هدى الطالب في شرح المكاسب‌ - ج3

- السيد محمد جعفر المروج الجزائري المزيد...
629 /
105

____________

الموهوب بشرط التعويض قبل دفع العوض. ثمّ قال: «انّ المراد بالضمان بقول مطلق هو لزوم تداركه بعوضه الواقعي» و كأنّ مراده أنّ الضمان ظاهر في الضمان الواقعي ما لم تقم قرينة على خلافه، و قد قامت على الضمان بالمسمّى في المقبوض بالبيع الصحيح، دون البيع الفاسد، فيحمل على المعنى الظاهر فيه.

و هذا ليس تفكيكا في الضمان، لوجود الجامع. و اختلاف الخصوصيّات لا ينافي وجود الجامع الذي بلحاظه لم يكن تفكيك، لكونها من قبيل تعدّد الدال و المدلول.

ثانيها: ما نقله المصنف (قدّس سرّه) و زيّفه، و هو: كون تلفه عليه و أنّه يتلف مملوكا له، فالمأخوذ بالعقد الصحيح يكون تلفه منه، و هو عين كونه خسارة عليه، و المأخوذ بالعقد الفاسد يكون تلفه موجبا لترتب الخسارة عليه، للزوم تداركه بالبدل.

و على هذا فالتالف تارة نفسه خسارة كما في العقد الصحيح، فإنّ الكتاب المبيع بدينار مثلا إذا تلف عند المشتري يكون نفسه خسارة على المشتري، لأنّه ماله. و أخرى بدله خسارة كما في العقد الفاسد، فإنّ الكتاب المزبور ليس نفسه خسارة على المشتري، لفرض بقائه على ملك البائع، بل يكون بدله- مثلا أو قيمة- خسارة على المشتري.

هذا ما ينسب إلى الشيخ الجليل الشيخ علي (رحمه اللّه) في حاشية الروضة. و قد تقدّمت عبارته في التوضيح، فراجع. و قد ينسب الى الرياض أيضا في النقد و النسيئة في مسألة تقدير الثمن.

ثالثها: مطلق التعهد الجامع بين صورتي التلف و عدمه، فالتعهّد في صورة البقاء يكون بحفظه و ردّه إلى صاحبه، و في صورة التلف بردّ مثله أو قيمته. يعني: أنّ ما يقتضي صحيحه التعهّد- أي عدم المجّانية- ففاسده أيضا كذلك. و أمّا كونه بالمثل أو القيمة أو المسمّى فلم يتعرض القاعدة لها حينئذ.

و تظهر الثمرة بين هذه التفاسير الثلاثة في شمول القاعدة أصلا للهبة غير المعوّضة الفاسدة، كشمول القاعدة لها على التفسير الثاني، لأنّه يصدق على صحيحها

106

____________

عند تلف الموهوب أنّه تلف في ملك المتّهب، ففاسده أيضا كذلك، مع أنّها داخلة في العكس، لحكمهم فيها بعدم الضمان.

و عدم شمولها على الأوّل و الأخير، الموجب لعدم دخول الهبة المعوّضة في أصلها، لعدم صدق التعهّد بدفع المثل أو القيمة عند التلف في ملك المتّهب على تقدير إرادة التعهّد من الضمان، كما هو المعنى الثالث. كعدم صدق دفع البدل و العوض على تقدير إرادة اللزوم و الدرك كما هو المعنى الأوّل، إذ التلف و إن كان في ملك المتّهب، إلّا أنّه ليس من ماله الأصلي، لعدم دفعه شيئا في مقابله بعنوان العوضية، فتدخل على التقديرين في عكسها، هذا.

كما تظهر الثمرة بين الأوّل و الثالث في شمول الثالث لضمان الحيلولة، كمن أقرّ بمال زيد لعمرو، ثمّ أقر لزيد، فإنّ ضمان القيمة للمالك ضمان بمعنى التعهّد الذي هو المعنى الثالث، دون الضمان بالمعنى الأوّل و هو لزوم البدل من المثل أو القيمة، لاختصاصه بصورة التلف. و المفروض في ضمان الحيلولة وجود العين. إلّا أن يعمّم العوض و البدل بالنسبة إلى الموجود و التالف، فيدخل في المعنى الأوّل أيضا، لصدق دفع العوض على بدل الحيلولة، فيدفع البدل المزبور إلى مالك العين.

و كذا تظهر الثمرة في صدق المعنى الثالث- و هو التعهّد- على الموجود و المعدوم و اختصاص المعنى الأوّل بالمعدوم، إلّا أن يعمّم كما عرفت آنفا.

و كيف كان ففي المعنى الأوّل الذي اختاره المصنّف (قدّس سرّه): أنّ ردّ مال الغير إلى مالكه لاقتضاء العقد ذلك ليس ضمانا و دركا، فإذا كان المثمن موجودا في يد البائع و ردّ المشتري الثمن لا يصدق أنّه أدّى دركه. بل يقال: إنّه أدّى دينه. و كذا لو كان المبيع في يد المشتري، و ردّ الثمن إلى البائع.

لا يقال: إنّ الثمن درك المبيع، و كان الشيخ (قدّس سرّه) يعترف بذلك، و لذا فرض مورد التلف، و لا شبهة في أنّ دفع الثمن إلى البائع بعد تلف المبيع في يد المشتري ليس إلّا

107

____________

كدفعه في حال وجود المبيع سواء أ كان في يد البائع أم المشتري.

و عليه فتلف المبيع لا دخيل في الضمان بوجه، لأنّ العقد مع فرض صحته يقتضي الضمان أي رد الثمن إلى البائع مع وجود المبيع عند البائع أو المشتري. كما لا دخيل في كيفية ردّ مال الغير بوجه، فتلف المبيع لا يعقل أن يكون مضمونا على مالكه، لعدم تعقّل ضمان الشخص مال نفسه، كما أنّ ردّ مال الغير كالثمن إلى البائع ليس من قبيل الدرك. فما فرضه جامعا بين العقد الصحيح و الفاسد- حتى لا يلزم التفكيك في معنى الضمان بين الصحيح و الفاسد- لا يخلو من غموض، هذا.

و في المعنى الثاني الذي زيّفه المصنف (قدّس سرّه)- و هو كون تلفه عليه، و أنّه يتلف مملوكا له- أوّلا: استدراك قيد المملوكية، إذ لا يعتبر في الضمان و التغريم كون التالف مملوكا للضامن، إلّا بناء على قول من يقول بكون أداء البدل من باب التعاوض القهري شرعا بين التالف و بدله. لكنّه ضعيف كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى.

و ثانيا: أنّ الإنسان لا يكون ضامنا لأمواله التالفة، فتلف المال من الشخص لا يحقّق عنوان الضمان.

و ثالثا: أنّ مجرّد تلف مال من شخص غير تلفه عليه، إذ معنى كون تلفه عليه ترتب تدارك التالف و جبران خسارته عليه بسبب التلف. و أمّا كون نفس التلف خسارة فهو خسارة منه بلا تدارك عليه. فعنوان «تلفه» الموجب لتداركه عليه هو معنى الضمان، و ذلك منحصر في الفاسد، فلا يكون بين تلفه منه و تلفه عليه جامع حتى يكون أحد مصداقيه في الصحيح و الآخر في الفاسد.

نعم مجرّد شباهة ضمان الصحيح بضمان الفاسد- إمّا من جهة كونه ذا بدل كما في التفسير الأوّل، و إمّا من جهة الخسارة كما في التفسير الثاني- يوجب حسن المقابلة مع الضمان في الفاسد، كما في قوله تعالى فَمَنِ اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا.

و ربّما يقال: في تصحيح عدم التفكيك المزبور: «بأنّ الضمان في الصحيح

108

____________

و الفاسد كليهما بالمثل أو القيمة، فإنّ الضمان بالمسمّى في الصحيح قبل القبض، و هو خارج عن القاعدة الّتي أسّست لتشريع الضمان في موارد، و هو يتحقق بالقبض، و يقال:

إنّ بالقبض ينتقل الضمان. و معنى انتقاله أنّ المسمّى ينقلب بعد القبض بالمثل أو القيمة.

و معنى ضمان القابض بعد قبضه- مع أنّ المقبوض ملكه- أنّه لو تلف و طرأ عليه فسخ أو انفساخ وجب عليه ردّ المثل أو القيمة، و هو المضمون في الصحيح و الفاسد .. إلخ» (1).

فمحصّل كلامه: أنّ القاعدة أجنبية عن ضمان المسمّى، فالضمان حينئذ هو تدارك المضمون بالمثل أو القيمة مطلقا. أمّا في العقد الفاسد فواضح، لكون الضمان فيه في صورة التلف بالمثل أو القيمة. و أمّا في العقد الصحيح فلأنّ الضمان فيه أيضا بعد التلف و الفسخ أو الانفساخ إنّما هو بالمثل أو القيمة، هذا.

و أنت خبير بما فيه، لأنّ حمل قوله: «كلّ عقد يضمن بصحيحه» على أنّه يضمن بعد فسخه و بعد تلف المبيع في غاية الغرابة، لأنّ المراد بالعقد حينئذ فسخه أو الفسخ بعد العقد و القبض و التلف، و هو يحتاج إلى التقدير من غير قرينة على أصله، و لا على تعيين المقدّر. و طرح الدليل أولى من ارتكاب ذلك بلا دليل، هذا.

مضافا إلى: أنّ قوله: «إنّ الضمان بالمسمّى قبل القبض، و هو خارج عن القاعدة، فإنّها أسّست لموارد ضمان اليد» تخريص منه، لعدم دليل على الخروج، و لا على تأسيسها لموارد ضمان اليد. فلو أريد بتلك القاعدة قاعدة اليد، فلا معنى لتغيير عبارته الصحيحة الجامعة بهذه العبارة المجملة المحتاجة إلى التأويل كما لا يخفى، هذا.

ثمّ إنّ المحقق الأصفهاني (قدّس سرّه) فسّر الضمان بكون الشي‌ء في العهدة. و هذا المعنى جامع بين موارد الضمان. قال في جملة ما أفاده: «و بالجملة: الضمان كما يناسبه معناه الأصلي كون الشي‌ء في ضمن شي‌ء، فإذا نسب إلى الشخص فمعناه: أنّه في ضمن

____________

(1) منية الطالب، ج 1، ص 119

109

____________

عهدته. و هذا المعنى قد يكون بتسبيب من الشخص كما في عقد الضمان بأنحائه حتى ضمان النفس، فإنّ مرجعه إلى تعهّد إحضاره. و كما في مطلق المعاوضات، لتعهّد كلّ منهما و التزامه بأخذ المال ببدله، و لذا عبّر عنه بضمان المعاوضة فليس مجرّد كونه ذا عوض أو مملوكا بعوض مناط الضمان، بل تعهّد أخذه ببدله هو المناسب للضمان.

و قد يكون بجعل من الشارع أو العرف كما في التغريمات الشرعية و العرفية، فإنّهما يعتبران المأخوذ أو المتلف في عهدة الشخص. و العهدة في كل مقام لها آثار تكليفية أو وضعية، و لكنه لا يختلف معنى العهدة باختلافها، فكون الضمان تارة ضمان المعاوضة، و أخرى ضمان التكفل، و ثالثة ضمان الغرامة، و هكذا، لا يوجب اختلافا في معناه.

و بناء على ما ذكرناه في معنى الضمان فمفاد القاعدة: أنّه كل مورد كان عهدة مورد العقد على المتعاقدين في الصحيح فعهدته عليهما في الفاسد» (1) انتهى كلامه علا مقامه.

و أورد عليه: «- مضافا إلى أنّ ما ذكره في معنى الضمان و أصله اللغوي مخالف للعرف و اللغة. و الأوّل ظاهر. و يعلم الثاني بالمراجعة إلى كتب اللغة- بأنّ كلّ عهدة ليست ضمانا، فعهدة أداء الدين غير كونه ضامنا له، و الدّين متعلق بالعهدة، لكن المديون ليس ضامنا، و بناء العقلاء في باب البيع و نحوه على تسليم العوضين معنى غير الضمان في العرف و اللغة، فلا يقال بعد تحقق البيع: إنّ كلّا من المتبايعين ضامن للأداء أو للمال، و هو واضح، فلا جامع بما ذكر بين ضمان اليد و التزام المتبايعين لتسليم العين، إذ الثاني ليس بضمان» (2).

أقول: أمّا ما أفاده في مخالفة معنى الضمان عرفا فلم يظهر له وجه، إذ العرف يساعد على كون الضمان نوع تعهّد بشي‌ء، و أنّ مناط الضمان عندهم هو التعهد

____________

(1) حاشية المكاسب، ج 1، ص 76

(2) كتاب البيع، ج 1، ص 262

110

____________

و الالتزام بأخذ شي‌ء مع البدل، كالقرض الذي هو تمليك بالضمان.

و أمّا ما أفاده من كونه مخالفا للغة، ففيه: أنّ في المصباح: «ضمنت المال و به ضمانا فأنا ضامن و ضمين التزمته» (1). و في الصحاح: «ضمنت الشي‌ء ضمانا كفلت به فأنا ضامن و ضمين» (2) فإنّ التعهد بشي‌ء في ذمته هو الموافق لمعناه اللغوي.

فما أفاده المحقق الأصفهاني (قدّس سرّه)- من معنى الضمان- ليس مخالفا لمعناه اللغوي، كما ليس مخالفا لمعناه العرفي.

و أمّا ما أفاده بقوله: «بأنّ كل عهدة ليست ضمانا» فإن أريد به عدم صدق الضمان اللغوي عليه، ففيه ما عرفت من صدقه على مطلق التعهد و الالتزام. و إن أريد به عدم صدق معناه العرفي على كلّ تعهّد، ففيه:- مضافا الى رجوعه إلى الإشكال الأوّل، و هو مخالفة الضمان بهذا المعنى للضمان العرفي، و عدم كونه اشكالا على حدة- أنّه و إن كان صحيحا، لكن المقام- أعنى به ضمان المقبوض بالعقد الفاسد- مما يصدق عليه الضمان العرفي.

نعم الإنصاف أنّ الضمان العرفي لا يصدق على العقد الصحيح المعاوضي، إذ لا يصدق الضمان على الثمن و المثمن، و لا الضامن على كلّ من المشتري و البائع بالنسبة إلى ما انتقل عنه. فما أفاده المحقق المتقدّم لا يكون جامعا بين العقد الصحيح و الفاسد حتّى لا يلزم التفكيك في معنى الضمان بين الجملتين.

و لعلّ الأولى أن يقال: إنّ الضمان عبارة عن كون مال الغير في العهدة، فيجب دفع عينه مع وجوده، و بدله مع تلفه حتى يخرج عن عهدته. و هذا ما يساعده العرف و اللغة.

و ليس معناه لزوم التدارك بالعوض الواقعي حتّى يغاير الضمان في العقد الفاسد الضمان

____________

(1) المصباح المنير، ص 364

(2) صحاح اللغة، ج 6، ص 2155

111

____________

في العقد الصحيح، و يلزم التفكيك بينهما، بل لزوم التدارك مثلا أو قيمة- كلزوم دفع العين بنفسها إن كانت موجودة- من أحكام الضمان بالمعنى المزبور، و هو كون مال الغير في العهدة، فلا يلزم تفكيك في معنى الضمان بين الجملتين.

