هدى الطالب في شرح المكاسب‌ - ج3

- السيد محمد جعفر المروج الجزائري المزيد...
629 /
55

____________

ما في المقيس عليه من الاشكال، لما ذكرناه في ضمان حبس الحرّ الكسوب من أن تفويت المنافع مضمّن كاستيفائها. و الوجه في فساد القياس أنّ الوطي ليس سببا للحمل، و إنّما هو معدّله، فتسميته سببا كما ترى. هذا بعض ما يتعلق بكلام المحقق النائيني (قدّس سرّه).

و أمّا كون الضمان للإتلاف فقد ذكرنا تقريبه في التوضيح عن المحقق الايرواني (قدّس سرّه) (1)، و محصّله: إتلاف منافع الرّحم، و مثّل له بضمان من سقى أشجار الغير بماء مالح منع من إثمارها، لاستناد التلف إلى فعله.

و قريب منه ما أفاده المحقق الأصفهاني (قدّس سرّه)، من «أن النطفة و إن كانت من الرّجل، إلّا أنّها كانت مكمّلة بدم الامّ، و كانت تكوّنها حيوانا بالقوى المودعة في الرّحم، فكان صيرورتها حيوانا من قبل الأمّ، فقد أتلفها الرّجل على الأب [على المالك] خصوصا إذا قيل بتكوّنه من نطفة المرأة، و كان اللقاح من الرّجل» (2).

لكن لا يخلو ما أفاداه من الغموض، فإنّ الإتلاف يقتضي ضمان الدم التالف و قوى الرّحم، مع أن المضمون في النصوص قيمة الولد. و دعوى «كون قيمة الولد تقديرا لما أصاب من منافع رحمها و لبنها، فالمضمون حقيقة هي المنفعة التي أتلفها المشتري بالاستيلاد» ممنوعة بأنّه لا شاهد لهذا الحمل، فيكون تخرّصا على الغيب.

بل يشهد بخلافه ما ورد في رواية أخرى لزرارة، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام):

رجل اشترى جارية من سوق المسلمين فخرج بها إلى أرضه، فولدت منه أولادا، ثم أتاها من يزعم أنّها له، و أقام على ذلك البيّنة. قال: يقبض ولده، و يدفع إليه الجارية، و يعوّضه في قيمة ما أصاب من لبنها و خدمتها» (3) للتصريح بضمان خدمتها مضافا الى ضمان الولد. و عليه فالأقرب ما اختاره المصنّف من كون الضمان للتلف الحكمي لا لسائر موجباته.

____________

(1) حاشية المكاسب، ج 1، ص 93

(2) حاشية المكاسب، ج 1، ص 75

(3) وسائل الشيعة، ج 14، ص 592، الباب 88 من أبواب نكاح العبيد و الإماء، الحديث 4

56

[د الدليل الرابع: قاعدة «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده»]

ثمّ إنّ هذه المسألة (1) من جزئيات القاعدة المعروفة (2) «كلّ عقد يضمن بصحيحه يضمن بفاسده (3). و ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده».

و هذه القاعدة أصلا و عكسا (4) و إن لم أجدها بهذه العبارة في كلام

____________

الدليل الرابع: قاعدة «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده»

(1) الظاهر أنّ غرضه (قدّس سرّه) من التعرّض لقاعدة «ما يضمن» هنا هو إقامة دليل رابع على ضمان المقبوض بالبيع الفاسد، لكونه من صغريات قاعدة «كل عقد يضمن بصحيحه يضمن بفاسده» المقتضية لاتحاد حكم العقد الصحيح و الفاسد في الضمان، و حيث إنّ البيع الصحيح يقتضي ضمان المشتري بالثمن، و البائع بالمثمن، فكذا فاسده.

و الأمر كما أفاده (قدّس سرّه) لو تمّت هذه القاعدة في نفسها بأن كانت مجمعا عليها أو دلّ عليها قاعدة الإقدام كما سيأتي نقله عن المسالك. و أمّا إذا كان الدليل عليها قاعدة اليد كما يظهر من المسالك أيضا لم تكن قاعدة «ما يضمن» دليلا مستقلا على ضمان المقبوض بالعقد الفاسد، إذ المدار حينئذ على ما يستفاد من نفس حديث «على اليد» و بناء على هذا يكون تعرّض المصنّف (قدّس سرّه) لهذه القاعدة هنا مماشاة للأصحاب، حيث يظهر من بعضهم إرسال القاعدة إرسال المسلّمات.

(2) قال الفقيه المامقاني (قدّس سرّه): «وصف القاعدة في الرياض بالشهرة، و في كتاب الإجارة منها بكونها متّفقا عليها. و في شرح القواعد بالشهرة و بكونها مجمعا عليها، و كونها موافقة للقواعد الشرعية» (1).

(3) لا يخفى أنّ مورد الاستدلال هنا هو هذه الجملة لا عكسها، إذ المقصود مضمنيّة قبض المبيع بالعقد الفاسد كالمقبوض بصحيحه.

(4) التعبير بالعكس مسامحة، و أطلق المحقق الثاني (قدّس سرّه) العكس على أصل القاعدة، فقال في عدم ضمان المستأجر للعين- سواء أ كانت الإجارة صحيحة أم فاسدة-: «أمّا الصحيحة فظاهر، للقطع بأنّ ذلك من مقتضياتها. و أمّا الفاسدة‌

____________

(1) غاية الآمال، ص 275

57

من تقدّم على العلّامة (1)،

____________

فلأنّ كل عقد لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده، و بالعكس» (1) فيكون مراده بالعكس هو أصل قاعدة «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده».

و كيف كان فإطلاق العكس على «ما لا يضمن» مسامحة، لعدم انطباق شي‌ء من العكس المستوي و عكس النقيض عليه. أما الأوّل فلأنّه تبديل طرفي القضية مع بقاء الكيف على حاله. و كلاهما مفقود في المقام، لعدم تبدل الموضوع و المحمول، و لعدم تغيير الكيف من الإيجاب إلى السلب، لقولهم: «لا يضمن بفاسده».

و أمّا الثاني فلأنّ عكس النقيض هو تبديل نقيضي الطرفين مع الاختلاف في الكيف. و وجه عدم صدقه على قاعدة «ما لا يضمن» هو: أنّ الكيف و إن كان مختلفا، إلّا أن التبديل مفقود، فالصواب التعبير بالنقيض دون العكس. أو التعبير بما في الجواهر (2) من المفهوم تارة كما في بيعه، و السالبة أخرى كما في إجارته.

(1) قال في رهن التذكرة: «إذا فسد الرّهن و قبضه المرتهن لم يكن عليه ضمان، لأنّه قبضه بحكم أنّه رهن. و كلّ عقد كان صحيحه غير مضمون ففاسده أيضا كذلك.

و كلّ عقد كان صحيحه مضمونا ففاسده مثله. أمّا الأوّل فلأنّ الصحيح إذا أوجب الضمان فالفاسد أولى باقتضائه. و أمّا الثاني فلأنّ من أثبت اليد عليه أثبته عن إذن المالك، و لم يلتزم بالعقد ضمانا، و لا يكاد يوجد التسليم و التسلّم إلّا من معتقدي الصحة» (3).

و لا يخفى وقوع السهو في العبارة- و لعلّه من الناسخ- فإنّ المناسب تبديل «أمّا الأوّل» ب‍ «أمّا الثاني» لأن الأوّل في استدلاله هو قوله: «و كلّ عقد كان صحيحه غير مضمون ففاسده أيضا كذلك». و كذا ينبغي تبديل قوله «و أمّا الثاني» ب‍ «و أمّا الأوّل». و الأمر سهل.

____________

(1) جامع المقاصد، ج 7، ص 258

(2) جواهر الكلام، ج 22، ص 259 و ج 27، ص 252

(3) تذكرة الفقهاء، ج 2، ص 32، و لاحظ كلامه في كتاب الإجارة، ج 2، ص 318

58

إلّا (1) أنّها تظهر من كلمات الشيخ (رحمه اللّه) في المبسوط، فإنّه علّل الضمان في غير واحد من العقود الفاسدة «بأنّه دخل على أن يكون المال مضمونا عليه» (2).

____________

و قد تعرّض (قدّس سرّه) أيضا لذكر القاعدتين في إجارة التذكرة.

هذا كلّه في ورود القاعدة في كلام العلّامة.

و أمّا ورودها في كلمات من تأخّر عنه كالشهيد و المحقق الثانيين و المحقق الأردبيلي و غيرهم (قدّس سرّهم) فكثير، و سيأتي نقل بعض عبائرهم في المتن.

(1) غرضه من هذا الاستدراك أنّ قاعدة «ما يضمن» أصلا و عكسا و إن لم ترد بهذه الألفاظ في كلام من تقدّم على العلّامة، لكنّها تظهر من كلمات شيخ الطائفة (قدّس سرّه)، و على هذا تكون القاعدة جارية على ألسنة القدماء أيضا، و ليست متداولة بين المتأخرين خاصّة. أمّا أصل القاعدة فتستفاد من مواضع من غصب المبسوط. و أمّا عكسها فيستفاد من كتاب الرّهن.

(2) كقوله في ضمان المقبوض بالبيع الفاسد: «فإن كان المبيع قائما ردّه، و إن كان تالفا ردّ بدله، إن كان له مثل، و إلّا قيمته. لأنّ البائع دخل على أن يسلم له الثمن المسمّى في مقابلة ملكه، فإذا لم يسلم له المسمّى اقتضى الرجوع إلى عين ماله. فإذا هلكت كان له بدلها. و كذلك العقد الفاسد في النكاح يضمن المهر مع الدخول، و كذلك الإجارة الفاسدة. الباب واحد» (1).

و قال في موضع آخر: «و هكذا كلّ ما كان قبضا مضمونا، مثل أن يأخذه على سبيل السّوم، أو على أنّه بيع صحيح، أو كان ثوبا فأخذه على أنّه عارية مضمونة، فكلّ هذا يستقرّ عليه، لأنّه دخل على أنه مضمون عليه، فلم يكن مغرورا فيه» (2).

و قال أيضا: «لأنّه- أي المشتري- دخل على أنّ العين عليه مضمونة بالبدل» (3).

____________

(1) المبسوط في فقه الإمامية، ج 3، ص 65

(2) المصدر، ص 89

(3) المصدر، ص 85

59

و حاصله (1) [1]: أنّ قبض المال مقدما على ضمانه بعوض واقعي أو جعلي موجب للضمان. و هذا المعنى (2) يشمل المقبوض بالعقود الفاسدة التي تضمن بصحيحها (3).

____________

(1) يعني: و حاصل تعليل الضمان في جملة من العقود الفاسدة- بالدخول على الضمان- هو: أنّ وضع اليد على مال الغير موجب للضمان إذا كان مقترنا بالبناء على التعهّد ببدله الواقعي، كما في المقبوض بالسّوم، أو ببدله الجعلي المسمّى كما في العقود المعاوضية الصحيحة. و هذا الاقدام يمكن أن يكون دليلا على ما ذكره العلّامة و المتأخرون عنه من قولهم: «كلّ ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده» الظاهر في جعل الملازمة في مضمّنية العقد المعاوضي بين صحيحه و فاسده. و على هذا فقاعدة «ما يضمن» و إن لم يصرّح بها في كلام من تقدّم على العلّامة (قدّس سرّه)، إلّا أنها مذكورة في المبسوط تلويحا.

(2) أي: الدخول على الضمان و الاقدام عليه، و مقصود المصنّف (قدّس سرّه) استظهار جريان قاعدة «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده» في جميع العقود التي توجب صحيحها ضمانا. و الوجه في التعميم- مع كون كلام الشيخ (قدّس سرّه) مختصا ببعضها كالبيع و الإجارة- هو جريان الاقدام على الضمان في كل عقد مبني على تعهّد الآخذ حتى في العارية المشروط فيها الضمان أو عارية الذهب و الفضة، فإنّها و إن لم تكن معاوضة، إلّا أنّ الاستيلاء على العين مبنيّ على الضمان، هذا.

(3) كالصلح المتضمن للمعاوضة، و كالهبة المشروط فيها العوض، بناء على عدم اختصاص اقتضاء الضمان بنفس العقد، و شموله للاقتضاء العرضي، على ما سيأتي في المتن.

____________

[1] ظاهر هذا التعليل كون سبب الضمان الاقدام، لكن ظاهر قولهم: «كل ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده» هو سببية نفس العقد كالإتلاف للضمان، فاستظهار قاعدة «ما يضمن» من هذا التعليل الذي ذكره الشيخ (قدّس سرّه) في المبسوط محل نظر.

60

و ذكر (1) أيضا في مسألة عدم الضمان في الرّهن الفاسد «أنّ صحيحه لا يوجب الضمان، فكيف بفاسده؟»

____________

(1) غرضه استظهار قاعدة «ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده» من كلام شيخ الطائفة في رهن المبسوط، فيما إذا فسد الرهن لاشتماله على شرط فاسد، قال (قدّس سرّه):

«إذا رهن رجل عند غيره شيئا بدين إلى شهر، على أنّه إن لم يقبض إلى محلّه كان بيعا منه بالدين الذي عليه، لم يصحّ الرّهن، و لا البيع إجماعا، لأنّ الرّهن موقّت و البيع متعلّق بزمان مستقبل. فإن هلك هذا الشي‌ء في يده في الشهر لم يكن مضمونا عليه، لأنّ صحيح الرّهن غير مضمون فكيف فاسده؟ و بعد الأجل فهو مضمون عليه، لأنّه في يده بيع فاسد، و البيع الصحيح و الفاسد مضمون عليه إجماعا» (1).

و الشاهد في قوله: «لأنّ صحيح الرّهن غير مضمون فكيف فاسدة» إذ يستفاد منه الملازمة في عدم الضمان بين الرهن الصحيح و الفاسد. و حيث إنّه لا خصوصية في عقد الرّهن أمكن استظهار القاعدة الكليّة، يعني: أنّ كل عقد صحيح لا يقتضي الضمان ففاسده مثله.

و قد تحصّل إلى هنا استظهار أصل القاعدة و عكسها من كلام شيخ الطائفة، و إن كان تعبيره مغايرا لتعبير العلّامة و من تأخّر عنه.

____________

ثم إنّه قد يورد على الشيخ (قدّس سرّه) بأنّ الإقدام بنفسه ليس علّة للضمان، فلا يصح تعليل الضمان به. لكنّه يندفع بأنّ الاستدلال به ليس لأجل عليّته له، بل للتنبيه على أنّه ليس بمانع عن تأثير المقتضي- و هو القبض- كما هو مورد كلامه في جميع الموارد التي استدلّ فيها على ثبوت الضمان مع فساد العقد، فتعليل الضمان بالاقدام عليه من قبيل تعليل الشي‌ء بعدم المانع عن تأثير مقتضية.

