هدى الطالب في شرح المكاسب‌ - ج3

- السيد محمد جعفر المروج الجزائري المزيد...
629 /
255

مدّة طويلة (1) من غير اجرة مناف (2) للاحترام.

لكن يشكل الحكم (3)- بعد تسليم كون المنافع أموالا

____________

الفاسد، و هو قاعدة احترام مال المسلم. و تقريبها- بعد صدق المال على المنفعة- أنّ احترام المسلم و شرفه يقتضيان حرمة التصرّف في ماله بدون إذنه، و حرمة حبسه عن مالكه مدّة طويلة من غير اجرة في قبال منافعه، سواء استوفى ذلك الغير منفعته أم لا. و عليه فاحترام ماله يقتضي ضمان بدل ما تلف منه أو فات بيد الغير، فلا احترام لماله بدون الضمان.

(1) الظاهر أنّه لا خصوصيّة لطول المدة، إذ المناط في الضمان فوت المنفعة التي يبذل بإزائها المال، و لعلّ ذكرها من جهة الترديد في صدق «فوت المال» على فوات المنفعة في مدّة قصيرة، كإشغال دار الغير ساعة أو أقلّ.

(2) خبر قوله: «كونه».

(3) يعني: يشكل الضمان الذي ذهب إليه المشهور. و غرض المصنّف المناقشة في الدليلين المتقدّمين. و حاصل الاشكال على الأوّل أمران:

أحدهما: أنّ الموصول في «ما أخذت» هو المال، و لم يحرز صدق «المال» على المنافع حتى تندرج في الضمان اليديّ. فيحتمل اختصاصه بالأعيان المتموّلة، و يكفي في شبهة شمول المال للمنافع كلام ابن الأثير المنقول في اللسان: «المال في الأصل ما يملك من الذهب و الفضّة، ثم أطلق على كلّ ما يقتني و يملك من الأعيان، و أكثر ما يطلق المال عند العرب على الإبل، لأنّها كانت أكثر أموالهم» (1) لظهور قوله: «من الأعيان» في عدم ماليّة المنافع و الحقوق.

و عليه فالمنافع خارجة عن حديث «على اليد» موضوعا، و لا بدّ من التماس دليل آخر على ضمانها.

ثانيهما: أنّ مجرّد صدق «المال» على المنفعة لا يكفي في الضمان ما لم تندرج تحت‌

____________

(1) لسان العرب، ج 11، ص 636

256

..........

____________

عموم قاعدة «على اليد» و المفروض عدم اندارجها تحته، لأنّ صلة الموصول في قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «ما أخذت» لا تشمل المنافع، لظهوره في كون المأخوذ باليد قابلا- بنفسه- للرّدّ و الأداء، و لا يكون ذلك إلّا عينا، فإنّها تؤخذ و تردّ. بخلاف المنفعة، لكونها حيثيّة قائمة بالعين، و ليست بنفسها قابلة للأخذ و الرّدّ، هذا.

فإن قلت: قد تقدّم في مسألتي الإجارة و بيع السّلم تحقق قبض المنفعة بقبض العين، و معه لا وجه لمنع شمول الصلة- و هي «أخذت»- للمنفعة، و دعوى اختصاصها بالأعيان. فإمّا أن يقال: بصدق الأخذ على المنفعة بتبع وضع اليد على العين، و مقتضاه دلالة الحديث على ضمان المنافع حتى الفائتة منها. و إمّا أن يقال: بأنّ ما يقبل الأخذ و القبض هو خصوص العين، و مقتضاه الإشكال في المسألتين المتقدّمتين، لأنّ الكلّ من باب واحد، هذا.

قلت: إنّ المنفعة تحصل في اليد و تقبض بقبض العين، و لذا يصحّ وقوعها ثمنا في بيع السّلم، و يتحقّق قبضها بتسليم العين ذات المنفعة، و لكن لا يصدق «أخذ المنفعة» عند وضع اليد على العين، فالأخذ أضيق مفهوما من القبض، لأعمّيّته، لصدقه على كلّ من المقبوض استقلالا، و المقبوض تبعا. بخلاف الأخذ الظاهر في المأخوذ بالأصالة.

و بهذا ظهر الفرق بين المسألتين و بين المنافع الفائتة، لعدم صدق «الأخذ» عليها حتى تندرج في حديث «على اليد ما أخذت حتى تؤدّي».

فإن قيل: لا وجه لاختصاص صلة الموصول- و هي: أخذت- بالأعيان التي تتناولها الجارحة الخاصّة، و إلّا يلزم عدم شمول الحديث لوضع اليد على الأموال غير المنقولة كالبساتين و الدور و الدكاكين، مع أنّه لا ريب في تحقق وضع اليد بمجرّد الاستيلاء عليها. و هذا يكشف عن عدم إرادة معنى «الأخذ» حقيقة، و إنّما هو كناية عن مطلق الاستيلاء. و بناء على هذا المعنى الكنائي نقول بصدق الاستيلاء على كلّ من العين و المنفعة، و يتعيّن حينئذ الحكم بضمان المنافع الفائتة كالمستوفاة، هذا.

257

حقيقة (1)- بأنّ (2) مجرّد ذلك (3) لا يكفي في تحقّق الضمان، إلّا (4) أن يندرج في عموم

____________

قلنا: لا ريب في صدق «الأخذ» على الاستيلاء على الأعيان غير المنقولة كالدار و البستان، لكنّه لا يوجب شموله للمنفعة أيضا، و ذلك فإنّ الأخذ و إن كان كناية عن الاستيلاء، إلّا أنّ الاستيلاء الحقيقيّ على شي‌ء يقتضي أن يكون المستولي عليه موجودا حقيقيّا قارّا، سواء أ كان الاستيلاء عليه باليد كالمفتاح و الكتاب و نحوهما ممّا يتناول بالجارحة الخاصة، أم بالتصرّف فيه بالجلوس و المشي و سائر أنحاء التقلّب.

و أمّا المنفعة التي لا وجود لها بالفعل حين الاستيلاء على العين- بل إمّا توجد تدريجا على تقدير الاستيفاء، و إمّا لا توجد أصلا على تقدير الفوات- فلا وجه للتكلّف في صدق «الاستيلاء» عليها بمجرّد الاستيلاء على العين، لما عرفت من أنّها معدومة فعلا، فكيف يستولي عليها؟.

و الحاصل: أنّ حديث «على اليد» لا يشمل المنافع الفائتة، لمنع صدق الموصول عليها، فالاستدلال به على ضمانها مشكل. و ستأتي المناقشة في الاستدلال بقاعدة الاحترام.

(1) هذا إشارة إلى أوّل الإشكالين على الاستدلال بقاعدة اليد. و مقصوده بقوله: «حقيقة» أنّ المناط في شمول القاعدة للمنافع هو صدق «المال» بمعناه الحقيقيّ عليها، و إلّا فلا عبرة بعدّها من الأموال بالمسامحة و العناية كما هو واضح.

(2) هذا هو الإشكال الثاني على الاستدلال بقاعدة اليد، و قد عرفته آنفا.

(3) أي: مجرّد كون المنافع أموالا حقيقة لا يكفي في ضمان المنافع الفائتة.

(4) متعلّق بقوله: «لا يكفي» و هذا تمهيد لبيان عدم شمول الصّلة للمنافع، لعدم قابليّتها للأخذ.

258

«على اليد ما أخذت». و لا إشكال (1) في عدم شمول صلة الموصول للمنافع.

و حصولها (2) في اليد بقبض العين لا يوجب صدق الأخذ [1].

____________

(1) يعني: و الحال أنّه لا إشكال في عدم شمول «أخذت» للمنافع، لما عرفت آنفا.

(2) مبتدأ خبره «لا يوجب» و غرض المصنّف من هذا بيان الفارق بين المنافع الفائتة و بين مسألتي الإجارة و ثمن بيع السّلم، بصدق قبض المنفعة فيهما بقبض العين، دون المقام، حيث إنّ دليل الضمان هو حديث اليد المشتمل على مادّة «الأخذ» و هي غير صادقة على المنفعة. و قد تقدم توضيح المطلب بقولنا: «فان قلت .. قلت» فلاحظ.

____________

[1] لم يظهر الفرق بين قبض المنافع في الإجارة و أخذها هنا، لأنّ الأخذ و الحصول في اليد المعبّر عنه بالقبض متقاربان، بل هما بمعنى، ففي اللسان: «أخذت الشي‌ء آخذه أخذا: تناولته» (1) و قال في القبض: «قبضت الشي‌ء قبضا: أخذته ..

و القبض: التناول للشي‌ء بيدك ملامسة» (2).

و عليه فلم يتّضح الفارق بين القبض و الأخذ حتى يصدق الأوّل على المنفعة و لو بتبع الاستيلاء على العين، دون الثاني.

و توجيه المطلب بما في حاشية سيّدنا الأستاد (قدّس سرّه) من «أنّ الأخذ إذا أخذ موضوعا لحكم شرعي لا يكفي في تحقّقه القبض بالتبع تشبّثا بإطلاق: ما أخذت» (3) لا يخلو عن غموض أيضا إذا لو كان القبض التبعي مسامحيّا أشكل صدق القبض في بابي الإجارة و السّلم أيضا، لعدم العبرة بالمسامحات العرفية في مقام التطبيق. و لو كان القبض التبعيّ حقيقيّا لزم صدقه على المنفعة في المقام، بعد ترادف الأخذ و القبض لغة، فالفرق بينهما غير متّضح، هذا.

____________

(1) لسان العرب، ج 3، ص 472

(2) لسان العرب، ج 7، ص 214

(3) نهج الفقاهة، ص 136

259

و دعوى (1) «أنّه كناية عن مطلق (2) الاستيلاء الحاصل في المنافع بقبض الأعيان» مشكلة.

و أمّا احترام مال المسلم فإنّما (3) يقتضي عدم حلّ التصرّف فيه و إتلافه بلا عوض، و إنّما يتحقّق ذلك (4) في الاستيفاء.

____________

(1) غرض المدّعي إثبات شمول الحديث للمنفعة مع الغضّ عن صدق قبضها بقبض العين، بل لأنّ «الأخذ» هنا بمعنى الاستيلاء كناية، و من المعلوم صدق الاستيلاء عرفا على كلّ من العين و المنفعة.

و قد منع المصنّف (قدّس سرّه) هذه الدعوى بقوله: «مشكلة» و تقدم توضيحهما بقولنا:

«فان قيل .. قلنا».

(2) هذه الكلمة قرينة على أنّ «الأخذ» و إن كان بمعنى الاستيلاء في الجملة حتى يتحقّق ذلك بالنسبة إلى ما لا ينقل من الأموال، إلّا أنّه لا موجب للتوسعة في معناه بجعل الأخذ كناية عن مطلق الاستيلاء كي تندرج المنافع في الحديث، لكون هذا المفهوم العامّ خلاف الظاهر، فلا يصار إليه بلا قرينة.

(3) هذا إشكال المصنّف على الاستدلال بقاعدة الاحترام لضمان المنافع الفائتة، و حاصل الاشكال: أنّ ظاهر القاعدة ضمان المنافع المستوفاة، لأنّ الإتلاف عبارة عن إعدام الموجود، و هو لا يتحقّق إلّا في استيفاء المنافع و إتلاف الأعيان، فيقال: إنّ حرمة مال المسلم تقتضي ضمان من أتلفه لئلّا يذهب هدرا، كما أنّ دمه لا يذهب هدرا، و من المعلوم أجنبيّة هذا المعنى عن ضمان المنافع الفائتة، فإنّها تالفة لا متلفة حتى يلزم تداركها ببدلها.

و قد تحصّل: أنّه لا مقتضي للقول المشهور من ضمان المنفعة الفائتة في المبيع بالبيع الفاسد، لما عرفت من الخدشة في الدليلين، و هما قاعدتا اليد و الاحترام.

(4) أي: إنّما يتحقّق التصرّف فيه و إتلافه فيما إذا استوفى المنفعة، و هذا خارج عن محلّ البحث و هو المنفعة الفائتة.

260

فالحكم (1) بعدم الضمان مطلقا (2) كما عن الإيضاح، أو مع علم البائع بالفساد، كما عن بعض آخر (3) موافق (4) للأصل (5) السليم.

مضافا إلى: أنّه قد يدّعى (6) شمول قاعدة «ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن

____________

(1) غرضه (قدّس سرّه)- بعد إبطال المقتضي للضمان- إبداء المقتضي لعدم الضمان وفاقا لفخر المحققين، و هذا المقتضي لنفي الضمان أمور ثلاثة:

أوّلها: الأصل السليم عن الحاكم و المعارض.

و ثانيها: قاعدة «ما لا يضمن».

و ثالثها: أخبار بيع الجارية المسروقة التي ضمّنت المشتري خصوص المنافع المستوفاة، و سيأتي بيانها.

(2) أي: مع علم البائع بالفساد و جهله به، فالإطلاق في قبال تفصيل بعض بين صورتي العلم و الجهل.

(3) لعلّ مراده من البعض هو العلّامة في القواعد، حيث استشكل في ضمان المنافع الفائتة. فقال: «و لا يملك المشتري ما يقبضه بالبيع الفاسد، و يضمنه و ما يتجدّد من منافعه، الأعيان أو غيرها، مع جهل البائع أو علمه مع الاستيفاء، و بدونه إشكال» (1) بناء على ما فهمه المحقّق الكركيّ من العبارة من جعل مورد الاشكال علم البائع بالفساد و عدم استيفاء المشتري للمنفعة، فراجع.

(4) خبر قوله: «فالحكم».

(5) و هو أصالة البراءة عن الضمان عند فوت المنفعة بيد المشتري، و لا معارض لهذا الأصل من دليل اجتهاديّ أو أصل عمليّ.

(6) هذا وجه آخر استدل به بعضهم على عدم ضمان المنفعة الفائتة في المقبوض بالبيع الفاسد، و هو مبنيّ على اختصاص قاعدتي «ما يضمن و ما لا يضمن» بمصبّ العقد و مورده، على ما سبق من المصنّف (قدّس سرّه) التنبيه عليه، و فرّع عليه عدم ضمان العين‌

____________

(1) قواعد الأحكام، ص 81، السطر 27 (الطبعة الحجرية).

261

بفاسده» و من المعلوم (1) أنّ صحيح البيع لا يوجب ضمانا للمشتري للمنفعة، لأنّها (2) له مجّانا. و لا يتقسّط (3) الثمن عليها. و ضمانها (4) مع الاستيفاء لأجل الإتلاف، فلا ينافي القاعدة المذكورة، لأنّها (5) بالنسبة إلى التلف لا الإتلاف.

____________

المستأجرة بالإجارة الفاسدة، بدعوى: أنّ متعلّق المعاوضة فيها هو المنفعة، فتندرج العين في قاعدة «ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده».

