هدى الطالب في شرح المكاسب‌ - ج3

- السيد محمد جعفر المروج الجزائري المزيد...
629 /
305

أنّ هذا (1) خلاف ظاهر كلماتهم، فإنّهم يطلقون المثليّ على جنس الحنطة و الشعير و نحوهما، مع عدم صدق التعريف عليه (2). و إطلاق (3) المثليّ على الجنس باعتبار مثليّة أنواعه أو أصنافه و إن لم يكن بعيدا، إلّا (4) أنّ انطباق التعريف على الجنس بهذا الاعتبار (5) بعيد جدّا.

إلّا (6) أن يهملوا خصوصيّات الأصناف الموجبة لزيادة القيمة و نقصانها،

____________

هو ما تساوت أجزاء كلّ صنف من أصنافه، و ما تساوت أجزاء كل نوع من أنواعه» و لا ريب في أنّ الإضمار و التقدير خلاف الأصل، و لا يصار إليه بلا قرينة.

(1) أي: جعل مدار المثليّة على الصنف خلاف ظاهر كلماتهم، لأنّهم يطلقون المثليّ على الجنس لا الصنف.

(2) أي: على الجنس، إذ المفروض صدق التعريف أي تماثل الأجزاء- أي الأفراد- على أفراد الصنف، لا أفراد الجنس. فجعل جنس الحنطة من المثليّات لا وجه له.

(3) مبتدأ خبره جملة «و إن لم يكن بعيدا» و قد أوضحناه بقولنا: «و دعوى توجيه .. إلخ».

(4) هذا استدراك على قوله: «و إن لم يكن بعيدا» و هو جواب الدعوى، و قد عرفته أيضا.

(5) أي: باعتبار مثليّة الأنواع أو الأصناف. وجه البعد: لزوم المسامحة في التعريف، للاحتياج إلى الإضمار، بأن يقال: «ما يتساوى أجزاء أنواعه أو أصنافه» مع عدم البناء على المسامحة في التعاريف.

(6) ظاهر العبارة أنّ غرضه (قدّس سرّه) توجيه انطباق التعريف المذكور على الجنس باعتبار مثليّة أنواعه أو أصنافه على نحو يسلم عن هذا البعد. لكنّه ليس كذلك، لأنّ هذا الإهمال يوجب كون الإطلاق بلحاظ نفس الجنس لا بلحاظ الأنواع و الأصناف.

306

كما التزمه بعضهم، غاية الأمر (1) وجوب رعاية الخصوصيّات عند أداء المثل عوضا عن التالف (2) أو القرض، و هذا أبعد (3)، هذا.

____________

و لكن الصحيح أنّ قوله: «إلّا أن يهملوا» معادل لقوله (قدّس سرّه): «باعتبار مثليّة أنواعه أو أصنافه».

فالأولى في تأدية المطلب أن يقال: إنّ إطلاقهم المثليّ على الجنس إن كان باعتبار مثليّة أنواعه أو أصنافه من باب توصيف الشي‌ء بحال متعلّقه، فهو و إن لم يكن بعيدا، إلّا أنّ انطباق التعريف المذكور عليه بهذا الاعتبار بعيد جدّا.

و إن كان باعتبار إهمال الخصوصيّات النوعيّة و الصنفيّة الموجبة لزيادة القيمة و نقصانها و لحاظ جنس الشي‌ء من حيث هو، فهو و إن كان يقرب معه انطباق التعريف على الجنس بلا مسامحة و لا احتياج إلى الإضمار، بأن يكون المعنى:

ما يتساوى أجزاؤه في القيمة من حيث هو مع قطع النظر عن الأوصاف النوعيّة و الصنفيّة، و إن كانت تتفاوت فيها مع ملاحظتها.

لكن هذا الإهمال بنفسه أبعد، لأنّ مقتضى التعريف للمثليّ حينئذ أنّه لا يجب على الضامن إلّا ما صدق عليه التعريف، فلا معنى لوجوب رعاية الخصوصيّات عند الأداء، و إلّا فلا فائدة في التعريف.

و بالجملة: الغرض من التعريف تشخيص ما يتحقّق بدفعه فراغ الذمّة عمّا اشتغلت به من مال الغير، و من المعلوم دخل القيمة الناشئة من الخصوصيّات الصنفيّة في الضمان، فلا معنى لإهمال الخصوصيات.

(1) يعني: أنّهم أهملوا خصوصيّة مساواة أفراد صنف لأفراد صنف آخر قيمة، و لكن لا بدّ من رعاية خصوصيّة المضمون في مقام تفريغ الذمّة. ففرق بين مقام تعريف المثليّ و بين مقام الأداء.

(2) يعني: في المقبوض بالعقد الفاسد، في قبال ضمان البدل بالقرض.

(3) يعني: أنّ إهمال الخصوصيّات في التعريف أبعد من الإضمار، لأنّ الغرض من تعريف المثليّ تشخيص ما اشتغلت به ذمّة الضامن، فلا وجه لوجوب رعاية‌

307

مضافا إلى (1): أنّه يشكل اطّراد التعريف

____________

الخصوصيّات عند الأداء، إذ مقتضى مثليّة كلّيّ هو جواز إعطاء أيّ فرد منه أداء لما في الذمّة، من غير ملاحظة الخصوصيّات.

(1) هذا هو الإشكال الثاني على تعريف المثليّ بما في كلام المشهور من «أنّه ما تساوت قيمة أجزائه» بناء على إرادة تساوي أفراد الصنف. و حاصل الاشكال:

أنّ التعريف إمّا غير جامع للأفراد على تقدير، و إمّا غير مانع للأغيار.

توضيحه: أنّ «تساوي أفراد الصنف الواحد قيمة» إن أريد به تساويها فيها بالدّقة- بحيث لا يكون بينها تفاوت في القيمة أصلا- لزم خروج أكثر المثليّات عن التعريف، و ذلك لأنّ أفراد الصّنف الواحد من الأجناس المثليّة و إن كانت متشابهة في جهات، لكنّها تتفاوت في بعض الخصوصيّات الدخيلة في ماليّة السّلعة.

مثلا إذا كان طنّ من الحنطة الحمراء مائة دينار- أي ما يساوي ألف درهم- لم تكن قيمة أوقيّة منها درهما، بل قيمتها أزيد منه، لتفاوت المبيع جملة لقيمته مفردا، فلا يصدق تعريف المثليّ ب‍ «ما تساوت قيمة أجزاء صنف واحد» على الحنطة، مع كونها من أظهر أفراد المثليّ. و هكذا الحال في سائر السّلع و الأمتعة.

و إن أريد بتساوي الأفراد قيمة تقارب قيم الجزئيات- لا تساويها- لم يكن التعريف مانعا للأغيار، لصدق هذا المعنى على كثير من القيميّات، فإنّ أفراد القيميّ و إن لم تتساو في الصفات و الخصوصيّات، إلّا أنّ أسعارها متقاربة، بل ربّما تتساوى.

مثلا: الكتابة و الفطانة و نحوهما من صفات الكمال دخيلة في قيمة الجارية التي لها أنواع كالروميّة و الزنجيّة و التركيّة و غيرها، فيمكن أن تكون الجارية المضمونة روميّة كاتبة، و لكن للضامن دفع جارية تركيّة خدومة و فطنة تساوي تلك في القيمة، فيلزم صدق تعريف المثليّ على الإماء، مع أنّها من أظهر أفراد القيميّ.

و على هذا فتعريف المثليّ إمّا غير جامع للأفراد، و إمّا غير مانع للأغيار، فلا جدوى فيه، و لا بدّ من التماس تفسير آخر له.

308

- بناء على هذا (1)- بأنّه إن أريد تساوي الأجزاء من صنف واحد من حيث القيمة تساويا حقيقيّا، فقلّما يتّفق ذلك في الصّنف الواحد من النوع، لأنّ أشخاص ذلك الصّنف لا تكاد تتساوى في القيمة، لتفاوتها بالخصوصيّات (2) الموجبة لزيادة الرغبة و نقصانها، كما لا يخفى.

و إن أريد (3) تقارب أجزاء ذلك الصنف من حيث القيمة- و إن لم يتساو حقيقة- تحقّق ذلك في أكثر القيميّات، فإنّ لنوع الجارية أصنافا متقاربة في الصفات الموجبة لتساوي القيمة، و بهذا الاعتبار (4) يصحّ السّلم فيها، و لذا (5) اختار العلّامة في باب القرض من التذكرة [على ما حكي عنه] أنّ ما يصح فيه

____________

(1) أي: بناء على اعتبار تساوي أفراد كلّ صنف من أصناف المثليّ، لا تساوي أفراد الطبيعة.

(2) و أقلّ تلك الخصوصيّات بيعها جملة و بمقدار كثير، و بيعها بمقدار قليل كالحقّة و الأوقيّة.

(3) معطوف على قوله: «و إن أريد تساوي الأجزاء من صنف واحد» و هذا إشارة إلى إشكال عدم مانعيّة التعريف عن الأغيار، و قد تقدّم بقولنا: «و إن أريد بتساوي الأفراد قيمة تقارب قيم الجزئيات .. إلخ».

(4) أي: باعتبار تحقّق تقارب صفات أصناف الجارية، الموجبة لتساوي القيمة بمعنى التساوي العرفي المسامحيّ لا الحقيقيّ. و لأجل الاكتفاء بذلك المقدار في رفع الجهالة القادحة في صحّة البيع يصح السّلم فيها. فلو كانت متباعدة الصفات المانعة عن صدق التساوي العرفي- بحيث لم يكتف بذلك في رفع الغرر- لم يصحّ السّلم فيها من جهة الغرر.

(5) أي: و لأجل تحقّق التقارب- الموجب للتساوي العرفيّ في القيميّات- اختار العلّامة أنّ القيميّات التي يصحّ فيها السّلم مضمونة في القرض بمثلها.

فلو لم يتحقق التقارب فيها كيف يحكم بضمان بعضها بالمثل، و المراد منه الفرد الآخر‌

309

السّلم من القيميّات مضمون في القرض بمثله».

و قد عدّ (1) الشيخ في المبسوط الرّطب و الفواكه من القيميّات، مع أنّ كلّ نوع منها مشتمل على أصناف متقاربة في القيمة، بل متساوية عرفا.

____________

المماثل للعين المقترضة المتقارب لها في الصفات، بل لا بدّ من الحكم بضمان القيمة فيها مطلقا، لعدم وجود المثل حينئذ.

ففي التذكرة: «مال القرض إن كان مثليّا وجب ردّ مثله إجماعا .. و إن لم يكن مثليّا، فإن كان ممّا ينضبط بالوصف- و هو ما يصحّ السّلف فيه كالحيوان و الثياب- فالأقرب أنّه يضمنه بمثله من حيث الصورة .. و أمّا ما لا يضبط بالوصف كالجواهر و القسيّ و ما لا يجوز السّلف فيه تثبت فيه قيمته» (1).

و هذه العبارة تتكفّل الكبرى، و هي الملازمة بين القرض و بيع السّلم، بإناطة كليهما بكون المال ممّا ينضبط بالوصف. و طبّق هذه الكبرى في عبارة أخرى على الجارية، فقال: «الأموال إمّا من ذوات الأمثال أو من ذوات القيم، فالأوّل يجوز إقراضه إجماعا. و أمّا الثاني فإن كان ممّا يجوز السّلم فيه جاز إقراضه أيضا .. و هل يجوز إقراض الجواري؟ أمّا عندنا فنعم، و هو أحد قولي الشافعي، للأصل، و لأنّه يجوز إقراض العبيد، فكذا الجواري، و لأنّه يجوز السّلف فيها فجاز قرضها كالعبيد» (2).

و غرض المصنّف (قدّس سرّه) الاستشهاد به على تحقق تقارب أفراد القيميّ في القيمة، كتقارب أفراد المثليّ، فينتقض تعريف المثليّ بكثير من القيميّات.

(1) غرضه (قدّس سرّه) الاستشهاد ثانيا على تقارب قيمة القيميّات، فينتقض تعريف المثليّ بها، لاشتراكهما في تقارب أسعار أفرادها. قال شيخ الطائفة (قدّس سرّه): «و إن غصب شجرا فأثمرت كالنخل و نحوها، فالثمار لصاحب الشجر .. و إن تلف رطبا فعليه قيمته، لأنّ كلّ رطب من الثمار كالرّطب و التّفاح و العنب و نحوها إنّما تضمن بالقيمة.

____________

(1) تذكرة الفقهاء، ج 2، ص 5، السطر 4 الى 9

(2) المصدر، السطر 27 إلى 29

310

..........

____________

و إن كان رطبا فشمّسه فعليه ردّه إن كان قائما، و مثله إن كان تالفا، لأنّ الثمر له مثل» (1).

و لا يخفى أنّه (قدّس سرّه) جعل الثّمار كالتمور مثليّا على ما نقلناه عنه (في ص 26) و يمكن حمله على ما فصّله هنا بين الثمرة الرّطبة و المجفّفة، فالرّطبة قيميّ، و المجفّفة مثلي. و تحقيق ما هو الحقّ من كلاميه موكول إلى محلّه.

و قد تحصّل: أنّ المصنّف (قدّس سرّه) اعترض بوجهين على تعريف المثليّ بما في كلام المشهور، و استشهد بعبارتي التذكرة و المبسوط لإثبات الشقّ الثاني من الإيراد الثاني، و هو انتقاض التعريف بكثير ممّا عدّوه قيميّا، لأنّ تقارب قيم أفراد الصنف جهة مشتركة بين المثليّ و القيميّ، كما عرفت.

فإن قلت: لا ينتقض تعريف المثليّ بما ذكر من أفراد القيميّ، و ذلك لأنّ الأفراد المتقاربة أو المتساوية قيمة من كلّ صنف من أصناف المثليّ كثيرة، كالحنطة و الشعير، و أمّا تساوي سعر أفراد صنف من أصناف القيميّ فنادر. فلو سلّمنا دخول بعض القيميّات في تعريف المثليّ لم يقدح ذلك في انطباق التعريف على المثليات، و عدم انطباقه على غالب القيميّات.

قلت: الغرض من التعريف تحديد ما تشتغل ذمّة الضامن به، إمّا المثل أو القيمة، فيلزم تعريف كلّ منهما بما يجمع الأفراد و يمنع الأغيار، و من المعلوم أنّ دخول بعض أفراد القيميّ في تعريف المثليّ قادح في التحديد، و مجرّد قلّة مورد النقض و ندرته لا يوجب سلامة التعريف. لأنّ التعريف مبنيّ على شرح الحقيقة، لا على ما هو الغالب خارجا.

نعم يوجب عزّة الوجود الفرق بين المثليّ و القيميّ في حكمة الحكم بضمان المثل في الأوّل، و ضمان القيمة في الثاني، لا في تشخيص مصاديق أحدهما عن مصاديق الآخر الذي هو المطلوب هنا.

____________

(1) المبسوط، ج 3، ص 99 و 100

311

ثمّ (1) لو فرض أنّ الصّنف المتساوي من حيث القيمة في الأنواع القيميّة عزيز الوجود- بخلاف الأنواع المثليّة- لم يوجب (2) ذلك إصلاح طرد التعريف.