و الحاصل: أنّ في تعليل الشيخ دلالة على الملازمة بين الضمان و الاقدام وجودا و عدما.

____________

(1) المبسوط في فقه الإمامية، ج 2، ص 204

61

و هذا (1) يدلّ على العكس المذكور.

و لم أجد (2) من تأمّل فيها عدا الشهيد (3) في المسالك فيما لو فسد عقد السبق، فهل يستحق السابق أجرة المثل، أم لا (4)؟

____________

(1) يعني: قول الشيخ: «انّ صحيحه لا يوجب الضمان فكيف فاسده» يدلّ على العكس المذكور.

(2) مقصوده من هذه الجملة: أنّ ظاهرهم الاتفاق على الأصل و العكس المذكورين، إلّا أنّ المخالف هو الشهيد الثاني (قدّس سرّه) حيث تأمّل في أصل القاعدة أي:

«ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده» في كتاب السبق و الرماية، و هذا التأمّل قادح في دعوى الإجماع على الأصل المذكور.

(3) و كذا المحقق الأردبيلي في ضمان المقبوض بالسوم و بالعقد الفاسد، حيث ناقش في دليل الضمان- من حديث على اليد و قاعدة ما يضمن- بقوله: «و صحتهما غير ظاهر، و الأصل يقتضي العدم» (1).

(4) توضيحه: أن المحقق (قدّس سرّه) فصّل- في ما لو تبيّن بعد المسابقة فساد العقد- بين كون منشأ الفساد اختلال شرط ممّا يتوقف عليه صحة العقد كتعيين مبدأ المسافة و منتهاها، و تعيين ما يسابق عليه، و تساوي ما به السباق، و غير ذلك، و بين كونه مغصوبية العوض و عدم مملوكيته لمن عليه بذله، فإنّ العقد يقع صحيحا و يتوقف على إجازة المالك، و لو لم يجز وجب على الباذل مثله أو قيمته.

و أمّا إن كان الفساد من الجهة الأولى فقد نقل الشهيد الثاني قولين في المسألة:

أحدهما: أنّه لا شي‌ء للسابق، و هو اختيار الشيخ و المحقق «و وجهه: أنّه لم يعمل له شيئا، و لا فوّت عليه عمله، و لا عاد نفع ما فعله إليه، و إنّما فائدة عمله راجعة إليه. بخلاف ما إذا عمل في الإجارة و الجعالة الفاسدتين، فإنّه يرجع إلى أجرة مثل عمله، لأنّ فائدة العمل للمستأجر و الجاعل».

____________

(1) مجمع الفائدة و البرهان، ج 8، ص 192

62

[بيان معنى القاعدة أصلا و عكسا]

و كيف كان (1) فالمهمّ بيان معنى القاعدة أصلا و عكسا، ثم بيان المدرك فيها، فنقول و من اللّه الاستعانة:

____________

و القول الآخر للعلّامة و جماعة من المتأخرين، و هو وجوب أجرة المثل، قال (قدّس سرّه): «لأنه عقد استحق المسمّى في صحيحه، فإذا وجد المفقود عليه في الفاسد وجب عوض المثل. و لا نسلّم أنّ وجه وجوب اجرة المثل في العقدين و نظائرهما رجوع عمل العامل إلى من يجب عليه العوض، لأنّ العمل في القراض قد لا ينتفع به المالك، و مع ذلك يكون مضمونا».

ثمّ ناقش الشهيد الثاني في استدلال العلّامة مفصّلا إلى أن قال: «و قاعدة: أنّ كل ما كان صحيحه موجبا للمسمّى ففاسده موجب لأجرة المثل لا دليل عليها كلّيّة، بل النزاع واقع في بعض مواردها، فكلّ ما لا إجماع و لا دليل صالح يدلّ على ثبوت شي‌ء فالأصل يخالف مدّعي القاعدة» (1).

و الشاهد في قوله: «لا دليل عليها كلّية» و هذا مقصود المصنّف من نسبة التأمّل في قاعدة «ما يضمن» إلى الشهيد الثاني.

و لا يخفى اختلاف كلماته، فيظهر من مواضع من المسالك و بيع الرّوضة تسليم القاعدة و كلّيّتها، كقوله في عدم ضمان المحرم المستعير للصيد: «أما مع صحته فالأصل في العارية أن تكون عندنا غير مضمونة .. و أمّا مع فسادها فلأنّ حكم العقد الفاسد حكم الصحيح في الضمان و عدمه، كما أسلفناه في مواضع قاعدة كلّيّة» (2).

(1) أي: سواء وجدت هذه العبارة في كلام من تقدّم على العلّامة أم لا؟ و سواء تمّ تأمّل الشهيد الثاني في عمومها أم لا؟ فالمهمّ .. إلخ. و هذا شروع في تحقيق أصل القاعدة الذي عدّ دليلا على ضمان المقبوض بالعقد الفاسد، و الكلام يقع في مقامين، أحدهما في ما يتعلق بالأصل، و الثاني في ما يتعلق بالعكس.

____________

(1) مسالك الأفهام، ج 6، ص 109 و 110

(2) مسالك الافهام، ج 5، ص 139

63

[المبحث الأول: المراد بالعقد ما يشتمل على المعاوضة]

إنّ المراد بالعقد (1) أعمّ من الجائز و اللازم، بل ممّا كان فيه شائبة الإيقاع أو كان أقرب اليه.

____________

و الكلام في المقام الأوّل يقع في جهات:

الجهة الأولى: في معاني ألفاظ القاعدة، و هي متضمنة لأبحاث:

الأوّل: في شمول العقد للعقد الجائز و عدم اختصاصه بالعقد اللازم.

الثاني: في معنى الضمان.

الثالث: في أنّ عموم «كل عقد» يكون بلحاظ الأنواع أو الأصناف أو الأفراد.

الرابع: في أنّ اقتضاء العقد الصحيح للضمان هل يختص بذات العقد أم يعم الاقتضاء العرضي الناشئ من الشرط في ضمن العقد؟

الخامس: في أنّ الباء في قولهم: «بصحيحه» سببية أو ظرفية.

الجهة الثانية: في مدرك القاعدة و مستندها.

الجهة الثالثة: في أنّ ضمان المقبوض بالعقد الفاسد هل يختص بحال جهل الدافع بالفساد أم يعمّ صورة علمه به أيضا؟ و سيأتي الكلام في هذه المباحث بترتيب المتن إن شاء اللّه تعالى.

المبحث الأول: المراد بالعقد ما يشتمل على المعاوضة

(1) هذا شروع في البحث الأوّل من الجهة الأولى، و محصل ما أفاده: أنّ المراد بالعقد في قولهم: «كل عقد يضمن بصحيحه يضمن بفاسده» كلّ ما يشتمل على المعاوضة، سواء أ كان عقدا لازما كالبيع و الصلح، أم جائزا كالجعالة بناء على كونها عقدا لا إيقاعا، و كالهبة المشروطة بالعوض. و الوجه في الشمول وجود ملاك الضمان في كلّ من العقد اللازم و الجائز.

بل يندرج في القاعدة بعض العناوين الاعتباريّة مما يحتمل كونه إيقاعا أو كان أقرب إلى الإيقاع، و ذلك كالجعالة و الطلاق الخلعي، فإنّه و إن ذهب جمع الى كونهما‌

64

..........

____________

من العقود، إلّا أنّ القائل بكونهما من الإيقاعات موجود أيضا.

أمّا الجعالة فهي عند جمع كابن إدريس و العلّامة و الشهيد و المحقق الثاني و غيرهم (قدّس سرّهم) عقد جائز. قال العلّامة: «الجعالة عقد جائز من الطرفين إجماعا، لكلّ منهما فسخها قبل التلبّس بالعمل، و بعده قبل تمامه، لأنّ الجعالة تشبه الوصيّة من حيث إنّها تعليق بشرط، و الرجوع عن الوصية جائز، و كذا ما يشبهها. و أمّا بعد تمام العمل فلا معنى للفسخ، و لا أجر، لأنّ الجعل قد لزم بالعمل» (1) هذا.

و لكن استظهر صاحب الجواهر- تبعا للشهيد الثاني- من عبارة الشرائع كونها إيقاعا، قال المحقق: «أمّا الإيجاب فهو أن يقول: من ردّ عبدي أو ضالّتي أو فعل كذا فله كذا، و لا يفتقر إلى قبول .. و يصح على كل عمل مقصود محلّل، و يجوز أن يكون العمل مجهولا، لأنّه عقد جائز كالمضاربة» (2).

قال الشهيد الثاني (قدّس سرّه) في شرحه: «قد اختلف كلام الأصحاب و غيرهم في الجعالة هل هي من قسم العقود أو الإيقاعات؟ و المصنف جعلها من الإيقاع وضعا و حكما، حيث صرّح بعدم افتقارها إلى القبول، و هو المطابق لتعريفهم لها، حيث جعلوها التزام عوض على عمل. و يؤيّده عدم اشتراط تعيين العامل، و إذا لم يكن معيّنا لا يتصور للعقد قبول، و على تقدير قبول بعض لا ينحصر فيه إجماعا. و منهم من جعلها من العقود، و جعل القبول الفعلي كافيا فيها كالوكالة، و المنفي هو القبول اللفظي. و هو ظاهر كلام المصنف فيما سيأتي حيث جعله عقدا جائزا. و الظاهر أنّه تجوّز في ذلك، إذ لو كان عقدا عنده حقيقة لذكره في قسم العقود لا في قسم الإيقاعات .. إلخ» (3).

____________

(1) تذكرة الفقهاء، ج 2، ص 288

(2) شرائع الإسلام، ج 3، ص 163

(3) مسالك الأفهام، ج 11، ص 149 و 150

65

..........

____________

و اختار صاحب الجواهر كونها إيقاعا بقوله: «و لعلّه الأصح، لما تسمعه من صحة عمل المميّز بدون إذن وليّه بعد وضعها- بل قيل في غير المميّز و المجنون وجهان- و من المعلوم عدم صحة ذلك مع فرض اعتبار القبول فيها و لو فعلا، لسلب قابلية الصبي و المجنون قولا و فعلا عن ذلك، و لذا لا يجوز معه عقد من العقود الجائزة .. إلخ» (1).

و كأنّ هذه الوجوه أوجبت تردّد المصنّف في كون الجعالة عقدا جائزا، و احتمل كونها إيقاعا، و لذا قال: «ممّا كانت فيه شائبة الإيقاع».

و تظهر الثمرة بين كونها عقدا و إيقاعا في ما إذا صدر العمل من العامل خاليا عن قصد العوض و التبرّع مطلقا، سواء اطّلع على الإيجاب أم لا، فإنّه يستحق مال الجعالة على الإيقاعية دون العقدية، هذا.

و أمّا الطلاق الخلعي ففيه أيضا احتمالان بل قولان، أحدهما كونه عقدا، و الآخر كونه إيقاعا.

و الأوّل هو المشهور كما يستفاد من كلام الشهيد الثاني في شرح قول المحقق:

«و هل يصح- أي بذل الفداء- من المتبرّع؟ فيه تردّد، و الأشبه المنع». و الثاني هو الذي رجّحه الشهيد الثاني مدّعيا مخالفته لمذهب جميع الأصحاب، و وافقه الفاضل الأصفهاني (قدّس سرّه).

و لا بأس بنقل جملة من عبارة المسالك، فقال: «و أمّا بذله من المتبرّع عنها، بأن يقول للزوج: طلّق امرأتك بمائه من مالي، بحيث يكون عوضا للخلع، ففي صحته قولان، أظهرهما بين الأصحاب- و هو الذي اختاره المصنّف و الشهيد و غيرهما من الأصحاب- العدم، فلا يملك الزوج البذل، و لا يقع الطلاق إن لم يتبع به، لأنّ الخلع من عقود المعاوضات، فلا يجوز لزوم العوض لغير صاحب المعوّض، كالبيع، لو قال:

____________

(1) جواهر الكلام، ج 35، ص 189

66

..........

____________

بعتك كذا بمائة في ذمة فلان» إلى أن قال: «و قول بالصحة لا يعلم قائله من الأصحاب، لكنّه مذهب جميع من خالفنا من الفقهاء إلّا من شذّ منهم.

و مبنى القولين على أنّ الخلع فداء أو معاوضة، أو على أنّه طلاق أو فسخ.

فعلى الأوّلين يصح من الأجنبي، لجواز الافتداء منه، و بذل مال له ليطلّقها، كما يصحّ التزام المال ليعتق عبده. و قد يتعلّق به غرض بأن كان ظالما بالإمساك، و تعذّر إزالة يده بالحجة، أو كان يسي‌ء العشرة و يمنع الحقوق، فأراد المختلع تخليصها.

و على تقدير كونه طلاقا فالطلاق يستقل به الزوج، فجاز أن يسأله الأجنبي على مال، كما إذا قال: ألق متاعك في البحر و عليّ كذا» إلى أن قال: «و يرجّح جانب الفداء: الآية الدالة عليه، إلّا أنّ مفهوم خطابها اختصاصها بها، لكن مفهوم الخطاب ليس بحجة» (1).

و هذه الجملة الأخيرة تشهد بنفي كون الطلاق الخلعي عقدا، و أنّه إيقاع، و يتفرع عليه جواز تبرّع الأجنبي ببذل الفداء، فراجع تمام كلامه.

و اقتصر (قدّس سرّه) في شرح اللمعة على بيان وجهي المنع و الصحة، و إن أمكن استفادة ترجيح كون الخلع إيقاعا «لأنه افتداء، و هو جائز من الأجنبي».

و نحوه كلام الفاضل الأصفهاني (قدّس سرّه) (2).

و الحاصل: أنّ بذل الفداء في الخلع لا يوجب صيرورته عقدا مؤلّفا من بذل الزوجة و طلاق الزوج، بل الغرض من البذل إحداث الداعي في نفس الزوج على الطلاق. نظير ما لو التزم رجل لرجل آخر مالا ليعتق عبده أو يطلق زوجته طلاقا رجعيا أو بائنا، بأن يقول له: «أعتق عبدك أو طلّق زوجتك و عليّ ألف دينار» فإنّ الألف ليس عوضا، و إنّما يقصد به حصول الرغبة لمن بيده الأمر فيما يراد منه من العتق و الطلاق.

____________

(1) مسالك الأفهام، ج 9، ص 392 و 393

(2) كشف اللثام، ج 1، (القسم الثاني) كتاب الطلاق، ص 151

67

[المبحث الثاني: المراد بالضمان في العقد الصحيح و الفاسد]

و المراد (1) بالضمان في الجملتين هو كون درك المضمون

____________

المبحث الثاني: المراد بالضمان في العقد الصحيح و الفاسد

(1) هذا هو المبحث الثاني من مباحث الجهة الاولى، و هو بيان معنى الضمان بحيث يكون جامعا للعقد الصحيح و الفاسد، بأن يراد من الضمان في جملتي «ما يضمن بصحيحه» و «يضمن بفاسده» معنى واحد. و قد فسّره المصنّف (قدّس سرّه) بوجهين:

أحدهما: ما اختاره من أن الضمان كون درك المضمون عليه.

