المحصول في علم الاُصول‏ - ج3

- محمود الجلالي المازندراني المزيد...
654 /
401

و الحاصل: أنّ الجميع أو الأكثر يتضمّن النهي عن الاستقلال بالفتوى من دون الرجوع إلى الأئمّة المعصومين و ربّما كان للتوقّف وجه آخر، غير ما ذكر أُشير إليه في بعض روايات الباب.

روى حمزة بن الطيار أنّه عرض على أبي عبد اللّه (عليه السلام) بعض خطب أبيه حتى إذا بلغ موضعاً منها قال له: كفّ و اسكت ثم قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): إنّه لا يسعكم فيما ينزل بكم ممّا لا تعلمون إلّا الكفّ عنه و التثبّت و الردّ إلى أئمّة الهدى حتى يحملوكم فيه على القصد، و يجلوا عنكم فيه العمى، و يعرّفوكم فيه الحقّ قال اللّه تعالى: (فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ‏) (1) فالظاهر أنّ الأمر بالوقوف لاشتمال الخطبة على بعض المعارف القرآنية التي لا تحتملها الأذهان الساذجة، و لأجل ذلك أمر الإمام بالرجوع إلى الأئمّة ليكشفوا لهم المراد.

الطائفة الثالثة: ما يدل على وجوب الاحتياط في مشتبه الأُمور

و تحليل كلّ واحد من هذه الروايات يتوقّف على نقل متونها إذ ليس الكل على وتيرة واحدة، مثل ما سبق من الطائفتين حتى يجاب عن الجميع بجواب واحد.

1 ما رواه عبد اللّه بن وضّاح أنّه كتب إلى العبد الصالح يسأله عن وقت المغرب و الافطار فكتب إليه: أرى لك أن تنتظر حتى تذهب الحمرة و تأخذ بالحائطة لدينك‏ (2).

و الجواب: أنّ الشبهة فيها إمّا أن تكون شبهة موضوعية بمعنى أنّه كان من المسلّم بين الإمام و الراوي أنّ الموضوع، هو استتار القرص للإفطار و صلاة المغرب و كان الشك في تحقّقه، و من المعلوم أنّ مقتضى الاستصحاب فيه هو العدم، فالاحتياط في مثله واجب، و لا صلة عندئذ للرواية بمورد البحث.

____________

(1)- الوسائل: ج 18 ص 112، الحديث 3 من باب 12 من أبواب صفات القاضي.

(2)- المصدر نفسه: ص 122، الحديث 37 من باب 12 من أبواب صفات القاضي، و رواه أيضاً في أبواب المواقيت من الصلاة الحديث 14.

402

و إمّا أن تكون حكمية، و الشك في أنّ الموضوع عند الشارع هل هو استتار القرص أو هو مع ذهاب الحمرة المشرقية، فالمشهور بين الإمامية هو الثاني، خلافاً لغيرهم، و من المعلوم أنّ اللازم على الإمام في مثله هو بيان الحكم و أنّ الوظيفة هو ذهاب الحمرة المشرقية، لا الجواب بالاحتياط. و هذا إن دلّ فإنّما يدلّ على أنّ الرواية واردة مورد التقية، حيث إنّ الحكم الواقعي عنده كان هو التربّص إلى ذهاب الحمرة المشرقية خلافاً لأبناء العامة حيث يكتفون بغيبوبة الشمس فلمّا كان التصريح بالحكم في المكاتبة مظنة محذور، توصل الإمام إلى بيانه من باب آخر و هو أنّ الانتظار أوفق بالاحتياط. لأنّ الإنسان عنده يذعن بذهاب الشمس عن أطرافه جميعاً. و مثل هذا البيان لا يعدّ دليلًا على وجوب الاحتياط في الشبهة الحكمية لأنّ الإمام اضطرّ لأجل الإيصال إلى الحكم الواقعي بالأمر بالاحتياط، و إيجاب الاحتياط في مثله لا يدلّ على لزومه مطلقاً.

أضف إلى ذلك: أنّ الظاهر من الرواية هو الاستحباب لقوله» أرى ... «و بذلك يظهر ضعف ما ربّما يقال: إنّ الظاهر من التعليل» أنّ وجوب الاحتياط كان أمراً مسلّماً بين الإمام و الراوي «لما عرفت من أنّ المسلّم هو حسنه لا لزومه.

2 مرسلة الشهيد في الذكرى قال: قال الصادق (عليه السلام): لك أن تنظر الحزم و تأخذ بالحائطة لدينك.

و فيه بعد الإرسال، وجود الإجمال في الجواب لعدم ذكر السؤال، إذ من المحتمل أن يكون السؤال عن مثل ما ذكر في الرواية الأُولى أو عن مورد العلم الإجمالي أو عن قبل الفحص أو عن الأُمور المهمّة التي يجب الاحتياط فيها حتى في الشبهات البدوية، و مثل ذلك لا يعدّ دليلًا على المسألة.

3 ما وجد بخطّ الشهيد الأوّل عن جعفر بن محمد (عليه السلام) يقول فيه: سل العلماء ما جهلت، و إيّاك أن تسألهم تعنّتاً و تجربة، و إيّاك أن تعمل برأيك شيئاً، و خذ بالاحتياط في جميع أُمورك ما تجد إليه سبيلًا، و اهرب من الفتيا هربَك‏

403

من الأسد، و لا تجعل رقبتك عتبة للناس‏ (1).

يلاحظ عليه: مضافاً إلى الإرسال أنّ قوله:» و خذ بالاحتياط في جميع أُمورك «تفسير لقوله:

» و إيّاك أن تعمل برأيك شيئاً «و الهدف ترك الافتاء المستند إلى المعايير و المقاييس التي لا دليل على حجيتها كالقياس و الاستحسان و المصالح المرسلة و إلّا فالإفتاء المستند إلى المصادر الصحيحة هو الغاية المطلوبة كيف و قد أمر أبو جعفر أبان بن تغلب بقوله: اجلس في مجلس المدينة وافت الناس فإنّي أحبُّ أن يرى في شيعتي مثلك‏ (2) و من راجع تاريخ الفقه و الفقهاء، يقف على أنّ أصحاب الرأي هم الذين كانوا يفتون، طبق موازين استحسانية من دون أن يعتمدوا إلى ركن وثيق، و كان على رأسهم في عصر الصادق (عليه السلام) أبو حنيفة و تلاميذه، و كان النضال بينهم و بين أصحاب الحديث، كفقهاء المدينة مثل مالك و أساتذته، مستمرّة، و أين هو من عمل الفقيه الإمامي الذي يفتي بالبراءة على ضوء الكتاب و السنّة.

4 صحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجلين أصاب صيداً و هما محرمان، الجزاء بينهما؟ أو على كل واحد منهما جزاء؟ قال: لا بل عليهما أن يجزي كل منهما الصيد.

قلت: إنّ بعض أصحابنا سألني عن ذلك فلم أدر ما عليه. فقال: إذا أصبتم بمثل هذا فلم تدروا فعليكم بالاحتياط حتى تسألوا عنه فتعلموا (3).

فقه الحديث يتوقّف على توضيح جملتين:

الأُولى: قوله:» فإذا أصبتم بمثل هذا «فما هو المشار إليه في هذه الجملة.

الثانية: ما هو المراد من قوله:» فعليكم بالاحتياط «.

____________

(1)- الوسائل: ج 18، الباب 12 من أبواب صفات القاضي، الحديث 54، ص 127.

(2)- رجال النجاشي: 73/ 1 74 برقم 6.

(3)- الوسائل: ج 18 الباب 12 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1، ص 111 112.

404

أمّا الأُولى: فالمشار إليه مردد بين كون المصاب شبهة حكمية على الإطلاق، أو خصوص الشبهة الوجوبية، أو قسم المردد بين الأقل و الأكثر. لا شك في بُعد الثالث، و الاحتياط في الثاني غير واجب باتفاق الأخباريين. فكيف يحمل عليه، فبقى الأوّل فيحمل عليه، و أمّا وجه وجوب الاحتياط في مطلق الشبهة الحكمية فسيتّضح عن قريب.

أمّا الثانية: فليس المراد هو الإفتاء بالاحتياط أو الإفتاء بأخذ ما يوافق الاحتياط، بل الظاهر ترك الإفتاء و عدم التقوّل بشي‏ء حتّى يتمكّن من السؤال.

إذا عرفت ذلك فنقول: الحديث وارد في مورد الإجابة عن المسألة قبل الفحص و التمكّن من السؤال عن الإمام. و الاحتياط فيه واجب و خارج عن الفرض.

5 رواية أبي هاشم عن الرضا (عليه السلام): أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قال لكميل بن زياد:» أخوك دينك فاحتط لدينك بما شئت « (1).

6 ليس بناكب عن الصراط من سلك سبيل الاحتياط (2).

و هاتان الروايتان يلوح منهما الاستحباب.

هذا هو الجواب التفصيلي عن الروايات و مع ذلك تصحّ الإجابة عن المجموع بوجوه: و هي ما أفاده المحقّق الخراساني بأن يقال:

1 إنّ أدلّة الاحتياط ظاهرة في مفادها، أعني وجوب الاحتياط و ما دلّ على حلّية المشتبه نص، و هو مقدّم على الظاهر.

2 إنّ الأوّل عام يعمّ جميع المشتبهات حتى صورة العلم الإجمالي و ما دلّ على حلّية المشتبه خاص فيقدّم على الأوّل.

3 إنّ العقل يستقلّ بحسن الاحتياط، و عندئذ يكون ما ورد من الأمر

____________

(1)- الوسائل: ج 18 الباب 12 من أبواب صفات القاضي الحديث 41 ص 123.

(2)- قال الشيخ الأعظم في الفرائد: أرسله الشهيد عنهم (عليهم السلام).

405

بالاحتياط إرشاداً لحكمه، فتختلف النتيجة إيجاباً و استحباباً حسب ما يرشد إليه من أحكام العقل، فهو مستقل بلزومه إذا تمّ البيان، لكن حصل الإجمال بنحو من الأنحاء بعد، سواء كانت الشبهة حكمية أو موضوعية، و بحسنه لا بلزومه في غير هذه الصورة، فيكون مفاده نظير مفاد قوله تعالى: (أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ‏) فاطاعته سبحانه فيما أمر به وجوباً و عزيمة واجبة، كما أنّ إطاعته في ما أمر به استحباباً مستحبّة، فتتبع مفاد ما يرشد إليه من الأوامر الصادرة منه سبحانه‏ (1).

و الوجه الثالث هو المتعيّن، دون الأوّل إذ لم يعلم وجه كون أدلّة الاحتياط ظاهرة إذ أيّ نصّ أصرح من قوله في صحيحة عبد الرحمن» فإذا أُصبتم بمثل هذا فعليكم بالاحتياط «.

و مثله الوجه الثاني فإنّ أدلّة الاحتياط لو قلنا بشمولها للشبهة البدئية آبية عن التخصيص إذ كيف يمكن تخصيص قوله:» أخوك دينك فاحتط لدينك «، فإنّ معناه يجب صيانة الأخ و حفاظته إلّا في ذاك المورد مع أنّ الأخ يجب أن يكون محفوظاً من الخطر مطلقاً.

الطائفة الرابعة: أخبار التثليث:

أ رواية عمر بن حنظلة:

روى عمر بن حنظلة عن أبي عبد الله في الخبرين المختلفين: إنّما الأُمور ثلاثة، أمر بيّن رشده فيتّبع، و أمر بيّن غيّه فيجتنب، و أمر مشكل يردّ علمه إلى اللّه و رسوله. و قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): حلال بيّن و حرام بيّن و شبهات بين ذلك، فمن ترك الشبهات نجا من المحرّمات و من أخذ بالشبهات ارتكب المحرّمات، و هلك من حيث لا يعلم إلى أن قال: فإنّ الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في‏

____________

(1)- الكفاية: ج 2 ص 184.

406

الهلكات‏ (1).

وجه الاستدلال: أنّ قوله (عليه السلام):» و أمر مشكل يردّ علمه إلى اللّه و رسوله «يعادله قوله:» و شبهات بين ذلك ... «و بما أنّ الردّ في المسائل المشكلة إلى اللّه و الرسول واجب، يكون الاجتناب من الشبهات أيضاً مثله، و بالجملة: يعرف حكم الشبهات عن حكم» المشكلات «فهما متّحدان موضوعاً و حكماً.

يلاحظ عليه: أنّ التثليث الوارد في كلام الإمام (عليه السلام) ناظر إلى الأحكام، و التثليث الوراد في كلام الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) ناظر إلى الموضوعات، و محور البحث في كلام الإمام هو البيّن رشداً و غيّاً من حيث الحكم و المشكل من هذه الحيثية، كما أنّ محوره في كلام الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم)، هو البيّن حلالًا و حراماً المشتبه من حيث الموضوع بعد الفراغ عن الحكم‏ (2).

و الحاصل: أنّ محور البحث في كلام الإمام (عليه السلام) بقرينة وقوعه جواباً عن الخبرين المختلفين اللذين بيّن الإمام حكمهما من الترجيح و التقديم هو البيّن و المشكل من حيث الحكم، كما أنّ المتبادر من كلام الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم)، هو البيّن من حيث الحلّية و الحرمة و المشتبه من حيث الموضوع و المصداق، و على ذلك نقول:

إنّ حكم اللّه في المشكل من حيث الحكم، وجوب الردّ إلى اللّه و رسوله، كما أنّ حكمه في المشتبه من حيث الموضوع و أنّه هل هو حلال أو حرام، هو وجوب الاجتناب أخذاً بحكم المقابلة.

غير أنّه يجب الإمعان في تحديد المشتبه الوارد في هذا الحديث و أنّه ما ذا أُريد منه، و هل أُريد الاجتناب عن مطلق الشبهة حتى الشبهة البدئية بعد الفحص أو أُريد خصوص ما إذا علم حرام قطعي في البين غير متعيّن.

و الظاهر هو الثاني: لأنّه فرض الكلام فيما كانت هناك محرّمات قطعية

____________

(1)- الوسائل 18: الباب 12 من أبواب صفات القاضي الحديث 9، ص 114.

(2)- أما الاستدلال بذيل الحديث فسيوافيك بيانه في الطائفة الخامسة و السادسة من الروايات.

