تاريخ دمشق‏ - ج1

- سهيل زكار المزيد...
846 /
555

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

556

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

557

تكملة تاريخ دمشق لسبط ابن الجوزي و اليونيني 555- 692 ه/ 1160- 1291 م‏

558

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

559

من مرآة الزمان لسبط ابن الجوزي 555- 654 ه/ 1160- 1256 م‏

560

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

561

السنة الخامسة و الخمسون و خمسمائة

و في يوم الجمعة سلخ صفر أرجف على المقتفي بالموت فانزعج الناس، فوقع إلى الوزير بعافيته، فطابت قلوب الناس، فلما كان صبيحة الأحد ثاني ربيع الأول أصبحت دار الخلافة مغلقة إلى الظهر، و ركبت العساكر لحفظ البلد فتحقق الناس موته، فلما كان قريب الظهر، فتحت الأبواب ودعي الناس إلى بيعة ولي العهد.

بيعة المستنجد بالله‏

و اسمه يوسف بن محمد المقتفي، و كنيته أبو المظفر، ولد في ربيع الأول سنة ثمان عشر و خمسمائة و أمه أم ولد يقال لها طاووس و أدركت خلافته، و توفيت في هذه السنة، و لما تولى أسقط الضرائب على الغنم، و الخيل، و التمر، و السمك، و غيره، و بسط العدل، و كف الناس عن الظلم و عمل العزاء في بيت النوبة ثلاثة أيام، و كان رجل يرفع إلى المقتفي أخبار البلد، فلما ولي المستنجد كتب إليه على العادة، فقال المستنجد: ما هذا؟ قالوا: صاحب خبر، فأمر به فضرب حتى سال دمه، ثم أمر به فحبس.

فصل [في وفاة قيماز الأرجواني أمير الحاج‏]

و فيها توفى قيماز الأرجواني أمير الحاج بعد نظر الخادم، و كان شجاعا عادلا، رفيقا بالحاج، محسنا إليهم، دخل الميدان في دار الخلافة يلعب بالكرة، فسقط من الفرس على رأسه فخرج من أذنه دم، فمات فحزن الخليفة عليه، و الناس لخيره و حسن سيرته، و أمر أرباب الدولة يمشون في جنازته، فمشوا إلى الشونيزية، فدفن بها، و حج بالناس عشر سنين.

فصل [في وفاة المقتفي بالله محمد بن المستظهر]

و فيها توفي المقتفي بالله أمير المؤمنين، و اسمه محمد بن المستظهر،

562

و كنية أبو عبد الله، و قد ذكرنا أيامه، و سبب وفاته أنه خرج إلى بعض منتزهاته في حر شديد فيقال إنه أكل رطبا كثيرا أياما متواترة، فحم حمى حادة، و عاد مريضا، فاتصل به المرض حتى صار تراقيا، و الرتاقى دمل يخرج في العنق، و به مات أبوه المستظهر، و ماتا جميعا في ربيع الأول، و بين وفاة المقتفي و السلطان محمد ثلاثة أشهر، و كذا السلطان محمود مات قبل المستظهر بثلاثة أشهر، و كذلك المقتفي مات ملك شاه قبله بثلاثة أشهر، و مات المقتفي بعد غرق بغداد بسنة، و كذا المستظهر، و كانت وفاة المقتفي ليلة الأحد ثاني ربيع الأول عن ست و ستين سنة، و قيل عن خمس و ستين سنة و أحد عشر شهرا و مولد المقتفي في سنة تسع و ثمانين و أربعمائة، و كانت خلافته أربعا و عشرين سنة و ثلاثة أشهر، و أحد و عشرين يوما و أمه أم ولد تسمى بغية النفوس، و يقال نسيم، و دفن بداره بعد أن صلى عليه المستنجد، و كبر أربعا، ثم نقل بعد ذلك إلى الرصافة، و حج في أيامه نظر الخادم، و قيماز الأرجواني، و سمع المقتفي الحديث من أبي الفرج و اسمه عبد الوهاب بن هبة الله ابن السيبي، و حكى عفيف الناسخ، و كان صالحا، قال: رأيت في المنام قائلا يقول: إذا اجتمعت ثلاث خاءات كان آخر خلافته، فقلت خلافة من؟

قال: المقتفي، فلما دخلت سنة خمس و خمسين و خمسمائة مات.

السنة السادسة و الخمسون و خمسمائة

و فيها في ربيع الأول نقل المقتفي إلى الرصافة ليلة الأربعاء، و أنزل تابوته في الزبزب، و معه جميع أرباب الدولة.

و فيها قتل طلائع بن رزيك بمصر، و فيها قدم أبو الخير القزويني بغداد، و جلس بالنظامية و ذكر مذهب الشافعي، و ثارت الحنابلة عليه.

فصل [فى وفاة الصالح طلائع بن رزيك، أبو الغارات‏]

و فيها توفي الصالح طلائع بن رزيك، أبو الغارات، وزير الديار

563

المصرية أقام وزيرا سبع سنين على أحسن الوجوه، و بسط العدل و الإحسان، فلما كان العاشر من رجب وثب عليه باطني بين القصرين فضربه بسكين في رأسه، ثم في ترقوته فحمل إلى داره، و قتل الباطني و مات طلائع من الغد، فحزن الناس عليه، و بكوا و أقيمت المآتم بين القصرين و الشوارع و مصر لأنه كان جوادا محسنا مشفقا على الرعية، دينا صالحا كاسمه، كثير الصدقات، حسن الآثار بنى جامعا على باب زويلة، و آخر بالقرافة في سنة أربعين و خمسمائة و بنى تربة إلى جانبه، و هو مدفون بها، و عمر المساجد، و كان يفتقد أرباب البيوت، و كان فاضلا شاعرا، و له ديوان مليح، و رثاه الشعراء و قام بعده ولده رزيك بن طلائع بأمر الوزارة، و لقب بمجد الاسلام ابن الصالح طلائع سنة تسع و أربعين و خمسمائة، و قتل في دهليز القصر سنة ست و خمسين و خمسمائة.

السنة السابعة و الخمسون و خمسمائة ......

و فيها حاصر نور الدين محمود بن زنكي حصن حارم، و اجتمع الفرنج و راسلوه و لاطفوه، و كانوا خلقا عظيما، فرجع إلى حلب، و كان معه مؤيد الدين أسامة بن مرشد بن منقذ الذي أخرجه عمه من شيزر و نزل بدار إلى جانبها مسجد، و كان قد نزل بها عام أول و حج ثم عاد إلى المنزل بعد عوده من الغزاة فكتب على حائط المسجد:

لك الحمد يا مولاي كم لك منة* * * علي و فضل لا يحيط به شكري‏

نزلت بهذا المقام إذ كنت قافلا* * * من الغزو موفور النصيب من الأجر

و منه رحلت العيس في عامي الذي‏* * * مضى نحو بيت الله و الركن و الحجر

فأديت مفروضي و أسقطت ثقل ما* * * تحملت من وزر الشباب على ظهري (7)

و فيها توفيت زمرد خاتون بنت جاولي أخت الملك دقاق بن تاج الدولة تتش بن ألب أرسلان، و أم شمس الملوك اسماعيل، و شهاب الدين محمود ابني بوري بن طغتكين.

564

قرأت القرآن على أبي محمد بن طاووس، و أبي بكر القرطبي، و سمعت الحديث من نصر بن ابراهيم المقدسي و غيره، و كانت محبة للعلماء و أهل الخير حنفية المذهب، و هي التي بنت مسجد خاتون على الشرف بأرض صنعاء من دمشق، و أوقفت عليه الأوقاف الكثيرة، و ليست خاتون التي بنت خانقاه الصوفية على الشرف القبلي من القبلة، تلك بنت معين الدين أنر زوجة نور الدين محمود بن زنكي، و تزوجها صلاح الدين، و سنذكرها بعد الثمانين و خمسمائة، و دفنت بجبل قاسيون، و هي التي بنت مدرسة خاتون بدمشق.

و أما صاحبة هذه الترجمة فهي التي ساعدت على قتل ابنها شمس الملوك اسماعيل لما كثر فساده و سفكه للدماء و قتله خواص أبيه و مصادرات الناس و مواطأة الفرنج على بلاد المسلمين، فأراحت منه العباد، و طهرت منه البلاد.

و قال الحافظ ابن عساكر: دبرت عليه حتى قتل بحضرتها، و أقامت أخاه محمودا مكانه، و قد ذكرنا ذلك، و تزوجها أتابك زنكي طمعا في دمشق فلم يظفر بطائل، و نقلها إلى حلب، و لما قتل أتابك على قلعة جعبر عادت إلى دمشق فأقامت مدة، ثم حجت على طريق العراق و دخلت بغداد و عادت إلى الحج فجاورت بها سنة حتى توفيت، و دفنت بالبقيع، و كان قد قل ما بيدها فبلغني أنها كانت بالمدينة تغربل القمح و الشعير و تتقوت بأجرهما، و كانت كثيرة البر و الصدقات و الصوم رحمها الله تعالى.

و فيها أقام نور الدين بحمص أياما، ثم نزل بلاد الفرنج فنزل بالبقيعة تحت حصن الأكراد عازما على حصار طرابلس، و معه خلق عظيم و ضربوا خيامهم، و لم يكن للمسلمين يزك و لا طليعة ظنا من نور الدين أنهم لا يقدمون عليه، فبينما الناس وسط النهار لم يرعهم إلا ظهور الصلبان من وراء الجبل الذي عليه الحصن، فالسعيد من ركب فرسه‏

565

و نجا، و خرج نور الدين من خيمته و عليه قباء فركب نور الدين فرس النوبة و في رجله شبحة قطعها كردي فنجا نور الدين، و قتل الفرنج و أسروا خلقا عظيما، و استولوا على العسكر بما فيه، و كان من قلة الحزم حيث غفلوا عن العدو، و لم يستظهروا باليزك و الطلائع، و جاء نور الدين إلى حمص فلم يدخلها، و اجتمع إليه من نجا من المعركة، و أرسل إلى حلب و دمشق، و أحضر الخيام و السلاح و الخيل و فرقها في الناس، و من قتل أبقى أقطاعه على ولده، و الا فأهله و كان من عزم الفرنج قصد حمص، فلما بلغهم نزول نور الدين على البحيرة قالوا: ما فعل هذا الا عن قوة فتوقفوا و فرق في يوم واحد مائتي ألف دينار، و جاء رجل و ادعى أنه ذهب له شي‏ء كثير و كان الأمر بخلافه، فكتب النواب إلى نور الدين أنه مبطل في دعواه، فكتب إليهم لا تكدروا عطاءنا فإني أرجو من الله الأجر على القليل و الكثير، و كتب إليه النواب إن الإدارات و الوقوف كثيرة في البلاد على الفقراء و الفقهاء و الصوفية، و لو حملناها إليك في هذا الوقت لاستعنت بها و تعيد العوض، فغضب و كتب إليهم:

إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ‏ (8) و هل أرجو النصر إلا بهؤلاء، و هل تنصرون إلا بضعفائكم، فكتب النواب إليه فإذا لم تغير عليهم شيئا، و قد وقعت في هذه الورطة العظيمة، فلو أمرتنا لاقترضنا من أرباب الأموال ما نستعين به على جهاد العدو فقد نفدت الخزائن، و يطمع العدو في الاسلام، فبات مفكرا و قال في نفسه: نقترض ثم ندفع العوض، ثم قال: ما أفعل، و بات قلقا إلى وقت السحر فنام فرأى انسانا ينشد:

احسنوا مادام أمركم‏* * * نافذا في البدو و الحضر

و اغنموا أيام دولتكم‏* * * انكم منها على خطر

فقام مرعوبا مستغفرا مما خطر له و علم أن هذا تنبيه من الله تعالى، فكتب إليهم: لا حاجة لي في أموال الناس و عاد الفرنج إلى بلادهم.

566

السنة التاسعة و الخمسون و خمسمائة

و فيها حارب أمير ميران أخاه نور الدين، فكسره نور الدين، و سنذكره في ترجمة أمير أميران في السنة الآتية.

و فيها فتحت حارم في شهر رمضان في هذه السنة و كان السبب فيه ان نور الدين لما أصابه بالبقيعة ما اصابه بعث إلى ملوك الأطراف: إلى أخيه قطب الدين بالموصل، و فخر الدين قرا أرسلان بالحصن، و نجم الدين ألبي بماردين، و غيرهم يطلب النجدة، فأخبره نجم الدين بأنه جمع العساكر مجدا و على مقدمته زين الدين علي كوجك، و أما فخر الدين قرا أرسلان فقال له أصحابه: على أي شي‏ء قد عزمت؟ قال: على القعود فإن نور الدين قد أثر فيه الصوم و الصلاة فهو يلقي نفسه و الناس معه في المهالك، فوافقوه.