و الثاني: ما نقله عن بعض من أنّه «كون تلفه عليه بحيث يتلف مملوكا له».

و توضيح المعنى الأوّل هو: أنّ الضمان في الجملتين عبارة عن كون درك المضمون و خسارة تلفه على الضامن، بأن يجب عليه تداركه بأداء بدله من ماله، فتلف المال المضمون يوجب نقصان مال الضامن، للزوم تداركه منه.

و الضمان بهذا المعنى جامع للضمان في موارد ثلاثة:

أحدها: الضمان المعاوضي في العقود الصحيحة.

ثانيها: ضمان التالف في العقود الفاسدة.

ثالثها: ضمان العين الموهوبة- بشرط التعويض- إذا تلفت بيد المتهب.

و الوجه في جامعية الضمان بهذا المعنى هو: أنّ خسارة تلف المال تكون على عهدة الضامن، سواء أ كانت الخسارة بدفع البدل المسمّى كما في العقد الصحيح، أم بدفع البدل الواقعي كما في غيره.

مثلا إذا باع زيد كتابه من عمرو بدينار، فالكتاب هو المال الأصلي المملوك لزيد قبل العقد، و الدينار ماله الفعلي الذي حصّله ببيع كتابه. و بالعكس بالنسبة إلى المشتري، فالدينار ماله الأصلي و الكتاب ماله الفعلي. فإن كان العقد صحيحا اقتضى ضمان كلّ من الطرفين لمال صاحبه بالضمان المعاوضي، يعني أنّ البائع يتعهّد بالكتاب قبل تسليمه للمشتري بحيث لو تلف بيده التزم بخسارته و دركه من ماله، لا من مال المشتري. و كذا يتعهّد المشتري بالدينار بحيث لو تلف بيده كانت خسارته عليه لا على البائع.

68

عليه (1)، بمعنى (2) كون خسارته و دركه (3) في ماله الأصلي (4)، فإذا (5) تلف (6)

____________

و إن كان العقد المعاوضي فاسدا و ترتّب عليه القبض- فصار الكتاب بيد المشتري، و الدينار بيد البائع- كان المشتري ضامنا للكتاب بحيث لو تلف بيده كانت خسارته عليه لا على البائع، و لو تلف الدينار كان على عهدة البائع لا المشتري.

و الدليل على ضمان كلّ منهما لمال الآخر هو الملازمة المستفادة من قاعدة «ما يضمن» بين صحيح العقد المعاوضي و فاسده. هذا توضيح نظر المصنف في أصل معنى الضمان. و أمّا كونه جامعا بين موارد الضمان فسيأتي.

(1) خبر «كون» و الضمير راجع إلى «الضامن» المستفاد من كلمة «الضمان».

ثمّ إن تفسير الضمان بهذا الوجه لعلّه لمراعاة قرينة السياق المقتضية لوحدة الضمان في العقد الصحيح و الفاسد، لصدق «تدارك المضمون على الضامن» سواء أ كان التدارك بعوض المسمّى كما في الصحيح، أم بالبدل الواقعي كما في الفاسد. و لا يلزم استعمال لفظ «الضمان» في أكثر من معنى، و سيأتي تقريبه.

(2) هذا تفسير لقوله: «كون درك المضمون عليه» و قد عرفته.

(3) هذا الضمير و ضمير «خسارته» راجعان إلى المال المضمون.

(4) قد عرفت المراد بما هو مال أصلي للضامن، في قبال ماله الفعلي الذي حلّ محلّ المال الأصلي بالمعاوضة.

(5) لا يخفى أنّ الضمان المعاوضي يحصل بنفس العقد، و لا يتقيّد هذا الضمان بتلف أحد العوضين أو كليهما، فذكر «التلف» إنّما هو لبيان موضوع الخسارة الواردة في المال الأصلي، إذ لو لا التلف لم ترد خسارة على المتبايعين، لوضوح أنّ بائع الكتاب يتدارك خروج كتابه عن ملكه بالدينار، و كذا المشتري يتدارك نقصان ماله بدخول الكتاب في ملكه، فورود الخسارة على كل منهما يتوقف على تلف مال الآخر بيده.

(6) يعني: فإذا تلف المضمون وقع نقصان في ماله الأصلي، لوجوب تدارك المضمون من ماله الأصلي.

69

وقع نقصان فيه، لوجوب تداركه منه.

و أمّا مجرّد كون تلفه في ملكه (1)

____________

(1) أي: في ملك الضامن، و هذا إشارة إلى معنى آخر للضمان نسبه الفقيه المامقاني (قدّس سرّه) إلى العالم الجليل الشيخ علي في حواشي الروضة، قال فيما حكاه عنه:

«معنى قولهم في القاعدة: كلّ عقد يضمن بصحيحه يضمن بفاسده: كل عقد يضمن المال أو الشي‌ء فيه بسبب كونه صحيحا يضمن بسبب كونه فاسدا، بمعنى: أنّ صحة العقد إن كانت سببا للضمان كان الفساد كذلك. فالبيع الصحيح مثلا سبب في كون المبيع إذا تلف كان من مال المشتري فكذا البيع الفاسد. و ما لا يضمن بصحيحه كالعارية و مال المضاربة و الوديعة و نحو ذلك، فإن صحيح مثله لا يوجب الضمان، فكذا فاسده» (1).

و قد ينسب هذا التفسير إلى صاحب الرياض (قدّس سرّه) في مسألة تقدير الثمن (2)، لكن في النسبة تأمّل، فراجع الرياض. و نسبه المحقق النائيني إلى العلّامة فيما احتمله في الأواني المكسورة و إلى صاحب المقابس (3). لكنه لا يخلو من تأمل أيضا، فإنّه نقل عن المحقق التستري دخول المضمون- في مطلق موارد الضمان- في ملك الضامن آنا ما قبل التلف حتى يقع التلف في ملكه، و هذا أجنبي عمّا يكون المصنف بصدده من تحديد معنى «الضمان» الوارد في قاعدة «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده».

و كيف كان فتوضيح تعريف الضمان بأنّه «يتلف مملوكا له» هو: أنّ الضمان بمعنى الخسارة الواردة على مال الضامن، و وقوع التلف في ملكه. مثلا إذا باع زيد كتابا من عمرو بدينار، فإن كان العقد صحيحا و سلّم البائع الكتاب إلى عمرو، و تسلّم الثمن‌

____________

(1) غاية الآمال، ص 277، لكن لم أعثر على هذه العبارة في هامش النسخة المطبوعة من الروضة، و هي طبعة عبد الرحيم، فراجع، ج 1 ص 323

(2) حاشية السيد الاشكوري على المكاسب، ص 41

(3) منية الطالب، ج 1، ص 118؛ المكاسب و البيع، ج 1، ص 303

70

..........

____________

منه، ثمّ تلف الكتاب بيد المشتري، كان هو الضامن لماله، لورود الخسارة عليه بتلف الكتاب.

و إن كان العقد فاسدا و تلف المبيع بيد المشتري فهذا البيع الفاسد يقتضي وقوع التلف في ملك المشتري، بأن يقدّر دخوله في ملكه قبل التلف آنا مّا، و يكون دفع البدل خسارة واردة عليه بسبب التلف عنده.

و الوجه في العدول عن تفسير الضمان بما أفاده المصنّف- من «تدارك المضمون ببدله»- إلى تقييد المضمون بكونه مملوكا للضامن هو: أنّ الضمان- بمعنى تدارك المضمون- مخصوص بالعقد الفاسد، إذ المقبوض به لو تلف بيد المشتري كانت خسارته عليه، و وجب عليه دفع بدله إلى البائع. و أمّا في العقد الصحيح فلا يتصور معنى للضمان- بمعنى تدارك مال الغير- و ذلك لأنّ المبيع إذا تلف عند المشتري لم يلزمه شي‌ء أصلا، لأنّ المال تلف من ملكه، لا من ملك البائع حتّى يجب على المشتري تداركه، و حينئذ لم يتضح المراد من كلمة «الضمان» الواردة في قولهم:

«ما يضمن بصحيحه».

و لذا عدل هذا القائل إلى تعريف الضمان بنحو ينطبق على مورد العقد الصحيح أيضا، و قال: «إنّه الخسارة الواردة على الشخص حال كونها مملوكة له» فإنّ هذا المعنى ينطبق على المأخوذ بالعقد الصحيح، كما تقدم آنفا في مثال الكتاب المقبوض بالبيع الصحيح إذا تلف بيد المشتري، إذ يصدق عليه أنّ المشتري ضامن بهذا العقد، و وجه ضمانه هو وقوع التلف في ملكه.

و اعترض المصنّف (قدّس سرّه) على هذا التفسير بأنّه أجنبيّ عن معنى الضمان لغة و عرفا، إذ لا يصدق على «تلف المال المملوك لشخص» أنّه ضامن لماله التالف، بل المناط في صدقه تدارك الخسارة الواردة على المالك إذا تلف ماله عند غيره بلا إذن المالك، أو أتلفه ذلك الغير.

71

بحيث يتلف مملوكا له (1)- كما يتوهّم- فليس (2) هذا معنى للضمان أصلا فلا يقال (3): إنّ الإنسان ضامن لأمواله.

ثمّ (4) تداركه من ماله

____________

و أمّا ما زعمه هذا القائل من أنّ تصور معنى صحيح لجملة «ما يضمن بصحيحه» يتوقف على تفسير الضمان بأنّه «بحيث يتلف مملوكا له» فممنوع، إذ المقصود بالضمان في العقود الصحيحة هو الضمان المعاوضي، بمعنى أنّه بمجرّد العقد يصير المبيع ملكا للمشتري فيضمنه البائع لو تلف عنده، و يصير الثمن ملكا للبائع، و يضمنه المشتري بحيث لو تلف وجب عليه بدله. و أمّا إذا تسلّم المشتري المبيع، و تسلّم البائع الثمن، ثم تلف فلا ضمان، لوقوع التلف في ملكه. و لم يعهد صحة إطلاق أنّ كل شخص ضامن لأموال نفسه حتّى يتجه تعريف الضمان بالخسارة الواردة في ملك نفسه، هذا.

(1) أي: مملوكا للضامن، يعني: أنّ الجامع بين ضمان المال في العقد الصحيح و الفاسد هو وقوع التلف في ملك الضامن.

(2) هذا جواب قوله: «و أمّا» و ردّ تفسير الضمان المنقول عن بعضهم.

(3) هذا متفرع على قوله: «فليس» و الوجه في فساد تعريف الضمان بأنّه «يتلف مملوكا له» هو: أنّه لو كان هذا المعنى صحيحا لزم صدق ضمان الشخص لأموال نفسه التي قد تتلف منه، مع أنّه لا يصحّ الصدق المذكور، و يستكشف من عدم صدقه بطلان التعريف المذكور.

(4) بعد أن اختار المصنّف (قدّس سرّه) تعريف الضمان بأنّه «كون درك المال المضمون على عهدة الضامن» أراد إثبات جامعية هذا التعريف، و عدم كون الضمان مشتركا لفظيا، و عدم لزوم التفكيك في معنى الضمان بين جملة «ما يضمن بصحيحه» و «ما يضمن بفاسده».

و توضيحه: أنّه قد يتوهم اختلاف معنى الضمان في الجملتين، لأنّه في العقد‌

72

تارة يكون بأداء عوضه الجعلي الذي تراضى (1) هو و المالك على كونه عوضا، و أمضاه الشارع، كما في المضمون بسبب العقد الصحيح. و أخرى بأداء عوضه

____________

الصحيح يكون بالبدل الجعلي المسمّى في العقد كبدلية الدينار عن الكتاب. و لكن الضمان في العقد الفاسد يكون بالبدل الواقعي من المثل أو القيمة. فإذا قبض المشتري الكتاب و تلف عنده و تبيّن فساد العقد كان اللازم تداركه بعوضه الواقعي لا الجعلي.

و بهذا يتفاوت معنى الضمان الذي أفاده المصنّف، لاختلاف نحوي تدارك مال الغير، هذا.

و قد دفعه (قدّس سرّه) بأنّ للضمان في جميع موارده مفهوما وحدانيا، و هو التدارك بمال الضامن، إلّا أنّ الاختلاف يكون فيما يتدارك به، إذ هو تارة بدل واقعي، و أخرى بدل جعليّ، و ثالثة أقلّ الأمرين من البدل الواقعي و الجعلي كما سيأتي بيانه في الهبة المعوّضة التالفة قبل دفع العوض، فللمتّهب الاقتصار في تدارك العين الموهوبة على أقلّ البدلين قيمة، فإن كان العوض المشترط أقل اكتفى به، و إن كانت القيمة الواقعية أقلّهما اكتفى به.

و الحاصل: أنّ الضمان في جميع موارده بمعنى «تدارك المال المضمون و تحمّل خسارته» و يراد به عند الإطلاق أداء العوض الواقعي، و في خصوص العقد الصحيح يراد به أداء البدل الجعلي، و ذلك من باب تعدّد الدال و المدلول و قيام القرينة على إرادة التدارك بالعوض المسمّى، و هي تعيين البدل في العقد المعاوضي الذي أمضاه الشارع، كجعل الدينار- بالبيع- بدلا عن الكتاب.

(1) كتراضي مالك الكتاب و مالك الدينار على كون كلّ منهما عوضا عن الآخر. و كتراضي مالك الدار و المستأجر على كون عشرة دنانير عوضا عن منفعتها مدة شهر مثلا. و هذا التراضي إنّما يترتب عليه الأثر بعد إمضاء الشارع لهذين العقدين و حكمه بصحتهما.

73

الواقعي- و هو المثل أو القيمة- و إن لم يتراضيا عليه (1). و ثالثة بأداء أقلّ الأمرين من العوض الواقعي و الجعلي، كما ذكره بعضهم (2) في بعض المقامات، مثل تلف الموهوب بشرط التعويض قبل دفع العوض.

____________

(1) كما في صورة فساد العقد و تلف المال، فإنّ الضمان يكون حينئذ بالبدل الواقعي من المثل أو القيمة.

(2) كالشهيد الثاني، حيث قال: «و حاصل الأمر: أنّ العين الموهوبة المشروط فيها الثواب لو تلفت في يد المتهب أو عابت قبل دفع العوض المشروط و قبل الرجوع، سواء أ كان ذلك بفعله كلبس الثوب، أم لا، فهل يضمن المتهب الأرش أو الأصل أم لا؟ قولان: أحدهما عدم الضمان، و هو الذي اختاره المصنف، ثم تردّد فيه.

