هدى الطالب في شرح المكاسب‌ - ج3

- السيد محمد جعفر المروج الجزائري المزيد...
629 /
205

و يدلّ عليه (1): أنّ الإمساك آنا ما تصرّف في مال الغير بغير إذنه، فلا يجوز، لقوله (عجل اللّه تعالى فرجه): «لا يجوز لأحد أن يتصرّف في مال غيره

____________

(1) أي: على وجوب الرّدّ فورا، و هذا إشارة إلى دليل ثان على المدّعى.

و حاصل الاستدلال بهذا التوقيع المبارك على فوريّة وجوب الرّدّ- بناء على كون الإمساك تصرّفا- أنّ الإمساك آنا ما مصداق للتصرّف المحرّم، لقوله (عليه السلام): «لا يجوز لأحد ..» فيجب التخلّص عن هذا الحرام بردّه فورا إلى مالكه.

____________

نعم إذا استلزم الرّدّ الى المالك ضررا أو حرجا سقط أصل وجوب الرّدّ على فرض وجوده، و يبقى وجوب تمكين المالك من ماله و رفع اليد عنه.

و الحاصل: أنّ الواجب هو الرّدّ إلى المالك إن لم يكن فيه ضرر أو حرج. و أمّا الرّدّ في خصوص مكان القبض لخصوصيّة فيه من كثرة الرغبات و نحوها فلا وجه له، إذ لا دليل عليه، و إنّما الدليل دلّ على وجوب الرّدّ إلى المالك سواء أ كان في بلد القبض أم لا.

و بالجملة: فالرّدّ واجب مطلقا و في جميع الصور. إلّا إذا لزم منه الضرر أو الحرج، فيرفع بقاعدتهما، و إن كان المال في مكان القبض و المالك فيه أيضا. و إن لم يلزم منه أحد هذين المحذورين وجب الرّدّ إلى المالك و إن كان المالك في مكان ثالث، أي: لا في محلّ القبض و لا في المكان الذي نقل إليه المال، كما إذا كان محلّ القبض النجف الأشرف، و المال نقل إلى كربلاء المقدّسة، و المالك سافر إلى بغداد.

و لو كان وجه التفصيل لزوم الضرر من الرّدّ في غير مكان القبض فلا بدّ من التفصيل بنحو آخر، و هو: أنّ الرّدّ إن استلزم الضرر ارتفع وجوبه سواء أ كان الرّدّ في محلّ القبض أم غيره، و سواء أ كان المالك في ذلك المحلّ أم غيره. و إن لم يستلزم الضرر وجب الرّدّ من غير فرق فيه بين محلّ الرّدّ و غيره، و كون المالك في مكان ثالث و غيره، كما لا يخفى.

206

إلّا بإذنه» (1).

و لو نوقش (1) في كون الإمساك تصرّفا كفى عموم (2) قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «لا يحلّ مال امرء مسلم لأخيه إلّا عن طيب نفسه» (2) حيث يدلّ على تحريم جميع الأفعال المتعلّقة به، التي منها كونه في يده.

____________

(1) بأن يقال: إنّ «التصرّف» مأخوذ من الصّرف، فيراد به التقليب و التقلّب، و هما مفقودان في الإمساك، فلا يصدق التصرّف على مجرّد الإمساك حتى يكون منهيّا عنه، و يجب التخلص عنه بالرّد إلى المالك.

(2) هذا إشارة إلى دليل ثالث على وجوب الرّدّ فورا إلى المالك، و هو النبويّ الذي رواه زيد الشحّام عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حكاية خطبته (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في حجة الوداع، و فيه: «قال: اللّهم اشهد، ألا من كان عنده أمانة فليؤدّها إلى من ائتمنه عليها، فإنّه لا يحلّ دم امرئ مسلم و لا ماله إلّا بطيبة نفسه ..» الحديث.

و رواه صاحب الوسائل (3) في مكان المصلّي بما يقرب منه، و لكنّه ليس فيه لفظ «دم».

و كيف كان فتقريب دلالة الحديث على وجوب الرّدّ فورا: أنّ الحرمة المستفادة من «لا يحلّ» منسوبة إلى الذات- و هو المال- و لا بدّ من تقدير الفعل المناسب، كما في إسناد الحرمة إلى سائر الأعيان من الخمر و الدم و الميتة و نحوها. و حيث إنّه لا قرينة تقتضي تقدير فعل خاصّ لزم تحريم جميع الأفعال و الشؤون المتعلّقة بالمال، التي منها إمساكه و جعله في يده، فإنّ حذف المتعلق يدلّ على العموم.

و عليه فلا وجه لدعوى: «أن حرمة المال تكليفا تقتضي تقدير فعل مناسب‌

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 6، ص 377، الباب 3 من أبواب الأنفال، الحديث 6، و فيه «فلا يحل» بدل «فلا يجوز».

(2) وسائل الشيعة، ج 19، ص 3، الباب 1 من أبواب قصاص النفس، الحديث 3

(3) وسائل الشيعة، ج 3، ص 425، الباب 3 من أبواب مكان المصلي، الحديث 3

207

و أمّا توهّم أنّ هذا (1) بإذنه، حيث إنّه دفعه باختياره (2) فمندفع (3) بأنّه إنّما ملّكه إيّاه عوضا [1]

____________

له و هو التصرّف أو الانتفاع، و أمّا مجرّد الإمساك فيشكّ في صدق التصرّف عليه، فيكون التمسّك بهذا النبويّ من التشبّث بالدليل في الشبهة الموضوعيّة». إذ في هذه الدعوى: أنّ حذف المتعلّق يقتضي حرمة كلّ ما يتعلّق بالمال، و لا وجه لاختصاص المتعلّق بالانتفاع و التصرّف حتى يشك في صدقهما على الإمساك.

خصوصا بملاحظة ورود هذه الجملة تعليلا لوجوب ردّ الأمانات، فإنّ التعليل يصير نصّا في المورد، فكيف يدّعى تقدير التصرّف أو الانتفاع؟ إذ لازمه أجنبيّة هذه الكبرى الكليّة عن المورد و هو ردّ الأمانة، و من المعلوم أنّ التخلّف عن ردّها إمّا بالتصرّف فيها و إمّا بمجرّد الإمساك، و كلاهما منهيّ عنه. و مجرّد كون غالب فائدة الأموال التصرّف فيها و الانتفاع بها لا يوجب اختصاص العموم- المدلول عليه بحذف المتعلّق- بهما.

و عليه فقرينيّة حذف المتعلّق على العموم باقية بحالها.

(1) أي: الإمساك، حاصله: أنّه قد يتوهّم عدم حرمة الإمساك و إن كان تصرّفا، حيث إنّ المالك قد أذن له بالإمساك حين دفع المبيع إليه، فيكون الإمساك مأذونا فيه و جائزا.

لكن هذا التوهّم مندفع بأنّ المالك قد دفع المبيع إلى المشتري باعتقاد أنّه ملّكه بإزاء الثمن الذي دفعه المشتري إليه، و المفروض عدم سلامة العوض له شرعا، لفساد المعاوضة و بقاء العوضين على ملك مالكيهما.

(2) الضمائر البارزة في «إذنه، إنّه باختياره، بأنه» و المستتر في «دفعه، ملّكه» راجعة إلى المالك المفهوم من السياق و من قوله: «امرء مسلم» و الضميران البارزان فيهما راجعان إلى المال.

(3) جواب «و أمّا توهّم» و دفع له، و قد تقدّم توضيحه آنفا.

____________

[1] لا يخفى أنّ هذا يختصّ بالمقبوض في العقود المعاوضيّة، و محلّ الكلام

208

فإذا انتفت (1) صفة العوضيّة باعتبار (2) عدم سلامة العوض له شرعا، و المفروض (3) أنّ كونه على وجه الملكيّة المجّانيّة ممّا لم ينشئها المالك (4).

____________

(1) لم يظهر جواب لهذا الشرط في العبارة، و التقدير «انتفى الاذن» و نحوه.

(2) متعلّق ب‍ «انتفت» و هذا وجه انتفاء صفة العوضيّة، إذ بفساد العقد لا يسلم العوض للبائع، فينتفي إذنه للمشتري بالتصرّف في المبيع.

(3) غرضه (قدّس سرّه) نفي الأسباب التي يجوز لقابض المال- كالمشتري- التصرّف فيه. فما أنشأه البائع- و هو التمليك بالعوض- لم يقع، لفرض فساد البيع. و الملكيّة المجّانية بعنوان الهبة لم ينشئها، فلا معنى لأن يتصرّف هذا المشتري في المبيع بزعم كونه هبة بلا عوض. و كذلك لم ينشئ البائع عنوان الوديعة حتى يكون المال بيد المشتري أمانة مالكية.

و لو فرض إنشاء أحد هذين بعد العلم بفساد البيع كان خارجا عن محلّ البحث أعني به ترتّب قبض المبيع و إقباض الثمن على ذلك العقد الفاسد وفاء به، و اندرج في مورد التراضي الجديد.

(4) حتى يكون الاذن في الإمساك باقيا مع فساد البيع.

____________

أعمّ، فالصواب في الجواب أن يقال: إنّ الإقباض في العقود التمليكيّة المعاوضيّة و المجّانيّة لمّا كان بعنوان الوفاء بالعقد، و كون المقبوض ملكا للقابض لم يكن معنى لإذن الدافع، لأنّه باعتقاده مملوك للقابض، و لا محصّل لإذن الغير في تصرّف المالك في ماله، لعدم تسلطه على ذلك.

و أمّا العقود الاستيمانية فالإذن فيها بالتسليط إنّما كان وفاء بمضمون العقد، و مع فسادها ينتفي الاذن.

نعم قد يحرز طيب النفس بالتصرّف في العقود التمليكيّة المجّانيّة كالهبة الفاسدة، فعلى فرض حصوله يجوز التصرّف، لكن لا بدّ من إحرازه، و لا يكفي احتماله. و على تقدير عدمه لا يجوز التصرّف فيه.

209

و كونه (1) مالا للمالك و أمانة في يده (2) أيضا ممّا لم يؤذن فيه، و لو أذن له فهو استيداع جديد (3). كما أنّه لو ملّكه مجّانا كانت هبة جديدة. و لكنّ (4) الذي يظهر من المبسوط (1) عدم الإثم في إمساكه (5)، و كذا السرائر ناسبا له إلى الأصحاب (6).

____________

(1) معطوف على «كونه» و غرضه سدّ باب احتمال أن يكون المبيع أمانة مالكيّة بيد المشتري.

(2) حتى يندرج هذا البيع الفاسد في الأمانات المالكية، و يجوز الإمساك من هذه الجهة، كما يجوز إمساك ملك الغير في باب الوديعة و العارية و نحوهما.

و الوجه في عدم اندراجه في الأمانات واضح، لأنّ البائع أقدم على تمليك ماله بعوض، لا على جعله أمانة عند غيره.

(3) في قبال البيع الفاسد القديم، و المفروض أنّ هذا الاستيداع المالكيّ لم يتحقّق، و احتماله لا يكفي في صيرورته أمانة، بل إذا شكّ فيه اقتضى الأصل عدمه.

(4) هذا تصريح بما فهم من التقييد في أوّل هذا الأمر الثاني بقوله: «على تقدير عدم جواز التصرّف فيه» لظهوره في وجود قائل بجواز الإمساك أو بجواز التصرّف لو كان الإمساك تصرّفا.

(5) قال شيخ الطائفة (قدّس سرّه) في المقبوض بالبيع الفاسد: «و يجب عليه ردّه و ردّ ما كان من نمائه المنفصل منه، لأنّ ملك الأوّل لم يزل عنه، فالتصرّف فيه لا يصحّ، و يلزمه ردّه على البائع لأنّه ملكه. و لا إثم عليه، لأنّه قبضه بإذن مالكه» و هذه الجملة الأخيرة ظاهرة في عدم فورية وجوب الرّدّ، فيجوز للمشتري إمساك المبيع.

(6) قال ابن إدريس (قدّس سرّه) في المقبوض بالبيع الفاسد: «فهو عند أصحابنا بمنزلة الشي‌ء المغصوب، إلّا في ارتفاع الإثم بإمساكه» (2) بناء على أن يكون عدم الإثم في‌

____________

(1) المبسوط في فقه الإمامية، ج 2، ص 149

(2) السرائر الحاوي، ج 2، ص 326

210

و هو (1) ضعيف. و النسبة (2) غير ثابتة. و لا يبعد إرادة صورة الجهل (3)، لأنّه لا يعاقب (4) [1].

____________

الإمساك معقدا لإجماع الأصحاب كإجماعهم على لحوق حكم المغصوب بالمبيع بالبيع الفاسد.

(1) أي: و هذا القول الثاني- و هو عدم الإثم الكاشف عن عدم الحرمة- ضعيف، لما تقدّم من دلالة النبويّ على حرمة كلّ فعل يتعلّق بمال الغير بدون إذنه، و لو لم يصدق التصرّف عليه.

(2) يعني: ما نسبه ابن إدريس إلى الأصحاب من عدم الإثم في الإمساك غير ثابت، لاحتمال رجوع الاتّفاق المدلول عليه بقوله: «عند أصحابنا» إلى المستثنى منه خاصّة، بأن يراد: أنّ كون البيع الفاسد بمنزلة الغصب مجمع عليه من جميع الجهات إلّا جهة الإثم في إمساكه، فإنّها مختلف فيها. و عليه لا يكون جواز الإمساك مجمعا عليه، فلا مانع من القول بالحرمة عند مساعدة الدليل.

(3) أي: صورة جهل القابض بفساد المعاملة.

(4) و من المعلوم أنّ عدم العقاب يكشف عن عدم الإثم، و ذلك يلائم حال جهل القابض بفساد المعاملة. و يمكن أن يكون عدم الإثم لتوهّم الإذن المالكيّ كما عليه جماعة. و لعلّ هذا الاحتمال أقرب من الحمل على صورة الجهل، إذ غايته عدم تنجّز التكليف عليه لا عدم حرمته واقعا، و المدّعى هو حرمة الإمساك واقعا سواء تنجّز على المشتري بإحراز الفساد أم لم يتنجّز عليه.

هذا تمام الكلام في الأمر الثاني. و سيأتي الكلام في ضمان منافع المقبوض بالبيع الفاسد.

____________

[1] قد ذكر السيد (قدّس سرّه) في حاشيته في الرّدّ على المصنّف (قدّس سرّه)- القائل بأنّ الإذن مقيّد بالملكية، و هي غير حاصلة- بما حاصله: أنّ الاذن إنّما تكون بالملكيّة الإنشائيّة،

211

____________

و المفروض تحقّقها، و أنّ البائع بنى- و لو تشريعا- على كون المشتري مالكا، لا بالملكيّة الشرعيّة التي لم تحصل لفرض فسادها شرعا.

