المحصول في علم الاُصول‏ - ج3

- محمود الجلالي المازندراني المزيد...
654 /
351

تكفي في صدقه تمامية مقدمات القضية إذا منعه مانع عن التأثّر، فيصدق أنّه رفع مثلًا لو تمّ مقدمات اغتيال الرجل في مورد، ثمّ منع عنه مانع، يقال رفع منه السوء. و لعلّه من ذاك القبيل رفع القلم عن الصبي و النائم، إذ المقتضى لتكليف الصبي المميز موجود، و مثله النائم فإنّ إيجاب التحفظ عليه حتى لا ينام وقت الفريضة أمر مقدور. و مثله المقام إذ في وسع الشارع إلزام المكره بتحمّل ما يتوعّد به، إذا ترك المكره عليه، كما أنّ في وسعه إيجاب التحفظ بالاحتياط على الجاهل، غير أنّه رحمة على الأُمّة، لم يُلزِمهم بتلك الأحكام مع وجود المقتضى فصحَّ أن يقال: رفع عن أُمّتي تسعة.

الأمر الرابع: ما هو المرفوع ثبوتاً:

و قد عرفت في الأمر الأوّل أنّ الرفع تعلّق بهذه الأُمور في عالم التشريع، لا في عالم التكوين. و يكفي في صدق الرفع و نسبته إليها، كونها بلا أثر و بلا حكم في ذاك الظرف، و الموضوع الشرعي أو القانوني إذا كان مسلوباً عنه الحكم في محيط التشريع و التقنين يساوي عدمه، و إن لم يكن كذلك في ظرف التكوين و بذلك استغنينا عن تقدير مقدّر من المؤاخذة و الأثر المناسب أو جميع الآثار.

و مع ذلك كلّه يطرح في المقام سؤال، و هو إذا كان المصحح لنسبة الرفع إلى هذه الأشياء، هو كونها مسلوبة الأثر، فما هذا الأثر المسلوب الذي صار مصحّحاً لتلك النسبة، فهل هو المؤاخذة في الجميع أو الأثر المناسب كالمضرّة في الطيرة، و الكفر في الوسوسة، و المؤاخذة في الباقي، أو جميع الآثار.

و على ذلك فهنا مقامان، مقام الإثبات، و مقام الثبوت، فعلى الأوّل: لا حاجة إلى تقدير مقدَّر أبداً كما عرفت. و على الثاني: يحتاج إلى لحاظ مصحح و أنّ مسلوبية الأثر، صار مصححاً لتلك النسبة فيعود الكلام إلى تعيين ذاك المصحح، فهل هو هذا، أو ذاك، أو لا هذا أو لا ذاك، بل عموم الآثار أو التفصيل بين ما

352

يعلمون و غيره‏ (1)، فلا تناقض بين هذا الأمر و الأمر الأوّل. فنقول هناك احتمالات:

1 المرفوع هو المؤاخذة:

و أُورد عليه إشكالات:

منها: ما أفاده المحقق السيد البروجردي في درسه الشريف من أنّ المؤاخذة أمر تكويني لا يناسب وضعها و لا رفعها، مقام التشريع، فإنّ ما يعود إلى الشارع في ذاك المقام إنّما هو الحكم، لا ما هو خارج عن ذاك الاطار.

يلاحظ عليه: أنّ المؤاخذة من توابع التكليف الذي هو أيضاً بيد الشارع سواء أ كان الاستحقاق بحكم العقل أم بجعل الشرع، و على أيّ تقدير فليس رفع المؤاخذة بنفسها أو برفع الحكم الشرعي أمراً أجنبياً عن وظيفة الشارع كما لا يخفى و يكفي في الرفع، وجود الصلة بين الرافع و المرفوع.

منها: سلّمنا أنّها من توابع التكليف لكنّها من توابع التكليف المنجّز، و لا عقاب عقلًا على ما لم ينجّز فليس للواقع المجهول هذا الأثر حتى يرفع برفعه.

يلاحظ عليه: أنّ التكليف الفعلي الواقعي المجهول قابل لأن يكون منجَّزاً بايجاب الاحتياط المصحح للمؤاخذة، و يكفي ذلك في صدق الرفع، و قد عرفت أنّ وجود المقتضي كاف في صحّة الرفع و لا حاجة إلى كون المرفوع موجوداً.

منها: انّه على خلاف إطلاق الحديث و لعلّه اتقن ممّا نقلناه و يؤيّده صحيحة البزنطي كما سيوافيك‏ (2).

2 المرفوع هو الأثر المناسب:

إنّ المتبادر من الوضع و الرفع في محيط التشريع هو وضع ما يعدّ أثراً مناسباً

____________

(1)- يظهر هذا من المحقق الخراساني و هو: تعلّق الرفع بنفس» ما لا يعلمون «و بالمؤاخذة في سواها.

(2)- الأولى في تقرير الإشكالات ما حرّرناه لا كما ذكره المحقق الخراساني كما هو واضح لمن قارن التقريرين.

353

له، أو رفعه كذلك، و توضح ذلك مسألة التشبيه فإذا قيل: زيد أسد، فلا يتبادر إلّا كونه كذلك من حيث الخصيصة الظاهرة له: أعني الشجاعة، فإذا كان الوضع كذلك يكون الرفع مثله، و على ذلك فالأثر المناسب للطيرة هو المضرّة، و للوسوسة هو الكفر، و المؤاخذة للباقي.

يلاحظ عليه: أمّا أوّلًا: فانّ المصحح لنسبة الرفع إلى هذه الأُمور، هي كونها مسلوبة الأثر، فلو ترتب عليه أثر دون أثر، فلا تصحّ النسبة و لا يصحّ أن يقال بارتفاع هذه الأُمور عن صفحة التشريع، لتحقّقها فيها بلحاظ الأثر غير المناسب و غير الظاهر. اللّهمّ إلّا أن يكون الأثر غير المناسب نادراً بحيث يعدّ كالمعدوم، لا يزاحم اعتبار مرفوعية الشي‏ء عرفاً في محيط التقنين.

و ثانياً: بأنّه على خلاف إطلاق الحديث، و على خلاف الامتنان، و على خلاف ما تمسّك به الإمام في الحكم ببطلان الحلف الواقع على الطلاق و العتاق و الصدقة عن إكراه، فقد تمسّك الإمام ببطلان الأثر الوضعي، و عدم ترتبه، أعني: صحّة هذه الأُمور.

روى البرقي عن صفوان بن يحيى و أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي جميعاً عن أبي الحسن (عليه السلام) في الرجل يستكره على اليمين فيحلف بالطلاق و العتاق و صدقة ما يملك أ يلزمه ذلك؟ فقال: لا، قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): وضع عن أُمّتي ما أُكرهوا عليه و ما لم يطيقوا و ما أخطئوا (1).

و قد تمسّك الإمام بالحديث على بطلان الطلاق و عدم ترتّب الصحة التي هي حكم وضعي، فيكشف عن أنّ المرفوع أعم من المؤاخذة و الحكم التكليفي و الوضعي.

فإن قلت: إنّ الحلف بالطلاق و قرينيه باطل اختياراً فضلًا عن الاضطرار،

____________

(1)- الوسائل: ج 16 كتاب الايمان، الباب 12، الحديث 12 نقلًا عن المحاسن، ص 136.

354

لأنّه قد تقرّر في محله؛ أنّ الطلاق و أضرابه لا يتحقق إلّا بصيغة خاصة، و لا يقع بقولنا أنت خلية أو برية أو بالحلف به، و على ذلك فلا حاجة في الحكم بالبطلان إلى حديث الرفع، و هذا يكشف عن أنّ التمسّك به كان من باب الجدل و إقناع الخصم بما هو معتقد به، و لا يستفاد منه، أنّ أصل التمسّك به صحيح على مذهب الحقّ.

قلت: المتبادر في الرواية هو كون حديث الرفع صالحاً لرفع كلّ أثر تكليفي أو وضعي كان أمراً مسلّماً بين الإمام و المخاطب، نعم كان تطبيق الكبرى على الصغرى من باب الجدل. و الدليل على ذلك. أنّ الاعتقاد بعمومية المرفوع لم يكن أمراً معنوناً في فقه العامة في ذاك الأعصار حتى يكون ذاك من مذهبهم و معتقدهم، بل كان التمسّك به من باب كونه هو المتبادر عند الافهام، لا من باب كونه مقبولًا عندهم.

3 المرفوع هو عموم الآثار:

هذا هو الحقّ الذي لا مرية فيه، لأنّ فرض الشي‏ء مرفوعاً في صفحة التشريع إنّما يصحّ إذا كان الشي‏ء خالياً عن كلّ أثر و حكم، إذ عندئذ يصحّ للشارع أن يدعي أنّه مرفوع عن الصفحة و إلّا فلو كان البعض مرفوعاً دون بعض، لا يصحّ نسبة الرفع على الإطلاق إلى الأُمور المرفوعة.

هذا من غير فرق بين الآثار التكليفية المتعلّقة بالفعل كحرمة شرب الخمر و وجوب جلده إذا شرب، و الآثار الوضعية كالجزئية و الشرطية، عند الجهل بحكم الجزء و الشرط و كالصحة إذا عقد مكرهاً أو غير ذلك.

و بالجملة إذا كان الفعل ذا أثر شرعي تكليفي أو وضعي أو موضوعاً لحكم شرعي كالجلد، فهذه الآثار مرتفعة عند الجهل من غير فرق بين أثر دون أثر.

355

الأمر الخامس: الحديث مختص بما في رفعه منّة على الأُمّة:

لا شك أنّ الحديث في مقام الامتنان بشهادة قوله:» عن أُمّتي «فيكون المرفوع خصوص الآثار التي يكون في رفعها منّة على الأُمّة، دون ما لا يكون كذلك، و لذلك لا يعمّ إكراه القاضي، المديون المتمكّن على أداء الدين، كما لا يرتفع به وجوب أداء الغرامات و الضمانات، إذا أتلف مال الغير عن جهل و نسيان، فإنّ الحكم بعدم لزوم الغرامة على خلاف المنَّة كما لا يعمّ إكراه الحاكم، المحتكر في عام المجاعة على البيع، إذ الحكم ببطلان بيعه عن إكراه خلاف المنّة على الأُمّة كما لا يرتفع صحّة بيع المضطرّ لأنّ رفعها على خلافها.

الأمر السادس: المرفوع آثار المعنون لا آثار العناوين:

إنّ المرفوع هو الآثار المترتبة على الشي‏ء بما هو هو من دون تعنونه بعنوان خاص، و أمّا الآثار المترتبة عليه بقيد الخطاء و النسيان و الجهل، فلا تكون مرفوعة.

و إن شئت قلت: إنّ المرفوع هو الآثار المترتبة على الشي‏ء بعنوانه الأوّلي، و أمّا المترتّب عليه بالعنوان الثانوي كالاضطرار و الخطاء و النسيان، فلا و ذلك بوجهين:

1 إنّ هذه العناوين إذا كانت موجبة لطروء أحكام خاصة كالدّية، في القتل خطاءً، و سجدتي السهو عند نسيان الأجزاء، فلا معنى لأن تكون موجبة لرفعها فما هو الموجب بوضع أثر خاص، لا يكون رافعاً له.

و إن شئت قلت: يلزم التناقض بين الأدلّة الدالة على ثبوت هذه الآثار عند عروض الخطاء و أشباهه، و بين حديث الرفع الدال على ارتفاعها عند عروض هذه العناوين، و لأجل ذلك يلزم صرف الحديث عن هذا القسم من الآثار، و حصره في الآثار المترتبة على الشي‏ء بما هو هو.

356

2 إنّ المتبادر من العناوين التالية: الخطاء و النسيان و أشباههما، كونها مأخوذة على وجه الطريقية إلى متعلَّقاتها فعندئذ يكون المرفوع نفس آثار المتعلّق عند عروض هذه العناوين، و أمّا الآثار المترتبة على نفس هذه العناوين عند أخذها على وجه الموضوعية، فخارجة عن حريم الحديث قطعاً، و لا ملحوظة مستقلّة.

و الحاصل: أنّ الظاهر من الحديث، ارتفاع ما للمعنون من الآثار، لا ما للعنوان منها كيف و قد أخذت العناوين الواردة في الحديث مرآة و طريقاً إلى معنوناتها، فينتقل الذهن إلى آثار المعنون، لا إلى آثار العناوين.

نعم الحسد و الطيرة، و الوسوسة عناوين نفسية، فالمرفوع آثار أنفسها.

و بذلك يظهر أنّ ما أفاده المحقق الهمداني من أنَّ الآثار المتعلّقة لنفس الخطاء في الشرائع السابقة مرفوعة عن هذه الأُمّة (1) غير تام لما عرفت من أنّ هذه العناوين أُخذت مرآة و عنواناً لما للمعنون من الحكم، لا موضوعاً لماله من الحكم، فلاحظ.

الأمر السابع: الرفع يعمّ الأُمور الوجودية و العدمية:

هل الحديث مختص بالأُمور الوجودية، فلا يرتفع به إلّا ما تعلّقت تلك العناوين بها، أو يعمّ الأُمور العدمية فلو نذر شرب ماء معين، فأُكره على الترك أو اضطرّ إلى تركه أو نسى شربه، فعلى القول الأوّل لا يرتفع به وجوب الكفّارة، بخلافه على الثاني.

ذهب المحقق النائيني إلى القول الأوّل حيث قال: إنّ شأن الرفع تنزيل الموجود منزلة المعدوم، لا تنزيل المعدوم منزلة الموجود، لأنّ الثاني إنّما يكون وضعاً لا رفعاً، و المفروض أنّ المكلّف قد ترك الفعل عن إكراه و نسيان فلم يصدر منه أمر

____________

(1)- الفوائد الرضوية: 58 تعليقة على الفرائد.

357

وجودي قابل للرفع و لا يمكن أن يكون عدم الشرب في المثال، مرفوعاً و جعله كالشرب حتى يقال: إنّه لم يتحقق مخالفة النذر، فلا حنث و لا كفارة (1).

