تاريخ دمشق‏ - ج1

- سهيل زكار المزيد...
846 /
605

رسولا، و وقع له كتابين أحدهما إلى صلاح الدين ليأخذ منه عهدا للمواصلة و يكشف ما عنده، و الكتاب الثاني إلى الحلبيين يلومهم على الصلح و يخبرهم أنه مقبل بعساكر الشرق، و كان صلاح الدين بدمشق فبدأ به الرسول و قد ربط الكتابين في منديله لتغفله، فلما دخل على صلاح الدين غلط فناوله كتاب الحلبيين لسعادة صلاح الدين فتأمله و علم أن الرسول غلط فلم يقل له كلمة و فهم الرسول، فقام و خرج من عنده و لم يمكنه الاستدراك، و كتب صلاح الدين إلى مصر لأخيه الملك العادل أبي بكر بتجهيز العساكر المصرية إلى الشام سرعة، و جمع سيف الدين العساكر من الجزيرة، و كان أخوه عماد الدين زنكي بسنجار عاصيا له مائلا إلى صلاح الدين، فصالحه و جاء سيف الدين فقطع الفرات و نزل عليها و بعث إلى أمراء حلب و كمشتكين الخادم و تقرر بينهم أمر، و سار إلى حلب و التقاه الملك الصالح بن نور الدين فاعتنقه سيف الدين و بكى، و نزل بظاهر حلب بعين المباركة، و صعد القلعة جريدة، و كان أمراء حلب يركبون كل يوم إلى خدمته، ثم رحل إلى تل السلطان و معه عساكر الشرق و ديار بكر و الحلبيين فكانوا عشرين ألفا ما بين فارس و راجل، و بلغ صلاح الدين، و هو بدمشق و لم يكن عنده سوى ستة آلاف و ما رأى التخلف عن لقائهم و كان في انتظار العسكر المصري فسار و نزل حماة و ترك اثقاله بها، و سار إلى جباب التركمان، و جاءه رسول الحلبيين يخوفونه بأسهم و يأمرونه بالرجوع إلى مصر.

قال رسولهم: فوافيته و هو في خيمة صغيرة على بساط لطيف، و تحته سجادة، و بين يديه مصحف، و هو مستقبل القبلة إلى جانبه زرديته و سيفه و قوسه و تركاشه معلق في عمود الخيمة، فلما رأيته وقع في خاطري أنه المنصور، لأنني فارقت سيف الدين و الأمراء و هم على طنافس الحرير و الخمور تروق و الخواطي تعمل، و ليس في خيامهم خيمة إلا و فيها أنواع المحرمات، فأديت إليه الرسالة، و جاء وقت الظهر

606

فضج العسكر بصوت الآذان، و في كل خيمة إمام فقال لي: الحق بأصحابك و قل لهم يستعدوا للقائي فإني عند طلوع الشمس نازل عليهم و يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وَ هُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ‏ (1).

قال: ففارقته و أنا على بصيرة من نصره و خذلانهم، و سقت عامة الليل فوافيتهم وقت الفجر و هم سكارى، فطلبت سيف الدين فقيل هو نائم قال: و الله ما انتظر الشمس إلا و أعلام صلاح الدين قد أقبلت و الكوسات تخفق و أصحابنا نيام فقاموا مسرعين و كان يوم الخميس عاشر شوال و كان على ميمنة صلاح الدين ابن خاله شهاب الدين محمود، و على ميسرته ابن زين الدين صاحب إربل و صاحب بصرى و هو في القلب، و كان في ميمنة المواصلة مظفر الدين ابن زين الدين صاحب إربل، و على ميسرته الحلبيون و سيف الدين في القلب، و كان صلاح الدين قد وقف على تل عال فحمل ابن زين الدين فطحن ميسرة صلاح الدين، و حمل الحلبيون على ميمنته فتعتقوها، فنزل إليهم و اتفق وصول العساكر المصرية في تلك الساعة مع تقي الدين عمر، و عز الدين فرخشاه و ناصر الدين محمد بن أسد الدين فهال ذلك الحلبيين من دق الكوسات، و كثرة الأطلاب، و العدد الوافرة و الخيل العربية، فانخذلوا و ولوا منهزمين، و ساق صلاح الدين خلفهم و أسر أمراءهم، و نجا سيف الدين بنفسه، و عاد صلاح الدين إلى خيامهم فوجد سرادق سيف الدين مفروشا بالرياحين و المغاني جلوس في انتظاره، و الخمور تروق و مطابخه بقدورها، و فيه اقفاص الطيور فيها أنواع من القماري و البلابل و الهزارات، فأرسل صلاح الدين بما كان في السرادق و المغنين و الخمور و الطيور إليه و قال للرسول قل له: اشتغالك بها أليق من مباشرة الحروب، و لا تعد إلى مثلها، ثم فرق صلاح الدين الخزائن و الخيل و الخيام على أصحابه و أعطى عز الدين فرخشاه سرادق‏

____________

(1) سورة الأعراف- الآية: 87.

607

سيف الدين، و كان عز الدين قد أبلى في ذلك اليوم بلاء حسنا، ثم سار صلاح الدين فنزل على منبج و بها قطب الدين ينال بن حسان فقاتله، و اتفق وقوع ثلمة في السور و طلب الأمان على نفسه فأمنه، فخرج سليبا، و أخرج صلاح الدين من الحصن ثلاثمائة ألف دينار و عرض عليه المقام عنده فامتنع و كان بينه و بين صلاح الدين شنآن قديم، فأنف أن يكون تبعا له، فسار إلى الموصل فأقطعه سيف الدين الرقة، و سار السلطان لفتح حصن بزاعة، و نازل أعزاز فأقام عليه ثمانية و عشرين يوما، و فتحه في ذي الحجة.

فصل [في محاولة الاسماعيلية قتل صلاح الدين:]

و فيها و ثبت الاسماعيلية على صلاح الدين و هو على أعزاز، جاءه ثلاثة في زي الأجناد، فضربه واحد بسكين في رأسه و كان في عمته زرد مدفون فلم يجرحه و خدشه السكين في خده و قتل داود بن مسكلان و قتل الثلاثة، فرحل صلاح الدين فنزل على حلب، فبعث الملك الصالح اخته الخاتون بنت نور الدين إلى صلاح الدين في الليل، فدخلت عليه فقام قائما و قبل الأرض و بكى على نور الدين، فسألت أن يرد عليهم أعزاز فقال: سمعا و طاعة و أعطاها إليها، و قدم إليها من الجواهر و التحف و المال شيئا كثيرا، و اتفق مع الملك الصالح أن له حماة و ما فتحه إلى مصر، و أن يطلق الصالح أولاد الداية.

و سار إلى بلاد الاسماعيلية فنصب المناجيق على مصيات، و نهب العساكر بلادهم، و قتلوا و سبوا و كان مقدم الاسماعيلية سنان بن محمد، و أرسل إلى شهاب الدين محمود صاحب حماة خال صلاح الدين يقول له: نحن جيرانك و قد فعل ابن اختك ما فعل، و المصلحة رحيله عنا، فاشفع إليه، فما أمكنه مخالفتهم، فأخبر صلاح الدين و قال أخاف على نفسي فرحل إلى دمشق.

608

فصل [فى قدوم شمس الدولة أخو صلاح الدين من اليمن إلى دمشق‏]

و فيها قدم شمس الدولة أخو صلاح الدين من اليمن إلى دمشق في سلخ ذي الحجة، و فيها فوض سيف الدين غازي أمر الموصل إلى مجاهد الدين قيماز الخادم، و كان قبل ذلك نائب سيف الدين.

السنة الثانية و السبعون و خمسمائة

..... و فيها تزوج صلاح الدين بالخاتون عصمة الدين، بنت الأمير معين الدين أنر زوجة نور الدين محمود، و كانت بقلعة دمشق، زوجها منه شرف الدين بن أبي عصرون.

و فيها كانت نوبة الكنز مقدم السودان بالصعيد، جمع كل أسود بالصعيد، و سار إلى القاهرة في مائة ألف ليعيد الدولة المصرية، فخرج إليه الملك العادل سيف الدين، و أبو الهيجاء الهكاري، و عز الدين موسك، و قتل الكنز بمن معه، و يقال انهم قتلوا منهم ثمانين ألفا، و عادوا إلى القاهرة فقال العماد الكاتب: قتل الكنز و ما انتطح فيها عنزان.

و فيها سار صلاح الدين إلى مصر و استناب أخاه شمس الدولة على الشام، و جاءت الفرنج إلى داريا فأحرقوها، و نهبوا و عادوا.

و فيها أمر صلاح الدين قراقوش بعمارة سور على القاهرة و مصر و ضيع فيه أموالا كثيرة، و لم ينتفع به أحد.

و فيها أبطل صلاح الدين الخفارة التي كانت تؤخذ من الحاج بجدة مما يحمل في البحر، و عوض صاحب مكة في كل سنة ثمانية آلاف اردب قمح تحمل إليه في البحر، و يحمل مثلها فتفرق في أهل المارستان في القصر، و وقف عليهما الأوقاف و على أهل الحرمين ....

609

السنة الثالثة و السبعون و خمسمائة

فصل [فى وقعة الرملة في جمادى الآخرة:]

..... و فيها كانت وقعة الرملة في جمادى الآخرة خرج صلاح الدين من مصر بالعساكر على عسقلان ثم رحل يريد تل الصافية فازدحمت العساكر على الجسر يريدون العبور، فلم يشعروا إلا و قد خالطهم الفرنج فبعث تقي الدين عمر و قاتل، ثم قتل من المسلمين خلق كثير و انهزمت عساكر الاسلام و أسر كثير، منهم الفقيه عيسى و غيره، و لولا أن الليل حجز بينهم لم يبق من المسلمين أحد، و سار صلاح الدين في الليل إلى مصر من غير دليل و لا ماء، و لا زاد، و كانت هذه الوقعة من أعظم الوقائع أبلت في الاسلام فأوهنت صلاح الدين، لأنه كاد أن يتلف جوعا و عطشا، و نهبت خزائنه و قتل رجاله و أسر أبطاله، و كان مقدم الفرنج أرناط و كان من أكبر ملوك الفرنج، و كان نور الدين قد أسره في وقعة حارم و حبسه في قلعة حلب، فأطلقه الملك الصالح فجاء و معه ملوك الفرنج، و ما أتلف عسكر المسلمين إلا أنهم تفرقوا في الغارات، و كانوا زيادة على عشرين ألفا، و وقعت الكسرة و معظمهم لم يعلم فلما رجعوا من الغارات لم يجدوا صلاح الدين و لم يكن لهم حصن يأوون إليه فدخلوا الرمل، و تبعهم الفرنج قتلا و أسرا، و من سلم منهم مات جوعا و عطشا و كان يوما عظيما على الاسلام لم يجبره إلا وقعة حطين.

و رجع أرناط بجمعه إلى حماة فأناخ عليها، و بها شهاب الدين محمود خال صلاح الدين، و هو يومئذ مريض، و عنده سيف الدين المشطوب فقاتلهم العسكر و أهل حماة قتالا عظيما، و لولا المشطوب لملكوها و قطعوا أشجارها و أحرقوا ضياعها، و رحلوا إلى حارم و بها كمشتكين الخادم عاصيا على الملك الصالح اسماعيل، فنصبوا عليها المناجيق و قاتلوها أياما فلجأت الضرورة إلى مصالحة الملك الصالح فبعث إليه النجدة فرحلوا إلى أنطاكية و قتل كمشتكين و أبو صالح بن العجمي، و بلغ صلاح الدين‏

610

نزول الفرنج على حماة، فجمع العساكر بمصر، و سار إلى الشام فقدم دمشق و بها أخوه شمس الدولة مشغول بلذاته و لهوه، و كان قد بعث إلى الفرنج بمال مصانعة، فعز على صلاح الدين و لامه و قبح فعله، و قال أنت مشغول باللعب و تضييع أموال المسلمين، و كان وصول صلاح الدين إلى دمشق في شوال، و استناب بمصر أخاه العادل أبا بكر ...

فصل [فى وفاة كمشتكين خادم نور الدين محمود:]

و فيها توفي كمشتكين الخادم خادم نور الدين محمود و كان من أكابر خدمه، ولاه قلعة الموصل نيابة عنه، فلما مات نور الدين هرب إلى حلب، و خدم شمس الدين ابن الداية، ثم جاء إلى دمشق و أخذ الملك الصالح، و جاء به إلى حلب و قد ذكرناه و أقطعه الملك الصالح حارم و أقام بها، و عصى عليه، فلما حصره الفرنج صالحه و قد ذكرناه.

و اختلف في قتله على قولين: أحدهما أن كمشتكين حسد أبا صالح ابن العجمي وزير الملك الصالح، فوضع عليه الاسماعيلية فقتلوه، و استقل كمشتكين بالأمر فقيل للملك الصالح ما قتل وزيرك إلا الخادم ليستبد بالأمر، فحبسه و طالبه بتسليم قلعة حارم، فكتب إلى نوابه أن يسلموها قال العماد الكاتب: فلما طال أمره قصر عمره.

و الثاني أنهم لما امتنعوا من تسليم قلعة حارم خرج إليها الملك الصالح من حلب و معه الخادم فقال: مرهم بتسليمها فلم يقبلوا، فعلقه منكوسا و دخن تحت أنفه، فمات، و عاد الملك الصالح إلى حارم فأخذها و سلمها بعد ذلك إلى مملوك أبيه جرديك ...

فصل [: فى وفاة شهاب الدين محمود خال صلاح الدين‏]

و فيها توفي شهاب الدين محمود خال صلاح الدين، كانت له حماة فنزلت عليه الفرنج و هو مريض فتوفي، و أعطاها صلاح الدين لناصر الدين منكورس بن خمارتيكن صاحب صهيون، و قيل إنما أعطى صلاح‏

611

الدين حماة لتقي الدين عمر، و قيل في السنة الآتية، و كان ناصر الدين نائبا عن تقي الدين ......