نعم يوجب ذلك (3) الفرق بين النوعين في حكمة الحكم بضمان المثليّ بالمثل، و القيميّ بالقيمة.

ثمّ إنّه عرّف المثليّ بتعاريف أخر أعمّ من التعريف المتقدّم، أو أخصّ.

فعن التحرير: «أنّه ما تماثلت أجزاؤه، و تقاربت صفاته (4)» (1).

____________

(1) هذا إشارة إلى دخل يرد على قوله: «تحقّق ذلك في أكثر القيميّات» و أوضحناه بقولنا: «فان قلت» و هو- كما أفاده سيّدنا الأستاذ (قدّس سرّه)- من صاحب الجواهر (قدّس سرّه) حيث قال: «و لا يرد النقض بالثوب أو الأرض، الذي يمكن رفعه بعدم غلبة ذلك- أي التساوي أو التقارب قيمة- فيهما. و فرض بعض الأفراد كذلك لا يناسب اطراد قواعد الشرع» (2).

(2) هذا جواب الشرط في «لو فرض» و هو دفع الدخل المتقدّم، و قد عرفته أيضا.

(3) أي: يوجب عزّة الوجود في تساوي أفراد كلّ صنف من أصناف القيميّ- و كثرة تساوي أفراد كلّ صنف من المثليّ- الفرق بين النوعين في الحكمة الداعية للحكم بضمان المثليّ بمثله، و القيميّ بقيمته. و من المعلوم خروج الجهات التعليليّة عن موضوعات الأحكام، فالعبرة بما أخذ في لسان الدليل. و قد ثبت انطباق تعريف المثليّ على بعض القيميّات، و هذا المقدار كاف في بطلان تعريف المشهور. هذا تمام الكلام فيما يتعلّق بتفسير المثليّ بما تساوت أجزاؤه في القيمة. و قد ظهر الاشكال فيه.

(4) هذا التعريف مساو لتعريف المشهور بناء على توجيهه بتساوي أفراد الصنف لا الجنس، و أخصّ منه بناء على ظاهره من تساويها في الحقيقة النوعيّة.

____________

(1) تحرير الأحكام، ج 2، ص 139

(2) نهج الفقاهة، ص 138

312

و عن الدروس و الرّوضة البهيّة: «أنّه المتساوي الأجزاء و المنفعة (1) المتقارب الصفات» (1).

و عن المسالك و الكفاية: «أنّه أقرب التعريفات إلى السّلامة» (2).

و عن غاية المراد: «ما تساوى أجزاؤه في الحقيقة النوعية» (3) (2).

و عن بعض العامّة «أنّه ما قدّر بالكيل أو الوزن» (4) (3).

____________

(1) قال المحقّق القميّ (قدّس سرّه)- في ما حكي عنه-: «و لعلّ المنفعة في كلامه عطف على القيمة المقدّرة، يعني المتساوي الأجزاء في القيمة و المنفعة. و يمكن أن يكون نظره في زيادة المنفعة إلى إخراج مثل الحنطة و الحمّص معا إذا تساويا في القيمة، و قيل النوع الواحد في تعريف المشهور يكفي عن ذلك، و في زيادة تقارب الصفات إلى ملاحظة الأصناف كما ذكرنا».

و كيف كان فتعريف الدروس أخصّ من سابقه و لا حقه كما لا يخفى.

(2) هذا أعمّ، و هو قريب من تعريف المشهور بناء على إرادة التساوي في الحقيقة، لا في النوع و الصنف. و أمّا بناء على توجيهه بالتساوي في قيمة أفراد الصنف كان تعريف الشهيد (قدّس سرّه) أعمّ، كأعمّيّته من تعريف الدروس و الرّوضة.

(3) هذا أيضا أعم من تعريف مشهور الخاصّة، لأنّ كثيرا من القيميّات لا تباع جزافا، بل لا بدّ من تقديرها بكيل أو وزن كالفواكه الرّطبة، و الحبوب، و المعاجين.

و لا يخفى أنّ التعاريف الثلاثة المنقولة عن العامّة مشتركة في ضبط المثليّ بالمكيل و الموزون، و يكون اختلافها بالإطلاق و التقييد، فهذا التعريف مطلق، و يشتمل التعريف الثاني و الثالث على قيد زائد.

____________

(1) الدروس الشرعية، ج 3، ص 113؛ الروضة البهيّة، ج 7، ص 36

(2) مسالك الأفهام، ج 12، ص 183؛ كفاية الأحكام، ص 257

(3) غاية المراد، ص 135

(4) روضة الطالب، ج 4، ص 108

313

و عن آخر منهم: «زيادة جواز بيعه سلما» (1).

و عن ثالث منهم: «زيادة جواز بيع بعضه ببعض» (2). إلى غير ذلك ممّا حكاه في التذكرة (3) عن العامّة [1].

____________

(1) فيصير أخصّ من تعريف المثليّ ب‍ «مطلق ما يقدّر كمّه بالكيل أو الوزن» لتوقّف بيع السّلم على إمكان ضبط المبيع بالوصف. فما يعتبر فيه المشاهدة كالجلود لا تباع سلما.

(2) كجواز بيع الحنطة بمثلها كيلا أو وزنا، و التمر بمثله، و هكذا. فيندرج فيه كلّ مكيل أو موزون جاز بيعه ببعض آخر من جنسه، و هو صادق على جملة من القيميّات.

(3) قال فيها- بعد حكاية تعريف شيخ الطائفة و التعاريف الثلاثة عن العامّة-: «و قال بعضهم: المثليّات هي التي تقسم بين الشريكين من غير حاجة إلى تقويم ..

و قال آخرون: المثليّ ما لا يختلف أجزاء النوع الواحد منه في القيمة .. و يقرب منه قول من قال: المثليّات هي التي تتشاكل في الخلقة و في معظم المنافع، أو ما يتساوى أجزاؤه في المنفعة و القيمة. و زاد بعضهم: من حيث الذات لا من حيث الصفة .. إلخ» (1) مما لا جدوى في نقله، فراجع.

____________

[1] و في حاشية المحقّق الايرواني (قدّس سرّه) على المتن: «و الأحسن أن يعرّف المثليّ بما تشابهت أفراده و جزئيّاته في الصورة و الصفات، اللازم منه التساوي في الرغبات، اللازم منه التساوي في الماليّة. و على هذا فجنس الحنطة المختلف الأنواع و الأصناف اختلافا فاحشا إن لم يكن مثليّا صادقا عليه التعريف، فأصنافه النازلة مثليّة البتة» (2).

و يمكن أن يقال: إنّ تفريغ ما في الذمّة مقام، و تعريف المثليّ و تمييز كون شي‌ء

____________

(1) تذكرة الفقهاء، ج 2، ص 381

(2) حاشية المكاسب، ج 1، ص 97

314

____________

مثليّا عن كونه قيميّا مقام آخر، لأنّ تفريغ الذمّة إنّما يحصل بأداء ما اشتغلت به من الجهات الكليّة و الشخصيّة الدخيلة في الماليّة. فالمثليّة إنّما تكون بلحاظ الجامع الذي له أفراد كثيرة متماثلة في الصفات التي تختلف بها الرغبات. فكلّ كلّيّ تكثر أفراده المتماثلة في الصفات الموجبة لاختلاف الرغبات الدخيلة في اختلاف المالية يكون مثليّا، و القيميّ بخلافه.

و على هذا فمنتوجات المعامل الحديثة من الفروش و الظروف و غيرهما مما يغلب اتّفاقها في الصفات المختلفة بها الرغبات كلّها مثليّة، لتساويها في المقدار و الهيئة.

و عليه فالذهب و الفضّة المسكوكان و كذا غير المسكوكين- إذا لم يكونا مصوغين- من المثليّات. و أمّا المصوغان فهما من القيميّ، لاختلاف الصياغة في الصفات الموجبة لتفاوت الرّغبات، و اختلاف الماليّة. و كذا الحال في الحديد و النحاس.

و قيل في ضابط المثليّ و القيميّ: إنّ ماليّة الأموال تارة تكون باعتبار الجامع و الجهات الكليّة من دون لحاظ المشخّصات الفرديّة كالحنطة، فإنّ ماليّتها إنّما تكون بالحنطيّة، و الحمرة و الصفرة و غيرها من الجهات الكليّة نظير كتابة زيد لانسانيّته.

و اخرى تكون بلحاظ الجهات الشخصيّة و الخصوصيّات الفرديّة. فالأوّل هو المثليّ، و الثاني هو القيميّ.

و على هذا فالمثليّ هو الكليّ الذي تكون ماليّة أفراده بالجهات الكليّة الجنسيّة أو النوعيّة أو الصنفيّة، بحيث لا دخل للخصوصيّات الشخصيّة في ماليّتها.

و لعلّه يرجع إلى هذا التعريف ما أفاده المحقّق الخراساني (قدّس سرّه) بقوله: «فالأولى تعريفه بما كثر أفراده التي لا تفاوت فيها بحسب الصفات المختلفة بحسب الرغبات» (1). و القيميّ بخلافه كالفرس، فإنّ مناط ماليّته هي الجهات الشخصيّة.

____________

(1) حاشية المكاسب، ص 35

315

ثمّ (1) لا يخفى أنّه ليس للفظ المثليّ حقيقة شرعيّة و لا متشرّعيّة. و ليس

____________

(1) هذا تتمّة البحث عن معنى المثليّ، و تمهيد لبيان حكم الشك في كون المضمون مثليّا أو قيميّا. و توضيحه: أنّ تعرّض الفقهاء لتفسير المثلي و القيميّ منوط بوقوع لفظهما موضوعا لحكم شرعيّ في لسان الدليل، كموضوعيّة «الصعيد» لجواز التيمّم به، و موضوعيّة «المفازة و الوطن و الغناء» لأحكام اخرى، فلو لم يتعلّق به حكم لم يكن شأن الفقيه تحقيق معنى اللفظ. هذا بحسب الكبرى.

و أمّا بحسب الصغرى فلم يرد لفظ «المثليّ» في نصوص الضمان حتى يبحث عن مفهومه. فالداعي لبيان معناه هو الإجماع على ضمان المثليّ بالمثل، فيلزم حينئذ تعريفه لتمييز المضمون، و أنّه مثليّ أو قيميّ.

و على هذا نقول: إمّا أن يكون «المثليّ» بمعناه اللغوي و هو المماثل و «الشبيه» (1) و إمّا أن يكون منقولا عن اللغة إلى معنى آخر شرعيّا أو متشرعيّا، كنقل ألفاظ الصلاة و الزكاة و الحجّ و نحوها عن معانيها اللغويّة إلى ما ينسبق إلى أذهان المتشرّعة. و إمّا أن يكون بمعناه العرفيّ، و هو أعمّ من اللغويّ. هذا بحسب الثبوت.

____________

فما تنتجها المعامل الحديثة يكون مثليّا، لأنّ ماليّته بجهاته الكلّيّة، مثل كون الظرف المنتج فيها من القسم الكذائيّ. و كذا الذهب و الفضة المسكوكان و غير المسكوكين قبل الصياغة. و أمّا بعدها فإن كانت مصنوعة في المعامل فهي مثليّة أيضا، لتساوي أفراد كلّ صنف منها في الوزن و عيار الذهب. و إن كانت مصوغة باليد كانت قيميّة، لاختلاف الصياغة في الصفات الموجبة لتفاوت الرّغبات و اختلاف الماليّة.

و إن أمكن جعلها مثليّة أيضا، لإمكان صوغ أسورة عديدة متساوية وزنا و قدرا.

هذا كلّه إذا أحرز كون المضمون مثليّا أو قيميّا. و أمّا إذا شكّ فيه، فسيأتي البحث عنه في آخر هذا الأمر الرابع إن شاء اللّه تعالى.

____________

(1) المصباح المنير، ص 563

316

المراد معناه اللغوي، إذ (1) المراد بالمثل لغة المماثل [1]. فإن أريد من جميع الجهات فغير منعكس (2)، و إن أريد من بعضها فغير مطّرد (3). و ليس (4) في النصوص

____________

و أمّا بحسب مقام الإثبات فلا يراد منه المعنى اللغويّ و هو المماثل، لما تقدّم من الإشكال الثاني على تعريف المشهور، حيث إنّه غير جامع لأفراد المثليّ لو أريد التماثل من جميع الجهات، و غير مانع عن دخول بعض القيميّات فيه لو أريد التماثل من بعض الجهات.

و أمّا المعنى الثاني- و هو نقله إلى اصطلاح شرعيّ أو متشرّعيّ- ففيه: أنّه لا حقيقة شرعيّة و لا متشرّعيّة في مثله.

فيتعيّن إرادة معناه العرفي بأن يقال: إنّ الفقهاء بصدد بيان مفهومه عرفا.

نعم اختلف المجمعون في مثليّة جملة من الأشياء، و القاعدة تقتضي الحكم بضمان المثليّ بمثله إذا كانت مثليّته متفقا عليها، و الرجوع في الأمور المختلف فيها إلى وجه آخر سيأتي بيانه.

(1) تعليل لعدم إرادة معنى «المثل» لغة في مبحث الضّمان.

(2) يعني: فغير منطبق على أفراد المعرّف، بمعنى عدم كونه جامعا لأفراده.

(3) أي: غير مانع عن دخول أفراد القيميّ في التعريف.

(4) هذا إشارة إلى الكبرى المتقدّمة بقولنا: «و توضيحه: أنّ تعرّض الفقهاء .. إلخ»‌

____________

[1] هذا خلط بين المثل الذي هو مباين للمال التالف، و بين المثليّ الذي هو كلّيّ ينطبق عليه و يصحّ حمله عليه بالحمل الشائع، و كلامنا في الثاني الذي عرّف بتعاريف.

و المثل بالمعنى الأوّل موضوع لأداء ما في الذمّة، لصدق الأداء الرافع للضمان عليه، لكونه الفرد المماثل للتالف من جميع الجهات الدخيلة في ماليّة التالف. و لم يتصدّ أحد لتعريفه و إن تصدّوا لتعريف المثليّ الذي هو الكليّ. و الإشكالات الطّرديّة و العكسيّة واردة على تعريف المثليّ، لا تعريف الفرد المماثل للتالف.

317

حكم يتعلّق بهذا العنوان حتى يبحث عنه.

نعم (1) وقع هذا العنوان في معقد إجماعهم على «أنّ المثليّ يضمن بالمثل و غيره بالقيمة» و من المعلوم أنّه لا يجوز الاتّكال في تعيين معقد الإجماع على قول بعض المجمعين مع مخالفة الباقين (2). و حينئذ (3) فينبغي أن يقال: كلّما كان مثليّا باتفاق المجمعين فلا إشكال في ضمانه بالمثل، للإجماع [1]. و يبقى ما كان مختلفا فيه بينهم كالذهب و الفضة غير المسكوكين. فإنّ صريح الشيخ في المبسوط كونهما من القيميّات (4)،

____________

و كان المناسب تقديم الوجه الداعي لهذا البحث المفصّل عن معنى المثليّ.