يلاحظ عليه: أنّ المرفوع هو نفس العناوين التسعة المأخوذة مرآة، المنطبقة على الفعل تارة و الترك أُخرى، لا المعنونات حتى يختص الرفع بالأمر الوجودي، فالرفع التشريعي حسب الدليل تعلّق بنفس الاضطرار و الاكراه و النسيان، و الكلّ أمور وجودية تصلح لأن تقع متعلّقة للرفع، سواء أ كان المتعلّق و المعنون بها، وجودياً أو عدمياً، فكما إذا اضطرّ إلى لبس الحرير تكون الحرمة مرتفعة، فكذلك إذا أُكره على ترك الواجب من غير فرق.

و بالجملة: المصحح لتعلّق الرفع بها، إنّما هو نفس هذه العناوين، لا معنوناتها و ليس معنى هذا أنّها أخذت على وجه الموضوعية، بل هي بما أنّها طوارئ و عوارض على المتعلّقات، أُخذت موضوعاً للحكم كاليقين بالطريق المأخوذ في الموضوع.

و ما ذكره المحقق النائيني في المقام نظير ما ذكره الشيخ الأعظم في تفسير» النقض «الوارد في روايات الاستصحاب، حيث خصّ روايات الاستصحاب بالشك في الرافع، دون الشك في المقتضى قائلًا: بأنّ النقض إنّما يتعلّق بالأمر المبرم المحكم، لا الأمر الفاشل، و هذا يناسب ما إذا أُحرز المقتضى و شك في وجود الرافع، لا ما إذا شك في أصل الاقتضاء و صلاحية البقاء.

و ما ذكرناه من الجواب في المقام نظير ما ذكره المحقق الخراساني جواباً عن كلام الشيخ الأعظم في ذلك المورد. و هو أنّ حسن استعمال النقض إنّما هو لأجل تعلّقه، باليقين سواء أحرز اقتضاؤه أم لا، و لأجل ذلك لا يصحّ إسناد النقض إلى الظن و الشك. و إن تعلّقا بأمر محرز اقتضاؤه و لكن يصحّ اسناده إلى اليقين و إن تعلّق بأمر لم يحرز صلاحية بقائه.

____________

(1)- فوائد الأُصول: ج 3 ص 353.

358

فإن قلت: قد تقدّم أنّ هذه العناوين أُخذت طريقاً في لسان الدليل، وعليه يكون المعيار في صدق الرفع هو المعنونات لا أنفسها و المفروض أنّ المعنون أمر عدميّ لا يتعلّق به الرفع.

قلت: المقصود أنّها عناوين طريقية في ذهن المكلّف و قد أخذها الشارع موضوعاً للرفع، و الشارع ينظر إليها بنظر الموضوعية نظير ما ذكرناه من أخذ القطع الطريقي موضوعاً، أي يأخذ القطع الذي هو طريق عند المكلّف موضوعاً للحكم.

الأمر الثامن: في أنّ المرفوع هو الأثر المترتب على فعل المكلّف:

إنّ المرفوع في هذه الأُمور هو الأثر المترتّب على فعل المكلّف بحيث يكون لفعل المكلّف أثر في الحكم، و أمّا الأثر المترتّب على وجود الشي‏ء و إن لم يكن هناك فعل كالنجاسة بالملاقاة و لو بإطارة الريح، فلا يرتفع به و إن صدر منه فعل أيضاً، لأنّ المفروض أنّ الفعل في هذا الظرف غير مؤثر في ترتب الأثر و على ذلك فلو أُكره على شرب النجس يكون الملاقى نجساً، و حرمة شربه مرفوعة و هذا بخلاف ما لو أُكره على الزنا بالمحصنة، فلا تكون المرأة محرّمة عليه، و ما هذا إلّا لأنّ النجاسة مترتبة على ذات الملاقاة، دون حرمة شربه أو حرمة المرأة على الزاني، فإنّها مترتبة على فعل المكلف، فيرتفع عند الاكراه.

و بذلك يعلم أنّه إذا أُكره الرجل على ترك الفريضة أو اضطرّ إليه، فلا يسقط القضاء، لأنّه مترتب على الفوت بما هو هو، لا بما أنّه فعل المكلّف.

الأمر التاسع: في تقدّم حديث الرفع على أدلّة أحكام العناوين الأوّلية:

إنّ وزان حديث الرفع، وزان أدلّة نفي الضرر و الحرج. فيقدّم على أدلّة الأحكام الأوّلية، كتقدّمهما عليها، وجه التقدّم حكومة الجميع عليها.

359

توضيحه: لا شك أنّ إطلاق الأدلّة الأوّلية يعمّ كثيراً من الأحوال الثانوية، ككون الحكم ضررياً أو حرجياً أو مجهولًا أو منسياً و غير ذلك من العناوين الثانوية، و كون المكلف مضطرّا أو مكرهاً فإذا ورد قوله:» رفع عن أُمتي تسعة: الخطاء و النسيان و ما لا يعلمون ... الخ «يفهم منه العرف أنّ الثاني ناظر إلى تحديد دلالة الأدلة الأوّلية و تضييقها بغير هذه الصور و الحالات. و هذا ما نعبر عنه بالحكومة.

و الحاصل: لو فرضنا أنّ الحكم المحمول على العناوين و إن كان ذا اقتضاء بالنسبة إلى جميع الحالات الطارئة عليه، لكنّه لا يأبى أن يكون هناك عنوان آخر يكون أشدّ اقتضاء من الأوّل فيغلب ملاكُه ملاكَه، و لأجل ذلك يطلق عليه الرفع.

الأمر العاشر: في أنّ حديث الرفع من مقدمات القول بالإجزاء:

إذا عثرنا بعد العمل، بحديث الرفع، على الدليل المثبت للتكليف، فهل يجوز الاكتفاء بما أتى به أو تجب الإعادة و القضاء؟ الظاهر هو الأوّل و يظهر وجهه ببيان أُمور:

1 إنّ هنا أمراً واحداً تعلّق بعنوان الصلاة كما في قوله سبحانه: (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى‏ غَسَقِ اللَّيْلِ وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً) (الاسراء/ 78). و يشترك في هذا الأمر، الحاضر و المسافر، الصحيح و المريض، العالم و الجاهل، المختار و المضطرّ، إلى غير ذلك من العناوين الطارئة.

2 دلّت أدلّة الأجزاء و الشرائط على جزئيّة أُمور أو شرطيتها للصلاة، و مقتضى إطلاق أدلّتها، ثبوت جزئيتها و شرطيتها في حقّ جميع الأصناف و في جميع الحالات، و أنّ امتثال ذلك الأمر لا يتحقق إلّا بالاتيان بها.

3 لو كان هنا ملاك أقوى و أغلب من ملاكات جزئية الأجزاء و شرطية الشرائط عند الجهل و النسيان و الاضطرار و الإكراه، يحكم الشارع برفعها، سواء

360

كان المرفوع هو الحكم التكليفي أو الوضعي كالجزئية و الشرطية، فتكون النتيجة عند اقتران دليل الرفع إلى أدلّة الأجزاء و الشرائط، سقوط وجوب الأجزاء و الشرائط عند عروض الجهل و النسيان و الإكراه و الاضطرار.

هذه أُمور ثلاثة، لا ينبغي الإشكال فيها إنّما الكلام في استفادة الإجزاء و عدم لزوم الإعادة و القضاء و يستفاد ذلك من ملاحظة الأمرين الآخرين.

4 قد حقّقنا عند البحث عن وجوب المقدّمة، أنّ الأجزاء و الشرائط ليست واجبة بوجوب غيري، أو ضمني أو ما شئت قلت، و إنّما هي واجبة بنفس الوجوب المتعلّق بالكلّ، فالأمر يدعو إلى كلّ واحد من الأجزاء و الشرائط بنفس دعوته إلى الكلّ، إذ ليس الكلّ إلّا نفس الأجزاء و الشرائط مجتمعا، و إن شئت قلت: إنّ الصلاة عبارة عن نفس الأجزاء و الشرائط لكن بصورة الوحدة في التعبير مكان عدّ كلّ جزء، و شرط مستقلًا و الأمر به كذلك.

5 إنّ دعوة الأمر لجزء أو شرط، ليس مشروطاً بدعوته إلى سائر الأجزاء و الشرائط الأُخر. لأنّها مقولة بالتشكيك، و لها صلاحية الإطلاق للفاقد و الواجد، فالأمر يدعو إلى بقيّة الأجزاء، سواء أ كان هناك دعوة إلى الجزء الساقط أم لا، لما عرفت من صدق الصلاة على جميع المراتب.

فنقول: إذا وقفت على هذه المقدّمات يسهل لك التصديق بكفاية المأتي به عن القضاء و الإعادة، لأنّه إذا دلّ الدليل على سقوط وجوب بعض الأجزاء و الشرائط في بعض الأحوال تبقى دعوة الأمر إلى غيره بحاله، فيجب امتثال ذاك الأمر بهذه الصورة و امتثال الأمر موجب لسقوطه، عقلًا بلا مرية إذ ليس هنا أمر آخر يجب امتثاله في الوقت أو خارجه.

و إن شئت قلت: ينطبق على المأتي به عنوان الصلاة حقيقة، و انطباقها عليه، موجب لسقوط أمرها الوارد في الكتاب و السنّة، و لا وجه لبقاء الأمر بعد الامتثال إذ ليس وراء الامتثال شي‏ء كما ليس وراء عبّادان قرية.

361

فإن قلت: إنّ غاية هذا التقريب سقوط الأمر الظاهري و أمّا الأمر الواقعي المتعلّق بالصلاة بعامّة أجزائها و شرائطها فهو باق بحاله.

قلت: الإشكال كلّه في القول بتعدد الأمر الذي أوقع القائلين به فيما أوقع، و قد قلنا في مبحث الإجزاء انّه ليس في المقام إلّا أمر واحد يشمل بعرضه العريض جميع الأصناف و الأحوال. و إنّما الاختلاف في كيفية امتثال ذاك الأمر الواحد فهنا أمر واحد، و إن كانت كيفية الامتثال مختلفة و متعدّدة.

أ لا ترى أنّ الأمر الواحد يبعث الصحيح و المريض و الحاضر و المسافر إلى امتثال قوله سبحانه: (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى‏ غَسَقِ اللَّيْلِ‏) و لا يصحّ أن يتفوّه أحد بأنّ الأمر الداعي للحاضر، غير الأمر الداعي للمسافر بل الداعي واحد، و إن كان المدعو مختلفاً من حيث الكيفية و لأجل ذلك يقول سبحانه: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ) (النساء/ 101). فجعل الواجب في حقّ المسافر قصر الصلاة، و تقليلها، لا واجباً آخر.

فإن قلت: الحديث حديث رفع لا وضع، فالحديث لا يدلّ على أزيد من ارتفاع وجوب الجزء، و الشرط، و أمّا إيجاب الباقي الفاقد لهما على المكلّف فلا.

قلت: إنّ إيجاب الباقي ليس بحديث الرفع، بل بنفس الدليل الدال على وجوب الصلاة، أعني: قوله سبحانه: (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ‏) و قد عرفت وجهه عند تقريب الإجزاء و لاحظ أيضاً ما ذكرناه في مبحث الإجزاء.

تفصيل بعض المحققين:

ثم إنّ بعض المحققين فصّل بين نسبة الرفع إلى» ما لا يعلمون «و نسبته إلى» ما أُكرهوا «و» ما اضطرّوا «قائلًا: بأنّ نسبته إلى الأوّل ظاهري، و إلى الأخيرين واقعي أمّا الأوّل فللقرينة الداخلية و الخارجية عليه، أمّا الخارجية فلأنّ نفس التعبير بما لا يعلم يدلّ على أنّ في الواقع شيئاً لا نعلمه، إذ الشك في شي‏ء و الجهل به فرع وجوده و لو كان المرفوع وجوده الواقعي بمجرد الجهل به، لكان الجهل به‏

362

مساوقاً للعلم بعدمه، و أمّا القرينة الداخلية فهي الآيات و الروايات الكثيرة الدالّة على اشتراك الأحكام الواقعية بين العالم و الجاهل. فيكون المراد أنّ الالزام المحتمل من الوجوب و الحرمة مرفوع ظاهراً لا واقعاً و على ذلك إذا عثرنا على الدليل المثبت للتكليف بعد العمل بحديث الرفع يستكشف ثبوت الحكم الواقعي من أوّل الأمر، و هذا بخلاف باقي الفقرات، فإنّ الرفع فيها واقعي، فلو ارتفع الاضطرار و الإكراه مثلًا تبدّل الحكم من حين الارتفاع و يجزي المأتي به حال الاضطرار أو الاكراه‏ (1).

يلاحظ عليه‏

أوّلًا:

إن أُريد من كون الرفع ظاهرياً، هو وجود حكم اللّه المشترك بين الجاهل و العالم، حتّى لا يلزم التصويب فهذا أمر مسلّم لا غبار عليه، و لكن لا يختص بالجاهل، بل المضطرّ و المكره مثله أخذاً بالاشتراك المسلَّم بين العلماء وعليه يكون الرفع في الجميع ظاهرياً لا واقعياً، لعدم ارتفاع الحكم الواقعي المشترك بينهم عنهم جميعاً.

و إن أُريد منه، رفع الحكم المنجّز على ما هو الحقّ أو رفع الحكم الفعلي عن الجاهل، و هذا أيضاً أمر مشترك بين الجميع، فلا وجه لكون الرفع في أحدهما ظاهرياً و في الآخر واقعيّاً.

و ثانياً:

إذا كان الحكم الواقعي غير فعلي أو غير منجّز في حقّ الجاهل و فرض أنّه قام بامتثال الأمر بالاتيان بالأجزاء و الشرائط المعلومة على وجه انطبق عليه عنوان الصلاة، فلا وجه لبقاء الأمر بعد امتثاله و لا يكون عندئذ موضوع لإيجاب الإعادة و القضاء، و لا يصير الأمر الإنشائي فعلياً بعد وحدة الأمر و سقوطه بالامتثال، و حلّ العقدة إنّما هو بالتركيز على وحدة الأمر و بطلان تعدده كما عرفت.

