هدى الطالب في شرح المكاسب‌ - ج3

- السيد محمد جعفر المروج الجزائري المزيد...
629 /
155

«ما لا يضمن» معارضة بقاعدة اليد (1).

و الأقوى (2) عدم الضمان، فالقاعدة المذكورة غير مخصّصة (3) بالعين

____________

بما إذا كان دفع العين إلى المستأجر مبنيّا على صحة الإجارة لا مطلقا. هذا توضيح كلام الجواهر.

و يحتمل أن يكون غرض المصنّف (قدّس سرّه) من هذا الوجه الثاني تقديم قاعدة اليد لكونها أخصّ مطلقا من قاعدة «ما لا يضمن» و من المعلوم أنّ التعارض بين العامّ و الخاصّ المطلقين بدويّ، و يتعيّن التخصيص. فيقال: إنّ قاعدة «ما لا يضمن» تنفي الضمان عن العين في الإجارة الصحيحة و الفاسدة، و قاعدة اليد تقتضي الضمان في الفاسدة، فتكون «اليد» مخصّصة لقاعدة «ما لا يضمن» و تبقى العين في الإجارة الصحيحة موضوعا لها، كموضوعيّة سائر العقود الأمانيّة لها.

(1) لا يخفى قصور العبارة عن تأدية المراد، فإنّ المقصود توجيه ضمان العين في الإجارة الفاسدة، و من المعلوم أنّ مجرّد تعارض القاعدتين ليس من أسباب الضمان، إذ لو كانتا متكافئتين تساقطتا، و المرجع حينئذ هو أصالة البراءة عن الضمان كما تقدّم في كلام المحقق الكركي (قدّس سرّه).

و عليه كان الأولى أن يقال: «معارضة بقاعدة اليد، لكنّها لأخصّيّتها تخصّص قاعدة ما لا يضمن» كما يستفاد هذا التخصيص من قوله: «غير مخصّصة».

(2) بعد أن بيّن المصنف كلا دليلي الضمان و عدمه قوّى عدم الضمان، للخدشة في الوجهين المتقدمين عن الجواهر. و مقصوده (قدّس سرّه) إثبات عدم الضمان بدليل اجتهادي و هو قاعدة «ما لا يضمن» لا بالأصل العملي الذي ركن إليه المحقّق الكركي (قدّس سرّه).

(3) هذا دفع الوجه الثاني للضمان، و هو تخصيص قاعدة «ما لا يضمن» بقاعدة اليد.

و محصّل الدفع: إباء قاعدة «ما لا يضمن» عن التخصيص بقاعدة اليد، لما تقرّر في بحث تعارض الدليلين من اشتراط التخصيص ببقاء العام على حيثيّة كونه قانونا، و عدم لزوم الاستهجان العرفي من كثرة التخصيص، بحيث تبقى تحت العامّ أفراد‌

156

المستأجرة،

____________

نادرة، فيمتنع التخصيص لو ترتّب محذور الاستهجان عليه. و لا فرق في هذا الامتناع بين كون نسبة المتعارضين عموما مطلقا و من وجه، لاتّحاد الملاك في كليهما.

و هذه الكبرى منطبقة على المقام. أمّا بناء على كون النسبة عموما من وجه كما صرّح به صاحب الجواهر (قدّس سرّه) فلأنّ غالب العقود المندرجة تحت عموم «ما لا يضمن» مشمولة لقاعدة اليد أيضا، كالمضاربة و الرهن و الهبة و نحوها ممّا تقع على الأعيان، فلو بنينا على تقديم قاعدة اليد لزم اختصاص «ما لا يضمن» بالعارية غير المضمونة، و هذا في الحقيقة إلغاء لتشريعها بنحو ضرب القانون. و أمّا لو قدّمنا هذه القاعدة على اليد لم يلزم هذا المحذور، لبقاء موارد عديدة مندرجة تحت اليد المقتضية للضمان كالمغصوب و المقبوض بالسوم و بالبيع الفاسد و غيرها.

و على هذا نقول: إنّ العين المستأجرة بالإجارة الفاسدة باقية تحت قاعدة «ما لا يضمن» بعد البناء على شمول القاعدة لمصبّ العقد و لمتعلّق متعلّقه.

و أمّا بناء على كون النسبة عموما مطلقا فكذا يتعيّن تقديم القاعدة على اليد، فإنّ الظاهر أخصّيّتها من اليد، دون العكس، و ذلك لورود هذه القاعدة مورد اليد، نظير ورود قاعدة التجاوز في مورد استصحاب العدم، إذ البناء على فعل المشكوك فيه- كالرّكوع و السجود- مخالف لاستصحاب عدم الإتيان به المقتضي لتداركه، مع أنّهم بنوا على تقديم القاعدة على الاستصحاب سواء كانا أمارتين أم أصلين محرزين، أم مختلفين. و الوجه في تخصيص دليل الاستصحاب هو ورود القاعدة مورده بحيث يلزم لغويّة تشريعها لو لا التخصيص.

و هكذا الحال في المقام، لأنّ غالب العقود التي تجري فيها قاعدة «ما لا يضمن» تجري فيها قاعدة اليد، و لا عكس. فتقديم قاعدة اليد المقتضية للضمان إلغاء لتشريع قاعدة «ما لا يضمن».

هذا كلّه توضيح عدم تخصيص قاعدة «ما لا يضمن» بقاعدة اليد. و عليه فالعين في الإجارة الفاسدة غير مضمونة، عملا بقاعدة «ما لا يضمن».

157

و لا متخصّصة (1).

____________

(1) هذا إشارة إلى ردّ أوّل الوجهين المتقدمين عن صاحب الجواهر (قدّس سرّه) الذي كان حاصله خروج العين المستأجرة موضوعا عن قاعدة «ما لا يضمن» فتشملها القواعد الأخر كقاعدة اليد الموجبة للضمان.

و محصّل مناقشة المصنّف (قدّس سرّه) فيه هو: اندراج العين المستأجرة في قاعدة «ما لا يضمن» و عدم خروجها عنها تخصّصا كعدم خروجها عنها تخصيصا.

و الوجه في بطلان التخصّص المزبور: أنّ المعوّض في إجارة الأعيان- كالدار- و إن كان هو المنفعة، إلّا أنّ الوفاء بالعقد يقتضي تسليم العين للمستأجر كي ينتفع بها، فالعقد يتضمّن شرطا ارتكازيّا متعارفا، و هو جعل العين أمانة بيد المستأجر. و حيث كان التسليط مالكيّا و مبتنيا على الأمانة كان خارجا عن قاعدة اليد و مندرجا في «ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده» لما تقرّر عندهم من انتفاء الضمان في موارد الاستيمان.

فإن قلت: يختص كون العين أمانة مالكيّة و شرعيّة- بيد المستأجر- بصحّة عقد الإجارة، و أمّا مع فسادها فلا، إذ لا يستحقّها المستأجر حتى تكون أمانة عنده.

قلت: لا فرق في قصد الاستيمان بين صحة الإجارة و فسادها، فإنّ المالك يرى نفسه ملزما بالوفاء بالشرط الضمني الارتكازي، فيجعل العين أمانة بيد المستأجر، و يكون اعتقاد صحة العقد داعيا له إلى تسليم العين. فلو كانت الإجارة فاسدة لم تقدح في قصد المالك، و إنّما يلزم تخلّف داعيه إلى التسليم. و قد تقرر عندهم عدم العبرة بتخلّف الدواعي، كما إذا قدّم المضيف طعاما لضيفه معتقدا بأنّه عالم، فتبيّن كونه جاهلا، فلا ريب في جواز الأكل، لأنّه من قبيل تخلّف الداعي.

و قد تحصّل: أنّ العين المستأجرة- فاسدة- غير مضمونة على المستأجر لو تلفت بيده، لشمول قاعدة «ما لا يضمن» لها، و لا مخصّص لها في البين، كما عرفت.

فالأقوى وفاقا للمحقق الكركي عدم الضمان، لكن للقاعدة، لا للأصل العملي.

هذا كله في التخلّص عن النقض الأوّل من النقوض الواردة على القاعدة.

158

[الجهة الثانية: موارد النقض على قاعدة «ما لا يضمن»]

ثمّ إنّه يشكل اطّراد القاعدة في موارد:

[أ: النقض بعارية الصيد]

منها (1): الصيد الذي استعاره المحرم من المحلّ

____________

الجهة الثانية: موارد النقض على قاعدة «ما لا يضمن» أ: النقض بعارية الصيد

(1) هذا ثاني النقوض التي أوردوها على قاعدة «ما لا يضمن» و النقض الأوّل ما تقدّم من الإجارة الفاسدة على التفصيل المزبور.

و محصّل هذا النقض الثاني: أنّ العارية الصحيحة لا توجب الضمان، مع أنّ فاسدها في الصيد الذي استعاره المحرم من المحلّ يوجب الضمان. و فرض هذا النقض هو ما إذا لم يكن في الحرم، لأنّ الصيد في الحرم غير جائز لغير المحرم أيضا. فالمسألة مفروضة فيما إذا كان هناك شخصان، أحدهما محرم خارج الحرم، و الآخر محلّ، فصاد الثاني حيوانا و استعاره المحرم منه، فإنّه لا إشكال في وجوب إرساله عليه، فإن أرسله فلا خلاف في ضمانه لمالكه. و هذا خارج عن مورد البحث، لكونه إتلافا و لو بإذن الشارع، فلا ينتقض به القاعدة، لأنّ عدم الضمان في قاعدة «ما لا يضمن» مختص بالتلف، فالاتلاف خارج موضوعا عن حيّزها.

و إن أمسكه فإن مات بآفة سماويّة أو كان طائرا فطار- و هذا هو مورد نقض قاعدة «ما لا يضمن» على القول بفساد عارية الصيد للمحرم- ففيه خلاف بينهم، فمنهم من ذهب إلى الضمان، مع أنّ صحيح العارية لا ضمان فيه، و منهم من قال بعدمه.

بل يظهر من الجواهر (1) عدم وجود مصرّح بالضمان في مفروض البحث أعني التلف السماويّ، و أنّ حكمهم بالضمان إنّما هو في صورة الإتلاف المترتب على الموت بعد الإرسال.

قال في الشرائع: «و لا يجوز للمحرم أن يستعير من محلّ صيدا، لأنّه ليس له‌

____________

(1) جواهر الكلام، ج 27، ص 165

159

بناء (1) على فساد العارية، فإنّهم (2) حكموا بضمان المحرم له بالقيمة، مع أنّ صحيح العارية لا يضمن به. و لذا (3) ناقش الشهيد الثاني في الضمان على تقديري الصحّة و الفساد.

____________

إمساكه، فلو أمسكه ثمّ أرسله ضمنه، و إن لم يشترط عليه ذلك في العارية» (1). فإنّ ظاهره ترتّب الضمان على الإرسال الذي هو إتلاف الصيد، فلا يشمل ما نحن فيه و هو التلف.

(1) هذا ظاهر في أنّ فساد استعارة المحرم مسألة خلافيّة كما ستأتي في عبارة المسالك. و على كلّ فمنشأ الفساد هو النصوص الناهية عن إمساك الصيد و الآمرة بتخلية سبيله. و من المعلوم اشتراط صحة العارية بحلّيّة الانتفاع بالعين المعارة.

(2) هذا وجه ورود النقض على قاعدة «ما لا يضمن» و قد عرفته آنفا.

(3) يعني: و لكون صحيح العارية لا يضمن به ناقش الشهيد في ضمان المحرم قيمة الصيد للمالك على كلّ من تقديري صحة عقد عارية الصيد للمحرم و فساده، لأنّها إن كانت صحيحة فلا ضمان، و كذا إذا كانت فاسدة، لقاعدة «ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده».

قال في المسالك: «و مقتضى عبارة المصنّف (رحمه اللّه) و جماعة أنّه يضمنه مع التلف للمالك أيضا بالقيمة، لأنّهم جعلوها من العواري المضمونة، و إن لم يشترط فيها الضمان. و دليله غير واضح، إذ مجرّد تحريم استعارته لا يدلّ على الضمان، سواء قلنا بفساد العقد أم بصحّته.

أمّا مع صحّته فالأصل في العارية عندنا أن تكون غير مضمونة، إلّا أن يدلّ دليل عليه، و لم يذكروا هنا دليلا يعتمد عليه. و أمّا مع فسادها فلأنّ حكم العقد الفاسد حكم الصحيح في الضمان و عدمه كما أسلفناه في مواضع قاعدة كليّة.

و يمكن الاستدلال على ضمانه هنا بإطلاق النصوص بأنّ المحرم لو أتلف صيدا مملوكا فعليه فداؤه لمالكه، فيدخل فيه صورة النزاع. و فيه نظر، لمعارضته بالنص‌

____________

(1) شرائع الإسلام، ج 2، ص 172

160

إلّا أن يقال (1): إنّ وجه ضمانه

____________

الصحيح الدالّ على أنّ العارية غير مضمونة، فكما يمكن تخصيص الأوّل بالصيد المأخوذ بغير إذن المالك، يمكن تخصيص الثاني بغير الصيد، فالترجيح غير واضح» (1) [1].

توضيح وجه نظره: أنّه كما يمكن أن يقال بالضمان، للنصوص الدالّة على «أنّ من أتلف صيدا مملوكا فعليه فداؤه» الشاملة لمورد النزاع، كذلك يمكن أن يقال بعدم الضمان، لما دلّ على أنّ العارية غير مضمونة. و كما يمكن تخصيص نصوص الفداء بالصيد المأخوذ بغير إذن المالك، فتخرج العارية عنها، فلا ضمان في الصيد المعار؛ فكذلك يمكن تخصيص ما دلّ على عدم الضمان في العارية بغير الصيد، ففي عارية الصيد ضمان، و لم يظهر ترجيح لأحدهما.

(1) هذا توجيه لضمان قيمة الصيد المعار، مع اقتضاء قاعدة «ما لا يضمن» عدمه. و حاصل التوجيه: خروج عارية الصيد موضوعا عن حيّز قاعدة «ما لا يضمن» المختصة بالتلف. و وجه الخروج كون الضمان للإرسال الذي هو بمنزلة الإتلاف، فلا نقض على القاعدة.

و لتوضيح التوجيه ينبغي تقديم أمرين:

الأوّل: الالتزام بوجوب إرسال الصيد المعار، كما هو المشهور، بل في‌

____________

[1] لا يخفى أنّه على ما أفاده في المسالك تكون النسبة بين ما دلّ على ضمان الصيد المتلف بغير إذن المالك، و بين ما دلّ على عدم الضمان في العارية عموما من وجه، و مع عدم المرجّح لتخصيص أحد الدليلين في المجمع- و هو الصيد المستعار- يرجع إلى الأصل، و هو هنا البراءة عن الضمان.

____________

(1) مسالك الأفهام، ج 5، ص 139 و 140

161

..........

____________

جامع المقاصد: «لم أظفر إلى الآن بمخالف» (1) و إن تأمّل هو فيه. قال العلّامة (قدّس سرّه):

«لا يحل للمحرم استعارة الصيد من المحرم و لا من المحلّ، لأنّه يحرم عليه إمساكه، فلو استعاره وجب عليه إرساله، و ضمن للمالك قيمته. و لو تلف في يده ضمنه أيضا بالقيمة لصاحبه المحلّ، و بالجزاء للّه تعالى، بل يضمنه بمجرّد الإمساك» (2).