السنة الرابعة و السبعون و خمسمائة

فصل [: فى عصيان شمس الدين ابن المقدم ببعلبك‏]

و فيها عصى شمس الدين ابن المقدم ببعلبك و كان صلاح الدين قد أعطاه اياها، و قدم صلاح الدين دمشق فأرسل إلى ابن المقدم يطلبه، فاعتذر خوفا من شمس الدولة لأنه طلب منه بعلبك فامتنع، فخرج صلاح الدين من دمشق و نزل على بعلبك و أقام تسعة أشهر يحاصرها فنفد ما عنده، فأرسل إلى السلطان يطلب العوض فأعطاه بارين و كفر طاب، و خرج شمس الدين بن المقدم إليها و سلم صلاح الدين بعلبك إلى أخيه شمس الدولة، و فيها مات الهنفري ملك الفرنج، بلغ صلاح الدين أنه يريد أن يغير على دمشق فبعث عز الدين فرخشاه ابن أخيه بعسكر دمشق إلى عين الجر و قال: تقيم هناك إلى مرج عيون، فإن جاؤوك، فأرسل كتب الطيور إلي و لا تواقفهم حتى آتيك، فسار فنزل مرج عيون فلم يشعر إلا بطلائع الهنفري قد خالطوه، فاضطر إلى القتال فاقتتلوا أشد قتال، فجرح الهنفري و أثقلته جراحه فأوثقوه و أخذوه، و انهزموا و غنمهم فرخ شاه و مات هنفري بعد أيام، و جاء صلاح الدين فنزل قصر يعقوب و بعث السرايا و الغارات إلى بلد الفرنج .....

السنة الخامسة و السبعون و خمسمائة

و فيها كان السلطان نازلا على تل القاضي ببانياس، فأجمع رأيه مع بقية المسلمين على أن يقتحموا على الكفار ديارهم، و يستوعبوا ما بقي في أيديهم من الغلات في يوم واحد، ثم رجعوا فرحلوا صوب البقاع، فنهضوا ليلة الأحد ثاني عشر محرم، فلما أصبح جاءه الخبر بأن الفرنج‏

612

قد خرجوا فالتقاهم، و أنزل الله نصره على المسلمين، فأسر فرسانهم و شجعانهم، و انهزمت رجالتهم في أول اللقاء.

فأسر مقدم الداوية و الاسبتار، و صاحب طبرية و ابن بيزران صاحب الرملة، و ابن القومصية، و قسطلان يافا، و صاحب جينين، و صاحب جبيل، و كانت وقعة عظيمة، فخلص بعضهم و مات بعضهم في الأسر، و خلص الفقيه عيسى، و كان قد أخذ من الرملة و قد ذكرناه، و حسب من القطيعة بستين ألف دينار، و قيل إن وقعة مرج عيون كانت في المحرم، و هذه وقعة مخاضة بيت الأحزان.

و فيها سار السلطان في ربيع الأول إلى حصن يعقوب و يسمى قصر يعقوب و بيت الأحزان عند المخاضة، فنصب عليه المناجيق، و خلع على النقابين، و باشر القتال بنفسه فعلقوا النقوب، و أحرقوا الأخشاب فسقطت الأبراج، فصاحوا الأمان، و عاجلهم المسلمون ففتحوه عنوة، و كان عرض سوره عشرة أذرع و طوله أربعون ذراعا فقتل المسلمون منهم ألفا و خمسمائة، و خلصوا من أسارى المسلمين مائة أسير، و كان بيت الأحزان الذين يزعمون أن يعقوب كان ينفرد فيه و يبكي على يوسف كنيسة، فجعله السلطان مسجدا و ذكر الشعراء هذا الحصن فقال أحمد بن نقاذة الدمشقي و يلقب بالنشو:

فقال:

هلاك الفرنج أتى عاجلا* * * و قد آن تكسير صلبانها

و لو لم يكن قددنا حتفها* * * لما عمرت بيت أحزانها

و كتب الفاضل إلى بغداد كتاب كسر الفرنج، فأمر الخليفة بضرب البوقات و الدبادب على أبواب الأمراء ما عدا طبول الخليفة، و لم يشهد تقي الدين هذه الغزاة، و سببه ان قليج أرسلان نزل على حصن رعبان في عشرين ألفا و ادعى أنه له، فسار تقي الدين إليه في‏

613

ألف فارس و هزمه، فكان تقي الدين يدل بهذه الوقعة حيث هزم ألوفا بألف، انتهى.

و فيها ختن السلطان ولده الملك العزيز عثمان فاتخذ له يوسف بن الحسين، و يعرف بابن المجاور معلما و تسلم فرخشاه بعلبك و مات المستضي‏ء ......

السنة السادسة و السبعون و خمسمائة

فصل [: فى وفاة سيف الدين صاحب الموصل‏]

و فيها توفي سيف الدين صاحب الموصل‏

و فيها سار صلاح الدين إلى بلاد الروم، و سببه ان نور الدين محمد ابن قرا أرسلان بن سكمان بن أرتق صاحب حصن كيفا قد انتمى إليه، و كان عز الدولة قليج ارسلان بن مسعود بن قليج أرسلان قد زوجه ابنته فأساء العشرة معها، فكتبت إلى أبيها تشكوه فبعث إليه، إما أن تحسن عشرتها، و إما أن تفارقها، فلم يلتفت إليه، و كاتب صلاح الدين فسار في نجدته فالتقاه ابن أرتق على نهر يقال له الأزرق بين بهسنا و حصن منصور، ثم عبرا منه إلى النهر الأسود، و جاءت رسل قليج و تقرر الصلح و عاد السلطان إلى بلاد ليون فأخربها و نهبها، فصالحه على مال و اسارى، فرجع إلى دمشق ....

و فيها توفي الملك المعظم شمس الدولة أخو صلاح الدين لأبيه، و اسمه توران شاه، و لقبه فخر الدين، و كان أكبر من صلاح الدين، و قد ذكرنا أخباره و دخوله إلى اليمن و أخذه لبعلبك، و كان جوادا سمحا حسن الأخلاق، إلا أنه كان في نفسه من الملك و يرى انه أحق به من صلاح الدين، و كانت تبدو منه كلمات في حال سكره، و بلغ صلاح الدين فأبعده إلى اليمن فسفك الدماء و قتل الأرامل و أخذ الأموال، و أعطاه بعلبك، فبلغه عنه أشياء فخاف منه فأبعده عنه إلى الاسكندرية،

614

فأقام بها منعكفا على لهوه و لعبه، و لم يحضر حروب أخيه صلاح الدين، فتوفي بالاسكندرية في هذه السنة، فأرسلت أخته ست الشام و كانت شقيقته فحملته في تابوت إلى دمشق فدفنته في تربتها التي أنشأتها على الشرف الشمالي عند العوينة، و بنت عليه قبة و بهذه التربة ولدها حسام الدين بن لاجين، و زوجها ناصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه، و دفنت هي بعد الكل، و سنذكرها إن شاء الله تعالى.

فصل [: فى وفاة سيف الدين غازي بن مودود بن غازي بن أقسنقر صاحب الموصل‏]

و فيها توفي سيف الدين غازي بن مودود بن غازي بن أقسنقر صاحب الموصل، ابن أخي نور الدين، و كان من أحسن الناس صورة عاقلا وقورا غيورا للدماء مع شح كان فيه، قال المجد ابن الأثير: كان قد علق عليه سل، و طالت علته، و أجدبت البلاد قبل موته، و خرج الناس يستسقون و خرج سيف الدين معهم، فاستغاث إليه الناس و قالوا: كيف يستجاب لنا و الخمور و الخواطى‏ء و المظالم بيننا؟ فقال: قد أبطلتها، و رجع البلد و فيهم رجل صالح يقال له أبو الفرج الدقاق، فأهرق الخمور لا غير، و نهب العوام دكاكين الخمارين، فاستدعي الدقاق إلى القلعة و قيل له: أنت جرأت العوام على السلطان، و ضرب على رأسه، فانكشف رأسه و اطلق، و نزل مكشوف الرأس، فقيل له غط رأسك، فقال: لا و الله لا أغطيه حتى ينتقم ممن ظلمني فمات الزردار و الذي ضربه بعد قليل و مرض سيف الدين و توفي.

ذكر حكايته مع الشيخ ابن أحمد أبي الحداد الزاهد:

كان أبو أحمد قد انقطع في قرية من بلاد الموصل يقال لها الفضيلية، و منها أصله، و هي على فراسخ من الموصل.

حدثني أبو بكر القديمي و اسماعيل الشعار، و كانا قد صحبا الشيخ أبا أحمد قالا: كان سيف الدين يزور الشيخ أحمد، فقال له: يا سيف‏

615

الدين أي فائدة في زيارتك و أنت تشرب الخمر و تبيح المحرمات و تمكس المسلمين، فان كنت تدع هذا و الا فلا تجي‏ء إلى عندي، فقال: يا سيدي أنا تائب إلى الله من جميع ما قلت، و ترك الجميع و عاد إلى ما كان عليه.

و كان للشيخ طاقة على باب الزاوية ينظر من يجي‏ء من دمشق، قال:

فبينما نحن عنده ذات يوم و إذا بسيف الدين قد أقبل و صعد إلى الدرج، فقال لي أبو أحمد: أغلق الباب في وجهه، و قل له ما لك عندي شغل، و ادفعه إلى أسفل الدرج، قال أبو بكر القديمي: فخرجت فاستحييت منه، فقال لي سيف الدين: يا شيخ افعل بي ما أمرك الشيخ و أدار ظهره إلى فدفعت في ظهره حتى أنزلته إلى أسفل الدرج، فقعد يبكي و قد صاح الجند بأسرهم، فأشار إليهم أن اسكتوا، ثم قال لي: يا شيخ أبا بكر اصعد إلى الشيخ و قل له: مالي توبة؟ قال: فصعدت إليه و أخبرته فقال:

قل له: يجوز قد أذنت له، قال: فخرجت و قلت: له بسم الله، فدخل على الشيخ فبكى و قبل يده و تاب إلى الله تعالى، و عاد إلى الموصل، فأقام مدة يسيرة، و مات يوم الأحد ثالث صفر، و لم يبلغ ثلاثين سنة، و كانت ولايته عشر سنين و شهورا.

و أراد أن يعهد إلى ولده سنجر شاه، فامتنع أخوه عز الدين مسعود من ذلك، و قال له مجاهد الدين قيماز و أكابر الأمراء: قد علمت استيلاء صلاح الدين على البلاد و قربه منا و سنجر شاه صبي لا رأي له و أخوك عز الدين كبير السن صاحب رأي و شجاعة، اعهد إليه و اجعله و صيا على أولادك ففعل، و كانت الرعية قد خافت من عز الدين مسعود لا قدامه على سفك الدماء و حدته، فلما ولي تغيرت أخلاقه فصار رفيقا بالرعية قريبا منهم محسنا إليهم.

و لما مات سيف الدين كان صلاح الدين في حدود الروم، فأرسل إليه مجاهد الدين قيماز الفقيه أبا شجاع بن الدهان البغدادي، يطلب منه أن يكون مع عز الدين كما كان مع أخيه سيف الدين، و يبقي عليه الجزيرة

616

و ما بيده من حران و الرها و الرقة و الخابور و نصيبين و قاطع الفرات، فقال صلاح الدين: أما ما خلف عليه من بلاد الموصل فهو باق على حاله، و أما ما ذكره من بلاد الجزيرة فإنما كانت بيده بشفاعة الخليفة على شرط أن يقوي ثغور المسلمين بالمال و العساكر، أما الآن فالخليفة قد فوض أمرها إلي، لا أفعل فيها إلا ما أراه من المصلحة ....

السنة السابعة و السبعون و خمسمائة

و فيه عاد صلاح الدين من دمشق إلى القاهرة و استناب بدمشق ابن أخيه عز الدين فرخشاه بعساكر الشام فبلغ قريبا من تيماء، و بلغ البرنس فرجع إلى الكرك، و أمر صلاح الدين أخاه سيف الدين بالمسير إلى اليمن فأقام يتجهز.

و فيها توجه صلاح الدين إلى الاسكندرية فخيم بظاهرها عند عمود السواري، و قال: نقم تجاه الشيخ أبي طاهر السلفي و نسمع من ابن عوف موطأ مالك بزاويته على الطرشوشي، و تم له و لأولاده السماع، و كان واليها فخر الدين قراجا.

و كان في هذه السنة بالمزة خطيب يقال له العالم، زور على صلاح الدين خطا بزيادة في جامكيته، و وقف عليه فرخشاه فعلم باطن الحال، فهم بالايقاع به فهرب إلى القاهرة و استجار بالسلطان فأجاره، و قال: ما أخيب قصدك، و كتب له توقيعا بما طلب و حج بالناس من العراق طاشتكين.

فصل [: فى وفاة الملك الصالح اسماعيل بن نور الدين محمود بن زنكي، صاحب حلب‏]

و فيها توفي الملك الصالح اسماعيل بن نور الدين محمود بن زنكي، صاحب حلب، و كان مرضه بالقولنج بدأ به في رجب.

و ذكر ابن الأثير في تاريخه: أنه لما اشتد به المرض، و ضعف وصف له الأطباء قليل خمر، فقال: لا أفعل حتى أسأل الفقهاء، فسأل الشافعية فأفتوه بالجواز، و سأل العلاء الكاشاني فأفتاه أيضا، و لم يفعل و قال: إن‏

617

كان الله قرب أجلي أيؤخره شرب الخمر؟ قال: لا، قال: فوالله لا لاقيت الله و قد لقيت ما حرم علي، فمات و لم يشربه.

قلت: أخطأ الكاشاني فإن الخمر لا يباح عند أبي حنيفة و جميع أصحابنا للتداوي، و كذا عند مالك و أحمد، و عند الشافعي يجوز للضرورة، و عندنا ان الله لم يجعل شفاء الأمة فيما حرم عليها.

و لما اشتد مرضه أحضر الأمراء و استحلفهم لعز الدين صاحب الموصل، فقيل له: لو أوصيت إلى ابن عمك عماد الدين صاحب سنجار، و هو تربية أبيك، و زوج اختك، و شجاع كريم، و عز الدين له من الفرات إلى همذان؟ فقال: إن هذا لم يخف عني، و لكن علمتم استيلاء صلاح الدين على الشام و مصر و اليمن، و عماد الدين لا يثبت له، و عز الدين له العساكر و الأموال فهو أقدر على حفظ حلب، و متى ذهبت حلب ذهب الجميع، فاستحسنوا قوله.

