هدى الطالب في شرح المكاسب‌ - ج3

- السيد محمد جعفر المروج الجزائري المزيد...
629 /
355

____________

فالمتحصّل بعد التقييد وجوب دفع المماثل فيما إذا كان أكثر أفراد الطبيعيّ الجامع بينها و بين التالف متفقة في الصفات الموجبة للرغبات و الماليّة، فإطلاق المثل يقيّد بالقيميّات، يعني: أنّ ضمان القيميّ يكون بالقيمة و إن وجد له مماثل.

و إن شكّ في كون التالف مثليّا أو قيميّا فيتمسّك بالعامّ، لأنّه المرجع في المخصّص المجمل المفهوميّ المردّد بين الأقل و الأكثر، حيث إنّه المرجع في أصل التخصيص و التخصيص الزائد، فإنّ وجوب دفع المثل خصّص بما إذا كثرت الأفراد المماثلة للتالف حقيقة و ماليّة، و قد خرج عن وجوب دفع المثل ما لا يكون كذلك، لأنّه يجب حينئذ بمقتضى الإجماع لزوم دفع القيمة. فمع الشكّ في المثليّة و القيميّة يشكّ في تخصيص العامّ زائدا على المتيقّن قيميّته، فيتمسّك في نفي الشك بالعامّ، و يحكم بلزوم دفع المماثل العرفيّ للتالف.

هذا بناء على إرادة المماثل العرفيّ الشامل للمثليّ و القيميّ، و أمّا بناء على إرادة المثل المشهوريّ المقابل للقيميّ فالآية لا تتكفّل حكم القيميّ حتّى تعمّه و يلتزم بتخصيصها بالإجماع، بل لا تتكفّل إلّا لحكم المثليّ، يعني: ضمان المثليّ بالمثل، فالآية ساكتة عن حكم ضمان القيميّ. و حينئذ فلو شكّ في المثليّة و القيميّة فلا عموم حتى يرجع إليه، فالمرجع حينئذ قاعدة الاشتغال و وجوب تسليم الضامن كلّا من المثل و القيمة ليختار أيّ واحد منهما شاء كما تقدّم سابقا.

و الحقّ أن يقال: إنّ التمسك بالآية الشريفة مشكل، لأنّه إن أريد بالمثل فيها المماثلة المطلقة من حيث الاعتداء و المعتدى به في كل مورد، سواء أ كان من الدماء أو الأعراض أو الأموال- كما إذا اعتدى شخص على غيره في عرضه كشتمه أو سرقة ماله أو غيبته أو قذفه إلى غير ذلك من أنحاء الاعتداء- لزم تخصيص الأكثر المستهجن كما لا يخفى.

و لزم أيضا خروج المورد، و ذلك مستهجن. توضيحه: أنّ مورد الآية هو ابتداء المشركين بالقتال في الأشهر الحرم، و المماثلة من جميع الجهات أن تكون في أصل

356

فتبيّن (1) أنّ النسبة بين مذهب المشهور و مقتضى العرف و الآية عموم

____________

(1) هذه نتيجة الإشكالين المتقدّمين، و محصّلها: أنّ الدليل الثاني و الثالث على ضمان المثليّ بالمثل- و هما الآية و العرف- قاصران عن إثبات مدّعى المشهور،

____________

الحرب و كيفيّتها و كمّها، بأن يجازيهم المسلمون في نفس القتال و مقداره، فإن قتلوا من المسلمين عددا خاصّا بكيفيّة خاصّة كالقتل بالسّهم أو السيف لزم على المسلمين ذلك من دون زيادة، مع أنّه ليس كذلك.

و إن أريد بالمثل فيها المماثلة في نفس الاعتداء من دون نظر إلى الجنس المعتدى به و كيفيّته و مقداره لزم أن يكون قتالهم جائزا بالاعتداء منهم بالسرقة مثلا، فإن سرقوا من المسلمين في الأشهر الحرم جاز لهم قتال المشركين فيها. و هذا كما ترى.

فالظاهر أنّ المراد بالمثل بقرينة المورد خصوص القتال من دون لحاظ كمّه و كيفه، و التّعدّي عنه لا بدّ أن يكون إلى ما هو مناسب له كاللصّ و المهاجم، فلا وجه للاستدلال بالآية على الضمان أصلا، فإنّ بناء العقلاء الممضى كاف في إثبات أصل الضمان، و كيفيّته أي ضمان المثليّ بالمثل و القيميّ بالقيمة. و في صورة الشك في المثليّة و القيميّة يرجع الى قاعدة الاشتغال على التقريب السابق، لا إلى عموم الآية، لما عرفت من أجنبيّتها عن مسألة الضمان.

هذا كلّه مضافا إلى: أنّ الشك في القيميّة يلازم الشك في المثليّة أيضا، لما مرّ من كونهما متباينين. فالشكّ في حدود مفهوم أحدهما يستلزم الشكّ في حدود مفهوم الآخر، فلا وجه للرجوع إلى عموم الآية مع الشكّ في حدود مفهوم موضوعه و هو المثل المشهوريّ.

و إلى: أنّ الآية في مقام بيان جواز الاعتداء في مقابل الاعتداء، فإذا أتلف مال زيد جاز لزيد إتلاف ماله، و هذا غير الضمان أعني الغرامة، فلا تدلّ الآية على الضمان، بل تدلّ على جواز إتلاف مال الغير جزافا.

357

من وجه، فقد يضمن بالمثل بمقتضى الدليلين (1) و لا يضمن به عند المشهور كما في المثالين المتقدّمين (2). و قد ينعكس الحكم (3) كما في المثال الثالث (4). و قد يجتمعان (5) في المضمون به كما في أكثر الأمثلة.

ثمّ (6) إنّ الإجماع على ضمان القيميّ بالقيمة- على تقدير تحقّقه- لا يجدي

____________

لكون النسبة بين الدليل و المدّعى عموما من وجه.

فمورد الافتراق من ناحية الدليل هو مثل إتلاف ذراع من كرباس و عبد من عبدين، فالدليل يقتضي الضمان بالمثل، لوجود المماثل العرفيّ في الصورة و الماليّة، مع أنّ المشهور قالوا بضمان القيمة.

و مورد الافتراق من ناحية قول المشهور هو تنزّل قيمة المثل تنزّلا فاحشا، فإنّهم حكموا بضمان المثل، مع أنّ الدليل يقتضي الضمان بالقيمة، إذ الملحوظ في التغريم ماليّة التالف و الاتّحاد في الصورة، و المفروض تفاوت الماليّة بمقدار كثير لا يتسامح فيه.

و مورد الاجتماع كلّ مضمون مثليّ باصطلاح الفقهاء مع عدم اختلاف قيمة المضمون و المثل.

و حيث كانت النسبة عموما من وجه لم يمكن إثبات هذا المدّعى بهذا الدليل.

(1) و هما آية الاعتداء و بناء العرف.

(2) و هما العبد و الثوب، فإنّهما مضمونان بالمثل بمقتضى الآية و العرف، و بالقيمة عند المشهور.

(3) يعني: أنّ الآية و العرف يقتضيان الضمان بالقيمة، مع أنّ المشهور على الضمان بالمثل، كما في نقصان الماليّة فاحشا.

(4) و هو تنزّل قيمة المثل.

(5) تثنية الضمير في «يجتمعان» باعتبار عدّ الدليلين شيئا واحدا، و جعل مذهب المشهور طرفا آخر. و مراده بأكثر الأمثلة: الأمثلة الواقعيّة للضمان، و ليس غرضه الإشارة إلى شي‌ء ذكره سابقا.

(6) هذا تمهيد لبيان حكم الشكّ في القيميّة و المثليّة، و حاصله: أنّه- بعد البناء‌

358

بالنسبة إلى ما لم يجمعوا على كونه قيميّا (1)، ففي موارد الشكّ يجب الرجوع إلى المثل بمقتضى الدليل السابق (2) و عموم الآية بناء على ما هو الحق المحقّق من أنّ

____________

على تخصيص الآية بالإجماع على ضمان القيميّ بالقيمة دون المثل- لا يجدي هذا الإجماع في موارد الشك في القيميّة و المثليّة، لعدم الإجماع فيها، فلا بدّ من الرجوع فيها إلى عموم الآية القاضي بلزوم دفع المماثل العرفيّ، لأنّه المرجع في المخصص المجمل المفهوميّ المردّد بين الأقل و الأكثر.

كما إذا ورد «أكرم الشعراء» و خصّصه بمخصّص منفصل مجمل مفهوما مردّد بين الأقل و الأكثر مثل «لا تكرم فسّاق الشعراء» بناء على تردد الفسق بين مخالفة مطلق التكليف الإلزاميّ و بين ارتكاب الكبائر خاصّة، فقد تقرّر في الأصول تخصيص العام بالمتيقّن من مفهوم الخاصّ، و الرجوع في الأكثر- كمقترف الصغيرة- إلى عموم إكرام الشعراء.

و كذا الحال في المقام، فإنّ عموم الآية يقتضي الضمان بالمثل حتى في القيميّ، لكنّه خصّص بالإجماع على ضمان القيميّ بالقيمة. و مع إجمال مفهوم القيميّ يقتصر في التخصيص على المتيقّن منه، و يرجع في مورد الشك إلى عموم الآية.

و على هذا فلا تصل النوبة إلى الأصل العملي بعد وجود الأصل اللفظيّ و هو أصالة العموم.

(1) كما أنّ الإجماع على ضمان المثليّ بالمثل لا يجدي بالنسبة الى ما لم يجمعوا على كونه مثليّا، كما عرفته مفصّلا. فالضمان بالمثل منوط بإجماعين: أحدهما على أصل الحكم، و الآخر على الموضوع، و هو كون التالف مثليّا بنظر المجمعين.

و كذا الحال في الضمان بالقيمة في القيميّات، فلو لم يكن التالف قيميّا عند الكلّ كان ضمانه بالمماثل العرفيّ عملا بمقتضى الآية و العرف.

(2) و هو بناء العرف المنزّل عليه إطلاق الضمان في أخبار كثيرة.

359

العامّ المخصّص بالمجمل مفهوما المتردّد بين الأقلّ (1) و الأكثر (2) لا يخرج عن الحجّيّة بالنسبة إلى موارد الشك.

فحاصل الكلام (3): أنّ ما اجمع على كونه مثليّا يضمن بالمثل مع مراعاة

____________

(1) المراد بالأقلّ هو الأشياء التي أجمع الفقهاء على كونها قيميّة كالعقار.

(2) المراد بالأكثر هو ما يشكّ في مثليّته و قيميّته. و قد أشار المصنف إلى جملة منها (في ص 317 و 318).

(3) أي: حاصل ما يترتّب على الدليلين المذكورين من الآية و بناء العرف.

و هذا الحاصل يتكفّل النظر النهائي في ضمان التالف سواء أحرز كونه مثليّا أو قيميّا أم شكّ فيه.

أمّا المثليّ الذي أجمع الأصحاب على مثليته فيضمن بمماثله مع مراعاة الصفات الدخيلة في الماليّة، سواء ساوى قيمته- يوم الأداء و مكانه- قيمة التالف، أم نقص عنه. أمّا مع المساواة فلا ريب في سقوط المضمون عن العهدة. و امّا مع النقص غير المسقط عن الماليّة بالكلّيّة فلوجهين:

أحدهما: الإجماع المحكيّ على إهمال نقصان قيمة المثل عن قيمة التالف، كما إذا كان قيمة التالف عشرة دنانير، و قيمة مثله يوم الأداء- و بلد الأداء- خمسة دنانير و لولا هذا الإجماع كان مقتضى الآية و العرف رعاية المماثلة في المالية كما حقّقه المصنّف (قدّس سرّه).

ثانيهما: الأخبار الواردة في ضمان دراهم أسقطها السلطان عن المعاملة بها، و ضرب دراهم أخرى و روّجها، فتقلّ مالية الدراهم المنسوخة. و قد حكم الامام (عليه السلام) بأنّ ذمة المديون مشغولة بتلك الدراهم الأولى لا الدراهم الجديدة. فإنّ هذه الأخبار تدلّ على أنّ التالف المثليّ مضمون بمثله حتى مع حطّ قيمته، هذا.

و أمّا القيميّ الذي أجمعوا على كونه قيميّا فيضمن بالقيمة سواء وجد مماثلة في الصفات أم لم يوجد.

360

الصفات التي يختلف بها الرّغبات، و إن فرض نقصان قيمته- في زمان (1) الدفع أو مكانه- عن قيمة التالف، بناء على (2) تحقّق الإجماع على إهمال هذه التفاوت.

مضافا إلى الخبر (3) الوارد في «أنّ اللازم على من عليه دراهم و أسقطها السلطان و روّج غيرها هي الدراهم الأولى».

____________

و أمّا التالف المشكوك مثليّته و قيميّته- لاختلاف الأصحاب في ذلك- فإن تساوت قيمة المضمون و قيمة المدفوع بدلا عنه الحق بالمثليّ، و لا يجزي أداء القيمة.

و إن اختلفت القيمتان الحق بالقيميّ، و لا يكفي دفع المماثل الذي نقصت قيمته عن قيمة المضمون، هذا.

(1) يعني: أنّ منشأ نقصان قيمة المثل عن قيمة التالف أحد أمور ثلاثة، إمّا هو الزمان بأن كان التالف عزيز الوجود، كالفاكهة في أوّل أوانها، فأدّاه الضامن في موسم وفورها. و إمّا هو المكان كما إذا ضمن في بلد يعزّ وجود التالف فيه، لكونه منقولا إليه من بلد آخر، فأدّاه الضامن في بلد ثالث يكون المثل فيه أنقص قيمة من بلد الضمان.

و إمّا هو الزمان و المكان معا. و الأمثلة واضحة. و المقصود أنّ تنزّل قيمة المثل لا يقدح في فراغ الذمّة، للإجماع و النصّ.

(2) قيد لقوله: «يضمن بالمثل و إن فرض نقصان» و هذا إشارة إلى أوّل الوجهين على عدم قدح نقصان قيمة المثل عن قيمة المضمون.

(3) هذا وجه ثان لكفاية ردّ مثل المضمون و إن نقص قيمته عنه، و المراد بالخبر هو الجنس لا الشخص، لورود هذا الحكم في خبرين. كمكاتبة يونس إلى أبي الحسن الرضا (عليه السلام): «أنّه كان لي على رجل عشرة دراهم، و أنّ السلطان أسقط تلك الدراهم، و جاءت دراهم [بدراهم] أعلى من تلك الدّراهم الاولى، و لها اليوم وضيعة، فأيّ شي‌ء لي عليه؟ الاولى التي أسقطها السلطان، أو الدراهم التي أجازها‌

361

و ما أجمع على كونه قيميّا يضمن بالقيمة، بناء (1) على ما سيجي‌ء من الاتّفاق على ذلك (2)، و إن وجد مثله (3) أو كان (4) مثله

____________

السلطان، فكتب: لك الدّراهم الاولى» (1).

