تاريخ دمشق‏ - ج1

- سهيل زكار المزيد...
846 /
655

قال العماد: و رأى معي يمما دواة محلاة، فأنكر علي، و قال: ما هذا؟

فلم أكتب بعد بها عنده أبدا، قال: و كان محافظا على الصلوات في أوقاتها، مواظبا على مفروضاتها و مسنوناتها، و ما رأيته يصلي إلّا في جماعة، و لم يؤخر صلاة من ساعة إلى ساعة، و لا يلتفت إلى قول منجم، و إذا عزم على أمر توكل على الله الذي يقدم و يؤخر.

و ذكره القاضي ابن شداد في السيرة و أثنى عليه، و حكى عنه العجائب، فمن ذلك أنه قال: كان حسن العقيدة، كثير الذكر لله تعالى، و إذا جاء وقت الصلاة، و هو راكب نزل فصلى و ما تركها إلا في مرضه، الذي كات فيه ثلاثة أيام اختلط فيها ذهنه، و كان قد قرأ عقيدة القطب النيسابوري، و علمها أولاده الصغار، لترسخ في أذهانهم من الصغر و كان يأخذها عليهم.

و أما الزكاة فإنه مات و لم تجب عليه قط، و أما صدقة النوافل فاستنفدت أمواله كلها، و كان يحب سماع القرآن، و اجتاز يوما على صبي صغير بين يدي أبيه، و هو يقرأ القرآن، فاستحسن قراءته، فوقف عليه و على أبيه مزرعة.

قال: و كان شديد الحياء، خاشع الطرف، رقيق القلب، سريع الدمعة، شديد الرغبة في سماع الحديث، و إذا بلغه عن شيخ رواية عالية، و كان ممن يحضر عنده استحضره، و سمع عليه، و أسمع أولاده و مماليكه و أمرهم بالقعود عند سماعه إجلالا له، و إن لم يكن يحضر عنده و لا يطرق أبواب الملوك، سعى إليه و سمع منه، و روى عنه، و تردد إليه، و مضى إلى الاسكندرية، و سمع الحديث الكثير من الحافظ السلفي، و من ابن عوف الموطأ، و كان مبغضا لكتب الفلاسفة، و أرباب المنطق، و من يعاند الشريعة و لما بلغه عن السهروردي ما بلغه أمر ولده الملك الظاهر بقتله، و كان محبا للعدل له اثنان و خمسون مجلسا للعلم تحضره القضاة و الفقهاء، و يصل إليه الصغير و الكبير و الشيخ و العجوز، و ما

656

استغاث إليه أحد إلا و أجابه و كشف ظلامته، و استغاث إليه زهير الدمشقي على تقي الدين عمر و قال: ما يحضر معي مجلس الشرع، فأمر تقي الدين بالحضور معه، و كان أعز الناس عليه تقي الدين.

قال: و لقد ادعى رجل على السلطان أن سنقر الخلاطي مملوكه مات على ملكه، قال: فأخبرته فأحضر الرجل، و تزحزح عن طراحته و ساواه في الجلوس، فادعى الرجل، فرفع السلطان رأسه إلى جماعة الشيوخ من الأمراء الخيار، و هم وقوف على رأسه، فقال: لمن تعرفون سنقر الخلاطي؟ قالوا: نشهد أنه مملوكك، و أنه مات على ملكك، و لم يكن للرجل بينة فأسقط في يد الرجل، قال: قلت يا مولانا رجل غريب، و قد جاء من خلاط في طمع و نفدت نفقته، و ما يحسن أن يرجع من المولى خائبا، فقال: يا قاضي هذا إنما يكون على غير الوجه، و وهب له خلعة و نفقة و بغلة و أحسن إليه.

قال: و فتح آمد و وهبها لابن قرا أرسلان، و اجتمع عنده وفود بالقدس و لم يكن عنده مال فباع ضيعة من بيت المال، و فرق ثمنها فيهم، قال:

و سألت ابن بير زان يوم انعقاد الصلح عن عدة الفرنج الذين كانوا على عكا و هو جالس، فقال للترجمان: قل له كانوا خمسمائة ألف إلى ستمائة ألف، قتل منهم أكثر من مائة ألف، و غرق معظمهم، و كان يوم المصاف يدور على الأطلاب و يقول: هل أنا إلا واحد منكم، و كان في الشتاء يعطي العساكر دستورا و هو نازل على برج عكا، و يقيم طول الشتاء في حلقته في نفر يسير، قال: و كنا على الرملة فجاءه كتاب بوفاة تقي الدين، فقال: و قد خنقته العبرة: مات تقي الدين، و لم يعلم بذلك أحد حتى عاد العدو، و لقد واجهه الجناح على يافا بذلك الكلام القبيح فما قال له كلمة و قد استدعاه فأيقن بالهلاك، و ارتقب الناس أن يضرب رقبته فأطعمه فاكهة جاءته من دمشق و سقاه ماء و ثلجا، قال: و كان للمسلمين لصوص يدخلون خيام الفرنج في الليل و يسرقونهم، فسرقوا ليلة صبيا فباتت أمه‏