و توفي في الخامس و العشرين من رجب، و لم يبلغ عشرين سنة و كانت أيامه ثماني سنين و شهرا، و أقام الحلبيون النوح عليه و المأتم، و فرشوا الرماد في الأسواق و أقاموا مدة على ذلك، و جرى عليهم ما لم يجر على أحد، لأنه كان صالحا كما سمي، عادلا منصفا حسن السيرة على أسلوب أبيه، و تزوج عز الدين أم الملك الصالح في شوال، و أقام في قلعة حلب إلى سادس عشر شوال، و علم أنه لا يمكنه حفظ الشام مع الموصل لملازمته الشام، و ألح عليه الأمراء في طلب الزيادات و دلوا عليه لأنهم اختاروه، و ضاق عليه، فسار إلى الرقة، و اتفق مع أخيه عماد الدين صاحب سنجار، و تقايضا، و رحل عماد الدين إلى حلب في سادس عشر المحرم سنة ثمان و سبعين و خمسمائة، و كتب صلاح الدين إلى الخليفة يستأذنه في الاستيلاء على حلب، و يقول بأن جماعة الأتابكية يسعون في تفريق الكلمة، و يستنهضون الفرنج لقتال المسلمين، و يستعينون علينا بالاسماعيلية، و أقام بمصر منتظرا الجواب .....

618

السنة الثامنة و السبعون و خمسمائة

و في المحرم سار سيف الدين طغتكين إلى اليمن، فنزل بزبيد و بها حطان، فأمره أن يسير إلى الشام، فجمع أمواله و ذخائره و أسبابه فنزل بظاهر زبيد، فقبض عليه سيف الاسلام و أخذ جميع ما كان معه، و كان قيمته ألف ألف دينار، ثم قتله بعد ذلك، و كان عثمان الزنجبيلي بعدن، فلما بلغه ذلك سار إلى الشام بعد أن اثر في اليمن آثارا كثيرة، و أوقف أوقافا، و له مدرسة بمكة، و رباط بالمدينة و غيرها.

و في خامس المحرم خرج صلاح الدين من مصر، فنزل البركة قاصدا إلى الشام، و خرج أرباب الدولة لوداعه، و أنشده الشعراء ابياتا في الوداع فسمع قائلا يقول في ظاهر الخيم:

تمتع من شميم عرار نجد* * * فما بعد العشية من عرار

و طلب القائل فلم يوجد، فوجم السلطان، و تطير الحاضرون فكان كما قال اشتغل السلطان بالشرق و الفرنج، و لم يعد بعدها إلى مصر، و سار السلطان على ايلة و الحسي و وادي موسى، و كان فرخشاه بدمشق فبلغه ان الفرنج قد اجتمعوا عند الكرك لقصد السلطان، فخرج من دمشق فنزل طبرية و عكا و دبورية فقصدوه فالتقاهم و كسرهم، و قتل منهم ألوفا و أسر، و ساق عشرين ألفا من الأنعام و غيرها، و فتح حصنا مشرفا على السواد على شقيف يقال له حصن جلدك، و قتل من فيه، و أسكنه المسلمين و جعلهم طلائع، و ساق إلى بصرى، فالتقى السلطان عندها فسر به و دخلا دمشق في صفر.

و فيها كانت وقعة الحاجب لؤلؤ مع الفرنج، خرج البرنس صاحب الكرك إلى ايلة فأقام بها، و معه الأخشاب على الجمال و الصناع بعمل المراكب، و كان قصده مكة و المدينة و الغارات في البحر، فلما تم عملها ركب فيها و وصل إلى عيذاب في بحر القلزم، فأخذ مراكب التجار

619

و نهب و قتل و أسر، و سار يريد جدة، و بلغ الخبر إلى سيف الدين العادل أخي السلطان، فأمر حسام الدين الحاجب لؤلؤ، فركب في بحر القلزم و سار خلفهم، و ساعده الريح فأدركهم، و قد اشرفوا على مدينة النبي (صلى الله عليه و سلم)، فهرب بعضهم في البر، و أسر الباقين، فأخذ مائة و سبعين أسيرا، و خلص أموال التجار، وردها إليهم، و استولى على مراكبهم، و عاد إلى القاهرة و كتبوا إلى السلطان بذلك، فقال: تضرب رقاب الأسارى بعضهم بالقاهرة و بعضهم بمكة و المدينة ففعلوا، و كتب القاضي الفاضل إلى الخليفة كتابا في هذا المعنى: و كان الفرنج قد ركبوا من الأمر نكرا، و افتضوا من البحر بكرا، و عمروا مراكب شحنوها بالمقاتلة و الأزواد، و ضربوا بها سواحل تهامة و أوغلوا في البلاد، و ما ظن المسلمون إلا ان الساعة قد نشر مطوى شروطها، و طوى منشور بساطها، فثار غضب الله لفناء بيته المحرم، و مقام أنبيائه المعظم، و ضريح نبيه المفخم، (صلى الله عليه و سلم)، و زخر من فضل الله أنه كان البيت إذ قصدوه أصحاب الفيل، و وكلوا الأمور إلى الله، فكان حسبهم و نعم الوكيل، فلم يبق من العدو خبرا و لا أثر وَ سِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى‏ جَهَنَّمَ زُمَراً (1) ....

السنة التاسعة و السبعون و خمسمائة

و في يوم الأحد عاشر المحرم تسلم السلطان آمد و دخل إليها و جلس في دار الامارة، ثم سلمها و أعمالها إلى نور الدين محمد بن قرا أرسلان، و كان وعده بها لما جاء إلى خدمته، و لما أخذها صلاح الدين خرج الرئيس محمود بن علي و محمد بن كيكلدي منها بأموالها و حريمها إلى الموصل، و أعانهما صلاح الدين بدواب تنقل بعض قماشهما، فحملا ما خف حمله، و عجزا عن حمل كثير من الذخائر و الأسلحة.

و في المحرم عاد السلطان فقطع الفرات قاصدا إلى حلب، و اجتاز في‏

____________

(1) سورة الزمر- الآية: 71.

620

طريقه بعين تاب، و بها ناصح الدين محمد بن خمارتكين، و نزل إليه، و قام بالضيافة، فأبقاها عليه، و جاءه ابن الساعاتي فأنشده:

و انهض إلى حلب في كل سابقة* * * سيوفها تغني عن الفلك‏

ما فتحها غير إقليد الممالك‏* * * و الداعي إلى جميع الخلق و الملك‏

فنازل حلب في سادس عشر المحرم، و نزل بالميدان الأخضر و باشر القتال بكرة و عشيا، و زحف يوما أخوه تاج الملوك بوري فجاءه سهم في عينه، فوقع مريضا، و مات في الثالث و العشرين من صفر، ثم علم عماد الدين زنكي أنه لا طاقة له به، و ضج من اقتراح الأمراء عليه، فقال لحسام الدين طمان: اخرج إلى صلاح الدين و سله في الصلح فخرج سرا و لم يعلم به أحد، فقرر الصلح و أن يرد إليه سنجار و أعمالها، و الخابور، و نصيبين، و أنه يسلم إليه قلعة حلب، و علم الناس بالصبح، فخرجوا إلى صلاح الدين فخلع عليهم، و جعل أهل حلب تحت القلعة اجانة و ثيابا و صابونا، و صاحوا على عماد الدين: يا فاعل، يا صانع، انزل فاغسل الثياب مثل المخانيث ما يصلح لك غير هذا، و عملوا فيها الأشعار و تغنوا بها في الأسواق، و منها:

و بعت بسنجار خير القلاع‏* * * ثكلتك من بائع مشتري‏

فلما كان اليوم العشرون من صفر توفي تاج الملوك أخو السلطان، فحزن عليه حزنا عظيما و جلس للعزاء، و نزل إليه عماد الدين فالتقاه السلطان و أكرمه و خدمه، و قدم له الخيول و التحف الجليلة، و عاد عماد الدين إلى القلعة و أقام السلطان كئيبا حزينا و كان يبكي و يقول: ما وفت حلب بشعرة من أخي، و قيل انه قال: ما غلت حلب ببوري، و الأول أليق بالسلطان لأنه ما كان في البيت مثل بوري، و سار عماد الدين من يومه إلى سنجار، و أقام السلطان في المخيم غير مكترث بحلب لما جرى عليه من وفاة أخيه، ثم صعد القلعة سلخ صفر، فأنشده القاضي ابن‏

621

زكي الدين محمد بن علي القرشي، قاضي القضاة بدمشق أبياتا منها:

و فتحكم حلبا بالسيف في صفر* * * مبشر بفتوح القدس في رجب‏

فعجب الناس من رمية من غير رام، فكان كما قال، و لكن بعد أربع سنين، و هو الذي خطب بالقدس لما فتحه السلطان، و ولى السلطان القضاء بحلب محي الدين بن الزكي و القلعة سيف الدين يازكيج، و الديوان ناصح الدين اسماعيل بن العميد، و أعطى تل باشر و تل خالد لبدر الدين دلدرم بن بهاء الدين ياروق، و أعطى قلعة أعزاز لعلم الدين سليمان بن جندر، ثم رحل عن حلب يوم السبت ثاني عشرين ربيع الآخر، و دخل دمشق، و كان دخوله دمشق ثالث جمادى الأولى فأقام بها أياما ثم خرج إلى الفوار، فأقام بها على رأس الماء.

و فيها بعث الخليفة عسكرا إلى دقوقا فأخذها

و فيها كانت غزاة بيسان، و رحل السلطان من الفوار في جمادى الآخرة، فنزل بيسان و قد هرب أهلها فقدم بين يديه جرديك النوري، و جاولي الأسدي و جماعة من النورية فجاؤوا إلى عين الجالوت و الفرنج إلى الفولة، فصادفوا على عين جالوت طائفة من الفرنج فقتلوا منهم مقتلة عظيمة و أسروا مائة فارس، و رحل السلطان إلى الفولة يطلب المصاف فتحصن الفرنج في الداخل، و لم يخرج منهم أحد، فلما كان في الليل ساروا طالبين عكا و رحل السلطان خلفهم يقاتل الساقة فقتل منهم جماعة فدخلوا عكا و عاد السلطان على صفورية فنهب و أحرق و عاد إلى دمشق.

ثم خرج في رجب إلى الكرك، و كان أخوه سيف الدين العادل قد كتب إليه يطلب منه أن يعوضه بحلب عوض مصر، فكتب إليه أن يوافيه على الكرك، فالتقيا على الكرك، و نصب السلطان عليها المناجيق، و حشد الفرنج و نزلوا الوالة، قريبا من الكرك، فرأى السلطان أن حصار

622

الكرك يطول فعاد إلى دمشق و معه أخوه الملك العادل، فأعطاه حلب، فسار إليها و بها ولده السلطان الملك الظاهر غازي، و سيف الدين يازكيج، فسلمها، إليه، و قدم الظاهر دمشق مع يازكيج في شوال، و أقام الظاهر في خدمة أبيه راضيا في الظاهر، و في الباطن فيه ما فيه.

و فيها وصل عبد الرحيم شيخ الشيوخ من بغداد رسولا إلى صلاح الدين و معه محيي الدين أبو حامد محمد ابن قاضي القضاة كمال الدين ابن الشهرزوري رسولا من المواصلة، فأغلظ محي الدين على السلطان و قال: تحلف لعز الدين ان هذه الجزيرة و ما يقطع الفرات من ناحية الشرق يكونوا مضافين إلى عز الدين و لا تعلق لك بهم، و إلا جاء البهلوان و ملول العجم إليك، و اتفقوا عليك، فغضب السلطان و قال:

أنا قاصد إليكم، فإذا فرغت منكم سرت إلى البهلوان ...

و فيها توفي تاج الملوك بوري- كما ذكرنا- ابن أيوب أخو صلاح الدين، و كنيته أبو سعيد، ولد في ذي الحجة سنة ست و خمسين و خمسمائة و كان الله عز و جل قد جمع فيه مكارم الأخلاق، و لطف طباع و كرما و شجاعة، و فضلا و فصاحة، و كان أديبا و شاعرا مترسلا، و له ديوان شعر ذكره العماد في الخريدة، و أثنى عليه، و أنشد مقطعات من شعره ...

السنة الثمانون و خمسمائة

و فيها كتب زين الدين بن نجية الواعظ من مصر إلى صلاح الدين يشوقه إليها، و كان السلطان بدمشق: أدام الله أيام مولانا السلطان الملك الناصر، و قرنها بالتأييد و النصر و التسديد، أو ما يشتاق مولانا إلى مصر و نيلها و خيرها و سلسبيلها، و دار ملكه، و دارة فلكه و بحرها و خليجها و نشرها و أريجها، و مقسم مقاسمها، و أنيس أبياتها، و قصور معزها، و مبارك عزها، و جيزتها و جزيرتها، و بركها و بركتها، و تعلق القلوب بقلوبها، و استئلاف النفوس لأسلوبها، و ملتقى البحرين،

623

و مرتقى الهرمين، و روضة جنانها، و جنة رضوانها، و مشاهدها و مجامعها، و مساجدها و جوامعها، و نواضر بساتينها و مناظر ميادينها، و ساحات سواحلها، و آيات فضائلها؟!.

و ذكر ابن نجية كلاما طويلا من هذا الجنس فكتب إليه السلطان:

ورد كتاب الفقيه زين الدين أدام الله توفيقه، لا ريب أن الشام أفضل و أن أجر ساكنه أجزل، و إن القلوب إليه أميل، و إن زلاله البارد أحلى و أنهل، و إن الهواء في صيفه و شتائه أعدل، و إن الجبال فيه أجمل، و الجمال به أكمل، و إن القلب به أروح، و الروح به أقبل، و دمشق فعاشقها بها مستهام، و ما على محبها ملام، و ما في ربوتها ريبة، و لكل نور فيها سيبه، و ساجعاتها على المنابر الورق، و هزاراتها و بلابلها تعجم و تعرب، و كم فيها من جواري ساقيات و سواقي جاريات، و ثمار بلا أثمان، و روح و ريحان و فاكهة و رمان، و خيرات حسان، و كون الله تعالى أقسم (و التين و الزيتون) يدل على فضله المكنون، و قال (صلى الله عليه و سلم): الشام صفوة الله من بلاده، يسوق إليها خير أمة من خلقه، و عامة الصحابة اختاروا المقام بالشام، و فتح دمشق بكر الاسلام، و ما ينكر ان الله تعالى ذكر مصر، و لكن على لسان فرعون بقوله: (أليس لي ملك مصر) (1) لكن هذا أخرج مخرج العتب له و الذم، ألا ترى أن يوسف (عليه السلام) نقل منها إلى الشام، ثم المقام بدمشق أقرب إلى الرباط و أوجب للنشاط، و أين قطوم المقطم من النيربين، و أين دار منيف من ذروة الشرف المبين، و أين لبانة لبنان من الهرمين، و هل هما إلا مثل السلعتين، و هل للنيل من طول نيله و طول ذيله برد بردا في نفع العليل، و ما لذاك الكثير من طلاوة هذا القليل، و إن فاخرتنا بالجامع و فيه البشر ظهر بذلك قصر القصر، و لو كان لهم بانياس لما احتاجوا إلى قياس المقياس، و نحن لا نجفو الوطن كما جفاه، و لا نأبى فضله كما أباه، و حب الوطن من‏

____________

(1)- سورة الزخرف- الآية: 51.