و توضيحه: أنّه إذا باع زيد كتاب المكاسب مثلا على عمرو بدينار بيعا صحيحا، فهنا أمور:

الأوّل: الخسارة الواردة على كلّ منهما بخروج الكتاب عن ملك زيد، و خروج الدينار عن ملك عمرو، و هذه الخسارة تجبر بكلّ من العوضين.

الثاني: ضمان زيد الكتاب قبل قبض المشتري له، و ضمان عمرو للدينار قبل قبض البائع له، فلو تلف الكتاب كانت خسارته على زيد. كما أنّه إذا تلف الدينار كانت خسارته على عمرو، و هذا ضمان المعاوضة.

الثالث: أنّه بعد التقابض إذا طرء فسخ بإقالة أو غيرها أو انفساخ، فإن كانت العين باقية دفعها القابض إلى المالك. و إن كانت تالفة دفع بدلها مثلا أو قيمة إليه. و هذا يدلّ على ضمان القابض، و إلّا امتنع الفسخ مع التلف، لانتفاء الموضوع.

و القول بامتناع ضمان القابض، لأنّه ماله، و لا يضمن الإنسان مال نفسه، مندفع بأنّه لا مانع من هذا الضمان إذا كان موضوعا لحقّ الغير، كإتلاف الراهن العين المرهونة، فإنّه ضامن لها مع أنّها ماله.

و كذا إتلاف المالك منذور التصدّق، أو العين الزكويّة بعد تعلّق حق الفقراء بها، بناء على عدم كون الزكاة جزءا من العين، إذ بناء عليه يكون الضمان تداركا لمال الغير لا لمال نفسه.

و كيف كان فإن كان تطبيق الضمان في العقد الصحيح بلحاظ الأمر الأوّل فليس ذلك من الضمان المصطلح، ضرورة أنّ كلّا من العوضين صار ملكا لمن انتقل إليه، فلا يكون ضمانه تداركا لمال الغير.

112

____________

و إن كان بلحاظ الأمر الثاني فكذلك، لأنّ تلف المبيع قبل القبض يوجب انفساخ البيع و رجوع المبيع إلى ملك البائع، فيتلف في ملكه لا في ملك غيره، فيكون الضمان المصطلح أجنبيّا عنه أيضا.

و إن كان بلحاظ الأمر الثالث كان إطلاقه على الصحيح و الفاسد بمعنى واحد، إذ معنى الضمان فيهما هو كون مال الغير في العهدة، فمع وجوده يجب ردّ عينه إلى مالكها، و مع تلفه يجب ردّ بدله من المثل أو القيمة إليه. نعم يكون الضمان بهذا المعنى في الصحيح تبعيّا، لترتّبه على انحلال العقد، و في الفاسد أصليا، لعدم توقفه على شي‌ء.

و عليه فلا يلزم تفكيك بين معنى الضمان في الفقرتين. بخلاف تفسير المصنّف تبعا للجواهر للضمان في الفقرة الأولى بالمسمّى، فإنّه يستلزم التفكيك بين الفقرتين في معنى الضمان، فلاحظ.

فالمتحصل: أنّه على ما ذكرناه من كون الضمان عبارة عن التعهد و الالتزام بمال الغير- و كون حكم هذا التعهد تارة وجوب دفع عينه مع وجودها، بناء على كون ردّ العين أيضا ضمانا. و أخرى دفع بدلها من المثل أو القيمة مع تلفها، لعموم على اليد و غيره- لا يلزم اختلاف في معنى الضمان و مفهومه. و اختلاف الأحكام ناش عن الأدلة كما لا يخفى.

هذا تمام الكلام في الجهة الثانية المتعلقة بمعاني الضمان.

الجهة الثالثة: أنّ العموم في قاعدة «ما يضمن بصحيحه .. إلخ» هل هو بلحاظ أنواع العقود أم بلحاظ الأصناف أم بلحاظ الأشخاص؟ و قبل الخوض فيه لا بدّ من تقديم أمرين:

الأوّل: أنّ التقسيم ظاهر في فعلية أقسامه كما هو ظاهر.

الثاني: أنّ القضية الحقيقية و إن كان الموضوع فيها مفروض الوجود، إلّا أنّه لا بدّ أن يكون المفروض وجوده ممكن الفعلية، فإن كان ممتنع الفعلية لم يصحّ جعله

113

____________

موضوعا للجعل و التشريع، إذ يلزم حينئذ لغوية إنشاء الحكم له.

إذا عرفت هذين الأمرين تعرف أنّه لا يصح أن يكون عموم القاعدة بلحاظ الأفراد، إذ معنى العبارة حينئذ: كل فرد و شخص من أفراد العقد إذا كان صحيحه مضمونا ففاسده أيضا مضمون. و من المعلوم أنّ الفرد إمّا يقع فعلا صحيحا أو فاسدا، و يمتنع اتصافه بالصحة و الفاسد معا لتناقضهما، إذ المراد بهما التمامية و عدمها. فاتصافه بهما يكون فرضيا، و لا يمكن أن يكون فعليّا، فلا يصح جعله موضوعا لحكم.

فما في بعض كلمات الأعلام- كصاحب الجواهر و بعض أجلّة المعاصرين (1)- من «كون عموم القاعدة بلحاظ الأفراد» في غاية الغموض: و إن فرضنا ظهور مثل هذا الكلام في العموم الأفرادي، كقوله: «أكرم كلّ عالم» لكنّه لا يمكن المصير إلى ذلك فيما نحن فيه كما لا يخفى.

و الاعتذار عن إشكال امتناع اتّصاف فرد واحد بالصحة و الفساد بما في القواعد الفقهية من قوله: «ليست هذه الجملة بهذه الصورة و هذه الألفاظ واردة في آية أو رواية معتبرة حتّى نقول يجب الأخذ بظاهرها، و ظاهرها كذا و كذا، بل لا بدّ من الأخذ بها بمقدار ما يدلّ عليه مدركها» اعتراف بورود الاشكال على ظاهر الجملة، و إنكار لاعتبارها، لعدم ورودها في آية و لا رواية معتبرة و لا معقد إجماع.

و ليس هذا جوابا عن الاشكال، بل هو اعتراف به مع إنكار اعتبار أصل القضية، و هذا مطلب آخر.

هذه جملة مما يتعلّق بالقاعدة، و بقي بعض الكلام حولها سيأتي إن شاء اللّه تعالى.

____________

(1) جواهر الكلام، ج 27، ص 247؛ القواعد الفقهية، ج 2، ص 96

114

[مستند قاعدة «ما يضمن»]

[الأوّل: إقدام المتعاملين]

ثمّ إنّ المدرك (1) لهذه الكلية على ما ذكره في المسالك- في مسألة الرهن المشروط بكون المرهون مبيعا بعد انقضاء الأجل- هو إقدام الآخذ على الضمان.

____________

مستند قاعدة «ما يضمن» الأوّل: إقدام المتعاملين

(1) هذا شروع في تحقيق ما يمكن أن يستدل به على القاعدة، و هو أمور، قاعدة الاقدام، و حديث «على اليد» و قاعدة الاحترام، و قاعدة نفي الضرر. و سيأتي بيانها مرتّبا إن شاء اللّه تعالى.

الأوّل: قاعدة الإقدام على الضمان التي ذكرها في رهن المسالك و توضيحه: أنّه إذا رهن المديون مالا عند المرتهن و اشترط فيه كون العين المرهونة مبيعا بالدين إذا حلّ الأجل و لم يؤدّ المديون دينه، فهل يصحّ ذلك أم لا؟

ذهب الشهيد الثاني (قدّس سرّه) إلى أنّ الرهن و البيع فاسدان. أمّا الرّهن فلأنّه لا يتوقّت إلّا بوفاء الدين، لا بالأجل كشهر أو سنة مثلا. و أمّا البيع فلأنّه معلّق على عدم وفاء الدين، و التعليق مبطل، ثم قال: «فلو قبضه المرتهن على هذا الوجه ضمنه بعد الأجل، لا قبله، لأنّه في مدّة الأجل رهن فاسد، و بعده مبيع فاسد. و فاسد كل عقد يتبع صحيحه في الضمان و عدمه، فحيث كان صحيح الرهن غير مضمون كان فاسده كذلك. و حيث كان صحيح البيع مضمونا على المشتري، ففاسده كذلك. و السّرّ في ذلك- يعني في الضمان- أنّهما تراضيا على لوازم العقد، فحيث كان مضمونا فقد دخل القابض على الضمان. و دفع المالك عليه. مضافا إلى قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي» (1) [1].

____________

[1] لا يخفى دلالة هذا الكلام على استناد قاعدة «ما يضمن» إلى الاقدام و اليد،

____________

(1) مسالك الأفهام، ج 4، ص 55 و 56

115

ثم أضاف إلى ذلك (1) قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي».

و الظاهر أنّه (2) تبع في استدلاله بالاقدام الشيخ في المبسوط، حيث علّل الضمان في موارد كثيرة من البيع و الإجارة الفاسدين «بدخوله على أن يكون المال مضمونا عليه بالمسمّى، فإذا لم يسلم له المسمّى رجع إلى المثل أو القيمة» (1).

____________

و غرض المصنّف (قدّس سرّه) من الاستشهاد بكلام الشهيد الثاني أنّه (قدّس سرّه) استدلّ على ضمان الرهن بعد الأجل بقاعدة «ما يضمن» ثم استدل عليها بقاعدة الإقدام على الضمان. و عليه فمدرك قاعدة «ما يضمن» هو الإقدام.

(1) يعني: أنّ الشهيد الثاني لم يقتصر- في مستند القاعدة- على الاقدام فحسب، بل جعل الحديث النبوي دليلا عليها أيضا.

(2) يعني: أنّ استدلال الشهيد الثاني بقاعدة الإقدام مسبوق باستدلال شيخ الطائفة بها- في موارد عديدة- على الضمان.

____________

كما نقله المصنف عنه. لكنّه في بحث المقبوض بالعقد الفاسد جعل القاعدة دليلا مستقلا على الضمان كاليد و الاقدام، و لا بدّ أن يكون مدرك القاعدة أمرا آخر بنظره، قال في شرح قول المحقق: «و لو قبض المشتري ما ابتاعه بالعقد الفاسد لم يملكه و كان مضمونا عليه» ما لفظه: «لا إشكال في ضمانه إذا كان جاهلا بالفساد، لأنّه أقدم على أن يكون مضمونا عليه، فيحكم عليه به، و إن تلف بغير تفريط. و لقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): على اليد ما أخذت حتى تؤدّي. و من القواعد المقرّرة في هذا الباب: أنّ كل عقد يضمن بصحيحه يضمن بفاسده، و أنّ ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده» (2).

و هذا يقتضي أن يكون للقاعدة مدرك آخر غير الاقدام و اليد، حتى يصح جعلها دليلا ثالثا على الضمان، إذ لو كان مستندها الاقدام و اليد المذكورين في العبارة كانت العبرة بهما، لا بقاعدة ما يضمن، فتأمّل في كلامه.

____________

(1) تقدمت جملة من كلمات الشيخ في ص 58، فراجع.

(2) مسالك الافهام، ج 3، ص 154

116

و هذا الوجه لا يخلو عن تأمّل (1)، لأنّهما إنّما أقدما و تراضيا و تواطئا بالعقد الفاسد على ضمان خاص (2)، لا الضمان بالمثل أو القيمة، و المفروض عدم إمضاء الشارع لذلك الضمان الخاصّ (3). و مطلق (4) الضمان لا يبقى بعد انتفاء الخصوصية حتى يتقوّم بخصوصية أخرى. فالضمان بالمثل أو القيمة إن ثبت فحكم شرعي تابع لدليله، و ليس ممّا أقدم عليه المتعاقدان.

____________

(1) ناقش المصنّف (قدّس سرّه) في الاستدلال بقاعدة الإقدام على قاعدة «ما يضمن» بوجوه ثلاثة، أحدها: منع صغروية العقد الفاسد لقاعدة الإقدام. ثانيها: منع الملازمة بين الاقدام و الضمان. ثالثها: منع قاعدة الإقدام كبرويّا، بمعنى عدم كونها من موجبات الضمان.

توضيح الوجه الأوّل: أنّ الضمان في العقد المعاوضي- الممضى شرعا- يكون بحسب العوض المسمّى. و في العقد الفاسد بحسب البدل الواقعي. و على هذا نقول:

بعدم صلاحية قاعدة الإقدام للاستدلال بها، و ذلك لأنّ الضمان الخاصّ و هو ضمان المسمّى- الذي أقدما عليه و تراضيا به- لم يسلم، لفساد سببه أعني به العقد. و الضمان الآخر- و هو ضمان البدل مثلا أو قيمة- ممّا لم يقدما عليه، فلو ثبت ضمان مع التلف لم يكن ذلك بقاعدة الإقدام، بل بدليل آخر.

فتوجيه الضمان في العقد الفاسد بقاعدة الإقدام في غير محلّه، إذ المقدم عليه- و هو الضمان المعاوضي- غير واقع، و الواقع- أعني به الضمان بالمثل أو القيمة- غير المقدم عليه، كما هو ظاهر.

(2) أي: الضمان الجعلي، كما إذا باع الكتاب بدينار، و كان قيمته السوقية أزيد أو أقلّ من الدينار.

(3) و من المعلوم عدم العبرة بالإقدام على الضمان الجعلي، لعدم إمضاء الشارع له، فهذا الاقدام يكون بحكم العدم.

(4) إشارة إلى توهّم و دفعه. أمّا التوهّم فهو: أنّ الاقدام على الضمان الخاص‌

117

هذا كلّه مع أنّ (1) مورد هذا التعليل أعمّ من وجه من المطلب، إذ قد يكون الاقدام موجودا و لا ضمان كما قبل القبض [1]، و قد لا يكون إقدام في العقد الفاسد مع تحقّق الضمان، كما إذا شرط في عقد البيع ضمان المبيع على البائع

____________

و إن كان منتفيا من جهة فساد العقد. إلّا أنّ انتفاء الضمان الجعلي لا يوجب انتفاء إقدامهما و تراضيهما على مطلق الضمان، ضرورة عدم تواطئهما على المجّانيّة، و من المعلوم أنّ مطلق الضمان ينصرف إلى البدل الواقعي. و عليه فلا بأس بجعل قاعدة الإقدام على الضمان و الدخول عليه مدركا لقاعدة «ما يضمن».

و أمّا الدفع فهو: أنّ ما أقدم عليه المتعاقدان ضمان خاصّ، و هو المعاوضيّ، و المفروض انتفاؤه بفساد العقد، و ينتفي مطلق الضمان أيضا، و الضمان بالبدل الواقعي يتوقّف على الاقدام و الرّضا به، و هو غير حاصل حسب الفرض.