فلما كان من الغد نادى في عسكره بالمسير إلى الغزاة فقيل له في ذلك فقال: إن نور الدين قد كاتب زهاد بلادي المنقطعين عن الدنيا و ذكر لهم ما جرى على المسلمين من الفرنج، و طلب منهم الدعاء و سألهم أن يحثوا المسلمين على الجهاد، و قد قعد كل واحد معه جماعة يقرؤون كتب نور الدين و يبكون و يدعون له و علي، فإن تأخرت خرج أهل بلادي عن طاعتي، ثم سافر بنفسه، و لما اجتمعت العساكر على حلب سر نور الدين بقدومها، و سار على حارم فنازلها، فبلغ الفرنج فحشدوا و جاؤوا في ثلاثين ألفا و فيهم البرنس صاحب أنطاكية، و القومص صاحب طرابلس و ابن جوسلين و الدوك، و هو رئيس القوم، و كان فيهم من الرجالة مالا يحصى، و لما تراءى الجمعان صعد نور الدين على تل عال فشاهد من الفرنج ما أذهله و هاله، فنزل و انفرد عن العساكر، و نزل عن فرسه و صلى ركعتين و مرغ وجهه على التراب و بكى، و قال: يا سيدي هذا الجيش جيشك، و الدين دينك، و من محمود في الناس، افعل ما يليق بك.

567

و حملت الفرنج على الميمنة و فيها عسكر حلب فاندفعوا بين أيديهم ليبعدوا عن الراجل، و تبعهم الفرنج، فعطف نور الدين على الرجالة فحصدهم بالسيف، و رجعت الفرنج فلم يروا إلا الرجالة على الأرض فانخلعت قلوبهم، و أحاط بهم المسلمون فذلوا و خضعوا، و عمل فيهم السيف فلم يبق منهم إلا من نجا به فرسه، و أسر نور الدين ابن جوسلين من ملوكهم و ستة آلاف من أكابرهم، و غنم ما كان معهم من الأموال و الخيل و السلاح و الخيام و غير ذلك، و فتح حصن حارم في حادي عشرين رمضان يوم الجمعة، و عاد إلى حلب بالأسارى و الغنائم و امتلأت حلب منهم فبيع الأسير بدينار و فرقهم نور الدين على العساكر و أعطى أخاه و صاحب الحصن الأموال العظيمة و التحف الكثيرة، و عادوا إلى بلادهم، ثم فاداهم نور الدين و كان قد استفتى الفقهاء فاختلفوا فقال قوم: يقتل الجميع، و قال آخرون: يفادى بهم، فمال نور الدين إلى الفدية، فأخذ منهم ستمائة ألف دينار معجلا و خيلا و سلاحا و غير ذلك، فكان نور الدين يحلف بالله أن جميع ما بناه من المدارس و الربط و المارستانات و غيرها من هذه المفاداة، و جميع ما وقفه منها، و ليس فيها من بيت المال درهم واحد.

السنة الستون و خمسمائة

فصل [فى فتح نور الدين بانياس عنوة:]

..... فيها فتح نور الدين بانياس عنوة و كان معه أخوه نصرة الدين أمير ميران فأصابه سهم فأذهب إحدى عينيه، فقال له نور الدين:

لو كشفت عما أعد لك من الأجر لتمنيت ذهاب الأخرى، و كان ولد معين الدين الذي سلم أبوه بانياس للفرنج قائما على رأس نور الدين، فقال له نور الدين: للناس بهذا الفتح فرحة واحدة، و لك فرحتان، قال:

يا مولانا و لم؟ قال: لأن اليوم بردت جلدة أبيك من نار جهنم.

568

و فيها فوض نور الدين شحنكية دمشق إلى صلاح الدين يوسف بن أيوب على ما قيل فأظهر السياسة و نفذت الأمور فقال عرقلة (9):

رويدكم يالصوص الشآم‏* * * فإني لكم ناصح في مقالي‏

و إياكم من سمي النبي‏* * * يوسف رب الحجى و الجمال‏

فقطع أيدي النساء* * * و هذا يقطع أيدي الرجال‏

فصل [فى وفاة أمير ميران بن زنكي:]

و فيها توفي أمير ميران بن زنكي أخو نور الدين محمود أصابه سهم على بانياس في عينه، و قد ذكرنا أن نور الدين لما مرض كاتب أمير ميران الأمراء، فلما برأ نور الدين سار إليه و أخذ حران منه فطرده فمضى إلى صاحب الروم، و جيش الجيوش في سنة تسع و خمسين و خمسمائة، و انضم إليه خلق كثير و كان نور الدين نازلا على رأس الماء فالتقوا فكسر نور الدين و قتل أخو مجد الدين بن الداية و نهب عسكر نور الدين، و رجع أمير ميران إلى صاحب حصن كيفا مستجيرا به، فيقال إنه مات عنده، و يقال انه شفع فيه نور الدين فقبل شفاعته، و مات بدمشق.

السنة الحادية و الستون و خمسمائة

و فيها فتح نور الدين العريمة و صافيتا و هدم قلعتاهما و سورهما، و مضى إليه غازي بن حسان صاحب منبج، و أعطاه الرقة

السنة الثانية و الستون و خمسمائة

..... و فيها عاد أسد الدين شيركوه إلى مصر، و هي المرة الثانية، و سببه أن العاضد كتب إلى نور الدين محمود يستنجده على شاور، و أنه قد اشتد الأمر و ظلم و سفك الدماء، و ما كان في قلب نور الدين من شاور لأنه غدر بأسد الدين و استنجد الفرنج، فسار أسد الدين من دمشق منتصف ربيع الأول و معه ابن أخيه صلاح الدين، فنزل الجيزة

569

غربي مصر على البحر، و كان شاور قد أعطى الفرنج الأموال و أقطعهم الاقطاعات، و أنزلهم دور القاهرة، و بنى لهم أسواقا، و كان يتقدمهم الملك مرى و ابن بيرزان، فأقام أسد الدين على الجيزة شهرين، ثم عدى إلى بر مصر و القاهرة في خامس عشرين جمادى الآخرة.

ذكر وقعة البابين‏

و لما عدى أسد الدين صعد إلى البابين، و خرج شاور و الفرنج و رتب العساكر، فجعل الفرنج في الميمنة مع ابن بيرزان، و عسكره في الميسرة، و أقام الملك مري في القلب في شوكة الفرنج و الخيالة، و رتب أسد الدين عساكره فجعل صلاح الدين في الميمنة، و الأكراد في الميسرة، و أسد الدين في القلب، فحمل الملك مري على القلب فتعتعه، و كانت أثقال المسلمين خلفهم، فاشتغل الفرنج بالنهب، و حمل صلاح الدين على شاور فكسره، و فرق جمعه، و عاد أسد الدين إلى صلاح الدين، فحملا على الفرنج فانهزموا فقتلوا منهم ألوفا، و أسروا مائة و سبعين فارسا، و طلبوا القاهرة، فلو ساق أسد الدين خلفهم لملك القاهرة، و إنما حول إلى الاسكندرية فتلقاه أهلها طائعين، و ولى عليها ابن أخيه صلاح الدين، فأقام بها، و سار أسد الدين إلى الصعيد، و استولى عليه، و أقام يجمع أمواله و يجبي خراجه.

و خرج شاور و الفرنج من القاهرة فحصروا الاسكندرية، فأقاموا عليها أربعة أشهر، و أهلها يقاتلون مع صلاح الدين و يقوونه بالمال، و بلغ أسد الدين فجمع عرب البلاد، و سار إلى الاسكندرية ينجد صلاح الدين، و عاد شاور إلى القاهرة، و راسل أسد الدين و أعطاه إقطاعا بمصر و عجل له مالا فعاد إلى الشام، و صلاح الدين يتبعه، و اعتذر إلى نور الدين بكثرة الفرنج و المال و رأى صلاح الدين ما فعله أهل الاسكندرية، فلما ملك أحسن إليهم و سنذكره.

570

ثم إن الفرنج طلبوا من شاور أن يكون لهم شحنة بالقاهرة و تكون أبوابها بأيدي فرسانهم، و يحمل إليهم في كل سنة مائة ألف دينار، و من سكن منهم القاهرة يبقى على حاله، و يعود بعض ملوكهم إلى الساحل، و كان نور الدين ينظر من ستر رقيق، و يخاف على مصر غلبة الفرنج فسار بعساكره إلى الساحل و فتح المنطيرة، و قلاعا كثيرة، فخاف من كان بمصر من الفرنج فعادوا إلى الساحل في سنة أربع و ستين و خمسمائة، و سنذكره.

السنة الثالثة و الستون و خمسمائة

و فيها ....

السنة الرابعة و الستون و خمسمائة

و في المحرم ملك نور الدين محمود قلعة جعبر، خرج صاحبها مالك العقيلي فأخذه بنو كلاب و ذهبوا به إلى نور الدين، فأحسن إليه و أكرمه و قال أنت عاجز عن حفظها فاختر ما سميت من البلاد و الاقطاعات فامتنع، فأرسل إليها نور الدين فخر الدين مسعود بن علي الزعفراني و مجد الدين ابن الداية فحصراها، فلم يقدرا عليها، ثم ان صاحبها طلب من نور الدين سروج و أعمالها و مالا فأعطاه و تسلمها، و هذه القلعة ما زالت في يد بني مالك من أيام السلطان ملك شاه إلى هذه السنة، و بلغ نور الدين أنهم كان لهم رجال يقطعون الطريق.

و في صفر خرج الفرنج من عسقلان و الساحل طالبين الديار المصرية، فنزلوا على بلبيس و أغاروا على الريف فقتلوا و أسروا، فأخرج شاور من كان بالقاهرة من الفرنج، و قتل البعض و هرب الباقون، و أمر شاور أهل مصر أن ينتقلوا إلى القاهرة و أحرق مصر، و سار الفرنج من بلبيس فنزلوا على القاهرة في تاسع صفر، و ضايقوها و ضربوها بالمناجيق، فلم يجد شاور بدا أن كتب لنور الدين بأمر العاضد، و كان الفرنج لما وصلوا إلى مصر في المرتين الأولتين اطلعوا على عوراتها و طمعوا فيها، و علم‏

571

نور الدين فاسترجع و خاف عليها، و جاءته كتب العاضد و شاور، فقال نور الدين لأسد الدين: خذ العساكر و توجه إليها، و قال لصلاح الدين:

اخرج معه فامتنع، و قال: يا مولانا يكفي مالقينا من الشدائد، فقال: لابد من خروجك، فما أمكنه مخالفة نور الدين فساروا إلى مصر، و بلغ الفرنج فرجعوا إلى الساحل، و قيل إن شاور أعطاهم مائة ألف دينار، و جاء أسد الدين فنزل على باب القاهرة، فاستدعاه العاضد إلى القصر و خلع عليه في الايوان خلع الوزراء، و سر أهل مصر بوصوله.

و قيل انه لم يستدعه و إنما بعث إليه بالخلع و الأموال و الاقامات، و للأمراء الذين معه، و أقام مكانه و أرباب الدولة يترددون إلى خدمته كل يوم و شاور لم يقدر على منعهم لكثرة العساكر و كون العاضد مائلا إلى أسد الدين، فكاتب الفرنج و استدعاهم و قال يكون مجيئكم إلى دمياط في البحر و البر، و بلغ أعيان المصريين فاجتمعوا عند أسد الدين و قالوا: شاور هو فساد العباد و البلاد، و قد كاتب الفرنج و هو يكون سبب هلاك الاسلام، ثم إن شاور خاف لما تأخر وصول الفرنج فشرع في عمل دعوة لأسد الدين و الأمراء و يقبضهم، فنهاه ابنه الكامل و قال:

و الله لئن لم تنته من هذه لأعرفن أسد الدين، فقال له شاور: و الله لئن لم أفعل هذا لنقتلن كلنا، فقال له ابنه لأن نقتل و البلاد بيد المسلمين، خير من أن نقتل و البلاد بيد الفرنج، و كان أسد الدين قد شارط لشاور ثلث البلاد، فأرسل أسد الدين يطلب منه المال فجعل يتعلل و يماطل و ينتظر وصول الفرنج إلى البلاد فقتلوه، و سنذكره في موضعه، و لما قتل بعث العاضد منشورا بالوزارة لأسد الدين بخط الفاضل و عليه بخط العاضد نسخة الأيمان إلى أسد الدين، و حلف كل واحد لصاحبه بالوفاء و الطاعة و الصفاء، فتصرف أسد الدين شهرين و مات، و لما احتضر أوصى لابن أخيه صلاح الدين، فاختلف عليه جماعة من الأمراء و سنذكره في عقيب وفاة أسد الدين، و بلغ نور الدين اتفاق الأمراء على صلاح الدين في ذلك. انتهى.

572

فصل [فى وفاة صاحب دمشق مجير الدين بن محمد بن بوري بن أتابك طغتكين ببغداد:]

و فيها توفي صاحب دمشق و هو مجير الدين بن محمد بن بوري بن أتابك طغتكين ببغداد، و دفن بداره التي عند النظامية، و بلغ نور الدين فجلس له في العزاء، و قد ذكرنا سيرته.