407

حولها شبهات و عندئذ يكون ناظراً إلى صورة العلم الإجمالي أو الشبهة البدئية قبل الفحص، بشهادة أنّه فرض هلكة محقّقة في ارتكاب الشبهة مع غض النظر عمّا ورد في المقبولة من الأمر بالتوقّف، و ما هذا شأنه لا ينطبق إلّا على ما إذا كان الحكم فعلياً كما في صورة العلم الإجمالي و ما لا يكون الجهل عذراً فيه كما في البدئية من الشبهة قبل الفحص، و أمّا غيرهما فليس لنا علم بالهلكة حتى تشمله المقبولة.

و إن شئت قلت: إنّ الرواية ظاهرة فيما إذا كانت الهلكة محرزة مع قطع النظر عن حديث التثليث و كان اجتناب الشبهة أو اقترافها ملازماً لاجتناب المحرّمات، و اقترافها حتى يصحّ أن يقال: من اجتنب الشبهات نجا من المحرّمات و من أخذ بالشبهات ارتكب المحرّمات، و ما هذا شأنه لا يعمّ البدئية إذ ليس هناك علم بمحرّم قطعي مع قطع النظر عن أخبار التثليث و ليست هي أيضاً بصدد الحكم بحرمة المشتبه أيضاً كما هو واضح لمن لاحظ لسانها.

و إن أبيت إلّا عن إطلاق الرواية و أنّه شامل للصور الثلاث: العلم الإجمالي، و البدئية قبل الفحص، و البدئية بعده أو عن اختصاصها بالأخيرة فنقول: إنّ الرواية ناظرة إلى أمر روحي و ضابطة نفسيّة و هي أنّ الاعتياد بارتكاب الشبهة تخلق في النفس جرأة ارتكاب المحرّمات فينجرّ الأمر إلى ارتكاب المحرّمات كما هو الحكمة في النهي عن المكروهات، و ما هذا إلّا ليخلق في النفس ملكة الاجتناب من المحرّمات. و عندئذ يكون الميزان في لزوم الاحتياط و عدمه، هو المرشد إليه، أعني حكم العقل، فلو كان الحكم الواقعي فعلياً في طرف الجهل يكون الاجتناب واجباً، و إلّا فلا، و إن كان الأولى هو الاجتناب لئلّا يسهل له اقتراف المحرّمات.

فإن قلت: إنّ الظاهر من الرواية و نظائرها وجود التهلكة في كلّ محتمل التكليف و المتبادر منها هو العقاب الأُخروي، و لازم ذلك عدم سقوط التكليف المجهول، لأجل الجهل، هذا من جانب، و من جانب آخر نعلم أنّ العقاب على الحكم المجهول قبيح مخالف للحكمة.

408

و عندئذ لا مناص من سلوك طريق آخر للجمع بين هذا الظاهر و ذاك الحكم العقلي، و هو أنّا نستكشف ببركة هذه الرواية و نظائرها أنّ الشارع أوجب الاحتياط من قبل و إن لم يصل إلينا، بشهادة هذه الأخبار الدالّة على أنّ ارتكاب المشتبه ملازم للهلكة، و على ذلك يكون الواقع منجّزاً بإيجاب الاحتياط المنكشف، لا بهذه الروايات الكاشفة (1) و قد أُجيب عنه بوجوه:

الأوّل: انّ إيجاب الاحتياط لو كان نفسياً فالهلكة الأُخروية مترتبة عليه، لا على مخالفة الواقع، و صريح الأخبار أنّ الهلكة الموجودة لأجل مخالفة الواقع، و إن كان واجباً غيرياً للتحرّز عن العقاب الواقعي فهو مستلزم لترتّب العقاب على التكليف المجهول و هو قبيح.

يلاحظ عليه: أنّ الأمر المستكشف ليس نفسياً و لا غيرياً حتّى يتوجّه ما ذكر، بل أمر طريقي إلى الواقع، يوجب تنجّز الواقع فقط، كما هو شأن كلّ أمر طريقي شرّع لتنجيز الواقع، في الأُمور المهمّة من النفوس و الأعراض و الأموال.

الثاني: ما ذكره المحقّق الخراساني جواباً عن الإشكال: من أنّ مجرد إيجابه واقعاً ما لم يعلم، لا يصحح العقوبة عليه، و لا يخرجها عن أنّها بلا بيان و لا محيص عن اختصاص مثله بما يتنجّز فيه المشتبه لو كان، كالشبهة قبل الفحص مطلقاً أو المقرونة بالعلم الإجمالي‏ (2).

يلاحظ عليه: أنّه يكفي في بيان الأمر الوجوبي المنكشف، ما ذكر من الكاشف من ضم القضيتين، و بعبارة أُخرى: تكفي الدلالة الآنية في المقام.

الثالث: ما ذكره المحقّق الخوئي دام ظلّه: إنّ ما ثبت فيه الترخيص ظاهراً من قبل الشارع داخل في ما هو بيّن رشده لا في المشتبه كما هو الحال في الشبهات الموضوعية (3).

____________

(1)- لاحظ فرائد الأُصول طبعة رحمة اللّه ص 208207.

(2)- الكفاية: ج 2 ص 185.

(3)- مصباح الأُصول: ج 2 ص 301.

409

يلاحظ عليه: أنّ المتبادر من بيّن الرشد ما لا يكون فيه شك لا ظاهراً و لا واقعاً و يكون حكمه كالشمس في رائعة النهار و ليس المشتبه كذلك.

و الحقّ أن يقال: إنّه داخل في المشتبه لكن لزوم الاجتناب و عدمه يتوقّف على فعلية التحريم و عدمها، ففي الأوّل كما إذا كان قبل الفحص أو مع العلم الإجمالي يكون الاجتناب واجباً. و في غيره لا يكون إلّا راجحاً أخذاً بإرشادية الحكم الوارد في المورد، هذا مع غضّ النظر عن الإشكال و أمّا الإجابة عنه فبوجهين:

1 منع المقدمة الأُولى من ظهور الرواية في وجود احتمال العقاب عند ارتكاب كلّ مشتبه، بل الرواية ظاهرة في مشتبهات فيها محرّمات قطعية، و ارتكاب الأُولى ينتهي إلى ارتكاب الثانية الملازم للهلكة و هو لا ينطبق إلّا على أطراف العلم الإجمالي أو البدئيّة قبل الفحص.

2 انّ هذه المحاولة لتصحيح البيان غير كاف في نظر العقل إذ البيان المعلّق عليه تجويز العقاب، هو البيان الواضح المفهوم لعموم الناس، لا مثل هذا البيان الذي لا يقف عليه إلّا الأوحدي من الناس، بعد تدبير و إمعان و دقّة.

ب مرسلة الفقيه:

روى الصدوق في الفقيه: أنّ أمير المؤمنين خطب الناس فقال: حلال بيّن و حرام بيّن، و شبهات بين ذلك، فمن ترك ما اشتبه عليه من الإثم، فهو لم استبان له أترك، و المعاصي حمى اللّه فمن يرتع حولها يوشك أن يدخلها (1).

يلاحظ عليه: أنّ الرواية ظاهرة في الاستحباب، و أنّ النهي عن ارتكاب المشتبهات، لأجل أنّ الاجتناب عن ارتكابها يخلق ملكة قوية في الإنسان للاجتناب عن المحرّمات، فالاجتناب عنه نوع ممارسة و تمرين للاجتناب عن‏

____________

(1)- الوسائل: ج 18، الباب 12 من أبواب صفات القاضي، الحديث 22، ص 118.

410

المحظورات.

و يوضح ذلك ما دلّ عليه من أنّ المشتبهات قرب الحمى، لا نفسه، و المحرّم هو الرعي في الحمى لا في قربه، لكن الراعي في قربه غير مأمون عن الدخول فيه.

و في الحديث أنّ لكل ملك حمى، و حمى اللّه محارمه، فمن رتع حول الحمى أوشك أن يقع فيه. و بهذا المضمون ما رواه النعمان بن بشير عن رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) و سلام بن المستنير عن الباقر (عليه السلام) (1).

الطائفة الخامسة: ما يدلّ على التوقّف بلا ذكر علّة و هي كثيرة:

1 ما في وصية الإمام أمير المؤمنين لولده الحسن (عليهما السلام): لا ورع كالوقوف عند الشبهة (2).

2 مرفوعة شعيب رفعه إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: أورع الناس من وقف عند الشبهة (3).

و الحديثان ظاهران في الاستحباب بلا شك.

3 ما في كتابه إلى عثمان بن حنيف: فانظر إلى ما تقضمه من هذا المَقْضَم فما اشتبه عليك علمه فالفظه، و ما أيقنت بطيب وجوهه فنل منه‏ (4).

و هو محمول على الاستحباب لأنّ الشبهة موضوعية.

4 ما في عهد الإمام لمالك الأشتر: اختر للحكم و ... أوقفهم في الشبهات،

____________

(1)- الوسائل: ج 18، الباب 12 من أبواب صفات القاضي، الحديث 39 و 40 و 47، ص 122 124.

(2)- المصدر نفسه: الحديث 20.

(3)- المصدر نفسه: الحديث 24 و 33.

(4)- المصدر نفسه: الحديث 17، و نهج البلاغة ج 3 ص 78 كتاب 45، و قضم الشي‏ء: كسره بأطراف أسنانه.

411

و آخذهم بالحجج، و هو محمول على الاستحباب. لأنّ أكثر ما جاء فيه راجع إلى أدب القضاء و هو مستحب إجماعاً (1).

5 ما عن الإمام علي (عليه السلام) في خطبته: فيا عجباً و ما لي لا أعجب من خطأ هذه الفرق على اختلاف حججها في دينها، لا يقتفون أثر نبي، و لا يقتدون بعمل وصيّ، يعملون في الشبهات و يسيرون في الشهوات‏ (2).

و الكلام ناظر إلى الفرق الثلاثة: الناكثين و القاسطين و المارقين، و أين عملهم من الاجتهاد المتقن و أين هم من المجتهد السائر في ظل الأئمّة (عليهم السلام).

الطائفة السادسة: ما يدلّ على التوقف‏

مقروناً بأنّ الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات، فتارة تتقدم العلّة في الكلام و أُخرى تتأخّر و قد استعملت الضابطة تارة في مورد يكون الاجتناب مستحباً باتفاق الأخباريين و أُخرى في مورد يكون الاجتناب واجباً فمن القسم الأوّل:

1 ما رواه أبو سعيد الزهري عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة و تركك حديثاً لم تروه خير من روايتك حديثاً لم تحصه‏ (3).

أي ترك الحديث الذي لم تروه من طريق صحيح خير من رواية الحديث الذي لم يُحْصِه و لم يحقّقه، و ظهوره في الاستحباب غير خفي لأنّ ذلك الترك ليس بواجب قطعاً إذا نقله بشروطه.

____________

(1)- الوسائل: ج 18، الباب 12 من أبواب صفات القاضي، الحديث 18، و نهج البلاغة ج 3 ص 104 كتاب 53.

(2)- المصدر نفسه: الحديث 19، و نهج البلاغة ج 1 ص 154 خطبة 84.

(3)- المصدر نفسه: الحديث 2 ص 112 و رواه أيضاً في ذاك الباب تحت رقم 50 ص 126 فلاحظ.

412

2 ما رواه مسعدة بن زياد: لا تجامعوا في النكاح على الشبهة وقفوا عند الشبهة، يقول: إذا بلغك أنّك قد رضعت من لبنها و أنّها لك محرّم و ما أشبه ذلك، فانّ الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة (1).

و ظهوره في الاستحباب واضح لكون الشبهة موضوعية و الاحتياط فيها مستحب.

و من القسم الثاني:

1 صحيحة جميل بن دراج: الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة، إنّ على كل حقّ حقيقة و على كلّ صواب نوراً، فما وافق كتاب اللّه فخذوه و ما خالف كتاب اللّه فدعوه‏ (2) وجه الوجوب أنّه عدّ مخالف الكتاب من مصاديق الشبهة و لا شك في لزوم تركه و التحرّز عنه.

فإن قلت: إنّ مخالف الكتاب على الوجه السلب الكلي يجب طرحه و لا معنى للتوقّف فيه.

قلت: الظاهر أنّ المراد ما إذا كانت بين الروايتين مخالفة بالتباين، لكن كانت إحداهما موافقة لعموم القرآن أو إطلاقه، كما إذا تضاربت الروايات في الحبوة، فطائفة خصّتها بالولد الأكبر و الأُخرى أشركت جميع الورثة فيها. بحيث لو لا المعارضة لخصصنا عموم القرآن بالأُولى. و في مثله يجب التوقّف ثم الأخذ بموافق القرآن ترجيحاً له بالموافقة. و ليس المورد مثل ما إذا كانت النسبة بين الحديث و القرآن هي التباين إذ لا مجال لتسميته بالشبهة.

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّه لا يصحّ الاستدلال بمثل تلك الضابطة على وجوب الاحتياط في الشبهة الحكمية بعد الفحص لما عرفت من استعمالها تارة في‏

____________

(1)- الوسائل: ج 14، الباب 157 من أبواب النكاح الحديث 2 ص 193 و ج 18 الباب 12 من أبواب صفات القاضي، الحديث 15 ص 116.

(2)- المصدر نفسه: ج 18، كتاب القضاء الباب 9 من أبواب صفات القاضي الحديث 35 ص 86.

413

مورد الاستحباب و أُخرى في مورد الوجوب، و على ذلك تجب علينا ملاحظة المورد مجردة عن الضابطة، فإن كان الحكم فيه فعلياً منجزاً يجب التوقّف، و إلّا فلا و قد عرفت أنّ الحكم منجّز في موردي العلم الإجمالي و البدئيّة قبل الفحص دون البدئية بعده.

فإن قلت: كيف يصحّ تطبيق الضابطة على مورد يكون الاجتناب مستحبّاً، مع أنّه ليس فيه أيّة هلكة، و الحديث يركّز على الهلكة.

قلت: لا مناص إمّا من إرادة المعنى الأعم من الهلكة، فالإمام سمّى التعب الدنيوي الحاصل في بعض الموارد هلكة كما إذا تزوَّج الرجل المرأة المرمية بأنّها أرضعته، ثم وقف على صحّة النسبة، فإنّه يترتب عليه من التعب ما لا يطاق من مفارقتها، ممّا يصحّ أن يوصف بالهلكة.