فلو قلنا بعدم وجوب تخلية سبيله و جواز ردّه إلى المالك المعير لم يتّجه ضمان القيمة حتى يكون مبنى النقض على قاعدة «ما لا يضمن». و يلوح من الشهيد الثاني (قدّس سرّه) عدم تعيّن وجوب الإرسال، قال (قدّس سرّه) بعد التأمل في فساد عارية الصيد ما لفظه: «فعلى تقدير قبضه له- أي قبض المستعير للصيد- إن ردّه على المالك لزمه الفداء للّه تعالى، و بري‌ء من حق المالك. و إن تلف في يده فلا شبهة في ضمانه للّه تعالى، لأنّه ثابت عليه بمجرّد الإمساك، كما في الصيد الذي ليس بمملوك» (3). فإنّ قوله: «و بري‌ء من حقّ المالك» ظاهر بل صريح في عدم ضمان القيمة بمجرّد الاستعارة، فلا ضمان على تقدير ردّ الصيد إلى مالكه، و إنما يجب عليه الفداء و الكفّارة.

و الحاصل: أنّ مبنى التوجيه المذكور في المتن هو استقرار القيمة على عهدة المحرم المستعير بمجرّد قبض الصيد من المحلّ.

الثاني: أنّ كون المستعير ضامنا لقيمة الصيد لمالكه مع فرض بقاء عينه- و عدم إرساله بعد- لا بدّ أن يكون للجمع بين دليلين، أحدهما: حرمة مال المسلم المقتضية لضمان ماله بماله من الخصوصيّات الشخصيّة و الصنفيّة و النوعيّة. و ثانيهما: وجوب إرسال الصيد و تخلية سبيله و حرمة تسليمه إلى المعير، فإنّه أمر بإعدام خصوصيّته و شخصيّته.

فمقتضى الجمع بينهما القول بإلغاء احترام الصيد- بعينه- رعاية لحقّ‌

____________

(1) جامع المقاصد، ج 6، ص 60

(2) تذكرة الفقهاء، ج 2، ص 209

(3) مسالك الأفهام، ج 5، ص 149

162

- بعد البناء (1) على أنّه يجب على المحرم إرساله و أداء قيمته- أنّ المستقر عليه (2) قهرا (3) بعد العارية هي القيمة، لا العين [1]. فوجوب دفع القيمة ثابت

____________

الخالق جلّت آلاؤه، و بقاء ماليّته على عهدة المستعير رعاية لحق المخلوق.

إذا اتّضح ما مهّدناه قلنا في تقريب توجيه المصنّف (قدّس سرّه): انّ ضمان الصيد ثابت بمجرّد استيلاء المحرم على العين، حيث إنّه مأمور بالإرسال الذي هو إتلاف- و لو تنزيلا- و مورد قاعدة «ما لا يضمن» هو التلف لا الإتلاف. فلا ينتقض القاعدة بضمان الصيد المستعار، لخروجه عن القاعدة موضوعا، لما عرفت من أنّ موردها التلف، لا الإتلاف الذي هو المفروض في عارية الصيد.

(1) كما هو المشهور. و أمّا بناء على تخيير المستعير بين الرّد إلى المالك، و بين الإرسال و ضمان قيمة الصيد لم يتم هذا التوجيه. و هذا إشارة الى الأمر الأوّل الذي مهّدناه لتوضيح المتن.

(2) أي: على المحرم.

(3) يعني: بحكم الشارع، و هذا كأنّه خرق لقانون ضمان مال الغير، إذ لم يعهد اشتغال الذمّة بالبدل من المثل أو القيمة مع بقاء العين، و التمكّن من إيصالها إلى المالك.

و لا بدّ أن يوجّه بأنّ الشارع أبقى ماليّة العين و ألغى حرمة خصوصيّتها، بالأمر بإرساله، كما أوضحناه في الأمر الثاني.

____________

[1] هذا غير ظاهر، إذ لازمه عدم براءة ذمّة المستعير بدفع العين، لفرض كون ذمته مشغولة بالقيمة. و لا يظنّ من أحد أن يلتزم بذلك. و لعلّه لهذا حمل صاحب الجواهر حكمهم بالضمان على الإرسال، لا على مجرّد العارية. قال (قدّس سرّه) شارحا لكلام المحقق: «لا يجوز للمحرم أن يستعير من محلّ صيدا، لأنّه ليس له إمساكه، بل يجب عليه إرساله. و حينئذ فلو أثم و أمسكه ثم أرسله ضمنه ..» (1).

____________

(1) جواهر الكلام، ج 27، ص 164

163

قبل التلف (1) بسبب وجوب الإتلاف الذي (2) هو سبب لضمان ملك الغير في كلّ عقد (3)،

____________

(1) يعني: فلا تنقض قاعدة «ما لا يضمن» بعارية الصيد، لأنّ ضمان قيمته ثابت قبل التلف و مستند إلى الأمر بإرساله، الذي هو بمنزلة إتلافه، و من المعلوم أنّ الضمان المنفيّ في قاعدة «ما لا يضمن» إنّما هو بعد التلف، و لا منافاة بين ثبوت الضمان بالإتلاف و ما هو بحكمه، و بين نفيه بالتلف.

(2) صفة للإتلاف، لا للوجوب، لأنّ المضمّن هو الإتلاف لا الأمر به، لقولهم:

«من أتلف مال الغير فهو له ضامن».

(3) المراد بالعقد هو الذي يكون موضوعا لقاعدة «ما لا يضمن» فإنّ الإتلاف مضمّن فيه. و أمّا العقد الموضوع لقاعدة «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده» فالضمان بالقيمة الواقعيّة ثابت بمجرّد التلف. و لمّا كانت العارية مندرجة في «ما لا يضمن» توقّف الضمان فيها على الإتلاف. هذا توضيح ما أفاده المصنّف (قدّس سرّه).

و لا يخفى أنّ توجيه الضمان بالإتلاف قد أفاده صاحب الجواهر (قدّس سرّه) و إن خصّ الضمان بما إذا خلّى سبيل الصيد، قال (قدّس سرّه): «و وجوب ذلك- أي إرسال الصيد- عليه لا ينافي ضمانه لمالكه و إن أقدم- أي المالك- على إعارته لمن يكون تكليفه إتلافه بالإرسال، فإنّ ذلك لا يقتضي ذهاب حرمة ماله، كما لا يقتضي إبطال‌

____________

و يظهر منه عدم وجود مصرّح بالضمان لو تلف الصيد بآفة سماويّة بيد المستعير قبل إرساله. و من العجب أنّ السيد (قدّس سرّه) حكى عبارة الشرائع هكذا قوله: «فلو أمسكه ثم أرسله ضمنه و إن لم يشترط عليه» (1). و لعلّه اعتمد على ما في الجواهر من مزج الشرح بالمتن، و إلّا فعبارة الشرائع خالية عن ترتّب الضمان على الإرسال، و إنّما يترتب على الإمساك، فراجع (2).

____________

(1) حاشية المكاسب، ج 1، ص 94

(2) شرائع الإسلام، ج 2، ص 172

164

لا بسبب التلف [1].

____________

سببيّته- أي الإتلاف- للضمان، الحاصلة من عموم قوله: من أتلف مال غيره فهو له ضامن ..» (1).

____________

[1] فيه: أنّ الثابت على المستعير المحرم وجوب الإرسال تكليفا، و هو بنفسه لا يستلزم الوضع أعني به الضمان و استقرار القيمة في الذمّة، بحيث يكون نفس وجوب الإرسال- كالإتلاف- موجبا لاشتغال الذمة بالقيمة، فإنّ سببيّة وجوب الإرسال للضمان محتاجة إلى دليل. و وجوب إيجاد سبب الضمان ليس من أسباب الضمان، بشهادة عدم ضمان من يجب عليه أكل طعام الغير حفظا لنفسه عن التلف لو لم يؤكل منه حتّى مات، فإنّه لا يضمن قيمة ذلك الطعام الذي أمر بإتلافه و أكله، و لذا لو لم يرسلها بل ردّها إلى المالك لم يضمن له شيئا و إن كان آثما لتركه الإرسال الواجب.

و عليه فالضمان لا يتحقق إلّا بعد التلف، و يكون مستندا إليه، فينتقض به القاعدة.

و كيف كان فالنقض بعارية الصيد موقوف على أمور:

الأوّل: فساد العارية، إذ على فرض صحتها لا يكون الضمان فيها نقضا لقاعدة «ما لا يضمن» بل يكون تقييدا لأدلة عدم ضمان العارية الصحيحة، كما لا يخفى.

الثاني: التلف، إذ الإتلاف خارج موضوعا عن مفروض البحث، فلا بدّ من إثبات كون المقام من التلف.

الثالث: الضمان لو تلف الصيد عند المستعير، إذ بدونه لا يكون نقضا على القاعدة.

الرابع: عدم زوال ملكيّة المعير المحلّ بتسليم العين إلى المحرم المستعير، إذ مع زوالها كان الضمان- بناء على ثبوته- غير مرتبط بالعارية الفاسدة، لأنّ نفس التسليم إلى المحرم و تسلّم المحرم له بأيّ نحو كان موجب لسقوط ملكه. و هذا أجنبيّ عن الإعارة و عقدها.

____________

(1) جواهر الكلام، ج 27، ص 165

165

____________

أمّا الأوّل: فيمكن الاستدلال عليه بقوله تعالى وَ حُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مٰا دُمْتُمْ حُرُماً (1) بعد ظهور الصيد في المصيد أي الحيوان الوحشي، لا في معناه المصدري، و ذلك بقرينة إضافته في الآية الشريفة المتقدمة عليها إلى البرّ و البحر. و بقرينة قوله تعالى مَتٰاعاً لَكُمْ وَ لِلسَّيّٰارَةِ (2) و قوله تعالى في الآيتين المتقدمتين، و هما:

لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللّٰهُ بِشَيْ‌ءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنٰالُهُ أَيْدِيكُمْ وَ رِمٰاحُكُمْ (3) و لٰا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ (4). و قد أطلق على الحيوان الصيد باعتبار كونه في معرض الاصطياد، و لا بأس به، لأنّه إطلاق شائع.

و تحريم ذات الصيد كغيره من التحريمات المضافة إلى الذوات- بقرينة حذف المتعلّق- ظاهر في حرمة جميع تقلّباته اصطيادا و حيازة و تملّكا و بيعا و شراء و إعارة و استعارة و استئمانا و إمساكا و غيرها، بتقريب: أنّ الحرمة بمعنى المنع الشامل للتكليفي و الوضعي. و على هذا فلا يصح كل تصرف اعتباري و خارجي يتعلّق بالعين التي أضيفت إليها الحرمة، فلا تصح إعارتها، إذ لا يصح الانتفاع بها بعد حرمة كل تصرف يتعلق بها. و من المعلوم اعتبار حليّة الانتفاع بها في صحة العارية.

و بالجملة: فيمكن الاستدلال على فساد عارية الصيد للمحرم بحرمته على المحرم، بتقريب: أنّ قوله تعالى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ظاهر في حرمة جميع التصرفات المتعلقة به من الاصطياد و الإمساك و الانتفاع به، كشرب لبنه و أكل بيضه و نحوهما، و بطلان بيعه و شرائه و عاريته و وديعته و إجارته و نحوها، فإنّ حرمة الانتفاع بالصيد تهدم قوام العارية و هو جواز الانتفاع بالعين المستعارة.

إلّا أن يقال: إنّ التحريم المضاف إلى العين ناظر إلى الفعل المناسب لها، كالتحريم

____________

(1) سورة المائدة (5) الآية 96

(2) سورة المائدة (5) الآية 96

(3) سورة المائدة (5) الآية 94

(4) سورة المائدة (5) الآية 95

166

____________

المضاف إلى الأمّهات. و عليه فالمراد بحرمة الصيد حرمة أكله، لأنّ الفعل المناسب هنا هو الأكل. نعم يراد بحرمة الصيد بقرينة النصوص حرمة جميع التقلبات.

و كيف كان فالظاهر فساد عارية الصيد لفقدان شرط صحتها و هو حلّيّة الانتفاع به.

و أمّا الثاني:- أعني به صدق التلف- فالظاهر ذلك و عدم صدق الإتلاف على الحكم بالإرسال، فلا موضوع عرفا لقاعدة «من أتلف مال الغير فهو له ضامن». و لا شرعا، إذ لم يظهر دليل على تنزيل الإرسال الواجب منزلة الإتلاف حتى يخرج إعارة الصيد عن موضوع قاعدة «ما لا يضمن» و يندرج في قاعدة «من أتلف» الحاكمة على قاعدة «ما لا يضمن» بعد توسعة موضوع قاعدة «من أتلف» ليشمل الإتلاف الحقيقي و التنزيلي.

هذا مضافا إلى: أنّ الإتلاف التنزيلي منوط بوجوب الإرسال، و هو غير مسلّم، لذهاب صاحب الحدائق إلى وجوب ردّ الصيد الى مالكه. و على هذا فالنقض وارد.

و أمّا الثالث:- و هو الضمان- فقد عرفت الخلاف فيه، و مناقشة الشهيد الثاني في ذلك، و كلام الجواهر، و هو عدم وجود مصرّح بالضمان في صورة التلف السماوي الذي هو مورد البحث، فراجع. و مع الخلاف في الضمان لا وجه لجعله من موارد النقض.

و أمّا الرابع:- و هو عدم زوال ملكية المعير- فقد يستدل له بالآية الشريفة:

وَ حُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مٰا دُمْتُمْ حُرُماً بالتقريب المشار إليه من أنّ حرمة ذات الصيد بنحو الحقيقة الادّعائيّة إنما هي بلحاظ حرمة جميع التقلبات تكليفا و وضعا، و منه حرمة الاصطياد مباشرة و تسبيبا، بل و دلالة و إشارة، و منه حرمة إرجاع الصيد إلى بيت مغلق و إلى الصيّاد، و ذلك يستلزم وجوب إرساله الذي لازمه الخروج عن ملك صاحبه.

لكن فيه أوّلا: أنّ استفادة وجوب إرسال مال الغير- و حرمة إرجاعه إلى صاحبه- من الآية المباركة مشكلة جدّا، لعدم إطلاق لها يشمل كون الصيد مال الغير.

و ثانيا:- بعد تسليم الوجوب- أنّ كونه ملازما لخروجه عن ملكه ممنوع، نظير

167

____________

وجوب أكل مال الغير في المخمصة، في عدم استلزامه للخروج عن ملك مالكه.

و مثل الاستدلال المزبور في الضعف ما قيل: من كون إيجاب الإرسال مساوقا لسلب جميع الانتفاعات، و هو ملازم لسلب الملكية التي تعتبر بلحاظ الآثار، فما لا أثر له لا يعتبر ملكيّته، كأمر الشارع بإهراق الخمر الكاشف عن عدم مملوكيّتها. و أمره بإرسال المحرم صيده الكاشف عن سلب ملكيّته.

وجه الضعف بعد التسليم في المثالين- و هما الأمر بإهراق الخمر و إرسال الصيد- أنّه لا وجه له في المقام، إذ الحكم بالإتلاف مع الضمان مؤكّد للملكية لا مزيل لها. نعم لو نهض دليل على عدم ضمانه بالإرسال كان لما ذكر من سلب الملكيّة وجه.