فصل [فى قتل شاور:]

و فيها قتل شاور كما ذكرنا و قائعه إلى هذه السنة، و كان جبارا لا ينظر في عاقبة الأمور سفاكا للدماء، ممدوحا قد مدحه عمارة اليمني الشاعر بقصائد.

ذكر مقتله‏

عزم على عمل دعوة لأسد الدين و الأمراء ثم يقتلهم و أن ابنه الكامل نهاه، و اختلفوا في كيفية مقتله على أقوال:

أحدها: ان الأمراء اتفقوا على قتله لما علموا بمكاتبته للفرنج، و أن أسد الدين تمارض، و كان شاور يخرج إليه كل يوم و الطبل و البوق يضرب بين يديه على عادة وزراء مصر، فجاء ليعود أسد الدين فقتلوه.

و القول الثاني: أن صلاح الدين و جرديك اتفقا على قتله فأخبرا أسد الدين فنهاهما، و قال: لا تفعلا فنحن في بلاده و معه عساكر عظيم فسكتا، و اتفق أن أسد الدين ركب إلى زيارة الشافعي، فأقام عنده، و جاء شاور على العادة لأسد الدين، فالتقاه صلاح الدين و جرديك و قالا: انزل هو في الزيارة فامتنع، فجذباه فوقع إلى الأرض فقتلاه.

و القول الثالث: انهما لما جذباه لم يمكنهما قتله بغير أمر أسد الدين و سحبه الغلمان إلى الخيمة، و انهزم أصحابه إلى القاهرة ليجيشوا عليهم، و علم أسد الدين فعاد مسرعا، و جاء رسول من العاضد برقعة يطلب من أسد الدين رأس شاور، و تتابعت الرسل، و كان أسد الدين قد بعث‏

573

إلى شاور مع الفقيه عيسى يقول: لك في رقبتي أيمان و أنا خائف عليك من الذي عندي فلا تجى‏ء، فلم يلتفت و جاء على العادة فجذبوه بالقوة عن فرسه و أدخله جرديك إلى الخيمة، و حز رأسه، فلما عاد أسد الدين استرجع، و بعثوا برأسه إلى العاضد فسر به، و دعا العاضد ولد شاور الكامل فقتله في الدهليز، و قتل أخاه، و استوزر أسد الدين على ما ذكرنا، و قتل شاور في ربيع الآخر.

و فيها توفي أسد الدين شيركوه عم صلاح الدين، أقام في الوزارة شهرين و أياما لأنه وزر في ربيع الآخر، و توفي فجاءة يوم السبت ثاني عشرين جمادى الآخرة، و كانت وزارته شهرين و خمسة أيام، و كان كثير الأكل للحوم الغليظة، و كان يواتر التخم و الخوانيق، فاعتراه خانوق عظيم فقتله، و دفن بظاهر القاهرة إلى أن مات أخوه نجم الدين أيوب، فحملا جميعا إلى مدينة النبي (صلى الله عليه و سلم) فدفنا في رباطيهما، و لما مات كان قد أوصى إلى ابن أخيه صلاح الدين، فاختلف الأمراء عليه و منهم عز الدين الياروقي رأس الأتراك، و سيف الدين علي بن أحمد الهكاري المشطوب ملك الأكراد، و شهاب الدين محمود صاحب حارم، و هو خال صلاح الدين و جماعة، و كل واحد منهم رام أن يكون له الأمر، فبادر العاضد و استدعى صلاح الدين، و خلع عليه في الايوان خلعة الوزارة، و كتب عهده كما فعل بأسد الدين، و لقبه الملك الناصر، و قيل إنما لقبه المستضي‏ء بعد ذلك، و شرع الفقيه عيسى في تفريق البعض عن البعض، و اصلاح الأمور لصلاح الدين، و بذل صلاح الدين الأموال و أحسن إلى جميعهم، و أقام نائبا عن نور الدين يدعى لنور الدين على المنابر بعد العاضد و لصلاح الدين بعدهما.

و ذكر الحافظ ابن عساكر أسد الدين فقال: قد ولي دمشق، و أقام يحارب الفرنج، و فتح حصونا كثيرة، و كان شجاعا مقداما صارما مهيبا، و حج سنة خمس و خمسين و خمسمائة و ذكر فتوح مصر.

574

انتهت ترجمة أسد الدين و الحمد لله وحده، و صلى على أشرف خلقه محمد (صلى الله عليه و سلم).

السنة الخامسة و الستون و خمسمائة

و فيها نزلت الفرنج على دمياط يوم الجمعة ثالث صفر، وجدوا في القتال، و أقاموا عليها ثلاثة و خمسين يوما يضربونها بالمناجيق و يزحفون إليها ليلا و نهارا، و وجه صلاح الدين إليها العساكر مع شهاب الدين خاله و تقي الدين، و طلب من العاضد مالا فبعث بشي‏ء كثير، فكان صلاح الدين يقول: ما رأيت أكرم من العاضد جهز إليّ في حصار الفرنج ألف ألف دينار سوى الثياب و غيرها.

و أشعل نور الدين بلاد الفرنج بالغارات، و وقع فيهم الوباء و الفناء، فرحلوا بعد أن مات منهم خلق كثير، و كان رحيلهم في ربيع الآخر، و في شعبان سار نور الدين إلى الكرك فنازله و ضربه بالمناجيق، و جمع ملوك الساحل فجاؤوه فتأخر إلى البلقاء.

و في شوال كانت بالشام زلازل هائلة بحيث وقع معظم دمشق و شرفات الجامع و سقطت رؤوس المنابر، و كانت تهتز مثل النخل في ريح عاصف، و كانت بحلب أعظم بحيث وقع نصف القلعة و البلد، فهلك من أهلها ثمانون ألفا تحت الهدم، و تهدمت أسوار جميع القلاع و خرج أهلها إلى البراري، و وقعت قلعة حصن الأكراد بحيث لم يبق للسور أثر، و كذا حماة و حمص، فلولا أن نور الدين كان بالبلقاء و الفرنج في قتاله سار و أخذ حصن الأكراد، و جاءه ما شغل قلبه من ناحية الشرق و دمشق، أما من ناحية المشرق فوفاة أخيه، قطب الدين مودود بالموصل، و أما من دمشق فوفاة العمادي و كان نائبه في حلب و غيرها، و كانت له بعلبك و تدمر، و كان عزيزا عند نور الدين و صاحبه و حاجبه، و بلغه أيضا وفاة مجد الدين ابن الداية بحلب و كان صاحب بره.

575

و سار نور الدين إلى حلب خوفا عليها من العدو، لأن أسوارها تهدمت، و فرق نور الدين العساكر في القلاع خوفا عليها من العدو، و لأنها بقيت بغير أسوار، و كانت هذه الزلزلة عامة في الدنيا و أخربت قلاع المسلمين و بلادهم بالشام و حلب و العواصم و أنطاكية، و نزلت إلى اللاذقية و جبلة و جميع بلاد الساحل إلى الداروم، و يقال انه لم يمت من دمشق إلا رجل واحد أصابه حجر و هو على درج جيرون، لأن أهلها خرجوا إلى الصحراء.

ثم امتدت الزلزلة و قطعت الفرات فوصلت إلى الموصل و سنجار و نصيبين و الرها و حران و الرقة و ماردين و غيرها، و امتدت إلى بغداد و واسط و البصرة و جميع بلاد العراق، و لم ير الناس زلزلة من أول الاسلام مثلها أفنت العالم.

و فيها أمر نور الدين بعمارة جامع داريا القائم الآن، و كان قديما عند قبة أبي سليمان الداراني، فأحرقوه لما نزلت الفرنج على داريا في أيام مجير الدين، أمر أن يعمر- نور الدين- في هذه السنة هذا الجامع في وسط القرية ....

فصل [فى وفاة مودود بن زنكي صاحب الموصل:]

و فيها توفي مودود بن زنكي صاحب الموصل، و لقبه قطب الدين أخو نور الدين محمود، كان أسمر اللون، و تام القامة، و عادلا منصفا، و لما احتضر أوصى إلى ولده زنكي و لقبه عماد الدين، و كان أكبر ولده و أعزهم إليه، و توفي قطب الدين، و قد جاوز الأربعين و كانت ولايته إحدى و عشرين سنة.

و فيها توفي أبو بكر ابن الداية، و يلقب مجد الدين من أكابر أمراء نور الدين كان شجاعا دينا بنى بحلب خانقاه، و هي باقية إلى هلم جرا، و اتفق موت العمادي في هذه السنة و كان من أعظم أمرائه، و لما مات‏

576

بكى نور الدين و قال: قص جناحاي، و أعطى أولاد العمادي بعلبك و قدم على العساكر سابق الدين عثمانابن الداية أخا مجد الدين، و دفن مجد الدين بحلب و العمادي بقاسيون في تربة قريبة من تربة شركس شمالها و هي أول تربة بنيت في الجبل، و اسمه مكتوب على بابها، وقفت على باب التربة و عليها مكتوب «هذه تربة العمادي محمد».

السنة السادسة و الستون و خمسمائة

و في أول محرم سافر نور الدين إلى سنجار ففتحها، و سلمها إلى عماد الدين زنكي ابن أخيه، و سار فنزل على الموصل و أخذها من عبد المسيح و كان بها، و أزال من الموصل الضمانات و المكوس، و عدل و أحسن إلى أهله، و أعطى عمر الملا ستين ألف دينار من فتوح الفرنج، و أمر بعمارة الجامع النوري وسط البلد، و أعطى جزيرة ابن عمر و الموصل لابن أخيه سيف الدين، و أقام عشرين يوما، و كان يحب الموصل، فقيل له: لو أقمت بها، فقال: و من يجاهد الكفار و يحفظ بلاد المسلمين، ثم رحل نحو الشام و معه عبد المسيح، و قد أحسن إليه و أقطعه اقطاعا كبيرا، و كان قد أخذ الموصل، و هذا كله بأمر الخليفة لأن نور الدين ما كان يعمل شيئا حتى يستأذنه، ثم قال نور الدين لعبد المسيح: و يحك ما هذا الاسم القبيح، أما كان في الدنيا مسلم يغيره، و كيف وافقك عليه أخي قطب الدين؟.

فصل [فى بعث الخليفة (المستضي‏ء) رسولا إلى نور الدين محمود يعرفه بخلافته، و يطلب البيعة له:]

و فيها بعث الخليفة (المستضي‏ء) رسولا إلى نور الدين محمود يعرفه بخلافته، و يطلب البيعة له، فبعث نور الدين إلى الخليفة شرف الدين ابن أبي عصرون نائبا عنه في الخدمة.

و فيها بنى صلاح الدين بالقاهرة المدرسة الصلاحية للشافعية و كان موضعها حبس المعونة، و بنى بها أيضا مدرسة المالكية بالقرب من دار

577

العدل، و ولى صدر الدين عبد الملك بن درباس الكردي القضاء بالقاهرة و مصر و أعمالها، و في جمادى الأولى خرج صلاح الدين بالعساكر إلى الشام فأغار على غزة و عسقلان و الرملة، و مضى إلى ايلة، و كان بها قلعة فيها جماعة من الفرنج، و التقاه الاسطول في البحر فافتتحها و قتل من فيها، و شحنها بالرجال و العدد، و كان على الحاج منها خطر عظيم، ثم عاد إلى القاهرة في جمادى الآخرة.

السنة السابعة و الستون و خمسمائة

و فيها خطب لبني العباس بمصر بعد انقطاع الخطبة عن بني العباس فيها مائتي سنة و ثماني سنين.

و فيها بعث الخليفة الخادم صندل المقتفوى، و هو أكبر الخدم إلى نور الدين جواب ابن أبي عصرون بالخلع لنور الدين، و فيها طوق فيه ألف دينار، و الفرجية و العمامة، و لصلاح الدين دونها، و بعث لنور الدين سيفين قلده، سيفا للشام، و سيفا لمصر، و زينت بغداد و ضربت القباب.

و في هذه السنة أخذ نور الدين الحمام الهوادي في جميع البلاد في الأبراج تنفذ إليه الأخبار، و سببه اتساع مملكته، فكانت من حد بلاد النوبة إلى همذان، و كان أهم ما عنده قلع الفرنج من الساحل، فكان إذا تحرك الفرنج لقصده، أو تحرك لقصدهم، كتب الكتب على أجنحة الطيور إلى البلاد البعيدة، يستدعي العساكر، فيأتون إليه بسرعة.

فصل [فى وفاة العاضد عبد الله بن يوسف بن الحافظ:]

و فيها توفي العاضد و اسمه عبد الله بن يوسف بن الحافظ أبو محمد، و لم يل أبوه الخلافة، و قد ذكرناه، و أمه أم ولد يقال لها ست المنى، ولد سنة أربع و أربعين و خمسمائة و بويع في رجب سنة خمس و خمسين و خمسمائة، و هو ابن احدى عشرة سنة، و كانت أيامه احدى عشرة سنة و شهورا، و اختلفوا في سبب وفاته على أقوال:

578

أحدهما: أنه تفكر في أموره فرآها في إدبار، فأصابه ذرب عظيم فمات منه.

