هدى الطالب في شرح المكاسب‌ - ج3

- السيد محمد جعفر المروج الجزائري المزيد...
629 /
455

[السابع ضمان القيميّ بالقيمة]

السابع (1): لو كان التالف المبيع فاسدا قيميّا (2) فقد حكي (3) الاتّفاق على

____________

ضمان القيميّ بالقيمة

(1) الغرض من عقد هذا الأمر بيان جهة أخرى مما يتعلّق بالمبيع بالبيع الفاسد إذا تلف بيد المشتري، و هي كيفيّة ضمان القيميّات، و أنّها مضمونة بالقيمة أو بما يماثلها. فإن كانت مضمونة بالقيمة لم يكن للمالك إلزام الضامن بالمثل، و لا للضامن كذلك. و كذا الحال لو كان القيميّ- كالمثليّ- مضمونا بالمثل. فيقع البحث في مقامين:

أحدهما: في الدليل على ضمان القيميّ بالقيمة، لا المثل.

ثانيهما: في تعيين القيمة بحسب تفاوتها في الأزمنة من يوم القبض و التلف، و أعلى القيم بينهما، و غير ذلك ممّا سيظهر.

(2) قد أشرنا إلى تعريف القيميّ في الأمر الرابع، و أنّه ما يكون مدار ماليّته على الجهات الشخصيّة، و هذا ممّا يحكم به العرف في باب الضمان.

(3) هذا شروع في المقام الأوّل، و قد استدلّ بوجوه على ضمان القيميّ بالقيمة.

الأوّل: الإجماع المنقول الذي ادّعاه الفقيه المتتبّع السيد العاملي (قدّس سرّه)- بعد حكاية الشهرة عن الشهيد- بقوله: «لا أجد فيه في الباب خلافا، إلّا ما يحكى عن أبي علي، و ما يظهر من قرض الخلاف، و ما لعلّه يظهر من المحقّق في باب القرض ..

و كيف كان فقد اتّفقوا هنا- يعني في باب الغصب- من غير تأمّل و لا خلاف» (1).

____________

(1) مفتاح الكرامة، ج 6، ص 243 و 244

456

كونه مضمونا بالقيمة (1). و يدلّ عليه الأخبار المتفرّقة (2) في كثير من القيميّات،

____________

(1) خلافا للإسكافي و الشيخ و المحقّق في باب القرض.

لكن صحّة نسبة الخلاف إلى الإسكافي لا تخلو عن إشكال، لعدم ظهور عبارته المحكيّة فيما نسب إليه، و تقدّم التعرّض له عند كلام المصنّف في أوّل التنبيه السادس، و سيأتي أيضا. و أمّا مخالفة شيخ الطائفة و المحقّق (قدّس سرّهما) فهي مبنية على ثبوت التلازم بين القرض و المقام أعني به المقبوض بالعقد الفاسد، المحكوم بحكم الغصب، و هو غير ثابت.

(2) أي: و يدلّ على ضمان القيميّ بالقيمة الأخبار المتفرّقة الواردة في كثير من القيميّات المضمونة بالإتلاف و الالتقاط و نحوهما من موجبات الضمان، و هذه الأخبار دليل ثان على المدّعى، و قد تقدّم بعضها في (ص 338) كرواية بيع الجارية المسروقة، و كرواية السفرة و غيرهما، و نذكر بعضها الآخر هنا، فنقول و به نستعين:

منها: رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام)، قال: «سألته عن رجل أصاب شاة في الصحراء، هل تحلّ له؟ قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): هي لك أو لأخيك أو للذئب، فخذها و عرّفها حيث أصبتها، فإن عرفت فردّها إلى صاحبها، و إن لم تعرف فكلها و أنت ضامن لها؛ ان جاء صاحبها يطلب ثمنها أن تردّها عليه» (1).

و تقريب الدلالة: أنّ الشاة المضمونة بالالتقاط قيميّة، فتضمن بقيمتها، لقوله (عليه السلام): «يطلب ثمنها أن تردّها عليه».

و منها: رواية علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام)، قال: «و سألته عن الرجل يصيب اللقطة، فيعرفها سنة، ثم يتصدّق بها، فيأتي صاحبها، ما حال الذي تصدّق بها؟ و لمن الأجر؟ هل عليه أن يردّ على صاحبها أو قيمتها؟ قال: هو ضامن لها، و الأجر له، إلّا أن يرضى صاحبها، فيدعها و الأجر له» (2).

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 17، ص 365، الباب 13 من أبواب اللقطة، الحديث 7

(2) وسائل الشيعة، ج 17، ص 352، الباب 2 من أبواب اللقطة، الحديث: 14

457

فلا حاجة (1) إلى التمسّك بصحيحة أبي ولّاد الآتية في ضمان البغل [1]

____________

و الشاهد في كون الملتقط ضامنا لقيمة اللقطة، لأنّه (عليه السلام) قرّر السائل في اشتغال عهدته بالقيمة، و قال: «هو ضامن لها».

و منها: ما رواه زيد بن علي عن آبائه (عليهم السلام)، قال: «أتاه رجل تكارى دابة فهلكت، و أقرّ أنّه جاز بها الوقت، فضمّنه الثمن و لم يجعل عليه كراء» (1). بتقريب: أنّ الدّابة الهالكة قيميّة، و المستأجر المفرّط ضامن لقيمتها.

و منها: مرسلة الصدوق عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، في حديث: «و إن وجدت طعاما في مفازة فقوّمه على نفسك لصاحبه ثم كله، فإن جاء صاحبه فردّ عليه القيمة» (2).

و التقريب كما تقدّم.

و منها: رواية السكوني عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام): «أنّه قضى في رجل أقبل بنار فأشعلها في دار قوم، فاحترقت، و احترق متاعهم؟ قال: يغرم قيمة الدار و ما فيها ثم يقتل» (3).

و الدلالة ظاهرة أيضا، فإنّ بعض الأمتعة المحترقة قيمي عادة، و قد حكم (عليه السلام) بضمان قيمة الدار و الأثاث.

و منها: روايات أخر وردت في تلف العين المرهونة سيأتي ذكرها عند تعرّض الماتن لها.

(1) هذا تعريض بما في الجواهر من الاستدلال- على ضمان القيميّ بالقيمة-

____________

[1] أورد المحقّق الايرواني (قدّس سرّه) عليه بأنّ «إظهار الاستغناء عن الصحيحة، ثم العود إلى الاستدلال بها بعد سطرين ليس كما ينبغي» (4).

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 13، ص 257، الباب 17 من أبواب الإجارة، الحديث 5

(2) وسائل الشيعة، ج 17، ص 351، الباب 2 من أبواب اللقطة، الحديث 9

(3) وسائل الشيعة، ج 19، ص 210، الباب 41 من موجبات الضمان، الحديث 1

(4) حاشية المكاسب، ج 1، ص 101

458

..........

____________

بصحيحة أبي ولّاد الآتية، و بنصوص ضمان العبد المشترك المعتق بعضه، قال صاحب الجواهر (قدّس سرّه): «نعم للمصنّف- و هو المحقّق- في كتاب القرض ضمان القيميّ بمثله، و قد سمعت الكلام فيه هناك. كما أنّك سمعت الكلام في المحكيّ عن ابن الجنيد المحتمل لإرادة ما لا ينافي المشهور منه. و على تقديره فلا ريب في ضعفه، لظهور صحيح أبي ولّاد و غيره ممّا دلّ على ضمان الحيوان عبدا كان أو غيره في كون الكلام القيمة، و منه نصوص العتق لشريك، المقتضي للسراية المأمور بها بالتقويم، فليس للمتلف دفع المثل العرفي إلّا مع رضا المالك. كما أنّه ليس للمالك اقتراحه» (1).

و المستفاد منه: الاستدلال على اعتبار القيمة في ضمان القيميّات بطائفتين من الأخبار.

الأولى: صحيحة أبي ولّاد، الظاهرة في ضمان البغل بالقيمة، لقوله (عليه السلام): «نعم قيمة بغل يوم خالفته» و لمّا كانت البغال و الحمير و الدّوابّ معدودة من القيميّات، فلو تلفت اشتغلت الذّمّة بأثمانها لا بأمثالها. و عليه فالصحيحة دليل على تعيّن القيمة في بدليّتها عن العين القيميّة المضمونة.

الثانية: ما ورد من أنّه لو كان عبد مشتركا بين جماعة، فأعتق أحدهم نصيبه،

____________

و الأمر كما أفاده، إذ لو كانت الصحيحة وافية بإثبات ضمان القيميّ بقيمة يوم الغصب أو التلف لم يكن وجه في الاشكال على صاحب الجواهر (قدّس سرّه) المستدلّ بها.

و إن لم تكن وافية به لم يبق مجال لقوله بعد سطرين «فيردّه إطلاقات الروايات الكثيرة في موارد كثيرة: منها صحيحة أبي ولّاد الآتية.

و يتأكد الإشكال بناء على ما عن نسخة التهذيب- التي عوّل عليها المصنّف- من تعريف «بغل» الظاهر في إرادة البغل المعهود، لا بغل كلّيّ حتى يحتمل ضمان القيميّ بالمثل، بأن تكون القيمة بدلا عن البدل.

____________

(1) جواهر الكلام، ج 37، ص 100

459

..........

____________

تعيّن عليه دفع قيمة سائر حصصه إلى شركائه، حتّى يتحرّر العبد كاملا بالسراية.

و من المعلوم أنّ العبيد و الإماء قيميّات و ليست مثليّة، فضمان قيمة العبد دليل على أنّ القيميّ لا يضمن إلّا بالقيمة.

و هذه النصوص جمعها الشيخ الحرّ (قدّس سرّه) في باب عنوانه «أنّ من أعتق مملوكا له فيه شريك، كلّف أن يشتري باقيه و يعتقه إن كان موسرا مضارّا، و إلّا استسعى العبد في باقي قيمته، و ينعتق، فإن لم يسع خدم بالحصص» (1).

ففي معتبرة محمّد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في عبد كان بين رجلين، فحرّر أحدهما نصفه، و هو صغير، و أمسك الآخر نصفه حتى كبر الذي حرّر نصفه. قال: يقوّم قيمة يوم حرّر الأوّل، و أمر الأوّل أن يسعى في نصفه الذي لم يحرّر حتى يقضيه» (2).

و نحوه سائر أخبار الباب.

و تقريب الدلالة: أنّ تحرير العبد إتلاف لمال الشريك. و حيث إنّ المضمون قيميّ- و هو العبد- كان ضمانه بالقيمة، لقوله (عليه السلام): «يقوّم قيمة». هذا توضيح نظر الجواهر.

و ناقش المصنّف فيه بمنع دلالة صحيحة أبي ولّاد و نصوص تحرير العبد المشترك على ضمان القيميّ بالقيمة. أمّا الصحيحة فلظهورها في ضمان القيميّ بالمثل لا بالقيمة، فإنّ كلمة «بغل» في قوله (عليه السلام): «قيمة بغل يوم خالفته» نكرة، و هي ظاهرة في كون ذي القيمة بغلا غير معيّن، و يتّجه مذهب القائل بأنّ الثابت في الذّمّة بغل غير معيّن، و أنّ القيمة بدل عنه، لا أنّ المضمون قيمة البغل التالف.

و أمّا نصوص العتق فلأنّ الأمر بتقويم العبد- المعتق بعضه- غير ظاهر في‌

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 16، ص 20، الباب 18 من أبواب كتاب العتق.

(2) المصدر، ص 21، الحديث 4

460

و لا بقوله (عليه السلام): «من أعتق شقصا من عبد قوّم عليه» (1). بل الأخبار كثيرة (2).

____________

ما نحن فيه من ضمان القيميّ بالقيمة، لاحتمال كون التقويم معاوضة شرعيّة قهريّة، رعاية لحرّيّة العبد المبعّض.

و المتحصل: أنّ صحيحة أبي ولّاد و أخبار تحرير بعض العبد غير وافية بإثبات المدّعى، و هو تعيّن القيمة في ضمان القيميّات.

(1) لم أظفر بهذا المتن في جوامع الأخبار من الوسائل و غيره، فلعلّ المصنّف نقله بالمعنى، أو اعتمد على ما رواه شيخ الطائفة مرسلا عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) (1).

(2) يعني: أنّ الأخبار الكثيرة ظاهرة في ضمان القيميّ بالقيمة، و هي سليمة عن المناقشة، و معها لا حاجة إلى الصحيحة و نصوص العتق اللّتين استند إليهما صاحب الجواهر (قدّس سرّه)، مع ما فيهما من الخدشة كما عرفت آنفا.

ثم إنّه لا بأس بالإشارة إلى نكتة، و هي: أنّ المصنّف (قدّس سرّه) ادّعى هنا كثرة الأخبار الدالّة على اعتبار القيمة في القيميّات، لقوله: «الأخبار المتفرّقة في كثير من القيميّات» و قوله: «بل الأخبار كثيرة». و هذا ربّما ينافي ما نبّه عليه في الأمر الرابع من جعل الأخبار المتكفّلة للضمان بالقيمة نادرة جدّا، حيث قال هناك: «إلّا ما شذّ و ندر». فإن كانت هذه الأخبار شاذّة لم يتّجه قوله هنا من: «أنّها كثيرة» و إن كانت كثيرة لم يتجه رميها بالندرة و الشذوذ في التنبيه الرابع.

قلت: الظاهر عدم التنافي بين التعبيرين، فإنّ ندرتها تكون بالقياس إلى النصوص المشتملة على مادّة الضمان و التغريم بصيغ عديدة في مطلق المضمونات.

سواء أ كانت مثليّة أم قيميّة، و هي أزيد من مائة رواية قطعا كما لا يخفى على المتتبّع، و قد ادّعى المصنف هناك انصراف إطلاقها إلى الأقرب إلى المضمون، و هو المثل ثم القيمة.

____________

(1) الخلاف، ج 3، ص 396، المسألة: 2 من كتاب الغصب، و قريب منه بزيادة «و له مال» في عوالي اللئالي، ج 3، ص 298، الحديث 24

461

بل قد عرفت (1) أنّ مقتضى إطلاق أدلة الضمان في القيميّات هو ذلك (2) بحسب المتعارف [1].

إلّا (3) أنّ المتيقّن [2] من هذا المتعارف ما كان المثل فيه متعذّرا.

____________

و أمّا دعوى كثرة أخبار ضمان القيميّ فصحيحة أيضا، لتحقّق الكثرة بعشر روايات أو ما يقارب العشرة. و لا ريب في أنّ ما ورد فيه لفظ «الثمن أو القيمة» لا يقلّ عن هذا العدد، كما ذكرناها بمصادرها، فلاحظ.

(1) يعني: في الأمر الرابع، حيث قال: «إنّ القاعدة المستفادة من إطلاقات الضمان في المغصوبات و الأمانات المفرّط فيها و غير ذلك هو الضمان بالمثل .. ثم بعده قيمة التالف ..».

و هذا إشارة إلى دليل ثالث على اعتبار القيمة في المضمونات القيميّة، و تقريبه:

أنّ الأخبار المتفرّقة المشتملة على مادّتي «الضمان و الغرامة» لم يتعرّض فيها لكيفيّته مع كونها واردة في مقام البيان، فعدم تعرّض المتكلّم لبيان الكيفيّة دليل على إحالتها على العرف، و من المعلوم أنّهم يحكمون بأداء ما هو أقرب إلى التالف، فإن كان مثليّا تعيّن أداء المثل، و إن كان قيميّا تعيّن دفع القيمة.