____________

(1)- مصباح الأُصول: ج 2 ص 257.

363

الأمر الحادي عشر: في الاضطرار و الإكراه:

إنّ الاضطرار و الإكراه تارة يتعلّقان بالتكليف المستقل من المحرّمات و الواجبات و أُخرى بالتكليف الضمني، كترك الجزء و الشرط، و إيجاد المانع.

أمّا الأوّل: فكما إذا اضطرّ أو أُكره على ارتكاب فرد محرّم دون فرد آخر، فعليه أن يقتصر بالفرد المزبور، و ليس له التجاوز إلى غيره، و يعلم ذلك إمّا بالقول بانحلال الحرمة حسب الموضوعات على ما عليه القوم، أو كون النهي حجّة مستقلّة، في كلّ مورد بالخصوص كما هو الحقّ، فإذا كان معذوراً في مورد، فالحجّة في غيره باقية بحالها كما هو واضح.

و كذلك لو اضطرّ أو أُكره على ترك فرد من الواجب دون الفرد الآخر، كما إذا منع من الصلاة في المسجد، فلا وجه لسقوط الأمر من الطبيعة بعد إمكان إيجادها في ضمن أفراد أُخر.

و أمّا الثاني: فكما إذا اضطرّ إلى ترك جزء أو شرط أو إيجاد مانع من التمكّن في الفرد التام، فهل يجوز الاكتفاء به أو لا؟ و هو على قسمين: فتارة يكون الاضطرار أو الإكراه إلى ترك الجزء و الشرط أو الإتيان بالعمل مقروناً بالمانع، مستوعباً لتمام الوقت، فلا شك في إجزائه، بالبيان الذي مرّ عند البحث عن» ما لا يعلمون «من وحدة الأمر، و صدق عنوان الصلاة، و سقوطه به، و وجوب الصلاة تامّاً خارج الوقت يحتاج إلى دليل.

إنّما الكلام إذا لم يكن مستوعباً فالحقّ هو التفصيل بين القول بجواز البدار مع احتمال ارتفاع الإكراه و الاضطرار و عدمه، فلو قلنا بالأوّل، فالظاهر كفايته لما ذكر سابقاً من وحدة الأمر و صدق العنوان.

و أمّا ما ذكره المحقق الخوئي دام ظله من أنّه» إذا اضطرّ إلى ترك جزء أو شرط في فرد، مع تمكّنه من فرد آخر لا يرتفع به التكليف الضمني المتعلّق بهذا

364

الجزء أو الشرط، و متعلّق التكليف و هو الكلّي لم يتعلّق به الاضطرار، فالإتيان بالناقص مع التمكّن من الإتيان بفرد تامّ لا يكون مجزياً « (1) فإنّما يتمّ مع عدم القول بجواز البدار و أمّا معه لذوي الأعذار، فتجويزه دليل على أنّه اكتفى في مقام الامتثال بالفرد الناقص لمصلحة خاصة، نعم لو قلنا بعدمه فما ذكره هو المحكَّم.

ثمّ إنّ سيدنا الأُستاذ دام ظله فصّل بين تعلّق الإكراه و الاضطرار بإيجاد مانع، و بين تعلّقهما بترك جزء أو شرط، فقال: بجريان الحديث في الأوّل دون الثاني. و قد علّل عدم الجريان بأنّ الإكراه قد تعلّق بترك الجزء أو الشرط، و ليس للترك بما هو هو، أثر شرعي قابل للرفع غير البطلان و وجوب الإعادة، و هو ليس أثراً شرعياً، بل من الأُمور العقلية الواضحة.

فإن قلت: ما الفرق بين نسيان الجزء و الاضطرار أو الإكراه على تركه، حيث يتمسك به في الأوّل دون الثاني.

قلت: إنّ متعلّق النسيان هو الجزء و له أثر شرعي، و لكن متعلّق الاضطرار أو الإكراه، هو تركه و ليس لتركه أثر شرعي.

و أمّا المانع فإذا تعلّق الإكراه بإيجاده في ضمن العبادة كلبس الثوب النجس في الصلاة، فيرتفع أثره، لأنّ المانع بما هو هو موضوع للأثر الشرعي‏ (2).

يلاحظ عليه: يكفي في جريانه أحد الأمرين إما أن يكون متعلّق العنوان ذا أثر شرعي كما إذا جهل الجزء أو نسى، أو يكون متعلّق العنوان ملازماً لأثر شرعي، و يكون رفعه في نظر العرف رفع هذا اللازم، و المقام من هذا القبيل فإنّ الإكراه على ترك الجزء، ملازم لبقاء الوجوب النفسي، أو الضمني أو بقاء الجزئية، و رفعه عبارة أُخرى عن رفع الآخر الملازم في نظر العقل، المتّحد معه في نظر العرف، لأنّ الملاك في جريان الحديث كون متعلّق العناوين إمّا ذات أثر شرعي، كما إذا تعلّق الجهل‏

____________

(1)- مصباح الأُصول: ج 2 ص 267.

(2)- تهذيب الأُصول: ج 2 ص 167.

365

و النسيان بنفس الجزء و الشرط. أو كون متعلقهما ملازماً لأثر شرعي عقلًا و متحداً عرفاً.

و الذي يوضح ذلك أنّ ذهن العرف مهما كان دقيقاً لا ينصرف إلى ذاك التفريق الذي أبداه دام ظله في الدورة الأخيرة فالحقّ، ما أفاده في الدورة المتقدّمة من صحّة التمسك في الجميع.

هذا كلّه في العبادات:

و أمّا الإكراه و الاضطرار في المعاملات فهي على قسمين:

1 إذا اضطرّ أو أُكره على ترك السبب كلّا، كالنكاح بلا عقد أو البيع بلا قبول. فلا يترتب عليه أثر، و لا يصححه حديث الإكراه، لأنّ مفاده هو أنّ العمل الصحيح إذا وقع عن إكراه أو اضطرار يعدّ كالمعدوم و لا يترتب عليه أثر، و أمّا العمل الفاسد في ذاته إذا أتى به عن إكراه أو اضطرار، فلا يقع صحيحاً لأجل الإكراه أو الاضطرار.

و بذلك يظهر أنّه لو أُكره على بيع الكلب أو الخنزير أو اضطرّ إلى البيع الربوي، فلا يمكن تصحيحهما بحديث الرفع.

فإن قلت: ما الفرق بين ترك جزء السبب في العبادة، و تركه كلّا فانّ العملين يشتركان في كون العمل فاسداً، و قد قلت: إنّ حديث الإكراه لا يجعل الفاسد صحيحاً و إنّما يجعل الصحيح بلا أثر.

قلت: المصحح في ترك الجزء ليس حديث الرفع بل الدليل الكلّي، هو الأمر بالصلاة و صدقها على الكامل و الناقص فتدبر.

2 إذا اضطرّ أو أُكره على ترك الجزء أو الشرط في ضمن العقد، فإن كان العاقد مضطرّاً إلى إيجاد العقد أو كان مكرهاً من جانب المكره على إيجاده، فالظاهر صحّة العقد كصحة العبادة حرفاً بحرف.

366

الأمر الثاني عشر: في النسيان:

إنّ النسيان قد يتعلّق بالحكم، فيكون المنسي جزئية الشي‏ء أو شرطيته أو مانعيته، و أُخرى: يتعلّق بالموضوع و يكون المنسي ذات الجزء و الشرط و المانع، مع العلم بالحكم.

فعلى الأوّل يكون حديث الرفع حاكماً على أدلّة الأجزاء و الشرائط و يخصّ وجوبهما بغير صورة النسيان و عندئذ يكون الفاقد لهما أو الواجد للمانع صحيحاً في حقّ الناسي، لما عرفت من الأُمور المتقدّمة: من وحدة أمر الذاكر و الناسي، و أنّ الاختلاف في المصاديق و ما به الامتثال أوّلًا. و أنّ داعوية الأمر لكلّ واحد من الأجزاء ليس مقيداً بداعويته إلى كلّ الأجزاء، و سقوط داعويته إلى بعضها لا يوجب سقوط داعويته إلى البعض الآخر ثانياً. و أنّ عنوان الصلاة موضوع على الجامع الصحيح، و هو منطبق على الواجد و الفاقد ثالثاً. و بالانطباق و الصدق على الفاقد، يسقط الأمر، و يكون مجزياً و لزوم الإعادة و القضاء يحتاج إلى دليل.

إنّما الكلام إذا تعلّق النسيان بنفس الجزء و الشرط و المانع، و إن كان الحكم الكلّي غير منسي، فيمكن أن يقال: إنّ المرفوع ذاتها بما لها من الأثر الشرعي، أعني: وجوب الإتيان في الأوّلين و الترك في الأخير و قد عرفت أنّ الأجزاء و الشرائط واجبة بنفس الوجوب المتعلّق بالكل، و مقيّد بترك المانع بنفس هذا أيضاً، فإذا سقط دعوة الأمر إليها فعلًا أو تركاً ينحصر دعوته في الباقي من الأجزاء و الشرائط، و يكون هو المأمور به دون الزائد.

فإن قلت: إذا تعلّق النسيان بالموضوع، و لم يكن الحكم منسياً لا ترتفع جزئية الجزء للمركب، لعدم نسيان الجزئية، فإذا لم تكن الجزئية مرتفعة لم يكن الفاقد مصداقاً للمأمور به، و لا يكون مجزياً، و بالجملة انّما يتصور الحكومة إذا تعلّق النسيان بالحكم الكلّي، لا على ذات الجزء و الشرط.

367

قلت: إنّ مآل رفع نفس الجزء و الشرط إلى رفع الحكم الكلي في هذا الظرف، و ذلك لأنّ رفع نفس الجزء رفع أثره الشرعي، أعني: الوجوب الضمني أو ما شئت فسمِّه و يترتب عليه الإجزاء بالبيان السابق.

و لك أن تقول: إنّ نسيان ذات الجزء و الشرط و المانع يعود بالمآل إلى نسيان الحكم الشرعي في ظرف النسيان، و إن كان صورة الحكم موجودة في خزانة الخيال، لكنّها مغفولة عنها.

فإن قلت: إنّما تصحّ عبادة الناسي إذا أمكن تخصيصه بالخطاب، و لكن تخصيصه به بعنوان أنّه ناس، يوجب انقلاب الموضوع إلى الذاكر، و يخرج عن مجرى الحديث.

قلت: لا نحتاج في التكليف الناسي بالباقي، إلى خطاب خاص، بل يكفي الخطاب العام الوارد في الكتاب من قوله سبحانه: (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى‏ غَسَقِ اللَّيْلِ‏) (الاسراء/ 78) غير أنّ مصداق المأمور به يختلف حسب اختلاف أحوال المكلّف، فالمصداق للحاضر غيره للمسافر، و للصحيح، غيره للعاجز، و هكذا و الجميع يقصد ذاك الأمر، غير أنّ الذاكر يأتى به في ضمن الفرد الكامل، و غيره يأتي به في ضمن الفرد الناقص و الكلّ من مصاديق الطبيعة الصحيحة، و للصحيح مراتب و عرض عريض، كما أنّ باعث الواجد للطهارة المائية و الفاقد لها، أمر واحد، و الاختلاف في المصاديق لأجل اختلاف الأحوال و الإمكانات، و ذلك لا يوجب مغايرة في الأمر و تعدده.

ثمّ إنّ المحقق النائيني ممن فرّق في باب النسيان بين كون المنسيّ هو الحكم الكلّي فحكم بجريان القاعدة و بين نسيان ذات الجزء، و الشرط فحكم بعدم صحّة التمسّك به في ذاك المورد و حاصل ما أفاده:

1 أنّ الفعل الصادر من المكلّف عن نسيان و إكراه، يمكن ورود الرفع عليه و جعله كأن لم يصدر، فلا يترتب عليه آثار الوجود، إن كان موافقاً للامتنان،

368

و أمّا الفعل الذي لم يصدر من المكلّف و كان تاركاً له عن نسيان فلا محلّ للرفع فيه، فلا محلّ لورود الرفع على السورة المنسية في الصلاة مثلًا لخلوّ صفحة الوجود منها.

2 إنّ الأثر المترتب على السورة ليس هو إلّا الإجزاء و صحة العبادة و هما ليسا من الآثار الشرعية التي تقبل الوضع و الرفع.

3 هذا إذا كان مجرى الرفع، هو الجزء و الشرط المنسيين و أمّا إذا كان مجراه ذات المركب الفاقد لهما فهو و إن كان أمراً وجودياً قابلًا للرفع إلّا أنّه أوّلًا ليس منسياً ليتوجه إليه، و ثانياً ليس له أثر شرعي إلّا الفساد و عدم الإجزاء و هو غير قابل للرفع الشرعي‏ (1).

يلاحظ عليه: أنّ مصبّ الرفع ليس هو ترك الجزء و الشرط حتى يقال: إنّه ليس أمراً وجودياً يتعلّق به الرفع كما أنّه ليس مصبَّه المركب الفاقد لهما حتى يقال: إنّه ليس منسيّاً و ليس له أثر سوى الفساد، بل مصبّه و متعلّقه أمر ثالث لا ذا، و لا ذاك و هو نفس الجزء و الشرط المنسيين بما لهما من الآثار الشرعية من الوجوب الضمني أو الجزئية الوضعية على القول بمجعوليتها. و رفع هذا الجزء في محيط التشريع يلازم رفع حكمه و ينتج عدم وجوب السورة في هذا الحال.

و أمّا صحّة الصلاة فالمتكفّل لها ليس حديث الرفع، و إنّما هو نفس الدليل العام لأجل امتثاله.

أضف إلى ذلك ما في ثاني الوجوه، إذ له أثر غيره و هو الوجوب الضمني أو الجزئية المجعولة الشرعية.

خاتمة المطاف:

إذا كان مفاد الحديث، هو رفع الواقع المجهول سواء أ كان حكماً أو موضوعاً فمعنى ذلك أنّ المكلف في سعة من جانبه و ليس له أيّ حرج، فلو دلّ دليل على‏

____________

(1)- فوائد الأُصول: ج 3 ص 353 354.