أو القول بأنّ المراد في الهلكة، هو الإشراف إليها، حيث إنّ ارتكاب الشبهات يعطي للنفس جرأة ارتكاب المحرّمات، و يكفي ذلك في صحّة التسمية و التوصيف بالهلكة.

و على ضوء ما ذكر لا يصح الاستدلال بما في ذيل رواية عمر بن حنظلة عند ما فرض الخبرين متساويين من جميع الجهات، فقال الإمام: إذا كان كذلك فارجئه حتى تلقى إمامك، فإنّ الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات‏ (1). لما عرفت من أنّ الضابطة استعملت في موردين. نعم الاجتناب في موردها واجب لامكان السؤال عن الإمام، و هذا قرينة على أنّ المراد من قوله» خير «هو المعنى الأعم كما هو كذلك في القرآن، فتارة يكون مجرداً عن التفصيل مثل قوله سبحانه: (قُلْ أَ ذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ‏) (الفرقان/ 15) و يكون معه، كما في قوله تعالى: (وَ أَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَ‏) (النور/ 60).

____________

(1)- الوسائل: ج 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي الحديث 75/ 1 76.

414

3 الاستدلال بالعقل:

و استدل الأخباري على الاحتياط بدليل العقل و يقرّر بوجوه:

الأوّل: ما ذكره الشيخ الأعظم: انّا نعلم إجمالًا قبل مراجعة الأدلّة بمحرّمات كثيرة يَجب بمقتضى قوله تعالى: (وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) (الحشر/ 7) و نحوه الخروج عن عهدة تركها على وجه اليقين بالاجتناب أو اليقين بعدم العقاب لأنّ الاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينية. و بعد مراجعة الأدلّة و العمل بها لا يقطع بالخروج عن جميع تلك المحرّمات الواقعية. فلا بدّ من اجتناب كلّ ما يحتمل أن يكون منها إذا لم يكن هناك دليل شرعي يدلّ على حلّيته إذ مع هذا الدليل نقطع بعدم العقاب على تقدير حرمته واقعاً (1).

و هذا التقرير أوفق بمذهب الأخباري من تقرير المحقّق الخراساني حيث أدخل فيه محتمل الوجوب مع أنّه لا يجب فيه الاحتياط اتفاقاً.

و أجاب عنه المحقّق الخراساني بقوله: إنّ العقل و إن استقلّ بذلك إلّا أنّه إذا لم ينحلّ العلم الإجمالي إلى علم تفصيلي و شك بدوي، و قد انحلّ هاهنا فإنّه كما علم بوجود تكاليف إجمالًا، كذلك علم إجمالًا بثبوت طرق و أُصول معتبرة مثبتة للتكليف بمقدار تلك التكاليف المعلومة أو أزيد، و حينئذٍ لا علم بتكاليف أُخر غير التكاليف الفعلية في الموارد و المثبتة للتكليف من الطرق و الأُصول العملية (2).

و يمكن أن يقال: إنّ الانحلال الحقيقي إنّما يتحقّق فيما إذا كان ثبوت التكليف في طرف، نافياً لوجوده في الطرف الآخر. كما إذا قامت الأمارة بوجوب الجمعة، فيدلّ على عدم التكليف في ناحية الظهر للعلم بعدم وجوب صلاتين في ظهر يوم واحد، بخلاف المقام فإنّ ثبوت التكاليف في مورد الطرق و الأُصول المثبتة للتكليف لا ينفي ثبوت الحكم في غيرها فلا ينحلّ العلم الإجمالي.

____________

(1)- فرائد الأُصول طبعة رحمة اللّه ص 212.

(2)- الكفاية: ج 2 ص 187185.

415

هذا ما يمكن أن يقال في بادئ النظر. و لكنّ الحقّ هو القول بالانحلال و إن لم يلازم ثبوت التكليف في طرف، نفي التكليف في الطرف الآخر.

توضيحه: أنّ للانحلال صورتين:

الأُولى: أن يعلم أنّ ما هو المعلوم إجمالًا، هو المعلوم تفصيلًا، كما إذا حصل العلم الوجداني أو قامت الامارة بعد العلم الإجمالي بنجاسة أحد الإنائين، أنّ ما هو النجس إجمالًا هو ذاك الإناء المعيّن، و قد مرّ نظيره في مورد العلم بوجوب الجمعة تفصيلًا.

و من هذا القبيل أن يكون هناك علمان إجماليان أحدهما أكبر دائرة من الآخر، كما إذا علم أنّ في قطعية غنم، خمس شياة مغصوبة ثم علم أنّ في الغنم السود، خمس شياة محرّمة و أنّها عين ما علم في الدائرة الأُولى، فينحلّ العلم الإجمالي الأكبر بلا شك إذ لا علم بالمغصوب في غير الدائرة الصغيرة، و الثاني من العلمين و إن كان إجمالياً لكنّه يوجب انحلال العلم الاجمالي الكبير. فيكون وراء السود من الغنم، خارجاً عن دائرة العلم و طرفه.

الثانية: تلك الصورة و لكن يحتمل أن يكون ما هو المعلوم في الدائرة الكبرى هو نفس ما علم في الدائرة الصغرى فهل يتحقّق الانحلال أم لا؟ الظاهر هو الأوّل، لأنّ العلم الإجمالي قائم بالترديد، فإذا زال الترديد بالوقوف على عدّة من المحرّمات، فلا يتصوّر وجوده، سواء علمنا أنّ ما هو المعلوم إجمالًا هو نفس ما علم حرمته تفصيلًا أو احتمل ذلك، فبالعلم بالانطباق أو احتماله ينحلّ العلم الإجمالي الكبير و يزول التردد فتكون إحدى القضيتين متيقّنة و الأُخرى مشكوكة. و إن شئت قلت: تنحلّ القضية المنفصلة إلى قضيتين حمليتين و هو ينافي الترديد. و من هذا القبيل مورد البحث، لأنّه إذا علم بوجود محرّمات في ضمن محتملات كثيرة ثم علم وجود عدّة من المحرّمات في ضمن الكتاب و السنّة على وجه يحتمل أن يكون ما علم في الدائرة الصغيرة، نفس ما علم به في الدائرة

416

الوسيعة و إن كان غير جازم بالانطباق مائة بالمائة. فمع هذا الاحتمال يتحقّق الانحلال و يزول التردد الذي هو المعيار الراجح لبقائه.

و يشهد لذلك أنّا إذا أخرجنا الموارد التي أقام الدليل أو الأصل على إثبات التكليف فيها، فلو بقى العلم الإجمالي بحاله، فهذا دليل على عدم الانحلال، و أمّا إذا لم يبق بل صار وجود الحرام فيها محتملًا و مشكوكاً، فهذا آية الانحلال فالعلم بالانطباق و احتماله سواسية، و لا يلزم بكون المعلوم بالتفصيل نافياً للتكليف عن الجانب الآخر، أو يكون المعلوم بالإجمال في الدائرة الكبيرة معلوم التحقق في المعلوم في الدائرة الصغيرة، بل يكفي كونه رافعاً لوجود العلم و إن بقى الشك و الاحتمال بحالهما.

فإن قلت: إنّ العلم التفصيلي بالتكاليف عن طريق الأمارات و الأُصول المثبتة للتكليف حادث و العلم التفصيلي الحادث و إن أوجب الانحلال لكنّه لا يرفع أثر العلم الإجمالي السابق كما إذا علم إجمالًا بنجاسة أحد الإناءين ثم علم بوقوع قطرة من الدم في أحدهما تفصيلًا، و الترديد و إن كان مرتفعاً بالعلم التفصيلي المتأخّر لكنّه لا يرفع أثر العلم الإجمالي، بل يكون الاناء الآخر أيضاً واجب الاجتناب بالعلم الإجمالي السابق، و مثله المقام حرفاً بحرف.

قلت: إنّ العلم التفصيلي الحادث على قسمين، قسم منه يكون متأخّراً علماً و معلوماً كما ذكر في المثال المتقدم و في مثله يكون العلم الإجمالي مؤثّراً حتّى بعد طروء العلم التفصيلي لأنّ التردد و إن كان يزول بعد العلم التفصيلي، لكن وجوب الاجتناب عن الإناء الآخر من آثار ذاك العلم الإجمالي السابق و من توابع تنجّزه، و إن لم يكن الآن موجوداً، و لأجل ذلك لا يكون العلم التفصيلي اللاحق الحادث علماً و معلوماً، مؤثّراً في رفع التنجّز في الاناء المشكوك و إن كان مؤثّراً في رفع نفس العلم الإجمالي، و الحاصل أنّ العلم الإجمالي مرتفع لكن أثره باق.

و قسم منه يكون العلم التفصيلي متأخّراً، و المعلوم متقدّماً، و يكون المعلوم به‏

417

أمراً سابقاً على العلم الإجمالي أو مقترناً معه، و مثله يمنع عن انعقاد العلم الإجمالي مؤثراً ثبوتاً، و إن كان لأجل جهله به يتخيّل أنّه له علماً إجمالياً مؤثّراً، و لكن بعد الوقوف على سبق معلوم تفصيلي على علم إجمالي، يقف على وجود مانع عن انعقاده مؤثراً و إن لم يكن هو متوجّهاً إليه و العلم التفصيلي الحادث إنّما لا يضر إذا كان متأخّراً علماً و معلوماً، لا ما إذا كان متأخّراً علماً و متقدّماً معلوماً و كاشفاً عن معلوم متقدّم على العلم الإجمالي أو مقترن معه، ففي مثله يمنع عن انعقاد العلم الإجمالي.

و هذا نظير ما إذا علم عند الفجر إجمالًا بنجاسة أحد الإنائين، ثم علم عند الظهر بأنّ الإناء المعيّن كان نجساً في أوّل الليل قبل الفجر بكثير، فالعلم التفصيلي المتأخّر، الكاشف عن معلوم تفصيلي سابق على العلم الإجمالي، يمنع عن انعقاد العلم الإجمالي مؤثّراً، و لأجله لو كان عند طروء العلم الإجمالي واقفاً على النجاسة المعينة لما انعقد العلم الإجمالي مؤثّراً، لسبق العلم التفصيلي بنجاسة أحدهما.

و الحاصل: أنّ العلم التفصيلي الحادث الكاشف عن معلوم تفصيلي متقدم على العلم الإجمالي، يكشف عن عدم انعقاده مؤثّراً و أنّ العلم بوقوع قطرة من الدم إمّا في هذا أو في ذاك لم يكن مؤثّراً في التنجيز لسبق تنجّز الاجتناب عن أحد الإناءين من قبل، و إن لم يكن واقفاً به و لأجله لا يصحّ له أن يقال إمّا هذا نجس و إمّا ذاك، بل يقول: هذا نجس قطعاً و الآخر مشكوك.

و إن شئت قلت: إنّ من شرائط انعقاد العلم الإجمالي منجّزاً أن يكون محدثاً للتكليف على كلّ تقدير، و هذا الشرط مفقود في المثال لسبق وجوب الاجتناب عن أحدهما معيناً، فلا يؤثّر فيه و يكون تأثيره مشكوكاً في الأمر الآخر.

إذا عرفت ذلك: فاعلم أنّ المقام من قبيل القسم الثاني، فإنّ العلم التفصيلي بصدور أمارات و طرق من الشارع و إن كان متأخّراً عن العلم الإجمالي‏

418

بالتكاليف، لكن المعلوم و هو تنجّز مواردها متقدّم على العلم الإجمالي، و مثل هذا العلم بتنجّز موارد الطرق و الامارات قبل حدوث العلم الإجمالي، يمنع عن انعقاد العلم الإجمالي الحادث مؤثّراً و منجّزاً في جميع الأطراف، لأنّ المعلوم إجمالًا إمّا أن يكون في موارد الطرق و الأُصول فقد كان التكليف منجَّزاً فيها قبل حدوث العلم الإجمالي، و إمّا أن يكون في غيرها، فهو مشكوك فينحلّ العلم الإجمالي.

و بذلك يظهر الفرق بين الاضطرار الحادث بعد العلم الإجمالي بأحد الطرفين فلا يؤثّر في رفع التكليف عن الطرف الآخر غير المضطرّ إليه. و بين الاضطرار السابق على العلم الإجمالي و إن لم يكن واقفاً به، فيكون بوجوده الواقعي المنكشف بعد العلم الإجمالي مانعاً عن تنجّز العلم الإجمالي.

و مثله الخروج عن محلّ الابتلاء لو قلنا بكونه مؤثّراً في رفع التكليف و قبح الخطاب فيكون مانعاً عن انعقاد العلم الإجمالي مؤثّراً لو كان خارجاً عن محلّ الابتلاء قبل العلم الإجمالي و إن علم به بعده، و بين الخارج عن محلّ الابتلاء بعد العلم الإجمالي، فإنّه لا يرفع أثره و هو تنجّز التكليف بالنسبة إلى الباقي في محلّ الابتلاء.

هل الانحلال حقيقي أو حكمي:

ربّما يقال بأنّ الانحلال في المقام حكمي لأنّ حجّية الأمارات من باب الطريقية و تنزيل الأمارة منزلة العلم في الأثر بمعنى تنزيل شي‏ء كالأمارة منزلة العلم التفصيلي و إعطاء أثره له، و بما أنّ أثر المنزّل عليه هو صرف التنجيز في متعلّقه، يكون أثر المنزّل أيضاً هو هذا المقدار و يكون الحكم منجّزاً في أحدهما دون الآخر، و هذا نفس الانحلال الحكمي، و إلى هذا أشار المحقّق الخراساني و قال: إنّ نهوض الحجّة على ما ينطبق عليه المعلوم بالإجمال في بعض الأطراف يكون عقلًا بحكم الانحلال و صرف تنجّزه إلى ما إذا كان في ذاك الطرف و العذر عمّا إذا كان‏

419

في سائر الأطراف.