ثمّ أشكل على ذلك بقوله: «فإن قلت: لم يصدر من البائع إلّا التمليك، و قد صار لغوا في حكم الشرع بالفرض، فأين الاذن».

و أجاب عنه بما لفظه: «قلت: هذا التمليك له حيثيّتان، فهو إذن من حيثية و تمليك من أخرى. و لمّا كان التمليك محتاجا شرعا إلى صيغة صحيحة و المفروض عدمها، فهو غير مؤثّر من هذه الجهة، لعدم حصول شرطه. و أمّا من الحيثيّة الأخرى فهي غير مشروطة شرعا، فيجوز العمل به، فإنّ الإذن مؤثّر في جواز التصرّف، من غير اشتراط بصيغة خاصّة، فيشمله عموم ما دلّ على جواز التصرّف مع الاذن و طيب النفس. و إذا جاز التصرّف فلا يجب الرّدّ إلى المالك فضلا عن كونه فوريّا. نعم لو رجع عن إذنه و طيبه وجب الرّدّ إليه فورا، فتدبّر» (1).

و حاصله: أنّه لا مانع من تأثير التمليك من حيثيّة الاذن في جواز التصرّف، و عدم تأثيره من حيثيّة أخرى، فتأثير الاذن في جواز التصرّف لمّا لم يكن مشروطا بشرط حاصل، لشمول ما دلّ على جواز التصرّف مع الاذن و طيب النفس له.

و فيه: أنّ جواز التصرّف في المقبوض بالعقد الفاسد منوط بأحد أمرين على سبيل منع الخلوّ: إمّا كون ذلك ملكا للقابض، و إمّا إذن المالك في التصرّف فيه.

أمّا الأوّل فانتفاؤه معلوم بالفرض.

و أمّا الثاني فكذلك، إذ لم يأذن فيه المالك أصلا. توضيحه: أنّ الأفعال تارة تتعلّق بالعناوين الكليّة كالأفعال الاعتبارية من بيع الكلّي من الحنطة و الشعير و غيرهما، و كالاذن و طيب النفس. و أخرى تتعلّق بالجزئيّات الخارجيّة كالأكل و الشرب و النوم و الضرب و القيام و القعود و أشباهها.

____________

(1) حاشية المكاسب، ج 1، ص 95

212

____________

فإن كان الفعل متعلّقا بالشخص كان اعتقاد الفاعل بانطباق الكلّيّ عليه داعيا، فإذا ضرب شخصا باعتقاد أنّه كافر، فتبيّن أنّه مؤمن كان هذا من التخلّف في الداعي، فإنّ الضرب وقع على المؤمن حقيقة، و التخلّف إنّما هو في اعتقاد كفره.

و إن كان متعلّقا بالكلّي فلا يسري إلى غير مصداقه و إن اعتقد الفاعل بمصداقيّته له. مثلا إذا أذن المالك بدخول العلماء في داره لم يجز لغير العالم الدخول فيها و إن اعتقد المالك بعالميّته. و من المعلوم أنّ متعلّق الاذن في قوله (عج): «لا يحلّ لأحد أن يتصرّف في مال غيره بغير إذنه» هو العنوان الكلّيّ، و هو التصرّف في مال الغير بغير إذنه و بعنوان أنّه مال الآذن.

و بعبارة أخرى: إذا أحرز عنوان الاذن في التصرّف في ماله جاز التصرّف. و أمّا الاذن في التصرّف في مال غيره فلا معنى له. و من الواضح أنّ إذن المالك لغيره في التصرّف في ماله بعنوان أنّه ماله مفقود في المقبوض بالعقد الفاسد، ضرورة أنّ الدافع سلّم المال إلى القابض بعنوان أنّه ماله لا مال الدافع، و لم يسلّمه إليه بعنوان العارية و نحوها. و حيث إنّ القابض لم يصر مالكا للمقبوض و لا مأذونا من قبل مالكه في التصرّف فيه لم يجز له التصرّف فيه، لبقائه في المستثنى منه. و هو: «لا يجوز لأحد أن يتصرّف .. إلخ».

و الحاصل: أنّ جواز التصرّف للقابض منوط بإحراز إذن المالك للقابض بالتصرّف في المقبوض بما أنّه ملك للدافع، لا بما أنّه ملك للقابض، إذ لا معنى لإذن غير المالك بتصرف المالك في ماله، فما أفاده الشيخ (قدّس سرّه) من عدم جواز تصرف القابض هو الأقوى.

213

[الأمر الثالث ضمان منافع المقبوض بالبيع الفاسد]

[أ: المنفعة المستوفاة]

الثالث (1): لو كان للعين المبتاعة منفعة استوفاها المشتري قبل الرّدّ (2) كان

____________

ضمان منافع المقبوض بالبيع الفاسد أ: المنفعة المستوفاة

(1) البحث في هذا الأمر عن حكم آخر من أحكام المقبوض بالعقد الفاسد لو كان له منفعة، و هو ضمانها، و الكلام في مقامين أحدهما في المنافع المستوفاة، و الآخر في المنافع الفائتة. فإذا اشترى دارا صالحة للسكنى فيها ببيع فاسد، و تسلّمها من البائع فهل يضمن اجرة مثل السكنى فيها كما يضمن قيمة الدار أم لا؟ و هكذا الكلام في سائر الأعيان ذوات النماء و المنفعة لو بيعت بعقد باطل شرعا.

و قدّم (قدّس سرّه) الكلام في المنافع المستوفاة، و حكم بضمانها وفاقا للمشهور و خلافا لابن حمزة الطوسي كما سيأتي.

(2) هذا من القيود المحقّقة لموضوع ضمان المنافع نظير قولهم: «ان رزقت ولدا فاختنه» في سوقه لبيان موضوع الحكم، و لذا يكون مفهومه سالبة بانتفاء الموضوع.

و كذا في المقام لوضوح أنّ منافع المبيع بعد ردّه إلى المالك غير مضمونة على المشتري‌

214

عليه عوضها (1) على المشهور (2). بل ظاهر ما تقدّم من السرائر (3)- من كونه بمنزلة المغصوب- الاتّفاق على الحكم (4).

و يدلّ عليه (5) عموم قوله: «لا يحلّ مال امرء مسلم لأخيه إلّا عن طيب

____________

إلّا بالاستيلاء على العين مرة ثانية عدوانا، فيصير أجنبيا عن حكم المقبوض بالعقد الفاسد و مندرجا في الغصب.

(1) كما إذا اشترى شاة فانتفع بلبنها و صوفها و سائر نماءاتها، فيجب عليه ردّ عوضها. و لا يخفى أنّ التعبير بالعوض- كما في المتن- أولى من التعبير بالأجرة الظاهرة في بدل عمل محترم أو منفعة عين كركوب الدابة.

و أمّا المنافع الأخرى التي هي أعيان أيضا كثمرة الشجرة المبيعة بالبيع الفاسد و لبن الشاة كذلك و نحوهما فالأولى التعبير عن بدلها بالعوض دون الأجرة.

(2) كما في مفتاح الكرامة (1).

(3) تقدّم كلام السرائر في الأمر الثاني، فراجع (ص 209) (2) و غرض المصنّف الإضراب و العدول عن مجرّد شهرة ضمان عوض المنفعة المستوفاة إلى كون الحكم إجماعيّا، لاتّحاد المقبوض بالبيع الفاسد مع الغصب في الأحكام ما عدا الإثم في الإمساك.

(4) و سيجي‌ء في عبارة التذكرة تصريحه باتفاق علمائنا على ضمان المنافع المستوفاة و غيرها (3).

(5) أي: يدلّ على ضمان المنافع المستوفاة عموم قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «لا يحلّ»‌

____________

(1) مفتاح الكرامة، ج 4، ص 748

(2) السرائر الحاوي، ج 2، ص 326

(3) تذكرة الفقهاء، ج 2، ص 381

215

نفسه» بناء (1) على صدق «المال» على المنفعة،

____________

و تقريب الاستدلال يتمّ ببيان أمرين:

الأوّل: أنّ المنافع أموال حقيقة، سواء أ كانت أعيانا تابعة لأعيان اخرى كالثمرة للشجرة، أم أعراضا و حيثيّات قائمة بالأعيان كالسكنى في الدار و الأعمال المحترمة كالخياطة، لما تقدّم في أوّل كتاب البيع من أنّ مناط ماليّة الأشياء هي رغبة العقلاء فيها و تنافسهم عليها، و لا ريب في عدم اختصاص رغبتهم بالأعيان المتموّلة، بل تعمّ المنافع أيضا. و يشهد لماليّة المنافع حكمهم في مسألتين:

إحداهما: جواز جعلها ثمنا في باب البيع، مع أنّ حقيقته المبادلة بين مالين، و لو لم تكن المنفعة مالا لما صحّ جعلها عوضا عن المبيع، بل يتعيّن كون كلا العوضين من الأعيان على ما ذهب إليه الوحيد البهبهاني (قدّس سرّه) و بعض آخر.

ثانيتهما: جواز جعلها صداقا في باب النكاح، مع وضوح اعتبار ماليّته.

الثاني: أن الحلّ المضاف إلى المال ظاهر في التكليف كما في نظائره. و هذا أجنبيّ عن المدّعى، و هو ضمان المنافع المستوفاة في المبيع بالعقد الفاسد، و لذا ينبغي تقريب الاستدلال بقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «لا يحل مال ..» بأن يقال: إنّ حلّ المال المتلف عبارة عن عدم تعلّقه بذمّة المتلف و عدم كونه مطالبا بالأداء، و مقتضى عدم حلّه استقراره على عهدة المتلف له. و هذا هو ضمان ما استوفاه المشتري من المنافع، فإنّ وزان الاستيفاء في المنافع وزان الإتلاف في الأعيان في كونه مضمّنا.

و بهذا التقريب جاز التمسّك بالنبويّ المذكور لضمان توابع المغصوب من ولد الشاة و اللبن و الصوف و نحوها من التوابع التي هي من الأعيان التي يصدق عليها المال إذا تلفت، فإنّ مناط الضمان في الجميع صدق التصرّف في مال الغير بدون إذنه، و المفروض ماليّة المنافع بأقسامها، هذا.

(1) مبنى هذا البناء هو ظاهر كلام الفيروزآبادي في القاموس من تعريف المال‌

216

و لذا (1) يجعل ثمنا في البيع و صداقا في النكاح [1].

____________

بما يختص بالأعيان، و كذا العلّامة الطريحي في المجمع (1). لكنّه مزيّف و لم يعتمد عليه المصنّف في أوّل البيع، حيث قال: «و أمّا العوض فلا إشكال في جواز كونها منفعة».

و قال أيضا: «إنّ الصلح قد يتعلق بالمال عينا أو منفعة ..» (2). و كذلك رجّح ماليّة المنفعة بالاستشهاد بجواز وقوعه ثمنا في البيع و صداقا في النكاح، و لو لم تكن مالا تعيّن كون الثمن و الصداق من الأعيان.

(1) أي: و لأجل كون المنفعة مالا يجعل ثمنا و صداقا.

____________

[1] في كلا الشاهدين منع. أمّا في الأوّل فلعدم اعتبار كون الثمن مالا بعد صدق البيع العرفي على تبديل العين بمنفعة أو حقّ، كصدقه على تبديلها بعين. و كذا الحال في الصداق.

ثمّ إنّه يمكن أن يستدلّ على ضمان المنافع بوجوه أخر:

منها: قاعدة اليد، بالتقريب الذي تقدّم في ما يتعلق بمباحث اليد (ص 40).

إلّا أن يستشكل فيه بأنّ الأخذ و إن لم يكن مختصّا بالأعيان الخارجية، لصحة إضافة الأخذ إلى العلم و البيعة و العهود و المواثيق، فيراد باليد هنا الاستيلاء الصادق على أخذ المنافع، إلّا أنّ ذيله يمنع عن الأخذ بظهور الصدر، حيث إنّه لا يعقل ردّ المأخوذ بعينه في المنافع المتصرّمة الوجود، إذ لا تضمن قبل وجودها في الخارج، و بعد وجودها تنعدم، فيمتنع أداؤها إلى المالك.

و المستفاد من النبويّ اعتبار إمكان أداء المأخوذ ذاتا و إن صار ممتنعا بالعرض حتى ينتقل إلى البدل، خصوصا على النسخة المشتملة على قوله: «حتى تؤديه» لكونه كالصريح في ردّ نفس المأخوذ.

____________

(1) القاموس المحيط، ج 4، ص 52؛ مجمع البحرين، ج 5، ص 475

(2) راجع هدى الطالب، ج 1، ص 59 و 237

217

____________

و منها: قاعدة الإتلاف، و هي من القواعد العقلائيّة التي لم يردع عنها الشارع، بل أمضاها في موارد كثيرة. مثل ما ورد في شهادة الزور، كصحيحة جميل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إن كان الشي‌ء قائما بعينه ردّ على صاحبه، و إن لم يكن قائما بعينه ضمن بقدر ما أتلف من مال الرجل» (1) و نحوه غير من روايات الباب.

و مثل ما ورد في تلف الرّهن بتفريط المرتهن، كموثّقة إسحاق بن عمّار، قال:

«سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن الرجل يرهن الرّهن بمائة درهم، و هو يساوي ثلاثمائة درهم، فيهلك، أعلى الرّجل أن يردّ على صاحبه مأتي درهم؟ قال: نعم، لأنّه أخذ رهنا فيه فضل و ضيّعه ..» (2) الحديث.

و نحوها سائر روايات الباب، فإنّ التعليل يدلّ على ضمان كلّ من ضيّع مال الغير، إذ لا خصوصيّة عرفا للرّهن، بل موضوع الضمان هو تضييع مال الغير و إن لم يكن رهنا. و هذا هو قاعدة الإتلاف.

ثمّ إنّ المراد بالإتلاف على ما يستفاد من النصوص التي تستند إليها قاعدته ما يعمّ الأكل و الشرب و التضييع و الإفساد، فلو لم يصدق مادّة الإتلاف- و هي التلف- في مورد و لكن صدق التضييع و الإفساد كفى في جريان قاعدة الإتلاف.

فما في حاشية المحقق الايرواني (قدّس سرّه): من «أنّ المتبادر من إتلاف المال إخراجه عن المالية بتضييعه، لا إتلافه في سبيل الانتفاع به كأكل المأكول و شرب المشروب» (3).

لا يخلو من غموض، لما عرفت من أنّ المستفاد من الروايات ما يعمّ ذلك. و لا دليل على ما أفاده.