و عليه فثبوت الضمان بالبدل الواقعيّ في العقد الفاسد منوط بدليل يدلّ عليه، و لا ربط له بإقدام المتعاقدين عليه.

(1) هذا هو الوجه الثاني من المناقشة في استدلال الشيخ و الشهيد الثاني (قدّس سرّهما) بقاعدة الاقدام، و بيانه: أنّ النسبة بين المدّعى- و هو قاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده- و بين الإقدام الذي استدلّا به عليه عموم من وجه، مع أنّه يعتبر كون الدليل مساويا للمدّعى أو أعمّ منه مطلقا. و هذا الضابط مفقود في المقام، ضرورة اجتماع الضمان و الاقدام تارة و افتراقهما اخرى. فقد يكون الاقدام متحققا و لا ضمان كما في تلف المبيع قبل القبض، فإنّه يتلف من مال بائعه، مع أنّ المشتري أقدم على ضمانه بالثمن المسمّى في العقد الصحيح، و ليس بضامن له. و قد لا يكون إقدام على الضمان- في العقد الفاسد- و مع ذلك يتحقق الضمان، كما في الأمثلة المذكورة في المتن:

____________

[1] لكن موضوع كلامهم يكون بعد القبض، فمقصودهم من كون الاقدام موجبا للضمان أنّه موجب له في المقبوض، فلا يرد النقض المذكور.

118

إذا تلف في يد المشتري. و كما إذا قال: «بعتك بلا ثمن» أو: «آجرتك بلا اجرة».

نعم (1) قوّى الشهيدان في الأخير عدم الضمان، و استشكل العلّامة في مثال البيع في باب السّلم (2).

____________

أحدها: البيع بلا ثمن، فإنّ المشتري لم يقدم على ضمان المبيع، لفرض توافقهما على انتقال المبيع إليه مجرّدا عن الثمن. مع أنّ جمعا حكموا بضمان المشتري، و كون المبيع على عهدته، فلو تلف وجب عليه دفع بدله إلى البائع.

ثانيها: الإجارة بلا اجرة، كما إذا آجر المالك داره لزيد شهرا بلا أجرة، فإنّ المستأجر ضامن لاجرة المثل، مع عدم إقدامه على الضمان.

ثالثها: شرط ضمان المبيع على البائع إذا تلف عند المشتري: بأن يقول البائع:

«بعتك هذا الكتاب بدينار، بشرط أن يكون تلفه عندك عليّ» فقبل المشتري.

فلو تلف عنده لم يكن الضمان على البائع، بل على المشتري، مع أنّه لم يقدم عليه.

هذا كلّه في موارد افتراق الضمان و الاقدام. و أمّا مورد الاجتماع فكثير، كما إذا باع الكتاب بدينار بعقد صحيح، و تلف بيد المشتري، فإنّ الاقدام و الضمان متحققان.

فالنتيجة: أنّ النسبة بين المدّعى و دليله- و هو الاقدام- عموم من وجه، و في مثله لا يصح الاستدلال.

(1) هذا استدراك على جعل المثالين الأخيرين- و هما البيع بلا ثمن و الإجارة بلا أجرة- من موارد وجود الضمان بدون الاقدام عليه. و محصّله: أنّ ضمان المشتري و المستأجر في هذين المثالين ليس متّفقا عليه، لذهاب الشهيدين (قدّس سرّهما) إلى عدم الضمان، فالمسألة خلافية.

و عليه فمثال وجود الضمان بدون الاقدام هو ضمان المشتري للمبيع التالف بيده، مع شرط ضمانه على البائع.

(2) تقدم في (ص 93 و 94) توضيح المسألة، و نقل كلام الشهيدين في الإجارة بلا أجرة، و كلام العلّامة في البيع بلا ثمن، فراجع.

119

و بالجملة (1): فدليل الاقدام- مع أنّه (2) مطلب يحتاج إلى دليل لم نحصّله- منقوض (3) طردا و عكسا [1].

____________

(1) ظاهر العبارة أنّها تلخيص ما تقدّم من الاشكال على الاستدلال بقاعدة الإقدام، لكنّها تتضمّن إشكالا ثالثا على القاعدة لم يسبق له ذكر، و كان الأنسب تقديمه على الإشكالين السابقين، و محصّله: أنّا نطالب الشيخ و الشهيد الثاني (قدّس سرّهما) بالدليل على كون الاقدام من أسباب الضمان، نظير سببية إتلاف مال الغير و استيفاء منفعته و التسبيب و نحوها له. فلو أغمضنا عن الإشكالين السابقين لم يتّجه أيضا جعل الاقدام مدركا لقاعدة «ما يضمن» لعدم إحراز اقتضائه للضمان، هذا.

(2) هذا هو الاشكال الثالث الذي أشرنا إليه من عدم الدليل على كون الاقدام من موجبات الضمان و أسبابه.

(3) النقض بالطرد و العكس هو ما تقدّم في الاشكال الثاني، و المراد بالطّرد منع الأغيار، و هو يقتضي انتفاء الضمان بانتفاء الاقدام، مع أنّ الضمان موجود بدون الاقدام كما في البيع بلا ثمن و نحوه. و المراد بالعكس جمع الأفراد، بمعنى ثبوت الضمان في كلّ مورد تحقّق فيه الاقدام، مع أنّه قد يتحقق الاقدام، و لا ضمان، كما في البيع الصحيح إذا تلف المبيع بيد البائع.

و الحاصل: أنّ قوله: «طردا و عكسا» إشارة إلى أنّ النسبة بين الدعوى و الدليل عموم من وجه. و لعلّ التعبير بالعكس و الطرد في مثله لا يخلو من مسامحة.

____________

[1] لا يخفى أنّ شيخ الطائفة كما استدلّ على الضمان بقاعدة الإقدام المعبّر عنها «بالدخول على أن يكون المال مضمونا عليه بالمسمّى» كما نقلنا مواضع من كلماته، فكذلك استدل- كالشهيد الثاني- بقاعدة اليد، فيمكن أن يكون نظره إلى كلّ منهما مستقلا. و من مواضع استناده إلى الضمان اليدي قوله في تعاقب الأيدي في البيع الفاسد:

«فإذا ثبت أن البيع فاسد، نظر، فإن كان المبيع قائما أخذه مالكه و هو البائع الأوّل، سواء

120

____________

وجده في يد المشتري الأوّل أو المشتري الثاني، لأنّه ملكه لا حقّ لغيره فيه. و إن كان تالفا كان له أن يطالب بقيمته كل واحد منهما، لأنّ الأوّل لم يبرأ بتسليمه إلى الثاني، لأنّه سلّمه بغير إذن صاحبه، و المشتري الثاني قبضه مضمون بالإجماع.

فإذا ثبت ذلك فإنّه يجب عليه أكثر ما كانت قيمته. و قيل: إنّه يعتبر قيمته وقت التلف. ثمّ ينظر في قيمة المبيع، فإن كانت قيمته في يدهما واحدة فإنّه يطالب بقيمته إن شاء المشتري الأوّل، و إن شاء المشتري الثاني، لأنّ كل واحد منهما ضامن للقيمة .. إلخ» (1).

و قريب منه كلامه في باب الغصب في بيع العبد المغصوب إذا أعتقه المشتري، فيضمن أعلى القيم من حين القبض إلى حين العتق، قال: «لأنّه دخل على أنّه عليه بعوض، و قد تلف في يده .. إلخ» (2).

و عليه فالاستدلال على الضمان بكلّ من قاعدتي اليد و الاقدام موجود في كلام شيخ الطائفة (قدّس سرّه). فلا وجه للإيراد على المصنّف (قدّس سرّه) بما حاصله: «أنّه لا موضوع للإشكال على استدلال الشيخ بقاعدة الإقدام، لأنّ المتكرر في كلماته في باب البيع الفاسد و الغصب و غيرهما هو استناد الضمان إلى اليد، كقوله: و إنّما وجب الضمان عليه- أي على المشتري- لأنّه أخذ الشي‌ء بعوض، فإذا لم يسلم العوض المسمّى وجب عوض المثل لما تلف في يده .. إلخ» (3) (4).

و ذلك لما عرفت من استناد الشيخ إلى كلتا القاعدتين، كما صنعه الشهيد الثاني أيضا. و لعلّه اقتبسه منه، و حينئذ ينبغي النظر في كل من اليد و الاقدام.

____________

(1) المبسوط، ج 2، ص 150

(2) المبسوط، ج 3، ص 98

(3) المبسوط، ج 2، ص 149

(4) كتاب البيع، ج 1، ص 270

121

____________

أمّا اليد فتقتضي الضمان، لأنّ الاستيلاء على مال الغير- ما لم يطرأ عليه ما يرفع الضمان من قصد المجّانية- مضمّن، و الضمان الاقدامي على مبادلة المالين كالعدم في نظر الشارع، فيؤثر الاستيلاء المقتضي للضمان أثره.

و أمّا الاقدام فقد أنكر المصنف إقدامهما على ضمان المثل أو القيمة، و إنّما أقدما على ضمان خاصّ و هو عوض جعلي لم يسلم لهما، فلا وجه لاستناد البدل الواقعي إلى الاقدام.

و أورد المحقق الخراساني عليه بوجهين، قال (قدّس سرّه): «يمكن أن يقال: بأنّهما أقدما على أصل الضمان في ضمن الاقدام على ضمان خاص، و الشارع إنّما لم يمض الضمان الخاصّ، لا أصله. مع أنّ دليل فساد العقد ليس بدليل على عدم إمضائه، فافهم» (1).

أمّا الإشكال الأوّل فيمكن أن يقال: إنّ ما أقدم عليه المتعاقدان حصّة من الضمان أي المسمّى، و دليل فساد العقد يدلّ بالملازمة على انتفاء هذه الحصّة، و معه لا يعقل بقاء طبيعة الضمان الموجودة بوجود هذه الحصّة.

و بعبارة أخرى: المضمون المقدم عليه مقيّد من أوّل الأمر بالمسمّى، و لا تركيب و لا اشتراط في البين حتى يتصوّر بقاء المشروط بعد انتفاء الشرط، أو بقاء الجزء بعد انتفاء المركّب.

هذا مضافا إلى غموض «تحقق الاقدام على أصل الضمان في ضمن الاقدام على ضمان خاصّ» فإنّ الإقدام على الحصّة و إن كان متضمنا للإقدام على طبيعي الضمان، إلّا أنّ المفروض إلغاء هذه الحصّة شرعا. و جعل حصة أخرى و هي البدل الواقعي- من المثل أو القيمة- مقامها، و من المعلوم انتفاء الطبيعة بانعدام حصّتها، هذا.

و أمّا الإشكال الثاني، فلا يخلو من إجمال في نفسه، لأنّ مرجع ضمير «عدم إمضائه» إن كان هو الضمان الخاصّ بمعنى عدم دلالة دليل فساد العقد على عدم

____________

(1) حاشية المكاسب، ص 31

122

____________

الضمان الخاصّ، ففيه: أنّ دليل الفساد يستلزم انتفاء الضمان بالمسمّى، لانحصار الدالّ عليه في دليل إمضاء العقد، و مع فرض الفساد كيف لا ينتفي الضمان الخاص؟

و إن كان مرجع الضمير مطلق الضمان، بأن يراد عدم اقتضاء دليل فساد العقد انتفاء مطلق الضمان- كما لعلّه المراد- ففيه: أنّه و إن كان محتملا ثبوتا، إلّا أنّ الضمان حكم شرعي يتوقف على دليل في مقام الإثبات، و المفروض عدم الدليل عليه بعد حكم الشارع بإلغاء ضمان المسمّى. و كيف يكون إقدام المتعاملين على أصل الضمان مع أنّه أمر قصدي؟ و المقصود هو الضمان بالعوض الجعلي (1).

و بهذا يسلم أوّل إشكالي الماتن- على شيخ الطائفة- عن مناقشة المحقق الخراساني (قدّس سرّهما).

إلّا أنّه لا يبعد- كما أفاده المصنّف أيضا- أن يكون مراد شيخ الطائفة احترام المال، و عدم ذهابه هدرا، إلّا إذا سلب المالك احترامه، بأن بذله للغير مجّانا. فإذا لم يقدم المتعاقدان على المجّانية كان الضمان في محلّه، لكونه حينئذ على طبق السيرة العقلائية الممضاة شرعا. فمراد شيخ الطائفة من الاقدام على الضمان بيان عدم الاقدام على المجّانية، و سلب احترام ماله.

و على هذا لا يرد الإشكال الأوّل المذكور في المتن على شيخ الطائفة (قدّس سرّه).

و أمّا الإشكال الثاني- و هو قوله: إذ قد يكون الاقدام موجودا و لا ضمان كما قبل القبض .. إلخ- فيمكن أن يقال: إنّ الكلام في المقبوض بالعقد الفاسد، فالإقدام مع القبض دليل القاعدة، لا مجرّد الاقدام. فلا يرد عليه هذا النقض.

و أمّا قضية شرط الضمان على البائع فلا ترد على قاعدة الإقدام، لأنّ الضمان المعاوضي موضوع عند الشيخ للحكم بضمان المثل أو القيمة مع عدم صحة المعاوضة و عدم سلامة المسمّى. و شرط الضمان على البائع لا ينافي إقدام المشتري على ضمان

____________

(1) حاشية المكاسب للمحقق الأصفهاني، ج 1، ص 77

123

[الدليل الثاني: قاعدة الاحترام]

اللهم إلّا أن يستدلّ على الضمان فيها (1) بما دلّ على احترام مال المسلم،

____________

الدليل الثاني: قاعدة الاحترام

(1) أي: في المنافع و الأعمال المضمونة في الإجارة الفاسدة، و هذا إشارة إلى دليل ثالث على قاعدة «ما يضمن». و ظاهر العبارة و ان اقتضى الاستدلال على ضمان المنافع خاصة، إلّا أنّ الدليل- و هو احترام مال المسلم- عامّ، لصدق الموضوع- أي المال- على الأعيان و المنافع معا، و إن كان صدقه على الأعيان أوضح.

و على هذا فقاعدة الاحترام دليل على قاعدة «ما يضمن» مطلقا سواء أ كان العقد على تمليك الأعيان أم المنافع.

و كيف كان، فقاعدة الاحترام مصطادة من طوائف ثلاث من الأخبار:

الأولى: ما دلّ على عدم حلّيّة مال المسلم لغيره إلّا عن طيب نفسه، كمعتبرة سماعة و زيد الشّحّام عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث: «انّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: من كانت عنده أمانة فليؤدّها إلى من ائتمنه عليها، فإنّه لا يحلّ دم امرء مسلم‌

____________

المسمّى. نعم لم يقدم المشتري على ضمان المثل أو القيمة، و هو ليس موضوعا للضمان.

و أمّا البيع بلا ثمن و الإجارة بلا اجرة فلا يندرجان في القاعدة موضوعا، لعدم كونهما عقدا، إذ البيع و الإجارة متقوّمان بالعوضين، فانتفاء أحدهما يوجب انتفاء ماهيّتهما، و لعلّهما يندرجان في الهبة و العارية. غاية الأمر أنّهما قد أنشئتا بلفظي البيع و الإجارة، فهما من صغريات «ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده» بناء على صحة إنشائهما بهذين اللفظين. لكن الحقّ عدم صحّته.

