هدى الطالب في شرح المكاسب‌ - ج3

- السيد محمد جعفر المروج الجزائري المزيد...
629 /
405

فإذا صار كذلك (1)، فإمّا أن نقول: إنّ المثل المستقرّ في الذّمّة (2) قيميّ فيكون القيميّة صفة للمثل بمعنى: أنّه لو تلف وجب قيمته. و إمّا أن نقول: إنّ المغصوب انقلب قيميّا بعد أن كان مثليّا.

فإن قلنا بالأوّل (3)، فإن جعلنا الاعتبار في القيميّ

____________

ثانيهما: انقلاب نفس العين المثليّة التالفة إلى القيمة، لما سيأتي من قوله: «و إمّا أن نقول: إنّ المغصوب انقلب قيميّا بعد أن كان مثليّا» و من المعلوم أنّ انقلاب نفس العين التالفة إلى القيمة أجنبيّ عن صيرورة المثل قيميّا، لأنّ المدار على قيمة العين لا قيمة المثل المتعذّر، و إن كان تعذّره واسطة ثبوتيّة لتبدّل ضمان العين بالثمن.

و كيف كان فمراد المصنّف من قوله: «و إمّا أن نقول بصيرورته قيميّا» هو تبدّل ضمان المثل بضمان القيمة، إمّا قيمة المثل، و إمّا قيمة العين التالفة أو المتلفة.

إلّا أن يوجّه إرجاع الضمير إلى «المثل» بأنّ المثليّ يصير قيميّا، سواء أ كانت القيمة قيمة المثل أم قيمة العين المضمونة، فيصحّ جعله مقسما لقسمين، فتدبّر.

(1) يعني: فإذا صار قيميّا عند إعواز المثل، لا عند دفع القيمة الذي نسبه المصنّف إلى المشهور و اختاره كما عرفت.

(2) كما فهمه المحقّق الثاني (1) من قول العلامة (قدّس سرّهما). و عليه فتكون القيمة بدلا عن المثل الذي هو بدل عن العين، فتصير القيمة بدل البدل، في قبال الاحتمال الآخر و هو كون القيمة بدلا عن العين، نظير بدليّة المثل عنها، فيكون للعين بدلان: المثل و القيمة، لكنّهما ليسا بدلين عرضيّين بل طوليين، و بدلية القيمة مشروطة بتعذّر المثل.

أمّا بدليّة المثل فمطلقة.

(3) المراد بالأوّل هو أوّل الاحتمالين المبنيين على انقلاب المثل قيميّا عند الإعواز، و قد أفاده بقوله: «فإمّا أن نقول: إنّ المثل المستقرّ في الذّمّة قيميّ ..» و ليس المراد بالأوّل بقاء المثل في الذّمّة إلى أوان أداء القيمة، لما عرفت من أنّه لو قلنا‌

____________

(1) جامع المقاصد، ج 6، ص 254

406

بيوم التلف (1)- كما هو أحد الأقوال (2)- كان (3) المتعيّن قيمة المثل يوم الإعواز، كما صرّح به (4) في السرائر في البيع الفاسد، و التحرير في باب القرض، لأنّه (5) يوم تلف القيميّ.

و إن جعلنا الاعتبار فيه (6) بزمان الضمان- كما هو القول

____________

ببقاء المثل في عهدة الضامن إلى يوم الإقباض تعيّنت قيمته في ذلك اليوم، و لا مجال لسائر الاحتمالات.

(1) و هو الموافق للمرتكز العرفيّ في الضمان بالقيم من تدارك الخسارة الماليّة- الواردة على المالك بتلف العين- بما يساوي تلك الخسارة حين التلف.

(2) بل في الدروس و الروضة نسبته إلى الأكثر، كما نقله المصنف في الأمر السابع. و الوجه فيه: أنّ الانتقال إلى البدل إنّما هو يوم التلف، إذ الواجب قبله إنّما هو ردّ العين.

(3) جواب الشرط في «فإن جعلنا» و جملة الشرط و الجزاء جواب لقوله:

«فإن قلنا ..».

(4) أي: كما صرّح ابن إدريس و العلّامة (قدّس سرّهما)- في بعض المواضع- بتعيّن قيمة المثل يوم إعوازه. و قد تقدّم كلامهما و كلام الشهيد الثاني في بيع المسالك، فراجع (ص 384 و 385).

(5) يعني: لأنّ يوم إعواز المثل هو يوم تلف القيميّ، فلا بدّ من رعاية قيمة المثل يوم تعذّره.

و لا يخفى أنّ تعيّن قيمة المثل يوم الإعواز ليس من الاحتمالات المذكورة في القواعد، و إنّما ذكره العلّامة (قدّس سرّه) في التذكرة سابع الاحتمالات، و نبّه المصنّف (قدّس سرّه) عليه، لترتّبه على القول بالانقلاب و بضمان القيميّ يوم تلفه.

(6) أي: و إن جعلنا الاعتبار في القيميّ بزمان الضمان- لا يوم التلف- اتّجه القول بضمان قيمة زمان تلف العين، لأنّ زمان تلف العين هو أوّل أزمنة ثبوت المثل في‌

407

الآخر في القيميّ (1)- كان (2) المتّجه اعتبار زمان تلف العين (3)، لأنّه (4) أوّل أزمنة وجوب المثل في الذّمّة المستلزم (5)

____________

الذّمّة، لأنّ الذّمّة لا تشتغل بالمثل ما دامت العين موجودة، فإذا تلفت انتقل الضمان إلى البدل و هو المثل، و حيث إنّ المفروض إعواز المثل ضمنه بقيمته يوم تلف العين.

و بعبارة أخرى: إنّ اشتغال الذّمّة بقيمة المثل زمان تلف العين منوط بأمرين:

أحدهما: القول بأنّ القيميّ المغصوب يضمن بقيمة يوم غصبه، ضرورة أنّ وضع اليد على مال الغير مقتض لاشتغال العهدة به. و لا عبرة بقيمته في سائر الأزمنة كيوم تلفه أو يوم مطالبة الملك ببدل التالف.

ثانيهما: أنّ المثليّ انقلب يوم إعوازه بالقيميّ.

و بناء عليهما يتّضح وجه ضمان قيمة المثل يوم تلف العين، و ذلك لأنّ تلفها يوجب استقرار المثل في الذّمّة، فالمضمون في يوم التلف هو المثل، و حيث تعذّر الوصول إلى المثل- كما هو المفروض- و انقلب قيميّا، فلا بدّ من رعاية قيمته يوم استقراره في العهدة و هو يوم تلف العين.

(1) هو لشيخ الطائفة في موضع من المبسوط، و لغيره أيضا كما سيأتي في الأمر السابع.

(2) جواب الشرط في قوله: «و إن جعلنا ..».

(3) يعني: اعتبار ثمن المثل في يوم تلف العين المضمونة بالغصب أو بالقبض بالبيع الفاسد كما في المقام.

(4) يعني: لأنّ زمان تلف العين أوّل أزمنة ثبوت المثل في الذّمّة، فانقلب ضمان العين بضمان المثل، و حيث إنّ المثل متعذّر، ضمن ثمنه يوم تعذّره، كما إذا تلفت العين في أوّل الشهر، و تعذّر المثل في آخر الشهر، فيضمن ثمن المثل في أوّل الشهر الذي تلفت العين فيه، لا ثمنه في يوم إعواز المثل كما كان في الاحتمال السابق على هذا الاحتمال.

(5) صفة ل‍ «وجوب المثل» و المراد بالوجوب هو الثبوت.

408

لضمانه بقيمته عند (1) تلفه (2). و هذا (3) مبنيّ على القول بالاعتبار في القيميّ بوقت الغصب كما عن الأكثر.

و إن جعلنا (4) الاعتبار فيه بأعلى القيم من زمان الضمان إلى زمان التلف- كما حكي عن جماعة من القدماء (5) في الغصب- كان المتّجه الاعتبار بأعلى

____________

(1) متعلّق ب‍ «ضمانه» لا «بقيمته» و ظرف القيمة- و هو زمان تلف العين و اشتغال الذّمّة بالمثل- محذوف.

(2) هذا الضمير راجع إلى العين، و ضميرا «لضمانه، بقيمته» راجعان إلى المثل، فكأنّه قيل: وجوب المثل في الذّمّة مستلزم لضمان خصوص قيمة المثل الثابتة عند تلف العين، لا سائر قيمة.

(3) أي: ضمان قيمة يوم التلف مبنيّ على القول بكون العبرة في القيميّ بزمان الغصب، لأنّه وقت الضمان كما عن الأكثر، و المفروض أنّ زمان اشتغال الذّمّة بالمثل هو زمان تلف العين.

(4) معطوف على «و إن جعلنا» و مقصوده (قدّس سرّه) بيان مبنى الاحتمال الثاني المتقدّم عن القواعد، و هو ضمان أعلى القيم من يوم تلف العين إلى زمان إعواز المثل، فأفاد:

أنّه لو قلنا في القيميّ المغصوب بمقالة جماعة من قدماء الأصحاب- من ضمان أعلى القيم من زمان الغصب إلى زمان التلف- اتّجه الاحتمال الثاني و هو ضمان المثليّ المتعذّر وجوده بأعلى القيم من تلف العين إلى الإعواز، و ذلك لأنّ زمان الضمان بالمثل هو زمان تلف العين، كما إذا تلفت أوّل الشهر و تعذّر المثل في آخره، فإنّ المثل المنقلب إلى القيميّ صار مضمونا في تمام الشهر، فلو ارتفعت قيمته وسط الشهر و انخفضت في يوم إعواز المثل ضمن تلك القيمة العليا.

(5) قال السيّد العامليّ (قدّس سرّه): «هو خيرة الخلاف و المبسوط و النهاية في موضع منهما، و الوسيلة و الغنية و السرائر و الإيضاح و اللمعة و المقتصر و التبصرة- على إشكال- و كذا شرح الإرشاد للفخر، و في بيع المختلف نسبته إلى علمائنا، و في‌

409

القيم من يوم تلف (1) العين إلى زمان الإعواز.

و ذكر هذا (2) الوجه في القواعد ثاني الاحتمالات.

و إن قلنا (3): إنّ التالف

____________

غصبه: انّه أشهر. و استحسنه في الشرائع، و كأنّه قال به أو مال إليه. و في الكفاية و المسالك: أنّ في خبر أبي ولّاد ما يدلّ على وجوب أعلى القيم بين الوقتين، و كأنّه قال به و قوّاه في الروضة أيضا .. إلخ» (1).

(1) لما عرفت من أنّ يوم تلف العين أوّل زمان ضمان المثل بقيمته عند تلفها، و آخر زمانه زمان تلف المثل أعني به زمان إعوازه.

(2) أي: اعتبار أعلى القيم من يوم تلف العين إلى زمان إعواز المثل.

هذا تمام الكلام في الاحتمالات الثلاثة المبتنية على انقلاب المثل إلى القيمة بالإعواز.

أوّلها: اعتبار قيمة المثل يوم الإعواز، و هو مبنيّ على القول بضمان القيميّ بقيمة يوم تلفه.

ثانيها: اعتبار قيمة المثل يوم تلف العين، و هو مبنيّ على القول بضمان القيميّ بقيمة يوم ضمانه و دخوله في العهدة. و حيث إنّ ضمان المثل تحقّق في يوم تلف العين اعتبر ثمنه فيه، لا في يوم إعوازه و تعذّره.

ثالثها: اعتبار أعلى قيم المثل من زمان تلف العين إلى زمان إعواز المثل، و هذا مبنيّ على ضمان القيميّ المغصوب بأعلى القيم من زمان الضمان إلى زمان التلف.

و سيأتي الكلام فيما يبتني من الوجوه على القول الآخر في المثليّ المتعذّر، و هو ضمان قيمة نفس العين لا قيمة المثل.

(3) معطوف على قوله: «فان قلنا بالأوّل» يعني: و إن قلنا بالثاني- و هو انقلاب التالف المثليّ قيميّا، لا انقلاب المثل المعوز إلى القيمة- ففيه احتمالان:

____________

(1) مفتاح الكرامة، ج 6، ص 244

410

انقلب (1) قيميّا احتمل (2) الاعتبار بيوم الغصب

____________

أحدهما: كون العبرة بقيمة يوم الغصب.

و الآخر: كون العبرة بأعلى القيم من يوم الغصب إلى يوم التلف. و سيأتي توضيحهما.

(1) ليس المراد بالانقلاب اتّحاد المثليّ المتعذّر مع القيميّ حقيقة، لما تقدّم في الأمر الرّابع من التقابل بينهما و تباينهما، فالمثلي ما تساوت أجزاؤه، و القيميّ ما لا تتساوى أجزاؤه. بل المراد إجراء حكم القيميّ في المثليّ المتعذّر. فكما أنّ الضامن للتالف القيميّ مخاطب بتفريغ ذمّته بأداء القيمة، فكذا في المضمون المثليّ الذي كان موجودا حين تلف العين ثم طرأ عليه التعذّر، فإنّه مخاطب بأداء قيمة التالف بعد أن كان مخاطبا بأداء المثل.

(2) وجه هذين الاحتمالين واضح، و هو اتّحاد حكم المثليّ المتعذّر المنقلب إلى القيميّ مع حكم القيميّ بالأصالة. فإن قلنا بضمان الأعيان القيميّة بقيمة يوم غصبها تعيّن ضمان العين المثليّة- التي طرأ التعذّر على أمثالها- بقيمة يوم ضمانها و دخولها في العهدة. فكأنّ هذه العين المثليّة قيميّة من أوّل الأمر، فتضمن بما تضمن به الأعيان القيميّة.

و إن قلنا بضمان القيميّ بأعلى القيم من الغصب- أو الضمان- إلى يوم التلف اتّجه القول بضمان المثليّ المتعذّر بأعلى قيمته من حين غصبه إلى تلفه.

و لا يخفى أنّ المصنّف (قدّس سرّه) اقتصر- بناء على الانقلاب- على احتمالين، و أهمل الاحتمال الأوّل الذي رتّبه على ضمان القيميّ بقيمة يوم تلفه.

و الوجه في إهمال ذكره- كما في حاشية الشيخ المامقاني (قدّس سرّه)- وجود المانع عن جريانه بناء على مفروض البحث و هو انقلاب المثليّ قيميّا، و ذلك لأنّ الكلام في المثليّ الذي تعذّر مثله، و من المعلوم أنّ الضامن كان مخاطبا يوم تلف العين بأداء المثل دون قيمة العين، و لهذا لم يمكن إلزام المالك بقبول القيمة لو دفعها الغاصب يومئذ.

411

كما في القيميّ (1) المغصوب، و الاعتبار بالأعلى منه (2) إلى يوم التلف. و ذكر هذا أوّل الاحتمالات في القواعد.

و إن (3) قلنا: إنّ المشترك بين العين و المثل صار قيميّا

____________

و عليه فلا يصحّ أن يكون المناط قيمة العين عند تلفها (1).

(1) أي: القيميّ بالأصالة، و هو ما لا تتساوى أجزاؤه. و المراد بيوم الغصب يوم القبض.

(2) أي: من يوم غصب العين إلى يوم تلفها بوصف كونها قيميّة، و هو يوم إعواز المثل.

(3) معطوف على «فإن قلنا بالأوّل» و هذا مبنى الاحتمال الثالث المذكور في القواعد، و هو ضمان القيمة العليا من حين الغصب إلى التلف.