و الثاني: أنه لما خطب لبني العباس بلغه فاغتم فمات، و قيل ان أهله أخفوا عنه ذلك و قالوا: ان سلم فهو يعلم، و ان مات فلا ينبغي أن ينغص على هذه الأيام التي بقيت من عمره.

و الثالث: أنه لما أيقن بزوال دولته كان في خاتم له فص مسموم فمصه فمات، و ختم صلاح الدين على ما في القصر من الأموال و الذخائر و التحف و الجواهر و العبيد و الخدم و الخيل و المتاع و غيره، و كان في القصر من الجواهر النفيسة ما لم يكن عند خليفة و لا ملك، مما قد جمع على طول السنين، فمنها القضيب الزمرد و طوله قبضة و نصف، و الجبل الياقوت الأحمر، و الدرة اليتيمة مثل بيض الحمام، و الياقوتة الحمراء، و تسمى الحافر، و زنها أربعة عشر مثقال، و من الكتب المنتخبة بالخطوط المنسوبة مائة ألف مجلد، و وجد عمامة القائم و طليسانه بحاله، بعث بهما البساسيري إلى المستنصر، و وجد أموالا لا تحد و لا تحصى، و أفرد أهل العاضد ناحية عن القصر و أجرى عليهم جميع ما يحتاجون إليه و سلمهم إلى قراقوش فعزل الرجال عن النساء و احتاط عليهم و فرق الأموال التي أخذها من القصر في العساكر و باع بعض الجواري و العبيد و أعطى القاضي الفاضل من الكتب ما أراد و بعث إلى نور الدين بعمامة القائم و طيلسانه و هدايا و تحفا و طيبا و مائة ألف دينار، و كان نور الدين بحلب فلما حضرت بين يديه قال: و الله ما كان بنا حاجة إلى هذا، ما وصل إلينا عشر معشار ما أنفقناه على العساكر التي جهزناها إلى مصر و ما قصدنا بفتح مصر إلا فتح الساحل و قلع الكفار منه، و انقضت أيام المصريين بموت العاضد و عددهم أربعة عشر على عدة بني أمية إلا أن أيامهم طالت فملكوا مائتين و ثماني سنين، و بنوا أمية ملكوا نيفا و تسعين سنة، و قد ذكرنا سيرة المصريين على وجه التفصيل و تقلب الأحوال.

579

السنة الثامنة و الستون و خمسمائة

و فيها بعث صلاح الدين إلى نور الدين هدية فيها فيل و حمار عتابي، فبعث بها نور الدين إلى بغداد، و خرج الناس للقائهما، و عجبوا من خلقة الحمار، و كان بمحلة العتابيين رجل نحوي قاصر في كل شي‏ء، قد تعلق بطرف من النحو، و كان يدعي دعاوى عظيمة، فخرج مع الناس يتفرج و رآه بعض الظراف، فقال: يا قوم ليس بعجب أن يحمل الفتى حمار عتابي، عندنا عتابي حمار، فضحك الناس.

و فيها سار نور الدين إلى الموصل و صلى في الجامع الذي بناه وسط البلد، و تصدق بمال عظيم، و لما علم صلاح الدين أن نور الدين قد توجه إلى الموصل خرج بعساكر مصر فحصر الكرك و الشوبك، و نهب أعمالها، و كان جماعة من العرب نازلين بأرض الكرك ينقلون الأخبار إلى الفرنج و إذا أغاروا على البلاد دلوهم على المسلمين، فنهبهم صلاح الدين، و قتل البعض، و أجلى من بقي منهم عن أرض الكرك، و كتب إلى نور الدين كتابا يخبره بما جرى من العربان و أن لا يبقى منهم أحد و أن يدرك ديارهم فانهم آفة على المسلمين، و دليل الكفار على الاسلام، فلذا أبدتهم بحيث أن العدو إذا نهض لا يجد بين يديه دليلا، و لا يستطيع حيلة، و لا يهتدي إليه سبيلا، و هو كتاب طويل.

ثم عاد صلاح الدين إلى مصر، قيل هي أول غزاة، و ذكر القاضي أبو المحاسن يوسف بن رافع بن تميم الموصلي، و يعرف بابن شداد قاضي حلب (رحمه الله) في سيرة صلاح الدين الكرك و الشوبك لأنهما في طريق الديار المصرية، و كانوا يغيرون على القوافل منها، فقصد تسهيل الطريق لتتصل البلاد بعضها ببعض، فحصرهم في هذه السنة، فلم يظفر منهم بطائل و تأخر فتحهما إلى ما بعد الفتوح.

و عاد نور الدين من الموصل، و قطع الفرات و قصد بلاد الروم ففتح‏

580

نور الدين بهسنا، و مرعش و قلاعا من أعمال قليج أرسلان، و بينما نور الدين يفتح هذه القلاع إذ جاءه خبر من حمص بأن الفرنج قد نزلوا عليها، فرجع إلى الشام و معه ابن الدانشمند قد وعده بخلاص بلاده، فلما أخذ نور الدين بهسنا، و مرعش، و المرزبان خاف منه قليج أرسلان، فأجابه إلى ما أراد، ورد بلاد الدانشمند، و شرط عليه نور الدين تجديد اسلامه، لأنه كان يتهم بالزندقة، و أنه متى طلب منه النجدة بعساكره ينجده، و أن يزوج ابنته بابن أخيه سيف الدين غازي صاحب الموصل ففعل، و بعث نور الدين فخر الدين عبد المسيح مع ابن الدانشمند إلى ملطية و سيواس و معه عسكر في خدمته فأقام عنده حتى توفي نور الدين، و رجعت البلاد إلى قليج أرسلان.

و فيها قدم القطب النيسابوري (10) من حلب إلى دمشق بعثه نور الدين مدرسا بالمدرسة الأمينية، و قيل لم يدرس بالأمينية بل بالزاوية الغربية بجامع دمشق زاوية الفقيه نصر، و شرع نور الدين لبناء مدرسة للشافعية إلى جانب الجاروخية، فأدركه أجله دون بنائها، و كان قد وضع نور الدين المحراب و بعض البنيان، و هيأ أمرها على حاله، فجاء العادل أبو بكر بن أيوب فأزال ذلك البناء و بناها البناء المحكم و دفن بها (11).

و فيها بعث تقي الدين عمر ابن أخي صلاح الدين جيشا إلى المغرب مع مملوك له اسمه قراقوش فالتقاه عسكر من عند عبد المؤمن، فهزمه بعد أن أقام الدعوة العباسية بإفريقية، فعاد إلى القاهرة مهزوما.

فصل [فى وفاة نجم الدين أيوب بن شاذي بن مروان:]

و فيها توفي نجم الدين أيوب بن شاذي بن مروان و كان عاقلا شجاعا حليما رحيما جوادا، عاطفا على الفقراء و المساكين، محبا للصالحين قليل الكلام جدا لا يتكلم إلا عن ضرورة، و لما قدم مصر سأله ولده صلاح الدين أن يكون هو السلطان فقال: أنت أولى، فكان يلعب بالأكرة دائما.

581

قال القاضي ابن شداد: كان شديد الركض بالخيل يلعب بالأكرة، و من يراه يلعب بها يقول: ما يموت إلا من وقوعه عن الفرس، و ركب يوما من داره، و خرج من باب النصر يريد الميدان، فشب به فرسه، فوقع على رأسه فحمل إلى داره، فمكث ثمانية أيام، و توفي ليلة الثلاثاء السابع و العشرين من ذي الحجة، دفن إلى جانب أخيه أسد الدين في بيته بالدار السلطانية، ثم نقلا بعد سنين إلى مدينة النبي (صلى الله عليه و سلم)، و كان صلاح الدين قد عاد من الكرك فبلغه خبره في الطريق فحزن عليه و تأسف حيث لم يحضره.

فصل [فى أولاده:]

خلف من الذكور ستة: صلاح الدين، و أبا بكر العادل، و توران شاه شمس الدولة، و شاهنشاه، و طغتكين سيف الاسلام و بوري تاج الاسلام، و هو الأصغر، و شمس الدولة الأكبر، و من البنات ست الشام و ربيعة خاتون.

السنة التاسعة و الستون و خمسمائة

و فيها كتب صلاح الدين إلى نور الدين يستأذنه في انفاذ جيش إلى اليمن، فأذن فبعث أخاه توران شاه شمس الدولة، فسار إليها في رجب، و كان باليمن رجل يقال له عبد النبي يلقب بالداعي من أصحاب المصريين، و كان ظالما فاتكا، فحصره شمس الدولة في قصر زبيد مدة، ثم طلب الأمان، فأمنه، فلما نزل إليه و كل به، و سار شمس الدولة ففتح صنعاء و حصون اليمن و المدائن، فيقال انه فتح ثمانين حصنا و مدينة و استولى على أموالها و ذخائرها و قتل الخارجي و عبد النبي بن مهدي، و ولى على زبيد سيف الدولة مبارك بن منقذ أبا الميمون، و كان من الفضلاء جوادا ممدحا.

و فيها أكثر نور الدين الصدقات و الصلوات و زاد في الأوقاف و كسا

582

اليتامى و زوج الأرامل و أغنى الفقراء، و كشف المظالم بحيث لم يبق في بلاده مظلمة إلا وردها، و بعث محمد بن خالد القيسراني أمينا على مال القصر، و مستوفيا لحواصل البلاد، فأكرمه صلاح الدين، و قال: نحن مماليك نور الدين افعل ما أمرك، إلا أن جماعة من الأكابر قد تصرفوا في أماكن لا يمكن انتزاعها منهم و لا يرضون بأن ينقص انتفاعها، فعلم ابن خالد ان طاعته إنما هي مخادعة و مراوغة، فسكت و لم يشافهه، و مات نور الدين في شوال و بطل ذلك الأمر.

و فيها قبض صلاح الدين على جماعة من أعيان الدولة المصرية مثل داعي الدعاة و عمارة اليمني و غيرهما، بلغه أنهم يجتمعون لاثارة الفتن، و اتفقوا على السودان و كاتبوا الفرنج، و أنهم يريدون قتل صلاح الدين و الغزّ، و رتبوا مع السودان يبكروا و ينادوا بشعار المصريين، و كان زين الدين ابن نجية الواعظ قد اطلع على ذلك، فخاف من صلاح الدين، فأنهى إليه الحال و مادبروا فقبض عليهم، و قتل داعي الدعاة و صلب عمارة و سنذكره.

فصل [فى وفاة عبد النبي بن مهدي:]

و فيها توفي عبد النبي بن مهدي‏

وقفت على تاريخ بمصر فرأيت أن شمس الدولة لما سار إلى اليمن، و كان أعيانها قد كتبوا إلى صلاح الدين يسألونه أن يبعث إليهم بعض أهله، فلما وصل شمس الدولة إلى مكة صعد صاحبها إلى أبي قبيس فتحصن عليه بقلعة بناها، و أغلق باب الكعبة، و أخذ المفاتيح، فجاء شمس الدولة فطاف بالبيت و صلى ركعتين، و صعد إلى باب الكعبة، و قال: اللهم ان كنت تعلم أني جئت إلى هذه البلاد لاصلاح العباد، و تعهدها فيسر علي فتح الباب، و إن كنت تعلم أني جئت لغير ذلك فلا تفتحه، و مد يده فجذب القفل فانفتح، فدخل شمس الدولة إلى البيت‏

583

و صلى و دعا، فلما بلغ أمير مكة ذلك نزل إلى خدمته و حمل المفاتيح و اعتذر، و قال خفت منك، و الآن فأنا تحت طاعتك، فقال: إذا أخذت منك مفاتيح مكة فلمن أعطيها؟ ثم خلع عليه و على أصحابه و طيب قلوبهم، و سار إلى اليمن، فانهزم عبد النبي بين يديه إلى زبيد، و كان أبوه المسمى بالمهدي قد فتح البلاد، و قتل خلقا كثيرا، و شق بطون الحوامل و ذبح الأطفال على صدورهن، و كان يرى رأي القرامطة، و يظهر أنه داعية لأهل مصر و يستتر باليمن، و كان قد مات قبل دخول شمس الدولة اليمن بسنين، و ملك بعده ولده عبد النبي، ففعل باليمن ما فعله أبوه و سبى نساءهم و استعبدهم، و كان أبوه لما مات بنى عليه قبة عظيمة و صفح حيطانها بالذهب الأحمر و الجواهر ظاهرا و باطنا بحيث لم يعمل في الدنيا مثلها، و جعل فيها قناديل الذهب و ستور الحرير، و منع أهل البلد من زبيد إلى حضر موت أن يحجوا إلى الكعبة، و أمرهم بالحج إلى قبر أبيه، و كانوا يحملون إليها الأموال في كل سنة ما لا يحد و لا يحصى، و يطوفون حولها مثل ما يطوفون بالكعبة، و من لم يحمل مالا قتله، و كانوا يقصدونها من الشحر، فاجتمع فيها أموال عظيمة، و أقام عبد النبي على الظلم و الفسق و الفجور و ذبح الأطفال و سفك الدماء و سبي النساء إلى أن دخل شمس الدولة اليمن، و جاء إلى زبيد فيقال أنه حصر عبد النبي فيها و ابنه و قيده و قتله، و قد ذكرناه، و يقال إنه انهزم بين يديه، و جاء إلى قبة أبيه فهدمها و أخذ ما فيها من المال و الجواهر و الفضة، و كان على ستمائة جمل، و نبش القبر و أحرق عظام أبيه و ذراها في الريح، و مضى إلى صنعاء، فحلف شمس الدولة لا ينتهي عنه حتى يقتله و يحرقه كما فعل بأبيه، و سار خلفه فرجع إلى زبيد، و عاد شمس الدولة إليها فظفر به فأخذ ما كان معه، و قتله.