(1) استدراك على ما يفهم من قوله: «و ليس في النصوص ..» يعني: أنه و إن لم يرد لفظ المثليّ في الأخبار، لكنّه ورد في دليل تعبّديّ آخر و هو الإجماع.

(2) سيأتي في المتن ذكر بعض موارد اختلاف الفقهاء في المثليّة و القيميّة، مع اتّفاقهم على أصل الحكم و هو ضمان المثليّ بالمثل.

(3) أي: و حين عدم جواز الاتكال- في تشخيص صغريات المثليّ- على قول بعض المجمعين فينبغي أن يقال .. إلخ. و قد ذكر المصنّف من موارد المختلف في مثليّتها و قيميّتها أمورا أربعة ستأتي في المتن.

(4) قال (قدّس سرّه) فيه: «و أمّا إذا كان- أي التالف- من جنس الأثمان لم يخل من أحد أمرين، إمّا أن يكون ممّا فيه صنعة، أو لا صنعة فيه، فإن كان ممّا لا صنعة فيه- و هو‌

____________

[1] ظاهر هذه العبارة و قوله: «و حينئذ فينبغي أن يقال .. إلخ» أنّ مثليّة بعض الأموال و قيميّة الآخر تعبّديّة، فلا بدّ من الرجوع إلى الدليل الشرعيّ في تعيينه و هو الإجماع بالنسبة إلى بعض الموارد. و الظاهر أنّه ليس كذلك، لأنّ المثليّة و القيميّة من الموضوعات العرفيّة التي يرجع فيها إلى العرف، فإتّفاق المجمعين في بعض الموارد، و اختلافهم في الآخر إنّما هو من حيث كونهم من أهل العرف، لا من حيث إنّهم من أهل الشرع. هذا ما قيل، فتأمل فيه.

318

و ظاهر غيره (1) كونهما مثليّين. و كذا الحديد و النحاس و الرصاص، فإنّ ظواهر عبارة المبسوط (2) و الغنية و السرائر كونها قيميّة. و عبارة التحرير (1) صريحة في كون أصولها مثلية، و إن كان المصوغ منها قيميّا.

____________

النقرة- فعليه قيمة ما أتلف من غالب نقد البلد .. فأمّا إذا كان فيها صنعة، لم يخل من أحد أمرين، إمّا أن يكون استعمالها مباحا أو محظورا. فإن كان استعمالها مباحا كحليّ النساء و حليّ الرّجال مثل الخواتيم و المنطقة .. فإن كان غالب نقد البلد من غير جنسها قوّمت به .. إلخ» (2). و المستفاد منه تقويم الذهب و الفضّة بنقد البلد، سواء كانا سبيكتين، أم مصوغتين.

(1) كابن إدريس و المحقّق و العلّامة و فخر الدين و الشهيد و المحقّق الثاني، على ما حكاه عنهم السيد الفقيه العاملي (قدّس سرّهم)، ذكر ذلك شارحا لقول العلامة: «و الذهب و الفضة يضمنان بالمثل، لا بنقد البلد» (3).

(2) قال فيه: «فإن كان- أي التالف- من غير جنسها- أي جنس الأثمان- كالثياب و الخشب و الحديد و الرصاص و النحاس و العقار و نحو ذلك من الأواني كالصّحاف و غيرها فكلّ هذا و ما في معناه مضمون بالقيمة» (4).

و في التذكرة أيضا، حيث قال بعد ذكر عديد من الأشياء: «و الأظهر عندهم أنّها بأجمعها مثليّة» (5). و كلامه (قدّس سرّه) ناظر إلى أصولها- كما نسبه المصنّف إليه في التحرير- لا المصنوع منها.

____________

(1) تحرير الأحكام، ج 2، ص 139

(2) المبسوط، ج 3، ص 60 و 61

(3) مفتاح الكرامة، ج 6، ص 258؛ تذكرة الفقهاء، ج 2، ص 384

(4) المبسوط، ج 3، ص 60؛ غنية النزوع، ص 537، السطر 13؛ السرائر الحاوي، ج 2، ص 480

(5) تذكرة الفقهاء، ج 2، ص 381، السطر 31

319

و قد صرّح الشيخ (1) في المبسوط (1) بكون الرّطب و العنب قيميّا، و التمر و الزبيب مثليّا.

و قال في محكيّ المختلف: «إنّ (2) في الفرق إشكالا» بل (3) صرّح بعض من قارب عصرنا (2) «بكون الرّطب و العنب مثليّين».

و قد حكي (4) عن موضع من جامع المقاصد: «أنّ الثوب مثليّ» و المشهور خلافه.

و أيضا (5) فقد مثّلوا للمثليّ بالحنطة و الشعير. و لم يعلم أنّ المراد نوعهما

____________

(1) تقدّم نقل كلامه آنفا، فراجع. و هذا ثالث موارد الاختلاف.

(2) قال بعد نقل كلام الشيخ (قدّس سرّه): «و في الفرق إشكال» (3).

(3) الوجه في الإضراب هو: أنّ العلّامة لم يجزم بمثلية الرّطب و العنب، و إنّما استشكل في الفرق بين العنب و الزبيب بجعل العنب قيميّا و الزبيب مثليّا. و أمّا المحقّق القميّ (قدّس سرّه) فلم يتردّد في مثليّة الرّطب و العنب، فيكون مخالفا لشيخ الطائفة (قدّس سرّه).

(4) هذا مورد رابع ممّا اختلفوا في كونه مثليّا أو قيميّا، قال المحقّق الثاني (قدّس سرّه) بعد نقل تعريف المبسوط: «و نقض بالثوب و نحوه، فإنّ قيمة أجزائه متساوية، و ليس بمثليّ» (4). و لم يظهر أنّ النقض بالثوب منه أو من غيره من الفقهاء.

(5) لم يختلفوا في كون الحنطة و الشعير مثليّين، فغرض المصنف (قدّس سرّه) أنّهما و إن كانا متيقّنين من المثليّات، إلّا أنّه لم يظهر منهم أنّ المثليّة هل هي ملحوظة بالنسبة إلى أفراد طبيعة نوعيّة كالحنطة مثلا، فأنواعها و أصنافها أفراد الكلّيّ المثليّ؟ أم أنّها‌

____________

(1) المبسوط، ج 3، ص 60 و 99 و 100

(2) هو المحقّق القمي في جامع الشتات، ج 2، ص 543 و 544

(3) مختلف الشيعة، ج 6، ص 135

(4) جامع المقاصد، ج 6، ص 243 و 244، و الحاكي عنه هو السيد العاملي في مفتاح الكرامة، ج 6، ص 241

320

أو كلّ صنف (1)، و ما المعيار في الصنف؟ و كذا التمر.

[حكم الشك في كون التالف مثليّا أو قيميّا]

و الحاصل: أنّ موارد عدم تحقّق الإجماع على المثليّة فيها كثيرة (2)، فلا بدّ (3)

____________

ملحوظة بالنسبة إلى الأصناف، فكلّ صنف مثليّ بالنسبة إلى خصوص جزئيّاته، لا بالنسبة إلى سائر الأصناف. و هل المراد بتساوي الأجزاء في القيمة تساويها من جميع الجهات أو من بعضها؟

(1) حيث إنّ للتمر عشرات الأصناف، فهل مناط مثليّته صدق الحقيقة، أم النوع.

(2) كالأراضي، فقد اختلفوا في ضمانها بالمثل أو بالقيمة.

حكم الشك في كون التالف مثليّا أو قيميّا

(3) هذا شروع في المقام الثالث ممّا تعرّض له في الأمر الرابع، و هو حكم الشك في كون التالف مثليّا أو قيميّا. و كان المناسب بيان الأدلة على أصل اعتبار المثل، ثم التعرض لحكم الشك. و قد اقتصر (قدّس سرّه) على نقل إجماعهم على الحكم، و أخّر الوجهين الآخرين.

و كيف كان ففي تردّد المضمون بين المثليّ و القيميّ وجوه أربعة:

أوّلها: الضمان بالمثل معيّنا.

ثانيها: الضمان بالقيمة كذلك.

ثالثها: تخيير الضامن بين المثل و القيمة.

رابعها: تخيير المالك بينهما.

و اضطربت كلمات المصنّف (قدّس سرّه) في حكم المسألة، فرجّح أوّلا تخيير الضامن بين دفع المثل و القيمة، ثم تخيير المالك لو كان تخيير الضامن مخالفا للإجماع. ثم قوّى تخيير المالك من أوّل الأمر. ثم عاد إلى تقوية تخيير الضامن، و في آخر البحث ذهب إلى اقتضاء أدلة الضمان ثبوت المثل في العهدة، لكونه أقرب إلى التالف، و سيأتي بيانها بالترتيب إن شاء اللّه تعالى.

321

من ملاحظة أنّ الأصل (1) الذي يرجع إليه عند الشك هو الضمان بالمثل أو بالقيمة أو تخيير المالك أو الضامن بين المثل و القيمة؟

و لا يبعد أن يقال (2): إنّ الأصل هو تخيير الضامن، لأصالة (3) براءة ذمّته

____________

(1) ظاهره هو الأصل العمليّ من البراءة أو الاشتغال، لكن المراد به أعمّ منه و من الأصل اللفظيّ، لما سيأتي من الاستدلال بحديث «على اليد» على تخيير المالك.

(2) أشرنا آنفا إلى أنّ المصنّف (قدّس سرّه) رجّح بدوا تخيير الضامن في مقام تفريغ ذمّته بين أداء المثل و القيمة. و هو مبنيّ على أمرين:

أحدهما: جريان أصالة البراءة عن ضمانه بأمر زائد على ما يختاره.

ثانيهما: الإجماع- بل الضرورة- على عدم وجوب الجمع بين المثل و القيمة.

أمّا الأوّل فتوضيحه: أنّ الضامن يعلم باشتغال ذمته بما تلف عنده من مال الغير، و لكنّه- عند الشكّ في كون التالف مثليّا و قيميّا- إذا أدّى أحدهما إلى المالك يشكّ في اشتغال عهدته بأمر زائد على ما أدّاه، و من المعلوم جريان أصالة البراءة النافية لضمانه بشي‌ء آخر. فإن دفع المثل نفى ضمانه بالقيمة بالأصل. و إن دفع القيمة نفى به ضمانه بالمثل.

هذا بناء على ما حقّق في الأصول من جريان الأصل في الأحكام الوضعيّة كجريانه في التكليفيّة. و إن قلنا باختصاص الجعل بالتكليف جرى الأصل في منشأ الانتزاع و هو وجوب الغرامة.

و أمّا الثاني فلأنّه لولا الإجماع على عدم وجوب الجمع بين الخصوصيّتين اقتضت أصالة الاشتغال دفع المثل و القيمة معا تحصيلا للقطع بالفراغ.

و بتماميّة الأمرين يتّضح وجه تخيير الضامن.

(3) بناء على كون الفرق بين المثل و القيمة هو الفرق بين الأقلّ و الأكثر، فيكون الشك في وجوب المثل شكّا في وجوب الأكثر. و أمّا بناء على كونهما من قبيل المتباينين- لكون المراد من القيمة في المقام النقد الواقع ثمنا كالدينار و الدرهم-

322

عمّا زاد على ما يختاره. فإن فرض (1) إجماع على خلافه

____________

فيرجع عند الشك في أحدهما بعينه إلى أصالة الاحتياط.

(1) شرع المصنّف من هذه العبارة في ترجيح تخيير المالك بين مطالبة المثل أو القيمة، و سلك لإثباته طريقين، أحدهما: بالنظر إلى الإجماع على عدم تخيير الضامن في مقام تفريغ ذمّته، و الآخر: مع قطع النظر عن هذا الإجماع.

أمّا الأوّل- و هو تخيير المالك مع الالتفات إلى الإجماع- فيدلّ عليه وجهان:

أوّلهما: أصالة عدم براءة ذمّة الضامن بدفع ما لا يرضى به المالك، كما إذا زعم الضامن كونه مخيّرا، فأدّى القيمة إلى المالك، و لم يرض بها، إذ يشك حينئذ في فراغ ذمّة الضامن عمّا اشتغلت به قطعا، و مقتضى استصحاب بقاء ما في العهدة عدم حصول البراءة بدفع ما يختاره الضامن و لم يرض به المالك. و قد تقرّر حكومة الاستصحاب على الأصل غير المحرز كالبراءة، فلا سبيل لإثبات تخيير الضامن بالتمسّك بأصالة البراءة.

ثانيهما: حديث «على اليد ما أخذت حتى تؤدّي» حديث إنّ الضمير المحذوف الراجع إلى «ما» الموصول ظاهر في تحقق الأداء- المسقط للضمان- بردّ نفس العين، إلّا إذا رضي المالك بردّ غيرها، فلا يرتفع الضمان بردّ غير العين إلّا برضا المالك، و مرجع هذا إلى تخيير المالك. فلو أدّى الضامن القيمة المغايرة للعين المضمونة- و لم يرض المالك بها- دلّ الحديث على بقاء مال الغير في عهدة الآخذ، و عدم حصول الغاية- و هي: حتّى تؤدّي- المفرّغة لما في الذمّة.

و أمّا الثاني:- أعني به ثبوت تخيير المالك مع الغضّ عن الإجماع على عدم تخيير الضامن- فيقتضيه أصالة الاشتغال، للشكّ في فراغ ذمّة الضامن بدفع ما لا يرضى به المالك. و لا ريب في أنّ الاشتغال اليقينيّ يقتضي البراءة اليقينيّة المنوطة بدفع المثل و القيمة معا. نعم الإجماع قائم على عدم وجوب الجمع بينهما.

و لكنّه لا يثبت تخيير الضامن، و إنّما يثبت تخيير المضمون له، لأنّه مالك لذمّة‌

323

فالأصل (1) تخيير المالك، لأصالة عدم (2) براءة ذمّته بدفع ما لا يرضى به المالك.

____________

الضامن، فله مطالبة ما شاء.

فإن قلت: إنّ أصالة البراءة معارضة لقاعدة الاشتغال، فتتساقطان، لكونهما في رتبة واحدة، فلا يبقى مرجّح لتخيير المالك من أوّل الأمر، و ينتهي الأمر إلى الطريق الأوّل المنوط بالاعتماد على الإجماع على عدم تخيير الضامن.

قلت: لا معارض لأصالة الاشتغال هنا، لعدم جريان أصالة البراءة في أمثال المقام ممّا يكون المتعلّق دائرا بين المتباينين، و هما المثل و القيمة، إذ لو كانت القيمة هي مجرّد ماليّة المضمون الموجودة في جميع الأعيان المتمولّة كانت هي الأقلّ، و كان المثل الواجد للجهات الصنفيّة المشتركة مع التالف هو الأكثر، فيكون المقتضي لجريان أصالة البراءة عن وجوب دفع الأكثر موجودا، و هي معارضة لقاعدة الاشتغال المقتضية لتخيير المالك.

و لكن المراد بالقيمة في باب الضمان هو النقد الواقع ثمنا كالدرهم و الدينار و الأنواط التي يعامل بها. و من المعلوم أنّ المثل و النقد متباينان، لعدم كون القيمة بعضا من المثل حتى تجري أصالة البراءة عن الأكثر، كما تجري في الزائد على المتيقّن عند دوران الدّين بين تسعين و مائة درهم مثلا.