و جزم به العلّامة في التذكرة و ولده في الشرح .. و الثاني: الضمان، جزم به ابن الجنيد من المتقدمين و بعض المتأخرين، لعموم على اليد ما أخذت حتّى تؤدّى، و لأنّه لم يقبضها مجّانا بل ليؤدّي عوضها فلم يفعل، و لأنّ الواجب أحد الأمرين، ردّها أو دفع العوض، فإذا تعذّر الأول وجب الثاني. و هذا هو الوجه.

إذا تقرّر ذلك و قلنا بالضمان مع التلف، فهل الواجب مثل الموهوب أو قيمته أو أقلّ الأمرين من ذلك و من العوض؟ وجهان أجودهما الثاني، لما عرفت من أنّ المتهب مخيّر بين الأمرين، و المحقّق لزومه هو الأقل، لأنّه إن كان العوض الأقلّ فقد رضي به الواهب في مقابلة العين. و إن كان الموهوب هو الأقل فالمتهب لا يتعين عليه العوض، بل يتخيّر بينه و بين بذل العين، فلا يجب مع تلفها أكثر من قيمتها. و هذا هو الأقوى. و وجه اعتبار القيمة مطلقا أنّ العين مضمونة حينئذ على القابض، فوجب ضمانها بالقيمة.

و فيه: أنّه مسلّط على إتلافها بالعوض، فلا يلزمه أزيد منه لو كان أنقص» (1).

____________

(1) مسالك الأفهام، ج 6، ص 63 الى 65

74

فإذا ثبت هذا (1) فالمراد بالضمان بقول مطلق (2) هو لزوم تداركه بعوضه الواقعي، لأنّ هذا (3) هو التدارك حقيقة، و لذا (4) لو اشترط ضمان العارية

____________

(1) يعني: فإذا ثبت أنّ معنى الضمان هو كون تدارك المضمون على عهدة الضامن و أنّ التدارك إمّا بالعوض المسمّى و إمّا بالواقعي و إمّا بأقل الأمرين، فالمراد .. إلخ.

و غرضه (قدّس سرّه) أنّ الضمان و إن كان هو التدارك بأحد الأنحاء الثلاثة، إلّا أنه عند الإطلاق و عدم تقييده بالعوض الواقعي أو الجعلي أو أقلّ الأمرين يحمل على التدارك الحقيقي الذي هو جبر الخسارة بالبدل الواقعي من المثل أو القيمة.

و أمّا أداء البدل المسمّى أو أقلّ الأمرين فيحتاج إلى دليل على جوازه، مثل ما دلّ على صحة عقد البيع و الإجارة، المقتضي لضمان كلّ منهما بالضمان المعاوضي، لا الواقعي، فلو ثبت الضمان في مورد و لم يقترن معه ما يقيّده بالبدل الجعلي تعيّن تداركه بالعوض الواقعيّ. لما عرفت من أنّ جبران خسارة مال الغير لا يكون إلّا بأداء عوضه الحقيقي، و لأجله يحمل «الضمان» الوارد في أدلّة ضمان المغصوب مثل «الغاصب ضامن» و غير المغصوب مثل «من أتلف مال الغير فهو له ضامن» على التعهّد بالبدل الواقعي، لا غير.

و لا يخفى أن قوله (قدّس سرّه): «فالمراد بالضمان .. إلخ» تمهيد لردّ ما احتمله بعضهم من حمل الضمان في العقود الفاسدة على العوض الجعلي لا الواقعي، و سيأتي بيانه.

(2) يعني: لم يقيّد الضمان بالمسمّى، و لا بالواقعي و لا بأقلّ الأمرين، بل ورد قوله «فهو ضامن» فإنّه ينصرف إلى الواقعيّ خاصة.

(3) أي: لأنّ التدارك بالعوض الواقعيّ هو التدارك الحقيقي، و غيره منوط بقرينة تدلّ عليه.

(4) يعني: و لأجل كون الضمان بقول مطلق هو لزوم التدارك بعوضه الواقعي لزم غرامة مثلها أو قيمتها.

75

لزم غرامة مثلها أو قيمتها (1). و لم يرد (2) في أخبار ضمان المضمونات- من المغصوبات (3) و غيرها (4)- عدا لفظ الضمان بقول مطلق (5).

____________

(1) فإن كانت العين المعارة مثلية كان ضمانها بمثلها، و إن كانت قيمية فبقيمتها.

(2) غرضه (قدّس سرّه) أنّه لم يفسّر لفظ الضمان- في أخبار المضمونات- بشي‌ء من الواقعي و الجعلي و غيرهما، بل الوارد فيها لفظ «الضمان» فينصرف إلى المعهود منه، و هو الواقعي من المثل أو القيمة.

(3) مثل ما في مرسل حمّاد بن عيسى عن العبد الصالح (عليه السلام): «لأنّ الغصب كلّه مردود» (1).

(4) مثل ما ورد في ضمان المستودع مع التفريط في الحفظ من قوله (عليه السلام):

«هو ضامن لها إن شاء ..» (2).

و ما ورد في عدم ضمان المستعير من قوله (عليه السلام): «ليس على مستعير عارية ضمان، و صاحب العارية و الوديعة مؤتمن» (3).

و ما روي في ضمان عارية النقدين، و العارية المشروط فيها الضمان من قوله (عليه السلام): «لا تضمن العارية إلّا أن يكون قد اشترط فيها ضمان» (4) الحديث. و قوله (عليه السلام) في ضمان المستعير: «إذا استعيرت عارية بغير إذن صاحبها فهلكت فالمستعير ضامن» (5).

و غيرها من الأخبار الواردة في ضمان الصّنّاع، و المستأجر المفرّط في العين المستأجرة، فإنّ الضمان فيها ينصرف إلى التدارك بالبدل الواقعي، لا غير.

(5) يعني: غير مقيّد بالبدل الواقعي و لا المسمّى.

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 17، ص 309، الباب 1 من أبواب الغصب، الحديث 3

(2) المصدر، ج 13، ص 229، الباب 5 من أبواب الوديعة، الحديث 1

(3) المصدر، ج 13، ص 237، الباب 1 من أبواب العارية، الحديث 6

(4) المصدر، ج 13، ص 239، الباب 3، الحديث 1

(5) المصدر، ج 13، ص 240، الباب 4، الحديث 1

76

و أمّا (1) تداركه بغيره فلا بدّ من ثبوته من طريق آخر، مثل تواطئهما عليه بعقد صحيح يمضيه الشارع. فاحتمال (2) «أن يكون المراد بالضمان في قولهم:- يضمن بفاسده- هو وجوب أداء العوض المسمّى، نظير الضمان في العقد الصحيح»

____________

(1) أي: و أمّا تدارك المضمون بغير البدل الحقيقي من المثل أو القيمة فلا يستفاد من نفس دليل الضمان، بل لا بدّ من دليل آخر عليه، و هو مؤلّف من أمرين:

أحدهما: توافق المتعاقدين على أن يضمن كلّ منهما مال الآخر بالعوض المعيّن في المعاملة.

ثانيهما: إمضاء الشارع هذا التراضي حتى يترتب عليه الأثر، كإمضاء البيع بآية حلّ البيع، و إمضاء الإجارة و الصلح المعاوضي بأدلّة صحّتهما، و هكذا سائر الموارد.

فإن كان العقد صحيحا كانت صحّته قرينة على إرادة الضمان بالبدل الجعلي، و إن كان فاسدا تعيّن حمل الضمان في قولهم: «يضمن بفاسده» على التدارك بالبدل الواقعي.

(2) يعني: بعد كون الضمان حقيقة في الضمان الواقعي أو منصرفا إليه يظهر ضعف احتمال إرادة العوض المسمّى من «الضمان» في جملة «يضمن بفاسده».

و المحتمل- كما أفاده الفقيه المامقاني (قدّس سرّه)- هو الشيخ الفقيه كاشف الغطاء (قدّس سرّه) في شرح القواعد، حيث قال بعد ذكر قاعدة «ما يضمن» ما لفظه: «و هي صريحة في أصل الضمان، إلّا أنّها يحتمل فيها وجهان: أحدهما: الضمان بمقدار ما أقدم عليه من المقابل. و ثانيهما: قيمته بلغت ما بلغت، و هو الظاهر، لأنّ التقييد غير مفهوم منها» (1).

و هو (قدّس سرّه) و إن احتمل الضمان بالمسمّى، إلّا أنّه رجّح الضمان بالبدل الواقعي.

و على هذا فلا بدّ أن يكون غرض المصنف من الاشكال عليه هو: أنّ أصل إبداء احتمال الضمان بالبدل المسمّى في العقد المعاوضي الفاسد ممّا لا ينبغي صدوره من فقيه خصوصا مثل كاشف الغطاء (قدّس سرّه).

____________

(1) غاية الآمال، ص 279

77

ضعيف (1) في الغاية، لا لأنّ (2) ضمانه بالمسمّى يخرجه عن فرض الفساد، إذ (3)

____________

(1) خبر قوله: «فاحتمال» و دفع له، و قد ذكر في دفع الاحتمال وجهان:

أحدهما: ما تكرّر في كلام المصنف من أنّ الضمان بقول مطلق يحمل على التدارك بالبدل الحقيقي.

و ثانيهما: ما أفاده بعضهم و هو لزوم الخلف، توضيحه: أنّ الضمان في العقد الفاسد بمقدار ما أقدم عليه- أي المسمّى- يوجب خروج العقد الفاسد عن فرض الفساد و يجعله صحيحا، إذ الضمان بالمسمّى يتوقّف على توافق المتعاوضين و إمضاء الشارع له، و حيث إنّ المفروض فساد العقد لم يكن توافقهما ممضى شرعا و لا موضوعا للأثر، فلا وجه لرفع اليد عن الضمان الواقعي الذي هو مقتضى إطلاق «الضمان» و الالتزام بالضمان الجعلي.

(2) فكأنّ هذا القائل فهم استلزام صحة العقد لتعيّن المسمّى، فإذا فسد كان تعيّن المسمّى بلا معيّن.

(3) تعليل لقوله: «لا» و هذه مناقشة المصنف في جواب الاحتمال، و حاصلها:

منع توقف الضمان بالعوض المسمّى على صحّة البيع من حين العقد، بل يمكن تعيّنه بعد تلف أحد العوضين.

توضيحه: أنّه إذا كان العقد فاسدا لم ينتقل المبيع إلى المشتري، و لا الثمن إلى البائع، و يحرم التصرف في كل منهما. و لو كان لأحدهما نماء كان لمالكه الأصلي، هذا مع بقاء العينين. و أمّا إذا تلف أحدهما- كما إذا تلف المبيع بيد المشتري- فنقول بأنّ الثمن المسمّى في ذلك العقد الفاسد هو الذي يضمنه المشتري، و يجب عليه تسليمه إلى البائع، و لا يتعيّن البدل الواقعي من المثل أو القيمة للعوضيّة.

و لا استيحاش من هذا، لوجود نظيره في الفقه و هو المعاطاة بناء على الإباحة، لما تقدّم في التنبيه السادس المعقود لبيان الملزمات من: أنّ تلف أحد العوضين ملزم للمعاطاة، و يتعيّن العوض الجعليّ للعوضية و يتملّكه مالك التالف،

78

يكفي في تحقق فرض الفساد بقاء كلّ من العوضين على ملك مالكه (1) و إن كان عند تلف أحدهما يتعيّن الآخر للعوضيّة، نظير المعاطاة على القول بالإباحة (2).

بل (3) لأجل ما عرفت من معنى الضمان، و أنّ التدارك بالمسمّى في الصحيح

____________

مع أنّه لم يدخل في ملكه من حين التعاطي المفيد للإباحة.

و على هذا فلا ملازمة بين الصحة و تعيّن المسمّى، حتى يكون ضمان المسمّى في العقد الفاسد مخالفا لفرض الفساد. بل يمكن القول بضمان المسمّى في العقد الفاسد أيضا بعد تلف أحد العوضين.

فالنتيجة: أنّ الاحتمال الذي أبداه كاشف الغطاء (قدّس سرّه) لا يندفع بما أفيد من اختصاص ضمان المسمّى بالعقد الصحيح، هذا.

(1) بأن كان المالان باقيين على ملك مالكيهما إلى أن يتلف أحدهما، فحينئذ ينتقل التالف منهما عند التلف- آنا ما- إلى ملك من تلف عنده، و بالعكس.

(2) فإنّ العوضين باقيان على ملك مالكيهما- و هما المتعاطيان- و لا يتعيّن أحدهما للعوضيّة إلّا بعد تلف الآخر.

و لا يخفى أنّ تنظير المقام بالمعاطاة- بناء على الإباحة التي لا يقول بها المصنف- إنّما هو لمجرّد دفع الاستبعاد عن تغيير الضمان في العقد الفاسد من الواقعي إلى الجعلي حين تلف أحد المالين، إذ القائل بالإباحة يلتزم بانتقال التالف قبل التلف آنا ما إلى من تلف عنده، و يتعيّن العوض الآخر للعوضيّة.

و إلّا فيرد على المصنف (قدّس سرّه) أنّ قياس المقام بالمعاطاة في غير محلّه، لكون العقد الفاسد فاسدا إلى الأبد، بخلاف المعاطاة، فإنّها صحيحة، و لأجل صحتها- بالإجماع المدّعى على الإباحة- يتعيّن المالان للعوضية عند التلف، هذا.

(3) معطوف على قوله: «لا لأن» و غرضه بيان وجه ضعف الاحتمال الذي أفاده الفقيه كاشف الغطاء (قدّس سرّه). و قد عرفته، و محصّله: أنّ الضمان بقول مطلق يراد به التدارك بالعوض الواقعي، و أنّ التدارك بالمسمّى يتوقف على أمرين، أحدهما توافق‌

79

لإمضاء الشارع ما تواطئا على عوضيّته، لا لأنّ (1) معنى الضمان في الصحيح مغاير لمعناه في الفاسد حتى يوجب ذلك تفكيكا في العبارة (2)، فافهم (3).

____________

المتعاملين، و الآخر إمضاء الشارع لما تواطئا عليه، و هذا الأمر الثاني مفقود في العقد الفاسد، فلا وجه للضمان بالمسمّى فيه.

(1) هذا قد استفيد من قوله قبل أسطر: «و لم يرد في أخبار ضمان المضمونات ..

إلخ» و كأنّه (قدّس سرّه) يريد دفع توهّم، حاصله: أنّ الضمان في العقد الصحيح إن كان بالمسمّى و في الفاسد بالواقعي لزم التفكيك في مدلول كلمة «ما يضمن بصحيحه» بحمله على ما يضمن بمسمّاه، و كلمة «ما يضمن بفاسده» بحمله على ضمانه الواقعي، و هذا التفكيك مخالف لظهور الكلام في إرادة معنى واحد من كلمة «الضمان» في الجملتين.