و لا بدّ أن يكون النقض بمورد مسلّم، و الشهيدان اختارا عدم الضمان في الإجارة بلا اجرة، و استشكل العلّامة في الضمان في البيع بلا ثمن.

و بالجملة: فلا يرد شي‌ء من النقوض المزبورة على شيخ الطائفة (قدّس سرّه).

124

..........

____________

و لا ماله إلّا بطيبة نفس منه [نفسه]» (1).

و كرواية تحف العقول عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «أنّه قال في خطبة حجّة الوداع:

أيّها الناس إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ، و لا يحلّ لمؤمن مال أخيه إلّا عن طيب نفس منه» (2).

و نحوهما ممّا ذكرناه في أدلّة لزوم المعاطاة، فراجع (3).

و تقريب دلالتها على الضمان: أنّ الحرمة المسندة إلى مال المسلم أو المؤمن يراد بها حرمة التصرف، و من المعلوم أنّ التصرف في المال أعمّ من الخارجي كما في الأعيان المتموّلة التي ينتفع بها بوجه من وجوه الانتفاع كالأكل و الشرب و اللبس و نحوها. و من الاعتباري كالبيع و الصلح و الهبة و الوقف و نحوها. و لا ريب في أنّ الحرمة تكليفية في التصرّف الخارجي، و وضعية في الاعتباري. و حرمة المال تقتضي ضمان المتصرّف فيه، هذا.

الثانية: ما دلّ على أنّ حرمة مال المسلم كحرمة دمه، كمعتبرة أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): سباب المؤمن فسوق، و قتاله كفر، و أكل لحمه معصية، و حرمة ماله كحرمة دمه» (4).

و تقريب دلالتها على الضمان: أنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) نزّل حرمة مال المؤمن منزلة حرمة دمه، و عموم التنزيل يقتضي ثبوت كل حكم ثبت للدم- من التكليف و الوضع- للمنزّل و هو المال، و من المعلوم أنّ الدم لا يذهب هدرا، و هذا هو المناسب لمقام المسلم و عظم شأنه، لا مجرّد حرمة إراقة دمه تكليفا. فمقتضى عموم التنزيل‌

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 3، ص 424، الباب 3 من أبواب مكان المصلي الحديث 1؛ و الرواية بتمامها مذكورة في ج 19، ص 13، الباب 1 من أبواب قصاص النفس، الحديث 3

(2) المصدر، ص 425، الحديث: 3

(3) هدى الطالب، ج 1، ص 516

(4) وسائل الشيعة، ج 8، ص 610، الباب 158 من أبواب أحكام العشرة، الحديث 3

125

..........

____________

- بعد عدم قرينة على خصوص الحكم التكليفي- احترام ماله بكلّ احترام لدمه، و من الواضح أنّ احترام دمه بعدم إراقته و بدفع الدية- لو أهرق- حتى لا يذهب هدرا، فكذا المال، فينبغي ضمانه لو تلف بيد المتصرّف، هذا.

الثالثة: ما ورد فيها من التعليل بعدم صلاحية ذهاب حق أحد، كمعتبرة الحلبي و محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «قال: سألته هل تجوز شهادة أهل ملّة من غير أهل ملّتهم؟ قال: نعم، إذا لم يوجد من أهل ملّتهم جازت شهادة غيرهم، إنّه لا يصلح ذهاب حقّ أحد» (1).

و تقريب دلالة التعليل هو: أنّ المراد بالحقّ أعمّ من الحقّ المالي و غيره، لإطلاقه تارة على المال كالخمس و الزكاة و نحوهما، كقوله تعالى الَّذِينَ فِي أَمْوٰالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسّٰائِلِ وَ الْمَحْرُومِ، و كقوله (عليه السلام): «هلك الناس في بطونهم و فروجهم، لأنّهم لم يؤدّوا إلينا حقّنا». و أخرى على الحق المصطلح المقابل للحكم و الملك، كحقّ الوصيّة، كما ورد في موثقة سماعة، قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن شهادة أهل الذمة؟ فقال لا تجوز إلّا على أهل ملّتهم، فإن لم يوجد غيرهم جازت شهادتهم على الوصية، لأنّه لا يصلح ذهاب حقّ أحد» (2) إذ المراد بالحق- في التعليل- هو حقّ الوصية الثابت للمسلم.

و على هذا فيدلّ التعليل على أنّه إذا ثبت حقّ شخص على غيره لم يصحّ ذهابه و فواته بغير عوض، و هذا معنى الضمان.

و قد تحصّل من هذه الطوائف الثلاث حرمة مال المسلم و ضمانه. و لمّا كان صدق «المال» على المنافع و الأعمال المحترمة حقيقيا كصدقه على الأعيان، دلّت قاعدة الاحترام على قاعدة «ما يضمن» مطلقا سواء أ كان متعلق العقد عينا أم منفعة، هذا.

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 13، ص 390، الباب 20 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث: 3

(2) المصدر، ص 391، الحديث 5

126

و أنّه (1) لا يحلّ إلّا عن طيب نفسه، و أنّ حرمة ماله كحرمة دمه، و أنّه لا يصلح ذهاب حقّ أحد.

[الدليل الثالث: قاعدة نفي الضرر]

مضافا إلى أدلّة نفي الضّرر (2) [1].

____________

(1) هذا و قوله: «و أنّ حرمة ماله» و «و أنّه لا يصلح» معطوفة على قوله:

«احترام» عطف تفسير، فالمراد بالكلّ قاعدة واحدة و هي قاعدة الاحترام المستفادة من النصوص المتفرقة. و يشهد لهذا قوله بعد أسطر، «لقاعدتي الاحترام و نفي الضرر» فليس مقصود المصنف جعل كلّ طائفة من الطوائف الثلاث دليلا مستقلّا على ضمان المنافع و الأعمال.

الدليل الثالث: قاعدة نفي الضرر

(2) هذا إشارة إلى دليل آخر على القاعدة، و هو الأخبار المتضمّنة لنفي الضرر و الضرار في الإسلام، حيث إنّ تلف مال شخص- بلا عوض- عند غيره بدون إذن مالكه يوجب نقص ماله و تضرّره، و كذا الحال في استيفاء منفعة الغير بدون أجرة.

و لا يخفى أنّ الاستدلال بقاعدة نفي الضرر على المقام مبنيّ على كون مفاد عموم نفي الضرر نفيه مطلقا و إن كان ناشئا عن عدم جعل الحكم كالمقام، حيث إنّ المالك يتضرر من عدم حكم الشارع بضمان المنفعة، و مقتضى حكومة القاعدة على أدلّة الأحكام الأوّليّة نفيها، سواء أ كانت وجوديّة كوجوب الوضوء الضرري، أم عدميّة كعدم ضمان المستوفي لمنفعة مملوكة للغير، فيحكم بالضمان لئلّا يتضرر المالك أو العامل.

____________

[1] قد يستشكل في دلالة قاعدة الاحترام على الضمان بالتلف: بأنّ تنزيل حرمة مال المؤمن أو المسلم منزلة حرمة دمه يقتضي وجوب حفظه و عدم إتلافه حتى

127

____________

لا يذهب هدرا. و أمّا مجرّد تلفه عنده بآفة سماويّة فلا ظهور لها في ضمانه و وجوب تداركه بالبدل.

و كذا الحال في روايات الشهادة على الوصية، فإنّ عدم صلاحية ذهاب حق أحد ظاهر في حرمة تضييعه، و إشغال ذمته بالإتلاف. و الكلام يكون في التلف.

لكن يمكن أن يقال: بأنّه- بعد عدم اختصاص الحرمة بالتكليف و استفادة الحكم الوضعي منها كما هو الظاهر- لا وجه للاختصاص بالإتلاف، إذ المقبوض بالعقد الفاسد ليس أمانة مالكية بيد المشتري حسب الفرض، و مقتضى إطلاق دليل الحرمة على الضمان هو الحكم به مطلقا سواء أ كان بالتلف أم بالإتلاف، و لا قرينة على إرادة الإتلاف خاصّة من حرمة مال الغير.

و عليه فالقاعدة سليمة من هذه المناقشة. و للكلام تتمة تأتي في ضمان المنافع إن شاء اللّه تعالى.

و أمّا قاعدة نفي الضرر فقد تشكل أوّلا: بأنّها أخصّ من المدّعى، فإن التالف في العقد الفاسد مضمون بالبدل الواقعي، و ربّما كان أكثر ماليّة من البدل المسمّى، فلو قيل بالضمان الواقعي كان مخالفا لامتنانيّة القاعدة، لتضرّر المشتري الذي تلف المبيع عنده مع عدم تقصيره في الحفظ. نعم لا بأس بإثبات الضمان لو كان البدل الواقعي مساويا للمسمّى أو أقلّ منه.

و ثانيا: باختصاص القاعدة بالإتلاف الذي هو موردها، و ذلك أجنبي عن التلف الذي هو محطّ البحث، لإصرار سمرة بالإضرار بالأنصاري و تعمّده فيه.

إلّا أن يقال: إن العبرة: بعموم الوارد- و هو لا ضرر- لا بخصوصية المورد و هو الإضرار، بل الغرض نفي الضرر في أحكام الإسلام عن المؤمنين سواء كان الضرر من قبيل التلف أم الإتلاف، فليتأمّل.

128

[الدليل الرابع: حديث «على اليد ..»]

و أمّا (1) خبر اليد فدلالته و إن كانت ظاهرة (2)، و سنده منجبرا، إلّا أنّ مورده مختصّ بالأعيان (3) [1]،

____________

الدليل الرابع: حديث «على اليد ..»

(1) هذا إشارة إلى الدليل الرابع على قاعدة «ما يضمن» و قد ورد ذلك في كلام الشهيد الثاني (قدّس سرّه) و محصّله: أنّ النبوي «على اليد ما أخذت حتى تؤدّي» لا بأس به سندا، لانجبار ضعفه بعمل المشهور، إلا أنّه أخصّ من القاعدة، لاختصاص المأخوذ باليد بالأعيان، لأنّها هي القابلة للأخذ. فتختصّ القاعدة بالعقود المعاوضية الواقعة على الأعيان كالبيع و الصلح المعاوضيّ و الهبة المشروطة بالعوض- بناء على تعميم الاقتضاء للشرط- و لا تشمل العقود الواقعة على المنافع كالإجارة الفاسدة، لأنّها تمليك المنفعة، و هي لا تؤخذ باليد، و كذا الجعالة الفاسدة، مع أنّ قاعدة «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده» تشمل تمليك المنافع أيضا.

و عليه يكون النبويّ أخصّ من المدّعى، فلا وجه لاستدلال الشهيد الثاني (قدّس سرّه) به على المقام.

(2) يعني: أنّ دلالة الحديث على الضمان ظاهرة، لما تقدم من أنّ إسناد الظرف إلى مال ظاهر في الضمان و التعهّد، لا الحكم التكليفي.

(3) لم يرد لهذا الحديث مورد، لعدم قرينة فيه على اختصاصه بالأعيان من سبق سؤال و نحوه. و الظاهر أنّ غرض المصنف (قدّس سرّه) اختصاص الموصول بالأعيان بقرينة الأخذ باليد. و المنفعة حيثيّة قائمة بالعين كمسكونيّة الدار، و لا يمكن وضع اليد عليها حتى تصير مضمونة على الآخذ.

____________

[1] سيأتي إن شاء اللّه تعالى- في ثالث الأمور المتفرعة على عدم تملك المقبوض بالعقد الفاسد- أنّه لا يمنع ذلك من الاستدلال بالنبوي على ضمان المنافع في صورة قبض العين ذات المنفعة.

و وجه الاختصاص أمران:

أحدهما: ما سيأتي من المصنّف من عدم صدق «الأخذ باليد» بالإضافة إلى المنافع.

129

فلا يشمل المنافع و الأعمال (1) المضمونة في الإجارة الفاسدة. فكلّ (2) عمل وقع من عامل لأحد- بحيث يقع بأمره و تحصيلا لغرضه (3)- فلا بدّ من أداء عوضه لقاعدتي الاحترام و نفي الضرر.

____________

(1) لا يخفى صدق المنافع و الأعمال على مثل خدمة العبد و الأمة، فإنّها منفعة و عمل، إلّا أنّ المراد هنا بالمنافع ما يقابل الأعمال، فالمنافع نظير سكنى الدار و ركوب الدابة، و الأعمال المضمونة نظير الخياطة و النجارة و الطبابة التي هي أفعال الآدمي.

و عليه فإذا استأجر دارا بإجارة فاسدة، أو استأجر خيّاطا لخياطة ثوبه كذلك كان على المستأجر أجرة المثل، مع أنّ المنفعة غير قابلة للقبض باليد و الاستيلاء عليها.

(2) هذه نتيجة دلالة قاعدتي الاحترام و نفي الضرر على ضمان منافع الأعيان و أعمال الأشخاص. لكن الضمان مشروط بأن يكون العمل- كالخياطة و الطبابة و الكنس و نحوها- صادرا من العامل مستندا إلى أمر المستأجر و تحصيلا لغرضه، بأن يقول مالك القماش للخيّاط: «خطه ثوبا أو قباء» فخاطه و لم يقصد التبرّع، فإنّ له أجرة مثل عمله.

(3) فلو كان العمل مقابلا بالأجرة عرفا، لكنّ العامل تبرّع بالعمل- و لم يأمره شخص آخر- لم يكن عمله مضمونا بالأجرة. و كذا لا ضمان لو استند العمل إلى أمر الآمر، لكنّه لم يحصّل غرضه من الأمر، كما لو أمره بصنع سرير فجعله منضدة مثلا.

هذا كلّه في الوجوه المستدلّ بها على قاعدة «ما يضمن». و قد تحصّل وفاء ثلاثة منها بإثبات الضمان، و هي اليد- بالنسبة إلى العقود على الأعيان- و الاحترام و نفي الضرر.

____________

ثانيهما: ما أفاده المحقق الأصفهاني (قدّس سرّه) من عدم صدق التأدية في المنافع مطلقا، فإنّ ظاهر قوله: «حتى تؤدّي» كون عهدة المأخوذ مغيّاة بأداء نفس المأخوذ. و المنافع لتدرّجها في الوجود لا أداء لها بعد أخذها في حدّ ذاتها، لا كالعين التي لها أداء في حدّ ذاتها و إن عرضها الامتناع ابتداء أو بقاء (1).

____________

(1) حاشية المكاسب، ج 1، ص 78

130

ثم (1) إنّه لا يبعد أن يكون مراد الشيخ و من تبعه (2)- من الاستدلال على الضمان بالاقدام و الدخول عليه- بيان (3) أنّ العين (4)

____________

و سيأتي استدارك بعض الأعمال المضمونة عند عدم استيفاء الآمر منفعة العامل كالسبق في المسابقة الفاسدة.