369

لزوم الاحتياط و التثبت عند الجهل به يكون معارضاً معه، فيعامل معهما معاملة المتعارضين.

و بالجملة لو كان مفاد الحديث» عدم العقاب عند عدم البيان «كما هو مفاد البراءة العقلية، كان ما دل على وجوب الاحتياط و التثبت حاكماً عليه، و أمّا لو كان مفاده، غير مفاد البراءة العقلية، بل دلّ على أنّ الحكم المجهول أو الموضوع المجهول الهوية، مرفوع و أنّ وجوده لو كان كالعدم، يكون عندئذ معارضاً لدليل الأخباري، إذ لا معنى لإيجاب الاحتياط مع كونه مرفوعاً و مفروض العدم من حال الجهل.

و عليك بالتأمّل في مفاد كلّ دليل فهل يتّحد مفاده مع مفاد البراءة العقلية أو هو أوسع منها، و يعطى الضوء الأخضر أمام الجاهل بالحكم و أنّه لا حرج له من جانبه و ساحته، و لكلّ من المفادين حكمه الخاص.

هذا بعض الكلام في حديث الرفع و بقيت فيه أبحاث طفيفة، يظهر الحال فيها ممّا قدمناه في غيرها.

2 حديث الحجب:

روى الكليني في باب حجج اللّه على خلقه: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن فضال، عن داود بن فرقد، عن أبي الحسن: زكريا بن يحيى، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: ما حجب اللّه علمه عن العباد فهو موضوع عنهم‏ (1).

و تقريب الاستدلال: هو أنَّ الموصول في» ما حجب اللّه «عاماً يعمّ كلّ محجوب سواء أ كان حكماً أو هوية الموضوع و ليس الحديث مقروناً بشي‏ء يوهم‏

____________

(1)- الكافي: ج 1 ص 164، الحديث 3.

370

اختصاصه بالشبهة الموضوعية، بخلاف حديث الرفع، فإنّ قرينة السياق كانت موجبة للشك في عموميته.

و أُورد على الاستدلال بوجهين:

الأوّل: ما ذكره الشيخ الأعظم من أنّ المراد من الموصول هو الأحكام التي لم يُتبيَّن أبداً لأجل التسهيل بقرينة نسبة الحجب إلى اللّه سبحانه، فيكون وزان الحديث ما روي عن أمير المؤمنين في نهجه: انّ اللّه افترض عليكم الفرائض فلا تضيّعوها و حدّ لكم حدوداً فلا تعتدّوها، و نهاكم عن أشياء فلا تهتكوها، و سكت لكم عن أشياء و لم يدعها نسياناً فلا تتكلّفوها (1).

فالمراد ما لم يُشرِعه و لم يبيّنه أصلًا، فلا يعمّ ما بيّنه و كتمه الظلمة من عباده، و يؤيد ذلك نسبة الحجب إلى اللّه سبحانه المشعر بكون المحجوب ما لم يبيّنه سبحانه، لا ما بيّنه و أخفاه بعض عباده عن البعض الآخر، كما هو الحال في مورد البراءة.

يلاحظ عليه: أنّه خلاف ظاهر الرفع، فإنّه يطلق و يراد منه انعدام الأمر الموجود، و ما لم يشرع و لم يبيّن في الأحكام الفرعية، ليست موجودة حتى يتعلّق به الرفع. و هذا بخلاف ما إذا شرِّع و بُيّن، ثمّ خفى على المكلّف علمه لأجل الحوادث، و الوارد في الحديث هو الوضع المقصود منه بقرينة التعدّي ب» عن «هو الرفع.

اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّه كان هنا اقتضاء للتشريع و البيان، و لكنّه تسهيلًا للأمر على العباد، لم يشرّعه و لم يبيّنه، فصحّ بذلك إطلاق الرفع.

و ما أيّد به مختاره من نسبة الحجب إلى اللّه دون عباده، غير تام. لأنّ كل ما في الكون يصحّ اسناده إلى اللّه سبحانه، حتّى أفعال عباده و أعمالهم، فإنّ الفواعل‏

____________

(1)- نهج البلاغة، قسم الحكم: رقم الحكمة: 105.

371

كلّها، فواعل غير مستقلّة من غير فرق بين المريد منها و غير المريد، و إن كان المسئول لأجل الاختيار هو العلّة القريبة، فالمراد ما حجبه اللّه و لو بفعل بعض عباده.

الثاني: المقصود: المعارف التي لا تصل إليها أفهام الإنسان، كتصور ذاته و كيفية علمه و إرادته و غير ذلك، و قد ورد بهذا المضمون: روايات:

قال أبو جعفر (عليه السلام): تكلّموا في خلق اللّه و لا تتكلّموا في اللّه فانّ الكلام في اللّه لا يزداد صاحبه إلّا تحيّراً (1).

و قال الصادق (عليه السلام): إنّ اللّه عظيم رفيع، لا يقدر العباد على صفته، و لا يبلغون كنه عظمته ... (2).

و لا يخفى أنّ الحديث أوسع مفاداً من هذا القسم من المحجوب و الحديث يُعطي ضابطة كلّية يعمّ الموارد كلّها.

فخرجنا بهذه النتيجة: انّ الحديث في بادئ النظر يحتمل أُموراً:

1 ما حجب اللّه علمه عن العباد تسهيلًا لهم فلا تتكلّفوها، و هذا النوع يرجع إلى الأحكام الفرعية.

2 ما حجب اللّه علمه عن العباد لقصور أفهامهم عن الوصول إليها.

3 المعنى الوسيع، فيعمّهما و ما بيّنه الرسول و الإمام و لكن خفى على العباد لعلّة.

و لو تمّت دلالة الحديث يكون معارضاً لأدلّة الأخباري لأنّ رفع المحجوب لا يجتمع مع لزوم الاحتياط لأجله، فإذا كان مرفوعاً و غير مكلّف به فلا يعقل لزوم حفظه و صيانته، و هذه الرواية كحديث الرفع ليس مفادها، البراءة العقلية من‏

____________

(1)- الكافي: ج 1 ص 92، الحديث 1.

(2)- المصدر نفسه: ص 103، الحديث 12.

372

عدم العقاب عند عدم البيان، حتى يقال: إنّ أدلّة الاحتياط بيان له، بل مفادها أنّ ما هو المحجوب بعنوانه، مرفوع، و هو لا يتفق مع إيجاب الاحتياط للمرفوع.

3 حديث: الناس في سعة ما لا يعلمون:

أقول: إنّ» ما «في الحديث تحتمل وجهين:

1 أن تكون موصولة.

2 أن تكون مصدرية و هي على قسمين:» إمّا مصدرية غير زمانية كقوله سبحانه: (حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ‏) (التوبة/ 118) أي برحبها، و إمّا مصدرية زمانية و يقال لها الظرفية كقوله سبحانه: (وَ أَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَ الزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا) (مريم/ 31) أي مدّة حياتي، و المناسب للحديث على فرض كونها مصدرية هو الزمانية منها و الظاهر تمامية الاستدلال على كلا الوجهين.

أمّا على فرض كونها موصولة فتفسيره:» الناس في سعة (من جانب) الشي‏ء الذي لا يعلمونه «و المراد من» الشي‏ء «هو الحكم الواقعي الذي لا يعلمونه، فليس لهم من جانبه أيّ ضيق من العقاب و العذاب، أو إيجاب التحفّظ و الاحتياط. و على هذا الوجه لو تمّ دليل الاحتياط في الشبهة الحكمية البدوية كان معارضاً لذاك الدليل لأنّ إيجابه لا يجتمع مع عدم الضيق من جانب ذاك الحكم المجهول و يكون مفاد الحديث مفاد قوله (عليه السلام) في حديث عبد الأعلى بن أَعين قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام): من لم يعرف شيئاً هل عليه شي‏ء، قال: لا (1).

و أمّا على فرض كونها مصدرية زمانية: يكون المراد: أنّهم في السعة ما دام لم يعلموا، و المتبادر من العلم الوارد في الحديث هو العلم الطريقي إلى الواقع و ليس‏

____________

(1)- الكافي: ج 1 ص 164، الحديث 2. من باب» حجج اللّه على خلقه «.

373

هو إلّا العلم بالواقع على ما هو عليه، و العلم بإيجاب الاحتياط ليس علماً بالواقع، إذ ليس الاحتياط طريقاً إليه، و إنّما هو صيانة للواقع لو كان هناك واقع، و على هذا لا يصحّ تفسيره بعدم العلم بالضيق لا واقعاً و لا ظاهراً حتّى لا يزاحم دليل الاحتياط، بل المراد عدم علمهم بنفس الحكم الواقعي أو هوية الموضوع المشتبه، و على هذا لو دلّ دليل على الاحتياط يكون معارضاً له.

نعم لو كان المراد من عدم العلم هو الأعم من العلم بالواقع أو الوظائف الظاهرية، يكون مفاده مفاد الحكم العقلي من قبح العقاب بلا بيان فيكون دليل الأخباري، حاكماً عليه و لكنّه خلاف الظاهر.

ثمّ إنّ المحقق النائيني فصّل بين كون» ما «موصولة و كونها ظرفية و قال: إنّه إن أُريد الأوّل فيكون المعنى» الناس في سعة من الحكم المجهول «فيكون مفاده، مفاد حديث الرفع، و يكون حينئذ معارضاً لأدلّة وجوب الاحتياط بخلاف ما إذا كانت» ما «ظرفية فيكون معناه» الناس في سعة ما داموا لم يعلموا «فمفاد الحديث هو مفاد قاعدة قبح العقاب بلا بيان و تكون أدلّة وجوب الاحتياط حاكمة عليه ثمّ إنّه رجّح الاحتمال الثاني، فجعله متحداً مع مفاد قاعدة قبح العقاب بلا بيان‏ (1).

و قد عرفت تمامية دلالة الحديث على كلا الوجهين حتّى لو قلنا بكون» ما «ظرفية بشرط كون المراد من العلم، هو العلم بالتكليف الواقعي، لا الأعمّ منه و من الوظائف الظاهرية.

ثمّ إنّ المحقق الخوئي استظهر أنّ» ما «موصولة لأنّ الزمانية حسب الاستقراء لا تدخل على الفعل المضارع و إنّما تدخل على الفعل الماضي لفظاً و معنى أو معنى فقط، و كلا القسمين منتفيان‏ (2).

____________

(1)- فوائد الأُصول: ج 3 ص 364 و مصباح الأُصول: ج 2 ص 278.

(2)- مصباح الأُصول: ج 2 ص 278.

374

و لا يخفى أنّ الاستظهار مبنيّ على كون الحديث بصورة» ما لا يعلمون «و ليس له مستند إلّا في الكتب الأُصولية و الموجود في المصدر هو» ما لم يعلموا « (1) الذي هو ماض معنى فيحمل على الظرفية.

و روى في الوسائل: أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) سئل عن سفرة وجدت في الطريق مطروحة كثير لحمها و خبزها و جبنها و بيضها و فيها سكين، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): يقوّم ما فيها ثمّ يؤكل لأنّه يفسد و ليس له بقاء فإن جاء طالبها غرموا له الثمن قيل: يا أمير المؤمنين: لا ندري سفرة مسلم أو سفرة مجوسي؟ قال: هم في سعة حتى يعلموا (2) و هذه العبارة على الزمانية أطبق.

لكنّ الاستدلال على البراءة مشكل جدّاً، إذ لو كان مفادها البراءة و الحلّية في الشبهات الموضوعية فالصغرى (أي حديث السفرة) خارجة منها لأنّ الأصل في اللحوم هو عدم التذكية و الحرمة، و إن قيل بالحلّية لأجل كون أرض المسلمين كأسواقهم‏ (3)، فتكون الحلّية مستندة إلى القاعدة لا إلى البراءة.

4 الاحتجاج بالبيان و التعريف:

و هناك طائفة من الروايات تدلّ على أنّ الاحتجاج بعد التعريف و التكليف بعد البيان و إليك نقلها:

1 روى الكليني في باب البيان و التعريف و لزوم الحجّة عن حمزة بن محمد بن الطيار عن الصادق (عليه السلام): إنّ اللّه احتجّ على الناس بما أتاهم و عرفهم‏ (4).

و قال الفيض في تفسير الحديث: بما أتاهم من العقل و الفهم و عرّفهم من‏

____________

(1)- لاحظ المستدرك: ج 3 ص 218 نقلًا عن غوالي اللئالي و على ذلك أيضاً المخطوطة من الغوالي الموجودة في مكتبة المرعشي ص 98 السطر 12 و المطبوعة لاحظ ج 1 ص 424 الحديث 109.

(2)- الوسائل: ج 16 الباب 38 من أبواب الذبائح، الحديث 2.

(3)- المصدر نفسه: ص 294، كتاب الصيد و الذباحة الباب 29 الحديث 1.

(4)- الكافي: ج 1 ص 162، الحديث 1.

375

الخير و الشر دون ما لم يؤتهم و لم يعرّفهم من ذلك‏ (1). دلّ الحديث على أنّ الاحتجاج فرع الإيتاء و التعريف.

2 روى أيضاً عن حمزة بن محمد الطيّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في قول اللّه عزّ و جلّ: (وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ‏) قال: حتّى يعرّفهم ما يُرضيه و ما يُسخطه‏ (2).

و الذيل دالّ على عمومية الحكم للمعارف و الأحكام لو لم نقل بانصراف الإرضاء و الإسخاط إلى الأحكام.

3 و روي عن عبد الأعلى قال: قلت: لأبي عبد اللّه (عليه السلام): أصلحك اللّه هل جعل في الناس أداة ينالون بها المعرفة؟ قال: لا. قلت: فهل كُلِّفوا المعرفة؟ قال: لا. على اللّه البيان (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها) و (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها) قال و سألته عن قوله: (وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ‏) قال: حتّى يعرّفهم ما يرضيه و ما يسخطه‏ (3).

و صدر هذا الحديث و إن كان ظاهراً في المعارف، و لكن ذيله يشعر بالعموم، لقوله: حتّى يعرّفهم ما يرضيه و ما يسخطه، فإنّه ظاهر في الوظائف و الأحكام.