و حاصل هذا المبنى: أنّ المدار في ضمان المثليّ الذي تعذّر مثله ليس هو العين بخصوصها حتى تضمن بقيمة يوم غصبها أو يوم تلفها، و لا هو المثل بخصوصه حتى يضمن بقيمة يوم تلف العين الذي هو زمان اشتغال الذّمّة بالمثل، و لا بيوم إعوازه الذي هو كتلفه. بل المدار على قيمة الجامع بين العين و المثل، بمعنى: أنّ المنقلب قيميّا هو القدر المشترك بينهما أي الصفات الكلّيّة و الجهات النوعيّة و الصنفية الموجبة لماليّة الشي‌ء، إذ هي الأمر المشترك الموجود في العين التالفة و مثلها اللذين هما من مصاديق الكلّيّ المثليّ. و تعذّر هذا الأمر المشترك منوط بتلف العين و تعذّر المثل، ضرورة توقّف تعذّر الكلّيّ و تلفه على تلف جميع أفراده.

مثلا إذا وضع يده على صاع من الحنطة المملوكة لزيد و تلفت عنده، اشتغلت ذمّته بما يماثلها في الصفات الدخيلة في ماليّتها، فلو أهمل حتى تعذّر المثل تبدّل الضمان بصنف الحنطة الكلّيّة الجامعة للعين و المثل.

و المناسب لهذا المبنى احتمالان مما احتمله العلّامة (قدّس سرّه).

____________

(1) غاية الآمال، ص 310

412

جاء (1) احتمال الاعتبار بالأعلى من يوم الضمان (2) إلى يوم تعذّر المثل، لاستمرار (3) الضمان فيما قبله (4) من (5) الزمان إمّا للعين، و إمّا للمثل. فهو (6) مناسب لضمان الأعلى من حين الغصب إلى التلف.

____________

أحدهما: الاحتمال الثالث، و هو ضمان أعلى القيم من يوم الضمان و القبض إلى يوم إعواز المثل، فإذا كانت قيمة الحنطة زمان الغصب دينارا، ثم صارت يوم تلفها نصف دينار، و يوم تعذّر المثل دينارا و نصف دينار، كان المضمون به هو الأخير، لأنّ المستقرّ في العهدة ليس خصوص العين و لا خصوص المثل، بل كلّيّ الحنطة إلى زمان إعوازها. و لا ريب في أنّ ارتفاع القيمة من حالات العين المضمونة، فيكون مضمونا.

ثانيهما: الاحتمال الرابع، و هو ضمان أعلى القيم من يوم الضمان إلى يوم أداء القيمة، لأنّه يوم تفريغ الذّمّة من الكلّيّ المثليّ المستقرّ في العهدة من يوم الضمان، و يتوقّف الفراغ عنه على أداء قيمته.

(1) وجه مجي‌ء هذا الاحتمال ما ذكرناه من استقرار الكلّيّ في ذمّة الضامن، لا خصوص العين التالفة، و لا خصوص المثل المتعذّر.

(2) المراد بيوم الضمان هو يوم الغصب، و يوم قبض المبيع بالبيع الفاسد.

(3) تعليل لتوجّه احتمال الضمان بأعلى القيم من زمان الضمان إلى زمان إعواز المثل الذي هو يوم سقوط خصوصيّة المثل عن الذّمّة، و تبدّله بضمان الجامع بين العين و المثل.

(4) أي: قبل يوم تعذّر المثل.

(5) بيان ل‍ «ما» الموصولة، يعني: أنّ الضمان مستمرّ من يوم الضمان إلى يوم الإعواز.

(6) الظاهر رجوع الضمير إلى استمرار الضمان قبل تلف المغصوب إلى زمان تعذّر المثل، و عليه فلا بدّ من حمل «التلف» على إعواز المثل لا تلف العين، إذ لو أريد تلف العين لم يتّجه ضمان ارتفاع قيمة الأمثال من هذا اليوم- الذي هو مبدأ استقرار المثل في الذّمّة- إلى زمان الإعواز، و ذلك لفرض كون المضمون خصوص العين من يوم غصبها إلى يوم تلفها، لا الماليّة المشتركة بين المثل و العين.

413

و هذا (1) ذكره في القواعد ثالث الاحتمالات.

و احتمل (2) الاعتبار بالأعلى من يوم الغصب إلى دفع المثل (3).

و وجهه (4) في محكيّ التذكرة و الإيضاح: بأنّ المثل لا يسقط بالإعواز، قالا: «ألا ترى أنّه لو صبر المالك إلى وجدان المثل استحقّه (5)، فالمصير إلى القيمة عند تغريمها» و القيمة الواجبة على الغاصب أعلى القيم.

____________

(1) المشار إليه قوله: «احتمال الاعتبار بالأعلى من يوم الضمان إلى يوم تعذّر المثل» و هو ثالث الاحتمالات المتقدمة في عبارة القواعد.

(2) معطوف على قوله: «جاء احتمال» و غرضه (قدّس سرّه) أنّه لو قلنا بضمان الماليّة الجامعة بين العين التالفة و المثل المتعذّر احتمل القول بضمان القيمة العليا من حين الضمان إلى زمان أداء الغرامة، و هي قيمة المثل.

و الوجه في هذا الاحتمال: أنّ ذمّة الضامن مشغولة بالجامع بين العين و المثل، و المسقط هو أداء القيمة إلى المالك، فلو ارتفعت قيمة المثل بعد زمان تعذّره كان هذا الارتفاع مضمونا أيضا.

(3) الصواب أن يقال: «إلى دفع القيمة» كما هو صريح عبارة القواعد و التذكرة.

إلّا أن يلتزم بتقدير مضاف، بأن يقال: «دفع قيمة المثل المفروض تعذّره» فيكون دفع القيمة أداء للمثل المتعذّر من جهة ماليّته، لا من جهة مثليّته، هذا.

(4) أي: وجّه العلّامة و فخر المحقّقين ضمان أعلى القيم- من يوم الغصب إلى أداء القيمة- بأنّ المثل لا يسقط .. إلخ.

(5) هذه العبارة منقولة بالمعنى، و إلّا فعبارة التذكرة و الإيضاح هي: «ملك المطالبة به» ثم زاد في التذكرة قوله: «و إنّما المصير إلى القيمة عند تغريمها».

و هذا الاحتمال الرابع مختار فخر المحققين، لقوله بعد ذكر مآخذ الاحتمالات الخمسة: «و الأصحّ الرابع» (1).

____________

(1) تذكرة الفقهاء، ج 2، ص 383؛ إيضاح الفوائد، ج 2، ص 175

414

و حاصله (1): أنّ وجوب دفع قيمة المثل يعتبر (2) من زمن وجوبه (3) إلى وجوب مبدله أعني العين، فيجب أعلى القيم منها (4)، فافهم (5).

____________

و كيف كان فالحاكي لعبارتي التذكرة و الإيضاح هو السيّد العامليّ، و عبارة المتن نصّ كلامه (1).

(1) هذا الحاصل مذكور في مفتاح الكرامة أيضا، فراجع. يعني: حاصل توجيه العلّامة و فخر الدين للاحتمال الرابع هو: أنّ وجوب دفع قيمة المثليّ الذي بقي مثله في الذّمّة إلى يوم غرامة القيمة- و سقط بدفع القيمة إلى المالك- إنّما يعتبر بنحو القهقرى من أوّل زمان وجوب قيمة المثليّ، و هو زمان دفعها، و ينتهي إلى زمان ثبوت مبدل القيمة أعني نفس المال المثليّ المغصوب، و هو زمان غصب العين.

و عليه فيكون هنا وجوبات عديدة بعدد القيمة إن اختلفت في أجزاء هذا الزمان المتخلّل بين المبدء و المنتهى، فيجب دفع الأعلى من هذه القيم، إذ المفروض أنّ القيمة الواجبة على الغاصب هي أعلى القيم.

و الأولى: أن يعبّر هكذا: «و حاصله: أنّ إسقاط وجوب دفع قيمة المثل يلاحظ من زمن ثبوت القيمة .. إلخ».

(2) أي: يلاحظ من زمن وجوب القيمة- أي ثبوتها- إلى ثبوت مبدل القيمة و هو نفس المال المثليّ المغصوب.

(3) الوجوب بمعنى الثبوت في الذّمّة، و ضميره و كذا ضمير «مبدله» راجعان إلى القيمة، فالمناسب تأنيث الضميرين، و إن صحّ تذكيرهما أيضا باعتبار الرجوع إلى البدل المستفاد من قوله: «إلى وجوب مبدله». و الأمر سهل.

(4) الأولى إسقاط كلمة «منها» بأن يقول- كما في مفتاح الكرامة-: «فيجب الأقصى» أو «أقصى القيم».

(5) لعلّه إشارة إلى ضعف القول بصيرورة القدر المشترك قيميّا، الذي هو أحد‌

____________

(1) مفتاح الكرامة، ج 6، ص 252

415

[استظهار بعض الوجوه المتقدّمة من أدلّة الضمان]

إذا عرفت هذا (1) فاعلم: أنّ المناسب لإطلاق كلامهم لضمان المثل في المثليّ هو أنّه مع تعذّر المثل لا يسقط المثل عن الذّمّة، غاية الأمر يجب إسقاطه مع

____________

جزأي هذا الاحتمال الرابع. و أمّا الجزء الآخر- و هو ثبوت المثل إلى زمان دفع القيمة- فقد قوّاه سابقا.

هذا تمام الكلام في المقام الأوّل و هو بيان مآخذ الاحتمالات الخمسة.

و قد تحصّل مما أفاده المصنّف (قدّس سرّه) من أوّل الأمر السادس إلى هنا وجوه في ضمان قيمة العين المثليّة التالفة مع إعواز المثل.

الأوّل: اعتبار ضمان قيمة يوم الدفع و المطالبة، و هو المنسوب إلى المشهور، و هو خامس الاحتمالات المذكورة في القواعد، و قد عبّر عنه بقيمة يوم الإقباض.

الثاني: اعتبار قيمة يوم تعذّر المثل. و اختاره ابن إدريس و العلّامة و الشهيد الثاني، في بعض المواضع.

الثالث: اعتبار قيمة يوم تلف العين، الذي هو زمان استقرار المثل في العهدة.

الرابع: اعتبار أعلى القيم من يوم تلف العين إلى زمان إعواز المثل.

الخامس: اعتبار قيمة يوم ضمان العين.

السادس: اعتبار أعلى القيم من يوم الغصب إلى يوم تلف العين.

السابع: اعتبار أعلى القيم من يوم ضمان العين إلى زمان أداء قيمة المثل. و قد عرفت مبنى كلّ واحد منها.

استظهار بعض الوجوه المتقدّمة من أدلّة الضمان

(1) هذا شروع في المقام الثاني، و هو بيان ما يستفاد من الأدلّة و كلمات الأصحاب. و محصّله: أنّ الدليل على ضمان المثليّ بالمثل إمّا هو الإجماع أو المتبادر من إطلاقات الضمان الدالة على التغريم بما هو أقرب إلى التالف. فإن اعتمدنا على الإجماع قلنا باقتضائه لضمان قيمة يوم أدائها، و ذلك لاستقرار المثل على عهدة الضامن بمجرّد تلف العين، و لم يقيّد اشتغال الذّمّة بالمثل بعدم تعذّره و إعوازه، فلا يوجب تعذّره‌

416

مطالبة المالك. فالعبرة بما هو إسقاط حين الفعل (1)، فلا عبرة بالقيمة إلّا يوم الاسقاط و تفريغ الذّمّة.

و أمّا بناء (2) على ما ذكرنا (3) من أنّ المتبادر من أدلّة الضمان التغريم بالأقرب إلى التالف فالأقرب كان (4) المثل مقدّما مع تيسّره. و مع تعذّره ابتداء

____________

انتقال الضمان إلى القيمة حتى يكفي أداء ثمنه يوم إعوازه، بل يبقى المثل في الذّمّة إلى إسقاطه بمطالبة المالك، فتكون العبرة بقيمته يوم أدائها. و قد تقدّم وجهه عند بيان رأي المشهور، و هكذا في مبنى الاحتمال الخامس.

و إن اعتمدنا على المتبادر من أدلّة الضمان انقلب الضمان إلى القيمة، و سيأتي.

(1) أي: حين الإسقاط، إذ المفروض بقاء المثل على عهدة الضامن، و لا يسقط إلّا بدفع القيمة. فالعبرة بقيمة يوم الاسقاط، لا يوم إعواز المثل.

(2) هذا في مقابل ما ذكره بقوله: «فاعلم أنّ المناسب لإطلاق كلامهم لضمان المثل في المثليّ .. إلخ» و إطلاق كلامهم إنّما هو لعدم تقييدهم ذلك بصورة التمكّن من المثل، فأطلقوا ضمان المثل في المثليّ، و لم يقيّدوه بصورة التمكّن من دفع المثل، و هذا الإطلاق يقتضي بقاء المثل في الذّمّة و لو مع إعوازه.

و أمّا بناء على ما ذكرنا- من أنّ المتبادر من أدلّة الضمان التغريم بالأقرب إلى التالف، فالأقرب- كان المثل مقدّما مع التمكّن من دفعه إلى المالك، و مع عدم التمكّن منه كان المتعيّن دفع القيمة. فالاعواز يوجب انقلاب المثليّ إلى القيميّ، فالقيمة قيمة للمثل حال الإعواز، فيكون عدم التمكّن العارضيّ من دفع المثل كعدم التمكّن بالأصالة كما في القيميّات. فالمثل الثابت في الذّمّة ينقلب إلى القيمة من زمان الإعواز.

(3) أي: في كلّ من الأمر الرابع و السادس، فقال في السادس: «و لكن لو استندنا في لزوم القيمة في المسألة إلى ما تقدّم سابقا من الآية و من أنّ المتبادر من إطلاقات الضمان .. إلخ» فراجع (ص 388).

(4) جواب «و أمّا بناء». و «فالأقرب» بالجرّ معطوف على «بالأقرب».

417

كما في القيميّ أو بعد التمكّن كما فيما نحن فيه كان (1) المتعيّن هو القيمة، فالقيمة (2) قيمة للمغصوب من حين صار قيميّا و هو حال الإعواز، فحال الإعواز معتبر من حيث إنّه أوّل أزمنة صيرورة التالف قيميّا، لا من حيث ملاحظة القيمة قيمة للمثل دون العين.

فعلى القول باعتبار يوم التلف في القيميّ توجّه ما اختاره الحلي (رحمه اللّه) (3).

و لو قلنا (4) بضمان القيميّ بأعلى القيم من حين الغصب إلى حين التلف (5)- كما عليه جماعة من القدماء (1)- توجّه (6) ضمانه فيما نحن فيه بأعلى القيم من حين الغصب إلى زمان الإعواز (7)،

____________

(1) جواب «و مع تعذّره» المتضمن للشرط.

(2) يعني: أنّه بناء على المتبادر من إطلاقات الضمان يتعيّن القول في المثليّ- المتعذّر مثله- بضمان قيمته يوم الإعواز، لأنّه يوم صيرورة العين المثليّة قيميّة.