(1) غرضه توجيه استدلال شيخ الطائفة و الشهيد الثاني (قدّس سرّهما) بقاعدة الإقدام بنحو يسلم من مناقشة المصنّف (قدّس سرّه). و توضيحه: أنّ المقتضي للضمان و الموجب له عند تلف مال الغير- من العين و المنفعة- هو قاعدة الاحترام، و قاعدة اليد- بالنسبة إلى الأعيان، لكنهما ليستا تمام السبب للضمان، ضرورة توقف وجود المقتضى على علّته التامّة من المقتضي و الشرط و عدم المانع، و المانع هو تسليط المالك غيره على العين مجّانا أو دفعها إليه أمانة، أو تبرّع العامل بعمله، فالتسليط بهذا النحو مانع عن تأثير الاحترام و اليد في الضمان.

و أمّا إذا دفع المالك ماله إلى غيره بقصد أخذ عوضه، و أقدم الآخذ على ضمانه بالعوض فقد تمّ سبب الضمان و هو اليد و الاحترام، بضميمة انتفاء المانع.

و عليه فغرض شيخ الطائفة من الاستناد إلى قاعدة الإقدام ليس إثبات سببيّتها التامّة للضمان، بل المقصود بيان عدم المانع عن تأثير مقتضي الضمان، و هو وضع اليد على مال الغير و قاعدة الاحترام. و لمّا لم تكن القاعدة دليلا مستقلّا لم يرد عليها ما تقدّم من المناقشة فيها صغرى و كبرى.

(2) كابن إدريس، حيث قال في ضمان المقبوض بالعقد الفاسد: «لأنّ البائع دخل على أن يسلم له الثمن المسمّى في مقابلة ملكه، فإذا لم يسلم له المسمّى اقتضى الرجوع إلى عين ماله .. إلخ» (1). و كذا المحقق الثاني (2).

(3) خبر «يكون».

(4) كتسلّم المشتري للمبيع، فإنّه مبنيّ على دفع الثمن إلى البائع.

____________

(1) السرائر الحاوي، ج 2، ص 488

(2) جامع المقاصد، ج 6، ص 216

131

و المنفعة (1) اللذين تسلّمهما الشخص لم يتسلّمهما مجّانا و تبرّعا حتّى (2) لا يقضي (3) احترامهما بتداركهما بالعوض، كما في العمل المتبرّع به، و العين المدفوعة مجّانا (4) أو أمانة (5). فليس (6) دليل الاقدام دليلا مستقلّا، بل هو بيان لعدم المانع (7) عن مقتضي اليد في الأموال (8) و احترام الأعمال.

____________

(1) كتسلّم منفعة الدار و هي السكنى فيها، فإنّ المستأجر أقدم على تسلّمها في قبال الأجرة. هذا في إجارة الأعيان، و كذا الحال في إجارة الأعمال المحترمة.

(2) هذا مترتب على المنفيّ و هو التسلّم مجّانا و تبرّعا، إذ لو كان تسليمهما من قبل مالك العين و المنفعة تبرّعيّا لم يكن لهما احترام حتّى يلزم تداركهما بالعوض.

(3) أي: لا يحكم احترامهما بتداركهما بالعوض، و كلمة «العين» مجرور عطفا على «العمل».

(4) كما في الهبة، فإنّ تسليم العين مبنيّ على المجّانيّة، فلا يضمن المتسلّم- و هو المتّهب- العوض.

(5) كما في الوديعة و العارية.

(6) هذه نتيجة توجيه ما أفاده شيخ الطائفة (قدّس سرّه) من جعل الاقدام دليلا على الضمان.

(7) و هو الاقدام على المجّانيّة، حيث إنّه يمنع عن تأثير اليد- المستولية على الأعيان- في الضمان.

(8) المراد بالأموال هنا هو خصوص الأعيان المتموّلة، لتصريحه (قدّس سرّه) باختصاص القاعدة بالأعيان. مضافا إلى قوله: «و احترام الأعمال» لظهوره في مغايرة المعطوف للمعطوف عليه. و هذا لا ينافي إطلاق المال على المنافع و الأعمال في سائر الموارد.

132

نعم (1) ذكر في المسالك كلّا من الاقدام و اليد دليلا مستقلّا، فيبقى عليه (2) ما ذكر سابقا من النقض (3) و الاعتراض (4).

و يبقى الكلام (5) حينئذ في بعض الأعمال المضمونة التي لا يرجع نفعها إلى

____________

(1) هذا استدراك على قوله: «فليس دليل الاقدام دليلا مستقلا» و هو يتضمن أمرين:

أحدهما: أنّ توجيهنا لكلام شيخ الطائفة (قدّس سرّه) من جعل الاقدام بيانا لعدم المانع- لا دليلا مستقلا على الضمان- لا يجري في كلام الشهيد الثاني (قدّس سرّه)، لظهور استدلاله على قاعدة «ما يضمن» بدليلين- و هما الاقدام و اليد- في كون كلّ منهما دليلا مستقلا على الضمان، و هذا آب عن الحمل على عدم المانع.

و عليه فالإشكال على قاعدة الإقدام وارد على الشهيد، و مندفع عن الشيخ.

ثانيهما: أنّ إسقاط قاعدة الإقدام عن كونها دليلا مستقلا على الضمان قد يوجب الإشكال في ضمان بعض الأعمال عند جمع، مع أنّه لا يتّجه إثبات ضمانه بقاعدة الاحترام، و سيأتي بيانه.

(2) يعني: فيبقى على الشهيد الثاني (قدّس سرّه) ما أورده المصنّف (قدّس سرّه) عليه.

(3) المراد به النقض من حيث الطرد و العكس، الناشئ من كون النسبة بين الاقدام و الضمان عموما من وجه.

(4) المراد بالاعتراض هو الإشكال الأوّل و الثالث، أي: منع صغرويّة الضمان في العقد الفاسد لكبرى الاقدام، و منع كبرويّة سببيّة الإقدام للضمان.

(5) يعني: و يبقى الكلام في دليل الضمان- حين عدم كون الاقدام دليلا مستقلّا على الضمان- في بعض الأعمال المضمونة. و توضيحه: أنّ إثبات ضمان الأعمال المحترمة بقاعدة الاحترام منوط بأمرين:

الأوّل: أن يعود نفع عمل الغير إلى الضامن، كتسليم القماش الى الخيّاط ليخيط ثوبا، فيضمن أجرته، لانتفاعه بعمله.

133

الضامن، و لم يقع بأمره، كالسبق في المسابقة، حيث حكم الشيخ (1)

____________

الثاني: أن يستند العمل- كالخياطة- إلى أمر من يضمنه، بأن يقول للخيّاط:

«خط هذا القماش ثوبا» أو للنجار: «اصنع هذا الخشب سريرا» فالآمر ضامن للأجرة المسماة، أو لأجرة المثل. فلو أوجد العامل عملا تبرّعا منه لا بأمر من شخص و لم يعد نفعه إليه لم يكن ضامنا.

و على هذا فإذا تسابق شخصان على الخيل و عيّنا السبق كمائة دينار للسابق منهما، و تبيّن بعد المسابقة فساد العقد، ففي المسألة قولان:

أحدهما: عدم استحقاق السابق أجرة مثل عمله، لعدم ما يوجب ضمان المسبوق، إذ لم يعد نفع العمل إلى المسبوق، و إنّما المنتفع هو السابق، لتدرّبه على فنون الحرب، و لم يقع العمل بأمر من المسبوق. و على هذا فلا مورد للنقض و الاشكال، إذ لا ضمان حتى يتفحّص عن دليله.

ثانيهما: استحقاق السابق اجرة المثل، لقاعدة «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده» و حيث إنّ عقد السبق و الرماية ممّا يضمن بصحيحه فكذا بفاسده. و بناء على هذا القول يشكل إثبات الضمان، لعدم جريان قاعدة احترام الأعمال، لانتفاء الأمر بالعمل، و لعدم عود النفع إلى غير السابق. و أمّا قاعدة الإقدام فالمفروض عدم كونها من موجبات الضمان كما عرفت في توجيه كلام الشيخ (قدّس سرّه). فما الدليل حينئذ على وجوب بذل اجرة المثل إلى السابق في المسابقة الفاسدة؟

(1) حيث قال- بعد حكمه بعدم استحقاق المسمّى إذا فسد عقد المناضلة- ما لفظه: «و قال قوم: يستحق اجرة المثل كالبيع و الصلح و الإجارة. و قال آخرون:

لا يستحقّ شيئا، لأنّه إنّما يجب اجرة المثل في الموضع الذي يفوّت على العامل عمله، و عاد به نفعه إلى الناضل. كالقراض الفاسد يجب عليه مثل اجرة العامل، لأنّه فوّت عليه عمله فيما عاد نفعه إليه» (1). و المستفاد من سكوته و عدم الاعتراض على القول‌

____________

(1) المبسوط، ج 6، ص 302

134

و المحقق (1) و غيرهما (2) بعدم استحقاق السابق اجرة المثل (3). خلافا لآخرين (4).

____________

بعدم استحقاق اجرة المثل ارتضاؤه له.

(1) قال (قدّس سرّه): «إذا فسد عقد السبق لم يجب بالعمل اجرة المثل، و يسقط المسمّى لا إلى بدل. و لو كان السبق مستحقا وجب على الباذل مثله أو قيمته» (1).

و في كلامه تفصيل بين كون منشأ الفساد اختلال الشرط، و بين كونه عدم مملوكية العوض لمن يجب عليه بذله.

(2) كالشهيد الثاني و المحقق الأردبيلي (قدّس سرّه) (2).

(3) و أمّا عدم استحقاق «السبق» المسمّى فواضح، إذ المفروض فساد العقد.

(4) كالعلّامة (3) و نجله فخر المحققين و المحقق الكركي (قدّس سرّهم). قال في جامع المقاصد: «إذا فسدت المعاملة بعد المسابقة من جهة العوض فللفساد طريقان، أحدهما:

أن يظهر كون العوض المعقود عليه مما لا يملك في شرع الإسلام، كما لو ظهر خمرا، ففي استحقاق السابق على الباذل شيئا قولان: أحدهما: لا يستحق شيئا، اختاره نجم الدين بن سعيد .. الى أن قال: و أصحّهما و اختاره المصنّف هنا- أي في القواعد- و في التذكرة وجوب اجرة المثل، لأنّ كل عقد استحق المسمّى في صحيحه، فإذا وجد المعقود عليه في الفاسد وجب عوض المثل. و العمل في القراض قد لا ينتفع به المالك، و مع ذلك يكون مضمونا، فيرجع إلى أجرة المثل، الى أن قال: الثاني: أن يكون سبب الفساد استحقاق العوض. و مقتضى عبارة المصنف أنّ القول بسقوط المسمّى لا إلى بدل غير آت هنا. و هو ظاهر عبارة الشرائع. و يلوح من عبارة التذكرة عدم الفرق.

____________

(1) شرائع الإسلام، ج 2، ص 240

(2) مسالك الأفهام، ج 6، ص 109 و 110، مجمع الفائدة و البرهان، ج 10، ص 187، لاحظ قوله:

«و يمكن أن يقال .. إلخ».

(3) راجع: تذكرة الفقهاء، ج 2، ص 356 و 357؛ قواعد الأحكام، ص 106، السطر 6 (الطبعة الحجرية)؛ تحرير الاحكام، ج 1، ص 262

135

..........

____________

و هو الصواب، فإنّ الدليل في الموضعين واحد، و كذا الفتوى.

إذا عرفت ذلك فاعلم: أنّه مع ظهور العوض مستحقّا هل يجب مثله إن كان مثليّا، و إلّا فقيمته .. أم تجب اجرة المثل، لأنّ العوض المسمّى إذا فات وجب قيمة العوض الآخر، و هي أجرة مثله كما في سائر المعاوضات؟ وجهان أصحّهما الثاني» (1).

و الغرض من نقل كلامه- المتضمّن لكلام العلّامة أيضا- هو وجوب اجرة المثل في المسابقة الفاسدة سواء أ كان فسادها لاختلال شرط الصحة كعدم كون العوض قابلا للتملّك شرعا، فيبطل به أصل العقد. أم كان فسادها لمغصوبيّة العوض، لصحة العقد الفضولي و توقفه على إجازة المالك، و لو لم يجز انتقل الى مثله أو إلى أجرة المثل على الخلاف [1].

____________

[1] لكن تنظّر فيه الشهيد الثاني (قدّس سرّه) بأنّ الفرق بين عقد المسابقة و غيره من العقود التي يضمن بفاسدها ليس من جهة رجوع النفع و عدمه، بل لأنّ تلك العقود اقتضت الأمر بالعمل، بخلاف هذا العقد، فإنّه لم يقتض ذلك، فإنّ قوله: «سابقتك» على معنى: أنّ من سبق منّا فله كذا. و قاعدة ما يضمن لا دليل عليها كليّة، بل النزاع واقع في موارد .. إلخ (2).

و التحقيق عدم الضمان، لانتفاء موجباته من الاستيلاء على مال الغير، و من الاستيفاء، و من الأمر بعمل محترم يصدر من المأمور حتى إذا لم يعد نفعه إلى الآمر في المسابقة الفاسدة، و إن كان صحيحها مضمّنا لإمضاء الشارع لها، للاهتمام بأمر الجهاد مع الكفّار. و لو لا هذه الجهة كانت المسابقة من أنواع القمار المنهيّ عنه وضعا و تكليفا.

و عليه فالمسابقة الفاسدة مصداق للقمار المحرّم، فيكون أكل المال بها أكلا له بالباطل، إذ المفروض عدم تحقق ما يوجب الضمان، لأنّه لم يوجد فيها إلّا سبق السابق.

____________

(1) إيضاح الفوائد، ج 2، ص 368؛ جامع المقاصد، ج 8، ص 337 و 338

(2) مسالك الأفهام، ج 6، ص 110

136

و وجهه (1) أنّ عمل العامل لم يعد نفعه الى الآخر (2) و لم يقع بأمره (3) أيضا، فاحترام (4) الأموال- التي منها الأعمال- لا يقضي بضمان الشخص له، و وجوب

____________

(1) يعني: و وجه حكم الشيخ و المحقق بعدم استحقاق أجرة المثل في المسابقة الفاسدة هو عدم انطباق قاعدة الاستيفاء عليها.

(2) و هو من يجب عليه بذل السّبق.

(3) إذ لو وقع عمل العامل بأمر من غيره اقتضى احترامه الضمان حتى إذا لم ينتفع الضامن بذلك العمل، كما إذا أمره بكنس مسجد، فإنّ الآمر و إن لم تعد منفعة العمل إليه، لكنه يغترم بمجرّد صدور العمل عن أمره.

(4) غرضه أنّ قاعدة الاحترام لا تجري في المسابقة الفاسدة، كما لا يجري فيها قاعدة اليد و الاستيفاء، فلو قيل بوجوب اجرة المثل فيها كان دليله قاعدة الاقدام لا غير، مع أنّ المصنّف أسقطها عن الدليلية و أرجعها إلى عدم المانع.