مضافا إلى: أنّ الأكل و الشرب مصلحة للآكل و الشارب، و إتلاف حقيقة لمال

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 18، ص 239، الباب 11 من كتاب الشهادات، الحديث 2

(2) وسائل الشيعة، ج 13، ص 129، الباب 7 من كتاب الرّهن، الحديث 2

(3) حاشية المكاسب، ج 1، ص 96

218

____________

المالك، فلم لا تشمله القاعدة.

فالمتحصّل: أنّ الاستدلال بقاعدة الإتلاف لضمان المنافع المستوفاة- بعد صدق المال على المنافع عرفا كما هو كذلك و عدم العبرة بما يظهر من بعض اللغويّين من اختصاص المال بالعين ذات المنفعة، لتقدّم العرف العامّ عليه- في محلّه. فالاعدام و الإفساد و التضييع كلّها موضوع لقاعدة الإتلاف. ففي معتبرة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «سئل عن القصّار يفسد؟ فقال: كلّ أجير يعطى الأجرة على أن يصلح فيفسد فهو ضامن» (1).

و في رواية السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) رفع إليه رجل استأجر رجلا ليصلح بابه، فضرب المسمار فانصدع الباب، فضمّنه أمير المؤمنين (عليه السلام)» (2).

و أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل كان له غلام، فاستأجره منه صائغ أو غيره. قال: إن كان ضيّع شيئا أو أبق منه فمواليه ضامنون» (3).

و منها: قاعدة الاحترام المستفادة من موثّقة أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام): «قال:

قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): سباب المؤمن فسوق، و قتاله كفر، و أكل لحمه معصية، و حرمة ماله كحرمة دمه» (4) بتقريب: أنّ إتلاف ماله يوجب الضمان، و لا يذهب هدرا، كما أنّ دمه لا يذهب هدرا. و من الواضح شموله للمنافع المستوفاة كشموله للأعيان، لكون المنافع ممّا يصدق عليه المال.

و المناقشة فيه «بأنّ الظاهر من حرمة المال بقرينة سائر الجمل المذكورة في الرواية هو الحكم التكليفي، فإنّ سبّ المؤمن و أكل لحمه بمعنى اغتيابه حرام تكليفي

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 13، ص 271، الباب 29 من أبواب الإجارة، الحديث 1

(2) المصدر، ص 274، الحديث 10

(3) المصدر، ص 251، الباب 11 من أبواب الإجارة، الحديث 2

(4) وسائل الشيعة، ج 8، ص 610، الباب 158 من أبواب أحكام العشرة، الحديث 3

219

____________

فقط. و وحدة السياق تقتضي كون حرمة المال أيضا تكليفيّة محضة، فلا يستفاد الحكم الوضعي و هو الضمان من هذه الرواية» (1).

مندفعة أوّلا: بأنّه لا موجب للحكم الوضعيّ في سائر الجمل، لأنّ الفسوق و الكفر و المعصية كالصريح في الحرمة التكليفيّة، و لذا عبّر بغير هذه التعبيرات في المال، فلا مانع من حرمة المال تكليفا و وضعا. و هذا بخلاف النهي عن السباب و الغيبة و القتل الظاهر في التكليف خاصة.

و ثانيا: بأنّ تشبيه حرمة المال بحرمة الدم ظاهر في الضمان، و أنّ ماله كدمه لا يذهب هدرا. فحمل هذه الجملة- كسائر الجمل- على الحكم التكليفي فقط أو جعلها مجملة كما في بعض الكلمات (2) ليس كما ينبغي.

نعم يمكن المناقشة في قاعدة الاحترام بأخصّيّتها من المدّعي الذي هو ضمان المنافع سواء أ كان المقبوض مالا لمسلم أم غيره. و روايات القاعدة تتضمّن حرمة مال المسلم، و هذه الإضافة ظاهرة في كونها حيثيّة تقييديّة، فمال المسلم من حيث إضافته إلى المسلم محترم، فالاحترام إنّما هو لهذه الحيثيّة، لا لحيثيّة المال ليكون الاحترام مترتبا على المال من حيث كونه مالا حتى يكون دليلا على ضمان منافع المبيع فاسدا المستوفاة.

اللّهم إلّا أن يتشبث بعدم الفصل في حرمة المال بين المسلم و من بحكمه كالذّميّ.

و منها: الروايات الدالّة على عدم حلّيّة مال امرئ مسلم إلّا بطيب نفسه، و على حرمة التصرّف في مال الغير بدون إذنه (3). بعد ما عرفت من صدق المال على المنافع، و لذا تقع ثمنا في البيع و صداقا في النكاح. و قد تقدّم ذلك.

و منها: ما ورد في جملة من الروايات من: «أنّه لا يصلح ذهاب حق أحد» كحسن الحلبي و محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «قال: سألته هل تجوز شهادة أهل ملّة

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 8، ص 610، الباب 158 من أبواب أحكام العشرة، الحديث 3

(2) مصباح الفقاهة، ج 3، ص 91

(3) ذكرنا مصادرها في ص 124 فراجع.

220

____________

على غير أهل ملّتهم؟ قال: نعم، إذا لم يجد من أهل ملّتهم جازت شهادة غيرهم، انّه لا يصلح ذهاب حق أحد» (1).

و الاستدلال بها منوط بصدق الحقّ على المال، و بكون عدم صلوح ذهابه كناية عن ضمانه، و إلّا فلا وجه للاستدلال بها على الضمان كما قيل. و مورد بعض هذه الروايات الوصية، و مقتضاها أنّ للمسلم أن يوصي بماله، و هذا حقّ له، و لا يصلح ذهاب حقّه. و هذا المعنى أجنبيّ عمّا نحن فيه.

مضافا إلى ما قيل من: أنها لا تشمل صورة التلف، فالدليل أخصّ من المدّعى.

إلّا أن يقال: إنّه إذا كان الحق لازم الرعاية، مع أنّه ليس مالا، و إضافته إلى من له الحق أضعف من إضافة المال إلى مالكه، فرعاية المال أولى.

أو يقال: إنّ حقّ أحد إذا ثبت على ذمّة غيره فلا يصح ذهابه بغير عوض، و هذا يدلّ على الضمان.

و أمّا ورود الروايات في باب الوصيّة فلا يمنع عن الاستدلال بها على الضمان، لإباء التعليل بعدم صلوح ذهاب حق أحد عن الاختصاص بباب الوصيّة، و بملّة دون أخرى. إلّا إذا قام دليل على التخصيص و عدم حرمة المال، كما ورد في الحربي.

و منها: قاعدة نفي الضرر في الشريعة المقدسة المستفادة من عدّة روايات.

تقريب الاستدلال بها: أنّ الحكم بعدم ضمان القابض لمنافع المال بالعقد الفاسد ضرر على المالك، فينفى بالقاعدة.

و نوقش فيه بأنّها لا تدلّ على الضمان سواء أريد بها نفي الحكم الضرري أوّلا كما هو مقتضى النفي البسيط و عليه المصنّف. أم أريد بها النفي المركّب أعني نفي الحكم بلسان نفي الموضوع كما عليه صاحب الكفاية و بعض المحققين.

وجه عدم الدلالة: اختصاص أدلّة نفي الضرر برفع الأحكام الوجوديّة الضرريّة كوجوب الوضوء و لزوم البيع. و أمّا إذا كان الضرر ناشئا من عدم جعل حكم كالضمان.

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 13، ص 390، الباب 20 من كتاب الوصايا، الحديث 3

221

____________

في المقام، فقاعدة نفي الضرر لا تنفيه ليثبت الجعل الشرعي كالضمان.

و لكن يمكن دفع هذه المناقشة بأنّ العدم تارة يراد به العدم الواقعي كعدم الوجوب و عدم الحرمة. و أخرى يراد به إنشاء عدمهما، كأن يقول الشارع «لا يجب أو لا يحرم».

فإن أريد بالعدم المعنى الأوّل لم يرتفع بقاعدة الضرر، لعدم كونه حكما حتى يرفعه دليل نفي الضرر.

و إن أريد به المعنى الثاني كان مجعولا مشمولا لقاعدة نفي الضرر، و الأعدام بعد تشريع الأحكام تكون مجعولة و لو بالإمضاء، لأنّ إبقاء الشارع لها مع تشريع الأحكام جعل لها بقاء، لا إخبار ببقاء الأعدام الواقعية على حالها كما تخيّله بعض. و هذا المقدار من الجعل كاف في نفيها بقاعدة الضرر، لأنّ إمضاء تلك الأعدام- و لو بمثل أصالة عدم الضمان- من الإسلام أيضا، فيشمله قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «لا ضرر و لا ضرار في الإسلام» أو «في الدين». فعدم ضمان المنافع المستوفاة حكم ضرريّ ينفى بقاعدة الضرر.

و الحاصل: أنّ إبقاء عدم ضمانها حكم ضرريّ ينفى بقاعدته.

هذا بناء على كون مفاد قاعدة نفي الضرر نفي نفس الحكم الضرري كما عليه المصنّف (قدّس سرّه).

و أمّا بناء على كون مفادها نفي الحكم بلسان نفي الموضوع فالأمر أوضح، لأنّه يقال: إنّ استيفاء المنافع مجّانا ضرريّ، أو تفويت منافع العين المملوكة للغير بإمساك العين ضرريّ، فيرتفع حكمه أعني عدم الضمان و يثبت الضمان.

لا يقال: إنّ المقام يكون من تعارض الضررين، لأنّ اشتغال ذمّة القابض ضرر أيضا كتضرّر الدافع.

فإنّه يقال: إنّ الضرر- و هو النقص- لا يرد على الدافع، لأنّه يدفع بدل المنفعة التي استوفاها، لا أنّه يتضرّر حتى يندرج في تعارض الضررين، فإنّ دفع عوض المال الذي دخل في كيسه ليس نقصا في المال، بل دفع لمال الغير، كأداء الثمن.

و منها: قاعدة الاستيفاء، فإنّ استيفاء مال الغير من دون إذن المالك في استيفائه مجّانا موجب للضمان إجماعا، و عليه السيرة العقلائيّة التي لم يردع عنها الشارع.

و هذه الوجوه لو نوقش في بعضها ففي البعض الآخر منها كفاية.

222

خلافا للوسيلة (1)، فنفى الضمان، محتجّا بأنّ «الخراج بالضمان» كما في النبويّ المرسل (2). و تفسيره (3): أنّ من ضمن شيئا و تقبّله لنفسه فخراجه له. فالباء

____________

(1) قال ابن حمزة (قدّس سرّه): «فإذا باع أحد بيعا فاسدا و انتفع به المبتاع، و لم يعلما بفساده، ثم عرفا، و استردّ البائع المبيع، لم يكن له استرداد ثمن ما انتفع به، أو استرداد الولد إن حملت الأمّ عنده و ولدت، لأنّه لو تلف لكان من ماله، و الخراج بالضمان» (1).

و صريح كلامه (قدّس سرّه) اختصاص عدم ضمان المنافع المستوفاة في المبيع بالعقد الفاسد بصورة جهلهما بالفساد، مع أنّ عنوان البحث في المتن شامل لصورة علمهما أو علم أحدهما بالفساد.

و كيف كان فيكفي للتعرّض لكلام ابن حمزة قوله بعدم الضمان موجبة جزئيّة و هي صورة الجهل بالبطلان. و محصّل استظهاره من الحديث النبويّ هو: أنّ من أقدم على ضمان شي‌ء و تقبّله لنفسه بتضمين المالك فالخراج- أي: ما يخرج من ذلك الشي‌ء من الفوائد و المنافع- له مطلقا، سواء أمضى الشارع هذا الضمان أم لا. و من المعلوم أنّ المشتري في المقام أقدم على ضمان المبيع بتضمين البائع إيّاه على أن يكون خراجه له مجّانا، فضمان المبيع عليه و منافعه له، حتى على تقدير فساد المعاملة.

(2) قال ابن أبي جمهور الأحسائيّ «و روي عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): أنّه قضى بأنّ الخراج بالضمان» ثم قال: «و معناه: أنّ العبد مثلا يشتريه المشتري، فيغتله حينا، ثم يظهر على عيب به، فيردّ بالعيب أنّه لا يردّ ما صار إليه من غلّة و هو الخراج، لأنّه كان ضامنا له و لو مات» (2).

(3) هذا التفسير إلى قوله: «و الفائدة بإزاء الغرامة» استظهار المصنّف من كلام ابن حمزة (قدّس سرّهما)، و توجيه استدلاله بالحديث.

____________

(1) الوسيلة (ضمن الجوامع الفقهية) ص 744، السطر 33

(2) عوالي اللئالي، ج 1، ص 219، الحديث 89

223

للسببيّة (1) أو المقابلة (2) [1]. فالمشتري (3) لمّا أقدم على ضمان المبيع و تقبّله (4) على نفسه بتقبيل البائع و تضمينه إيّاه على (5) أن يكون الخراج له مجّانا كان (6) اللازم

____________

(1) لأنّ ضمان المبيع سبب لملكيّة المنافع. وجه تسمية «الباء» بالسببيّة أنّها تدخل على الأسباب، كقوله تعالى ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمٰا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.

(2) «باء» المقابلة هي التي تدخل على الأعواض، مثل «اشتريته بألف، و كافيت إحسانه بضعف» ففي المقام إذا ثبت الخراج كان ضمان العين عوضا عنه، فتدبّر.

(3) قد عرفت في توضيح ما استدلّ به شيخ الطائفة على قاعدة «ما لا يضمن» من قاعدة الإقدام: أنّ كل واحد من البائع و المشتري أقدم على الضمان المعاوضيّ، فالبائع يضمّن المشتري المبيع، و يجعله على عهدته و يتقبّله المشتري، و يضمّن البائع الثمن و يتقبّله هو. و بعد هذا الاقدام لو كان نماء للمبيع كان ملكا للمشتري في قبال ضمانه للمبيع.

(4) أي: تقبّل المشتري المبيع على نفسه و ضمنه- بعد تمليك البائع و تضمينه- مبنيّا على أن تكون منفعته للمشتري مجّانا، فلو استوفاها لم يلزمه عوضها.

(5) يعني: أنّ الشرط الارتكازيّ المبنيّ عليه البيع هو كون النماء للمشتري سواء صحّ البيع أم فسد.

(6) جواب الشرط في قوله: «لمّا أقدم».

____________

[1] قد يقال: إنّ «الباء» كما يحتمل أن تكون للسببيّة، يحتمل أن تكون للمقابلة، فيكون الكلام مجملا، و الاستدلال بالحديث على عدم الضمان مبنيّ على السببيّة، فلا يصحّ.