أقول: لو كان الملاك في الانحلال الحقيقي هو العلم بأنّ ما علم تفصيلًا، نفس المعلوم بالإجمال، فالانحلال في المقام حكمي، إذ الانطباق في المقام، احتمالي لا قطعي إذ من المحتمل أن يكون بعض ما علم تفصيلًا، غير ما علم إجمالًا، و قد عرفت أنّه يكفي في الانحلال احتمال الانطباق لا القطع به، و أمّا إذا كان الملاك هو ذهاب التردد عن النفس، فالتردد منتف للعلم بوجوب الاجتناب شرعاً (لا واقعاً) عمّا قامت الطرق و الأُصول المثبتة على حرمته فالانحلال حقيقي كما أنّه إذا كان الملاك العلم الوجداني بالحرمة لا قيام الحجّة على وجوب الاجتناب، فالانحلال حكمي.

هذا حال التقرير الأوّل من الاستدلال بالعقل على الاحتياط و إليك توضيح الباقي:

الثاني: إنّ العقل يستقل بالحظر في الأفعال غير الضرورية قبل الشرع و لا أقل من الوقف و عدم استقلاله لا به و لا بالإباحة و لم يثبت شرعاً إباحة ما اشتبه حرمته، فإنّ ما دلّ على الإباحة معارض بما دلّ على وجوب التوقّف و الاحتياط. و أمّا كون الأصل في الأشياء هو الحظر فلأنّ التصرّف فيما هو محلّ سلطنة المولى من دون إذن منه ممنوع عقلًا. كما هو المشاهد في الموالي العرفية بالنسبة إلى عبيدهم.

يلاحظ عليه: أوّلًا: بالفرق بين الموليين و مالكيتهما فإنّ أحدهما غني بالذات لا تزيده كثرة العطاء إلّا جوداً و كرماً، و الآخر فقير بالذات حريص على ما في يده، و مالكية أحدهما تكوينية ناشئة من خالقيته، و مالكية الآخر اعتبارية ناشئة من اعتبار العقلاء، و التصرّف في ملك الأوّل لا يزاحم سلطانه بخلاف التصرّف في ملك الثاني فإنّه يزاحم سلطانه و لأجله لا يصحّ إلّا باذنه، و مع هذه الفوارق فكيف يستكشف حال الأوّل من الثاني.

و ثانياً: أنّ ثبوت الحظر قبل نزول الشريعة، لا يدلّ على ثبوته بعد نزولها

420

و نزول كتابها، و تكميلها، فلو حكم العقل به أو بالوقف قبل تشريع أيّ حكم و بعث أي رسول، لكان له مجال، و أمّا حكمه بهما بعد بعث الأنبياء و إنزال الكتب و إكمال الدين فلا، بل يكون الحكم عند ذاك هو حكمه الآخر، أعني كون العقاب بلا بيان قبيح.

و ثالثاً: أنّ إيجاد المعارضة بين أدلّة الطرفين، و توهّم تساويهما باطل، لما عرفت من تمامية ما دلّ على البراءة و عدم تمامية ما استدل به على الوقف أو الاحتياط.

الثالث: أنّ في ارتكاب الشبهة احتمال المضرّة و دفع الضرر المحتمل واجب، و قد عرفت حاله فيما سبق.

و ينبغي التنبيه على أُمور (1):

التنبيه الأوّل: لا شك في حسن الاحتياط، و إن كان واجباً و العقل يستقلّ به‏

و هو نوع من الانقياد بشرط أن لا يخلّ بالنظام عقلًا، أو لا ينجرّ إلى العسر و الحرج شرعاً، و لا شكّ أنّ الاحتياط في عامّة الأطراف ينجرّ إلى ذلك فلا بدّ من اتخاذ قاعدة لا ينجرّ إلى ذلك و هي:

1 الاحتياط حسن إلّا أن يبلغ إلى الحدّ الذي ينجرّ إلى الحرج، و عند ذلك يتركه مطلقاً في عامة الموارد و هو كما ترى.

2 الاحتياط حسن في بعض الموارد بتقديم الأهمّ محتملًا و إن كان أضعف احتمالًا كما في الموارد الثلاثة من النفوس و الأعراض و الأموال، فيستحسن الاحتياط و لو كان الاحتمال ضعيفاً.

3 الاحتياط بتقديم الظن على الحرمة على الشك وهما على الوهم سواء كان‏

____________

(1)- ذكر المحقق الخراساني في المقام تنبيهات أربعة. فنحن قدّمنا البحث عن الرابع و الثالث على الأوّلين.

421

المحتمل في الظن ذات أهمية أو لا.

4 التلفيق بين الثاني و الثالث، فيقدم الأهم محتملًا، مع الأهم احتمالًا إذا لم يستلزم الحرج.

التنبيه الثاني: في عدم وجوب الاحتياط في الشبهة الموضوعية:

اتفقت كلمتهم على عدم وجوب الاحتياط في الشبهات الموضوعية، و كونها مجرى لأدلّة البراءة نقلية أو عقلية، أمّا الأُولى، فلعموم قوله (صلى الله عليه و آله و سلم): رفع عن أُمّتي ما لا يعلمون، و قوله (عليه السلام) في خصوص التحريمية منها: كلّ شي‏ء هو لك حلال حتى تعلم أنّه الحرام بعينه، و أمّا الثانية فلأنّ ملاك صحّة العقوبة، صحّة الاحتجاج و هي متوقفة على وجود الحجّة المركبة من المقدمتين: الصغرى و الكبرى، و من المعلوم عدم إحراز الصغرى في هذا القسم من الشبهات و إن كانت الكبرى محرزة.

نعم كان سيّدنا المحقّق البروجردي مصرّاً على عدم جريان البراءة العقلية فيها قائلًا بأنّ ما هو وظيفة الشارع عبارة عن بيان الكبرى دون الصغرى، و المفروض أنّه قد قام ببيانها، و أمّا بيان الصغرى فهو خارج عن وظيفته، فلو عاقب فلا يكون العقاب بلا بيان.

يلاحظ عليه: أنّ المراد من البيان، هو الحجّة المؤلّفة من المقدّمتين و بدون إحراز الصغرى معه كيف يصحّ له أن يعاقب، و ليس العقاب معلّقاً على وجود البيان اللفظي الصادر من المولى، حتى يقال: إنّه قام بالبيان.

فإن قلت: إنّ الشارع بيّن حكم الخمر مثلًا فيجب حينئذ اجتناب كلّ ما يحتمل خمراً من باب المقدّمة العلمية فالعقل لا يقبح العقاب خصوصاً على تقدير مصادفة الواقع.

قلت: أجاب عنه الشيخ الأعظم بقوله: النهي عن الخمر يوجب حرمة

422

الأفراد المعلومة تفصيلًا أو إجمالًا و الأوّل لا يحتاج إلى المقدمة العلمية، و الثاني يتوقّف على الاجتناب عن أطراف الشبهة. و أمّا ما احتمل كونه خمراً من دون علم إجمالي، فلم يظهر من النهي تحريمه و ليس مقدّمة للعلم باجتناب فرد محرم يحسن العقاب عليه‏ (1).

يلاحظ عليه: أنّه غير قالع للشبهة إذ لقائل أن يقول: إنّ المولى قام بوظيفته، فعلى العبد أن يحصل اليقين ببراءة ذمّته عن التكليف القطعي و هو لا يحصل إلّا بالاجتناب عن الأقسام الثلاثة، و قوله:» أمّا ما احتمل كونه خمراً فلم يظهر من النهي تحريمه «و إن كان صحيحاً، لكنّ الاجتناب عن الخمر الواقعي المحرّم على وجه القطع و البت لا يحصل إلّا بالاجتناب عن محتمل الخمرية، فالاجتناب عنه ليس بملاك كونه محرّماً، بل بملاك العلم بالاجتناب عن الحرام الواقعي المنجّز، و الاجتناب عنه و إن لم يكن مقدمة للاجتناب عن الفرد المحرّم كما أفاده لكنّ الاجتناب عنه مقدمة، للاجتناب عن الخمر الواقعي على وجه القطع.

و الحقّ في الجواب ما عرفته.

تفصيل المحقّق الخراساني في الشبهة الموضوعية:

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني فصّل بين كون النهي انحلالياً بأن يكون كل فرد منه مستقلًا موضوعاً للحكم، فلا يجب إلّا ترك ما علم أنّه فرد و حيث لم يعلم تعلّق النهي إلّا بما علم أنّه مصداقه، فأصالة البراءة في المصاديق المشتبهة محكمة، و بين ما لو كان هناك نهي واحد تعلّق بالشي‏ء من دون أن ينحل إلى نواهي بحيث لو ترك الجميع إلّا مورداً واحداً، لما امتثل أصلًا، فعندئذ يكون اللازم إحراز أنّه تركه بالمرّة و لو بالأصل، فلا يجوز الاتيان بشي‏ء يشك معه في تركه، إلّا إذا كان‏

____________

(1)- الفرائد: طبعة رحمة اللّه/ 221.

423

مسبوقاً به ليستصحب مع الإتيان به‏ (1).

و لا يخفى أنّ القسم الثاني يتصوّر على وجوه:

الأوّل: أن يتعلّق النهي بالشي‏ء على وجه يكون ناعتاً فيكون الواجب كون الانسان موصوفاً بأنّه» غير شارب الخمر «ففي هذه الصورة يجب الاحتراز عن كل مشكوك حتى يحرز ذاك الوصف الوجودي أي كون الانسان غير شارب الخمر.

الثاني: أن يتعلّق النهي بعنوان بسيط يكون ترك الأفراد محقّقاً له. فلا شك أيضاً في لزوم ترك الأفراد المشكوكة، للعلم باحراز ترك ذاك العنوان، فالعلم بترك ذاك العنوان يتوقّف على ترك المعلوم و المشكوك، و إلّا يكون تركه مشكوكاً.

الثالث: أن يتعلّق النهي بالأفراد لكن بصورة العام المجموعي، فعندئذ يكون مرجع الشك في كونه مصداقاً أو لا، إلى انبساط النهي إليه و عدمه. فيشبه المقام بالأقل و الأكثر الارتباطيين، فلو قلنا بالبراءة العقلية فيه يكون المقام مثله، و على ذلك فلا وجه للجزم بالاحتياط بل يكون وجوبه و عدمه مبنياً على المختار في ذاك المقام.

و لكن هنا تفصيل أوفق بأُصول المذهب و هو أنّه إذا كان تحصيل العلم بالموضوع سهلًا جدّاً، فالحقّ عدم وجوب البراءة فيه، كما إذا كان المائع مردداً بين الخلّ و الخمر، فله تحصيل الواقع بالرؤية و الشمّ، فمثل هذا المورد و أمثاله يجب التوقّف حتى يظهر الحال.

و بذلك قالوا بوجوب الفحص فيما إذا شك المكلّف أنّه مستطيع أو لا و أنّه هل بلغ المال حدّ النصاب أو لا، فلا يصحّ إجراء البراءة بل يجب الفحص.

____________

(1)- الكفاية ج 2 ص 200.

424

التنبيه الثالث: لا شك في حسن الاحتياط في الواجبات التوصلية،

فيكفي فيها الإتيان بنفس العمل علم وجوبه أم لا يعلم، فليس فيه أيّ اشكال. و كذا الحال في العبادات فيما إذا أُحرز أصل الرجحان، فلو دار أمر عبادة بين الوجوب و الاستحباب فلا إشكال في إمكانه و حسنه لإحراز الأمر و الرجحان، و عدم اعتبار قصد الوجه، إنّما الكلام فيما إذا لم يحرز الأمر و لا الرجحان، كما إذا دار الأمر بين الوجوب و الإباحة أو بين الاستحباب و الإباحة، فيشكل الاحتياط لعدم إحراز الأمر و لا الرجحان مع تقوّم العبادة بأحدهما، و بعبارة أُخرى، للشك في كونها عبادة أو لا و معه لا يصدق عليه أنّه احتياط في العبادة. و قد أُجيب عن الاشكال بوجوه:

الأوّل: و هو أمتنها من منع توقّفها على ورود أمر بها بل يكفي الإتيان به لاحتمال كونه مطلوباً أو كون تركه مبغوضاً (1) و ظاهره أنّه يكفي في مقام الامتثال احتمال الأمر، و لا يلزم القطع به، و المنبعث عن احتمال الأمر كالمنبعث عن الأمر القطعي.

نقول توضيحاً لكلامه: إنّ موضوع البحث إمكان الاحتياط في الموضوع العبادي المردّد بين الوجوب و الإباحة، فلو كان صدق العبادة متوقّفاً على وجود الأمر القطعي، فلا يمكن الاحتياط فيه. و أمّا لو قلنا بأنّ صدق العبادة القطعية متوقّف على وجوده، و أمّا العبادة المحتملة فيكفي في صدقها، احتمال تعلّق الأمر بها، و عدم العلم بعدمه. فعلى ذلك فالاحتياط في العبادة المردّدة بين الوجوب و الإباحة أمر ممكن.

و إن شئت قلت: إنّ الحاكم، بلزوم قصد الأمر في العبادة، هو العقل، حيث يرى أنّ حقيقتها عبارة عن الإتيان بها بداعي أمرها و على ضوء ذلك فهو كما

____________

(1)- فرائد الأُصول طبعة رحمة اللّه ص 228.

425

يستقلّ بلزوم قصد الأمر القطعي، فهكذا يستقلّ بكفاية قصد الأمر الاحتمالي عند عدم العلم به بل يعدّ الانبعاث به أولى و أفضل من الانبعاث من الأمر القطعي.

الثاني: أنّه لا دليل على توقّف صدق العبادة على قصد الأمر مطلقاً، قطعية أو احتمالية بل يكفي في صدقها كون العمل مأتياً به للّه سبحانه لا للسمعة و لا للرياء و لا لغيرهما من الدواعي النفسانية، و هذا يكفي في الاحتياط و ليس لنا دليل على أزيد من اعتبار هذا، و قد أوضحنا حاله عند البحث عن التعبّدي و التوصّلي، و هذا الملاك موجود في محتمل العبادة أيضاً.

الثالث: انّا نستكشف الأمر بالاحتياط من حسن الاحتياط الذي يستقلّ به العقل استكشاف المعلول عن علّته، و يقصد هذا الأمر المكشوف فيما إذا دار الأمر بين الوجوب و الإباحة.

و أُورد عليه بوجهين:

1 بأنّ الأمر بالاحتياط المستكشف من حكم العقل بحسن الاحتياط أمر إرشادي، لا يصحّح عبادية العمل المردد، و أنّ الهدف منه هو التحفّظ على الواقع من دون أن يكون له نفسيّة أو شأنيّة.