و عليه فقاعدة الاحتياط تجري بلا معارض، و بعد الإجماع على عدم وجوب أداء الخصوصيّتين يتّجه تخيير المالك في قبول المثل أو القيمة. هذا تقريب القول بتخيير المالك.

(1) هذا الأصل أعمّ من العمليّ و اللفظيّ، لأنّه استدلّ بحديث «على اليد» و هو دليل اجتهاديّ.

(2) أي: استصحاب بقاء المضمون على عهدة الضامن، و قد عرفته بقولنا:

«أوّلهما: أصالة عدم براءة ذمّة الضامن بدفع ما لا يرضى به المالك .. إلخ».

324

مضافا إلى عموم (1) «على اليد ما أخذت حتى تؤدّي» فإنّ مقتضاه (2) عدم ارتفاع الضمان بغير أداء العين، خرج ما إذا رضي المالك بشي‌ء آخر (3).

و الأقوى (4) تخيير المالك من أوّل الأمر (5)، لأصالة الاشتغال.

و التمسّك (6) «بأصالة البراءة» لا يخلو من منع (7).

نعم يمكن أن يقال (8):

____________

(1) هذا أصل لفظيّ يقتضي تخيير المالك. و قد أوضحناه بقولنا: «ثانيهما:

حديث- على اليد- حيث إن الضمير .. إلخ».

(2) أي: مقتضى عموم «على اليد» عدم ارتفاع الضمان .. إلخ.

(3) و بقي- ما لم يرض المالك به- في عموم «على اليد» المقتضي للضمان بقاء، كاقتضائه له حدوثا بمجرّد وضع اليد.

(4) هذا هو الطريق الثاني لإثبات تخيير المالك، و قد عرفته بقولنا: «و أمّا الثاني .. فيقتضيه أصالة الاشتغال .. إلخ».

(5) يعني: مع قطع النظر عن الإجماع على عدم تخيير الضامن.

(6) مبتدأ خبره «لا يخلو من منع» و هو دفع دخل، و قد تقدّم توضيحهما بقولنا: «فإن قلت: إن أصالة البراءة معارضة لقاعدة الاشتغال .. قلت: لا معارض لأصالة الاشتغال .. إلخ».

(7) إمّا لما ذكرناه من كون العلم الإجماليّ بالمثل و القيمة من قبيل العلم الإجماليّ بالمتباينين، و إمّا لما قيل من كونه من التعيين و التخيير الذي هو مجرى أصالة التعيينيّة، فتأمّل.

(8) هذا نظره الثالث في المسألة، و هو إثبات التخيير بين المثل و القيمة عقلا بمناط دوران الأمر بين المحذورين، لا التخيير الشرعيّ كما تقدّم في النظرين السابقين، و هما تخيير الضامن و تخيير المالك.

و هذا الوجه يعتمد على مقدّمتين:

325

..........

____________

الأولى: عدم تماميّة شي‌ء من الأقوال الأربعة، و هي تعيين المثل، و تعيين القيمة، و تخيير الضامن، و تخيير المالك، إذ لو نهض دليل على ترجيح أحدها تعيّن المصير إليه، سواء أ كان الدليل الشرعي أصلا لفظيّا كحديث «على اليد» أم عمليّا كالاستصحاب و الاشتغال و البراءة. فإذا نوقش فيها- إمّا لقصور المقتضي و إمّا لوجود المانع و هو المعارضة- تصل النوبة إلى تعيين الوظيفة بحكم العقل.

الثانية: قيام الإجماع على عدم تخيير المالك بين مطالبة المثل و القيمة، إذ لو تمّ هذا الإجماع كان الدليل الاجتهاديّ على تخييره شرعا موجودا، و معه لا مجال للتمسك بالأصل العمليّ العقليّ المتأخّر رتبة عن الأصول الشرعيّة.

و بناء على هاتين المقدّمتين نقول: إنّ المستقرّ في عهدة الضامن إمّا المثل أو القيمة، فإن رضي المالك بما يؤدّيه الضامن فلا كلام. و إن لم يرض به فإن كانت الذمّة مشغولة بالمثل واقعا و دفع القيمة إلى المالك لم تفرغ ذمّته عمّا اشتغلت به. و إن كانت مشغولة بالقيمة كذلك و أدّى المثل لم تفرغ ذمّته. كما أنّه لو كان على الضامن هو المثل لم يكن للمالك الامتناع عن قبوله، و ليس له مطالبة القيمة، و كذا لو كان عليه القيمة لم يكن للمالك الإباء عن قبولها.

فيدور أمر كلّ من الضامن و المالك بين المحذورين. أمّا الضامن فلأنّ ما عليه واقعا إحدى الخصوصيّتين مع فرض عدم وجوب الجمع بينهما.

و أمّا المالك فلاستحقاقه واقعا أحد الأمرين لا كليهما، و لا تخيير شرعا بينهما حسب الفرض. فيقال بالتخيير عقلا من باب الاضطرار. كما يقال في تخيير المجتهد في مقام الفتوى في ما لو اختلفت الأمّة على قولين، و لم يقم على أحدهما دليل بالخصوص، و لم يجز إبداع رأي ثالث في المسألة، فيتخيّر عقلا في الفتوى على‌

326

- بعد عدم الدليل لترجيح أحد الأقوال (1)، و الإجماع (2) على عدم تخيير المالك- بالتخيير (3) في الأداء، من جهة دوران الأمر بين المحذورين [1] أعني (4): تعيّن المثل بحيث لا يكون للمالك مطالبة القيمة، و لا للضامن الامتناع (5)،

____________

طبق أحد القولين، هذا.

(1) هذا إشارة إلى المقدّمة الأولى. و عدم ترجيح بعض الأقوال مبنيّ على الغضّ عمّا جعله أقوى من تخيير المالك.

(2) بالجرّ معطوف على «عدم» يعني: و بعد الإجماع على عدم تخيير المالك.

و هذا إشارة إلى المقدّمة الثانية.

(3) متعلق ب‍ «يقال» يعني: يقال بالتخيير العقليّ.

(4) هذا بيان المحذورين. فإن كان المضمون خصوص المثل وجب على الضامن بذله، و لم يجز للمالك الامتناع عن قبوله. و إن كان المضمون خصوص القيمة وجب على الضامن أداؤها و لم يجز للمالك مطالبة المثل. و حيث إنّ الواقع مجهول لم يمكن تحصيل العلم ببراءة الذمّة، فيحكم العقل بالتخيير بين أداء المثل و القيمة.

(5) أي: الامتناع عن بذل المثل.

____________

[1] فيه: أنّ المقام أجنبيّ عن الدوران بين المحذورين اللذين يحكم فيه العقل بالتخيير، و ذلك لأنّه إنّما يكون في أمرين لا يمكن فعلهما و لا تركهما، كدوران الأمر بين وجوب شي‌ء و حرمته، أو وجوب شي‌ء و وجوب ضده، في الضدّين اللّذين لا ثالث لهما كالحركة و السكون. و ليس المقام كذلك، لإمكان تحصيل اليقين بالبراءة بدفع المثل و القيمة إلى المالك، ليأخذ المالك ما شاء منهما، و إن لم يخرجا عن ملكه بمجرّد الدفع.

و مع إمكان تحصيل اليقين بالبراءة بهذا النحو لا تصل النوبة إلى القرعة.

327

و تعيّن (1) القيمة كذلك (2)، فلا متيقّن (3) في البين. و لا يمكن (4) البراءة اليقينيّة عند التّشاحّ (5)، فهو (6) من باب تخيير المجتهد في الفتوى.

____________

(1) معطوف على «تعيّن المثل» يعني: أنّ منشأ كون المقام من موارد الدوران بين المحذورين هو تعيّن أحد الأمرين واقعا، و المفروض عدم طريق إلى إحرازه.

(2) يعني: بحيث لا يكون للمالك مطالبة المثل، و لا للضامن الامتناع عن بذل القيمة.

(3) إذ ليس المثليّ و القيميّ من قبيل الأقلّ و الأكثر حتى يكون الأقل هو المتيقن، بل هما متباينان، فلا تجري البراءة في المثليّة.

(4) لكونهما متباينين. و عدم الاحتياط في الماليّات، فالمضمون له لا يستحقّ واقعا إلّا أحدهما.

(5) بأن لا يأذن الضامن إلّا بقبض ما عليه واقعا، و لا يرضى المالك أيضا إلّا بما له واقعا، و المفروض جهلهما بالواقع، فلا يمكن تحصيل اليقين بالبراءة.

(6) حيث إنّ الضامن يدور أمر أدائه بين المحذورين، إجزاء المثل بخصوصه، و القيمة كذلك، لعدم القدر المتيقّن الذي تحصل به البراءة، فيتخيّر الضامن حينئذ. نظير تخيير المجتهد في الفتوى بما يختاره من المحذورين اللذين دار أمره بينهما، كما إذا قام عنده خبران متعارضان أحدهما يأمر بفعل و الآخر ينهى عنه، فإن كان الخبر الآمر صادرا واقعا وجبت الفتوى بمضمونه و لم تجز الفتوى بالحرمة. و إن كان الخبر الناهي صادرا وجبت الفتوى بالحرمة و حرمت الفتوى بالوجوب.

و حيث إنّ المفروض تردّد الصادر واقعا بين الخبرين فقد تردّد الأمر عنده بين الوجوب و الحرمة، فلا محالة يفتي بمضمون أحدهما، هذا.

328

فتأمّل (1) [1] هذا.

____________

(1) لعلّه إشارة إلى: أنّ تخيير المجتهد إنّما هو في تعارض الخبرين دون مثل المقام.

أو إلى: أنّ التخيير منوط بعدم ترجيح لأحد الأقوال، و المفروض وجود المرجّح لتخيير المالك من أوّل الأمر، فلا وجه لتنظيره بتخيير المجتهد.

____________

[1] إذا شكّ في كون مال مثليّا أو قيميّا لأجل الشبهة المفهوميّة فهل الأصل يقتضي تعيّن المثل أو القيمة أو تخيير الضامن أو المالك؟ احتمالات. قد عرفت في التوضيح مبانيها.

و قبل بيان الأصل الذي ينبغي الرجوع إليه عند الشك في المثليّة و القيميّة لا بدّ من تقديم مقدّمتين نافعتين في جميع موارد الضمانات.

إحداهما: أنّ القيميّ و المثليّ من المتباينين أو الأقلّ و الأكثر. فإن أريد بالقيمة مطلق الماليّة السارية في جميع الأموال كانا من قبيل الأقلّ و الأكثر، لأنّ المثليّ حينئذ مال خاصّ علاوة على الماليّة المشتركة بين سائر الأموال، فتكون المثليّة خصوصيّة زائدة على المالية المشتركة.

و إن أريد بالقيمة خصوص ما هو المرتكز في الأذهان و المتسالم عليه من النقود الرائجة التي تقدّر بها ماليّة الأموال و تتمحض في الماليّة كانا من المتباينين. و ربّما يكون هذا ظاهر كلام اللغويّين.

ثانيتهما: أنّ الذمّة في باب الضمانات هل تشتغل بنفس الأعيان، بمعنى كون نفس العين على عهدة الضامن مطلقا من غير فرق في ذلك بين ضمان اليد و الإتلاف، و يكون أداء المثل أو القيمة أداء لها، لأنّه حكم العرف، فإنّهم يحكمون بضمان المثل في المثلي و القيمة في القيميّ، إذ لو كان له مثل عادة لا يعدّ إعطاء غيره أداء لها؟ أم تشتغل الذمّة بالمثل مطلقا، و يكون أداء القيمة بتعذّره نحو أداء له، أو بدلا اضطراريّا، أم تشتغل ابتداء في المثليّ بالمثل، و في القيميّ بالقيمة مطلقا كما نسب إلى المشهور، أم تشتغل بالقيمة مطلقا حتّى في ضمان اليد. أم يفصّل بين ضمان اليد و غيره.

329

____________

قد يقال: لو بني على المتعارف و تنزيل الإطلاقات الواردة في الضمان عليه كان مقتضى ذلك ضمان الماليّة مطلقا و ليست الخصوصيّات العينيّة ملحوظة في نظر العرف إلّا عبرة إلى مرتبة ماليّة المال، و لذا لو سقط المثل عن الماليّة لم يلتفتوا إليه أصلا.

و لا يرون دفعه تداركا. و كذا لو زاد في الماليّة لا يرون المالك مستحقّا لأزيد من قيمة ماله.

و بالجملة: ليس النظر في الأموال إلّا إلى ماليّتها. بل لو كانت خصوصيّة مال مطلوبة كان ذلك لأمر خارجيّ غير دخيل في حيثيّة الضمان. و إنّما يدور الضمان مدار التمول في أي عين كان بلا خصوصيّة للنقدين، و لا للمماثل و لا لغيرهما.

و هذا في غاية الغرابة، إذ لازمه ارتفاع الضمان بجبران الماليّة بأيّ مال كان، فلو أتلف منّا من حنطة زيد، و دفع إليه مقدارا من الدهن يساوي قيمة منّ الحنطة- و إن لم يرض به المالك- لزم منه براءة ذمّة الضامن، و هو كما ترى خلاف ما عليه العقلاء في باب الضمانات، إذ لا يرون هذا أداء لما أتلفه، فإن العقلاء كما يحكمون بأصل الضمان كذلك يحكمون بكيفيّته. فدعوى كون الضمان مطلقا بالماليّة- من دون رعاية الخصوصيّات الدخيلة في الرغبات و الماليّة- في غاية الغرابة.

فالحقّ أن يقال: إنّ حكم العقلاء في باب الضمانات هو ثبوت نفس العين التالفة المضمونة على عهدة الضامن، فالاستيلاء على العين الموجب للضمان يوجب ثبوتها في الذمّة. و هذا وجود اعتباريّ للعين، فبدون التلف يكون خروجه عن عهدتها بدفع عينها إلى مالكها، و مع التلف يكون أداؤها بإعطاء مماثلها إن كان مثليّا، و قيمتها إن كان قيميّا. و ثمرة ثبوت العين في الذمة هو كون المدار في القيميّة قيمة يوم الأداء لا يوم التلف.

و هذا- أي ثبوت نفس العين في الذمّة إلى وقت الأداء- ممّا تقتضيه الأدلّة الشرعية أيضا كحديث «على اليد» فإنّ ظاهره كون نفس المأخوذ على الآخذ و مستعليا

330

____________

عليه كما هو قضيّة كلمة على الاستعلائيّة، حيث إنّ الظرف مستقرّ متعلّق بفعل من أفعال العموم، فكأنّه قيل: المأخوذ ثابت على الآخذ، فالثابت على العهدة محمول على نفس المأخوذ، نظير قوله تعالى وَ عَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ حيث إنّ الرّزق بنفسه ثابت على المولود له، و جعل شي‌ء على شخص ظاهر في كونه على عهدته، و لذا استظهر الأصحاب من هذه الآية المباركة ملكيّة النفقة للزوجة، و التفصيل في محله.

