقوله (عليه السلام):» ما اضطرّوا إليه «أُريد منه كلّ ما اضطرّ إليه في الخارج، غاية الأمر لم يتحقق الاضطرار بالنسبة إلى الحكم و على ذلك فوحدة السياق يقتضي أن يراد من قوله:» ما لا

346

يعملون «كلّ فرد فرد من أفراد هذا العنوان، أ لا ترى أنّه إذا قيل ما يوكل و ما يرى في قضية واحدة لا يوجب انحصار أفراد الأوّل في الخارج ببعض الأشياء، تخصيص الثاني أيضاً بذلك البعض‏ (1).

أضف إلى ذلك: أنّ بعض التسعة لا يصلح إلّا لكون المرفوع فيه هو الحكم الكلّي، أعني الحسد و الطيرة، و التفكّر في الوسوسة في الخلق، و أمّا النسيان و الخطأ فيصلحان لكل من الأمرين، فما ادّعاه من وحدة السياق، عار عن التحقيق.

2 إنّ الرفع يقتضي أن يكون متعلّقه أمراً ثقيلًا، وعليه فلا بد أن يكون المرفوع أمراً ثقيلًا، ليصحَّ تعلّق الرفع به، و الثقيل هو فعل الواجب أو ترك الحرام، و أمّا الحكم فهو أمر صادر من المولى فلا يعقل كونه ثقيلًا على المكلّف، و بالجملة ... التكليف من الكلفة، و هي عبارة عن نفس الفعل أو تركه، و ليس في نفس التكليف أيّ كلفة.

يلاحظ عليه: أنّ مقتضى ذلك، عدم صحّة نسبة الرفع إلى التكليف أبداً مع أنّه صحيح قطعاً، و ذلك لأجل كون نفس التكليف منشأ الكلفة و جذورها، و لولاه لما كان على المكلّف أيّ كلفة.

و يوضح ذلك توصيف الحكم حرجياً في قوله سبحانه: (وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏) (الحج/ 77) فأخبر أنّه لم يجعل حكماً حرجياً.

3 إنّ الرفع و الوضع متقابلان يتواردان على محلّ واحد، و بما أنّ حقيقة وضع التكليف، عبارة عن وضع الفعل و الترك على ذمّة المكلّف في عالم الاعتبار، وعليه يكون متعلّق الرفع هو الفعل لا الحكم.

و الجواب: أنّ تفسير وضع التكليف بما ذكر ليس بتام إذ ليس وضعه إلّا طلب الشي‏ء أو الزجر عنه و إن شئت قلت: جعل الشخص مسئولًا للقيام‏

____________

(1)- درر الأُصول ج 2 ص 102.

347

بالمكلّف به، لا جعل الفعل أو الترك، محمولًا على ذمّته، قال سبحانه: (وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا) (الاسراء/ 36) ترى أنّه بعد ما يكلّفه بأنّ لا يقف على ما ليس له علم، يعلّله بكونه مسئولًا عن أعضائه.

و تفسير التكليف بالوضع على الذمّة غير تام حتى في الأحكام الوضعية في أبواب الضمانات و الغرامات، فالاستيلاء على مال الغير الذي هو سبب الضمان ليس بمعنى ركوب العين المغصوبة على ذمّة الإنسان كما ربما يستظهر من قوله:» على اليد ما أخذت حتى تؤدّي «تمسّكاً بلفظة» على اليد «لأنّ الذمم ظرف الكلّيات لا الأعيان الشخصية كما لا يخفى. بل المراد كون ذي اليد مسئولًا عمّا وقع تحت يده كما لا يخفى.

4 ما أفاده المحقق الخراساني: انّ اسناد الرفع إلى الحكم لمّا كان من قبيل الاسناد إلى ما هو له، لأنّه بنفسه ممّا يتطرق إليه الجعل رفعاً و وضعاً بخلاف اسناده إلى موضوع، فإنّه من قبيل الاسناد إلى غير ما هو له، حيث إنّه بنفسه غير قابل لذلك، بل رفعه برفع أثاره، و لم يكن في العين اسناد واحد يجمع الاسنادين، لا يكاد يجوز أن يراد من الموصول معنى واحد يعمّ الحكم و الموضوع إلّا أن يراد كلّ منهما مستقلًا كما في استعمال اللفظ في المعنيين‏ (1).