و منه يظهر حال الأوامر الواردة في الشرع بالاحتياط فإنّها أيضاً كالمستكشف إرشادي لا يصحّح عباديته.

2 إنّ الأمر بالاحتياط يتوقّف على استقلال العقل بحسن الاحتياط في العبادة، و الحسن متوقّف على المضاف إليه الذي هو» الاحتياط في العبادة «و المفروض أنّ الاحتياط في العبادة متوقّف على ذلك الأمر المستكشف. إذ المفروض أنّه لو لا الأمر بالاحتياط لما تحقّق عنوان العبادة في العمل المردّد حكمه بين الواجب و المباح.

426

الرابع: انّه يستكشف الأمر عن ترتّب الثواب على الاحتياط في المورد، لأنّ الثواب فرع الأمر فيكشف بالإنّ و يرد عليه كلا الإشكالين، أمّا الدور فلأنّ الأمر متوقّف على ترتّب الثواب على الاحتياط في العبادة، و هو متوقّف على صدق عنوان» الاحتياط في العبادة «المتوقّف على وجود الأمر.

و أمّا الاشكال الثاني فواضح لا يحتاج إلى البيان.

الخامس: ما ذكره الشيخ في فرائده و نقله المحقّق الخراساني من أنّ المراد من الاحتياط في العبادات هو مجرد الفعل المطابق للعبادة من جميع الجهات عدا نيّة القربة. قال الشيخ: المراد من الاحتياط و الاتقاء في هذه الأوامر هو مجرد الفعل المطابق للعبادة من جميع الجهات عدا نيّة القربة، فمعنى الاحتياط بالصلاة الإتيان بجميع ما يعتبر فيها عدا قصد القربة، فأوامر الاحتياط تتعلّق بهذا الفعل، و حينئذٍ فيقصد المكلّف فيه التقرّب باطاعة هذا الأمر (1).

يلاحظ عليه: أنّه لو فرضنا أنّ الأمر الاحتياطي تعلّق بنفس الأجزاء و الشرائط مجرّدة عن نيّة القربة، لكن الأمر الاحتياطي بما أنّه توصّلي، لا يكفي في المقام لعدم كونه مقرّباً.

و هناك جواب سادس و هو قصد الأمر الاستحبابي المستنتج من أخبار» من بلغ «على القول بدلالتها، على استحباب نفس العمل إذا أتى به الانسان رجاء درك الثواب الموعود فيه. و حيث إنّ هذه الأخبار وقعت مورداً للبحث و النقاش بين الأصحاب، نفرّدها بالبحث و نفصّلها عمّا سبق.

التنبيه الرابع: [حول روايات من بلغ‏]

تضافرت الروايات عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) على أنّه إذا بلغ عن النبي الأكرم (صلى الله عليه و آله و سلم) أنّ عملًا كذا، له ثواب كذا، فأتى به الانسان التماس قوله، أو

____________

(1)- الفرائد طبعة رحمة اللّه ص 220.

427

درك ثوابه، يكون له ذلك الأجر و إن كان رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) لم يقله، و إليك ما ورد في هذا المضمار:

1 روى هشام بن سالم عن صفوان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: من بلغه شي‏ء من الثواب على شي‏ء من الخير فعمل به كان له أجر ذلك و إن كان رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) لم يقله.

2 روى أيضاً عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: من بلغه عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) شي‏ء من الثواب فعمله كان أجر ذلك له و إن كان رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) لم يقله.

3 روى أيضاً عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): من سمع شيئاً من الثواب على شي‏ء فصنعه كان له و إن لم يكن على ما بلغه.

4 روى محمد بن مروان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: من بلغه عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) شي‏ء من الثواب ففعل ذلك طلب قول النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) كان له ذلك الثواب و إن كان النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) لم يقله.

5 روى محمد بن مروان قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: من بلغه ثواب من اللّه على عمل فعمل ذلك العمل التماس ذلك الثواب أُوتيه، و إن لم يكن الحديث كما بلغه.

ثمّ إنّ الأخيرين باعتبار اختلاف الإمام المروي عنه متعددان.

و أمّا الثلاثة الأُول يحتمل وحدة الروايات، بسقوط لفظ صفوان‏ (1) عن الأخيرين، كما يحتمل تعددها. و أنّ هشاماً سمع الرواية من صفوان مرة و عن الإمام مرة أُخرى، و اختلاف ألفاظها يؤيّد تعدّدها.

6 روى الصدوق مرسلًا: أنّ من بلغه شي‏ء من الخير فعمل به كان له من الثواب ما بلغه، و إن لم يكن الأمر كما نقل إليه.

____________

(1)- المراد صفوان الجمّال، لا صفوان بن يحيى، لأنّ الثاني من أصحاب الكاظم و الرضا (عليهما السلام).

428

7 مرسلة ابن طاوس: من بلغه شي‏ء من الخير فعمل به كان له ذلك و إن لم يكن الأمر كما بلغه‏ (1).

الظاهر وحدة المرسلتين، بل الظاهر وحدتهما مع ما تقدّم من الأحاديث.

و في ما نقلنا كفاية، لأنّ المروي عن طريق هشام بن سالم صحيح و المهمّ البحث حولها و يتمّ الكلام في أُمور:

الأوّل: الظاهر أنّ المراد من البلوغ هو الأعم من البلوغ عن طريق صحيح أو غير صحيح و احتمال كون المراد هو الأوّل‏ (2) خلاف الظاهر، و الغاية من هذا البعث و الحث هو التحفّظ على السنن و المستحبّات الواقعية، إذ لو اختصّ الثواب بما ورد عن طريق صحيح ربما فات كثير من السنن الصحيحة، و إن لم يقم عليها دليل صحيح، و لأجل حفظها عمّم الثواب لكلّ عمل استحبابي بلغ إلى الانسان من أيّ طريق كان.

الثاني: إذا كان المراد من البلوغ هو الأعم، يترتّب عليه أنّه يكفي في صحّة العمل في الأُمور القربية، الانبعاث عن احتمال الأمر، و رجاء أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) قد قاله، و أنّ ذلك كاف في تحقّق الاحتياط، و لو كان الاحتياط متوقّفاً على وجود أمر وصل عن طريق صحيح، لما صحّ الانبعاث عن احتمال الأمر و الصدق، مع أنّ الناظر في هذه الروايات يرى الحث على الانبعاث عن احتمال المطابقة أيضاً.

الثالث: المتبادر من هذه الروايات هو الإرشاد إلى حكم العقل مع شي‏ء زائد لأنّ العقل يستقلّ بالحسن و أصل الثواب في الانقياد لا الثواب الوارد في الرواية، و هذه الروايات تؤكّد على أنّ الثواب العائد هو نفس الثواب الموجود في الرواية.

____________

(1)- الوسائل: ج 1، الباب 18 من أبواب مقدمات العبادات الأحاديث 1، 3، 6، 4، 7، 8، 9 ص 60 و 61.

(2)- مقباس الهداية: ص 38 قال: إنّ البلوغ فيها ليس هو البلوغ و لو بطريق لا يطمئن به، بل المراد به البلوغ العقلائي المطمئن نحو البلوغ في الإلزاميات.

429

و على هذا فمصبّ التساهل و التسامح هو الثواب و أنّ اللّه تعالى يتفضّل به على مجرّد البلوغ إذا قورن بالعمل و لا يحتاج إلى بلوغه عن طريق صحيح أو كونه مطابقاً للواقع.

الرابع: ربّما يتوهّم أنّ مصبّ التسامح هو الغاء شرائط الحجّية في باب السنن و المستحبّات، و قد نقله الشيخ الأعظم في رسالته التي أفردها في هذا المضمار، فقال: المشهور بين أصحابنا و العامة، التسامح في أدلّة السنن، بمعنى عدم اعتبار ما ذكروه من الشروط للعمل بأخبار الآحاد من الإسلام، و العدالة، و الضبط في الروايات الدالّة على السنن فعلًا أو تركاً (1).

و قال الشهيد الثاني: جوّز الأكثر العمل بالخبر الضعيف في نحو القصص و المواعظ و فضائل الأعمال لا في نحو صفات اللّه المتعال، و أحكام الحلال و الحرام، و هو حسن حيث لا يبلغ الضعف حدّ الوضع و الاختلاق، لما اشتهر بين العلماء المحقّقين من التساهل في أدلّة السنن، و ليس في المواعظ و القصص غير محض الخير، لما ورد عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) من طرق الخاصة و العامة أنّه قال: من بلغه عن اللّه تعالى فضيلة فأخذها و عجل بما فيها إيماناً باللّه و رجاء ثوابه أعطاه اللّه تعالى ذلك و إن لم يكن كذلك‏ (2).

يلاحظ عليه: أنّ لسان الحجية إنّما هو الغاء احتمال الخلاف و البناء على أنّ مؤدّى الطريق هو الواقع كما في قوله:» ما أدّيا عنّي فعنّي يؤدّيان «لا احتمال عدم ثبوت المؤدّى في الواقع كما يحكي عنه قوله: و إن كان رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) لم يقله، فهذا اللسان غير مناسب لإعطاء الحجّية و لا يصلح لها إلّا أنّ اللّه تعالى متفضّل بالثواب على من عمل بالخبر المتضمّن للثواب.

الخامس: ربما يقال بناء على أنّ مصبّ التساهل هو شرائط الحجّية

____________

(1)- رسالة في التسامح في أدلّة السنن و المكروهات، للشيخ الأعظم ص 11.

(2)- الرعاية في علم الدراية: ص 137.

430

بدلالة الروايات على استحباب نفس العمل قائلًا: بأنّ ترتّب الثواب على نفس العمل، يكشف عن تعلّق الطلب به، فكما أنّ ذكر العقاب على الفعل أو الترك يكشف عن تعلّق التحريم و الوجوب عليه، فهكذا تعلّق الثواب عليه، يكشف عن تعلّق الطلب الاستحبابي عليه فإنّ كثيراً من الواجبات و المحرّمات و المستحبّات تعرف من هذا الطريق، فيستدل عن طريق الإنّ على العلّة و هو الطلب.

يلاحظ عليه: أنّه كيف يعقل استحباب ما لا مصلحة و لا ملاك فيه، و الثواب إنّما يكشف عن الطلب لو ترتّب على نفس العمل و لكنّه في الروايات مترتّب على الانقياد و الإطاعة الاحتمالية، و هو لا يكشف عن استحباب نفس العمل، حيث قال: أتى به التماس قول النبي أو درك الثواب الوارد فيه.

و إلى ما ذكر يشير الشيخ بقوله:» إنّ الثواب الموعود في هذه الأخبار، فهو باعتبار الإطاعة الحكمية فهو لازم لنفس عمله المتفرّع على السماع، و احتمال الصدق و لو لم يرد به أمر آخر أصلًا فلا يدلّ على طلب شرعي آخر « (1).

إشكال المحقّق الخراساني في المقام:

قد تبيّن بما ذكر أنّه لا أساس لما اشتهر للتسامح في أدلّة السنن، و أنّ حالها كحال سائر الأحكام الإلزامية في توقّف ثبوتها على دليل شرعي، غاية الأمر، أنه يستحسن الإتيان بها رجاءً، و أنّ العامل يثاب بالأجر الموعود فلو صحّ التسامح فمصبّه انّما هو الثواب لا غير.

نعم ذهب المحقق الخراساني في المقام، إلى استفادة استحباب نفس العمل و أوضحه بأمرين مجيباً بهما، الدليل السابق الذي نقلناه:

1 انّ كون العمل متفرّعاً على البلوغ، و كونه الداعي إلى العمل، غير موجب لأن يكون الثواب إنّما يكون مترتّباً عليه فيما إذا أتى برجاء أنّه مأمور به و بعنوان‏

____________

(1)- الفرائد: ص 230 طبعة رحمة اللّه.

431

الاحتياط بداهة أنّ الداعي إلى العمل لا يوجب له وجهاً، و عنواناً يؤتى به بذاك الوجه و العنوان.

2 إتيان العمل بداعي طلب قول النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) كما قيّد به في بعض الأخبار و إن كان انقياداً إلّا أنّ الثواب في الصحيحة (1) إنّما رتب على نفس العمل و لا موجب لتقييده به لعدم المنافاة بينهما بل لو أتى به كذلك، لأُوتي الأجر و الثواب على نفس العمل بما هو احتياط و انقياد فيكشف عن كونه مطلوباً و اطاعة (2).

و حاصل الوجه الأوّل: أنّ الاتيان لغاية طلب قول النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أو الثواب الموعود فيه قيد تعليلي، لا تقييدي فليس المأتي به مقيّداً بواحد منهما.

يلاحظ عليه: أنّ الجهات التعليليّة في الأحكام جهات تقييدية، فلو قال أكرم زيداً لعلمه، يكون الموضوع هو العالم و أنّ الحكم بإكرام خصوص زيد لأجل كونه مصداقاً له فلو فرضنا ظهور الروايات في ترتّب الثواب على العمل، لأجل كون الداعي على الإتيان، التماس قول النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أو درك الثواب الموعود، يكون الموضوع مركّباً من نفس العمل و الغاية الواردة في الروايات، و هو عبارة أُخرى عن كون الثواب مترتّباً على الانقياد لا على نفس العمل مجرداً عنها.

و حاصل الوجه الثاني: أنّ الثواب في صحيحة هشام رتّب على نفس العمل حيث قال: كان أجر ذلك له، فالمشار إليه هو نفس العمل، و بما أنّ الاستحباب لا ينفك عن المصلحة فيكشف عن حدوث مصلحة فيه عند طروء عنوان البلوغ أو السماع فيصير مستحبّاً و يترتب عليه آثاره.

يلاحظ عليه: أنّ الاعتماد على هذا الظهور، في مقابل ما ورد في غيرها من ترتّبه على طلب الثواب، أو التماس قول النبي (صلى الله عليه و آله و سلم)، مشكل. خصوصاً مع احتمال وحدة هذه الروايات و أنّ الاختلاف طرأ من قبل الرواة.

____________

(1)- صحيحة هشام بن سالم: الرواية الثانية.