624

الإيمان، و نحن لاننكر أن اقليم مصر إقليم عظيم الشأن، و لن نقول كما قال المجلس الفاصلي: ان دمشق تصلح أن تكون بستانا، و لا نشك أن أحسن ما في البلاد البستان، و لعل زين الدين يرجع إلى الحق و يوافق على ما هو الأحق.

قلت: عاب السلطان على ابن نجية كون أصله و منشأه بدمشق، و فضل عليها مصر، و ليس من طارفه و لا تلاده، و كان أولى أن يتشوق إلى السلطان من غير وصف لما فيه مضاهاة لوطنه و بلاده.

فصل [: فى هجوم السلطان على نابلس‏]

و فيها هجم السلطان نابلس كانت عساكر الشرق وصلت إليه لنجدته فيها: نور الدين ابن قرا أرسلان صاحب الحصن و آمد و ديار بكر، و مظفر الدين بن زين الدين، و العادل من حلب، و تقي الدين عمر، فخرج من دمشق و نزل الكرك و نصب عليها المناجيق، و كان أعظم مهماته فتحه، لكونه على طريق مصر، و بلغ الفرنج فجمعوا الفارس و الراجل و قصدوه، و نزلوا الواله قريبا من الكرك، فاغتنم السلطان خلو الساحل منهم، و سار على البلقاء و نزل الغور و هجم نابلس فقتل و سبى و نزل على سبسطيه و بها الرهبان و الأقساء و عندهم الودائع فطلبوا منه الأمان، و أن يطلقوا ما عندهم من الأسارى، فأمنهم، ثم سلك الغور و طلع على عقبة فيق، و عاد إلى دمشق، و كان عنده رسل الحلبية شيخ الشيوخ، و شيخ الشيوخ بالرحبة، و حج بالناس من العراق طاشتكين.

فصل [: فى وفاة ايلغازي بن ألبي بن تمرتاش بن ايلغازي بن أرتق، الملقب بقطب الدين صاحب ماردين‏]

و فيها توفي ايلغازي بن ألبي بن تمرتاش بن ايلغازي بن أرتق، و لقبه قطب الدين صاحب ماردين و كانت وفاته في جمادى الآخرة، و خلف ولدين صغيرين، و كان جوادا شجاعا عادلا منصفا عاقلا، و الحمد لله وحده و صلى على أشرف خلقه محمد و على آله و صحبه و سلم.

625

السنة الحادية و الثمانون و خمسمائة

و فيها قطع السلطان الفرات، و نزل على حران سادس عشرين صفر، و سار السلطان و نزل على الموصل، و ضايقها و خرج إليه أهلها العوام و الخواص فقاتلوه و ظهروا عليه، و جاءه الملوك زين الدين صاحب إربل، و سنجر شاه صاحب الجزيرة، و عسكر ديار بكر، و كان القتال يعمل كل يوم و تخرج المواصلة إليه عراة يقاتلون، فبينما هو على ذلك جاءه الخبر بوفاة شاه أرمن صاحب أخلاط، و جاءت كتب مقدميها يطلبونه، فشاور الأمراء فأشاروا إليه بقصد أخلاط، لما رأوا أنهم لا طمع لهم في الموصل، و قالوا: ما تفوت الموصل فسار إلى أخلاط و في مقدمته ناصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه، و تقي الدين عمر فوصلوا ميافارقين، و بها الأسد يرنقش، مملوك صاحب آمد فامتنع عليهم و قال:

أنا وصي يتامى أستاذي قطب الدين و بعد هذا فالأمر للخاتون والدتهم، فأرسل إليها صلاح الدين خادما و وعدها أن يتزوجها، و يزوج ابنه احدى بناتها، فأجابت و سلمت إليه ميافارقين و أعطاها الهتاخ، و أعطى يرنقش جبل جور، و كان الحاكم على أخلاط الوزير مجد الدين بن الموفق، و هو الذي كاتب السلطان فبعث إليه الفقيه عيسى ليكشف الحال، فغالطه و قال: في القلعة سيف الدين بكتمر، و بها ابنة البهلوان زوجة شاه أرمن، و ربما جاء البهلوان بعساكر أذربيجان و همذان و الشرق، فنزل قريبا من أخلاط، و أرسل إلى السلطان يقول: هذه البلاد لا بنتي، و هي في القلعة، و المصلحة تبقى المودة بيننا و دوام الصداقة، فرجع السلطان إلى الجزيرة، و رجع البهلوان إلى بلاده بعد أن حمل إليه سيف الدين بكتمر أموالا و هدايا، و ولى السلطان على ميافارقين و ديار بكر مملوكه سنقر الخلاطي.

و عاد إلى الموصل، و هذه المرة الثالثة، و هي الأخيرة فنزل الاسماعيليات، و قيل نزل على كفر رمان بدجلة، و عزم أن يشتي بذلك المكان، و استعد

626

المواصلة للحصار، فأشار أمراء عز الدين عليه أن يخرج إليه النساء بكتاب يتشفعن إليه، فخرجوا معهن والدة عز الدين مسعود فأكرمهن و وعدهن الاحسان، و قرر عماد الدين الصلح و خطب للسلطان بالموصل، و أعطى شهرزور و البوازيج، و وقف عليها قرية تعرف بباقيلا على ورثة شيخ الشيوخ ببغداد، و رحل عن الموصل يريد الجزيرة.

قال العماد: و كان السلطان قد لازم قراءة القرآن في شهر رمضان، و اشتد الحر، و قيل إنه قد رد النساء اللائي خرجن يشفعن، فندم على ردهن فمرض مرضا شديدا فتناثر شعر رأسه و لحيته، و قيل إنه سقي و ضعف ضعفا خيف عليه منه و أرجف بموته، و أقام على نصيبين و قد ايسنا منه، ثم تماثل فحمل في محفة إلى حران، و نزل بظاهرها و بنى بها دارا سماها دار العافية.

فصل [: في كذب المنجمين‏]

و كانت المنجمون قد حكموا بأن يهب رمل هواء مزعج يهلك الناس، فحفروا سراديبا و اختفوا، و ظهر كذب المنجمين.

فصل [: وفاة عصمة خاتون بنت معين الدين زوجة السلطان صلاح الدين‏]

و فيها توفيت عصمة خاتون بنت معين الدين زوجة السلطان صلاح الدين، و كانت قبله زوجة السلطان نور الدين محمود، و كانت من أعف النساء و أكرمهن و أحزمهن، و لها صدقات و بر عظيم، بنت بدمشق مدرسة لأصحاب أبي حنيفة في حجر الذهب قريبة من حمام أركش و تعرف بمدرسة خاتون، و بنت للصوفية رباطا على الشرف القبلي خارج باب النصر على بانياس، و بنت تربة بقاسيون على نهر يزيد و دفنت بها، و وقفت على هذه الأماكن أوقافا كثيرة، و كانت وفاتها في رجب، و بلغ السلطان وفاتها و هو مريض بحران، فتزايد مرضه، و حزن عليها و تأسف و كان يصدر عن رأيها، و مات بعدها أخوها سعد الدين‏

627

مسعود بن معين الدين أنر في هذه السنة، و كان من أكابر الأمراء، زوجه السلطان أخته ربيعة خاتون لما تزوج أخته الخاتون، فلما توفي مسعود بن أنر تزوج ربيعة الخاتون مظفر الدين بن زين الدين.

و فيها توفي محمد بن أسد الدين شيركوه، و لقبه ناصر الدين ابن عم صلاح الدين، كان السلطان يخافه لأنه يدعي أنه أحق بالملك منه، و كان يبلغ السلطان عنه هذا، و كان قد فارق السلطان من حران و جاء إلى حمص، و كان زوج أخت السلطان ست الشام، و كانت وفاته بحمص يوم عرفة بقي يتناثر لحمه، و قيل إنه سم، و قيل مات فجأة فنقلته زوجته ست الشام إلى تربتها بالعوينة شمالي دمشق، فدفنته بها عند أخيها شمس الدولة، و لما بلغ السلطان وفاته أبقى على ولده أسد الدين شيركوه حمص و تدمر و الرحبة و سلمية، اقطاع أبيه، و خلع عليه و كتب له منشورا بها، و الحمد لله وحده و صلى على أشرف خلقه محمد و على آله و صحبه و سلم.

السنة الثانية و الثمانون و خمسمائة

فصل [: في قطع السلطان الفرات، و وصوله إلى حلب‏]

قطع السلطان الفرات، و وصل إلى حلب، و خرج منها يريد الشام فتلقاه أسد الدين صاحب حمص و أخته سفري خاتون بتل السلطان، و معها الهدايا العظيمة، و سار إلى حمص فأطلق المكوس و أزال الضمانات، و قال لأخيه العادل أبي بكر: اقسم التركة بينهم على فرائض الله تعالى، و كان قد خلف شيركوه و سفري و زوجته ست الشام، فصعد العادل إلى قلعة حمص و أقام أياما فقسم التركة، و كان قد خلف أموالا عظيمة و جواهر و مناطق الذهب و الفضة، فكان مبلغ التركة ألف ألف دينار، و كان القاضي نجم الدين بن أبي عصرون حاضر القسمة، فقام يوما فوقعت من تحت ذيله منطقة مجوهرة، فنسبه العادل إلى ما لا يليق، و كان‏

628

نجم الدين منزها عن ذلك، لأنه كان عفيفا جوادا شريف النفس فحلف للعادل أنني ما علمت بها، و صدق، و إنما الحساد و جدوا طريقا للقول.

و فيها دخل سيف الاسلام إلى مكة، و منع من الأذان بحي على خير العمل، و قتل جماعة من العبيد كانوا يؤذون الناس، و أغلق أمير مكة باب البيت و صعد إلى أبي قبيس، فأرسل إليه و طلب المفتاح فامتنع من إنفاذه، فقال سيف الاسلام: قل لصاحبك إن الله نهانا عن أشياء فارتكبناها، و قال النبي (صلى الله عليه و سلم): لا تأخذوا المفتاح من بني شيبة، فنأخذه و نستغفر الله تعالى، فبعث إليه بالمفتاح.

و فيها قسم السلطان البلاد بين أولاده و أهله برأي القاضي الفاضل، فإنه لما مرض أشار عليه بذلك.

و فيها ظهر الخلاف بين الفرنج، و تفرقت كلمتهم، و كان ذلك سببا لسعادة الاسلام.

و فيها غدر البرنس صاحب الكرك، و اسمه أرناط، و كان أخبث الفرنج و أشرهم، فقطع الطريق على قافلة جاءت من مصر إلى الشام، و فيها خلق عظيم و مال كثير، فاستولى على الجميع قتلا و أسرا و نهبا، فأرسل إليه السلطان يوبخه على ما فعل، و يقول أين العهود و المواثيق، رد ما أخذت، فلم يلتفت و شن الغارات على المسلمين و فتك فيهم، فنذر السلطان دمه و أقام السلطان بدمشق بتجهز للقاء العدو، و استدعى العساكر من الشرق و الغرب ......

السنة الثالثة و الثمانون و خمسمائة

و فيها فتح البيت المقدس، و عكا و حصون الساحل و سببه وقعة حطين، خرج السلطان من دمشق غرة المحرم بعساكر الشام فنزل بصرى يرتقب وصول أخته ست الشام و ابنها ابن لاجين، و كان قد بلغه ان البرنس يرتقب وصولهم فخاف من غدره و وصل الحاج في أواخر المحرم،

629

و خلا سر السلطان منهم، فسار إلى الكرك فقطع الأشجار، و رعى الزرع، و فعل بالشوبك مثله، و أقام ينتظر عسكر مصر و كان عند مسيره إلى الكرك أمر ولده الأفضل أن ينزل على رأس الماء بطائفة من العسكر، ينتظر باقي عسكر الشرقية، فأنهض الأفضل طائفة للغارة على طبرية، و جعل مقدم العساكر الشرقية مظفر الدين بن زين الدين و على عسكر الشام صارم الدين قيماز النجمي فنازلوا طبرية، و تقدم بدر الدين دلدرم مقدم عسكر حلب إلى طبرية، فخرج إليه مقدم الداوية و الاسبتار بجماعة معهم فقاتلوهم فقتلهم دلدرم و أسر بعضهم، و سار إلى صفورية ففعل كذلك، و عاد بالأسارى إلى الأفضل و هو على شعب الشهاب و جاء السلطان إلى تسيل- قرية غربي نوى- و صعد تلها و عرض العساكر، و سر بما رأى، و اندفع يوم الجمعة سابع عشرين ربيع الأول نحو فيق و رحل الأفضل معه فالتقوا على الأقحوانة، و كان يقصد المسير إلى العدو يوم الجمعة تبركا بأدعية الخطباء، و خيم على ساحل البحيرة في اثني عشر ألفا من الفرسان، فأما الرجالة فيقال أنهم كانوا في ثمانين ألفا بين فارس و راجل، فنزلوا الصفورية، و تقدم السلطان إلى طبرية فنصب عليها المناجيق، و نقب أسوارها، ففتحها يوم الخميس رابع عشر ربيع الآخر، و تمنعت القلعة عليه و بها الست زوجة القومص، و تقدم الفرنج فنزلوا لوبية يوم الجمعة عند طلوع الشمس، و ملك المسلمون عليهم الماء، و كان يوم حارا، و التهب الغور عليهم، و أضرم مظفر الدين بن زين الدين النار في الزرع، و باتوا الليل و المسلمون حولهم، فلما طلع الفجر يوم السبت قاتلوا إلى الظهر، و طلعوا إلى تل حطين و النار تضرم حولهم، فهلكوا و تساقطوا من التل، و كان القومص معهم، فحمل و فتح له السلطان دربا فصعد إلى صفت، و عملت السيوف في الفرنج قتلا و أسرا، و أسر من الملوك كاي و أخوه جفري و برنس الكرك و الهنفري، و صاحب جبيل و بيروت و صيدا، و مقدم الداوية و الاسبتار، و غيرهم و جى‏ء إلى السلطان بصليب الصبوت، و هو مرصع بالجواهر و اليواقيت في غلاف من‏

630

الذهب، و هو عند النصارى مثل المسيح، و الذي أسر الملك درباس الكردي، و الذي أسر البرنس إبراهيم غلام المهراني.