و كذا يقال في المقام: بأنّ صحيح البيع لا يوجب ضمان المشتري للمنفعة، حيث إنّ الضمان المعاوضيّ يقع بين المبيع و الثمن، و منافع المبيع ليست طرفا للمعاوضة و لا تقابل بشي‌ء من الثمن، فلا تضمن لو تلفت و فاتت. كما أنّ العين المستأجرة لا تضمن لو تلفت بيد المستأجر.

نعم إتلاف العين و استيفاء المنفعة يوجب الضمان، لقاعدة الإتلاف، و هذا لا ينافي قاعدة «ما لا يضمن» المختصّة بمورد التلف، لا الإتلاف كما لا يخفى.

(1) هذا تقريب شمول قاعدة «ما لا يضمن» للمنفعة الفائتة، و قد عرفته آنفا.

(2) يعني: لأنّ المنفعة تكون للمشتري مجّانا، لكون تمام الثمن بإزاء نفس العين.

(3) بأن يكون مقدار من الثمن بإزاء العين، و مقداره بإزاء المنفعة حتى تندرج المنافع- كنفس العين- في قاعدة «ما يضمن» ليكون نتيجة تقسيط الثمن ضمان منافع المبيع بالبيع الفاسد سواء استوفيت أم فاتت.

(4) مبتدأ خبره «لأجل» و غرضه دفع توهّم المنافاة بين نفي الضمان للمنافع بقاعدة «ما لا يضمن» و بين الالتزام بالضمان في استيفائها، و قد عرفت تقريبه بقولنا:

«نعم إتلاف العين ..».

(5) يعني: لأنّ قاعدة «ما لا يمضن» نافية للضمان في مورد التلف، و لا تتعرّض لحال الإتلاف أصلا حتى يتحقق التنافي بينها و بين ما يوجب الضمان كالإتلاف و الاستيفاء.

262

مضافا إلى الأخبار (1) الواردة في ضمان المنافع المستوفاة من الجارية

____________

(1) هذا ثالث الوجوه المستدلّ بها على عدم ضمان المنافع الفائتة، و محصّله:

استفادة عدم الضمان من السكوت في مقام بيان مورد الضمان في الجارية المسروقة، ثم إثباته في المقبوض بالبيع الفاسد بالأولويّة القطعيّة، فهنا أمران ينبغي توضيحهما.

الأوّل: أصل دلالة الأخبار على عدم ضمان المنفعة الفائتة في مورد بيع الجارية المسروقة.

الثاني: أولويّة المقام بعدم الضمان.

أمّا الأوّل فبيانه: أنّه قد ورد في جملة من الأخبار سؤال الراوي عن حكم جارية مسروقة بيعت، فاستولدها المشتري و انتفع بلبنها و خدمتها، فحكم (عليه السلام) بضمان قيمة الولد و اللبن و اجرة مثل خدمتها من طبخ و كنس و طحن و نحوها من المنافع التي استوفاها المشتري في المدّة التي مكثت عنده، كقوله (عليه السلام)- كما في خبر زرارة-: «و يعوّضه في قيمة ما أصاب من لبنها و خدمتها» (1) و سكت (عليه السلام) عن ضمان منافعها الفائتة، مع كون السائل بصدد استعلام وظيفته الفعليّة و ما تشتغل عهدته به، و من المعلوم أنّ السكوت في مقام البيان بيان العدم.

فإن قلت: إنّ كون هذه الأخبار ناظرة إلى المنفعة الفائتة حتى يستفاد عدم ضمانها من السكوت محلّ تأمّل، لأنّه (عليه السلام) اقتصر على بيان ضمان قيمة الولد و المنافع المستوفاة، و لم يفرض فوت بعض منافع الجارية حتى يتحقق موضوع للكبرى المقرّرة، و هي: أنّ السكوت في مقام البيان بيان العدم.

قلت: ليس كذلك، لأنّ مورد السؤال منزّل على المتعارف، و لا ريب في أنّ للجارية منافع يستوفى بعضها و يفوت بعضها الآخر، و ليست تستخدم بمثابة لا يفوت شي‌ء من منافعها. و لو شكّ كفى استفادة الإطلاق من ترك الاستفصال،

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 14، ص 592، الباب 88 من أبواب نكاح العبيد و الإماء، الحديث 4، و قد تقدم في ص 49 و 50 نقل بعض هذه الأخبار، فراجع.

263

المسروقة المبيعة الساكتة (1) عن ضمان غيرها (2) في مقام البيان [1].

____________

إذ لم يسأل (عليه السلام) عن أنّ المشتري هل استخدمها في تمام منافعها أم في مقدار منها؟

و عليه ففوت المنفعة مفروض في الرّواية، و يتّجه الاستدلال بسكوته (عليه السلام) عن ضمان المنافع الفائتة، و اقتصاره على ضمان المستوفاة.

و أمّا الأمر الثاني- و هو الأولويّة- فتقريبه: أنّ الأخبار الواردة في بيع الجارية المسروقة لم تضمّن المشتري عوض المنفعة الفائتة، مع كون موردها شراءها من الغاصب الأجنبيّ عن المالك، و كون مقتضى أخذ الغاصب بأشقّ الأحوال هو ضمان المشتري للمنفعة الفائتة أيضا ليرجع على الغاصب من جهة غروره. فإذا كان البائع مالكا للجارية كان عدم ضمان المشتري أولى قطعا، لأنّ المالك أقدم على البيع و تسليمها إلى المشتري.

هذا تمام الكلام في تقريب دلالة هذه الطائفة على انتفاء الضمان في المنفعة الفائتة. و كذا الكلام في رواية أخرى و هي صحيحة محمّد بن قيس الآتية.

(1) صفة ل‍ «الأخبار» و هذا إشارة إلى الكبرى المقرّرة في الأصول من: أنّ السكوت في جواب السؤال عن الوظيفة الفعليّة دليل على عدم الحكم، ففي المقام لو كان المشتري ضامنا لبيّنه الإمام (عليه السلام)، لئلّا يلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، مع عدم حكمة ظاهرة في تأخيره.

(2) أي: غير المنافع المستوفاة، و هذا الغير هو المنافع الفائتة.

____________

[1] قد يقال: إنّ تلك الأخبار ليست في مقام بيان حكم المنافع من حيث الضمان و عدمه، و التعرّض لدفع قيمة الولد إلى مالك الجارية إنّما هو لدفع توهم رقيّة الولد و كونه ملكا لمالك الجارية، لأنّه نماء ملكه. و لو كانت في مقام بيان حكم المنافع فلا بدّ من بيان ضمان المنافع المستوفاة التي هي مضمونة على مستوفيها قطعا، و من المعلوم عدم التعرّض لها مع استيفائها عادة، كخدمة الجارية في المدّة التي كانت عند المشتري.

264

و كذا (1) صحيحة محمّد بن قيس الواردة في من باع وليدة أبيه بغير إذنه،

____________

(1) معطوف على «الأخبار» و مقصوده أنّ الأمرين المتقدمين في تلك الأخبار- من السكوت و الأولويّة- جاريان في صحيحة محمّد بن قيس أيضا، فالتقريب مشترك بينهما.

أمّا الصحيحة فقد رواها شيخ الطائفة بإسناده عن علي بن الحسن بن فضّال، عن سندي بن محمّد و عبد الرحمن بن أبي نجران، عن عاصم بن حميد، عن محمّد بن قيس، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «قضى في وليدة باعها ابن سيّدها و أبوه غائب، فاشتراها رجل، فولدت منه غلاما، ثم قدم سيّدها الأوّل، فخاصم سيّدها الأخير، فقال هذه وليدتي باعها ابني بغير إذني. فقال: خذ وليدتك و ابنها. فناشده المشتري، فقال: خذ ابنه- يعني الذي باع الوليدة- حتى ينفذ لك ما باعك. فلمّا أخذ البيّع الابن قال أبوه: أرسل ابني. فقال: لا أرسل ابنك حتى ترسل ابني، فلمّا رأى سيّد الوليدة الأوّل أجاز بيع ابنه» (1).

و سيأتي الكلام في مفاد الصحيحة في بيع الفضول إن شاء اللّه تعالى. إلّا أنّ‌

____________

لكن فيه: أنّ أخبار الباب متعدّدة، و قد صرّح في بعضها بضمان خدمتها. كما أدرجناه في التوضيح، و معه لا مجال لدعوى اختصاص القيمة بالولد لأجل دفع توهّم رقيّة الولد و كونه ملكا لسيّد الجارية، فلاحظ.

و لم يظهر من المتن اعتماد المصنّف (قدّس سرّه) على خصوص الرواية المتضمّنة لقيمة الولد حتى يتّجه ما ذكر، بل مقصوده الاستدلال بمجموعها، و قد عرفت اشتمال بعضها على ضمان ما أصاب من خدمتها، و هو المنفعة المستوفاة، فيبقى مجال استفادة عدم ضمان المنفعة الفائتة من السكوت.

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 14، ص 591، الباب 88 من أبواب نكاح العبيد و الإماء، الحديث: 1، و رواه ثقة الإسلام بسنده، و فيه «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام)».

265

فقال (عليه السلام): «الحكم أن يأخذ الوليدة و ابنها» و سكت عن المنافع الفائتة. فإنّ (1) عدم الضمان في هذه الموارد (2)- مع كون العين لغير البائع (3)- يوجب عدم الضمان هنا (4) بطريق أولى.

و الانصاف أنّ للتوقّف في المسألة- كما في المسالك تبعا للدروس و التنقيح (5)- مجالا.

____________

المقصود من نقلها فعلا دلالتها على عدم ضمان ما فات من الجارية المبيعة بغير إذن مالكها. فإنّه (عليه السلام) قضى أوّلا للمالك بأخذ الجارية من المشتري، و كذا ولدها الذي هو منفعتها، و لم يضمّن المشتري ما فات من منفعتها في المدّة التي كانت عنده. و حيث إنّ الصحيحة في مقام بيان الوظيفة الفعليّة كان اقتصاره على ضمان قيمة الولد دليلا على عدم استقرار عوض المنفعة الفائتة على عهدة المشتري. هذا تقريب أصل الدلالة.

و أمّا أولويّة المقام- و هو البيع الفاسد مع إقدام المالك على البيع- فقد تقدّمت آنفا.

(1) هذا تقريب الأولويّة، و أمّا الدلالة على عدم ضمان المنفعة الفائتة فمنشؤها السكوت.

(2) يعني: مورد الصحيحة و موارد بيع الجارية المسروقة، لظهورها في تعدّد الواقعة، لأنّ المسؤول في بعض الأخبار أبو جعفر (عليه السلام)، و في بعضها أبو عبد اللّه (عليه السلام).

(3) يعني: ليس المبيع ملكا للبائع، إذ البائع فضول، إمّا غاصب كما في الجارية المسروقة، و إمّا غير غاصب كما في صحيحة محمّد بن قيس.

(4) أي: في المقبوض بالبيع الفاسد، إذ قد ينشأ الفساد من اختلال بعض شروط الصيغة خاصّة، مع اجتماع شروط العوضين و المتعاقدين، بأن يكونا مالكين أو مأذونين في التصرّف. هذا تمام الكلام في وجه عدم الضمان و سيأتي التوقّف في المسألة.

(5) قال الفاضل المقداد (قدّس سرّه): «و أمّا مع الفوات فوجهان، من أصالة البراءة، و من أنّها منافع عين مضمونة فتضمن» (1).

____________

(1) التنقيح الرائع، ج 2، ص 32

266

و ربّما (1) يظهر من القواعد في باب الغصب عند التعرّض لأحكام البيع الفاسد اختصاص الاشكال و التوقّف بصورة علم البائع، على ما استظهره السيد العميد و المحقّق الثاني من عبارة الكتاب (2)،

____________

و قال الشهيد (قدّس سرّه) في حكم البيع الفاسد: «و يرجع صاحب العين بمنافعها المستوفاة، فلو فاتت بغير استيفاء فوجهان» (1).

و قال الشهيد الثاني (قدّس سرّه): «و لو فاتت بغير استيفاء فوجهان» (2).

و لكنّه في موضع آخر من البيع رجّح الضمان فقال: «و كما تضمن العين تضمن منافعها؛ سواء استوفاها أم لا، على الأقوى» (3).

و كيف كان فقد جعل المصنّف (قدّس سرّه) هنا- و في عبارته الآتية قريبا- التوقّف مقتضى الإنصاف في المسألة، و لعلّه لأجل تمانع وجهي الضمان و عدمه لو تمّ المقتضي في كلّ منهما، بعد عدم ترجيح أحدهما على الآخر. لكنّه (قدّس سرّه) عدل عن هذا الإنصاف إلى القول المشهور و هو الضمان اعتمادا على الإجماع المصرّح به في التذكرة، و سيأتي.

(1) غرضه (قدّس سرّه) من هذه العبارة- إلى عدّ الأقوال في المسألة- هو: أنّ الأقوال في ضمان المنافع الفائتة أربعة، إلّا أنّ اختلاف شرّاح القواعد في الاستظهار من العبارة جعلها خمسة، ففخر المحقّقين (قدّس سرّه) جعل مصبّ إشكال العلّامة في ضمانها أعمّ من علم البائع بالفساد و جهله به، و لكنّ المحقّق الثاني و السيد العميد استظهرا من عبارة القواعد اختصاص التوقّف في ضمان المنافع الفائتة بما إذا علم البائع بالفساد، فلو كان جاهلا به كان ضامنا لها.

(2) يعني: عبارة كتاب القواعد، و هي قول العلّامة المتقدم في (ص 260) و فيه:

«و بدونه إشكال» فإن كان مرجع ضمير «بدونه» الاستيفاء، اتجه ما استظهره‌

____________

(1) الدروس الشرعية، ج 3، ص 194

(2) مسالك الأفهام، ج 3، ص 154

(3) المصدر، ص 174

267

و عن الفخر (1) حمل الإشكال في العبارة على مطلق صورة عدم الاستيفاء.

فيتحصّل (2) من ذلك كلّه أنّ الأقوال في ضمان المنافع غير المستوفاة خمسة.

____________

فخر المحقّقين من التوقّف في ضمان المنافع الفائتة مطلقا سواء علم البائع بالبطلان أم جهل به.

و إن كان مرجع الضمير الاستيفاء مع قيد «علمه» اتّجه ما استظهره المحقّق الثاني، إذ المعنى حينئذ: «انّه مع علم البائع بالفساد إذا فاتت المنفعة ففي الضمان إشكال و توقّف» فيتألّف موضوع توقّف العلّامة من أمرين: أحدهما علم البائع بالبطلان، و الآخر عدم استيفاء المشتري للمنفعة.

قال المحقّق الثاني في ضمان المنافع: «فلا تفاوت في كون المتجدّد في البيع عينا كالولد أو منفعة كسكنى الدار، و لا في كون البائع عالما بالفساد و جاهلا، و لا بين أن يستوفي المشتري فاسد المنفعة و عدمه، على إشكال في بعض الصور، و هو ما إذا علم البائع بفساد البيع و لم يستوف المشتري المنفعة» (1).