(3) من الاعتبار بقيمة يوم تعذّر المثل و إعوازه، لأنّه يوم تلف العين بوصف القيمية، إذ قبل هذا الزمان كان التالف مثليّا، و إنّما صار قيميّا بسبب الإعواز‌

(4) هذا مقابل قوله: «فعلى القول باعتبار يوم التلف» و الأولى لرعاية المشاكلة أن يقال: «و على القول بضمان القيميّ بأعلى القيم .. إلخ».

و كيف كان فتوضيح كلامه (قدّس سرّه): أنّه بناء على القول بضمان القيميّ بأعلى القيم من حين الغصب إلى حين التلف توجّه ضمان المثليّ فيما نحن فيه- أعني به إعواز المثل- بأعلى القيم من حين الغصب في المغصوب، و من زمان القبض في المقبوض بالعقد الفاسد، و كان هذا هو الاحتمال الثاني في عبارة القواعد.

(5) و هو الوجه لما حرّرناه في التعليقة بقولنا: «تتمة اعلم أنّ من الأقوال اعتبار أعلى القيم .. إلخ.

(6) جواب الشرط السابق.

(7) الذي هو بمنزلة تلف العين القيميّة، لكن قد ذكرنا في التتمّة المشار إليها خلافه.

____________

(1) نقلنا أسماءهم عن مفتاح الكرامة، فراجع ص 408

418

إذ (1) كما أنّ ارتفاع القيمة مع بقاء العين مضمون بشرط تعذّر أدائه المتدارك (2) لارتفاع (3) القيم، كذلك بشرط تعذّر المثل في المثليّ، إذ مع ردّ المثل يرتفع ضمان القيمة السوقيّة (4).

و حيث كانت العين فيما نحن فيه مثليّا كان أداء مثلها عند تلفها كردّ عينها في إلغاء ارتفاع القيم، فاستقرار (5) ارتفاع القيم إنّما يحصل بتلف العين و المثل.

فإن قلنا (6): إنّ تعذّر المثل يسقط المثل- كما أنّ تلف العين يسقط العين-

____________

(1) تعليل لاعتبار تعذّر المثل في ضمان ارتفاع القيمة، المستفاد من تقييد «الأعلى» بغاية الإعواز. يعني: أنّ ارتفاع القيمة إنّما لا يضمن إذا أمكن دفع العين، و لم ينته الأمر إلى دفع القيمة، بل كان ارتفاع الضمان بسبب دفع العين أو مثلها. و أمّا إذا انتهت النوبة إلى دفع القيمة لتلف العين و تعذّر المثل فارتفاع القيمة يكون حينئذ مضمونا، و هذا الارتفاع المضمون يكون من زمان الضمان إلى زمان تعيّن القيمة و ثبوتها في الذّمّة، أو إلى زمان أدائها بناء على ثبوت المثل في الذّمّة إلى زمان الأداء.

(2) باسم الفاعل صفة ل‍ «أدائه» يعني: أنّ أداء العين كان جابرا لارتفاع القيمة، لكن حيث تعذّر أداؤها- لفرض تلفها- صار الغاصب ضامنا لارتفاع القيمة.

(3) اللام للتعدية، مثل «خرجت لزيد من الدار» بمعنى: أخرجته من الدار.

(4) لتفرّع ضمان القيمة السوقيّة- في الأعيان المثليّة- على إعواز المثل.

(5) هذا متفرّع على كون ردّ المثل- في الأعيان المثليّة التالفة- بمنزلة ردّ نفس التالف، في عدم اشتغال الذّمّة بأعلى القيم. فإذا لم يتحقّق ردّ العين لتلفها و لا ردّ المثل لاعوازه ضمن أعلى قيمتيهما. و هل المضمون ارتفاع القيمة من زمان الغصب إلى زمان الإعواز، أم هو من حين الغصب إلى حين أداء القيمة؟ فيه خلاف سيأتي مأخذ كلّ منهما في المتن.

(6) هذا تفصيل لقوله: «فاستقرار ارتفاع القيم ..».

419

توجّه القول بضمان القيمة من زمان الغصب إلى زمان الإعواز (1)، و هو أصحّ الاحتمالات في المسألة عند الشافعيّة على ما قيل (2).

و إن قلنا (3): إنّ تعذّر المثل لا يسقط المثل و ليس كتلف العين (4) كان (5) ارتفاع القيمة فيما بعد تعذّر المثل أيضا مضمونا (6)، فيتوجّه ضمان القيمة من حين الغصب إلى حين دفع القيمة، و هو المحكيّ عن الإيضاح. و هو أوجه الاحتمالات على القول بضمان ارتفاع القيمة مراعى بعدم ردّ العين أو المثل (7).

____________

(1) أي: إعواز المثل الذي هو كتلف العين في كونه سببا لسقوط المثل.

(2) القائل هو العلّامة في التذكرة، قال (قدّس سرّه): «و للشافعيّة في القيمة المعتبرة عشرة أوجه .. ثالثها: و هو الأصح عندهم، القيمة المعتبرة أقصى القيم من يوم الغصب إلى يوم الإعواز، لأنّ وجود المثل كبقاء عين المغصوب من حيث إنّه كان مأمورا بتسليم المثل، كما كان مأمورا بردّ العين، فإذا لم يفعل غرم أقصى قيمته في المدّتين. كما أنّ المتقوّمات تضمن بأقصى قيمتها لهذا المعنى، و لا نظر إلى ما بعد انقطاع المثل، كما لا نظر إلى ما بعد تلف المغصوب من المتقوّم» (1).

(3) هذا عدل قوله: «فإن قلنا: إنّ تعذّر المثل يسقط المثل».

(4) حتى يسقط المثل بالإعواز كسقوط العين بتلفها.

(5) جواب الشرط المتقدّم أعني به «و إن قلنا: انّ تعذر .. إلخ».

(6) إذ المفروض بقاء المثل في العهدة و عدم سقوطه بتعذّره، فارتفاع قيمته بعد تعذّره مضمون كضمانه قبل تعذّره، فيتوجه حينئذ ضمان القيمة من حين الغصب إلى زمان دفع القيمة كما حكي عن الإيضاح.

(7) يعني: بأن يكون ضمان ارتفاع القيمة مشروطا بعدم إمكان ردّ العين أو المثل، فمع إمكانهما و ردّهما لا يضمن ارتفاع القيمة.

____________

(1) تذكرة الفقهاء، ج 2، ص 383

420

[اختصاص انقلاب الضمان إلى القيمة بالتعذّر الطارئ]

ثمّ اعلم: أنّ العلّامة ذكر في عنوان هذه الاحتمالات «أنّه لو تلف المثليّ و المثل موجود، ثم أعوز» (1) و ظاهره اختصاص هذه الاحتمالات بما إذا طرء تعذّر المثل بعد تيسّره في بعض أزمنة التلف (2)، لا ما تعذّر فيه المثل ابتداء.

و عن جامع المقاصد: «أنّه يتعيّن حينئذ (3) قيمة يوم التلف» (4)

____________

هذا تمام الكلام في الجهة الثانية المتكفلة لتعيين قيمة العين المثليّة المضمونة عند إعواز المثل. و سيأتي التنبيه على أنّ مورد البحث و موضوعه هو التعذّر الطارئ لا البدويّ. و قد جعلناه في صدر الأمر السادس جهة ثالثة ممّا يتعلّق بتعذّر المثل.

و إن أمكن جعله تتمة للجهة الثانية، و الأمر سهل.

اختصاص انقلاب الضمان إلى القيمة بالتعذّر الطارئ

(1) هذا منقول بالمعنى، و إلّا فعبارة القواعد هكذا: «و لو تلف المثليّ في يد الغاصب و المثل موجود، فلم يغرمه حتى فقد ففي ..» و قريب منها عبارة التذكرة (1).

و كيف كان فالمقصود أنّ موضوع كلامهم بانتقال الضمان من المثل المتعذّر إلى القيمة هو التعذّر الطاري على المثل، لا ما كان متعذّرا حين تلف العين أو قبله، فإنّه مضمون بالقيمة حين التلف، كما يظهر من المحقّق الثاني (قدّس سرّه) و سيأتي كلامه.

(2) أي: أزمنة تلف العين، و الظرف متعلّق ب‍ «تيسّره».

(3) أي: حين تعذّر المثل ابتداء، أي: حين تلف العين.

(4) الحاكي لكلامه السيّد العاملي (قدّس سرّه) (2). و اعتبار قيمة يوم التلف يستفاد من ضمّ كلاميه في موضعين:

أحدهما: قوله في ضمان القيميّ المغصوب- في تضعيف رأي المبسوط-: «و إنّما‌

____________

(1) قواعد الأحكام، ص 79، (الطبعة الحجرية)؛ تذكرة الفقهاء، ج 2، ص 383

(2) مفتاح الكرامة، ج 6، ص 250

421

و لعلّه (1) لعدم تنجّز التكليف بالمثل عليه في وقت من الأوقات.

و يمكن أن يخدش فيه (2) بأنّ التمكّن من المثل ليس بشرط لحدوثه في

____________

ينتقل إلى القيمة عند التلف» (1).

ثانيهما: قوله في ضمان المثليّ المتعذّر مثله: «لو لم يكن المثل موجودا وقت التلف فالظاهر أنّ الواجب قيمة التالف. أمّا مع وجوده و عدم التغريم إلّا بعد فقده فإنّه قد استقرّ في الذّمّة، فيرجع إلى القيمة» (2).

فيحمل قوله: «فالظاهر أن الواجب قيمة التالف» على قوله: «و إنّما ينتقل إلى القيمة عند التلف» و يصحّ ما نسبه المصنف إليه.

(1) يعني: و لعلّ تعيّن قيمة يوم التلف لأجل عدم تنجّز التكليف بالمثل على الضامن في وقت من الأوقات، لفقدانه من أوّل الأمر.

(2) أي: في هذا الوجه. و حاصل الخدشة: إنّ اشتغال الذّمّة بالمثل ليس مشروطا بالتمكّن من أداء المثل، لا حدوثا و لا بقاء.

و لا يخفى أنّه نوقش في كلام جامع المقاصد بوجهين مذكورين في الجواهر أيضا، أحدهما حلّي، و الآخر نقضيّ. و ارتضى المصنّف الحليّ و تأمّل في النقضيّ.

قال في الجواهر- بعد نقل ما استظهره جامع المقاصد من ضمان قيمة يوم التلف في التعذّر البدويّ- ما لفظه: «و قد يناقش بعدم المنافاة بين ثبوته في الذّمّة و بين تعذّر أدائه في ذلك الوقت. و دعوى صيرورته قيميّا واضحة المنع، إذ المثليّ لا يتعيّن كونه كذلك بتعذر المثل. و إلّا لزم عدم وجوب دفعه لو تمكّن منه بعد ذلك قبل الأداء، لثبوت القيمة حينئذ في الذّمّة، و لا أظنّ القائل المزبور يلتزمه، لوضوح ضعفه. فالمتجه ثبوت المثل في ذمّته على كلّ حال. و تعذّر أدائه حال التلف لا يقتضي عدم ثبوته في الذّمّة، فإن عدم التمكّن من وفاء الدين لا يقتضي عدم ثبوته في الذّمّة، و حينئذ لم يكن‌

____________

(1) جامع المقاصد، ج 6، ص 246

(2) المصدر، ص 252

422

الذّمّة ابتداء، كما لا يشترط في استقراره استدامة، على ما اعترف (1) به مع طروء التعذّر بعد التلف (2). و لذا (3) لم يذكر أحد هذا التفصيل في باب القرض.

و بالجملة (4): فاشتغال الذّمّة بالمثل إن قيّد بالتمكّن لزم الحكم بارتفاعه

____________

للتقييد المزبور فائدة» (1).

و الإيراد النقضيّ على كلام جامع المقاصد هو قوله: «و إلّا لزم .. لوضوح ضعفه» و ما قبله و ما بعده هو الإيراد الحلّي الذي ارتضاه المصنّف و أثبته في المتن.

(1) أي: اعترف المحقّق الثاني بعدم اشتراط التمكّن من المثل في استقرار المثل في الذّمّة استدامة، لأنّه اختار أنّ المعتبر قيمة يوم الإقباض. و لو كان التمكّن من المثل شرطا في صحّة تعلّقه بالغاصب كان اللازم سقوط المثل بمجرّد تعذّره، و تحقّق الانتقال إلى القيمة، و قد قال في جامع المقاصد في شرح قول العلامة (قدّس سرّه): «الخامس القيمة يوم الإقباض» ما نصّه: «هذا هو الأصحّ، لأنّ الواجب هو المثل، فإذا دفع بدله اعتبرت البدليّة حين الدفع، فحينئذ يعتبر القيمة».

و قد نقل المصنف تصريح جامع المقاصد- بما ذهب إليه المشهور- في أوائل هذا الأمر من كون العبرة بقيمة يوم الدفع بقوله: «و قد صرّح بما ذكرنا المحقّق الثاني ..»، فراجع ص (384).

(2) أي: تعذّر المثل بعد تلف العين.

(3) أي: و لعدم دخل التمكّن من المثل في اشتغال الذّمّة به ابتداء لم يذكر أحد التفصيل- في باب القرض بين وجود المثل و عدمه، بأن يقال: مع التمكّن من المثل في المثليّ يثبت في ذمّة المقترض مثله، و مع عدم التمكّن منه يثبت قيمة العين المقترضة، بل أطلقوا القول في ذلك، و قالوا: إنّ العين المقترضة إن كانت مثلية ثبت مثلها في ذمّة المقترض، و إن كانت قيميّة ثبت قيمتها.

(4) هذه خلاصة الخدشة، و محصّل الكلام: أنّ حصر موضع البحث بالتعذّر‌

____________

(1) جواهر الكلام، ج 37، ص 97 و 98

423

بطروء التعذّر، و إلّا لزم الحكم بحدوثه مع التعذّر من أوّل الأمر.

إلّا أن يقال (1): إنّ أدلّة وجوب المثل ظاهرة في صورة التمكّن و إن لم يكن مشروطا به عقلا (2)، فلا تعمّ صورة العجز [1]. نعم (3) إذ طرء العجز فلا دليل على سقوط المثل و انقلابه قيميّا (4).

____________

الطارئ غير سديد، إذ لو كان اشتغال الذّمّة بالمثل مقيّدا بتمكّن الضامن منه لزم الحكم بالانقلاب إلى القيمة بمجرّد التعذّر، سواء طالب المالك به أم لم يطالب، مع أنّهم اشترطوا أداء القيمة بالمطالبة. و هذا يكشف عن عدم إناطة استقرار المثل في العهدة بتيسّره. و لو لم يكن مقيّدا بتمكّن الضامن تعيّن القول بضمان المثل في الأعيان المثليّة حتى مع تعذّره البدوي.

(1) غرضه توجيه ما أفاده العلّامة و المحقّق الثاني (قدّس سرّهما)- من اختصاص موضوع البحث بالتعذّر الطارئ- بما حاصله: أنّ اشتغال الذّمّة بالمثل و إن لم يكن منوطا عقلا و لا عرفا بالتمكّن من أداء ما اشتغلت به الذّمّة، لكن الدليل لا يدلّ إلّا على اشتغال الذّمّة في صورة التمكّن من أدائه، فلا تعمّ صورة العجز الابتدائيّ، فلو وجد المثل- حين تلف العين- اشتغلت العهدة به، سواء أدّاه إلى المالك أم لم يؤده إليه حتى أعوز، فيبقى المثل في الذّمّة إلى إسقاطه بمطالبة المالك.