و ما قيل من: «أنّ الأمر في المقام دائر بين التخصيص و التخصص، و أصالة العموم تقتضي عدم التخصيص، لأنّ جواز التصرف و الإرسال مع بقاء الملكية تخصيص لدليل حرمة التصرّف في مال الغير، فأصالة الإطلاق تكشف عن خروجه عن ملكه، و أنّ جواز الإرسال إنّما هو لخروج الصيد عن ملك مالكه» ضعيف.

وجه الضعف أوّلا: أنّ الخروج عن الملك قهرا تقييد لدليل الملكية.

و ثانيا: أنّ أصالتي العموم و الإطلاق لا تجريان مع العلم بمراد المتكلم كالمقام، و الشك في التخصيص و التقييد كما قرّر في محله.

فالمتحصّل: أنّ عدّ عارية الصيد للمحرم من نقوض قاعدة «ما لا يضمن» غير ظاهر. و على تقدير تماميّة النقوض لا يرد طعن على القاعدة عكسا أو أصلا على فرض تماميّتها في نفسها، لكونها من العمومات القابلة للتخصيص.

بقي التعرّض لإشكال أورده السيد (قدّس سرّه) على المتن، و محصّله: أنّ سببيّة الإتلاف لضمان قيمة الصيد مبنيّة على وجوب إرساله على المحرم حتى يكون إتلافا لمال الغير.

و ليس الأمر كذلك، إذ المستفاد من النصوص حرمة إمساكه، و هي لا تستلزم وجوب الإرسال، لإمكان التخلص من حرمته بردّه إلى المعير، و معه لا موجب لضمانه بمجرد

168

____________

تسلّم الصيد من المعير، (1) هذا.

أقول: لا ريب في اختلاف مضامين نصوص الباب، ففي بضعها الأمر بالتخلية.

كقوله (عليه السلام) في رواية: «فإذا استوى جناحاه خلّى عنه» (2) و نحوه قوله (عليه السلام) في رواية «فخلّ سبيلها» (3) و نحوهما ممّا هو ظاهر جدّا في وجوب الإرسال.

و في بعضها النهي عن إمساك الصيد، كرواية شهاب بن عبد ربّه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام):

«حرّم عليك ذبحه و إمساكه» (4) و إليه نظر السيد (قدّس سرّه)، لإمكان امتثال هذا النهي بكلّ من الإرسال و الرّد إلى المعير إن كان عارية.

و لا ريب في أنّ المجعول شرعا في حقّ المحرم أمر واحد، و هو إمّا مطلوبية الإرسال، فتكون مبغوضية الإمساك و الحبس بالعرض، و إمّا بالعكس. و لا يبعد استظهار الاحتمال الأوّل من مجموع النصوص الواردة في الصيد المملوك و غيره، و أنّه بمجرّد الإحرام يرسله، و أنّه لا يغلق الباب عليه و لا يؤذيه، لأنّ من دخله كان آمنا.

مضافا إلى فهم الأصحاب و تعبيرهم بوجوب الإرسال أو التخلية كما يظهر بمراجعة المتون الفقهية كالنهاية و فقه القرآن و الشرائع و السرائر و القواعد و المختصر النافع و غيرها، و نحوها الوسائل أيضا، فإنّه عنون الباب الثاني عشر من أبواب الصيد بقوله: «انّ الحمام و نحوه حتى الأهليّ إذا دخل الحرم وجب على من هو معه إطلاقه» (5) ثم ذكر بعض النصوص الناهية عن إمساك الصيد في هذا الباب.

و عليه فتعبير المصنّف (قدّس سرّه) بوجوب الإرسال أقرب إلى مضامين النصوص الآمرة بتخلية سبيل الصيد و إرساله، خصوصا مع تأييدها بفهم الفقهاء، و حيث إنّ الأمر بالإرسال أمر بإتلافه كان ضمان قيمته ضمان الإتلاف لا التلف.

____________

(1) حاشية المكاسب، ج 1، ص 94

(2) وسائل الشيعة، ج 9، ص 199، الباب 2 من أبواب كفارات الصيد و توابعها، الحديث 1

(3) وسائل الشيعة، ج 9، ص 199، الباب 2 من أبواب كفارات الصيد و توابعها، الحديث 1

(4) المصدر، ص 200، الحديث 2

(5) المصدر، ص 200

169

[ب: النقض على القاعدة بمنفعة المبيع فاسدا]

و يشكل (1) اطّراد القاعدة أيضا في البيع فاسدا بالنسبة إلى المنافع التي لم يستوفها (2)، فإنّ هذه المنافع (3) غير مضمونة في العقد الصحيح، مع أنّها

____________

ب: النقض على القاعدة بمنفعة المبيع فاسدا

(1) معطوف على «يشكل» و هذا نقض ثالث على قاعدة «ما لا يضمن» و محصّله: منع الملازمة بين البيع الصحيح و الفاسد في ضمان المنافع الفائتة، مع أنّ مقتضى القاعدة تبعية العقد الفاسد للصحيح في عدم الضمان.

و توضيحه: أنّ المشتري للمبيع- بالعقد الفاسد- إمّا أن يستوفي منافعه و ينتفع به، كما إذا اشترى دارا فسكن فيها أو سيّارة فركبها، و لا ريب في ضمانها، لما سيأتي إن شاء اللّه تعالى في الأمر الثالث مما يترتّب على المقبوض بالبيع الفاسد.

و إمّا أن لا يستوفي منافعها، بل فاتت كما إذا لم يسكن في الدار مع قابليتها للسكنى.

و هذه المنافع الفائتة غير مضمونة في العقد الصحيح، و مضمونة في الفاسد، فإذا فسخ العقد الصحيح بإقالة أو غيرها لم تكن منفعتها الفائتة مضمونة على المشتري، و إنّما عليه تسليم الدار للبائع و له استرداد تمام الثمن منه.

و أمّا إذا كان البيع فاسدا فقد حكموا بأنّ المشتري كما يضمن العين- لو تلفت بيده- كذلك يضمن بدل منفعتها الفائتة في المدّة التي كانت الدار تحت يده و سلطنته.

و هذا الحكم بالضمان مناف لقاعدة «ما لا يضمن» لأنّ عدم ضمان منافع المبيع بالبيع الصحيح يقتضي عدمه في البيع الفاسد أيضا. مع أنّهم فرّقوا بين البيع الصحيح و الفاسد، و حكموا بضمان المنفعة الفائتة في المقبوض بالبيع الباطل. و هذه التفرقة تكشف عن عدم كون «ما لا يضمن» قاعدة كلّية حتى يرجع إليها في كلّ عقد لم يضمن بصحيحه، هذا.

(2) قد تقدّم آنفا وجه تقييد المنافع بعدم استيفائها، لوضوح أنّ المنافع المستوفاة مضمونة بقاعدة الاستيفاء لا باليد، فلا مورد للنقض بها على قاعدة «ما لا يضمن».

(3) أي: المنافع الفائتة.

170

مضمونة في العقد الفاسد.

إلّا أن يقال (1): إنّ ضمان العين يستتبع ضمان المنافع في العقد الصحيح و الفاسد (2). و فيه نظر (3)، لأنّ نفس المنفعة غير مضمونة بشي‌ء في العقد

____________

(1) هذا جواب النقض، و محصّله: أنّه لا موضوع للنقض بالمنافع الفائتة، و ذلك لأنّها مضمونة في عقد البيع سواء أ كان صحيحا أم باطلا، فهي داخلة في أصل القاعدة أعني به «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده». و الوجه في ضمان المنافع مطلقا سواء استوفيت أم فاتت هو: أنّ البيع و إن كان «تمليك عين بعوض» و ظاهره خروج منافع العين عن مورد المعاملة، إلّا أنّ الصحيح ضمان منافعها أيضا. و ذلك لكونها ملحوظة في مقام المعاوضة و مؤثّرة في رغبة المشتري عند شراء العين، بل لزيادة المنفعة و قلّتها دخل في قيمة العين، كما هو المشاهد من طريقة العقلاء في شراء الأعيان ذوات المنافع.

و على هذا فنماءات المبيع مضمونة على المشتري، و يجب عليه ردّ عوضها إلى البائع إذا تبيّن فساد البيع.

و هذا الجواب و إن لم أظفر به بهذا النحو- من استتباع ضمان العين لضمان المنفعة- في الجواهر و غيره، لكن في بيان المحقق الكركي (قدّس سرّه) ما يستفاد منه ضمان منافع المغصوب و المقبوض بالبيع الفاسد، حيث قال (قدّس سرّه) في جواب إشكال عدم ضمان المنفعة ما لفظه: «لمّا كان المجموع في مقابلة المجموع، و فاتت المقابلة بفساد العقد كان كل منهما مضمونا بجميع أجزائه، نظرا إلى مقتضى المقابلة» (1). و ظاهره تقسيط الثمن على العين و المنفعة، و هذا مغاير لما في المتن من الاستتباع الظاهر في كون الثمن بإزاء نفس المبيع و هو العين، و إنّما تضمن المنافع بالاستلزام و الاستتباع، فلاحظ.

(2) يعني: فلا يرد النقض، إذ المفروض ضمان المنافع في العقد الصحيح و الفاسد معا، فهي من مصاديق أصل القاعدة لا عكسها.

(3) هذا ردّ على استتباع ضمان العين لضمان المنافع في العقد الصحيح و الفاسد.

____________

(1) جامع المقاصد، ج 6، ص 324، و اقتبسه منه السيد العاملي في مفتاح الكرامة، ج 6، ص 304

171

الصحيح (1)، لأنّ (2) الثمن إنّما هو بإزاء العين، دون المنافع.

____________

و حاصل وجه النظر: أنّ الثمن يبذل بإزاء العين في العقد الصحيح من دون أن يقع شي‌ء منه بإزاء المنافع حتّى تكون مضمونة في العقد الصحيح. و على هذا فالمنافع خارجة عن مورد العقد، فالقاعدة غير متعرّضة لها، بل يرجع في ضمانها إلى اليد أو قاعدة الاحترام أو غيرهما، فالنقض غير متوجّه، لخروج المنافع عن مورد العقد، و القاعدة ناظرة إلى مورد العقد.

و بعبارة أخرى: انّ منفعة المبيع و إن كانت ملحوظة للمشتري و متعلقة لغرضه، إلّا أنّها داعية له على شراء العين، و من المعلوم الفرق بين الحيثية التقييدية كما إذا شرط في بيع الكتاب خياطة ثوبه، و بين الحيثية التعليلية الخارجة عن مصبّ العقد، كداعويّة برودة الهواء لاشتراء الألبسة الخشنة الحارّة لدفع برودة الشتاء.

و المناط في الضمان هو الحيثيّة التقييدية دون التعليلية، و لذا قالوا بأنّ تخلّف الداعي عن المعاملة لا يوجب الخيار فيها و لا يبطلها. و على هذا فالمضمون في البيع الصحيح هو نفس العين، كما أنّ المضمون في الإجارة هو نفس المنفعة. فالجواب المذكور غير واف بدفع النقض.

و الصحيح في التخلّص عنه أن يقال: إنّ المدار على الضمان و عدمه هو مصبّ العقد، لا ما يتعلّق به. و لمّا كان الثمن مقابلا بالمبيع لا بمنافعه لم تندرج المنافع في أصل قاعدة «ما يضمن» كما زعمه المجيب عن النقض، و لا في عكسها كما زعمه الناقض.

فإن قلنا بضمانها فبدليل آخر كقاعدة الاحترام. و إن قلنا بعدمه فللاقدام على تسليط المشتري على المبيع لينتفع به، هذا.

(1) يعني: لا يقتضي نفس البيع الصحيح ضمان منفعة المبيع حتى يقتضيه فاسده، فلو ضمنها المشتري في البيع الفاسد كان لدليل آخر.

(2) تعليل لقوله «غير مضمونة» و المستفاد منه أمران، أحدهما: المناقشة في جواب النقض، و الآخر: ردّ أصل النقض. و قد تقدم توضيحهما آنفا بقولنا: «و حاصل وجه النظر: أنّ الثمن يبذل بإزاء العين» و قولنا: «و الصحيح في التخلّف عنه أن يقال ..».

172

[ج- النقض على القاعدة بحمل المبيع فاسدا]

و يمكن نقض (1) القاعدة أيضا (2) بحمل المبيع فاسدا (3)، على ما صرّح به (4)

____________

ج- النقض على القاعدة بحمل المبيع فاسدا

(1) هذا نقض رابع على قاعدة «ما لا يضمن» و توضيحه: أنّه إذا تبايع زيد و عمرو حيوانا حاملا- كشاة مثلا- بعشرة دنانير، فإمّا أن يكون المبيع مؤلّفا من الحمل و الحامل بأن يقسّط الثمن على كليهما، و إمّا أن يكون المبيع خصوص الأمّ، و يبقى الحمل أمانة عند المشتري إلى أن يولد، فيسلّمه إلى البائع.

فإن كان البيع صحيحا فلا كلام على كلا التقديرين. و إن كان فاسدا توجّه التفصيل بين الفرضين، فبناء على الأوّل- و هو كون المبيع كليهما- يكون المشتري ضامنا لكلّ من الحمل و الأمّ لو تلفا أو تلف أحدهما.

و بناء على الثاني- أي كون المبيع خصوص الأمّ- فمقتضى القاعدة عدم ضمان الحمل لو تلف عند المشتري، لأنّه ممّا لم يضمن في البيع الصحيح، فيلزم أن لا يضمن في البيع الفاسد أيضا، مع أنّ جماعة حكموا بضمان هذا الحمل التالف. و هذا نقض على قاعدة «ما لا يضمن».

نعم بناء على عدم ضمان الحمل- كما ذهب إليه جمع- لم يرد نقض على القاعدة، هذا.

(2) يعني: كما أمكن نقض القاعدة بما تقدّم من الموارد الثلاثة.

(3) متعلّق بالمبيع، يعني: المبيع بالبيع الباطل.

(4) اي: بضمان الحمل. قال شيخ الطائفة (قدّس سرّه): «من غصب جارية حاملا ضمنها و حملها معا. و ولد المشتراة شراء فاسدا مثل ذلك» (1). و الشاهد في قوله: «و ولد المشتراة» حيث إنّه (قدّس سرّه) حكم على الجارية المشتراة بالشراء الفاسد بالضمان، سواء بالنسبة إليها و إلى حملها. و بهذا يتّجه النقض على قاعدة «ما لا يضمن».

____________

(1) المبسوط في فقه الإمامية، ج 3، ص 65

173

في المبسوط و الشرائع (1) و التذكرة (2) و التحرير «من كونه مضمونا على المشتري» خلافا للشهيدين (3)

____________

(1) قال المحقق (قدّس سرّه): «و غصب الأمة الحامل غصب لولدها، لثبوت يده عليها و كذا يضمن حمل الأمة المبتاعة بالبيع الفاسد» (1).

(2) قال العلّامة (قدّس سرّه) فيها: «إذا اشترى شراء فاسدا وجب عليه ردّه على مالكه، لعدم خروجه عنه بالبيع. و عليه مئونة الرّدّ كالمغصوب .. و لو زادت العين في يد المشتري زيادة منفصلة كالولد و الثمرة، أو متصلة كالسمن و تعلّم الصنعة وجب عليه ردّ الزيادة أيضا، لأنّها نماء ملك البائع، فيتّبع» (2).