فلما رآهم السلطان نزل و سجد لله تعالى، و جاء إلى خيمته فاستدعاهم، فجلس الملك عن يمينه، و برنس الكرك إلى جانب الملك، و نظر السلطان إلى الملك و هو يلهث عطشا، فأمر له بقدح من ثلج و ماء فشرب منه و سقى البرنس، فقال ما أذنت في سقيه، و كان السلطان قد نذر أن يقتل البرنس بيده، فقال له: غدار حلفت و غدرت و نكثت، و جعل يعدد عليه غدراته، ثم قام إليه فضربه بالسيف على كتفه، و تممه المماليك، و قطعوا رأسه و أطعموا جثته الكلاب.

فلما رآه الملك قتيلا، خاف و طار عقله، فأمنه السلطان، و قال: هذا غدار كذاب، غدر غير مرة، ثم عرض السلطان الاسلام على الداوية و الاسبتار فمن أسلم منهم استبقاه، و من لم يسلم قتله، فقتل خلقا عظيما، و بعث بباقي الملوك و الأسارى إلى دمشق إلى الصفي بن القابض، فاعتقل الأعيان في القلعة، و باع الأسارى بثمن بخس، حتى باع بعض الفقراء أسيرا بنعل فقيل له: هذا ثمن بخس، فقال: أردت هوانهم.

و دخل القاضي ابن أبي عصرون إلى دمشق و صليب الصلبوت منكسا بين يديه، و عاد السلطان إلى طبرية، فأمن صاحبتها، فخرجت بنفسها و مالها إلى عكا، و ولى طبرية قيماز النجمي، و أما القومص فإنه خرج من صفت إلى طرابلس فمات بها.

فقيل انه مات من جراحات كانت به، و قيل إن امرأته سمته، و قيل هذا كان سببا في هلاك دين النصرانية و أكثر الشعراء في هذه الوقعة.

ذكر فتح عكا

و فيها لغتان المد و النسبة إليها عكاوي، و عكه بالهاء.

و سار السلطان من طبرية فنازلها يوم الأربعاء سلخ ربيع الآخر،

631

و ليس بها من يحميها لأن وقعة حطين أبادتهم، و كانوا ثلاثين ألفا، فطلبوا منه الأمان على نفوسهم و ما يقدرون على حمله، فأمنهم و دخلها يوم الجمعة غرة جمادى الأولى و بها من الأسارى المسلمين أربعة آلاف، فاستنقذهم و جعل الكنيسة جامعا و ولاها ولده الأفضل، و ولى القضاء و الخطابة و الامامة عبد اللطيف ابن أبي النجيب الشهرزوري، و غنم المسلمون أموالا لا تحصى، و لما دخلوا عكا ركز كل واحد رمحه على دار فأخذها و ما فيها، و أعطى السلطان الفقيه عيسى جميع ما يختص بالداوية، و لم يحضر هذه الفتوح العادل سيف الدين أخو السلطان، فجاء ففتح في طريقه مجدل يابا و يافا، و حضره الملك العزيز لأنه تقدم مع العسكر المصري، و مضى إلى مصر، و ما عاد اجتمع بأبيه و فارق أباه في شعبان، و السلطان على صور.

و كتب العماد الكاتب إلى بغداد كتابا أوله‏ وَ لَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ‏ (1) و الحمد لله على انجاز هذا الوعد، و على نصرة هذا الدين الحنيف من قبل و من بعد، و جعل من بعد عسر يسرا، و أحدث من بعد أمر أمرا، و هون هذا الأمر الذي ما كان الاسلام يستطيع عليه صبرا، و خوطب النبي بقوله: (و لقد مننا عليك مرة أخرى) (2) فالأولى في عصر النبي (صلى الله عليه و سلم) و الصحابة، و الأخرى في هذه الدولة التي عتق فيها من رق الكتابة، و الزمان كهيئته قد استدار، و الحق ببهجته قد استنار، و الكفر قد رد ما عنده من الشعار، و الخادم يشرح من هذا الفتح العظيم، و النصر الكريم، ما يشرح صدور المؤمنين، و يسوء وجوه الكافرين، و يورد من البشرى ما أنعم الله به في يوم الخميس الثالث و العشرين من ربيع الآخر سلخه، و تلك سبع ليال و ثمانية أيام حسوما عدموا فيه نفوسا و جسوما،

____________

(1)- سورة الأنبياء- الآية: 105.

(2)- سورة طه- الآية: 37.

632

فأصبحوا قد هووا في الهاوية كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ (1) و أصبحت البلاد إلى الاسلام ضاحكة، كما كانت بالكفر باكية ففي يوم الخميس الأول فتحت طبرية، و الجمعة و السبت كانت الكسرة التي ما أبقت منهم بقية لا يقوم لهم بعدها قائمة، وَ كَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى‏ وَ هِيَ ظالِمَةٌ (2).

و في يوم الخميس سلخ الشهر فتحت عكة بالأمان، و رفعت بها أعلام الايمان و هي أم البلاد، و أخت إرم ذات العماد، و صليب الصلبوت عندنا مأسور، و قلب الكفر الأسير بخشبة المكسور مكسور، و أنصار الصليب و أعوانه قد أحاطت به يد القبضة، و علق رهنه، فلا يقبل فيه القناطير المقنطرة من الذهب و الفضة، و طبرية قد رفعت أعلام الاسلام عليها، و هو خير يوميها، و صارت البيع مساجد يعمرها من يؤمن بالله و اليوم الآخر، و صارت المذابح مواقف لخطباء المنابر، وعد الحصون التي فتحت.

و قال في آخر الكتاب- و ما يتأخر النهوض إلى البيت المقدس، و هذا أوان فتحه، و قد دام عليه ظلام الضلال، و قد آن أن يسفر الهدى عن صحة السلام.

ذكر ما فتح السلطان في هذه السنة من بلاد الفرنج و طبرية و عكا

لما فتح عكا راح إلى تبنين، و تسلمها و تسلم صيدا و بيروت و جبيل و غيرها و الداروم و الرملة و يبنا و بيت جبرين و الخليل و عسقلان، فكان بين أخذ الفرنج و بين خلاصها خمس و ثلاثون سنة، لأنهم ملكوها في جمادى الآخرة سنة ثمان و أربعين و خمسمائة، و فوض السلطان القضاء و الخطابة إلى جمال الدين عبد الله بن عمر قاضي اليمن، و تسلم السلطان‏

____________

(1) سورة الحاقة- الآية: 7.

(2) سورة هود- الآية: 102.

633

هذه الأماكن في أربعين يوما، أولها ثامن عشرين جمادى الأولى و آخرها الثامن من رجب.

ذكر فتوح القدس‏

سار إليه السلطان فنازله يوم الأحد منتصف رجب، و كان المنجمون قد قالوا له: تفتح القدس، و تذهب عينك الواحدة، فقال رضيت أن أفتحه و أعمى، و كان قد نزل على غربيه أولا، ثم انتقل إلى شماليه من باب العمود إلى برج الزاوية، و من هذا المكان أخذه الفرنج، و كان مشحوتا بالبطارقة و الخيالة و الرجالة ما يزيد على ستين ألفا، غير النساء و الذرية، فنصب عليها المناجيق و آلة القتال، و تعلق النقابون بالسور، و قاتل الفرنج قتالا شديدا، فلما رأوا أن المسلمين قد ظهروا عليهم سقط في أيديهم و أيقنوا بالخذلان، فصاحوا الأمان، فبطل عنهم القتال و استقر الأمر على أن يخرجوا بأنفسهم و أموالهم و ذراريهم، سوى الخيل الحربية و السلاح، بعد أن يؤدي كل واحد منهم عشرة دنانير، و عن المرأة خمسة دنانير، و عن الصبي أربعة دنانير، و عن الطفل دينارا، و من عجز منهم كان رقيقا سيملك، و من أراد من النصارى الإقامة، فليقم و تؤخذ منه الجزية، و أقر بأيديهم القمامة، و عينوا أماكن يزورونها، و سلموا البلد يوم الجمعة سابع عشرين رجب ليلة المعراج، فكان استيلاء الفرنج عليه اثنتين و تسعين سنة لأنهم أخذوه في سنة إحدى و تسعين و أربعمائة، و فتح في هذه السنة و هي سنة ثلاث و ثمانين و خمسمائة، و دخل السلطان الصخرة و غسلها بالماورد، و قيل غسلها بلحيته و هو يبكي، و محا الصور منها، و كسر الصلبان، و أحرق دار الداوية، و عمر المسجد الأقصى، و فرق الأموال التي أخذها من الفرنج، و كانت نيفا و ثلاثمائة ألف دينار على العلماء و الفقهاء و الصوفية، و كان قد حضر معه هذا الفتح زهاء على عشرة آلاف عمامة من جميع الأجناس، و تطاول جماعة من الأعيان على الخطابة، فذكر السلطان قوله ابن زكي الدين:

634

و فتحه حلبا بالسيف في صفر* * * مبشر بفتوح القدس في رجب‏

قال الفاضل: إنه أنطق الله السلطان بالغيب، فأعطاه الخطابة و ابن زكي الدين قاضي القضاة بدمشق.

و قال ابن القادسي في ذيله: إن صلاح الدين خطب بالبيت المقدس، و هو و هم منه، و خلص السلطان من القدس ثلاثة آلاف من أسارى المسلمين، و بعث مع الفرنج الذين كانوا في القدس من أوصلهم إلى صور، و كان بها مركيس.

قلت: و لقد ضيع السلطان الحزم بتسيير الفرنج إلى صور، و لم ينظر في عواقب الأمور، فإن اجتماعهم بصور كان سببا لأخذهم البلاد، و قتلهم بعكا من قتلوا من الأعيان و أجناد الاسلام، و قد كان الواجب عرضهم على الاسلام فإن أبوا فالسيف، «و هو أصدق أنباء من الكتب» و أنى و كيف، و ما أشبه هذه القضية بفدية الأسارى يوم بدر حيث أشار بعض الصحابة بأخذ ذلك القدر، و بعضهم أشار بضرب الرقاب، و ما صدر ذلك الرأي إلا عن صدر، فلا جرم قتل منهم يوم أحد سبعون، و أسر سبعون من المسلمين كما فعلوا يوم بدر بالمشركين.

و كان القاضي الفاضل بدمشق مريضا لم يحضر هذا الفتح، فأمر السلطان العماد الكاتب أن يكتب كتابا إلى بغداد بالفتح، فكتب في أوله:

وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى‏ لَهُمْ وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً (1)، و الحمد لله الذي أنجز لعباده الصالحين وعد الاستخلاف، و قهر بأهل التوحيد أهل الشرك و الخلاف، و خص سلطان الديوان العزيز بهذه الخلافة، و بذل الأمن به من بعد المخافة، و ادخر هذا الفتح الأسنى و النصر الأهنى لخادم المقام النبوي،

____________

(1)- سورة النور- الآية: 24.

635

و منحه أخلص أوليائه، و أخص أصفيائه بعد أن انقرض من الملوك الماضية و القرون الخالية على حسرة تمنيه، و فوات ترجيه، و تقاصرت عنه الهمم و تخاذلت عنه ملوك الأمم فلله الحمد الذي حقق بفتحه ما كان في النفس، و بدل وحشة الكفر فيه من الاسلام بالأنس، و جعل عز يومه ما حيا ذل أمس، و أسكنه العالم و الفقيه بعد البطرك و القس، و عباد الصليب و مستقبلي الشمس، و أخرج أهل يوم الجمعة من أهل يوم الأحد، و قمع من كان يقول بالتثليث أهل قل هو الله أحد، و قد فتح الخادم بأمر الله من الداروم إلى طرابلس، و جميع ما حوت مملكة الفرنج إلى نابلس و غسلت الصخرة بدموع الباكين من المؤمنين، و نزع لباس اليأس عنها بإفاضة ثواب المحسنين، و رجع الاسلام غريبه منه إلى داره، و طلع قمر الهدى من سراره، و عادت الأرض المقدسة إلى ما كانت عليه من التقديس، و أمنت المخاوف بها، و فيها، فصارت صباح السرى، و مناخ التعريس، و أقصي من المسجد الأقصى من الله الأبعدون، و توافد إليه المصطفون المقربون، و خرس الناقوس برحيل المسيحيين، و خرج المفسدون بدخول المصلحين، و قال المحراب لأهله: مرحبا و أهلا، و رفعت الأعلام الاسلامية على منبره فأخذت من بره أوفى نصيب، و تلت بألسنة عزتها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَ فَتْحٌ قَرِيبٌ‏ (1)، و غسلت الصخرة بدموع المتقين من دنس الكافرين، و أبعد أهل الالحاد من قربها بقرب الموحدين.

و ذكر بها مانسي من عهد المعراج النبوي و الاعجاز المحمدي، و عاد الاسلام بإسلام البيت المقدس إلى تقديسه، و رجع بيت الله من التقوى إلى تأسيسه، و ذكر العماد فصولا في هذا المعنى.

فصل [: في مسير السلطان إلى صور]

و في شعبان سار السلطان إلى صور فوصلها غرة رمضان فوجدها مدينة حصينة، و هي في البحر مثل السفينة، و البحر محيط بها، من‏

____________

(1)- سورة الصف- الآية: 13.

636

جوانبها و ليس لها طريق في البر إلا من مكان واحد فيه سبعة أبراج، و به المركيس، و كان شجاعا حازما، و قد انضوى إليه جميع من كان بالقدس و الساحل من الفرنج، و أقام السلطان ينتظر الاصطول من مصر، فوصل فقاتلهم في البر و البحر، و اتفق أن الاصطول غفل ليلة فكبسه الفرنج فأخذوا المراكب، و رمى بعضهم نفسه في البحر، فتأخر السلطان في سلخ شوال، و وصل إليه من بغداد تاج الدين أبو بكر حامد أخو العماد الكاتب، فالتقاه السلطان و أكرمه، و كان معه رسالة تذكرة مشحونة بالعتاب على أسباب، منها: ان الخليفة عتبه لأجل ابن البوشنجي و يلقب بالرشيد، و كان صبيا ببغداد، و لا يؤبه له فخرج إلى الشام، و اتصل بصلاح الدين، و قيل له هذا من بيت كبير ....