(2) مرجعه إلى قصور مقام الإثبات عن شمول صورة التعذّر الابتدائي، و قد عرفته.

(3) هذا تتمّة للتوجيه المتقدّم بقوله: «إلّا أن يقال» و غرضه التفصيل في مفاد الدليل بين التعذّر الطاري و الابتدائيّ.

(4) يعني: و مع عدم الدليل على الانقلاب يرجع إلى الاستصحاب.

____________

[1] مجرد العجز لا يكفي في ثبوت القيمة، بل المثبت لها هو اعتبار التمكّن في ثبوت المثل حتّى ينتفي بانتفائه، و يثبت القيمة. و بدون اشتراط التمكّن يدور الأمر بين المثل و القيمة، و لا دليل على تعيّن القيمة.

424

و قد يقال (1) على المحقّق المذكور: إنّ اللازم ممّا ذكره أنّه لو ظفر المالك بالمثل قبل أخذ القيمة لم يكن له المطالبة. و لا أظنّ أحدا يلتزمه (2). و فيه تأمّل (3).

____________

(1) هذا هو الإيراد النقضيّ الذي أورده صاحب الجواهر على المحقّق الكركي (قدّس سرّهما) القائل بضمان قيمة يوم التلف في تعذّر المثل ابتداء.

و حاصل النقض: أنّه لو كان الوجه في الانتقال إلى قيمة وقت التلف عدم تنجّز التكليف بالمثل على الضامن في وقت من الأوقات انتقض كلامه بما إذا كان المثل متعذّرا من أوّل الأمر، و لكن لم يأخذ المضمون له القيمة، ثم وجد المثل.

و الوجه في ورود النقض هو: أنّ المحقّق الكركي يدّعي اشتغال ذمّة الضامن في هذا التعذّر البدويّ بثمن المثل من حين تلف العين المضمونة، و لم يستقرّ في عهدته المثل أصلا، فالتمكّن من المثل بعد التلف لا يوجب تبدّل القيمة به. مع أنّه لا سبيل للالتزام بكفاية دفع القيمة مع وجود المثل.

و هذا كاشف عن غموض ما أفاده المحقّق الثاني من عدم اشتغال الذمّة بالمثل في موارد التعذّر البدويّ. فالصحيح اتّحاد التعذّر البدويّ و الطارئ حكما، هذا.

(2) أي: يلتزم بعدم جواز مطالبة المثل من الضامن إذا تيسّر المثل بعد إعوازه و قبل أخذ القيمة. و الوجه في عدم الالتزام بعدم جواز المطالبة هو اشتغال الذّمّة بالمثل.

(3) تأمّل المصنّف (قدّس سرّه) في ورود هذا النقض على المحقّق الثاني، و ذلك لإمكان الالتزام بجواز المطالبة بالمثل في مورد النقض، و هو لا ينافي اشتغال الذّمّة بالقيمة في التعذّر الابتدائيّ. و الوجه في عدم التنافي بين الحكمين هو: أنّ اشتغال الذّمّة بالمثل مشروط بالتمكّن منه، و لمّا كان متعذّرا حين التلف- كما هو المفروض- قلنا: إنّه لا يتنجّز التكليف بالمثل على الضامن، فإن دفع القيمة سقط المثل عن ذمّته.

____________

ثمّ إنّ الحقّ عدم الفرق في الحكم الوضعي أعني به اشتغال ذمّة الضامن بالمثل بين صورتي التعذّر البدوي و الطاري، كما في القرض و السّلم.

نعم في الحكم التكليفيّ- أعني به وجوب الأداء- يكون بينهما فرق، فإنّه في التعذّر البدويّ يمتنع الوجوب، لامتناع أداء المثل دائما إذا كان التعذّر كذلك، لكنّه لا يمتنع

425

..........

____________

و إن لم يدفعها حتى تيسّر المثل لم تفرغ ذمّته بأداء القيمة، بل يجب عليه دفع المثل، و ذلك لصيرورة كلّ تكليف مشروط فعليّا بفعليّة شرطه، و بهذا يسلم كلام المحقّق الكركي عن نقض صاحب الجواهر (قدّس سرّه).

____________

عن شغل الذّمّة بالمثل. و لا أثر للإعواز بدويّا كان أم طارئا في هذا الحكم الوضعيّ.

نعم توجّه الخطاب بوجوب أداء المثل تكليفا منوط بالقدرة عليه، و فائدة شغل الذّمّة بالمثل هو تقويمه حال الأداء. نعم إذا ثبت إجماع تعبّديّ على انقلاب المثليّ بسبب التعذّر إلى القيميّ كان ذلك مخصصا لما دلّ على ضمان المثليّ بالمثل و القيميّ بالقيمة، لكن ثبوته مشكل، و إلّا لم يقع فيه الخلاف.

و الحاصل: أنّ حكم تعذّر المثل حكم تعذّر العين، لا حكم تلفها، و من المعلوم أنّ تعذّر العين لا يوجب الانتقال إلى القيمة، بل العين تبقى في الذّمّة، و إنّما يجب على الضامن بدل الحيلولة.

و ينبغي التنبيه على أمور: الأوّل: أنّ المراد بالإعواز الواقع في معقد الإجماع هو معناه العرفيّ، لا العقليّ الموقوف على فقدان جميع أفراد الكليّ، لأنّ الإعواز كسائر الألفاظ الواقعة في الكتاب و السنّة و معاقد الإجماعات، فيخصّص الإجماع قاعدة السلطنة المقتضية لتسلّط الناس على مطالبة أموالهم سواء كانت خارجيّة أم ذميّة، فالمالك للمثل الذّمّي مسلّط على مطالبة مثل ماله، إلّا إذا أعوز المثل. فحينئذ ينتقل بسبب الإجماع إلى القيمة. و الإعواز على تفسير العلّامة من عدم وجدانه في البلد و ما حوله لا يناط بالتعذّر و التعسّر.

لكن الظاهر خلافه، لاعتبار المشقّة عرفا في تحقّق الإعواز، فبدون المشقّة لا ينتقل المثل إلى القيمة استنادا إلى عموم سلطنة المالك على مطالبة ماله.

و ما ذكرناه من اعتبار المشقّة في الإعواز هو المتيقّن من معقد الإجماع لو لم يكن ظاهره، و التعبير بالتعذّر إشارة إلى المشقّة العرفيّة، و ليس المراد بالتعذّر التعذّر العقليّ، لعدم إناطة شي‌ء من الأحكام الشرعيّة بالأمور العقليّة. فعلى هذا يمكن أن لا يكون في

426

____________

تحصيل المثل من خارج نواحي البلد لشخص مشقّة، و يكون لغيره مشقّة.

فالأولى إحالة المشقّة إلى العرف. و على أيّ حال يكون التعذّر شخصيّا لا نوعيّا و لو شكّ في تحقّق الإعواز مفهوما لإجماله فالمعوّل قاعدة السلطنة، لكون الشك في التخصيص الزائد، هذا.

لكن الحقّ عدم ثبوت إجماع تعبّديّ على انقلاب المثليّ بتعذّر المثل إلى القيمة، بل المثل باق في الذّمّة حتى بعد التعذّر.

الثاني: أنّه لا فرق في التعذّر بين أن يكون خارجيّا و شرعيّا، كما إذا فرض تنجّس جميع أفراد الكليّ المثليّ بحيث لا يمكن تطهيرها مع توقّف الانتفاع المحلّل بها على طهارتها كالدّهن و الخلّ و نحوهما ممّا لا يقبل التطهير.

الثالث: أنّه لا فرق في التعذّر بين الذاتي كفقدان الأمثال في الخارج، و بين العارضي كعدم وصوله إليه لحبس و نحوه، فإنّ المناط في التعذّر- و هو عدم القدرة العرفية على أداء المثل- موجود في الجميع.

الرابع: هل يجوز للضامن إجبار المالك على أخذ القيمة مع إعواز المثل أم لا؟

الظاهر العدم، إذ ليست القيمة متعلّقة للضمان حتى يجوز للضامن إجباره على أخذ القيمة، بل تعلّق الضمان بالمثل، فللمالك الصبر إلى أن يوجد المثل و عدم أخذ القيمة.

و هل يجوز للمالك إجبار الضامن على أخذ القيمة منه؟ الظاهر ذلك، لقاعدة السلطنة الموجبة لجواز مطالبة ماله مع الإعواز، و الصبر إلى تمكّن الضامن من أداء المثل نفسه.

و دعوى كون إجبار الضامن على أخذ القيمة منه ضررا عليه، فينفى بقاعدته، غير مسموعة، لأنّ أخذ القيمة منه ليس ضررا عليه، بل أداء لما في ذمّته بعد رضا المالك بإلغاء الخصوصيات الدخيلة في متعلّق الضمان أعني به المثل.

إلّا أن يقال: إنّ القيمة ليست مالا للمالك حتى يكون له السلطنة عليها، و إنّما المال الثابت له في الذّمّة هو المثل، فليس له إجبار الضامن بالقيمة.

427

____________

اللّهم إلّا أن يدّعى: أنّ الضمان قد تعلّق بكلّ من المثليّة و الماليّة، و له رفع اليد عن المثليّة و الأخذ بالماليّة. لكن قد تقدّم سابقا ما فيه، فتدبّر.

الخامس: هل العبرة في تقويم المثل مع فرض عدمه بقيمة يوم الإعواز أم يوم الأداء أم يوم المطالبة أم غيرها ممّا بنى عليه في المسألة؟ فلا وجه للترديد بين قيمته في غاية العزّة أو المتوسّط، إذ المفروض تعيّنها بما بني عليه في المسألة من قيمة يوم إعواز المثل أو غيره مما تقدّم. و بعد اختيار قيمة يوم معيّن لا يبقى مجال للترديد بين حالات القيمة ممن كونها في غاية العزّة و متوسّطها.

السادس: هل المدار على قيمة المثل المتعذّر في بلد المطالبة أم في بلد الضمان أم في بلد الأداء إذا اختلفت القيم في البلاد؟ الظاهر أنّ المناط قيمة بلد الأداء، لأنّه بناء على ما هو المشهور المنصور من بقاء المثل في ذمّة الضامن إلى حين الأداء المسقط له لا بدّ من مراعاة قيمة يوم الأداء، سواء كان الأداء في بلد الضمان أم غيره من البلاد. و قد تقدّم سابقا أنّ ارتفاع قيمة المثل المتعذّر من زمان اشتغال الذّمّة به إلى يوم الأداء غير مضمون، لأنّ ماليّة الارتفاع المزبور مالية فرضية، و دليل الضمان لا يشمل غير الماليّة الحقيقية.

نعم لو كانت القيمة مرتفعة بسبب خصوصية بلد التلف فتلك الخصوصية الحافّة بالعين أو المثل مضمونة، فلا بد من ملاحظة مرتبة من الماليّة ناشئة من خصوصية بلد التلف، فإذا كان بلد المطالبة غير بلد التلف، فالمضمون هي القيمة التي روعي فيها خصوصية بلد التلف.

و لو بني على الانتقال إلى القيمة- و كونها بدلا عن المثل عند إعوازه- تعيّن قيمة بلد التعذّر إن كانت مخالفة لبلد المطالبة في مالية المثل، إذ المفروض انقلاب المثل من زمان التعذّر إلى القيمة، فالمتعيّن قيمة يوم إعوازه.

428

[هل مناط تعذّر المثل فقده في البلد و ما حوله؟]

ثمّ إنّ المحكيّ عن التذكرة «أنّ المراد بإعواز المثل: أن لا يوجد في البلد و ما حوله» (1). و زاد في المسالك قوله: «ممّا ينقل عادة منه إليه كما ذكروا في انقطاع المسلم فيه» (2).

____________

هل مناط تعذّر المثل فقده في البلد و ما حوله؟

(1) هذه جهة رابعة ممّا يتعلّق بإعواز المثل، و هي بحث عن تحديد الموضوع أيضا، و أنّ مناط الإعواز هل هو فقد المثل في جميع الأمكنة، أم فقده في خصوص بلد التلف و حواليه أم الرجوع فيه إلى العرف؟

قال في التذكرة: «إذا غصب عينا من ذوات الأمثال و تلفت في يده أو أتلفها و المثل موجود فلم يسلّمه حتى فقد أخذت منه القيمة، لتعذّر المثل، فأشبه غير المثليّ.

و المراد من الفقد أن لا يوجد في ذلك البلد و ما حواليه» (1).

(2) هذا منقول بالمعنى، و إلّا فعبارة المسالك هكذا: «و المراد من الفقدان أن لا يوجد في ذلك البلد و ما حوله ممّا ينقل منه إليه عادة، كما بيّن في انقطاع المسلم فيه» (2).

و حاصل ما أفاده في انقطاع المسلم فيه في بلد البائع- و إمكان تحصيله من بلد آخر- أنّه إن نقله البائع باختيار فهو. و إن لم ينقله إليها، فإن لم يكن في نقله إليها مشقّة أجبر على النقل. و إن كان فيه مشقّة لم يجبر على نقله إلى البلد» (3).

فإن كان مراده (قدّس سرّه) من عدم المشقّة هو اعتياد النقل من خارج البلد إلى بلد المعاملة كان كلامه في بيع السّلم موافقا لما أفاده هنا من تعارف النقل من مكان آخر إلى البلد، و إلّا لم يتّحد مفاد الكلامين، فلاحظ.

____________

(1) تذكرة الفقهاء، ج 2، ص 383، السطر 12

(2) مسالك الأفهام، ج 12، ص 183

(3) مسالك الافهام، ج 3، ص 431

429

و عن جامع المقاصد: «الرجوع فيه (1) إلى العرف».

و يمكن أن يقال (2): إنّ مقتضى عموم وجوب أداء مال الناس (3) و تسليطهم (4) على أموالهم- أعيانا (5) كانت أم في الذّمّة-

____________

(1) قال (قدّس سرّه): «و اعلم أنّ المراد من تعذّر المثل أن لا يوجد في ذلك البلد و ما حواليه. كذا ذكر في التذكرة. و لم يحدّ ما حواليه. و الظاهر أنّ المرجع فيها إلى العرف» (1).

و على هذا التحديد لا يعتبر التعذّر و التعسّر في تحصيل المثل.

ثمّ إنّ ظاهر عبارة القواعد المتقدمة هو كون المرجع في تحديد حوالي البلد العرف، لا في تحديد الإعواز- كما هو ظاهر المتن- فالصواب تأنيث ضمير «فيه».

(2) غرضه (قدّس سرّه) تضييق دائرة الإعواز، و أنّ مقتضى عموم وجوب ردّ الأموال إلى مالكيها هو وجوب ردّها مع وجودها و لو في بلاد نائية، و كان في تحصيلها مئونة كثيرة، فدائرة الإعواز حينئذ تكون أضيق ممّا ذكره المحقّق الكركي (قدّس سرّه).

(3) كقوله (عليه السلام): «المغصوب مردود» (2) بناء على شموله لردّ المثل أو القيمة، و عدم اختصاصه بردّ نفس المغصوب.

(4) كقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «الناس مسلّطون على أموالهم» (3).