و بالجملة: لا مانع من جعل شخص المأخوذ على العهدة اعتبارا كما في الكفالة، فإنّ الشخص المكفول يكون على عهدة الكفيل اعتبارا، فإن كانت العين موجودة كان أداؤها بنفسها، و إن كانت تالفة كان أداؤها بما هو أقرب إليها. و لا يعارضها سائر أدلّة الضمانات كآية الاعتداء على فرض دلالتها على ضمان المثل و القيمة، لأنّ ظاهرها تجويز الاعتداء بهما أي التقاصّ- يعني: على عهدة الغاصب ما يكون تقاصّه بالمثل أو القيمة- و هو لا يدلّ على أنّ ما في العهدة نفس العين أو القيمة أو المثل، إذ لو كان ما على العهدة نفس العين فلازمه أيضا التقاصّ بالمثل أو القيمة، فهذا اللازم أعمّ من كون ما في الذمّة نفس العين أو المثل أو القيمة.

فظهور «على اليد» يكشف عن كيفيّة الضمان و لا ينافيه الآية الشريفة، و لا دليل احترام مال المؤمن و أنّه كدمه، إذ لا يدلّ على كيفية الضمان، بل يدلّ على نفس الضمان و عدم هدره. و كذا سائر أدلّة الضمانات، فإنّها لو لم تكن ظاهرة في ضمان نفس العين و ثبوتها على العهدة ليست ظاهرة في الخلاف. فالبناء العقلائيّ الذي يساعده الدليل الشرعيّ كحديث «على اليد» قد استقرّ على كون الثابت في ذمّة الضامن نفس العين، هذا.

لكن يمكن أن يقال: إنّ ما وقع تحت اليد هو الموجود الخارجيّ، و لا ريب في انعدامه بالتلف، فلا بدّ أن يسقط الضمان بسبب التلف، إذ الماهيّة المعرّاة عن الوجود الخارجيّ لم تقع تحت اليد، و لا يمكن وقوعها عليه. فلا يستفاد من حديث اليد ضمان المأخوذ بعد التلف.

331

____________

و الحاصل: أنّ الحديث في مقام بيان وجوب ردّ المأخوذ الموجود إلى مالكه، و لا يدلّ على وجوب ردّ بدله بعد التلف، لأنّ ظاهره كون المضمون ما هو الموجود خارجا، لا الأعمّ منه و من المعدوم الذي يعتبر موجودا باقيا، فلا يستفاد من الحديث اعتبار نفس العين على العهدة بعد التلف، كما لا يستفاد ذلك أيضا من أدلّة الضمانات.

فالمرجع حينئذ في كيفيّة الضمان هو العرف، و من المعلوم أنّهم يحكمون بضمان المثل في المثليّ و القيمة في القيميّ، لأنّ ذلك أقرب إلى التالف، و صدق الجبران و تدارك الفائت عليه أولى من غيره، كمطلق الماليّة، فالضمان من أوّل الأمر يتعلّق ببدل التالف مثليّا أو قيميّا، لا بنفس العين بوجودها الاعتباريّ، فإنّه و إن كان ممكنا ثبوتا، لكنّه لا دليل عليه إثباتا.

ثمّ إنّ الظاهر- كما أشير إليه- عدم تعبّد في نفس الضمان و لا في كيفيّته، بل كلاهما من الأحكام العقلائيّة، فما اشتهر بين الأصحاب من ضمان المثليّ بالمثل و القيميّ بالقيمة ممّا يساعده الارتكاز العقلائيّ، فالضمان عندهم عبارة عن عهدة الخسارة للمال بالتلف. و لا ينافي هذا الارتكاز شي‌ء من أدلّة الضمان، فالضمان المأخوذ في أدلّته ليس إلّا عهدة الخسارة في صورة التلف، و جبران الخسارة بمقتضى الارتكاز العقلائيّ إنّما هو بالمثل في المثليّ، و بالقيمة في القيميّ.

إذا عرفت هاتين المقدّمتين فاعلم: أنّ مقتضى العلم الإجمالي باشتغال ذمّة الضامن بإحدى الخصوصيّتين اللّتين هما بدل التالف- لحكم العقل بأنّ الضمان هو تدارك خسارة التالف ببدله الأقرب إليه، و هو المثل أو القيمة- هو الاحتياط بدفع المثل و القيمة إلى المضمون له، غاية الأمر أنّه يجب على المالك أخذ أحدهما، للإجماع على عدم الاحتياط في الماليّات، و لقاعدة الضرر. و لو لم يرض بأحدهما فالظاهر تعيّن القرعة بناء على جريانها في الشبهات الحكمية، و إلّا فالصلح القهري.

332

و لكن يمكن أن يقال (1): إنّ القاعدة المستفادة

____________

(1) هذا إشارة إلى دليل آخر على أصل الحكم بضمان المثليّ بالمثل- كما سيأتي تصريحه به في المتن بقوله: نعم الانصاف عدم وفاء الآية كالدليل السابق عليه بالقول المشهور- و الظاهر أنّ غرضه (قدّس سرّه) من التعرّض له هنا- بعد الفراغ عمّا يقتضيه الأصل العمليّ في الشك في كون التالف مثليّا و قيميّا- هو: استفادة حكم المسألة من الدليل الاجتهاديّ أعني به إطلاق أخبار الضمان مقاميّا، في قبال ما تقدّم من استفادته من الأصل العمليّ المقتضي لتخيير الضامن شرعا، أو تخيير المالك كذلك، أو التخيير عقلا.

____________

و لا تجري أصالة البراءة في إحدى الخصوصيّتين- و هي المثليّة- ليكون نتيجته تخيير الضامن، و ذلك لكون المقام من المتباينين كما مرّ سابقا، لا من الأقل و الأكثر.

كما لا تجري أصالة التعيينيّة القاضية بتعيّن المثل، لأنّ موردها العلم بوجوب شي‌ء تعيينا أو تخييرا، كوجوب تقليد المجتهد الأعلم المردّد بين كونه بنحو التعيينيّة و التخييريّة. و هذا أجنبيّ عن مطلوبيّة كلّ واحدة من الخصوصيّتين كالمثليّة و القيميّة، فإنّ الضمان تعلّق بالخصوصيّة المثليّة أو القيميّة.

كما لا وجه لتخيير المالك، ببيان: أنّ ما يختاره المالك إمّا هو البدل الواقعيّ الذي اشتغلت به ذمّة الضامن، فيكون مسقطا قهريّا، و إمّا هو بدل البدل، لرضاء المالك بغير الجنس في مرحلة الوفاء، فيكون مسقطا أيضا. فمختار المالك مسقط للذمّة قطعا دون غيره، لأنّه مشكوك المسقطيّة، و الأصل عدم سقوطه إلّا بما يختاره المالك.

إذ فيه: أنّ الكلام في إجراء الأصل بالإضافة إلى ما اشتغلت به ذمّة الضامن من المثل بالخصوص أو القيمة كذلك، لا بالنسبة إلى ما يرضى به المالك بدلا عن ماله التالف، لأنّه قد يكون القيمة في المثليّ و المثل في القيميّ، و قد يكون شيئا آخر ممّا لا ينضبط. و من المعلوم أنّ دفعهما معا مستلزم للعلم بأداء ما في الذمّة، سواء رضي المالك بأحدهما بالخصوص أم لا. فالقطع ببراءة الذمّة لا يتوقّف على دفع ما يختاره المالك، و نسبة الأصل إلى كليهما على حدّ سواء.

333

من إطلاقات الضمان (1)

____________

و توضيح ما أفاده: أنّ مادّة «الضمان و الغرامة» و ما بمعناهما قد وردت في كثير من النصوص المتكفلة لحكم المغصوب، و الأمانات التي فرّط أصحابها فيها كالعين المستأجرة و اللّقطة و العارية و الوديعة، و كان السائل يستفهم عن وظيفته الفعليّة المبتلى بها، و لم يستفصل منه الامام (عليه السلام) عن أنّ المضمون مثليّ أو قيميّ، و إنّما حكم (عليه السلام) بالضمان أو بما يؤدّيه، كما يستفاد أيضا من قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي» ممّا ظاهره استقرار المأخوذ على عهدة الآخذ إلى أن يردّه إلى المأخوذ منه.

و من المعلوم أنّ إهمال خصوصيّة المضمون- مع تفاوت الأموال في مالها مثل و ما ليس لها مثل- لا بدّ أن يكون لأجل إيكال الأمر إلى ما هو المتعارف بين العقلاء في ما يضمنون به، و عدم إبداع طريقة أخرى في مقام تفريغ الذمّة.

هذا من جهة. و من جهة أخرى نرى استقرار سيرتهم على أنّ من وضع يده على شي‌ء مملوك للغير لزمه ردّه إليه، و إن تلف لزمه ردّ أقرب شي‌ء إليه، و مع تعذّره يؤدّي قيمة التالف.

و لا ريب في أنّ الأقرب إلى التالف هو مماثلة في جميع الجهات المعتبرة في الماليّة و الأوصاف الدخيلة في رغبة العقلاء فيه، سواء أ كان متّحدا مع المثليّ الذي اصطلح عليه الفقهاء (قدّس سرّهم)، أم لم يكن كذلك. فالحيوان مطلقا ليس مثليّا بنظر الفقهاء، و لكن لا يبعد ضمانه عرفا بما يماثل التالف من جميع الجهات، و لو تعذّر فبقيمته.

و عليه فهذا الدليل يقتضي الضمان أوّلا بمثل التالف، ثم بقيمته، و معه لا مجال للتخيير أصلا.

(1) حاصله: أنّ المستفاد من بناء العرف الممضى شرعا- بمقتضى الإطلاقات المقاميّة الثابتة لأدلّة الضمان المتفرّقة في أبواب الفقه- هو: أن الضمان في جميع موارده يكون بالمثل، ثمّ بالقيمة، و معرفة المثل موكولة إلى العرف، و لا تتوقّف على الإجماع على كون الشي‌ء مثليّا أو قيميّا.

334

في المغصوبات (1) و الأمانات المفرّط فيها (2)

____________

نعم لو شكّ العرف فالمرجع الأصل المتقدّم.

ثمّ إنّ مقتضى الإطلاقات هو الترتيب، بمعنى أنّ اللازم أوّلا هو المثل، و بعد إعوازه قيمة التالف. بخلاف مقتضى الأصل، فإنّه التخيير، لا الترتيب. و يدلّ على هذا الترتيب ما سيأتي من قوله: «و قد استدلّ في المبسوط .. إلخ» على التقريب الآتي.

(1) كالنبوي: «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي» (1) بناء على اختصاص الأخذ بالقهر كما قيل، فيختصّ الحديث بباب الغصب. و كمرسلة حمّاد بن عيسى عن العبد الصالح (عليه السلام): «لأنّ الغصب كلّه مردود» (2) بناء على عدم اختصاصه بحال بقاء العين المغصوبة، و شموله لردّها ببدلها.

(2) فمنها: ما ورد في ضمان الأجير، كمعتبرة زرارة و أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): في رجل كان له غلام، فاستأجره منه صانع أو غيره.

قال: إن كان ضيّع شيئا أو أبق منه فمواليه ضامنون» (3) حيث دلّ على ضمان مولى الأجير الذي ضيّع مال المستأجر، مع أنّ الأجير أمين. و لم يفصّل (عليه السلام) في أنّ المضمون مثليّ أو قيميّ، و إطلاق الضمان منزّل على المتعارف.

و منها: ما ورد في ضمان الدابّة، كمعتبرة عليّ بن جعفر عن أخيه أبي الحسن (عليه السلام)، قال: «سألته عن رجل استأجر دابّة فأعطاها غيره، فنفقت، ما عليه؟ قال: إن كان شرط أن لا يركبها غيره فهو ضامن لها، و إن لم يسمّ فليس عليه شي‌ء» (4) حيث إنّ الدابّة أمانة بيد المستأجر فرّط فيها بمخالفته للشرط، فضمنها، و لم يذكر (عليه السلام) أنّ‌

____________

(1) عوالي اللئالي، ج 1، ص 224، الحديث 106

(2) وسائل الشيعة، ج 17، ص 309، الباب 1 من أبواب الغصب، الحديث 3

(3) وسائل الشيعة، ج 13، ص 251، الباب 11 من أبواب الإجارة، الحديث 2

(4) المصدر، ص 256، الباب 16 من أبواب الإجارة، الحديث 1، و نحوه الحديث 2 و 3 و 4 و 6، من الباب 17، ص 257 و 258

335

..........

____________

ضمانها بالمثل أو بالقيمة.

و منها: ما ورد في ضمان الصنّاع، كمعتبرة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال:

«سئل عن القصّار يفسد، فقال: كلّ أجير يعطى الأجرة على أن يصلح فيفسد فهو ضامن» (1). و لم يبيّن (عليه السلام) المضمون به، مع أنّ ما يعطى الأجير لإصلاحه قد يكون مثليّا و قد يكون قيميّا.

و منها: ما ورد في ضمان الوصيّ المفرّط في المال الموصى به، كمعتبرة محمّد بن مسلم، قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) رجل بعث بزكاة ماله لتقسم، فضاعت، هل عليه ضمانها حتى تقسم؟ فقال: إذا وجد لها موضعا فلم يدفعها فهو لها ضامن .. إلى أن قال: و كذلك الوصي الذي يوصى إليه يكون ضامنا لما دفع إليه إذا وجد ربّه الذي أمر بدفعه إليه، فإن لم يجد فليس عليه ضمان» (2).

و لا تبعد دعوى قوّة الإطلاق في هذه الرواية، لأعمّيّة المال الزكويّ و الموصى به ممّا هو مثليّ في مصطلح الفقهاء، و قيميّ عندهم، فيحمل الضمان على المتعارف عند العقلاء.

و منها: ما ورد في ضمان الملتقط، كخبر الحسين بن يزيد عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام)، قال: «كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول في الضالّة يجدها الرّجل فينوي أن يأخذ لها جعلا، فتنفق، قال: هو ضامن. فإن لم ينو أن يأخذ لها جعلا و نفقت فلا ضمان عليه» (3).

و منها: ما ورد في ضمان الودعيّ مع التفريط، كخبر محمّد بن الحسن، قال:

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 13، ص 271، الباب 29 من أبواب الإجارة، الحديث 1، و بمضمونه أكثر أخبار الباب، و هي أزيد من عشرين حديثا.

(2) وسائل الشيعة، ج 13، ص 417، الباب 46 من أبواب الوصايا، الحديث 1، و نحوه سائر أحاديث هذا الباب و الباب 37

(3) وسائل الشيعة، ج 17، ص 369، الباب 19 من أبواب اللقطة، الحديث 1

336

و غير ذلك (1) هو (2) الضمان بالمثل، لأنّه (3) أقرب إلى التالف من حيث الماليّة و الصفات، ثمّ بعده (4) قيمة التالف من النقدين و شبههما (5)، لأنّهما أقرب من

____________

«كتبت إلى أبي محمّد (عليه السلام): رجل دفع إلى رجل وديعة، و أمره أن يضعها في منزله [أو لم يأمره] فوضعها في منزل جاره، فضاعت هل يجب عليه إذا خالف أمره و أخرجها عن ملكه؟ فوقّع (عليه السلام): هو ضامن لها إن شاء اللّه» (1).