و عليه فمناط هذا الوجه استفادة الحكم من الأدلّة العامّة في الضمانات، سواء أ كان المضمون مثليّا أم قيميّا.

(2) خبر قوله: «ان مقتضى» و المشار إليه هو الضمان بالقيمة.

(3) استدراك على قوله: «بل قد عرفت أنّ مقتضى إطلاق» و غرضه المناقشة في دلالة الطائفتين من الأخبار على ضمان القيميّ بالقيمة. أمّا الطائفة الأولى فسيأتي منع إطلاق دلالتها.

____________

[1] بل مقتضى ما تقدّم هناك: أنّ القاعدة المستفادة من أدلّة الضمان هو الضمان بالمثل، لأنّه أقرب إلى التالف من حيث المالية و الصفات، فتشمل القيميّات.

[2] هذا غير ظاهر، لعدم تفرقة العرف ظاهرا في القيميّ- بالمعنى المقابل للمثليّ- بين تيسّر المثل و تعذّره، فإنّ المثليّ و القيميّ ماهيّتان متباينتان، و تعذّر أفراد

462

..........

____________

و أمّا الطائفة الثانية- و هي إطلاقات الضمان- فيشكل الاستدلال بها على ضمان القيميّ بالقيمة مطلقا حتى مع تيسّر المثل العرفي للعين التالفة القيمية. وجه الاشكال: أنّ مناط الأخذ بالإطلاق المقامي هو عدم بيان كيفيّة خاصة، و إحالة الأمر إلى العرف في مقام البيان. و من المعلوم توقف الإطلاق على عدم تعارف سيرتهم على أمر آخر. مع أنّه لا ريب عندهم في كون المثل أقرب إلى التالف حتى في القيميّات.

و عليه تختص الروايات المطلقة بما إذا تعذّر المثل، مع أنّ المدّعى عام و هو ضمان القيميّ بالقيمة سواء تيسّر المثل أم تعذّر.

____________

إحداهما في الخارج لا يوجب انتقال ما ثبت منهما في ذمّة إلى أخرى، و لا وجه لرفع اليد عن إطلاق ما دلّ على ضمان القيميّ بالقيمة، الشامل لصورة تعذّر المثل كما صنعه المصنّف (قدّس سرّه).

و كيف كان فيحتمل- في مسألة ما لو كان التالف المبيع بالبيع الفاسد قيميّا- وجوه ثلاثة: أحدها: الضمان بالقيمة مطلقا. ثانيها: الضمان بالمثل كذلك. ثالثها: ضمان المثليّ بالمثل، و القيميّ بالقيمة.

و قد استدلّ المصنّف (قدّس سرّه) لضمانه بالقيمة بالإجماع و الروايات المتفرّقة في كثير من القيميّات، بحيث لا يكون للضامن و المضمون له التخلّف عن الضمان بالقيمة.

لكن الظاهر عدم استفادة كيفيّة الضمان و خصوصيّاته من نفس أدلّة الضمان، كقاعدتي اليد و الإتلاف و قاعدة احترام مال المسلم، لعدم تعرّضها لخصوصيّات الضمان. فمقتضى الإطلاق المقاميّ هو إيكال كيفيّة الضمان إلى العرف. و بعد انقسام الأموال إلى قسمين مثليّ و قيميّ و تباينهما ماهيّة يحكم العرف بضمان كلّ منهما بالمثل، فالمثليّ يضمن بالمثل، لأنّه المماثل له عرفا ماهيّة و ماليّة. و القيميّ يضمن بالقيمة، لأنّها مثله عرفا.

و هذا الأمر العقلائيّ الارتكازيّ ممّا بنى عليه الشرع، لعدم تعرّضه لكيفيّة الضمان مع كونها محلّ ابتلاء النوع ليلا و نهارا. و هذا الإهمال دليل على إحالة كيفيّة الضمان إلى العرف.

نعم ربّما يستظهر بمعونة ترك الاستفصال من بعض الروايات لزوم الغرامة

463

____________

بالقيمة في مطلق الضمانات، كموثّق إسحاق بن عمّار، قال: «سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن الرجل يرهن الرهن بمأة درهم و هو يساوي ثلاثمائة درهم فيهلك [فيهلكه] أعلى الرّجل أن يرد على صاحبه مأتي درهم؟ قال: نعم، لأنّه أخذ رهنا فيه فضل و ضيّعه.

قلت: فهلك نصف الرّهن؟ قال: على حساب ذلك. قلت: فيترادّان الفضل؟ قال:

نعم» (1). فإنّه بسبب ترك الاستفصال ظاهر في أنّ الرّهن- سواء أ كان مثليّا أم قيميّا و سواء أ كان المثل متعذّرا أم لا، و سواء وجد للقيميّ مثل أم لا- إذا هلك بالتفريط فهو مضمون بالقيمة، لكون سقوط مائة درهم دليلا على أنّ الضمان بالقيمة، و إلّا فلا وجه للسقوط. كما أنّ لزوم تأدية مأتي درهم دليل على أنّ الدراهم على عهدته في المثليّ و القيميّ مطلقا.

و نحوه غيره من الروايات المذكورة في الباب المذكور الدالّة على أنّ التالف مضمون بالقيمة مطلقا و إن كان مثليّا، لأنّ معنى ترادّ الفضل أنّه إن كان الرّهن زائدا على الدّين سقط من الضمان بمقدار الدين، و أخذ الراهن فضله. و إن كان الرّهن ناقصا عن الدّين سقط من الدين بمقداره، و أخذ المرتهن البقيّة.

و لا معنى للسقوط و التهاتر إلّا الضمان بالقيمة، إذ لو كان العهدة مشغولة بالمثل أو العين لم يكن وجه للتهاتر، بل لا بدّ في المثليّ من أداء المثل، و في القيميّ تبقى العين على العهدة إلى زمان الأداء، فالتهاتر القهريّ لا وجه له إلّا مع الضمان بالقيمة.

مضافا إلى: تصريح الروايات بالسقوط القهري، ففي صحيحة أبي حمزة، قال:

«سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول عليّ (عليه السلام): يترادّان الفضل؟ فقال: كان عليّ (عليه السلام) يقول ذلك. قلت: كيف يترادّان الفضل؟ فقال: إن كان الرّهن أفضل ممّا رهن به ثم عطب ردّ المرتهن الفضل على صاحبه. و إن كان لا يسوى ردّ الراهن ما نقص من حق المرتهن.

قال: و كذلك قول عليّ (عليه السلام) في الحيوان و غير ذلك» (2).

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 13، ص 129، الباب 7 من أحكام الرهن، الحديث 2

(2) وسائل الشيعة، ج 13، ص 129، الباب 7 من كتاب الرهن، الحديث 1

464

____________

و قريب منه صحيحة محمد بن قيس (1) و غيرها من الروايات الدالّة على كون الضمان بالقيمة.

و تدلّ عليه أيضا روايات متفرّقة، كموثّقة السكونيّ عن جعفر عن أبيه عن عليّ (عليهم السلام): «أنّه قضى في رجل أقبل بنار فأشعلها في دار قوم فاحترقت الدار، و احترق أهلها، و احترق متاعهم؟ قال: يغرم قيمة الدار و ما فيها ثم يقتل» (2) فإنّ تغريمه قيمة الدار و ما فيها من المتاع و لو كان مثليّا ظاهر في كون الضمان مطلقا بالقيمة.

إلّا أن يقال: إنّ «ما فيها» معطوف على القيمة، فيكون المراد حينئذ أنّه يغرم قيمة الدار، و يغرم ما فيها، من دون تعرّض للقيمة و غيرها. لكنّه خلاف الظاهر، فتبعد إرادته بلا قرينة.

كبعد احتمال أنّ متاع الدار في مورد قضاء أمير المؤمنين «عليه الصلاة و السلام» كان قيميّا لا يوجد مثله، لأنّ ظاهره أنّ ذلك من قضاياه الكلّيّة، لا أنّه قضيّة خارجيّة.

و لو سلّم ذلك كانت حكاية أبي عبد اللّه (عليه السلام) كافية في إفادة الحكم، لبعد كونه (عليه السلام) ناقلا للتاريخ. فلو كان متاع البيت قيميّا و كان حكم المثليّ غير القيميّ كان عليه بيان خصوصيّة الواقعة الدخيلة في الحكم.

و على كل حال يستفاد منها قاعدة كلّيّة، و هي: أنّ إتلاف مال الغير موجب لضمان القيمة.

و موثّقة سماعة، قال: «سألته عن المملوك بين شركاء، فيعتق أحدهم نصيبه، فقال:

هذا فساد على أصحابه، يقوّم قيمة و يضمن الثمن الذي أعتقه، لأنّه أفسده على أصحابه» (3). فإنّ موردها القيميّ و التعليل بالإفساد يدلّ على عليّة كلّ إفساد للضمان

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 13، ص 129، الباب 7 من كتاب الرهن، الحديث: 4

(2) وسائل الشيعة، ج 19، ص 210، الباب 41 من أبواب موجبات الضمان، الحديث: 1

(3) وسائل الشيعة، ج 16، ص 22، الباب 18 من كتاب العتق، الحديث 5

465

____________

و إن لم يكن عتقا. و يمكن أن تكون هذه الموثّقة من أدلّة قاعدة الإتلاف.

و صحيحة أبي ولّاد الآتية التي موردها القيميّ أيضا.

و بالجملة: فالروايات الدالّة على الضمان بالقيمة على طائفتين:

إحداهما: ما وردت في ضمان خصوص القيميّات بالقيمة كالعبد و الجارية.

ثانيتهما: ما وردت في المضمون مطلقا سواء أ كان مثليّا أم قيميّا كالرهن التالف و احتراق ما في الدّار و غلّة الأرض، و غير ذلك مما يقتضي الإطلاق كون التالف المضمون بالقيمة مثليّا أو قيميّا.

و الظاهر عدم التنافي بينهما، لأنّ ما دلّ على الضمان بالقيمة في القيميّات لا تنفي ضمان المثليّات بها حتى يجب حمل المطلق- و هو ما دلّ على الضمان بالقيمة مطلقا و إن كان المضمون مثليّا- على المقيّد، ليكون مقتضى الحمل اختصاص ضمان القيمة بالقيميّات.

فالمتحصل: أنّ مقتضى الروايات ضمان الأشياء مطلقا- و إن كانت مثليّة- بالقيمة.

و لا بدّ في الخروج عن إطلاقها من دليل على التقييد. و قد ادّعي أنّه الإجماع على ضمان المثليّ بالمثل. قال في الجواهر: «انّه من قطعيّات الفقه» (1). و عن غاية المراد «أطبق الأصحاب على ضمان المثليّ بالمثل، إلّا ما يظهر من ابن الجنيد» لكنّه أوّل كلامه أيضا.

و الحقّ أن يقال: إنّ القدر المتيقن من الإجماع على ضمان المثليّ بالمثل هو صورة وجود المثل دون نادر الوجود و متعذرة، فإنّ إطلاقات ضمان القيمة محكّمة في غير المتيقن، و هو وجود المثل، لأنّه مقتضى مرجعيّة العام في المخصص المجمل.

و الحاصل: أنّ الإجماع لمّا كان لبّيّا فلا بدّ في تخصيصه من الأخذ بالمتيقّن منه و هو وجود المثل، دون نادرة و متعذرة. و على هذا فالروايات وافية بكيفيّة الضمان، فلو كان بناء العرف على غير تلك الكيفيّة كان الروايات رادعة عنها.

____________

(1) جواهر الكلام، ج 37، ص 85

466

بل (1) يمكن دعوى انصراف الإطلاقات الواردة في خصوص بعض

____________

(1) غرضه المناقشة في دلالة عدّة من الأخبار الواردة في ضمان القيميّات، كما ناقش في إطلاقات الضمان. و حاصلها: أنّ المدّعى عامّ، و هو: ضمان كلّ قيميّ بالقيمة كضمان المثليّ بمثله، مع أنّه يمكن منع إطلاق بعض الأخبار لحالة وجود مماثل عرفيّ للقيميّ المضمون، ففي صحيحة أبي ولّاد: «قيمة بغل يوم خالفته». إذ من المحتمل كون الثابت في ذمّة الضامن بغلا غير معيّن، و إنّما تعطى القيمة بدلا عنه، لا بدلا عن نفس البغل التالف أو المتلف. و لا سبيل لاستفادة ضمان قيمة البغل التالف حتى مع وجود بغل مماثل له في الصفات و الماليّة.

و كذا يمكن أن يكون تقويم العبد- و أداء قيمة ما بقي منه غير محرّر- لأجل‌

____________

فتلخص من جميع ما ذكر أنّ القيميّات مطلقا مضمونة بالقيمة، و المثليّات أيضا مضمونة بالقيمة، إلّا إذا كان المثل موجودا بوجود غير عزيز. و أمّا مع عزّة وجوده فضلا عن فقدانه فضمانه بالقيمة أيضا.

و من هنا يظهر أنّ ما أفيد في مباحث تعذّر المثل- سواء أ كان التعذّر بدويّا أم طارئا- لا بدّ من تطبيقها على ما بيّناه هنا، بأن يقال: إنّ التعذّر مطلقا يوجب الانقلاب إلى القيمة، أخذا بإطلاق ما دلّ على الضمان بالقيمة و إن كان مثليّا، و اقتصارا على المتيقّن من الإجماع، و هو ضمان المثليّ بالمثل إذا كان موجودا، دون ما إذا كان مفقودا أو عزيز الوجود. فالمثل بمجرّد فقدانه أو عزّة وجوده ينتقل ضمانه إلى القيمة، هذا.

و أمّا الروايات الدالّة على الضمان بالمثل في القيميّ فهي مختصّة بالقرض، و لا ربط لها بما نحن فيه.

مضافا إلى: أنّها ضعيفة السند.

فروايات المقام كما عرفت منحصرة بالطائفتين المتقدمتين. و روايات القرض أجنبية عن باب الضمانات المبحوث عنها.

467

القيميّات كالبغل و العبد و نحوهما لصورة (1) تعذّر المثل كما هو الغالب (2).

فالمرجع (3) في وجوب القيمة في القيميّ و إن فرض تيسّر المثل له- كما (4) في من أتلف عبدا من شخص باعه عبدا موصوفا بصفات ذلك العبد بعينه.

____________

تعذّر المثل، بحيث لو تيسّر عبد مماثل للمعتق مالية و صفة يحلّ محلّه كان مقدّما على دفع القيمة، فتأمّل.

و الحاصل: أنّ الإطلاقات المختصّة بالقيميّات تنقسم إلى طائفتين، فما كان منها متكفّلا لضمان قيمة العبد و البغل أمكن انصرافها إلى صورة تعذّر المثل كما هو الغالب في العبد و البغل. فلا يكفي أداء القيمة مع تيسّر المثل. و ما كان منها متكفّلا لضمان قيمة سائر الأمتعة يمكن إطلاقها لحالتي تيسّر المماثل و تعذّره.

(1) متعلق ب‍ «لانصراف».