(5) خبر مقدّم ل‍ «كانت» و الجملة مبيّنة ل‍ «أموالهم» يعني: لا فرق في سلطنة الملّاك على أموالهم بين كونها أعيانا خارجيّة كالدينار، و الكتاب و الدار و نحوها، أم أعيانا كلّيّة في ذمّة الآخرين، فإنّها أموال أيضا، بشهادة جواز بيعها و شرائها كما تقدّم في أوّل بحث البيع. و لو لا هذا التعميم لم يمكن التمسّك بحديث السلطنة‌

____________

(1) جامع المقاصد، ج 6، ص 245

(2) وسائل الشيعة، ج 17، ص 309، الباب 1 من كتاب الغصب، الحديث 3

(3) عوالي اللئالي، ج 1، ص 222 و 457

430

وجوب (1) تحصيل المثل كما كان يجب ردّ العين أين ما كانت، و لو كانت في تحصيله مئونة كثيرة (2)، و لذا (3) كان يجب تحصيل المثل بأيّ ثمن كان. و ليس (4) هنا تحديد التكليف بما عن التذكرة.

نعم لو انعقد الإجماع على ثبوت القيمة عند الإعواز تعيّن ما (5) عن جامع المقاصد.

____________

لإثبات جواز مطالبة المالك من الضامن بدل ماله التالف أو المتلف، لوضوح عدم كون ما في الذّمّة عينا خارجيّة حتى يتسلّط المالك عليها.

(1) خبر قوله: «إنّ مقتضى» يعني: أنّ مقتضى عموم الأدلّة وجوب تحصيل المثل على الضامن، كما يجب عليه ردّ العين أينما كانت.

(2) كما تقدّم تفصيله في الأمر الخامس.

(3) أي: و لأجل اقتضاء الأدلّة العامّة وجوب تحصيل المثل كان تحصيله واجبا بأيّ ثمن كان.

(4) غرضه الإيراد على ما أفاده العلّامة (قدّس سرّه) في التذكرة من إناطة وجوب أداء المثل على الضامن بتيسّره في البلد و حواليه. و محصّل الإيراد: أنّ مقتضى عموم الأدلّة وجوب أداء المثل حتى لو توقف على نقله من بلد بعيد عن بلد الضمان أو المطالبة، و بهذا يتضيّق دائرة الإعواز و الانقلاب إلى القيمة، هذا.

و يحتمل أن يكون ما في التذكرة تحديدا لجواز مطالبة المالك للضامن بالقيمة، لا لانقلاب المثل بها، و إن كان يجب على الضامن تحصيل المثل.

(5) من الرجوع في معنى الإعواز إلى العرف، لأنّ الإعواز الواقع في معقد الإجماع كغيره- من الألفاظ الواقعة في الكتاب و السنّة و معاقد الإجماعات- في الرجوع في مفاهيمها إلى العرف، فيكون الإجماع مخصّصا لعموم دليل السلطنة، و تختص سلطنة المطالبة بالمثل بما إذا كان موجودا في البلد و نواحيه.

و عليه فقوله: «نعم لو انعقد» تقييد لعموم ما دلّ على وجوب أداء مال الناس و سلطنتهم على أموالهم، سواء توقّف الرّدّ على تحمّل مشقّة أم لا.

431

كما أنّ (1) المجمعين إذا كانوا بين معبّر بالإعواز و معبّر بالتعذّر كان (2) المتيقّن الرجوع إلى الأخصّ- و هو المتعذّر- لأنّه المجمع عليه.

____________

(1) غرضه: أنّه لو تمّ الإجماع على ثبوت القيمة عند إعواز المثل ترتّب عليه أمران:

أحدهما: تقييد إطلاق الأدلّة العامّة المقتضي للفحص عن المثل في سائر البلاد، و نقله إلى بلد المطالبة مقدّمة لأدائه إلى المالك.

ثانيهما: الاقتصار في تقييد الإطلاق على القدر المتيقّن، و الرجوع فيما عداه إلى الإطلاق.

توضيحه: أنّ الأصحاب- الّذين أجمعوا على انتقال الضمان من المثل المتعذّر إلى القيمة- عبّروا تارة ب‍ «فإن تعذّر المثل ضمن قيمته يوم الإعواز» و اخرى ب‍ «و لو أعوز المثل».

و الظاهر أنّ «التعذّر» أخصّ من «الإعواز» لظهور التعذّر في فقدان جميع أفراد الكلّيّ حقيقة، بخلاف الإعواز الذي يراد منه معناه الإضافيّ، و هو فقدان الأمثال في البلد و نواحيه، و إن كانت موجودة في سائر البلدان. و لمّا كان التعذّر أضيق دائرة من الإعواز توقّف تقييد الأدلّة العامّة على صدق «التعذّر» و يرجع في ما عداه إلى الإطلاق المقتضي لجواز المطالبة بالمثل، لعدم اتفاقهم على انتقال الضمان إلى القيمة بمجرّد الإعواز.

هذا بناء على عدم ترادف اللفظين في عبارات المجمعين، و إلّا فبناء على إرادة معنى واحد منهما و من «الفقد» المذكور في عبارتي التذكرة و القواعد- بأن يراد التعذّر الحقيقيّ في الجميع، أو العرفيّ الإضافيّ كذلك- لم يختلف الحال في تقييد الأدلّة العامّة، لعدم كون التعذّر أخصّ من الإعواز حينئذ. و كذا الحال إذا كان كلّ من الأعمّ و الأخصّ مذكورا في بعض معاقد الإجماعات، إذ لا ينافي الإجماع على الأخصّ الإجماع على الأعمّ.

(2) جواب «إذا كانوا» يعني: كان المتيقّن في رفع اليد عن عموم مثل دليل السلطنة الرجوع إلى الأخصّ.

432

نعم (1) ورد في بعض (2) أخبار السّلم: «أنّه إذا لم يقدر المسلم إليه (3) على

____________

(1) استدراك على ما تقدّم من تعيّن الاقتصار على عنوان «التعذّر» لكونه أخصّ من «الإعواز» و حاصله: أنّ المراد بالتعذّر ليس هو فقد جميع أفراد الكلّيّ حقيقة، بل المراد به التعذّر العرفيّ المساوق للإعواز، و ذلك بشهادة ما ورد في أخبار السّلم من: أنّ عدم القدرة على إيفاء المسلم فيه يوجب الخيار للمشتري. و من المعلوم أنّ المراد به التعذّر العرفيّ المتحقق بفقد المسلم فيه في البلد و حواليه.

و عليه فتعبير عدّة من المجمعين ب‍ «لو تعذّر المثليّ» محمول على عدم حصول المثل عادة لا عقلا. فما تقدّم من قوله: «كان المتيقّن الرجوع إلى الأخصّ» ممنوع، إذ لا أخصّيّة و لا أعمّيّة بين عنواني التعذّر و الإعواز، بل هما متساويان في الصّدق.

(2) كمعتبرة الحلبي، قال: «سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل أسلم دراهمه في خمسة مخاتيم من حنطة أو شعير إلى أجل مسمّى، و كان الذي عليه الحنطة و الشعير لا يقدر على أن يقتضيه جميع الّذي له إذا حلّ، فسأل صاحب الحقّ أن يأخذ نصف الطعام أو ثلثه أو أقلّ من ذلك، أو أكثر، و يأخذ رأس مال ما بقي من الطعام دراهم؟

قال: لا بأس. و الزّعفران يسلم فيه الرجل دراهم في عشرين مثقالا أو أقلّ من ذلك أو أكثر. قال: لا بأس إن لم يقدر الذي عليه الزعفران أن يعطيه جميع ماله أن يأخذ نصف حقّه أو ثلثه أو ثلثيه، و يأخذ رأس مال ما بقي من حقّه درهم [دراهم]» (1).

و الغرض أنّ كلمة «لا يقدر» التي وردت تارة في سؤال السائل و قرّره الامام (عليه السلام)، و أخرى في ذيل الرواية في كلامه (عليه السلام) لا يراد بها التعذّر العقليّ، بل المراد هو العرفيّ. و قد عبّر عنه في نصوص أخر بالعجز و عدم الوجدان و نحوهما، و المقصود- كما تقدّم حكايته عن المسالك- هو الانقطاع في البلد و نواحيه.

(3) و هو البائع.

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 13، ص 69، الباب 11 من أبواب السلف، الحديث: 7

433

إيفاء المسلم فيه تخيّر (1) المشتري» و من المعلوم أنّ المراد بعدم القدرة ليس التعذّر العقليّ المتوقّف على استحالة النقل من بلد آخر، بل الظاهر منه عرفا [1] ما عن التذكرة (2). و هذا (3) يستأنس به للحكم فيما نحن فيه.

____________

(1) تخيير المشتري- بين الفسخ و الانتظار إلى أن يتمكّن البائع من تسليم المبيع سلما- يستفاد من معتبرة عبد اللّه بن بكير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)- عند عجز البائع عن إيفاء المسلم فيه-: «فليأخذ رأس ماله أو لينظره» (1).

(2) و هو قوله: «و المراد من الفقدان أن لا يوجد في ذلك البلد و ما حواليه» (2).

(3) يعني: أنّ الحكم في باب السّلم إذا علّق على عدم القدرة- المنزّلة على الموضوع العرفيّ دون العقليّ- استؤنس به للحكم في ما نحن فيه و هو تعذّر المثل، و قد تقدم في عبارة المسالك جعل التعذّر في المقامين من باب واحد.

و الحاصل: أنّ المناسب أن يكون المناط في المقامين واحدا، بأن يقال: إنّ المراد بالتعذّر فيهما هو العرفيّ. هذا تمام الكلام في الجهة الرابعة من جهات البحث في إعواز المثل.

____________

[1] إذا كان الظاهر من عدم القدرة في أخبار السلم معناه العرفي، فليكن التعذّر في المقام كذلك. إلّا أن يكون الفرق بينهما بعدم تصوّر التعذّر المطلق في موارد نصوص أخبار السّلم من الجذع و الحنطة و غيرهما، فإنّ هذه الموارد قرينة على عدم إرادة التعذّر المطلق من تلك الأخبار، فالمراد التعذّر العرفي. بخلاف المقام، فإنّه ليس فيه قرينة على إرادة التعذّر العرفي، فيراد منه التعذّر المطلق.

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 13، ص 72، الباب 11 من أبواب السلف، الحديث 14

(2) تذكرة الفقهاء، ج 2، ص 383، السطر 16

434

[المعيار في قيمة المثل المتعذّر]

ثمّ إنّ (1) في معرفة قيمة المثل مع فرض عدمه إشكالا، من (2) حيث إنّ العبرة بفرض وجوده و لو في غاية العزّة كالفاكهة في أوّل زمانها أو آخره (3)، أو وجود (4) المتوسّط؟

____________

المعيار في قيمة المثل المتعذّر

(1) هذه هي الجهة الخامسة، و حاصلها: أنّ قولهم: «إذا تعذّر المثل وجبت قيمته» يواجه إشكالا، و هو: أنّ المثل إن كان موجودا أمكن معرفة قيمته، سواء أ كانت أعلى من قيمته السوقيّة أم لا. و إن لم يكن موجودا- كما هو المفروض- لم يكن سبيل إلى معرفة قيمته حتى يؤدّيها الضامن إلى المالك، إلّا بفرض وجود المثل.

و لمّا كان المثليّ ذا أسعار متفاوتة بتفاوت الأزمنة، فهل يلزم تقويم المثليّ بأعلى القيم كما هو الحال في الفاكهة أوّل أوانها، و كذا في آخرها، أم أنّ المناط قيمته في أوساط زمان وجوده، بحيث يكون أقل قيمة في هذه الفترة؟ فيه احتمالان. اختار المصنّف (قدّس سرّه) اعتبار قيمته في أوّل زمان وجوده و آخره، بشرط أن يرغب العرف في شرائه، فلو ارتفع سعر المتاع بحدّ لا يرغب في معاملته إلّا القليل منهم لم يكن عبرة به أصلا. فالمدار حينئذ على قيمته العالية في أوّل وجوده و آخره بشرط إقبال النوع على بيعه و شرائه، هذا.

(2) هذا بيان الاشكال، و قد عرفته آنفا.

(3) أي: آخر زمان الفاكهة، يعني: أنّ العبرة بعزّة وجود الفاكهة سواء في أوّل أوانها أم آخرها.

(4) عطف على «في غاية العزّة» يعني: أنّ العبرة بقيمة متوسّطة بين زماني عزّة الفاكهة، و هو أوان وفورها، فيقال: إنّ هذه الفاكهة لو كانت موفورة كان قيمتها كذا درهما مثلا، و هذا هو قيمتها المضمونة في ظرف الإعواز و التعذّر، لا قيمتها في زمان عزّتها و غلائها.

435

الظاهر هو الأوّل (1) [1] لكن مع فرض وجوده بحيث (2) يرغب في بيعه و شرائه، فلا عبرة بفرض وجوده (3) عند من يستغني عن بيعه، بحيث (4) لا يبيعه إلّا إذا بذل له عوض لا يبذل الراغبون في هذا الجنس بمقتضى رغبتهم.

____________

(1) و هو كون العبرة بفرض المضمون في زمان عزّته و ارتفاع قيمته، لا في زمان وفوره و تنزّل قيمته.

(2) هذا قيد للقيمة المضمونة، و حاصله- كما تقدّم بيانه- أنّ المثل المتعذّر تارة يفرض وجوده في بعض الأزمنة بنحو يرغب في اقتنائه كثير من الناس، كالفاكهة في أوّل وقتها، ضرورة كونها أغلى قيمة من زمان وفورها و هو الزمان المتوسّط بين أوّل أوانها و آخرها. لكن يبذل العقلاء هذه القيمة الغالية لتحصيلها.

و اخرى يفرض وجوده بنحو لا يرغب النوع في تحصيله، لارتفاع قيمته جدّا.

و كون ثمنه مجحفا بحيث لا يبذله إلّا القليل من أغنياء الناس. نعم قد يضطرّ عامّة الناس إلى شرائه لعلاج مثلا مهما كان ثمنه، لكن المناط في المقام هو الرغبة في تحصيله في الحالات العاديّة، لا حالة الاضطرار و الإلجاء.

و المناط في تقويم المثل المتعذّر هو الفرض الأوّل، أي: بذل ثمن المثل في زمان عزّته، لكن لا مطلقا، بل خصوص الثمن الذي يبذله غالب الناس، هذا.

(3) الضمائر البارزة من «وجوده» إلى «يبيعه» راجعة إلى المثل المتعذّر.

(4) هذا بيان للاستغناء عن بيع المثل، يعني: فوجود هذا المثل لا يقدح في صدق التعذّر.

____________

[1] بل المتعيّن هو قيمة المثل فيما بني على زمان التقويم من يوم الإعواز، أو يوم المطالبة، أو يوم الدفع فالنزاع المزبور لا مورد له، فلا وجه للإشكال المذكور في المتن، لأنّ منشأ الاختلاف إن كان اختلاف الفصول، فتعيين قيمة يوم التعذّر أو غيره يرفع الاشتباه. و إن كان منشؤه اختلاف الأيّام في عزة الوجود و ذلّته فالتعيين المزبور أيضا يرفع الاشتباه. و إن كان منشؤه اختلاف الأمكنة و البلدان فسيأتي الكلام فيه إن شاء اللّه تعالى.