السنة السادسة و الثمانون و خمسمائة

و في سابع المحرم دخل ألب أرسلان بن السلطان طغريل إلى بغداد و هو صبي صغير و عليه كفن و بيده سيف مشهور كأنه يطلب عفو الخليفة و جاء فنزل بباب النوبي، و باس العتبة فبكى أهل بغداد، ورق له الخليفة، و أنزله دار ابن العطار مقابل المخزن، و أكرمه و أحسن نزله، و عفا عن جرائم أبيه و ما فعل ابن يونس، و استدعاه إلى باب الحجرة و خلع عليه خلعة السلطنة، و طوقه بطوق من ذهب، و اجتمع بولي العهد أبي نصر محمد.

و فيها تسلم الخليفة قلعة الحديثة، بعد حصار كثير، و فيها بنى الخليفة دار الفلك، و رتب فيها ابنة السيد العلوي، و يقال لها ست الجدود.

و أما حديث السلطان، فإن هذه السنة دخلت و هو مرابط على الخروبة، و في ربيع الآخر تسلم شقيف أرنون بالأمان بعد الحصار الطويل، و ضيق على صاحبها أرناط، بدمشق فسلمه، و مضى إلى صور، و في هذا الشهر قدمت العساكر الاسلامية على السلطان، و فيهم الملك الظاهر صاحب حلب، و أسد الدين شيركوه صاحب حمص، و سابق‏

637

الدين عثمان صاحب شيزر، و عز الدين إبراهيم ابن المقدم و غيرهم، فتقدم السلطان إلى تل كيسان و عزم على لقاء الفرنج، و قد وصل رسول الخليفة فخر الدين نقيب العلويين بمشهد التين و معه خمسة أحمال نفط، و توقيع بعشرين ألف دينار تقترض من التجار على الخليفة فشق على السلطان و قال: أنا في يوم واحد أخرج مثل هذا و أضعافه، و ما أنا مضطر، ورد عليه الجميع، فأشار عليه بعض أصحابه بأخذ النفط للغزاة فأخذه، ورد التوقيع، و قال: يرحم الله العاضد وصل إلي منه في عشرين يوما بمقام الفرنج على دمياط ألف ألف دينار، و مثلها عروض.

حديث حريق الأبراج‏

كان للافرنج ثلاثة أبراج من الخشب و الحديد، و ألبسوها جلود البقر المسقاة بالخل و الخمر لئلا تعمل فيها النار، و طموا خندق عكا، و سحبوا الأبراج على العجل إلى السور، فأقبلت مثل الجبال، و أشرفت على البلد، و في كل برج خمسمائة مقاتل، فأيس المسلمون من البلد، و قد حيل بينهم و بين السلطان، و العساكر، و اجتهدوا في الوصول إلى البلد فلم يقدروا، و رماهم الزراقون الذين في البلد بالنفط فلم يحترق منها شي‏ء، و كان بعكا شاب دمشقي يقال له ابن النحاس، ليس له في الديوان اسم، و كان عارفا بالنفط و الحريق، فهيأ ثلاثة قدور، و قال لقراقوش: انصب لي منجنيقا، فانتهره و قال: قد عجز الصناع فمن أنت؟ فقال: قد عملت قدورا لله تعالى و ما أريد منكم شيئا، و ما يضركم أن أرمي بها في سبيل الله، فإن نفعت و إلا فاحسبني واحدا منهم، فقال قراقوش: ما يضرنا ذلك، ثم نصب له المنجنيق فرمى قدرة واحدة في البرج، فاحترق بمن فيه، ثم فعل ذلك بالثاني و الثالث فكبر المسلمون و سمع السلطان و كبر العساكر، و فرح قراقوش و الأمراء و طموه بالخلع و الأموال، فلم يأخذ منها شيئا، و قال: أنا فعلت هذا لله تعالى، و كان ذلك صبيحة يوم الجمعة العشرين من ربيع الأول.

638

قلت و قد اجتمعت بابن النحاس في حلب سنة ثلاث و ستمائة و حكى لي صورة الحريق، و كان يحضر مجالسي، فطاب قلبه يوما فقال للناس: اشهدوا أن نصف ثوابي في حريق الأبراج لفلان عني.

و بعد يومين من حريق الأبراج وصل عماد الدين زنكي صاحب سنجار إلى خدمة السلطان، فالتقاه و تعانقا و سار به السلطان إلى خيمته، فترجل عماد الدين قبل السلطان و مشى في خدمته بمقدار ما لبس السلطان زرموجته، و دخل السلطان الخيمة، و قدم له السلطان من الطرف ما يقدم لمثله و بسط له الثياب الأطلس، فمشى عليها، و أنزله في طرف الميسرة.

حديث ملك الألمان‏

و في هذه السنة قطع الألمان خليج القسطنطينية إلى بلاد قليج أرسلان في ستمائة ألف جاؤوا من أفرنجة، فخاف منهم ملك القسطنطينية، فقالوا: لا تخف نحن ما جئنا إلا لنخلص القدس، و صليب الصلبوت، و نملك بلاد المسلمين، فلما دخلوا بلاد قليح أرسلان لم يكن له بهم طاقة فاحتاج إلى مسالمتهم، و كتب إلى السلطان يعتذر بالعجز عنهم، و ساروا طالبين و وقع فيهم الوباء، فدفنوا كثيرا من سلاحهم ظنا منهم إذا عادوا أخذوها، فهلكوا، و أخذ المسلمون ما دفنوه، و وصلوا إلى نهر طرسوس فتخلص منهم ابن ليون بقلاعه لأنه أرمني، و هم روم فأراد الملك أن يسبح، و كان ماؤه باردا فنهوه، و قالوا: لا تفعل فأنت متعوب، فقال: لابد فسبح فأخذته الحمى، فأقاموا على النهر بسببه، فأوصى إلى ولده الذي كان في صحبته و مات، فسلقوه في خل و حملوا عظامه ليدفنوه في القدس.

و لما مات اختلفوا على ولده، لأنه كان له آخر أكبر منه فكانوا يميلون إليه، فتأخر عنه أكثرهم، و دخل أنطاكية في جيش قليل، و سأل البرنس‏

639

أن يخلي له القلعة ليضع أمواله و أثقاله فيها، و كان في البرنس خبرة فأجابه إلى ذلك ظنا منه أنه لا يتفق عوده إليها، و كان كما ظن ما عاد، و أخذ البرنس الجميع.

ثم سار إلى طرابلس، و جعل أهل الجبال يقتلونهم و ينهبونهم، فما وصلوا طرابلس إلا في نفر يسير، فأقاموا أياما، و ساروا إلى عكا فلقيهم الافرنج و استبشروا بهم، و وصل رسول ملك القسطنطينية يعتذر إلى السلطان من الروم، و كان صديق السلطان، و أنه خطب للخليفة و السلطان بقسطنطينية، و انقطعت أخبار عكا عن السلطان، فندب أقواما للسباحة و أعطاهم المال في أوساطهم، و الطيور في أعبابهم فترد الأخبار، ثم احترز الفرنج بعد ذلك بشباك نصبوها في المساقاة، فإذا جاء سابح وقع فيها، فامتنع الناس.

و بعث قراقوش يشكو قلة الميرة، فرتب لهم السلطان بطسة كبيرة و جعل فيها نصارى من أهل بيروت كانوا قد أسلموا، فقال: ارفعوا الصلبان على البطسة كأنكم قاصدين الفرنج، ففعلوا ذلك، فخرج إليهم الفرنج في الشواني، فقالوا: نراكم قاصدين البلد، فقالوا: ما أخذتموه بعد؟ قالوا: لا، فقالوا: وراءنا بطسة أخرى ردوها عن البلد، فذهبوا، عنهم، فردوا القلوع إلى البلد و دخلوا الميناء، و كبر المسلمون و امتاروا أياما.

و أما ابن ملك الألمان فإنه أعد دبابة عظيمة، فدخل تحتها ألوف من الناس، و لها رأس عظيم برقبة طويلة إذا نطحت السور دخلت فيه و هدمته، و عمل بطسة لها خرطوم طويل، إذا أرادوا قلب السور انقلب بالحركات، و زحفوا إلى برج الذبان، فأحرق المسلمون جميع ذلك، و طلبت العساكر الشرقية العود إلى بلادها، فقال السلطان: في هذه الحالة اصبروا إلى زمان الشتاء، فأما عماد الدين صاحب سنجار فأقام و أما سنجر شاه صاحب الجزيرة، فأصر على الرحيل، و دخل على‏

640

السلطان فقبل يده، و سار من ساعته، و كتب السلطان وراءه كتابا يقول فيه، و في أوله كلاما منه:

من ضاع مثلي من يديه‏* * * فليت شعري ما استفادا

فقرأ الكتاب و لم يلتفت، و سار فلقيه تقي الدين عند عقبة فيق، فقال له: إلى أين؟ فأخبره فقال: ارجع، فقال: ما أرجع، و كان تقي الدين مقداما فقال: ارجع يا صبي و إلا رجعت مقهورا فرجع فسأل تقي الدين السلطان فعفا عنه.

و فيها كتب السلطان إلى يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن، أمير الغرب، كتابا يستنجد به على يد شمس الدين بن منقذ، و دخل فصل الشتاء فأعطى السلطان العساكر دستورا و أقام في نفر يسير.

و في ذي الحجة مات ابن ملك الألمان، و استشهد بعكا جماعة، منهم جمال الدين محمد بن أرككز خرج في شاني يقاتل، فاحتاطت به مراكب الفرنج و عرضوا عليه الأمان، فقال ما أضع يدي إلا في يد مقدمكم الكبير، فجاء إليه المقدم الكبير، فأخذ بيده و عانقه و ألقى نفسه و إياه في البحر فغرقا.

و فيها تسلم صلاح الدين الشوبك بعد حصار شديد بالأمان، و فيها ملك سيف الدين صنعاء، و أعطاها لولده شمس الملوك الذي ادعى الخلافة، و حج بالناس من بغداد طاشتكين ......

و فيها توفي يوسف بن علي بن بكتكين صاحب إربل، و لقبه زين الدين و هو أخو مظفر الدين، و زين الدين، كان عند السلطان في هذه السنة على الخروبة، فمرض في رمضان، فارتحل من الخروبة إلى الناصرة، فأقام يمرض نفسه، و كان عنده أخوه مظفر الدين يمرضه فيقال إنه سقاه سما فمات، و ظهرت على مظفر الدين أمارات ذلك، فإنه لم يكترث بموته، و لا تأسف عليه، و بلغ السلطان فحزن عليه‏

641

و بكى لأنه صاحبه و مصافيه و شاكره و داعيه، و حزن المسلمون عليه لمكان عفته و شبابه و غربته.

و قال العماد: اتينا مظفر الدين نعزيه ظنا منا أنه قد حزن عليه حزن الأخ على أخيه، فكأننا جئنا نهنئه، و إذا به مشغول عن العزاء بحيازة أمواله و أسبابه، و القبض على عماله و كتابه، ثم أرسل مظفر الدين إلى السلطان يطلب منه إربل و ينزل عن حران و الرها، فأجابه إلى ذلك، و سأله كتابا إلى صاحب إربل في هذا المعنى، و الله تعالى أعلم.

السنة السابعة و الثمانون و خمسمائة

و فيها استيلاء الفرنج على عكا، اشتد عليها الحصار في جمادى الآخرة، و طم الفرنج الخنادق، و نصبوا المناجيق و الدبابات و السلالم، و مل المسلمون من السهر و التعب و القتال و كثرت فيهم الجراح، و كان الفرنج قد صنعوا تلا من تراب يقدمونه يسيرا يسيرا و يقاتلون من ورائه، لأن المسلمين أحرقوا أبراجهم و مناجيقهم و دباباتهم، فعملوا هذا التل و شرفوه، فصار للمقاتلة مثل الحائط، و جاء كتاب أهل عكا إلى السلطان يقولون قد عجزنا و ما بقي إلا طلب الأمان و التسليم، فلم يرد على السلطان خبر أشد من ذلك، لأنه كان قد نقل إلى عكا جميع سلاح الساحل و القدس و دمشق و حلب و مصر، فقال: إني هاجم على القوم من البر و يخرج المسلمون من البلد، فقالوا: ما هذا مصلحة فقد نرى ما بين أيدينا من الخنادق و الرجالة كالسور، و بعدهم الخيالة، و هم أضعاف عددنا، و لم يوافقوه، و لما كان يوم الجمعة سابع عشر رجب، و السلطان قد ركب و العساكر بأسرها، و إذا بأعلام الفرنج قد ظهرت على عكا وقت الظهر، و صاح الفرنج صيحة عظيمة، و طلع علم على القلعة و آخر على مأذنة الجامع، و ملأوا الأبراج بالأعلام، و دخلوا عكا و أسروا من كان بها، و استولوا على جميع ما كان فيها، و كانوا قبل ذلك قرروا على أهلها مائتي ألف دينار، و ألفي أسير، و صليب الصلبوت، و يخرج‏

642

من بها من المسلمين سالمين بأموالهم و أهلهم، و أخبروا السلطان، فأجابهم، فقال الفرنج: سلموا إلينا المال و الأسارى، و اقنعوا بأماننا حتى نسلم إليكم أصحابكم، فقال السلطان: و أي أمانة لكم، و نخاف من غدركم، و البلد و ما فيه قد صار بأيديكم، و توقف الحال.

فلما كان يوم السبت سابع عشرين رجب خرج الفرنج من عكا، و وقفوا وسط المرج بين تل كيسان و العياضية، و أحضروا المسلمين موثقين في الحبال، و كانوا زهاء عن ستة آلاف مسلم، و حملوا عليهم حملة رجل واحد ضربا و طعنا، فقتلوهم فنزل المسلمون يشاهدونهم و لا يعلمون ما يصنعون بهم لبعدهم عنهم، فعادوا و أخبروا السلطان فبكى بكاء شديدا، و يقال انه لطم على رأسه و نتف لحيته، و وقع العويل و البكاء في العسكر، و رحل السلطان من منزله.