(2) يعني: أنّ الغالب في بعض القيميّات تعذّر المثل العرفيّ.

(3) غرضه أنّه- بعد انصراف إطلاقات أدلّة ضمان القيميّ بالقيمة إلى صورة تعذّر المثل، و عدم شمولها لصورة تيسّر المثل- لا بدّ من القول، بضمان القيميّ بالمثل مع وجوده، مع أنّهم لم يلتزموا به، بل التزموا بالقيمة حتى مع تيسّر المثل، فدليلهم على الضمان بالقيمة في القيميّ مطلقا و لو مع وجود المثل هو الإجماع.

(4) ذكر المصنّف (قدّس سرّه) مثالين لتيسّر المثل، أحدهما: أن يبيع شخص عبدا كلّيّا موصوفا بصفات تميّزه عمّن سواه بثمن معيّن، و أتلف المشتري على البائع عبدا مملوكا له بصفات العبد المبيع- قبل أن يسلّمه البائع منه- فإنّهم لم يحكموا بالتهاتر و تساقط ما في ذمّتي البائع و المشتري، بل قالوا باستقرار المبيع في ذمّة البائع، و بضمان المشتري قيمة العبد الذي أتلفه على البائع. و هذا الحكم شاهد على ضمان القيميّ بالقيمة، سواء تيسّر المثل أم تعذّر.

ثانيهما: مثال الكرباس، فإنّ الأذرع منه متماثلة، و لكن يجب دفع قيمة الذراع المتلف، لا مثله.

468

و كما لو أتلف عليه ذراعا من مائة ذراع كرباس منسوج على طريقة واحدة لا تفاوت في أجزائه أصلا- هو الإجماع (1) كما يستظهر.

و على تقديره (2) ففي شموله لصيرورة تيسّر المثل من جميع الجهات تأمّل.

خصوصا (3) مع الاستدلال عليه (4) كما في الخلاف و غيره بقوله تعالى فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ بناء (5) على أنّ القيمة مماثل للتالف في الماليّة فإنّ (6) ظاهر ذلك جعلها (7) من باب الأقرب إلى التالف بعد تعذّر المثل.

____________

(1) خبر قوله: «فالمرجع».

(2) يعني: و على تقدير تحقّق الإجماع، و غرضه المناقشة في شمول الإجماع- على فرض ثبوته- للمثل الموجود المماثل للتالف القيميّ من جميع الجهات، فالإجماع على ثبوت القيمة في هذه الصورة غير ثابت، لأنّه دليل لبّيّ، و المتيقّن منه غير هذه الصورة.

(3) وجه الخصوصيّة ظهور الآية الشريفة في تعيّن المماثل للتالف من جميع الجهات و إن كان التالف قيميّا، إلّا إذا تعذّر المثل، فإنّ القيمة حينئذ مما يعدّ مماثلا للتالف.

(4) أي: على وجوب القيمة في القيميّ، و قد تقدّم في (ص 339) نقل استدلال شيخ الطائفة (قدّس سرّه) بالآية الشريفة على كلّ من وجوب المثل في المثليّ، و القيمة في القيميّ، فراجع.

(5) هذا البناء هو استدلال شيخ الطائفة، و ليس أمرا آخر، إذ لو لم تكن القيمة مماثلة للتالف كانت الآية الشريفة أجنبيّة عن المدّعى. و عليه فالاستدلال بها منوط بالتوسعة في المماثلة كما تقدّم مشروحا في (ص 339).

(6) تعليل لقوله: «خصوصا» و قوله: «ذلك» إشارة إلى «الاستدلال».

(7) أي: جعل القيمة من باب الأقرب إلى التالف بعد تعذّر المثل، فتكون المماثلة في الماليّة.

469

و كيف كان (1) فقد حكي الخلاف في ذلك عن الإسكافي (2)، و عن الشيخ و المحقّق في الخلاف و الشرائع في باب القرض (3).

فإن أرادوا ذلك (4) مطلقا

____________

(1) أي: سواء أ كان مقتضى إطلاقات ضمان القيميّات ضمانها بالقيمة مطلقا سواء تيسّر المثل أم تعذّر، أم كان مقيّدا بتعذر المثل، فقد حكي .. إلخ.

و غرضه من هذا الكلام الخدشة في الإجماع بمخالفة ابن الجنيد في مطلق المضمون، و مخالفة شيخ الطائفة و المحقّق في خصوص باب القرض. و هل تقدح هذه المخالفة في تحقّق الإجماع على ضمان القيميّ بالقيمة أم لا؟ سيأتي تحقيقه إن شاء اللّه تعالى.

(2) أمّا أبو علي فقد تقدّم كلامه في أوّل الأمر السادس، فراجع (ص 295) و أمّا الشيخ و المحقّق فيظهر منهما في باب القرض ثبوت نفس مثل العين المقترضة في ذمّة المديون، قال في الخلاف: «إذا لم يجد مال القرض بعينه وجب عليه مثله، و عليه أكثر أصحاب الشافعيّ .. دليلنا: أنّه إذا قضى مثله برئت ذمّته، و إذا ردّ قيمته لم يدلّ دليل على براءتها. و أيضا: فالذي أخذه عين مخصوصة، فمن نقل إلى قيمتها فعليه الدلالة» (1).

و قال في الشرائع: «و ما ليس كذلك- أي مثليّا- يثبت في الذّمّة قيمته وقت التسليم. و لو قيل يثبت مثله أيضا كان حسنا» (2).

(3) و أمّا في باب الغصب فوافقا المشهور من التفصيل بين المثليّ و القيميّ.

(4) أي فإن أرادوا وجوب المثل في القيميّات. ناقش المصنّف (قدّس سرّه) في القول بضمان القيميّ بالمثل بعدم خلوّه من شقّين ممنوعين.

توضيحه: أنّ القائلين بوجوب المثل في القيميّ إن أرادوا ذلك مطلقا سواء تيسّر المثل أم تعذّر، ففيه: أنّه مردود بإطلاقات روايات ضمان القيميّات بالقيم في‌

____________

(1) الخلاف، ج 3، ص 175، رقم المسألة: 287

(2) شرائع الإسلام، ج 2، ص 68

470

..........

____________

موارد كثيرة، كصحيحة أبي ولّاد الآتية، و روايات تقويم العبد المشترك الذي أعتق بعض مواليه شقصه، و روايات سقوط الدين بتلف الرّهن، المتقدّمة في (ص 338) و روايات متفرّقة اخرى وردت في ضمان القيميّات. و لم يقيّد وجوب أداء القيمة فيها بتعذّر المثل حتى يستكشف منها أنّ العين التالفة تضمن بالمثل سواء أ كانت مثليّة أم قيميّة كي يكون أداء القيمة- في القيميّات- بدلا عمّا اشتغلت به الذّمّة و هو المثل.

و عليه فمقتضى أصالة الإطلاق ضمان القيميّ بالقيمة، و أنّها بدل عن العين المضمونة، و ليست بدلا عن المثل.

و إن أرادوا من ضمان القيميّ بالمثل ضمانه عند تيسّر المثل- لا مطلقا- لم يكن ذلك بعيدا، لوجهين:

أحدهما: ظهور آية الاعتداء في اعتبار المماثلة بين التالف و بدله، و من المعلوم أنّ المماثل للتالف القيميّ هو المثل العرفيّ لا القيمة، فمع تيسّره يتعيّن في البدليّة عن المضمون.

ثانيهما: قاعدة نفي الضرر الجارية في حقّ المالك، و ذلك لأنّ الجهات النوعيّة دخيلة في الضمان، لتحقّق المماثلة فيها، دون الجهات الماليّة المعرّاة عن الصفات النوعيّة، لعدم تحقّق المماثلة حينئذ بين التالف و بدله. فمع تيسّر المثل يتضرّر المالك بقبول القيمة، لفقدان الصفات النوعيّة، فإنّ الحنطة- في الغرامات- بدل الحنطة التالفة المضمونة، دون القيمة، فخصوصيّة الحنطية مثلا يتضرّر المالك بفقدها. و عليه فيلزم ردّ المثل في القيميّات مع الإمكان.

هذا ما يقتضيه الوجهان. لكن المانع من القول بوجوب المثل المتيسّر- في ضمان القيميّات- هو عدم القول بالفصل، لأنّهم بين قائل بضمان القيميّ بالقيمة مطلقا- كما هو المشهور- سواء وجد المماثل العرفي أم لا، و بين قائل بضمانه بالمثل مطلقا، كما يظهر من شيخ الطائفة و غيره في باب القرض، بلا فرق- أيضا- بين تيسّر المثل‌

471

حتّى (1) مع تعذّر المثل، فتكون (2) القيمة عندهم بدلا عن المثل حتى يترتّب عليه وجوب قيمة (3) يوم دفعها- كما ذكروا ذلك (4) احتمالا في مسألة تعيّن القيمة (5) متفرّعا على هذا القول (6)- فيردّه (7) إطلاقات الروايات الكثيرة في موارد كثيرة.

____________

و تعذّره، و لم يقولوا ببدليّة القيمة عن المثل في صورة التعذّر حتى يستكشف منه الطولية، و يكون القيمة بدلا عمّا هو بدل التالف.

و الحاصل: أنّ ما ذهب إليه شيخ الطائفة و المحقّق في باب القرض- من ترجيح ضمان القيميّ بالمثل- لا سبيل للأخذ به في القرض، فضلا عن القول به في المغصوب و المقبوض بالبيع الفاسد.

(1) بيان للإطلاق.

(2) هذا متفرع على اشتغال الذّمّة أوّلا بالمثل، فيكون هو بدل التالف، و لو تعذّر كانت القيمة بدل المثل لا بدل التالف.

(3) يعني: إذا كان وجوب دفع القيمة مترتّبا على تعذّر المثل ترتّب عليه وجوب دفع قيمة يوم الأداء، لا يوم التلف، و لا يوم تعذّر المثل، و لا أعلى القيم، و لا غير ذلك.

و وجه احتمال قيمة يوم الدفع هو: أنّ المثل ثابت في الذّمّة إلى وقت الأداء، فقيمة يوم الدفع هي ثمن المثل المنتقل إلى القيمة.

(4) أي: وجوب قيمة يوم الدفع.

(5) يعني: المسألة التي وقع فيها البحث عن أنّ الواجب هل هو قيمة يوم القبض أو يوم التلف أو أعلى القيم أو غير ذلك؟ مما سيأتي التعرّض له قريبا.

(6) أي: أنّ القول باعتبار قيمة يوم الدفع متفرّع على القول بضمان القيميّ بالمثل مطلقا و لو مع تعذّره، فإنّ مقتضاه حينئذ قيمة يوم الدفع، كما عرفت آنفا.

(7) جواب الشرط في قوله: «فإن أرادوا ذلك» و هذا إشارة إلى أوّل الشّقّين، و قد تقدم توضيحه بقولنا: «ففيه أنه مردود بإطلاقات روايات ضمان القيميّات ..».

472

منها: صحيحة أبي ولّاد الآتية (1).

و منها: رواية تقويم العبد.

و منها: ما دلّ على «أنّه إذا تلف الرّهن بتفريط المرتهن سقط من دينه بحساب ذلك» فلولا (2) ضمان التالف بالقيمة لم يكن وجه لسقوط الدّين بمجرّد ضمان التالف.

و منها: غير ذلك من الأخبار الكثيرة (3) [1].

____________

(1) لقوله (عليه السلام): «قيمة بغل يوم خالفته» الظاهر في اعتبار قيمة البغل سواء وجد بغل مماثل للبغل الذي اكتراه أبو ولّاد، أم لم يوجد. و هكذا حال الإطلاق في روايات عتق العبد.

(2) هذا تقريب دلالة أخبار تلف العين المرهونة على ضمان القيميّ بالقيمة، لا بالمثل. و محصّله: أنّ العين المرهونة لو كانت مضمونة بالمثل لم يكن وجه للحكم بسقوط ما يساويه من الدّين، بل كان المرتهن ضامنا للمثل، و كان الدين- بتمامه- باقيا على عهدة الراهن، و لا تهاتر في البين. مع أنّ الامام (عليه السلام) حكم بسقوط المقدار المساوي للدين عن ذمّة المديون، و لم يفصّل بين تيسّر مثل الرهن و تعذّره. و هذا كاشف عن ضمان القيميّ بالقيمة مطلقا سواء تيسّر المماثل العرفي أم تعذّر.

(3) يعني: من الأخبار المتفرّقة في أبواب العارية و الوديعة و الإجارة و اللقطة‌

____________

[1] كرواية السفرة المطروحة في الطريق التي تقدمت في (ص 338). لكن الاستدلال بها مشكل، لقوّة احتمال كونه من باب جواز التصرّف بالقيمة، نظير التملّك بالقيمة. و باب التقويم مغاير لباب التضمين، و لذا لا بأس بالالتزام بالتقويم حتى في المثليّ، بل البيض و اللحم اللذان هما في مورد الرواية المزبورة من المثليّات، فلاحظ و تأمّل. فجعل رواية السكونيّ من الروايات الدالّة على ضمان التالف بالقيمة لا يخلو من تأمّل.

473

..........

____________

و غيرها، و لا بأس بالتيمّن بذكر بعضها.

فمنها: معتبرة محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل أعار جارية، فهلكت من عنده و لم يبغها غائلة، فقضى أن لا يغرمها المعار.

و لا يغرم الرجل إذا استأجر الدابّة ما لم يكرهها أو يبغها غائلة» (1).

بتقريب: أنّ الجارية و الدابّة قيميّتان، و هما مضمونتان بالتعدّي عليهما، و لم يقيّد (عليه السلام) الضمان بالقيمة بتعذّر المثل. فاللازم الحكم بضمانها مطلقا.

و منها: ما رواه عليّ بن جعفر عن أخيه أبي الحسن (عليه السلام)، قال: «سألته عن رجل استأجر دابّة فأعطاها غيره، فنفقت، ما عليه؟ قال: إن كان شرط أن لا يركبها غيره فهو ضامن لها. و إن لم يسمّ فليس عليه شي‌ء» (2). و قد أطلق (عليه السلام) الضمان، مع أنّ المضمون قيميّ، و لم يقيّد اشتغال الذّمّة بالقيمة بتعذّر المثل.

و منها: ما ورد في ضمان الغسّال و الصّبّاغ و القصّار و الصّائغ و البيطار و الدلّال و نحوهم، مع أنّ ما بأيديهم من الأعيان المضمونة قيميّات غالبا، كمعتبرة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «سئل عن القصّار يفسد؟ فقال: كلّ أجير يعطى الأجرة على أن يصلح فيفسد فهو ضامن» (3).

و منها: ما ورد في ضمان الجمّال و الحمّال و المكاري و الملّاح و نحوهم إذا فرّطوا أو كانوا متّهمين و لم يحلفوا، أو شرط عليهم الضمان، مثل ما رواه أبو بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «في الجمّال يكسر الذي يحمل أو يهريقه؟ قال: إن كان مأمونا فليس‌

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 13، ص 237، الباب 1 من كتاب العارية، الحديث 9، و نحوه سائر أحاديث الباب.