لكنّه مندفع بأنّ الأصل في الباء السببية، بل يمكن إرجاع المقابلة- بنحو من العناية- إلى السببيّة أيضا.

224

من ذلك (1) أنّ خراجه له على تقدير الفساد (2). كما أنّ الضمان عليه (3) على هذا التقدير أيضا.

و الحاصل (4): أنّ ضمان العين لا يجتمع (5) مع ضمان الخراج. و مرجعه (6) إلى أنّ الغنيمة و الفائدة بإزاء الغرامة.

و هذا المعنى (7) مستنبط من أخبار كثيرة متفرّقة، مثل قوله- في مقام الاستشهاد على كون منفعة المبيع في زمان الخيار للمشتري-: «ألا ترى أنّها

____________

(1) أي: من الاقدام على ضمان المبيع على أن يكون خراج المبيع له مجّانا.

(2) كما أنّ الخراج للمشتري مجّانا على تقدير الصحة، لوحدة الدليل و هو الاقدام على تضمين العين بشرط مجّانيّة المنفعة.

(3) أي: كما أنّ ضمان العين يكون على المشتري على تقدير فساد العقد- و لو ببدله الواقعيّ لا الجعليّ- إذ ليس مدار ضمان العين على صحّة البيع شرعا، بل على جعل المتعاملين و إقدامهما، و هو موجود في كلتا صورتي إمضاء الشارع و عدمه.

(4) يعني: حاصل تفسير ابن حمزة للحديث النبويّ هو عدم اجتماع ضمان العين و المنفعة في باب البيع.

(5) إذ المفروض كون ضمان العين سببا لملكيّة المنافع للضامن، فلا يجتمع الضمانان- أي: ضمان العين و المنافع- على ضامن العين، كالمشتري، فلا بدّ أن يكون ضامنا للعين فقط، لأنّ ضمان العين عوض المنافع.

(6) أي: و مرجع عدم اجتماع ضمان العين مع ضمان الخراج هو: أنّ الغنيمة تكون بإزاء غرامة العين و بدلا لها.

(7) أي: كون ضمان العين سببا لملك الخراج، بحيث يكون ضامن العين مالكا لمنافعها- المعبّر عنها بالخراج- ليترتّب عليه عدم ضمان المنافع التي استوفاها من المقبوض بالعقد الفاسد.

225

..........

____________

و غرض المصنّف (قدّس سرّه) من هذا بعد نقل تفسير الحديث على رأي ابن حمزة (قدّس سرّه) هو تأييد هذه المقالة بما ورد في غير واحد من الأخبار، مثل ما دلّ على أنّ منفعة الدار المبيعة ببيع خياريّ تكون ملكا للمشتري في الزمان المتخلّل بين البيع و الأخذ بالخيار.

ففي موثّقة إسحاق بن عمار، قال: «حدّثني من سمع أبا عبد اللّه (عليه السلام) و سأله رجل و أنا عنده، فقال: رجل مسلم احتاج الى بيع داره، فجاء إلى أخيه، فقال له:

أبيعك داري هذه، و تكون لك أحبّ إليّ من أن تكون لغيرك، على أن تشترط لي إن أنا جئتك بثمنها إلى سنة أن تردّ عليّ؟ فقال: لا بأس بهذا، إن جاء بثمنها إلى سنة ردّها عليه، قلت: فإنّها كانت فيها غلّة كثيرة فأخذ الغلّة، لمن تكون الغلة؟ فقال: الغلّة للمشتري، ألا ترى أنّها لو احترقت لكانت من ماله» (1).

و في رواية معاوية بن ميسرة: «قال: سمعت أبا الجارود يسأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل باع دارا له من رجل، و كان بينه و بين الرجل الذي اشترى منه الدار حاصر، فشرط أنّك إن أتيتني بمالي ما بين ثلاث سنين فالدار دارك، فأتاه بماله، قال:

له شرطه. قال له أبو الجارود: فإنّ ذلك الرجل قد أصاب في ذلك المال في ثلاث سنين، قال: هو ماله. و قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): أ رأيت لو أنّ الدار احترقت من مال من كانت؟ تكون الدار دار المشتري» (2).

و تقريب دلالتهما على مدّعى ابن حمزة (قدّس سرّه) هو: أنّ الامام (عليه السلام) حكم بدخول منافع الدار- في مدّة الخيار- في ملك المشتري المستوفي لها، و لا يكون ضامنا لعوضها للبائع بعد فسخ العقد. و الوجه في عدم ضمانها هو ضمانه لنفس المبيع و بذل الثمن بإزائه، و هذا المطلب هو مفاد حديث «الخراج بالضمان».

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 12، ص 355، الباب 8 من أبواب الخيار، الحديث 1، و المراد بالحاصر هو الجدار.

(2) المصدر، الحديث 3

226

لو أحرقت كانت من مال المشتري» [1].

و نحوه في الرهن (1) و غيره (2).

____________

(1) كموثق إسحاق بن عمّار، قال: «قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام): الرّجل يرهن الغلام و الدار فتصيبه الآفة، على من يكون؟ قال (عليه السلام): على مولاه، ثم قال: أ رأيت لو قتل قتيلا على من يكون؟ قلت: هو في عنق العبد. قال (عليه السلام): ألا ترى فلم يذهب مال هذا، ثم قال: أ رأيت لو كان ثمنه مائة دينار فزاد و بلغ مأتي دينار لمن كان يكون؟

قلت: لمولاه، قال (عليه السلام): كذلك يكون عليه ما يكون له» (1).

(2) لعلّ مراده (قدّس سرّه) ما ورد في باب الإجارة من أنّه يجوز لمن استأجر أرضا أن يؤجرها بأكثر ممّا استأجرها بشرط أن تكون الأجرة الثانية مغايرة للأجرة الاولى في الجنس، أو أن يحدث في الأرض ما يقابل التفاوت بأن يحفر فيها نهرا و نحو ذلك.

فيقال في تقريب دلالتها على مدّعى ابن حمزة: إنّ المستأجر الأوّل لمّا ضمن الأجرة للمالك أو للسلطان أو لمن بيده أمر الأرض كانت الفائدة الحاصلة بالإجارة الثانية عائدة له، لا لمالك الأرض.

____________

[1] الظاهر عدم ارتباطهما بهذا المعنى أي كون ضامن العين مالكا لخراجها لأجل ضمان العين. بل هي في مقام بيان كون العين في مدة الخيار ملكا للمشتري، و أنّ ملكيّة المنفعة لقاعدة تبعيّتها في الملكيّة للعين.

و بعبارة أخرى: قاعدة تبعية المنافع للعين في الملكيّة سارية في جميع موارد ملكيّة العين مطلقا و إن لم يكن ضمان للعين بإزاء مال كالمجّانيّات من الهبة و نحوها، فإنّ ملكيّة العين مطلقا تقتضي ملكيّة المنفعة.

فليس المقصود سببيّة ضمان العين لملك المنفعة و خراجها. و لا قاعدة «من له الغنم فعليه الغرم» فالأخبار المشار إليها أجنبيّة عن مدّعى ابن حمزة.

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 13، ص 126، الباب 5 من أبواب الرهن، الحديث 6

227

و فيه (1): أنّ هذا الضمان ليس هو ما أقدم عليه المتبايعان حتى يكون

____________

ففي معتبرة إسماعيل بن الفضل الهاشمي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «سألته عن الرّجل استأجر من السلطان من أرض الخراج بدراهم مسمّاة أو بطعام مسمّى، ثم آجرها، و شرط لمن يزرعها أن يقاسمه النصف أو أقلّ من ذلك أو أكثر، و له في الأرض بعد ذلك فضل، أ يصلح له ذلك؟ قال: نعم إذا حفر لهم نهرا أو عمل لهم شيئا يعينهم بذلك فله ذلك» الحديث (1).

هذا ما يتعلّق بالجهة الثانية و هي تأييد مقالة ابن حمزة الطوسي أعلى اللّه مقامه.

(1) هذا شروع في الجهة الثالثة مما يتعلّق بكلام ابن حمزة، و هو المناقشة فيه، و المذكور في المتن وجوه ثلاثة من الإيراد، أفاد أوّلها المصنف، ثم تعرّض للوجهين الآخرين و ردّهما.

أمّا مناقشة المصنف في كلام ابن حمزة فتوضيحها: أنّه قد تقدم (في ص 116) الإيراد على استدلال شيخ الطائفة بالإقدام على الضمان في البيع الفاسد بما محصّله: أنّ ما أقدما عليه من العوض المسمّى لم يسلم لهما، و لم يقدما على البدل الواقعي حتى يضمناه. و كذلك يقال في المقام، حيث إنّ ضمان المقبوض بالعقد الفاسد ضمان قهريّ شرعيّ، و ليس ضمانا اختياريّا للمتبايعين حتى يستلزم ملكيّة المنافع لضامن العين.

و المفروض أنّ الضمان الموجب لملكيّة المنافع هو الضمان المعاوضيّ الذي أقدم عليه المتعاقدان و أمضاه الشارع.

و بالجملة: الضمان المستلزم لملكيّة الخراج هو الضمان المقيّد بقيد الاقدام و الإمضاء، دون الضمان القهريّ الذي يكون من باب الغرامة المعبّر عنها بالضمان الواقعيّ، و المفروض أنّ الضمان في المقبوض بالعقد الفاسد ليس من الضمان المعاوضيّ الاختياريّ الذي أقدم عليه المتعاقدان و أمضاه الشارع، بل من الضمان القهريّ الذي لا يوجب ملكيّة المنافع.

____________

(1) وسائل الشيعة ج 13، ص 261، الباب 21 من أحكام الإجارة، الحديث 3

228

الخراج بإزائه (1)، و إنّما هو أمر قهريّ حكم به الشارع كما حكم (2) بضمان المقبوض بالسّوم و المغصوب. فالمراد بالضمان (3) الذي بإزائه الخراج التزام (4) الشي‌ء على نفسه و تقبّله له مع إمضاء الشارع له [1].

و ربّما ينتقض ما ذكرنا (5) في معنى الرواية بالعارية المضمونة،

____________

(1) بمقتضى «الخراج بالضمان» وجه عدم الاقدام على ضمان المبيع فاسدا هو: أنّه مضمون بالبدل الواقعيّ مع أنّ المقدم عليه ضمان جعليّ.

(2) بإطلاق «على اليد ما أخذت حتى تؤدّي».

(3) يعني: في حديث: «الخراج بالضمان» و غرضه (قدّس سرّه)- بعد أن نفى كون ضمان المقبوض بالعقد الفاسد من الضمان المعاوضيّ الاختياريّ الممضى شرعا- أنّ المراد بالضمان الموجب لملكية المنافع هو معناه المصدريّ أي التزام الشي‌ء على نفسه و تقبّله له، مع إمضاء الشارع له. و الضمان بهذا المعنى مفقود في المقبوض بالعقد الفاسد، فلا يكون ضمان العين فيه موجبا لملكيّة المنافع حتى لا يضمنها.

(4) خبر قوله: «فالمراد».

(5) من كون الضمان في الحديث هو الضمان الاختياريّ الممضى شرعا الذي نبّه عليه بقوله: «فالمراد بالضمان الذي بإزائه الخراج ..» دون الضمان القهري الجاري في المقبوض بالبيع الفاسد.

و توضيح النقض الوارد على إرادة الضمان الاقداميّ الاختياريّ هو: أنّ المستعير إذا أقدم على ضمان العارية- بأن شرطه المعير عليه- و أمضاه الشارع لم يوجب هذا الإقدام مالكيّة المستعير لمنافعها، لما تقرّر عندهم من أنّه لا يملك منافع العارية، و إنّما يملك الانتفاع الذي عيّنه المالك له. و بهذا يشكل جعل مدلول الحديث‌

____________

[1] لكنه لا قرينة عليه، فيحتمل أن يراد به اسم المصدر، يعني كونه في العهدة، كما يحتمل إرادة معان أخر منه سيأتي بيانها.

229

حيث إنّه (1) أقدم على ضمانها، مع أنّ خراجها ليس له [1] لعدم تملّكه للمنفعة، و إنّما تملّك الانتفاع الذي عيّنه المالك (2)، فتأمّل (3).

____________

مخصوصا بالضمان الاقداميّ الممضى شرعا، فإنّ الشارع الممضى للعارية المضمونة لم يحكم بمالكيّة المستعير لخراجها.

(1) أي: أنّ المستعير أقدم على ضمان العين و لم يتملّك الخراج.

(2) كما في الشرائع، حيث قال: «و يقع بكل لفظ يشتمل على الاذن في الانتفاع» و قال أيضا: «و لا يجوز إعارة العين المستعارة إلّا بإذن المالك، و لا إجارتها، لأنّ المنافع ليست مملوكة للمستعير و إن كان استيفاؤها» (1).

(3) لعلّه إشارة إلى كفاية جواز استيفاء الخراج- بلا ضمان له مع ضمان العين- في صدق «الخراج بالضمان» إذ حاصل المعنى حينئذ: أنّ ضمان العين رافع لضمان المنافع، سواء صارت ملكا لضامن العين أم لا.

أو إلى: فقدان تملّك الانتفاع في العارية أيضا، بل تباح المنافع له بإذن مالك العين، فكأنّ معناه: أنّ ضمان العين يمنع عن ضمان المنافع و إن لم تصر مملوكة لضمان العين، فلا ينتقض- إرادة الضمان الاختياريّ- بالعارية.

أو إلى: أنّ معنى «الخراج بالضمان» هو كون الخراج في مقابل ضمان العين بعنوان كونها ملكه في حال الانتفاع بالعين، و من المعلوم أنّ العارية المضمونة ليست كذلك، لأنّها لم تضمن بعنوان كون العين ملكا للمستعير، فلا نقض.

____________

[1] المعروف في العارية أنّها إباحة الانتفاع بمنافع ملك الغير مجّانا مع بقاء المنفعة على ملك مالك العين، نظير إباحة الطعام للضيف و نثار الأعراس. قال في التذكرة: «ليس للمستعير أن يعير». و قال في وجهه: «إنّه غير مالك للمنفعة، و لهذا

____________

(1) شرائع الإسلام، ج 2، ص 171 و 173

230

و الحاصل (1): أنّ دلالة الرواية لا تقصر عن سندها في الوهن، فلا يترك

____________

(1) هذا ملخّص ما أورد به المصنف على ابن حمزة (قدّس سرّهما) النافي لضمان المنافع المستوفاة مستدلّا بالحديث النبويّ. و محصّل الكلام: أنّ الحديث موهون سندا و دلالة. أمّا سندا فلأنّه مرويّ بطرقنا مرسلا، و لا عبرة بالمراسيل ما لم تنجبر بعمل المشهور، و قد عرفت إعراض المشهور عن المدلول الذي استظهره ابن حمزة، بل ادّعى الإجماع على ضمان المنافع المستوفاة. و هذا الحديث و إن روي مسندا بطرق العامّة لكنّه مرميّ بضعف بعض رجاله كما سيأتي في التعليقة.