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره إنّما يصحّ لو كان المجاز من قبيل المجاز في الكلمة، فلا تصحّ إلّا بارادة كلّ من المعنيين مستقلًا، لا ما إذا كان من قبيل المجاز في الاسناد، فالصحة فيه لا يتوقف إلّا على وجود المصحح عقلًا أو عرفاً، كما إذا قال: جرى الماء و الميزاب في كلام واحد، و يكون مآل الكلام أنّ كلّ شي‏ء يصحّ نسبة الرفع إليه بنحو من الانحاء حقيقة أو مجازاً بنفسه أو بلحاظ آثاره، فهو

____________

(1)- تعليقة الفرائد ص 115 لو صحّت الشبهة لكان لازمها إجمال الحديث لا اختصاصه بالشبهة الموضوعية و لعلّه الغرض من إيرادها.

348

مرفوع عند الجهل به.

هذه هي الشبهات الأربع ترمي إلى منع شمول الحديث للأحكام المجهولة أو إجمال الحديث، و هناك شبهة ترمي إلى العكس و إليك البيان.

شبهة في عمومية الرفع للموضوعات المشتبهة:

و هناك شبهة أُخرى ترمي إلى منع شمول الحديث للموضوعات و حاصلها: أنّ الأحكام لا تتعلّق إلّا بالعناوين الكلية و لا تتعلّق بالموضوعات الخارجية و مع ذلك كيف يمكن أن يقال: إنّ المرفوع هو الفعل المجهول.

يلاحظ عليه: مضافاً إلى عدم اختصاص الاشكال ب» ما لا يعلمون «بل يعمّ» ما أُكْرِهوا عليه و ما اضْطُرّوا إليه «أنّ الأحكام و إن كانت متعلّقة بالعناوين الكلّية، إلّا أنّ الأفعال الخارجية مصاديق لتلك العناوين و محققات لها، و لأجل ذلك يصحّ أن تتّصف بأنّها الواجب و الحرام، و هذا المقدار يكفي في تعلّق الرفع بها.

و إن شئت قلت: إنّ الأفعال الخارجية ذات جهتين تكوينية و تشريعية فبما هي موجودات خارجية في العين، لا يتعلّق بها الرفع، و لكنّها بما هي من جزئيات متعلّق الحكم، قابلة للرفع فالمرفوع هو الفعل الخارجي، بما هو مصداق لمتعلّق الحكم الكلّي الاعتباري، فهي بمالها من الجهة الاعتبارية يتعلّق بها الرفع.

الأمر الثالث: في الفرق بين الدفع و الرفع:

إنّ الدفع في اللغة هو المنع عن تقرّر الشي‏ء و تحقق وجوده خارجاً بعد وجود مقتضيه. و يظهر ذلك من موارد استعماله، قال في اللسان: دفع اللّه عنك المكروه دفعاً، و دافع اللّه عنك السوء دفاعاً، و استدفعتُ اللّه تعالى الأسواء: أي طلبت منه أن يدفعها منّي.

349

قال سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ...) (الحج/ 39) أي يحفظهم عن أن يتوجه إليهم شرّ الأعداء. و قال تعالى: (إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ* ما لَهُ مِنْ دافِعٍ‏) (الطور/ 87) أي ما له من دافع من وقوعه و تحققه. و قال سبحانه: (وَ لِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَ قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ‏) (آل عمران/ 167) أي حاربوا و خاضوا في معارك الحرب، أو انضمّوا إلى المؤمنين و ادفعوا عن بلدكم و أنفسكم و من أعطيتم العهد بالدفاع عنهم.