(2) وسائل الشيعة، ج 13، ص 255، الباب 16 من أحكام الإجارة، الحديث: 1، و نحوه الحديث:

2، 3، 4 و 6 من الباب 17، ص 257 و 258

(3) المصدر، ص 271، الباب 29 من أحكام الإجارة، الحديث 1 و نحوه كثير من روايات الباب البالغة عشرين حديثا.

474

و إن أرادوا (1) أنّه مع تيسّر المثل يجب المثل لم يكن (2) بعيدا، نظرا إلى ظاهر آية الاعتداء و نفي الضرر، لأنّ (3) خصوصيّات الحقائق قد تقصد.

اللّهمّ (4) إلّا أن يتحقّق إجماع على خلافه

____________

عليه شي‌ء. و إن كان غير مأمون فهو ضامن» (1).

و منها: ما ورد في ضمان اللقطة، كرواية عليّ بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام): «سألته عن الرّجل يصيب اللقطة، دراهم أو ثوبا أو دابّة، كيف يصنع؟

قال: يعرّفها سنة، فإن لم يعرف صاحبها حفظها في عرض ماله حتى يجي‌ء طالبها فيعطيها إيّاه، و إن مات أوصى بها. فإن أصابها شي‌ء فهو ضامن» (2).

فقد أطلق الحكم بالضمان، مع أنّ اللقطة قد تكون قيميّة كالدابّة و الثوب، و لم يقيّد ضمان القيمة بإعواز المماثل للتالف.

و منها: غير ذلك مما لا يخفى على المتتبّع.

(1) معطوف على قوله: «فإن أرادوا ذلك مطلقا» و هذا هو الشّقّ الثاني من المنفصلة، و قد تقدّم توضيحه بقولنا: «و إن أرادوا من ضمان القيميّ بالمثل ضمانه عند تيسّر المثل ..» راجع (ص 470).

(2) جواب الشرط في قوله: «و إن أرادوا» و ظاهره و إن كان تسليم كلام شيخ الطائفة و الإسكافي و المحقّق، لكنّه سيأتي منعه بقوله: «اللّهم إلّا أن يتحقق إجماع على خلافه».

(3) تعليل للضرر، و قد أوضحناه بقولنا: «و ذلك لأن الجهات النوعية دخيلة في الضمان .. إلخ» راجع (ص 470).

(4) هذا منع قوله: «لم يكن بعيدا» و غرضه دفع دخل خصوصيّات الحقائق في الغرامة، و حاصل الدفع: أنّه إذا قام إجماع على عدم دخل تلك الخصوصيّات في‌

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 13، ص 276، الباب 30 من أحكام الإجارة، الحديث 7. و نحوه كثير من روايات الباب.

(2) وسائل الشيعة، ج 17، ص 352، الباب 2 من أبواب اللقطة، الحديث 13. و نحوه الحديث 14

475

و لو (1) من جهة أنّ ظاهر كلمات هؤلاء (2) إطلاق القول بضمان المثل، فيكون الفصل بين التيسّر و عدمه (3) قولا ثالثا في المسألة.

[الأقوال في القيمة المعتبرة في ضمان القيميّ]

[أ: اعتبار قيمة يوم التلف]

ثمّ إنّهم (4) اختلفوا في تعيين القيمة في المقبوض بالبيع الفاسد، فالمحكيّ في

____________

الضمان لم يجب حينئذ مراعاتها.

(1) يعني: و لو كان طريق استكشاف الإجماع- على عدم دخل خصوصيّات الحقائق في الضمان- إطلاق كلمات الإسكافي و الشيخ و المحقّق (قدّس سرّهم). و المراد من إطلاق قولهم بضمان المثل هو الإطلاق الشامل لصورة تعذّر المثل و تيسّره.

(2) و هم الإسكافي و الشيخ و المحقّق.

(3) يعني: فيكون الفصل- بضمان المثل في الأوّل و القيمة في الثاني- قولا ثالثا خارقا للإجماع على ضمان القيميّ بالقيمة، من غير فرق بين تيسّر المثل و تعذّره.

هذا تمام الكلام في المقام الأوّل، و هو إثبات ضمان القيميّ بالقيمة لا بالمثل. و سيأتي الكلام في المقام الثاني.

الأقوال في القيمة المعتبرة في ضمان القيميّ أ: اعتبار قيمة يوم التلف

(4) هذا شروع في المقام الثاني، و هو تعيين حدّ القيمة المستقرّة على عهدة الضامن، إذا اختلفت بحسب الأزمنة، فهل يضمن قيمة يوم الغصب و القبض، أم قيمة يوم التلف، أم قيمة يوم الأداء أم أعلى القيم؟ أقوال.

و المحكيّ عن جماعة هو اعتبار قيمة يوم تلف العين، لأنّ الواجب ردّ العين، و إنّما تحقّق الانتقال إلى القيمة بالتلف، فيوم التلف يوم اشتغال الذّمّة بالقيمة [1].

____________

[1] و القول بأعلى القيم من حين القبض إلى حين التلف، لأنّه كالغاصب المأخوذ بأشقّ الأحوال، و لأنّ العين مضمونة في جميع الأوقات السالفة، و مقتضى الاشتغال لزوم

476

____________

الخروج عن العهدة. نسب هذا القول إلى ابن إدريس.

و قول بضمانه بقيمته يوم قبضه، اختاره في الشرائع، و ربّما نسب إلى الأكثر، لأنّه زمان تعلّق الخطاب بالخروج عن العهدة، و لصحيحة أبي ولّاد الآتية، بعد وضوح عدم الفرق بين موردها و بين المقبوض بالعقد الفاسد.

و قول بضمانه بأعلى القيم من حين القبض إلى حين التلف بشرط أن يكون التفاوت بسبب نقص في العين أو زيادة، فلو كان باختلاف السوق لم يضمن. و اعتبر قيمة العين يوم التلف.

و هذا منسوب إلى الشهيد في المسالك. و وجهه: أنّه لا بدّ أن يكون المضمون أمرا متأصّلا، و ليس ذلك إلّا الزيادة العينيّة، و أمّا مجرّد الزيادة السوقية فهو أمر اعتباريّ لا يضمن. مضافا إلى دلالة خبر البغل عليه (1).

و قول بضمان قيمة يوم الأداء، و هو الذي اختاره السيد في حاشيته، بدعوى: أنّ نفس العين باقية في العهدة، و يجب الخروج عنها، لكن لمّا لم يمكن ردّ نفسها وجب دفع عوضها، فهي بنفسها باقية في العهدة إلى زمان الأداء، فالعبرة في القيمة إنّما هي بيوم الأداء.

هذه عمدة الأقوال في المسألة و مبانيها.

و قبل الخوض في تحقيق ما ينبغي الاعتماد عليه من الأقوال لا بأس بتأسيس الأصل في المسألة حتى يكون هو المرجع إذا لم نستفد من الأدلّة شيئا، فنقول:

إنّه قد يقال: إنّ قاعدة الاشتغال تقتضي وجوب أعلى القيم من زمان القبض إلى زمان الأداء، فلا بدّ من دفع أعلى القيم، لتوقّف يقين الفراغ عليه.

لكن الحقّ أنّ المقام من مجاري أصالة البراءة، لكون الشكّ بين الأقلّ و الأكثر الاستقلاليّين.

____________

(1) مسالك الافهام، ج 12، ص 187

477

غاية المراد (1) عن الشيخين و أتباعهما تعيّن قيمة يوم التلف. و عن الدروس و الرّوضة نسبته إلى الأكثر.

و الوجه فيه على ما نبّه عليه جماعة منهم العلّامة في التحرير: «أنّ الانتقال إلى البدل إنّما هو يوم التلف، إذ الواجب قبله هو ردّ العين» (1).

و ربّما يورد عليه (2): أنّ يوم التلف يوم الانتقال إلى القيمة، أمّا كون المنتقل إليها قيمة يوم التلف فلا.

____________

(1) قال الشهيد (قدّس سرّه) فيه: «و أمّا الضّمان بالقيمة يوم التلف فلأنّ الواجب العين، و إنّما تحقّق الانتقال إلى القيمة بالتلف. و هو مذهب الشيخين و أتباعهما. و خالف ابن إدريس في ذلك، و أوجب ضمانه بأعلى القيم من حين القبض إلى حين التلف» (2).

و نسبه في الدروس (3) إلى الأكثر. و نقله عنه الشهيد الثاني في الرّوضة، و هو مذهب ابن البرّاج و العلّامة في المختلف كما في المسالك (4).

و لكن في كونه اختيار الأكثر تأمّلا، لمعارضته بما أفاده المحقّق من جعل قول الأكثر ضمان قيمة يوم الغصب، فراجع (5).

كما أنّ ما نسب إلى شيخ الطائفة (قدّس سرّه) لا يخلو من شي‌ء، إذ في موضع من المبسوط (6) و الخلاف ضمان أعلى القيم من يوم الغصب إلى يوم التلف، و استحسنه المحقّق.

(2) حاصل الإيراد على كلام العلّامة (قدّس سرّه) هو: أنّ يوم التلف و إن كان يوم انتقال ضمان العين إلى ضمان قيمتها، و لكنّ مجرّد هذا الانتقال غير كاف في تعيين قيمة‌

____________

(1) تحرير الاحكام، ج 2، ص 139

(2) غاية المراد، ص 86، السطر 17

(3) الدروس الشرعية، ج 3، ص 113؛ الروضة البهية، ج 7، ص 41

(4) مسالك الأفهام، ج 12، ص 186

(5) شرائع الإسلام، ج 3، ص 240

(6) المبسوط، ج 3، ص 72 و 75؛ الخلاف، ج 3، ص 493، المسألة 9؛ شرائع الإسلام، ج 3، ص 240

478

و يدفع (1) بأنّ معنى ضمان العين عند قبضه كونه في عهدته، و معنى ذلك (2) وجوب تداركه (3) ببدله عند التلف حتّى يكون عند التلف كأنّه

____________

وقت التلف، إذ ربّما يجب أداء أعلى القيم من يوم الغصب إلى التلف. و عليه فلا بدّ من التماس دليل آخر على تعيين قيمة وقت التلف.

و لا يخفى عليك أنّه لم أظفر بمن أورد- بهذا الإيراد- على القول بضمان قيمة يوم التلف. نعم أورد به المحقّق و الشهيد الثانيان و غيرهما على القول بضمان قيمة يوم الغصب «من أنّه أوّل وقت دخول العين في ضمان الغاصب» فأوردوا عليه: «بأنّ معنى ضمان العين حينئذ هو أنّها لو تلفت وجب بدلها و هو القيمة، لا بمعنى وجوب قيمتها و العين باقية ..» (1).

و هذا الاشكال يمكن تقريره بالنسبة إلى القول بضمان قيمة يوم التلف، فيقال:

إنّ يوم التلف يوم الانتقال إلى القيمة، و أمّا ضمان خصوص قيمة هذا اليوم فغير لازم.

(1) حاصل هذا الدفع: أنّ استدلال العلّامة (قدّس سرّه) سليم عن الإيراد المتقدّم، و ذلك لأنّ وضع اليد على مال الغير يوجب ضمانه أي دخوله في عهدته، و يجب عليه ردّه إلى مالكه ما دام موجودا، و يجب تداركه ببدله بردّ قيمته- لكونه قيميّا حسب الفرض- إذا تلف، بحيث تسدّ القيمة مسدّ نفس العين التالفة، فكأنّها لم تتلف و لم ترد خسارة على المالك أصلا. و من المعلوم أنّ جبران خسارة المالك يكون بأداء قيمة يوم التلف، لكون هذه القيمة مساوية في الماليّة للعين التالفة، و معه لا وجه لرعاية قيمة العين في المدة المتخللة بين الضمان و التلف، إذ لم تكن تلك القيم مضمونة حال وجود العين.

و عليه فلا يرد على كلام العلّامة (قدّس سرّه) ما أفيد، هذا.

(2) أي: و معنى كون العين في عهدة الضامن وجوب تداركه .. إلخ.

(3) الضمائر في «تداركه، ببدله، كأنّه، له، مقامه» و المستتر في «يكون، يتلف» راجعة إلى «العين» فالأولى تأنيثها.

____________

(1) جامع المقاصد، ج 6، ص 246؛ مسالك الأفهام، ج 12، ص 185 و 186؛ جواهر الكلام، ج 37، ص 101

479

لم يتلف (1). و تداركه (2) على هذا النحو بالتزام مال معادل له قائم مقامه.

و ممّا ذكرنا (3) ظهر أنّ الأصل في ضمان التالف ضمانه بقيمته يوم التلف، فإن خرج المغصوب من ذلك (4) مثلا فبدليل خارج.

نعم (5) لو تمّ ما تقدّم عن الحلّيّ في هذا المقام من «دعوى الاتّفاق على كون

____________

(1) في جبرانه من حيث الماليّة، و الجابر هو المال حين تلف العين.

(2) هذا كالصغرى لكبرى الضمان، فكأنّه قال: الضمان كلّية هو الجبران، فكأنّه لم يتلف شي‌ء على المالك. و الجبران يتحقّق بأداء مال معادل في الماليّة للعين التالفة قائم مقامها. و النتيجة تعيّن قيمة وقت التلف.

(3) يعني: من وجوب تدارك التالف عند التلف- و كون هذا معنى الضمان- ظهر ..، و غرضه تأسيس قاعدة كلّيّة في ضمان القيميّ في كافّة الموارد، سواء أ كان موجب الضمان غصبا أم قبضا بعقد فاسد أم قبضا بالسّوم، أم عارية مشروطة بالضمان، أم وديعة كذلك، أم غير ذلك من أسباب الضمان. ففي جميعها ينبغي تدارك العين القيميّة بقيمتها وقت التلف، لأنّه وقت انتقال الضمان من العين إلى القيمة.

و لو نهض دليل على ضمان المغصوب بقيمته يوم الغصب كان تخصيصا في أصالة الضمان بقيمة يوم التلف، و لا مانع من هذا التخصيص، و لكنه لا يلحقه سائر موارد الضمان، إلّا إذا تمّ إجماع ابن إدريس (قدّس سرّه) على اتّحاد المبيع بالبيع الفاسد مع الغصب في الأحكام عدا الإثم في الإمساك، فإنّه يقتضي ضمان المقبوض بالبيع الفاسد بقيمة يوم الغصب لو ثبت ضمان المغصوب به.

(4) أي: من الأصل المقتضي لضمان التالف- كلّيّة- بقيمة يوم التلف.

(5) استدراك على الأصل الذي قرّره بقوله: «و ممّا ذكرنا ظهر أنّ الأصل» و غرضه إخراج المبيع بالبيع الفاسد عن الأصل المزبور، و إلحاقه بالمغصوب في كونه مضمونا بقيمة يوم القبض، لا يوم التلف.

480

المبيع فاسدا بمنزلة المغصوب إلّا في ارتفاع الإثم» ألحقناه (1) بالمغصوب إن ثبت فيه حكم مخالف لهذا الأصل (2).

بل (3) يمكن أن يقال: إذا ثبت في المغصوب الاعتبار بقيمة يوم الغصب كما هو ظاهر صحيحة أبي ولّاد الآتية كشف ذلك عن عدم اقتضاء إطلاقات الضمان لاعتبار قيمة يوم التلف، إذ (4) يلزم حينئذ أن يكون المغصوب- عند كون قيمته يوم التلف أضعاف ما كانت يوم الغصب- غير واجب التدارك عند التلف، لما (5) ذكرنا من أنّ معنى التدارك التزام بقيمته يوم وجوب التدارك.