و أمّا دلالة فلأنّ محتملات الحديث كثيرة، و لا معيّن لما استظهره ابن حمزة منه، و يكفي في ردّه ما أفاده المصنف من اختصاصه بموارد الاقدام المضمّن الممضى شرعا.

و عليه فلا معارض لما يدلّ من القواعد الجارية في ضمان مطلق الأموال‌

____________

لا يجوز أن يؤجر» (1).

و يحتمل- كما قيل:- أن تكون العارية تمليك المنفعة مجّانا، كالهبة التي هي تمليك العين مجّانا، كما أنّ الإجارة تمليك المنفعة بعوض، في مقابل البيع الذي هو تمليك العين بعوض. ففي التذكرة في مقام الاستدلال على مشروعيّة العارية ما لفظه:

«أما الإجماع فلا خلاف بين علماء الأمصار في جميع الأعصار في جوازها و الترغيب فيها. و لأنّه لمّا جازت هبة الأعيان جازت هبة المنافع، و لذلك صحّت الوصيّة بالأعيان و المنافع جميعا» (2) و هو صريح في كون العارية من هبة المنافع.

لا يقال: إنّه على هذا يجوز للمستعير إجارة العين المستعارة، مع أنّ من المسلّم عدم جوازها.

فإنّه يقال: إنّ عدم جواز إجارتها إنّما هو لأجل شرط انتفاع المستعير بنفسه، و لو شرطا ضمنيّا مبنيّا عليه عقد العارية.

____________

(1) تذكرة الفقهاء، ج 2، ص 209، السطر 14

(2) المصدر، السطر 27

231

لأجلها قاعدة ضمان مال المسلم و احترامه و عدم حلّه (1) إلّا عن طيب النفس.

و ربّما يردّ هذا القول (2)

____________

- سواء أ كانت أعيانا أم منافع- كقاعدة الاحترام.

(1) هذا عطف تفسير للاحترام، و ليس دليلا آخر على ضمان مال المسلم.

(2) أي: قول ابن حمزة (قدّس سرّه) بعدم ضمان المنافع المستوفاة، و يستفاد هذا الرّدّ من العلّامة و غيره حيث استدلّوا على ضمان منافع المبيع فاسدا بالروايات المتقدّمة في الأمر الأوّل- و هو ضمان المقبوض بالبيع الفاسد- المتضمنة لحكم الامام (عليه السلام) بضمان منافع الأمة المسروقة. قال السيد العاملي (قدّس سرّه) في بيع الفضولي: «إذا لم يجز المالك رجع في عين ماله و نمائه متصلا أو منفصلا، و عوض منافعه المستوفاة و غيرها .. و في رواياتهم ما يدل عليه ..» (1). و قال في موضع آخر: «و يرجع به- بالمبيع فاسدا- و بزوائده متّصلة كالسمن و منفصلة كالولد، و بمنافعه المستوفاة و غيرها كما في المبسوط و غيره، و المخالف ابن حمزة» (2).

و حاصل الرّدّ: أنّ الجارية المسروقة كما تكون بنفسها مضمونة على المشتري الجاهل بالحال. كذلك تكون منافعها من الولد و الخدمة و اللبن مضمونة عليه.

و لو كان ضمان العين- في البيع الفاسد- موجبا لحلّيّة المنافع للمشتري لم يكن وجه لحكم الشارع بضمان نماءاتها.

و عليه فضمان المنافع مناف لما استظهره ابن حمزة من حديث «الخراج بالضمان» فلا بدّ من حمله- بعد فرض اعتباره سندا- على البيع الصحيح كما صنعه العلّامة (3) (قدّس سرّه)، هذا تقريب الرّدّ على ابن حمزة، و ستأتي خدشة المصنف فيه.

____________

(1) مفتاح الكرامة، ج 4، ص 198

(2) مفتاح الكرامة، ج 4، ص 169

(3) مختلف الشيعة، ج 5، ص 319

232

بما ورد (1) في شراء الجارية المسروقة: من ضمان قيمة الولد (2) و عوض اللبن، بل عوض كلّ ما انتفع.

و فيه (3): أنّ الكلام في البيع الفاسد الحاصل بين مالكي العوضين (4) من

____________

(1) كخبر زرارة، قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): رجل اشترى جارية من سوق المسلمين، فخرج بها إلى أرضه، فولدت منه أولادا، ثم أتاها من يزعم أنّها له، و أقام على ذلك البيّنة. قال: يقبض ولده، و يدفع إليه الجارية، و يعوّضه في قيمة ما أصاب من لبنها و خدمتها» (1).

(2) لا يخفى أنّ ضمان قيمة الولد و اللبن و سائر المنافع لم يرد في رواية واحدة، بل تضمّنتها نصوص متفرقة، ففي صحيحة جميل «و يدفع إليه المبتاع- و هو المشتري- قيمة الولد» و في رواية زرارة المتقدّمة ضمان عوض اللبن و الخدمة، و في خبر آخر ضمان كل ما انتفع، فمقصود الرّادّ على ابن حمزة ورود ضمان هذه في الأخبار المتفرّقة.

(3) هذه مناقشة المصنّف (قدّس سرّه) في التمسك بهذه الروايات لردّ ابن حمزة. و حاصل المناقشة: أنّ مورد الأخبار المتقدّمة أجنبيّ عن مسألة ضمان المقبوض بالعقد الفاسد، و عدمه، لأنّ الكلام بين ابن حمزة و بين المشهور إنّما هو في المقبوض بالعقد الفاسد، من غير جهة الغصب، كما يدلّ عليه قوله في ذيل عبارته في الوسيلة: «فإن غصب إنسان أو سرق مال غيره .. الى قوله: و إن لم يكن عارفا كان له الرجوع عليه بالثمن و بما غرم للمالك» حيث إنّه يدلّ على غرامته للمالك غير الثمن من عوض المنافع، و لا وجه له إلّا ضمانها للمالك.

(4) و هذا أجنبيّ عن أخبار ضمان منافع الجارية المسروقة، إذ ليس بائعها مالكها، بل هو غاصب، و لا ملازمة في الضمان بين منافع المغصوب المبيع، و بين منافع‌

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 14، ص 592، الباب 88 من أبواب نكاح العبيد و الإماء، الحديث 4 و نحوه الحديث 2

233

جهة (1) أنّ مالك العين جعل خراجها له (2) بإزاء ضمانها بالثمن، لا (3) ما كان فساده من جهة التصرّف في مال الغير [1].

____________

المبيع فاسدا لاختلال شرط صحّته.

(1) متعلّق ب‍ «الكلام» يعني: أنّ وجه البحث في مسألة ضمان منافع المقبوض بالبيع الفاسد هو: أنّ البائع أقدم على جعل منافع المبيع ملكا للمشتري في قبال الثمن، فإمضاء هذا الاقدام و عدم إمضائه غير مرتبط بضمان نماء الجارية المسروقة التي يكون ضمانها من جهة الغصب.

(2) أي: للمشتري، في قبال الثمن الذي يدفعه إلى البائع.

(3) معطوف على «جهة» يعني: ليس كلامنا في ضمان المقبوض بالعقد الفاسد شاملا لمطلق موارد الفساد حتى من ناحية مغصوبيّة العوضين أو أحدهما، حتى نستدلّ على ضمان المنافع بنصوص الجارية المسروقة، بل محلّ الكلام فساد العقد من غير ناحية الغصب، بأن كان العوضان مملوكين.

____________

[1] قد يشكل هذا الجواب بمنافاته لما تقدّم منه من الاستدلال بفحوى أخبار ضمان منفعة الجارية المسروقة على ضمان نفس الجارية لو تلفت بيد المشتري.

وجه المنافاة: أنّ الاستدلال بالفحوى منوط باتّحاد المقبوض بالعقد الفاسد و المغصوب حكما، سواء أ كان منشأ فساد العقد اختلال شرط الصيغة أو العوضين أو المتعاملين، كما أنّ إطلاق عنوان المسألة شامل لجميع مناشئ الفساد. و من المعلوم أنّ ما أفاده هنا من قوله: «لا ما كان فساده من جهة التصرّف في مال الغير» يقتضي اختصاص مدلول هذه الأخبار بما كان منشأ بطلان العقد عدم تملّك العوضين خاصّة، و معه كيف يتّجه الاستدلال بفحواها على ضمان المقبوض بالعقد الفاسد مطلقا؟ و جعلها في عداد حديث اليد و غيره ممّا يدل على ضمان المبيع بالبيع الفاسد؟

234

و أضعف من ذلك (1) ردّه بصحيحة أبي ولّاد المتضمنة لضمان منفعة

____________

(1) المشار إليه هو ردّ قول ابن حمزة بنصوص ضمان منافع الجارية المسروقة.

و هذا إشارة إلى وجه آخر لردّ مقالة ابن حمزة (قدّس سرّه). و توضيحه: أنّه ورد في صحيحة أبي ولّاد الحناط السؤال عن اكتراء بغل من الكوفة إلى مسافة معيّنة- و هي قصر بني هبيرة- لاستيفاء دين من غريم، فلمّا خرج من الكوفة و وصل إلى قنطرتها أخبر بخروج الغريم إلى مكان آخر، و هو النيل، فتابعه أبو ولّاد إلى أن ظفر به ببغداد، و فرغ ممّا بينه و بينه، و رجع إلى الكوفة، و قد طال سفره من مبدئه إلى منتهاه خمسة عشر يوما، و هي أزيد بكثير من المدّة المتعارفة للسير من الكوفة إلى قصر بني هبيرة و الرجوع منه إلى الكوفة. فأراد أبو ولّاد التحلّل من المكاري ببذل اجرة أخرى زائدة على الأجرة المعيّنة أوّلا، فلم يرض بها صاحب البغل، فتراضيا بالترافع إلى قاضي الجور، فحكم ببراءة ذمّة أبي ولّاد من الأجرة الزائدة، مستدلّا بحديث الخراج بالضمان، فاسترجع صاحب البغل من هذا القضاء الجائر.

إلى أن تشرّف أبو ولّاد للحجّ و زار الامام الهمام أبا عبد اللّه جعفر بن محمّد الصادق (صلوات اللّه و سلامه عليه و على آبائه و أبنائه الطاهرين) ، و قصّ عليه قصّته، فقال (عليه السلام): «في مثل هذا القضاء و شبهه تحبس السماء ماءها و تمنع الأرض بركاتها» و حكم على أبي ولّاد بضمانه لاجرة البغل في جميع المدّة التي خرج به من الكوفة حتى عوده إليها، لأنّه استوفى منفعته بإجارة فاسدة، لإخلاله بالشرط، فصار البغل مغصوبا، فيضمنه كما يضمن ما استوفى من منافعه.

و عليه تكون هذه الصحيحة ردّا على ابن حمزة القائل بأنّ ضمان العين لا يجتمع مع ضمان منافعها، هذا.

و ناقش المصنّف (قدّس سرّه) في هذا الرّدّ مقتصرا على قوله: «و أضعف منه ذلك» وجه الأضعفيّة: أنّه ليس في الغصب- الذي هو مورد صحيحة أبي ولّاد- عقد فاسد، بخلاف ما قبلها، فإنّ فيه عقدا بين المشتري و غير المالك، و من المعلوم أنّ الغصب‌

235

المغصوب المستوفاة (1)، ردّا على أبي حنيفة القائل بأنّه إذا تحقّق ضمان العين- و لو بالغصب- سقط كراها، كما يظهر (2) من تلك الصحيحة.

نعم (3) لو كان القول المذكور موافقا لقول أبي حنيفة في إطلاق (4) القول بأنّ الخراج بالضمان انتهضت الصحيحة و ما قبلها (5) ردّا عليه.

هذا كله في المنفعة المستوفاة.

____________

أجنبيّ عن العقد الفاسد الذي هو مورد كلام ابن حمزة، إذ الغصب خال عن العقد.

(1) صفة للمنفعة، و المراد بالمنفعة المستوفاة في هذه الصحيحة هو الركوب على الدابّة و السّير بها.

(2) يعني: كما يظهر قول أبي حنيفة- بسقوط ضمان الأجرة بسبب ضمان العين- من تلك الصحيحة، و سيأتي متن صحيحة أبي ولّاد إن شاء اللّه تعالى في (ص 482 إلى 488).

(3) استدراك على عدم كون الصحيحة ردّا على ابن حمزة، و حاصله: أنّ الصحيحة تنهض للردّ على ابن حمزة إذا كان قائلا بإطلاق «الخراج بالضمان» بحيث يشمل الغصب كما يقول به أبو حنيفة. و أمّا إذا لم يقل بذلك، و كان قائلا باختصاص «الخراج بالضمان» بالعقود المعاوضيّة و عدم شموله للغصب لم تنهض الصحيحة للرّدّ عليه.

(4) المقصود من إطلاق «الخراج بالضمان» أنّ كلّ مورد تحقّق فيه ضمان العين كان منفعته مجّانا و بلا عوض، سواء أ كان بالعقد الصحيح كما يقول به أصحابنا- عدا ابن حمزة- أم أعمّ منه و من العقد الفاسد كما هو رأي ابن حمزة، أم أعمّ منهما و من الأعيان المغصوبة كما يقول به أبو حنيفة، لعدم تضمينه أبا ولّاد عوض انتفاعه بالبغل الذي صار مغصوبا بيده من قنطرة الكوفة إلى النيل، ثمّ إلى بغداد، ثمّ إلى الكوفة.

(5) و هو نصوص الجارية المسروقة، فإنّها أيضا صالحة لردّ مقالة أبي حنيفة، لما تقدم من صراحتها في ضمان اللبن و الخدمة و سائر منافعها. فكما تكون نفس الجارية مضمونة فكذا نماؤها، و هذا معارض بالتباين لما استفاده أبو حنيفة من‌

236

..........

____________

حديث «الخراج بالضمان» [1].

هذا ما يتعلّق بتوضيح المتن في ردّ استدلال ابن حمزة بالحديث النبويّ، و بقيت مباحث أخرى تأتي في التعليقة إن شاء اللّه تعالى.

____________

[1] و ربّما ينتقض قاعدة «الخراج بالضمان» بالمنافع التي تملك بالإرث تبعا للأعيان، أو بالأصالة، حيث إنّها ليست بسبب ضمان العين و تعهّدها ببذل مال بإزائها.