____________

و ليس هذا السّبق بأمر المسبوق، و لا ممّا يعود نفعه إليه، و لا أنّه أتلف شيئا من أموال السابق. و مع انتفاء هذه الأمور الموجبة للضمان كيف يحكم في المسابقة الفاسدة بالضمان؟

و الحاصل: أنّ المسابقة الفاسدة من القمار المحرّم الذي لا يوجب الضمان.

إلّا أن يقال: إن المراد بعود النفع إلى باذل العوض كون العمل صادرا لغرض عقلائي مخرج له عن المعاملة السفهية، كما إذا استأجر شخصا لكنس مسجد أو بيت عالم أو نقل متاع مؤمن إلى بيته، فإنّ النفع إن أريد به المال فلا يعود مال في هذه الموارد الى باذل الأجرة، مع أنّ المعاملة صحيحة، فإذا فرض فساد هذه المعاملة كانت مضمونة، كما إذا صدرت صحيحة. فالمسابقة الفاسدة كالصحيحة تصدر عن غرض عقلائيّ، و هو التهيّؤ للحرب و الوقوف على رموزها، فتكون كالإجارة لكنس مسجد في كون المسابقة من المعاملات العقلائيّة، فتندرج في «كلّ ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده».

و عليه فلا ينتقض قاعدة «ما يضمن» بالمسابقة الفاسدة، فالمسابقة كالإجارة في كون فاسدها كصحيحها موجبة للضمان. فما أفاده العلامة و ثاني المحققين (قدّس سرّهما) من الضمان في المسابقة الفاسدة هو الجدير بالقبول، و اللّه العالم.

137

عوضه (1) عليه، لأنّه (2) ليس كالمستوفي له، و لذا (3) كانت شرعيّته على خلاف القاعدة، حيث إنّه بذل مال في مقابل عمل لا ينفع الباذل. و تمام الكلام في بابه (4).

[عدم اختصاص الضمان بالجهل بفساد المعاملة]

ثمّ إنّه (5) لا فرق فيما ذكرنا من الضمان في الفاسد بين جهل الدافع بالفساد، و بين علمه مع جهل القابض (6).

____________

(1) أي: عوض العمل على الآخر الذي لم يأمر بالعمل و لم ينتفع به.

(2) أي: لأنّ الآخر لم ينتفع و لم يستوف عمل الغير حتى يكون ضامنا بمقتضى قاعدة الاحترام.

(3) أي: و لأجل عدم المقتضي للضمان في مثل المسابقة الفاسدة كانت مشروعيّتها على خلاف القاعدة، لعدم بذل مال في مقابل عمل ينتفع به الباذل.

(4) و هو كتاب المسابقة إذا تبيّن فسادها بعد العمل.

هذا تمام الكلام في الجهة الثانية المعقودة لبيان مدرك قاعدة «ما يضمن».

عدم اختصاص الضمان بالجهل بفساد المعاملة

(5) هذا إشارة إلى الجهة الثالثة، ممّا تعرّض له في شرح قاعدة «ما يضمن» و هي اختصاص الضمان بجهل الدافع بفساد المعاملة، و تعميمه لكلتا حالتي العلم و الجهل به.

و لا يخفى أنّ هذا البحث و إن كان له تعلّق بالقاعدة، و لكنّه لا يختص بها، بل يجري في ضمان المقبوض بالعقد الفاسد سواء أ كان الدليل على الضمان حديث «على اليد» أم حديث ضمان قيمة ولد الأمة المسروقة، أم قاعدة «ما يضمن» أم الإجماع المدّعى في بعض الكلمات.

و كيف كان فينبغي الإشارة إلى أمر قبل توضيح المتن، و هو: أنّ للمسألة صورا أربع، و هي: علمهما بالفساد، و جهلهما به، و علم الدافع و جهل القابض، و بالعكس. إلّا أنّ المذكور في المتن هي الصور الثلاث الأول، و لم يتعرّض لحكم صورة جهل الدافع بالفساد مع علم القابض به، و لعلّه اتّكالا على وضوحه.

(6) الدليل على عموم الضمان ما سيأتي في كلامه من إطلاق النص و الفتوى،

138

و توهّم (1) «أنّ (2) الدافع في هذه الصورة هو الذي سلّطه عليه، و المفروض

____________

و عدم مقيّد له في البين.

(1) هذا تفصيل في الضمان بين علم الدافع بالفساد و جهل القابض به، و بين غيره. و هذا التفصيل احتمله الشهيد الثاني (قدّس سرّه) أوّلا، لكنّه عدل عنه و قال:

«و الأقوى ثبوته- أي الضمان- في جميع الصور» (1).

و اختاره المحقق الأردبيلي (قدّس سرّه) بناء على مرجعيّة أصالة البراءة عن الضمان في المقبوض بالعقد الفاسد، لعدم حجيّة حديث «على اليد» و لا قاعدة «ما يضمن» فقال (قدّس سرّه): «و هو- أي عدم الضمان- مع الجهل بالفساد قويّ، و مع علم الآخر أقوى.

و مع علمه بالفساد- و بعدم جواز تصرفه و وجوب حفظه و وجوب ردّه إلى مالكه معجّلا- كالمغصوب، و ذلك قد يكون بعلمه بطلب من المالك على تقدير الفساد، و عدم رضاه بكونه عنده .. و أمّا مع الجهل بالفساد- سيّما في أمر غير ظاهر الفساد، و كذا بعد العلم به، و لكن مع عدم العلم بوجوب الرّد- فالضمان غير ظاهر ..

الى أن قال: نعم إذا علم عدم الرضا إلّا بوجه البيع أو اشتبه ذلك، يتوجّه جواز التصرّف، و الضمان على تقدير فهم عدم الرّضا بالمكث عنده، و كونه أمانة على تقدير غيره» (2).

و حاصله: أنّه (قدّس سرّه) فصّل بين صورتي العلم بالفساد و الجهل به، فإن كانا جاهلين فعدم الضمان قويّ. و إن كان الآخر- أي: الدافع- عالما و القابض جاهلا فعدم الضمان أقوى. و إن كان القابض عالما بالفساد و بحرمة التصرّف في المقبوض بالعقد الفاسد، و بوجوب ردّه إلى مالكه معجّلا فهو ضامن كالغاصب.

(2) هذا الوجه مذكور في المسالك و إن لم يعتمد عليه. و حاصله: أنّ الدافع- مع علمه بالفساد و جهل القابض به- سلّط القابض على المقبوض، و أذن له في‌

____________

(1) مسالك الأفهام، ج 3، ص 154

(2) مجمع الفائدة و البرهان، ج 8، ص 192 و 193

139

أنّ القابض جاهل» (1) مدفوع (2) بإطلاق النص و الفتوى. و ليس (3) الجاهل مغرورا، لأنّه (4) أقدم على الضمان قاصدا.

____________

إتلافه و التصرف فيه مع علمه ببقائه على ملكه، و لا موجب لضمان القابض حينئذ.

(1) إذ لو كان عالما بالفساد كان ضامنا بلا إشكال.

(2) هذا خبر «توهّم» و دفع للتوهّم المزبور و ملخّص الدفع: أنّ إطلاق النص و هو «على اليد» و كذا إطلاق الفتوى يثبت الضمان و يدفع الشك فيه.

(3) إشارة إلى وجه آخر لنفي الضمان، و هو قاعدة الغرور، بتقريب: أنّ الدافع مع علمه بالفساد و جهل القابض به قد غرّه، إذ لم يكن موظّفا بدفع المال إلى القابض، و مع ذلك دفعه إليه.

و ببيان آخر: قد تقرّر عندهم في باب الضمان «أنّ المغرور يرجع على من غرّه» كما إذا قدّم شخص طعاما لضيفه بعنوان أنّه ملكه أو مأذون في تقديمه للضيف، فتبيّن عدم كون المضيف مالكا و مأذونا في التصرّف فيه، فإنّ الآكل ضامن له. و لكنّه يرجع بقيمته على الغارّ و هو المضيف. و الوجه في الرجوع إلى الغارّ هو قاعدة الغرور.

و المدّعى انطباق هذه القاعدة على المقام، لأنّ الدافع العالم بفساد العقد أقبض ماله للطرف الآخر- الجاهل بالفساد- بعنوان أنّ المال انتقل إلى القابض، و أخذ عوضه من القابض. و هذا الإقباض خدعة من البائع العالم بالفساد، لأنّ المشتري يتخيّل صحة المعاملة و وجوب الوفاء بها. و من المعلوم أنّ إبقاء جهله و إعطاءه ما ليس بنظر البائع مالا للمشتري نحو غرور و خدعة، و لا وجه حينئذ لضمان المشتري لما تسلّمه من البائع العالم بالفساد، بل يرجع عليه بماله، هذا.

(4) أي: لأنّ الجاهل. و هذا إشارة إلى دفع الوجه المزبور- و هو قاعدة الغرور- و محصّله: عدم كون المقام من صغريات هذه القاعدة، و ذلك لأنّ القابض الجاهل- كالمشتري- قد قبض المال مع ضمانه بالمسمّى الذي يدفعه إلى البائع، و العالم بالفساد‌

140

و تسليط (1) الدافع العالم لا يجعلها أمانة مالكيّة (2)، لأنّه (3) دفعه على أنّه (4) ملك المدفوع إليه، لا أنّه (5) أمانة عنده أو عارية، و لذا (6) لا يجوز له التصرّف فيه

____________

إنّما سلّط القابض على المال بعنوان أنّه ملكه، و لم يقصد عنوانا آخر من الأمانة أو العارية، فلا غرور في البين.

(1) هذا من إضافة المصدر إلى الفاعل، و غرض المفصّل الاستناد إلى: أنّ العالم بفساد العقد إذا سلّط الآخر على ماله فقد أسقط حرمة ماله، فلا وجه لضمان القابض.

و أجاب عنه المصنّف (قدّس سرّه) بما عرفت من أنّ مجرّد التسليط لا يساوق المجّانيّة و الاذن في التصرّف، بل هو أعمّ فإن كان مقرونا بقصد الأمانة أو المجّانيّة لم يضمن الآخذ، و إن كان مبنيا على كون المال ملكا للآخذ- و لو تشريعا- كما هو المفروض في البيع الفاسد كان ضامنا، هذا.

(2) حتى لا يثبت الضمان، إذ الأمانة المالكيّة كالشرعيّة رافعة للضمان.

(3) تعليل لعدم الأمانة المالكيّة، و حاصله: أنّ المالك لم يدفع المال بعنوان الأمانة، بل دفعه إليه بعنوان كونه ملكا له.

(4) هذا الضمير و ضميرا «دفعه، أنّه» راجعة إلى «المقبوض» المستفاد من السياق.

(5) معطوف على «على» أي: لم يكن دفع المال إلى المدفوع إليه مبنيّا على الأمانة و العارية حتّى يسقط الضمان.

(6) أي: و لأجل كون دفع المال مبنيّا على كونه ملكا للمدفوع اليه- لا بعنوان الأمانة- لا يجوز للمدفوع إليه التصرف في المال، و لا الانتفاع به. و لو كان عارية لجاز الانتفاع به كما هو واضح.

هذا تمام الكلام في المقام الأول و هو البحث عن دليلية قاعدة «ما يضمن» على ضمان المقبوض بالبيع الفاسد.

141

و الانتفاع به [1] و سيأتي تتمّة ذلك في مسألة بيع الغاصب مع علم المشتري (1).

____________

(1) سيأتي في الأمر الثالث ممّا ذكره في العقد المجاز، حيث قال: «ثم إنّ هنا إشكالا في شمول الحكم بجواز تتبع العقود لصورة علم المشتري بالغصب .. إلخ».

____________

[1] قد ذكر لهذا التفصيل وجوه:

الأوّل: الأصل، بتقريب: أنّ أصالة البراءة تنفي الضمان.

و فيه ما لا يخفى، لحكومة «على اليد» عليه، سواء أريد به الأصل الحكمي و هو الضمان، أم أريد به الأصل الموضوعي و هو أصالة عدم تحقق سبب الضمان.

أمّا الأوّل فواضح. و امّا الثاني فلأنّ اليد تقتضي الضمان. إلّا أن يكون هناك مانع و هو الأمانة، و لا بدّ من العمل على طبق المقتضي حتّى يعلم المانع و هو الأمانة المعلوم عدمها في المقام.

الثاني: التسليط المجّاني المانع عن تأثير اليد في الضمان. توضيحه: أنّ العلم بالفساد موجب للعلم بعدم استحقاق العوض، و هو مستلزم للإقدام على دفع المال مجّانا.

و فيه:- مضافا إلى عدم اختصاص هذا الوجه بجهل القابض، لجريانه في صورة علمه أيضا- أنّه إن أريد عدم تمشي قصد البيع مع العلم بعدم استحقاق العوض، و لازمه قصد المجّانية، و هو ينفي الضمان، ففيه أوّلا: منع الملازمة بين العلم بعدم الاستحقاق و بين امتناع قصد البيع. و يتضح وجه عدم الملازمة بملاحظة التشريع، فإنّ الغاصب يشرّع مالكيته للمغصوب ثم يبيعه، فمع علمه بفساد البيع يقصد المعاوضة لا المجّانيّة.

و ثانيا: منع الملازمة بين عدم قصد حقيقة البيع و بين مجّانيّة التسليط الخارجي، لجواز كونه بعوض كما هو كذلك في مقامنا، ضرورة أنّ تسليط المشتري على المبيع إنّما يكون في مقابل تسليطه البائع على الثمن، فلا مجّانيّة حتى تمنع عن تأثير اليد في الضمان.

مضافا إلى: أنّ القبض الخارجيّ يكون متفرّعا على البيع الفاسد، لأنّ الكلام في المقبوض به، لا على عدم البيع، فلا مجال لإنكار قصد البيع حتى يكون القبض عنوانا

142

____________

مستقلّا قصد به المجّانيّة.

فالمتحصل: عدم الفرق في الضمان بين علم القابض و جهله.

نعم الفرق بينهما في ثبوت الحرمة التكليفيّة المنجّزة في صورة علم القابض و عدمها مع جهله، فلاحظ.

الثالث: قاعدة الغرور، بتقريب: أنّ الدافع العالم بالفساد قد غرّ القابض الجاهل به، حيث إنّ المقبض العالم إنّما أقبضه ما هو ماله بنظر القابض خدعة لإتمام المعاملة، و أخذ عوضه من القابض، فإبقاء جهله بحاله و إعطاؤه ما ليس بنظره ماله نحو غرور و خدعة، و من المعلوم أنّ المغرور يرجع على من غرّه. نعم مع علم القابض لا غرور و لا خديعة.

فهذا الوجه الثالث مختص بصورة جهل القابض.