____________

(1) أي: ألحقنا المبيع فاسدا بالمغصوب، و ضمير «فيه» راجع إلى المغصوب.

(2) المقتضي للضمان بقيمة يوم التلف.

(3) غرضه إلحاق المقبوض بالعقد الفاسد بالمغصوب مع الغضّ عن الإجماع الذي ادّعاه الحلّيّ على كون المقبوض بالعقد الفاسد كالمغصوب، فيكون استدراكا عن قوله: «نعم لو تمّ ما تقدّم .. إلخ» و حاصله: أنّ مفاد الإجماع إلحاق خصوص المبيع فاسدا- من موارد الضمانات- بالمغصوب في كون المدار على قيمة يوم القبض، فيبقى غيره من الموارد تحت الأصل المزبور المقتضي لضمان قيمة يوم التلف.

و مفاد قوله: «بل يمكن أن يقال» إلحاق جميع موارد الضمان بالمغصوب، إذ لو فرض كون قيمة يوم التلف أضعاف قيمته يوم القبض لزم أن يكون الغاصب أحسن حالا من غيره في هذا الفرض، و هو زيادة قيمته يوم التلف على قيمته يوم الغصب، و هو باطل بالضرورة، فينقلب الأصل المزبور إلى أصالة الضمان بقيمة يوم التلف في جميع موارد الضمان، فصحيحة أبي ولّاد تكشف عن عدم إطلاق في أدلّة الضمان يقتضي اعتبار قيمة يوم التلف.

(4) تعليل للكشف المزبور، و حاصله: لزوم التالي الفاسد، و هو كون الغاصب أحسن حالا من غيره.

(5) علّة لقوله: «يلزم» و بيان لوجه اللزوم، يعني: يترتّب اللازم الباطل المزبور‌

481

نعم (1) لو فرض دلالة الصحيحة على وجوب أعلى القيم أمكن جعل التزام الغاصب بالزائد (2) على مقتضى التدارك مؤاخذة له بأشقّ الأحوال.

[ب: ضمان القيميّ بقيمة يوم الضمان]

فالمهمّ حينئذ (3) صرف الكلام إلى معنى الصحيحة بعد ذكرها ليلحق به البيع الفاسد، إمّا لما ادّعاه الحلّيّ (4)، و إمّا لكشف الصحيحة عن معنى التدارك و الغرامة في المضمونات (5)، و كون العمدة في جميعها بيوم الضمان كما هو أحد الأقوال فيما نحن فيه من البيع الفاسد.

____________

على كون ما ذكر من معنى التدارك.

(1) استدراك على وجوب التدارك بقيمة يوم التلف. و حاصله: أنّه لو فرضنا دلالة الصحيحة على وجوب أعلى القيم- كما استفاده الشهيد الثاني (قدّس سرّه)- اختصّ ذلك بالغصب، لكون الغاصب مأخوذا بأشقّ الأحوال.

(2) المراد بالزائد على مقتضى التدارك هو التفاوت بين أعلى القيم و قيمة يوم التلف أو يوم الغصب، و هذا التفاوت عقوبة مختصّة بالغاصب، لكونه مأخوذا بأشقّ الأحوال، و لا يجري في سائر الضّمناء.

(3) أي: حين تفاوت مقتضى الأصل في باب الضمان بتفاوت الاستظهار من الصحيحة.

(4) من إجماع المحصّلين على كون المقبوض بالعقد الفاسد كالمغصوب إلّا في ارتفاع الإثم على إمساكه.

ب: ضمان القيميّ بقيمة يوم الضمان

(5) سواء أ كان موجب الضمان هو الغصب أم القبض بالبيع الفاسد أم العارية المشروطة أم اللقطة أم غيرها.

482

[الاستدلال بصحيحة أبي ولّاد على اعتبار قيمة يوم الضمان]

و حيث (1) إنّ الصحيحة مشتملة على أحكام كثيرة و فوائد خطيرة (2) فلا بأس بذكرها جميعا (3)، و إن كان الغرض متعلّقا ببعضها.

فروى الشيخ في الصحيح (4) عن أبي ولّاد، قال: «اكتريت بغلا الى قصر بني هبيرة (5) ذاهبا و جائيا بكذا و كذا، و خرجت في طلب غريم لي، فلمّا صرت قرب قنطرة الكوفة خبّرت أنّ صاحبي توجّه إلى النيل (6)، فتوجّهت نحو النّيل،

____________

الاستدلال بصحيحة أبي ولّاد على اعتبار قيمة يوم الضمان

(1) غرضه من هذه الجملة توجيه نقل جميع الصحيحة، مع أنّ محلّ الاستدلال بها على ضمان يوم التلف أو يوم الغصب جملتان منها.

و محصّل التوجيه: اشتمال الصحيحة على أحكام كثيرة، و الوقوف على جهل أئمّة الضلال بأحكام الشريعة الغرّاء، و تلاعبهم بدين اللّه، و ما يستتبعه ذلك من حبس قطر السماء و بركات الأرض، فالحمد للّه الذي هدانا لولاية أوليائه (عليهم السلام) و ما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا اللّه.

(2) سيأتي ذكر جملة من هذه الأحكام في التعليقة بعد الفراغ من توضيح كلمات المصنّف فيما يتعلّق بمورد الاستدلال بها.

(3) لكنّه (قدّس سرّه) لم يف بما وعده من ذكر تمام الصحيحة، و سنذكر تتمّتها.

(4) و كذا رواها ثقة الإسلام (قدّس سرّه) بسند صحيح، فالسند صحيح بطريقيه، و لا تختصّ الصحّة بطريق شيخ الطائفة (قدّس سرّه)، لكن لا مفهوم لتعبير المصنّف، و إنّما غرضه وجود طريق صحيح لهذا الخبر الشريف.

(5) هذا الموضع يسمّى في عصرنا الحاضر بالهاشميّة، و هو من أقضية محافظة بابل [الحلّة] يبتعد عن الحلّة قرابة عشرين كيلومترا. و أمّا القصر فلم يبق منه سوى أطلال. و أمّا ابن هبيرة فهو من عمّال بني أمية- لعنهم اللّه- في أواخر عهدهم و سلطنتهم. كذا قيل.

(6) و هو قرية بين كوفة و بغداد، ففي اللّسان: «و نيل: نهر بالكوفة، و حكى الأزهري، قال: رأيت في سواد الكوفة قرية يقال لها: النيل، يخرقها خليج كبير يتخلّج‌

483

فلمّا أتيت النيل خبّرت أنّه توجّه إلى بغداد، فاتّبعته و ظفرت به و فرغت ممّا بيني و بينه (1)، و رجعت إلى الكوفة، و كان ذهابي و مجيئي خمسة عشر يوما.

فأخبرت (2) صاحب البغل بعذري، و أردت أن أتحلّل منه فيما [ممّا] صنعت و أرضيه، فبذلت له خمسة عشر درهما، فأبى أن يقبل (3)، فتراضينا بأبي حنيفة و أخبرته بالقصّة، و أخبره الرّجل.

فقال لي: ما صنعت بالبغلة؟

قلت: رجّعته سليما. فقال (4): نعم بعد خمسة عشر يوما.

قال: فما تريد من الرجل؟

قال (5): أريد كراء بغلي، فقد حبسه عليّ خمسة عشر يوما.

____________

من الفرات الكبير» (1).

(1) هذا الضمير و ضمائر «أنّه، توجّه، فاتّبعته، به» راجعة إلى «الغريم» المراد به المديون.

(2) الوجه في إخبار صاحب البغل هو مخالفة أبي ولّاد لعقد الإجارة، لأنّ السير من الكوفة إلى قصر بني هبيرة- ذاهبا و جائيا- يقلّ عن عشرة أيّام، فكان تصرّفه و ركوبه على البغل مخالفا لمقتضى الإجارة، فأراد أبو ولّاد استرضاء صاحب البغل و الاستحلال منه.

(3) يعني: أنّ صاحب البغل لم يقنع بخمسة عشر درهما، و زعم استحقاقه اجرة أزيد منها.

(4) يعني: فقال صاحب البغل: إنّ أبا ولّاد و إن أرجع البغل سليما، لكنّه أرجعه بعد خمسة عشر يوما، و هو أكثر من مدّة الإجارة المتعارفة للذهاب من الكوفة إلى قصر ابن هبيرة و الرجوع منها إلى الكوفة.

(5) يعني: قال صاحب البغل: أريد كراء البغل في مدّة خمسة عشر يوما، و هو أكثر من خمسة عشر درهما التي اقترحها أبو ولّاد.

____________

(1) لسان العرب، ج 11، ص 686

484

فقال (1): إنّي ما أرى لك حقّا، لأنّه اكتراه إلى قصر بني هبيرة، فخالف (2)، فركبه إلى النيل و إلى بغداد، فضمن قيمة البغل و سقط الكراء، فلمّا ردّ البغل سليما و قبضته لم يلزمه الكراء.

قال (3): فخرجنا من عنده و أخذ صاحب البغل يسترجع فرحمته ممّا أفتى (4) به أبو حنيفة، و أعطيته (5) شيئا و تحلّلت منه. و حججت تلك السنة، فأخبرت أبا عبد اللّه (عليه السلام) بما أفتى به أبو حنيفة.

فقال (6): في مثل هذا القضاء و شبهه تحبس السماء ماءها، و تحبس الأرض بركاتها.

____________

(1) يعني: فقال أبو حنيفة للمكاري: لا أرى لك حقّا على أبي ولّاد أصلا، لا خمسة عشر درهما، و لا أزيد منها، بل تستحقّ الدراهم التي تراضيتما عليها- أوّلا- حين اكتراء البغل من الكوفة إلى قصر بني هبيرة.

(2) يعني: فخالف أبو ولّاد مقتضى الإجارة، و عدل بطريقه من قرب قنطرة الكوفة إلى النيل، و لم يذهب إلى قصر بني هبيرة.

(3) يعني: قال أبو ولّاد: فخرجنا من عند القاضي و أخذ صاحب البغل يقول:

إنّا للّه و إنّا إليه راجعون. لكون قضائه جائرا مخالفا للعدل و الانصاف الذي تدعو دين الفطرة إليه، و لم يخف بطلانه على عقل أبسط الناس- و هو المكاري- و إن خفي على عقل فقيه العراق بحسب زعمه.

(4) التعبير بالفتوى- مع أنّهما ترافعا إلى القاضي- لأجل أنّ النزاع في الحكم الكلّيّ، فكان فصل الخصومة بالفتوى، لا ببيان حكم قضيّة شخصية.

(5) ضمير الفاعل من هنا إلى «فأخبرت» راجع إلى أبي ولّاد، و ضمير المفعول و المجرور في «منه» راجع إلى صاحب البغل.

(6) أي: فقال أبو عبد اللّه جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام): في مثل هذا القضاء- المخالف لما أنزله اللّه تعالى- تحبس السماء ماءها .. إلخ.

485

فقلت (1): لأبي عبد اللّه (عليه السلام): فما ترى أنت جعلت فداك؟

قال (عليه السلام) (2): أرى له عليك مثل كراء (3) بغل ذاهبا من الكوفة إلى النيل، و مثل كراء بغل راكبا من النيل إلى بغداد، و مثل كراء بغل من بغداد إلى الكوفة، توفيه (4) إيّاه.

قال (5): فقلت: جعلت فداك، قد علّفته بدراهم، فلي عليه علفه؟

فقال (6): لا، لأنّك غاصب.

____________

(1) أي: قال أبو ولّاد لأبي عبد اللّه (عليه السلام): ما هو حكم اللّه في هذه المسألة؟

(2) أي: قال الإمام أبو عبد اللّه (عليه السلام): أرى لصاحب البغل عليك .. إلخ.

(3) يعني: عليك مثل أجرة بغل ذاهبا من الكوفة إلى النيل، و مثل كراء بغل راكبا من النيل الى بغداد، و مثل كراء بغل من بغداد إلى الكوفة.

(4) أي: تعطي صاحب البغل هذا الكراء، و الظاهر أنّ المراد قنطرة الكوفة لا نفس المدينة، لأنّ أبا ولّاد لم يخالف مقتضى الإجارة قبل بلوغه قنطرة الكوفة، و إنّما خالفه من القنطرة إلى النيل، ثمّ منه إلى بغداد، و منه عائدا إلى الكوفة.

و الوجه في هذه المحاسبة كون المسافة و مدّة الركوب على البغل أزيد من السير المتعارف من كوفة إلى بغداد، ثم منه إلى كوفة، لكون القصر و النيل خارجين عن الجادّة المعمولة بين كوفة و بغداد، فلأجل ذلك تزداد اجرة المثل- في الطريق التي سلكها أبو ولّاد- على اجرة السير المتعارف، فيكون ضامنا لمنفعة البغل المستوفاة.

(5) يعني: قال أبو ولّاد: قد علّفت البغل بدراهم في مدّة ركوبي عليه. و غرض أبي ولّاد من هذا الكلام: التخلّص من بعض الأجور- التي حكم الامام (عليه السلام) بضمانها- بأنّ استيفاء ركوب البغل في المسافة المذكورة و إن لم يكن بعقد إجارة، إلّا أنّه صرف دراهم في تعليف البغل، فينبغي حطّ بعض اجرة المثل بإزاء التعليف، هذا.

(6) يعني: قال الامام الصادق (عليه السلام): لا تستحقّ على المكاري مئونة التعليف لأنّك غاصب، و ليس تصرّفك في البغل مستندا إلى إذن مالكيّ أو شرعيّ حتى يكون‌

486

قال (1): فقلت: أ رأيت، لو عطب (2) البغل و نفق أ ليس كان يلزمني (3)؟

قال (4): نعم، قيمة بغل يوم خالفته.

قلت (5): فإن أصاب البغل

____________

مئونته على المالك.

(1) يعني: قال أبو ولّاد: فقلت للإمام (عليه السلام): أ رأيت .. إلخ. و الظاهر أنّ أبا ولّاد استغرب من حكمه (عليه السلام) بضمان اجرة المثل و بوجوب الإنفاق على البغل، و ذلك لما سمعه من قاضي الكوفة من أنّه لمّا صار ضامنا لرقبة البغل بالغصب كانت منفعته- كالركوب- مملوكة له، فلذا استفهم أبو ولّاد منه (عليه السلام)، و قال: لو هلك البغل في المدّة التي كانت عنده غصبا، فهل يكون مضمونا؟ و هل يجب دفع قيمته إلى المكاري أم لا؟

فأجاب (عليه السلام): نعم، لو هلك البغل عندك كنت ضامنا لقيمته، لأنّك غاصب و كذلك تكون ضامنا لاجرة المثل، و وجب عليك تعليفه. و لا وجه لحكم القاضي الجائر اعتمادا على حديث: «الخراج بالضمان» لعدم كون مورده الغصب أصلا، كما تقدّم تفصيله في الأمر الثاني.

(2) من باب «تعب» بمعنى: هلك. كذا في المصباح (1). و فيه أيضا: «و نفقت الدابّة نفوقا من باب قعد: ماتت» (2). و الظاهر أنّ المراد من «العطب» هنا هو الموت عن الكسر، و النفوق هو الموت حتف الأنف.