و فيه: أنّ قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «الخراج بالضمان» ليس في مقام حصر سببيّة ضمان الأعيان لملكيّة المنافع، بل في مقام نفي الضمان عن المنافع فيما إذا حصل تعهّد ببذل عوض بإزاء العين. فكأنّه قيل: كلّ من ضمن عينا ملك منافعها، و هو لا يدلّ على تسبّب ملكيّة المنافع عن ملكيّة العين على وجه الحصر، فيمكن أن تكون ملكية المنافع بسبب آخر.

و هذا نظير أن يقال: «البيع سبب للنقل و الانتقال» و هو لا ينافي سببيّة الصلح و الهبة مثلا لهما، و لا ينفي سببيّة غير الضمان لملكيّة المنافع، لأنّ «الخراج بالضمان» قضية لقبيّة لا مفهوم لها، فلا تدلّ على الحصر أصلا.

ثمّ إنّه لا بأس بعطف عنان البحث إلى النبويّ «الخراج بالضمان» سندا و دلالة، فنقول و به نستعين و بوليّه (صلوات اللّه و سلامه عليه و على آبائه الطاهرين) و عجّل فرجه الشريف نتوسّل و نستجير: ينبغي البحث في مقامين، أحدهما: في السند، و الآخر في الدلالة.

أمّا المقام الأوّل فمحصّله: أنّه لم يرو هذا الحديث في جوامعنا الروائيّة، و إنّما روي مرسلا في بعض الكتب الفقهية كالخلاف و المبسوط و الوسيلة و السرائر و غيرها، فالاعتماد عليه منوط بإحراز عمل المشهور به.

237

____________

نعم روي بسندين في كتب العامّة، و اختلفوا في صحّة كلا الطريقين، و روايتهم له تارة بعنوان قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «الخراج بالضمان» أو «قضى بالخراج الضمان» و أخرى مع ذكر السبب. فعن السيوطي: «القاعدة الحادية عشر، قال: الخراج بالضمان حديث صحيح أخرجه الشافعي و أحمد و أبو داود و الترمذي و النسائي و ابن ماجة و ابن حيّان من حديث عائشة. و في بعض طرقه ذكر السبب، و هو: أنّ رجلا ابتاع عبدا فأقام عنده ما شاء اللّه أن يقيم، ثمّ وجد به عيبا، فخاصمه إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فردّه عليه، فقال الرجل: يا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): قد استعمل غلامي، فقال: الخراج بالضمان» (1).

و السند الأوّل هو ما عن سنن ابن ماجة «بالإسناد عن مسلم بن خالد الزنجي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: إن رجلا اشترى عبدا .. إلخ». و السند الثاني: «مخلّد بن خفاف عن هشام بن عروة عن أبيه .. إلخ».

و اختلفوا في صحّة الطريقين، فعن تاج العروس نقل تصحيح جماعة. و عن ابن حزم: «لا يصح حديث الخراج بالضمان، لانفراد مخلّد بن خفاف و مسلم بن خالد الزنجي به» و عن الزبيدي: «ضعّف البخاري حديث مخلّد بن خفاف».

و أمّا السند الآخر فعن الحاكم تصحيحه، إلّا أنه حكي عن الذهبي: «اختلاف كلام ابن معين فيه، فتارة يقول: لا بأس به. و أخرى: إنّه ثقة. و ثالثة: إنّه ضعيف. و عند السّاجي:

كثير الغلط، و يرمى بالقدر».

فالمتحصّل من كلماتهم بعد التتبّع فيها: أنّ هذا الحديث ليس ممّا اتفق الكلّ على صحّته، بل اعتباره عند العامّة مورد الخلاف. هذا ما يرجع إلى سنده الذي لا يحصل

____________

(1) الأشباه و النظائر، ص 121، نقلا عن هامش تقريرات السيد المحقق الخويي، محاضرات في الفقه الجعفري، ج 2، ص 171 و 172

238

____________

الوثوق بصدوره عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

و أمّا من ناحية عملهم به فالعاملون به كثيرون من المذاهب الأربعة، إلّا أنّه لمّا لم يكن جدوى في وثوقهم به عندنا، فالأولى الاقتصار على ذكر من عمل به من فقهائنا الأبرار (رضوان اللّه تعالى عليهم). و إن شئت الوقوف على أقول العامة و عملهم بالحديث فراجع ما تتبّعه العلّامة السيد المقرم في تعليقه على تقريرات السيد الخويي (قدّس سرّهما) (1).

و أمّا الإمامية أعلى اللّه كلمتهم فقد أسنده شيخ الطائفة (قدّس سرّه) إليه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في الخلاف و المبسوط.

فقال في الخلاف: «إذا اشترى جارية حاملا، فولدت في ملك المشتري عبدا مملوكا، ثم وجد بالأمّ عيبا، فإنّه يردّ الامّ دون الولد، و للشافعي فيه قولان: أحدهما: مثل ما قلناه، و الثاني: له أن يردّهما معا، لأنّه لا يجوز أن يفرّق بين الأمّ و الولد فيما دون سبع سنين. و الأوّل أصحّ عندهم. دليلنا: عموم قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): الخراج بالضمان» (2).

و قال في المبسوط: «فصل في أنّ الخراج بالضمان: إذا كان لرجل مال فيه عيب فأراد بيعه وجب عليه أن يبيّن للمشتري عيبه، و لا يكتمه، أو يتبرّء إليه من العيوب.

و الأوّل أحوط. فإن لم يبيّنه و اشتراه إنسان فوجد به عيبا كان المشتري بالخيار إن شاء رضي، و إن شاء ردّه بالعيب و استرجع الثمن. فإن اختار فسخ البيع و ردّ المبيع نظر، فإن لم يكن حصل من جهة المبيع نماء ردّه و استرجع ثمنه، و إن كان قد حصل نماء و فائدة فلا يخلو من أن يكون كسبا من جهته أو نتاجا و ثمرة. فإن كان كسبا مثل أن يكتسب بعمله

____________

(1) محاضرات في الفقه الجعفري، ج 2، ص 169 الى 174

(2) الخلاف، ج 3، ص 108، المسألة: 176 من كتاب البيع.

239

____________

أو تجارته أو يوهب له أو يصطاد شيئا أو يحتطب أو يحتش، فإنّه يردّ المعيب و لا يردّ الكسب بلا خلاف، لقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «الخراج بالضمان. فالخراج اسم للغلّة و الفائدة التي تحصل من جهة المبيع» إلى أن قال: «و قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): الخراج بالضمان معناه: أنّ الخراج أن يكون المال يتلف من ملكه، و لمّا كان المبيع يتلف من ملك المشتري، لأنّ الضمان انتقل إليه بالقبض كان الخراج له» (1).

و استند (قدّس سرّه) الى هذا الحديث في بيع المصرّاة، فقال: «و لا يردّ اللبن الحادث، لأنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قضى أنّ الخراج بالضمان» (2).

و قال في السرائر في عدم ضمان العين المرهونة: «و يحتجّ على المخالف بقوله (عليه السلام): الخراج بالضمان، و خراجه إذا كان للراهن بلا خلاف، وجب أن يكون من ضمانه» (3).

و قال العلّامة في المختلف- بعد نقل كلام ابن حمزة في الوسيلة- ما لفظه:

«و المعتمد أنّ النماء للبائع، لأنّ الملك باق عليه، و النماء يتبع الملك. و قوله (عليه السلام):

الخراج بالضمان محمول على الصحيح، و إلّا لكان الغاصب مالكا للمنافع، لدخول الأصل تحت ضمانه» (4).

و ظاهر العبارتين اعتمادها على الحديث. و لو كان في سنده غمز لكان المناسب التخلّف منه بطرحه كلّيّة، لا بحمله على العقد الصحيح.

نعم يحتمل في كلام ابن إدريس إيراده احتجاجا على المخالفين لا استنادا، و إن

____________

(1) المبسوط في فقه الإمامية، ج 2، ص 126

(2) المصدر، ص 125

(3) السرائر الحاوي، ج 2، ص 420

(4) مختلف الشيعة، ج 5، ص 319

240

____________

أمكن التخلّص عن هذا الاحتمال بمخالفته للظاهر، و لو كان الغرض الاحتجاج عليه بما هو مسلّم عندهم كان الأولى أن يقول: «و يحتج على المخالف بما يرويه عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)» مع أنّه (قدّس سرّه) أسنده إليه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم). و قد تقدم نظيره في حديث «على اليد».

نعم يشكل تعليل العلّامة: «و إلّا لكان الغاصب مالكا للمنافع ..» بعدم صلاحيّة هذا الوجه لأن يكون منشأ لحمل «الخراج بالضمان» على خصوص الصحيح، ضرورة قابليّة عمومه للتخصيص بأدلّة الغصب كصحيحة أبي ولّاد.

و قال في الجواهر: «المشهور نقلا و تحصيلا- بل في ظاهر التذكرة الإجماع- على أنّ المبيع يملكه المشتري في زمن الخيار بالعقد» إلى أن قال: «و قيل به و بانقضاء مدة الخيار» و استدلّ عليه بأمور، إلى أن قال: «و النبويّ الخراج بالضمان الذي معناه أنّ الربح في مقابلة الخسران، فإنّ الخراج اسم للفائدة الحاصلة في المبيع، و المراد أنّها للمشتري، كما أنّ الضرر الحاصل بالتلف عليه، فهو دالّ على المطلوب، و إن كان مورد الحديث خيار العيب» (1).

أقول: الغرض ممّا ذكرناه من سند الحديث و عمل الفقهاء به من العامّة- كما حكي- و بعض الخاصّة هو: أنّه هل يوجب ذلك السند و العمل وثوقا بصدور الحديث حتى يصحّ الركون إليه و الاعتماد عليه أم لا؟ فإن حصل ذلك وصلت النوبة إلى البحث عن معنى الحديث.

و قد حكي عن شيخ الشريعة الأصفهاني (قدّس سرّه): «انّا تتبعنا غاية التتبّع فلم نجدها في كتب الإمامية (رضوان اللّه تعالى عليهم) صحاحها و غير صحاحها، بل وجدناه في كتب العامّة بطرق متعدّدة في موارد عديدة». و لعلّ غرضه (قدّس سرّه) عدم الظفر به مسندا في جوامعنا

____________

(1) جواهر الكلام، ج 23، ص 78

241

____________

الروائيّة، و إلّا فقد عرفت روايته مرسلا عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، بل نسبه شيخ الطائفة إلى النبيّ جازما، و لم يقل: «و روي عنه». هذا بعض الكلام في المقام الأوّل.

و أمّا المقام الثاني و هو الدلالة فلنذكر كلام بعض اللغويّين في معنى الخراج و الضمان، ثمّ ما يحتمل في مفاد الحديث.

أمّا الخراج ففي مفردات الراغب: «و الخراج مختص في الغالب بالضريبة على الأرض، و قيل: العبد يؤدّي خرجه أي غلّته، و الرّعيّة تؤدّي إلى الأمير الخراج» (1).

و قال ابن منظور: «و قال الزجّاج: و الخراج اسم لما يخرج، و الخراج غلّة العبد و الأمة، و الخرج و الخراج الاتاوة، تؤخذ من أموال الناس» ثم قال: «و أما الخراج الذي وظّفه عمر على السواد و أرض الفي‌ء، فإنّ معناه الغلّة أيضا .. و لذلك يسمّى خراجا يؤدونها كل سنة .. و قيل للجزية التي ضربت على رقاب أهل الذمة: خراج، لأنّه كالغلّة الواجبة عليهم. ابن الأعرابي: الخرج على الرؤوس، و الخراج على الأرضين» (2).

و قال العلّامة الطريحي (قدّس سرّه): «الخرج و الخراج- بفتح المعجمة فيهما- ما يحصل من غلّة الأرض. و قيل: يقع اسم الخراج على الضريبة و الفي‌ء و الجزية و الغلّة، و منه خراج العراقين» (3).

و قال ابن الأثير: «الخراج بالضمان يريد ما يحصل من غلّة العين المبتاعة عبدا كان أو أمة أو ملكا. و ذلك أن يشتريه فيستغلّه زمانا» إلى أن قال: «و يكون للمشتري ما استغلّه، لأنّ المبيع لو تلف في يده لكان من ضمانه، و لم يكن على البائع شي‌ء. و الباء في (بالضمان) متعلّقة بمحذوف، تقديره: الخراج مستحقّ بسبب الضمان» (4).

____________

(1) مفردات ألفاظ القرآن الكريم، ص 145

(2) لسان العرب، ج 2، ص 251 و 252

(3) مجمع البحرين، ج 2، ص 294

(4) النهاية، ج 1، ص 321

242

____________

هذا ما يتعلّق بمعنى كلمة الخراج.

و أمّا الضمان فهو التكفّل بالشي‌ء. قال في المجمع: «و ضمنت الشي‌ء ضمانا كفلت به، فأنا ضامن و ضمين، و ضمنت المال التزمته» (1) و نحوه ما في الصحاح و المصباح (2).

و هذا المعنى ما يساعده العرف العام، فإنّ الضمان العرفي هو كون مال الغير في العهدة، سواء أ كان سببه اختياريّا كقبول شرط ضمان العين المستأجرة أو عارية غير الذهب و الفضة، أم قهريّا كإتلاف مال الغير غفلة أو في حال النوم.

و أمّا ضمان الشخص لمال نفسه فلا معنى له، و ليس ذلك معنى لغويّا و لا عرفيّا للضّمان، فإنّ البيع ليس إلّا المبادلة بين المالين، و لا يخطر الضمان فيه أصلا، فلا يصح أن يقال: إنّ المنافع غير مضمونة على المشتري، لأنّه ضمن العين، و ضمانها يوجب أن تكون منافعها للضامن.

بل يقال: إنّ المنافع- تبعا للعين- مملوكة للمشتري، فلا يضمنها، إذ لا معنى لضمان الشخص مال نفسه، و جعل ماله في عهدته.

بل يقال: إنّ المنافع غير مضمونة عليه، لعدم ضمانه لها من جهة كونها ماله، فاستوفى مال نفسه، و لا معنى لضمان مال نفسه.

ففي مورد الحديث يقال: منفعة العبد المستوفاة غير مضمونة على المشتري في الزمان المتخلّل بين عقد البيع و بين ردّ العبد لأجل العيب على البائع. وجه عدم الضمان:

أنّ الخراج كمنفعة العبد غير مضمون على المشتري، لأنّ المشتري لم يجعلها في عهدته.

____________

(1) مجمع البحرين، ج 6، ص 275

(2) صحاح اللغة، ج 6، ص 2155؛ المصباح المنير، ص 364

243

____________

و كذا لم يجعلها الشارع في عهدته. و المفروض أنّ ثبوت الخراج على العهدة منوط بصيرورة الخراج في العهدة، و بدون صيرورته في العهدة لا ضمان على من استوفى الخراج.