و الشاهد في جعل الولد نماء مضمونا للمبيع بالبيع الفاسد. و كذلك جزم العلّامة بضمان الأمّ و الحمل في التحرير و الإرشاد (3).

(3) قال الشهيد (قدّس سرّه): «و غصب الحامل غصب الحمل. أمّا حمل المبيع فاسدا أو المستام فلا ضمان فيه. و قال الفاضل: يضمن الحمل في البيع الفاسد. و لعلّه أراد مع اشتراط دخوله» (4).

أقول: و بهذا الاشتراط صرّح العلّامة في الإرشاد، حيث قال: «و لو باع الحامل فالولد له، إلّا أن يشترطه المشتري» (5). فلعلّ الشهيد أراد إطلاق حكم العلّامة في التذكرة و التحرير بضمان الحمل في المبيع بالبيع الفاسد، لا إطلاق كلامه في سائر كتبه. و كذا المحقق في الشرائع (6).

____________

(1) شرائع الإسلام، ج 3، ص 236

(2) تذكرة الفقهاء، ج 1، ص 495

(3) تحرير الاحكام، ج 2، ص 137؛ إرشاد الأذهان، ج 1، ص 362

(4) الدروس الشرعية، ج 3، ص 108

(5) إرشاد الأذهان، ج 1، ص 366

(6) شرائع الإسلام، ج 2، ص 57

174

و المحقق الثاني (1) و بعض آخر (2)

____________

و قال الشهيد الثاني (قدّس سرّه) في المسالك- بعد حكمه بضمان حمل الأمة المغصوبة- ما لفظه: «و أمّا ضمان حمل الأمة المبتاعة بالبيع الفاسد فإنّما يتم مع دخوله معها في البيع، إمّا تبعا كما يقوله الشيخ، أو مع الشرط. أمّا لو لم يكن داخلا لم يتّجه ضمانه، لأنّه مقبوض بإذن المالك، و ليس مبيعا فاسدا حتى يضمن بفاسده كما يضمن بصحيحه ..

و قد اختلف كلام العلّامة في المسألة. ففي التحرير جزم بضمان الأمة و الحمل معا كما ذكره المصنّف- يعني المحقّق- و في القواعد جزم بعدم ضمان الحمل. و هو الأصحّ.

و لا إشكال مع دخوله في البيع» (1).

و قال في الروضة: «و غصب الحامل غصب للحمل، لأنّه مغصوب كالحامل، فالاستقلال باليد عليه حاصل بالتبعيّة لامّه. و كذلك حمل المبيع فاسدا حيث لا يدخل في المبيع، لأنّه ليس مبيعا، فيكون أمانة في يد المشتري، لأصالة عدم الضمان، و لأنّ تسلّمه بإذن البائع. مع احتماله، لعموم على اليد» (2).

و احتماله الضمان غير مذكور في عبارة المسالك المتقدمة.

(1) قال (قدّس سرّه) في شرح قول العلّامة في القواعد: «و يضمن حمل الغصب لا حمل المبيع فاسدا» ما لفظه: «أمّا حمل الغصب فإنّه مغصوب كالأصل. و أمّا حمل المبيع فإنّه ليس مبيعا، إذ لا يندرج الحمل في بيع الامّ، فيكون أمانة في يد المشتري، لأصالة عدم الضمان، و لأنّ تسلّمه بإذن المالك الذي هو البائع» (3).

(2) كالمحقق الأردبيلي (قدّس سرّه) (4). و قال السيد الفقيه العاملي (قدّس سرّه) بعد سرد أسماء المذكورين في المتن: «و لعلّه- أي عدم الضمان- قضية كلام الباقين إلّا‌

____________

(1) مسالك الأفهام، ج 12، ص 155

(2) الروضة البهية، ج 7، ص 24 و 25

(3) جامع المقاصد، ج 6، ص 220

(4) مجمع الفائدة و البرهان، ج 10، ص 511

175

تبعا للعلّامة (قدّس سرّه) في القواعد (1). مع أنّ (2) الحمل غير مضمون في البيع الصحيح بناء على أنّه للبائع (3). و عن الدروس (4) توجيه كلام العلّامة بما إذا اشترط الدخول في البيع. و حينئذ لا نقض على القاعدة (5).

____________

من ستعرفه» (1).

(1) تقدّمت عبارة القواعد آنفا. و بالجملة فبناء على القول بعدم ضمان الحمل في بيع الحامل ببيع فاسد لا يتّجه النقض على قاعدة «ما لا يضمن».

(2) هذا هو النقض على القاعدة بناء على قول شيخ الطائفة و المحقّق و غيرهما من ضمان حمل المبيع فاسدا كضمانه بالغصب، مع عدم ضمانه في البيع الصحيح، لكون تمام الثمن بإزاء الحامل، و عدم تقسيطه عليها و على الحمل.

(3) إذ لو كان الحمل للمشتري- في البيع الصحيح- كان مضمونا عليه ببعض الثمن، لكونه جزءا للمبيع.

(4) غرضه (قدّس سرّه) من نقل توجيه الشهيد (قدّس سرّه) هو سلامة قاعدة «ما لا يضمن» عن النقض بحمل المبيع فاسدا، و محصّل التوجيه: أنّ مورد حكم العلّامة- في ما عدا القواعد من كتبه- بضمان الحمل في بيع الحامل فاسدا هو ما إذا اشترط المشتري على مالك الامّ بجزئيّة الحمل لها، كما إذا قال: «أشتري هذه الشاة الحامل على أن تكون سخلتها لي» و قبل البائع، فإنّ المشتري يضمن كلّا منهما بالضمان المعاوضي، بمعنى وقوع بعض الثمن بإزاء الأم و بعضه بإزاء الحمل. و إذا تبيّن فساد العقد كان الضمان لأجل تخلف الشرط، لا لاقتضاء ذات العقد.

(5) لأنّ الحكم بالضمان مع الشرط إنّما يكون لأجل الشرط، لا لاقتضاء ذات العقد. و من المعلوم أنّ مورد القاعدة هو اقتضاء نفس العقد للضمان و عدمه، لا لأمر خارج عن حقيقته كالشرط، فيخرج عن موضوع القاعدة أصلا و عكسا. فلا نقض.

____________

(1) مفتاح الكرامة، ج 6، ص 223

176

[د- النقض على القاعدة بالشركة الفاسدة]

و يمكن النقض أيضا بالشركة الفاسدة (1) [1]،

____________

د- النقض على القاعدة بالشركة الفاسدة

(1) هذا نقض خامس على قاعدة «ما لا يضمن» و هو الفرق بين الشركة الصحيحة و الفاسدة. و تقريبه: أنّ الشركة الفاسدة توجب الضمان و حرمة التصرف في المال المشترك، مع أنّ الشركة الصحيحة لا توجب الضمان، فينتقض قاعدة «كلّ ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده» بالشركة الفاسدة.

لكن هذا النقض إنّما يتوجّه بناء على عدم جواز التصرّف بسبب الشركة الفاسدة في المال المشترك، لانتفاء الاذن في التصرّف مع فساد الشركة. كما أنّ الوجه في جواز التصرف بقاء الاذن فيه.

و منشأ الوجهين أنّ تقييد الإذن بالشركة هل هو بنحو وحدة المطلوب أم تعدده؟ فعلى الأوّل لا يجوز، و على الثاني يجوز، فلا نقض، لوجود الاذن الرافع للضمان، كعدم الضمان في الشركة الصحيحة.

____________

[1] الظاهر عدم ورود هذا النقض، لأنّ الشركة إن كانت مقتضية لجواز التصرّف لم يكن فرق بين الشركة الصحيحة و الفاسدة في عدم الضمان، لكون الشريك أمينا، و لا ضمان على الأمين. و إن لم تكن مقتضية له لم يجز التصرّف مطلقا، سواء صحّ عقد الشركة أم فسد، و يثبت الضمان مطلقا، لعموم «على اليد» من دون مخصّص. فهذا النقض غير وارد.

و قد يقال: بانتقاض أصل القاعدة- أعني به: كلّ ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده- بالنكاح الفاسد، مع علم المرأة بالفساد، لأنّها حينئذ زانية، و لا مهر لبغيّ، فإنّ النكاح الصحيح يوجب ضمان الصداق للمرأة، دون فاسده.

لكن فيه ما لا يخفى، لأنّ النكاح خارج عن القاعدة موضوعا، إذ ليس المهر بإزاء الاستمتاع بالزوجة حتّى يضمن على كلا تقديري صحة العقد و فساده، بل المهر بإزاء

177

بناء (1) على أنّه لا يجوز التصرّف بها، فأخذ المال المشترك حينئذ (2) عدوانا [1] موجب للضمان (3).

____________

(1) إذ بناء على إذن كلّ واحد من الشركاء لغيره في التصرّف في المال المشترك مطلقا- حتّى مع العلم بفساد الشركة- لم يرد نقض على القاعدة، فالنقض مبني على وحدة المطلوب و تقيّد الاذن في التصرّف بخصوص الشركة الصحيحة شرعا.

(2) أي: حين فساد الشركة و انتفاء الاذن.

(3) فتنقض قاعدة «ما لا يضمن» إذ لا ضمان في الشركة الصحيحة، مع أنّ في فاسدها الضمان.

هذا تمام الكلام في الجهة الثانية ممّا يتعلق بقاعدة «ما لا يضمن» و سيأتي الكلام في الجهة الأخيرة، و هي دليل الاعتبار.

____________

الزوجية الاعتبارية- سواء أ كانت دائميّة أم انقطاعيّة- الثابتة بنفس العقد، لأنّ استحقاق المرأة للمهر إنّما هو بنفس العقد المحقّق للزوجية و إن لم يكن هناك استمتاع، كما إذا ماتت قبل مباشرة الزوج لها و التمتّع بها.

و الحاصل: أنّه ليس هنا شي‌ء يضمنه الزوج بالتلف أو الإتلاف. و مورد القاعدة كون الضمان مسبّبا عن أمر آخر غير العقد كالقبض في العقد، فإنّ التلف بعده يوجب الضمان، و قبله لا يوجبه، بل هو من مال بائعه.

و بالجملة: البضع و سائر الاستمتاعات لا ماليّة لها شرعا، فلا تقابل بالمال. نعم قد ثبت مهر المثل في بعض الموارد كالوطي بالشبهة، لاحترام الأعراض.

فالمتحصّل: أنّ ثبوت المهر في النكاح الصحيح، و عدمه في الزنا أجنبي عن مورد القاعدة.

[1] هذا متّجه في صورة العلم بفساد الشركة دون الجهل به، فالدليل أخصّ من المدّعى، فالأولى التمسّك بقاعدة اليد.

178

[الجهة الثالثة: مستند قاعدة «ما لا يضمن]

[أ: الأولويّة]

ثم إنّ مبنى هذه القضية السالبة (1)- على ما تقدّم من كلام الشيخ في المبسوط- هي الأولويّة (2).

____________

الجهة الثالثة: مستند قاعدة «ما لا يضمن» أ: الأولويّة

(1) أي: قاعدة «ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده» و قد أحسن المصنّف (قدّس سرّه) في التعبير بالقضيّة السالبة الموافق للصناعة، دون العكس لما مر من كون التعبير بالعكس مبنيّا على المسامحة. و كيف كان فهذا شروع في الجهة الثالثة- و الأخيرة- مما يتعلّق بالقاعدة، و هي مدركها و الدليل عليها. و المذكور في المتن أمران: أحدهما الأولويّة التي استظهرها من عبارة المبسوط، و ثانيهما الأخبار المتفرّقة الواردة في عدم ضمان الأمين، و سيأتي الكلام فيهما إن شاء اللّه تعالى.

(2) هذا هو الدليل الأوّل، و قد نقل المصنّف كلام شيخ الطائفة (قدّس سرّهما) إجمالا في صدر المسألة و حكيناه هناك بألفاظه، فراجع (ص 60) و المقصود منه هو استدلاله على عدم ضمان العين المرهونة في الرّهن المتضمن لشرط فاسد- مثل كونها مبيعة من المرتهن لو لم يؤدّ الراهن دينه، قال في المبسوط: «لأنّ صحيح الرهن غير مضمون عليه- أي على المرتهن- فكيف فاسده» (1).

و هذه العبارة الموجزة يحتمل أن يراد بها التعجّب من الضمان في العقد الفاسد الذي لا يؤثّر صحيحه في الضمان. و يحتمل أن يراد بها أولويّة عدم الضمان في العقد الفاسد من عدمه في العقد الصحيح منه، كالرهن الصحيح و الفاسد. و استظهر المصنّف (قدّس سرّه) هذا الاحتمال.

كما أنّه يحتمل أن يريد شيخ الطائفة- بناء على الأولويّة- أولويّة عدم ضمان العقد الفاسد ممّا لا يضمن بصحيحه كالرهن- من عدم ضمان نفس هذا العقد الذي لا يضمن بصحيحه. و لعلّ هذا ظاهر العبارة. و يحتمل أن يريد (قدّس سرّه) ما استظهره‌

____________

(1) المبسوط في فقه الإمامية، ج 2، ص 204

179

و حاصلها: أنّ الرّهن لا يضمن بصحيحه فكيف بفاسده؟ و توضيحه (1):

____________

المصنّف من أولويّة العقد الفاسد مما لا يضمن بصحيحه من فاسد العقد الذي يضمن بصحيحه كالبيع.

و الانصاف عدم خلوّ المتن من اندماج، فلا بدّ أوّلا من بيان ما أفاده الماتن في توضيح عبارة المبسوط، و ثانيا من التعرّض لما أفاده في تقريب الأولويّة.

(1) أي: توضيح انتفاء الضمان في الرهن الفاسد و نحوه من العقود التي لا تضمن بصحيحها، و أمّا كون عدم الضمان في الفاسد للمساواة مع الصحيح أو للأولويّة فسيأتي في المتن بقوله: «وجه الأولويّة».

و محصّل ما أفاده بقوله: «و توضيحه» هو: أنّ سبب الضمان الجعليّ في العقود الصحيحة المضمّنة كالبيع و الصلح المعاوضيّ و الإجارة إمّا أن يكون إقدام المتعاقدين على صيرورة مال كلّ منهما مضمونا بمال الآخر. و إمّا أن يكون السبب إمضاء الشارع لما أقدما عليه، و حكمه بوجوب الوفاء بما التزما به.

و كلا السببين منتف في مثل الرّهن. أمّا انتفاء الاقدام على الضمان بالمسمّى فواضح، لأنّ تسليم العين إلى المرتهن ليس بقصد تمليكها له بعوض، بل بقصد كونها وثيقة عنده، فتكون أمانة كالعين في الوديعة و العارية و الوكالة. و أمّا انتفاء الضمان الناشئ من حكم الشارع بصحّة العقد فلأنّ المراد بالصحة في باب المعاملات إمضاء ما التزم به المتعاقدان و وجوب الوفاء به، فالإمضاء يكون على طبق الممضى و مماثلا له. و لمّا كان الممضى هو البناء على تسليم العين إلى المرتهن و تسلّمها بلا عوض كان معنى صحة الرّهن شرعا إمضاء ما أقدما عليه من عدم ضمان العين لو تلفت بيد المرتهن.