(1) الحاكي لكلام فخر المحققين هو السيّد الفقيه العاملي (قدّس سرّهما)، قال في الإيضاح- في شرح عبارة القواعد المتقدمة: «و بدونه إشكال»- ما لفظه: «ينشأ من تبعيّة الأصل، و لأنّ الأصل في قبض مال الغير الضّمان إلّا بسبب عدمه، و لم يثبت. و من أنّها لم تقبض بالبيع الفاسد و لا بالغصب. و الحقّ الثاني، لأنّ مال الغير يجدّد في يده بغير فعلهما، فكان كالثوب تطيره الريح» (2).

و ما ذكره (قدّس سرّه) من وجه عدم الضمان بقوله: «و من أنّها لم تقبض بالبيع الفاسد و لا بالغصب» جار في صورتي علم البائع بالفساد و جهله به، و مقتضاه أنّه فهم من عبارة والده توقّفه في ضمان المنافع الفائتة مطلقا بلا فرق بين العلم و الجهل.

(2) يعني: بعد أن اختلف شرّاح القواعد في مراد العلّامة (قدّس سرّه) من قوله: «و بدونه إشكال» فقد تحصّل أقوال خمسة في حكم المنافع الفائتة.

____________

(1) جامع المقاصد، ج 6، ص 324

(2) مفتاح الكرامة، ج 6، ص 305؛ إيضاح الفوائد، ج 2، ص 194

268

الأوّل: الضمان، و كأنّه للأكثر (1).

الثاني: عدم الضمان، كما عن الإيضاح (2).

الثالث: الضمان، إلّا مع علم البائع (3)، كما عن بعض من كتب على الشرائع.

الرابع: التوقّف (4) في هذه الصورة، كما استظهره جامع المقاصد و السيد العميد (1) من عبارة القواعد.

____________

إلّا أن يقال: بأن الأقوال ثلاثة، و التوقّف ليس قولا، بل هو تردّد في الحكم، فتأمّل.

(1) تقدم الاستدلال له بقاعدتي اليد و الاحترام، و ناقش فيهما المصنف، و بقي وجه آخر و هو الإجماع المنقول، فلا منافاة بين إنكار الضمان، للخدشة في القاعدتين، و بين إثباته للإجماع.

(2) و استدلّ عليه في عبارته المتقدّمة بقوله: «لأنّ مال الغير يجدّد في يده بغير فعلهما ..» و يمكن المناقشة فيه بأنّ المشتري قبض المبيع باختياره، و يكفي في قبض المنافع قبض العين، فقياس المقام بإطارة الريح في غير محلّه.

(3) لعلّ وجهه- كما عن بعض- أنّ البائع مع علمه بفساد البيع هو المقدم على تسليط المشتري على المنافع مجّانا، فلا وجه حينئذ لضمان المشتري للمنافع.

لكن فيه أوّلا: أنّ قضية هذا الوجه عدم ضمان المنافع مطلقا حتى المستوفاة منها، و هو كما ترى.

و ثانيا: أنّ مجرّد التسليط ليس رافعا للضمان، لا مكان بناء البائع تشريعا على صحّة المعاملة، و كون التسليم إلى المشتري بعنوان الوفاء بالمعاملة، فالتسليط معاوضيّ، و الرافع للضمان هو التسليط المجّانيّ و بلا عوض.

(4) و سيأتي إن شاء اللّه تعالى، في التعليقة وجهه و ضعفه.

____________

(1) جامع المقاصد، ج 6، ص 324؛ كنز الفوائد، ج 1، ص 676

269

الخامس: التوقّف مطلقا (1) كما عن الدروس و التنقيح و المسالك و محتمل القواعد، كما يظهر من فخر الدين.

و قد عرفت (2) أنّ التوقّف أقرب إلى الانصاف.

إلّا (3) أنّ المحكيّ عن التذكرة: «أنّ منافع الأموال من العبد و الثياب و العقار و غيرها مضمونة بالتفويت و الفوات تحت اليد العادية، فلو غصب عبدا أو جارية أو عقارا أو حيوانا مملوكا ضمن منافعه سواء أتلفها بأن استعملها، أو فاتت تحت يده، بأن بقيت مدّة في يده لا يستعملها، عند (4) علمائنا أجمع (5)».

____________

(1) يعني: مع علم البائع بالفساد و جهله به.

(2) حيث قال قبل أسطر: «و الانصاف أنّ للتوقّف في المسألة كما في المسالك .. إلخ».

(3) يعني: أنّ المانع عن التوقّف هو الإجماع الذي ادّعاه في التذكرة على ضمان الغاصب للمنافع مطلقا- من المستوفاة و غيرها- بعد البناء على كون يد المشتري فيما نحن فيه من اليد العادية خصوصا مع علمه بفساد العقد.

و كذا يظهر الإجماع من عبارة السرائر من قوله: «المنافع تضمن عندنا بالغصب» (1).

و تقدّم منه أيضا: «أن البيع الفاسد يجري عند المحصلين منزلة المغصوب إلّا في ارتفاع الإثم بإمساكه».

(4) هذا متعلّق بقوله: «مضمونة بالتفويت و الفوات» يعني: أنّ ضمان مطلق المنافع اتّفاقيّ.

(5) ثم قال العلّامة (قدّس سرّه): «و به قال الشافعيّ و أحمد بن حنبل، لأنّ المنافع مضمونة بالعقد الفاسد، فتضمن بالغصب كالأعيان .. إلخ» (2).

____________

(1) السرائر الحاوي، ج 2، ص 479

(2) تذكرة الفقهاء، ج 2، ص 381

270

و لا يبعد (1) أن يراد باليد العادية مقابل اليد الحقّة، فيشمل (2) يد المشتري فيما نحن فيه، خصوصا (3) مع علمه،

____________

(1) غرضه (قدّس سرّه) من هذا الاستظهار: أنّ عبارة التذكرة تحتمل وجهين:

أحدهما: اختصاص معقد الإجماع بباب الغصب، لأنّ المتيقّن من قوله: «تحت اليد العادية» هو الغصب الذي يكون استيلاء الغاصب اعتداء على مال الغير. و بناء على هذا الاحتمال يمتنع الاستدلال بإجماع التذكرة على ضمان المنفعة الفائتة في المبيع بالبيع الفاسد، و ذلك لتعدّد الموضوع، إذ ليست يد المشتري عادية حتّى تندرج في موضوع حكمهم بالضمان في منافع المغصوب.

ثانيهما: شمول «اليد العادية المضمّنة» للمقام، لوضوح أنّ اليد على مال الغير إمّا حقّة، لاستنادها إلى إذن مالكي أو شرعي، و إمّا عادية، و لا ثالث لهذين القسمين.

و لا ريب في أنّ يد المشتري- على المبيع بالبيع الفاسد- ليست حقّة واقعا، لفرض فساد السبب المملّك. نعم قد يزعم استحقاقه للتصرّف فيه في صورة الجهل بالفساد، لكن لا عبرة بهذا الاعتقاد، لأنّ المناط في جواز التصرّف تملّكه للمبيع واقعا. و حيث لم يدخل في ملكه كانت يده عادية و إن لم يعلم به المشتري.

و على هذا الاحتمال لا يختصّ الاعتداء على مال الغير بباب الغصب، بل تندرج منافع المبيع بالبيع الفاسد فيه، فتتّجه دعوى الإجماع على ضمان المنفعة الفائتة.

و استظهر المصنّف (قدّس سرّه) هذا الاحتمال الثاني، لما ذكرناه آنفا من صدق «اليد العادية» على كلا المقامين، و لا قرينة على الاختصاص بباب الغصب. بل في ما نقلناه من التذكرة قرينة على أنّ ضمان منافع المبيع فاسدا أوضح وجها من باب الغصب، فلاحظ قوله: «لأنّ المنافع مضمونة بالعقد الفاسد، فتضمن بالغصب».

(2) لعدم كون يد المشتري حقّة بعد فساد العقد واقعا.

(3) وجه الخصوصيّة: أنّه لو نوقش في صدق «اليد العادية» على يد المشتري الجاهل بفساد العقد- بأنّه يزعم استحقاق التصرّف في المبيع- فلا ريب في صدقها‌

271

سيّما (1) مع جهل البائع به.

و أظهر منه (2) ما في السرائر في آخر باب الإجارة من «الاتّفاق أيضا على ضمان منافع المغصوب الفائتة» (1) مع قوله في باب البيع: «انّ البيع الفاسد عند أصحابنا بمنزلة الشي‌ء المغصوب إلّا في ارتفاع الإثم عن إمساكه» (2) انتهى.

و على هذا (3) فالقول بالضمان لا يخلو عن قوّة، و إن كان المتراءى من ظاهر

____________

على يده عند علمه بالفساد، لاعتقاده حينئذ بأنّ استيلاءه على المبيع اعتداء على البائع.

(1) وجه الخصوصيّة: أنّ البائع العالم بفساد البيع ربما يرضى بتسلّط المشتري على المبيع، فيشكل صدق «اليد العادية» على يد المشتري. و أمّا مع جهل البائع بالفساد و علم المشتري به فلا ريب في صدق الاعتداء كما تقدّم آنفا.

(2) يعني: و أظهر من كلام التذكرة- في دعوى الإجماع على ضمان المنافع مطلقا استوفيت أم فاتت- كلام ابن إدريس (قدّس سرّه) بعد ضمّ كلامه في باب البيع الفاسد إلى ما أفاده في الغصب من تصريحه بضمان المنفعة الفائتة. فيتحصّل منه الإجماع على ضمانها في البيع كالغصب.

و وجه أظهريّة عبارة السرائر في الإجماع على ضمان المنافع الفائتة هو أنّ تعبير العلّامة باليد العادية يحتمل وجهين كما ذكرناه، لكن تعبير ابن إدريس بضمان منافع المغصوب و كون البيع الفاسد بمنزلة المغصوب لا يقبل الحمل على معنى آخر.

(3) أي: و بناء على الإجماع الذي حكاه ابن إدريس و العلّامة فالقول بالضمان قويّ.

____________

(1) السرائر الحاوي، ج 2، ص 479

(2) المصدر، ص 326

272

صحيحة أبي ولّاد (1) اختصاص الضمان (1) في المغصوب بالمنافع المستوفاة من البغل المتجاوز به إلى غير محلّ الرخصة.

____________

(1) غرضه (قدّس سرّه) دفع توهّم يورد به على الحكم بضمان المنافع الفائتة في البيع الفاسد. و محصّل التوهّم: أنّ صحيحة أبي ولّاد الواردة في البغل المغصوب خصّت الضمان بالمنافع المستوفاة، فحكم الإمام أبو عبد اللّه جعفر بن محمّد الصادق (عليهما السلام) على أبي ولّاد بضمان اجرة مثل كراء البغل بالنسبة إلى خصوص المنفعة المستوفاة، لقوله (عليه السلام): «أرى له عليك مثل كراء البغل ذاهبا من الكوفة إلى النيل، و مثل كرى البغل من النيل إلى بغداد، و مثل كرى البغل من بغداد إلى الكوفة، توفيه إيّاه» و سكت (عليه السلام) عن ضمان ما فات من منفعة البغل في المدّة، فإنّ قطع هذه المسافة يتحقق بأقلّ من خمسة عشر يوما، فيتراءى من ذلك أنّ ذمّته لم تشتغل إلّا بأجرة المنافع التي استوفاها من البغل، دون ما لم يستوفها من المنافع، فإنّ طيّ المسافة المزبورة إذا تحقق في مدّة عشرة أيّام كانت منافع البغل الفائتة في مدّة الخمسة غير مضمونة على مستأجر البغل.

و الحاصل: أنّ المنافع التي فاتت في مدّه الخمسة التي لم يستعمل البغلة فيها غير مضمونة، فالصحيحة تدلّ على عدم ضمان المنافع غير المستوفاة.

و محصّل دفع التوهّم هو: أنّ ضمان المنفعة الفائتة من المغصوب من مسلّمات الفقه، فلو فرض ظهور سكوت الامام (عليه السلام) في عدم ضمانها قلنا بأنّ هذا الظهور معرض عنه، و من المعلوم أنّ إعراض جميع الأصحاب عنه يوهن أصالة الجدّ فيها، فلا يمكن التمسّك به لإثبات عدم الضمان في باب الغصب، فكيف يعارض به الإجماع على ضمان المنفعة الفائتة للمبيع بالبيع الفاسد.

ثمّ إنّ تعبير المصنّف (قدّس سرّه) بقوله: «و إن كان المتراءى .. إلخ» ظاهر في عدم جزمه بالاستظهار المزبور. و لعلّ وجهه أنّ سيره لم يكن من الطريق المتعارف في هذه‌

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 13، ص 255، الباب 17 من أبواب الإجارة، الحديث 1

273

إلّا أنّا لم نجد (1) بذلك عاملا في المغصوب الذي هو موردها (2) [1].

____________

الأعصار من الكوفة إلى بغداد، فإنّ السير في هذا الزمان من الطريق المتعارف من الكوفة إلى بغداد و بالعكس بالبغال و الحمير يتحقّق في مدّة ثمانية أيّام تقريبا، لكن السّير في مورد الصحيحة كان على غير المتعارف، لأنّه ركب من الكوفة إلى النيل الواقع في الواسط- و يسمى فعلا بالحيّ- و من النيل إلى بغداد، و قيل: إنّ السير على هذا النحو يحتاج إلى زمان أوسع.

و على هذا فلا يبقى للصحيحة ظهور في عدم ضمان المنافع غير المستوفاة حتى يقال: إنّه موهون بالاعراض عن العمل بها في موردها و هو الغصب، فكيف يمكن التعدّي عن موردها إلى المقام، و هو منافع المقبوض بالعقد الفاسد؟

(1) هذا دفع التوهّم، و قد أوضحناه آنفا.

(2) أي: مورد صحيحة أبي ولّاد.

____________

[1] قد عرفت أن الأقوال في المسألة خمسة:

الأول- و هو المشهور-: الضمان مطلقا.

الثاني: عدمه كذلك، كما ظهر من عبارة الإيضاح.

الثالث: التفصيل بين علم البائع بالفساد و جهله به، بعدم الضمان في الأوّل، و بالضمان في الثاني.

الرابع: التوقّف عن الحكم بالضمان في الصورة الثالثة، و هي صورة علم البائع.

الخامس: التوقّف في الضمان مطلقا.

لكن لا يستقيم عدّ التوقّف في هاتين الصورتين من الأقوال، لأنّ مرجع التوقّف إلى عدم الحكم، و من المعلوم أنّه ليس قولا و رأيا في المسألة. و عليه فالأقوال ثلاثة، ثالثها: التفصيل بين علم البائع بالفساد و جهله به، بالضمان في الثاني، و عدمه في الأوّل.