فصل [فى وفاة أبو القاسم نور الدين محمود بن زنكي بن أقسنقر:]

و فيها توفي أبو القاسم نور الدين محمود بن زنكي بن أقسنقر، الملك العادل.

584

أعلم أن سيرة نور الدين أولى ما صرفت العناية إليها، و اعتمد في اقتناء الفضائل عليها، تحث الطالب على نيل المطالب، و تعدل بهمة الراغب على تحصيل الرغائب، و قد ذكر العلماء سيرته، و سطر الفضلاء ترجمته، و قد جمعت في كتابي هذا ما تفرق في تواريخهم من محاسن أخباره، و أتيت على معظم مآثره و آثاره.

فصل في صفته و طرف من أخباره‏

ذكر الحافظ ابن عساكر أنه ولد في سنة احدى عشرة و خمسمائة، و كان معتدل القامة، أسمر اللون، واسع الجبهة حسن الصورة بلحيته شعرات خفيفة في حنكه.

قال: و نشأ على الخير و الصلاح، و قراءة القرآن، و العبادة، و كان قليل المحافظة للجند، و كان أبوه زنكي يقدمه على أولاده و يرى فيه مخايل النجابة، قال: و فتح نيفا و خمسين حصنا، منها تل باشر، و أعزاز، و مرعش، و بهسنا، و تل خالد، و حارم، و المرزبان، و رعبان، و كسيون، و الرها، و كسر برنس أنطاكية و قتله، و قتل معه ثلاثة آلاف، و أخذ منه ثلاثة آلاف دينار و خمسمائة زردية، و خمسمائة حصان، و خمسمائة أسير، و اتسع ملكه، ففتح: الموصل و الجزيرة، و ديار بكر، و الشام و العواصم، و دمشق و بعلبك و بانياس و مصر و اليمن، و خطب له في الدنيا، و أظهر السنة بحلب و أزال الأذان بحي على خير العمل، و بنى بها المدارس و أوقف الأوقاف، و بنى سور دمشق و المساجد و المدارس، و أسقط ما كان يؤخذ من دار بطيخ و سوق الخيل و الغنم و الكيالة و جميع المكوس، و عاقب على شرب الخمر، و كان في الحرب ثابت القدم حسن الرمي يتقدم أصحابه، و يتعرض للشهادة، و يسأل الله أن يحشره من بطون السباع و حواصل الطير، و وقف أوقافا على المرضى و المجانين، و بنى‏

585

المكاتب لليتامى، و بنى المارستان بدمشق، و وقف على سكان الحرمين، و أقطع أمراء العرب القطائع لئلا يتعرضوا للحجاج، و أمر بإكمال سور المدينة، و أجرى إليها العين التي تأخذ من أحد من عند قبر حمزة، و هيأ الربط و الجسور و الخانات و القناطر، و جدد كثيرا من قنى السبيل، و وقف كتبا كثيرة في مدارسه، و كان حسن الخط، كثير المطالعة للكتب الدينية، متبعا للآثار النبوية، مواظبا على الصلوات الخمس في الجماعات، عاكفا على تلاوة القرآن، حريصا على فعل الخيرات، عفيف البطن و الفرج، مقتصدا في الانفاق، متحريا في المطعم و المشرب و الملبس، لم يسمع منه كلمة فحش قط في رضاه و لا في غضبه، هذا إلى ما جمع الله فيه من العقل المتين و الرأي الصائب الرزين، و الاقتداء بسنة السلف الصالحين، حتى روى حديث المصطفى و أسمعه، و كان قد استجيز له ممن سمعه و جمعه حرصا على الخير في نشر السنة و الحديث، و رجاء به أن يكون ممن حفظ على الأمة أربعين حديثا، كما جاء في الحديث، فمن رآه شاهد من جلال السلطنة و هيبة المملكة ما يبهره، فإذا فاوضه رأى من نصافته و تواضعه ما يحيره، يحب الصالحين و يوافيهم و يزورهم في أماكنهم لحسن ظنه فيهم، هذا قول ابن عساكر، و ذكر كلاما طويلا.

و قال الجزري في تاريخ الموصل (12): قد طالعت تواريخ الملوك المتقدمة من قبل الاسلام إلى يومنا هذا، فلم أر فيها بعد الخلفاء الراشدين، و عمر بن عبد العزيز ملكا أحسن سيرة من نور الدين، و لا أكثر تحريا للعدل و الانصاف منه، ثم ذكر من عدله و زهده و فضله و جهاده و اجتهاده من أحسن ما ذكره الحافظ ابن عساكر.

قال: و كان لا يأكل و لا يلبس و لا يتصرف فيما يخصه إلا من ملك اشتراه من سهمه من غنائم الكفار، و كان يحضر الفقهاء و يستفتيهم فيما يحل له من تناول الأموال، فأفتوه من جهات عينوها، فلم يتعد إلى غيرها، و لم يلبس حريرا قط و لا ذهبا و لا فضة، و منع من بيع الخمر في‏

586

بلاده، و كان يحد شاربه عند الناس، و كان كثير الصيام و له أوراد في الليل و النهار، و كان يقدم أشغال المسلمين عليها، ثم يتمم أوراده، و كان قد تزوج الخاتون بنت معين الدين، فطلبت منه زيادة نفقة فقال: قد فرضت لها ما يكفيها و الله لا أخوض جهنم بسببها، و هذه الأموال ليست لي و إنما هي للمسلمين، و أنا خادمهم فلا أخونهم فيها، ولي بحمص ثلاثة دكاكين اشتريتها من الغنائم قد وهبتها إياها، و كان يحصل منها قدر يسير.

قال و كان يلعب بالأكرة كثيرا، فكتب إليه بعض الصالحين ينكر عليه و يقول: تتعب الخيل في غير فائدة، فكتب إليه نور الدين بخطه: و الله ما أقصد اللعب، و إنما نحن في ثغر و العدو منا قريب، فربما وقع الصوت فتكون الخيل قد أدمنت على سرعة الانعطاف بالكر و الفر، و إذا طلبنا العدو أدركناه، و لو تركناها بحالها لصارت جهاما لا ينتفع بها، فنيتي في لعب الأكرة هذه.

قال و أهديت إليه عمامة مذهبة من مصر فوهبها لشيخ الصوفية أبي الفتح بن حموية (13) فبعث بها إلى العجم فبيعت بألف دينار قال:

و كان عارفا بمذهب أبي حنيفة، و ليس عنده تعصب على أحد.

قال: و كان يوما يلعب بالأكرة في ميدان دمشق فجاءه رجل فوقف بازائه و أشار إليه، فقال للحاجب: اسأله ما حاجته فسأله فقال: لي مع نور الدين حكومة، فرمى الصولجان من يده فجاء إلى مجلس القاضي كمال الدين الشهرزوري، و تقدمه الحاجب يقول للقاضي قد قال: لاتنزعج و اسلك معه ما تسلكه من آحاد الناس، فلما سوى بينه و بين خصمه كآحاد الناس، فلم يثبت له عليه حق، و كان يدعي ملكا له في نور الدين، فقال نور الدين للقاضي و العدول: هل ثبت له علي حق؟ قالوا: لا، فقال:

اشهدوا أني قد وهبت الملك له، و قد كنت أعلم أن لا حق لك عندي، و إنما حضرت معك لئلا يقال عني أني دعيت إلى مجلس الشرع فأبيت.

587

و دخل يوما إلى خزائنه فرأى مالا كثيرا فقال: من أين هذا؟ قال:

بعث به القاضي كمال الدين (14) من مال الأوقاف، فقال: ردوه إليه و قولوا له: إن رقبتي رقيقة لا أقدر على حمله غدا، رقبتك غليظة تقدر على حمله، قال: و نور الدين أول من بنى دار العدل بدمشق، و سماها دار الكشف، و سببه أن الأمراء لما قدموا دمشق اقتنوا الأملاك، و استطالوا على الناس و خصوصا أسد الدين شيركوه، و كثرت الشكاوى إلى القاضي، فلم يقدر على الانتصار من أسد الدين، فأمر ببناء دار العدل.

و أحضر أسد شيركوه أصحابه و ديوانه، و قال: إن نور الدين ما بنى هذه الدار إلا بسببي وحدي لينتقم مني، و إلا فمن هو الذي يمتنع عن كمال الدين، و الله لئن أحضرت لدار العدل بسبب واحد منكم لأصلبنه، فإن كان بينكم و بين أحد منازعة فأرضوه بمهما أمكن، و لو أتى على جميع ما في يدي، فإن خروج أملاكي من يدي أهون من أن يراني نور الدين بعين ظالم، و يسوي بيني و بين آحاد العوام، ففعلوا و أرضوا الخصوم، فجلس نور الدين في دار العدل و قال للقاضي: ما أرى أحدا يشكو من شيركوه، فأخبره الخبر فسجد و قال: الحمد لله الذي جعل أصحابنا ينصفون من نفوسهم قبل حضورهم عندنا، فكان نور الدين يقعد في دار العدل في كل اسبوع أربعة أيام أو خمسة، و يحضر عنده العلماء و الفقهاء، و يأمر بإزالة الحاجب و البواب، و يوصل إليه الشيخ الضعيف و العجوز الكبيرة، و يسأل الفقهاء عما أشكل عليه.

قال: و كان نور الدين إذا حضر الحرب شد تركاشين و حمل قوسين و ساس الحرب بنفسه فقال له القطب النيسابوري: لا تخاطر بنفسك فأنت عماد الاسلام و المسلمين فلو أصبت في معركة و العياذ بالله لا يبقى من يقوم مقامك و ذهبت البلاد، فقال له: من محمود حتى يقال له هذا، و من حفظ البلاد قبلي إلا الله تعالى.

قال: و كان إذا مات أحد من جنده أو قتل و له ولد، فان كان كبيرا

588

أقر الاقطاع عليه، و إن كان صغيرا رتب معه من يتولى أمره حتى يكبر فكان الأجناد يقولون: هذه أملاكنا، و نحن نقاتل عليها لأننا نتوارثها، قال: ما كان يكل الجند على الأمراء بل يتولاهم بنفسه و يباشر خيولهم و سلاحهم مخافة أن يفضي الأمر إلى خفضهم، و يقول: نحن كل وقت في النفير فإذا لم تكن أجنادنا كاملي العدة دخل الوهن على الاسلام.

قال: و بنى جامعه بالموصل، و فوض عمارته إلى الشيخ عمر الملاء، و كان من الصالحين فقيل له: إنه لا يصلح لمثل هذا، فقال: إذا وليت بعض الأجناد، أو بعض العمال لا يخلو من الظلم، و بناء الجامع لا يفي بظلم رجل مسلم، و إذا وليت هذا الشيخ غلب على ظني أنه لا يظلم، فإذا كان الاثم عليه لا علي.

و كان عمرا الملاء من الصالحين، و إنما سمى الملاء لأنه كان يملأ تنانير الآجر و يأخذ الأجرة، فيتقوت بها، و كان ما عليه مثل القميص و العمامة ما يملك غيره، و لا يملك من الدنيا شيئا، و كان عالما بفنون العلوم، و جميع الملوك و العلماء و الأعيان، يزورونه و يتبركون به، و صنف كتاب سيرة النبي (صلى الله عليه و سلم)، و كان يعمل مولد رسول الله (صلى الله عليه و سلم) كل سنة، و يحضر عنده صاحب الموصل و الأكابر، و كان نور الدين يحبه و يكاتبه، و كان مكان الجامع النوري خربة واسعة ما شرع أحد في عمارتها إلا و قصر فأشار عمر على نور الدين بعمارتها جامعا فاشتراها، و انفق عليها أموالا كثيرة، قيل ستين ألف دينار، و يقال ثلاثمائة ألف دينار، فتم في ثلاث سنين، و لما تم جاء نور الدين إلى الموصل و هي المرة الأخيرة، فصلى فيه، و وقف علييه قرية بالموصل، و رتب فيه الخطيب و المؤذنين و الحصر و البسط و غيرها، ثم دخل عمر الملاء على نور الدين و هو جالس على دجلة فترك بين يديه دساستين الخرج و قال: يا مولانا أشتهي أن تنظر فيها، فقال نور الدين: يا شيخ نحن عملنا هذا لله، دع الحساب إلى يوم الحساب، ثم رمى بالدساتين في دجلة.