هذا إذا كان عقد الرّهن صحيحا. و كذا الحال لو كان فاسدا، فلا ضمان فيه، لا من جهة الإقدام على الضمان و لا من جهة حكم الشارع و إمضائه. أمّا انتفاء الاقدام فلأنّ الرهن الفاسد فرد من طبيعيّ الرّهن المبنيّ على كون العين المرهونة وثيقة‌

180

أنّ الصحيح من العقد (1) إذا لم يقتض (2) الضمان- مع إمضاء الشارع له- فالفاسد الذي هو بمنزلة العدم لا يؤثّر (3) في الضمان. لأنّ أثر الضمان (4) إمّا من الاقدام على الضمان (5)،

____________

و أمانة بيد المرتهن. و أمّا انتفاء الضمان من ناحية الإمضاء فلأنّ المفروض فساد العقد و كونه بمنزلة العدم، فكيف يؤثّر في الضمان؟ بل عدم الضمان في الرّهن الفاسد يكون من السالبة بانتفاء الموضوع.

و المتحصّل: أنّ علّة عدم الضمان مشتركة بين الرّهن الصحيح و الفاسد، فلا بدّ أن يكون المعلول- و هو عدم الضمان- كذلك. هذا تقريب عدم اقتضاء العقد الفاسد ممّا لا يضمن بصحيحه للضمان. و أمّا أنّه للمساواة أو لأولويّة الفاسد بعدم الضمان فسيأتي إن شاء اللّه تعالى.

(1) أي: عقد الرّهن و نحوه مما لا يضمن بصحيحه.

(2) قد تقدّم آنفا وجه عدم اقتضاء الصحة و الإمضاء الشرعي للضمان، و محصّله: أنّ الإمضاء لا بدّ أن يكون على طبق الممضى، و لمّا كان الممضى هو الاقدام على الاستيمان لا المعاوضة، كان حكم الشارع بالصحة تثبيتا لهذا الاقدام، فيمتنع استناد الضمان إلى الإمضاء.

(3) هذه العبارة تدلّ على أنّ العقد الفاسد من الرّهن لا يكون مضمّنا، و أمّا أنّه لمساواته للعقد الصحيح أو لأولويّته منه في عدم الضمان فلا يستفاد منها.

(4) الإضافة بيانيّة، و غرضه أنّ الضمان- الذي هو أثر الصحة أو الإقدام- منتف في العقد الفاسد. و قد عرفت توضيحه آنفا. و لو قال: «لأنّ الضمان ..» كان أسهل تناولا.

(5) مقصوده (قدّس سرّه) انتفاء المقتضي للضمان. و لا يخفى أنّ استناد عدم الضمان إلى عدم الاقدام على المعاوضة لم يذكر في كلام شيخ الطائفة هنا، إذ المذكور فيه هو انتفاء الصحّة شرعا، و لكنّ المصنّف (قدّس سرّه) أضاف إليه انتفاء الاقدام هنا، لأنّه استفاده من‌

181

و المفروض عدمه، و إلّا يضمن (1) بصحيحه. و إمّا (2) من حكم الشارع بالضمان بواسطة هذه المعاملة الفاسدة، و المفروض أنّها لا تؤثّر شيئا [1].

و وجه الأولويّة (3): أنّ الصحيح

____________

تعليل الضمان في «ما يضمن بصحيحه» في موارد متعددة من المبسوط- بالاقدام و الدخول على أن تكون العين مضمونة، فإذا كان الضمان للإقدام في مثل عقد البيع كان عدم الضمان في الرّهن لأجل عدم الاقدام على المعاوضة و المبادلة. و لا بأس بما صنعه المصنّف (قدّس سرّه) استقصاء لجهات البحث.

(1) أي: لو كان الراهن و المرتهن أقدما على الضمان لكان الرّهن الصحيح مؤثّرا في الضمان، مع أنّ المفروض عدم مضمّنيّته.

(2) يعني: أنّ الموجب الثاني للضمان هو حكم الشارع بالضمان في هذا الرهن الفاسد، و لكن لا يجتمع الفساد الشرعيّ مع الضمان، لأنّ معنى الفساد لغويّة العقد و كونه كالعدم، و الضمان الشرعيّ يدور مدار الجعل و لو إمضاء، و المفروض عدمه.

(3) ظاهر العبارة أولويّة الرهن الفاسد- بعدم الضمان- من البيع الفاسد الذي يضمن بصحيحه، لا أولويّة الرهن الفاسد بعدم الضمان من الصحيح منه. و توضيحه:

أنّه قد سبق في (ص 58 و 115) استدلال شيخ الطائفة على الضمان في الفاسد- ممّا يضمن بصحيحه- بقاعدة الاقدام و الدخول على المعاوضة. و ناقش المصنّف فيه بأنّه‌

____________

[1] هذا الوجه إنّما يتّجه بناء على كون الضمان ناشئا عن العقد بحيث يكون نفس العقد سببا له، إذ يصح حينئذ أن يقال: إذا لم يكن الصحيح مقتضيا للضمان فالفاسد- الذي يكون كالمعدوم في عدم ترتّب أثر عليه- أولى بعدم تأثيره في الضمان. و أمّا بناء على كون سبب الضمان و مقتضية غير العقد من اليد و التصرّف فلا بدّ أن يكون عدم الضمان في الصحيح لاقتضاء العقد له، و لا يلزم من اقتضاء الصحيح للعدم أن يكون الفاسد كذلك، و من الواضح أنّ الأمر كذلك أي يكون سبب الضمان غير العقد.

182

..........

____________

لا سبيل لإثبات الضمان في مثل البيع الفاسد بقاعدة الإقدام، لأنّهما أقدما في العقد الصحيح على ضمان خاصّ و هو الضمان الجعلي المسمّى في العقد، و لم يقدما على طبيعيّ الضمان، حتّى يثبت الضمان بالبدل الواقعي في العقد الفاسد، فثبوت المثل أو القيمة في عهدة المتبايعين منوط بالدليل عليه.

فمقتضى قاعدة الإقدام انتفاء الضمان بالمسمّى في البيع الفاسد، لفرض أنّ الشارع لم يصحّح العقد و لم يمض ما أقدما عليه. مع وضوح أنّ البيع الفاسد يقتضي الضمان من جهة كونه مصداقا لطبيعيّ البيع المتقوّم بالمبادلة و المعاوضة بين المالين.

و عليه نقول: إنّ انتفاء الضمان بالعوض المسمّى في البيع الفاسد- لعدم الاقدام على طبيعيّ العوض و عدم إمضاء الضمان الخاص- يدلّ بالأولويّة القطعيّة على انتفاء الضمان في مثل الرّهن الفاسد الذي لا يضمن بصحيحه.

و وجه الأولويّة: أنّ الرهن الفاسد لا يتوقّع ترتب الضمان عليه، و ذلك لانتفاء كلّ من الاقدام على الضمان و الإمضاء، بخلاف البيع الفاسد، فإنّه من جهة كونه مصداقا لمفهوم البيع المتقوّم بالمبادلة و المعاوضة يترقّب منه الضمان، و مع ذلك لم يترتب عليه.

و هذا البيان كما ترى ظاهر في أولويّة فاسد العقد- الذي لا يضمن بصحيحه- بعدم الضمان من فاسد العقد الذي يضمن بصحيحه كالبيع. و هو لا يلتئم مع كلام المبسوط- بناء على إرادة الأولويّة دون التعجّب و المساواة- لدلالته على أولويّة فاسد العقد- الذي لا يضمن بصحيحه- من صحيحه كالرهن الصحيح و الفاسد.

و لذا تكلّف المحقّق الأصفهاني (قدّس سرّه) في توجيه الأولويّة التي ادّعاها المصنّف (قدّس سرّه)، بأن يقال: إنّ الملحوظ طبيعيّ العقد الصحيح، فالصّحّة في كلّ عقد تقتضي الضمان، سواء أ كان بيعا أم رهنا، فإذا لم يثبت الضمان فيه فعلا- مع اقتضاء الصحة ثبوته- فالفاسد الذي ليس فيه اقتضاء الضمان- إمّا لعدم إقدام مضمّن كما في الرهن، و إمّا لعدم إمضاء مضمّن كالبيع الفاسد- أولى بأن لا يوجب الضمان.

و على هذا فالرّهن الفاسد أولى بعدم الضمان من الرّهن الصحيح، لأنّ الصحة بنفسها‌

183

إذا كان مفيدا للضمان (1) أمكن أن يقال: إنّ الضمان من مقتضيات الصحيح (2)، فلا يجري في الفاسد، لكونه لغوا غير مؤثّر، على ما سبق تقريبه (3) من أنّه أقدم على ضمان خاصّ (4)، و الشارع لم يمضه، فيرتفع أصل الضمان (5) [1].

____________

مقتضية للضمان، و إن لم يبلغ مرتبة الفعلية، و هذا الاقتضاء الناقص مفقود في الفاسد (1).

(1) هذه الجملة قرينة على أن المصنّف (قدّس سرّه) قاس الأولوية بين نوعين من العقود، يعني العقد الصحيح المفيد للضمان الذي لا يؤثّر فاسده في الضمان، و بين العقد الصحيح الذي لا يفيد ضمانا كالرّهن، فجعل العقد الفاسد ممّا لا يضمن بصحيحه أولى بعدم الضمان من العقد الفاسد الذي يضمن بصحيحه.

(2) يعني: أنّ الصحة الشرعيّة تقتضي الضمان، سواء أ كان مضمّنا بالفعل أم لا، فإذا انتفت الصحّة لم يبق المقتضي له.

(3) حيث قال في الاعتراض على استدلال شيخ الطائفة بالاقدام ما لفظه:

«و هذا الوجه لا يخلو من تأمّل، لأنّهما إنّما أقدما و تراضيا بالعقد الفاسد على ضمان خاصّ، لا الضمان بالمثل أو القيمة، و المفروض عدم إمضاء الشارع لذلك الضمان الخاصّ، و مطلق الضمان لا يبقى بعد انتفاء الخصوصيّة».

(4) و هو الضمان بالبدل المسمّى في العقد المعاوضيّ، كضمان الكتاب بدينار في بيعه به.

(5) يعني: فيرتفع أصل الضمان في العقد الفاسد الذي يضمن بصحيحه، فكيف حال العقد الفاسد الذي لا يضمن بصحيحه، فإنّه أحرى بعدم الضمان؟

هذا كله في تقرير الأولوية، و سيأتي مناقشة المصنّف (قدّس سرّه) فيها.

____________

[1] لا يخفى أنّ المحقق الايرواني (قدّس سرّه) استظهر من المتن: أنّ مقصود المصنّف (قدّس سرّه) ملاحظة الأولويّة بين عقدين يقتضي صحيح أحدهما الضمان، و لا يقتضيه الآخر، لكنه (قدّس سرّه) لغموض كلام الماتن قال: «ينبغي تقرير الأولويّة هكذا: إنّ

____________

(1) حاشية المكاسب، ج 1، ص 85

184

لكن يخدشها (1):

____________

(1) أي: يخدش الأولويّة، و محصّل الخدشة: أنّ مبنى الأولويّة- و هو إمكان كون علّة الضمان صحة العقد و إمضاء الشارع لما أقدم عليه المتعاقدان- معارض بإمكان دعوى كون الصحة في العقد الصحيح غير المفيد للضمان كالرهن و الإجارة- بالنسبة إلى العين المستأجرة- و إمضاء الشارع لما أقدما عليه من التسليط المجّانيّ هو السبب الرافع للضمان، و المانع عن تأثير القبض فيه. و لا يجري في العقد الفاسد، لعدم إمضاء الشارع للتسليط المجّانيّ على ما هو معنى الفساد، فلا أولويّة.

و الحاصل: أنّ لكلّ من الصحيح و الفاسد مزيّة ترفع أولويّة الفاسد من الصحيح في عدم الضمان. أمّا مزيّة الفاسد فقد عرفتها من عدم إقدام مضمّن و إمضاء مضمّن. و أمّا مزيّة الصحيح فهي أنّ إمضاءه المقتضي للسلطنة الشرعيّة الرافعة للضمان عند وجود سببه مختصّ به، فبلحاظ الإمضاء- الذي هو أمر وجوديّ رافع للضمان- يمتاز الصحيح عن الفاسد، فلا أولويّة.

و اعلم أنّ المذكور في المتن من المناقشة في استدلال شيخ الطائفة (قدّس سرّه) أمران:

أحدهما: ما أفاده المصنّف بقوله: «لكن يخدشها» و غرضه منع أولويّة العقد‌

____________

صحيح العقد الذي كان فيه إقدام على الضمان ليس في فاسده إقدام، لما عرفت أنّ الاقدام حاصل على المسمّى، و لا ضمان به. و ما به الضمان و هو المثل أو القيمة لا إقدام عليه. فإذا كان هذا حال ما كان الإقدام في صحيحه على الضمان موجودا، فكيف ما لا إقدام في صحيحه على الضمان، فإنّه بالأحرى أن لا يكون في فاسده إقدام على الضمان» (1).

و هذا كما ترى ملاحظة للأولويّة بين عقدين لا بين صحيح عقد و فاسده، مع أنّ ظاهر عبارة المبسوط كما تقدّم في التوضيح جعل عدم ضمان فاسد الرهن أولى من عدمه في صحيحه. إلّا أن يتكلّف في توجيه المتن بما أفاده المحقق الأصفهاني، و أدرجناه في التوضيح، فتأمّل فيه حقّه.

____________

(1) حاشية المكاسب، ج 1، ص 95

185

أنّه (1) يجوز أن يكون صحّة الرّهن و الإجارة (2) المستلزمة لتسلّط المرتهن و المستأجر على العين شرعا (3) مؤثّرة في رفع الضمان، بخلاف الفاسد الذي لا يوجب تسلّطا لهما على العين، فلا أولويّة (4).

فإن قلت (5): إنّ الفاسد و إن لم يكن له دخل

____________

الفاسد من العقد الصحيح بعدم الضمان، و قد عرفته.

ثانيهما: ما أفاده بقوله: «فان قلت» و أجاب عنه، و محصّله منع مساواة العقد الفاسد للصحيح في عدم الضمان، لوجود المقتضي للضمان في الفاسد، و عدمه في الصحيح، فكيف يكون الفاسد أولى بعدم الضمان؟

(1) هذا مرفوع محلّا على أنّه فاعل «يخدشها» و الضمير للشأن.

(2) عطف الإجارة على الرّهن- في كون العين غير مضمونة بيد المرتهن و المستأجر للتسليط المالكي- مبنيّ على دخول العين المستأجرة في قاعدة «ما لا يضمن» كما استظهره (قدّس سرّه) بقوله: «فالقاعدة المذكورة غير مخصّصة بالعين المستأجرة و لا متخصّصة» و إلّا فبناء على ما ذهب إليه صاحب الرياض و غيره من ضمانها لا تكون الإجارة كالرّهن.

(3) قيد لقوله: «تسلّط» يعني: فتكون العين أمانة شرعيّة و مالكيّة، فلا وجه للضمان في العقد الصحيح.

(4) أي: فلا أولويّة للفاسد من الصحيح في عدم الضمان.