ففي مورد الحديث يقال: إنّ المشتري لا يضمن منافع المبيع المعيب ما لم يردّ المبيع على البائع أخذا بخيار العيب. وجه عدم ضمانها: أنّ المشتري لم يجعلها في عهدته، لأنّه استوفاها بعنوان كونها مملوكة له بتبعية مملوكية أصل المبيع له. و قاعدة التبعيّة تقتضي كون المنافع كنفس العين ملكا لمالك العين، و لا معنى لضمان شخص لمال نفسه كما هو الظاهر.

فكأنّه قيل: الخراج كائن على عهدة من استخرجه بسبب ثبوت عهدته عليه. و في مورد الحديث ليس الخراج- أي المنفعة- على المشتري، لأنّه لا بدّ أن تكون عهدة المنفعة على المشتري إذا ضمن و تعهّد، و المفروض عدم تعهّده لبدل المنفعة، فلا ضمان عليه. هذا ما خطر ببالي في معنى هذا الحديث، و ليكن هذا أحد المعاني المحتملة فيه، و سيأتي بيانه.

و كيف كان فيحتمل في مفاد جملة: «الخراج بالضمان» وجوه:

الاحتمال الأوّل: ما استفاده ابن حمزة، حيث استدلّ به على عدم ضمان المنافع المستوفاة، و قد خرج منه منافع المغصوب، حيث إنّها مضمونة على الغاصب بصحيح أبي ولّاد الآتي إن شاء اللّه تعالى، فإنّه يخصّص النبويّ المزبور.

و حاصل هذا الاحتمال: أنّ المراد بالخراج مطلق المنافع الشامل للخراج المصطلح و غيره. و يراد من الضمان المعنى اللغوي أعني به مطلق التعهّد، سواء أ كان أمرا اختياريّا مترتّبا على العقود الصحيحة أو الفاسدة، أم كان أمرا غير اختياريّ مترتّبا على الغصب. فالمراد: أنّ المنافع الحاصلة من الأموال المأخوذة بالعقود الصحيحة

244

____________

أو الفاسدة، أو المأخوذة غصبا مملوكة للضامن، و أن ضمان العين سبب لملكيّة المنافع، فتدلّ الرواية على عدم ضمان المنافع المستوفاة كما عليه ابن حمزة وفاقا لشيخ الطائفة.

و خلافا للحنفيّة، إذ المحكيّ عنهم: «و لا يضمن الغاصب منافع ما غصبه، لأنّها حصلت على ملك الغاصب، إلّا أن ينتقص باستعماله، فيغرم النقصان.

الاحتمال الثاني: أن يكون المراد من كلمة «الخراج» فيه ما هو المعروف المتبادر منه من الخراج و المقاسمة. و المراد من كلمة «الضمان» فيه ضمان الأراضي الخراجيّة بسبب التقبّل و الإجارة. و لعلّ هذا أقرب الاحتمالات- كما في تقرير سيدنا الخويي (قدّس سرّه) (1)- و إن لم يذكر في كلمات الفقهاء (رضوان اللّه تعالى عليهم).

و ملخّص هذا الاحتمال: أنّ المتقبّل للأرض الخراجية يملك ما يخرج منها من الغلّة بسبب الضمان و التقبّل، و لا ربط لهذا المعنى بمورد البحث.

الاحتمال الثالث: أن يراد بالخراج مطلق المنافع الخارجة عن الشي‌ء، لا خصوص الخراج المصطلح، و يراد بالضمان مطلق العهدة، سواء أ كانت اختياريّة كالمترتّبة على العقود الصحيحة و الفاسدة، أم غير اختياريّة كالعهدة المترتّبة شرعا على الغصب.

و حاصل هذا المعنى: أنّ منافع الأموال المأخوذة بالعقود الصحيحة أو الفاسدة أو بالغصب مملوكة للضامن بسبب ضمانه للعين أو بإزاء ضمانه لها، و لازم هذا الضمان عدم ضمان المنافع التي يستوفيها ضامن العين، سواء أ كان استيفاء المنفعة في حال التملك كالعبد الذي اشتراه، فاستغلّه، ثمّ ردّه بالعيب السابق، فإنّ مقتضاه كون الغلّة للمشتري. أم في غير حال التملك كانتفاع البائع بالمبيع الذي تلف قبل قبض المشتري له، فإنّ المنافع التي استوفاها البائع من المبيع تكون له، لأنّ ضمانه عليه بمعنى: أنّه ينتقل

____________

(1) مصباح الفقاهة، ج 3، ص 133

245

____________

إليه المبيع آنا ما قبل التلف، فيتلف من ماله.

و على هذا المعنى يتمّ ما أفتى به أبو حنيفة من عدم ضمان الغاصب لما يستوفيه من منافع العين المغصوبة، و لا يلتزم به ابن حمزة و لا غيره، فلا يكون النبويّ بهذا المعنى سندا للقول بعدم ضمان منافع المقبوض بالعقد الفاسد.

نعم يكون دليلا لأبي حنيفة على عدم ضمان الغاصب لمنافع العين المغصوبة.

الاحتمال الرابع: أن يراد بالضمان خصوص الضمان الاختياري المترتّب على العقود الصحيحة الممضاة شرعا كالبيع و الإجارة و نحوهما، و بالخراج المنافع المستوفاة. فيكون المعنى: من تقبّل العين بعقد صحيح يملك منافعها بالتبع.

و هذا الاحتمال أجنبيّ عن المدّعى، و هو استيفاء منافع المقبوض بالعقد الفاسد، فلا يصحّ استدلال ابن حمزة (قدّس سرّه) بالنبويّ على هذا الاحتمال.

الاحتمال الخامس: أن يراد بالخراج- كما في الاحتمال الثالث- معناه المصدريّ أي الانتفاع بالشي‌ء، فيختصّ بالمنافع المستوفاة، و بالضمان الضمان المعاملي الاختياريّ مطلقا و لو لم يمضه الشارع، فيشمل العقود الصحيحة و الفاسدة. و على هذا المعنى يصحّ استدلال ابن حمزة (قدّس سرّه) بالنبويّ.

لكن لا بدّ في صحة الاستدلال من كون النبويّ ظاهرا في هذا المعنى بحيث يتبادر في أذهان العرف عند إلقاء الكلام إليهم، و هو كما ترى. بل قد عرفت أنّ الظاهر من لفظ الخراج ما هو المعروف في باب الخراج و المقاسمة، كما في حاشية العلّامة الشهيدي (قدّس سرّه) (1). و أنّ المراد بالضمان ضمان الأراضي الخراجيّة بسبب التقبّل و الإجارة من السلطان العادل أو الجائر. و من المعلوم أنّ هذا المعنى أجنبيّ عمّا نحن فيه من ضمان المنافع المستوفاة من العين المقبوضة بالعقد الفاسد، هذا.

مضافا إلى: ما في هذا الاحتمال الخامس من الإشكال، إذ لازمه ضمان البائع

____________

(1) هداية الطالب إلى أسرار المكاسب، ص 221

246

____________

للمشتري منافع المبيع بالبيع الفاسد إذا استوفاها قبل تسليمه إلى المشتري.

و أيضا: لازمه ضمان غاصب المبيع للمشتري إذا استوفى المنافع، إذ المفروض ضمان المشتري للمبيع، فمنافعه له، فإذا غصبه غاصب و استوفى منافعه كان ضامنا للمشتري لا البائع. و هذا من الفساد بمكان من الوضوح. فدعوى القطع ببطلان هذا الاحتمال في محلها.

الاحتمال السادس: ما في حاشية المحقق الخراساني (قدّس سرّه) و هو: «أنّ خراج الأرض كمّا و كيفا على من ضمنها إنّما هو بحسب ضمانها» (1).

الاحتمال السابع: ما خطر ببالي، و هو: أنّ المراد بالضمان معناه العرفي، و هو صيرورة مال الغير في العهدة، و المراد بالخراج إمّا معناه المصدري و هو الانتفاع بالشي‌ء، و إمّا حاصل المعنى المصدريّ و هو ما يخرج من الشي‌ء و يعدّ منفعة له. و على الأوّل يختصّ بالمنافع المستوفاة، و على الثاني يكون أعم منها، فيشمل المنافع غير المستوفاة أيضا.

فمعنى الحديث- و اللّه العالم- أنّ المنافع مطلقا أو خصوص المستوفاة ثابتة على الشخص بسبب صيرورتها في عهدته، كما إذا غصب مال الغير، فإنّ العين و منافعها مضمونة عليه، فبدل المنافع ثابت عليه، لصيرورتها في عهدته بسبب الغصب. و هذا المعنى يستفاد من قرينة المورد، و هو شراء العبد المعيب و استيفاء المشتري منافعه و ردّه بعد ظهور العيب، فإنّ البائع طلب من المشتري بدل منافع العبد بقوله:

«يا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): إنّه قد استغلّ عبدي، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): انّ عمله للمشتري، لأنّ الخراج بالضمان».

و حكي أنّ عمر بن عبد العزيز قضى- في عبد اشتراه شخص و استعمله ثم انكشف كونه معيبا فردّه- «بأنّ عمله للبائع» يعني: أنّ المشتري ضامن للمنافع التي استوفاها من العبد قبل فسخ البيع. ثم قيل لعمر بن عبد العزيز: إنّه روي عن عائشة أنّ مثله وقع في حياة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «الخراج بالضمان».

____________

(1) حاشية المكاسب، ص 34

247

____________

و بالجملة: فبعد البناء على كون الخراج ظاهرا في مطلق المنافع- الذي هو حاصل المصدر- أو في الانتفاع بالشي‌ء الذي هو المعنى المصدريّ، و كون الضمان معناه العرفيّ المتبادر منه حين إطلاقه، و كون الظرف مستقرّا، يكون محصّل معنى الحديث:

أنّ المنافع ثابتة على الشخص بسبب صيرورتها في عهدته و ضمانه، فما لم يتحقق عهدتها على شخص لا يحكم بضمانه لها و خسارتها عليه.

و هذا المعنى ينطبق على مورد الحديث، و هو كون منافع العبد للمشتري، و ذلك لأنّ المشتري لم يضمن المنافع أي لم يجعل بدلها في عهدته، لأنّه استوفى منافع ماله، و لم يستوفها ضامنا لها، إذ لا معنى لضمان مال على عهدة مالكه، فلا وجه لتضمين المشتري بالنسبة إلى المنافع المملوكة له بقاعدة تبعية المنفعة للعين في الملكيّة.

فتلخّص من جميع ما ذكرناه: أنّ حديث «الخراج بالضمان» لم يثبت الوثوق بصدوره، و لا يكفي مجرّد تشبّث شيخ الطائفة به في ثلاثة موارد، و كذا تشبّث ابن حمزة به و غيرهما ممن عرفت في المقام الأوّل.

مضافا إلى إجماله و عدم ظهوره فيما ادّعاه ابن حمزة و الشيخ (قدّس سرّهما)، فلا يصحّ التمسّك بهذا النبويّ لعدم ضمان المنافع التي استوفاها قابض العين بالعقد الفاسد.

ثمّ إنّ المحقق النائيني (قدّس سرّه)- على ما في تقرير بحثه الشريف- استظهر من قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «الخراج بالضمان» معنى لا بأس بالتعرّض له، فإنّه- بعد بيان: أنّ مفاد الحديث بمناسبة الحكم و الموضوع هو الضمان الجعليّ الفعليّ الأصليّ الممضى شرعا، و بعد دعوى عدم شموله للبيع الفاسد و الضمان القهريّ كما في ضمان المغصوب- أفاد ما توضيحه: أنّ الضمان بمعناه المصدري المعبّر عنه بالفارسيّة «عهده گرفتن يا قرار دادن چيزى در عهده» يتصوّر على أنحاء:

أحدها: أن يكون جعل شي‌ء في العهدة ببذل عوض في مقابله، كما في العقود المعاوضيّة من البيع و نحوه.

ثانيها: أن يكون هذا الجعل بسبب الشرط من دون بذل عوض في مقابل ما جعله في عهدته، كشرط الضمان في عارية غير الذهب و الفضة، و في كلّ عقد صحيح.

248

____________

أو بسبب التعبّد كحكم الشارع بالضمان في عارية الذهب و الفضة.

و كلّ واحد من هذين القسمين تارة يكون في العقد الصحيح، و أخرى في الفاسد، لأنّ العقد المعاوضيّ أمّا صحيح و إمّا فاسد. و كذا العقد المشروط بالضمان، أو كان الضمان فيه بالتعبّد. فالأقسام أربعة.

و ظاهر قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «الخراج بالضمان» هو كون الضمان معاوضيّا و ثابتا ببذل العوض. و الوجه في هذا الاستظهار هو دخول باء السببيّة على كلمة «الضمان» الظاهرة في كون الضمان ببذل العوض، لا بالشرط. فالأموال تبذل بإزاء تعهّد المال بإزائها، فالمبيع مثلا يبذل بعوض في عهدة المشتري، فبسبب تعهد المشتري لعوض الجميع يبذل له المبيع، فكأنّه قيل: الأموال مبذولة بسبب التعهّد بعوضها.

فيختصّ الحديث بما إذا كان الضمان ببذل العوض، و لا يشمل الضمان بالشرط كضمان عارية غير الذهب و الفضّة، و لا بالتعبّد كضمان عاريتهما. كما يختصّ بالعقد الصحيح، لوجهين:

الأوّل: ظهور كلمة «الخراج بالضمان» في كون التعهّد بالمبيع مثلا ببذل الثمن في مقابله هو المنشأ لكون الخراج كالمبيع له. و هذا مختصّ بما إذا كان العقد صحيحا، لأنّ في العقد الفاسد يكون الضمان بالمثل أو القيمة، لا بالعوض المسمّى في العقد. فضمان العوض اسم لما هو كذلك واقعا. و هو منتف في العقد الفاسد.

الثاني: أنّ منشأ الضمان في العقد الفاسد هو اليد، و لذا يراد بالضمان فيه معناه الاسم المصدريّ، فلو أريد تعميمه للعقد الفاسد لزم إرادة معنى اسم المصدر منه كما فهمه أبو حنيفة. فقاعدة «الخراج بالضمان» بعد اختصاصها بالعقد الصحيح لا تصلح لإثبات عدم ضمان منافع المقبوض بالعقد الفاسد كما في الوسيلة.

ثمّ إنّ بذل العوض يكون بإزاء الأموال سواء أ كانت باقية مع الانتفاع بها كالدار و الدكّان، أم تالفة كالشبع المترتّب على أكل الخبر، فإنّ الغرض منه يستوفى بإعدامه

249

____________

بالأكل كالعقاقير، فإنّ ترتّب خواصّها و ما هو مناط ماليّتها منوط بإعدامها.