4 روى الكليني عن حمزة بن الطيار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال لي: اكتب، فأملى عليّ: إنّ من قولنا: إنّ اللّه يحتجّ على العباد بما آتاهم و عرّفهم، ثمّ أرسل إليهم رسولًا و أنزل عليهم الكتاب فأمر فيه و نهى، أمر فيه بالصلاة و الصيام فنام رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) عن الصلاة فقال: أنا أُنيمك و أنا أُوقِظك فإذا قمت فصلّ ليعلموا إذا أصابهم ذلك كيف يصنعون، ليس كما يقولون إذا نام عنها هلك،

____________

(1)- الوافي: ج 1، الباب 56 ص 551.

(2)- الكافي: ج 1 ص 163، الحديث 3 من باب البيان و التعريف.

(3)- المصدر نفسه: الحديث 5 من باب البيان و التعريف.

376

و كذلك الصيام أنا أُمرضك و أنا أُصِحّك فإذا شفيتك فاقضه، ثم قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): و كذلك إذا نظرت في جميع الأشياء لم تجد أحداً في ضيق و لم تجد أحداً إلّا و للّه عليه الحجّة ... إلى آخر الحديث‏ (1).

موضع الاستشهاد: موردان:

1 قوله:» يحتجّ على العباد بما آتاهم و عرَّفهم «، و الظاهر من قوله: آتاهم و عرّفهم هو الأعم من غير فرق بين بابي العقيدة و الأحكام، و لأجل ذلك نقل نوم رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) و أنّ تنويمه كان لأجل تعليم العباد كيفية قضائها، و القصة بيان لقوله:» بما آتاهم و عرّفهم «.

و أمّا قوله: ثمّ أرسل إليهم، فوجه الترتيب و علّته الإتيان بلفظ» ثمّ «هو أنّ الفقرة الأُولى ناظرة إلى مشيئته الأزلية حيث تعلّقت مشيئته على أن لا يحتجّ على العباد إلّا بما آتاهم و عرّفهم، و لمّا كانت كذلك أرسل الرسل و أنزل الكتب.

2 قوله:» و كذلك إذا نظرت في جميع الأشياء «، لم تجد أحداً في ضيق و لم تجد أحداً إلّا و للّه عليه الحجّة ... فالمقصود النظر إلى الأشياء بما هي هي، و لا تجد أحداً في ضيق إلّا و للّه عليه الحجّة، مبيّنة حكمها بما هي هي.

إذا وقفت على متون الروايات فالناظر في الجمل التالية:

1 إنّ اللّه احتجّ على الناس بما آتاهم و عرّفهم.

2 و ما كان اللّه ليضلّ قوماً حتّى يعرّفهم ما يرضيه و ما يسخطه.

3 إنّ اللّه يحتجّ على العباد بما آتاهم و عرّفهم، ثمّ أرسل إليهم رسولًا و أنزل عليهم الكتاب، فأمر فيه و نهى إلى أن قال: و كذلك إذا نظرت في جميع الأشياء

____________

(1)- الكافي: ج 1 ص 164، الحديث 4 من باب حجج اللّه على العباد. و ذيل الحديث راجع إلى أنّ التكليف مشروط بالقدرة و السعة فلاحظ.

377

لم تجد أحداً في ضيق و لم تجد أحداً إلّا و للّه عليه الحجّة.

تعرف على أنّ ملاك الاحتجاج هو معرفة نفس الأحكام لا معرفة ما يتحفظ به عليها كالاحتياط و التوقف، و الدليل على ذلك ورودها لبيان الامتنان، و أيّ امتنان إذا حملت على الأعمّ من بيان نفسها و ما يتحفّظ بها على فرض وجودها، إذ من بديهيات العقل أنّ المولى إذا لم يقم بالتوظيف و التكليف بوجه من الوجوه، فالعبد في سعة من ناحيته، و على ذلك فيجب حمل الروايات على معنى آخر حتّى يكون مفيداً لما ليس بديهياً و يتحقّق به الامتنان.

و على ذلك فلو دلّ شي‏ء على الاحتياط و التوقّف فيعدّ معارضاً لهذه الروايات.

5 حديث: كل شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهي:

رواه الصدوق مرسلًا في الفقيه و قال: قال الصادق (عليه السلام): كلّ شي‏ء مطلق حتّى يرد فيه نهي‏ (1). و بعض المشايخ العظام يعتمدون على المراسيل التي يرويها الفقيه مسنداً إلى الإمام بالجزم. و يفرّقون بين قوله: روى عن الصادق، و قوله: قال الصادق، و قد ذكرنا تفصيله في أبحاثنا الرجالية.

و قد جعله الشيخ: أوضح ما في الباب من حيث الدلالة، على عدم وجوب الاحتياط، لأنّ الظاهر إرادة ورود النهي عن الشي‏ء من حيث هو لا من حيث كونه مجهول الحكم فإن تمّ ما سيأتي من أدلّة الاحتياط سنداً و دلالة لوقع التعارض بين هذه الرواية و بين تلك الأدلّة (2).

و لكنّ المحقق الخراساني لم يرتض بما ذكره، قائلًا بأنّ ما ذكره الشيخ الأعظم مبني على عدم صدق الورود إلّا بعد العلم أو بعد ما هو بحكمه كالحجج الشرعية، و لكنّه ممنوع لوضوح صدقه على الصدور عن الشارع سواء بلغ إلينا أم لم‏

____________

(1)- الوسائل: ج 18 ص 127، الباب 12 من أبواب صفات القاضي، الحديث 60.

(2)- الفرائد: ص 199.

378

يبلغ أصلًا أو بلغ البعض دون الآخرين‏ (1).

فعلى مختار الشيخ: فالمراد من الشي‏ء، هو الشي‏ء المشكوك، و من المطلق، هو الاباحة الظاهرية، و من الورود، هو البلوغ إلى المكلّف.

كما أنّ المراد من الشي‏ء على مختار المحقق الخراساني هو الشي‏ء بما هو هو و من المطلق هو الاباحة الواقعية، و من الورود، هو الصدور من قلم التشريع.

فعلى خيرة الشيخ فالرواية شاملة لجميع العصور حيث إنّها بصدد بيان حكم مشتبه الحرمة و الحلّية، و على خيرة المحقّق الخراساني ناظرة إلى عصر النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) قبل ورود نهي منه في مورد.

حيث إنّ بيان الأحكام كان تدريجياً لا دفعياً.

فما هو الحقّ في الاستظهار؟ نقول: الظاهر أنّ الحقّ مع الشيخ الأعظم دون المحقّق الخراساني و ذلك: لأنّ تفسير» يرد «ب» يصدر «تفسير خاطئ لم يرد في القرآن و السنّة فإنّ القرآن يستعمله في معنى البلوغ و الدخول قال سبحانه: (وَ لَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ‏) (القصص/ 23) و قال سبحانه: (لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَ كُلٌّ فِيها خالِدُونَ‏) (الأنبياء/ 99) و قال تعالى: (وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى‏ رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا) (مريم/ 71).

و أمّا اللغة فيفسّره بمعنى الحضور و الاشراف أو ما يقرب من ذلك، بل يعدّون الصدور مقابلًا للورود، و يطلقون» التصدير «على خلاف» الاستيراد «فعلى هذا فلا مناص من ترجيح التفسير الأوّل و هو البلوغ و الوصول لا الصدور.

أضف إلى ذلك أنّ تفسير الورود بالصدور، و الإطلاق بالإباحة الواقعية يدفعنا إلى تخصيص مفاد الحديث بعصر الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) و أنّ الأشياء كانت محكومة بالإطلاق و الإباحة حتى يصدر من الشارع نهي، وعليه تكون الرواية إخباراً عن حكم زمان حياة الرسول و لكنّه خلاف ظاهر الرواية بل ظاهرها أنّها إنشاء، بلا

____________

(1)- الكفاية: ج 2 ص 177.

379

تقييد بزمان، دون زمان، و أنّ هذا الإطلاق سائر في جميع الأزمنة حتّى بعد ما كمل الدين، و ارتحل النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) إلى الرفيق الأعلى ففي كل زمان، الأشياء محكومة بالإطلاق إلى أن يرد فيها نهي.

و لو كان المقصود هذا، يكون المراد من الشي‏ء هو الشي‏ء المشكوك الحكم، و من الإطلاق الإباحة الظاهرية، و من الورود البلوغ و الوصول إلى يد المكلّف، و يكون من أدلّة البراءة، و بما أنّ الغاية ورود النهي على الشي‏ء بما هو هو، لا بما هو مشكوك الحكم يكون معارضاً لأدلّة الأخباري لا محكوماً.

6 حديث: كلّ شي‏ء هو لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام بعينه:

استدل به المحقق الخراساني دون الشيخ الأعظم، و هو جزء من رواية مسعدة بن صدقة (1) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سمعته يقول: كلّ شي‏ء هو لك حلال حتى تعلم أنّه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك و ذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته و هو سرقة، و المملوك عندك لعلّه حرّ قد باع نفسه، أو خُدِعَ فبيع قهراً، أو امرأة تحتك و هي أُختك أو رضيعتك، و الأشياء كلّها على هذا حتّى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البيّنة (2).

قال المحقّق الخراساني: دلّ على حلّية ما لم يعلم حرمته مطلقاً و لو كان من جهة عدم الدليل على حرمته.

____________

(1)- و سند الرواية هكذا: علي بن إبراهيم، عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن صدقة.

أنّ هارون بن مسلم بن سعدان، الكاتب، ثقة، وجه، لقى أبا محمد و أبا الحسن الهادي.

و مسعدة بن صدقة العبدي عدّه الشيخ من أصحاب الباقر (عليه السلام) و عدّه النجاشي من أصحاب الصادق و الكاظم (عليهما السلام)، و عدّه الكشي من البترية، و على كلّ تقدير فالرواية معتبرة و القرائن تدل على وثاقة مسعدة.

و لو لا تصريح النجاشي برقم 109 بأنّ هارون بن مسعدة يروي عن مسعدة بن صدقة لكان احتمال الإرسال قويّاً بسقوط اسم الراوي بينهما.

(2)- الوسائل: ج 12 ص 60، الحديث 4 من باب 4 من أبواب ما يكتسب به.

380

و لكن الحقّ اختصاص الرواية بالشبهة الموضوعية و لعلّ لذلك ترك الشيخ الأعظم الاستدلال بها و يعلم ذلك من وجوه:

1 لفظة:» بعينه «فإنّها احتراز عن العلم بالحرام لا بعينه، و لا ينطبق إلّا على الشبهة الموضوعية التي يحصل فيها الخلط بين الحرام و الحلال، فإذا شك في المائع الخارجي أنّه خلّ أو خمر، و في الجبن هل فيه ميتة أو لا؟ مع العلم على نحو الشبهة غير المحصورة، بأنّ الخارج لا يخلو من خمر كما أنّ بعض الجبن لا يخلو من ميتة فيحتمل انطباق ذلك العلم الوسيعة دائرته، على ما يريد تناوله من المائع و الجبن فعند ذلك يقول الإمام كل شي‏ء هو لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام بعينه، فالعرفان بعينه موضوع للزوم الاجتناب، لا العرفان لا بعينه.

و أمّا الشبهة الحكمية فليس فيها عند الشك في حرمة شي‏ء و حلّيته، العلم بالحرام لا بعينه، حتّى يقال: إنّه غير كاف بل يجب أن يكون العلم، علماً بعينه.

نعم يمكن تصوير العلم بالحرام فيها لا بعينه، في حال الشك بأن يقال: بأنّا نعلم أنّ للشارع محرّمات و محظورات و نحتمل أن يكون شرب التتن منها، فعندئذ لا يجب الاجتناب عنه حتّى يعلم أنّه الحرام بعينه دون غيره، و لكنّه محاولة عقلية لا يلتفت إليها العرف.

و الحاصل: أنّ الظاهر أنّ قوله: بعينه، بمعنى بشخصه و هو تأكيد للضمير في قوله:» أنّه حرام «و هو يتصوّر في الشبهة الموضوعية و احتمال أنّه بمعنى» جزماً «تأكيد لقوله» تعلم «كما عليه الأُستاذ، غير متبادر عرفاً.

و يؤيّد أنّه بمعنى» بشخصه «ورود ذلك اللفظ في باب شراء الخراج من السلطان في رواية أبي عبيدة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل منّا يشتري من السلطان من إبل الصدقة و غنم الصدقة و هو يعلم أنّهم يأخذون منهم أكثر من الحقّ الذي يجب عليهم قال: فقال: ما الإبل إلّا مثل الحنطة و الشعير

381

و غير ذلك لا بأس به حتّى تعرف الحرام بعينه‏ (1).

2 الأمثلة التي وردت فيها بعد ضرب القاعدة كلّها من قبيل الشبهة الموضوعية فتعود قرينة على الاختصاص أو مانعة عن أخذ الإطلاق.

3 قوله: و الأشياء، كلّها على هذا حتّى يستبين أو تقوم به البيّنة، و المراد من الأوّل هو العلم الوجداني، و من الثاني هو الحجّة الشرعية، أعني: شهادة عدلين و بما أنّه يكتفى في الأحكام بالخبر الواحد، بخلاف الموضوعات فلا بدّ فيها من قيام عدلين، يصحّ تخصيص الصدر بالشبهة الموضوعية.

و هذا مبني على كون لفظ» البيّنة «في لسان عصر الصادق (عليه السلام) حقيقة شرعية في العدلين كما هو الحال كذلك.

ربّما يقال بأنّ المراد منها هو ما يتبيّن به من الحجج الشرعية، فإنّ الحجّة الشرعية لا تختص بالعدلين، بل يعمّ إقرار الانسان، و حكم الحاكم، و استصحاب الحالة السابقة و بالثلاثة الأخيرة تستدل على الأحكام كما تستدل على الموضوعات.