436

نعم (1) لو ألجئ إلى شرائه لغرض آخر بذل ذلك (2)، كما لو فرض الجمد في الصيف عند ملك العراق، بحيث لا يعطيه (3) إلّا أن يبذله (4) بإزاء عتاق الخيل و شبهها (5). فإنّ (6) الراغب في الجمد في العراق من حيث إنّه راغب (7) لا يبذل هذا العوض بإزائه، و إنّما يبذله من يحتاج إليه لغرض آخر (8) كالإهداء إلى سلطان قادم إلى العراق مثلا، أو معالجة (9) مشرف على الهلاك به، و نحو ذلك من الأغراض، و لذا (10) لو وجد هذا الفرد من المثل لم يقدح في صدق التعذّر

____________

(1) هذا استدراك على قوله: «لا يبذل الراغبون» يعني: أنّ عامّة الناس الّذين لا يبذلون الثمن الكثير- لشراء سلعة في حال الاختيار- قد يبذلونه عند عروض عنوان ثانويّ كالعلاج، كشراء بعض الفواكه الشتويّة في فصل الصيف بأضعاف قيمتها في الشتاء- حتى في أوّل أوانها- لكن هذا ليس معيارا لتقويم المثل المتعذّر.

(2) أي: ذلك العوض الكثير.

(3) أي: أنّ الملك لا يعطي الجمد و الثلج مجّانا، كما لا يعطيه بإزاء عوض متعارف، بل يعطيه في قبال الخيل الجياد ذات القيمة الغالية جدّا.

(4) أي: يبذل الملك الجمد بإزاء جياد الخيل.

(5) كالجواهر و الأحجار الكريمة التي تباع بأغلى الثمن.

(6) تعليل لقوله: «فلا عبرة بفرض وجوده» و قد عرفته آنفا.

(7) يعني: من حيث إنّه راغب في تحصيل الجمد على الوجه المتعارف، لا من حيث إنّ رغبته في الجمد يكون لغرض آخر يقتضي بذل ثمن كثير بإزائه.

(8) فإنّ هذا المثال أجنبي عن المقام، لأنّ العبرة في القيمة بالقيمة السوقيّة، لا ما يطلبه المالك اقتراحا.

(9) معطوف على «الاهداء» و ضمير «به» راجع إلى الجمد، و متعلّق ب‍ «معالجة».

(10) أي: و لأجل إناطة فرض وجود المثل بغرض غير نادر الوقوع، فلو وجد هذا الفرد من المثل لم يقدح في صدق التعذّر، و لا يوجب جريان حكم وجود المثل عليه.

437

كما ذكرنا في المسألة الخامسة (1). فكلّ (2) موجود لا يقدح وجوده في صدق التعذّر، فلا عبرة بفرض وجوده (3) في التقويم عند عدمه.

[هل العبرة بقيمة بلد التلف أو المطالبة أو أعلى القيمتين؟]

ثمّ إنّك (4)

____________

(1) حيث قال فيها: «و أمّا إن كان لأجل تعذّر المثل و عدم وجدانه إلّا عند من يعطيه بأزيد مما يرغب فيه الناس .. إلخ» فراجع (ص 366).

(2) هذه نتيجة كون المعيار في قيمة المثل المتعذّر بفرض وجوده بنحو يرغب في شرائه الناس و لو بثمن غال، لكونه في أوان عزّة وجوده. و على هذا فلا عبرة بوجوده عند مثل السلطان، فهذا الوجود ملحق بالتعذّر، و لا يكون مناطا للقيمة التي يجب على الضامن أداؤها إلى المالك.

(3) هذا الضمير و ضمير «عدمه» راجعان إلى المثل، يعني: أنّ وجوده عند الملك مثلا ليس معيارا للتقويم عند فقد المثل في الظروف المتعارفة. و بهذا ينتهي الكلام في الجهة الخامسة.

هل العبرة بقيمة بلد التلف أو المطالبة أو أعلى القيمتين؟

(4) هذه سادسة الجهات المبحوث عنها في مسألة إعواز المثل في ضمان العين المثليّة التالفة أو المتلفة. و حاصلها: أنّ المالك يجوز له المطالبة بالمثل- عند وجوده- مطلقا سواء أ كان بقيمته المتعارفة أم بأزيد منها، و سواء أ كان في بلد المطالبة أم في مكان آخر. و الوجه فيه: ما تقدّم من اشتغال عهدة الضامن بالمثل، فيتعيّن عليه أداؤه، خصوصا مع مطالبة ذي الحق.

و أمّا إذا تعذّر المثل في بلدي التلف و المطالبة، و اختلفت قيمته فيهما، بأن كان ثمنه في بلد التلف عشرة دنانير مثلا، و في بلد آخر اثني عشر دينارا، فهل يستحقّ المالك المطالبة بالقيمة العليا أم لا؟ فيه وجوه ثلاثة.

أوّلها: تعيّن قيمة المثل في بلد تلف العين.

438

قد عرفت (1) أنّ للمالك مطالبة الضامن بالمثل عند تمكّنه و لو كان في غير بلد الضمان، و كان قيمة المثل هناك أزيد (2).

و أمّا مع تعذّره و كون قيمة المثل في بلد التلف مخالفا لها في بلد المطالبة، فهل له (3) المطالبة بأعلى القيمتين، أم يتعيّن قيمة بلد المطالبة، أم بلد التلف؟

وجوه (4) [1]

____________

ثانيها: تعيّن قيمته في بلد المطالبة.

ثالثها: أعلى القيمتين. و سيأتي وجه كلّ منها إن شاء اللّه تعالى.

(1) يعني: في أواخر المسألة الخامسة، حيث قال: «ثمّ إنّه لا فرق في جواز مطالبة المالك بالمثل بين كونه في مكان التلف أو غيره .. إلخ» فراجع (ص 369).

(2) و ذلك لأنّ المضمون هو المثل، فلا بدّ من أدائه إلى المالك من دون لحاظ قيمته.

(3) أي: للمالك.

(4) أمّا الاعتبار ببلد التلف فلعلّه مبنيّ على انقلاب ما في الذّمّة من المثل إلى القيمة، و كون القيمة قيمة العين، لأنّ دخالة خصوصية بلد التلف في ماليّة العين تقتضي لزوم جبران تلك الماليّة في بلد المطالبة إن كان غير بلد التلف، فإنّ تلك المرتبة من الماليّة الناشئة من خصوصيّة بلد تلف العين لا بدّ من تداركها، لفرض كونها ماليّة تحقيقيّة، لا تقديريّة حتى لا تضمن.

و أمّا الاعتبار ببلد المطالبة فلعلّه مبنيّ على بقاء العين أو المثل في الذّمّة إلى زمان المطالبة، إذ القيمة الّتي يدفعها الضامن تكون قيمة لما في الذّمّة، فإذا استحقّ‌

____________

[1] الأوجه أن يقال- كما أفيد- في إتلاف المال في بلد و مصادفة المالك للمتلف في بلد آخر لا يوجد مثله فيه مع اختلاف قيمة ذلك البلد لقيمة بلد التلف: إنّ العبرة بقيمة بلد المطالبة، لبقاء المثل في الذّمّة، فللمالك مطالبته به متى شاء و أينما شاء، لأنّ الحقّ له، فالمناط قيمة زمان الدفع و مكانه، فحال المكان حال الزمان في ذلك.

439

و فصّل الشيخ (1) في المبسوط في باب الغصب

____________

المالك المطالبة به في بلد معيّن استحقّ تطبيق ما في الذّمّة على الفرد الخارجيّ في ذلك البلد، فتكون خصوصيّة البلد من قيود ما يستحقه المالك، فلا بدّ من دخلها في التقويم.

و أمّا اعتبار أعلى القيمتين فهو مبنيّ على ضمان ارتفاع القيم، و كون المضمون الجامع بين العين و المثل، و بقاء المثل في الذّمّة إلى زمان المطالبة. و لكن قد تقدّم عدم ضمان القدر المشترك بين التالف و الموجود.

(1) لا بأس بنقل جملة من كلامه وقوفا على حقيقة الأمر، قال (قدّس سرّه): «إذا غصب منه مالا مثلا بمصر فلقيه بمكّة، فطالبه به، لم يخل من أحد أمرين، إمّا أن يكون لنقله مئونة، أو لا مئونة لنقله. فإن لم يكن لنقله مئونة كالأثمان، فله مطالبته به، سواء كان الصّرف في البلدين متّفقا أو مختلفا، لأنّه لا مئونة في نقله في العادة. و الذّهب لا يقوّم بغيره، و الفضّة لا يقوّم بغيرها إذا كانا مضروبين. و إن كان لنقله مئونة لم يخل من أحد أمرين، إمّا أن يكون له مثل أو لا مثل له. فإن كان له مثل كالحبوب و الأدهان نظرت. فإن كانت القيمتان في البلدين سواء كان له مطالبته بالمثل، لأنّه لا ضرر عليه في ذلك. و إن كانت القيمتان مختلفتين فالحكم فيما له مثل و فيما لا مثل له سواء، فللمغصوب منه إمّا أن يأخذ من الغاصب بمكّة قيمته بمصر، و إمّا أن يدع حتّى يستوفي ذلك منه بمصر، لأنّ في النقل مئونة، و القيمة مختلفة، فليس له أن يطالبه بالفضل .. إلخ» (1).

و هذه العبارة و إن كانت بظاهرها أجنبيّة عن محلّ البحث- من تعذّر المثل في بلد التلف و المطالبة- لاختصاصها بصورة وجود المثل في بلد المطالبة، و لذا يتفرّع عليه أنّ القيمة المدفوعة إلى المالك هي بدل الحيلولة. لكنّ المناسبة- الداعية لتعرّض كلام الشيخ هنا- هي اتّحاد حكم المثليّ مع القيميّ فيما لو اختلفت قيمة المثل في بلدي‌

____________

(1) المبسوط في فقه الإمامية، ج 3، ص 76

440

«بأنّه إن لم يكن في نقله (1) مئونة كالنقدين فله المطالبة بالمثل، سواء كانت القيمتان مختلفتين أم لا. و إن كان في نقله مئونة فإن كانت (2) القيمتان متساويتين كان له المطالبة أيضا (3)، لأنّه (4) لا ضرر عليه في ذلك، و إلّا (5) فالحكم أن يأخذ قيمة بلد التلف، أو يصبر

____________

التلف و المطالبة، و توقّف نقل المثل على مئونة، كما هو صريح قوله: «و إن كانت القيمتان مختلفتين فالحكم فيما له مثل و فيما لا مثل له سواء» و أنّ المالك مخيّر بين مطالبة قيمة بلد التلف و بين الانتظار حتى العود إلى بلد التلف لاستيفاء المثل.

(1) أي: في نقل المغصوب. و هذا هو الشقّ الأوّل في عبارة المبسوط، و محصّله:

جواز مطالبة المالك بالمثل في غير بلد الغصب و الضمان، سواء اتّحدت قيمة المثل في البلدين أم لا.

(2) هذا هو الشقّ الثاني، و هو تساوي قيمة بلد الغصب و المطالبة مع توقّف النقل على مئونة. و حكمه جواز المطالبة في غير بلد الضمان.

(3) يعني: كالشقّ الأوّل الذي لم يتوقّف نقل المثل- من بلد الغصب إلى بلد المطالبة- على نفقة.

(4) الضمير للشأن، و هذا تعليل لجواز المطالبة بالمثل في غير بلد الغصب، و محصّله: أنّ الضامن لا يتضرّر بأداء المثل إلى المالك، لفرض تساوي قيمته في البلدين.

(5) هذا هو الشقّ الثالث، يعني: و إن لم تكن القيمتان متساويتين- مع توقّف النقل على مئونة- صار المثليّ كالقيميّ في أنّ المالك يتخيّر بين أخذ قيمة المثل في بلد التلف، و بين الصبر حتى الرجوع الى بلد التلف، و أداء المثل فيه إلى المالك.

441

حتى يوفيه بذلك البلد» [1] ثمّ قال: «إنّ الكلام في القرض كالكلام في الغصب» (1).

و حكي نحو هذا (2) عن القاضي أيضا، فتدبّر (3).

____________

(1) بخلاف السّلم، فليس للمشتري مطالبة المسلم فيه- و لا بدله- في غير بلد العقد، سواء أ كان لنقله مئونة أم لا. كذا أفاده شيخ الطائفة (قدّس سرّه) تلو عبارته المتقدّمة.

(2) أي: حكي نحو هذا التفصيل عن القاضي (1) كما حكي عن شيخ الطائفة (قدّس سرّهما).

(3) لعلّه إشارة إلى: أنّ هذا التفصيل بشقوقه أجنبيّ عن موضوع البحث، لأنّ مورد كلامه هو صورة وجود المثل في بلدي التلف و المطالبة، و مورد البحث هو تعذّر المثل، فكان الأنسب نقل كلام المبسوط في ذيل الفرع المتقدّم في الأمر الخامس في قبال قول الحلّيّ و العلّامة و الفخر و الشهيد (قدّس سرّهم) القائلين بجواز مطالبة المثل عند التمكّن منه مطلقا كما صنعه في الجواهر.

مع أنّ الشقّ الأوّل من تفصيله راجع إلى جواز المطالبة في غير بلد التلف من دون تعرض فيه لتعيين القيمة. و الشق الثاني راجع إلى جواز المطالبة في صورة تساوي‌

____________

[1] الحق أن يقال: إنّ اعتبار زمان القيمة كاعتبار مكانها. فعلى القول ببقاء العين أو المثل على العهدة فالعبرة بقيمة بلد الأداء، كما تقدّم في زمان الأداء. و لا فرق بين الزمان و المكان من هذه الجهة.

و على القول بأنّ أداء القيمة عند تعذّر المثل غرامة للعين. فالعبرة بقيمة بلد تلف العين.

و على القول بكون التعذّر موجبا لضمان القيمة، فالتعذّر البدويّ موجب لضمان قيمة بلد التلف، و التعذّر الطاري موجب لضمان قيمة بلد التعذّر. و في جميع الصور لا بدّ من لحاظ الأوصاف الدخيلة في الرغبات و الماليّة.

____________

(1) المهذب، للقاضي ابن البرّاج، ج 1، ص 443

442

و يمكن أن يقال (1): إنّ الحكم باعتبار بلد القرض، أو السّلم (2)- على القول به

____________

القيمتين، و هو غير محلّ الكلام. و الشقّ الثالث راجع إلى عدم جواز المطالبة بالمثل في غير بلد التلف، و موضوعه وجود المثل، و هو غير محلّ البحث.

(1) الظاهر أنّ غرضه (قدّس سرّه) من هذه العبارة المناقشة في تفصيل المبسوط، و بيانه:

أنّ قوله في الشّقّ الثالث: «و إلّا فالحكم أن يأخذ قيمة بلد التلف أو يصبر حتى يوفيه بذلك البلد» مشكل، لاقتضاء أدلّة الضمان- كآية الاعتداء بالمثل- اشتغال عهدة الضامن ببدل المغصوب، و للمالك مطالبته منه، سواء أ كانا في بلد الضمان أم في بلد آخر، و سواء تساوت القيم في البلدين أم اختلفت. و لا مقيّد في البين حتى يختصّ جواز المطالبة بما إذا كانا في بلد الضمان، أو تساوت القيمتان في البلدين. بل مقتضى إطلاق الدليل استحقاق المطالبة في بلد آخر حتى إذا كانت القيمة فيه أزيد من بلد الضمان. مع أنّ شيخ الطائفة (قدّس سرّه) منع المالك من مطالبة الزيادة، و خيّره بين مطالبة قيمة المثل في بلد الضمان و بين الانتظار حتى يؤدّي الضامن البدل في بلد الضمان.