(5) هذا الاشكال ناظر إلى أصل استدلال شيخ الطائفة (قدّس سرّه) مع الغضّ عن الخدشة التي ذكرها بقوله: «لكن يخدشها» و هو مبنيّ على أمرين:

الأوّل: أنّ حديث «على اليد» يقتضي ضمان المستولي على مال الغير مطلقا، سواء أ كانت يده عدوانيّة أم أمانيّه، و سواء أ كان بعقد صحيح أم لا، لصدق «على اليد ما أخذت حتى تؤدّي» على جميع موارد الوضع.

186

في الضمان (1)، إلّا أنّ مقتضى عموم «على اليد» هو الضمان (2)، خرج منه المقبوض بصحاح العقود التي يكون مواردها غير مضمونة على القابض، و بقي الباقي (3).

____________

الثاني: أنّ هذا العموم خصّص في جملة من العقود الصحيحة، حيث لا ضمان فيها كالوديعة و العارية و الرهن و الوكالة و نحوها ممّا يكون التسليط بإذن الشارع و المالك. و أمّا إذا كانت هذه العقود باطلة غير ممضاة شرعا كان وضع اليد فيها مندرجا في عموم «على اليد» كاليد العدوانيّة في موارد الغصب المقتضية للضمان.

و بناء على هذين الأمرين يتّضح منع مساواة العقد الفاسد- ممّا لا يضمن بصحيحه- للصحيح في عدم الضمان، فضلا عن أولويّة الفاسد من الصحيح فيه.

و الوجه في المنع: أنّ سبب الضمان غير منحصر في ما أفاده شيخ الطائفة (قدّس سرّه) من إقدام المالك على الضمان و إمضاء الشارع له، حتى يقال بتساوي الصحيح و الفاسد في علّة عدم الضمان و هي عدم الاقدام المضمّن و عدم الإمضاء المضمّن. بل للضمان سبب آخر، و هو قاعدة اليد الشاملة لكلّ من العقد الصحيح و الفاسد. إلّا أنّها خصّصت في العقود الصحيحة التي لا ضمان فيها، كالرهن و الوديعة و المضاربة، و لم تخصّص في فاسد هذه العقود. و مقتضى عموم قاعدة اليد- التي هي أمر خارج عن مرحلة العقد- هو الضمان في العقد الفاسد. و معه كيف حكم شيخ الطائفة (قدّس سرّه) بعدم الضمان في الرّهن الفاسد، استنادا إلى مساواته للصحيح في السببيّة لعدم التضمين؟

(1) لما عرفت من انتفاء علّة الضمان، و هي الإقدام على الضمان، و إمضاء هذا الاقدام، و هذه مشتركة بين الرهن الصحيح و الفاسد.

(2) فالعقد الفاسد من جهة وجود هذا العموم فيه أولى بالضمان من الصحيح.

(3) و العقد الفاسد ممّا بقي تحته، لعدم صلاحيّته لتخصيص عموم قاعدة اليد.

187

[ب: عموم دليل الهبة و الأمانات]

قلت (1): ما خرج به المقبوض بصحاح تلك العقود يخرج به (2) المقبوض

____________

ب: عموم دليل الهبة و الأمانات

(1) هذا جواب الاشكال على المساواة بين العقد الصحيح و الفاسد في عدم الضمان، و غرض المصنّف (قدّس سرّه) إثبات الملازمة في عدم الضمان بين العقد الصحيح غير المضمّن و بين فاسده.

و هذا الجواب دليل ثان على قاعدة «ما لا يضمن». و محصّله: أنّ الدليل المخرج للمقبوض بصحاح تلك العقود عن عموم على اليد- على ما اعترف به المستشكل- هو المخرج بعينه لفاسد تلك العقود عن العموم المزبور. و ذلك الدليل عموم ما دلّ على عدم ضمان من تسلّم مال الغير من دون أن يضمّنه المالك، من غير فرق في عدم الضمان بين التمليك المجّانيّ كالهبة، و بين التسليط على الانتفاع بعين مجّانا كالعارية، أو بعوض كالإجارة، إلى غير ذلك من موارد الاستيمان المالكيّ، بعد تساوي صحيح هذه العقود و فاسدها في الجهات الداخليّة و الخارجيّة. أمّا الداخليّة فهي عدم الاقدام المضمّن، و عدم الإمضاء المضمّن. و أمّا الجهات الخارجيّة فهي اليد الموجبة بذاتها للضمان و الاذن المالكيّ الرافع له.

و المراد بالاستئمان المالكي هو التسليط عن الرضا و عدم كونه بلا إذن منه حتى تكون يده عادية، و التسليطات المجانيّة كلّها كذلك. و ليس المراد بالاستئمان المالكي الاستنابة في الحفظ، ضرورة أنّه لا شي‌ء من العقود كذلك إلّا الوديعة.

و بعد فرض تساوي العقود الصحيحة و الفاسدة في الجهات الداخليّة و الخارجيّة تكونان متساويتين أيضا في الحكم بالضمان و عدمه. فإذا دلّ دليل على عدم الضمان في الصحيحة دلّ على عدمه في الفاسدة أيضا.

(2) هذا الضمير و ضمير «به» المتقدم راجعان إلى «ما» الموصول المراد به عموم ما دلّ على عدم الضمان في موارد الاستيمان.

188

بفاسدها (1)، و هي عموم (2) ما دلّ على: أنّ من لم يضمّنه (3) المالك سواء ملّكه إيّاه بغير عوض (4)، أو سلّطه على الانتفاع به (5)، أو استأمنه عليه لحفظه (6) أو دفعه إليه لاستيفاء حقّه (7)، أو العمل فيه بلا اجرة (8) أو معها، أو غير ذلك (9)، فهو (10) غير ضامن.

أمّا (11) في غير التمليك بلا عوض- أعني الهبة- فالدليل المخصّص لقاعدة

____________

(1) لمساواة فاسد تلك العقود مع صحاحها في الجهة المخرجة لها عن إطلاق «على اليد».

(2) هذا العموم يستفاد من النصوص المتفرّقة كما سيأتي ذكر جملة منها إن شاء اللّه تعالى.

(3) بصيغة التفعيل، أي: لم يقصد المالك ضمان القابض لماله.

(4) كما في الهبة بغير عوض، لكونها تمليكا للعين مجّانا.

(5) كما في العارية، فإنّ المالك المعير يسلّط المستعير على العين للانتفاع بها.

(6) كما في الوديعة، فإنّها استيمان لحفظ المال عن الضّياع.

(7) كما في إجارة الأعيان، فالمؤجر يسلّط المستأجر على العين ليستوفي حقّه منها، كالسكنى في الدار.

(8) كما إذا دفع القماش إلى الخيّاط ليخيطه ثوبا تبرّعا منه بالخياطة، أو دفع القماش إليه ليخيطه ثوبا بأجرة معيّنة. و هذه إجارة على الأعمال المحترمة. فسواء أ كان العمل مع أجرة أم بدونها تكون يده على الثوب أمانية لا يضمن تألفها.

(9) كما في دفع مال المضاربة إلى العامل للتجارة به. و كدفع المال الموكّل في بيعه إلى الوكيل، فهما غير ضامنين لما بيدهما.

(10) جزاء الشرط في قوله: «من لم يضمّنه».

(11) غرضه (قدّس سرّه) إبداء الفرق بين الهبة غير المعوّضة، و بين العقود الأمانيّة التي لا تضمن بصحيحها و فاسدها، و الفارق هو عدم صدق الأمانة في باب الهبة،

189

الضمان (1) عموم ما دلّ على أنّ من استأمنه المالك على ملكه غير ضامن، بل «ليس لك أن تتّهمه» (2).

____________

لكونها رافعة للملك و لا تكون العين أمانة بيد المتّهب، بل هي ملكه، بخلاف العارية و الوكالة و المضاربة و الوديعة و الرهن و نحوها، فإنّها مصاديق لعموم ما دلّ على «عدم ضمان الأمين». و لا بدّ حينئذ من دليل آخر لإثبات عدم الضمان في الهبة الفاسدة، و ذلك الدليل هو الأولويّة القطعيّة، و سيأتي بيانها.

(1) يعني: قاعدة اليد المقتضية للضمان في كلّ استيلاء على مال الغير، سواء أ كان بالعقد أم بغيره، و سواء أ كان العقد صحيحا أم فاسدا.

(2) كما في رواية مسعدة بن زياد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «ليس لك أن تتهم من قد ائتمنته، و لا تأتمن الخائن و قد جرّبته» (1). و رواية مسعدة بن صدقة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «ليس لك أن تأتمن من خانك، و لا تتّهم من ائتمنت» (2).

و هناك نصوص أخرى دالة على عدم ضمان الأمين في موارد الوديعة و العارية و الإجارة على الأعمال، فمنها: مرسلة أبان بن عثمان عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث، قال: «و سألته عن الذي يستبضع المال، فيهلك أو يسرق، أعلى صاحبه ضمان؟ فقال:

ليس عليه غرم بعد أن يكون الرجل أمينا» (3) رواها الكافي و التهذيب بسند كالصحيح عنه (عليه السلام).

و منها: صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «صاحب الوديعة و البضاعة مؤتمنان، و قال: ليس على مستعير عارية ضمان، و صاحب العارية و الوديعة مؤتمن» (4).

و منها: معتبرة غياث بن إبراهيم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «انّ أمير المؤمنين (عليه السلام)

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 13، ص 229، الباب 4 من أبواب الوديعة، الحديث 10

(2) المصدر، الحديث 9

(3) المصدر، ص 228، الحديث 5

(4) وسائل الشيعة، ج 13، ص 237، الباب 1 من كتاب العارية، الحديث 6

190

..........

____________

أتي بصاحب حمّام وضعت عنده الثياب، فضاعت، فلم يضمّنه، و قال: إنّما هو أمين» (1). و التعليل ظاهر في كبرى عدم ضمان الأمين، و أنّ عدم تضمين الحمّامي إنّما هو لأمانته.

و منها: معتبرة أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «قال: لا يضمن الصّائغ و لا القصّار و لا الحائك، إلّا أن يكونوا متهمين، فيخوف (فيجيئون) بالبيّنة، و يستحلف لعلّه يستخرج منه شيئا. و في رجل استأجر جمّالا فيكسر الذي يحمل أو يهريقه. فقال: على نحو من العامل، إن كان مأمونا فليس عليه شي‌ء، و إن كان غير مأمون فهو ضامن» (2). و ظهورها في إناطة الضمان بالتهمة، و عدمه بالأمانة مما لا ينكر.

و منها: قول الفقيه (عليه السلام) في مكاتبة الصفّار في ضمان القصّار: «هو ضامن له إلّا أن يكون ثقة مأمونا إن شاء اللّه» (3).

إلى غير ذلك من النصوص المتفرقة الواردة في المستعير و المرتهن و الودعيّ و المستبضع، و الأجير على العمل كالقصّار و الحمّال و الجمّال، و المستأجر للعين، و غير ذلك المتضمّنة لعدم ضمانهم، بدعوى: أنّ اشتمال بعضها على تعليل عدم الضمان «بكون الرجل أمينا» يدلّ على قاعدة كلّية، و هي عدم ضمان المؤتمن و عدم الغرم على كلّ أمين. و مقتضي ترك الاستفصال عدم الفرق بين كون الاستيمان في العقد الصحيح أو الفاسد.

و بدعوى: أنّ التسليم في باب الإجارة و المضاربة و الشركة و نحوها يكون من قبيل جعل العين أمانة.

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 13، ص 270، الباب 28 من أبواب أحكام الإجارة، الحديث 1

(2) وسائل الشيعة، ج 13، ص 274، الباب 29 من أبواب أحكام الإجارة، الحديث 11

(3) المصدر، ص 275، الحديث 18

191

أمّا في الهبة الفاسدة فيمكن الاستدلال على خروجها من عموم اليد بفحوى (1) ما دلّ على خروج مورد الاستيمان، فإنّ (2) استيمان المالك لغيره على ملكه إذا اقتضى عدم ضمانه له (3) اقتضى (4) التسليط المطلق (5) عليه مجّانا عدم

____________

و الحاصل: أنّ المدّعى عدم ضمان كلّ من استأمنه الرجل على ماله. و هذا بمنزلة الكبرى، فكأنّه قيل: «كلّ أمين ليس بضامن». و كون العقود الفاسدة من صغرياته، لصدق الأمين على المستعير في العارية الفاسدة، و على المستأجر في الإجارة الفاسدة، إلى غير ذلك. و صغرويّة العقود الفاسدة تثبت بترك الاستفصال.

هذا كلّه في العقود الفاسدة الأمانيّة التي لا تضمن بصحيحها. و أمّا الهبة فسيأتي وجه عدم الضمان بفاسدها.

(1) متعلّق ب‍ «خروج» و هذا وجه عدم الضمان في الهبة الفاسدة حتى تكون قاعدة «ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده» شاملة لها كشمولها للعقود الأمانية، فهي خارجة عن عموم «على اليد» المقتضي للضمان.

و تقريب الأولويّة: أنّ عدم الضمان في صورة قطع العلقة عن المال بالمرّة أولى من عدم ضمانه في موارد الاستيمان التي تبقى إضافة الملكيّة على حالها.

(2) تقريب للفحوى، و قد عرفته آنفا.

(3) أي: للمالك.

(4) جزاء الشرط، و جملة الشرط و الجزاء خبر قوله: «فإنّ استيمان».

(5) المراد بالتسليط المطلق هو سلطنة المتّهب على التصرفات الخارجيّة و الاعتباريّة المشروعة في العين الموهوبة، و هذا في قبال تسليط المالك في باب العارية، لكون متعلّقه الانتفاع بالعين بنفسه. و كذا في باب الإجارة، فإنّ المستأجر مسلّط على العين في جهة الانتفاع بها و استيفاء حقّه منها، لا مطلقا، و لذا لا يجوز له التصرّف الأجنبيّ عن حيثيّة الانتفاع. و كذا في باب البيع، فإنّ تسليط المالك.

192

ضمانه بطريق أولى (1). و التقييد (2) بالمجّانيّة لخروج التسليط المطلق بالعوض كما في المعاوضات، فإنّه عين التضمين.

فحاصل (3) أدلّة عدم ضمان المستأمن (4) أنّ من دفع المالك إليه ملكه على وجه لا يضمنه بعوض واقعيّ- أعني المثل و القيمة- و لا جعلي فليس

____________

و إن كان مطلقا غير مقيّد بتصرّف دون آخر، إلّا أنّه مقابل بالعوض، و ليس مجّانيّا.

(1) تقدم تقريب الأولويّة آنفا.

(2) غرضه من هذه الجملة أنّ الموجب لتقييد التسليط المطلق في قوله: «اقتضى التسليط المطلق عليه مجّانا» بالمجّانيّة هو: أنّ للتسليط المطلق على المال فردين، أحدهما: بلا عوض و هو الهبة، و الآخر معه و هو البيع و الصلح المفيد فائدة البيع.

و ما ذكر- من أولويّة التسليط المطلق بعدم الضمان من موارد الاستيمان المالكيّ- فمورده الهبة التي لا يضمن المتّهب عوض ما أخذه من الواهب. و أمّا التسليط المطلق في باب البيع و نحوه فحقيقته التضمين، فلا معنى لتوهّم كونه كالهبة ممّا لا ضمان فيه.