يلاحظ عليه: مضافاً إلى كون البيّنة حقيقة شرعية في عصر الصادق (عليه السلام) في العدلين كما هو ظاهر لمن راجع الروايات، أنّه ورد في رواية عبد اللّه بن سليمان» الشاهدان «حيث روى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الجبن قال: كلّ شي‏ء لك حلال حتى يجيئك شاهدان يشهدان أنّ فيه ميتة (2) و معه لا يصح حملها على مطلق ما يتبيّن به و إن كانت البيّنة أعم في لسان القرآن و عصر الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) فلاحظ.

ثمّ إنّ هنا إشكالًا آخر أشار إليه الشيخ الأعظم و هو أنّ الحلّية في الأمثلة الواردة في الموثّقة ليست مستندة إلى أصالة الحلّية و البراءة، فإنّها في الثوب و العبد

____________

(1)- الوسائل: ج 12، الباب 52 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 5 و لاحظ الحديث 2 من الباب 53.

(2)- المصدر نفسه: ج 17 الباب 61 من أبواب الأطعمة المباحة، الحديث 2.

382

مستندة إلى اليد، و في المرأة المحتملة أن تكون أُخت الزوج أو رضيعته، مستندة إمّا إلى الاستصحاب الأزلي كما قيل أو إلى أصل عقلائي مستند إلى الغلبة، فإنّ الغالب الأغلب هو الحلّية الذاتية، و قلّ من يحرم نكاحها بالنسبة إلى غيرها.

و على كلّ تقدير فليست الإباحة معلولة، لأصالة الحلّ فيلزم خروج الأمثلة عن الكبرى المضروبة و هو مخلّ للبلاغة، و يمكن دفع الإشكال بأنّ المراد من الحلّية، هو مطلق الحلّية سواء أ كانت مستندة إلى أصالة الحلّية أم القواعد الأُخر مثل اليد و الإقرار، و قد اقتصر في مقام التمثيل ببعضها، فالقاعدة كلّية و الأمثلة لا تضيّق القاعدة و يحتمل أن يكون ذكر الأمثلة للاستئناس، لا لكونها من مصاديقها الحقيقية فلاحظ.

7 حديث: كل شي‏ء فيه حلال و حرام الخ:

و إنّما فَصلناه عن سابقه لاختلاف لسانهما لاشتمال الثاني على ما لا يشتمل عليه الأوّل كما سيظهر و قد جاء هذا اللفظ في موارد من الروايات.

1 ما رواه عبد اللّه بن سنان قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): كلّ شي‏ء فيه حلال و حرام فهو لك حلال أبداً حتّى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه‏ (1).

2 ما رواه عبد اللّه بن سنان عن عبد اللّه بن سليمان قال: سألت أبا جعفر عن الجبن، فقال لي: لقد سألتني عن طعام يعجبني ثمّ أعطى الغلام درهماً فقال: يا غلام ابتع لنا جبناً، ثم دعا بالغداء فتغدّينا معه إلى أن قال: سأُخبرك عن الجبن و غيره، كلّ ما كان فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه‏ (2).

____________

(1)- الوسائل: ج 12 الباب 4 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1. و رواه الشيخ باسناده عن الحسن بن محبوب.

(2)- المصدر نفسه: ج 17 ص 90 الباب 61 من أبواب الأطعمة و الأشربة، الحديث 1.

383

و الفرق بين الروايتين من وجوه:

أ إنّ الراوي عن الإمام في الأُولى هو عبد اللّه بن سنان، و في الثانية عبد اللّه ابن سليمان الذي يروي عنه عبد اللّه بن سنان.

ب إنّ الإمام المروي عنه الحديث في الأُولى هو أبو عبد اللّه (عليه السلام) و في الثانية أبو جعفر (عليه السلام).

ج إنّ الثانية مصدرة بما لم تُصدّر به الأُولى، فلأجله لا يصحّ الحكم بوحدة الروايتين.

3 روى معاوية بن عمّار عن رجل من أصحابنا قال: كنت عند أبي جعفر (عليه السلام) فسأله رجل عن الجبن، فقال أبو جعفر (عليه السلام): إنّه لطعام يعجبني و سأخبرك عن الجبن و غيره كلّ شي‏ء فيه الحلال و الحرام فهو لك حلال حتّى تعرف الحرام فتدعه بعينه‏ (1). و لعلّ السائل في قوله» فسأله رجل «هو عبد الله بن سليمان غير أنّ الراوي اختصر القصة.

أمّا فقه الروايات فيتوقّف على التركيز على أُمور:

1 هل المراد من الشي‏ء في قوله:» كل شي‏ء «أو الموصول في قوله:» كل ما كان فيه «هو الأمر الكلي أو الأمر الجزئي.

2 هل المراد من قوله:» فيه حلال و حرام «هو احتمال وجودهما فيه أو المراد انقسامه إليهما بمعنى وجود القسمين في المشكوك.

3 هل المراد من قوله:» حتّى تعرف الحرام «معرفة الحرام المتقدّم عليه في قوله (عليه السلام): كل شي‏ء فيه حلال و حرام، أو الأعم منه و من غيره.

هذه احتمالات ثلاثة ربّما يكون بعضها ضئيلًا لا يعبأ به، و إليك بيان الاحتمالات الرئيسية:

____________

(1)- الوسائل: ج 17 الباب 61 من أبواب الأطعمة المباحة، الحديث 7.

384

الاحتمال الأوّل:

المراد من المبهم هو الماهية الكلية كشرب التتن و لحم الأرنب، فهما بما أنّهما يحتملان الحلّية و الحرمة، محكومان بالحلّية إلى أن تعرف الحرام بعينه، فتكون الرواية دليلًا على الحلّية في الشبهات الحكمية عند الشك في التكليف.

و هذا الاحتمال ضعيف لوجوه:

أ: إنّه موقوف على حمل قوله:» فيه حلال و حرام «على احتمالهما في المشكوك و هو خلاف المتبادر من أمثال هذه التراكيب و القريبة منها. قال سبحانه: (وَ لا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَ هذا حَرامٌ‏) (النحل/ 116).

ب: إنّ الغاية في الروايات الثلاث هي عرفان الحرمة (حتى تعرف) و هو يناسب الأُمور الجزئية، فلأجل ذلك صرّح أئمّة الأدب بأنّه يقال: عرفت اللّه و لا يقال علمت اللّه، و على ضوء ذلك، فالمناسب أن يقول:» حتّى تعلم أنّه حرام «لا» حتّى تعرف «.

ج: لو كان المراد من الروايات هذا النوع من الشبهة لزم لغوية قوله:» بعينه «لأنّ الانسان إذا علم بحرمة شرب التتن فقد علمها، و لا يحتمل أنّه علم حرمة شي‏ء آخر، فيكون التأكيد لغواً.

فإن قلت: يمكن تقريب جريانها في الشبهة الحكمية في مثل شرب التتن و لحم الأرنب بأن يقال: إنّ الشرب و اللحم فيه حلال كالماء و الغنم، و فيه حرام كالخمر و الكلب فالمشكوك كالأرنب و شرب التتن محكومان بالحلّية حتى تعرف الحرام، و عندئذ يندفع الاشكال الأوّل.

قلت: إنّ اللام في قوله:» حتى تعرف الحرام «للعهد الذكري أي تعرف الحرام المتقدّم عليه سابقاً، و ليس المقام كذلك لأنّه لو وقف مثلًا على حرمة شرب التتن أو حرمة لحم الأرنب فقد وقف على الحرمة المجهولة سابقاً، فإنّ المتقدّم هو

385

الحرمة المتعلّقة بالخمر و الكلب، و المكشوفة هي حرمة شرب التتن و لحم الأرنب، و لا صلة لحرمتهما بالسابقة.

أضف إلى ذلك: أنّ المتبادر من الحديث كون الانقسام المتقدّم سبباً للشك في المورد مع أنّ حلّية الماء و حرمة الخمر أو حلّية لحم الغنم و حرمة لحم الكلب، ليسا سببين للشك في شرب التتن و لحم الأرنب، بل هما أنفسهما موردان للشك سواء ثبتت حرمة شي‏ء أو لا.

الاحتمال الثاني:

أن يكون المراد من الشي‏ء هو الكلي المنتشر في الخارج المتكثّر فيه، و هذا كالجبن الموجود في الأسواق فإنّ فيه حلالًا و حراماً و مشكوكاً، فلو أُريد ذلك فيكون منطبقاً على الشبهة الموضوعية غير المحصورة، و لا مانع حينئذ من الأخذ بمفاد الحديث، خصوصاً لرواية أبي الجارود قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الجبن فقلت له: أخبرني من رأى أنّه يجعل فيه الميتة، فقال: أ من أجل مكان واحد يجعل فيه الميتة حرّم في جميع الأرضين. إذا علمت أنّه ميتة فلا تأكله، و إن لم تعلم فاشتر و بع و كُل‏ (1). و لكنّه لا يكون دليلًا على الحلّية في الشك في التكليف.

الاحتمال الثالث:

أن يكون المراد الأمر الجزئي الخارجي، فينطبق على الحرام المختلط بالحلال، و الأخذ باطلاقه مستلزم للفقه الجديد، فيقتصر على الموارد التي دلّ الدليل على جواز الارتكاب حتى تعرف الحرام بعينه، و إليك ما ورد في بعض الروايات في المقام.

____________

(1)- الوسائل: ج 17 الباب 61 من أبواب الأطعمة المباحة، الحديث 5.

386

1 عن سماعة قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل أصاب مالًا من عمل بني أُميّة، و هو يتصدّق منه، و يصل منه قرابته، و يحج ليغفر له ما اكتسب و يقول: (إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ‏)؟ فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): إنّ الخطيئة لا تكفّر الخطيئة و إنّ الحسنة تحط الخطيئة، ثمّ قال: إن كان خلط الحرام حلالًا فاختلطا جميعاً فلم يعرف الحرام من الحلال فلا بأس‏ (1).

2 روى أبو عبيدة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل منّا يشتري من السلطان من إبل الصدقة، و غنم الصدقة، و هو يعلم أنّهم يأخذون منهم أكثر من الحقّ الذي يجب عليهم، قال: فقال: ما الإبل، إلّا مثل الحنطة و الشعير و غير ذلك لا بأس به حتّى تعرف الحرام بعينه‏ (2).

3 روى الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: أتى رجل أبي (عليه السلام) فقال: إنّي ورثت مالًا و قد علمت أنّ صاحبه الذي ورثته منه قد كان يُربي، و قد عرف أنّ فيه ربا و استيقن ذلك و ليس يطيب لي حلاله لحال علمي فيه و قد سألت فقهاء أهل العراق و أهل الحجاز، فقالوا: لا يحلّ أكله، فقال أبو جعفر (عليه السلام): إن كنت تعلم بأنّ فيه مالًا معروفاً رباً و تعرف أهله فخذ رأس مالك و ردّ ما سوى ذلك، و إن كان مختلطاً فكله هنيئاً فإنّ المال مالك‏ (3).

و على ضوء هذه الروايات تكون الروايات المتقدّمة واردة، في أطراف العلم الإجمالي و لكن الترخيص يختصّ بموارد يكون العلم التفصيلي جزء للموضوع و هو لا يعدو عن الموارد المذكورة في الروايات.

و سيأتي إجمال البحث في هذه الروايات في المقام الثاني أعني الشك في المكلّف به.

____________

(1)- الوسائل: ج 12 الباب 4 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 2.

(2)- المصدر نفسه: الباب 52 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 5.

(3)- المصدر نفسه: الباب 5 من أبواب الربا، الحديث 3.

387

8 حديث: أيّ رجل ركب أمراً بجهالة:

روى الشيخ، عن موسى بن القاسم، عن عبد الصمد بن بشير، عن أبي عبد اللّه قال: جاء رجل يلبّي حتى دخل المسجد و هو يلبّي وعليه قميصه، فوثب إليه ناس من أصحاب أبي حنيفة فقالوا: شق قميصك و أخرجه من رجليك فإنّ عليك بدنة و عليك الحجّ من قابل و حجّك فاسد. فطلع أبو عبد اللّه (عليه السلام) على باب المسجد فكبّر و استقبل القبلة، فدنا الرجل من أبي عبد اللّه (عليه السلام) و هو ينتف شعره و يضرب وجهه فقال له أبو عبد اللّه: اسكن يا عبد اللّه فلمّا كلّمه و كان الرجل أعجمياً، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): ما تقول؟ قال: كنت رجلًا أعمل بيدي و اجتمعت لي نفقة فحيث أحجّ لم أسأل أحداً عن شي‏ء و أفتوني هؤلاء أن أشقّ قميصي و أنزعه من قبل رجلي، و أنّ حجّي فاسد، و أنّ عليّ بدنة، فقال له: متى لبست قميصك أبعد ما لبّيت أم قبل؟ قال: قبل أن أُلبّي، قال: فاخرجه من رأسك فإنّه ليس عليك بدنة، و ليس عليك الحجّ من قابل» أيّ رجل ركب أمراً بجهالة فلا شي‏ء عليه «طف بالبيت سبعاً، و صلّ ركعتين عند مقام إبراهيم (عليه السلام)، و اسع بين الصفا و المروة، و قصّر من شعرك، فإذا كان يوم التروية فاغتسل و أهلّ بالحجّ و اصنع كما يصنع الناس‏ (1).

و دلالته واضحة فتدلّ على أنّ ركوب كل محظور عن جهالة، لا بأس به.

و أورد الشيخ الأعظم على الاستدلال بوجهين:

1 الظاهر من الرواية و نظائرها من قولك فلان عمل كذا بجهالة، هو الغافل، و باعتقاد الصواب و الغفلة عن الواقع، فلا يعمّ صورة التردد و الشك في كون فعله صواباً أو خطأً كما هو موضوع البحث.

2 انّ تعميم الجهالة إلى صورة التردد يستلزم عموميته للجاهل الملتفت‏

____________

(1)- الوسائل: ج 9 ص 126125 الحديث 3 من باب 45 من أبواب تروك الاحرام.

388

القاصر و المقصّر، و من المعلوم عدم معذورية الثاني فيلزم تخصيص الرواية و إخراج الشاك المقصّر و سياقها يأبى عن التخصيص.