أمّا القول المشهور- و هو الضمان مطلقا- فقد استدلّ له بوجوه:

أحدها: الإجماع الذي يظهر من عبارة السرائر المتقدّمة.

274

____________

ثانيها: قاعدة اليد، بعد صدق «الأخذ» على المنافع بأخذ الأعيان، كما أفاده المصنّف (قدّس سرّه).

ثالثها: قاعدة الاحترام المستفادة من جملة من الروايات الدالّة على «أنّ حرمة مال المؤمن كحرمة دمه» و المفروض كون المنافع من الأموال، لتنافس العقلاء عليها، فمنعها عن المالك بدون الضمان ينافي حرمة مال المؤمن.

رابعها: قاعدة نفي الضرر، حيث إنّ عدم ضمان من فوّت منافع الغير ضرر عليه، فينفى بقاعدته.

خامسها: قاعدة الإتلاف، كما استدلّ بها السيد (قدّس سرّه) «فإنّ الاستيلاء على العين و منع المالك عن الانتفاع بها تفويت و إتلاف لمنافعها. و مقتضى قاعدة الإتلاف ضمانها. و لأجل هذه القاعدة نحكم بضمان منافع المغصوب التي لم يستوفها الغاصب» (1).

سادسها: قوله (عجل اللّه تعالى فرجه) و صلّى عليه و جعلناه فداه: «فلا يحلّ لأحد أن يتصرّف في مال غيره بغير إذنه» (2).

سابعها: ما في حاشية المحقّق الخراساني (قدّس سرّه) من «أنّ الدّليل على ضمان المنافع هو الدليل على ضمان الأعيان، لكون ضمانها من آثار ضمانها و لوازمه. و لا يتفاوت في ذلك بين كونها مستوفاة و غير مستوفاة كما لا يخفى. و الظاهر أنّ هذا هو الوجه في ضمانها مطلقا في باب الغصب قولا واحدا. و لا أظنّ اختصاص ذلك الباب بوجه غير جار في الباب. إلّا أن يكون هو إجماع الأصحاب. لكنّه لا يظن أن يكون مدركهم أيضا إلّا ما ذكرنا، فافهم» (3).

و حاصله: أنّ الوجه في ضمان المنافع المستوفاة و غيرها هو: أنّ من آثار ضمان

____________

(1) حاشية المكاسب، ص 96

(2) وسائل الشيعة، ج 6، ص 377، الباب 3 من أبواب الأنفال، الحديث 3

(3) حاشية المكاسب، ص 34

275

____________

العين ضمان منافعها، فدليل ضمان العين دليل على ضمان منافعها. و ادّعى (قدّس سرّه) أنّ هذا هو الوجه في ضمانها مطلقا في باب الغصب. إلّا أن يكون الوجه في ضمان منافع المغصوب مطلقا هو الإجماع المفقود هنا، لكون الأقوال في ضمان منافع المقبوض بالعقد الفاسد متعدّدة، هذا.

أمّا الاستدلال بالإجماع ففيه أوّلا: عدم الاتّفاق، لكون المسألة ذات أقوال، كما عرفت.

و ثانيا: أنّ من المحتمل كونه مدركيّا، بأن يكون مستندهم في الضمان ما تقدّم من قاعدتي اليد و الاحترام.

و ثالثا: بأنّه من الإجماع المنقول الذي تقرّر في الأصول عدم حجيّته.

مضافا إلى: أنّ الظاهر من عبارة السرائر ترتيب خصوص وجوب الرّدّ من أحكام الغصب على المقبوض بالعقد الفاسد، ضرورة أنّ الغاصب إذا استولد الجارية المغصوبة لا يلحق به الولد، لأنّه زان، بخلاف ما إذا أولدها من قبضها بالعقد الفاسد، فإنّ الولد يلحق به.

و توجيه إجماع السرائر و التذكرة بما في تقرير شيخ مشايخنا المحقّق النائيني (قدّس سرّه) من قوله: «و لكنّه لا يخفى انّ اختياره الضمان أخيرا ليس لاعتماده على الإجماع المنقول، مع أنّه (قدّس سرّه) منكر لحجّيّته في الأصول، بل اعتمد على نقل الإجماع من جهة كشف اتفاق الأعلام على شمول قاعدة اليد و الاحترام للمنافع» (1) لا يخلو من الغموض، إذ فيه أوّلا:

أن لازم الاتفاق على شمول قاعدتي اليد و الاحترام للمنافع عدم الاختلاف في ضمان المنافع غير المستوفاة. و قد عرفت تعدّد الأقوال فيه.

و ثانيا: أنّ موضوع القاعدتين- أعني بهما اليد و الاحترام- من الموضوعات العرفيّة التي يكون المرجع في معرفتها العرف، و ليس بيد الفقيه بما هو فقيه. فالإجماع

____________

(1) منية الطالب، ج 1، ص 134

276

____________

التعبّديّ القائم على تشخيص المفهوم العرفيّ أو تطبيقه على مصاديقه غير الإجماع الذي هو حجّة- أعني به الإجماع- على الحكم الشرعي.

نعم إذا كان الموضوع من الموضوعات المستنبطة التي لا بدّ فيها من الرجوع الى الفقيه، كالغناء، و المفازة و الصعيد و الآنية و غيرها و كان مرجع الإجماع إلى تحديد الموضوع الذي يترتّب عليه الحكم الشرعيّ، فهو و إن كان وجيها. إلّا أن جماعة ناقشوا في صدق اليد على المنافع و منهم المصنّف، حيث قال قبل أسطر- بعد تسليم كون المنافع أموالا- ما لفظه: «بأنّ مجرّد ذلك لا يكفي في تحقّق الضمان. إلّا أن يندرج في عموم «على اليد ما أخذت، و لا إشكال في عدم شمول صلة الموصول للمنافع».

و مع هذه المناقشة- بل نفي الاشكال عن عدم صدق اليد على المنافع- كيف يمكن أن يدّعى رجوع الإجماع إلى الاتّفاق على صدق اليد على المنافع؟

و قد تقدّم كلام الإيضاح و تنظير المنافع بالثوب الذي أطارته الريح، فإنّه ظاهر في إنكار صدق اليد على المنافع، فلا بدّ أن يراد بالإجماع الاتّفاق على نفس الحكم أعني به الضمان، لا على دليل الحكم، و لا على تحديد موضوعه. لكن قد عرفت عدم الإجماع على الضمان، هذا.

ثمّ أفاد المحقق المذكور في وجه الضمان ما حاصله: «أنّ المقتضي له و هو اليد الشاملة للعين أصالة و المنافع تبعا- لصدق اليد و الأخذ عليهما- موجود، و المانع عنه مفقود، لأنّه إمّا قاعدة «ما لا يضمن» في كلتا صورتي العلم بالفساد و الجهل به. و إمّا تسليط البائع للمشتري على المنافع مجّانا في صورة علم البائع بالفساد.

و كلاهما مفقود، إذ الأوّل مختصّ أصلا و عكسا بمصبّ العقد و هو العين في المقام، و المنافع خارجة عنه، فيرجع فيها إلى القواعد الأخر.

و الثاني لا يستلزم المجّانيّة الرافعة للضمان، لإمكان البناء على الصحة تشريعا» (1).

____________

(1) منية الطالب، ج 1، ص 134

277

____________

انتهى ملخّصا.

و يتوجّه عليه: أنّ جعل وجود المقتضي و هو اليد مفروغا عنه أوّل الكلام، لما عرفت من المناقشة في صدق اليد على المنافع، لظهور النبويّ في اعتبار كون المأخوذ بنفسه قابلا للرّدّ، و ليست المنافع كذلك. فالظاهر قصور الحديث عن شموله للمنافع.

فمع عدم تسلّم وجود المقتضي لا تصل النوبة إلى البحث عن وجود المانع أو عدمه.

بل لو سلّمنا صدق اليد على المنافع أمكن المناقشة فيه أيضا بأنّ اليد المضمّنة هي خصوص العادية، و هي مفقودة هنا، لعدم منع القابض للمالك عن استيفاء المنافع كما لا يخفى.

نعم قاعدة الاحترام- بناء على عدم اختصاصها بالحكم التكليفيّ- تجري في المنافع غير المستوفاة. و كذا قاعدة الإتلاف فيما إذا استند تفويت المنافع إليه على التفصيل الآتي.

و أمّا الاستدلال بقاعدة اليد، ففيه: أنّ اليد و إن كانت كناية عن الاستيلاء الصادق على الأعيان و المنافع، و ليس المراد بها خصوص الأخذ بالجارحة الخاصّة قطعا، و إلّا يشكل الأمر في غير المنقولات كالأرض و الدار و نحوهما، لكن الذيل و هو «حتى تؤدي» ظاهر في كون المأخوذ بنفسه مردودا، فيختصّ النبويّ بما كان في نفسه قابلا للرّدّ و إن امتنع عرضا كالتلف.

و بالجملة: فجعل اليد كناية عن الاستيلاء الشامل للأعيان و المنافع لا يجدي في شمول النبويّ أيضا للمنافع، مع قرينيّة «حتى تؤدّي» على كون المأخوذ بعينه قابلا للرّدّ، فيختصّ النبويّ بالأعيان.

و أمّا قاعدة الاحترام فهي متوقّفة على صدق المال على المنفعة، لإضافة نفي الحل إلى المال في قوله (عليه السلام): «حرمة ماله كحرمة دمه» أو «لا يحل مال امرء مسلم» و مع الصدق لا ينبغي الإشكال في صحة الاستدلال بها.

278

____________

و دعوى كونها في مقام بيان الحكم التكليفي- و أنّه لا يجوز التصرّف فيه بدون إذنه، بقرينة السياق المستفاد من الجمل السابقة، كقوله: «سباب المؤمن فسوق، و قتاله كفر، و أكل لحمه معصية» إذ لا ريب في ظهورها في الحكم التكليفيّ- غير مسموعة، لأنّه خلاف إطلاق الحرمة، فاحترام المؤمن و شرفه يقتضي حرمة التصرّف في ماله بدون إذنه، و ضمانه أيضا لو أتلفه متلف بغير إذنه الرافع للضمان.

و أمّا قاعدة الإتلاف فهي منوطة أيضا بصدق المال على المنافع، و إلّا فلا إشكال فيها من حيثيّة أخرى.

و الإتلاف و إن كان إعدام الموجود، إلّا أنّ التّفويت الّذي هو إبداء المانع عن الوجود يستفاد من النصوص الّتي هي مدرك قاعدة الإتلاف أيضا.

فالاتلاف أعمّ من إعدام الموجود و من المنع عن الوجود.

و قد يستشكل في جريان القاعدة في المنافع المستوفاة فضلا عن غير المستوفاة بما في حاشية سيّدنا الأستاذ (قدّس سرّه) من: أنّ المستفاد من أدلّة القاعدة خصوص الإضرار بالعين بالجناية على ذاتها أو صفاتها، فلا تشمل المنافع الّتي هي اعتبار محض، فالتمسك بقاعدة الإتلاف لضمان المنافع مطلقا مشكل (1).

لكن يمكن أن يقال: إنّ المراد بالنقص هو العرفي الصادق على المنافع التي هي اعتبار محض، فتفويت المنافع بلا عوض جناية عرفا على المنفعة التي هي صفة العين.

و أمّا قاعدة الضرر فلا إشكال في التمسّك بها أيضا، بعد صدق النقص على فوت المنافع تحت يد قابض العين. و الاشكال عليها بما قيل من: «أنّها ناظرة إلى الأحكام الشرعيّة التي ينشأ منها الضرر، و عدم الضمان ليس حكما شرعيّا، فلا تجري القاعدة فيه» مندفع بما عرفت من: أنّ عدم الضمان كسائر الأعدام بعد تشريع الأحكام أيضا حكم شرعيّ يحكم عليه القواعد الثانويّة كقاعدتي الضرر و الحرج، فإنّ تفويت المنافع على

____________

(1) نهج الفقاهة، ص 136

279

____________

مالكها ضرر عليه، لكونها مالا عرفا، فينفى بقاعدة نفي الضرر فإتلافها يوجب الضرر و هو النقص في مال مالكها، لا أنّه يوجب عدم النفع، كما لا يخفى.

و أمّا قوله (عجل اللّه تعالى فرجه) و صلّى عليه: «فلا يحلّ لأحد أن يتصرّف ..» فحاصل الكلام فيه: أنّ عدم حلّيّة التصرّف- الذي هو فعل اختياريّ- ظاهر في الحرمة التكليفيّة المستتبعة للمؤاخذة و العقوبة، و عدم حلية المال ظاهر في التبعيّة و الخسارة، و ذلك هو الضمان. فحرمة المال يراد بها الحكم الوضعيّ أعني به الضمان، و حرمة الفعل كالتصرّف يراد بها الحكم التكليفيّ أعني به الحرمة. و هذا هو ظاهر الرواية.

و أمّا ما أفاده المحقّق الخراساني (قدّس سرّه) في عبارته المتقدّمة ففيه: أنّه إن أراد اقتضاء أخذ العين ضمان منافعها- لتحقّق الاستيلاء عليها بجميع حيثيّاتها و شؤونها بسبب الاستيلاء على العين- فيرد عليه ما أفاده المحقّق الأصفهاني (قدّس سرّه) من: أنّ المنافع لا فعليّة لها، لأنّها موجودات بالقوّة، فلا يصدق عليها الاستيلاء (1).

لكن لا يخفى أنّ هذا ما يقتضيه النظر الدّقّي العقليّ الذي لا عبرة به في المقام.

و أمّا النظر العرفي فيساعد على صدق الاستيلاء على المنافع غير المستوفاة. و لذا يصحّ جعلها طرفا لإضافة الملكيّة، فإنّ الإجارة تمليك لتلك المنافع الّتي هي حيثيّات قائمة بالعين، فلا يعتبر في صحّة تمليكها، و لا في صدق الاستيلاء عليها فعليتها، بل المدار في صدق الاستيلاء عليها و صحّة اعتبار الملكيّة لها عرفا وجودها الشأنيّ كقابليّة الدار للسكنى، لا الوجود الفعلي، حتّى يقال: إنّها قبل فعليتها إعدام، فلا يصحّ الاستيلاء عليها.

فالاستيلاء على العين من قبيل الواسطة في الثبوت للاستيلاء على منافعها، لا من قبيل الواسطة في العروض كحركة السفينة و نحوها بالنسبة إلى جالسهما، إذ لو كان من قبيل الواسطة في العروض لزم عدم ضمان حابس الحرّ الأجير المقدّر عمله بأجرة، لأنّ الاستيلاء على العين لا يوجب ضمانها حتى تضمن منافعها عرضا، فلا بدّ من الحكم

____________

(1) حاشية المكاسب، ج 1، ص 78

280

____________

بعدم ضمان حابس الحرّ، إذ لا ضمان لنفس العين التي استولى عليها ذاتا- و هي الحرّ- حتى يصح نسبته عرضا إلى منفعته و هي عمله.