589

قال: و بنى جامع حماة على العاصي، و هو من أحسن الجوامع، و قال:

وقع بيد نور الدين أفرنجي من أكابر الملوك، ففدى نفسه بمال عظيم، فشاور نور الدين أمراءه فأشاروا عليه ببقائه في الأسر خوفا من شره، فأرسل نور الدين إليه يقول: أحضر المال، فأحضر ثلاثمائة ألف دينار، فأطلقه نور الدين، فعند وصوله إلى مأمنه مات، فطلب الأمراء سهمهم من المال، فقال نور الدين: ما تستحقون منه شيئا لأنكم نهيتم عن الفداء، و قد جمع الله لي الحسنيين الفداء و موت اللعين، و خلاص المسلمين منه فبنى بذلك المارستان بدمشق و مدرسة و دار الحديث بدمشق، و وقف عليها الأوقاف.

حكى ابن الأثير قال: و بلغني أن وقوف نور الدين في أبواب البر بالشام في وقتنا هذا و هو سنة ثمان و ستمائة تغل كل شهر تسعة آلاف دينار صورية، ليس فيها ملك فيه كلام، بل حق ثابت بالشرع باطنا و ظاهرا صحيح الشراء.

قلت: رحم الله المجد أشار إلى ذلك، أما في زماننا هذا فقد تشعث وقفه و تغيرت صفاته، و لم يبق منه إلا آثاره و بركاته.

حكى ابن الأثير أيضا أن بعض الأمراء كان يحسد القطب النيسابوري على قربه من نور الدين فنال منه، فقال: يا مسكين لو نظرت في عيب نفسك لشغلك عن عيوب الناس، و إن صح ما قلت فله حسنة، واحدة يغفر الله له بها كل زلة و هي العلم، و أنت و أصحابك ليست لك عند الله حسنة، و الله لئن عدت إلى ذكره أو ذكر غيره بسوء لأؤدبنك، فكف عنه.

قال: ما كان أحد من الأمراء يتجاسر أن يجلس عنده من هيبته فإذا دخل عليه فقير أو عالم أو رب خرقة قام و مشى إليه و أجلسه إلى جانبه، و يعطيه الأموال، فإذا قيل له في ذلك، يقول: هؤلاء لهم حق في بيت المال، فإذا قنعوا ببعضه فلهم المنة علينا.

590

و ذكره العماد الكاتب في أول البرق الشامي و أثنى عليه، و قال: و في سنة تسع و ستين و خمسمائة و هي التي توفي فيها نور الدين أكثر من الصدقات و الأوقاف، و عمارة المساجد المهجورة، و تعفيه آثار الآثام، و اسقاط كل ما كان فيه الحرام، فما أبقى سوى الجزية و ما يحصل من قسمة الغلات على قويم المناهج.

قال: و أمرني أن أكتب مناشير لجميع أهل البلاد، فكتبت أكثر من ألف منشور، و حسبنا ما تصدق به في تلك الشهور، فكان ثلاثين ألف دينار، و كان له برسم نفقته الخاصة في كل شهر من الجزية ما يبلغ ألفي قرطاس يصرفها في كسوته و ملبوسه و مأكوله، حتى أجرة خياطة و جامكية طباخه، و يستفضل منها ما يتصدق به في آخر الشهر، و قيل إن قيمة القراطيس مائة و خمسون درهما، و قيل كل ستين قرطاسا أو سبعين بدينار.

قال: و ما كان يصل إليه من الهدايا و غيرها يبعثه إلى القاضي يبيعه و يعمر به المساجد المهجورة، و لا يتناول منه شيئا، و أمر بإحصاء مساجد دمشق فأحصيت، فكانت مائة مسجد، فأوقف الأوقاف على جميعها، و ذكر العماد جملة من فضائله و لمعة من فواضله، و من المساجد جامع قلعة دمشق، و مسجد عطية بباب الجابية، و مسجد الرياحين، و مسجد سوق الصاغة، و مسجد دار البطيخ، و مسجد العباسي، و مسجد بجوار بيعة اليهود، و مسجد الكشك و أشياء أخرى.

قلت: و ذكره جدي في المنتظم بكلمات يسيرة فقال: ولي الشام سنين، و جاهد الكفار، و كأن أصلح من كثير من الولاة، و كان يتدين بطاعة الخليفة، و الطرق آمنة في أيامه، و المحامد كثيرة، و ذكر بناء المارستان بدمشق، و جامع الموصل، و كان يميل إلى التواضع، و يحب العلماء و أهل الدين، و قد كاتبني مرارا، و ذكر أسره لملك الفرنج و أنه أخذ منه ثلاثمائة ألف دينار، و شرط عليه أن لا يغير على بلاد الاسلام سبع سنين و سبعة أشهر و سبعة أيام، و أخذ منه رهائن على ذلك، هذا ما ذكره جدي في المنتظم في ترجمة نور الدين.

591

قلت: و قد صنف كتابا سماه الفخر النوري فيه أحاديث العدل و الجهاد و مواعظ و غير ذلك، و صنف نور الدين أيضا كتابا في الجهاد و هو بدمشق.

قلت: و قد نقل ذكره علماء السير مما وقع لهم من سيرته و ما يستدل به على صالح سريرته، و قد وقع لي مآثر لم يذكروها و مفاخر لم يسطروها، و لم تكن لغيره من ملوك الجاهلية و لا الاسلام، و لا رأوها و لو في احتلام، و كان مشغولا بالصيد و يصيد الغزلان، فمن ذلك أنه كان في عزمه أن يفتح بيت المقدس، فعمر منبرا و قبلة بجامع حلب على اسم القدس فتوفي قبل الفتوح، فلما ملك صلاح الدين البيت المقدس حمل المنبر إليه و أبقى القبلة بجامع حلب.

و منها أنه كان له عجائز بدمشق و حلب فكان يخيط الكوافر (15) و يعمل السكاكير للأبواب و يبيعها العجائز و لا يدري أحد، فكان يوما يصوم و يفطر على أثمانها، و حكى شرف الدين يعقوب ولد المعتمد (رحمه الله) ان في دارهم سكرة من عمل نور الدين بخوزستان، و هي باقية إلى سنة خمسين و ستمائة يتبركون بها.

و منها ما حكاه الشيخ أبو عمر شيخ المقادسة (رحمه الله) قال: كان نور الدين يزور والدي الشيخ أحمد في المدرسة الصغيرة التي على نهر يزيد المجاورة للدير، و نور الدين الذي بنى هذه المدرسة، و المصنع و الفرن، قال: فجاء يوما لزيارة جدي، و كان في سقف المسجد خشبة مكسورة، فقال له بعض الجماعة: يا نور الدين لو كشفت السقف و جددته، فنظر إلى الخشبة و سكت، فلما كان من الغد جاء معماره و معه خشبة صحيحة فزرقها موضع المكسورة و مضى، فعجب الجماعة، فلما عاد إلى الزيارة قال بعض الحاضرين: يا نور الدين ما تعذبنا به في كشف سقف، فقال:

لا و الله، و إنما الشيخ رجل صالح، و انما أزوره لأنتفع به، و ما أردت أن أزخرف له المسجد و أنقض ما هو صحيح، و هذه الخشبة يحصل بها المقصود، فدعوني مع حسن ظني فيه، فلعل الله ينفعني به.

592

و منها ما حكاه لي رجل صالح من أهل حران فقيه الشيخ حياة في سنة خمسين و ستمائة قال: لما قتل أتابك زنكي على قلعة جعبر، و ملك نور الدين قلعة حلب تصدق و أزال المكوس، ورد المظالم، و أنا حديث عهد بعرس، و قد ركبني دين، فقالت لي زوجتي: قد سمعت أوصاف نور الدين و احسانه للناس، فلو قصدته و أنهيت إليه حالك لقضى دينك، قال: فخرجت من حران، و ليس معي سوى درهمين، فتركت عندها درهما و تزودت بدرهم، و أتيت الفرات وقت القائلة فعبرت جسر منبج، و أبعدت عن أعين الناس، و خلعت ثيابي و نزلت و توضأت للصلاة و صليت ركعتين و إذا على جانبي شخص ملفوف في عباءة، فقال لي: يا فقير من أين أنت؟ قلت: من حران، قال و إلى أين؟ قلت: إلى حلب، قال فما تصنع فيها؟ فقلت: أنا فقير مديون، و قد بلغني احسان نور الدين إلى الخلق، فقصدته لعله يقضي ديني، فقال: فأين أنت من نور الدين، و من يوصلك إليه و كم عليك دين؟ فقلت: خمسون دينارا، فأخرج يده من العباءة، و بحث في الرمل و أخرج منه قرطاسا و ألقاه إلي، و قال: خذ فاقض به دينك و ارجع إلى أهلك، قال فأخذته فعددته و إذا به خمسون دينارا و التفت فلم أره، فبهت، و بت في مكاني أتفكر هل أرجع إلى حران أم أمضي إلى حلب، و ترجح عندي المضي إلى حلب، و قلت في نفسي: فهذه أوفي بها ديني، فمن أين أتقوت، ثم قمت و قصدت طريق حلب فبت بباب بزاعة و نمت في الليل فأصبحت تحت قلعة حلب وقت الصباح، فصليت و قعدت تحت القلعة، و إذا قد فتح بابها و نزل نور الدين في أهبة عظيمة و الأمراء بين يديه حتى جاء إلى الميدان، فلما أراد أن يدخل نظر إلي فرمقني طويلا، فأشار إلى خادم بين يديه، فجاء الخادم إلي و قال: قم فأخذني و صعدني القلعة، قال: فندمت على مجيئي إلى حلب و قلت: يا ليتني قبلت من ذلك الرجل الصالح و لعل نور الدين توهم أني اسماعيلي.

593

قال: فلما كان بعد ساعة عاد نور الدين إلى القلعة، و جلس في الديوان، و مد سماط عظيم و لم يمد يده إليه و إذا قد فتح باب عن يمينه صغير و خرج منه خادم، و على يده طبق خوص مغطى بمنديل، فوضعه بين يديه و فيه عصارة عليها رغيف، فتأملتها من بعيد و هي ثردة فتناول منها شيئا و أكل الناس و أكلت معهم، و صرف الناس، و بقيت قاعدا خائفا فأومأ إلي فقمت إلى بين يديه و أنا خائف أرعد فقال: من أين أنت؟ قلت: من حران، قال: و ما الذي أقدمك؟ قلت: علي دين و بلغني احسانك فقصدتك لتقضي ديني، قال: و كم دينك؟ قلت: خمسون دينارا قال: أما قد أعطاك أمس صاحب العباءة على الفرات خمسين دينارا، هلا رجعت إلى أهلك و أنت عليك خرقة الفقر، و إذا حصل القوت للفقير فما يطلب شيئا آخر، ما يضيع تعبك و رفع سجادته و كانت زرقاء و إذا بقرطاس مثل القرطاس الذي أعطاني صاحب العباءة، قال: فبكيت بكاء كثيرا و قلت: لا آخذ شيئا حتى تخبرني بصاحب العباءة، قال: هو أمر لا يلزمك، فقلت: يا مولانا أنا غريب و ضيف ولي حرمة فبالله عليك، فقال: احلف أنك لا تتحدث بهذا في حال حياتي، فحلفت له فكشف القباء و إذا بتلك العباءة على جسده، و قال: أنا ذاك الفقير، فقلت: ما الذي أعطاك هذه المنزلة، بأي شي‏ء وصلت إلى هذا فقال بقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى‏ (1) و لابد من السبب، لما التقينا بالأفرنج على حارم، و نصرنا الله عليهم، وعدت إلى حلب التقاني في الطريق شاب حسن الوجه طيب الرائحة فسلم علي، و قال: يا محمود أنت من الأبدال و قد أعطاك الله الدنيا فاشتر بها الآخرة، و سله مهما شئت ثم علمني كلمات، و قال إذا طلبت أمرا فاذكرها، فقلت له: بالله من أنت؟ فقال: أنا أخوك الخضر، ثم غاب عني، فإذا عزمت على أمر و أردت أذهب إلى مكة أو إلى المدينة أو إلى أي بلد شئت، لبست العباءة، و تكلمت بتلك الكلمات، و أغمض عيني فما افتحها إلا و أنا في تلك البقعة.

____________

(1) سورة الأنبياء- الآية: 101.