ذكر ما جرى بعد انفصال أمر عكا

و لما كان غرة شعبان يوم الأحد رحل الفرنج من عكا و مقدمهم الانكلتار، و كان ملكا عظيما، فسار في البر بالفارس و الراجل، و المراكب في البحر، و معهم فيها أزوادهم، فنزلوا على نهر القصب، و كانوا ثلاثة أقسام: الملك العتيق و اسمه كاي في المقدمة مع الساحلية، و الانكلتار و الفرنسيسية معه في الوسط و أولاد الست أصحاب طبرية في الساقة و السلطان في أعراضهم، و جرى بينهم قتال على نهر القصب قتل فيه أياز الطويل، مملوك السلطان، و كان فارسا عظيما في دبوسه عشرة أرطال حديد، و كان يضرب الفارس و يهشمه، فقاتل في ذلك اليوم قتالا عظيما، و قتل من الفرنج جماعة، فتقنطر به فرسه فقتلوه، فحزن السلطان عليه و دفن على تل عال مشرف على بركة.

و طلب الانكلتار الاجتماع بالملك العادل سيف الدين، و ركبا كل واحد في نفر يسير فقال له الانكلتار: إنما جئنا لنصرة أفرنج الساحل،

643

فردوا عليهم ما أخذتم، و احقنوا دماء الفريقين، فقال العادل: حتى اجتمع بالسلطان.

ذكر وقعة أرسوف‏

لما كان السبت رابع عشر شعبان أصبح الفرنج على نصبة، وصف السلطان عساكره، فاندفع جماعة من المسلمين، و ثبت العادل و قيماز النجمي و عسكر الموصل و كان مقدمهم خرم شاه و لقبه علاء الدين ولد عز الدين مسعود، فلقبه السلطان في ذلك بالملك السعيد، ثم غارت عليهم عساكر المسلمين، فولا حيطان أرسوف لحل بهم الحتوف.

و ذكر محمد بن القادسي في ذيله و قال: انهزم صلاح الدين في ذلك اليوم و رجع في عسكر الموصل، و كانوا فوارس.

و قد حكى القاضي ابن شداد، و كان حاضرها، و ليس المخبر كالمعاين، فقال: ما انهزم السلطان، إنما بقي في سبعة رجال، و أعلامه واقفة و كوساته تخفق، فلما رأى ما نزل بالمسلمين، صاح فيهم و حرضهم، و وقف في ظلته، فلما رآه الناس في ظلته ثابتا أتت العساكر إليه، فتراجع الفرنج إلى منزلته، و قتل من الفريقين جماعة، و أما قول ابن القادسي إنه قتل من الانكلتار مائة ألف و أربعين ألفا، فإن الفرنج ما بلغت عدتهم يوم أرسوف ثلاثين ألفا، قال القاضي: قتل منهم خمسون افرنجيا و قيل أقل.

حديث خراب عسقلان‏

و سار السلطان من أرسوف، فنزل عسقلان، فأجمع الأمراء على خرابها، فبكى السلطان على خرابها، و قال: إن فقد أولادي أهون علي من خرابها، أو أن أنقض منها حجرا، فقالوا: اخربها و الا جرى عليها ما جرى على عكا، و هذه بين يافا و القدس، و لا يمكن حفظ الموضعين، و اختر أيهما شي‏ء، و جاء الخبر نزول الفرنج على يافا، فأمر بخرابها، و كان‏

644

فيها شي‏ء كثير فأجابه المسلمون فنهبوها، و أخربوا بعض السور و السلطان يبكي و ينتحب، و بعث الانكلتار يعرض على العادل أن يزوجه بأخته، فأجاب العادل، فاجتمعوا و أوقفوا الأمر، و قالوا: إن تنصر العادل و دخل في دينها، و إلا غضب المسيح على الانكلتار، فتوقف الحال على ما ذكر الأقساء، و كان الانكلتار يجتمع بالعادل في كل وقت، و يتهاديان، و كان خديعة من الاثنين، و بعث الانكلتار إلى السلطان يقول: لابد من القدس، و صليب الصلبوت فادفعهما إلينا و لك من قاطع الأردن إلى ناحية الشرق، فقال السلطان: أما القدس فهو أعظم عندنا مما هو عندكم، انه مسرى نبينا (صلى الله عليه و سلم)، و مجمع الملائكة، فلا يتيسر ان ننزل عنه، و أما صليب الصلبوت فهلاكه عندنا قربة عظيمة فلا يجوز أن نفرط فيه إلا لمصلحة راجعة إلى الاسلام هي أوفى منه، فقال الانكلتار للعادل: اجمع بيني و بين السلطان، فقال: الملوك إذا اجتمعوا تقبح الحرب بينهم بعد ذلك، فإذا انتظم الصلح حسن الاجتماع، و عاد الفرنج إلى الرملة، و طلع السلطان إلى القدس في ذي القعدة، و أخذ في تحصينه، و شرع ينقل الحجارة هو و أولاده، على أكتافهم و أمراؤه و أجناده، و القضاة و الفقراء و العلماء، و العامة و الخاصة.

و فيها عزل السلطان أبا حامد محمد بن عبد الله بن أبي عصرون عن قضاء دمشق، و ولى محيي الدين بن زكي الدين، قالوا، سبب عزل ابن أبي عصرون عن قضاء دمشق مداخلته الجند، و اشتغاله بما اشتغل به الأمراء من اتخاذ الخيول و المماليك و البرك، و مباشرة الحروب، و معاملة الأمراء و مداينتهم، فتبرم السلطان منه و عزله، و فيها حج بالناس من بغداد طاشتكين.

فصل [: فى وفاة أسعد بن المطران الطبيب، الملقب بالموفق‏]

و فيها توفي أسعد بن المطران الطبيب، و يلقب بالموفق، و كان نصرانيا أسلم على يد السلطان، و كان غزير المروءة، حسن الأخلاق كريم‏

645

العشرة جوادا مهيبا متعصبا للناس عند السلطان، و يقضي حوائجهم، و كان قد صحبه صبي من المسلمين اسمه عمر، و كان حسن الصورة فأحسن إليه، و كان الموفق يحب أهل البيت، و يبغض ابن عنين الشاعر لخبث لسانه و لقبح هجائه و ثلبه لأغراض الناس، و يحرض السلطان على نفيه من البلاد، و قال اليس هو القائل:

سلطاننا أعرج و كاتبه‏* * * أعمش و الوزير منحدب‏

فهجاه ابن عنين و قال:

قالوا الموفق شيعي فقلت لهم‏* * * هذا خلاف الذي للناس منه ظهر

فكيف يجعل دين الرفض مذهبه‏* * * و ما دعاه إلى الاسلام غير عمر

و كان الموفق يعود الفقراء المرضى، و يحمل إليهم من عنده الأشربة و الأدوية حتى أجرة الحمام، و زوجه السلطان بجارية له يقال لها جورة، و كانت من حظايا السلطان، و نقل معها جهازا عظيما، و قال ليلة عرسها احملوا إليه المطبخ، فنزل الموفق جامع دمشق ليصلي العصر، فجاء إليه صوفية الخانكاه و طلبوا منه سماعا بالخانكاه، فقال: سمعا و طاعة، و قام فدخل إلى الخانكاه الصميصاطي و استدعى مطبخ السلطان من دار العقيقي، و أحضر المغاني و الحلاوة الكثيرة إلى الخانكاه، و نزلت العروس مع حظايا السلطان إلى دار العقيقي، فأقمن طول الليل، و هو عند الصوفية، و هم يرقصون، و ما علموا أنها ليلة عرسه فاستحى أن يعرفهم، فلما كان في آخر الليل قيل للصوفية: ايش عملتم الرجل الليلة عريس على جارية السلطان، و الساعة يبلغ السلطان فيغضب فجاؤوا إليه بأجمعهم، و اعتذروا و سألوه أن يمضي فقال: لا و الله إلى الصباح، و بلغ السلطان فقال: ألام على هذا و تقريبه، فكانت وفاته في ربيع الأول بدمشق، و دفن بقاسيون على قارعة الطريق عند دار زوجته جورة، و لما مات اشترت زوجته دارا و بنت إلى جنبها مسجدا، و بنت له تربة و هي‏

646

تعرف اليوم بتربة جورة و لما قدمت الشام سنة ثلاث و ستمائة كانت جورة، باقية و كانت صالحة عابدة.

فصل [: فى وفاة القاضي أبو القاسم قاضي حماة]

و فيها توفي القاضي أبو القاسم قاضي حماة، و اسمه الحسين، بن حمزة ابن الحسين كان فاضلا جوادا سمحا لا ينزل قدره عن النار، يضيف الخلائق من الخاص و العام، و ما اجتمع أحد بحماة من الأكابر إلا و أضافه، و كان صلاح الدين يحبه، و كذا العادل و تقي الدين، و بلغني أن العادل اجتاز بحماة فأرسل إلى القاضي يقول له: أريد الحمام خلوة، فأخلاه فما خرج العادل من الحمام إلا و قد جهز له من الفواكه، و كان قد تزوج بدمشق خطلخ خاتون بنت سودكين فأولدها ابنة و سماها زينب و مات القاضي و هي صغيرة، فلما بلغت تزوجها رجل من أهل حماة يقال له اسماعيل بن العرباض، ثم مات عنها، قلت فتزوجتها في سنة عشرين و ستمائة و توفيت في سنة ثلاث و أربعين و ستمائة و أنا ببغداد، فدفنوها بتربتي بقاسيون، و خلف أبو القاسم ولدا ذكرا، و للولد أولاد، و مات القاضي و هو على قضاء حماة (رحمه الله تعالى).

و فيها توفي الأمير سليمان بن جندر من أكابر أمراء حلب و مشايخ الدولتين النورية و الصلاحية، و هو والد صديقنا علم الدين بن سليمان، و شهد سليمان مع السلطان حروبه كلها، و هو الذي أشار بخراب عسقلان لتتوفر العناية على حفظ القدس، و لما صعد السلطان إلى القدس مرض سليمان فطلب المسير إلى حلب فأذن له السلطان، فسار فتوفي بغباغب في أواخر ذي الحجة و حمل إلى حلب فدفن بها.

و فيها توفي حسام الدين محمد بن عمر بن لاجين، ابن أخت صلاح الدين صاحب نابلس، و اسمها ست الشام، و كان شجاعا مقداما جوادا، توفي ليلة الجمعة تاسع رمضان بدمشق، و بينه و بين وفاة تقي‏

647

الدين ساعات، ففجع السلطان بابن أخيه و ابن اخته في يوم واحد، و دفن بالتربة التي أنشأتها والدته بالعوينة بظاهر دمشق.

و فيها توفي الصفي بن القابض وزير صلاح الدين، و اسمه نصر الله، و كان قد خدم السلطان لما كان بشحنكية دمشق، و أمده بالمال، فرأى له ذلك فلما ملك استوزره، و كان شجاعا ثقة دينا أمينا، فلما نزل الفرنج داريا، و السلطان في الشرق جمع من أهل دمشق سوادا عظيما، و خرج إلى ظاهر البلد، فظنوهم عسكرا فرحلوا و كان كثير المعروف، و كتب أملاكه لمماليكه لأنه لم يكن له ولدا، و بنى بالعقيقة مسجدا و دفن به في رجب، و يعرف اليوم بمسجد الصفى ....

السنة الثامنة و الثمانون و خمسمائة

و فيها في ربيع الأول ولي جدي مدرسة الشيخ عبد القادر، فذكر الدرس بها.

و قال ابن القادسي: و في جمادى الأولى جلس الشيخ أبو الفرج بن الجوزي عند تربة أم الخليفة المجاورة لمعروف الكرخي، فتاب مائة و ثلاثون شخصا و مات ثلاثة في المجلس بوجدهم.

و فيها حبس الخليفة طاشتكين أمير الحاج، و كان في قلبه مه من نوبة ابن يونس و تقصيره في القتال، و نقل إلى الخليفة انه يكاتب صلاح الدين، و كبر عنه ابن يونس، فاعتقله تحت التاج و اختفى خبره بحيث أقام سنين لم يطلع له على خبر.

و فيها كانت نوبة الخويلفة، و كان السلطان قد كتب إلى مصر يستدعي العساكر، فاجتمع على بلبيس خلق عظيم و قافلة عظيمة فيها أموال الدنيا، و كان الانكلتار يترقب مجيئهم فبعث السلطان يحذرهم و قال ابعدوا في البرية، و بلغ الانكلتار قربهم، فركب من تل الصافية في ألف فارس مردفين بألف راجل، و ساروا حتى نزلوا ماء يقال له الحسي،

648

و جاء الانكلتار فكبسهم بغتة قبيل الصبح و هم غارون، فالسعيد من نجا بنفسه، و كانت نوبة لم يجر مثلها في الاسلام، ساقوا من الجمال ثلاثة آلاف جمل، و من الخيل ألفا و خمسمائة فرس، و من البغال مثلها، و من المسلمين خمسمائة أسير، و من العين ألفا ألف دينار، و من الثياب مثلها، و كان في القافلة فلك الدين أخو العادل لأمه، فنجا على فرسه و عاد الفرنج إلى تل الصافية في سادس عشر جمادى الآخرة و بلغ السلطان فأسقط في يده و قال: الأمر لله.

و لما حصل ذلك بيد الافرنج، عزموا على قصد مصر، ثم عدلوا إلى القدس، و بعث الانكلتار إلى البلاد الساحلية، فاستدعى الفارس و الراجل، فجاءه خلق عظيم، فسار من الرملة إلى بيت نوبة، و وصل الانكلتار إلى القبيبة في نفر يسير، و شاهد القدس، و عاد إلى بيت نوبة.

و كان السلطان في القدس، فشاور الأمراء، و قال: أنتم جند الاسلام و منعته و دماء المسلمين و أموالهم و أهاليهم متعلقة بكم، فإن خفتم طووا البلاد طيا، و كنتم المطالبين بذلك، فقالوا: نحن مماليكك و ما تطير رؤوسنا إلا بين يديك، و افترقوا على هذا، فلما كان في الغد اختلفوا فقال بعضهم: ما نقيم حتى يكون السلطان معنا، نخاف أن يجري علينا ما جرى على أهل عكا.

و بلغ السلطان فبعث إليهم يقول: هذا مجد الدين فرخشاه ابن أخي يكون عندكم، و أكون أنا من وراء أذب عنكم، فقالوا: ما هذا برأي و انما نخرج و نصدقهم الحملة، فإن قهرناهم و إلا نسلم العسكر و نمضي إلى دمشق، فعز عليه ذلك خوفا على القدس و من فيه من المسلمين، و بات ليلة الجمعة ساهرا باكيا متضرعا، و بعث بالصدقات إلى الفقراء، و طلع الفجر فجلس إلى الضحى يدعو و مضى إلى المسجد الأقصى، فدخل المقصورة و سجد و بكى و تضرع إلى الله تعالى.