(2)- الكفاية: ج 2 ص 197.

432

و بذلك يظهر أنّ تصحيح العبادة المحتملة عن طريق استكشاف الأمر عن هذه الروايات غير تام و الحقّ في التصحيح ما ذكرنا في التنبيه السابق، و في الأمر الثاني من الأُمور المتعلّقة بهذا التنبيه.

السادس: تظهر الثمرة: على القول بدلالتها على الاستحباب الشرعي و عدمه في ترتّب الآثار المترتبة على المستحبّات مثل ارتفاع الحدث المترتب على الوضوء المأمور به، فلو ورد خبر على أنّ من توضّأ لدخول المسجد فله كذا، فعلى المختار لا يدلّ إلّا على استحقاق الثواب و لا يترتب عليه رفع الحدث، بخلاف القول الآخر. و كذا لو ورد خبر في استحباب غسل اللحية المسترسلة في الوضوء، فعلى المختار يدلّ على ترتب الثواب عليه و لا يجوز المسح ببللها بخلاف القول‏ (1).

السابع: أنّ جهة البحث عن هذه الأحاديث تصلح أن تكون كلامية، و أُصولية، و فقهية، فلو كان مصبّ البحث في دلالتها على ترتّب الثواب على العمل المأتي به لأجل التماس قول النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أو درك الثواب الموعود تكون كلامية.

و لو كان ملاك البحث في دلالتها على إسقاط شرائط الحجية في روايات السنن و المكروهات و عدمها تكون أُصولية.

و لو كانت جهة البحث في دلالتها على استحباب نفس العمل و عدمه تكون فقهية.

التنبيه الخامس: في تحديد مجرى أصالة البراءة:

أصالة البراءة العقلية تتقوّم بعدم البيان، و البراءة الشرعية بالشك، فلو كان هنا ما يصلح لأن يكون بياناً، أو رافعاً للشك، فلا تجري البراءتان لانتفاء موضوعهما، هذا من غير فرق بين الشبهة الحكمية و الموضوعية و لنضرب لهما مثالًا:

____________

(1)- الفرائد: ص 231، طبعة رحمة اللّه و التصديق الفقهي يتوقف على دراسة الأدلة، إذ من المحتمل أن يختص المسح ببلل الأجزاء الأصلية، فثبوت الاستحباب لا يكفي مع هذا الاحتمال.

433

إذا شك في جواز وطء المرأة بعد حصول النقاء و قبل الاغتسال فاستصحاب حرمة الوطء مقدم على أصالة الإباحة الحكمية، حكومة الاستصحاب على أصالة الحلّية، لأنّ الحكم بالحلّية عند الشك فيها و في الحرمة، إنّما يصدق إذا لم يرد من الشارع تعبّد بأحد طرفي الشك، و معه لا شك في الوظيفة أو في الحرمة الظاهرية، و إن شئت قلت: إنّ الشك في حلّية الوطء و حرمته ناش عن بقاء الحرمة السابقة و عدمه، فمع الأمر بالابقاء و النهي عن النقض لا شك في الحكم حتى يتمسّك بأصالة الحلّية.

ثم لو قلنا بالجواز عند حصول النقاء بدليل اجتهادي حاكم على استصحاب الحرمة فإذا شك في حصول النقاء، و احتملنا سيلان الدم و قذفه، فأصالة جريانه المتيقن سابقاً حاكمة على أصالة الحلّية عند الشك فيها.

غير أنّ الحاكم في الأوّل، هو أحد الأصلين على الآخر، و في الثاني هو الدليل الاجتهادي الدال على حرمة وطء الحائض، و ذلك لأنّ الأصل الموضوعي، يثبت الموضوع و أنّها حائض، و ينطبق عليه الحكم الكلي فعند ذلك تكون الصغرى المحرزة ببركة الأصل، و الكبرى القطعية ببركة الكتاب و السنّة، حجّة تامة. حاكمة على أصالة الاباحة المضروبة على حالة الشك.

و بذلك يتبيّن أنّ نفس الأصل المنقّح للموضوع الحاكم بأنّها حائض ليس حاكماً على أصالة الإباحة، إذ لا تعارض بينهما أصلًا، ما لم تنضمّ إليه الكبرى الشرعية و إنّما تتحقق الحكومة إذا تمّت الحجّة و كملت أركانها بانضمام الصغرى إلى الكبرى الذي نتيجته، ردّ الشك و ارتفاع موضوع الأصل الآخر، هذا إجماله، و سيوافيك توضيحه عند البحث عن حكومة الأصل السببي على الأصل المسببي.

ثمّ إنّ القوم مثّلوا في المقام بأصالة عدم التذكية عند الشك فيها فحكموا بتقدّمها على أصالة الطهارة و الحلّ.

و بما أنّ المسألة مفيدة جداً

434

نقدّم لتوضيحها أُموراً

(1):

1 صور المسألة:

إنّ الشبهة في المقام تارة تكون حكمية و أُخرى موضوعية:

أمّا الأُولى [أي الشبهة الحكمية] فلها صور:

الأُولى: إذا كان الشك في التذكية ناشئاً عن الشك في قابلية الحيوان لها، بحيث لا يعلم أنّ فري الأوداج الأربعة مؤثر في طهارته أو لا، كما هو الحال في الحيوان المتولّد من كلب و غنم و ليس مشابها لأحدهما.

الثانية: إذا علمنا أنّه قابل للتذكية من حيث الطهارة و شككنا في قابليته لها بالنسبة إلى الحلّية.

الثالثة: إذا كان الشك في التذكية ناشئاً من انتفاء ما يحتمل كونه شرطاً كالتسمية.

الرابعة: إذا كان الشك فيها ناشئاً من وجود ما يحتمل كونه مانعاً كالجلل و الوطء.

و أمّا الثانية: أعني كون الشبهة موضوعية، فهي أيضاً على صور:

الأُولى: إذا شك في التذكية لأجل تردد الحيوان بين الغنم و الكلب و نعلم بأنّ الأوّل واجد للخصوصيتين دون الثاني.

الثانية: إذا شك فيها لأجل تردد الحيوان بين الغنم و الثعلب، مع العلم بأنّ الأوّل واجد للخصوصيتين و الثاني قابل للطهارة و الشك في قابليته للحلّية.

الثالثة: إذا شك فيها لأجل احتمال انتفاء بعض الشرائط ككون الذابح مسلماً.

الرابعة: إذا شك فيها لأجل احتمال وجود بعض الموانع كالجلل.

____________

(1)- لاحظ الفرائد بحث البراءة: التنبيه الخامس من المسألة الأُولى ص 218، و التنبيه الأوّل من المسألة الرابعة ص 222، و التنبيه الأوّل من تنبيهات الاستصحاب ص 474.

435

2 ما هي التذكية:

انّ أمر التذكية يدور بين أُمور أربعة:

1 التذكية أمر بسيط حاصل من الأُمور الستة: فري الأوداج و كونه بالحديد، و قابلية الحيوان للذبح، مستقبلا إلى القبلة، كون الذبح بالتسمية و كون الذابح مسلماً، و نسبة هذه الأُمور إليها نسبة السبب إلى المسبب.

2 التذكية أمر انتزاعي ينتزع من هذه الأُمور، و معنى كون الشي‏ء أمراً انتزاعياً، أنّ منشأ الانتزاع مشتمل على خصوصية تعطي للذهن صلاحية لأن ينتزعه من دون أن يكون له واقعية وراء منشأ انتزاعه.

3 انّها أمر مركب من هذه الأُمور في حال الاجتماع.

4 انّها عبارة عن فري الأوداج، مشروطة بالأُمور الخمسة الباقية.

و الأوّلان، بعيدان عن الفهم العرفي و الأقرب هو الاحتمال الرابع. و لعلّ من ذهب إلى أنّ التذكية أمر بسيط أو منتزع، خلط التذكية (بالذال) بالتزكية (بالزاء) فكون الثاني أمراً بسيطاً أو منتزعاً أمر محتمل، و أمّا الأوّل فالظاهر أنّه هو الذبح و فري الأوداج الوارد على حيوان قابل، غير أنّ الشارع شرط هنا شرائط فالتذكية أمر عرفي كان قبل الإسلام و بعده، غير أنّ الإسلام أضاف شروطاً و لذلك يصحّ الرجوع إلى أدلّة إطلاق التذكية لنفي اعتبار الأمر المشكوك خلافاً لمن لم يجعلها أمراً عرفياً كالمحقق الخوئي دام ظلّه‏ (1).

و الظاهر أنّ بين الميتة و المذكّى من التقابل، تقابل التضاد، و ليس لهما حقيقة شرعية و لا عرفية، بل تستعملهما العرب بنفس المعنى اللغوي.

و هذا هو الأعشى يقول في قصيدته التي قَدِمَ بها مكة لِيُسْلِم و قد حال بينه‏

____________

(1)- مصباح الأُصول: ج 2 ص 313.

436

و بين الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم)، جلاوزة قريش فصرفوه عن الإيمان مؤيّداً لتعاليم الرسول:

و ايّاك و الميتات لا تقربنها* * * و لا تأخذن سهماً حديداً لتفصدا (1)

و قال في اللسان: الميتة: ما لم تذك تذكيته.

و قال في الصحاح: التذكية: الذبح.

كل ذلك يعرب عن كون الميتة بمعنى ما مات حتف أنفه، و المذكّى ما ذبح و قطعت أوداجه.

نعم لا نضايق عن كون الميتة في لسان الفقهاء أعم، فيوصف الحيوان بها لأجل فقد واحد من الشرائط لكن الكلام في المعنى اللغوي الذي نزّل عليه القرآن لا في مصطلح الفقهاء.

إذا عرفت ما ذكرناه فلنرجع إلى‏

بيان أحكام الصور.

و لنقدّم البحث عن أقسام الشبهة الحكمية.

الصورة الأُولى: في الشك في قابليته للطهارة بالفري:

لو شككنا في التذكية لأجل الشك في القابلية للطهارة، فالأصل عدمها لأنّ القابلية إمّا جزء لها أو قيد، و على كل تقدير فلا يفيد الفري إلّا إذا وقع على حيوان قابل للطهارة بالفري، و مع الشك فيها، يستصحب عدم عنوان المخصص الوارد في الآية، أعني قوله سبحانه: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ وَ لَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَ ما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَ الْمُنْخَنِقَةُ وَ الْمَوْقُوذَةُ وَ الْمُتَرَدِّيَةُ وَ النَّطِيحَةُ وَ ما أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ وَ ما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَ أَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ‏) (المائدة/ 3) و هو عنوان التذكية و يدخل في عنوان الميتة الوارد في صدر الآية فيكون محكوماً بالنجاسة.

____________

(1)- سيرة ابن هشام: 387/ 1 طبعة مصر عام 1375.

437

1 إشكالات ثلاثة على استصحاب عدم التذكية:

قد أورد على هذا النوع من الاستصحاب إشكالات نذكر المهم منها:

الإشكال الأوّل: إنّ إثبات عنوان الميتة بأصالة عدم التذكية من قبيل نفي أحد الضدين و إثبات الضد الآخر و هو من الأُصول المثبتة،

كإثبات كون الجسم متحركاً بنفي سكونه و بالعكس.

و إن شئت قلت: الميتة أمر وجودي و هو ما مات حتف أنفه‏ (1) و إثبات ذلك الأمر الوجودي، بأصالة عدم التذكية لا يجوز إلّا على القول بالأصل المثبت.

و أجاب عنه الشيخ الأعظم بوجهين:

1 لا نسلِّم كون الميتة أمراً وجودياً، و هو ما زهق روحه بحتف أنفه، بل هي عبارة عن كل حيوان زهق روحه و هي تساوق في الفارسية به» مرده «لا» مردار «فهي تعمّ المذكّى و غيره، غير أنّ الأوّل خرج عنه تخصيصاً لا تخصصاً، فبقي عنوان المخصص يندرج تحت العام، لأنّ كونه مصداقاً للعام محرز، إنّما الكلام كونه مصداقاً للمخصص، فإذا نفى عنوانه يترتب عليه حكم العام كما إذا قال أكرم العلماء ثم قال: لا تكرم الفساق فأصالة عدم كونه فاسقاً يكفي في ترتب حكم العام‏ (2).

يلاحظ عليه: أنّ المتبادر من الميتة أنّها أمر يقابل المذكّى و هذا يدلّ على أنّها

____________

(1)- الحتف: الهلاك، يقال مات فلان حَتف أنفه، إذا مات على فراشه، و كانت العرب تتخيل أنّ المرء إذا مات بلا قتل، خرجت روحه من أنفه.

(2)- و إليك نص عبارته: انّ الميتة عبارة عن غير المذكّى، إذ ليست الميتة خصوص ما مات حتف أنفه، بل كل زهاق روح انتفى فيه شرط من شروط التذكية، فهي ميتة شرعاً لاحظ طبعة رحمة اللّه: 223.

و قد أشار الشيخ الأعظم إلى هذا الجواب أيضاً في مبحث الاستصحاب فلاحظ أواخر التنبيه الأوّل ص 474 من طبعة رحمة اللّه و أوضحه المحقق الهمداني في تعليقته على المقام، و أشار إليه المشكيني في تعليقته على الكفاية ج 2 ص 191.

438

أمر وجودي يغايره فهما ضدّان، لا أعم و أخص مطلقاً، و يشهد على ما ذكر مضافاً إلى التبادر أنّه سبحانه جعل الميتة في آيتي الأنعام و النحل مقابلًا لما أُهلَّ لغير اللّه به، و المراد منه ما ذكّي باسم غيره سبحانه، فهو مغاير للميتة حسب السياق، فكيف المذكى الذي ذكر فيه اسم اللّه، و مع ذلك كيف يمكن القول بأنّ الميتة أعم تشمل جميع ما زهق روحه بأي وجه و شكل كان. قال سبحانه و تعالى: (قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى‏ طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ‏) (الأنعام/ 145) و مثله ما ورد في سورة النحل الآية 115 (1).

فإن قلت: ما ذا تقول في الاستثناء الوارد في سورة المائدة حيث إنّه سبحانه بعد ما ذكر حرمة الميتة و الدم إلى أن انتهى إلى حرمة (وَ ما أَكَلَ السَّبُعُ‏) فقال: (إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ‏) فإذا كان الاستثناء راجعاً إلى صدر الآية و كان الاستثناء متصلًا يكون دليلًا على عمومية الميتة للمذكّى أيضاً غاية الأمر يكون في الحكم خارجاً عن تحت العام.