(3) بالتخفيف، أي: هل تكون القيمة لازمة عليّ و مضمونة لو هلك البغل؟

(4) يعني: قال الامام (عليه السلام): لو هلك البغل لزمك قيمته يوم خالفت عقد الإجارة.

(5) هذا قول أبي ولّاد. و هو سؤال أيضا عن ضمان البغل، لكن الفارق بينه و بين سابقه أنّ السؤال الأوّل كان عن ضمان الرقبة لو مات البغل. و هذا سؤال عن‌

____________

(1) المصباح المنير، ص 416

(2) المصدر، ص 618

487

كسر أو دبر (1) أو عقر [غمز].

فقال: عليك قيمة ما بين الصحّة و العيب يوم تردّه.

فقلت (2): من يعرف ذلك؟

____________

ضمان الطرف و الأعضاء من كسر أو قرحة أو عرج. فأجاب (عليه السلام): بضمانها أيضا كالرقبة.

و طريق معرفته تقويم البغل صحيحا من كلّ عيب، و تقويمه مع ذلك الكسر أو العرج أو القرحة، فالتفاوت بين القيمتين هو المضمون. كما إذا قوّم سليما بعشرة دنانير، و معيبا بثمانية، فالأرش ديناران يجب دفعهما إلى المكاري.

(1) قرحة الدابّة، و «العقر» بمعنى الجرح. و في بعض النسخ «غمز» و هو ميل الدابّة من رجلها و العرج الضعيف. و أمّا «الغمر» بالراء فلم يظهر له معنى يناسب المقام.

(2) هذا قول أبي ولّاد، و هو استفهام عن طريق معرفة الأرش- الذي يضمنه لو اعتلّ البغل عنده- بعد معرفة أصل ضمان العيب. و أجابه (عليه السلام) بأنّ لمعرفة أرش العيب طرقا.

فإن توافق المكاري و أبو ولّاد على قيمة البغل صحيحا و معيبا، فيدفع الأرش إليه.

و إن اختلفا في القيمة، بأن ادّعى صاحب البغل زيادة قيمته، و أنكرها أبو ولّاد، حتّى يكون أرش ما بين الصحّة و العيب أقلّ، كما إذا ادّعى المكاري أنّ قيمة الصحيح عشرة دنانير، و قيمة المعيب ثمانية، فيطالب بدينارين. و ادّعى أبو ولّاد أنّ قيمة البغل السليم عشرة و قيمة المعيب تسعة، فيكون ضامنا لدينار. فيحلف المكاري على ما يدّعيه. أو يأتي بشهود على أنّ قيمة البغل يوم الاكتراء عشرة دنانير مثلا.

فإن لم يأت المكاري بشهود و لم يحلف على دعواه بأن وجّه اليمين إلى منكر زيادة القيمة حلف أبو ولّاد على الثمن القليل و ثبت دعواه.

488

قال (عليه السلام): أنت و هو، إمّا أن يحلف هو (1) على القيمة فيلزمك فإن ردّ اليمين عليك فحلفت على القيمة (2) لزمك ذلك. أو (3) يأتي صاحب البغل بشهود يشهدون أنّ قيمة البغل حين اكتري كذا و كذا، فيلزمك.

فقلت (4): إنّي كنت أعطيته دراهم و رضي بها و حلّلني.

فقال: إنّما رضي بها و حلّلك حين قضى عليه أبو حنيفة بالجور و الظلم.

و لكن ارجع إليه، فأخبره بما أفتيتك به، فإن جعلك في حلّ بعد معرفته فلا شي‌ء عليك بعد ذلك» الخبر (5).

____________

(1) يعني: صاحب البغل، فيحلف على القيمة العليا، فتثبت في ذمّة أبي ولّاد.

(2) يعني: على القيمة الدّنيا، فتلزمك و تستقرّ على عهدتك.

(3) هذا عدل لقوله: «إمّا أن يحلف» يعني: أنّ للمكاري إثبات دعواه بإحدى طريقين: الحلف و البيّنة.

(4) هذا قول أبي ولّاد، و غرضه من هذا السؤال حطّ مقدار من اجرة المثل التي حكم الامام (عليه السلام) باستقرارها في ذمّته، فقال: إنّي أشفقت على المكاري بعد حكم قاضي الكوفة، و أعطيته دراهم و تحلّلت منه، فهل يجوز احتسابها من اجرة المثل، أم أنّها لا تحسب منها و يجب أداء أجرة المثل كاملة؟

فأجاب (عليه السلام): بأنّ رضى المكاري بتلك الدراهم و تحلّلك منه كان ناشئا من جهله بما يستحقّه عليك واقعا، فرضي بما أعطيته إيّاه. و لكن أخبره بالحكم الواقعيّ و ما يستحقه عليك من اجرة المثل، فإن حلّلك من اجرة المثل و رضي بما أعطيته سابقا فهو، و إلّا فادفع إليه ما يستحقه من اجرة المثل كاملة.

(5) ذيل الصحيحة: «فلمّا انصرفت من وجهي [حجّتي] ذلك لقيت المكاري، فأخبرته بما أفتاني به أبو عبد اللّه (عليه السلام)، و قلت له: قل: ما شئت حتى أعطيكه. فقال:

قد حبّبت إليّ جعفر بن محمّد (عليهما السلام) و وقع له في قلبي التفضيل، و أنت في حلّ،

489

و محلّ الاستشهاد فيه فقرتان:

الأولى: قوله: «نعم قيمة بغل يوم خالفته» إلى ما بعد، فإنّ الظاهر (1)

____________

و إن أحببت أن أردّ عليك الذي أخذته منك فعلت» (1).

و المراد بالموصول في «بما أفتاني به» هو اشتغال ذمّة أبي ولّاد بأجرة مثل البغل من الكوفة إلى النيل، و منه إلى بغداد، و منه عائدا إلى الكوفة، و قد حكم أبو حنيفة بعدم استحقاق المكاري لهذه الأجرة. فلمّا سمع المكاري فتوى الامام الصادق (عليه السلام) باستحقاقها فرح بها و طابت نفسه من أبي ولّاد، و أسقط ماله في ذمّته، بل لم يكتف المكاري بهذا الاسقاط، فقال: لو شئت يا أبا ولّاد أرجعت إليك الدراهم التي أعطيتنيها بعد قضاء أبي حنيفة.

و اعلم أنّ هذه الصحيحة قد يستدلّ بها تارة على اعتبار قيمة يوم الغصب.

كما عليه جماعة و منهم المصنّف في بادئ الأمر. و اخرى على ضمان يوم التلف كما عليه آخرون، و ثالثة على ضمان أعلى القيم من الغصب إلى التلف كما عليه الشهيد الثاني، و سيأتي التعرّض لجميع ذلك إن شاء اللّه تعالى.

(1) استدلّ المصنّف (قدّس سرّه) بجملتين من هذه الصحيحة المباركة على مدّعاه من ضمان المغصوب بقيمة يوم الغصب، كما أفاده- قبل ذكر الصحيحة بأسطر- بقوله:

«بل يمكن أن يقال: إذا ثبت في المغصوب الاعتبار بقيمة يوم الغصب كما هو ظاهر صحيحة أبي ولّاد الآتية».

الجملة الأولى: قوله (عليه السلام) في جواب أبي ولّاد: «نعم قيمة بغل يوم خالفته».

و حاصل تقريب الاستدلال بها: أنّ «اليوم» قيد للقيمة بأحد وجهين: إمّا بإضافة «القيمة» المضافة إلى «البغل» إليه، بأن يضاف القيمة أوّلا إلى البغل، و ثانيا‌

____________

(1) وسائل الشيعة، الباب 17 من كتاب الإجارة، الحديث 1، الا أنّه أسقط ذيله، و ذكر تمامه في الكافي ج 5، ص 290 و 291. ثمّ إنّ الرواية على طريقة الكافي صحيحة، و كذا على طريقة الشيخ، لأنّه رواها بإسناده إلى أحمد بن محمد و طريقه إليه صحيح، فلا إشكال في الصحيحة من حيث السند، فلاحظ.

490

أنّ «اليوم» قيد للقيمة، إمّا بإضافة القيمة المضافة إلى البغل [1]

____________

إلى اليوم، فيكون المتحصّل من هذه الإضافة: أنّ المضمون قيمة يوم المخالفة، يعني:

قيمة البغل الثابتة له يوم الغصب، و هو زمان الميل عن قنطرة الكوفة إلى النيل.

و إمّا بجعل «اليوم» قيدا للاختصاص الحاصل من إضافة القيمة إلى البغل،

____________

[1] لا يخفى أنّه قد اختلفت نسخ الحديث، ففي الكافي و الوسائل و مرآة العقول نقلها بتنكير «البغل» في كلام أبي عبد اللّه (عليه السلام) الدالّ على ضمان الكراء و ضمان البغل. و في الوافي و التهذيب نقله معرّفا باللام في جميع الموارد. و في غصب الوسائل نقله منكّرا في بعض الموارد و معرّفا في بعضها الآخر.

و كيف كان فالظاهر أنّ أبا حنيفة تمسّك فيما حكم به من عدم ضمان أجرة المثل بحديث «الخراج بالضمان» بزعم أنّ الخراج- أي المنافع- بإزاء ضمان العين، فكأنّ قيمة العين عوض منافعها، لأنّ ماليّة العين إنّما هي بإزاء منافعها، فالقيمة المبذولة بإزائها إنّما هي قيمة فوائدها، لأنّ العين المجرّدة عن المنافع لا ماليّة لها. و هذا شي‌ء لا تستبعده العقول، فيما إذا تلفت العين تحت يد من استوفى خراجها.

لكن ما حكم به أبو حنيفة مخالف للعقل و العدل الإسلاميّ، و لذا استرجع صاحب البغل، و تحلّل منه أبو ولّاد، إذ المفروض بقاء العين و استيفاء المنافع، فلو لم يضمن من استوفاها كان ظلما على المالك، هذا.

ثمّ إنّ الظاهر عدم الفرق في صحة الاستدلال بالصحيحة بين تنكير البغل و تعريفه في مقدار الكراء، لما مرّت إليه الإشارة سابقا من عدم دخل الهويّة بما هي في القيم و الرغبات. و إنّما الدخيل فيها هو الخواصّ و الأوصاف الموجبة لاختلاف القيم و الرّغبات، مثل كون البغل قويّا سريع السير مرتاضا غير شموس، فقوله (عليه السلام): «له عليك كراء بغل ذاهبا من الكوفة إلى النيل» يراد به البغل المماثل لبغله بحسب فهم العرف و ارتكاز العقلاء، لا كراء كلّ بغل شاء، سواء كان مخالفا لبغله أم لا. و مع المماثلة لا فرق بين كراء شخص بغله و كراء مماثله، كما لا يخفى.

491

إليه (1) ثانيا، يعني: قيمة يوم المخالفة للبغل، فيكون إسقاط حرف التعريف (2) من البغل للإضافة [1]

____________

حيث إنّ الإضافة إمّا تفيد التعريف إن أضيف إلى المعرفة، أو الاختصاص إن أضيف إلى النكرة. فالقيمة بعد أن أضيفت إلى البغل أفادت الاختصاص، أي: اختصاص القيمة بالبغل لا غيره.

و حاصل هذا التقريب: أنّ القيمة المختصّة بالبغل هي قيمته يوم الغصب، في مقابل قيمته يوم التلف. أو أعلى القيم أو غيرهما من القيم التي تنسب إلى البغل.

و قد أشار إلى هذا التقريب بقوله: «و إمّا بجعل اليوم قيدا .. إلخ».

(1) أي: إلى اليوم، بأن أضيفت القيمة مرّة إلى البغل، و ثانية إلى اليوم كما ذكرناه آنفا. و لكن صريح كلامه في السطر الآتي إضافة «البغل» إلى «يوم المخالفة» و لذا سقط اللام من «البغل» و معنى هذا الكلام: إضافة «القيمة» إلى «بغل» و إضافة «بغل» إلى «يوم المخالفة» إذ لو كانت «القيمة» مضافة مرّتين إحداهما إلى «البغل» و الأخرى إلى «يوم المخالفة» لم يكن وجه لسقوط حرف التعريف من «بغل» لعدم كونه مضافا إلى «يوم» كي يحذف منه اللام.

(2) و هو الألف و اللام من «البغل» لأجل إضافة «البغل» إلى «يوم خالفته» و غرضه من هذا الكلام دفع ما يتوهّم من: أنّ تنكير «البغل» إنّما هو للإشارة إلى أنّ ذا القيمة ليس خصوص البغل الذي هو مورد البحث، بل المضمون قيمة بغل مماثل لهذا البغل، فتكون الرواية دليلا لمذهب من جعل القيميّ مضمونا بالمثل.

و محصّل دفع هذا التوهّم: أنّ البغل ليس نكرة، بل هو معرّف باللام، غاية الأمر أنّ اللام سقط لأجل الإضافة، فالمراد بالبغل هو خصوص البغل الذي اكتراه أبو ولّاد.

____________

[1] لا يخفى أنّ اللام يسقط عن المضاف لا المضاف إليه كالبغل في الصحيحة.

كذا قيل. و لكن نفس «البغل» مضاف إلى اليوم، فيسقط عنه حرف التعريف، و إن كان «البغل» مضافا إليه أيضا ل‍ «قيمة» مثل: جاءني عبد سلطان بلدكم.

492

لا (1) لأنّ ذا القيمة بغل غير معيّن، حتى توهم الرواية مذهب من جعل القيميّ مضمونا بالمثل (2)، و القيمة إنّما هي قيمة المثل (3).

و إمّا (4) بجعل «اليوم» قيدا للاختصاص الحاصل من إضافة القيمة إلى البغل [1].

____________

(1) أي: ليس منشأ إسقاط حرف التعريف هو كون البغل الذي يجب دفع قيمته كلّيّا غير معيّن حتى يكون المضمون هو البغل المماثل للتالف- الذي اكتراه أبو ولّاد- و تكون القيمة بدل البدل.

(2) كالاسكافيّ و من وافقه من كون المضمون مضمونا بمثله، و لا تستقرّ القيمة في ذمّة الضامن إلّا بتعذر المثل.

(3) لا قيمة نفس التالف، فإنّها غير مضمونة بناء على ضمان القيميّ بالمماثل عرفا.

(4) هذا هو الشقّ الثاني من شقّي الاستدلال بالجملة الاولى من الصحيحة على ضمان يوم الغصب، و قد أوضحناه بقولنا: «و إمّا بجعل اليوم قيدا للاختصاص ..»‌

راجع (ص 490).

و قد تحصّل من كلام المصنف (قدّس سرّه) إلى هنا: وفاء الجملة الاولى من الصحيحة- بطريقين- لإثبات ضمان المغصوب القيميّ بقيمة يوم غصبه، لا بقيمة يوم التلف.

____________

[1] لا يخفى أنّ الاستدلال بقوله (عليه السلام): «نعم قيمة بغل يوم خالفته» على كون الضمان بقيمة يوم الغصب مبنيّ على رجوع القيد أعني به «يوم خالفته» إلى القيمة، بأحد وجوه:

الأوّل: إضافة القيمة إلى البغل، و البغل إلى اليوم بنحو تتابع الإضافات كقول الشاعر: «و ليس قرب قبر حرب قبر» بناء على تنكير البغل، إذ مع تعريفه لا تصحّ إضافته معنى، و إنّما تصح إضافته لفظا.