و محصّل دفعه: عدم لزوم التفكيك في معنى الضمان، لأنّه بمعنى تدارك مال الغير بحيث لو تلف كانت خسارته في ماله الأصلي. و هذا جار في كلّ من العقد الصحيح و الفاسد، إلّا أنّ مصداق المال الأصلي مختلف، فقد يكون ما عيّن في العقد، و قد يكون هو المثل أو القيمة، و من المعلوم أنّ اختلاف مصاديق التدارك لا يوجب تعدّد المفهوم حتى يتوهم التفكيك بين الضمان في صحيح العقد و فاسده.

(2) أي: التفكيك في الضمان بين جملة «ما يضمن بصحيحه» و جملة «يضمن بفاسده».

(3) لعلّه إشارة إلى أنّ التفكيك في مفهوم الضمان ممّا لا بدّ منه، سواء أ كان من باب استعمال لفظ الضمان في الواقعي تارة، و في المسمّى أخرى، أم من باب استفادة التدارك الواقعي من إطلاق اللفظ و عدم تقييده بشي‌ء، و التدارك الجعلي من قرينة تواطؤ المتعاقدين و إمضاء الشارع. هذا تمام الكلام في ثاني أبحاث الجهة الاولى، و هو معنى الضمان الوارد في القاعدة.

80

[المبحث الثالث: عموم «كل عقد» هل يكون بلحاظ الصنف أو غيره؟]

ثمّ (1) العموم في العقود

____________

المبحث الثالث: عموم «كل عقد» هل يكون بلحاظ الصنف أو غيره؟

(1) هذا شروع في المبحث الثالث من مباحث الجهة الأولى، و هو بيان المراد من العموم المدلول عليه بكلمة «كلّ» في قولهم: «كل عقد يضمن ..» أو بكلمة «ما» الموصولة في قولهم: «ما يضمن».

و الوجه في عقد هذا المبحث هو: أنّ في العموم احتمالات ثلاثة، بل أقوالا كذلك، و تتفاوت الآثار المترتبة على كلّ منها، فلا بدّ من تحقيق المسألة، و ينبغي الإشارة إلى أمرين مقدمة لتوضيح كلام المصنف (قدّس سرّه)، فنقول و به نستعين:

الأوّل: أنّ هذا البحث لا يختص بأصل القاعدة- أعني به «كل عقد يضمن بصحيحه يضمن بفاسده»- بل يجري في العكس أيضا، إذ الموضوع فيه «كل عقد لا يضمن بصحيحه» أو «ما لا يضمن» فيجري فيه احتمال نوع العقد أو صنفه أو أشخاص العقود التي ينشئها المتعاقدان.

الثاني: في بيان المراد بالنوع و الصنف و الفرد، فنقول: إنّ «العقود» عنوان مشير إلى المعاملات القائمة بطرفين، سواء تضمّنت معاوضة أم لا، كالبيع و الصلح و الإجارة و الهبة و الجعالة و السبق و الرماية و المضاربة و العارية و الوديعة و الوكالة و الرّهن و نحوها ممّا هو معهود في الكتب الفقهية. و يعدّ كلّ منها نوعا، فالبيع- بما له من الأقسام- نوع واحد، لصدق تعريفه من «مبادلة مال بمال، أو تمليك عين بعوض» على جميعها. و كذا الإجارة نوع واحد، و الصلح نوع، و هكذا سائر العقود.

ثمّ إنّ لكلّ من هذه الأنواع أقساما هي أصناف ذلك النوع، كبيع الصّرف و السّلم و الحيوان و الثمار و النسيئة و المعاطاة، و بيع الدين و غيرها من الأقسام.

و للإجارة أيضا صنفان، هما إجارة الأعيان و الأعمال. و كذلك للصلح أصناف، فإنّه إمّا يفيد فائدة البيع أو الإجارة أو العارية أو الهبة أو الإبراء. و هكذا العارية، فإنّها إمّا عارية النقدين و إمّا غيرهما، و الثاني إمّا مشروط بالضمان و إمّا غير مشروط به.

81

..........

____________

و المراد بالأفراد هو أشخاص العقود التي تقع خارجا بإنشاء المتعاقدين.

إذا اتضح هذان الأمران، فنقول: إن أريد بلفظ «كل عقد» العموم بلحاظ الأنواع كان معناه: أنّ جميع أفراد نوع- كالبيع- إن كان في صحيحها ضمان، ففي فاسدها الضمان أيضا. و أنّ جميع أفراد نوع كالوديعة إن لم يكن في صحيحها ضمان فلا ضمان في فاسدها أيضا.

و على هذا ينحصر مصداق أصل قاعدة «ما يضمن» في البيع و الإجارة اللذين يضمن بصحيحهما، و لا يندرج في هذه القاعدة عقد آخر، لعدم مضمّنية جميع أفراد العقود- بنحو الإطلاق- غير البيع و الإجارة، فكأنّ القاعدة أسّست لبيان حكم الضمان في خصوص هذين العقدين.

و إن أريد العموم بلحاظ أصناف كل واحد من العقود كان معنى القاعدة: أنّ كل صنف من أصناف العقود إن كان في صحيحه ضمان فكذا في فاسد ذلك الصنف، سواء أ كان في سائر أصنافه ضمان أم لا. و معنى عكس القاعدة: أنّ كل صنف ليس في صحيحه ضمان فكذا في فاسده، سواء أ كان في سائر أصناف ذلك العقد ضمان أم لم يكن.

و على هذا الاحتمال تتكثّر العقود المندرجة في الأصل، و لا تنحصر في البيع و الإجارة المقتضيين للضمان، فيقال: إنّ العارية بنوعها مثلا لا ضمان في صحيحها فكذا في فاسدها. و لكن أقسام العارية مختلفة، ففي بعضها الضمان كعارية النقدين، فيمكن أن تندرج في أصل القاعدة، فإذا كانت عارية النقدين فاسدة- لاختلال بعض شروطها- ثبت فيها الضمان، لأنّ «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده» مع أنّ نوع عقد العارية غير مضمّن.

و كذا تندرج الهبة المشروطة بالعوض في أصل القاعدة- بناء على تعميم اقتضاء العقد للضمان لما إذا كان بالذات أو بالعرض- مع عدم الضمان في نوع الهبة.

82

ليس (1) باعتبار خصوص الأنواع، لتكون أفراده مثل البيع (2) و الصلح و الإجارة و نحوها، لجواز (3) كون نوع لا يقتضي بنوعه الضمان، و إنّما المقتضي له بعض أصنافه، فالفرد الفاسد من ذلك الصنف يضمن به، دون الفاسد من غير ذلك

____________

و الحاصل: أنّه بناء على كون العموم بلحاظ الأصناف يلزم دخول بعض أقسام عقد في أصل القاعدة، و بعضها في العكس، و لا مانع منه.

و إن كان العموم بلحاظ الأفراد- لا الأنواع و لا الأصناف- كانت مصاديق أصل القاعدة و عكسها في غاية الكثرة، لأنّ كل عقد يقع في الخارج فهو بنفسه- لا بما أنّه فرد للنوع أو الصنف- إن كان مقتضيا للضمان على تقدير صحته كان مقتضيا له على تقدير فساده. و إن لم يكن مقتضيا له على فرض صحته فكذا على فرض فساده.

هذا كلّه في مقام الثبوت و الاحتمالات المتطرقة في المراد بالعموم. و أمّا في مقام الإثبات فقد استظهر المصنف الاحتمال الثاني و هو العموم بلحاظ الأصناف، و سيأتي بيانه.

(1) غرضه استظهار كون العموم بلحاظ الأصناف، لا الأنواع و لا الأفراد.

و المذكور فعلا نفي العموم النوعي، و أمّا العموم الأفرادي فسيأتي- بعد فصل- الخدشة فيه.

(2) هذه الأنواع مثال للعموم في كلّ من أصل القاعدة و عكسها، و ذلك بقرينة ذكر «الصلح» فإنّه بنوعه مما لا يضمن بصحيحه فكذا بفاسده. نعم البيع و الإجارة مثالان للنوع في أصل القاعدة لاطّراد الضمان في جميع أصنافهما و أفرادهما.

(3) تعليل لعدم كون العموم في القاعدة بلحاظ خصوص الأنواع. و محصّله: أنّه لو كان العموم بلحاظها لزم عدم اطّراد عكس القضية، مثلا لا يكون الصلح الجامع بين المعاوضي و المحاباتي مقتضيا للضمان، كما إذا كان مفيدا للهبة أو الإبراء، فيندرج في عكس القضية، في أنّ صحيحه لا يقتضي الضمان فكذا فاسده. و كذا الهبة الجامعة بين المشروطة بالعوض و غيرها، مع أنّ الصلح قد يقتضي الضمان كما إذا كان معاوضيا.

فالمتعيّن كون العموم بلحاظ الأصناف لا الأنواع، فصنف من الصلح- و هو‌

83

الصنف. مثلا الصلح بنفسه لا يوجب الضمان، لأنّه (1) قد لا يفيد إلّا فائدة الهبة غير المعوّضة، أو الإبراء. فالموجب للضمان هو المشتمل على المعاوضة. فالفرد الفاسد من هذا القسم موجب للضمان أيضا (2). و لا يلتفت إلى أنّ نوع الصلح الصحيح من حيث هو لا يوجب ضمانا (3)، فلا يضمن (4) بفاسده. و كذا (5) الكلام

____________

المعاوضي- يقتضي صحيحه الضمان، و كذا فاسده. و صنف منه و هو المحاباتي لا يقتضي صحيحه الضمان و كذا فاسده.

و هكذا العارية، فصنف منها يندرج في الأصل و هو «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده» و صنف آخر من ذلك النوع يندرج في العكس و هو «ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده».

(1) هذا تعليل لعدم اقتضاء الصلح- بما هو نوع من أنواع العقود- للضمان، إذ قد يكون أثره تمليك عين مجّانا و هو الهبة غير المعوّضة، أو إبراء المديون عمّا في ذمته، و هو إيقاع، و ربّما يخلو من العوض.

و على هذا فلو كان العموم في القاعدة بلحاظ النوع لزم اندراج الصلح- بجميع أقسامه- في العكس. مع أنّ الصحيح هو التفصيل بين أصنافه، فبعضها المشتمل على المعاوضة مندرج في الأصل، و بعضها في العكس. فلا بدّ من كون العموم بلحاظ الأصناف، و أنّ كل صنف عنوان مستقل، فإن اقتضى الضمان كان من أفراد الأصل، و إلّا فمن العكس.

(2) يعني: كإيجاب الفرد الصحيح من الصلح- المشتمل على المعاوضة- للضمان.

(3) يعني: مطلقا، سواء أفاد فائدة البيع أم الإجارة مما يشتمل على معاوضة بين المصالح و المتصالح، أم لم يشتمل عليها كالمفيد فائدة الهبة غير المعوّضة، و الإبراء.

(4) هذا متفرّع على كون العموم بلحاظ أنواع العقود، و لازمه خروج عنوان الصلح عن قاعدة «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده».

(5) هذا مثال ثان لظهور الثمرة بين كون العموم نوعيا و صنفيا، فبناء على إرادة الأنواع لا ضمان في الهبة المشروطة بالعوض، لأنّ جميع أفراد الهبة- بما هي مصاديق‌

84

في الهبة المعوّضة. و كذا (1) عارية الذهب و الفضة.

نعم (2)

____________

لعنوان الهبة- غير مضمونة، فلا تندرج في الأصل. و بناء على إرادة الصنف يتعيّن التفصيل بين الهبة المعوّضة باندراجها في الأصل، و بين الهبة غير المعوّضة باندراجها في العكس.

(1) هذا مثال ثالث للثمرة بين إرادة النوع و الصنف، فبناء على النوع تندرج العارية بجميع أقسامها في العكس. و بناء على الصنف يفصّل بين عارية الذهب و الفضة- و عارية الحيوان بناء على ما حكي عن ابن الجنيد- فتكون مضمونة سواء في صحيحها و فاسدها. و بين عارية سائر الأشياء فلا ضمان فيها.

(2) هذا استدراك على إرادة الصنف، و حاصله: أنّ مقتضى تمسكهم بقاعدة «ما لا يضمن» في استعارة المحرم صيدا هو إرادة النوع، يعني: حيث إنّه لا ضمان في نوع العارية فلازمه عدم ضمان المستعير، لفرض فساد العارية، و به يشكل إرادة الصنف.

و توضيحه: أنّ جمعا ذكروا: أنّ المحرم إذا استعار الصيد من المحلّ وجب عليه إرسال الصيد، و عاريته فاسدة، و لا يضمن للمعير الصيد الذي أتلفه بإرساله.

و الدليل على الضمان هو تبعية العارية الفاسدة لصحيحها في عدم الضمان. قال في المسالك: «و أمّا مع فسادها- أي العارية- فلأنّ حكم العقد الفاسد حكم الصحيح في الضمان و عدمه كما أسلفناه في مواضع- قاعدة كليّة» (1). و من المعلوم ظهور هذا التعليل في أنّ المدار في الضمان و عدمه هو نوع العقد، فيشكل مختار المصنف (قدّس سرّه) من إرادة الصنف.

و لكنّه (قدّس سرّه) وجّهه بأنّ مقصودهم بالاستدلال بقاعدة «ما لا يضمن» هو الصنف، بقرينة تصريحهم في كتاب العارية بضمان عارية الذهب و الفضة، و العارية‌

____________

(1) مسالك الأفهام، ج 5، ص 139

85

ذكروا (1) في وجه عدم ضمان الصيد الذي استعاره المحرم: أنّ صحيح العارية لا يوجب الضمان، فينبغي أن لا يضمن بفاسدها. و لعلّ (2) المراد عارية غير الذهب و الفضّة و غير (3) المشروط ضمانها.

____________

المشروطة بالضمان، إذ لو كان المدار نوع العارية لزم التنافي بين إدراجها في «ما لا يضمن» و بين حكمهم بالضمان في القسمين المذكورين، و رفع التهافت منوط بالالتزام بالصنف، فيكون صنف من العارية مشمولا للأصل و هو «ما يضمن» و صنف منها للعكس، و هو «ما لا يضمن» هذا.

(1) الأولى أن يقال: «ذكر بعضهم» إذ المسألة خلافية، ففي الشرائع: «و لا يجوز للمحرم أن يستعير من محلّ صيدا، لأنّه ليس له إمساكه. و لو أمسكه ضمنه، و إن لم يشترط عليه» (1). نعم رجّح الشهيد الثاني عدم الضمان، لقاعدة «ما لا يضمن» فراجع، و التفصيل في محله.

(2) هذا توجيه استدلال مثل الشهيد الثاني بقاعدة «ما لا يضمن» و قد عرفته آنفا.

(3) الأولى إسقاط «غير المشروط ضمانها» بناء على ما سيأتي منه قريبا في تفسير القاعدة من كون المقتضي للضمان نفس العقد الصحيح، و من المعلوم عدم كون الضمان في العارية المشروطة به من مقتضيات نفس العقد، بل هو اقتضاء عرضي ناش من الشرط.