بتقريب أنّ الدراهم الأولى الساقطة عن الرّواج لم تخرج عن الماليّة رأسا، لأنّ مادّتها فضّة، و هي لا تسقط عن القيمة بمجرّد إسقاط الهيئة و السّكّة، و إنّما تنقص قيمتها عن الدراهم الرائجة. مثلا إذا كانت عشرة من الدراهم الاولى تساوي دينارا، فبعد إسقاطها يكون الدينار بعشرين منها أو بثلاثين، و هذا هو تنزّل المالية، لا السقوط عن التقويم رأسا.

(1) متعلّق ب‍ «يضمن بالقيمة» يعني: أنّ ضمان ما أجمعوا على قيميّته بالقيمة مبنيّ على تسلّم الكبرى، و هي ضمان القيميّ بقيمته لا بمماثله عرفا، فلولا هذا الإجماع اقتضت الآية الشريفة ضمانه بالمماثل، ثم بالقيمة.

(2) أي: على ضمان القيميّ بالقيمة، قال في الأمر السابع: «فالمرجع في وجوب القيمة في القيميّ و إن فرض تيسّر المثل له، كما في من أتلف عبدا من شخص باعه عبدا موصوفا بصفات ذلك العبد بعينه .. هو الإجماع كما يستظهر».

(3) كما لو أتلف ذراعا من كرباس طوله عشرون ذراعا، فإنّ مثل التالف ليس بعزيز الوجود، و مع ذلك فالمضمون به هو القيمة، للإجماع على قيميّة الأقمشة و الثياب.

(4) كما لو أتلف عبدا، و له على سيّده بسبب القرض أو السلم عبد بصفات التالف، فإنّهم لا يحكمون بالتهاتر، بل على المتلف قيمة العبد المتلف. و على المقترض أو البائع سلما أداء ما في ذمّته من العبد إلى مالكه.

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 12، ص 488، الباب 20 من أبواب الصرف، الحديث 2

362

في ذمّة المالك (1).

و ما (2) شكّ في كونه قيميّا أو مثليّا يلحق بالمثليّ، مع عدم اختلاف قيمتي المدفوع و التالف، و مع الاختلاف الحق بالقيميّ (3)، فتأمّل (4).

____________

(1) و لولا الإجماع على ضمان المثليّ بالمثل و القيميّ بالقيمة كان اللازم التهاتر في مثال إتلاف العبد.

(2) هذا حكم الشكّ في مثليّة التالف و قيميّته، و قد أوضحناه آنفا.

(3) لعلّ وجه إلحاقه بالقيميّ هو عدم إمكان المثل المماثل للتالف في الماليّة، فيصير من قبيل تعذّر المثل الموجب لجواز دفع القيمة.

(4) لعلّه إشارة إلى: أنّ مقتضى الدليلين السابقين اعتبار المماثلة في المالية، و المفروض فقدانها، فالدليلان قاصران عن الدلالة على الاجتزاء به. و لعدم الدليل على الاكتفاء بالقيمة يدور الأمر بين المثل و القيمة، و المرجع فيه أصالة الاشتغال كما تقدّم.

أو إشارة إلى: أنّه مع فرض تحقّق الإجماع على إهمال التفاوت بين قيمتي التالف و المدفوع لا وجه لإلحاق المثليّ بالقيميّ مع اقتضاء الآية الضمان بالمثل.

363

[الخامس ارتفاع ثمن المثليّ]

الخامس (1): ذكر في القواعد: «أنّه لو لم يوجد المثل إلّا بأكثر من ثمن المثل ففي وجوب الشراء تردّد» انتهى (2).

____________

5- ارتفاع ثمن المثليّ

(1) هذا البحث متفرّع على ما تحقّق في الأمر الرابع من ضمان المثليّ بالمثل، للوجوه الثلاثة المتقدّمة من آية الاعتداء و إطلاق نصوص الضمان مقاميّا و الإجماع، فيحرز اشتغال الذمّة بالمثل. هذا مع عدم تفاوت قيمتي المثل من زمان ضمانه إلى زمان أدائه. و أمّا إذا ارتفعت قيمته بأن صارت قيمته أضعاف قيمته وقت ضمانه فهل يجب على الضامن تحصيل المثل أم يكفي ردّ ثمنه الذي كان حين ضمانه؟

و كذا يتّجه هذا البحث بناء على قصور الأدلّة عن إثبات ضمان المثليّ بمثله، و قلنا بتخيير المالك بين مطالبة المثل و القيمة.

و أمّا بناء على القول بتخيير الضامن بينهما لم يبق موضوع لهذا البحث، لجواز اقتصار الضامن على القيمة، هذا.

(2) العبارة الموجودة في القواعد و في متن جامع المقاصد و مفتاح الكرامة هي:

«و لو تعذّر المثل إلّا بأكثر من ثمن مثله، ففي وجوب الشراء نظر» (1).

____________

(1) قواعد الأحكام، ص 79 (الطبعة الحجرية)؛ مفتاح الكرامة، ج 6، ص 254؛ جامع المقاصد، ج 6، ص 260

364

أقول (1): كثرة الثمن إن كانت لزيادة القيمة السوقيّة للمثل (2)، بأن صار

____________

و وجه النظر ما أفاده في التذكرة بقوله: «إذا أتلف المثليّ وجب عليه تحصيل المثل، فإن وجده بثمن المثل وجب عليه شراؤه بلا خلاف. و إن لم يجده إلّا بأزيد من ثمن المثل ففي إلزامه بتحصيله إشكال. ينشأ من أنّ الموجود بأكثر من ثمن المثل كالمعدوم كالرّقبة في الكفارة و الهدي. و من أنّ المثل كالعين، و ردّ العين واجب و إن لزم في مئونته أضعاف قيمته. و للشافعيّة وجهان. أظهرهما الأخير. و ربّما يمكن الفرق بين المثل و العين بأنّه تعدّى في العين دون المثل، فلا يأخذ المثل حكم العين» (1).

و الأوّل وجه لعدم وجوب الشراء، و الثاني وجه لوجوبه كما لا يخفى.

و جعل المحقّق الثاني (قدّس سرّه) منشأ نظر العلامة (قدّس سرّه): «لزوم الضرر المنفيّ عن الضامن، فلا يجب عليه الشراء بأكثر من ثمن المثل. و أنّ القدرة على المثل موجودة، فيجب شراؤه» ثمّ رجّح الوجوب كما صنعه العلّامة في التحرير (2).

(1) ناقش المصنّف (قدّس سرّه) في تردّد العلّامة و حكم بوجوب شراء المثل سواء أ كانت زيادة قيمته لأجل ارتفاع قيمته السوقيّة، لارتفاع أسعار السّلع بحيث قل ما تتساوى قيمة الأمتعة في مبدأ الشهر و منتهاه، أم كانت لأجل عزّة وجود المثل ككونه عند من يضنّ به، و لا يبيعه إلّا بأكثر من قيمته المتعارفة.

و لو كان كثير الوجود لم يرتفع قيمته السوقيّة. لكنّه (قدّس سرّه) في بادئ الأمر فصّل بين الصورتين، كما سيتّضح.

(2) هذا هو أحد منشئي كثرة ثمن المثل. و محصّله: أنّ تردّد العلّامة إن كان في صورة ارتفاع القيمة السوقيّة، لم يكن له وجه، لأنّ وجوب الشراء إجماعيّ، كما إذا‌

____________

(1) تذكرة الفقهاء، ج 2، ص 384، أواخر الصفحة.

(2) تحرير الأحكام، ج 2، ص 139

365

قيمته أضعاف قيمة التالف يوم تلفه، فالظاهر أنّه لا إشكال في وجوب الشراء و لا خلاف، كما صرّح به في الخلاف، حيث قال: «إذا غصب ماله مثل كالحبوب و الأدهان فعليه مثل ما تلف في يده، يشتريه بأيّ ثمن كان بلا خلاف» (1).

و في المبسوط: «يشتريه بأيّ ثمن كان إجماعا» (2) انتهى.

و وجهه عموم النصّ و الفتوى (1) بوجوب المثل في المثليّ.

و يؤيّده فحوى (2) حكمه بأنّ تنزّل قيمة المثل حين الدفع عن يوم التلف

____________

أتلف زيد حنطة من عمرو، فأراد ردّ مماثلها بعد عام، و قد بلغت قيمة الحنطة ضعف ما كانت عليه، فإنّه لا ريب في وجوب الشراء مقدّمة لأداء المثل إلى المضمون له.

و يدلّ عليه وجوه ثلاثة، أوّلها: الإجماع الذي ادّعاه شيخ الطائفة في المبسوط و الخلاف.

ثانيها: إطلاق آية الاعتداء، القاضي بوجوب ردّ المثل سواء توقّف على الشراء أم لا، و سواء أ كان شراؤه بثمن المثل أم بأزيد منه.

ثالثها: إطلاق فتوى الأصحاب بوجوب ردّ المثل مهما كلّف من مئونة.

(1) الظاهر أن المراد بعموم النص عموم آية الاعتداء، و المراد بالعموم هو الإطلاق الأحوالي كما أوضحناه.

(2) تقريب الفحوى: أنّ دفع المثل مع نقصان قيمته عن قيمة التالف إنّما هو لصدق المماثلة، فإذا صدق عليه أنّه مماثل مع عدم مماثلته للتالف في الماليّة بحدّها، فصدق المماثل عليه مع بلوغه قيمة التالف و زيادة يكون بالأولويّة، لأنّه مماثل له في الحقيقة و الماليّة حقيقة لا عناية لمجرّد المماثلة في الصورة.

____________

(1) الخلاف، ج 3، ص 415، المسألة 29 من كتاب الغصب.

(2) المبسوط، ج 3، ص 103

366

لا يوجب الانتقال إلى القيمة. بل ربّما احتمل بعضهم ذلك (1) مع سقوط المثليّ في زمان الدفع عن الماليّة (2) كالماء على الشاطئ (3) و الثلج في الشتاء.

و أمّا (4) إن كان لأجل تعذّر المثل و عدم وجدانه إلّا عند من يعطيه بأزيد

____________

و يمكن تقريب الفحوى بنحو آخر، و هو: أنّ حكمهم بعدم الانتقال إلى القيمة في صورة التنزّل يقتضي عدم مراعاة قاعدة «نفي الضرر» بالنسبة إلى تضرّر المالك به، فعدم مراعاة قاعدة الضرر بالنسبة إلى الضرر الوارد على الضامن- بازدياد ثمن المثل- أولى، لأنّ الضامن أقدم على ضرر نفسه.

(1) أي: عدم الانتقال إلى القيمة مع سقوط المثل عن التقويم، و المحتمل هو العلّامة في القواعد، من دون ترجيح له و لا لخلافه، و قد تقدم كلامه في الأمر الرابع.

و مال إليه في الجواهر (1).

(2) متعلّق بقوله: «سقوط».

(3) يعني: أتلف الضامن الماء في مفازة حيث يبذل المال الكثير لتحصيله، فأراد دفع ذلك المقدار من الماء على شاطئ النهر بحيث لا يبذل فلس بإزائه.

و كذا الحال في إتلاف الجمد و الثلج في حرّ الصيف، فأراد دفع مماثلهما في الشتاء.

(4) هذا عدل قوله: «إن كانت لزيادة القيمة السوقيّة» و كان الأولى أن يقال:

«و إن كانت لأجل تعذّر المثل ..» و كيف كان فلم نظفر في العبارة بجواب «و أمّا» فلاحظ و تأمّل.

و احتمال «كون- و الظاهر- غلطا، و أنّ الصواب اقترانه بالفاء ليكون جواب الشرط» ضعيف، إذ بعد فرض كون النسخة الصحيحة كذلك لا يصلح لأن يكون جوابا، لعدم الارتباط بين الشرط و الجزاء، إذ لا يكون قوله: «و الظاهر» مرتبطا بما قبله، فإنّ الجواب لا بدّ أن يكون مترتّبا على الشرط، و هو مفقود هنا كما لا يخفى.

____________

(1) جواهر الكلام، ج 37، ص 99

367

ممّا يرغب فيه الناس مع (1) وصف الإعواز، بحيث يعدّ بذل ما يريد مالكه بإزائه ضررا عرفا. و الظاهر أنّ هذا هو المراد بعبارة القواعد، لأنّ الثمن في الصورة الأولى ليس بأزيد من ثمن المثل، بل هو ثمن المثل. و إنّما زاد على ثمن التالف يوم التلف. و حينئذ (2) فيمكن التردّد في الصورة الثانية

____________

مع أنّ مقصوده حمل ترديد العلّامة (قدّس سرّه) على هذه الصورة الثانية، و هذا الحمل أجنبيّ عن بيان الحكم الذي يناسب الجزاء.

(1) متعلق بقوله: «يرغب» يعني: أنّ رغبة الناس فيه مع إعوازه لا تقتضي زيادة قيمته بمقدار يريده مالكه، فزيادة الثمن حينئذ ليست لارتفاع القيمة السوقيّة عند الإعواز، بل لأجل طمع المالك و إجحافه، بحيث يعدّ بذل ما يطلبه بائع المثل ضررا عرفا.

و حاصل الفرق بين الصورة الاولى- و هي ما أفاده بقوله. «كثرة الثمن إن كانت لزيادة القيمة إلخ»- و الصورة الثانية و هي قوله: «و أمّا إن كان لأجل تعذّر المثل إلخ» هو: أنّه في الصورة الاولى لا يصدق «الأكثر من ثمن المثل» إذ المفروض ارتفاع قيمة المماثل للتالف، فالثمن الفعليّ للمثل هو نفس ثمن المثل، لا أكثر منه. نعم هو أكثر من ثمن التالف يوم تلفه.

بخلاف الصورة الثانية، فإنّه يصدق عليها ذلك، إذ المفروض كون الثمن الذي يريده المالك أكثر من قيمته السوقيّة التي يرغب فيها الناس بوصف الإعواز، كما إذا كانت قيمته السوقيّة بهذا الوصف عشرة دراهم و المالك يريد خمسة عشر درهم، فإنّ صدق «أكثر من ثمن المثل» عليه حينئذ من الواضحات، و يصدق عليه أنّ المالك مجحف في هذه المعاملة، فيتّجه البحث عن وجوب شراء المثل و عدمه.

(2) يعني: حين إرادة بائع المثل أكثر من الثمن السوقيّ لمثل التالف بوصف إعوازه. و الظاهر زيادة هذه الكلمة، للزوم التكرار، لوضوح أنّ مفروض الصورة الثانية إرادة بائع المثل زيادة على ثمنه الواقعي، فلا حاجة إلى كلمة «حينئذ»‌

368

- كما قيل (1)- من أنّ الموجود بأكثر من ثمن المثل كالمعدوم كالرقبة في الكفّارة و الهدي، و أنّه (2) يمكن معاندة البائع و طلب أضعاف القيمة، و هو ضرر (3).

و لكن الأقوى مع ذلك (4) وجوب الشراء وفاقا للتحرير كما عن الإيضاح (1) و الدروس و جامع المقاصد، بل إطلاق السرائر (5)، و نفي الخلاف

____________

و على تقدير إسقاطها أمكن جعل «فيمكن» جوابا لقوله: «و أمّا» الشرطيّة.