و منها: غير ذلك من النصوص المتفرقة في أبواب الرهن و غيرها التي ورد فيها كلمة «الضمان» و لم يعيّن المضمون به. و لو كان ضمان المثليّ بالمثل و القيميّ بالقيمة كان إهمال هذه الجهة- مع كون السائل في مقام استعلام وظيفته الفعليّة- تأخيرا للبيان عن وقت الحاجة بلا مصلحة واضحة فيه.

(1) أي: غير المغصوب و غير الأمانة المفرّط فيها، و مثال هذا الغير هو عارية الذهب و الفضة أو العارية المشروط فيها الضمان، فإنّ المستعير ضامن إن لم يكن مفرّطا، كما ورد في صحيحة عبد اللّه بن سنان، قال: «قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): لا تضمن العارية إلّا أن يكون قد اشترط فيها ضمان، إلّا الدنانير، فإنّها مضمونة و إن لم يشرط فيها ضمانا» (2). و التقريب كما تقدّم آنفا.

(2) خبر قوله: «ان القاعدة المستفادة».

(3) يعني: لأنّ المثل العرفيّ أقرب إلى التالف من قيمته. و وجه الأقربيّة واضح.

(4) أي: بعد الضمان بالمثل، و المراد بالبعديّة هو الرّتبيّة، أي: تأخّر جواز دفع القيمة عن تعذّر المماثل العرفيّ.

(5) مما يجعل ثمنا في المعاملات بمنزلة النقدين كالفلوس الرائجة المصوغة من غير النقدين- كالنحاس و الرصاص و القرطاس و غيرها- ممّا يعامل معها في الأسواق معاملة النقدين.

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 13، ص 229، الباب 5 من أبواب الوديعة، الحديث 1

(2) وسائل الشيعة، ج 13، ص 239، الباب 3 من أبواب العارية، الحديث 1

337

حيث المالية (1)، لأنّ ما عداهما يلاحظ مساواته للتالف بعد إرجاعه إليهما.

و لأجل الاتّكال على هذا الظهور (2) لا تكاد تظفر على مورد واحد من هذه الموارد (3)- على كثرتها- قد نصّ الشارع فيه على ذكر المضمون به، بل كلّها- إلّا ما شذّ و ندر (4)-

____________

(1) لأنّهما متمحّضان في الماليّة، و لذا يقدّر بهما ماليّة الأموال.

(2) أي: الضمان بالمثل ثم بالقيمة.

(3) يعني: الموارد التي حكم الشارع فيها بالضمان كالغصب و الأمانات المفرّط فيها.

(4) يعني: أنّ الشارع قد نصّ في موارد نادرة على المضمون به، و أنّه قيمة التالف، كما ورد في عدّة نصوص:

منها: صحيحة أبي ولّاد الحنّاط التي تقدّم مفادها (في ص 234) و سيأتي متنها في كلام المصنّف (في ص 482)، و المقصود منها قول أبي عبد اللّه جعفر بن محمد الصادق «(صلوات اللّه و سلامه عليها)»: «قيمة بغل يوم خالفته» (1) فالمضمون به هو خصوص الماليّة، و ليس الضمان مطلقا حتى يحمل على المفهوم منه عرفا، و هو المماثل في الصفات زيادة على المماثلة في الماليّة.

و منها، ما تقدّم في أخبار (2) بيع الجارية المسروقة من ضمان قيمة الولد و اللّبن و الخدمة، فراجع (ص 49 و 50).

و لا يخفى أنّ اعتبار القيمة في هذا المورد ليس تخصيصا في الحكم بالضمان بالمثل إن وجد و إلّا فبالقيمة. و ذلك لأنّ مورد الحكم بضمان المثل هو ما له مثل عرفا، فلو لم يكن له مثل كذلك كان ضمانه بالقيمة موافقا لبناء العقلاء. فإنّ الولد ممّا لا يوجد له مماثل حتى يضمن به، مع انعقاده حرّا. و كذلك لا يبعد أن يكون ضمان البغل بقيمته لأجل عدم المماثل له في جميع الصفات الدخيلة في ماليّته.

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 13، ص 255، الباب 17 من أبواب الإجارة، الحديث 1

(2) وسائل الشيعة، ج 14، ص 591، الباب 88 من أبواب نكاح العبيد و الإماء، الحديث 1 و غيره.

338

قد أطلق (1) فيها الضمان.

فلو لا الاعتماد (2) على ما هو المتعارف لم يحسن من الشارع إهماله في موارد البيان.

____________

و منها: ما ورد في خبر السكونيّ عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «ان أمير المؤمنين سئل عن سفرة وجدت في الطريق مطروحة كثير لحمها و خبزها و جبنّها و بيضها، و فيها سكّين، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): يقوّم ما فيها، ثم يؤكل، لأنّه يفسد، و ليس له بقاء، فإن جاء طالبها غرموا له الثمن» (1). و ظاهر الجملة الأخيرة- بل صريحها- ضمان السّفرة بقيمتها، و لعلّه لأجل ندرة المماثل في غالب الصفات.

و منها: ما ورد في ضمان المرتهن إذا فرّط في العين المرهونة من قوله (عليه السلام): «إنّه إن استهلكه ترادّ الفضل بينهما» (2) بناء على أنّ الدّين غالبا يكون في النقدين، و الرّهن من الأعيان، فحكم (عليه السلام) بترادّ الفضل، فإن كان الدّين أزيد قيمة من الرّهن وجب على الراهن ردّ الزائد إلى المرتهن. و إن كان الدين أقلّ ماليّة من الرهن وجب على المرتهن ردّ الفضل إلى الراهن.

و منها: غير ذلك ممّا يظفر به المتتبّع في أخبار أهل بيت العصمة (صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين) ، و سيأتي نقل جملة منها في الأمر السابع، فلاحظ (ص 456 و 457).

(1) خبر «كلها».

(2) هذا تقريب الإطلاق المقاميّ الدالّ على إمضاء البناء العرفيّ على ضمان التالف بما هو أقرب إليه أعني به المماثل عرفا، و بتعذّره فالقيمة.

هذا تمام الكلام في الوجوه المتصوّرة في ضمان التالف المشكوك كونه مثليّا و قيميّا، و مقتضى الإطلاق المقاميّ هو الضمان بما يشابه التالف و يماثله عرفا، ثم بقيمته.

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 17، ص 372، الباب 23 من أبواب اللقطة، الحديث 1

(2) وسائل الشيعة، ج 13، ص 129، الباب 7 من أبواب الرهن، الحديث 1 و غيره.

339

و قد استدلّ (1) في المبسوط و الخلاف على ضمان المثليّ بالمثل و القيميّ بالقيمة بقوله تعالى فَمَنِ اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ (1) بتقريب: أنّ مماثل ما اعتدى هو المثل في المثليّ و القيمة في غيره (2).

____________

(1) هذا وجه ثالث استدلّ به للقول المشهور، و هو ضمان التالف المثليّ بالمثل، و كان الوجه الأوّل الإجماع المحكيّ، و الثاني الإطلاق المقاميّ، و قد عرفت أنّ مفاد هذه الوجوه مختلف من حيث إفادة الترتيب بين المثل و القيمة و عدمه.

(2) ما نسبه المصنف إلى شيخ الطائفة (قدّس سرّهما) من استدلاله بالآية الشريفة على ضمان المثليّ بالمثل و القيميّ بالقيمة- قد صرّح به في موضعين من غصب الخلاف، و لم أظفر به في غصب المبسوط بعد ملاحظته بتمامه، و إنّما استدلّ فيه بالآية الشريفة على ضمان المثليّ بمثله، لا على ضمان القيميّ بالقيمة.

قال في الخلاف: «المنافع تضمن بالغصب كالأعيان، مثل منافع الدار و الدابّة و العبيد و الثياب، و به قال الشافعيّ. و قال أبو حنيفة: لا تضمن المنافع بالغصب بحال .. دليلنا، قوله تعالى فَمَنِ اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ. و المثل مثلان، مثل من حيث الصورة، و مثل من حيث القيمة. فلمّا لم يكن للمنافع مثل من حيث الصورة وجب أن يلزمه من حيث القيمة. و على المسألة إجماع الفرقة. و أخبارهم تدلّ عليها» (2).

و هذه العبارة صريحة في أنّه (قدّس سرّه) استظهر من الآية الشريفة ضمان المثليّ بالمثل و القيميّ بالقيمة، لكون القيمة مثلا للتالف من حيث ماليّته. و هذا المقدار من المماثلة كاف في استفادة ضمان القيميّ بقيمته من الآية المباركة. و نحوه كلامه في ضمان العقار بقيمته، فلاحظ (مسألة 18) من الغصب.

و قال في غصب المبسوط- بعد تقسيم الأموال إلى حيوان و غير حيوان،

____________

(1) سورة البقرة، الآية 194

(2) الخلاف، ج 3، ص 402، المسألة: 11، و ص 406، المسألة: 18، و نحوه كلام ابن إدريس، فراجع السرائر، ج 2، ص 485

340

و اختصاص (1) الحكم بالتلف عدوانا لا يقدح بعد عدم القول بالفصل.

و ربما يناقش في الآية: بأنّ مدلولها اعتبار المماثلة في مقدار الاعتداء (2)

____________

و غير الحيوان إلى ما له مثل، و ما لا مثل له- ما لفظه: «فإذا غصب غاصب من هذا شيئا، فإن كان قائما ردّه. و إن كان تالفا فعليه مثله، لقوله تعالى فَمَنِ اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ .. إلخ». و نقلناه في (ص 26) فراجع. و هذه العبارة ظاهرة في دلالة الآية الشريفة على ضمان المثليّ بالمثل، و ليس في كلامه (قدّس سرّه) دلالتها على حكم القيميّ أصلا، فلاحظ.

و بما نقلناه عن شيخ الطائفة (قدّس سرّه) ظهر أنّ ما أفاده الفقيهان الشيخ المامقاني و سيدنا الأستاذ (قدّس سرّهما)- من اقتصار عبارة المبسوط على دلالة الآية الشريفة على حكم المثليّ دون القيميّ (1)- و إن كان متينا، إلّا أنّ المصنّف (قدّس سرّه) عزاه إلى الخلاف أيضا. و قد عرفت صراحة كلامه فيه في استفادة حكم القيميّ أيضا من الآية الشريفة.

كما ظهرت المسامحة في تعبير الماتن- من نسبة الاستدلال بالآية على كلّ من المثليّ و القيميّ- إلى المبسوط و الخلاف معا.

(1) نوقش في الاستدلال بالآية الشريفة- على ضمان المقبوض بالبيع الفاسد بمثله- بوجهين، الأوّل: أن الآية الشريفة أجنبيّة عن المدّعي- الذي هو ضمان المثليّ بالمثل و القيميّ بالقيمة في البيع الفاسد- لاختصاص الآية بالتلف العدواني، و من المعلوم أنّ محلّ الكلام هو تلف المقبوض بالعقد الفاسد، لا إتلافه، و ليس فيه اعتداء خصوصا مع الجهل بالفساد.

و أجاب عنه المصنّف (قدّس سرّه)، بأنّ الآية و إن اختصّت بمورد الاعتداء، إلّا أنّه يلحق به المقبوض بالبيع الفاسد بعدم القول بالفصل بين باب الغصب و ما نحن فيه.

و عليه فلا بأس بدلالة الآية على ضمان المثليّ بمثله.

(2) هذا هو الوجه الثاني من المناقشة، و المناقش هو السيّد العلّامة الطباطبائي (قدّس سرّه) حيث قال في إنكار تعلّق الحكم بعنوان المثلي ما لفظه: «و فيه نظر، لاحتمال كون‌

____________

(1) غاية الآمال، ص 303؛ نهج الفقاهة، ص 142

341

..........

____________

المراد بالمثل فيه مثل أصل الاعتداء، لا مثل المعتدى فيه الذي هو ما نحن فيه، فتأمّل» (1).

و توضيحه: أنّ المماثلة بين الاعتدائين ليست بحسب الذات، لأنّها من ضروريّات كونهما اعتداء. فالمماثلة إنّما تكون بينهما بحسب المعتدى به، و هو مدخول الباء في قولنا: «اعتدى عليه» بضربة أو بإتلاف ماله أو قطع يده أو غير ذلك.

و جهة المماثلة بالمعتدى به تارة تكون بلحاظ ذاتيهما، كما إذا اعتدى عليه بالضرب، فيعتدي عليه بالضرب.

و اخرى تكون بلحاظ الكمّ، كأن يضربه مرّة، فيشتمه مرّة.

و ثالثة بلحاظ الأثر الخاصّ المترتّب عليه، كأن يضربه ضربا مؤديا إلى بكائه، فيجازيه بالشتم مثلا المؤدّي إلى بكائه.

و رابعة بلحاظ الماليّة، كأن يتلف من أمتعة زيد ما يساوي درهما، فيأخذ زيد درهما من أمواله.

ثم إنّ كلمة «ما» في الآية الشريفة إمّا مصدريّة، فيكون المعنى «فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ اعتدائه». و إمّا موصولة، فيكون المعنى «فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ الذي اعْتَدىٰ به عَلَيْكُمْ» و المتحصّل من المعنيين واحد، إذ الجهات الملحوظة في المماثلة بين الاعتدائين ترجع إلى الجهات الملحوظة بين الأمرين المعتدى بهما.

و مرجع مناقشة الرّياض إلى أنّ الظاهر المماثلة في مقدار الاعتداء، يعني: في جنسه، فإن كان الاعتداء بالضرب كان جزاؤه به، فكأنّه قال: «من اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ اعتداء بِمِثْلِ اعتدائه عَلَيْكُمْ» فإن ضربكم فاضربوه، و إن شتمكم فاشتموه، هذا بناء على المصدريّة. أو: «فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بشي‌ء هو مثل الظلم الذي وقع عَلَيْكُمْ، فان شتمكم فاشتموه» و هذا بناء على كون «ما» موصولة. و المعنى على التقديرين واحد، و هو المماثلة في نوع الظلم كالشتم و الضرب.

____________

(1) رياض المسائل، ج 2، ص 303، السطر 32

342

لا المعتدى به (1). و فيه نظر (2).

____________

(1) يعني: لا مقدار المعتدى به، كما إذا ضربه مرّتين، فلا تدلّ الآية على ضربه مرّتين.

(2) وجهه- على ما حكي عنه في الحاشية- أنّ ظاهر الآية اعتبار المماثلة في الاعتداء و المعتدى به [1].

____________

[1] فيه: أنّ المماثلة في مقدار الاعتداء لا تنفكّ عن المماثلة في مقدار المعتدى به، فتأمّل.

و الانصاف أنّ الآية لا تخلو عن الدلالة على الضمان و إن وردت في الحرب، لكن لا قصور في دلالتها على الضمان، فإنّ إطلاق جواز الاعتداء بالمثل يشمل المورد و هو الحرب، غاية الأمر أنّ المراد بالمماثلة هنا المماثلة في نفس الاعتداء في الزمان، يعني: إذا حاربكم المشركون في أشهر الحرام، فيجوز لكم أن تحاربوهم في أشهر الحرام أيضا.