إلّا أن يكون غرض المصنف (قدّس سرّه) الاستشهاد بكلام القوم لإثبات العموم الأصنافي لا الأنواعي، فلا بأس حينئذ بذكر العارية المشروطة بالضمان بعد تصريحهم بضمانها صحيحة و فاسدة.

____________

(1) شرائع الإسلام، ج 2، ص 172

86

[المبحث الرابع: اعتبار كون الضمان مقتضى العقد لا الشرط]

ثمّ المتبادر (1) من اقتضاء الصحيح للضمان اقتضاؤه له

____________

المبحث الرابع: اعتبار كون الضمان مقتضى العقد لا الشرط

(1) هذا شروع في المبحث الرابع من مباحث الجهة الأولى، و هو تحقيق أنّه هل يعتبر كون الضمان مقتضى نفس العقد أم يكفي كونه مقتضى الشرط؟ و لا يخفى أنّ المناسب تأخير هذا البحث عن المقام، لعدم تماميّة البحث الثالث بعد، فإنّ المصنف و إن رجّح العموم بلحاظ الصنف على النوع، إلّا أنّ احتمال كونه بلحاظ أشخاص كلّ صنف باق بحاله، و سيأتي بعد أسطر إبطاله. كما أنّ البحث الخامس و هو أن الباء سببية أو ظرفية مقدّم رتبة على البحث عن اختصاص اقتضاء الضمان بنفس العقد، أو تعميمه إلى اقتضاء الشرط أيضا.

و كيف كان فتوضيح ما أفاده: أنّ اقتضاء العقد الصحيح للضمان تارة يكون بذاته كالبيع، و أخرى يكون بالشرط النافذ بأدلة الشروط، كقوله (عليه السلام): «المؤمنون عند شروطهم» كما إذا شرط في عقد الإجارة أن يكون المستأجر ضامنا للعين- مع عدم اقتضاء ذات الإجارة ضمانها، و أنّ يده على العين أمانيّة لا تضمنها لو تلفت بآفة سماوية لا بتعدّ و تفريط- فلو تلفت كان المستأجر ضامنا لها، لوجوب الوفاء بالشرط الجائز في نفسه، كوجوب الوفاء بنفس العقد.

و كذا الكلام في ضمان العين المعارة لو شرط المعير ضمانها على المستعير.

و لا إشكال في هذا. إنّما الكلام في ما إذا شرط الضمان في مثل عقد الإجارة و العارية، ثم تبين بطلان العقد لاختلال بعض شرائط صحته، فهل تقتضي قاعدة «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده» تبعية الفاسد للصحيح في هذا الضمان العرضي الناشئ من الشرط، أم لا تقتضيه؟ في المسألة قولان:

أوّلهما: الاقتضاء، و هو ظاهر صاحب الرياض (قدّس سرّه) في العارية المضمونة تبعا للمسالك.

و ثانيهما: عدم الاقتضاء، و هو مختار المصنّف (قدّس سرّه). و استدلّ عليه بأنّ المتبادر من قولهم: «كل عقد يقتضي صحيحه الضمان ففي فاسده كذلك» هو اقتضاء العقد‌

87

بنفسه (1) [1]، فلو (2) اقتضاه الشرط المتحقق في ضمن العقد الصحيح، ففي الضمان

____________

بطبعه للضمان، لا بالشرط الذي هو أجنبي عن العقد و خارج عنه، و إنّما يرتبط به بعناية الاشتراط. و على هذا فلا ضمان في الإجارة و العارية الفاسدتين المشروط فيهما ضمان العين.

(1) أي: بذاته، لا بالعرض كالشرط في ضمن العقد.

(2) هذا متفرع على اختصاص اقتضاء العقد الصحيح للضمان بنفسه، لا مطلقا و لو بالشرط.

____________

[1] كما أن المتبادر أو المتيقن ضمان نفس متعلق العقد، دون توابعه. ففي الإجارة مثلا المتعلق هو المنفعة، و العين تابعة، و في البيع هو العين، و المنافع تابعة.

فالقاعدة ساكتة عن ضمان غير مؤدى العقد من التوابع. و يظهر أثر هذا التفسير في المنافع غير المستوفاة، فإنّها غير مضمونة في العقد الصحيح، مع أنّها مضمونة في العقد الفاسد.

و قد جعله المصنف نقضا على القاعدة، لكنّه يندفع بالتفسير المزبور، لسكوت القاعدة عن ضمان التوابع التي منها المنافع غير المستوفاة، فتأمل جيدا.

ثمّ إنّ السيّد (قدّس سرّه) عمّم الفساد إلى العرضي بدعوى: أنّ العقد المقرون بالشرط و المجرد عنه صنفان متغايران، و المفروض إرادة الصنف من عموم مدخول (كلّ) و لذا لا يبقى إشكال في التمسك بهذه القاعدة (1).

و فيه: أنّ الضمان لمّا كان مستندا الى العقد و كان الشرط خارجا عنه، لأنّ العقد المشتمل عليه عقد و شرط، و لا يصدق العقد على المركب من العقد و الشرط الذي هو التزام خارج عن الالتزام العقدي، فيكون المراد من صنف العقد في قبال نوعه و شخصه حصص العقد بما هو عقد، فالقيود الخارجة عن العقد أجنبيّة عن نفس العقد، و خارجة عن ماهيّته.

____________

(1) حاشية المكاسب، ص 94

88

بالفاسد من هذا الفرد المشروط فيه الضمان- تمسّكا بهذه القاعدة (1)- إشكال (2).

كما لو استأجر إجارة فاسدة، و اشترط فيها ضمان العين (3)، و قلنا (4) بصحة هذا الشرط، فهل يضمن بهذا الفاسد، لأنّ (5) صحيحة يضمن به و لو لأجل الشرط أم لا؟ و كذا الكلام في الفرد الفاسد من العارية المضمونة.

و يظهر من الرّياض اختيار الضمان بفاسدها (6) مطلقا (7)

____________

(1) أي: ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده.

(2) فلا وجه لمضمّنية العقد الفاسد المتضمن لشرط صحيح في نفسه، لعدم كون الضمان مقتضى ذات العقد.

(3) تقدّم آنفا توضيح هذا الفرع بقولنا: «فلا ضمان في الإجارة و العارية الفاسدتين .. إلخ».

(4) غرضه من هذه الجملة الحاليّة: أن التنظير بالإجارة الفاسدة- المتضمّنة لشرط ضمان العين- للاقتضاء العرضي يتوقف على الفراغ من صحة هذا الشرط في نفسه، فلو تأمّلنا في أصل جوازه كان مثال الإجارة أجنبيّا عن اقتضاء الشرط للضمان، لوضوح أنّ اقتضاءه له منوط بمشروعية الشرط في نفسه حتى يجب الوفاء به لاشتراطه في ضمن العقد.

(5) هذا تعليل للضمان بالفاسد فيما إذا كان المقتضي للضمان هو الشرط لا ذات العقد.

(6) أي: بفاسد العارية المضمونة.

(7) يعني: حتى إذا كان الضمان باقتضاء الشرط، الذي هو مورد البحث من حيث الاندراج في قاعدة «ما يضمن» فيظهر من ذلك ذهاب صاحب الرياض (قدّس سرّه) إلى تعميم الضمان إلى الاقتضاء الشرطي أيضا، إذ لا مدرك للضمان في فاسد العارية المضمونة إلّا هذه القاعدة.

89

..........

____________

قال في الرياض- في ما لو استعار من الغاصب، و تلفت العين بيد المستعير، فرجع المالك على الغاصب- ما لفظه: «لم يرجع- يعني الغاصب- على المستعير، إلّا مع علمه أو كون العين مضمونة، فيرجع عليه فيهما، لاستقرار الضمان عليه في الأوّل، و إقدامه في الثاني على الضمان، مع صحة العارية. فكذا عليه الضمان مع الفساد، للقاعدة الكلية: أنّ كل عقد يضمن بصحيحه يضمن بفاسده» (1).

و توضيح المراد من عبارة الرياض بحيث تكون شاهدة لما استظهره المصنف منها- من أنّ الضمان في العقد الصحيح إن كان للشرط الضمني كان كذلك في العقد الفاسد- هو: أنّ السيد (قدّس سرّه) حكم بأنّ الغاصب لو أعار العين المغصوبة حتى ينتفع المستعير بها و تلفت عنده رجع المالك على الغاصب، و أخذ بدل ماله منه، و لا يجوز للغاصب الرجوع على المستعير، إلّا في صورتين:

إحداهما: علمه بأنّ العين المعارة مغصوبة، و ليست ملكا للمعير، مع عدم إذن المالك في التصرف فيها، فيستقرّ الضمان على المستعير، لأنّه من تعاقب الأيدي.

ثانيتهما: جهله بالغصب، لكن كانت العين مضمونة، إمّا لكونها من الذهب و الفضة، و إمّا لأنّ الغاصب شرط على المستعير ضمان العين.

ففي كلتا الصورتين يضمن المستعير من جهة إقدامه على الضمان. و بهذا تندرج المسألة في قاعدة «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده» لأنّ العارية الصحيحة التي أقدم المستعير فيها على الضمان تكون مضمونة، فكذا يثبت الضمان في فاسدتها، كما في عارية الغاصب. و وجه فسادها انتفاء شرط الصحة و هو ملك العين و الانتفاع، أو الاذن.

____________

(1) رياض المسائل، ج 1، ص 625

90

تبعا لظاهر المسالك (1).

و يمكن (2) جعل الهبة المعوّضة من هذا القبيل، بناء على

____________

(1) قال الشهيد الثاني (قدّس سرّه)- في شرح قول المحقق: «و لو استعاره من الغاصب و هو لا يعلم كان الضمان على الغاصب .. و كذا لو تلفت العين في يد المستعير» و أنّ في المسألتين قولين- ما لفظه: «و الحاصل: أنّ المالك مخيّر في الرجوع على كلّ منهما، فإن رجع على المستعير رجع على الغاصب إن لم تكن العارية مضمونة، و إلّا رجع عليه بغير ما قدم على ضمانه. و ربّما احتمل هنا ضعيفا رجوعه- أي رجوع المستعير على الغاصب- مطلقا- يعني سواء كانت العارية مضمونة أم لا- لأنّ استحقاق العين أوجب فساد العارية، فلا تكون مضمونة، و هو مغرور مع الغصب، فيرجع على من غرّه.

و يضعّف بأنّ غروره في الغصب لا مدخل له هنا في الضمان، لأنّا لم نضمّنه من حيث الغصب، بل من حيث كونها عارية مضمونة، و دخوله على ذلك، فإذا تبيّن فسادها لحق حكم الفاسد بالصحيح كما سلف من القاعدة. و إن رجع المالك على الغاصب لم يرجع على المستعير، إن لم تكن مضمونة، و إلّا رجع عليه بما كان يضمنه لو كانت صحيحة» (1).

و دلالتها على تبعية الفاسد للصحيح في الحكم بالضمان- حتّى إذا كان للشرط- أظهر من عبارة الرياض، لتصريحه بأنّ ضمان المستعير لا يستند إلى الغصب، بل إلى كون العارية مضمونة، لأنّه أقدم على ضمانها، و من المعلوم أنّ التعليل بالاقدام- مع جهله بالغصب- إمّا أن يكون لشرط الضمان في هذه العارية الفاسدة، و إمّا لكون العين المعارة ذهبا أو فضّة، هذا.

(2) غرضه (قدّس سرّه) بيان فرد ثالث لما إذا كان ضمان العوض مستندا إلى الشرط لا باقتضاء ذات العقد، و ذلك كالهبة المشروط فيها العوض، كما إذا وهب زيد كتابه لعمرو على أن يهبه عمرو دينارا. ففي هذه الهبة المشروطة احتمالان:

____________

(1) مسالك الأفهام، ج 5، ص 141 و 142

91

أنّها هبة مشروطة، لا معاوضة (1).

و ربّما يحتمل (2) في العبارة أن يكون معناه: أنّ كلّ شخص من العقود

____________

الأوّل: أنّ عقد الهبة يفيد تمليك عين مجّانا، و لا يقتضي بنفسه ضمان العوض، فأخذ العوض من المتهب يستند إلى الشرط. فتكون الهبة المشروط فيها العوض نظير العارية المشروط فيها الضمان، في أنّ منشأ الضمان هو الشرط لا ذات العقد. و هذا الاحتمال قوّاه المصنّف (قدّس سرّه) في أوائل البيع عند تعرّضه للنقوض الواردة على تعريف البيع ب‍ «إنشاء تمليك عين بمال» فراجع (1).

الاحتمال الثاني: أنّ الهبة المعوّضة معدودة من المعاوضات كالبيع و الإجارة و الصلح المعاوضيّ و نحوها. و على هذا يستند ضمان العوض إلى ذات العقد لا إلى الشرط.

(1) إذ لو كانت معاوضة كان اقتضاؤها للضمان ذاتيّا لا شرطيّا، ضرورة أنّ المقتضي للضمان حينئذ نفس العقد، لا الشرط المجعول فيه. هذا تمام الكلام في البحث الرابع، و هو أنّ اقتضاء الضمان مختصّ بذات العقد، أو يعمّ الشرط.

(2) هذا رجوع إلى البحث الثالث، و هو تحقيق أنّ العموم هل هو نوعيّ أم صنفيّ أم فرديّ، و قد تقدّمت الخدشة في إرادة العموم بلحاظ الأنواع، و بقي التعرض لاحتمال العموم الأفرادي.

و كيف كان فاحتماله مذكور في الجواهر- و إن لم يظهر أنّ المحتمل هو أو غيره- بقوله: «بل قد يقال: بشمول هذه القاعدة للفرض- أي: فساد الإجارة- بناء على إرادة أشخاص العقود منها، لا أصنافها، و لا ريب في عدم الضمان في المقام لو فرض صحة العقد المزبور، فكذا لا يضمن به على الفساد، للقاعدة المزبورة .. إلخ» (2).

____________

(1) هدى الطالب، ج 1، ص 241- 245

(2) جواهر الكلام، ج 27، ص 247

92

يضمن به لو كان صحيحا، يضمن به مع الفساد.

____________

و توضيحه: أنّهم حكموا في الإجارة الفاسدة بوجوب أجرة المثل، مع فرض استيفاء المنفعة كلّا أو بعضا، سواء زادت على المسمّى أم نقصت عنه. و استثنى الشهيدان (قدّس سرّهما) صورة واحدة، فحكما بعدم ضمان اجرة المثل فيها، و هي ما إذا كان منشأ الفساد اشتراط عدم الأجرة، أو عدم ذكرها في العقد بنحو يستفاد منه إرادة عدم بذل الأجرة. و الوجه في عدم وجوب اجرة المثل على من استوفى المنفعة هو:

إقدام العامل على العمل مجّانا و بلا عوض.