594

قلت و حكى لي نجم الدين الحسن بن سلام، أحد عدول دمشق و أعيانها، و كان صديقنا و صاحبنا (رحمه الله)، قال: ملك الأشرف بن العادل دمشق و بنى مسجد أبي الدرداء في القلعة، و أفرده عن الدور، و دخلت عليه يوما و هو فيه فقال لي: يا نجم الدين كيف ترى هذا المسجد قد عمرته و أفردته عن الدور، و ما صلى فيه أحد منذ زمان أبي الدرداء، إلى الآن؟ فقلت له: الله الله يا مولانا، ما زال نور الدين منذ ملك دمشق يصلي فيه الصلوات الخمس، فقال: من أين لك هذا؟

فقلت: حدثني والدي، و كان من أكابر عدول دمشق، و كان أبوه يلقب بالسعيد، أنه لما نزلت الفرنج على دمياط بعد وفاة أسد الدين و ضايقوها أشرفت على الأخذ، فأقام نور الدين عشرين يوما صائما لا يفطر إلى على الماء، فضعف و كاد يتلف، و كان مهيبا لا يتجاسر أحد يخاطبه في ذلك، و كان له إمام يقال له يحيى ضرير يصلي به في هذا المسجد، و كان يقرأ القرآن، و له عنده حرمة، فاجتمع إليه خواص نور الدين و خدمه و قالوا:

خفنا على السلطان و نحن في هيبة لا نقابله، و أنت تدل عليه، و نحن نسألك ان يتناول ما يحفظ به من قوته، فقال: نعم إذا صليت به غداة الفجر سألته، قال: فلما كان في تلك الليلة رأى الشيخ يحيى في المنام رسول الله (صلى الله عليه و سلم) يقول له: يا يحيى بشر نور الدين برحيل الفرنج عن دمياط قال: فقلت يا رسول الله ربما لا يصدقني و أريد له أمارة، قال: قل له بعلامة يوم حارم، قال: و انتبه يحيى و هو ذاهب العقل، فلما صلى نور الدين خلفه الفجر و سلم، شرع يدعو، ففاته أن يتحدث معه، فقال له نور الدين: يا يحيى، قال: لبيك يا مولانا، قال:

تحدثني أو أحدثك؟ قال: فارتعد يحيى و خرس، فقال له: أنا أحدثك رأيت النبي (صلى الله عليه و سلم) في هذه الليلة، و قال لك كذا و كذا؟

فقال: نعم يا مولانا، ما معنى قوله (عليه السلام) بعلامة يوم حارم؟ فقال له نور الدين: لما التقينا خفت على الاسلام لأني رأيت من كثرة الأفرنج ما هالني، فانفردت عن العسكر فنزلت و مرغت وجهي على التراب،

595

و قلت: يا سيدي من محمود في الفئتين، الدين دينك، و الجند جندك، و هذا اليوم هو فافعل ما يليق بكرمك، قال: فنصرنا الله عليهم.

قلت: و حدثني شهاب الدين النابلسي عم جمال الدين البانياسي، و كان على ديوان جامع دمشق، أول ما قدمت الشام اجتمعت به في درب العشاريين في قاعة الوزير صفي الدين بن شكر وزير العادل، و كان هناك جماعة، فاشتغل الوزير بالحديث معهم، و كان الشهاب إلى جانبي، فتذاكرنا نور الدين، فقال: كان أبي يخدم نور الدين في أسفاره و مقامه يتصيد في أرض قطنا و يعفور و أنا معه، فبينما أنا ذات يوم و قد ركب من الخيم ليذهب إلى الصيد، و إذا برجل أعجمي قد أقبل من ناحية دمشق، و كان معه خيل و مماليك، و كان تاجرا، فلما وصل إلى نور الدين، و كان صديقه، فقال: أين أرمغان؟ فقال: حاضر و مضى نور الدين، فلما عاد استدعاه فأحضر قماشا وعدة مماليك، و فيهم مملوك مستحسن جدا فقبل المملوك ورد الباقي، و كان له خادم أبيض اسمه سهيل قد رباه فقال له:

يا سهيل خذ هذا المملوك إليك و ادفع إلى التاجر خمسمائة دينار و خلعة و بلغة، قال أبو الشهاب: فحدثني سهيل قال: لما قال لي كذا قلت في نفسي: إنا لله و إنا إليه راجعون، هذا ما اشترى مملوكا قط يساوي خمسين دينارا يشتري مملوكا بخمسمائة دينار، قال: ففعلت ما أمرني به فتركني أياما، و قال: يا سهيل أحضر المملوك كل يوم مع المماليك يقف في الخدمة، قال: فأحضرته، فلما كان بعد أيام قال لي: أحضره وقت العشاء الآخرة إلى الخيمة و نم أنت و إياه على باب البرج، قال: فقلت في نفسي: هذا الشيخ في زمن شبابه ما ارتكب كبيرة، و لما ارتفع سنه يقع فيه و الله لأقتلنه قبل أن يقع في معصية، قال: فعمدت إلى كاذة لي فأصلحتها و قلت: و الله لأقتلنه قبل أن يصل إليه، و جئت بالمملوك إلى الخيمة و أنا قلق، فسهرت عليه الليل و نور الدين في أعلى البرج، فلما كان وقت الصبح غلبتني عيناي فنمت، ثم انقلبت فوقعت يدي على‏

596

خد الغلام، و إذا به مثل الجمرة قد أخذته الحمى، فأخذته و مضيت به إلى خيمتي فلما أصبحت أحضرت الطبيب، قال: هذا مرض سماوي، فلما كان وقت الظهر مات فغسلته و كفنته.

فلما كان اليوم الثاني دعاني نور الدين فدخلت عليه فقال: اقعد فقعدت، فقال يا سهيل: «ان بعض الظن اثم» قال: فاستحييت، فقال: قد عرفت حالي و أنت ربيتني، هل عثرت لي على عثرة؟ قلت: حاشى الله، قال: فلم حملت الكاذة و حدثتك نفسك بالسوء ما أنا معصوم، و لما رأيت الغلام وقع في قلبي منه مثل النار، فقلت انه من تسويل الشيطان فقلت لك: اشتره لعلي يذهب عني ما أنا فيه، فلم يذهب فقالت لي نفسي: أريد أن أراه كل يوم فأمرتك باحضاره، فقالت: ما اقنع إلا بأن تحضره فلما كان في تلك الليلة ما تركتني أنام، و بقيت أنا و اياها في حرب إلى وقت السحر، فهممت أن أفتح باب البرج أصعده إلى عندي، فجاءتني اليقظة، و كشفت رأسي و قلت: الهي محمود عبدك المجاهد في سبيلك، الذاب عن دينك و دين نبيك (صلى الله عليه و سلم)، عمر المدارس و الربط، و أوقف الأوقاف و فعل ما فعل أيختم له بمثل هذا؟ قال: فسمعت هاتفا يقول: يا محمود قد كفيناك أمره لابأس عليك فعلمت أنه قد حدث، و أما أنت يا سهيل جزاك الله عن الصحبة خيرا، و الله القتل أهون علي من الوقوع في المعصية، ثم قدم سهيلا و أحسن إليه.

و حكى لي الكمال ابن البانياسي، ابن أخي الشهاب قال: حكى من يتولى أوقاف نور الدين أنه أجر بعض بساتينه لرجل من دمشق على ستمائة درهم، فأصاب البساتين جائحة، فجاء ذلك الرجل يتضرر، فاسقطوا عنه ثلاثمائة درهم، فلما كان بعد أيام جاء الرجل و معه ستمائة درهم، و هو يبكي، فقلنا له: مالك؟ قال: رأيت في المنام و قد خرج علي نور الدين من القبر و بيده جوكان، و قال: أنت تكسر وقفي و أراد أن يضربني، فقال: أنا تائب و رمى بالدراهم، فقلنا له: خذها فقال: لا و الله أخاف أن يضربني.

597

و حكى شيخنا تاج الدين الكندي، (رحمه الله)، قال: ما تبسم نور الدين إلا نادرا، و حكى لي جماعة من المحدثين انهم قرأوا عليه حديث التبسم، و كان يرويه فقالوا له: تبسم: فقال: لا أتبسم من غير عجب.

و حدثني رجل من أهل حران قال: خرج يوما نور الدين من حران قاصدا إلى الرها، فاجتاز على نهر و فقير نائم على جنب النهر فوقف و سلم عليه، فرفع اصبعا واحدة، فحرك الفقير اصبعين، و مضى نور الدين باكيا، فقيل له: ما هذا؟ قال: أشار الفقير إلي، و قال: في أي شي‏ء أنت، هذا كله لماذا؟ فقلت: من أجل رغيف واحد، فأشار إلي باصبعيه فأنا آكل كل يوم رغيفين و أنا مثلك، و ذكر الأستاذ الجزري في تاريخه قال: كان نور الدين قد جمع العساكر من الموصل و الجزيرة و ديار بكر ليتركها بالشام في مقابلة الفرنج و يتوجه بنفسه إلى مصر، فإنه رأى من صلاح الدين فتورا في غزو الفرنج، و كان المانع لصلاح الدين خوفه من نور الدين، فكان يقصر في غزوهم، و ما كان يرى نور الدين إلا خلاص القدس منهم و استئصالهم من السواحل، فمضى إلى دمشق و أقام يتجهز فأدركه أجله و هو على هذه النية.

ذكر وفاته‏

كان ختن ولده اسماعيل يوم الفطر، و هنى‏ء بالعيد و الطهور، و مدحه الشعراء، و خرج نور الدين يوم الأحد إلى المصلى بالأمراء و الأجناد، و القدر يقول: هذا آخر الأعياد، فمرض و بدأ به الخوانيق، و ما كان يرى الطب، قال الرحبي الطبيب: فاستدعانا، فدخلنا عليه و نحن جماعة من الأطباء و هو في قلعة دمشق في بيت صغير، كان يتعبد فيه، و قد استحكم منه المرض و استحكمت الخوانيق على حلقه، فما كان يسمع له صوت فشرعنا في مداواته، فلم ينجع فيه الدواء مع حضور أجله، و كانوا قد أشاروا عليه بالفصد في أول المرض، فامتنع و كان مهيبا فما روجع، و كانت وفاته يوم الأربعاء حادي عشر شوال، و دفن بالقلعة،

598

ثم نقل إلى مدرسته التي أنشأها مجاورة الخواصين، و يقال إنها كانت دار عمر بن عبد العزيز، و قيل دار سليمان بن عبد الملك، و عاش ثمانيا و خمسين سنة، و كانت أيامه ثمانيا و عشرين سنة و ستة أشهر، و قال عرقلة في مدرسة نور الدين:

و مدرسة سيفنى كل شي‏ء* * * و تبقى في نمي علم و نسك‏

تضوع ذكرها شرقا و غربا* * * بنور الدين محمود بن زنكي‏

يقول و قوله حق و صدق‏* * * بغير كناية و بغير شك‏

دمشق في المدائن بيت ملكي‏* * * و هذي في المدارس بيت هلكي‏

و رثاه (رحمه الله تعالى) جماعة من الشعراء فقال العماد الكاتب فيه:

عجبت من الموت كيف اهتدى‏* * * إلى ملك في سجايا ملك‏

و كيف ثوى الفلك المستدير* * * في الأرض و الأرض وسط الفلك‏

و قال أيضا:

يا ملك أيامه لم تزل‏* * * لفضله فاضلة فاخرة

ملكت دنياك و خلفتها* * * و صرت تملك بها الآخرة

و حكى أبو اليسر شاكر بن عبد الله قال: تعدى بعض أمراء صلاح الدين على رجل و أخذ ماله، فجاء إلى صلاح الدين فلم يأخذ له بيده فجاء إلى قبر نور الدين فشق ثيابه و حثا التراب على رأسه، و جعل يستغيث: يا نور الدين بن أتابك، و يبكي، و بلغ صلاح الدين فاستدعاه و أعطاه ماله، فازداد بكاؤه فقال له صلاح الدين: ما يبكيك و قد انصفناك؟ فقال: انما أبكي على ملك انتصفت ببركاته بعد موته، كيف يأكله التراب، و يفقده المسلمون.

599

ذكر ألقاب نور الدين‏

السلطان الملك العادل، العالم، العامل، الزاهد، العابد الورع المجاهد المرابط، نور الدين، و عدته، و ركن الدين و سيفه، قسيم الدولة و عمادها، اختيار الخلافة و معدها، رضي الامامة و أميرها، فخر الملة و مجيرها و شمس المعالي و ملكها، سيد ملوك الشرق و الغرب و سلطانها، محيي العدل في العالمين، منصف المظلومين من الظالمين، ناصر دولة أمير المؤمنين.

و ذكر ألفاظا أخر، ثم إن نور الدين أسقط الجميع قبل موته و قال:

اللهم و أصلح عبدك الفقير محمود بن زنكي، و روي أنه كتب رقعة بخطه إلى وزيره خالد بن القيسراني يأمره أن يكتب له صورة ما يدعى له به على المنابر، و كان مقصوده صيانة الخطيب عن الكذب، و لئلا يقول ما ليس فيه، ثم قال: و أرى أن يقال على المنبر، اللهم و أصلح عبدك الفقير إلى رحمتك، الخاضع لهيبتك، المعتصم بقوتك، المجاهد في سبيلك، المرابط لأعداء دينك أبا القاسم محمود بن زنكي بن أقسنقر، ناصر أمير المؤمنين، قال: هذا ما يدخله كذب و لا تزيد، فكتب نور الدين بخطه على رأسه، مقصودي أن لا يكذب على المنبر، أنا بخلاف كلما يقال أأفرح بما لا أعمل إنه عمل عظيم، الذي كتبت به جيد، اكتب به نسخا إلى البلاد، فكتب، و كان يقول لأصحابه حرام على كل من صحبني، و لا يدفع إلي قصة مظلوم لا يستطيع الوصول إلي.