و إن لم يلزم المماثلة في نفس الحرب، كما إذا قتلوا من المسلمين عددا خاصّا أو رمى أحدهم سهما في عين مسلم أو قطع رجله، فلا يجب أن يكون الجزاء مثله، فإنّ اعتبار هذه المماثلة منفيّ بدليل خارجيّ.

فالمماثلة في الآية المباركة بمعونة الدليل الخارجيّ متمحّضة في الحرب في الشهر الحرام، لا في كيفية الحرب. و هذا التقييد لانفصاله لا ينافي إطلاق اعتبار المثليّة في سائر الموارد.

و لذا قال في مجمع البيان: «و في هذه الآية دلالة على أنّ من غصب شيئا و أتلفه يلزمه ردّ مثله. ثمّ إنّ المثل قد يكون من طريق الصورة في ذوات الأمثال، و من طريق المعنى كالقيم فيما لا مثل له» (1).

فما قيل من: أنّ الآية أجنبيّة عن الضمان بتقريب «أنّ ظاهرها أنّ الكفّار إن اعتدوا عليكم فاعتدوا عليهم، كما أنّهم اعتدوا عليكم، فإذا لم يكن المثل في موردها كذلك

____________

(1) مجمع البيان، ج 1، ص 288

343

____________

- أي: لا يراد بالمثل في مورد ورود الآية المماثلة في مقدار الاعتداء- لا يمكن استفادة ضمان المثل في غير موردها بإطلاقها. و المثليّة في أصل الاعتداء لا تجدي في إثبات المطلوب. بل القرينة المذكورة أي عدم تقدير المقابلة بالمثل و جواز التجاوز عنه في المورد قائمة على عدم دخول الماليّات فيها، فهي إمّا مختصّة بالحرب، أو شاملة لما هو نظيره كمدافعة اللّص و المهاجم» (1).

يقال عليه: بأن تقييد مورد الآية بدليل خارجيّ لا يقدح في إطلاق المثل و ليس هذا من قبيل خروج المورد المستهجن، لكفاية المماثلة بين نفس الاعتدائين في شمول الدليل للمورد.

و كذا لا يرد ما أورده المصنّف (قدّس سرّه) على الاستدلال بالآية الشريفة من: أنّ المماثلة العرفيّة قد تتحقّق في القيميّات عند المشهور كالكرباس، فإنّه عندهم من القيميّات مع حكم العرف بكونه من المثليّات، فلا تنطبق الآية على مدعى المشهور، فلا يصحّ الاستدلال بها عليه.

وجه عدم الورود: أنّ المدّعى هو ضمان المثليّ بالمثل و القيميّ بالقيمة، و الآية وافية بذلك، و الاختلاف في مفهوم المثليّ و القيميّ يرجع إلى النزاع في الصغرى. و هذا أجنبي عن أصل الكبرى و هي ضمان المثليّ بالمثل و القيميّ بالقيمة.

و بالجملة: النزاع الصغرويّ لا يقدح في تسلم الكبرى.

و عليه فالاستدلال بالآية تامّ. و إجماعهم على مثليّة شي‌ء أو قيميّته إن كان تعبديّا فهو يخصّص أو يقيّد الآية. و المتحصّل بعد التقييد: أنّ المماثل العرفي للتالف مضمون على الضامن، إلّا إذا قام الإجماع على أنّه لا بدّ في ضمانه بالمماثل من كون غالب الأفراد مماثلا للتالف، لا فرد نادر كما في القيميّات، فإنّ أكثر أفراد القيميّ ليست مماثلة في الصفات الموجبة لاختلاف الرغبات، بخلاف المثليّ كما تقدّم سابقا.

و إن لم يكن تعبّديا، بل ذهابهم إلى المثليّة أو القيميّة إنّما هو لكونهم من العرف، فلا حجيّة فيه في مقابل العرف العام.

____________

(1) كتاب البيع، ج 1، ص 326

344

نعم (1) الانصاف عدم وفاء الآية- كالدليل السابق عليه (2)- بالقول (3) المشهور، لأنّ (4) مقتضاهما وجوب المماثلة العرفيّة في الحقيقة و المالية.

____________

(1) استدراك على ما أفاده من اقتضاء الآية الشريفة و بناء العقلاء الضمان بالمثل. و غرضه (قدّس سرّه) المناقشة في الدليلين المتقدّمين بعدم وفائهما بالقول المشهور، لكون النسبة بين الدليل و الدعوى عموما من وجه، و هو غير مفيد.

و محصّل المناقشة: أنّ المراد بالمثل- في الآية و الإطلاق المقاميّ- هو ما يعدّ عرفا مثلا للتالف في أمرين، أحدهما في الحقيقة النوعيّة، و ثانيهما في الماليّة. و من المعلوم أنّ الآية و العرف يقتضيان الضمان بالمثل- بهذا المعنى- حتى في القيميّات، لإمكان مساواة أفراد بعض القيميّات في الماليّة فضلا عن المساواة في الحقيقة. مع أنّ المشهور حكموا بضمان القيميّ بقيمته سواء وجد مثله أم لم يوجد، و سواء أ كانت قيمة المثل- على فرض وجوده- مساوية لقيمة المتلف أم أزيد أم أقلّ، هذا.

و استشهد المصنف (قدّس سرّه) بكلماتهم في مسألتين لإثبات عدم مطابقة الدليل مع المدّعى.

الأولى: ما إذا أتلف شخص ذراعا من كرباس، و أمكنه تحصيل مماثله عرفا، فإنّ الآية و العرف يقتضيان وجوب أداء ذراع من الكرباس إلى المالك، مع أنّ المشهور على كون الأقمشة و الثياب قيميّات، و أنّ الواجب دفع قيمة ذلك الذراع المتلف لا مماثلة في الصفات و الماليّة.

الثانية: الجناية على عبد مملوك للغير، و سيأتي بيانه.

(2) و هو الإطلاق المقاميّ المقتضي للضمان بالمماثل العرفيّ، لا المثل في مصطلح الفقهاء.

(3) متعلّق ب‍ «وفاء» و قد عرفت وجه عدم الوفاء بالقول المشهور، المبنيّ على ضمان المثليّ بالمثل الذي عرّفوه بما تساوت أفراده قيمة.

(4) تعليل لعدم الوفاء، حيث إنّ المدّعى أمر، و مدلول الدليلين أمر آخر.

345

و هذا (1) يقتضي اعتبار المثل حتّى في القيميّات، سواء وجد المثل فيها أم لا (2).

أمّا مع وجود المثل كما لو أتلف ذراعا من كرباس طوله عشرون ذراعا متساوية من جميع الجهات، فإنّ مقتضى العرف و الآية إلزام الضامن بتحصيل ذراع آخر (3) من ذلك و لو بأضعاف قيمته، و دفعه إلى مالك الذراع المتلف، مع أنّ القائل بقيميّة الثوب لا يقول به (4).

و كذا (5) لو أتلف عليه عبدا، و له في ذمة المالك- بسبب القرض أو السّلم- عبد موصوف بصفات التالف، فإنّهم لا يحكمون بالتهاتر القهريّ،

____________

(1) أي: وجوب المماثلة يقتضي .. إلخ.

(2) المقصود من ضمان التالف بمماثله عرفا- حتى مع فقد المثل- هو انتقال ضمان المثل إلى ضمان قيمته لا قيمة التالف، لإمكان اختلاف القيمتين، بأن تزيد قيمة المثل المتعذر عن قيمة التالف، و سيأتي في المتن توجيهه.

(3) لأنّ هذا الذراع الآخر مماثل للذراع التالف، و المفروض دلالة الآية الشريفة و الإطلاق المقاميّ على أنّ المضمون به هو المثل لا القيمة، فعلى الضامن تحصيل ذراع آخر و لو كانت قيمته أضعاف قيمة الذراع المتلف. مع أنّ المشهور القائلين بقيميّة الأقمشة و الثياب يقولون بكفاية أداء قيمة ما أتلفه، و عدم اشتغال العهدة بمثل المتلف.

(4) يعني: فلا ينطبق مفاد الآية الشريفة على ما يدّعيه المشهور من ضمان المثليّ بالمثل و القيميّ بالقيمة، بل تدلّ على ضمان التالف بما يكون مماثلا له عرفا، و إن كان عند المشهور من القيميّات.

(5) يعني: و كذا نظير الكرباس كون التالف عبدا، فإنّهم حكموا فيه بضمان قيمته و إن كان له مماثل، و لذا لم يحكموا بالتهاتر القهريّ فيما إذا أتلف عبدا موصوفا بصفات العبد الذي يكون للضامن على المالك. فلو كان العبد مثليّا عند المشهور كان عليهم الحكم بالتهاتر، لكونهما من المثليّ.

346

كما يشهد به (1) ملاحظة كلماتهم في بيع عبد من عبدين.

____________

كما إذا كان لزيد عبد روميّ أبيض اللون كاتب، فاقترضه عمرو منه، و حصل لعمرو عبد بهذه الأوصاف، فأتلفه زيد. فإن كان العبد مثليّا لزم القول بالتهاتر القهريّ. لكنّهم قالوا باشتغال ذمّة عمرو بقيمة ما اقترضه من زيد، و باشتغال ذمّة زيد بقيمة ما أتلفه من عمرو. و من المعلوم أنّ اشتغال الذمّتين بالقيمة دليل على أنّ العبد عندهم معدود من القيميّات حتى مع وجود المماثل العرفيّ.

و كذا الكلام إذا باع زيد من عمرو- سلما- عبدا موصوفا بصفات معيّنة، ثمّ أتلف عمرو عبدا موصوفا بتلك الصفات من زيد، فبناء على الأخذ بظاهر الآية الشريفة و ببناء العقلاء لا بدّ من القول بالتهاتر القهريّ، و فراغ كلتا الذمّتين عمّا اشتغلتا به، لكنّهم حكموا بوجوب أداء العبد المبيع سلما إلى المشتري عند الأجل، و وجوب أداء قيمة العبد المتلف إلى المالك. و من المعلوم أنّ هذه الفتوى تكشف عن عدم الأخذ بالآية و الإطلاق المقاميّ، فكيف يستدلّ بهما على القول المشهور من ضمان المثليّ بالمثل و القيميّ بالقيمة؟

(1) أي: كما يشهد بعدم حكمهم بالتهاتر ملاحظة كلماتهم .. إلخ. قال المحقّق (قدّس سرّه):

«إذا اشترى عبدا في الذمّة، و دفع البائع إليه عبدين، و قال: اختر أحدهما، فأبق واحد. قيل: يكون التالف بينهما، و يرجع بنصف الثمن، فإن وجده اختاره، و إلّا كان الموجود لهما، و هو بناء على انحصار حقّه فيهما. و لو قيل: التالف مضمون بقيمته، و له المطالبة بالعبد الثابت في الذمّة كان حسنا. و أمّا لو اشترى عبدا من عبدين لم يصحّ العقد، و فيه قول موهوم» (1).

توضيحه: أنّ مسألة بيع عبد من عبدين يبحث عنها تارة في فروع شرطيّة العلم بالمبيع، فيقال: كما يصحّ ابتياع الجزء المشاع من الكلّيّ كنصف الدار، كذلك يصحّ ابتياع الكلّيّ في المعيّن بشرط تساوي الأجزاء كقفيز من كرّ. فلو لم تتساو الأفراد‌

____________

(1) شرائع الإسلام، ج 2، ص 60

347

..........

____________

الكلّيّ لم يصحّ البيع. و مثّل له المحقّق (قدّس سرّه) بذراع من الثوب، و جريب من الأرض، و عبد من عبدين، و شاة من قطيع (1).

و الوجه في البطلان تفاوت الأجزاء- أي الأفراد- في الصفات الدخيلة في ماليّتها، فلا يرتفع الغرر. خلافا للشيخ و ابن البرّاج و الشهيد، حيث ذهبوا إلى صحّة بيع عبد من عبدين عملا برواية محمّد بن مسلم المخالفة للأصول الشرعيّة كما في المسالك (2).

و اخرى: في بيع الكلّيّ في الذمّة- لا الجزء المشاع و لا الكلّيّ في المعيّن- بأن اشترى زيد من عمرو عبدا موصوفا بصفات معيّنة تخرجه عن الجهالة، فدفع البائع عبدين إلى المشتري، و قال له: اختر أحدهما. فتسلّمهما المشتري و أبق أحدهما قبل أن يختار. هذا صورة المسألة. و لا ريب في صحّة البيع لاجتماع شرائطها فيه.

إنّما الكلام في أنّ العبد الآبق هل يتلف على كلا المتبايعين و يرجع المشتري على البائع بنصف الثمن. و لو لم يظفر بالآبق كان العبد الموجود ملكا لهما، لانحصار حقّ المشتري في العبدين؟ أم يكون الآبق مضمونا على المشتري خاصّة بقيمته- سواء زادت على قيمة العبد الموجود أم نقصت منها أم ساوتها- و له مطالبة عبد من البائع، لأنّ المبيع عبد كلّيّ ثابت في ذمته إلى أن يتسلّمه المشتري. فيه قولان.

و على كليهما يتّجه ما نسبه المصنّف (قدّس سرّه) إلى الأصحاب من عدم الحكم بالتهاتر.

أمّا بناء على الأوّل فلأنّ العبد الآبق تلف من كليهما، فيضمن كلّ منهما نصف قيمته.

و يرجع المشتري بنصف الثمن الذي بذله للمبيع الكلّيّ. و لو كان العبدان مثليّين و تساوت قيمتهما لم يكن وجه لرجوع المشتري على البائع بنصف الثمن، و لم يجب عليه أداء نصف قيمة الآبق إلى البائع، بل حصل التهاتر القهريّ، و سقط ما في ذمّة‌

____________

(1) شرائع الإسلام، ج 2، ص 18

(2) مسالك الأفهام، ج 3، ص 396

348

نعم (1)

____________

البائع- من نصف الثمن- بما في ذمّة المشتري من نصف قيمة الآبق.

و أمّا على القول الثاني الذي استحسنه المحقّق (قدّس سرّه) فعدم التهاتر أوضح، فإنّ الآبق مضمون بقيمته على المشتري، لكونه مقبوضا بالسّوم، فيجب دفع تمام قيمته إلى البائع. كما أنّ للمشتري مطالبة عبد منه وفاء لبيع عبد كلّىّ بثمن معيّن. و من المعلوم أنّ العبدين لو كانا مثليّين و ممّا تساوت قيمتهما لحصل التهاتر القهريّ، فلم يكن للمشتري مطالبة عبد من البائع، و لم تكن على عهدته قيمة الآبق. لكن لأجل عدم المماثلة لا يقال بالتهاتر، بل كلّ منهما بحسب قيمته.

و قد ظهر أنّ قول المصنّف (قدّس سرّه): «كما يشهد به ملاحظة كلامهم» إشارة إلى ما نقلناه عن المحقّق في بيع عبد كلّيّ في الذمّة، فإنّه شاهد على عدم التزامهم بالتهاتر في القيميّات.