هذا ما أفاده الشهيدان (قدّس سرّهما). و وجّه صاحب الجواهر (قدّس سرّه) هذه الفتوى بجعلها من مصاديق قاعدة «ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده» بتقريب: أنّ «كلّ عقد يضمن .. إلخ» عنوان مشير إلى أشخاص العقود المنشئة في الخارج، و يفرض لكلّ عقد حالتان إحداهما الصحة، و الأخرى البطلان. فالمراد بالعقد في أصل القاعدة- أعني به «ما يضمن بصحيحه»- هو: أنّ كل شخص من العقود مقتض للضمان لو كان صحيحا، فهو مقتض له لو كان فاسدا. مثلا: بيع الكتاب بالدينار موجب لضمان كلا المتبايعين، لكونه عقدا معاوضيّا، فهذا الفرد من البيع إن كان فاسدا- لاختلال بعض شرائطه- كان مضمّنا أيضا.

و المراد بالعكس أعني «ما لا يضمن» هو: أنّ كل ما صدر مجّانا- كالهبة الخالية عن العوض و الصلح المفيد للإبراء- ممّا لا يفيد الضمان إذا كان صحيحا، فكذا لا يفيده إذا وقع فاسدا. و على هذا فالإجارة الفاقدة للأجرة باطلة شرعا، لأنّ حقيقة الإجارة «تمليك منفعة بعوض معلوم» أو «التسليط على العين لاستيفاء منفعتها بعوض» فخلوها عن الأجرة مناف لحقيقتها. إلّا أنّ هذه الإجارة مندرجة في «ما لا يضمن» لأنّها لو وقعت صحيحة شرعا لما كانت مضمّنة لمن يستوفي المنفعة، فكذا لا تكون مضمّنة له على تقدير فسادها.

و الحاصل: أنّ المدار في كون عموم القاعدة بلحاظ أشخاص العقود و أفرادها هو فرض حالتين لكل عقد خارجي، فنفس هذا الفرد إن اقتضى الضمان على تقدير‌

93

و رتّب (1) عليه عدم الضمان في ما لو استأجر بشرط أن لا أجرة، كما اختاره الشهيدان (2)، أو باع بلا ثمن (3)

____________

الصحة اقتضاه على تقدير الفساد. و إن لم يقتض الضمان على فرض صحته لم يقتضه على فرض فساده.

و بهذا يندرج مثال الإجارة الفاسدة- من جهة خلوّها عن الأجرة- في قاعدة «ما لا يضمن». هذا توضيح ما نسبه المصنف إلى بعضهم من إرادة العموم الأفرادي، و ما يترتب عليه من الثمرة.

(1) يعني: و رتّب هذا المحتمل- و هو صاحب الجواهر- على أنّ معنى العموم هو كل شخص .. إلخ عدم الضمان في ما لو استأجر بشرط عدم الأجرة، فلا يلاحظ أنّ نوع الإجارة أو كلّ صنف منها مضمّن أو غير مضمّن، بل المدار على شخص الإجارة الواقعة بين الطرفين، فإن كان صحيحها مؤثّرا في الضمان فكذا فاسدها، و إن لم يكن صحيحها مؤثّرا في الضمان فكذا فاسدها.

(2) قال الشهيد الثاني (قدّس سرّه)- في ضمان أجرة المثل لو استوفى المنفعة و كانت الإجارة باطلة- ما لفظه: «و استثنى الشهيد (رحمه اللّه) من ذلك ما لو كان الفساد باشتراط عدم الأجرة في العقد، أو متضمّنا له كما لو لم يذكر أجرة، فإنّه حينئذ يقوى عدم وجوب الأجرة، لدخول العامل على ذلك. و هو حسن» (1).

و لكن المحقق الثاني اعترض على إطلاق كلام الشهيد، و فصّل بين العمل و بين سكنى الدار، فراجع (2).

(3) هذا المثال غير مذكور في كلام الشهيدين (قدّس سرّهما)، و إنّما أضافه المحقق الثاني في ما فصّله في كلاميهما، فراجع.

____________

(1) مسالك الأفهام، ج 5، ص 184

(2) جامع المقاصد، ج 7، ص 120 و 121

94

كما هو أحد وجهي العلّامة في القواعد (1).

و يضعّف (2) بأنّ الموضوع هو العقد الذي وجد له

____________

و أما العلّامة (قدّس سرّه) فاقتصر على احتمال الضمان و عدمه، فقال: «و كذا لو قال:

بعتك بلا ثمن، أو: على أن لا ثمن عليك، فقال: قبلت. ففي انعقاده هبة نظر، ينشأ من الالتفات إلى المعنى، و اختلال اللفظ. و هل يكون مضمونا على القابض؟ فيه إشكال، ينشأ من كون البيع الفاسد مضمونا. و دلالة اللفظ على إسقاطه» (1).

و كيف كان فتقريب انتفاء الضمان في البيع بلا ثمن هو: أنّ شخص هذا البيع لو كان صحيحا لم يكن المشتري ضامنا للثمن، لأنّ البائع أسقطه، و حيث كان بيعا فاسدا لحقه حكم الصحيح في عدم الضمان.

(1) و الوجه الآخر في كلام العلّامة هو الضمان، لأنّ نوع البيع الصحيح يفيده، فكذا فاسده، فيندرج في أصل القاعدة، لا في عكسها.

(2) يعني: يضعّف احتمال إرادة الاستغراق بلحاظ الأشخاص و الأفراد، على ما تقدّم في كلام الجواهر. و حاصل التضعيف: أنّ الموضوع في قاعدة «كل عقد يضمن بصحيحه يضمن بفاسده» هو العقد، و أنّ له قسمين أحدهما صحيح و الآخر فاسد، و يكون الفاسد تابعا للصحيح في الضمان، و من المعلوم ظهور التقسيم في فعلية أقسامه، فلا بدّ من أن يكون للعقد فردان، أحدهما صحيح فعلا و هو الموجود خارجا جامعا للشرائط، و الآخر فاسد فعلا، لاختلال شرائطه الشرعيّة و إن كان عقدا عرفيّا.

و التحفّظ على ظهور الموضوع الجامع للقسمين في فعليّتهما يتوقف على كون الاستغراق بحسب النوع أو الصنف، و لا وجه لإرادة الشخص، ضرورة عدم تحمّل الفرد الشخصي- الموجود خارجا- للاتصاف فعلا بوصفين متقابلين و هما الصحة و الفساد، بل يوجد إمّا صحيحا و إمّا فاسدا. و يتوقف الاتّصاف على التقدير و الفرض‌

____________

(1) قواعد الأحكام، ص 51، الشرط الأول من شرائط بيع السلف (الطبعة الحجرية).

95

بالفعل (1) صحيح و فاسد، لا ما (2) يفرض تارة صحيحا و أخرى فاسدا.

فالمتعيّن (3) بمقتضى هذه القاعدة (4) الضمان في مسألة البيع (5)، لأنّ البيع الصحيح

____________

بأن يقال: لو اقتضى هذا الفرد الخارجي- كالإجارة بلا أجرة و البيع بلا ثمن- الضمان على فرض صحته، لاقتضى الضمان على فرض فساده. و من المعلوم أنّ الفرد الواحد من كل عقد له حكم فعلي واحد، و لا يتعدّد حكمه الشرعي بمجرّد الفرض.

و الحاصل: أنّ ظهور القاعدة في فعلية القسمين يمنع عن الحمل على الأشخاص، و قد سبق أيضا امتناع حمل العموم على الأنواع، فتعيّن مختار المصنف و هو الحمل على الصنف، لصحة أن يقال: إنّ الإجارة إن كانت صحيحة- لاجتماع الشرائط فيها من ذكر الأجرة و غيرها- ففيها و في فاسدها الضمان، فالإجارة بلا أجرة فاسدة، و هي تابعة للإجارة الصحيحة في الضمان. و كذا البيع بلا ثمن، فإنّه بيع فاسد مضمّن، لكون نوع البيع و صنفه مقتضيا لضمان المتبايعين.

هذا بناء على صدق عنواني البيع و الإجارة عرفا على المثالين. و أمّا إذا قيل بالتجوز في الصيغة- و أنّ البيع بلا ثمن إنشاء للهبة، و أنّ الإجارة بلا أجرة إنشاء للعارية- كانا أجنبيّين عن المقام، لصحتهما هبة و عارية، و لا ضمان فيهما، فلاحظ.

(1) يعني: أنّ العقد الصحيح فرد، و العقد الفاسد فرد آخر، و كلّ منهما يمكن وجوده خارجا.

(2) يعني: ليس موضوع القاعدة فردا واحدا من العقد يفرض تارة صحيحا على تقدير اجتماع شرائطه، و أخرى فاسدا على تقدير اختلالها.

(3) هذا نتيجة بطلان كون العموم و الاستغراق بحسب أشخاص العقود، كما احتمله صاحب الجواهر (قدّس سرّه).

(4) أي: قاعدة «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده».

(5) أي: البيع بلا ثمن. و قد عرفت وجه الضمان فيها آنفا، و أنّها مورد لأصل القاعدة لا عكسها.

96

يضمن به (1).

نعم (2) ما ذكره بعضهم من التعليل لهذه القاعدة «بأنّه أقدم على العين مضمونة عليه» (3) لا يجري في هذا الفرع (4). لكن الكلام في معنى القاعدة، لا في مدركها.

____________

(1) فكذا فاسد البيع، لانطباق عنوان «البيع» عليه.

(2) هذا استدراك على قوله: «فالمتعين .. الضمان في مسألة البيع» و حاصله: أنّ الشهيد الثاني (قدّس سرّه) استدلّ- في كلامه الآتي في المتن- بالاقدام على الضمان على قاعدة «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده» و من المعلوم أنّ هذا التعليل لا يجري في «البيع بلا ثمن» ضرورة تحقق الإقدام المجّاني فيه، المضادّ للإقدام الضماني في البيع مع الثمن.

و هكذا سائر العقود المعاوضية.

و عليه فلا ينطبق دليل القاعدة على البيع بلا ثمن، و الإجارة بلا اجرة. فيندرج البيع المزبور في الهبة المجانية التي هي من صغريات العكس، و هو «ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده» و كذا تندرج الإجارة المزبورة في العارية. و بهذا يشكل حكم المصنف بضمان المشتري للثمن الواقعي في مثال البيع بلا ثمن.

لكنّه (قدّس سرّه) تخلّص عن هذا الإشكال بأنّ الكلام فعلا في معنى القاعدة و تفسير مفرداتها، لا في مدركها، حتى يقال: بأنّ الإقدام على الضمان مخصوص بالعقد المتضمن للعوض، و لا يجري في العقد العاري عنه، و من المعلوم أنّ معنى القاعدة شامل للبيع بلا ثمن، و الإجارة بلا أجرة، هذا.

لكن ينبغي الاهتمام في البحث عن مدرك القاعدة و مقدار دلالته، ثم حملها على ما يساعد عليه دليلها.

(3) سيأتي قريبا استفادة هذا التعليل من كلام شيخ الطائفة، و كذا ورد التصريح به في كلام الشهيد الثاني و غيره.

(4) و هو البيع بلا ثمن، و المناسب ذكر مسألة الإجارة بلا أجرة أيضا، لارتضاعهما من ثدي واحد. هذا تمام الكلام في البحث الثالث، المتكفل لإثبات كون العموم بحسب الأصناف، لا الأنواع و لا الأفراد.

97

[المبحث الخامس: حرف «الباء» ظرفيّة أو سببيّة]

ثمّ (1) إنّ لفظة «الباء» في «بصحيحه و بفاسده» إمّا بمعنى «في» بأن يراد:

كلّما تحقّق الضمان في صحيحه تحقّق في فاسده (2).

____________

المبحث الخامس: حرف «الباء» ظرفيّة أو سببيّة

(1) هذا شروع في البحث الخامس من مباحث الجهة الاولى، و هو أنّ «الباء» في «بصحيحه و بفاسده» ظرفية أو سببيّة، و غرضه (قدّس سرّه) عدم التفكيك في الضمان بين العقد الصحيح و الفاسد، و أنّ كون الباء للظرفية أو السببيّة لا يوجب التفكيك المزبور.

توضيحه: أنّ الباء يستعمل في الظرفية كقوله تعالى نَجَّيْنٰاهُمْ بِسَحَرٍ و يستعمل في السببيّة كقوله عزّ من قائل إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخٰاذِكُمُ الْعِجْلَ و قوله فَكُلًّا أَخَذْنٰا بِذَنْبِهِ. فعلى الظرفية لا يلزم تفكيك في معنى «الباء»، فإنّ المعنى حينئذ: أنّ الضمان يكون في كلّ من العقد الصحيح و الفاسد.

و على السببيّة المطلقة الشاملة لكلّ من العلّة التامّة و الناقصة لا يختلف الضمان فيهما أيضا، لكون العقد في كليهما سببا ناقصا للضمان.

أمّا في الصحيح فلأنّه لو لم يتحقق فيه القبض لم يتحقق الضمان، لقولهم:

«و بالقبض ينتقل الضمان». و أمّا في الفاسد فلكون العقد سببا للقبض الذي هو منشأ للضمان. فللعقد دخل في الضمان في الصحيح و الفاسد، فالسببيّة ملحوظة في كليهما و مصحّحة لاستعمال الباء فيهما في السببيّة.

و بالجملة: فالعقد سبب ناقص للضمان و القبض متمّم له. و لذا لو تلف المبيع قبل القبض كان من مال بائعه، بل و كذا الثمن. هذا في العقد الصحيح. و في الفاسد يكون العقد مع الاقدام على القبض مصداقا لليد، و سيأتي توضيحه.

(2) و بناء على الظرفية لا يستفاد من القاعدة كون الضمان مقتضى العقد أو هو‌

98

و إمّا لمطلق السببيّة الشامل للناقصة (1)، لا العلّة التامّة، فإنّ (2) العقد الصحيح قد لا يوجب الضمان إلّا بعد القبض كما في السّلم و الصّرف [1]، بل مطلق البيع، حيث إنّ المبيع قبل القبض مضمون على البائع

____________

مع القبض، و هذا بخلاف كون «الباء» سببيّة، إذ يجري البحث عن السببية التامّة و الناقصة، كما عرفت.

(1) يعني: لا خصوص السببيّة التامّة حتّى لا يكون القبض مؤثّرا في الضمان.

(2) هذا تقريب عدم كون العقد الصحيح علّة تامّة للضمان.

____________

[1] لا يخلو هذا التمثيل من المناقشة، لأنّ القبض شرط صحة بيعي الصرف و السّلم، فعدم الضمان فيهما قبله لعدم صحة العقد، بمعنى عدم وجود العقد الصحيح.

و كيف كان فالأولى أن يكون «الباء» لمطلق السببيّة، فيكون العقد سببا ناقصا للضمان، و القبض جزء أخيرا لعلّة الضمان. كما أنّ العقد سبب تام لقلب اليد المالكية إلى غيرها، ضرورة أنّه بنفس العقد يصير المبيع ملكا للمشتري و الثمن ملكا للبائع.