و فيه أوّلا: أنّه أخصّ من المدّعى، لاختصاص الغرور بما إذا كان الجاهل القابض مباليا بماله دخل في صحّة المعاملة من الشرائط الشرعيّة، إذ بدون المبالاة و الاقتصار على الصحة العقلائيّة- بحيث لو علم بفساد المعاملة شرعا لأقدم عليها أيضا كبيع الخمر و الخنزير و غيرهما من البيوع العقلائيّة المنهيّ عنها شرعا- لا يصدق الغرور و الخدعة، لأنّ إقدام القابض حينئذ ليس ناشئا من الخدعة أصلا، بل من عدم مبالاته بالدين. فقاعدة الغرور لا تجري في كلتا صورتي جهل القابض و علمه، مع أنّ المدّعى ضمان القابض في كلتيهما، كما لا يخفى.

و ثانيا: أنّ الغرور بمعنى الخديعة متقوّم بأمرين:

أحدهما: علم الغارّ، و الآخر جهل المغرور. و انتفاء أحدهما يوجب انتفاء الغرور. و في المقام و إن كان القابض جاهلا بفساد العقد. إلّا أنّه عالم بالضمان و مقدم عليه، غايته أنّه أقدم على ضمان المسمّى لا أكثر، فلا تجري قاعدة الغرور في أصل الضمان. نعم تجري في الزائد على العوض المسمّى، بداهة أنّ الدافع غارّ بالنسبة إلى هذا الزائد، و سيأتي الكلام فيه إن شاء اللّه تعالى.

فالمتحصّل: أنّ ما عن المشهور من الضمان في جميع الصور- كما في حاشية

143

[قاعدة: ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده]

و أمّا عكسها (1) و هو «أنّ ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده» فمعناه (2): أنّ كلّ عقد لا يفيد صحيحه ضمان مورده (3) [1] ففاسده لا يفيد ضمانا،

____________

قاعدة: ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده

(1) أي: عكس قاعدة «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده» و قد تقدم (في ص 57) المسامحة في التعبير بالعكس كما لا يخفى، فراجع.

و كيف كان فهذا شروع في المقام الثاني، و هو البحث عن الجهات المتعلقة بقاعدة «ما لا يضمن» و اقتصر المصنّف (قدّس سرّه) هنا على جهات ثلاث، الأولى: مدلول القاعدة، الثانية: موارد النقض عليها. الثالثة: مدرك القاعدة و مستندها.

و أمّا المباحث المتقدمة في قاعدة «ما يضمن»- من معنى الضمان، و كون عموم العقود أفراديا أو أنواعيا أو أصنافيا، و اقتضاء ذات العقد للضمان أو كفاية اقتضاء الشرط له- فلا حاجة إلى إعادتها، لاشتراكها بين الأصل و العكس.

(2) هذا شروع في الجهة الأولى.

(3) مورد العقد ظاهر في نفس ما تعلّق به العقد، و ما هو مصبّه، كالعين في عقد البيع، و الانتفاع في العارية، و المنفعة في الإجارة. لكن المراد به هنا بقرينة ما يأتي في‌

____________

الفقيه المامقاني (قدّس سرّه) (1)- هو الأقوى، فلا يقيّد الضمان في قاعدة ما يضمن بشي‌ء من العلم و الجهل.

كما أنّ المتحصّل ممّا ذكرنا تمامية كلية القاعدة من ناحية إيجابها أعني به «كل عقد يضمن بصحيحه يضمن بفاسده» و وفاء الأدلة من اليد و قاعدة الاحترام بإثبات إيجابها الكليّ، فلاحظ و تأمّل.

[1] ظاهره نفي سببيّة العقد للضمان، لا إثبات سببيّته لعدم الضمان، فعدم الضمان إنّما هو لعدم المقتضي له، لا لوجود المقتضي لعدم الضمان.

____________

(1) غاية الآمال، ص 281

144

كما في عقد الرهن و الوكالة و المضاربة و العارية غير المضمونة، بل المضمونة- بناء على أنّ المراد بإفادة الصحيح للضمان إفادته بنفسه (1) لا بأمر خارج عنه كالشرط الواقع في متنه- و غير (2) ذلك من العقود اللازمة و الجائزة.

____________

كلامه: «ثم إنّ مقتضى ذلك عدم ضمان العين ..» أعم منه و ممّا يكون متعلّق متعلّق العقد، إذ لو لا هذا التعميم لا يستقيم عدم ضمان العين المستأجرة، حيث إنّ اليد تقتضي ضمانها، فعدم ضمانها مبنيّ على تعميم متعلق العقد لمتعلق متعلقة. فمورد نفس متعلق الإجارة هو المنفعة، و العين تكون متعلق متعلق الإجارة. ففي الإجارة الصحيحة ليست العين مضمونة، و كذا في فاسدها.

(1) هذا متعلّق بقوله: «بل المضمونة» و هو إشارة إلى ما مرّ من اقتضاء العقد بنفسه للضمان، لا من جهة الشرط الذي هو خارج عن ماهيّة العقد، و يكون الضمان لأمر خارج عن حقيقته و هو الشرط. فبناء على التعميم تندرج العارية المشروطة بالضمان في أصل القاعدة، و بناء على الاختصاص تندرج في العكس.

(2) معطوف على «عقد الرهن ..» و المراد بالغير هو العقود التي لا تتضمّن معاوضة كالهبة و الوديعة.

____________

و على هذا فلو ثبت الضمان في فاسد العقد الذي لا يضمن بصحيحه لم يكن معارضا لهذه القاعدة، لتوقّف عدم الضمان على استقصاء سائر أسباب الضمان و إحراز عدمها. و إلّا فمجرّد عدم اقتضاء فاسد العقد للضمان لا يجدي في الحكم بعدم الضمان فعلا.

هذا لو كانت «الباء» للسببيّة، بخلاف ما لو كانت ظرفيّة، لظهورها في تبعيّة العقد الفاسد لصحيحة في عدم الضمان، فلو قام دليل آخر على الضمان كان معارضا لهذه القاعدة لو تمّت في نفسها، للتنافي بين ما يثبت الضمان في الفاسد و ما ينفيه، فلاحظ.

145

ثمّ إنّ مقتضى ذلك (1) عدم ضمان العين المستأجرة فاسدا، لأنّ صحيح

____________

(1) المشار إليه هو قوله في تفسير القاعدة: «أنّ كلّ عقد لا يفيد صحيحه ضمان مورد ففاسده لا يفيد ضمانا» فمقتضى هذه القاعدة عدم ضمان العين المستأجرة في الإجارة الفاسدة، لأنّ الإجارة الصحيحة لا تفيد ضمان العين فكذا الفاسدة.

و غرضه (قدّس سرّه) بيان أحد النقوض الواردة على قاعدة «ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده» و لكنّه خصّ هذه المسألة بالذّكر هنا و لم يجعلها في عداد النقوض الآتية بقوله: «ثم إنّه يشكل اطراد القاعدة في موارد» و لعلّه لخصوصيّة في هذه، و هي ابتناؤها على الخلاف في أنّ المراد بالعقد في أصل القاعدة و عكسها هل هو خصوص مصبّ العقد كالعين في باب البيع، و المنفعة في باب الإجارة، أم ما يعمّ متعلق المتعلق؟

فإن قلنا بالاختصاص لزم التفكيك بين العين و المنفعة في عقدي البيع و الإجارة، لكون العين في البيع موضوعا لقاعدة «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده» و المنفعة موضوعا لقاعدة «ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده».

و ينعكس الأمر في باب الإجارة، إذ المعوّض فيها هو المنفعة، فتندرج في أصل القاعدة، و تندرج العين في العكس، يعني «ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده».

و إن قلنا بالتعميم أي: دخول العين في مصبّ الإجارة، فلا ضمان في صحيحها و فاسدها. أمّا في الصحيح فلأنّ مالك العين يلزمه تسليم العين للمستأجر ليستوفي منفعتها، فهو مأذون من قبل المالك، و يده يد استحقاق. و أمّا في الفاسد فلإقدام المالك على تسليم العين بدون ضمان.

و كيف كان فإذا استأجر زيد من عمرو دارا عاما بمائة دينار، فإن كانت صحيحة كان المستأجر ضامنا للأجرة المسماة، و لا يضمن نفس الدار، فلو تلفت بيده- من دون تعدّ و تفريط في الحفظ- لم يضمنها، لكونها أمانة. و إن كانت الإجارة فاسدة ففي ضمانه قيمة الدار قولان:

146

الإجارة غير مفيد لضمانها، كما صرّح به (1) في القواعد و التحرير، و حكي عن التذكرة (2) و إطلاق (3) الباقي.

____________

أحدهما: الضمان، و هو المصرّح به في كلام العلّامة السيّد الطباطبائيّ (قدّس سرّه) (1).

و الآخر: عدمه، و لعلّه المشهور، كما ستقف عليه إن شاء اللّه تعالى.

(1) أي: بعدم ضمان العين. قال العلّامة في القواعد: «العين أمانة في يد المستأجر لا يضمنها إلّا بتعدّ أو تفريط، في المدّة و بعدها إذا لم يمنعها مع الطلب، سواء كانت الإجارة صحيحة أو فاسدة» (2). و الجملة الأخيرة صريحة في عدم ضمان العين المستأجرة بالإجارة الباطلة شرعا. و نحوه عبارة التحرير (3).

(2) الحاكي هو السيد الفقيه العاملي (قدّس سرّه) (4)، حكاه بتصرف في اللفظ، قال في التذكرة: «إذا كانت الإجارة فاسدة لم يضمن المستأجر العين أيضا إذا تلفت بغير تفريط و لا على عدوان، لأنّه عقد لا يقتضي صحيحه الضمان فلا يقتضيه فاسدة، كالوكالة و المضاربة. و حكم كل عقد فاسد حكم صحيحه في وجوب الضمان و عدمه، فما وجب الضمان في صحيحه وجب في فاسده، و ما لم يجب في صحيحه لم يجب في فاسده. و لأنّ الأصل براءة الذمّة من الضمان، لأنّه قبض العين بإذن مالكها، فلم يجب عليه ضمانها، لعدم موجب له مع هذا القبض» (5).

(3) الأولى أن يقال: «و أطلق الباقي» ليكون مقابلا لقوله: «كما صرّح به في القواعد». و جعله معطوفا على نائب فاعل «حكي»- ليكون مفاده حكي التصريح عن التذكرة كما حكي إطلاق الباقي- لا بأس به و إن كان خلاف الظاهر. و قد حكى‌

____________

(1) رياض المسائل، ج 2، ص 8

(2) قواعد الأحكام، ص 93، السطر 15 (الطبعة الحجرية).

(3) تحرير الأحكام، ج 1، ص 252

(4) مفتاح الكرامة، ج 5، ص 132

(5) تذكرة الفقهاء، ج 2، ص 318

147

إلّا أنّ صريح الرياض (1) الحكم بالضمان، و حكى (2) فيها عن بعض «نسبته إلى المفهوم من كلمات الأصحاب» و الظاهر أنّ المحكي عنه هو المحقق الأردبيلي في مجمع الفائدة (3).

____________

السيّد العاملي إطلاق الباقين، فراجع (1).

و كيف كان فالمقصود أنّ عدم ضمان العين المستأجرة فاسدا يستفاد من تصريح العلامة و من ظاهر غيره ممّن أطلق عدم الضمان، و لم يقيّده بالعقد الصحيح، كالمحقق، حيث قال: «و العين المستأجرة أمانة لا يضمنها المستأجر إلّا بتعدّ أو تفريط» (2).

(1) قال في ذيل ما ذكره في شرح قول المحقق (قدّس سرّه): «و يثبت أجرة المثل في كل موضع تبطل فيه الإجارة» (3) ما لفظه: «و العين مضمونة في يد المستأجر مطلقا كما نسب إلى المفهوم من كلمات الأصحاب. و لعلّه لعموم الخبر بضمان ما أخذته اليد» (4).

(2) يعني: و حكى السيّد الطباطبائي في الرياض نسبة الضمان إلى ما فهمه بعض من كلمات الأصحاب، و الناسب هو المحقق الأردبيلي (قدّس سرّه).

(3) قال المحقق المذكور ما نصّه: «ثمّ إنّ الظاهر أنّ العالم كالغاصب لا يجوز له التصرف، و لا يستحق شيئا، لما مرّ من أن الاذن إنّما علم بالعقد، لاعتقاد أنّه صحيح، و يلزم الطرف الآخر ما يلزمه، و قد بطل و هو عالم بالفرض، فيبقى أصل المنع على حاله كما قيل في البيع الباطل، بل يفهم من كلامهم الضمان مع الجهل أيضا» (5).

و هذه الجملة الأخيرة محلّ الاستشهاد بكلام المحقق الأردبيلي (قدّس سرّه)، حيث فهم من كلام الأصحاب ضمان العين المستأجرة.

____________

(1) مفتاح الكرامة، ج 5، ص 252

(2) شرائع الإسلام، ج 2، ص 179

(3) المختصر النافع، ص 153

(4) رياض المسائل، ج 2، ص 8، أواخر الصفحة.

(5) مجمع الفائدة و البرهان، ج 10، ص 50

148

و ما أبعد (1) ما بينه و بين ما عن جامع المقاصد، حيث قال في باب

____________

(1) يعني: و ما أبعد ما بين ما أفاده المحقق الأردبيلي (قدّس سرّه)- من أنّ المفهوم من كلمات الأصحاب ضمان العين في الإجارة الفاسدة- و بين ما أفاده المحقق الكركي (قدّس سرّه) من أنّه يلوح من كلامهم عدم الضمان. و غرض المصنّف (قدّس سرّه) التعجّب من استظهار هذين العلمين، حيث ادّعى المحقق الأردبيلي أنّ الضمان يفهم من كلامهم، و ادّعى المحقق الكركي ظهور كلامهم في عدم الضمان.

و كيف كان فيحتمل أن يكون اختلافهما في النسبة إلى الأصحاب ناشئا من الاختلاف في فهم معنى قولهم: «كلّ ما يضمن بصحيحه .. إلخ» بأن يقال: إنّ المحقق الأردبيلي (قدّس سرّه) فهم من هذه العبارة: أنّ مورد إثبات الضمان و نفيه عند الأصحاب خصوص متعلّق العقد كالمنفعة في الإجارة، فلا يعمّ العين المستأجرة، فلا بدّ حينئذ من الحكم بضمان العين لقاعدة اليد، لعدم كون العين موردا للعقد.

و المحقّق الثاني (قدّس سرّه) فهم منها أنّ مورد النفي و الإثبات عندهم ما يشمل مورد العقد و متعلّق المتعلّق، فيعمّ العين المستأجرة، فيتعارض اليد و القاعدة، فيرجع إلى البراءة.

و الحاصل: أنّ هنا قاعدتين إحداهما- و هي اليد- توجب الضمان، و الأخرى و هي قاعدة «ما لا يضمن بصحيحه» تنفي الضمان. و الاختلاف إنّما يكون في مفاد الثانية.

فإن كان مفادها عند الأصحاب نفي الضمان عن خصوص مورد العقد، فلا تشمل العين المستأجرة فاسدا كما زعمه المحقق الأردبيلي. و عليه فمقتضى قاعدة اليد ضمانها.