(3) هذا الحاصل راجع إلى ما أفاده بقوله: «قلت» الذي محصّله خروج العقود الأمانيّة صحيحها و فاسدها عن الحديث النبويّ «على اليد» المقتضي للضمان في مطلق موارد الاستيمان. و عليه فإذا دفع المالك ماله إلى آخر من دون الاقدام على تضمين الآخذ ببدله الواقعي و لا ببدل جعليّ مسمّى لم يكن ماله مضمونا، فلو تلف لم يلزم تداركه ببدل على الآخذ. و بذلك تمّ الدليل على أنّ «ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده».

(4) بصيغة المفعول أي: من جعله المالك أمينا على ماله لا يكون ضامنا. هذا تمام الكلام في ضمان نفس المقبوض بالبيع الفاسد، و سيأتي الكلام في وجوب ردّه و سائر آثاره إن شاء اللّه تعالى.

193

عليه ضمان [1].

____________

[1] لا يخفى أنّه قد استدلّ على قاعدة «ما لا يضمن» بوجوه:

الوجه الأوّل: الأولويّة. و يكفي في ردّها ما أفاده المصنّف (قدّس سرّه) من الخدشة.

الوجه الثاني: الأصل، إذ الضمان حكم وضعيّ، فإن شكّ في ثبوته و لم يكن عليه دليل ينفى بأصالة البراءة.

و فيه: أنّ هذا مبنيّ على عدم إمكان التمسّك بالنبوي «على اليد ما أخذت» لضعف السند أو غيره. و قد تقدّم البحث فيه، و أنّه حجة و يصحّ الاستدلال به، فراجع.

الوجه الثالث: إقدام المتعاقدين على المجّانيّة الرافع للضمان في كل من الصحيح و الفاسد.

و فيه: أنّ ما أقدما عليه عنوان خاصّ صحيح، و قد انتفى، و ارتفاع العنوان يوجب انتفاء السبب الرافع للضمان، فمقتضى عموم «على اليد» هو الضمان.

الوجه الرابع: الأدلّة الدالّة على عدم الضمان في الأمانات كالوكالة و الوديعة و نحوهما، و ذلك كعموم ما دلّ على «أنّ من استأمنه المالك على ملكه غير ضامن، بل ليس لك أن تتّهمه» و ضمّ المصنّف (رحمه اللّه) إلى ذلك: الفحوى بالنسبة إلى مثل الهبة، فإنّه إذا لم يضمن فيما لم يكن فيه بذل المال بل كان مجرّد استيمان، ففيما كان فيه بذل المال يكون عدم الضمان أولى بالقبول.

و أورد عليه: بأنّ الكلام إنّما هو في مثل الشركة الفاسدة، و كذا الإجارة الفاسدة بالنسبة إلى العين، و في مثل حمل المبيع بالبيع الفاسد على القول بكونه مضمونا على المشتري مع عدم الضمان في صحيحه، و في مثل استعارة المحلّ من المحرم على تقدير فساد العارية.

و حينئذ نقول: إنّ العموم المزبور و نحوه من أدلة الاستيمان لا يستفاد منها إلّا حكم ما هو استيمان محض قصد منه مصلحة المالك كالوكالة و الوديعة، أو ما كان مثل العارية بالنسبة إلى الصحيح منها الذي هو مورد الاذن، دون غيره، إذ ليس في المورد

194

____________

إلّا الإذن المقيّد بكونه في ضمن العارية الصحيحة أو الإجارة الصحيحة مثلا، و قد انتفى القيد فينتفى المقيّد بانتفائه.

و دعوى كون مطلق الاذن رافعا للضمان، خالية عن البرهان، فإنّ المقبوض بالسوم مع اقترانه بالاذن مضمون على القابض كما عن المشهور. فالحق أنّ هذه القاعدة لم يقم عليها دليل واضح.

فحينئذ نقول: إنّ كلّ مورد قام الدليل على عدم ضمان المقبوض باليد كان ذلك مخرجا له عن عموم «على اليد» و كلّ مورد لم يقم فيه دليل على عدم الضمان فالمرجع فيه قاعدة اليد. و عليه فلا دليل على عدم الضمان في العقود الفاسدة.

فالنتيجة: أنّ قاعدة «ما لا يضمن» خالية عن الدليل. بل مقتضى عموم «اليد» الضمان.

أقول: بناء على تسليم الكبرى- و هي: أنّ كل أمين ليس بغارم- و تسليم صغرويّة المستأجر و المستعير و المرتهن و الودعي و المستبضع بالعقود الفاسدة لكبرى الأمين لا وجه للضمان.

و دعوى «تقيّد الاذن بصحّة العقد بأن يقال: إنّ العقود الفاسدة ليست من موارد الأمانات حتى لا يكون فيها ضمان، إذ الأمانة فرع الاذن، و هو مقيّد في العقود بصحتها، فينتفي الإذن بانتفاء الصحة كانتفاء كل مقيد بانتفاء قيده» خالية عن الشاهد، بعد صدق عناوين العقود على صحيحها و فاسدها بوزان واحد، و اشتراكها فيما عرفت في التوضيح من الجهات الداخلية و الخارجية.

لا يقال: إنّ الاستيمان المالكي هو الاستنابة في الحفظ، و ليس شي‌ء من العقود كذلك إلّا الوديعة، فاستناد عدم الضمان في قاعدة «ما لا يضمن» إلى الاستيمان المالكي في غير محله. بل لا بدّ من الالتزام بالضمان في تلك العقود.

فإنّه يقال: إنّ المراد بالاستئمان المالكيّ هو التسليط عن الرضا و عدم كونه بلا إذن

195

____________

حتى تكون يده عادية، و من المعلوم أنّ ما ذكره من التسليطات المجّانيّة كلّها كذلك، فلا تكون اليد عادية حتى يضمن القابض، بل اليد مأذونة و ليس مضمّنة.

و أمّا ما ورد من «أنّ المستعير و المستأجر، مؤتمنان» فهو تنزيل لهما منزلة من استأمنه المالك حقيقة في عدم الضمان بمجرّد التلف، لا أنّهما مؤتمنان حقيقة من قبل المالك.

و أمّا ما ورد في النصوص من «أنّه إذا كان مأمونا لا يضمن» فإنّه في قبال المتّهم، فالفرق بين الأمين و المتّهم هو: أنّ الأمين في صورة دوران الأمر بين التلف و الإتلاف لا يحكم عليه بالضمان، إمّا واقعا كما إذا لم يتلف بالتعدّي أو التفريط، و إمّا ظاهرا و في مقام الدعوى، فليس لصاحب المال مطالبته بالبينة و اليمين، بخلاف المتّهم، فإنّه يطالب بهما.

فهذه الأخبار في مقام التفكيك بين الأمين و المتّهم في الحكم الظاهريّ، لا في مقام بيان حكم التلف المحض الذي نتكلّم فيه. و لا يتفاوت فيه بين الأمين و المتّهم.

كما أنّه لا تفاوت بينهما في الضمان بالتلف مع التعدي أو التفريط.

ثمّ إنّ لبعض الأعلام كلاما، و هو: «أنّ ما ورد في مرسلة أبان بن عثمان المتقدّمة- من عدم الضمان بعد كون الرجل أمينا- يحتمل فيه وجوه، بعد الخدشة في كون ما ذكر بمنزلة التعليل، و احتمال أن يكون بيانا لمورد القضيّة، أي بعد ما جعلته في المورد أمينا لا غرم عليه، و هذا نحو أن يسأل الطبيب عن الرّمان، فيقول بعد أن كان حلوا لا مانع منه، الذي يفهم منه أنّ كلّ حلو لا مانع منه» هذا.

و فيه: أنّ قوله: «بعد أن يكون الرجل أمينا» مساوق لقوله في خبر غياث المتقدّم:

«إنّما هو أمين» و ظهور مثل هذه التعبيرات في بيان الكبرى الكلّية و هي عدم ضمان كل أمين- خصوصا بعد ملاحظة كون وظيفة الشارع بيان الأحكام الكلّية- مما لا ينكر، إذ من

196

____________

المعلوم أنّ التعليل بكون الرّجل أمينا ظاهر عرفا في حكم كلّي و هو عدم ضمان كلّ أمين، و لا ظهور له في كونه بيانا للمورد، فإنّ المورد من قبيل ما إذا أمر الإمام (عليه السلام) بأخذ معالم الدين من أحد الأصحاب، و قال: «إنّه ثقة» فإنّه لا ريب في كونه تنبيها على وثاقته الموجبة لاندراجه في «الثقة» الذي يكون قوله حجة.

ثمّ قال: «إنّ في الرواية احتمالات: أحدها: أنّ المقصود الاخبار عن قضيّة واقعيّة، و هي: أنّ الأمين لا تصدر منه الخيانة حتى يضمن، فلا ضمان عليه واقعا. و عليه فلا يكون تعليلا ليستفاد منه حكم غير المورد».

و فيه: أنّ الاخبار- الذي هو حكاية أمر خارجي- خلاف الأصل في كلام الشارع، فإنّ الأصل في كلامه هو الحمل على إنشاء الأحكام. فقوله (عليه السلام): «ليس عليه غرم» حكم قد علّل بكونه أمينا، فكأنّه قال (عليه السلام): «علّة عدم الغرم شرعا هي أمانة الرجل» فموضوع عدم الضمان هو الأمين. كتعليل حرمة الخمر «بأنّه مسكر» الظاهر في كون موضوع الحرمة حقيقة هو المسكر، و أنّ حرمة الخمر إنّما هي لأجل انطباق موضوع الحرمة أعني طبيعيّ المسكر عليه، فيكون المقام من قبيل العلّة المنصوصة، لا من قبيل علّة التشريع.

و إن شئت فقل: إنّ ما نحن فيه من قبيل علّة المجعول، لا علّة الجعل على ما هو مصطلح بعض المحققين.

ثانيها: «أن يراد بقوله:- بعد أن يكون الرجل أمينا- أنّه بعد ما اتّخذته أمينا و جعلت المال أمانة عنده لم يحكم عليه بالغرم، إلّا مع قيام البيّنة. و على هذا يمكن أن يقال: إنّ الاتّخاذ أمينا في عقد الوديعة إنّما يصدق مع صحّته. و أمّا مع فساده فلا، إذ ليس المراد كونه أمينا واقعا أو كونه مورد وثوق المودع، بل المراد أنّه مع اتّخاذه في العقد أمينا و جعلت بضاعتك أمانة لديه لم يحكم عليه بالغرم، فلا يكون صادقا في فاسد العقد، لأنّه لم يتّخذه أمينا مطلقا، بل في العقد مع البناء على صحته».

197

____________

و فيه: أنّ كون الرجل أمينا معناه: أنّ كونه أمينا واقعا دعا الناس إلى أن يجعلوا أموالهم أمانة عنده. و هذا الداعي موجود في كلتا صورتي صحة العقد و فساده، لأنّ إمضاء الشارع لا دخل له في الرضا بكون المال أمانة عند الأمين. بل بعد البناء على أمانته يرضى بجعل المال عنده وديعة سواء أمضاها الشارع أم لا. بل الرضا مقيّد بالأمانة المحرزة بالفرض.

نعم إن كان الموجب لفساد الوديعة اختلال ما هو مقوّم لمفهومها عرفا- لا اختلال ما هو شرط لصحّتها شرعا- كانت دعوى تقيّد الوديعة بالرضا في محلّها، حيث إنّ الرضا تعلّق عرفا بالوديعة، و المفروض عدم تحققها، فلا موضوع للاستيمان، فتأمّل.

ثالثها: «أن يراد به أنّه بعد اتّخاذه أمينا لا يكون ضامنا بالتلف السماويّ، من غير إفراط و تفريط، فيأتي فيه الاشكال المتقدم».

و الفرق بينه و بين سابقه: إنّ هذا الوجه راجع الى الحكم الواقعي، و هو أنّ التلف من غير إفراط و تفريط- لا يوجب الضمان. و الوجه السابق راجع الى الحكم الظاهري، و هو عدم الضمان مع قيام البيّنة. و غرضه من الاشكال المتقدم هو أنّ الاتّخاذ أمينا لا يصدق مع فساد عقد الوديعة.

و فيه ما تقدّم من: أنّ الاتخاذ أمينا لا يتوقّف على صحّة العقد، بل يتوقّف على أمانته واقعا، و أن لا يكون العلم بأمانته جهلا مركّبا. و أمّا حكم الشارع بصحّة العقد فليس مقوّما لاتّخاذه أمينا.

رابعها: «أن يكون المراد أنّه بعد ما كان أمينا واقعا لا يضمن. و مقتضى التعليل: أن لا يضمن الأمين بالتلف السماوي مطلقا، و يضمن غير الأمين. ففي المقبوض بالعقد الفاسد مثلا إذا كان القابض أمينا ثقة لا يضمن، بخلاف غير الأمين».

و الظاهر أنّ غرضه أخصيّة هذه الرواية من المدّعى، لأنّها تدلّ على عدم ضمان الأمين، فالمقبوض بالعقد الفاسد غير مضمون على القابض إن كان أمينا، و مضمون عليه

198

____________

إن لم يكن أمينا. و المدّعى أعمّ من ذلك، إذ المقصود من قاعدة «ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده» هو عدم الضمان مطلقا و إن لم يكن القابض أمينا.

و فيه: أنّ عدم الضمان في العقود الصحيحة منوط أيضا بالوثوق و الأمانة، لأنّ رضى المالك منوط بالأمانة، فإن لم يكن أمينا لا يرضى المالك بأن يكون المال أمانة عنده اتّجه من الحكم بالضمان مع الأمانة و إن كان العقد صحيحا، و بعدم الضمان و إن كان العقد فاسدا، لأنّ المدار حينئذ الأمانة. فإن كان أمينا فلا ضمان عليه، و إلّا فعليه الضمان.

خامسها: «أن يراد: كل من استأمنته لا يضمن، بمعنى أن كل من جعلت الشي‌ء عنده بعنوان الأمانة ليس بضامن، فيشمل الصحيح و الفاسد. و هذان الاحتمالان بعيدان» (1).

و فيه: أنّ الظاهر إرادة هذا المعنى من الرواية، لأنّ استبضاع المال لا يحصل عادة إلّا عند الأمين، فالاستيمان متحقق من صاحب المال، فالمستفاد من الرواية: أنّ كل من استأمنه المالك على ماله و كان القابض أمينا لا يضمن، فالاستيمان من المالك و أمانة القابض دخيلان في ارتفاع الضمان.

فتحصّل: من جميع ما تقدم أنّ ما أفاده الشيخ (قدّس سرّه) من ارتفاع الضمان باستيمان المالك يستفاد من النصوص، فلاحظ و تدبّر.