و عليه فالاستيلاء على كلّ من العوضين قبل العقد استيلاء على مال نفسه، و بعده على مال الغير بدون إذن مالكي، أو استيمان شرعي أو مالكي يوجب عدم الضمان، لإطلاق «على اليد» فالعقد جزء السبب للضمان، و تمام السبب لقلب اليد المالكية.

و أمّا جعل «الباء» للظرفية فغير ظاهر، لأنّ الظرفية الحقيقية غير حاصلة، بداهة عدم كون العقد ظرفا حقيقة للضمان، فلا بدّ من التأويل بجعل استعمالها في الظرفية بمناسبة السببية، و هو تعسّف كما هو ظاهر. و كذا الظرفية الاعتبارية، فإنّ الظرف الاعتباري للضمان هو العهدة، كما هو واضح.

نعم العقد سبب لثبوت الضمان في العهدة. فكلّ من الظرفية الحقيقية و الاعتبارية مفقود في العقد، فلا معنى لجعل الباء للظرفية.

99

بمعنى أنّ دركه عليه (1)، و يتداركه (2) بردّ الثمن، فتأمّل (3).

و كذا (4) الإجارة و النكاح و الخلع، فإنّ المال في ذلك كلّه مضمون على من انتقل عنه إلى أن يتسلّمه من انتقل إليه.

و أمّا (5) العقد الفاسد فلا يكون علّة تامّة

____________

(1) خبر «أنّ» و الضمير راجع إلى البائع. و ضمير «دركه» راجع إلى المبيع.

(2) أي: يتدارك البائع المبيع بردّ الثمن إلى المشتري.

(3) لعلّه إشارة إلى: أنّ الضمان- بمعنى تدارك مال الغير- أجنبي عن تلف المبيع قبل القبض، لأنّ البيع ينفسخ حينئذ، فيتلف المبيع في ملك مالكه و هو البائع، و هذا ليس من الضمان في شي‌ء، لأنّ التالف ملكه، لا أنّ عليه تداركه من ماله.

و على هذا فما أفاده بقوله: «بل مطلق البيع»- من جعل عقد البيع في جميع موارده جزء السبب المضمّن و جزءه الآخر هو القبض- غير ظاهر، و ذلك لأنّ كون العقد سببا تامّا لضمان المشتري- في غير بيع الصرف و السّلم- لا ينافي كون المبيع في ضمان البائع قبل قبضه، لفرض انفساخ هذا السبب التام بتلفه بيد البائع، و معه لا يبقى العقد الموجب لضمان المشتري. و هذا بخلاف القبض في بيع الصرف و السّلم، لدخله في سببيّة العقد للضمان المعاوضي.

(4) في كون الضمان على من انتقل عنه ما لم يتسلّمه المنتقل إليه. فإذا تلفت الأجرة بيد المؤجر- في إجارة الأعمال- تلفت منه لا من مال الأجير. و كذا الحال في تلف المهر بيد الزوج، و تلف عوض الخلع بيد الزوجة، فالقبض في هذه الثلاثة جزء السبب المضمّن للطرف الآخر.

(5) هذا في قبال قوله: «فإنّ العقد الصحيح قد لا يوجب الضمان» و غرضه توجيه سببيّة العقد الفاسد للضمان، بناء على كون «الباء» سببيّة، فإنّ العقد الفاسد يكون بحكم العدم فكيف يوجب الضمان؟ و لذا تصدّى لتوجيه سببيّته بأحد وجهين:

100

أبدا [1] بل يفتقر في ثبوت الضمان إلى القبض، فقبله لا ضمان. فجعل الفاسد سببا إمّا (1) لأنّه المنشأ للقبض على (2) وجه الضمان

____________

الأوّل: أنّ الضمان في العقد الفاسد و إن كان منوطا بالقبض، إلّا أنّ الموجب للإقدام على القبض هو العقد الفاسد، فهو سبب السبب، و من المعلوم صحة إسناد الضمان إلى سبب السبب كصحة إسناده إلى نفس السبب أي القبض.

الثاني: أنّ العقد الفاسد بنفسه سبب ناقص للضمان، و تتوقف عليّته التامّة على تحقق الشرط، و هو القبض على وجه الضمان لا مجانا. و عليه فالسبب مؤلّف من العقد الفاسد و القبض. و هذا نظير بيع الصرف و السّلم، إذ يتوقف الضمان- في العقد الصحيح- على قبض الثمن في السّلم، و التقابض في الصّرف.

و الحاصل: أنّ مطلق السببيّة الجاري في بعض العقود الصحيحة يجري في العقد الفاسد أيضا، فلا مانع من جعل «الباء» سببيّة، هذا.

(1) هذا هو الوجه الأوّل لتوجيه جعل «الباء» سببيّة في العقد الفاسد كالصحيح.

(2) قيد للقبض، يعني: القبض المبني على ضمان المقبوض بالعقد الفاسد، في قبال القبض المبني على المجّانية، كما في الهبة و العارية الفاسدتين، لعدم إقدام المتهب و المستعير على ضمان ما قبضاه بالعقد الفاسد.

____________

[1] هذه العبارة توهم كون العقد الصحيح دائما أو غالبا أو نادرا علّة تامّة للضمان، و هذا ينافي قوله: «فان العقد الصحيح قد لا يوجب الضمان. الى قوله: بل مطلق البيع» حيث إنّ المبيع قبل القبض مضمون على البائع، إلى آخر ما أفاده، فإنّ ظاهره عدم كون العقد الصحيح علّة تامّة للضمان أبدا، فالمناسب أن يقول: و أمّا العقد الفاسد فكذلك أيضا في عدم عليّته التامّة أبدا.

101

الذي هو سبب للضمان [1]، و إمّا (1) لأنّه سبب (2) الحكم بالضمان بشرط القبض [2]. و لذا (3) علّل الضمان الشيخ و غيره «بدخوله على أن تكون العين مضمونة عليه» (1). و لا ريب (4) أنّ دخوله على الضمان إنّما هو بإنشاء العقد الفاسد، فهو (5) سبب لضمان ما يقبضه.

____________

(1) هذا هو الوجه الثاني، يعني: و إمّا لأنّ العقد الفاسد مقتض للحكم بالضمان بشرط كون القبض على وجه الضمان لا على وجه المجانية، و بهذا يكون العقد من أفراد مطلق السببيّة.

(2) فالعقد هو المقتضي للضمان، لا أنّه سبب السبب كما كان في الوجه الأوّل.

(3) أي: و لأجل اشتراط الضمان بالقبض علّل شيخ الطائفة و غيره .. إلخ.

و غرضه الاستشهاد بكلامهم على صحة الوجه الثاني، و أنّ العقد الفاسد من أفراد مطلق السببيّة، إذ بالعقد الفاسد يتحقق إقدام المتعاقدين على الضمان.

(4) غرضه تطبيق التعليل- الوارد في كلام الشيخ- على الوجه الثاني، و هو أنّ الاقدام على الضمان يكون بإنشاء العقد الفاسد.

(5) يعني: فإنشاء العقد الفاسد سبب لضمان ما يقبضه، إذ لولاه لما وقع القبض على وجه الضمان المقرّر عند المتعاقدين.

____________

[1] لا يختص هذا التوجيه بالعقد الفاسد، بل يجري في الصحيح أيضا، فلا وجه لتخصيصه بالفاسد.

[2] لكن هذا التوجيه ينافي ما ذكره سابقا بقوله: «ثمّ إنّ المتبادر من اقتضاء الصحيح للضمان اقتضاؤه له بنفسه». وجه المنافاة: أنّ الضمان يكون باقتضاء الشرط لا نفس العقد.

____________

(1) المبسوط، ج 3، ص 58 و 65 و 68 و 85 و 89؛ مسالك الأفهام، ج 3، ص 154

102

و الغرض من ذلك كلّه (1) دفع توهّم أنّ سبب الضمان في الفاسد هو القبض لا العقد الفاسد، فكيف يقاس الفاسد على الصحيح في سببيّة الضمان، و يقال:

____________

(1) أي: من توجيه سببيّة العقد الفاسد للضمان بالوجهين المتقدمين، و هما: كون العقد سبب السبب، أو سببا ناقصا. و غرضه من هذا البيان دفع توهّمين:

الأوّل: أنّ جعل «الباء» للسببيّة في العقد الصحيح أمر معقول. بخلاف العقد الفاسد، لعدم تأثيره في ضمان المتعاقدين، إذ تمام المؤثّر في الضمان هو القبض. و عليه فلا معنى لأن يقال: «إنّ العقد الذي يضمن بسببه إن كان صحيحا يضمن بسببه إن كان فاسدا» لما عرفت من عدم دخل العقد الفاسد في الضمان، و عليه يتعيّن جعل الباء للظرفيّة، هذا.

و قد دفعه المصنف بصحة إطلاق «السبب» على العقد الفاسد، إمّا لأنّه سبب السبب، و من المعلوم أنّ سبب السبب سبب بمقتضى قياس المساواة. و إمّا لأنّه سبب ناقص، و يكون مشروطا بالقبض، لا أنّ تمام السبب هو القبض كما زعمه المتوهّم.

الثاني: أنّ مقتضى سببيّة «الباء» هو كون العقد علّة تامة للضمان، من دون أن يكون للقبض دخل فيها أصلا، سواء أ كان العقد صحيحا أم فاسدا. و من المعلوم أنّ هذا الظهور ينافي ما تقرّر عندهم من عدم تأثير العقد الفاسد في الضمان إلّا بالقبض. و لا يرتفع هذا التنافي إلّا بتخصيص قاعدة «ما يضمن» بأن يقال: «كل عقد يضمن بسبب صحيحه يضمن بسبب فاسدة، إلّا العقد الفاسد قبل القبض» و يبقى للقاعدة موارد ثلاثة و هي العقد الصحيح مطلقا مع القبض و بدونه، و العقد الفاسد بعد القبض.

و قد دفعه المصنّف (قدّس سرّه) بأنّه لا موجب للتخصيص المزبور أصلا، إذ لا يراد من سببيّة العقد للضمان عليّته التامة حتى يقع التنافي المذكور، بل المراد مطلق السببيّة و لو الناقصة، و لا يستند الضمان في العقد الفاسد إلى خصوص القبض حتى يبقى مجال للتوهم. و عليه فالضمان مستند إلى العقد، إمّا لأنّه علة العلة، و إمّا لأنّه مقتض و سبب ناقص له.

103

كلّ ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده؟ (1).

و قد ظهر من ذلك (2) أيضا فساد توهم أنّ ظاهر القاعدة عدم توقف الضمان في الفاسد على القبض، فلا بدّ من تخصيص القاعدة بإجماع و نحوه (3) [1].

____________

(1) يعني: مع أنّه لا يضمن بنفس العقد الفاسد، بل بالقبض المترتب عليه.

(2) أي: من تفسير سببيّة الضمان بقوله: «إمّا .. و إمّا» فإنّ السببية بأحد الوجهين المتقدمين تدفع توهم عدم توقف الضمان في الفاسد على القبض، كما عرفته آنفا.

(3) كحديث «على اليد» الظاهر في إناطة الضمان بالقبض. هذا تمام الكلام في الجهة الاولى، و هي شرح مفردات القاعدة.

____________

[1] لا يخفى أنّ المقبوض بالعقد الفاسد جعل من صغريات القاعدة المعروفة و هي: كلّما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده. و البحث فيه يقع في جهات:

الأولى: أنّ المذكور في التذكرة هو العقد، فإنّه قال في إجارتها: «و حكم كل عقد فاسد حكم صحيحه في الضمان في وجوب الضمان و عدمه، فما وجب الضمان في صحيحه وجب في فاسده، و ما لم يجب في صحيحه لا يجب في فاسده» (1). و نحوه ما عن القواعد.

و في إجارة جامع المقاصد: «فلأنّ كلّ عقد لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده و بالعكس» (2).

و في إجارة مجمع الفائدة: «و لما تقرّر عندهم أنّ كلّ ما لا يضمن و بصحيحه لا يضمن بفاسده» (3).

____________

(1) تذكرة الفقهاء، ج 2، ص 138، السطر 17 و 18

(2) جامع المقاصد، ج 7، ص 258

(3) مجمع الفائدة و البرهان، ج 10، ص 69

104

____________

و بالجملة: المذكور في كلمات الأصحاب عدا العلّامة (قدّس سرّه) عنوانان: أحدهما «ما يضمن» و الآخر «كل ما يضمن .. إلخ». و مقتضى كونهما من ألفاظ العموم ما لم تقم قرينة على العهد هو مطلق السبب عقدا كان أو إيقاعا أو برزخا بينهما كالنكاح على ما قيل. و تعبير العلّامة بالعقد لا يقدح بعد إجرائهم لهذه القاعدة في غير العقد من الإيقاعات كالخلع و الجعالة الفاسدين بناء على عدم كون الجعالة عقدا كما قيل. و من الأحكام كالشفعة و القسمة عندنا من كونها إفراز حقّ، لا معاوضة كما عن العامة. و اللقطة إن وقع قصد تملكها على وجه الفساد، هذا.

و يمكن إرادة العقد بمعناه اللغوي أعني به التعهّد، فيشمل جميع ما ذكرنا.

و كيف كان فاختلاف العبارات في كون الموضوع عنوان العقد كما في التذكرة، أو «ما يضمن» كما في إجارة مجمع الفائدة، أو «كلما يضمن» كما في غصب جامع المقاصد غير مهمّ بعد كون العبرة بدليل القاعدة، لعدم كون هذه القاعدة بنفسها متن رواية معتبرة، و لا معقد إجماع حتى يبحث في أنّ الموضوع هو مطلق الإنشاء عقدا كان أم إيقاعا، أو خصوص العقد، فدائرة موضوع القاعدة سعة و ضيقا تابعة لدليلها، كما لا يخفى.

الجهة الثانية: أنّ الضمان يستعمل في ثلاثة معان:

أحدها: ما اختاره المصنّف (قدّس سرّه) من كون المال متداركا بعوض بحيث تكون الخسارة واقعة في ماله الأصلي، ففي طرف العقد الصحيح يكون المال متداركا بسبب المعاوضة بماله الأصلي، بحيث إذا تلف كانت خسارته من ماله الأصلي المجعول عوضا، و في طرف العقد الفاسد يكون متداركا بما يؤدّيه عند تلفه بدلا عنه من ماله الأصلي.

و بعبارة أخرى: المراد بالضمان في الجملتين هو كون درك المضمون عليه بمعنى وقوع خسارته في ماله الأصلي، فتلفه يوجب نقصان ماله، لوجوب تداركه منه. و قد جعل الضمان بهذا المعنى جامعا للضمان في العقود الصحيحة و الفاسدة، و في تلف