و إن كان مفادها عندهم نفي الضمان عن الأعمّ من مورد العقد كما استظهره المحقق الثاني من كلام الأصحاب فلازمه نفي الضمان عن العين المستأجرة فاسدا، إذا المفروض عدم اختصاص قاعدة «ما لا يضمن» بنفس مورد العقد، و شمولها لمتعلق متعلقة أيضا كالعين المستأجرة، فإنّ مورد العقد هو المنفعة دون العين.

149

الغصب: «إنّ الّذي (1) يلوح من كلامهم هو (2) عدم ضمان العين المستأجرة فاسدا باستيفاء (3) المنفعة. و الّذي ينساق إليه النظر (4) هو الضمان، لأنّ (5) التصرّف

____________

لكنّه بناء على تعميم مورد العقد لمتعلّق متعلقة تندرج الإجارة الفاسدة في قاعدة «ما لا يضمن» فإنّ صحيح الإجارة لا يوجب ضمان العين، و كذا فاسدها.

(1) العبارة منقولة بتصرّف غير قادح في المقصود، قال (قدّس سرّه): «و هل العين مضمونة بالاستيفاء؟ يلوح من كلامهم العدم. و الذي ينساق إليه النظر كونها مضمونة، لأنّ التصرف في العين غير جائز، فهو بغير حق، فيكون في حال التصرف استيلاؤه عليها بغير حق، و ذلك معنى الغصب، إلّا أنّ كون الإجارة الفاسدة ..» (1)

إلى آخر ما في المتن. و كلامه مشتمل على أنظار ثلاثة سيأتي بيانها.

(2) هذا هو النظر الأوّل المذكور في جامع المقاصد، و هو نسبة عدم ضمان العين- في الإجارة الفاسدة- إلى الأصحاب. و كان مبنى هذه النسبة تصريح العلّامة في القواعد و التحرير و التذكرة بعدم الضمان.

(3) متعلق ب‍ «عدم ضمان» يعني: أنّ استيفاء المنفعة و إن أوجبت ضمانها بأجرة المثل، لكنّها لا تقتضي ضمان العين.

(4) أي: نظر المحقق الثاني، خلافا لما استظهره من كلام الأصحاب من عدم الضمان. و هذا ثاني الأنظار في المسألة، و هو إثبات ضمان العين المستأجرة بالإجارة الفاسدة، لكونه من موارد الغصب، و هو محرّم شرعا، و يترتّب عليه الضمان.

و الوجه في حرمة التصرّف هو فساد العقد حسب الفرض، و لا إذن من المالك غير الإذن العقديّ، فكما يضمن المستأجر منفعتها المستوفاة فكذا يضمن العين لو تلفت بيده.

(5) تعليل للضمان، و قد عرفته آنفا، كما عرفت أن هذه الجملة ليست نصّ عبارة جامع المقاصد.

____________

(1) جامع المقاصد، ج 6، ص 216

150

فيه (1) حرام، لأنّه غصب فيضمنه» ثمّ قال: «إلّا أنّ (2) كون الإجارة الفاسدة لا يضمن بها كما لا يضمن بصحيحها مناف لذلك (3)، فيقال: (4) إنّه (5) دخل على عدم الضمان بهذا الاستيلاء و إن لم يكن (6) مستحقا، و الأصل براءة الذمة من

____________

(1) كان المناسب تأنيث هذا الضمير و ضمير «فيضمنه» لرجوعهما إلى العين في الإجارة الفاسدة، و كذا تأنيث ضمير «لأنه» لو لم يرجع إلى التصرّف.

(2) هذا شروع في بيان النظر الثالث، و هو الخدشة في الضمان، و بيانها: أنّ قاعدة اليد و إن اقتضت ضمان العين، إلّا أنّها معارضة بقاعدة أخرى تقتضي عدم الضمان، فيتم نظر المشهور الّذين يلوح من كلامهم ذلك، و تلك القاعدة هي «ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده» بتقريب: أنّ الموجر أقدم على عدم الضمان، حيث إنّه سلّط المستأجر على العين بلا عوض عنها، و إن لم يكن المستأجر مستحقا لها من جهة فساد العقد. فإن كان الترجيح مع قاعدة «ما لا يضمن» فلا ضمان.

و إن كانتا متكافئتين تساقطتا، و المرجع أصالة براءة ذمة المستأجر عن بدل العين التي استوفى منفعتها، هذا.

(3) أي: للضمان الذي تقتضيه قاعدة اليد.

(4) هذا تقريب تطبيق قاعدة «ما لا يضمن» على الإجارة الفاسدة بالنسبة إلى العين، و محصّله: الاقدام على تسليط المستأجر عليها بلا عوض عنها.

و يستفاد من هذا الكلام أنّ الاقدام على التسليط بعوض يكون من موجبات الضمان، فيكون المحقّق الثاني موافقا لشيخ الطائفة و ابن إدريس (قدّس سرّهم) في عدّ الاقدام من أسباب الضمان.

(5) أي: أنّ مالك العين أقدم على عدم ضمانها.

(6) أي: و إن لم يكن المستولي- و هو المستأجر- مستحقّا للعين مقدّمة للانتفاع بها، و وجه عدم استحقاقه لها فساد عقد الإجارة.

151

الضمان (1)، فلا يكون العين بذلك مضمونة. و لو لا ذلك (2) لكان المرتهن ضامنا مع فساد الرهن، لأنّ استيلاءه بغير حق، و هو (3) باطل» (1) انتهى.

____________

(1) إن كان الأصل العملي في رتبة الدليل الاجتهادي أعني به قاعدة «ما لا يضمن» فيكون معاضدا لها في تقدمها على قاعدة اليد. و إن كان متأخّرا عنها رتبة- كما هو الحق- فتكون مؤيّدا، أو مرجعا على تقدير تساقط القاعدتين بالتعارض.

(2) أي: و لو لا انطباق قاعدة «ما لا يضمن» على الإجارة الفاسدة بالنسبة إلى العين لكان المرتهن .. إلخ.

و غرض المحقق الكركي (قدّس سرّه) من الاستشهاد بمسألة عدم ضمان العين المرهونة- في الرهن الفاسد- هو تأييد مقالته من عدم ضمان العين في الإجارة الفاسدة، لكونه من موارد قاعدة «ما لا يضمن» و بيانه: أنّ مجرّد وضع اليد على مال الغير لا يقتضي ضمانه، بل يتوقّف على عدم إذن مالكيّ و لا شرعيّ و لا استيمان و لا معاوضة، فلو كان التسليط المالكيّ مبنيّا على عدم ضمان الآخذ لم تقتض يده ضمانا، و هذا أمر مطّرد في موارد:

منها: الرهن الفاسد، فإنّ استيلاء المرتهن على العين المرهونة يكون بغير حقّ حسب الفرض، إلّا أنّها لو تلفت بيده لم يكن عليه بدلها، لأنّ الراهن سلّط المرتهن على ماله مبنيّا على كونه وثيقة عنده، لا بعنوان المعاوضة. و بهذا يندرج الرّهن في قاعدة «ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده» و تجري أصالة البراءة عن الضمان.

و لو لا هذا لزم الحكم بضمان الرّهن عملا بقاعدة اليد، مع أنّهم حكموا بعدم الضمان، أخذا بالقاعدة و بالأصل.

(3) يعني: و الحال أنّ ضمان المرتهن للعين المرهونة- في الرّهن الفاسد- باطل، فكذا لا وجه لضمان العين المستأجرة بالإجارة الفاسدة، هذا تمام كلام المحقق الكركي (قدّس سرّه).

____________

(1) جامع المقاصد، ج 6، ص 216

152

و لعلّ الحكم بالضمان في المسألة (1) إمّا لخروجها (2) عن قاعدة «ما لا يضمن» لأنّ المراد بالمضمون مورد العقد، و مورد العقد في الإجارة

____________

(1) يعني: و لعلّ حكم الأصحاب بالضمان في مسألة الإجارة الفاسدة- على ما نسبه المحقق الأردبيلي إليهم، و عدم عملهم فيها بقاعدة «ما لا يضمن» المقتضية لعدم الضمان- مستند إلى أحد وجهين .. إلخ. و غرضه (قدّس سرّه) من هذه الجملة إلى قوله: «و إمّا لأنّ قاعدة ما لا يضمن معارضة بقاعدة اليد» توجيه الحكم بضمان العين بوجهين ذكرهما صاحب الجواهر (قدّس سرّه) و إن تنظّر فيهما في آخر كلامه، و سيأتي نقل بعض ما أفاده.

و على كلّ منهما يشكل ما تقدّم عن المحقق الكركي من ترجيح القول بعدم ضمان العين عملا بقاعدة «ما لا يضمن» و بأصالة البراءة عن الضمان.

(2) هذا هو الوجه الأوّل للقول بضمان العين، و هو مؤخّر- ذكرا- في الجواهر، قال (قدّس سرّه): «على أنّه قد يقال: بعدم اندراج العين في قاعدة ما لا يضمن، فلا تعارض قاعدة اليد حينئذ، و ذلك لأنّ المراد من الإيجاب و السّلب فيها ما كان مضمونا بسبب العقد، و ما لم يكن مضمونا كذلك. على معنى أنّ الضمان و عدمه مورد العقد كالمنفعة في الإجارة، و العين في الهبة. و لا ريب أنّ عدم الضمان في العين المستأجرة لا مدخليّة للعقد فيه، و إنّما هو لكونها أمانة، فيدور الضمان في الفاسد عليها، لا من القاعدة المزبورة. و كذلك العين في العارية. فمع فرض عدم الأمانة- لما سمعته من تقييد الإذن بالصحة، و المفروض انتفاؤها- يتّجه ما نسباه- يعني المحقق الأردبيلي و صاحب الرياض- إلى الأصحاب من الضمان .. إلخ» (1).

و محصّل هذا الوجه: عدم شمول قاعدة «ما لا يضمن» للعين تخصّصا، بتقريب:

أنّ المراد ب‍ «ما يضمن و ما لا يضمن» ما وقع عليه العقد، لا ما هو خارج عنه و يعدّ من حواشيه، كمتعلّق متعلّقه. فاستفادة حكمه منوطة بملاحظة سائر القواعد و الأدلّة، فإن اقتضت الضمان قيل به، و إن لم تقتضه قيل بعدم الضمان. هذا بحسب الكبرى.

____________

(1) جواهر الكلام، ج 27، ص 252

153

المنفعة، فالعين يرجع في حكمها إلى القواعد (1). و حيث كانت (2) في صحيح الإجارة أمانة مأذونا فيها شرعا، و من طرف المالك (3) لم يكن فيه ضمان. و أمّا في فاسدها فدفع الموجر للعين إنّما هو للبناء على استحقاق المستأجر لها، لحقّ الانتفاع فيها، و المفروض عدم الاستحقاق (4)، فيده عليه (5) يد عدوان موجبة للضمان.

و إمّا (6) لأنّ قاعدة

____________

و أمّا تطبيقها على المقام فهو: أنّ مورد الإجارة و متعلّقها هو المنفعة لا العين.

فإن كانت الإجارة صحيحة لم يضمنها المستأجر، لكونها أمانة شرعيّة و مالكيّة، أمّا الاذن الشرعيّ فلوجوب تسليم العين للمستأجر من باب وجوب الوفاء بالعقد ليستوفي منفعتها. و أمّا الاذن المالكيّ فلأنّ الموجر يأذن للمستأجر في الانتفاع بها، و هو منوط بتسليمها إليه. و من المعلوم فقدان هذا الاذن في الإجارة الفاسدة. فيتحقق حينئذ موضوع قاعدة اليد المقتضية للضمان، و بهذا يتجه حكم صاحب الرياض (قدّس سرّه) بالضمان، هذا.

(1) من قاعدة اليد و احترام مال المسلم و نفي الضرر و غيرها، المقتضية للضمان، أو قاعدة الاستيمان المقتضية لعدمه.

(2) أي العين. و جواب الشرط قوله: «لم يكن فيه ضمان».

(3) أمّا الاذن الشرعيّ فلصحّة الإجارة شرعا المقتضية لكون العين أمانة لاستيفاء منافعها مدّة الإجارة. و أمّا الاذن المالكيّ فلتسليمه إيّاها بطيب نفسه للانتفاع بها إذا توقّف الانتفاع بها على التسليم.

(4) لفساد العقد.

(5) الضمير راجع إلى العين، فالأولى تأنيثه.

(6) معطوف على قوله: «إمّا لخروجها» و هذا إشارة إلى ثاني الوجهين للحكم بضمان العين المستأجرة. قال في الجواهر: «و إن كان قد يوجّه- يعني الضمان- على تقدير صحّة النسبة إلى الأصحاب بما سمعت من عموم- على اليد- المعارض للقاعدة المزبورة من وجه، و يرجّح عليها بالنسبة المزبورة. و دعوى العكس باعتضادها‌

154

..........

____________

بقاعدة الأمانة يدفعها ما سمعته من الرياض أخيرا من أنّه إذا كان الدفع بعنوان الصحّة، لكون الاذن كالمقيّدة بذلك- أي بالصحّة- فمع الفساد ينكشف أن لا إذن، فلا تكون أمانة» (1).

و لا يخفى ابتناء هذا الوجه على شمول قاعدة «ما لا يضمن» للعين المستأجرة و عدم اختصاصها بمورد العقد و مصبّه، إذ لو اختصّت القاعدة بمورد العقد و متعلقة لم تكن العين المستأجرة مندرجة فيها، لعدم كونها أحد العوضين، فهي خارجة موضوعا عن القاعدة.

و بناء على هذا فتوضيح كون النسبة بين قاعدتي «اليد و ما لا يضمن» عموما من وجه هو: أنّ قاعدة «اليد» تجري في المغصوب و المقبوض بالبيع الفاسد و نحوهما ممّا يكون المضمون عينا، و تقتضي الضمان. و قاعدة «ما لا يضمن» تجري في العارية و نحوها من موارد الاستيمان، فتقتضي نفي الضمان. و تجتمع القاعدتان في العين المستأجرة بالإجارة الفاسدة، فتنطبق قاعدة اليد عليها، لعدم كونها أمانة بيد المستأجر، فتكون مضمونة. و كذلك تنطبق قاعدة «ما لا يضمن» عليها، و تحكم بعدم ضمانها، لتبعية الإجارة الفاسدة لصحيحها، فكما لا تضمن العين في صحيحها فكذا في فاسدها.

و حيث كانت النسبة عموما من وجه، فإن كان لأحد العامّين مرجّح قدّم على الآخر، و إن كانا متكافئين تساقطا و يرجع إلى دليل ثالث. هذا بحسب الكبرى.

و المدّعى في كلام صاحب الجواهر (قدّس سرّه) تقديم قاعدة «اليد» في المجمع- المقتضية للضمان- على قاعدة «ما لا يضمن» النافية له. و الوجه في التقديم معاضدتها بفتوى الأصحاب بالضمان، على ما نسبه المحقق الأردبيلي و صاحب الرياض (قدّس سرّهما) إليهم.

و لا معاضد لقاعدة «ما لا يضمن» لأنّ قاعدة الاستيمان النافية للضمان مخصوصة‌

____________

(1) جواهر الكلام، ج 27، ص 252