و الأولى أن يقال: «في هذه الصورة» بإسقاط كلمة «الثانية». أو إبقاؤها، و إن كان إسقاطها أولى، للاستغناء عنها باسم الإشارة، و هي «هذه».

(1) القائل هو العلّامة (قدّس سرّه) في التذكرة، و قد تقدّمت عبارته آنفا.

(2) معطوف على «أنّ الموجود» يعني: أنّه يمكن معاندة بائع المثل بأن يطلب أضعاف قيمته الواقعيّة، و هذا الوجه أفاده السيد العميد (قدّس سرّه) (2).

(3) هذا وجه تنزيل الموجود بأكثر من ثمن المثل منزلة المعدوم كالرقبة في الكفّارة، و من المعلوم أنّ الضرر منفيّ في الشريعة.

(4) أي: مع كون الموجود بأكثر من ثمن المثل كالمعدوم- و طلب أضعاف قيمته ضررا على الضامن- يكون الأقوى وجوب الشراء، قال المحقّق الثاني: «و الأصحّ الوجوب، فإنّ الضرر لا يزال بالضرر، و الغاصب مؤاخذ بأشقّ الأحوال، فلا يناسبه التخفيف، و هو الأصحّ» (3).

(5) الإتيان بكلمة «بل» لأجل أنّ ابن إدريس لم يكن من المصرّحين بوجوب شراء المثل إذا زاد ثمنه على ثمن التالف، فنسبة هذا الحكم إليه إنّما هي لاقتضاء إطلاق‌

____________

(1) الحاكي هو السيد العاملي في مفتاح الكرامة، ج 6، ص 254. راجع تحرير الاحكام، ج 2، ص 139، إيضاح الفوائد، ج 2، ص 178، الدروس الشرعية، ج 3، ص 113

(2) كنز الفوائد، ج 1، ص 661

(3) جامع المقاصد، ج 6، ص 260

369

المتقدّم عن الخلاف، لعين ما ذكر في الصورة الاولى (1).

ثمّ إنّه لا فرق (2)

____________

كلامه بوجوب ردّ المثل، سواء تغيّرت الأسعار أم لم تتغيّر. و لو كان نظره (قدّس سرّه) إلى صورة مساواة ثمن المثل لثمن التالف لنبّه عليه، و من المعلوم أنّ عدم تقييد وجوب أداء المثل بصورة المساواة كاشف عن إطلاق الحكم. قال (قدّس سرّه): «فمن غصب شيئا له مثل وجب عليه ردّه بعينه، فإن تلف فعليه مثله» (1). و الجملة الأخيرة هي محطّ نظر المصنّف (قدّس سرّه) من نسبة الإطلاق إليه، و هو كذلك.

نعم قال في موضع آخر: «فأمّا ماله مثل فعليه مثله يوم المطالبة، تغيّرت الأسعار أم لم تتغيّر ..» (2). و هذا تصريح بالإطلاق، بناء على أنّ المراد بالتغيّر الارتفاع، و لعلّ المصنّف (قدّس سرّه) لم يظفر بهذه العبارة و نسب الإطلاق إلى ابن إدريس (قدّس سرّه).

(1) و هي كون زيادة الثمن لأجل رواج السوق، فإنّ ما ذكر فيها- من عموم النصّ و الفتوى- آت هنا، و لا مجال لقاعدة الضرر، لأنّها مخصّصة بأدلّة الضمان.

فالمتعيّن الرجوع إلى إطلاق تلك الأدلّة المخصّصة.

نعم تجري قاعدة نفي الحرج إذا لزم الإجحاف بحال الضامن، فإنّ هذه القاعدة تنفي وجوب الشراء.

إلّا أن يقال: إنّ قاعدة نفي الحرج أيضا مخصّصة بتلك الأدلّة المخصّصة، خصوصا بملاحظة «مؤاخذة الغاصب بأشق الأحوال».

(2) لإطلاق أدلّة الضمان، يعني: كما أنّ إطلاقها يقتضي وجوب شراء المثل بأكثر من ثمن المثل، لارتفاع الأسعار مرّ الزمان، كذلك يقتضي وجوب شرائه في بلد آخر- غير بلد تلف العين- إذا طالبه المالك بالمثل. سواء أ كانت قيمتا البلدين متساويتين أم كانت قيمة بلد المطالبة أزيد.

____________

(1) السرائر الحاوي، ج 2، ص 480

(2) المصدر، ص 490

370

في جواز مطالبة (1) المالك بالمثل بين كونه في مكان التلف أو غيره. و لا بين كون قيمته في مكان المطالبة أزيد من قيمته في مكان التلف أم لا، وفاقا (2) لظاهر المحكيّ (1) عن التحرير و التذكرة و الإيضاح و الدروس و جامع المقاصد.

و في السرائر: «أنّه الذي يقتضيه عدل الإسلام و الأدلّة و أصول المذهب» (3).

____________

و الوجه فيه اشتغال ذمة الضامن بالمثل، فللمضمون له مطالبة حقّه. إلّا إذا تعذّر تحصيله، فينتقل إلى قيمته حينئذ كما سيأتي تفصيله في الأمر السادس إن شاء اللّه تعالى.

(1) المصدر مضاف إلى الفاعل، و ضمير «كونه» راجع إلى المثل.

(2) و خلافا لما في المبسوط من «لزوم قيمته في بلد الغصب، أو يصبر حتى يصل إليه ليستوفي ذلك، للضرر المنفي» (2). لكن قد عرفت الإشكال في العمل بقاعدة الضرر من عدم شمولها للحكم الثابت بعنوان الضرر كالضمانات.

(3) كلام ابن إدريس (قدّس سرّه) لا يختصّ بردّ المثل في غير بلد التلف، لتصريحه بأنّه حكم بدل التالف سواء أ كان مثليّا أم قيميّا، فلاحظ قوله: «إذا غصب منه مالا مثليّا بمصر، فلقيه بمكّة، فطالبه به. فإن كان المال له مثل، فله مطالبته، سواء اختلفت القيمة في البلدين، أم اتّفقت. و إن كان لا مثل له، فله مطالبته بقيمته يوم الغصب، دون يوم المطالبة، إذا أهلكه و أتلفه في يوم غصبه .. و لأنّ المغصوب منه لا يجب عليه الصبر إلى حين العود إلى مصر، بل يجب على الغاصب ردّ مثل الغصب إن كان له مثل، أو قيمته إن لم يكن له مثل، فإنّ هذا الذي يقتضيه عدل الإسلام و الأدلّة، و لا يعرج إلى‌

____________

(1) الحاكي هو السيد العاملي في مفتاح الكرامة، ج 6، ص 252. و لاحظ تحرير الأحكام، ج 2، ص 139، تذكرة الفقهاء، ج 2، ص 383 و 384، إيضاح الفوائد، ج 2، ص 177، الدروس الشرعية، ج 3، ص 114، جامع المقاصد، ج 6، ص 252

(2) المبسوط، ج 3، ص 76

371

و هو (1) كذلك، لعموم «الناس مسلّطون على أموالهم (2)» (1). هذا (3) مع وجود المثل في بلد المطالبة.

و أمّا مع تعذّره فسيأتي حكمه في المسألة السادسة [1].

____________

خلافه بالآراء و الاستحسان» (2).

و منه ظهر أنّ كلمة: «و أصول المذهب» غير موجودة في ما بأيدينا من نسخة السرائر و إن نقله عنه السيد العاملي أيضا.

(1) يعني: أنّ ما حكي عن جمع- من جواز المطالبة بالمثل في غير بلد التلف- هو المتعيّن، لعموم سلطنة الناس على أموالهم.

(2) فإنّ إطلاقه يقتضي سلطنة المالك على المطالبة في كلّ مكان و زمان و بأيّ سعر كان، و ليس للضامن حبسه عنه.

و مع هذا الإطلاق لا حاجة إلى التمسّك بمثل «على اليد» أو «كلّ مغصوب مردود» حتى يورد عليه بقصوره، بدعوى «انصرافه إلى خصوص مكان ذلك المال».

لكن يمكن أن يقال: إن كانت سلطنة المالك على المطالبة في بعض الصور حرجيّة فتنفى بقاعدة الحرج، فلا بدّ من ملاحظة موارد المطالبة زمانا و مكانا، و عزّة و كثرة للمثل، و تنزّلا و ترقّيا من حيث القيمة. ففي كل مورد تكون مطالبة المالك حرجيّة يرتفع جوازها بنفي الحرج، فتأمّل.

(3) أي: جواز المطالبة في غير بلد التلف.

____________

[1] تحقيق المقام: أنّه قد استدل بآية الاعتداء على وجوب شراء المثل و لو بأكثر من قيمة مماثله. لكن قد عرفت الإشكال في الاستدلال بها على ما نحن فيه.

و قد استدلّ أيضا عليه بالإجماع تارة، و بأنّ الحكم بعدم وجوب الشراء على الغاصب يستلزم الضرر على المالك اخرى.

____________

(1) عوالي اللئالي، ج 1، ص 222، الحديث: 29 و ص 457، الحديث 198

(2) السرائر، ج 2، ص 490 و 491

372

____________

و لا يعارض ضرر المالك بضرر الضامن ليندرج المقام في تعارض الضررين كي لا يجب الشراء بأكثر من ثمن المثل. و ذلك لأنّ ضرر الضامن إنّما نشأ عن إقدامه، فلا تجري قاعدة الضرر في حقّه، فتجري في طرف المالك بلا معارض، فيجب شراء المثل و لو بأكثر من ثمن المثل.

لكن فيه: أنّ الاقدام ليس إلّا في الغصب و ما هو بمنزلته من العلم بفساد العقد الموجب للقبض. و أمّا مع الجهل بالفساد فلا إقدام، فالضرران متعارضان. و مقتضى أصل البراءة عدم وجوب شراء المثل بأكثر من القيمة السوقيّة.

إلّا أن يقال: إنّ استصحاب بقاء ما في الذمّة من المثل و عدم انتقاله إلى القيمة يقضي بلزوم شراء المثل بأيّ ثمن كان.

و الذي ينبغي أن يقال هو: أنّ قاعدة الضرر لا تجري في الضمانات، لأنّ موضوعها الضرر، كالخمس و الزكاة، فإنّ المقتضي لوجود شي‌ء يمتنع أن يكون رافعا له، فقاعدة الضرر لا تجري في الضمانات أصلا، فلا موضوع لتعارض ضرري المالك و الضامن، و لا لدفعه بقاعدة الإقدام من ناحية الضامن.

مضافا إلى ما فيها: من كونها أخصّ من المدّعى، لاختصاصها بالغصب و ما هو بمنزلته، إذ لا إقدام على الضمان في غير الغصب.

فالمرجع إطلاق أو عموم أدلّة الضمان و عموم سلطنة الناس على أموالهم. هذا بالنسبة إلى الصورة الأولى المذكورة في المتن، و هي كون زيادة القيمة لأجل الرواج السوقيّ، لا العناد المالكيّ و لا طمعه. و مع هذا الإطلاق لا تصل النوبة إلى أصل عملي من استصحاب أو براءة أو اشتغال.

نعم إذا لزم الحرج كما إذا كان مجحفا لم يجب الشراء، لقاعدة نفي الحرج.

و أمّا الصورة الثانية- و هي كون زيادة القيمة غير مستندة إلى الرواج بل إلى عناد بائع المثل أو طمعه- فحكمها كما في المتن حكم الصورة السابقة، لجريان ما ذكر من الأدلة من عموم النص و الفتوى و الإجماع المستفاد من نفي الخلاف- في الخلاف- في

373

____________

هذه الصورة حرفا بحرف.

و بالجملة: فإطلاق أدلّة ضمان المثليّ بالمثل محكّمة، فيجب شراؤه و لو بأكثر من ثمن المثل، إذ المفروض عدم جريان قاعدة الضرر في الضمانات. و على تقدير جريانها تسقط بمعارضتها لضرر المالك. فيبقى إطلاق أدلّة الضمان سليما عن المعارض، و مقتضاه وجوب شراء المثل بأيّ ثمن كان.

إلّا أن يقال: إنّ قاعدة الضرر لا ترفع الحكم المجعول في مورد الضرر إذا كان الضرر بمقدار يقتضيه طبع الحكم كما في الصورة الأولى. و أمّا إذا كان الضرر زائدا على ذلك و مترتّبا على أمور خارجة عمّا يقتضيه طبع الحكم، كما إذا كان مترتّبا على عناد بائع المثل أو طمعه، فينفى بقاعدة الضرر، لأنّه خارج عن حيطة الضمان العقلائيّ و كون المثل في عهدة الضامن.

و بعبارة أخرى: ليس الضرر الزائد جزء ماليّة المثل الثابت على عهدة الضامن، و ما ثبت بالضمان هو المثل بماليّته السوقيّة لا بالماليّة الخاصّة التي يريدها شخص للطمع أو العناد، فإنّ ذلك خارج عن حيطة الضمان الشرعي و العرفيّ.

و عليه فلا يجب شراء المثل في الصورة الثانية، لقاعدة الضرر بالنسبة إلى الضامن، فينتقل إلى القيمة.

لكن يمكن أن يقال: بناء على إطلاق لفظيّ لأدلّة الضمان- كآية الاعتداء و الروايات- لا تجري قاعدة الضرر في الصورة الثانية أيضا، إذ المفروض وفاء الإطلاق بجعل الحكم الضرريّ بالنسبة إلى الضرر الزائد على القيمة السوقيّة، و حيث إنّ موضوع هذا الحكم هو الضرر فلا يرتفع بقاعدة الضرر، فحينئذ لا فرق في وجوب الشراء بين الصورتين.

نعم بناء على كون مستند الحكم بكيفيّة الضمان- أي ثبوت المثل في المثليّ و القيمة في القيميّ في عهدة الضامن- هو الدليل اللبّيّ من السيرة أو الإجماع، فالمتيقّن هو وجوب الشراء في الصورة الأولى، فيرجع في الصورة الثانية إلى الأصل العمليّ، و هو

374

____________

استصحاب الضمان بالمثل، إن لم تجر قاعدة الضرر في الشراء بالزيادة على القيمة السوقيّة، لمعارضتها بضرر المالك، أو حرجه. و لو كان الشراء حرجيّا و لم يعارضه ضرر المالك أو حرجه لم يلزم شراؤه، لكون الحرج رافعا له، فلا يجري حينئذ استصحاب بقاء المثل في الذمّة حتى يجب شراء المثل بثمن كثير يريده بائع المثل.

فتلخّص ممّا ذكرناه: أنّه في الصورة الثانية لا يجب الشراء بأكثر من ثمن المثل، من غير فرق في ذلك بين كون دليل الضمان بناء العقلاء أو الإجماع أو مثل آية الاعتداء.

أمّا على الأوّلين فلأنّ الضمان العرفيّ مبنيّ على المتعارف عندهم من اعتبار القيمة السوقيّة ارتفاعا و انحطاطا، فلو تنزّل السعر السوقيّ ليس للمالك الامتناع عن أخذ المثل. كما أنّه لو ترقّى ليس للضامن الامتناع من إعطاء المثل، بل يجب عليه شراؤه و لو بأكثر من ثمن المثل.