و كلا الوجهين غير تامّين. أمّا الأوّل فلأنّ المتبادر من هذه التراكيب هو الأعم من الغافل و الملتفت، فقد ورد هذا التركيب في الذكر الحكيم في موارد أربعة كلّها حول الجاهل الملتفت:

1 (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ) (النساء/ 17).

2 (مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَ أَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ‏) (الأنعام/ 54).

3 (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَ أَصْلَحُوا) (النحل/ 119).

4 (أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى‏ ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ‏) (الحجرات/ 6).

و لا شك أنّ الآيات تعمّ الملتفت و غيره.

و فسّر ابن منظور الجهالة بقوله: أن تفعل فعلًا بغير العلم به و هو يعمّ الملتفت و غيره.

و الحاصل: أنّ تخصيص الجهالة بالغافل لا يوافقه استعمال الكتاب و لا اللغة.

و أمّا الثاني: فالجهالة في الآيات الماضية و إن كانت عامّة تعمّ الجاهل المقصّر و العامد، لأنّها آيات الرحمة و المغفرة، و موردها هو المقصّر و العامد. لكن الرواية منصرفة عن المقصّر مثل قاعدة» لا تعاد الصّلاة إلّا من خمس «في الانصراف عنه إذ من المعلوم أنّ وظيفة الجاهل المقصّر هو التعرّف و السؤال، لا المضي و عدم الاعتداد. و لعلّ هذا قرينة حالية متّصلة في انصراف مثل هذه‏

389

الروايات عن المقصّر و كون السائل جاهلًا غير ملتفت، لا يوجب اختصاص الكبرى به.

و ربّما يؤيّد مقالة الشيخ بأنّ» الباء «في» بجهالة «للسببية و هي متحققة في الجاهل غير الملتفت و فيه ما لا يخفى حيث إنّ سببية الجهل محفوظة في الجاهل الملتفت إذا تفحّص و لم يقف على شي‏ء، أضف إليه أنّ من المحتمل أن تكون» الباء «بمعنى» مع «أو» عن «لا للسببية.

9 حديث عبد الرحمن بن الحجّاج:

عن أبي إبراهيم (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يتزوّج المرأة في عدّتها بجهالة، أ هي ممّن لا تحلّ له أبداً؟ فقال: لا أمّا إذا كان بجهالة فليزوّجها بعد ما تنقضي عدّتها، و قد يعذر الناس في الجهالة بما هو أعظم من ذلك، فقلت: بأيّ الجهالتين يعذر، بجهالته أنّ ذلك محرّم عليه؟ أم بجهالته أنّها في عدّة؟ فقال: إحدى الجهالتين أهون من الأُخرى، الجهالة بأنّ اللّه حرّم ذلك عليه و ذلك بأنّه لا يقدر على الاحتياط معها، فقلت: و هو في الأُخرى معذور؟ قال: نعم إذا انقضت عدّتها فهو معذور في أن يتزوّجها (1).

محل الاستدلال قوله:» و قد يعذر الناس في الجهالة بما هو أعظم من ذلك «.

غير أنّ الاستدلال يتوقّف على دراسة فقه الحديث.

إنّ الحديث جعل الجاهل بالحكم أعذر من الجاهل بالموضوع و هو بعدُ غير واضح لأنّه إن كان المراد هو الجاهل الغافل، فكلاهما في عدم التمكّن من الاحتياط سواء، فإنّ الغافل عن الموضوع أي من لا يتردد في خُلْدِه أنّها معتدّة، كيف يقدر على الاحتياط، كما أنّ الحال كذلك فيمن لا يتردد في خلده أنّ المرأة

____________

(1)- الوسائل: ج 14 الباب 17 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 4.

390

المعتدّة يحرم تزويجها.

و إن كان المراد هو الجاهل الملتفت الشاك، فكلّ منهما متمكّن عن الاحتياط، و ليس أحدهما أولى من الآخر.

و بذلك يظهر أنّ الاستدلال بالحديث غير تام، لأنّ الإمام عذّر الجاهل الغافل غير القادر على الاحتياط و هو لا يدلّ على معذورية الجاهل الملتفت القادر على الاحتياط كما هو محلّ البحث.

أضف إلى ذلك: أنّ متعلّق المعذورية هو الحكم الوضعي، حيث كان جاهلًا ببطلان العقد، و ما هو موضوع بحثنا هو معذورية الجاهل بالحكم التكليفي.

و الذي يدلّ على كون متعلّق المعذورية هو الحكم الوضعي فقرتان:

1 أ هي ممن لا تحلّ له أبداً أي أ يصحّ تزويجها» فأجاب الإمام (عليه السلام) بقوله:» إذا كان بجهالة فليزوّجها بعد ما تنقضي عدّتها «. و على ذلك فينطبق قوله:» و قد يعذر الناس في الجهالة بما هو أعظم من ذلك «على المعذور من جانب الحكم الوضعي.

2 نعم إذا انقضت عدّتها فهو معذور في أن يتزوّجها إلى أن قال:» الذي تعمّد لا يحلّ له أن يرجع إلى صاحبه أبداً «كل ذلك يُعرب عن كون مصبّ المعذورية هو الحكم الوضعي أعني البطلان. و لا يصحّ التجاوز عن مصبّ الرواية إلى الحكم التكليفي إلّا بالغاء الخصوصية.

و مع ذلك كلّه فقد حاول الأُستاذ دام ظلّه تعميم الرواية أو تخصيصها بالحكم التكليفي قائلًا: بأنّ متعلّق المعذورية هو الحكم التكليفي أعني ارتكاب الحرام و اقترانه بقرينة» الأعذرية «في كلام الراوي و» الأهونية «في كلام الإمام، لأنّ الحكم الوضعي أعني الحرمة الأبدية لا يتصوّر فيه التفاضل، فالمرأة إمّا تصير محرّمة النكاح أو لا؟ و هذا بخلاف الحرمة التكليفية، إذ لها مراتب و درجات حسب‏

391

نتائجها و عواقبها، و لأجله قسّمت المعاصي إلى كبائر و صغائر. و على ذلك فالعبارة ناظرة إلى التعذير من ناحية الحرمة التكليفية.

أقول: لو تمّ ما ذكره فالإشكال الأوّل موضوع المعذورية هو الجاهل الغافل باق بحاله.

3 الاستدلال على البراءة بالإجماع:

استدل الشيخ الأعظم على البراءة بالإجماع و نقل بعض الكلمات، و لكنّ الاستدلال يتوقّف على صغرى محقّقة و كبرى مسلّمة، و الصغرى على بعض التقارير غير محقّقة، كما أنّ الكبرى على بعضها غير مسلَّمة و إليك البيان.

فلو قال المستدل: أجمعت العلماء على أنّ الأصل في الأحكام التي لم تصل إلينا لا بنفسها و لا بطريقها (كالأمر بالاحتياط) هو البراءة. فالكبرى مسلّمة و لكن الصغرى غير محقّقة عند الجميع، أعني: معاشر الأخباريين فهم يدّعون أنّ الأحكام المجهولة واصلة إلينا بطريقها، أعني: الروايات الدالّة على الاحتياط و التوقّف.

و لو قال المستدل: أجمعت العلماء على أنّ الأصل في الأحكام الواقعية المجهولة بنفسها هو البراءة، أو الإباحة و الترخيص، فالصغرى محقّقة لأنّ هنا أحكاماً واقعية غير واصلة، و لكن الكبرى غير مسلّمة، لمخالفة الأخباريين في ذلك بأنّ الأصل في ذاك المقام هو الاحتياط.

4 الاستدلال على البراءة بالعقل:

لا شك أنّ الاحتجاج من آثار التكليف الواصل إمّا بنفسه أو بطريقه، و إلّا فصرف التكليف الواقعي لا يكون باعثاً و لا زاجراً، و لا يصحّ الاحتجاج به أبداً، و لا أنّ المولى يصل إلى غرضه به و يعدّ التعذيب و العقاب بل الزجر و اللوم به فعلًا

392

قبيحاً و ظلماً من المولى الحكيم، و هذا ممّا لا كلام فيه عند من يقول بالحسن و القبح العقليين.

إنّما الكلام في القاعدة العقلية الأُخرى، أعني: وجوب دفع الضرر الأُخروي المحتمل، إذ هو أيضاً واجب عند العقل من غير فرق بين العذاب المقطوع و المظنون و المحتمل، و احتمال التكليف مساو لاحتمال العقاب الأُخروي فيجب دفعه، فعند ذاك ربّما يتصوّر أنّ القاعدة الثانية مقدّمة على الأُولى بالبيان التالي:

إنّ في مورد الشبهة عقاباً محتملًا، و كلّ عقاب محتمل يجب التحرّز عنه، ينتج: فمورد الشبهة يجب التحرّز عنه.

فلو صحّت النتيجة يرتفع موضوع القاعدة الأُولى و هو» عدم البيان «فيكون بياناً يصحّ العقاب به، و يكفي في البيان بيان التكليف بنفسه أو بطريقه الشرعي كأدلّة الاحتياط أو العقلي كالقياس المزبور.

و ذهب المحقّق الخراساني إلى أنّ الشبهة البدوية من موارد القاعدة الأُولى دون الثانية و قال ما هذا نصّه:» و لا يخفى أنّه مع استقلاله بذلك، لا احتمال لضرر العقوبة في مخالفته، فلا يكون هنا مجال لقاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل كي يتوهّم أنّها تكون بياناً.

كما أنّه مع احتماله‏ (1) لا حاجة إلى القاعدة بل في صورة المصادفة، استحقّ العقوبة على المخالفة، و لو قيل بعدم وجوب دفع الضرر المحتمل.

و الحقّ أنّه كلام متقن غير أنّه يحتاج إلى توضيح أكثر فنقول: إنّ القاعدتين من القواعد القطعية في الحكمة العملية و لا يتصوّر التعارض بين القطعيين، فاحتمال التعارض مساوق لاحتمال صحّة المتناقضين، و التعارض من شئون الأدلّة

____________

(1)- يريد صورة العلم الإجمالي بالحرام.

393

الظنّية سنداً أو دلالة. إنّما الكلام في تشخيص مواردهما و أنّ الشبهة البدئيّة مصداق لأيّ واحدة منهما فنقول:

الحقّ أنّ المقام من مصاديق القاعدة الأُولى لا الثانية و يظهر ذلك ببيان أمرين:

الأوّل: انّ الاحتجاج يتوقّف على انضمام الصغرى بالكبرى، فالعلم بأنّ العقاب بلا بيان قبيح، لا يقع حجّة في يد العبد حتى تثبت الصغرى في المقام، و هو أنّ العقاب في المقام عقاب بلا بيان، حتى تترتّب عليه الكبرى كما أنّ العلم بالكبرى في القاعدة الثانية، و هي أنّ دفع الضرر المحتمل واجب لا يتمّ إلّا إذا انضمت إليه الصغرى و هو احتمال العقاب، و على ذلك ففي المقام قاعدتان عقليتان تامّتان لا بدّ من الدّقة في أنّ الشبهة البدئيّة من موارد أيّهما، و صورة القياس في الأُولى هكذا: العقاب على محتمل التكليف بعد التفحّص التام و عدم العثور عليه لا بالعنوان الأوّلي و لا بالثانوي، عقاب بلا بيان، و كلّ عقاب بلا بيان يمتنع صدوره عن المولى الحكيم، فينتج: أنّ العقاب على محتمل التكليف ممتنع الصدور منه، و أمّا صورة القياس في القاعدة الثانية فقد عرفتها فلا نعيد.

الثاني: أنّ الكبرى في كلتا القاعدتين برهانية لا غبار عليها، و إنّما الاشكال في الصغرى فهي في الأُولى وجدانية غير معلّقة بشي‏ء و في الثانية غير محقّقة. بل معلّقة على أحد أُمور، غير محقّق حسب العقل.

أمّا الأُولى: فلأنّ المستنبط بعد التفحّص التام من مظانّ التكليف خصوصاً إذا انضمّت إليه تتبعات الآخرين يحرز أنّ المورد ليس فيه بيان واصل إلى المكلّف لا بنفسه و لا بطريقه، فتضمّ إلى الكبرى البرهانية فينتج: أنّ العقاب في المورد قبيح.

و أمّا الثانية: فلانّ احتمال العقاب في شي‏ء ينشأ من أُمور، كلّها منتفية.

منها: صدور البيان عن المولى و حصول الإجمال بأحد علله، كما إذا تردد

394

الواجب بين صلاتي الظهر و الجمعة أو الحرام بين الإنائين، فلا شكّ في لزوم الاحتياط، و المفروض في المقام عدمه لكون الشبهة بدئيّة.

منها: كون الشك قبل الفحص، فلا شك في عدم جريان القاعدة الأُولى و كون المورد من مصاديق الثانية إذ اللازم عليه البيان على وجه لو أراد أن يقف عليه لوقف، و لا يلزم عليه إبلاغ الوظائف للأفراد شخصاً.

منها: كون العقاب بلا بيان، أمراً غير قبيح و هو مفروض البطلان لأنّه ظلم و هو قبيح عقلًا. و ننزّه ساحته سبحانه عنه.

منها: كون المولى شخصاً غير حكيم أو غير عادل، و هو أيضاً منتف.

و إذا انتفت مناشئ الاحتمال عقلًا، فاحتمال العقاب الذي هو صغرى القاعدة الثانية غير متحقّق و لا موجود و مع انتفائها كيف يمكن الاحتجاج بالكبرى وحدها.

و بذلك يعلم أنّه لا تعارض بين القاعدتين حتى يبحث عن الحكومة و الورود بل إحدى القاعدتين تامّة بصغراها و كبراها، و القاعدة الأُخرى غير تامّة لعدم تحقّق صغراها، و أنّ القاعدة الأُولى رافعة لموضوع صغرى القاعدة الثانية، فاحتمال العقاب في بعض الصور مرتفعة ببركة القاعدة الأُولى، لا أنّ إحدى الكبريين حاكمة على الأُخرى كما هو الظاهر من بعض العبارات اللّهمّ إلّا إذا أُريد أنّ إحدى الكبريين رافعة لصغرى القاعدة الأُخرى.