نعم نقول باستحقاق المطالبة بالبدل في خصوص بلد القرض و السّلم، و ذلك لانصراف إطلاق العقد إليه و عدم تقييده بأداء المضمون في مكان آخر كانصراف إطلاق عقد البيع إلى نقد بلد المعاملة لا نقد بلد آخر. و أمّا الغصب و ما بحكمه- كالمقبوض بالبيع الفاسد- فلا عقد حتى يختصّ استحقاق مطالبة البدل ببلد الضمان، بل مقتضى إطلاق دليل الضمان جواز المطالبة به في بلد آخر حتى مع تفاوت القيمتين.

(2) قد عرفت فيما نقلناه عن المبسوط أنّ شيخ الطائفة (قدّس سرّه) ألحق القرض بالغصب، و مقتضاه جريان الشقوق الثلاثة فيه، و لم يحكم بتعيّن بلد القرض، و إنّما صرّح بتعيّن بلد العقد في بيع السّلم خاصّة.

و كيف كان فالفرق بين القرض و السّلم- بنظر شيخ الطائفة- لا يدفع إشكال المصنف عليه، لأنّ غرضه إبداء الفارق بين الغصب و ما بحكمه، و بين القرض و السّلم.

443

مع الإطلاق- لانصراف (1) العقد إليه، و ليس [1] في باب الضمان ما يوجب هذا الانصراف (2).

[لحوق حكم سقوط المثل عن الماليّة بتعذّره]

بقي الكلام في أنّه هل يعدّ (3) من تعذّر المثل خروجه عن القيمة كالماء على الشاطئ إذا أتلفه في مفازة، و الجمد في الشتاء إذا أتلفه في الصيف، أم لا؟

الأقوى- بل المتعيّن- هو الأوّل (4)،

____________

(1) خبر «إنّ» و ضمير «اليه» راجع إلى بلد القرض أو السّلم.

(2) فالفارق بين الغصب و القرض و السّلم فقدان الانصراف في الأوّل، لانتفاء موضوعه أعني به العقد. بخلاف القرض و السّلم، فإنّ عقدهما منصرف إلى بلد العقد.

هذا ما يتعلق بالجهة السادسة.

لحوق حكم سقوط المثل عن الماليّة بتعذّره

(3) هذه سابعة جهات البحث في الأمر السادس، و تفترق عن الجهات الستّ المتقدّمة في أنّ الكلام في هذه الجهة ليس في إعواز المثل و عدم وجوده خارجا، بل في إلحاق سقوطه عن الماليّة بتعذّره حتى ينقلب الضمان إلى القيمة مع تيسّر الكلّي المثليّ، و ذلك كالماء إذا أتلفه في مفازة، فأراد أداء مقدار مساو له على شاطئ النهر، و المفروض عدم مالية الماء عليه، فهل يكفي ردّ المثل، أم يجب ردّ قيمة التالف في زمان الضمان و مكانه، أم قيمة المثل آنا قبل سقوطه عن الماليّة؟ وجوه، ستأتي.

(4) و هو كون سقوط المثل عن القيمة كتعذّر المثل، لأنّ المماثلة المعتبرة في ضمان‌

____________

[1] إلّا أن يقال: إنّ المنساق من أدلّة الضمانات أيضا اعتبار بلد التلف، أو البلد الذي وصل إليه العين، إذ مقتضى المماثلة و البدليّة المستفادة من التغريم ذلك، فإذا اختلفت القيم باختلاف الأمكنة، فلا بدّ من اعتبار قيمة بلد تلف العين، أو بلد وصولها إليه، فلا يبقى حينئذ فرق بين المقام و القرض و السّلم.

444

بل حكي عن بعض (1) نسبته إلى الأصحاب و غيرهم، و المصرّح (2) به في محكيّ التذكرة و الإيضاح و الدروس قيمة المثل في تلك المفازة (3).

____________

المثل يراد بها المماثلة في الحقيقة النوعيّة و الماليّة، إذ المماثلة في الحقيقة النوعيّة فقط- بأن تشملهما حقيقة واحدة كصدق طبيعة الماء و الجمد على الماء على الشاطئ و الثلج في الشتاء مثلا، من دون الماليّة- لا توجب المماثلة المقصودة في باب الضمان، و هي المماثلة في الحقيقة و الماليّة معا.

(1) الحاكي هو السيّد العاملي (قدّس سرّه): «و في جامع المقاصد نسبته إلى الأصحاب و غيرهم» (1). و عبارة المحقّق الكركي (قدّس سرّه) هذه: «فالمختار هو وجوب القيمة، و لا محيد عن مختار الأصحاب و غيرهم في ذلك» (2).

و ظاهر نسبته إلى الأصحاب إجماعهم على الانتقال إلى القيمة.

(2) الظاهر أنّ غرضه الخدشة في الإجماع المستفاد من كلام المحقّق الكركي (قدّس سرّه) و ذلك لأنّهم اختلفوا في القيمة المستقرّة في عهدة الضامن، هل هي قيمة المغصوب كالثلج التالف في الصيف، أم قيمة المثل؟ ذهب العلّامة في التذكرة و القواعد، و فخر المحققين و الشهيد (3) إلى اعتبار قيمة المثل في مثل تلك المفازة- في مثال إتلاف الماء في الصيف- أو قيمة مثل ذلك الجمد. و ذهب المحقّق الكركي إلى ضمان قيمة المغصوب (4)، لا المثل، و معه كيف يدّعى الإجماع على ضمان قيمة المغصوب؟

(3) يعني: أنّ العبرة في تقويم المثل- الذي سقط عن القيمة- بقيمته في تلك المفازة، أي: قيمته في المكان الذي أتلفه فيه.

____________

(1) مفتاح الكرامة، ج 6، ص 252

(2) جامع المقاصد، ج 6، ص 258

(3) تذكرة الفقهاء، ج 2، ص 383؛ إيضاح الفوائد، ج 2، ص 177؛ الدروس الشرعية، ج 3، ص 113

(4) جامع المقاصد، ج 6، ص 255

445

و يحتمل آخر مكان أو زمان سقط المثل به عن الماليّة (1) [1].

____________

(1) بناء على عدم ضمان ارتفاع القيمة السوقيّة و انحطاطها. فحينئذ يكون المضمون آخر زمان أو مكان ماليّته، لأنّه بعد فرض ضمان ماليّة المال المضمون كنوعيّته- و عدم ضمان ارتفاع القيمة السوقيّة- يكون المدار في الضمان آخر أزمنة و أمكنة ماليّته، بمعنى سقوطه عن الماليّة بعد ذلك الزمان و المكان.

مثلا إذا كان قيمة إناء الماء في المفازة درهمين، فتوجّها نحو الشاطئ، و تنزّلت قيمته إلى نصف درهم، لقرب المسافة إلى النهر، و لم تقلّ عن هذا الثمن بعدها، بل سقطت عن الماليّة بالكليّة، كان المدار على آخر مكان الماليّة، و هو نصف الدرهم في المثال.

و كذا الحال في إتلاف الجمد في الصيف و هو زمان ارتفاع قيمته، و تتنزّل ماليّته في فصل الخريف شيئا فشيئا كلّما قرب الشتاء، فالمدار على قيمته النازلة التي تسقط عنها بعد ذلك الزمان كآخر أيّام الخريف. و هكذا سائر الأشياء المثليّة.

____________

[1] الأولى التعرّض لحكم سقوط نفس العين عن الماليّة أوّلا، ثم التكلم في حكم سقوط المثل عن الماليّة، فنقول: قد أفاد المحقّق الأصفهاني (قدّس سرّه) ما لفظه: «إذا سقط العين عن الماليّة فمقتضى عموم على اليد المستفاد منه كون عهدة العين على ذي اليد كونها مغيّاة بأداء المأخوذ، فلا ينبغي الشكّ في خروج العين عن العهدة بأدائها و إن سقطت عن الماليّة. كما لا ريب في الخروج عن عهدة العين بأدائها مع تنزّل قيمتها. فيعلم منه أنّ الواجب أداء نفس المأخوذ، لا بما له من الصفة الاعتباريّة أعني الماليّة، و إلّا فلا فرق بين سقوطها عن الماليّة رأسا و سقوط مقدار معتدّ به عن ماليتها. و مقتضى دليل من أتلف مال الغير فهو له ضامن ليس إلّا تدارك المال بالحمل الشائع، لا تدارك الماليّة (1).

و هو (قدّس سرّه) تبع شيخه المحقّق الخراساني (قدّس سرّه) (2)، و حاصله: أنّ ردّ العين و إن سقطت

____________

(1) حاشية المكاسب، ج 1، ص 97

(2) حاشية المكاسب، ص 39

446

____________

عن الماليّة، لكنّه يصدق عليه أنّه ردّ لما أخذه.

هذا إذا كان دليل الضمان «على اليد» فإنّ إطلاق «حتى تؤديه» يقتضي خروج العين عن العهدة بأدائها مطلقا و إن سقطت عن الماليّة.

و أمّا لو كان قاعدة الإتلاف، فالظاهر منها هو إتلاف المال- لا إتلاف الماليّة- فسقوط المأخوذ عن الماليّة لا يقدح في ارتفاع الضمان بردّها، و ليس إخراج العين من مكان إلى آخر لا ماليّة لها فيه إزالة لماليّتها، و ليس كجعل الخل خمرا بعلاج، لأنّه إزالة لوصف الخليّة، و يتبعه زوال الماليّة، فضمانه من حيث إزالة الصفة، لا من حيث إزالة الماليّة.

و فيه: ما مرّ مرارا من: أنّ الأوصاف الدخيلة في الرغبات و زيادة القيم سواء أ كانت حقيقية أم اعتباريّة أم إضافيّة مضمونة، لوقوعها تحت اليد تبعا. و هذا غير القيمة السوقيّة المختلفة زيادة و نقيصة التي هي غير مضمونة كما تقدّم سابقا.

و عليه فصفة الثلج- و هي كونه في الصيف- توجب الرغبة و الماليّة، بخلاف كونه في الشتاء، فصفة الصيفيّة كصفة الخليّة مضمونة، فإذا أبقى الثلج إلى زمان الشتاء لا يكفي ردّه في ارتفاع الضمان، لبقاء ضمان صفة الصيفيّة الإضافيّة الدخيلة في قيمته في ذمّته، من غير فرق في ذلك بين كون العين في صورة التلف على العهدة أو المثل.

و يظهر ممّا ذكرنا حال الدراهم التي يسقطها السلطان، فإنّ الدرهم الموصوف بكونه معتبرا و رائجا مضمون على قابضه، فلا بدّ في مقام الأداء و تفريغ الذّمّة من لحاظ هذا الوصف، بأن تلحظ العين و تجبر موصوفة بهذا الوصف، و إلّا فلم يؤدّ ما عليه، فإنّ دليل الضمان يشمل العين و صفتها باعتبار واحد، سواء سقطت العين عن الماليّة رأسا كما إذا كانت مواد الفلوس الرائجة من القرطاس و نحوه ممّا إذا أسقطه السلطان سقط عن الماليّة رأسا، لعدم الماليّة للمادّة. أم نقصت ماليّتها، كما إذا كانت مادّتها من الذهب أو الفضّة، و إسقاط السلطان له أثّر في ماليّته من حيث السكّة فقط دون مادّته، فإنّ المضمون

447

____________

هو العين بوصفها الدخيل في الماليّة، فالدراهم المزبورة مضمونة بوصفها السّكيّ.

و لا بدّ من حمل إطلاق كلام الأصحاب من «أنه إذا اقترض دراهم، ثم أسقطها السلطان ليس عليه إلّا الدراهم الاولى» (1) على الدراهم التي لم تخرج عن الماليّة.

كما كان الأمر في الدراهم كذلك، لأنّ مادّتها كانت من الفضّة التي لها ماليّة. فلا وجه لتنظير المقام أعني به خروج المثل عن الماليّة بالدراهم التي أسقطها السلطان، و ذلك لعدم خروج موادّ الدراهم عن الماليّة.

و أمّا قاعدة الإتلاف فالظاهر أنّ التعبير في دليلها ب‍ «مال الغير». دون «ملك الغير» إنّما هو لأجل إناطة الضمان بماليّة المتلف، لا بمجرّد إضافة الملكيّة، إذ لو كانت هي المدار في الضمان لزم التعبير بملك الغير، فالماليّة ملحوظة على نحو الموضوعيّة في باب الضمان.

نعم الاستيلاء على ملك الغير و إن كان حراما أيضا، إلّا أنّه ما لم يكن مالا ليس بمضمون، بل الحرمة تكليفيّة محضة.

فما أفاده (قدّس سرّه) من «عدم ضمان الماليّة، بل المضمون نفس المال» ممّا لا يمكن المساعدة عليه، لما عرفت من أنّ كلّ صفة لها دخل في الماليّة مضمونة تبعا للعين، فنقل العين من مكان إلى مكان آخر لا ماليّة لها فيه إزالة لماليّتها الناشئة عن الصفة الإضافيّة، فإنّ الثلج المضاف إلى زمان خاص و مكان كذلك صفة دخيلة في ماليّته تلزم رعايتها.

تتمّة: إذا شكّ في خروج العهدة بدفع العين المضمونة التي سقطت عن الماليّة، فهل الأصل يقتضي الاشتغال و لزوم دفع القيمة أيضا، أم لزوم دفع العين فقط، أم القيمة كذلك؟ و هذا الشكّ ناش عن أنّ التدارك هل يجب أن يكون بالماليّة أو بخصوصيّة العين

____________

(1) حاشية المكاسب، ص 39

448

____________

أو بكلتيهما؟ و مقتضى الأصل بقاء العين بماليّتها على العهدة، و عدم سقوطها بأداء ما سقطت عن القيمة إلّا بأدائها و قيمتها، فلا وجه لأن يقال: إنّ أداء العين موجب لسقوط الضمان، و اشتغال الذّمّة بخصوصيّة المال مشكوك فيه، فينفى بالبراءة.

بل يقال: إنّ ضمان العين المتمولّة قد ثبت قطعا و اشتغلت بها الذّمّة يقينا، و دفع العين الساقطة عن الماليّة إلى المالك يوجب الشك في سقوط الضمان، و مقتضى الاستصحاب بقاء العهدة إلى أن تؤدّى القيمة أيضا، فاستصحاب بقاء العهدة يقضي بلزوم دفع القيمة أيضا.

و قد نوقش في هذا الأصل بما في حاشية المحقّق الأصفهاني (قدّس سرّه) من «أنّه لا مجال لهذا الأصل، إذ لم يثبت للعهدة أثر شرعا و عرفا إلّا وجوب دفع العين، فلا معنى للتعبد بالقيمة من التعبد ببقاء العين إلّا بالأصل المثبت، لأنّ بقاءها مع دفع العين ملزوم عادة أو عقلا لوجوب التدارك بالماليّة. نعم أصالة بقاء الخروج عن عهدة العين بدفعها قبل سقوطها عن الماليّة لا بأس بها» (1).