و إن أراد أنّ نفس ضمان العين بدليله الخاصّ مستلزم لضمان منافعه من دون سبب آخر بالإضافة إلى منافعها، فيرد عليه ما أفاده المحقق الأصفهاني (قدّس سرّه) (1) من أنّه يشبه الجزاف، إذ معناه أنّ ضمان شي‌ء بموجبه سبب لضمان شي‌ء آخر، فنفس الضمان يكون من أسباب الضمان. مع أنّه لا شبهة في ضمان المنافع المستوفاة بدون ضمان العين، كما إذا اشترى عينا مسلوبة المنفعة مدّة، فاستوفى منافعها في تلك المدة، فإنّ المنافع مضمونة و العين غير مضمونة حتى يكون ضمانها بضمان العين. و كما إذا استوفى عمل الحرّ، فإنّ الحرّ غير مضمون، مع أنّ عمله المستوفي مضمون إلى غير ذلك.

نعم لا مانع من أن يكون الحديث دليلا على قاعدة التبعيّة، يعني: أنّ ضمان العين في موارده يوجب ضمان ما يعدّ من توابعها من باب التبعيّة، كتمليك العين الموجب لتمليك منافعها تبعا، لكون البيع تمليك العين لا المنفعة، فإنّ التبعيّة جارية في كثير من الموارد كالطهارة و النجاسة و الإسلام و الكفر و غير ذلك.

و لا يرد عليه: أنّ لازمه أن يكون ضمان شي‌ء بسببه سببا لضمان شي‌ء آخر. وجه عدم الورود: أنّ ذلك الشي‌ء إن كان من توابع العين المضمونة فلا مانع من ضمانه تبعا.

و إن لم يكن من توابعها لم يلزم ذلك أصلا، للاختصاص بالتوابع، لا كل شي‌ء و لو كان أجنبيا عن مورد اليد. فلا يلزم أن يكون سبب ضمان الدار مثلا موجبا لضمان العبد.

و من هنا يظهر الاشكال فيما ذكره (قدّس سرّه) من النقض باستيفاء منافع العين المسلوبة المنفعة و استيفاء عمل الحرّ، فإنّ اليد تدلّ على عقد إيجابيّ، و هو أنّ العين إذا صارت مضمونة صارت منافعها مضمونة أيضا. و لا تدلّ على عقد سلبي و هو عدم ضمان المنافع إذا لم تكن العين مضمونة.

____________

(1) حاشية المكاسب، ج 1، ص 88

281

____________

و الحاصل: أنّ المدلول عقد إيجابيّ أعني به ضمان المنافع بتبع ضمان العين، و ليس المدلول عدم ضمان المنافع تبعا لعدم ضمان العين، فيرجع في ضمان منفعة الدار المسلوبة المنفعة و عمل الحرّ المستوفي و نحوهما إلى دليل آخر، كقاعدة الاحترام و غيرها، هذا.

مضافا إلى: أنّ قاعدة اليد المقتضية لضمان المنافع التابعة لما أخذته اليد من العين من العمومات القابلة للتخصيص.

فالمتحصّل: أنّ ما أفاده المحقّق صاحب الكفاية (قدّس سرّه) من التمسّك بقاعدة اليد لضمان المنافع المستوفاة و غيرها مما لا بأس به.

فتلخّص من جميع ما ذكرناه: أنّ ما عن المشهور من ضمان المنافع غير المستوفاة لا يخلو من قوة.

إلّا أن يناقش في صدق الأخذ على المنافع و إن صدق عليها القبض بأخذ العين، بأن يقال: إنّ الأخذ لا يصدق على التخلية و رفع المانع عن استيلاء الغير، بخلاف القبض، فإنّه يصدق عليه. و الأخذ ظاهر في الاستيلاء المقرون بالغلبة، و المقبوض بالعقد الفاسد يكون مبنيّا على الوفاء بالعقد لا القهر و الغلبة، فالتمسّك بقاعدة اليد لضمان المنافع غير المستوفاة مشكل جدا.

فإن دلّ دليل آخر على الضمان كقاعدة الاحترام و غيرها فلا كلام، و إلّا فتصل النوبة إلى الأصل المقتضي لعدم الضمان.

إلّا أن يدّعى أنّ موضوع الضمان لمّا كان من الموضوع المركّب أمكن أن يقال: إنّ الاستيلاء على مال الغير محرز وجدانا، و جزءه الآخر و هو عدم الرضا محرز بالاستصحاب، فيتمّ موضوع الضمان.

إلّا أن يستشكل في الاستصحاب بأنّ القبض لمّا كان بعنوان الوفاء بالعقد. فالرّضا محرز، دون عدمه حتى يستصحب، و يثبت به الضمان، و اللّه العالم.

282

____________

و أمّا القول بعدم الضمان مطلقا و هو المنسوب إلى فخر المحقّقين (قدّس سرّه) فقد عرفت وجهه من عبارته التي نقلناها عنه في التوضيح، و ضعفه.

و أمّا القول بالضمان في صورة جهل البائع بالفساد، و عدمه في صورة علمه به فقد تعرّضنا لوجهه بقولنا: «وجه الاشكال أنّ المالك مع علمه بالفساد .. إلخ».

و أمّا التوقّف في صورة علم البائع بالفساد فوجهه ما تقدّم في التوضيح من تسليط البائع.

لكن فيه: أنّه لو تمّ اقتضى عدم الضمان لا التوقّف فيه.

و أمّا التوقّف مطلقا فوجهه تضارب الأدلة.

أقول: لعلّ الأقرب التفصيل، بأن يقال: إنّ المشتري مع علمه بالفساد يضمن، لقاعدة الإتلاف، حيث إنّ عدم انتفاع المالك بماله مستند إلى قبض المشتري العالم بعدم استحقاقه للقبض الموجب لكون يده عادية، فلو لم يقبضه كان البائع قادرا على الانتفاع بماله، فالمشتري غاصب فوّت المنافع على المالك، فيضمن. و مع جهله بالفساد لا يضمن، لأنّ فوت المنافع لا يستند إلى المشتري، بل إلى البائع الدافع للمبيع إليه، لبنائهما على صحّة العقد، فلا يعدّ يد المشتري عادية. نعم إذا علم بالفساد و تساهل في دفع المبيع إلى البائع ضمن جميع المنافع من المستوفاة و غيرها.

و بالجملة: فصدق اليد العادية على يد المشتري مع جهله بالفساد، و كون قبضه مبنيّا على زعم صحّة العقد الموجب لعدم التزامه بردّ المبيع إلى المالك العالم بالفساد محلّ تأمّل بل منع.

نعم إذا نهض دليل على «أنّ كلّ من وقع تحت يده مال الغير ضامن له إلّا ما خرج بدليل» كان لضمان المنافع من المستوفاة و غيرها وجه. و عليه فلا يحكم بضمان المنافع الفائتة بغير استيفاء إلّا مع علم المشتري بالفساد، بحيث يستند فواتها إلى فعله و إلّا فلا دليل على الضمان أصلا.

283

____________

أمّا اليد فلعدم صدقها على المنافع غير المستوفاة أوّلا، و لعدم كونها عادية على تقدير صدقها عليها ثانيا. إذ الظاهر أنّ المراد بالعادية- بناء على تعنون اليد بها- ما لا يحكم شرعا و لو ظاهرا بعدم العداونيّة كالمقبوض بالعقد الفاسد، فإنّ يد القابض قبل علمه بفساد العقد ليست عادية، للحكم بصحّة العقد ظاهرا بمقتضى أصالة الصحة، فلا تكون يده عادية، بل حقّة في ظاهر الشرع.

إلّا أن يقال: إنّ اليد و إن لم تشمل يد القابض حدوثا، لكنّها بعمومها الأزماني تشملها بعد علمه بالفساد بقاء.

و أمّا ضمانها على القول به في الغصب فلصدق الإتلاف و التفويت عليها، و كون حبس العين الذي هو فعل الغاصب سببا لفواتها على المالك كما لا يخفى.

و أمّا قاعدة الاحترام فهي غير جارية، للتعارض، لأنّ احترام مال مؤمن لا يقتضي سلب احترام مال مؤمن آخر بلا وجه. و لا يكون الإضرار بمؤمن آخر من مقتضيات احترام مال مؤمن غيره، ضرورة أنّ المشتري لم يهتك حرمة مال البائع، بل قبضه بعنوان مال نفسه.

نعم مع العلم بالفساد و حبسه يصدق الهتك.

و أمّا قاعدة الضرر فهي معارضة بمثلها في طرف المشتري، إذ المفروض أنّ أخذ بدل المنافع الفائتة من المشتري ضرر عليه و نقصان في ماله، إذ لم يعد إليه نفع.

و أمّا قاعدة الاستيفاء فلا موضوع لها، إذ المفروض عدم استيفائها.

و أمّا أصالة الضمان فموردها الشكّ في تحقّق موضوعها، و هو الاستيلاء على مال الغير بدون رضا مالكه، فيقال: إنّ الاستيلاء محرز وجدانا، و عدم الرضا تعبّدا للاستصحاب، فيتمّ موضوع الضمان، كسائر الموضوعات المركّبة المحرز بعض أجزائها بالوجدان و بعضها الآخر بالتعبّد.

و ليس المقام كذلك، لأنّ الشكّ في ضمان المنافع الفائتة بغير استيفاء ليس ناشئا

284

____________

من الشكّ في طيب نفس المالك حتى يستصحب عدمه. بل الشك نشأ عن احتمال صدق أصل اليد أو اليد العادية على المنافع غير المستوفاة و عدمه. و هذا لا يجري فيه الأصل، لأنّه بعد قبض العين إمّا يصدق اليد على منافعها، و إمّا لا تصدق عليها، فالشّكّ يكون في قابليّة المنافع لوقوعها تحت اليد، و هذا الشكّ مانع عن التمسّك بقاعدة اليد، لكون الشبهة مصداقيّة، و من المعلوم أنّ الاستصحاب لا يثبت القابليّة.

نظير الشكّ في تحقّق التذكية، للجهل بقابليّة الحيوان لها، فإنّ الأصل لا يجري في القابليّة و لا يثبتها، لأنّ الحيوان إمّا خلق قابلا للتذكية، و إمّا خلق غير قابل لها. نظير القرشيّة، فإنّ الأصل في العدم المحموليّ لا يثبت عدم القابليّة و عدم قرشيّة المرأة إلّا بناء على الأصل المثبت. و في العدم النعتيّ الذي هو موضوع الأثر لا يجري، لعدم العلم بالحالة السابقة.

و قد ظهر من هذا البيان عدم المجال لأصالة الضمان في المنافع غير المستوفاة، لأنّه على تقدير صدق اليد عليها لا ينبغي الإشكال في الضمان، و على تقدير عدمه لا ينبغي الإشكال في عدم الضمان، فتنتهي النوبة إلى الأصل المحكوم و هو أصالة البراءة عن الضمان.

بل يمكن أن يقال بعدم الضمان و لو مع صدق اليد على المنافع أيضا- بعد البناء على كون اليد المضمّنة هي العادية، و اليد غير المضمّنة هي الأمانيّة- لأنّه يشك في صدق العدوانيّة عليها، فيتشبّث بأصالة البراءة لنفي الضمان.

فالمتحصّل: أنّه في صورة علم المشتري بالفساد تكون المنافع مضمونة عليه. و في صورة جهله به لا ضمان عليه. أمّا في الصورة الأولى فلكون يده عادية كالغاصب، بل هو نفسه. و أمّا في الثانية فللأصل بعد عدم الدليل على الضمان. و ليكن هذا قولا سادسا في المسألة.

فقد ظهر وجه العقد السلبيّ أعني به عدم الضمان في صورة جهل المشتري بالفساد، كما ظهر وجه العقد الإيجابيّ، و هو الضمان في صورة علم المشتري بالفساد.

285

____________

كما ظهر أيضا وجه عدم دخل علم البائع و جهله بالفساد في الضمان و عدمه، و اللّه العالم.

ثمّ إنّ سيّدنا الخويي (قدّس سرّه) التزم بعدم الضمان، لوجهين:

«أحدهما: عدم جريان قاعدة الإتلاف في تلك المنافع، لعدم استناد الإتلاف إلى القابض، حيث إنّه لم يزاحم المالك في استيفائها.

ثانيهما: عدم جريان السيرة على ضمانها بمجرّد تلفها تحت يد القابض من دون استناد إليه.

و ناقش في الوجوه التي استند إليها القائلون بالضمان- من قاعدتي اليد و الاحترام و حديث الحلّ و الإجماع- بعدم جريان قاعدة اليد في المنافع غير المستوفاة، لعدم قابليّتها للردّ.

و بعدم جريان قاعدة الاحترام فيها، إذ ليس مقتضاها أزيد من توقّف جواز التصرّف على إذن المالك.

و بأنّ حديث الحلّ لا يدلّ إلّا على حرمة التّصرّف تكليفا.

و بأنّ الإجماع غير ثابت أوّلا. و على تقديره يكون المتيقّن من معقده هو وجوب الرّدّ فقط، لا جميع أحكام الغصب» (1) انتهى ملخصا.

و توضيح ما له و عليه تقدم فيما اخترناه.

فروع ترتبط بضمان المنافع أ: ضمان عمل الحرّ الكسوب المحبوس ثمّ إنّه يناسب المقام التعرّض لبعض الفروع المبتلى بها في هذا العصر:

الأوّل: ما إذا حبس ظالم حرّا كسوبا، فهل يضمن ما فات عنه في مدّة الحبس من العمل الذي يبذل بإزائه المال أم لا؟ فيه قولان، و قد ذكرناه في بحث عمل الحرّ، فراجع (2).

____________

(1) مصباح الفقاهة، ج 3، ص 138 الى 144

(2) هدى الطالب، ج 1، ص 75 إلى 85

286

____________

ب: جواز مطالبة المستأجر بتخلية العين المستأجرة الثاني: ما إذا استأجر دكّانا و اتّجر فيه مدّة مديدة، و باع جملة من متاعه نسية، و بعد انتهاء مدّة الإيجار أخرجه المؤجر عن الدكّان و أخذه منه، و هذه الإخراج يوجب تضرّر المستأجر، لذهاب أمواله التي تكون على الناس، لعدم معرفتهم بمكانه الفعلي حتى يؤدّوا إليه. و كذا يتضرّر المستأجر بترك تجارته مدّة حتى يتهيّأ له محلّ جديد، و يعرف الناس مكانه ليعاملوا معه و يؤدّوا أمواله، فهل تكون هذه الخسارات على عهدة المؤجر أم لا؟ للمسألة صورتان:

الأولى: ما إذا لم يشترط المستأجر على المؤجر بقاءه في الدكّان إلى مدّة مديدة يريد استيجاره فيها. و الثانية: ما إذا اشترط على المؤجر ذلك.