فإذا كانت كثرة الثمن غير مستندة إلى القيمة السوقيّة بل إلى الأغراض الأخر- كالعناد أو الطمع- فهي غير مضمونة عرفا على الضامن، لأنّ الدليل لبّيّ. و المتيقّن منه هو ضمان المثل بقيمته السوقيّة قلّت أو كثرت، فلا يشمل ما إذا كانت كثرة الثمن لغير الرواج السوقيّ، فتنفيه قاعدة الضرر أو الحرج.

و حينئذ لا يجري استصحاب بقاء المثل في الذمّة، لأنّ الدليل الاجتهاديّ ينفي الضمان، و يجعل المثل الموجود في هذه الصورة كالمثل المتعذّر، فينتقل إلى القيمة. كما أنّ قاعدة السلطنة القاضية بجواز مطالبة المالك بالمثل- و إن كثر ثمنه لا لأجل رواج السوق- محكومة بقاعدة الضرر أو الحرج.

و أمّا على الثالث فلأنّ المنساق منه عرفا أيضا هو الضمان العقلائيّ الذي يبنى عليه إطلاق أدلة الضمان. و على تقدير الإطلاق تكون قاعدة الضرر حاكمة عليه، و تخصّه بالضمان المتعارف أعني به القيمة السوقيّة.

و بالجملة: فدليل الضمان لفظيا كان أم لبّيّا لا يقتضي وجوب شراء المثل بثمن لا يقتضيه رواج السوق، بأن نشأ عن داع نفسانيّ كالطمع و العناد.

375

[السادس: لو تعذّر المثل في المثليّ]

السادس (1): لو تعذّر المثل في المثليّ،

____________

(1) هذا الأمر من فروع الأمر الرابع الذي تحقّق فيه أنّ المقبوض بالبيع الفاسد إذا تلف عند القابض يضمن بمثله إن كان مثليّا، و بقيمته إن كان قيميّا. خلافا لما نسب إلى ابن الجنيد. فبناء على اشتغال ذمّة الضامن بمثل التالف- في المثليّ- يتّجه البحث عن حكم تعذّر المثل، و انقلاب المضمون إلى القيمة. و يقع الكلام في تعيين قيمة المثل المتعذّر هل هو ثمنه يوم الأداء إلى المضمون له، أم يوم تعذّر المثل، أم غير ذلك من الاحتمالات التي سيأتي تفصيلها إن شاء اللّه تعالى؟

و لا بأس- قبل توضيح المتن- بالإشارة إلى أمرين:

الأوّل: أنّ تعذّر المثل قد يكون ابتدائيّا أي من حين تلف العين، بأن يعزّ وجود المتاع المثليّ في مدّة من الزمن، فتلفت العين فيها. و قد يكون طارئا، بأن يوجد المثل حين تلف العين و لم يحصّله الضامن تساهلا حتى تعذّر المثل.

و انقلاب الضمان بالمثل إلى الضمان بالقيمة و إن كان في كلتا الصورتين. إلّا أنّ المقصود بالبحث فعلا كما صرّح المصنّف (قدّس سرّه) به بقوله: «إذ لا فرق في تعذّر المثل بين تحقّقه ابتداء كما في القيميّات، و بين طروّه بعد التمكّن كما فيما نحن فيه» هو التعذّر الطاري. و أمّا إذا فقد المثل وقت التلف فسيأتي حكمه.

الثاني: أنّ وجوب أداء ما في الذمّة لا يتوقّف على مطالبة من له الحق كما في المغصوب، فإنّ الغاصب مأمور بردّه- بنفسه أو ببدله- إلى المغصوب منه، سواء طالبه به أم لم يطالبه، لإطلاق «أنّ المغصوب مردود». و المبيع بالبيع الفاسد يكون كالمغصوب في عدم توقّف وجوب ردّه إلى مالكه على المطالبة. نعم إن لم نقل بحرمة إمساكه كما تقدّم من شيخ الطائفة و الحلّي (قدّس سرّهما) لم يجب ردّه فورا بدون المطالبة.

376

فمقتضى القاعدة (1) وجوب دفع القيمة

____________

و الصحيح من الوجهين هو الأوّل كما حقّقه المصنّف (قدّس سرّه) في الأمر الثاني، و أنّه يجب ردّه فورا إلى مالكه.

و هذا جار في صور ثلاث: إحداها: بقاء المبيع بالبيع الفاسد. ثانيتها: تلفه مع كونه مثليّا ممكن الحصول. ثالثتها: تلفه مع كونه قيميّا.

فيجب ردّ المبيع- في الصورة الاولى- و بدله في الصورتين الأخريين إلى مالكه فورا.

و بقي حكم صورة واحدة، أعني بها كون المبيع مثليّا، و قد تلف و تعذّر تحصيله، و قد عقد المصنف هذا الأمر لتحقيقه، و تعرّض لجهات من البحث.

الاولى: اشتراط انقلاب الضمان من المثل إلى القيمة بمطالبة المالك.

الثانية: تعيين القيمة التي تجب بمطالبة المالك، هل هي قيمة المثل يوم الإعواز أم يوم الدفع أم غيرهما؟ و في هذه الجهة تفصيل الاحتمالات المذكورة في قواعد العلّامة (قدّس سرّه).

الثالثة: في أنّ محلّ النزاع هل يختصّ بالتعذر الطاري أم يعمّ الابتدائيّ؟

الرابعة: في أنّ مناط إعواز المثل فقده في بلد التلف.

الخامسة: في كيفيّة تقويم المثل مع فرض تعذّره و فقده.

السادسة: في جواز مطالبة الضامن بالمثل لو وجد في بلد آخر غير بلد التلف.

السابعة: في حكم خروج المثل الموجود عن الماليّة و التقويم، و أنّه ملحق بتعذّر المثل أم لا؟

و سيأتي الكلام في كلّ منها إن شاء اللّه تعالى.

(1) هذه هي الجهة الاولى. و توضيحها: أنّ المصنّف (قدّس سرّه) بنى انقلاب الضمان من المثل إلى القيمة على مطالبة المالك، إذ لو لم يطالب لم يكن دليل على إلزامه بقبول القيمة، لفرض أنّ ذمّة الضامن مشغولة بالمثل، و مجرّد التعذّر و الإعواز لا يسقط المثل عن العهدة، للفرق بين الأحكام التكليفيّة التي تتغيّر بطروء العناوين الثانويّة، و بين الأحكام الوضعية كالضمان، فلو صبر المالك إلى أن يتيسّر للضامن أداء المثل لم يتّجه إلزامه بقبول القيمة، هذا.

377

مع مطالبة (1) المالك، لأنّ منع المالك ظلم (2)، و إلزام الضامن بالمثل منفيّ بالتعذّر، فوجب القيمة جمعا بين الحقّين (3).

مضافا إلى قوله تعالى:

____________

و أمّا إذا طالبه المالك بقيمة المثل المتعذر، فقد استدلّ المصنف (قدّس سرّه) بوجهين على وجوب بذل القيمة على الضامن.

أحدهما: الجمع بين حقّي المالك و الضامن. و الآخر: آية الاعتداء، و سيأتي بيانهما.

(1) وجه تقييد وجوب دفع القيمة بمطالبة المالك هو استقرار المثل في ذمّة الضامن، و عدم كون القيمة في رتبة المثل، بل هي في طوله و متأخّرة عنه رتبة. و هذا التقييد لا ينافي كون المقبوض بالبيع الفاسد كالمغصوب ممّا يجب ردّه بنفسه أو ببدله إلى المالك فورا، و ذلك لعدم كون القيمة واجدة لخصوصيّة المثل المستقرّ في العهدة حتى يكون أداؤها مسقطة له، و سيأتي مزيد توضيح له.

(2) هذا أوّل الوجهين على وجوب أداء القيمة على الضامن، استدلّ به المحقّق الأردبيلي (قدّس سرّه) و غيره (1). و هو مقتضى الجمع بين حقّي المالك و الضامن.

أمّا حقّ المالك فهو استحقاقه للقيمة بعد إسقاط الأوصاف النوعيّة التي هي من حقوقه، فله المطالبة بالقيمة، فلو أبى الضامن عن دفع القيمة إلى المالك كان ظلما عليه، و هو قبيح عقلا و ممنوع شرعا.

و أمّا حقّ الضامن فهو: أنّ مطالبة المثل منه غير جائزة، لسقوط التكليف بسبب تعذّره، فلو ألزمناه بدفع المثل كان ظلما عليه، و هو منفيّ عقلا و شرعا.

و الجمع بين الأمرين- بحيث لا يستلزم ظلما على أحدهما- إنّما هو بإلزام الضامن بأداء القيمة لو طالبه المالك بها.

(3) و هو حقّ المالك و الضامن.

____________

(1) مجمع الفائدة و البرهان، ج 10، ص 527؛ مفتاح الكرامة، ج 6، ص 242 و 243

378

فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ (1) فإنّ الضامن إذا ألزم بالقيمة مع تعذر المثل لم يعتد عليه (2) أزيد مما اعتدى (3).

____________

و بالجملة:- بعد البناء على كون ذمّة الضامن مشغولة بالمثل حتى يعدّ تعذّره و عدم سقوط الأوصاف النوعيّة بدون إسقاط المالك لها- لا وجه لإلزام الضامن إيّاه بقبول القيمة، بل له الانتظار إلى أن يوجد، إذ المفروض عدم كون تعذّر المثل مسقطا له عن ذمّة الضامن، و موجبا للانتقال إلى القيمة، فلا موجب لإلزام المالك بقبول القيمة.

و لا يقاس إعواز المثل بتلف العين، حتى يقال: إنّ الإعواز يوجب الانتقال إلى القيمة، كما أنّ تلف العين يوجب الانتقال إلى المثل إن كان مثليّا و القيمة إن كان قيميّا.

و ذلك لأنّه لا معنى لبقاء العين التالفة في الذمّة، لامتناع أدائها بعد تلفها.

فالانتقال إلى المثل أو القيمة بالتلف قهريّ، بخلاف إعواز المثل، إذ لا مانع من ثبوت كلّيّ المثل في الذمّة إلى زمان الأداء، و لذا لا يجوز للضامن إلزام المالك بالقيمة. كما لا يجب على الضامن إلّا دفع قيمة يوم الأداء، لما مرّ من عدم كون الإعواز موجبا للانتقال إلى القيمة، بل المثل باق في ذمّته إلى يوم الأداء، فتعتبر القيمة يوم الدفع، لأنّه زمان الانتقال إلى القيمة.

(1) هذا ثاني الوجهين على وجوب أداء القيمة. و هو مبني على ما تقدم من شيخ الطائفة (قدّس سرّه) من: أنّ المماثلة أعم من كونها في الصورة- و هي المشاركة في الحقيقة- و من كونها في المالية خاصة. و حيث إنّ القيمة مماثلة للتالف في المالية دلّت الآية الشريفة على أنّه يجوز للمالك الاعتداء على الضامن بأخذ قيمة ماله منه، فمطالبة القيمة اعتداء بالمثل، لا بأزيد منه حتى تحرم.

(2) هذا الضمير و الضمير المستتر في «اعتدى» راجعان إلى الضامن.

(3) لأنّ القيمة مثل التالف في الماليّة، و المفروض دلالة الآية على جواز الاعتداء بالمماثل.

379

و أمّا (1) مع عدم مطالبة المالك فلا دليل على إلزامه بقبول القيمة، لأنّ المتيقن (2) أنّ دفع القيمة علاج لمطالبة المالك، و جمع (3) بين حقّ المالك بتسليطه

____________

(1) معطوف على قوله: «مع مطالبة المالك» و قد تقدّم وجه تقييد وجوب دفع القيمة بمطالبة المالك بقولنا: «و بالجملة بعد البناء على كون ذمّة الضامن مشغولة بالمثل .. إلخ».

(2) هذا التعليل ظاهر في أنّ الوجه الأوّل- و هو الجمع بين الحقّين- لا يجري في ما إذا صبر المالك حتى يتيسّر المثل، و لم يطالب الضامن بالقيمة، لأنّه مالك للمثل في ذمّة الضامن. فهو مسلّط شرعا على المطالبة ببدل المثل المتعذر، كما أنّ له الانتظار و عدم أخذ القيمة.

و أمّا الوجه الثاني- أعني به آية الاعتداء- فيستفاد من التعليل المزبور أيضا عدم وجوب دفع القيمة في صورة عدم مطالبة المالك بها. و ذلك لأنّ المخاطب بجواز الاعتداء على المعتدي- كالضامن في ما نحن فيه- هو المالك، لقوله تعالى فَاعْتَدُوا المنسلخ عن الوجوب. فللمعتدى عليه تغريم المعتدي بالمماثل، الشامل للمماثلة في مجرّد الماليّة خاصّة، و له الانتظار إلى زمان تيسّر المثل المصطلح الذي هو أقرب إلى التالف، لمساواته له في الحقيقة و الماليّة معا. و على كلّ فليس أمر تفريغ الذمّة عن المثل أو القيمة موكولا إلى الضامن حتى يجوز له تفريغ ذمّته عمّا اشتغلت به فورا كي ينقلب ضمانه من المثل إلى القيمة، هذا.

(3) هذا و قوله: «و حقّ الضامن» قرينة على أنّ غرضه من قوله: «لأنّ المتيقّن» هو عدم المجال للاستدلال بالجمع بين الحقّين على جواز أداء القيمة حتى مع عدم مطالبة المالك بها.

لكن يستفاد منه أيضا وجه عدم دلالة الآية الشريفة، لقوله (قدّس سرّه): «أمّا عدم المطالبة فلا دليل على سقوط حقّه عن المثل» لظهوره في توقف انقلاب ما في الذمّة من المثل إلى القيمة على المطالبة التي هي من شؤون سلطنته على ماله التالف أو المتلف.

380

على المطالبة، و حقّ الضامن بعدم تكليفه (1) بالمعذور (2) أو المعسور (3). أمّا مع عدم المطالبة فلا دليل على سقوط حقّه عن المثل.

و ما ذكرنا (4) يظهر من المحكي (1) عن التذكرة و الإيضاح، حيث ذكرا في ردّ بعض الاحتمالات الآتية (2) في حكم تعذّر المثل ما لفظه: «أنّ المثل لا يسقط بالإعواز، ألا ترى أنّ المغصوب منه لو صبر إلى زمان وجدان المثل ملك المطالبة به. و إنّما المصير إلى القيمة وقت تغريمها» انتهى.

____________

(1) أي: تكليف الضامن.

(2) فيما إذا لم يوجد المثل أصلا، فلو كلّف الشارع الضامن بدفع المثل كان معذورا عن امتثاله.

(3) فيما إذا وجد المثل في بلد بعيد بحيث لا يخلو تحصيله و نقله من مشقّة شديدة منفيّة شرعا.

(4) أي: عدم سقوط المثل عن ذمّة الضامن بالتعذّر و الإعواز- مجرّدا عن مطالبة المالك و الانتقال إلى القيمة- إنّما هو لمطالبة المالك، بمقتضى سلطنته على مطالبة ماله، و الكلام المحكيّ عن التذكرة و الإيضاح كالصريح في ذلك، فإنّ كلمة «تغريمها» تدل على إناطة أداء القيمة بمطالبة المالك غرامة ماله.