تكملة: هل المستفاد من الروايات المتفرّقة في هذه الأبواب هو كون الضمان في مورده و عدمه في مورده بنحو الاقتضاء كوجوب الصلاة و حرمة شرب الخمر، حتى يكون شرطه وجودا أو عدما مخالفا لمقتضى العقد، فشرط الضمان في العارية مثلا مخالف للكتاب، و شرط عدمه في عارية الذهب و الفضة- التي فيها الضمان- مخالف لمقتضى العقد المستفاد من الأدلّة الخاصّة الدالّة على الضمان في عاريتهما؟ أم التفصيل بين شرط عدم الضمان في مورد ثبوته، و بين شرط الضمان في مورد عدمه، كشرط

____________

(1) كتاب البيع، ج 1، ص 291 و 292

199

____________

الضمان في عارية غير الذهب و الفضة، بدعوى: أنّ الظاهر من جعل الضمان كونه حكما اقتضائيّا، لأنّ ثبوت الحكم لموضوع لا يكون إلّا عن الاقتضاء، فشرط عدمه مخالف للشرع، بخلاف شرط الضمان في مورد عدمه، و ذلك لأنّ أدلّة نفي الضمان لا تدلّ على أزيد من عدمه، و لا تدلّ على أنّه عن اقتضاء، فإنّ دلالة تلك الأدلّة على ذلك محتاجة إلى قرينة مفقودة. كما أنّ دلالة دليل إباحة شي‌ء على أنّ الإباحة تكون لوجود المقتضي أو لوجود المانع عن جعل الحرمة منوط بدلالة دليل.

أم يقال: إنّ شرط عدم الضمان في مورد ثبوته أيضا ليس مخالفا للشرع، لإمكان دعوى أنّ تشريع الضمان إنّما هو إرفاق بالمالك و مراعاة لمصلحته، فأدلّة الضمان منصرفة عن مورد الاشتراط برضا المالك بعدمه.

و الحاصل: أنّه يحتمل وجوه:

أحدها: صحّة اشتراط الضمان في مورد عدمه، و اشتراط عدمه في مورد ثبوته، فالشرط مطلقا- أي وجود الضمان و عدمه- في مطلق الموارد ليس مخالفا للشرع.

ثانيها: عدم صحة الشرط مطلقا، أي شرط الضمان في مورد عدمه، و بالعكس.

ثالثها: التفصيل بين شرط عدم الضمان في مورد ثبوته، و بين شرط الضمان في مورد عدمه، بكون الأوّل مخالفا للشرع دون الثاني.

لا يبعد أن يقال: إنّ الظاهر هو الاحتمال الأوّل، فشرط الضمان في مورد عدمه و شرط عدمه في مورد ثبوته ليس مخالفا للشرع. و ذلك لإمكان استفادة هذه الكليّة من جملة من الروايات، كصحيحة زرارة: «قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): العارية مضمونة؟

فقال: جميع ما استعرته فتوى فلا يلزمك تواه إلّا الذهب و الفضة، فإنّهما يلزمان، إلّا أن تشترط عليه أنّه متى توى لم يلزمك تواه. و كذلك جميع ما استعرت فاشترط عليك

200

____________

لزمك. و الذهب و الفضة لازم عليك و إن لم يشرط عليك» (1). فإنّ المستفاد منه نفوذ شرط الضمان في مورد عدمه، و شرط عدمه في مورد ثبوته، إذ عارية غير الذهب و الفضة لا ضمان فيها، لقوله (عليه السلام): «جميع ما استعرته فتوى ..» و عارية الذهب و الفضة فيها الضمان، و شرط تعدمه ينفيه، لقوله (عليه السلام): «فإنهما يلزمان إلّا أن تشترط ..».

و صحيحته الأخرى: «قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن وديعة الذهب و الفضة؟

قال: فقال: كلّ ما كان من وديعة و لم تكن مضمونة لا تلزم» (2) و من المعلوم أنّ المراد به اشتراط عدم الضمان، و إلّا فهو من توضيح الواضح كما لا يخفى.

و تدلّ أيضا على صحة الشرط مطلقا- الكاشفة عن عدم كون الضمان و عدمه اقتضائيا- بعض روايات الإجارة، فلاحظ.

و لعلّ المستفاد من هذه الروايات نفوذ شرط الضمان و عدمه في جميع الموارد.

ففي الأمانات التي نفى الشارع فيها الضمان يجوز شرط الضمان فيها، كالعين المستعارة و المستأجرة، و لا يكون الشرط مخالفا للكتاب و السنة. و كذا يجوز شرط عدم الضمان فيما جعل فيها الضمان كعارية الذهب و الفضة.

و الحاصل: أنّ هذه الروايات ترجّح الاحتمال الأوّل و هو نفوذ شرط الضمان و عدمه في الأمانات، فيتعيّن في مقام الإثبات، دون الاحتمالين الآخرين. فجعل الضمان شرعا في بعض موارد الأمانات و عدمه في بعضها الآخر ليس من باب المقتضي و العلّة التامّة، فيتغير بالشرط الذي هو من العناوين الثانوية المغيّرة للأحكام الأوّليّة.

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 13، ص 239، الباب 3 من كتاب العارية الحديث 2، رواه الكليني عن علي بن إبراهيم عن ابن أبي عمير عن جميل عن زرارة، و الرواية صحيحة كما لا يخفى على من راجع تراجم هؤلاء.

(2) وسائل الشيعة، ج 13، ص 228، الباب 4 من أبواب الوديعة، الحديث 4، رواه الكليني عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن حمّاد عن حريز عن زرارة، و الرواية صحيحة.

201

[الأمر الثاني المتفرع على المقبوض بالعقد الفاسد: وجوب ردّ المبيع فاسدا إلى مالكه فورا]

الثاني من الأمور المتفرّعة على عدم تملّك المقبوض بالبيع الفاسد: وجوب ردّه فورا إلى المالك (1). و الظاهر أنّه ممّا لا خلاف فيه على تقدير عدم جواز التصرّف فيه، كما يلوح (2) من مجمع الفائدة.

____________

وجوب ردّ المبيع فاسدا إلى مالكه فورا

(1) قد تقدّم في أوّل مسألة المقبوض بالعقد الفاسد (ص 6) أنّه موضوع لأحكام تكليفيّة و وضعيّة، و قد كان الكلام إلى هنا في عدم التملّك، و ضمان العين لو تلفت بيد الآخذ. و كان المناسب اتباعه ببحث ضمان المنافع المستوفاة و الفائتة، لكنّ المصنّف (قدّس سرّه) قدّم البحث عن حكم تكليفيّ متعلّق بنفس المقبوض بالبيع الفاسد، و هو وجوب ردّه فورا إلى المالك.

و استدلّ عليه بوجوه ثلاثة، و هي الإجماع المنقول في مجمع الفائدة، و التوقيع الشريف، و النبويّ، و سيأتي بيانها.

و لا يخفى أنّ محلّ الكلام و موضوع البحث عن وجوب ردّ المقبوض بالعقد الفاسد إلى مالكه فورا هو القول بعدم جواز التصرّف فيه، و كون القبض وفاء بالعقد الفاسد. فلو قيل بحصول إذن جديد- بعد العلم بالفساد على ما سبق تفصيله في أوّل المسألة و في ثامن تنبيهات المعاطاة- أو قلنا ببقاء الاذن المقارن للعقد و عدم ارتفاعه بفساد العقد لم يبق موضوع لوجوب ردّ المقبوض بالمعاملة الباطلة إلى مالكه فورا كما لا يخفى.

(2) يعني: يلوح من مجمع الفائدة عدم الخلاف في حرمة التصرّف في المقبوض بالبيع الفاسد و وجوب ردّه فورا إلى مالكه، قال المحقّق الأردبيلي (قدّس سرّه): «و مع علمه بالفساد- و بعدم جواز تصرّفه و حفظه و وجوب ردّه إلى مالكه معجّلا- كالمغصوب، و ذلك قد يكون بعلمه بطلب من المالك على تقدير الفساد، و عدم رضاه‌

202

بل (1) صرّح في التذكرة- كما عن جامع المقاصد (2)- «أنّ مئونة الرّدّ على المشتري». و إطلاقه (3) يشمل ما لو كان في ردّه مئونة كثيرة،

____________

بكونه عنده، و فتوى العلماء له بذلك ..» (1).

و المراد بعدم الخلاف في المسألة قوله: «و فتوى العلماء». و لكن مورد كلامه (قدّس سرّه) علم المشتري بفساد العقد و بحرمة التصرّف بل بحرمة إمساكه، و أنّ المالك لو اطّلع على فساد العقد لطالب المشتري بالمبيع و لم يرض بكونه عنده. و هذا أخصّ من محلّ البحث و هو عدم اختصاص حرمة التصرّف- و ما يترتّب عليها من وجوب الرّدّ فورا- بصورة علم المشتري بالفساد، كما أنّ ضمان المقبوض بالبيع الفاسد لا يختصّ بصورة الجهل بالبطلان على ما سبق تصريح المصنّف به في الأمر الأوّل.

(1) غرضه الترقّي و الإضراب عن بناء وجوب الرّدّ فورا على حرمة التصرّف إلى أنّ وجوب الرّدّ كأنّه من المسلّمات، بشهادة جزم العلّامة به، و بنى عليه وجوب مئونته لو توقّف الرّدّ عليها. قال (قدّس سرّه): «إذا اشترى شراء فاسدا وجب عليه ردّه على مالكه، لعدم خروجه عنه بالبيع، و عليه مئونة الرّدّ كالمغصوب» (2).

(2) الأولى إضافة «أيضا» إليه، لأنّ غرضه (قدّس سرّه) أنّ المصرّح بكون مئونة الرّدّ على المشتري ليس هو العلّامة خاصّة، بل المحقّق الكركي صرّح به أيضا. و الأمر سهل. قال المحقق الثاني (قدّس سرّه): «فرع: على المشتري مئونة ردّ المبيع فاسدا إن كان له مئونة كالمغصوب، و لا يرجع بالنفقة إلّا إذا كان جاهلا بالفساد، إذ لا يعدّ متبرّعا بنفقته، إذ لم ينفق إلّا بناء على أنّه ماله، فإذا فات ذلك رجع كلّ إلى حقّه، و جعل في التذكرة البائع غارّا» (3).

(3) يعني: و إطلاق وجوب الرّدّ- المنقول عن التذكرة- يقتضي إيجاب مقدّماته التي منها بذل المال سواء أ كان قليلا أم كثيرا، إلّا أن تكون كثرة مئونة الرّدّ ضررا‌

____________

(1) مجمع الفائدة و البرهان، ج 8، ص 192

(2) تذكرة الفقهاء، ج 2، ص 495

(3) جامع المقاصد، ج 4، ص 435

203

إلّا أن يقيّد (1) بغيرها (2) بأدلّة نفي الضرر [1].

____________

على المشتري، فينفى وجوب بذل المال الكثير عنه. بل مقتضى حكومة قاعدة الضرر نفي وجوب بذل المال و إن كان يسيرا، إلّا إذا كان بمثابة لا يصدق عليه الضرر.

(1) التعبير بالتقييد دون الحكومة- مع أنّ مبناه حكومة دليل نفي الضرر على أدلّة الأحكام الأوليّة- مسامحة، و لعلّه لأجل أنّ الحكومة قد تخصّص العامّ و تقيّد المطلق، و قد تعمّم، فالتعبير بالتقييد مبنيّ على ملاحظة نتيجة الجمع بين الدليلين.

(2) أي: بغير المئونة الكثيرة، و هذا الغير هو المئونة المتعارفة أو ما دونها.

____________

[1] لم يظهر وجه لكون المئونة على القابض، لأنّ الرّدّ لا يتوقف غالبا على بذل مال حتى يقال: إنّ الزائد على ما يقتضيه طبع الرّدّ من بذل المال على المالك، بل تمامه يكون على المالك، لقاعدة نفي الضرر. و لو كان الرّدّ بذاته و طبعه متوقّفا على مئونة لم تكن منفكّة عن مصاديقه، هذا.

مضافا إلى: أنّ حرمة الإمساك لا تستلزم وجوب الرّدّ، لعدم الملازمة بين حرمة الضدّ و وجوب ضدّه. و كذا وجوب نقيض الإمساك لا يدلّ على وجوب الرّدّ، لما قرّر في الأصول.

مع أنّه على القول به- لرفع اليد عن المبنى الأصولي- يمكن القول بعدم وجوب الرّدّ أيضا، لأنّه متقوّم برفع يد الدافع و إثبات يد القابض، و الرّفع مقدّم على الإثبات دائما، فيتصف هو بالوجوب، دون ما تأخّر عنه.

لكن فيه ما لا يخفى، لأنّ الرّدّ ليس مركّبا من الرّفع و الإثبات، بل هو عبارة عن الإيصال إلى المالك، و الإثبات منتزع عنه. و أمّا مراد الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) من الاستدلال على وجوب الرّدّ بحرمة الإمساك فليس مبنيّا على اقتضاء حرمة الضّدّ لوجوب ضدّه، بل على فهم العرف من مثل قوله: «يحرم عليك إمساك مال الناس» لزوم الرّدّ إلى المالك، سيّما بملاحظة تعليل لزوم ردّ الأمانات إلى أهلها بأنّه «لا يحل دم امرء مسلم و لا ماله إلّا بطيبة نفسه».

204

____________

إلّا أن يدّعى: عدم ملازمة وجوب ردّ الأمانات إلى أصحابها للإيصال إليهم، و أنّ المراد رفع اليد و التخلية بينها و بين صاحبها. لكنّه خلاف ظاهر الأدلّة.

و كيف كان لا يكون وجوب الرّدّ مبنيّا على اقتضاء حرمة الضّد لوجوب ضدّه، فتدبّر.

و يمكن أن يستدلّ على وجوب الرّدّ بروايات متفرّقة في أبواب اللقطة و التجارة و الجهاد و الوديعة و غيرها، فلاحظ.

ثمّ إنّ للسيد (قدّس سرّه) تفصيلا، و هو ما لفظه: «ثمّ على فرض كون الرّدّ واجبا و كون مئونته على القابض إنّما يتمّ فيما إذا كان هو الناقل له عن مكانه. و أمّا إذا كان في مكان القبض و قد انتقل البائع إلى بلد آخر فلا دليل على وجوب نقله إلى ذلك البلد و كون مئونته على القابض، فتدبر» (1).

و اختار المحقّق النائيني (قدّس سرّه) هذا التفصيل بما حاصله: «أنّه يجب الرّدّ إذا نقل القابض المقبوض بالعقد الفاسد إلى بلد آخر مع كون المالك في بلد القبض. و أمّا إذا كان المقبوض في بلد القبض و انتقل المالك إلى مكان آخر لم يجب نقله إليه، بل يردّه إلى وكيله أو الحاكم، إذ لا دليل على لزوم الدفع إلى شخص المالك في هذه الصورة» (2).

و هذا موافق لما فصّله السيّد، إلّا أنّه لم يتعرض لوجوب ردّ المال في بلد القبض إلى وكيل المالك أو الحاكم، و صرّح به الميرزا (قدّس سرّه).

و فيه: أنّ إطلاق دليل وجوب الرّدّ كقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «على اليد .. إلخ» بعد البناء على اعتباره- كما هو التحقيق على ما تقدّم- كاف في المطلوب، لأنّ قضيّة إطلاق وجوب الرّدّ إلى المالك عدم الفرق بين كون المقبوض و المالك معا في بلد القبض و بين تفرّقهما، بأن كان المقبوض في مكان القبض و المالك في بلد آخر، أو كان المالك في مكان القبض و المال منقولا إلى محلّ آخر. ففي جميع الصور يجب ردّه الى المالك.

____________

(1) حاشية المكاسب، ج 1، ص 95

(2) منية الطالب، ج 1، ص 132