و ذكر ابن الأثير في تاريخه و قال: كان مجلس نور الدين مثل مجلس رسول الله (صلى الله عليه و سلم) لا يسمع لأحد فيه كلمة إلا مفيدة، فلما ملك صلاح الدين دمشق حضر الحافظ ابن عساكر مجلسه، فسمع لغطا كثيرا و كل واحد يتحدث مع الآخر، و ليس للمجلس هيبة، فبكى الحافظ و قال: يرحم الله نور الدين، فلقد حضرت مجلسه مرارا فما سمعت أحدا ينطق إلا جوابا، فما هذا اللغط، فبلغ صلاح الدين فقال:

إذا حضر الحافظ عندنا فلا يتكلم أحد بكلمة.

600

ذكر ما جرى بعد وفاته‏

كان ولده الصالح لم يبلغ الحلم فأجلسوه مكانه، و حضر القاضي كمال الدين الشهرزوري و شمس الدين بن المقدم و جمال الدين، و ريحان و هو أكبر الخدم و العدل أبو صالح ابن العجمي أمين الأعمال، و الشيخ اسماعيل خازن بيت المال، و تحالفوا أن تكون أيديهم واحدة، و أن شمس الدين ابن المقدم إليه تقدمه العساكر و تربية الملك الصالح، و وصل كتاب صلاح الدين من انشاء الفاضل إلى دمشق و فيه: أدام أيام مولانا الملك الصالح و رفع قدره، و أعظم أجر المملوك في مولانا السلطان الملك العادل و أجره، اصدر خدمته هذه يوم الجمعة رابع عشر ذي العقدة، و فيه أقيمت الخطبة بالاسم الكريم، و صرح بذكره في الموسم العظيم، و الجمع الذي لا لغو فيه و لا تأثيم، و أشبه يوم المملوك فيه أمسه في الخدمة و وفى بما لامه من حقوق النعمة، و جمع كلمة الاسلام لعلمه أن الجماعة رحمة، و الله تعالى يخلد ملك مولانا السلطان الملك الصالح، و يصلح به و على يديه، و يديم النعماء عليه، و ذكر فصولا تتعلق بالتهنئة و التعزية.

و لما بلغ الفرنج وفاة نور الدين قصدوا بانياس طمعا في البلاد، فراسلهم شمس الدين ابن المقدم، و خوفهم بأس صلاح الدين، فلم يلتفتوا فصالحهم على مال و دفعه إليهم في ذلك الوقت، و بلغ صلاح الدين فشق عليه، و كتب إلى شرف الدين ابن أبي عصرون يقول: لما بلغني وفاة المرحوم، خرجت من مصر لقصد الجهاد و تطهير البلاد من أهل الكفر و العناد، فبلغني حديث الهدية المؤذنة بذل الاسلام، و شين شريعة المصطفى (صلى الله عليه و سلم)، و سيدنا الشيخ أولى من جرد لسانه في إنكار هذا الأمر فإن بلسانه تغمد السيوف و تتجرد الحقوق.

و اما سيف الدين غازي فقد كان سار عن الموصل لنجدة عمه نور الدين، و وصل إلى حران فبلغه وفاة عمه فاستولى على الجزيرة بأسرها ما خلا قلعة جعبر، و كان نور الدين قد أبطل المكوس و الخمور من‏

601

الجزيرة، فأعادها سيف الدين و أقام مناديا ينادي في الأسواق و بيده باطية خمر و قدح و هو يشرب، فكثر الترحم على نور الدين، و أراد سيف الدين العبور إلى الشام و الاستيلاء على حلب فقال له الأمراء: ارجع إلى بلدك فقد ملكت الجزيرة و لم يملكها أبوك، و صلاح الدين بين يديك، فكتب إلى أمراء نور الدين يلومهم حيث ملكوا سيف الدين الجزيرة، و يقول: سوف أصل إلى خدمة ابن مولاي و أجازي انعام والده علي، و ما عاملني به، و كان شمس الدين بن الداية في قلعة حلب حاكما عليها هو و أخواه مجد الدين أبو بكر و سابق الدين عثمان، و كانوا أعز الناس على نور الدين، و كان نجم الدين أبو بكر رضيع نور الدين، و كانت شيزر لشمس الدين علي بن الداية، و قلعة تل باشر لأخيه سابق الدين عثمان و حارم لبدر الدين أحمد أخيهما، و كان نور الدين قد اسكنهم معه بقلعة حلب و لا يصدر إلا عن رأيهم، فلما مات نور الدين لم يشكوا أنهم أحق بتربية ولده من غيرهم، و كان أوجههم شمس الدين، و كان بالقلعة معه شاذبخت الخادم، فلما وصل سيف الدين إلى الفرات أرسل شمس الدين إلى دمشق فطلب الملك الصالح ليدفع به سيف الدين، فقالوا: ان سيرتموه إليه استولى على تربيته، فاعتذروا إليه، و أقام الملك الصالح بدمشق تمام هذه السنة.

انتهت ترجمة نور الدين رحمة الله عليه و صلى على أشرف خلقه محمد و آله.

السنة السبعون و خمسمائة

فصل ملك صلاح الدين .....

لما انقضت نوبة الاسطول فسار إليها بعساكره، و كان ابن المقدم قد كاتبه و القاضي كمال الدين بن الشهرزوري، و ابن الجاولي و الأعيان،

602

و كان بالقلعة ريحان الخادم فعزم على قتاله فجهز إليه عسكر دمشق، و ركب صلاح الدين من الجسورة و التقاه أهل دمشق بأسرهم و أحدقوا به، فنثر عليهم الدراهم و الدنانير، و جاء صلاح الدين فدخل دمشق، و لم يغلق في وجهه باب و لم يمنعه مانع.

و قال القاضي الفاضل، فملكنا دمشق عناية لا عنوة، و كان عسكر دمشق لما رأوا فعل العوام بصلاح الدين انكفؤوا راجعين إلى القلعة، و نزل صلاح الدين بدار العقيقي و كانت دار أبيه، و نزل أخوه شمس الدين بدار عمه أسد الدين شيركوه، و تمنعت عليه القلعة أياما، ثم سلمها إليه ريحان الخادم، و أحسن صلاح الدين إلى ابن المقدم و القاضي ابن الشهرزوري، و مشى إلى دار كمال الدين فانزعج و خرج إلى لقائه، و دخل صلاح الدين فجلس و باسطه، و قال: يا كمال الدين لما كنت في الشحنكية قد كانت بيننا هنات و مشاحنات- و كان كمال الدين يكرهه فكان كل واحد منهما ينقض على الآخر أحكامه- فقال له صلاح الدين ما مشيت إليك إلا لأزيل ما في خاطرك من الوهم، و أعرفك أن ما في قلبي لك ما تكره، فطب نفسا و قر عينا، فالأمر أمرك و البلد بلدك.

قلت: و مشي صلاح الدين إلى دار كمال الدين من أحسن ما سطر في السير، و هو دليل على تواضعه و عفوه بعد ما قدر، فيا طوبى لمن جاء بعده إن فكر و اعتبر، و عرف قدر انعام الله عليه فحمد و شكر، و أكثر الشعراء في أخذ صلاح الدين دمشق، ثم ان صلاح الدين أسكن أخاه طغتكين قلعة دمشق، و طغتكين هو سيف الاسلام، ثم كتب إلى الملك الصالح بن نور الدين كتابا يتواضع له فيه و يخاطبه بمولانا و ابن مولانا، و يقول: إنما جئت من مصر خدمة لك لأؤدي ما يجب من حقوق المرحوم فلا تسمع ممن حولك فتفسد أحوالك و تختل أمورك، و ما قصدي إلا جمع كلمة الاسلام على الفرنج، فعرض كتابه على أرباب دولته و فيهم خالد ابن محمد بن القيسراني و غلمان أبيه و ابن العجمي، فأشاروا إليه بأن‏

603

يكاتبه بالغلظة، فكتب إليه منكرا عليه، و ينسبه إلى كفر النعمة، و حجد احسان والده و أوعده و هدده، و بعث بالكتاب مع ينال بن حسان صاحب منبج، فأغلظ لصلاح الدين في الجواب و قال: السيوف التي ملكتك مصر هي التي تردك، و أشار إلى سيفه فغضب صلاح الدين و قال: و الله لولا أنك رسول لضربت عنقك، و الله ما جئت إلى هاهنا شرها و لا طمعا في الدنيا، و في مصر كفاية، و ما جئت إلا لأستنقذ هذا الصبي من يد مثلك و أمثالك، فأنتم سبب زوال دولته، ثم طرده بغير جواب، فعاد إلى حلب و استناب صلاح الدين بدمشق أخاه سيف الاسلام ظهير الدين طغتكين، و سار إلى حمص فأخذها، و فتح حماة، و سار إلى حلب فاستغاثوا عليه بالاسماعيلية و أعطوهم ضياعا و مالا فأرسلوا إليه جماعة من فتاكهم ورآهم ناصر الدين خمارتكين صاحب أبي قبيس فعرفهم، لأنه كان منازعا لهم، و أنكر عليهم مجيئهم، و سبق إلى خيمة صلاح الدين ليخبره فأدركوه على باب الخيمة، ثم أرادوا الهجوم على صلاح الدين، و كان أمير جنوده سيف الدين طغريل، فجذب السيف و قتل واحدا منهم، و اجتمع الغلمان على الباقين فقتلوهم، و رحل صلاح الدين عن حلب في أول رجب و جاء إلى حمص، ثم نازل بعلبك فأخذها في رمضان من الخادم يمن الريحاني، و وصل عسكر الموصل إلى حلب، و انضاف إليهم عسكر حلب، و نزلوا تل السلطان فساق عليهم و بغتهم و كان مقدمهم عز الدين مسعود أخو سيف الدين غازي، فكسرهم كسرة عظيمة و انهزموا إلى حلب، و غنم أثقالهم و أسر رجالهم، فجاء فحصر حلب و هي المرة الثانية من حصار حلب، و المرة الأولى من كسرة الموصل، و رجع صلاح الدين فنازل حصن بارين و أخذه من ابن الزعفراني، و كان من أكابر أمراء نور الدين و لقبه فخر الدين و اسمه مسعود، و أعطى مدينة حماة لخاله و قيل لابن خاله و صهره ابن شهاب الدين محمود، و أعطى حمص لناصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه، و جاءته رسل حلب، و اتفق الحال أن يكون بدمشق نائبا عن الملك‏

604

الصالح ابن نور الدين فأجابهم، و شفع في بني الداية و قال: لابد منهم فلهم علينا حقوق كثيرة، فقالوا: نعم، و فارقوه على ذلك و جاءته الخلع و التشريفات من الخليفة و لأهله، و لقب بالملك الناصر.

فصل و فيها وصلت النبوية من العراق بين عشرة آلاف فارس و راجل‏

فنزلوا بزاعة و الباب فقتلوا ثلاثة عشر ألفا من أمراء الاسماعيلية، و سبوا نساءهم و ذراريهم، و عادوا إلى العراق و معهم الغنائم و الرؤوس على رماحهم و على القصب عشرون ألف أذن، و بعث صلاح الدين العساكر فأغاروا على البلاد الاسماعيلية و أحرقوا سرمين و معرة مصرين و مصيات، و ضياع جبل السماق و قتلوا معظم أهله.

و فيها استخدم صلاح الدين العماد الكاتب، و سببه أنه التقى القاضي الفاضل على حمص و مدحه بأبيات من الشعر، فدخل الفاضل على صلاح الدين و قال له: تأتيك تراجم الأعاجم و ما يحلها مثل العماد فقال:

مالي عنك مندوحة أنت كاتبي و وزيري و قد رأيت على وجهك البركة فإذا سلمت غيرك تحدث الناس، فقال الفاضل: هذا يحل التراجم و ربما أغيب أنا و لا أقدر على ملازمتك، فإذا غبت قام مقامي و قد عرفت فضل العماد و خدمته للدولة النورية، فاستكتبه.

و فيها استوزر سيف الدين غازي صاحب الموصل جلال الدين أبا الحسن علي بن جلال الدين الوزير الأصبهاني فظهر منه من الكفاية و النهضة و حسن التدبير و الكتابة مالم يكن في أحد، و كان عمره خمسا و عشرين سنة ......

السنة الحادية و السبعون و خمسمائة

و أما أخبار الشام فإن الحلبيين نقضوا الصلح الذي كان بينهم و بين صلاح الدين، و سببه أن سيف الدين غازي لامهم على ذلك، و أرسل‏