و أمّا بيع عبد من عبدين موجودين خارجا فهو شاهد على عدم المماثلة بين العبدين و نحوهما. و لكنّه أجنبيّ عن التهاتر، كما أوضحناه. فما في كلام بعض الأجلّة (1) من الاستشهاد بعبارتين من الخلاف و عبارة من الشرائع لا يخلو من بعد، فلاحظ.

(1) هذا استدراك على ما ذكره من عدم التزام المشهور بضمان المثل في القيميّات- الذي هو مقتضى الآية و العرف- و محصّله: أنّه يستفاد من ذهاب جماعة إلى جواز ردّ العين المقترضة في القيميّات ضمان القيميّ بالمثل، لأنّ العين المقترضة تكون مماثلة عرفا للقيمة المستقرة على عهدة المقترض، فجواز ردّ نفس العين- دون القيمة- مستند إلى آية الاعتداء الظاهرة في اعتبار المماثلة بين البدل و المبدل. و لو لم تكن الآية دالّة عليه لم يجز الاقتصار في أداء القرض على دفع العين، بل كان المتيقّن دفع القيمة من النقدين.

____________

(1) غاية الآمال، ص 305

349

ذهب جماعة (1) منهم الشهيدان (2) في الدروس و المسالك إلى جواز ردّ العين المقترضة إذا كانت قيميّة.

لكن لعلّه (3) من جهة صدق أداء القرض [1] بأداء العين، لا من جهة

____________

(1) و منهم شيخ الطائفة و المحقّق الأردبيليّ، على ما حكاه عنهما السيّد الفقيه العامليّ (قدّس سرّهم) (1).

(2) قال الشهيد (قدّس سرّه): «و يردّ البدل مثلا أو قيمة. و لو ردّ العين في المثل وجب القبول. و كذا في القيميّ على الأصحّ. و نقل فيه الشيخ الإجماع. و يحتمل وجوب قبولها إن تساوت القيمة أو زادت وقت الرّدّ، و إن نقصت فلا» (2).

و قال الشهيد الثاني (قدّس سرّه): «و أولى بالجواز لو ردّ العين، لأنّ الانتقال إلى القيمة إنّما وضع بدلا عن العين، فإذا أمكنت ببذل المقترض كانت أقرب إلى الحق ..» (3).

(3) أي: لعلّ ذهابهم إلى جواز ردّ العين المقترضة. و غرضه المناقشة في الاستدراك بأنّ مجرّد جواز ردّ العين القيميّة المقترضة لا يكشف عن التزامهم بضمان القيميّ بالمثل، و اشتغال ذمّة الضامن بالكلّيّ الجامع بين العين و بين فرد آخر مماثل لها‌

____________

[1] لا يصدق الأداء حقيقة إلّا على ما إذا كان ما يؤدّي به فردا لما في الذمّة لانطباقه قهرا عليه. فإذا كان ما في الذمّة هو القيمة لم يصدق أداؤه على دفع العين، و لا يعدّ دفعها أداء لما في الذمة.

نعم يصدق الأداء مجازا من باب الوفاء بغير الجنس مع تراضي الطرفين، و الوفاء بغيره معاوضة على ما في الذمّة، لا أداء حقيقيّ له.

____________

(1) مفتاح الكرامة، ج 5، ص 57

(2) الدروس الشرعية، ج 3، ص 320

(3) مسالك الأفهام، ج 3، ص 449

350

ضمان القيميّ بالمثل (1). و لذا (2) اتّفقوا على عدم وجوب قبول غيرها و إن كان مماثلا لها (3) من جميع الجهات.

____________

من جميع الجهات الماليّة. بل لا بدّ من إحراز استناد جواز ذلك إلى كون العين المقترضة عندهم كأمثالها فردا من الكلّيّ الّذي استقر على عهدة المقترض، و ذلك غير معلوم، إذ لعلّه من جهة صدق أداء القرض بأداء العين، لا من جهة كون العين فردا من كلّيّ المثل- بالمعنى الذي عرفته- حتى يدلّ على ذهابهم إلى ضمان القيميّ بالمثل كما يستفاد من الآية.

و عليه فالإشكال الذي أورده المصنّف على المشهور من التزامهم بضمان القيميّ بالقيمة- مع دلالة دليلهم على وجوب المماثل عرفا- باق بحاله.

(1) حتى تكون فتوى هؤلاء الجماعة عملا بآية الاعتداء و العرف من اشتغال الذمّة بالمثل حتى في القيميّات.

(2) أي: و لأجل كون جواز ردّ العين المقترضة من جهة صدق أداء القرض على ردّها- لا من جهة ضمان القيميّ بالمثل حتى يكون جواز ردّ العين من باب جواز ردّ المثل الكلّيّ و أدائه ببعض أفراده- اتّفقوا على أنّه لا يجب على المقرض قبول فرد آخر مماثل للعين من جميع الجهات. فلو كان ضمان المديون بفرد من أفراد الكلّيّ الذي تكون العين من مصاديقه وجب على الدائن قبول نفس العين أو فرد آخر مثلها. فعدم وجوب قبول غير العين- على المقرض- يكشف عن عدم اشتغال ذمّة المقترض بالمثل في اقتراض القيميّ. مع أنّك قد عرفت دلالة آية الاعتداء على استقرار المماثل العرفيّ على عهدة الضامن، و لا تصل النوبة إلى الضمان بالقيمة إلّا بتعذّر المثل، و هذا ممّا لا يقول به المشهور.

(3) هذا الضمير و ضمير «غيرها» راجعان إلى العين المقترضة المفروض كونها قيميّة.

351

و أمّا (1) مع عدم وجود المثل للقيميّ التالف فمقتضى الدليلين (2) عدم سقوط المثل من الذّمّة بالتعذّر، كما لو تعذّر المثل (3) في المثليّ، فيضمن (4) بقيمته يوم الدفع و لا يقولون (5) به.

____________

(1) معطوف على قوله: «أمّا مع وجود المثل فيها» و غرضه بيان شقّ آخر من المنفصلة حتى يظهر عدم وفاء الآية و الإطلاق المقاميّ بقول المشهور، لكون النسبة بين الدليل و الدعوى عموما من وجه. فإن كان المثل العرفيّ موجودا كما في الكرباس و العبد افترق الدليل عن قول المشهور بأنّ مقتضى الدليلين الضمان بالمثل، و المفروض عدم التزامهم به، لأنّهم يضمّنون المتلف بقيمة المتلف.

و إن لم يكن المثل موجودا افترقا في مورد آخر، توضيحه: أنّ المشهور يقولون بضمان القيميّ التالف بقيمة يوم التلف، مع اقتضاء الدليلين بقاء ما يماثل ذلك القيميّ في الذمّة، و عدم سقوط ضمانه بالتعذّر، فلو أراد الضامن التخلّص ممّا في عهدته لزمه أداء قيمة يوم الدفع إلى المالك، كما هو الحال في المثليّ الذي يتعذّر مثله، فإنّه لا يسقط عن ذمّته إلّا بأداء قيمته يوم الأداء. مع أنّ المشهور حكموا في القيميّ بأنّ ما عليه هو قيمة يوم تلف المضمون، و لا يضمن زيادة قيمته من يوم التلف إلى يوم الأداء، و هذا الحكم مما يأباه الآية و العرف.

(2) و هما الآية و العرف، إذ لا وجه لسقوط القيميّ بمجرّد تعذّره عن الذمّة- حتى يتعيّن عليه قيمة يوم التلف- مع اقتضاء هذين الدليلين اشتغال الذمّة بمثل التالف حتى في القيميّ، فيلزم اتّحاد حكم المثليّ و القيميّ المتعذّرين.

(3) فإنّه لا يسقط عن ذمّة الضامن بمجرّد تعذّره، و لا ينتقل إلى قيمته يوم تعذّره.

(4) هذه نتيجة بقاء المثل في الذمة، سواء في المثليّ و القيميّ.

(5) يعني: و الحال أنّ المشهور لا يقولون بضمان قيمة يوم الأداء- في القيميّ-

352

و أيضا (1) فلو فرض نقصان المثل عن التالف من حيث القيمة نقصانا فاحشا، فمقتضى ذلك (2) عدم وجوب (3) إلزام المالك بالمثل، لاقتضائهما اعتبار المماثلة في الحقيقة و الماليّة، مع أنّ المشهور كما يظهر من بعض (4)

____________

بل يقولون بضمان قيمة يوم تلف العين القيميّة، و هذه الفتوى مخالفة لمفاد الدليلين كما عرفت، و هذه المخالفة أيضا من موهنات الاستدلال بالآية و العرف على مذهب المشهور.

(1) هذا إشكال آخر على الاستدلال بالآية و العرف لمذهب المشهور، و حاصله: أنّ مقتضى الآية و العرف عدم جواز إلزام المالك بأخذ المثل الذي نقصت قيمته نقصانا فاحشا، إذ مقتضاهما اعتبار المماثلة في الحقيقة و الماليّة، و المفروض زوال المماثلة في الماليّة بنقصان القيمة. مع أنّ المشهور لم يلتزموا به، بل التزموا بجواز إلزام المالك بأخذ المثل حتى في هذه الصورة.

(2) أي: فمقتضى الآية و العرف. و إفراد اسم الإشارة باعتبار «ما تقدّم» و إلّا كان الأولى أن يقال: «ذينك».

(3) كذا في نسخ متعددة، و الصواب تبديل «وجوب الإلزام» بجوازه، أو إرادة الجواز من الوجوب و إن كان بعيدا.

و الوجه في عدم جواز الإلزام بالمثل هو: أنّ المماثلة المعتبرة عرفا في الصورة و الماليّة مفقودة. كما إذا أتلف فاكهة في أوّل أوانها، و هي- لعزّتها- تباع أضعاف قيمة وقت وفورها، فأراد الضامن دفع ذلك المقدار من الفاكهة أوان كثرتها، فإنّ المماثلة تكون حينئذ في صدق الحقيقة، فقط دون الماليّة، مع أنّ الآية و الإطلاق المقاميّ يقتضيان الانتقال إلى قيمة وقت التلف حتى تراعى المماثلة في المالية.

(4) قال السيد العاملي (قدّس سرّه): «فلو بقي له- أي للمثل- قيمة و إن قلّت، فالمثل‌

353

إلزامه (1) به، و إن قوّى خلافه بعض (2). بل و ربّما (3) احتمل جواز دفع المثل

____________

بحاله، كما هو صريح جامع المقاصد، و قضيّة ما لعلّه يفهم من كلام التذكرة» (1).

و قال المحقّق الثاني: «هذا الحكم- أي وجوب أداء القيمة- إنّما يستقيم مع خروج المثل عن التقويم أصلا، فلو بقي له قيمة و إن قلّت فالمثل بحاله» (2). و يلوح منه اتّفاق الأصحاب عليه، بقرينة اتّفاقهم على الانتقال إلى القيمة لو سقط المثل عن الماليّة رأسا، هذا.

(1) قد سقط هنا كلمة «جواز» أي: جواز إلزام الضامن بالمثل، يعني: مع أنّ المشهور ذهبوا إلى جواز إلزام المالك بأخذ المثل و إن نقصت قيمته نقصانا فاحشا، و هذا التجويز مناف لمقتضى الآية و العرف.

(2) يعني: أنّ هذا البعض قوّى انتقال ضمان المثل إلى القيمة كي لا يتضرر المضمون له بنقصان ماليّة المثل (3).

(3) هذا متعلق بقوله: «مع أنّ المشهور .. إلزامه به» و غرضه: أنّ المشهور اقتصروا على جواز أداء المثل المنحطّ قيمته جدّا، كما نقلناه آنفا عن مفتاح الكرامة، و لكن العلّامة (4) (قدّس سرّه) احتمل جواز دفع المثل الساقط عن الماليّة، كما إذا أتلف الماء في المفازة و أدّاه على الشاطئ. و الإتيان بكلمة «بل» لأجل أنّه لو قيل بفراغ الذمّة بدفع المثل الساقط عن الماليّة رأسا، كان فراغها بدفع المثل المنحطّ قيمته أولى، لبقاء شي‌ء من ماليّته بعد.

____________

(1) مفتاح الكرامة، ج 6، ص 252، آخر الصفحة.

(2) جامع المقاصد، ج 6، ص 258

(3) لم أظفر على من يقوّي الانتقال إلى القيمة حتى مع بقاء مقدار من ماليّة المثل، نعم قوّاه جمع في الخروج عن التقويم، و هو أمر آخر. فراجع الجواهر، ج 37، ص 99؛ الدروس الشرعيّة، ج 3، ص 113، و غيرهما.

(4) قواعد الأحكام، ص 79، السطر 26 (الطبعة الحجرية).

354

و لو سقط من القيمة بالكلّيّة، و إن كان الحقّ خلافه (1) [1].

____________

(1) لأنّه خلاف التغريم المعتبر في الضمان. ففرق بين سقوط العين عن الماليّة و سقوط المثل عنها، حيث إنّ العين تردّ بلحاظ ملكيّتها لا بلحاظ ماليّتها، لكن التضمين و التغريم بلحاظ ماليّتها، فيجب حفظ الماليّة في الثاني دون الأوّل، فالمثل إذا سقط عن الماليّة لا يصدق على ردّه التغريم المقوّم للضمان، فلا يخرج الضامن عن عهدة الضمان بردّ المثل الساقط عن الماليّة، بخلاف ردّ العين، فإنّه يصدق عليه أداء ملك الغير، و ردّه إلى مالكه.

____________

[1] لا يخفى أنّ هذا الاشكال إنّما يرد على الاستدلال بالآية الشريفة بناء على كون المراد المماثلة بنحو الإطلاق و من جميع الجهات. لكن الظاهر أنّ المراد بها المماثلة من حيث الحقيقة مع حفظ الماليّة تحقيقا للتغريم و التضمين بالمال. فمقتضى الآية غير مخالف لمسلك المشهور، كيف؟ و المرجع في فهم معنى الآية هو العرف، فما يحكم به العرف في باب الضمان من ضمان المثل في المثليّ و القيمة في القيميّ هو المستفاد من الآية الشريفة.

فالمراد بالمثل في الآية و في كلام المشهور واحد. و النسبة بينهما هي التساوي، لا الأعمّ و الأخصّ من وجه، لأنّ المراد بالمثل في الآية هو المماثل العرفيّ للتالف من حيث الحقيقة و الماليّة، كما هو قضيّة إطلاق المماثلة و إن لم يكن مماثلا للتالف من حيث الحقيقة و الماليّة. فيراعى المثليّة من حيث الماليّة. فالأوّل هو المثليّ و الثاني هو القيميّ.

نعم يقيّد إطلاق المثل بالنسبة إلى الأفراد التي تقلّ مماثلتها للتالف، كما إذا كان المال التالف غنما و كان فرد من الأغنام مماثلا له في الصفات، فإنّ مقتضى الآية لزوم دفع الفرد المماثل للتالف، و إن كان فردا نادرا من حيث المماثلة للتالف. لكن قيّد هذا الإطلاق بأنّ دفع المماثل للتالف لازم في صورة كثرة الأفراد المماثلة للتالف لا ندرتها، و هذا التقييد قد ثبت بالإجماع، و لولاه لكان الضمان بالمماثل، و إن كان منحصرا في فرد.