قلت: الظاهر أنّ الاستثناء راجع إلى الجملة الأخيرة، أعني: (وَ ما أَكَلَ السَّبُعُ‏) فأخرج ما إذا أمكن تذكيته بعد أكل السبع كما إذا كان الروح باقياً.

2 إنّ الحرمة و النجاسة كما تعلّقت بالميتة، فهكذا تعلّقت بغير المذكّى، و لا يحتاج في إثباتهما للمشكوك إلى إدخاله تحت عنوان الميتة، بل يكفي نفي عنوان كونه مذكّى.

و يشهد لما ذكرناه ملاحظة الآيات‏ (2). و تتبّع الروايات، و لا منافاة في ترتّب‏

____________

(1)- قال سبحانه: (إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَ الدَّمَ وَ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَ ما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ...).

(2)- مثل قوله: (إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ‏) الظاهر في أنّ المحرم إنّما هو لحم الحيوان الذي لم تقع عليه التذكية واقعاً أو بطريق شرعي. و قوله تعالى: (وَ لا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَ إِنَّهُ لَفِسْقٌ‏) (الانعام/ 121) و قوله تعالى: (فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ‏) (الانعام/ 118) و قوله (عليه السلام) في موثقة ابن بكير: إذا كان ذكيا و ذكاه الذابح، إلى غير ذلك من الأخبار.

439

النجاسة و الحرمة على موضوعين أحدهما خاص، و الآخر، أعني: غير المذكّى عام، فإذا لم يكن طريق إلى إحراز عنوان الخاص، أعني: الميتة. و كان الطريق إلى إحراز عنوان العام (غير المذكّى) مفتوحاً يترتّب الحكم المعلّق على عنوان العام و السرّ في اتخاذ عنوانين، مع أنّ العام يغني عن الآخر، هو وجود العنوان الخاص بين العرب قبل الإسلام، و كانت الاحناف قبل عصر الرسالة يجتنبون عنه، و لما كان الموضوع للحرمة أعم منها أضيف عنوان آخر باسم غير المذكّى.

الإشكال الثاني: كون القضية المتيقّنة غير القضية المشكوكة،

فموضوع الأولى هو الحيوان الحيّ و موضوع الثانية هو الميت.

و أُجيب بأنّ الحياة و الممات من حالات الموضوع لا من مقوّماته و الوحدة العرفية محفوظة.

يلاحظ عليه: أنّ الفاصل بين الحيّ و الميت كالفاصل بين الحيوان و الجماد، فهل يمكن ادّعاء الوحدة بين الحيوان و الجماد، كلّا.

و يمكن الإجابة عن الإشكال بنحو آخر بعد تقرير الإشكال بنحو آخر و هو:» انّ استصحاب عدم التذكية من قبيل استصحاب القسم الثالث من استصحاب الكلّي كاستصحاب الإنسانية فيما إذا كان زيد في الدار و علمنا بخروجه و شككنا بقيام عمرو مكانه لدى الخروج و عدمه، و في المقام كان عدم التذكية قائماً بالحيوان الحيّ، و قد ارتفع فيحتمل حدوث فرد آخر من ذاك العدم يقوم مقامه لأجل اختلال أحد شروط التذكية فيستصحب. باحتمال قيام فرد منه حال زهوق روحه «هذا هو تقرير الإشكال.

و يمكن أن يقال: إنّ هنا فرقاً بين الأُمور الوجودية و العدمية فلا شك أنّ الأُولى يتعدد بتعدد الفرد، فإنسانية زيد غير إنسانية عمرو، و الطبيعة الموجودة في‏

440

ضمن الفرد الأوّل غير الموجودة في الفرد الثاني، فيصحّ للمستشكل أن يقول: إنّ الأوّل قطعي الارتفاع، و الثاني مشكوك الحدوث.

و هذا بخلاف الأُمور العدمية، فإنّ الخارج ليس مصداقاً للعدم، و إنّما هو راسم للعدم و مظهر له، و إن شئت قلت مقارن له. لامتناع أن تكون العين الخارجية، مصداقاً للعدم، لأنّه بطلان محض و الخارج نفس الحقّ المحض فكيف يصحّ أن يكون الحقّ مصداقاً للباطل؟

و قد حقّق في محله أنّ العدم أمر ذهني فينتزعه الذهن بتعمل منه، و على ذلك فالعدم أمر واحد، لا يختلف باختلاف المقارنات، و الحيوان حال كونه حيّاً و حال كونه ميتاً، ليس مصداقاً لعدم التذكية بل مصحّحاً لانتزاعه أو مقارناً لاعتبار الذهن و راسماً لحقيقته الذهنية، فلا يوجب تكثراً في العدم حقيقة.

و أظنّ أنّ ما ذكرنا من الجواب أيضاً أمر عقلي غير مطروح للعرف فهو يرى القضيتين مختلفتين و لا يلتفت إلى هذه الدقائق.

الإشكال الثالث‏ (1): انّ القضيّة المتيقنة قضية موجبة سالبة المحمول و المشكوكة قضية موجبة معدولة،

و مع هذا الاختلاف لا يصحّ الاستصحاب، فقولنا:» زيد، هو ليس بقائم «، قضية موجبة سالبة المحمول سلباً محصلًا، و قولنا:» زيد لا قائم «موجبة معدولة لا تصدقان إلّا مع وجود الموضوع.

و أمّا المقام فما هو المتيقن عبارة عن الحيوان الذي لم يزهق روحه بالكيفية المخصوصة فهي بهذه العبارة من قبيل القضايا الموجبة السالبة المحمول فجعلت‏

____________

(1)- هذا الاشكال مع ما سبق متقاربان و الاختلاف إنّما هو في التقرير و الأوّل يركّز على كون المتيقن حيّاً، المشكوك ميتاً، و هذا يركّز على اختلاف القضيتين مفهوماً و مصداقاً و بالتالي إنّ وحدة القضيتين غير محفوظة.

441

السالبة المحصلة نعتاً للموضوع، و أمّا المشكوك فهو عبارة عن الحيوان الذي زهق روحه بغير الكيفية الشرعية (لو كان غير مذكّى بحكم إجراء الأصل) فاستصحاب الأُولى و إثبات الثانية من الأُصول المثبتة.

أضف إليه أنّه ليست للثانية حالة سابقة إذ لا يوجد في عمود الزمان حيوان زهق روحه بغير الكيفية المخصوصة و شك في بقائه عليها، إذ لو وجد لبقي عليها بلا شك، و انّما الشك في حدوثه و تحقّقه و هذا الإشكال السيّال يصدّنا عن القول باستصحاب» عدم التذكية «و قد أوضحنا حالها في مبحث العام و الخاص عند البحث عن نفي عنوان الخاص بالأصل فلاحظ (1).

استصحاب عدم القابلية:

ثمّ إنّ سيّدنا الأُستاذ دام ظلّه حكى عن شيخه العلّامة الحائري أعلى اللّه مقامه أنّه كان يتمسّك في المقام بأصالة عدم القابلية الحاكم على أصالة عدم التذكية، حكومة الأصل السببي على المسببي، و إن كان متوافقي المضمون و قال: كان شيخنا مصرّاً على صحّة جريان ذاك الأصل و إليك خلاصة ما حكاه عنه.

إنّ العوارض على قسمين: قسم يعدّ من عوارض الماهية، و أُخرى من عوارض الوجود، و الكل على قسمين أيضاً، لانّها إمّا عوارض لازمة و إمّا عوارض مفارقة.

أمّا عوارض الماهية، فاللازم منها كالزوجية بالنسبة إلى الأربعة، و المفارق كالوجود بالنسبة إلى نفس الماهية، و لأجل مفارقته عنها توصف الماهية بالموجودة و المعدومة.

____________

(1)- إنّ شيخنا الأُستاذ بحث في هذا المقام عن الضابطة التي أفادها السيد المحقق الخوئي دام ظلّه في جريان الأُصول الأزلية و ناقشها و بما أنّا قد أشبعنا الكلام فيها في مبحث العام و الخاص طوينا الكلام عنها في المقام و إن كان» هو الطيب ما كررته يتضوَّع «.

442

و أمّا عوارض الوجود فاللازم منها كالنورانية بالنسبة إلى نفس الوجود، و المفارقة، كالسواد و البياض، بالاضافة إلى الجسم.

ثمّ إنّ القابلية للتذكية من عوارض وجود الحيوان، لكنّها تعرض للماهية باعتبار وجودها أيضاً، فيصح توصيف ماهية حيوان بالقابلية، إذا انضم إليها الوجود فيقال ماهية الغنم الموجود قابلة للتذكية دون الكلب.

إذا عرفت ذلك فنقول: إذا شككنا في قابلية حيوان للتذكية كالمتولّد من كلب و غنم، و لم يكن تابعاً لأحدهما، فنشير إلى ماهيته و نقول: إنّها لم تكن قابلة للتذكية قبل الوجود و لم تكن متصفة بها قبل تحققها بنحو السالبة المحصلة و لكن علمنا انتقاض العدم إلى الوجود في جانب الوجود دون القابلية، و الأصل بقائها على ما هي عليه. و لو جرى لأغنانا عن استصحاب» عدم التذكية «لكون الشك في التذكية سبباً عن الشك في القابلية، فإذا أُنفيت بالأصل، فلا يبقى شك في التذكية.

و الظاهر أنّ ما أفاده لا يفترق عن استصحاب عدم التذكية و الإشكالات الثلاثة الماضية متوجهة إليه و لو أمكن الذب عن الأوّلين، فالإشكال الثالث باق بحاله لكن بوجه أشدّ لأنّ المتيقن هو عدم القابلية على نحو السالبة المحصلة الصادقة مع عدم الموضوع، فماهيّة الحيوان المشكوك، قبل وجودها لم تكن قابلة، لأجل عدم الوجود، بل عدم الماهية أيضاً، إذ ما لا وجود له لا ماهية له، فهو من أوضح القضايا السوالب المحصلة الصادقة بعدم الموضوع، فبما أنّه لم يكن هناك وجود، لم تكن ماهية، و لا قابلية و هذا هو المتيقن.

و أمّا المشكوكة فهي القضية الموجبة المعدولة المحمول، أعني:» ماهية هذا الحيوان الموجود لم تكن قابلة للتذكية و نشك في بقائها «، و هذه القضية لم تكن لها أيّة سابقة أبداً، إذ الحيوان من بدء تولّده إمّا كان قابلًا للتذكية أو غير قابل لها، و لم يكن في زمن بعد الوجود غير قابل لها، حتى نشك في بقائها.

443

و إن شئت قلت: استصحاب عدم القابلية على وجه النفي العام أي عدم القابلية لعدم الوجود و الموضوع لا يثبت النفي الناقص، أي عدم قابلية هذا الحيوان أو اللحم الموجود بين أيدينا. لأنّ بقاء العدم السابق في ضمن الحيوان الموجود من أحكام العقل. إذ لو فرضنا بقاء العدم السابق التوأم مع عدم الموضوع، حتى في الظرف الذي تبدّل عدم الحيوان إلى الوجود، كان لازم ذلك عقلًا كون الحيوان و شحمه غير مذكّى، إذ لا فرد له إلّا ذاك الحيوان.

و مثله استصحاب الإيجاب التام فإنّه لا يثبت الإيجاب الناقص، فلا يثبت الثاني بالأوّل فاستصحاب وجود الكر في البيت على مفاد كان التامة، لا يثبت كون هذا الماء كرّاً، كما أنّ استصحاب وجود الحائض في البيت لا يثبت كون المرأة المعيّنة حائضاً.

و الحاصل: أنّ ما أفاده من الإشارة إلى ماهيته قبل الوجود، لا محصل له، إذ لا ماهية له قبل الوجود، كما لا قابلية قبله، و قد اشتهر عن شيخ المشاءين أنّ ما لا وجود له، لا ماهية له، و معه كيف يمكن أن يشار إلى الماهية قبل الوجود و انقلابها إلى الوجود و الشك في بقاء القابلية على العدم.

فتلخص أنّه ليس لاستصحاب» عدم القابلية «و لا» لعدم التذكية «أساس صحيح.

أضف إلى ذلك ما أفاده سيدنا الأُستاذ بأنّ نفي القابلية لا يثبت عدم التذكية، لأنّ نفي الجزء يلازم عقلًا، نفي الكل و ليس الترتب بين النفيين شرعياً.

فإن قلت: فما هو المرجع بعد سقوط» أصالة عدم التذكية «؟

قلت: سيأتي أنّ المرجع هو أصالة الطهارة و أمّا الحلّية فسيوافيك الكلام فيها في الصورة التالية.

444

الصورة الثانية: إذا كان الحيوان محرز القابلية للطهارة من دون الحلّية،

فقد ذهب المحقق الخراساني إلى جريان أصالة الحلّ بعد عدم جريان أصالة عدم التذكية قائلًا بأنّه يشك في أنّ هذا الحيوان المذكّى حلال أو حرام و لا أصل فيه إلّا أصالة الإباحة كسائر ما شك في أنّه حلال أو حرام.

يلاحظ عليه: أنّ الرجوع إلى أصالة الحلّ في المورد الذي الغالب عليه الحرمة خلاف سيرة الفقهاء في الفقه.

توضيحه: أنّ الأُصول العملية ليست أُموراً تعبدية صرفة كالتعبد بكون صلاة الفجر ركعتين، بل هي مبنية على معايير واقعية و بما أنّ الغالب في الأشياء هو الطهارة، فالمرجع عند الشك فيها هو قوله» كل شي‏ء طاهر «و أمّا الحلّية ففيما إذا كانت القاعدة الأوّلية هي الحرمة، و الحلّية لأجل دليل خاص كما في النفوس و الأعراض، فلا تجري و لأجل ذلك لا يجوز قتل إنسان بشبهة أنّه مرتدّ أو التصرّف في الفروج باحتمال حلّيتها، و الأموال المطروحة باحتمال أنّها ممّا يجوز التصرّف فيه، و مثله اللحوم فإنّ المستفاد من الآيات و الروايات كون الأصل فيها الحرمة خرج ما خرج من الأنعام و بعض الطيور و السمك ففي مثل ذاك المورد المشكوك، يكون الأصل المحكَّم هو الاحتياط.