أمّا الأولى فملخّص البحث فيها: أنّ مقتضى سلطنة المؤجر على ماله جواز أخذ الدّكّان من المستأجر، و عدم ثبوت حقّ للمستأجر في الدّكّان، إذ المفروض عدم اشتراط حقّ لبقائه. و مجرّد استيجاره الدكّان مدّة مديدة لا يوجب حقّا له بحيث يسقط سلطنة المالك على دكّانه، و يجب عليه إبقاء المستأجر فيه.

و الظاهر عدم موجب لضمان المؤجر لخسارات المستأجر، لأنّ المديونين يجب عليهم الفحص عن الدائن و مكانه مقدّمة لأداء دينهم، فالضرر الوارد على المستأجر من ناحية أمواله التي له على الناس مستند إلى تقصير المديونين في أداء ديونهم، لا إلى المؤجر، فلا يجري شي‌ء من أسباب الضمان- كقواعد الضرر و الإتلاف و اليد و الاحترام- في المقام، لأنّ مناط شمولها لمورد هو عدم توسّط إرادة فاعل مختار بين موارد هذه القواعد، و الشخص الذي يراد تضمينه لا بدّ من استناد الفعل اليه، نظير إرسال الماء إلى دار الجارّ مثلا، فإنّ انهدام الدار حينئذ منسوب إلى مرسل الماء، لعدم توسّط فعل فاعل مختار بين الانهدام و بين إرسال الماء حتى يستند الانهدام إليه.

287

____________

بخلاف المقام، فإنّ الخسارات المتوجّهة إلى المستأجر ناشئة من تقصير المديونين، فيتوسّط بين تلف أمواله و بين أخذ المالك دكّانه إرادة فاعل مختار أعني به المديونين، فلا يستند تلف الأموال إلى المالك حتى يكون ضامنا لها، بل يستند إلى فعل المديونين، و هو تقصيرهم في الأداء. هذا ما يرجع إلى أمواله التي على الناس.

و أمّا ما يرد عليه من ضرر تعطيل تجارته إلى زمان ظفره بمحلّ لها، فليس ضررا أي نقصا ماليّا، بل هو من عدم النفع، فلا تشمله قاعدة الضرر.

و بالجملة: فما نحن فيه أجنبيّ عن قاعدة نفي الضرر، إمّا لعدم صدق الضرر، و إمّا لعدم كونه مستندا إلى مالك الدكّان. و كذا قاعدة الاحترام، لأنّ مال المالك أيضا محترم، و هو يتصرّف في ماله لقاعدة السلطنة.

نعم لو فرض كون أخذ الدكّان من المستأجر علّة تامة لفوات مال أو عمل ذي قيمة منه- كما إذا كان محلّ الخياطة منحصرا بذلك الدكّان، بحيث لا يمكن اشتغاله بها في غيره، و يتّصف إخراجه عن الدكّان بالتفويت- أمكن أن يقال بالضمان، و أنّ الخياطة الفائتة منه مضمونة على مالك الدكّان، إذا أعطي المستأجر أجرة المثل، بحيث لا يتضرّر المالك من بقاء المستأجر في الدكّان، و لا من جهة أخرى.

و الوجه في الضمان حينئذ قاعدة الضرر من دون معارض، إذ المفروض عدم تضرّر المالك ببقاء المستأجر في الدّكّان، حتى يقال: بوجوب دفع ضرر عن الغير، و هو المستأجر، و تحمّله عنه. بل ليس في البين إلّا قاعدة السلطنة، و هي محكومة بقاعدة الضرر.

و الحاصل: أنّه على تقدير كون فعل المالك- أي أخذ الدكّان من المستأجر- علّة تامة لضرر المستأجر، أو وقوعه في الحرج و المشقة يمكن القول بضمان المالك له إن لم يكن في البين سوى قاعدة سلطنة المالك على ماله.

288

____________

و لا بأس ببيان صور المسألة، و هي: أنّ قاعدة الضرر في ناحية المستأجر تارة لا معارض لها إلّا قاعدة سلطنة المالك. و اخرى يعارضها قاعدة الضرر في ناحية المالك، أو قاعدة الحرج، فللمسألة صور:

إحداها: كون سلطنة المالك ضررا على المستأجر أو حرجا عليه من دون لزوم ضرر على المالك، فحينئذ يقدّم حق المستأجر على حقّ المالك، لكون سلطنة المالك حينئذ ضررا أو حرجا على المستأجر، فتنفى بقاعدة الضرر أو الحرج.

ثانيتها: أن يتعارض الضرران، كما إذا تضرّر المالك ببقاء المستأجر في الدكّان، و تضرّر المستأجر أيضا بتخلية الدكّان.

ثالثتها: كون التخلية حرجا على المستأجر، و عدمها حرجا على المالك، فيتعارض قاعدتا الحرج.

رابعتها: كون التخلية ضررا على المستأجر، و عدمها حرجا على المالك.

خامستها: عكس ذلك، بأن تكون التخلية حرجا على المستأجر، كما إذا وقع في مشقّة استيفاء أمواله من الناس، و عدمها ضررا على المالك، فيقع التعارض في هاتين الصورتين بين قاعدتي الضرر و الحرج، فيرجع إلى قاعدة السلطنة، فللمالك إلزام المستأجر بالتخلية.

و بالجملة: هنا كبريان في قاعدة الضرر: إحداهما: حرمة الإضرار بالغير، بأن يكون فعله علّة تامّة أو الجزء الأخير منها لورود الضرر على الغير.

ثانيتهما: عدم وجوب تحمّل الضرر عن الغير.

و للمسألة المبحوث عنها صور يندرج بعضها في القاعدة الاولى، و بعضها الأخر في القاعدة الثانية. و مجموع الصور المتصورة في هذه المسألة تسعة:

الأولى: عدم الضرر لا للمالك في عدم التخلية، و لا للمستأجر في التخلية.

289

____________

و الحكم فيه و هو سلطنة المالك على إلزام المستأجر بالتخلية واضح لا غبار عليه.

و بقيّة الصور أربع منها مركّبات، و مثلها بسائط.

أمّا المركّبات فهي: تضرّر كلّ من المالك بعدم التخلية و المستأجر بالتخلية، و حرجيّة التخلية و عدمها للمالك و المستأجر، و كون التخلية ضررا على المستأجر و حرجا على المالك، و عكس ذلك.

و في هذه الصور الأربع- بعد تعارض الضررين أو الحرجين أو المختلفين- يرجع إلى قاعدة سلطنة المالك المقتضية لجواز إلزامه المستأجر بتخلية الدكّان. هذا بناء على كونها من صغريات كبرى التعارض.

و أمّا بناء على صغرويّتها لكبرى عدم وجوب دفع الضرر و المشقّة عن الغير، فيقدّم حقّ المالك على المستأجر، إذ لا يجب على المالك دفع الضرر أو المشقّة عن المستأجر، فلا بدّ من التأمّل في أنّ الضرر أو الحرج الوارد على المستأجر هل هو ناش عن فعل المالك أو غيره؟

فعلى الأوّل تسقط سلطنة المالك بضرر المستأجر، كسقوط سلطنة المالك على حفر بالوعة في داره إضرارا بجاره، فإنّ ضرر الجار يسقط سلطنة الحافر على حفر البالوعة في داره، لكونه من صغريات الإضرار بالغير.

و على الثاني لا تسقط سلطنة المالك، لكونه من صغريات كبرى عدم وجوب تحمّل الضرر عن الغير.

و أمّا البسائط، و هي الضرر على المالك فقط، و الحرج عليه كذلك، و الضرر على المستأجر فقط، و الحرج عليه كذلك، فالحكم في الأوليين منها سلطنة المالك على إلزام المستأجر بالتخلية، لوضوح عدم مانع من قاعدة السلطنة. و في الأخريين منها يكون

290

____________

الحق للمستأجر إن كان فعل المالك موجبا لوقوع المستأجر في الضرر و الحرج الرافعين لسلطنة المالك، و إلّا فسلطنة المالك باقية على حالها، لعدم وجوب دفع الضرر أو المشقّة عن الغير.

و لو نوقش في سلطنة المالك ففي استصحابها غنى و كفاية، حيث إنّه قبل الإيجار كان سلطانا على شؤون دكانه، و الآن كما كان، فتأمّل جيّدا.

هذا كلّه في الصورة الاولى و هي عدم الشرط على المالك.

و أمّا الصورة الثانية و هي ما إذا شرط المستأجر على المالك في ضمن عقد لازم أن يؤجره الدّكّان إلى مدّة مديدة كعشرين سنة، فليس للمالك إلزام المستأجر بالتخلية، بل عليه أن يؤجره الدكّان بعد مضي السنة الاولى من مدّة الإجارة، فلو لم يؤجره و أجبره بالتخلية، فتضرّر المستأجر بتخلية الدكّان ضمن المالك كلّ ضرر يرد على المستأجر من ناحية التخلية، لقاعدة الضرر، حيث إنّه صار سببا لوقوعه في الضرر، فلو آجر المالك دكّانه من غير المستأجر المشروط له فله فسخه و إجباره المالك بأن يؤجره منه.

ففائدة الشرط قصور سلطنة المالك عن الإيجار من الغير. بخلاف الصورة السابقة، فإنّ المالك فيها مسلّط على ماله، و لا ملزم له بان يؤجر الدكّان من المستأجر.

فالإجارة الثانية فضوليّة منوطة بإجازة المستأجر الأوّل، و له أخذ مال لإسقاط حقّه من المالك أو المستأجر الثاني، كما أنّ له إسقاط هذا الحقّ مجّانا.

ثمّ إنّه مع الشرط المزبور ليس للمستأجر الشارط إلّا إلزام المالك بأصل الإيجار، و ليس له إلزامه بالإيجار بمبلغ معيّن، إلّا إذا شرطه على المالك أيضا في ضمن عقد لازم، بأن شرط عليه بأن يؤجره الدكّان عشر سنين مثلا كلّ سنة بكذا، فحينئذ يكون الشرط بالنسبة إلى أصل الإيجار و الأجرة نافذا، فيجب على المالك الوفاء بهما كما لا يخفى.

و هل يجوز للمستأجر أن يأخذ مالا من المالك أو الأجنبيّ لإسقاط حقّه؟ الظاهر

291

____________

ذلك. أمّا بالنسبة إلى المالك فلا ينبغي الإشكال فيه، لأنّ فائدة إسقاط الشرط دفع قصور سلطنة المالك، و هذا غرض عقلائيّ. و أمّا بالنسبة إلى الأجنبيّ فلأنّ بذل المال لرفع الموانع عن الوصول إلى الأغراض العقلائيّة ممّا جرت عليه السيرة الممضاة شرعا، و حيث إنّ الشرط كجزء أحد العوضين يكون حقّا للشارط و قابلا بنفسه للنقل و الانتقال إن لم يكن هناك مانع كشرط تقوّم الشرط بنفس المشروط له صريحا أو ضمنا.

ففي مسألتنا إن كان شرط الإيجار على المستأجر مقيّدا بنفسه لم ينتقل إلى وارثه، كما لا يقبل النقل إلى غيره. نعم هو قابل للإسقاط مجّانا و مع العوض، سواء أ كان معطي العوض نفس المشروط عليه أم الأجنبي.

كما أنّه بدون شرط المباشرة يكون الشرط قابلا للانتقال القهري كالإرث، إذ مع الشكّ لا مانع من استصحابه إلى زمان موت المشروط له، فيشمله ما دلّ على أنّ ما تركه الميّت فلوارثه. هذا كلّه إذا كان حقّ المستأجر ناشئا من مجرّد الشرط الضمنيّ.

و أمّا إذا كان ناشئا من بذل السرقفليّة إلى المؤجر كان تابعا لكيفيّة المعاهدة بينهما، و تتصور المسألة بوجوه ليس هنا محل ذكرها، و استوفينا الكلام فيها في رسالة المسائل المستحدثة، وفقنا اللّه لنشرها.

ج: حق الطبع و النشر الثالث: أنّه إذا عمل عملا يوجب نقصان ماليّة مال الغير، كما إذا كان وجيها عند الناس، و جعل محلّ تجارته في مكان يوجب كساد تجارات غيره، أو نزّل سعر السّلع فأقبل الناس إليه و أدبروا عن غيره، أو طبع كتابا عزيز الوجود و صار بذلك كثير الوجود و قليل الثمن، فهل يوجب ذلك ضمانا على من تسبّب تنزّل الماليّة أم لا؟

292

____________

الحقّ التفصيل بين الموارد، بأن يقال: إنّ العمل المزبور إن كان تصرّفا في ملك الغير- كما إذا طبع ما ألّفه غيره بدون إذن مؤلفه و صار الطبع سببا لتنزّل قيمة الكتاب- ضمن المتصرّف النقص الماليّ الحاصل بسبب الطبع، حيث إن الكتاب مملوك ذاتيّ للمؤلّف بمعنى كونه نتيجة لعمله و فكره، و الناس مسلّطون على أموالهم، و لا يجوز التصرّف فيه إلّا بإذنهم و طيب نفوسهم. و لو كان التصرّف منقّصا لماليّته ضمن النقص، لأنّه أتلف ماليّة مال الغير. و التصرّف العدوانيّ يوجب الضمان بالنسبة إلى نفس المال و ماليّته، كما إذا غصب ثلجا أو ماء في مفازة و أراد أن يؤدّي الثلج في الشتاء أو الماء على الشاطئ، إلى غير ذلك من الأمثلة.

و الحق عدم الضمان في شي‌ء من الموارد، لأنّ قاعدة الضرر لا تجري أوّلا، لأنّ الضرر عبارة عن النقص في المال أو العرض أو الطرف. و المقام يكون من نقص الماليّة، لا من نقص المال، إذ لم يرد نقص في نفس المال.

و ثانيا: على تقدير جريانها متعارضة- بعد وضوح كونها من الأحكام الامتنانيّة- لتضرّر النوع بغلوّ سعر تلك السلعة التي صارت عزيزة الوجود، و من المعلوم أنّ الضرر النوعيّ أهمّ من الشخصي.

نعم في مثال طبع الكتاب من غير إذن مؤلّفه يكون للمؤلّف حق إجازة النشر و عدمها، فلو طلب من طابعه مالا لأن يأذن له في نشره كان له ذلك، لأنّ النشر تصرّف فيما ألّفه، فله المنع عن النشر و أخذ المال لرفع هذا المنع.

فالمتحصّل: أنّه لا ضمان في غير قضيّة طبع الكتاب بغير إذن المؤلّف. و أمّا هو فقد عرفت أنّ للمؤلّف أخذ مال للإجازة في نشره. و أمّا كونه شريكا في المطبوع- لكون ما فيه من المطالب من نتائج أعمال المؤلّف المملوكة له بالملكيّة الذاتيّة- فهو غير واضح، إذ الكتاب مملوك بالملكيّة الاعتبارية لطابعه. و أمّا المطالب فهي و إن كانت نتيجة أعمال المؤلّف و أفكاره، لكنّها ليست مملوكة له بالملكيّة الاعتباريّة. و لو بني على

293

____________

التضمين بالملكيّة الذاتيّة لزم من ذلك تضمين حابس الحرّ الكسوب و إن لم يستوف عمله. و الظاهر عدم التزامهم بذلك، لأنّهم لم يلتزموا بكفاية الملكيّة الذاتيّة في الضمان، و اعتبروا فيه الملكيّة الاعتباريّة.