فقد استعمل الدفع في هذه الآيات بالمعنى الذي عرفت. أي المنع عن تأثّر المقتضي حتى لا يتحقق المقتضى (بالفتح) من رأس.

و أمّا الرفع فقال في اللسان: هو ضدّ الوضع، يقال: رفعته فارتفع فهو نقيض انخفض في كل شي‏ء.

ثم إنّ رفع كل شي‏ء بحسبه، فإن تعلّق بالأجسام فهو مرادف العلو، قال سبحانه: (وَ السَّماءَ رَفَعَها وَ وَضَعَ الْمِيزانَ‏) (الرحمن/ 6) و إن تعلّق بالتكليف أو بالمؤاخذة و الضرائب فيرادف ارتفاعه بعد وجوده.

و على كلّ تقدير، فهو يتعلّق بالشي‏ء بعد وجوده و تحقّقه، لا قبله، بخلاف الدفع. و يعلم ذلك مضافاً إلى الارتكاز، من تتبّع موارد استعماله في القرآن الكريم مثل قوله سبحانه في الرفع الحسّي: (وَ رَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَ خَرُّوا لَهُ سُجَّداً) (يوسف/ 100) و قوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها) (الرعد/ 2). و في المعنوي قوله سبحانه: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ‏) (المجادلة/ 12) و قوله: (مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَ رَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ‏) (البقرة/ 253).

ثم إنّ الرفع إن استعمل مجرَّداً عن حرف الجرّ، فالمراد هو رفعه مع الاعتداد

350

به من غير فرق بين الحسّي و المعنوي، و أمّا إذا جاء معها، كما في المقام حيث قال:» رفع عن أُمّتي «فيراد منه عدم الاعتداد بالمرفوع كما إذا قال: رفعت عنه الضريبة.

فإذا كان الرفع يتعلّق بالأمر الموجود، بخلاف الدفع و يكفي فيه وجود المقتضى، يقع الكلام فيما هو الموجود الذي تعلّق به الرفع، و هناك وجهان: الأوّل: إنّ المكره و المضطرّ إليه، و الخاطئ و النّاسي و الجاهل، كانت محكومة في الشرائع السابقة، بنفس التكاليف التي كانت الطوائف المقابلة لهم محكومة بها، و كانت تلك الشرائع غير محدودة من حيث الزمان حسب الإرادة الاستعمالية و إن كانت محدودة حسب الإرادة الجدّية و لأجل ذلك أُطلق الرفع، أي رفع تلك الأحكام الظاهرة في الدوام، و صحَّ أن يقال نسخت أحكام الشرائع السالفة.

و يؤيّد ذلك مضافاً إلى الذكر الحكيم‏ (1) قوله» عن أُمّتي «و هذه الأحكام أُزيلت بعد الوجود، حسب الظاهر و إن لم يكن الأمر في الواقع كذلك، بل كانت محدودة بتلك الأُمم، فلم يكن هناك حكم حتى يرفع.

الثاني: إنّ إطلاق الرفع لأجل شمول إطلاقات الأدلّة أو عموماتها لهذه الأحوال كلّها، فقوله سبحانه: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) (المائدة/ 3) شامل للمكره و المضطرّ و مثله سائر الأحكام، غير أنّ هذا الشمول كان حسب الظاهر و الإرادة الاستعمالية لا الجدّية، فالرفع في المقام بحسب الإرادة الاستعمالية لا الجدّية و لا يلزم من حفظ التكليف حال الجهل، سوى لزوم الاحتياط عنده و كون الاحتمال منجّزاً ليس أمراً محالًا. نعم لا يجري هذا الوجه في الطيرة و الوسوسة، فلعلّ المصحح فيهما هو الوجه الأوّل و أنّهما كانا محكومين بأحكام في الشرائع السابقة كما لا يخفى.

و هناك وجه ثالث و هو أنّ استعمال الرفع لا يختص بالإزالة بعد الوجود، بل‏

____________

(1) (رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَ لا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَ لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ ...) (البقرة/ 286).