493

____________

الثاني: إضافة القيمة إلى البغل و اليوم معا.

الثالث: إضافة المتحصّل من المضاف و المضاف إليه- و هو القيمة المتخصصة بالبغل- إلى اليوم.

الرابع: كون اليوم ظرفا للقيمة من دون إضافة شي‌ء إليه، فيكون اليوم منصوبا بالاختصاص سواء أ كان البغل منكّرا منوّنا بإضافة القيمة إليه، كما في نسختي الكافي و الوسائل و مرآة العقول، فإنّ البغل مذكور فيها بالتنكير. فالبغل حينئذ مجرور منوّنا بإضافة القيمة إليه. أم كان البغل معرّفا باللام كما في التهذيب و الوافي، يعني: قيمة البغل المعهود يوم المخالفة. فتدلّ على أنّ المضمون قيمة يوم الغصب، هذا.

أمّا الوجه الأوّل فلا يصار إليه في المقام، لأنّ البغل من الذوات غير القابلة للتقييد بالزمان، لعدم اختلاف الأعيان باختلاف الأزمان، كما هو شأن التقييدات، فلا يصلح الزمان لأن يكون قيدا. كما لا يصح تقييد الدار و الدّكّان و نحوهما بالزمان، فلا يقال: «دار أو دكّان أو خان يوم» كما لا يقال: «بغل يوم الغصب، أو يوم الجمعة» إلّا باعتبار قيمتها التي هي معنى حدثيّ. بخلاف قوله: «و ليس قرب قبر حرب قبر» لصحّة كون «حرب» قيدا للقبر.

و أمّا الوجه الثاني- و هو إضافة القيمة إلى كلا الأمرين عرضا- فهو غير معهود في الاستعمالات، إذ يتوقف ذلك على لحاظين مستقلّين متباينين، و ذلك في استعمال واحد ممتنع.

مضافا إلى: أنّه على فرض صحّته في نفسه لا يمكن المصير إليه في المقام، إلّا بناء على تنكير البغل. و أمّا مع تعريفه باللام فلا يصحّ ذلك، لأنّ البغل لإضافته إلى «يوم» لا بدّ من تجريده عن اللام.

و بالجملة: فإشكال هذا الوجه الثاني- مضافا إلى امتناع تعدّد اللحاظين- عدم معهوديّته في الاستعمالات الشائعة.

494

____________

و أمّا الوجه الثالث- و هو إضافة المجموع المتحصّل من المضاف و المضاف إليه إلى اليوم- فلا بأس به.

و محصّله: أنّه يلزمك الحصّة الخاصّة من القيمة أعني بها قيمة البغل الثابتة له في يوم المخالفة، فهذه القيمة الخاصة مضمونة على الغاصب. فالظرف- و هو اليوم- متعلّق بالثابت. و مثل هذا كثير في الاستعمالات العرفيّة، فيقال: ماء رمان زيد، و حبّ رمان عمرو.

و أمّا الوجه الرابع- و هو كون اليوم منصوبا على الظرفيّة و ظرفا للقيمة- فهو أيضا ممّا لا بأس به، لأنّ «القيمة» بمعنى ما يتقوّم به، و هو معنى حدثيّ قابل للتقيّد بالزمان.

لكن يحتمل رجوع القيد- أعني يوم المخالفة- إلى قوله (عليه السلام): «نعم» الذي بمعنى يلزمك، يعني: «يجب عليك في يوم المخالفة قيمة البغل» فيدلّ على أن حدوث الضمان يكون يوم المخالفة، و لا يدلّ على تعيين القيمة، و أنّها قيمة يوم المخالفة أو يوم الغصب.

و مع هذا الاحتمال تكون الصحيحة مجملة، فلا يصح الاستدلال بها على ثبوت قيمة يوم الغصب. فيرجع في تعيين القيمة إلى القواعد. و قد تقدّم سابقا أنّ مقتضاها ضمان قيمة يوم التلف، هذا ما احتمله جمع منهم صاحب الجواهر، و سيأتي نقل كلامه في التوضيح ان شاء اللّه تعالى.

لكن يبعّده أمران:

أحدهما: ما يستفاد من كلام المصنّف من لغويّة ذكر القيد- أعني يوم المخالفة- الذي هو راجع إلى قوله (عليه السلام): «نعم» لأنّه يبيّن حينئذ مبدء الضمان و هو يوم الغصب، و ذلك معلوم عند السائل.

ثانيهما: أنّ لازم رجوع القيد إلى قوله: «نعم» انتقال العين إلى القيمة قبل تلفها، لأنّ السائل فرض المخالفة مع بقاء العين. و قد حكم الامام (عليه السلام) بضمان قيمة البغل. و هذا ممّا لم يقل به أحد. فلا بدّ من ترجيح احتمال رجوع القيد- أعني به يوم المخالفة- إلى

495

____________

القيمة بأحد الوجهين المتقدمين، فتكون الصحيحة على هذا دليلا على ضمان قيمة يوم الغصب كما هو مدّعى من ادّعى ذلك.

لكن يمكن أن يقال: إنّها دليل على ضمان قيمة يوم التلف. تقريبه: أنّ أبا ولّاد يسأل عن الضمان إذا عطب أو نفق، و من المعلوم أنّ الذهن غير المشوب بالمناقشات ينقدح فيه من قوله: «لو عطب أو نفق أ ليس يلزمني» أنّه يلزمني قيمة البغل حال تلفه، لأنّها قيمته الفعليّة، لا قيمته في الزمان الماضي أو المستقبل.

و لمّا كان ضمان التلف تحت يده موهما لضمانه مطلقا و لو لم يكن التلف في حال الغصب فقد دفع هذا التوهّم بقوله (عليه السلام): بأنّ ضمان التلف ليس ثابتا مطلقا، بل في خصوص حال الغصب. فتلف البغل قبل الغصب- و هو في المثال من الكوفة إلى قنطرتها- لا يوجب الضمان. فيوم المخالفة قيد لضمان التلف، يعني: أنّ التلف يوجب الضمان إذا وقع في حال الغصب، لا مطلقا، ففي جوابه (عليه السلام) تصديق لقول أبي ولّاد و ردع له.

أمّا تصديقه فمن جهة لزوم القيمة عند التلف التي هي في ارتكازه و ارتكاز العقلاء قيمتها حال التلف، لأنّها قيمتها الفعليّة.

و أمّا ردعه فمن جهة أنّ إطلاق ضمان التلف يقتضي ثبوت الضمان من وقت الأخذ، فردعه الامام (عليه السلام) بأنّ الضمان على فرض التلف ثابت من وقت الغصب. فقوله (عليه السلام): «يوم خالفته» قيد لقوله (عليه السلام): «نعم» أو للفعل المدلول عليه به كما هو ظاهر التركيب اللغويّ. و القيمة التي ورد عليها التصديق هي قيمة يوم التلف. فكأنّه قيل: إذا مات البغل حال الغصب و المخالفة ضمن قيمته، و من المعلوم أنّ قيمته الفعلية هي قيمته يوم التلف.

و لا فرق في هذا الاستظهار بين تنكير البغل و تعريفه، لما تقدّم سابقا من عدم دخل الهويّة بما هي في القيم و الرغبات، و أنّ الدخيل فيها هي الخواصّ و الأوصاف، كقوّة البغل و سرعة سيره و كونه مرتاضا غير شموس، هذا.

496

____________

و الّذي ينبغي أن يقال: إنّ قول السائل: «أ يلزمني» المترتّب على العطب و النفوق، إمّا بمعنى عهدة العين، و إمّا بمعنى لزوم دفع البدل فعلا، و إمّا بمعنى لزومه على تقدير التلف، و هو الضمان بالقوّة في كلام المشهور.

أمّا الأوّل فهو غير مرتّب على العطب، لأنّه مترتّب على مجرّد الغصب، فلا يصحّ جعل العطب في كلام السائل شرطا للزوم ضمان القيمة، و لا جعل اللزوم جزاء لقوله:

«فلو عطب» لفقدان الترتّب المعتبر بين الشرط و الجزاء، حيث إنّ العهدة مضافة إلى العين، لأنّ فاعل «أ يلزمني» هو البغل، لا بدله أعني به القيمة، فلا بدّ من الاقتصار على قوله: «نعم» لأنّه يسأل عن ضمان العين، فيكفيه قوله: «نعم» فلا يتعلّق اللزوم المستفاد منه بقيمة البغل.

و أمّا الثاني- و هو لزوم دفع البدل فعلا- فهو قابل لترتّبه على العطب، إذ المترتّب عليه هو القيمة لا العين، لفرض تلفها، فيتعيّن حينئذ أن يكون «يوم خالفته» قيدا للقيمة، لا لقوله: «يلزمني» لعدم اللزوم الفعليّ للقيمة من يوم المخالفة، بل لزوم القيمة فعلا مترتّب على العطب الواقع في ظرف المخالفة.

لكن يشكل إرادة اللزوم الفعليّ للقيمة في يوم المخالفة مع إمكان إرادة اللزوم التقديريّ و إرادة العهدة منه، إذ المفروض بقاء العين.

و أمّا الثالث- أعني به لزوم دفع البدل على تقدير التلف، و هو الضمان بالقوّة- فهو مترتّب على فرض وجود العطب، لا على العطب الفعليّ، و من المعلوم أنّ قوله: «أ رأيت لو عطب البغل .. إلخ» بيان لمعنى الضمان بالقوّة، أعني به لزوم البدل على تقدير التخلّف بجعل العطب مقدّما، و جعل لزوم البدل تاليا. و هذا اللزوم التقديريّ هو الذي سمعه من أبي حنيفة، لا اللزوم الفعليّ، إذ لم يكن في الواقعة عطب فعليّ.

و منه ظهر أنّه لا وجه لاستفادة اللزوم الفعليّ، فإنّه مرتّب على العطب الفعليّ، لا على فرضه بجعله واقعا موقع الفرض و التقدير الذي هو مفاد مدخول أداة الشرط.

497

و أمّا ما احتمله جماعة (1) من «تعلّق الظرف بقوله: نعم، القائم مقام قوله (عليه السلام): يلزمك يعني: يلزمك يوم المخالفة قيمة بغل»

____________

(1) هذا الاحتمال مذكور في مفتاح الكرامة و المستند و الجواهر (1)، عارضوا به دلالة الفقرة على ضمان المغصوب بقيمة يوم غصبه. و الفاضل النراقي (قدّس سرّه) و إن رجّح الضمان بقيمة يوم الغصب، إلّا أنّه استفاده من الفقرة الثانية الآتية، و هي قوله (عليه السلام):

«أو يأتي صاحب البغل بشهود يشهدون أن قيمة البغل حين اكترى كذا و كذا ..».

قال في الجواهر في ردّ استظهار ضمان قيمة يوم الغصب- ما لفظه: «و فيه:

احتمال تعلّق الظرف بالفعل المدلول عليه بقوله: نعم، فيكون المراد: يلزمك يوم المخالفة قيمة البغل لو عطب، بمعنى أنّها تتعلّق بك ذلك اليوم. و حينئذ فحدّ القيمة غير مبيّن فيه، فلا ينافي ما دلّ على القيمة يوم التلف الذي ستعرف أنّه الأصحّ. و دعوى أنّ الأوّل- و هو ضمان قيمة يوم الغصب- أظهر ممنوعة».

____________

و عليه فيتردّد الأمر بين أن يكون «يوم المخالفة» قيدا للقيمة، و أن يكون قيدا للزوم التقديري المستفاد من قوله (عليه السلام): «نعم» فتكون الرواية ساكتة عن وقت القيمة.

فالنتيجة: أنّ الصحيحة لا تكون ظاهرة في اعتبار قيمة يوم الغصب، كما ادّعاه القائل باعتبار قيمة يوم المخالفة، لتطرّق احتمال قيديّة يوم المخالفة لكلّ من القيمة و اللزوم. فعلى الأوّل يكون المدار على قيمة يوم الغصب و على الثاني يكون المدار على قيمة يوم التلف، لأنّ معناه حينئذ: يلزمك يوم المخالفة قيمة البغل، و من المعلوم أنّ قيمته الفعليّة عند التلف هي قيمته حال التلف.

فتلخّص: أنّ الصحيحة إمّا ظاهرة في اعتبار قيمة يوم التلف، أو مجملة، و لا ظهور لها في اعتبار يوم الغصب.

____________

(1) راجع: مفتاح الكرامة، ج 6، ص 244؛ مستند الشيعة، ج 2، ص 368؛ جواهر الكلام، ج 37، ص 101 و 102

498

فبعيد (1) جدّا [1]،

____________

و الوجه في تعلّق الظرف- و هو: يوم- بفعل «يلزم» هو اعتبار تعلّق الظرف بفعل أو شبه فعل، و لا يصلح تعلّقه ب‍ «نعم» و إنّما يتعلّق بفعل «يلزمك» الذي دلّ عليه كلمة «نعم».

و عليه فبناء على احتمال تعلّق الظرف ب‍ «يلزمك» لا تدلّ هذه الجملة على ضمان يوم الغصب، و إنّما تدلّ على استقرار قيمة المضمون بمجرّد الغصب، و أمّا حدّ قيمة المضمون فغير مدلول عليه، فلا يعلم أنّها قيمة يوم الغصب أو يوم التلف أو غيرهما. هذا. و سيأتي إيراد المصنّف (قدّس سرّه) على هذا الاحتمال.

(1) جواب «و أما ما احتمله».

____________

[1] بل قريب جدّا، لأنّ الظاهر أنّ أبا ولّاد يسأل عن أصل الضمان، و إلّا كان المناسب أن يقول: أيّ شي‌ء يلزمني يوم المخالفة؟

و لا يبعد أن يكون منشأ السؤال ما قاله أبو حنيفة من: أنّ ضمان الأصل لا يلائم ضمان الكراء، لأنّ الخراج بالضمان، فلمّا رأى السائل أن الامام (عليه السلام) أثبت الكراء، أراد أن يستفسر منه أنّه مخالف لأبي حنيفة في الكراء، و ضمان الأصل، أو في الكراء فقط.

و بتقريب آخر: أنّ أبا حنيفة ادّعى الملازمة بين ضمان البغل و سقوط الكراء، لكون الخراج بالضمان، و حيث إنّه (عليه السلام) ردّ عليه بأن الكراء ثابت، زعم أبو ولّاد- أو احتمل- أنّ ثبوت الكراء كاشف عن عدم ضمان الأصل، للملازمة بين ثبوت الضمان و نفي الكراء، على ما أفتى به أبو حنيفة، فسأل أنّه مع ثبوت الكراء هل يثبت الضمان؟

و قال: «أ رأيت لو عطب .. إلخ».

و بالجملة: سأل أبو ولّاد عن ضمان الأصل، باحتمال سقوطه مع ثبوت الكراء.

فأجاب (عليه السلام) بثبوت الضمان التعليقيّ، يعني: لو عطب أو نفق، لكن- لا مطلقا- بل يوم المخالفة، فكأنّه قال: يلزمك يوم المخالفة و غصب مال الغير قيمة بغل إذا عطب أو نفق.