لكن يبقى حينئذ سؤال الفرق بين استيفاء الحابس عمل الحرّ و عدمه، بالضمان في الأوّل دون الثاني، إذ الاستيفاء لا يجعل عمل الحرّ مملوكا اعتباريّا له حتى يضمنه الحابس.

نعم إذا صار أجيرا، ثم حبسه الحابس كان ضامنا لعمله، سواء استوفاه أم لا، لأنّ عمل الحرّ بسبب الإجارة صار ملكا اعتباريّا للمستأجر، فيضمنه الحابس كضمان عمل العبد بالحبس، فإنّ عمله مملوك للسيّد ملكيّة اعتباريّة تبعا لرقبته.

فتلخّص من جميع ما ذكرناه: أنّه لا وجه للضمان في الأمثلة المزبورة.

نعم في طبع الكتاب بدون إذن المؤلّف و إن لم يكن ضمان على الطابع، إلّا أنّ اختيار نشر مطالبه و كتمانها بيده، لأنّها نتيجة عمله، فهي مملوكة له بالملكيّة الذاتيّة.

و مقتضى «الناس مسلّطون على أنفسهم» سلطنته على ما هو من شؤون نفسه و أعماله، فله الاذن في نشر مطالبه مجّانا و مع العوض.

و أمّا القرطاس و الخطوط فهي مملوكة للطابع ملكيّة اعتباريّة، و المؤلّف أجنبيّ عنهما.

و يمكن أن يقال: إنّ المؤلّف يصير مالكا لماليّة مطالب الكتاب لا نفس الخطوط و النقوش، و تكون مالكيّته لها نظير مالكيّة الزوجة بالإرث ماليّة الأبنية، إذ لا ترث من نفس البناء، بل ترث من قيمة الأبنية.

و عليه فالمراد بما تداول كتبه من «أن حق الطبع محفوظ للمؤلّف» إن كان حقّ النشر فلا بأس به. و إن كان غيره فلا بدّ من النظر فيه. و أمّا إذا كتب هذه الجملة غير المؤلّف فلا أثر له.

294

[الأمر الرابع ضمان المثليّ بالمثل]

الرابع (1): إذا تلف المبيع،

____________

4- ضمان المثليّ بالمثل

(1) بعد أن ثبت في المبحث الأوّل ضمان المشتري لما أخذه بالبيع الفاسد، فتلف- و أنّه يجب عليه ردّ بدله إلى البائع- يقع الكلام في خصوصيّة هذا البدل المضمون، و أنّه هل يكفي ردّ ما يشاركه في النوع و هو ماليّته المتحقّقة في ضمن مطلق الأموال من النقود و السّلع المختلفة؟ أم لا بدّ من رعاية خصوصيّته الصنفيّة بدفع ما يكون أقرب إلى التالف مما يشترك معه في الصفات الدخيلة في الرّغبات، و يلزم حينئذ البحث عن ضمان التالف المثليّ بالمثل، و القيميّ بالقيمة. و هو بحث مبسوط لما فيه من الفروع التي تعرّض المصنّف (قدّس سرّه) لجملة منها، فعقد هذا الأمر الرابع المتضمّن لمقامات ثلاثة:

أوّلها: تعريف المثليّ.

ثانيها: دليل اعتبار ضمان المثليّ بمثله، و هي وجوه ثلاثة، الإجماع المتضافر نقله، و الإطلاق المقاميّ، و آية الاعتداء بالمثل. و إن كان مفاد هذه الوجوه مختلفا كما سيظهر إن شاء اللّه تعالى.

ثالثها: حكم الشك في كون التالف مثليّا أو قيميّا، و أنّه يتخيّر الضامن بين دفع المثل أو القيمة، أو أنّه يتخيّر المالك بين مطالبة ما شاء منهما، و غير ذلك ممّا سيأتي بالتفصيل.

ثمّ إنّ الداعي لمعرفة مفهوم المثليّ هو وقوع هذا العنوان في دليلين:

295

فإن كان مثليّا وجب مثله (1) بلا خلاف (2)، إلّا ما يحكى عن ظاهر الإسكافي.

____________

أحدهما: الإجماع على ضمان المثليّ بمثله، و عدم إجزاء أداء قيمته مع إمكان المثل.

و ثانيهما: الآية الشريفة المجوّزة للاعتداء بالمثل. فيلزم حينئذ تمييز موضوع الحكم ليترتب عليه آثاره، و لأجله قدّم المصنّف (قدّس سرّه) البحث الموضوعيّ، هذا.

(1) هذا هو الدليل الأوّل على أنّ المثليّ يضمن بالمثل. و نقل الإجماع تمهيد للبحث المبسوط عن تعريف المثليّ.

(2) هذا العنوان مقابل لما سيأتي في الأمر السابع في حكم ضمان القيميّ: «لو كان التالف المبيع فاسدا قيميّا فقد حكي الاتفاق على كونه مضمونا بالقيمة» .. ثم قال:

«فقد حكي الخلاف في ذلك عن الإسكافي».

و العبارة المنقولة عن ابن الجنيد هي: «إن تلف المضمون ضمن قيمته أو مثله إن رضي صاحبه» (1). فإن كان مراده بالمضمون ما هو أعمّ من المثليّ و القيميّ كان معناه مخالفة ابن الجنيد في ضمان المثليّ بالمثل و القيميّ بالقيمة، لحكمه بضمان القيمة مطلقا إلّا مع رضا المالك بالمثل. فيتّجه حينئذ ما نسبه المصنّف إليه هنا و في الأمر السابع من أنّ المخالف لضمان المثليّ بالمثل و القيميّ بالقيمة هو أبو علي الإسكافي.

و إن كان مراده بالمضمون خصوص القيميّ- كما احتمله جماعة منهم الشهيد (قدّس سرّه) بقوله: «و لعلّه يريد القيميّ»- فما نسبه إليه هنا من قوله: «عدا ما يحكى عن ظاهر الإسكافي» لا يخلو من غموض، لكون مصبّ كلام الإسكافي خصوص المضمون القيميّ، و لا تعرّض فيه للمثليّ أصلا، حتى يكون مخالفا لإجماع أصحابنا على ضمان المثليّ بالمثل [1].

____________

[1] و احتمل قويّا السيّد المحقّق الخويي (قدّس سرّه) وقوع السّقط في عبارة المتن، فكأنّه قال: «إذا تلف المبيع فإن كان مثليّا وجب مثله، و إن كان قيميّا وجبت قيمته، بلا خلاف

____________

(1) مفتاح الكرامة، ج 6، ص 241

296

و قد اختلف (1) كلمات أصحابنا في تعريف المثليّ. فالشيخ (1) (2) و ابن زهرة (2) و ابن إدريس (3) و المحقّق (4) و تلميذه و العلّامة (5) و غيرهم (3) «(قدّس اللّه أسرارهم)»

____________

(1) هذا شروع في تحقيق معنى المثليّ، و قد اقتصر في أوّل كلامه على تعريف المشهور و حام حوله، و نقل بعد الفراغ منه تعاريف أخر.

(2) نقلنا عبارة المبسوط في (ص 26) فراجع، و من جملتها قوله: «فماله مثل ما تساوت أجزاؤه. و معناه: تساوت قيمة أجزائه .. إلخ».

(3) قال السيد الفقيه العامليّ بعد عدّ كتب الجماعة المصرّح بأسمائها في المتن:

«و المهذّب البارع و المقتصر و التنقيح، و فيه و في المسالك و الكفاية: أنّه المشهور» (6).

____________

في ذلك بين الأصحاب، إلّا عن الإسكافي، فإنّه حكم بضمان المثل في القيميّ أيضا» (7).

و هذا التوجيه منوط بظهور كلام الإسكافي في الاحتمال الثاني، و هو إرادة القيميّ. و أمّا بناء على إطلاق كلامه فلا نقص في عبارة المتن، لاقتصار المصنّف في هذا الأمر الرابع على بيان حكم المثليّ، و في الأمر السابع على ضمان القيميّ، و لا مانع من كون الإسكافي مخالفا في المسألتين، هذا.

____________

(1) المبسوط في فقه الإمامية، ج 3، ص 59 و 60؛ و نحوه في الخلاف، ج 2، ص 103، المسألة 29 كتاب الغصب.

(2) غنية النزوع (ضمن الجوامع الفقهية) ص 537

(3) السرائر الحاوي، ج 2، ص 480

(4) شرائع الإسلام، ج 3، ص 239؛ و تلميذ هو الفاضل الآبي في شرحه على المختصر النافع، لاحظ كشف الرموز، ج 2، ص 382

(5) تذكرة الفقهاء، ج 2، ص 383، السطر 10؛ قواعد الأحكام (الطبعة الحجرية) ص 79؛ تحرير الأحكام، ج 2، ص 139

(6) مفتاح الكرامة، ج 6، ص 141

(7) مصباح الفقاهة، ج 3، ص 145 و 146

297

- بل المشهور على ما حكي (1)- «أنّه ما يتساوى أجزاؤه من حيث القيمة».

و المراد (2) بأجزائه ما يصدق عليه

____________

(1) قال الشهيد الثاني (قدّس سرّه): «و المشهور بين الأصحاب ما ذكره المصنّف من أنّ المثليّ ما يتساوى قيمة أجزائه، أي: أجزاء النوع الواحد منه ..» (1). و الحاكي عنه هو السيّد الفقيه العاملي (قدّس سرّه) كما عرفت آنفا.

(2) غرضه (قدّس سرّه) توجيه تعريف المشهور للمثليّ- بحيث يسلم عن بعض ما يرد عليه- ببيان المراد من الأجزاء، و توضيحه: أنّ الجزء يقابل الكلّ، كما أنّ الجزئيّ يقابل الكلّيّ، فالجزء يطلق على أبعاض المركّبات كالرأس و الرقبة و اليد بالنسبة إلى كل فرد من أفراد الإنسان، و من المعلوم عدم صدق الكلّ- كزيد- على أجزائه، فلا يقال: إنّ يده إنسان. و هذا بخلاف الجزئيّ، لصحّة حمل الكلّيّ على أفراده، فيقال:

زيد إنسان.

و على هذا، يرد على تعريف المشهور للمثليّ ما حكاه الشهيد الثاني (قدّس سرّه) بقوله:

«و اعترض بأنّه إن أريد بالأجزاء كلّ ما تركّب عنه الشي‌ء، فيلزم أن لا تكون الحبوب مثليّة، لأنّها تتركّب من القشور و الألباب. و القشر مع اللّب مختلفان في القيمة. و كذا التمر و الزبيب، لما فيهما من النّوى و العجم. و إن أريد بالأجزاء التي يقع عليها اسم الجملة فيلزم أن لا تكون الدراهم و الدنانير مثليّة، لما يقع في الصّحاح من الاختلاف في الوزن، و في الاستدارة و الاعوجاج، و في وضوح السّكّة و خفائها، و ذلك ممّا يؤثّر في القيمة» (2).

و حاصل الشقّ الأوّل من الاعتراض هو: أنّ المشهور حكموا بكون الحنطة و الشعير مثليّين، مع أنّ التعريف غير صادق عليهما، إذ الصبرة من الحنطة تحتوي على حبّات مشتملة على ألباب و قشور، و من الواضح عدم مساواتهما في القيمة، فألحقّه من اللباب إذا قوّمت بدينار مثلا كانت الحقّة من القشور درهما لا خمسة دراهم، مع مساواتهما في المقدار من وزن أو كيل.

____________

(1) مسالك الأفهام، ج 12، ص 182

(2) مسالك الأفهام، ج 12، ص 182

298

اسم الحقيقة (1).

و المراد (2) بتساويهما من حيث القيمة تساويهما بالنسبة، بمعنى (3) كون قيمة كلّ بعض بالنسبة إلى قيمة البعض الآخر كنسبة نفس البعضين من حيث

____________

و لأجل دفع هذا الاعتراض وجّه المصنّف (قدّس سرّه) تعريف المثليّ بأنّ المراد ب‍ «الأجزاء» هنا هو الأفراد و الجزئيّات التي تصدق عليها طبيعة واحدة، كالحنطة الصادقة على كلّ حبّة من حبّاتها.

فملخّص هذا التعريف: أنّ المثليّ هو «ما يكون أفراده متساوية قدرا و قيمة» فالحنطة من المثليّات، لأنّ فردين منها متساويان في المقدار و القيمة كالمنّين منها مثلا، فإنّ كلّ واحد من المنّين يسوى خمسة دراهم مثلا. فالمثلي على هذا هو الكلّيّ الذي تكون أفراده المساوية في المقدار مساوية في الماليّة أيضا.

و أمّا بناء على إرادة ظاهر لفظ «الأجزاء» فموضوع المثليّة هو الفرد، و مثليّته بلحاظ تساوي أجزائه معه. و موضوع المثليّة بناء على خلاف ظاهر الأجزاء هو الكليّ الذي تتساوى أفراده و مصاديقه في القيمة، و لا يرد إشكال حينئذ.

(1) كمنّ من الحنطة- مثلا- بالنسبة إلى منّ آخر منها، فيصدق حقيقة الحنطة على كلا المنّين، مع تساويهما قيمة.

(2) هذا مترتّب على توجيه التعريف بإرادة الجزئيّات من «الأجزاء» فالمثليّ هو ما تتساوى قيم أفراده، فإذا كان المنّ من الحنطة عشرة دراهم كان نصف المنّ منها خمسة دراهم، و ربعه درهمين و نصف، و هكذا. و لا يكون العبرة بقيمة اللباب و القشور حتى يقال بكون قيمة اللّب أضعاف قيمة القشر. مع وضوح عدم صدق عنوان «الحنطة» على القشر الذي هو بعض المركّب، بل لا بدّ من إضافته إليها فيقال:

قشر الحنطة. و هذا بخلاف إرادة الأفراد، فإنّ كلّ مقدار منها كالمنّ و الحقّة و الأوقيّة مصداق حقيقيّ لطبيعيّ الحنطة كما لا يخفى.

(3) هذا معنى التساوي في القيمة، و قد عرفته آنفا.

299

المقدار، و لذا (1) قيل في توضيحه: إنّ المقدار منه إذا كان يستوي قيمة فنصفه يستوي نصف تلك القيمة. و من هنا (2) رجّح الشهيد الثاني كون المصوغ من النقدين قيميّا، قال: «إذ لو انفصلت نقصت قيمتها» [1].

____________

(1) يعني: و لأجل تساوي الأفراد قيمة و مقدارا قيل في توضيح التساوي ..