و كيف كان فالظاهر من الضمان في الحديث الضمان المعاوضيّ، بقرينة الباء في «بالضمان» الظاهرة في السببيّة أو المقابلة، و مقتضاهما السببيّة و المقابلة من الطرفين، بمعنى: كون تملّك المنافع داعيا إلى الضمان و التعهّد بالعوض، فلحاظ تملك المنافع علّة غائيّة للضمان أي بذل العوض، فالمنفعة علّة غائيّة للبذل، و متقدّمة تصوّرا عليه و متأخرة عنه في الخارج، كما هو شأن العلّة الغائيّة، فيصحّ أن يقال: تملّك المنافع سبب للضمان، و الضمان سبب لكون المنافع له، فالضمان متأخّر عن لحاظ تملّك المنفعة، كما أنّ وجود المنفعة خارجا متأخّر عن الضمان.

فالمتحصّل: أنّ الحديث ظاهر في الضمان المعاوضيّ الصحيح، و لا يشمل العقد الفاسد. كما أنّه لا يشمل الضمان الحاصل بالشرط أو التعبّد من دون بذل عوض في مقابله، لكونه خلاف مقتضى الباء من السببيّة أو المقابلة. فلا يصحّ الاستدلال به على ضمان المنافع المستوفاة من المقبوض بالعقد الفاسد، لما عرفت من ظهوره في الضمان المعاوضي الصحيح، أو إجماله (1).

و قد نوقش في كلام المحقق النائيني (قدّس سرّه) تارة بإنكار ظهور الخبر في المعنى الأخير و هو منشأ ضمان العين، و الداعي إليه تملّك المنافع لينحصر بباب البيع.

وجه الإنكار: أنّ الضمان بهذا المعنى لا ينطبق على جعل الثمن مقابل العين و بالعكس، و لا على القرار و العقد، فإنّها ليست ضمانا عرفا و لغة.

و اخرى: بأنّ جعل مبنى استظهار الجعليّ المعاوضيّ ظهور الباء في السببيّة أو المقابلة، ثم دعوى أن مقتضى السببيّة أن تكون من الطرفين، مع أنّها لا تقتضي ذلك بلا شبهة، عجيب.

و ثالثة: بأنّ حمل السبب على العلّة الغائيّة خلاف ظاهر آخر.

____________

(1) منية الطالب، ج 1، ص 133

250

____________

و رابعة: بأنّ المقابلة من الطرفين لا محصّل لها.

و الكلّ كما ترى، إذ في الأولى: أنّ الضمان المعاوضيّ و إن لم يكن ضمانا عرفا و لغة، إلّا أنّ قرينيّة مورد النبويّ- و هو شراء العبد المعيب- توجب الحمل عليه، و إلّا امتنع تطبيقه على المورد.

و في الثانية: أنّ الاستظهار المزبور خارج عن طريقة أبناء المحاورة بعد البناء على ظهور الباء في السببيّة و المقابلة.

و أمّا الاستعجاب من أن تكون قضيّة السببيّة من الطرفين، ففيه: أنّ المراد بالسبب في المعاملات هو الداعي إلى إنشاء المعاملة، و من المعلوم أنّه موجود في الطرفين، فإنّ الدّاعي للمشتري إلى شراء الكتاب مثلا هو الانتفاع به، و الداعي للبائع إلى بيع الكتاب هو انتفاعه بالثمن.

و منه يظهر ما في المناقشة الثالثة من الإشكال، إذ لحاظ احتياج كلّ من المتعاقدين علّة غائيّة لإنشاء المعاملة، بحيث لولاه لم يقدما عليها. فحمل السبب على العلة الغائيّة ليس على خلاف الظاهر و ليس مخالفا لطريقتهم، فإنّ السببيّة مساوقة للعليّة.

و في الرابعة: أنّ المقابلة من المتضايفات، فلا يتّصف شي‌ء بالمقابلة إلّا مع اتّصاف غيره بها، كالأبوّة و البنوّة و الاخوّة و غيرها. فيتّصف كلّ من العوضين بالمقابلة. و كيف يمكن أن يكون الثمن مقابلا للمبيع و لا يكون المبيع مقابلا للثمن؟

فالمتحصّل: أنّ الاستظهار المنسوب الى المحقّق النائيني- بقرينة الباء و كذا مورد الرواية من بيع العبد و الجارية المعيبين- في محلّه. لكنّه متّجه في المتن الذي يشتمل على الموردين المزبورين. و أمّا المتن الخالي عنهما فإثبات ظهوره في الضمان المعاوضيّ الصحيح مشكل جدّا.

و على كلّ حال لا يصحّ الاستدلال بالنبويّ المذكور لنفي ضمان المنافع المستوفاة من المقبوض بالعقد الفاسد بعد الغضّ عن ضعف سنده، إمّا لإجماله، و إمّا لظهوره في العقد المعاوضيّ الصحيح الذي هو أجنبي عن المقام.

251

[ب: ضمان المنفعة الفائتة]

و أمّا المنفعة الفائتة [1] بغير استيفاء (1)

____________

ب: ضمان المنفعة الفائتة

(1) هذا شروع في المقام الثاني ممّا تعرّض له في الأمر الثالث المنعقد لبيان حكم منافع المقبوض بالبيع الفاسد، و قد تمّ الكلام في المقام الأوّل و هو ضمان المنافع المستوفاة خلافا لابن حمزة منّا. و المراد بالمنفعة الفائتة هي المقابلة للمستوفاة، سواء أ كانت عينا- كنفس المبيع- كثمرة الشجرة المبيعة فاسدا، و لبن الشاة كذلك و صوفها، أم كانت حيثيّة متصرّمة الوجود قائمة بالعين، و هي المعبّر عنها بالمنافع‌

____________

[1] قد يقال: إنّ المنافع الفائتة هي الحكميّة. و أمّا المنافع العينيّة المتصلة كالسمن، و المنفصلة كالصوف و اللبن و نحوهما فلا إشكال في ضمانها، لصدق المال عليها، و صدق الأخذ بمعنى الاستيلاء عليها، فيشملها الموصول في «ما أخذت» و عليه فمصبّ الأقوال في المنافع غير المستوفاة هي الحكميّة.

لكنّه ممنوع، لما سيأتي في المتن من استدلال المصنّف (قدّس سرّه) على عدم ضمان المنافع الفائتة بإخبار الجارية المسروقة التي حكم الامام (عليه السلام) فيها بضمان خصوص النماء المستوفي كاللبن و الولد و الخدمة، دون ما فات منها، حيث إن مقتضى المقابلة عدم ضمان اللبن لو لم ينتفع به، كما إذا استأجر مرضعة للولد و لم يرتضع منها، فذهب لبنها هدرا.

مضافا إلى: التصريح بالأعمّيّة في بعض الكلمات كقول العلّامة (قدّس سرّه): «و يضمنه و ما يتجدّد من منافعه، الأعيان أو غيرها، .. إلخ» (1).

و عليه فلم يتّضح وجه اختصاص المنفعة الفائتة بالحكمية، مع عموم المدّعى و الدليل، فلاحظ.

____________

(1) قواعد الأحكام، ص 81، السطر 27، (الطبعة الحجرية) و نحوه تصريح المحقق في منافع المغصوب، و إطلاقه في منافع المبيع فاسدا، فراجع شرائع الإسلام، ج 3، ص 244 و 245

252

فالمشهور فيها (1) أيضا (2) الضمان. و قد عرفت (3) عبارة السرائر المتقدّمة.

____________

الحكميّة كسكنى الدار و الأعمال المحترمة المملوكة كخدمة العبد.

و كيف كان فقد أفاد المصنّف (قدّس سرّه) أنّ الأقوال في حكم المنافع الفائتة خمسة:

أوّلها: الضمان، و هو المشهور، بل المدّعى عليه الإجماع.

ثانيها: العدم و هو الظاهر من فخر المحققين (قدّس سرّه).

ثالثها: التفصيل بين علم البائع بالفساد و جهله به، بالضمان في الثاني و بالعدم في الأوّل.

رابعها: التوقّف في صورة علم البائع بالفساد، و الضمان في صورة الجهل.

خامسها: التوقّف عن الحكم بالضمان، و بعدمه مطلقا سواء علم البائع بالبطلان أم لم يعلم.

و اضطربت كلمات المصنّف في المسألة، فاختار القول الأوّل في بدء كلامه، و استدلّ له بوجهين، ثم ناقش فيهما، ثم رجّح القول الثاني لوجوه ثلاثة تقتضي عدم الضمان، ثم جعل التوقّف هو الإنصاف في المسألة، ثم رجّح في آخر كلامه القول الأوّل و هو الضمان مطلقا. و ستأتي الوجوه بالترتيب إن شاء اللّه تعالى.

(1) أي: في المنفعة الفائتة، و هذا شروع في القول الأوّل في المسألة.

(2) يعني: كالمنافع المستوفاة التي تقدّم أنّ المشهور فيها هو الضمان.

(3) يعني: في أوّل بحث المقبوض بالبيع الفاسد، حيث قال: «و في السرائر: أنّ البيع الفاسد يجري عند المحصّلين مجرى الغصب» و غرض المصنّف من الإشارة إلى كلام ابن إدريس (قدّس سرّه) هو استفادة الإجماع المنقول على ضمان المنافع الفائتة في المقبوض بالبيع الفاسد. و ذلك لمساواته للمغصوب في ما عدا حرمة الإمساك، و لمّا كانت المنافع الفائتة مضمونة في باب الغصب فهي كذلك في المقام.

و على هذا فالمدّعى و إن كان شهرة القول بالضمان في المنفعة غير المستوفاة، إلّا أنّ من يعتمد على الإجماع المنقول بخبر الواحد يلزمه الأخذ به، و لا سبيل له إلى القول بعدم الضمان أو التوقّف فيه.

253

و لعلّه (1) لكون المنافع أموالا في يد من بيده العين، فهي مقبوضة في يده،

____________

(1) أي: و لعلّ الضمان، و هذا استدلال للقول المشهور، و المذكور منه في المتن وجهان:

الوجه الأوّل: قاعدة اليد، فإنّها كما تجري في الأعيان و تثبت ضمانها، كذلك تجري في المنافع، و ذلك لأمرين مسلّمين:

أحدهما: أنّ المنافع أموال حقيقة، لما تقدّم في أوّل بحث البيع من جواز كون الثمن منفعة، مع أنّه تعتبر ماليّة العوضين، لوضوح كون البيع مبادلة مال بمال.

ثانيهما: أنّ المناط في ضمان العين- و هو قبضها و الاستيلاء عليها- متحقق في المنافع أيضا، حيث إنّها مقبوضة بقبض العين. و الدليل على صدق «القبض» على المنفعة ما ذكروه في مسألتين:

الأولى: أنّ الإجارة هي «تمليك منفعة بعوض» فيجب على الموجر تسليم المنفعة إلى المستأجر وفاء بالعقد، و من المعلوم أنّ قبضها يكون بقبض العين، فإذا أقبض الموجر داره للمستأجر فقد أقبضه سكناها. و لو لم تكن المنافع قابلة لوقوعها تحت اليد لم يكن مجرّد تسلّم المستأجر للدار استيلاء على سكناها. مع أنّه لا ريب في دخول المنفعة في ضمان المستأجر، و ثبوت الأجرة عليه بنفس تسلّطه على العين.

و هذا كاشف عن قابلية المنافع للقبض كالأعيان.

الثانية: أنّهم اعتبروا في بيع السّلم قبض الثمن في مجلس العقد، و جوّزوا وقوع المنافع المملوكة ثمنا- كسكنى الدار و خدمة العبد و الجارية- كما إذا باع طنّا من الحنطة سلفا و جعل المشتري خدمة الجارية سنة عوضا عنه، فحكموا بصحته، و أنّ تسليم الجارية- لينتفع البائع بخدمتها- تسلّم للثمن حقيقة. و هذا كاشف عن قابليّة المنافع للقبض و الوقوع تحت اليد، و لو لا بالاستقلال بل بتبع الأعيان. و لو اختصّ القبض و الاستيلاء بالأعيان الخارجيّة لزم بطلان عقد السّلم في الفرض المزبور، مع أنّ ظاهرهم صحته بلا ريب.

254

و لذا (1) يجري على المنفعة حكم المقبوض إذا قبض العين، فتدخل المنفعة في ضمان المستأجر (2). و يتحقّق (3) قبض الثمن في السّلم بقبض الجارية المجعول خدمتها ثمنا، و كذا (4) الدار المجعول سكناها ثمنا.

مضافا (5) إلى أنّه مقتضى احترام مال المسلم، إذ كونه في يد غير مالكه

____________

و بهذا يتّجه الاستدلال بحديث «على اليد» على ضمان المنافع مطلقا سواء استوفيت أم فاتت. هذا تقريب الدليل الأوّل، و سيأتي تقريب الدليل الثاني و هو قاعدة الاحترام.

(1) يعني: و لأجل كون المنافع أموالا في يد من بيده العين يجري على المنفعة حكم المقبوض إذا قبض العين. و غرضه (قدّس سرّه) الاستشهاد بما ذكره الفقهاء في المسألتين المتقدّمتين آنفا.

(2) هذا إشارة إلى المسألة الأولى، فإنّ المنفعة في باب الإجارة تكون كالمبيع، فكما يكون المبيع في ضمان البائع قبل إقباضه للمشتري، فكذا المنفعة تكون في ضمان الموجر قبل تسليم العين إلى المستأجر. و أمّا بعد التسليم فتدخل في ضمانه، و لو تلفت و لم يستوفها فقد تلفت من ماله لا من مال الموجر. و الغرض من هذا الفرع صدق قبض المنفعة بقبض العين.

(3) هذا إشارة إلى المسألة الثانية، و هي جعل المنفعة المملوكة ثمنا في بيع السّلم، سواء أ كانت سكنى دار أم كتابة عبد أم خدمة جارية، فيتحقّق قبض الثمن فيها بقبض الجارية أو العبد أو الدار. و لو كانت «اليد» مختصّة بالأعيان أشكل جواز وقوع هذه المنافع ثمنا في بيع السّلم.

(4) معطوف على «الجارية» يعني: يتحقق قبض الثمن بقبض الدار المجعول سكناها ثمنا في السّلم. و الجامع بين منفعة الدار و خدمة الجارية هو كونهما حيثيتين قائمتين بالعين و هي الدار و الجارية.

(5) هذا إشارة إلى الدليل الثاني على ضمان المنافع الفائتة في المقبوض بالبيع‌