و فيه: أنّ أصالة بقاء شغل الذّمّة يستلزم عقلا وجوب الخروج عن العهدة، و هذا اللازم أعمّ للحكم الواقعيّ و الظاهريّ، نظير وجوب الإطاعة عقلا الذي هو لازم أعمّ للحكم الواقعيّ و الظاهريّ، و وجوب مقدّمة الواجب، فإنّهما حكمان عقليّان للوجوب الأعمّ من الواقعيّ و الظاهريّ.

فإذا ثبت وجوب شي‌ء بالاستصحاب مثلا ترتّب عليه الحكمان العقليان المذكوران، كما يترتّبان على الوجوب الواقعيّ الثابت بالعلم الوجدانيّ. و من المعلوم أنّه لا شائبة لمثبتيّة الأصل في هذه الموارد. نظير استصحاب وجوب صلاة الجمعة مثلا، فإنّ

____________

(1) حاشية المكاسب، ج 1، ص 97

449

____________

لازمه العقليّ لزوم الإطاعة بإتيان صلاة الجمعة، لكون الوجوب المستصحب كالوجوب المعلوم لازم الإطاعة عقلا. و المقام كذلك، إذ العقل كما يحكم بلزوم الخروج عن عهدة مال الغير مع العلم بالاشتغال، كذلك يحكم به مع استصحاب الاشتغال، لكون الاستصحاب حجة كحجّيّة العلم عليه، مع الفرق بينهما من حيث التعبد في الأوّل.

فالمتحصّل: أنّ الغرض من الاستصحاب إثبات الاشتغال فقط، الذي هو موضوع لحكم العقل بلزوم الخروج عن العهدة بأيّ شي‌ء يمكن، و من المعلوم أنّ أداء العين الساقطة عن الماليّة لا يوجب العلم بالخروج عن العهدة، بل يتوقف العلم به على أداء القيمة أيضا.

و يمكن أن يقال: بعدم الحاجة إلى الاستصحاب، بل نفس قاعدة الاشتغال كافية في لزوم دفع القيمة أيضا، لتوقّف اليقين بالفراغ عليه.

و أمّا ما أفاده (قدّس سرّه) أخيرا من الأصل الآخر- و هو أصالة بقاء الخروج عن عهدة العين بدفعها قبل سقوطها عن الماليّة- ففيه: أنّه من الأصل التعليقيّ، إذ لا معنى للتنجيزيّ مع عدم تحقّق الدفع. و حجيّة الاستصحاب التعليقيّ الراجع إلى التعليق في الموضوع- كالمقام، لأنّ تقريبه حينئذ هو: أنّه لو دفع العين قبل خروجها عن الماليّة لكانت مسقطة للعهدة، و الآن كما كان- محلّ الاشكال، لعدم إحراز وحدة الموضوع في حالتي اليقين و الشكّ، مع سقوط العين عن الماليّة في حال الشك.

فالاستصحاب التنجيزيّ القاضي ببقاء العهدة محكّم، فلا يمكن الاكتفاء في سقوط العهدة بدفع العين الساقطة عن الماليّة، بل لا بدّ من دفع كلّ من العين و القيمة. أمّا العين فلكونها بشخصها مضمونة. و أمّا القيمة فلكونها كذلك أيضا.

ثمّ إنّ الظاهر أنّ المراد بالقيمة قيمة يوم سقوط العين عن الماليّة، لأنّه يوم الانتقال إلى القيمة، لا قيمة يوم الأخذ، و لا يوم الأداء، و لا أعلى القيم من زمان الأخذ إلى زمان الأداء، أو إلى زمان التلف.

450

[القدرة على المثل بعد دفع القيمة]

فرع (1): لو دفع القيمة في المثل المتعذّر مثله، ثمّ تمكّن من المثل

____________

القدرة على المثل بعد دفع القيمة

(1) هذا فرع آخر ممّا تعرّض له المصنّف من المباحث المتعلّقة بإعواز المثل، و هو: حكم تمكّن الضامن من أداء المثل بعد تعذّره و دفع قيمته إلى المالك، فهل يجب عليه أداء المثل أم لا؟ ذكر المصنف مباني ثلاثة، يقتضي اثنان منها عدم الوجوب، و يحتمل الوجوب بناء على الثالث.

و توضيحه: أنّه إمّا أن نقول بعدم سقوط المثل عن الذّمّة بسبب التعذّر، و إمّا أن نقول بسقوط المثل بسبب تعذّره و استقرار القيمة. و بناء على الانقلاب نقول تارة:

إنّ المغصوب بمجرّد تعذّر مثله يصير قيميّا، و اخرى: إنّ نفس المثل بتعذّره- الذي هو كالتلف- يصير قيميّا. فهذه مبان ثلاثة.

فعلى الأوّل- و هو عدم سقوط المثل بالإعواز- لا يجب دفع المثل إلى المالك، لأنّ ما في الذّمّة كان هو المثل إلى زمان دفع القيمة، و لمّا كان إعطاء القيمة بالتراضي فقد سقط المثل، لكونه من قبيل الوفاء بغير الجنس مع التراضي- كما في القرض- و من المعلوم سقوط ما في الذّمّة به، فلا وجه لوجوب دفع المثل بعد التمكّن منه.

و على الثاني- و هو سقوط المثل بالتعذر و صيرورة المغصوب المثليّ قيميّا- لا يجب أداء المثل أيضا، لكون سقوطه بدفع القيمة أولى من الفرض الأوّل، لأنّ نفس القيمة المدفوعة مصداق لكلّيّ القيميّ الثابت في ذمّة الضامن، و من المعلوم أنّ دفع مصداق الطبيعيّ رافع لما في العهدة حقيقة.

و بعبارة اخرى: إنّ نفس القيمة حقّ المضمون له واقعا- بناء على انقلاب المضمون المثليّ إلى قيمته- فأداؤها إلى المالك أداء حقّه الواقعيّ، فيتعيّن سقوط الضمان حينئذ.

و على الثالث- و هو سقوط المثل و انقلابه بقيمته لا بقيمة العين- يكون السقوط لأجل كون القيمة بدل الحيلولة عن المثل. فمع التمكّن من أدائه يحتمل وجوب المثل.

451

فالظاهر (1) عدم عود المثل في ذمّته، وفاقا للعلّامة (رحمه اللّه) (2) و من تأخّر عنه (3) ممّن تعرّض للمسألة، لأنّ المثل كان دينا في الذّمّة سقط بأداء عوضه مع التراضي، فلا يعود، كما لو تراضيا (4) بعوضه مع وجوده. هذا (5) على المختار من عدم سقوط المثل عن الذّمّة بالإعواز.

و أمّا على القول بسقوطه (6) و انقلابه قيميّا، فإن قلنا بأنّ المغصوب انقلب

____________

هذا حكم الشقوق الثلاثة. و مذهب الماتن هو الأوّل.

(1) هذا مختار المصنّف (قدّس سرّه) وفاقا لجمع، و هو مبنيّ على مذهب المشهور من عدم سقوط المثل بالتعذّر، كما تقدّم في أوائل هذا التنبيه السادس بقوله: «إنّ المشهور أنّ العبرة في قيمة المثل المتعذّر بقيمته يوم الدفع، لأنّ المثليّ ثابت في الذّمّة إلى ذلك الزمان، و لا دليل على سقوطه بتعذّره».

(2) قال في القواعد: «و لو غرم القيمة ثمّ قدر على المثل فلا تردّ القيمة، بخلاف القدرة على العين» (1).

(3) كالشهيدين و المحقّق الكركيّ و غيرهم (قدّس سرّهم) كما نسبه إليهم السيد العاملي (قدّس سرّه) (2).

(4) يعني: أنّ عدم عود المثل المتعذّر إلى الذّمّة- بعد القدرة عليه- يكون نظير تراضي المالك و الضامن على القيمة في صورة التمكّن من المثل، فلو أخذها المالك لم يكن له مطالبة المثل.

(5) أي: عدم عود المثل إلى عهدة الضامن مبنيّ على المختار .. إلخ.

(6) مقتضى السياق رجوع الضميرين إلى «المثل المتعذّر» لكنّه في «انقلابه» لا يخلو من تكلّف. و قد تقدم نظيره في (ص 404) فراجع.

____________

(1) قواعد الأحكام، ص 79، السطر 24 (الطبعة الحجرية).

(2) مفتاح الكرامة، ج 6، ص 243؛ و لاحظ: تذكرة الفقهاء، ج 2، ص 383، السطر 37 و 38؛ الدروس الشرعية، ج 3، ص 113؛ جامع المقاصد، ج 6، ص 255 و 256؛ مسالك الأفهام، ج 12، ص 184

452

قيميّا عند تعذّر مثله (1) فأولى (2) بالسقوط، لأنّ المدفوع نفس ما في الذّمّة.

و إن قلنا: إنّ المثل بتعذره- النّازل (3) منزلة التلف- صار قيميّا (4) احتمل (5) [1] وجوب المثل عند وجوده، لأنّ (6) القيمة حينئذ بدل الحيلولة عن المثل، و سيأتي (7) أنّ حكمه عود المبدل عند انتفاء الحيلولة.

____________

(1) هذا هو مبنى الشقّ الثاني، المتقدّم بقولنا: «و بناء على الانقلاب فتارة نقول إنّ المغصوب بمجرّد تعذّر مثله يصير قيميّا».

(2) هذا حكم الشقّ الثاني، و هو أولوية سقوط المثل عن الذّمّة من الشقّ الأوّل، لما عرفت من انتقال حقّ المضمون له من المثل إلى القيمة، فكأنّ العين المضمونة قيميّة من أوّل ضمانها، لا مثليّة، فكيف يجب دفع المثل بعد أداء قيمة المضمون؟

(3) صفة لتعذّر المثل، يعني: أنّ تعذّر المثل يكون بمنزلة تلف جميع أفراده، الموجب لتبدّله بالقيمة.

(4) هذا مبنى الشقّ الثالث، و قد عرفته بقولنا: «و اخرى نقول: إنّ نفس المثل بتعذّره يصير قيميّا».

(5) هذا حكم الشق الثالث، و قد تقدم توضيحه بقولنا: «و على الثالث ..

يكون السقوط لأجل ..».

(6) تعليل لاحتمال وجوب المثل، يعني: أنّ القيمة بدل ماداميّ، فإذا وجد المبدل سقط البدل عن الاعتبار، و يرجع الحكم إلى المبدل.

(7) يعني: في الأمر السابع بقوله: «ثم إنّه لا إشكال في أنّه إذا ارتفع تعذّر ردّ العين و صار ممكنا وجب ردّها إلى المالك».

____________

[1] لكن هذا الاحتمال ضعيف جدّا، لأنّه مع فرض الانقلاب يكون ما على العهدة خصوص القيمة، لا غيرها، فدفع القيمة رفع لمصداق ما على العهدة، فلا معنى

453

____________

لرجوع المثل، إذ لم يكن في الذّمّة مثل حتى يرجع بعد وجوده.

نعم في صورة عدم سقوط المثل عن العهدة يتّجه القول بكون القيمة من قبيل بدل الحيلولة، بدعوى: أنّ القيمة غير جابرة لحيثيّتي النوع و الماليّة، بل جابرة لخصوص حيثيّة الماليّة، و بدليّتها ناقصة، فمع التمكّن من الجبران التامّ تعيّن ذلك.

و كيف كان فتفصيل الكلام في المقام: أنّه على القول ببقاء العين على العهدة إلى زمان التدارك و الأداء، و كون أداء المثل أداء ناقصا، للعذر عن الأداء التامّ بسبب التلف، و كون أداء القيمة عند تعذّر المثل أداء للعين بوجه أنقص من أداء المثل.

و كذا على القول بكون المثل على العهدة، و أنّ أداء القيمة أداء ناقص للمثل، للعذر عن الأداء التام يتعيّن القول بعود المثل، لارتفاع العذر بوجود المثل عن الأداء التّام، فلا يكفي الأداء الناقص، لعدم كونه أداء عند رفع العذر.

و الحاصل: أنّ أداء ما في الذّمّة بغير مصداقه أداء ناقص، و مع التمكّن من أدائه التامّ لا يعدّ الناقص أداء له. نعم لو أسقط صاحب الحق خصوصيّة ما في الذّمّة من العين أو المثل، و طالب الضامن بأداء غيره، فمقتضى القاعدة سقوط حقّه عن المثل و لو مع وجوده فضلا عن إعوازه.

هذا كلّه بناء على كون القيمة أداء ناقصا للمثل.

و أمّا بناء على كونها أداء تامّا للمثل، كما أنّ نفس المثل أداء كامل و جبران تامّ للعين في المثليّات، فإذا تعذّر المثل و دفع القيمة كانت القيمة تمام الغرامة و مسقطة لما في العهدة، فليست القيمة غرامة ناقصة، بل هي تامّة، فمع وجود المثل يكون هو تمام غرامة العين، و مع فقده أو كون العين قيميّة تكون القيمة تمام غرامتها و جابرة لتمام الخسارة، و معه لا معنى لبقاء المثل على العهدة.

و لا وجه للتفصيل الذي أفاده المصنّف (قدّس سرّه) من «أنّه مع بقاء المثل في الذّمّة لا يعود المثل، لسقوطه بالقيمة مع التراضي، و مع سقوط المثل و انتقاله إلى القيمة يحتمل

454

____________

القول بعوده بعد وجوده، لكون القيمة حينئذ بدل الحيلولة عن المثل» و ذلك لأنّ الأمر بالعكس، فإنّ المثل إذا سقط عن الذّمّة و انتقل إلى القيمة، فالقيمة المدفوعة حينئذ نفس ما على عهدة الضامن، فيكون من الوفاء بالجنس، فلا محيص عن السقوط. و لا وجه لعود المثل إلى الذّمّة بعد كون القيمة عين ما في الذّمّة. فلا بدّ في الحكم بعود المثل بعد التمكّن منه من الالتزام ببقاء المثل في العهدة، و عدم انتقاله بسبب التعذّر إلى القيمة حتى تكون القيمة عند تعذّره من بدل الحيلولة.

و يمكن التفصيل بوجه آخر، و هو: أنّه إذا كان دفع القيمة بعنوان الصلح عمّا في الذّمّة، سواء أ كان هو العين أم القيمة، فيسقط ما في العهدة، و لا يبقى مورد لبدل الحيلولة.

و إن كان بعنوان الغرامة و تدارك ما على الضامن، فعلى القول بانتقال العين أو المثل المتعذّر إلى القيمة حقيقة فالقيمة المدفوعة عين حقّه، فلا مورد لبدل الحيلولة حينئذ أيضا.

و على القول ببقاء العين أو المثل في الذّمّة إلى زمان التدارك، و أنّ القيمة غرامة ناقصة، فالقيمة عند تعذّر المثل تكون من بدل الحيلولة، لأنّ البدليّة الناقصة العذرية ترتفع، و تنتقل إلى البدليّة التامّة الاختياريّة.

و لعلّ هذا التفصيل أولى من سابقه، لأنّه على تقدير كون العين أو المثل في الذّمّة إذا صالح المالك ما على عهدة الضامن بالقيمة فقد سقط ما عليه. و لا معنى لبدل الحيلولة حينئذ.

و على تقدير انقلاب العين التالفة أو المثل المتعذّر إلى القيمة تكون القيمة المدفوعة عين ما على العهدة، لا بدلا عنه حتى يقال: إنّه بدل الحيلولة، فلا موضوع لبحث البدليّة أصلا.