فإن قلت: إنّ العقوبات الأُخروية على قسمين: قسم منها رهن التكليف الواصل، و ذلك لأنّها عقوبات مجعولة بجعل الشارع، فلا يصحّ لدى العقل جعل موضوعها أوسع من التكليف الواصل، و إلّا يصبح العقاب عند العقل عقاباً بلا بيان. و لكن قسم منها يعدّ من اللوازم للأعمال التي يعبّر عنها بتجسّم الأعمال، و تجسّدها في الحياة البرزخية أو الأُخروية، و من المعلوم أنّها ليست من العقوبات السياسية المجعولة حتى ترتفع بحكم العقل، بل صور غيبيّة لأفعال الإنسان،

395

فللفعل صورتان دنيوية و أُخروية و تظهر في كل ظرف حسب صورته المناسبة لظرفه، و على ذلك فالقول بقبح العقاب بلا بيان، لا يعالج تلك الصور السيّئة الظلمانية التي تعدّ من اللوازم القهرية.

و الجواب: أنّ تجسّم الأعمال و تجسّدها في الحياة الأُخروية إجمالًا أمر مفروغ عنه حسب الآيات القرآنية قال سبحانه: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَ ما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَ بَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً) (آل عمران/ 30) لكن المراد بتجسّم الأعمال المعنون بعنواني الإطاعة و العصيان، لا مطلق الأعمال، و ارتكاب الشبهة البدئيّة غير معنون بالعصيان، فلا يكون له وجود برزخي.

و الحاصل: أنّ مسألة (تجسّم الأعمال) مسألة قرآنية و حديثية، و ليس لتعيين حدودها طريق علمي قطعي، سوى المصدرين و ليس فيهما ما يدل على أنّ لكل عمل صورة مادّية في هذا العالم، و صورة برزخية و أُخروية بعد الحياة و إنّما الوارد فيهما، أنّ كلّ عمل يعدّ إطاعة أو عصياناً، له صورة غير مادّية يعيش بها الانسان في البرزخ و ربّما يتعدّى إلى الآخرة كما في قوله سبحانه: (يَوْمَ يُحْمى‏ عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى‏ بِها جِباهُهُمْ وَ جُنُوبُهُمْ وَ ظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ‏) (التوبة/ 35) هذا في المعصية، و نظيرها في الطاعة قوله سبحانه: (يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ يَسْعى‏ نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ الْيَوْمَ‏) (الحديد/ 12) و النور الذي يسعى بين أيديهم و أيمانهم إنّما هو الإيمان و الطاعة المتجلّيان في الآخرة بصورة النور، فقد جاءوا به في الدنيا بقرينة قوله سبحانه: (يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَ الْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً) (الحديد/ 13).

و أمّا أنّ كلّ عمل صدر من الانسان له وجود برزخي و أُخروي و إن كان خارجاً عن دائرة الاطاعة و العصيان، فلم يدلّ عليه دليل، و ارتكاب الشبهة البدوية ليس من الواجب و الحرام بشي‏ء.

396

هذا كلّه إذا أُريد من الضرر، العقاب الأُخروي بأنحائه.

و أمّا إذا أُريد من الضرر، الضرر الدنيوي المحتمل الوجود في الشبهة البدوية، فلو قلنا بوجوب دفعه عقلًا، يجب الاجتناب عن الشبهة التحريمية.

و لكن الكلام في وجوب الاجتناب عنه قطعية أو ظنيّة أو محتملة، فالمحقّق عدم الوجوب إلّا إذا كان المحتمل، أهمّ لدى العقلاء أو لدى الشرع كالنفوس و الأعراض، أو الأموال، و أمّا في غير ذلك، فليس بواجب الاجتناب، بحجّة أنّ الأخباري مثل الأُصولي، لا يرى لزوم الاجتناب عن الشبهة الموضوعية في ما سوى الثلاثة و مع ذلك كيف يمكن إطلاق القول بوجوب دفع الضرر الدنيوي المحتمل.

هذا من غير فرق بين كون الضرر شخصياً أو نوعياً.

نعم يبقى هنا شي‏ء، و هو أنّ هذا الدليل العقلي، إنّما يتمّ لو لم تتم أدلّة القائل بالاحتياط من الآيات و الروايات و إلّا لكانت رافعة لموضوعه و يكون العقاب عقاباً مع البيان لا غير.

الكلام في أدلّة الاخباريين:

استدلّ الاخباريون على الاحتياط بالكتاب و السنّة و العقل.

1 الاستدلال بالكتاب:

أ قوله سبحانه: (وَ أَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَ أَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ‏) (البقرة/ 190) قائلًا بأنّ في ارتكاب الشبهة مظنّة الوقوع في التهلكة، و هي واجب الاجتناب و ضعف الاستدلال يتّضح ببيان أمرين:

الأوّل: المراد من (سَبِيلِ اللَّهِ‏) هو الجهاد، لوقوعها في سياق آيات الجهاد

397

التي ابتدأ الكلام فيها من آية 186 و ختم بهذه الآية و حملها على مطلق مواضع البرّ و الاحسان خلاف الظاهر.

الثاني: إنّ» الباء «في قوله (بِأَيْدِيكُمْ‏) إمّا زائدة» و اليد كناية عن القوّة و القدرة «و مفعول أوّل للفعل أعني (لا تُلْقُوا) كما أنّ قوله: (إِلَى التَّهْلُكَةِ) مفعول ثان، فيكون المعنى لا تبطلوا قدرتكم و قوّتكم بالبخل و ترك الانفاق في سبيل الجهاد حتى يتسلّط العدوّ عليكم و يذهب بشوكتكم و سطوتكم. أو للاستعانة، و المفعول الأوّل محذوف أي لا تلقوا أنفسكم بأيديكم إلى التهلكة. و علّة الهلاك ترك الانفاق في سبيل الجهاد.

و على كلّ تقدير فمضمون الآية ناظرة إلى هلاك النفس بترك القيام بالوظائف في موضع الحرب و الجهاد، و القتال مع العدو. و أيّ مساس له للاقتحام في الشبهات البدئية.

فإن قلت: إنّ القرآن يجري كما تجري الشمس و القمر، و المورد (النفس) لا يكون مخصّصاً، و الآية ضابطة كلّية للمسلم و أنّه يحرم عليه الإلقاء في التهلكة مطلقاً.

قلت: ما ذكرته صحيح لكنّ التمسّك بالكبرى فرع إحراز الصغرى أعني وجود التهلكة. فإن أُريد منها العقاب الأُخروي فهو مقطوع العدم ببركة أدلّة البراءة، و إن أُريد الهلاك الدنيوي فهو مثله إذ ليس في ارتكاب الشبهة هلاك النفس أبداً.

و إن شئت قلت: الآية تتضمّن حكماً إرشادياً لا مولوياً فتكون إرشاداً إلى الموارد التي يوجد فيها هلاك و تهلكة قطعية كما هو الحال في الكذب و الغيبة أو محتملًا كما في ارتكاب الشبهة قبل الفحص.

و لا تعمّ الموارد التي لا يوجد فيها الهلاك لا قطعاً و لا احتمالًا. كما لا يخفى.

ب الآيات الناهية عن القول بغير علم و هي كثيرة مبثوثة في عدّة سور

398

منها قوله سبحانه: (وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ‏) (الإسراء/ 36) و قوله سبحانه: (أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ‏) (الأعراف/ 28) وجه الاستدلال أنّ الحكم بجواز الارتكاب قول بغير علم.

و الجواب: أمّا نقضاً، فلو كان الحكم بجواز الارتكاب قولًا بغير علم، فالقول بوجوب الاحتياط مثله.

و ما عن الشيخ الأعظم من أنّ الأخباري يترك الفعل لاحتمال حرمته، غير تام، لأنّه يترك ويحكم بوجوب الاحتياط.

و أمّا حلّا: فلأنّ الحكم بالجواز استناداً إلى ما مرّ من الأدلّة، ليس قولًا بغير علم، كما أنّ الحكم بالوجوب عند من تمّت لديه أدلّة الاحتياط ليس قولًا بغير علم.

و الحاصل: أنّ الواقع مجهول على كلتا الطائفتين، و الحكم عليه، بما هو هو تقوّل بغير علم، من غير فرق بين الحكم عليه بالجواز أو بالحرمة، و أمّا من حيث الظاهر، فالحكم عليه بالسعة و عدم الضيق لأجل الأدلّة الماضية، أو بالاحتياط و التوقّف لأجل الأدلّة الآتية، حكم بالدليل الشرعي، إنّما الكلام في تمامية دليل الاحتياط لدى الأُصولي.

ج الآيات الآمرة بالتقوى بقدر الوسع و الطاقة و الاستطاعة، منها قوله سبحانه: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَ لا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ‏) (آل عمران/ 102) و منها قوله سبحانه: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَ اسْمَعُوا وَ أَطِيعُوا وَ أَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏) (التغابن/ 16).

وجه الدلالة: أنّ الاجتناب عن محتمل الحرمة، من التقوى، و كلّ ما كان كذلك واجب، ينتج» الاجتناب من محتمل الحرمة واجب «.

يلاحظ عليه: أوّلًا: أنّ التقوى تستعمل تارة في مقابل الفجور، و لا شك في وجوبها بعامّة مراتبها مثل قوله سبحانه: (أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ)

399

(ص/ 28) و قوله سبحانه: (فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَ تَقْواها) (الشمس/ 8) ففي مثل ذلك يكون الأمر بها للوجوب، و قد تطلق و يراد منها ما يعمّ القيام بكلّ مرغوب و التحرّز عن كلّ مكروه، أعم من واجب و مستحب و حرام و مكروه مثل قوله سبحانه: (وَ تَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى‏) (البقرة/ 197) ففي مثل ذلك لا يصحّ حمل الأمر على الوجوب، بل يجب تفسيرها على نحو يعمّ فعل الواجب و المستحب، و ترك المحرّم و المكروه بل المباح، و القيام بها مستحب إجماعاً و الآيتان ناظرتان إلى هذا القسم من التّقوى، و لا مناص من حمل الأمر على معنى يوافق جميع مراتبها كما سيوافيك بيانه في الوجه الثاني.

و إن شئت قلت: إطلاق المادة يقتضي عمومها بكل ما يطلق التّقوى على فعله أو تركه، و معه لا مجال للأخذ بمفاد الهيئة أعني الوجوب، و عكس هذا أي الأخذ بمفاد الهيئة و التصرّف في المادة و تخصيصها بالواجبات و المحرّمات و إن كان ممكناً لكن الشائع هو الأوّل.

و ثانياً: أنّ الأمر في الآيات إرشادي، يتبع في إفادة الوجوب أو الاستحباب على فعلية التكليف و عدمها، و الآيات بنفسها لا تدل على اللزوم و الاستحباب نظير قوله سبحانه: (أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ‏) فإطاعته سبحانه في الإتيان بالفرائض واجبة، كما أنّ إطاعته سبحانه في الإتيان بالمستحبّات مستحبّة فهو في إفادة أي واحد منهما تتبع المرشد إليه كما لا يخفى.

2 الاستدلال بالسنّة:

قد استدل الأخباريون على الاحتياط بطوائف من الأخبار تبلغ ست طوائف. نأتي من كلّ قسم ببعضه:

الطائفة الأُولى: ما يدلّ على حرمة القول و الإفتاء بغير علم‏

مثل صحيحة هشام بن سالم قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): ما حقّ اللّه على خلقه؟ قال: أن‏

400

يقولوا ما يعلمون، و يكفّوا عمّا لا يعلمون، فإذا فعلوا ذلك فقد أدّوا إلى اللّه حقّه‏ (1).

يلاحظ عليه: أنّ الاستدلال بهذه الطائفة مثل الاستدلال بالآيات الواردة بهذا المعنى و يعلم جوابها عمّا ذكرناه هناك من أنّ الإفتاء بأنّه ليس بحرام واقعاً يعدّ من التقوّل بغير علم. و أمّا القول بعدم المنع ظاهراً حتى يعلم الواقع، ليس تقوّلًا به بل قولًا مستنداً إلى الأدلّة الشرعية و قد مضت كما أنّ القول بعدم العقاب على الارتكاب مستند إلى الحكم العقل ليس قولًا بلا علم.

الطائفة الثانية: ما يدل على وجوب الردّ إلى اللّه و رسوله و الأئمّة من بعده في كلّ ما لا يعلمون.

مثل مقبولة عمر بن حنظلة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: و أمر مشكل يردّ علمه إلى اللّه و إلى رسوله‏ (2).

يلاحظ عليه: أنّ معظم روايات هذه الطائفة ناظرة إلى الاستقلال بالفتوى حسب المعايير الظنّية من القياس و الاستحسان و الاستناد إلى قول من ليس قوله بحجّة من دون الرجوع إلى أئمّة الدين و هداة الحق، و أين هو من عمل الأُصولي الإمامي حيث يفتي بعدم المنع ظاهراً بعد أن يرجع إلى مظان الدليل، و يوضح ذلك ما في رواية الميثمي عن الرضا في حديث اختلاف الأحاديث قال: و ما لم تجدوه في شي‏ء من هذه الوجوه فردّوا إلينا علمه فنحن أولى بذلك، و لا تقولوا فيه بآرائكم، و عليكم بالكفّ و التثبّت و الوقوف و أنتم طالبون باحثون حتى يأتيكم البيان من عندنا (3).

____________

(1)- الوسائل: ج 18 ص 112، الحديث 4 من باب 12 من أبواب صفات القاضي، و بهذا المضمون روايات كثيرة في الباب المذكور، فلاحظ الأحاديث: 5 و 10 و 11 و 20 و 27 و 31 و 44 و 59.

(2)- المصدر نفسه: ص 114، الحديث 9 من باب 12 من أبواب صفات القاضي.

(3)- المصدر نفسه: ص 121، الحديث 31 من باب 12 من أبواب صفات القاضي، و يوضح ذلك الحديث 35 و 49.