499

بل غير ممكن، لأنّ (1) السائل إنّما سأل عمّا يلزمه بعد التلف بسبب المخالفة، بعد العلم بكون زمان المخالفة زمان حدوث الضمان، كما يدلّ عليه (2): «أ رأيت لو عطب البغل أو نفق، أ ليس كان يلزمني؟» فقوله: «نعم» يعني: يلزمك بعد

____________

(1) تعليل لعدم الإمكان، توضيحه: أنّ ملاحظة السؤال تقتضي علم السائل بأنّ لزوم القيمة و ضمانها يكون بعد تلف البغل، لأنّ أبا ولّاد علّق لزوم القيمة على العطب و النفوق، فلو كان ظرف اللزوم هو التلف امتنع أن يكون «يوم خالفته» قيدا له، إذ يلزم حينئذ أن يكون ظرف اللزوم يوم المخالفة أيضا. و هذا ينافي تعليق اللزوم على العطب و النفوق، فلا بدّ أن يكون «يوم المخالفة» قيدا لغير اللزوم.

هذا مضافا إلى: أنّ ظاهر السؤال هو السؤال عن المقدار اللازم بالتلف بعد العلم بثبوت الضمان بالتلف، فلا بدّ من حمل الجواب على إرادة بيان المقدار، و ذلك يقتضي تعليق الظرف بغير اللزوم، و إلّا لم يكن جوابا عن السؤال، لفرض علم أبي ولّاد بأصل لزوم القيمة.

(2) هذه الدلالة مبنيّة على كون الاستفهام تقريريّا لا حقيقيّا، فبناء على الاستفهام التقريريّ تدلّ كلمة «يلزمني» على علم أبي ولّاد بأنّ ضمان القيمة يكون بعد تلف البغل.

____________

فهذا المعنى التعليقيّ ثابت بالفعل يوم الغصب كما قيل بذلك أيضا في خبر «على اليد» فمضمون الصحيحة موافق لخبر «على اليد» مع اختلاف غير جوهريّ، و هو ذكر القيمة، لكون المورد من القيميّات، فلاحظ.

فالمتحصّل: أنّ نتيجة هذا الاحتمال هي ضمان قيمة البغل على فرض التلف.

و الضمان يكون من يوم المخالفة و الغصب، يعني: يحدث الضمان المعلّق على موت البغل من يوم الغصب. و أمّا كون القيمة قيمة يوم الغصب أو يوم التلف أو غيرهما فالصحيحة ساكتة عنها، و مقتضى القواعد كما تقدّم سابقا هو قيمة يوم التلف.

500

التلف بسبب المخالفة قيمة بغل يوم خالفته (1).

و قد أطنب بعض (2) من جعل الفقرة ظاهرة في تعلّق الظرف بلزوم القيمة عليه، و لم يأت بشي‌ء يساعده التركيب اللغويّ، و لا المتفاهم العرفيّ.

الثانية (3): قوله: «أو يأتي صاحب البغل بشهود يشهدون أنّ قيمة البغل

____________

(1) فيكون المضمون قيمة يوم المخالفة لا يوم التلف.

(2) لعلّه إشارة إلى ما حكاه في الجواهر عن بعض بقوله: «نعم ربّما قيل: إنّه ظاهر فيه- يعني في تعلّق الظرف بالفعل المدلول عليه بقوله (عليه السلام): نعم- باعتبار أنّ سؤال الراوي عن الضمان بسبب التلف، لا بسبب المخالفة. فمطابقة الجواب للسؤال تقتضي أن يكون المراد منه: نعم يلزمك يوم خالفته هذا الحكم، يعني: يصير حكمك في هذا اليوم لزوم قيمة البغل إن هلك. و المتبادر منه بعد معلوميّة أنّه ليس المراد قيمته ميّتا هو أقرب زمان حياته إلى الموت، و هو قبيل التلف. و هذا معنى قيمته يوم التلف.

بل لعلّ تنكير- بغل- يومي إلى ذلك أيضا، إذ هو إشارة إلى أنّه يفرض الميّت حيّا، و إلّا فلا ريب أنّه لا يكفي قيمة أيّ بغل يكون. و هو مناسب لكون الظرف لغوا متعلّقا بقوله: يلزمك. و إلّا فلا يناسب التنكير، إذ البغل يوم المخالفة حيّ بالفرض و الاستصحاب، فالأولى تعريفه» (1).

(3) يعني: الفقرة الثانية- من صحيحة أبي ولّاد- الظاهرة في ضمان المغصوب بقيمة يوم الغصب، لا يوم التلف و لا أعلى القيم، و هي قوله (عليه السلام): «أو يأتي صاحب البغل بشهود يشهدون .. إلخ».

بتقريب: أنّ البغل لو أصابه كسر أو دبر كان على أبي ولّاد دفع أرش ما بين الصحيح و المعيب إلى المكاري. و المناط في تقويم البغل صحيحا هو يوم الاكتراء.

و الظاهر أنّ مراد الامام (عليه السلام) من يوم الاكتراء هو يوم مخالفة أبي ولّاد لمقتضى عقد الإجارة، و ذلك لكون البغل في يوم الاكتراء أمانة بيد أبي ولّاد لاستيفاء المنفعة منه.

____________

(1) جواهر الكلام، ج 37، ص 102 و 103

501

يوم اكتري كذا و كذا» فإنّ إثبات (1) قيمة يوم الاكتراء من (2) حيث هو يوم الاكتراء لا جدوى فيه (3)،

____________

فلا يكون مضمونا، إذ الموجب للضمان هو اليد العدوانيّة المتحقّقة بالغصب، و المفروض في هذه الصحيحة تحقّق المخالفة عند وصول أبي ولّاد إلى قنطرة الكوفة. و بما أنّ المسافة بين كوفة و قنطرتها قريبة، فإمّا أن يكون وصوله إلى القنطرة عصر يوم الاكتراء لو خرج من الكوفة صباحا، و إمّا أن يكون وصوله إليها بعد يوم. و من المستبعد جدّا تغيّر قيمة البغل بعد ساعات أو بعد يوم واحد.

و على هذا يكون المناط في تقويم البغل المضمون هو يوم الغصب المعبّر عنه بيوم الاكتراء. و الشاهد عليه أنّه لم يقل أحد باعتبار قيمة يوم الاكتراء حتى لو اختلفت مع قيمة يوم المخالفة و الغصب. و لذا قال في الجواهر: «ثمّ إنّ الظاهر بناء قوله (عليه السلام): حين اكتري على غلبة عدم التفاوت في هذه المدّة القليلة. و على الاستصحاب. و إلّا فلم يقل أحد باعتبار القيمة حين اكترى» (1).

(1) هذا تقريب دلالة الفقرة الثانية على ضمان قيمة وقت الغصب، و قد عرفته آنفا. و يستفاد هذا التقريب من الفاضل النراقي (قدّس سرّه) حيث قال: «فإنّ معناه: فيلزمك قيمة البغل حين اكتري. و لا يرد أنّه ليس حين المخالفة، فيلزم القيمة قبل المخالفة، و هو مخالف للإجماع. لأنّه لا فاصلة يعتدّ بها بين وقتي المخالفة و الإكراء في المورد كما يدلّ عليه صدر الحديث» (2).

(2) يعني: لا من حيث إنّ قيمة يوم الاكتراء متحدة مع قيمة يوم المخالفة، فإن الجدوى في القيمة بلحاظ الاتحاد موجودة.

(3) أي: في إثبات قيمة يوم الاكتراء.

____________

(1) جواهر الكلام، ج 37، ص 103

(2) مستند الشيعة، ج 2، ص 368

502

لعدم (1) الاعتبار به، فلا بدّ (2) أن يكون الغرض منه (3) إثبات قيمة يوم المخالفة، بناء (4) على أنّه يوم الاكتراء، لأنّ الظاهر من صدر الرواية (5) أنّه خالف المالك بمجرّد خروجه من الكوفة. و من المعلوم (6) أنّ اكتراء البغل لمثل تلك المسافة

____________

(1) تعليل لعدم الجدوى في إثبات قيمة يوم الاكتراء بالبيّنة. وجه عدم الاعتبار ما عرفته من أنّ يوم الاكتراء زمان حدوث اليد الأمانيّة غير الموجبة للضمان أصلا، و الموجب له إنّما هو اليد العدوانيّة المتحقّقة بالمخالفة في نفس يوم الاكتراء، أو في اليوم اللاحق له، و من المعلوم عدم اختلاف قيمة البغل في هذه المدّة القليلة.

فلو لم يكن المدار في الضمان على قيمة يوم الغصب لم يكن وجه لتعرّض قيمة يوم الاكتراء الذي هو زمان حدوث اليد الأمانيّة.

(2) هذا متفرّع على عدم العبرة بقيمة يوم الاكتراء لو لم تكن متّحدة مع قيمة يوم المخالفة.

(3) هذا الضمير و ضمير «به» راجعان إلى: إثبات قيمة يوم الاكتراء.

(4) هذا البناء هو ظاهر الصحيحة، لقرب المسافة بين كوفة و قنطرتها.

(5) و هو قول أبي ولّاد: «فلمّا صرت قرب قنطرة الكوفة خبّرت أنّ صاحبي توجّه إلى النيل، فتوجّهت نحو النيل» فقوله: «توجّهت نحو النيل» ظاهر في أنّ مخالفة أبي ولّاد- بعدوله عن طريق قصر أبي هبيرة إلى طريق النيل- كانت من يوم الاكتراء، أو بعده بيوم واحد، لا أكثر.

(6) غرض المصنف: أنّ استظهار ضمان يوم الغصب- من تعبير الامام (عليه السلام) بيوم الاكتراء- مبنيّ على أمرين مسلّمين:

أحدهما: أنّ المسافة بين كوفة و قصر أبي هبيرة قريبة، فلو أراد أبو ولّاد اكتراء بغل لهذه المسافة لم يستأجر بغلا قبل خروجه بأسبوع مثلا ممّا يمكن اختلاف قيمة البغل فيه، بل كان يستأجر البغل قبل ساعات أو قبل يوم.

ثانيهما: أنّ قيمة البغل لا تتفاوت عادة في ساعات قلائل.

و بناء على هذين الأمرين يتّجه دلالة الفقرة الثانية على ضمان يوم الغصب.

503

القليلة إنّما يكون يوم الخروج أو في عصر اليوم السابق. و معلوم أيضا عدم اختلاف القيمة في هذه المدة القليلة.

و أمّا قوله (عليه السلام) (1) في جواب السؤال عن إصابة العيب: «عليك قيمة ما بين الصّحّة و العيب يوم تردّه» فالظرف (2) متعلّق به «عليك»

____________

(1) بعد أن استظهر المصنّف (قدّس سرّه) من الفقرة الثانية ضمان المغصوب بقيمة يوم الغصب تعرّض لما ينافي هذا الاستظهار. و المنافي فقرة أخرى في الصحيحة، و هي قوله (عليه السلام): «عليك قيمة ما بين الصّحّة و العيب يوم تردّه».

و توضيحه: أنّ أبا ولّاد سأل عن حكم تعيّب البغل و إصابة كسر أو عرج به، فأجاب (عليه السلام) بقوله: «عليك قيمة ..» و ظاهره وجوب أداء أرش العيب الحادث بقيمة يوم ردّ البغل الى مالكه، بأن يقوّم البغل يوم ردّه صحيحا تارة و معيبا اخرى، فالتفاوت بين القيمتين مستقر في ذمّة أبي ولّاد. و من المعلوم أنّ هذا الظهور مناف لما أفاده المصنّف (قدّس سرّه) من استقرار قيمة يوم المخالفة على عهدة أبي ولّاد، إذ لا فرق في ضمان قيمة يوم الغصب بين كون المضمون قيمة نفس البغل لو تلف بيد المستأجر، و بين كونه أرش العيب، فلو كانت العبرة بقيمة وقت الغصب لزم تقويم الأرش بذاك اليوم. و لو كانت العبرة بقيمة يوم ردّ العين المغصوبة لزم تقويم العين- لو تلفت- بقيمة يوم الأداء، هذا.

(2) جواب قوله: «و أمّا» و دفع المنافي المتقدّم، و حاصل الدفع: أنّ التنافي المزبور مبنيّ على رجوع «يوم» إلى «قيمة ما بين الصّحّة و العيب» بأن يكون المعنى:

«عليك قيمة يوم الردّ» و أنّ العبرة في الأرش بتقويم البغل يوم ردّه إلى المكاري.

و لكن هذا الاستظهار ممنوع، لرجوع الظرف إلى «عليك» و تعلّقه به. يعني:

«عليك يوم تردّ البغل قيمة ما بين الصّحّة و العيب» و عليه لا يكون الأرش مقيّدا بتقويم البغل صحيحا و معيبا يوم ردّه، حتى يستفاد منه ضمان قيمة وقت الأداء. بل مفاده وجوب ردّ الأرش، بلاد دلالة على تعيين القيمة يوم الردّ أو يوم الغصب أو غيرهما.

504

لا قيد للقيمة (1)، إذ (2) لا عبرة في أرش العيب بيوم الرّد إجماعا، لأنّ (3) النقص الحادث تابع في تعيين يوم قيمته لأصل العين. فالمعنى: عليك أداء الأرش يوم ردّ البغلة [1].

____________

هذا كله بناء على النسخة التي عوّل عليها المصنف (قدّس سرّه). و أمّا بناء على سقوط كلمة «يوم» من الرواية- كما ادّعاه صاحب الجواهر (قدّس سرّه) من أنّ نسخة التهذيب المصحّحة المحشّاة التي تحضره قد سقط منها لفظ اليوم، و أنّ المذكور فيها: قيمة ما بين الصّحّة و العيب تردّه عليه- فالأمر أوضح، و لا موضوع لتوهّم التنافي، إذ لا توقيت في القيمة حتى يحتمل تعلّق «اليوم» بالقيمة، بل المدلول وجوب أصل الأرش من دون تعيين مقداره بحسب الأزمنة، هذا.

(1) حتى تتقيّد القيمة بخصوص يوم ردّ البغلة.

(2) تعليل لعدم كون الظرف قيدا للقيمة. و المراد ب‍ «يوم تردّه» يوم ردّ العين المغصوبة، لا ردّ الأرش.

(3) حاصل هذا التعليل: أنّ المناط في تعيين مقدار أرش العيب- الحادث في العين المغصوبة- ليس هو يوم ردّ العين، حتى يكون قرينة على جعل «يوم تردّه» متعلّقا بالقيمة، بل الأرش تابع الأصل العين، فإن قلنا بضمان قيمة يوم الغصب تعيّن تقويم الأرش بقيمة ذاك اليوم. و إن قلنا بضمان أعلى القيم كان الأرش تابعا له في التقويم، و هكذا و على هذا فلا خصوصيّة في أرش العيب توجب تقويمه بقيمة يوم ردّ العين حتى يكون الظرف قيدا للقيمة.

____________

[1] لا يخفى أنّ هذا الاشكال بعينه جار في جعل الظرف و هو «يوم» قيدا ل‍ «عليك» حيث إنّ يوم ردّ العين ليس زمان حدوث وجوب القيمة في الذّمّة إجماعا، بل زمان ثبوت القيمة على العهدة يوم حدوث العيب، لا يوم ردّ العين.