و كان جرديك في اليزك، فجاءت منه رقعة يقول: قد ركبوا بأسرهم،

649

و بات السلطان ليلة السبت قلقا لم يعرف المنام، فلما طلع الصباح جاء جرديك مسرعا فقال السلطان: يهنيك رحلوا نحو الرملة، فسجد السلطان و انكشفت أخبارهم، و سبب رحيلهم ذلك لأن السلطان كان أمر بطم الصهاريج و الآبار التي كانت حول القدس، فقال لهم الانكلتار: و من أين نشرب؟ قالوا: من العيون التي حول القدس، فقال يتخطفوننا فحكموا منهم ثلاثمائة من علمائهم، و حكم الثلاث مائة اثني عشر، و حكم الاثنا عشر ثلاثة على عادتهم في النوازل، فباتوا يتشاورون فترجح عندهم الرحيل، و قالوا: السلطان حاضر، و معه العساكر، فارحلوا فرحلوا طالبين عكا، و كانوا قد أخذوا يافا و حصنوها.

فأقام السلطان بالقدس حتى تيقن وصولهم إلى عكا، فخرج فنزل على يافا و حصرها و تعلق النقابون في الأسوار، و ملك المدينة و أشرفوا على أخذ القلعة فصاح أهلها الأمان، و نهب المسلمون البلد فوقف مماليك السلطان على الأبواب كل من خرج و معه شي‏ء أخذوه، و عز ذلك على الأمراء و الأكراد، و سلموا القلعة، و بعث السلطان لها جماعة من أصحابه و بقي فيه من الفرنج أربعون رجلا، فبينماهم على ذلك إذ لاحت مراكب يسيرة، فرأوا علم السلطان عليها فظنوا أنه قد أخذها فتوقفوا، و قويت نفوس الفرنج الذين في القلعة، و علموا أنها مراكب الانكلتار فرمى واحد نفسه في الماء، و سبح إليهم و قال: تقدموا فأرسوا إلى المينا، و كانت خمسة و ثلاثين مركبا، و وصل الانكلتار، فهرب المسلمون من البلد و تأخر السلطان إلى يازور، و جاء الانكلتار فنزل في منزلة السلطان، و لم يكن معه سوى عشرين فارسا، و ثلاثمائة راجل، و عشرين خيمة، و السلطان في ألوف، فبعث إلى السلطان يقول: أنت سلطان عظيم، و معك هذا الجيش الكثير، و معظم عساكر المسلمين، فكيف رحلت عن منزلتك عند وصولي، و ليس عندي أحد، و لا طلعت من البحر إلا بزربولي؟! فغضب السلطان، و بات على غضب، فلما

650

أصبح ركب و ركبت العساكر و الانكلتار نازل على حاله لم يصل إليه من الفرنج أحد، فحمل إليه المسلمون، و هو في عشرين فارسا و ثلاثمائة راجل، فلم يتحرك، فعظم على السلطان و صاح بالأطلاب: و يحكم و كم معه و أنتم عشرة آلاف و زيادة، فلم يجبه أحد و قال له الجناح أخو المشطوب: قل لعلوقك الذين ضربوا الناس بالأمس و أخذوا كسبهم، و يقال ان الانكلتار أخذ رمحه و حمل من طرف الميمنة إلى طرف الميسرة، فلم يعترض أحد و ساق السلطان من حينه إلى النطرون.

و نزل في خيمة صغيرة وحده و انفرد، و لم يتجاسر أحد أن يكلمه، و جاءت رسل الانكلتار إلى السلطان يقول: قد هلكنا نحن و أنتم و ما طلبت الصلح لتقصير و ضعف مني بل حرصا على المصلحة العائد نفعها علينا و عليكم.

ثم وقع الاتفاق على أن البلاد الساحلية التي بأيدي الفرنج هي لهم، و البلاد الجبلية التي فيها القلاع تبقى بأيدي المسلمين، و ما بين العملين يكون مناصفة، و اختلفوا في عسقلان، ثم اتفقوا انها تكون للفرنج خرابا لا تعمر، و أعطاهم السلطان القمامة، و كتبوا كتاب الصلح، و اتفقوا و لم يؤاخد السلطان الجناح بل عفا عنه، و كان عفوه من كمال عفو السلطان، لأن الناس كلوا و ملوا و علتهم الديون و ذلوا، و خاف السلطان أيضا على البيت المقدس، و انعقد الصلح، و ارتفعت أصوات الفريقين و ضجوا فرحا و سرورا، و كان يوما عظيما، و اختلط الفريقان و زال بينهم الشنآن، و سار الانكلتار في البحر طالبا بلاده، فمات قبل أن يصل إليها، و عاد السلطان إلى دمشق، و عزم على الحج فقيل له: البلاد خراب، و ما نأمن من غدر الفرنج فتوقف.

فصل [: في إخبار السلطان بأن ثلاثة أنهار من الحبشة تغيرت، كانت عذبة فصار الواحد أجاجا، و الآخر لبنا و الثالث دما.]

و وصل إلى السلطان كتاب في غرة السنة من اليمن أن ثلاثة أنهار من الحبشة تغيرت، كانت عذبة فصار الواحد أجاجا، و الآخر لبنا و الثالث دما.

651

و حج بالناس من بغداد فلك الدين، و من الشام درباس الكردي.

فصل [: فى وفاة سنان بن سليمان، صاحب الدعوة بقلاع الشام‏]

و فيها توفي سنان بن سليمان، صاحب الدعوة بقلاع الشام، و أصله من البصرة، و كان في حصن ألموت، فرأى منه صاحب الأمر في تلك البلاد نجابة و شهامة و يقظة، فسيره إلى حصون الشام، و كانت له معرفة و سياسة و حذق في استجلاب القلوب، و كان مجيئه إلى الشام في أيام نور الدين محمود، فأقام واليا ثلاثين سنة، و جرت له مع السلطان قصص، و بعث إليه جماعة فوثبوا عليه، و قد ذكرناه و في عزم السلطان قصده، و لم يعطه طاعة قط، و لما صالح السلطان الأفرنج و عزم على قصده توفي.

و يحكى عنه الغرائب و العجائب، و في الجملة أنه كان كما وصفنا و لم يقم أحد بعده مقامه.

فصل [: فى وفاة سيف الدين المشطوب ملك الهكارية، و اسمه علي بن أحمد الهكاري‏]

و فيها توفي سيف الدين المشطوب ملك الهكارية، و اسمه علي بن أحمد الهكاري، كان شجاعا صابرا على الحرب مطاعا في قبيلته، دخل مع أسد الدين شيركوه إلى مصر في المرات الثلاث، و شهد فتح مصر و لزم خدمة السلطان، فكان ممن أسر بعكا ففدى نفسه بخمسين ألف دينار عجل منها عشرين ألفا، و أعطاهم رهائن بالباقي، و أطلق فأحسن السلطان إليه و أعطاه نابلس و أعمالها فجار ديوانه على أهلها، فاتفق أن السلطان اجتاز بنابلس من القدس في عوده إلى دمشق، فاجتمع أهلها و شكوا إلى السلطان و استغاثوا فقال: ما لهؤلاء؟ قالوا: يتظلمون من المشطوب، و هو راكب بين يديه، فقال: يا علي لو كان هؤلاء يدعون لك حتى يسمع الله، فكيف و هم يدعون عليك.

و اختلفوا في وفاته، فقال العماد الكاتب: مات المشطوب في نابلس في‏

652

آخر شوال، و قال القاضي ابن شداد: مات في القدس، و صلي عليه في المسجد الأقصى، و دفن بداره.

و فيها توفي قليج أرسلان بن سليمان بن قتلمش بن إسرائيل بن سلجوق، صاحب بلاد الروم و لقبه عز الدين.

و فيها توفي المركيس صاحب صور، قدم عليه راهبان فلزما الكنيسة و تعبدا عبادة زائدة، و بلغه خبرهما فقربهما، و لم يكن يصبر عنهما، فأغفلوه ليلة و ذبحاه فأخذا و قررا فقالا: نحن من الاسماعيلية، فقتلا و سر الانكلتار بقتله، لأنه كان يضاهيه و يضاده، و يراسل السلطان في الاعانة عليه، فلما قتل استقل الانكلتار بالأمر، و زوج الانكلتار زوجة المركيس بكندهري ابن أخت ملك الانكلتار من أبيه، و ابن أخت ملك الافرنسيس من أبيه، و أقام الانكلتار كندهري و هي حامل، و ما ذاك عيب عندهم في دين النصرانية، و يكون الولد منسوبا لأمه، و كان الملك في المملكة فأقام كندهري ملك الافرنج سبع سنين .....

السنة التاسعة و الثمانون و خمسمائة

و يقال لها سنة الملوك مات صلاح الدين، و بكتمر شاه أرمن و عز الدين صاحب الموصل .....

و فيها توفي بكتمر بن عبد الله مملوك شاه أرمن بن سكمان صاحب خلاط، مات شاه أرمن و لم يخلف ولدا، فاتفق خواصه على بكتمر، فضبط الأمور و أحسن إلى الرعية، و عدل فيهم، و صاحب العلماء و الصوفية، و كان حسن السيرة متصدقا صالحا دينا جاءه أربعة من الصوفية، و كان لا يمنع صوفي، فتقدم إليه واحدا فمنعه الخازندارية، فقال دعوه فتقدم و بيده قصة فأخذها منه فضربه بسكين فشق جوفه، فمات من ساعته، فأخذوهما و قرروهما فقالا: نحن من الاسماعيلية، و كانوا قد شفعوا إليه في أمر لا يليق، فلم يقبل شفاعتهم فعملوا هذا، فأحرقوا، و ذلك في جمادى الأولى و خلف بكتمر ولدا صغيرا ...

653

فصل [فى وفاة عز الدين مسعود بن مودود بن زنكي بن أقسنقر صاحب الموصل‏]

و فيها توفي عز الدين مسعود بن مودود بن زنكي بن أقسنقر صاحب الموصل، كان خفيف العارضين أسمر مليح اللون، عادلا منصفا محسنا عاقلا جوادا، صبر على حصار صلاح الدين للموصل ثلاث مرات حفظا على البلاد، و فرق الأموال و دارى حتى سلم له الملك، و كان قد بنى في داره مسجدا يخرج إليه في الليل، و يصلى فيه أورادا كانت له، و يلبس فرجية أهداها له الشيخ عمر المسنائي الصوفي فيصلي فيها، و كان قد خرج من الموصل في جهاد، لقتال الملك العادل سيف الدين بن أيوب، و كان على حران بعد موت صلاح الدين، ثم عاد في سابع عشرين شعبان مريضا فاحتضر فجعل يتشهد و يذكر الله تعالى و يقر بالشهادتين، و عذاب القبر، و منكر و نكير و الصراط و الحساب و الميزان، و توفي و دفن بمدرسته التي أنشأها بالموصل بمقابر دار السلطنة، و كانت أيامه ثلاث عشرة سنة و ستة أشهر، و أوصى بالملك إلى ولده الأكبر نور الدين أرسلان شاه، و كان أخوه شرف الدين مودود يروم السلطنة، فصرفها عنه أخوه عز الدين إلى ولده نور الدين أرسلان شاه، و قام بالأمور مجاهد الدين قيماز أحسن قيام ....

فصل [: فى وفاة الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب بن شاذي‏]

و فيها توفي الملك السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب بن شاذي بن مروان، من أولاد خلفاء بني أمية، و ذكر ابن القادسي، أن شاذي مملوك بهروز، و هذه من هنات ابن القادسي، و ما كان شاذي مملوكا قط و لا جرى على أحد من بني أيوب رق، و إنما شاذي خدم بهروز الخادم في قلعة تكريت، استنابه فيها و قد ذكرناه.

ذكر طرف من أخباره‏

ولد صلاح الدين بتكريت في سنة اثنتان و ثلاثين و خمسمائة، و نشأ في‏

654

حجر أبيه أيوب، و ربي في الدولة النورية، و ولاه نور الدين دمشق، و خرج مع عمه أسد الدين إلى مصر فملكها، و قد ذكرنا ذلك أولا، و كان شجاعا سمحا جوادا مجاهدا في سبيل الله، يجود بالمال قبل الوصول إليه، و يحيل به، و متى عرف وصول حمل وقع عليه بأضعافه، و ما خيب أحدا بالرد و إن لم يكن عنده شي‏ء لطف به كأنه غريم يستمهله، و كان مغرما بالإنفاق في سبيل الله و حسب ما أطلقه و وهبه مدة مقامه على عكا مرابطا للفرنج من رجب سنة خمس و ثمانين و خمسمائة إلى يوم انفصاله عنها في شعبان سنة ثمان و ثمانين و خمسمائة، مدة ثلاث سنين و كسر، فكان اثني عشر ألف رأس من الخيل العراب و الأكاديش الجياد، للحاضرين معه في الجهاد، و القادمين عليه من البلاد، غير ما أظلقه من الأموال في أثمان الخيل المصابة في القتال.

و قال العماد: و لم يكن له فرس يركبه إلا و هو موهوب، و لا جاءه قود إلا و هو مطلوب و ما كان يلبس إلا ما حل لبسه و تطيب به نفسه، كالكتان و القطن و الصوف، و يخرج عالي أثمان كسوته في أثمان المعروف، و مجالسه منزهة عن الهزء و الهزل، و محافله حافلة بأهل العلم و الفضل، و ما سمعت منه قط كلمة فحش و لا كلمة تسقط و لا لفظة تسخط، و يؤثر سماع الأحاديث بالاسانيد، و يتكلم عنده في العلم الشرعي المفيد، و يلين للمؤمنين و يغلظ على الكافرين، و من جالسه لا يعلم أنه جليس سلطان، بل يعتقد أنه أخ من الإخوان، تقيا صفيا، مارد سائلا، و لا صد نائلا، و لا أخجل و لا خيب أملا.

قال: و شكا إليه أيوب بن كنعان دينا، مبلغه اثنا عشر ألف دينار، فقضاه عنه، قال: و كتب إليه سيف الدولة بن منقذ، نائبه بمصر، أن بعض الضمان انكسر عليه مال كثير، و ربما وصل إلى الباب و يتمحل، فلما كان بعد أيام وصل ذلك الرجل إلى الباب، و تمحل و بلغ السلطان، فأرسل إليه يقول احذر أن تقع في عين ابن منقذ.