و لا يخفى أنّ العلّامة (قدّس سرّه) وجّه بالعبارة المنقولة في المتن الاحتمال الرابع من الاحتمالات العشرة المحكيّة عن الشافعيّة. و الاحتمال الرابع هو ضمان أقصى القيم من يوم الغصب إلى وقت التغريم. و ليس في كلامه ردّ بعض الاحتمالات، إلّا من جهة استلزام تقوية بعضها تضعيف ما عداها، فراجع التذكرة.

____________

(1) الحاكي هو السيد الفقيه العاملي (قدّس سرّه) في مفتاح الكرامة، ج 6، ص 252. لاحظ: تذكرة الفقهاء، ج 2، ص 383، السطر 25؛ إيضاح الفوائد، ج 2، ص 175

(2) ستأتي بقوله: «ثم إن في المسألة احتمالات أخر ذكر أكثرها في القواعد».

381

لكن أطلق (1) كثير منهم الحكم بالقيمة عند تعذّر المثل.

و لعلّهم (2) يريدون صورة المطالبة، و إلّا (3) فلا دليل على الإطلاق (4).

____________

(1) يعني: أنّ إطلاق كثير منهم الحكم بالقيمة وقت تغريم الضامن- و عدم تقييده بالمطالبة- يقتضي الانتقال إلى القيمة عند تعذّر المثل مطلقا و إن لم يطالب المالك.

قال السيّد الفقيه العاملي (قدّس سرّه): «أمّا أنّه ينتقل إلى القيمة عند التعذّر فهو مما طفحت به عباراتهم كما ستسمع، بل هو إجماعيّ .. و أمّا أنّها تلزم يوم الإقباض لا الإعواز- و إن حكم بها الحاكم يوم الإعواز- فممّا صرّح به في الخلاف و المبسوط و الغنية و السرائر و الشرائع و التحرير و التذكرة و الدروس و جامع المقاصد و المسالك و مجمع البرهان، و هو قضيّة من اقتصر على لزوم القيمة يوم الإقباض كالإرشاد و غيره» (1).

و أنت ترى خلوّ كلامهم من قيد مطالبة المالك. و به يشكل ما ذهب إليه المصنّف (قدّس سرّه) و غيره من اشتراط وجوب دفع القيمة بمطالبة المالك.

(2) غرضه توجيه الإطلاق المزبور، و حاصله: أنّه يمكن أن يريدوا خصوص صورة المطالبة، لا مطلقا حتى يكون مرادهم انتقال المثل بالإعواز إلى القيمة.

(3) يعني: و إن لم نحمل إطلاق حكمهم بالقيمة- عند تعذّر المثل- على خصوص صورة مطالبة المالك أشكل الأخذ بظاهر كلامهم، لعدم دليل على إطلاق انقلاب المثل إلى القيمة.

(4) كما هو مذهب القائلين بثبوت العين في الذمّة، و لا ينتقل إلى البدل من المثل أو القيمة، خلافا لغيرهم كالمصنّف و جماعة، حيث ذهبوا إلى الانتقال إلى البدل بمجرّد تلف العين و الإعواز.

____________

(1) مفتاح الكرامة، ج 6، ص 242 و 243

382

و يؤيّد ما (1) ذكرنا: أنّ المحكيّ عن الأكثر في باب القرض «أنّ المعتبر في المثل المتعذر قيمته يوم المطالبة» (2).

نعم (3) عبّر بعضهم بيوم الدفع،

____________

(1) من عدم سقوط المثل عن ذمّة الضامن بمجرّد الإعواز و التعذّر لو لم يطالبه المالك بالقيمة. وجه التأييد أنّ تعبير الأكثر «باعتبار قيمة العين المقترضة- المتعذّر مثلها- يوم مطالبة المالك» يدلّ على كون موضوع كلامهم خصوص صورة المطالبة، فبدونها لا موجب لانقلاب ما في الذمّة- من المثل- إلى القيمة.

و التعبير بالتأييد- دون الدلالة- لوجهين، أحدهما: أنّه استشهاد بكلام الأكثر، لا بدليل معتمد من نصّ أو إجماع، و من المعلوم أنّ فتوى الأكثر أو المشهور لا تصلح دليلا على حكم شرعيّ.

و ثانيهما: أنّه يحتمل أن يريدوا أنّ الانقلاب إلى القيمة كان في يوم تعذّر المثل لا في يوم المطالبة. كما يحتمل أن يختصّ الحكم بباب القرض، لا في جميع موارد الضمان حتى المقبوض بالبيع الفاسد.

(2) الحاكي هو السيّد الفقيه العاملي، قال (قدّس سرّه) في شرح قول العلّامة: «و لو تعذّر المثل في المثليّ وجبت القيمة يوم المطالبة» ما لفظه: «كما في السرائر و التذكرة و جامع المقاصد- لما ستسمعه عنه في الدراهم- و مجمع البرهان و المسالك و الكفاية و المفاتيح، لأنّ الثابت هو المثل إلى أن يطالبه» (1).

(3) استدراك على التأييد، و غرضه (قدّس سرّه) أنّ العلّامة (قدّس سرّه) لم يعبّر بقيمة يوم المطالبة، و إنّما قال في المختلف: «و الأجود يوم الدفع» (2). فبناء على وجوب رعاية قيمة يوم دفعها إلى المالك لا يتوقف انقلاب المثل المتعذّر إلى القيمة على مطالبة المالك، بل نفس التعذّر موجب للانتقال. و من المعلوم منافاة هذا لمذهب الأكثر، و لا يصحّ التأييد المزبور.

____________

(1) مفتاح الكرامة، ج 5، ص 48

(2) مختلف الشيعة، ج 5، ص 392

383

فليتأمّل (1).

و كيف كان (2) فلنرجع إلى حكم المسألة، فنقول:

____________

(1) لعلّه إشارة إلى: أنّه لا بدّ أن يراد بيوم المطالبة يوم الدفع أيضا، ضرورة أنّ المطالبة بنفسها لا تصلح سببا لانتقال الحقّ من المثل إلى القيمة، و إلّا لزم الانتقال إلى قيمة يوم المطالبة فيما إذا طالب و لم يقدر عليه الضامن، أو عصى و لم يؤدّ القيمة إلى أن زادت أو نقصت، و من المعلوم أنّه ليس كذلك. فالتعبير بيوم المطالبة إنّما هو بالنظر إلى الغالب، و هو اتّحاده مع يوم الدفع.

لكن يشكل هذا الحمل بأنّ العلّامة (قدّس سرّه) نقل أوّلا فتوى ابن إدريس باعتبار يوم المطالبة، ثم أورد عليه بأنّ الأجود قيمة يوم الدفع، فكيف يمكن إرادة يوم واحد و هو يوم المطالبة و الدفع المترتّب عليها حتى يكون اختلاف التعبير لفظيّا؟

فالأولى جعل الأمر بالتأمّل إشارة إلى كفاية نظر الأكثر في مقام التأييد لو صحّ في نفسه.

(2) أي: سواء تمّ التأييد المزبور- بتوجيه يوم الدفع بيوم المطالبة- أم لم يتم، فلنرجع إلى حكم المسألة، و هذا شروع في الجهة الثانية، و هو تعيين القيمة التي يجب على الضامن دفعها إلى المالك. فنقل المصنّف (قدّس سرّه) قولين في بادئ الأمر، ثم نقل احتمالات اخرى عن قواعد العلّامة.

أمّا القولان فأوّلهما للمشهور، و هو اعتبار قيمة يوم الأداء، و ثانيهما للحلّيّ و العلّامة في بعض المواضع، و هو اعتبار قيمة وقت تعذّر المثل.

و اختار الماتن مذهب المشهور، و استدلّ عليه بأنّ المثل لمّا لم يسقط عن ذمّة الضامن بمجرّد إعوازه فهو باق على عهدته إلى زمان أداء قيمته، فإن دفعها سقط المثل، و إلّا فلا، فزمان الانتقال إلى القيمة هو زمان دفعها، فيتعيّن رعايتها، و لا عبرة بقيمة يوم التعذّر، و لا أقصى القيم من زمان التلف أو الإعواز إلى الأداء.

384

إنّ المشهور (1) أنّ العبرة في قيمة المثل المتعذّر بقيمته يوم الدفع، لأنّ المثل ثابت في الذمّة إلى ذلك الزمان، و لا دليل على سقوطه بتعذّره، كما لا يسقط الدّين بتعذّر أدائه. و قد صرّح بما ذكرنا المحقّق الثاني (2). و قد عرفت (3) من التذكرة و الإيضاح ما يدلّ عليه (4).

و يحتمل (5) اعتبار وقت تعذّر المثل. و هو للحلّيّ في البيع الفاسد،

____________

(1) كما في مفتاح الكرامة، حيث قال بعد عبارته المنقولة (في ص 381):

«و الحاصل: انّي لم أجد مخالفا منّا في ذلك، بل و لا متأمّلا في هذا الباب إلّا قوله في الإيضاح: إنّ الاحتمال الرابع أصحّ، و إلّا قوله في المفاتيح: و قيل وقت الإعواز» (1).

(2) حيث قال- في ردّ القول بضمان أعلى القيم من وقت تلف المغصوب إلى الإعواز- ما لفظه: «و يضعّف بأنّ المثل لا يسقط من الذمّة بتعذّره، و أداء الدين لا يسقط بتعذّر أدائه، و لهذا لو تمكّن من المثل بعد ذلك وجب المثل دون القيمة، فما دام لم يأخذ المالك القيمة فالمثل باق في الذمّة بحاله» (2).

(3) قبل أسطر، حيث قال: «و ما ذكرنا يظهر من المحكيّ عن التذكرة و الإيضاح .. إلخ» (3).

(4) أي: ما يدلّ على اعتبار قيمة يوم الدفع، و كلام التذكرة و الإيضاح و إن كان تعليلا لاشتراط دفع القيمة بمطالبة المالك، لكنّه يدلّ أيضا على أنّ الملحوظ قيمة يوم الدفع، لترتبه على المطالبة، إذ لا عبرة بدفع القيمة التي لم يطالبها المالك من الضامن.

(5) هذا الاحتمال هو القول الثاني في المسألة، لا محض احتمال، فإنّ ابن إدريس (قدّس سرّه) اختاره في بعض موارد البيع الباطل، حيث قال: «و إن أعوز المثل فعليه ثمن المثل‌

____________

(1) مفتاح الكرامة، ج 6، ص 243

(2) جامع المقاصد، ج 6، ص 254

(3) تذكرة الفقهاء، ج 2، ص 383؛ إيضاح الفوائد، ج 2، ص 175

385

و للتحرير في باب القرض (1)، و عن محكيّ المسالك (2)

____________

يوم الإعواز» (1). خلافا لما اختاره في كتاب الغصب بقوله: «فإن أعوز المثل فله قيمته يوم إقباضها» (2).

(1) قال السيّد العامليّ في إعواز المثل إذا كانت العين المقترضة مثليّة: «و قيل وقت التعذّر، و هو خيرة التحرير، و نسب إلى الشيخ في النهاية و القاضي و ابن إدريس في موضع من كتابه فيما إذا تعذّرت الدراهم، و هو خيرة الكتاب- يعني القواعد- في ذلك كما يأتي، و يظهر من الإيضاح أيضا، لأنّه وقت الانتقال إلى البدل الذي هو القيمة» (3).

(2) يعني: في بعض مواضع المسالك، و هو ما أفاده في شروط العوضين- في عدم انعقاد البيع بحكم أحدهما- بقوله: «و لا يخفى أنّ هذا كلّه في القيميّ. أمّا المثليّ فيضمن بمثله، فإن تعذّر فبقيمته يوم الإعواز على الأقوى» (4).

لكن الشهيد الثاني (قدّس سرّه) قوّى في باب القرض ضمان قيمة يوم المطالبة (5) و في باب الغصب قال: إنّ الأظهر عند الأصحاب قيمة يوم الإقباض، فراجع.

و عليه كان المناسب التنبيه على أنّ قيمة يوم الإعواز ليست نظره بقول مطلق، بل هي مختاره في خصوص كتاب البيع، و العهدة على الحاكي الذي لم أظفر به، و لم أجده في مفتاح الكرامة، بل عدّ السيد الشهيد الثاني في المسالك من القائلين باعتبار قيمة يوم المطالبة، كما تقدّمت عبارته (في ص 381).

____________

(1) السرائر الحاوي، ج 2، ص 285

(2) المصدر، ص 490

(3) مفتاح الكرامة، ج 5، ص 48

(4) مسالك الأفهام، ج 3، ص 174

(5) المصدر، ص 447

386

لأنّه (1) وقت الانتقال إلى القيمة.

و يضعّفه (2) أنّه إن أريد بالانتقال (3) انقلاب ما في الذمّة إلى القيمة في ذلك الوقت (4) فلا دليل عليه (5). و إن أريد عدم وجوب إسقاط ما في الذّمّة إلّا

____________

(1) أي: لأنّ وقت تعذّر المثل هو وقت الانتقال إلى البدل. و هذا التعليل متكرّر في كلمات أرباب هذا القول، و قد نقله عنهم السيّد العامليّ (قدّس سرّه) في عبارته المتقدّمة.

(2) ضعّف المصنف (قدّس سرّه) احتمال اعتبار ثمن المثل يوم الإعواز بما حاصله: أنّه إن أريد بالانتقال انقلاب ما في الذمة من المثل إلى القيمة في ذلك الوقت- أي وقت الإعواز- حتى لو لم يطالب المالك بها، ففيه: أنّه لا دليل على سقوط المثل بمجرّد الإعواز و انتقاله إلى القيمة.

و إن أريد بالانتقال وجوب إسقاط ما في الذمة من المثل بالقيمة في صورة مطالبة المالك، فهو و إن كان صحيحا. لكنّه لا يوجب سقوط المثل و ثبوت القيمة في الذمّة. و لذا لو أخّر الاسقاط عذرا أو عصيانا بقي المثل في ذمّة الضامن إلى أن يتحقّق الاسقاط. و إسقاطه في كلّ زمان إنّما يتحقّق بأداء قيمته في ذلك الزمان، و ليس مكلّفا بإسقاطه بقيمة زمان آخر.

مثلا إذا كان ثمن المثل وقت تعذّره و إعوازه عشرة دنانير، و بعد مضيّ شهر خمسة عشر دينارا، فإن طالب المالك الضامن يوم التعذّر كان مكلّفا بأداء العشرة لإسقاط ما في ذمّته بها. و إن طالبه بعد شهر كان الضامن مكلّفا بأداء خمسة عشر دينارا، و لا يكفي أداء عشرة دنانير حينئذ، لأنّ تفريغ الذمّة في كلّ زمان منوط بدفع قيمة المثل في زمان الاسقاط، لا قيمة الأزمنة السابقة. و عليه فلا عبرة بما اختاره جماعة من كون المدار ثمن المثل يوم إعوازه.

(3) أي: في قولهم: «لأنّ يوم التعذّر وقت الانتقال إلى البدل الذي هو القيمة».

(4) أي: وقت تعذّر المثل.