و قد نصّ الشيخ الأعظم عند البحث عن أصالة الصحة في فرائده و تنبيهات المعاطاة من مكاسبه أنّه إذا شك في صحّة تصرّف إنسان في مال اليتيم، أو الوقف فالأصل المحكَّم هو أصالة الفساد لا أصالة الصحّة في فعل المسلم، لأنّ طبع هذا العمل على الفساد خرج عنه ما خرج، أعني: تصرف الوليّ و المتولّي.

و لأجل ذلك فالحقّ التفصيل في الصورتين بين الطهارة و الحلّية، فتجري الطهارة دون الثانية.

445

نعم لو قلنا بأنّ الأصل، أنّ كل حيوان قابل للتذكية، إلّا نجس العين و الحشرات، ثبتت الحلّية في المقام بالدليل الاجتهادي من غير حاجة إلى الأصل.

الصورة الثالثة و الرابعة: إذا أُحرزت القابلية للطهارة و الحلّية، و لكن شك في شرطية الإسلام في الذابح،

أو الحديد في آلة الذبح في تحقق التذكية، أو شك في مانعيّة شي‏ء للتذكية كالجلل و الوطء مع ورود الذبح على الحيوان بعامة ما ثبت اعتباره، فيقع الكلام في مقامين:

الأوّل: ما هو مقتضى الدليل الاجتهادي.

الثاني: ما هو مقتضى الأُصول العملية إذا كان الدليل الاجتهادي قاصراً.

أمّا الأوّل: فالظاهر صحّة التمسّك بالإطلاق و نفي الشرطية و المانعية لأنّ الحلّية في الأدلّة تعلّقت بالمذكّى قال سبحانه: (إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ‏) و قال (عليه السلام):» إلّا أن يكون ذكيا ذكّاه الذابح « (1) و ليست التذكية لغة و عرفاً سوى الذبح و فري الأوداج، غاية الأمر قد قيدت في الإسلام ببعض الشروط من كون الذابح مسلماً، و كون الذبح إلى القبلة و بالحديد. فإذا شك في شرط زائد أو مانعية شي‏ء، يكفي التمسّك به في نفي المشكوك بعد صدق التذكية عرفاً.

و قد عرفت أنّه لا دليل على أنّه أمر بسيط وصف للحيوان حاصل من الفري و غيره، كالطهارة الحاصلة للنفس من الغسلات و المسحات، أو أمر منتزع من تلك الأُمور.

ثمّ إنّ صاحب المصباح جعل المرجع في المقام هو أصالة عدم التذكية، قائلًا بأنّ الشك في تحققها و أنّ دعوى الرجوع إلى إطلاق دليل التذكية لنفي الأمر

____________

(1)- الوسائل: ج 3، الباب 2 من أبواب لباس المصلي، الحديث 1.

446

المشكوك فيه غير مسموعة إذ ليست التذكية أمراً عرفياً كي ينزّل الدليل عليه، و يدفع احتمال التقييد بالإطلاق، كما كان الأمر كذلك في مثل قوله تعالى: (أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ‏) (1).

يلاحظ عليه: أنّه أيّ فرق بين البيع و التذكية، فقد كانت العرب قبل ظهور الإسلام عارفة بها كما كانت عارفة بالبيع، كما أنّ تقييد الثاني بالشروط لا يخرجه عن كونه حقيقة عرفية فكذلك الأوّل، و لعلّ منشأ ما ذكره هو الخلط بين التذكية، بالذال أُخت الدال، و التزكية بالزاء أُخت الراء، فالذي يمكن القول بأنّه أمر بسيط أو منتزع من أُمور هو التزكية بمعنى الطهارة و التنزيه كما في قوله سبحانه: (وَ نَفْسٍ وَ ما سَوَّاها* فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَ تَقْواها* قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها* وَ قَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها) (الشمس/ 107) فالتزكية النفسانية وصف حاصل للنفس من القيام بأُمور و الاجتناب عن أُمور أُخر. و ليس كذلك» تذكية الحيوان «بمعنى ذبحه و فري أوداجه. و يؤيد ذلك ما ذكره أهل اللغة حول» التذكية «قال في اللسان: و التذكية: الذبح‏ (2).

و بالجملة لم يثبت أنّ لها حقيقة شرعية سوى إضافة شرائط خارجة عن حقيقتها.

و أمّا الثاني: فمقتضى الأُصول العملية هو البراءة لدوران الأمر بين الأقل و الأكثر الاستقلاليين عند إجمال النص، و عدم كونه في مقام البيان، فرفع احتمال الشرطية أو المانعية، بحديث الرفع، أو استصحاب عدم شرطية المشكوك أو مانعيته محكَّمان، و هما متقدّمان على أصالة عدم التذكية، لكون الشك في الثاني مسبباً عن الشك في الأوّل، فرفع الشرطية و المانعية عن ناحية المشكوك يرفع الشك عن ناحية الثاني على فرض جريانه. كما أنّ الأوّل أي الرجوع إلى البراءة يغني عن‏

____________

(1)- مصباح الأُصول: ج 2 ص 313.

(2)- لسان العرب ج 14 ص 288.

447

الرجوع إلى استصحابها، لما تقرّر في محلّه من أنّ كلّا من الأصلين الحكميين، أو الموضوعيين سواء كانا ... متوافقي المضمون أو متخالفيه، إذا كان أقل مئونة من الآخر، يقدّم على الأكثر مئونة، و لأجل ذلك تقدم أصالة البراءة على استصحابها و الحكم بعدم الحجية عند الشك فيها على أصالة عدمها، و مثله المقام، فأصل البراءة عن الشرطية و المانعية مقدّم على استصحاب عدم الشرطية و المانعية.

هذا كلّه حول الصور الأربعة عند الشك في التذكية حكماً، و قد عرفت أنّه لا مجال لاستصحاب عدم التذكية و المحكَّم في الصورة الأُولى و الثانية هو الطهارة دون الحلّية، للضابطة التي أشرنا إليها، كما أنّ المحكَّم في الأخيرتين هو الحكم بالتذكية أخذاً بالإطلاق، أو أخذاً بأصالة البراءة، و إليك صور الشبهة الموضوعية.

الصور الأربعة للشبهة الموضوعية:

الشك في التذكية إذا كانت الشبهة موضوعية له أقسام أربعة أيضاً: و إليك البيان:

1 لو دار أمر لحم بين كونه من حيوان قابل للتذكية بحيث تؤثر في طهارته و حلّيته كالغنم، أو من حيوان فاقد لقابليتها كالكلب مع وقوع التذكية عليه من فري الأوداج و غيره ممّا يعتبر في الموارد الأُخر.

فهل يحكم بالطهارة (1) و الحلّية (2) أو لا؟ الظاهر أنّه لا يحكم بالطهارة فضلًا عن الحلّية. أمّا إذا قلنا بأنّ كل حيوان قابل لهما (3) إلّا الكلب و الخنزير، فلأنّ‏

____________

(1)- المقصود: الحكم بالطهارة بالدليل الاجتهادي لا الأصل العملي و أمّا الثاني فسيوافيك.

(2)- بعد عدم جريان أصالة عدم التذكية للإشكالات السابقة و البحث في المقام مبنيّ على سقوط هذا الأصل.

(3)- قال به صاحب الجواهر و استدلّ عليه برواية علي بن يقطين، فلاحظ.

448

التمسّك بالعام في مورد الشبهة يكون من قبيل التمسك به في الشبهة المصداقية للمخصص.

فإن قلت: يمكن إحراز عدم عنوان المخصص من الكلبية أو الخنزيرية بالاستصحاب فينطبق عليه عنوان العام بما هو حجّة فيه أعني: الحيوان غير الكلب.

قلت: قد عرفت بطلان مثل هذا الاستصحاب في مبحث العام و الخاص فراجعه و قد أوضحنا حال استصحاب تلك الاعدام الأزلية.

و أمّا إذا لم نقل بذاك فقد عرفت أنّ أصالة عدم التذكية غير جارية للإشكالات المتقدمة، و مع ذلك لا يحكم عليه بالطهارة و الحلّية في المقام لانّهما من آثار التذكية و من شرائطها وجود القابلية لها و هي مشكوكة في اللحم المشترى من غير فرق بين كونها أمراً مسبباً من فري الأوداج أو منتزعاً منه، أو كونها عبارة أُخرى عن نفس الأعمال القائمة بالذابح و آلته و قابلية المذبوح و ذلك لأنّ القابلية من شروطها، و هي مشكوكة.

و نفس الشك في سببهما كاف في الإمساك عن الحكم بهما، و إن كان غير كاف في الحكم بضدّهما، أعني: النجاسة و الحرمة لأنّ عدم إحراز سبب الطهارة غير إحراز سبب النجاسة و عدم إحراز سبب الحلّية غير إحراز سبب الحرمة. ثمّ إنّ عدم ثبوت الطهارة لأجل عدم ثبوت التذكية غير مانع عن الحكم بالطهارة لقاعدتها، و الفرق بين الطهارة الثابتة بالدليل الاجتهادي، و الأصل العملي واضح لأنّ الطهارة المستندة إلى التذكية، طهارة ثابتة بالدليل الاجتهادي و الطهارة المستندة إلى قاعدتها طهارة ثابتة بالأصل العملي.

فخرجنا بهذه النتيجة، انّه طاهر و لكنه ليس بحلال إذ ليس هنا أصلًا مثبتاً لحلّيته، و أمّا أصالة الحلّية فيظهر عدم جريانها من البحث في الصورة الثانية.

2 لو دار أمر اللحم بين كونه لحم غنم أو أرنب مع وقوع التذكية عليه، يحكم بطهارته، لإحراز كونه قابلًا للتذكية المؤثرة في طهارته، دون حلّيته، و ذلك لا

449

لاستصحاب عدم التذكية، لما عرفت من أنّه مثبت، و لا لاستصحاب حرمة أكله حياً حيث يُدفع بأنّه يجوز بلع السمك الصغير حيّاً، بل الوجه ما ذكرناه من أنّه إذا كان الأصل الأوّلي في الشي‏ء هو الحرمة، و كانت الحلّية أمراً عرضياً، يكون الحكم بالحلّية متوقفاً على إحراز سببها، و هو بعد غير محرز، لما عرفت من تردده بين كونه لحم الغنم أو الأرنب، و قد عرفت أنّه لا يجري أصالة الصحّة في بيع الوقف إذا قام به مسلم غير المتولي، أو في بيع مال اليتيم إذا باعه غير الولي. فكلّ شي‏ء يكون الحكم الأوّلي فيه هو الحرمة فالعدول عنه يحتاج إلى دليل.

و لعلّه إلى هذا ينظر ما نقله الشيخ الأعظم من الشهيد من أنّ الأصل في اللحوم هو الحرمة.

فإن قلت: كيف يحكم عليه بالحرمة مع العلم بوقوع التذكية عليه؟

قلت: ليست التذكية مؤثرة في كل مورد في الحلّية، و إنّما تكون مؤثرة، فيما احرزت قابلية المحل، و أنّه من الحيوان الذي لو وردت عليه التذكية يكون حلالًا، و المفروض عدم إحراز مثل تلك القابلية.

ثمّ إنّ المحقق النائيني فصّل في المقام بين كون التذكية أمراً وجودياً بسيطاً مسبباً عن الذبح بشرائطه نظير الطهارة المسببة عن الوضوء أو الغسل، و الملكية الحاصلة من الإيجاب و القبول فيستصحب عدمها.

و بين كونها عبارة عن نفس الفعل الخارجي مع الشرائط الخاصة كما هو المتبادر من قوله سبحانه: (إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ‏) (المائدة/ 3) الظاهر في كونها قائمة بالمكلَّف مباشرة لا تسبيباً، فلا مجال لاجراء أصالة عدم التذكية للقطع بتحققها على الفرض فيرجع إلى أصالة الحل‏ (1).

و أيّده معاصره المحقق العراقي في تعليقته على الفوائد باجراء أصالة الصحّة في عمل المذكي.

____________

(1)- فوائد الأُصول: 381/ 3 و مصباح الأُصول 312/ 2.

450

يلاحظ عليه: أنّه لا فرق بين الصورتين، حتى لو قلنا بأنّها عبارة عن عمل المكلف، للقطع بأنّ عمله هذا غير كاف في تحقق التذكية، بل يحتاج معه إلى وجود القابلية على وجه لو وردت عليه التذكية يكون حلالًا و هو بعد غير محرز، و معه كيف يمكن الحكم بالحلية.

و أمّا التأييد بجريان أصالة الصحّة، فالظاهر عدم جريانها، لأنّه فرع إحراز الموضوع، أعني: كون الحيوان قابلًا، و إلّا فلا تجري، نظيره ما إذا رأينا انّ إنساناً قائم أمام الميت و نشك أنّه، يصلي على الميت أو يقرأ عليه القرآن، فلا تجري أصالة الصحة و لا يسقط التكليف عنّا.

3 إذا كان الشك في الحلّية، بعد إحراز القابلية الذاتية لأجل الشك في تحقق بعض الشرائط المعتبرة في التذكية ككون الذابح مسلماً، أو ذكر التسمية عند الذبح هل يحكم بالحرمة للشك في وجود الشرط المحكوم بالعدم أو يحكم بالحلّية، لأجل أصالة الصحّة، و لإحراز الموضوع؟ و الثاني هو المتعيّن.

4 لو كان الشك في الحلّية لأجل احتمال كون الحيوان المذكّى، جلّالًا أو موطوءاً، فيما كانت القابلية الذاتية محرزة، و الشك في عروض المانع، يحكم بالطهارة و الحلّية، أخذاً بأصل العدم في عروض المانع عن تأثير التذكية كما لا يخفى.

إلى هنا خرجنا بهذه النتيجة: انّ اللحم المشكوك في الصورة الأُولى محكوم بالطهارة دون الحلّية، و مثلها الصورة الثانية غير أنّ الطهارة في الأُولى مستندة إلى الأصل دون الثانية لأنّها مستندة إلى الدليل الاجتهادي.

و هو محكوم بالطهارة و الحلّية في الصورتين الأخيرتين.