إلخ، و القائل هو السيّدان الطباطبائي و العاملي (قدّس سرّهما): «و المراد بتساوي قيمة أجزائه تساوي قيمة أجزاء النوع كالحبوب و الأدهان، فإنّ المقدار من النوع الواحد يساوي مثله في القيمة، و نصفه يساوي بنصف قيمة» (1).

(2) أي: و ممّا قيل في توضيح التساوي- المأخوذ في تعريف المثليّ- رجّح ثاني الشهيدين (قدّس سرّهما) كون المصوغ من النقدين قيميّا، لأنّه لو انفصل نقصت قيمته، فبعد الانفصال لا يساوي قيمة نصفه الفعلي نصف قيمة المجموع قبل الانفصال، فقيمة نصفه بعد الانفصال خمسة دنانير مثلا، مع أنّ قيمته قبل الانفصال كانت سبعة دنانير مثلا.

قال في الاشكال على ما أفاده المحقّق (قدّس سرّه) من قوله: «و لو كان في المغصوب صنعة لها قيمة غالبا كان على الغاصب مثل الأصل و قيمة الصنعة» ما لفظه:

«و هذا- أي لزوم الرّبا من دفع قيمة الصنعة- أقوى، فضمانها بالقيمة أظهر. مع أنّا نمنع من بقائه- أي المصنوع من النقدين- مثليّا بعد الصنعة، لأنّ أجزاءه ليست متّفقة القيمة، إذ لو انفصلت نقصت قيمتها عنها متّصلة كما لا يخفى» (2).

____________

[1] لا يخفى أنّ كلام الشهيد الثاني (قدّس سرّه) مبنيّ على كون موضوع المثليّ هو الفرد، و مثليّته ملحوظة بالنسبة إلى أبعاض الفرد، لا الكليّ بالنسبة إلى أفراده، كما هو مقتضى قول المصنّف: «و المراد بأجزائه ما يصدق عليه اسم الحقيقة» فتدبّر في العبارة.

____________

(1) مفتاح الكرامة، ج 6، ص 241؛ رياض المسائل، ج 2، ص 303، السطر 27

(2) مسالك الأفهام، ج 12، ص 191

300

قلت: و هذا (1) يوجب أن لا يكون الدرهم الواحد مثليّا، إذ (2) لو انكسر نصفين نقص قيمة نصفه عن نصف قيمة المجموع.

إلّا أن يقال (3) [1]: إنّ الدرهم مثلي بالنسبة إلى نوعه، و هو الصحيح

____________

(1) المشار إليه هو قوله: «إنّ المقدار منه إذا كان يساوي قيمة فنصفه يساوي قيمة نصفه» و غرض المصنّف (قدّس سرّه) الإيراد على تعريف المشهور حتّى بعد توجيه السيّد العاملي (قدّس سرّه) له، و حاصله: أنّه بناء على كون المناط في المثليّ مساواة قيمة نصفه لنصف قيمة كلّه يلزم خروج مسكوك النقدين- و هما الدرهم و الدينار- عن ضابط المثليّ و اندراجهما في القيميّ، فإذا كان الدينار الصحيح يساوي عشرة دراهم لم يكن قيمة نصف الدينار خمسة دراهم، بل أقلّ، لأنّ السّكّة المنقوشة على الذهب دخيلة في قيمته، و ليست المادّة بخصوصها مدار ماليّته، فكيف جعل المشهور الدرهم و الدينار مثليّين مع عدم انطباق التعريف عليهما؟

و بهذا ظهر أنّ الذهب و الفضّة لا يكونان مثليّين. أمّا المصوغ من أحدهما فلما أفاده الشهيد الثاني (قدّس سرّه) من عدم مساواة قيمة نصفه لنصف قيمة تمامه، مثلا إذا كانت قيمة سوار عشرة دنانير و وزنها مثقالين لم تكن قيمة مثقال من المكسور منه خمسة دنانير، بل هي أقلّ منها. و أمّا المسكوك منهما فلما أفاده المصنّف (قدّس سرّه)، لنفس التقريب.

و لعلّه اقتبس المطلب من تعليل الشهيد الثاني (قدّس سرّه) «إذ لو انفصلت نقصت قيمته».

(2) هذا تعليل ورود الاشكال على المشهور الّذين جعلوا الدرهم مثليّا، مع أنّهم اعتبروا مساواة قيمة النصف- مثلا- لنصف قيمة المجموع.

(3) غرضه (قدّس سرّه) توجيه عدّ المشهور الدرهم من المثليّات، و توضيحه: أنّ‌

____________

[1] لكن على هذا يكون المصوغ من النقدين أيضا مثليّا، كالخاتم، و السوار، و الخلخال و نحوها، لتساوي أمثالها في القيمة كالدرهم الصحيح.

ثمّ إنّ هذا التوجيه غير وجيه، لأنّ معنى النقص هو ما ذكر في التوضيح من كون موضوع المثليّة الفرد، و التوجيه مبنيّ على كون موضوع المثليّة هو الكليّ، و إرادة الأفراد من الأجزاء.

301

و لذا (1) لا يعدّ الجريش مثلا للحنطة، و لا الدقاقة مثلا للأرز.

و من هنا (2) يظهر أنّ كلّ نوع من أنواع الجنس الواحد، بل كلّ صنف من

____________

«الدرهم» جنس يشتمل على نوعين:

أحدهما: الصحيح، و هو الذي تكون سكّته و هيئته محفوظة.

و ثانيهما: المكسور و المعيوب، كما إذا انكسر نصفين أو أكثر، أو عاب بأن انمحى نقشه المضروب عليه.

فإن كان موضوع مثليّة الدرهم هو الجنس الصادق على السليم و المعيب انتقض تعريف المثليّ، لأنّ النصف المكسور من الدرهم لا يسوى قيمة نصف الدرهم الصحيح، لزوال ماليّة هيئته بالكسر، و صيرورة العبرة في ماليّته بنفس المادّة و هي الفضّة.

و إن كان موضوع المثليّة خصوص النوع الصحيح لم ينتقض تعريف المثليّ، إذ لا ريب في أنّ الدراهم الصّحاح متساوية في الماليّة، و ليست الدراهم المكسورة مندرجة في النوع الصحيح حتى يقال بعدم مساواة أبعاضها. و الظاهر أن مناط المثليّة عندهم هو النوع لا الجنس، و لذا لا يعدّون الجريش و الطحين مثلا للحنطة، مع انطباق الجنس عليهما.

(1) يعني: و لكون المثليّة ملحوظة بالنسبة إلى النوع- كما وجّهه بقوله:

إلّا أن يقال- لا يعدّ الجريش مثلا للحنطة. و الجريش هو الحنطة المطحونة بطحن غير ناعم، بحيث تبقى قطعا صغارا. فالحنطة جنس لها أنواع، منها الحبّات غير المطحونة، و منها: الجريش، و منها الطحين. فإذا اشتغلت الذمّة بحقّة حنطة لم تفرغ بدفع حقّة من نوع آخر كالجريش.

(2) يعني: و من لحاظ المثليّة بالنسبة إلى النوع- لا الجنس- يظهر أنّ المثليّة ملحوظة في النوع بالنسبة إلى أفراد ذلك النوع فقط، لا سائر أنواع الجنس.

302

أصناف نوع واحد مثليّ بالنسبة إلى أفراد ذلك النوع أو الصنف (1).

فلا يرد (2) ما قيل من: «أنه إن أريد التساوي بالكلّية، فالظاهر عدم صدقه على شي‌ء من المعرّف، إذ ما من مثليّ إلّا و أجزاؤه مختلفة في القيمة كالحنطة، فإنّ قفيزا من حنطة تساوي عشرة، و من اخرى تساوي عشرين.

و إن أريد التساوي في الجملة فهو في القيميّ موجود كالثوب و الأرض» (3) انتهى.

____________

(1) فالرّز في عصرنا له أنواع و أصناف عديدة ربّما يكون سعر النوع الجيّد ضعف سعر المتوسّط أو الردي‌ء. و هكذا الحنطة، و نحوهما سائر السّلع.

(2) هذا متفرّع على كون مناط المثليّة هو النوع و الصنف، دون مجرّد ما يصدق عليه الحقيقة. و غرضه (قدّس سرّه) دفع ما أورده المحقّق الأردبيليّ (قدّس سرّه) على تعريف المشهور، و محصّله: أنّ تفسير المثليّ ب‍ «ما تساوت أجزاؤه» إمّا غير منطبق على شي‌ء ممّا عدّ مثليّا، و إمّا غير مانع الصدق على الغير و هو القيميّ.

و بيانه: أنه إن أريد بالتساوي التساوي الكلّيّ و من جميع الجهات، فالظاهر عدم صدقه على شي‌ء ممّا عدّ مثليّا، لاختلاف أجزاء كلّ مثليّ في القيمة، فإنّ قفيزا من حنطة يساوي عشرة، و من حنطة أخرى يساوي عشرين، مع أنّ الحنطة من أظهر أفراد المثليّ.

و إن أريد بالتساوي التساوي في الجملة أي التقارب في القيمة- في قبال الأشياء المختلفة قيمها بكثير، كالتفاوت بين سعر الحنطة و الشعير و الأرز مثلا- لزم دخول جملة من القيميّات في التعريف، لتقارب قيم كثير من الحبوبات و الأقمشة و الثياب و نحوها، مع أنّهم جعلوها من القيميّ. و عليه فجعل ضابط المثليّ التساوي الكلّيّ غير سديد. هذا تقريب إشكال المحقّق الأردبيلي (قدّس سرّه) (1).

(3) هذه العبارة تختلف يسيرا مع ما في مجمع الفائدة، و كلامه (قدّس سرّه) متضمّن لشقّ ثالث للمنفصلة لم تذكر في المتن، و هي قوله: «و إن أريد مقدارا خاصّا فهو حوالة على المجهول».

____________

(1) مجمع الفائدة و البرهان، ج 10، ص 522 و 523

303

و قد لوّح هذا المورد (1) في آخر كلامه إلى دفع إيراده بما (2) ذكرنا من: أنّ كون الحنطة مثليّة معناه أنّ كلّ صنف منها متماثل الأجزاء (3) و متساو في القيمة، لا بمعنى أنّ (4) جميع أبعاض هذا النوع متساوية في القيمة. فإذا كان المضمون

____________

(1) و هو المحقّق الأردبيلي (قدّس سرّه)، فإنّه جعل مناط المثليّة النوع أو الصنف، و دفع به الإيراد المتقدّم في كلامه.

و لا يخفى أنّ تماثل الأفراد في النوع و الصنف غير مصرّح به في مجمع الفائدة، لكن يستفاد منه ذلك. قال (قدّس سرّه): «و الذي يقتضيه القواعد أنّه- أي المثليّ- لفظ بني عليه أحكام بالإجماع، و كأنّه بالكتاب أيضا، مثل ما تقدّم، و السّنّة أيضا، و ليس له تفسير في الشرع، بل ما ذكر اصطلاح الفقهاء، و لهذا وقع فيه الخلاف، فيمكن أن يحال إلى العرف، إذ الظاهر أنه ليس بعينه مرادا، فإنّ المثل هو المتشابه و المساواة في الجملة. و هو موجود بين كلّ شي‌ء .. فكلّ شي‌ء يكون له مثل في العرف، و يقال له:

إنّ هذا له مثل عرفا، فيؤخذ ذلك .. و يؤيّده أنّه على تقدير ثبوت كون المتلف مثليّا مثل الحنطة لا يؤخذ بها كلّ حنطة، بل مثل ما تلف عرفا .. إلخ» (1).

و مثّل أيضا بسنّ الجمل و الثوب و الفرس العتيق، حيث إنّ المضمون هو المماثل للتالف عرفا. و هذا هو النوع أو الصنف في تعبير المصنّف.

(2) متعلق ب‍ «دفع» و المراد بالموصول قوله: «إلّا أن يقال: إنّ الدرهم مثليّ بالنسبة إلى نوعه».

(3) أي: متساوية الأفراد و متساوية في القيمة.

(4) يعني: أنّ تماثل الأجزاء و تساويها قيمة ملحوظ بالنسبة إلى أبعاض الصنف الذي هو أخص من النوع، فالحنطة الحمراء و الصفراء نوعان، و لكلّ منهما أصناف كالحبّات و الجريش و الطحين، فإذا كان المضمون حقّة من الجريش الأحمر كان الواجب دفع هذا المقدار من هذا الجريش، لا دفع نفس الحنطة الحمراء‌

____________

(1) مجمع الفائدة و البرهان، ج 10، ص 525 و 526

304

بعضا من صنف فالواجب دفع مساويه من هذا الصنف، لا القيمة (1) و لا بعض من صنف آخر (2).

لكن الانصاف (3)

____________

و لا دقيقها، و لا حنطة صفراء.

(1) لاختصاص وجوب دفع القيمة بما إذا كان التالف قيميّا، و المفروض كونه مثليّا كالحنطة.

(2) لفرض أنّ مناط المثليّة هو الصنف لا الجنس و لا النوع، فلو كان المضمون دقيقا من الحنطة الحمراء لم تفرغ الذمّة بدفع دقيق حنطة أخرى، لعدم تماثل الحنطتين كما عرفت.

فتحصّل من كلام المصنّف (قدّس سرّه) أنّه- وفاقا للمحقّق الأردبيلي و غيره- وجّه تعريف المشهور للمثليّ بإرادة تساوي جزئيّات الأصناف، هذا. و سيأتي عدم تماميّة التعريف حتّى بالنظر إلى هذا التوجيه.

(3) أورد المصنّف (قدّس سرّه) على تعريف المشهور بوجهين، الأوّل: أنّ جعل مدار المثليّة هو الصنف مخالف لظاهر كلمات المشهور، لأنّهم يطلقون المثليّ على الجنس، لا الصنف. فقد عرفت تعريف المثليّ في عبارة المبسوط و تنظيره له بالتمور و الأدهان و الحنطة و الشعير، و ظاهره أنّ كلّ ما يصدق عليه التمر فهو مثليّ، مع كونه على عشرات الأصناف. و هكذا لكلّ من الحنطة و الشعير و الأدهان أقسام كثيرة.

و يترتّب على مثليّة جنس واحد- بماله من الأصناف- كفاية دفع صنف في مقام تفريغ الذمّة المشغولة بصنف آخر. مع أنّه لا ينطبق تعريف المثليّ على الأصناف، لعدم تساوي صنف لجزئيّات صنف آخر قيمة.

و دعوى «توجيه إطلاق المثليّ على جنس الحنطة بلحاظ تساوي أجزاء صنف واحد قيمة، لا بلحاظ تساوي قيمة أفراد كلّ ما يصدق عليه الحنطة، فيتمّ تعريف المشهور حينئذ» ممنوعة، لتوقّفه على الإضمار في التعريف، بأن يقال: «المثليّ‌