(5) بل الدليل على خلافه موجود، و هو عدم إناطة الحكم الوضعيّ- كالضمان-

387

بالقيمة، فوجوب (1) الاسقاط بها (2) و إن حدث يوم التعذّر مع المطالبة، إلّا (3) أنّه لو أخّر الاسقاط بقي المثل في الذمّة إلى تحقّق الاسقاط. و إسقاطه في كلّ زمان بأداء قيمته في ذلك الزمان (4). و ليس في الزمان الثاني (5) مكلّفا بما (6) صدق عليه الإسقاط في الزمان الأوّل (7)، هذا.

____________

بالتمكّن، فالعهدة مشغولة بالمثل حتى في وقت إعوازه.

(1) يعني: ففيه: أنّ وجوب الإسقاط بالقيمة و إن حدث يوم التعذّر مع المطالبة، إلّا .. إلخ.

(2) يعني: أنّ حدوث وجوب دفع القيمة يوم التعذّر مشروط بمطالبة المالك قيمة المثل في يوم التعذّر، فلو لم يطالب لم يحدث يوم الإعواز وجوب دفع القيمة.

(3) يعني: أنّ حدوث وجوب أداء القيمة يوم الإعواز لا يكفي في سقوط المثل عن الذمّة، و انتقال الضمان إلى ثمن المثل. و الشاهد على عدم تبدّل المثل بالقيمة بمجرّد التعذّر هو: أنّ المالك لو طالبه بها يوم الإعواز- حتى يسقط ما في ذمّة الضامن من المثل- و لكنّه لم يؤدّ القيمة في ذلك اليوم و أراد أداءها بعد شهر وجب عليه مراعاة القيمة الفعليّة، لا قيمة يوم التعذّر. و هذا دليل على أنّ وقت الانتقال من المثل إلى القيمة هو يوم الأداء، لا يوم الإعواز.

(4) فإن أدّى قيمة يوم الإعواز- مع مطالبة المالك- كان هو المسقط لما في ذمّته، و كان زمان انقلاب الضمان من المثل إلى القيمة متحدا مع زمان الاسقاط.

و إن أدّى القيمة بعد الإعواز بشهر لم تكف قيمة يوم التعذّر إذا كانت أقلّ من قيمة يوم الدفع.

(5) و هو زمان إسقاط ما في الذمّة من المثل.

(6) المراد بالموصول هو ثمن المثل المتعذّر يوم تعذّره.

(7) و هو زمان تعذّر المثل مع مطالبة المالك بالقيمة، فإنّه زمان حدوث وجوب القيمة، و لكنّه ليس زمان إسقاط المثل، و لا زمان انقلابه إلى القيمة.

هذا ما أفاده في تضعيف احتمال اعتبار قيمة يوم الإعواز، و تثبيت مختار المشهور.

388

و لكن (1) لو استندنا في لزوم القيمة في المسألة إلى ما تقدّم سابقا- من (2) الآية و من أنّ المتبادر من إطلاقات الضمان هو وجوب الرجوع إلى أقرب الأموال إلى التالف بعد تعذّر المثل- توجّه (3) القول بصيرورة التالف قيميّا بمجرّد تعذّر المثل (4)، إذ لا فرق في تعذّر المثل بين تحقّقه ابتداء كما في القيميّات (5) و بين طروّه بعد التمكّن كما فيما نحن فيه.

____________

(1) استدراك على ما اختاره المشهور- من كون العبرة بقيمة يوم الدفع- و تأييد للقول باعتبار قيمة يوم الإعواز. و حاصل الاستدراك: أنّ مقتضيات الأدلّة مختلفة، فإن استندنا إلى الجمع بين الحقّين- و أنّ تعذر المثل لا يسقطه عن الذمّة- اتّجه القول بضمان قيمة يوم الدفع. و إن استندنا في لزوم القيمة في المثل المتعذّر إلى آية الاعتداء و إطلاقات الضمان القاضية بلزوم الرجوع إلى أقرب الأموال إلى التالف اتّجه القول بانقلاب المثل بمجرّد تعذّره إلى القيمة، إذ لا فرق في تعذّر المثل بين كونه بالأصالة كما في القيميّات، و بين كونه بالعرض بعد التمكّن منه كما نحن فيه، فيكون العبرة في انقلاب المثليّ إلى القيميّ يوم تعذّره و إعوازه، لا يوم أدائه.

(2) هذا و قوله: «و من أنّ المتبادر» بيان للموصول في قوله: «ما تقدّم سابقا» أي: في الأمر الرابع. و المراد بالآية آية الاعتداء بالمثل التي استدلّ بها شيخ الطائفة (قدّس سرّه) على ضمان المثليّ بالمثل، و القيميّ بالقيمة.

(3) جواب الشرط في قوله: «لو استندنا».

(4) سواء طالبه المالك بقيمة المثل المتعذّر أم لم يطالبه بها، و سواء أسقط الضامن ما في ذمّته يوم الإعواز أم أخّره إلى زمان آخر. و الوجه فيه كون ثمن المثل أقرب إلى العين التالفة أو المتلفة عند تعذّر المثل، فيكون يوم الإعواز وقت الانقلاب إلى القيمة.

(5) فإنّ المثل متعذّر فيها بحسب الخلقة، فالتعذّر في القيميّات ابتدائيّ، بخلاف تعذّر المثل في المثليّ بعد التمكن من دفعه، فإنّه عارضيّ.

389

و دعوى (1) اختصاص الآية و إطلاقات الضمان بالحكم بالقيمة بتعذّر المثل ابتداء لا يخلو عن تحكّم (2) [1].

____________

(1) غرض المدّعي الذبّ عن مقالة المشهور من ضمان قيمة يوم الدفع، ببيان: أنّ الآية و الإطلاق و إن اقتضيا اعتبار قيمة يوم الإعواز، لكنّهما مختصّان بالتعذّر الابتدائيّ، بأن لم يوجد مماثل التالف من أوّل الأمر، فيقال بضمان القيمة يوم الإعواز.

و هذا أجنبيّ عمّا نحن فيه من التعذّر الطاري، فالذمّة مشغولة بالمثل، لوجوده حال تلف العين، و إعوازه لا يوجب الانقلاب إلى القيمة، بل الموجب له هو الاسقاط بتسليم الثمن إلى المالك.

(2) إذ المناط في كليهما تعذّر وجود المثل، و هو جار في القيميّ و المثليّ الذي تعذّر وجوده، سواء أ كان طارئا أم ابتدائيّا. و لا مقيّد في البين حتى تختصّ الآية بالتعذّر البدويّ.

لكن يمكن إبداء الفرق بينهما بأنّ اعتبار المثل في القيميّ لغو، إذ المفروض عدم كونه مرجوّ الحصول، بخلاف المثل المتعذّر في المثليّ، فإنّه مرجوّ الحصول. و هذا الفرق يوجب الفرق بين القيميّ و المثليّ المتعذّر المثل عند العرف المحكّم في باب الضمانات، فإنّ تضمين الضامن بالمثل في القيميّات لا أثر له، فيلزم اللغويّة بل الامتناع، لكونه من التكليف بغير المقدور، إذ لا يرجى وجوده في زمان حتى يصحّ إشغال ذمّته بالمثل، فمن أوّل الأمر يجعل في ذمّته القيمة. فلا تحكّم في الفرق بين القيميّ المتعذّر مثله إلى الأبد و بين المثليّ المتعذر مثله المرجوّ وجوده بعد حين، بانقلاب القيميّ بمجرّد إعوازه إلى القيمة، و انقلاب المثل المتعذر إلى القيمة يوم الدفع.

و قد تحصّل من كلمات المصنّف (قدّس سرّه): أنّ المشهور بين الأصحاب اعتبار قيمة يوم الدفع، و غير المشهور هو اعتبار قيمة يوم إعواز المثل. و سيأتي الكلام في وجوه اخرى ذكرها العلّامة في التذكرة و القواعد.

____________

[1] قد يتمسك لإثبات القيمة بقاعدة الميسور، بتقريب: أنّ دفع المثل الواجد

390

____________

للصفات النوعيّة معسور، فيسقط وجوب أدائه، و يبقى الميسور و هو نفس الماليّة، فيجب أداؤها.

لكن فيه: أنّ المثل و القيمة متباينان، و ليسا من قبيل المركّب المتعذّر بعض أجزائه، فلا تكون القيمة ميسورا للمثل حتى تجري فيها قاعدة الميسور.

ثم إنّ ما أفاده، المصنّف (قدّس سرّه) من «أنه ليس للضامن إلزام المالك بقبول القيمة عند إعواز المثل و عدم مطالبة المالك» مبنيّ على ما نسب إلى المشهور في باب الضمان من اشتغال الذمّة بالمثل في المثليّ معلّقا على التلف في صورة البقاء، و منجّزا في صورة التلف، إذ بناء عليه يكون المثل في الذمّة، و إعوازه لا يوجب الانتقال إلى القيمة، فإذا صبر المالك إلى أن يوجد المثل فليس للضامن إلزامه بالقيمة.

و أمّا بناء على كون الثابت على عهدة الضامن نفس العين، فمع إعواز المثل يجوز دفع القيمة و لو مع عدم مطالبة المالك، و ليس له الامتناع عن قبولها، لأنّ القيمة حينئذ نحو أداء للعين بجهتها الماليّة، كما أنّ المثل أداء للعين بجهتها النوعيّة مراعاة لحال المالك، لكونه أقرب إلى التالف. فمع إعواز المثل و مطالبة القيمة يجب أداؤها، لأنّه مع تعذّر المرتبة الكاملة يجب دفع النازلة.

و قد وجّه هذا المبنى- أي: اشتغال الذمّة بنفس العين، الموجب لجواز مطالبة قيمة المثل و وجوب أدائها على الضامن- بوجوه:

الأوّل: حديث «على اليد» بدعوى: ظهوره في أنّ الثابت في الذمّة و لو بعد التلف نفس العين بخصوصيّتها الشخصيّة و النوعيّة و الماليّة.

و فيه أوّلا: عدم دلالة حديث «على اليد» على الضمان، بل يدلّ على الحكم التكليفيّ و هو وجوب الأداء ما دامت العين موجودة، فتأمّل.

و ثانيا:- بعد تسليم دلالته على الضمان- أنّه لا يفهم العرف منه إلّا ضمان المثليّ

391

____________

بالمثل و القيميّ بالقيمة، و اعتبار كون العين على العهدة قيد زائد لا ينتقل إليه أذهان أبناء المحاورة. بل يمتنع اشتغال الذمّة بالعين بخصوصيّاتها المشخصة، لامتناع أدائها بعد تلفها، فلا تشتغل الذمّة إلّا ببدلها من المثل أو القيمة.

و ثالثا: أنّه لم يثبت كون دليل الضمان بالمثل أو القيمة لمراعاة حال المالك حتى يكون له الاعراض عن مرتبة و الأخذ بمرتبة أخرى، و لذا لو كان المثل موجودا ليس له الاعراض عن المثليّة و مطالبة القيمة، بل يجب عليه قبول المثل.

الثاني: أنّ اليد إذا وقعت على العين وقعت عليها بخصوصيّتها الشخصيّة و النوعيّة و الماليّة، فجميع تلك الجهات تقع على عهدته. و مقتضى دليل السلطنة جواز إلقاء المالك خصوصيّة المثليّة، و مطالبة خصوصيّة الماليّة. من غير فرق في ذلك بين كون مقتضى دليل اليد عهدة نفس العين بشؤونها، و بين كونه ضمان المثل في المثليّ و القيمة في القيميّ، حيث إنّ ضمان المثل و كونه على العهدة متضمّن لضمان القيمة أيضا، فله إلقاء جهة المثليّة و مطالبة القيمة.

و فيه- مع أنّ لازم ذلك جواز إلقاء خصوصيّة المثل و العين و جواز مطالبة القيمة حتى مع وجود العين و المثل، و هو كما ترى- أنّ دليل الضمان لا يدلّ إلّا على ضمان نفس العين على المبنى الأوّل، و المثل في المثليّ على المبنى الثاني. و ليس في ضمان العين ضمانات، و لا في ضمان المثل ضمانان عرضا أو طولا حتى يصحّ للمالك إسقاط جهة و مطالبة جهة أخرى، إذ ليست شؤون العين مضمونة، بل المضمون نفس العين التي لها مثل و قيمة، و هكذا المثل على المبنى الثاني.

و أمّا دليل السلطنة على الأموال فلا يقتضي جواز مطالبة غير ما على عهدة الضامن و هو المثل في المثليّ، و لا معنى لاقتضائه أداء القيمة إلّا إذا قيل بتبدّل المثل بالقيمة عند الإعواز، و هو أوّل الكلام.

392

____________

الثالث: ما في المتن من: أنّ منع المالك ظلم، و إلزام الضامن بالمثل منفيّ بالتعذّر، و مقتضى الجمع بين الحقّين وجوب القيمة.

و فيه: أنّ كون منع المالك عن القيمة ظلما منوط بثبوت القيمة على عهدة الضامن، و هو أوّل الكلام، و مع ضمان المثل إلزام الضامن بغير ما للمضمون له لعلّه ظلم.

و دعوى «اشتمال المثل على الماليّة، فتعذّره لا يسلب سلطنة المالك عن الماليّة، فله مطالبة القيمة» مدفوعة بما مرّ آنفا من عدم كون شؤون العين مضمونة. فالعهدة لا تشتغل إلّا بالمثل، لا به و بالقيمة، و لا دليل على كون التعذّر بمجرده موجبا للانقلاب كما تقدّم.

نعم إذا تعذّر المثل إلى الأبد أو إلى أمد بعيد كان منع المالك عن القيمة ظلما.

فإطلاق كلام المصنّف القاضي بوجوب القيمة مع التعذّر و لو إلى أمد قريب محلّ النظر.

كما أنّ ما أفاده من الجمع بين الحقّين أيضا محلّ التأمّل، لأنّ نفي الإلزام بالتعذّر غير ثبوت الحق للضامن، كما أنّه ليس للمالك حقّ المطالبة مع تعذّره، و حقّ مطالبة القيمة له غير ثابت مع اشتغال الذمّة بالمثل فقط.

الرابع: ما في المتن أيضا من التمسّك بقوله تعالى فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ حيث إنّ الضامن إذا ألزم بالقيمة مع تعذّر المثل لم يعتد عليه أزيد ممّا اعتدى.

و كذا إطلاقات أدلّة الضمان، إذ المتبادر منها وجوب الرجوع إلى ما هو الأقرب إلى التالف بعد تعذّر المثل، و هو القيمة. فالتعذّر يوجب الانتقال إلى القيمة، كالتعذّر الابتدائي في القيميّات. و لا فرق بين التعذّر الابتدائيّ و العارضيّ.

و فيه أوّلا: أنّ الآية وردت في الاعتداء الحربيّ، و ليست راجعة إلى باب الضمان أصلا.

و ثانيا: أنّه- بعد الغضّ عمّا ذكر- لا يكون إلزام الضامن بالقيمة اعتداء بالمثل، بل بغيره، و لم يرخّص الشارع فيه.

393

____________

إلّا أن يقال: إنّ القيمة اعتداء بالمثل، لمماثلتها للتالف في المالية.

و لو سلّم دلالة الآية على عدم الاعتداء زائدا على مقدار اعتداء الغاصب أو الضامن، لكن لا تدلّ على جواز الاعتداء بكلّ شي‌ء لا تزيد ماليّته على ماليّة المضمون، لعدم كون الآية في مقام بيان ذلك، حيث إنّها بصدد بيان المنع عن التعدّي بالزيادة، لا جواز الأخذ بكل ما لا يزيد ماليّته عن ماليّة المضمون.

و ثالثا: أنّه فرق بين التعذّر الابتدائيّ كالقيميّات و التعذّر العارضيّ، بأنّ التعذّر العارضيّ لا يوجب الانتقال إلى القيمة، لرجاء وجود المثل فيه. بخلاف الابتدائي، فإنه لا يرجى وجوده، فالتكليف بدفع المثل فيه ممتنع، فلا يمتنع فيه التكليف بدفع المثل.

الخامس: أنّ صبر المالك إلى أن يوجد المثل ضرر عليه، و هو منفي، فله المطالبة بالقيمة.

و فيه أوّلا: أنّ التأخير ليس ضررا دائما، فالدليل أخصّ من المدّعى.

و ثانيا: أنّ لزوم التأخير لتعذّر المثل عقليّ، و ليس بشرعيّ حتى يرفع بقاعدة الضرر.

و ثالثا: أنّ شأن قاعدة الضرر نفي الحكم، لا إثبات أمر مباين أو مخالف، كإثبات القيمة مع ضمان المثل.

و منه يظهر الكلام في دليل نفي الحرج لو كان التأخير حرجيّا.

السادس: بناء العقلاء على مطالبة القيمة عند تعذر المثل، و إلزام الضامن بأدائها.

و فيه: أنّ المتيقّن منه- بعد ثبوته و اتّصاله بزمان المعصوم (عليه السلام)- هو تعذّر المثل إلى الأبد، أو إلى أمد بعيد جدّا. و أمّا إذا كان أمد التعذّر قليلا فلا.

السابع: الالتزام بانقلاب المثل بمجرّد التعذّر إلى القيمة، بتقريب كون الوضع منتزعا عن التكليف، و من المعلوم امتناع التكليف بأداء المتعذّر. و عدم سقوط الضمان

394

____________

رأسا، لأنّ سقوطه مخالف للضرورة، فالتكليف لا محالة يتوجّه إلى أداء القيمة. و ينتزع من هذا التكليف الحكم الوضعيّ أعني به اشتغال الذمّة بالقيمة، و هو المطلوب. فللمالك مطالبة القيمة. فالتعذّر أوجب التكليف المنتزع عنه الشغل المترتّب على انقلاب المثل إلى القيمة، و ليس للضامن التأخير.

و فيه: مع إمكان استقلال الوضع و عدم تبعيّته للتكليف فعلا كما في إتلاف الصبيّ مال غيره- فإنّه ضامن مع عدم تكليف فعليّ عليه بوجوب الأداء- فلا ينتزع عن وجوب أداء القيمة اشتغال الذمّة بالقيمة، إذ من الممكن كون ذمّته مشغولة بالمثل، و مع ذلك جاز للمالك مطالبة الضامن بالقيمة، لعدم إمكان وصوله إلى المثل. و حبس ماله إلى زمان وصوله إلى المثل ضرر عليه، و هو منفيّ.

و الحاصل: أنّ سلطنة المالك على مطالبة القيمة و وجوب أدائها على الضامن ليست لانقلاب المثل إليها، بل لأقربيّتها إليه في مقام التأدية.

و هذا نظير بدل الحيلولة، و القول بأن ظاهر قاعدة اليد ضمان نفس العين، و أداء المثل في المثليّ و القيمة في القيميّ نحو أداء لها من غير انقلاب العين إليهما.

الثامن: لغويّة جعل المثل المتعذّر في الذمّة سيّما إذا كان التعذّر إلى الأبد. و كذا التكليف بأدائه، بل هو ممتنع، لعدم القدرة عليه، فلا محالة ينقلب المثل بمجرّد تعذّره إلى القيمة.

و فيه: أنّه لا يلزم اللغويّة مطلقا. أمّا في صورة تعذر المثل إلى أمد قريب فواضح.

و أمّا مع تعذّره إلى الأبد فلأنّ بقاء المثل في الذمة يوجب اعتبار قيمة يوم الدفع، بخلاف ما إذا قلنا بتبدله بمجرّد التعذّر، فإنّ المدار على قيمة يوم التعذّر.

فالمتحصل: أن الوجوه المستدل بها على الانقلاب لا تخلو من مناقشة.

نعم لا بأس ببناء العقلاء المحكّم في باب الضمان على اعتبارهم القيمة

395

____________

بمجرّد تعذّر المثل، بمعنى انقلاب ما في ذمّة الضامن من المثل إلى القيمة، أو بمعنى سلطنة المالك على مطالبة ماليّة ماله و إن كان المثل في ذمة الضامن. و ذلك إمّا لكون المثليّة من حقوق المالك، و له إسقاطها. و إمّا لكون الصبر ضررا عليه.

لكن ينبغي تقييد سلطنة المالك على مطالبة القيمة بما إذا لم يكن دفع القيمة مضرّا بحال الضامن أزيد من الضرر الوارد من نفس الضمان، و إلّا فليس للمالك مطالبة القيمة، إلّا إذا كان الضمان اعتدائيّا، كما إذا غصب الضامن أو قبض المبيع مع علمه بفساد المعاملة، فإنّ الإقدام حينئذ يوجب جواز المطالبة منه بالقيمة و إن كانت ضررا عليه.

فتلخّص من جميع ما ذكرنا: أنّه لا دليل على انقلاب المثل عند إعوازه إلى القيمة و إن قلنا بجواز مطالبة القيمة لجهة من الجهات، فإنّ إعواز المثل لا يخرج المضمون عن المثليّة، و لذا لو فرض الإعواز في مدّة طويلة ثم وجد المثل وجب بحكم العقلاء أداء المثل، و وجب على المالك قبوله، و ليس له الامتناع. و لو امتنع ردّه إلى الحاكم.

فأداء القيمة عند إعواز المثل نحو أداء له في هذه الحالة من دون انقلاب العين إليها، فإنّ انقلاب المباين إلى مثله بمجرّد التعذّر ممّا لا يساعده دليل، إذ بقاؤه في الذمّة ليس منوطا بوجوده خارجا، و إلّا لم يصحّ إحداثه كما في السّلم، فإنّ بيع حنطة في الذمّة إلى أجل معلوم مع عدم وجودها حين البيع صحيح بلا إشكال. فلو كان وجود الكلّيّ خارجا شرطا لاشغال الذمّة بالكلّيّ لم يصحّ بيع السلف في هذه الصورة أصلا.

و منه يظهر عدم الإشكال في بقائه على الذمّة، و عدم انقلابه بمجرّد إعواز أفراده إلى كلّيّ آخر، فإنّ البقاء لا يزيد على الحدوث، فعدم وجود المثل في الخارج لا يوجب انقلاب الحقيقة المثليّة إلى الحقيقة القيميّة المباينة لها، إذ ليس الميزان في القيميّ عدم وجود المثل له في الخارج.

و الحاصل: أنّ إعواز المثل لا يوجب خروج الشي‌ء عن المثليّة، و هو الموافق لارتكاز العقلاء أيضا في باب الضمانات، و لذا لو أعوز المثل مدّة طويلة، ثم وجد

396

____________

فللمالك مطالبته، و ليس له الامتناع عن قبوله إذا دفعه الضامن إليه كما تقدّم آنفا. كما أنّه بناء على انقلاب المثليّ بمجرّد تعذّر المثل إلى القيمة يجب على المالك قبول القيمة، و ليس له الامتناع، لأنّه لا حقّ له في المثل حتى يصبر إلى أن يوجد، بل حقّه نفس القيمة، فيجب عليه قبولها، و إن لم يقبلها تردّ إلى الحاكم.

و ممّا ذكرنا من عدم مساعدة ارتكاز العقلاء على انقلاب المثل إلى القيمة بمجرّد إعوازه- و أنّ هذا الارتكاز هو الموجب لانصراف أدلّة الضمان إليه- يظهر ما في كلام المصنّف (قدّس سرّه): «و لكن لو استندنا في لزوم القيمة في المسألة إلى ما تقدّم سابقا من الآية و من أنّ المتبادر .. إلخ» من الإشكال، إذ لا يستفاد منها إلّا الضمان العقلائيّ الذي قد عرفت أنّه ليس ضمان المثليّ إلّا بالمثل، سواء أعوز المثل أم لا، فإنّ الإعواز لا يوجب خروج الشي‌ء عن حقيقته.

فالمتحصّل: أنّ تعذّر المثل لا يوجب انقلاب المال المثلي إلى القيميّ.

ثمّ إنّ في زمان اعتبار القيمة احتمالات و وجوها كثيرة، و تحقيق ما هو الحقّ منها موقوف على بيان أمور:

الأوّل: أنّه قد مرّ سابقا عدم الدليل على انقلاب المثل عند تعذّره إلى القيمة، و إن كان المستند في لزوم القيمة آية الاعتداء و المتبادر من إطلاق الضمان، ببيان: أنّ الأقرب إلى التالف بعد تعذّر المثل هو القيمة، فينقلب المثل عند إعوازه إلى القيمة.

و ذلك لما عرفت من أنّ إعواز أفراد طبيعة لا يوجب الانقلاب إلى طبيعة أخرى، فإنّ المثليّ- كما تقدّم سابقا- مغاير للقيميّ و مباين له، فكيف تنقلب المثليّة الى القيميّة بإعواز أفراد المثليّ؟ نعم القيمة عند تعذّر المثل أقرب إلى التالف في مقام التأدية، و هذا غير الانقلاب.

الثاني: أنّ مقتضى «على اليد ما أخذت» ضمان العين المأخوذة بجميع صفاتها الحقيقيّة و الانتزاعيّة و الإضافيّة ممّا لها دخل في الرغبات و اختلاف القيم، فالدابّة مثلا

397

____________

بمالها من الصفات المزبورة و كذا الثلج المأخوذ في الصيف و في قارّة أفريقا مضمونان على المستولي عليهما، و لذا يكون وصف الصحّة مضمونا، لوقوعه تحت اليد تبعا، فإذا كانت العين المغصوبة أو المقبوضة بعقد فاسد موجودة وجب ردّها مع أداء قيمة الصفات التالفة.

و إذا تلفت وجب ردّ مثلها بصفاتها إن كانت مثليّة، و إن كانت قيميّة وجب ردّ أعلى القيم من زمن الغصب أو الأخذ بالبيع الفاسد إلى زمان التلف، إن كان ارتفاع القيمة لأجل الصفات، لا لزيادة القيمة السوقيّة التي لا ترجع إلى وصف من أوصافها.

الثالث: أنّ الاحتمالات في زمان اعتبار القيمة كثيرة، و نذكر مهمّاتها و مهمّات مبانيها.

و محصّل الكلام فيها: أنّه إمّا أن نقول بأنّ مقتضى أدلّة الضمان هو وقوع العين في العهدة في المثل و القيميّ حتى حال التلف و التعذّر، و لا تنقلب إلى غيرها إلى زمان الأداء بالمثل أو القيمة.

و إمّا أن نقول بأنّ مقتضاها ضمان المثل في المثليّ و القيمة في القيميّ، بمعنى: أنّ العين إذا تلفت يقع على العهدة بدلها، و هو المثل في المثليّ و القيمة في القيميّ.

و على هذا الاحتمال إمّا نقول ببقاء المثل على العهدة إلى وقت الأداء حتى مع إعوازه مطلقا، و أنّ دفع القيمة إلى المالك عند التعذّر نحو أداء للمثل. و إمّا نقول بانقلابه بمجرّد التعذّر إلى القيمة. و بانقلاب العين في الاحتمال الأوّل، و هو وقوع العين على العهدة وقت تعذّر الأداء.

هذه هي الاحتمالات المعتدّ بها من الاحتمالات المتصورة في المقام.

فإن قلنا بالاحتمال الأوّل- و هو كون العين على العهدة- فعن بعض المحقّقين: أنّ الاعتبار بقيمة يوم الأداء، ببيان: أنّ ماليّة العين حال الأداء لا تحتاج إلى عناية، بخلاف غير حال الأداء كحال التعذّر أو التلف أو المطالبة، فإنّها تحتاج إلى عناية و معيّن.

بل نفس التكليف بأداء ماليّة العين تقتضي تعيّن ماليّتها عند تعلّق الأداء بها، لأنّها

398

____________

قيمتها بالفعل، و هي نحو أداء للعين. و التكليف و إن لم يتعلّق إلّا بنفس العين دون القيمة، إلّا أنّ عدم إمكان ردّها بنفسها أوجب المصير إلى ماليّتها، إذ المضمون هو العين بماليّتها، دون ذات العين بدون الماليّة. فنفس دليل الضمان يقتضي ضمان ماليّة المضمون، و لا يحتاج ضمانها إلى دليل آخر. و تقييد ماليّتها بغير وقت الأداء محتاج إلى مئونة زائدة، فمقتضى الضمان العرفيّ الممضى شرعا هو قيمتها الفعليّة.

فلا يرد عليه: أنّ هذا التقريب قاصر عن إثبات مطلوبهم، لأنّ التكليف على هذا المبنى لم يتعلّق بأداء القيمة و الماليّة، ضرورة عدم انقلاب العين إلى القيمة، و ليس دليل لفظيّ دالّ على وجوب أداء قيمة العين حتى يستظهر منه ما ذكر، هذا.

نعم الإشكال في أصل المبنى «بعدم دليل على وقوع العين في العهدة بعد التلف مع عدم إمكان أدائها أصلا» في محلّه، لاحتياجه إلى عناية زائدة، فإنّ اعتبار وجود العين على العهدة ممّا لا يتبادر في أذهان العقلاء الحاكمين بالضمان. بل تلف العين يوجب اشتغال الذمّة ببدلها مثلا أو قيمة. كما أنّ تلف المثل يوجب الانتقال إلى البدل إلّا مع رجاء وجود المثل في زمان غير بعيد، هذا.

و قد يقال: باعتبار قيمة يوم التلف مع فرض كون العين على العهدة، ببيان: «أنّ الماليّة بلحاظ حال التلف ماليّة حقيقية موجودة مضمونة. و أمّا الماليّة قبل التلف فهي موجودة، لكنّها غير مضمونة، و لذا لا يجب تداركها مع دفع العين إذا نقصت قيمتها.

و الماليّة بعد التلف ليست موجودة، بل مفروضة بفرض وجود العين، و لا تدارك حقيقة إلّا للماليّة المتحقّقة بتحقّق العين، لا الماليّة المقدّرة للعين المفروضة.

فالنتيجة هي الاعتبار بقيمة يوم التلف، لا يوم الأداء كما هو مقتضى الوجه الأوّل.

نعم إنّما تكون العبرة بيوم الأداء إذا قلنا بأنّ مقتضى أدلة الضمان كون الثابت على العهدة المثل لا العين، لأنّ المثل ثابت عليها إلى زمان الأداء، فالاعتبار بيومه، لأنّ المثل كلّي ثابت في الذمة له ماليّة موجودة لا مفروضة. و هو الفارق بين بقاء العين على العهدة

399

____________

إلى زمان التفريغ، و بقاء المثل إلى زمان الأداء، فإنّ العين حيث كانت شخصيّة و قد تلفت فلا وجود و لا ماليّة لها إلّا بالفرض. بخلاف المثل، فإنّه كلّيّ لا يتوقّف اشتغال الذمّة به على وجود شي‌ء يطابقه خارجا، فلا تلف له، فماليته حال الأداء متحققه لا مفروضة» (1).

و فيه: أنّ الفرق بين بقاء العين على العهدة إلى زمان التفريغ، و بقاء المثل إلى زمان الأداء غير ظاهر، لأنّ ماليّة الكلّيّ ليست باعتبار نفسه، بل باعتبار ماليّة مصاديقه المحقّقة أو المقدّرة، فمصاديقه التي تكون تحت قدرة الضامن جهة تعليليّة لصيرورة الكلّيّ في الذمّة مالا، نظير الأوراق النقديّة، فإنّ ماليّتها باعتبار الذهب أو الفضّة أو غيرهما ممّا جعل بإزائها و منشأ لماليّتها، و يقال لها: «رصيد».

و عليه فالكلّيّ إذا كان على ذمّة معتبرة- أمكن لصاحبها إيجاد مصاديقه مهما أراد، أو يطالب آجلا أو عاجلا- يكون مالا، و مع عدم الإمكان مطلقا لا تعتبر له الماليّة، فكما أنّ ماليّة الكلّيّ باعتبار غيره و هو مصاديقه، فكذلك ماليّة العين التي هي في الذمّة باعتبار أنّها مضمونة، و أنّ صاحب الذمة قادر على أدائها بمثلها أو قيمتها. و العين المعدومة خارجا غير معدومة في صقع الاعتبار، و لها ماليّة باعتبار إمكان تأديتها بالمثل أو القيمة.

فلا فرق بين الكلّيّ في الذمّة. و العين فيها، لا من جهة المعدوميّة من جهة و الموجوديّة من أخرى، فإنّ كلّا منهما معدوم خارجا و موجود اعتبارا. و لا من جهة الماليّة، لأنّ كلّا منهما بذاته مع الغضّ عن إمكان تحقّق مّا لا مالية له. و لهذا لا يعتبر الكلّيّ في ذمّة من لا يقدر على إيجاد مصداقه عاجلا و لا آجلا، و لا ماليّة له. فالعين المعتبرة في ذمّة من أمكنه أداء مثلها أو قيمتها مال، و المسألة عقلائيّة لا عقليّة، فالاعتبار على هذا المبنى- أي كون العين في الذمّة- بقيمة يوم الأداء مع اعتبار جميع الأوصاف الدخيلة في الرغبات.

____________

(1) حاشية المكاسب للمحقق الأصفهاني، ج 1، ص 94

400

____________

و أمّا ما أفيد من «عدم ضمان الماليّة قبل التلف و إن كانت موجودة» فإن أريد بها القيمة السوقيّة فلا بأس به، لما قيل من أنّ مجرّد زيادة القيمة السوقيّة ما لم ترجع إلى وجود وصف أو فقدانه لا توجب الضمان، لعدم مساعدة العرف عليه، إذ القيمة معتبرة بإزاء الشي‌ء و صفاته الموجبة للرغبات، و لا تلاحظ القيمة وصفا لنفس الشي‌ء.

و إن أريد بها الأعمّ منها و من الأوصاف الدخيلة في الرغبات، فهي مضمونة بدليل الضمان كما تقدّم.

و عليه فالأولى أن يقال: إنّ مقتضى هذا المبنى- أي: كون العين في الذمّة- وجوب الخروج عن عهدة العين التي في عهدته. بأداء قيمتها التي هي نحو أداء لها، و العرف يحكم بأنّ أداءها يتحقق بأداء قيمتها الفعلية، لا القيم الأخر، فلو كان قيمتها حال الأداء مائة مثلا و قبله خمسين، فأداء الخمسين ليس نحو أداء لها.

و كذا الحال بناء على كون مفاد دليل الضمان ضمان المثل في المثليّ و القيمة في القيميّ- في قبال المبنى المتقدّم و هو ضمان نفس العين- فإنّه بناء على بقاء المثل في الذمة إلى وقت الأداء و عدم انقلابه بالتعذّر إلى القيمة يجري فيه ما مرّ من كون العبرة بقيمة يوم الأداء.

و أمّا بناء على انقلاب المثل بتعذّره إلى القيمة، فإن كان التعذّر بدويّا أي من زمان تلف العين- فالعبرة بقيمة العين يوم التلف، لأنّه يوم الانقلاب إلى القيمة.

و لا وجه لاعتبار قيمة الأزمنة المتخللة بين تلف العين و أداء القيمة، إذ القيمة في تلك الأزمنة فرضيّة لا حقيقيّة. فالضمان إنّما ثبت في الماليّة الموجودة، و هي زمان تلف العين، فالقيمة قيمة العين، لا قيمة المثل حتى يلاحظ قيمة يوم الأداء، نظرا إلى ثبوت كلّيّ المثل في الذمّة إلى زمان الأداء.

و إن كان التعذّر طارئا، فعلى القول بكون المثل و القيمة كليهما غرامة نفس العين- و أنّ ضمان المثل في المثليّ لسدّ خلل مال الغير بمقدار الإمكان، و هو ماهيّته النوعية،

401

____________

و مع عدم الإمكان من هذه الجهة لا بدّ من ضمان قيمتها، لأنّها سدّ لخللها في هذا الحال بالمقدار الممكن- فلا بدّ حينئذ من اعتبار قيمة يوم تلف العين أيضا.

و على القول باشتغال العهدة مع التعذّر الطاري بالمثل فلا بدّ من الخروج عن عهدته، لا عهدة العين، إذ المفروض عدم اشتغال الذمّة بها، بل بالمثل، فلا وجه لاعتبار قيمتها، فالعبرة حينئذ بقيمة المثل يوم التعذّر.

هذا بناء على ضمان المثل في المثليّ. و أمّا بناء على كون العين على العهدة إلى زمان تعذّر المثل ثم انقلابها إلى القيمة، فالمدار على قيمة يوم تعذّر المثل، لأنّه وقت انقلابها إلى القيمة.

فالمتحصّل: أنّه بناء على وقوع العين على العهدة تكون العبرة بقيمة يوم الأداء.

و بناء على وقوع المثل في الذمّة ففي تعذّره البدويّ تكون العبرة بقيمة يوم تلف العين، لأنّه زمان انقلاب العين بالقيمة، فيكون كتلف القيميّ في كون العبرة بقيمة يوم التلف.

و في تعذّره الطاري تكون العبرة أيضا بقيمة يوم تلف العين بناء على كون المثل و القيمة كليهما غرامة نفس العين. و بقيمة يوم تعذر المثل بناء على اشتغال الذمّة بالمثل، لا قيمة العين التالفة، لعدم اشتغال الذمّة بالعين، فلا وجه لاعتبار قيمتها، هذا.

تتمة: اعلم أنّ من الأقوال اعتبار أعلى القيم من حين أخذ العين إلى زمان التلف.

و وجهه ما أشير إليه سابقا من كون العين بجميع أوصافها الدخيلة في الرغبات مضمونة، فالقيمة العالية الناشئة من الأوصاف الثابتة له حال الأخذ مضمونة، لوقوع الأوصاف تبعا للعين تحت اليد، فلو تنزّلت قيمتها بعد الأخذ كان الضمان باقيا، فمع تلف العين تصير قيمتها العالية مضمونة.

و أمّا بعد التلف فلا وجه لضمان زيادة قيم الأمثال إلى حين تعذّر المثل أو الأداء، لأنّ العين التالفة خرجت عن تحت اليد، و وقوعها على العهدة على القول به- أو وقوع

402

____________

مثلها على القول الآخر- مغاير لكونهما تحت اليد الذي هو الموجب للضمان، فلا وجه لضمان زيادة قيم أمثال العين في صورة وقوع المثل على الذمّة، أو العين المفروضة الوجود في صورة وقوع العين بوجودها الاعتباري على الذمّة، فيسقط كثير من الاحتمالات كأعلى القيم من حين الأخذ إلى حين الإعواز أو المطالبة أو الأداء، أو من حين التلف إلى زمان الإعواز، أو غيره مما ذكر.

فما قيل من: «أن الانقلاب إلى القدر المشترك بين العين و المثل أي أعلى القيم من زمان الأخذ إلى زمان إعواز المثل وجيه، لأنّ القول بضمان القيميّ بأعلى القيم من حين الغصب إلى حين التلف ينتج في المقام ضمانه بأعلى القيم من زمان أخذ العين إلى زمان إعواز المثل، لأنّ معنى الضمان بأعلى القيم هو استقرار مراتب القيمة السوقيّة في عهدة الضامن بشرط تلف المضمون، فإذا تعذّر ردّ المثل بقي ارتفاع قيمته على العهدة، كما أنّ ارتفاع قيمة العين أيضا عليها» (1).

ممّا لا يمكن المساعدة عليه، لما مرّ آنفا من أنّ الموجب للضمان هو كون الشي‌ء تحت اليد. و أمّا كونه على العهدة فهو مغاير لما يوجب الضمان، و لذا لو كان عليه صاع من الحنطة بسبب القرض أو البيع و لم يؤدّ مع المطالبة لم يضمن ارتفاع قيمته، إذ لا وجه للضمان بعد عدم كون ما على العهدة تحت اليد. فالقول بضمان أعلى القيم في الغصب إلى زمان التلف لا ينتج ما ذكر من ضمان أعلى القيم من زمان الأخذ إلى زمان إعواز المثل.

و توهّم شمول آية الاعتداء لذلك بتقريب: أنّ عدم أداء العين و المثل حين ارتفاع قيمته اعتداء يعتدى فيه بالمثل، و هو القيمة، فاسد، لأنّ الاعتداء مع المطالبة اعتداء في تأخير أداء ما في ذمّته، لا اعتداء في قيمته.

مضافا إلى عدم دلالة الآية الشريفة على الضمان كما مرّ مرارا.

و الحاصل: أنّ ما ذكر ليس له وجه، فضلا عن كونه وجيها.

____________

(1) منية الطالب، ج 1، ص 142

403

[الوجوه المحتملة في قيمة المثل المتعذّر، و مبانيها]

ثمّ إنّ في هذه المسألة (1) احتمالات أخر (2)، ذكر أكثرها في القواعد (3)، و قوّى بعضها في الإيضاح، و بعضها بعض الشافعيّة.

____________

الوجوه المحتملة في قيمة المثل المتعذّر، و مبانيها

(1) أي: مسألة تعذّر المثل.

(2) أي: غير اعتبار القيمة يوم تعذّر المثل الذي نسبه إلى الحلّيّ في البيع، و إلى التحرير في باب القرض.

(3) قال العلّامة (قدّس سرّه) فيه: «و لو تلف المثليّ في يد الغاصب و المثل موجود فلم يغرمه حتى فقد، ففي القيمة المعتبرة احتمالات: الأوّل: أقصى قيمته من يوم الغصب إلى التلف، و لا اعتبار بزيادة قيمة الأمثال. الثاني: أقصى قيمته من وقت تلف المغصوب إلى الإعواز. الثالث: أقصى القيم من وقت الغصب إلى الإعواز. الرابع:

أقصى القيم من وقت الغصب إلى وقت دفع القيمة. الخامس: القيمة يوم الإقباض» (1).

و أضاف إلى هذه احتمالات أخرى في غصب التذكرة، فراجع.

و لا يخفى أنّ الاحتمال الخامس هو مذهب المشهور الذي اختاره المصنّف، و قد تقدّم وجهه و مبناه، و هو عدم سقوط المثل عن الذّمّة بمجرّد الإعواز، بل يتوقف سقوطه على أداء ثمن المثل، و لذا تكون العبرة بقيمة يوم الدفع و الإقباض. و يبتني عليه الاحتمال الرابع أيضا كما سيأتي.

و أمّا سائر الاحتمالات فمبنيّة على استقرار القيمة في عهدة الضامن بأحد أنحاء ثلاثة:

الأوّل: انقلاب العين المثليّة التالفة إلى القيمة بسبب إعواز المثل.

الثاني: انقلاب نفس المثل إلى القيمة.

الثالث: انقلاب الجامع المشترك بين العين التالفة و المثل المتعذّر إلى القيمة.

و هذا المبنى الثالث لم يشر إليه المصنّف (قدّس سرّه) هنا، و لكنّه أشار إليه في تفصيل مباني‌

____________

(1) قواعد الأحكام، ص 79 (الطبعة الحجرية).

404

و حاصل جميع الاحتمالات (1) في المسألة مع مبانيها: أنّه إمّا أن نقول باستقرار المثل في الذّمّة إلى أوان الفراغ منه بدفع القيمة، و هو الذي اخترناه (2) تبعا للأكثر من اعتبار القيمة عند الإقباض، و ذكره في القواعد خامس الاحتمالات.

و إمّا (3) أن نقول بصيرورته (4) قيميّا عند الإعواز.

____________

الاحتمالات بقوله: «و إن قلنا: إنّ المشترك بين العين و المثل صار قيميّا» و كان المناسب التنبيه على إجماله هنا كما نبّه على إجمال سائر المباني.

و كيف كان فكلام المصنّف (قدّس سرّه) حول مباني الاحتمالات المذكورة في قواعد العلّامة (قدّس سرّه) يقع في مقامين:

أحدهما: مقام الثبوت، و بيان ما يمكن أن يكون وجها لكلّ واحد من الاحتمالات.

ثانيهما: مقام الاثباب، و هو الاستظهار من أدلّة الضمانات.

(1) أي: جميع الاحتمالات المتصورة في هذه المسألة ممّا تقدّم و غيره ممّا سيأتي.

(2) يستفاد اختياره له من بيانه و عدم المناقشة فيه، حيث قال: «ان المشهور أنّ العبرة في قيمة المثل المتعذّر بقيمته يوم الدفع .. إلخ».

(3) معطوف على قوله: «إمّا أن نقول» و قد أشرنا آنفا إلى أنّ: منشأ ما عدا الاحتمال الخامس- من الاحتمالات المذكورة في القواعد- هو هذا الشّقّ من القضيّة المنفصلة أعني استقرار القيمة في ذمّة الضامن عند الإعواز.

(4) مقتضى السياق رجوع الضمير إلى «المثل» الذي تقدّم في قوله: «إمّا أن نقول باستقرار المثل في الذّمّة إلى أوان الفراغ منه» فالمراد بقوله: «و إمّا أن نقول» هو:

أن نقول بصيرورة المثل المتعذّر قيميّا، أي انقلاب المثل إلى القيمة.

و لكن يشكل هذا الإرجاع من جهة أنّ المصنف رتّب عليه احتمالين:

أحدهما: انقلاب المثل إلى القيمة، و هذا يلتئم مع إرجاع الضمير إلى المثل.