657

تبكي طوال الليل، فقال لها الفرنج: إن السلطان رحيم القلب فاذهبي إليه، فجاءته و هو على تل الخروبة راكب، فعفرت وجهها و بكت فسأل عنها، فأخبروه بقصتها فرق لها و دمعت عيناه، و تقدم إلى مقدم اللصوص بإحضار الطفل، و لم يزل واقفا حتى أحضره، فلما رأته بكت و أخذته و أرضعته ساعة، و ضمته إليها، و أشارت إلى ناحية الفرنج، فأمر أن تحمل على فرس و تلحق بالفرنج ففعلوا.

و قال: و كان حسن العشرة، طيب الخلق، حافظا لأنساب العرب، عارفا بخيولهم، طاهر اللسان، و القلم، فما شتم أحد قط، و لا كتب بيده ما فيه أذى مسلم، و ما حضر بين يديه يتيم إلا و يترحم على مخلفه و جبر قلبه و أعطاه ما يكفيه، فإن كان له كافل و إلا كفله، و سرق من خزانته يوما ألفا دينار، و جعل في الكيسين فلوس فما قال شيئا، و ذكر القاضي من مناقبه و سطر من فضائله ما زين به التواريخ و السير.

قلت: حكى لي المبارز سنقر الحلبي قال: كان الحجاب يزدحمون على طراحته فجاء سنقر الخلاطي، و معه قصص فقدم له قصة، و كان السلطان قد مد يده اليمنى على الأرض ليستريح، فداسها سنقر الخلاطي، و لم يعلم، و قال له: علم عليها فلم يجبه، فكرر عليه القول، فقال له: يا طواشي أعلم بيدي أو برجلي؟ فنظر سنقر فرأى يد السلطان تحت رجله فخجل و تعجب الحاضرون من هذا الحلم، ثم قال السلطان: هات القصة فعلم عليها، و ما زال السلطان على هذه الأخلاق حتى توفاه الله تعالى إلى مقر رحمته و رضوانه.

و لما كان السادس عشر من صفر وجد كسلا، و حم حمى صفراوية، و كان قد ركب فالتقى الحاج، فركب و بكى، و تأسف حيث لم يكن معهم، و أصبح يوم السبت و الحمى بحالها، و تزايد به المرض حتى ضعف، و أجمع الأطباء على أنه لا يفصد فخالفهم الرحبي و فصده، فكان سبب وفاته، و حجب عن الرجال، و تولاه النساء و أحضر الأفضل‏

658

و الأمراء، سعد الدين مسعود، أخو بدر الدين مودود، و شحنة دمشق، و ناصر الدين صاحب صهيون، و سابق الدين عثمان صاحب شيزر ابن الداية، و ميمون القصري و أيبك الفارسي، و أيبك فطيس، و حسام الدين بشارة، و سامة الجبلي، و غيرهم فاستحلفهم لنفسه، و كان عنده أبو جعفر إمام الكلاسة يقرأ القرآن، فلما انتهى إلى قوله تعالى‏ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ و قد كان غاب ذهنه فقال صحيح، و كانت وفاته يوم الأربعاء بعد صلاة الفجر السابع و العشرين من صفر، و غسله الخطيب الدولعي، و صلى عليه القاضي محيي الدين بن الزكي، و بعث إليه القاضي الفاضل الأكفان و الحنوط من أحل الجهات، و دفن بدار البستان موضع جلوسه.

قال ابن القادسي: و دفن معه سيفه، قال الفاضل هذا يتوكأ عليه في الجنة، و هو وهم من ابن القادسي، لأن سيفه بعث به ولده الأفضل إلى بغداد، و سنذكره.

و عمل الأفضل العزاء ثلاثة أيام و حزن الناس عليه حزنا لم يحزن قبله مثله على غيره.

قال العماد: دخلنا عليه ليلة الأحد للعيادة، و مرضه في زيادة، و في كل تضعف القلوب، و تتضاعف الكروب، ثم انتقل من دار الفناء إلى دار البقاء سحرة يوم الأربعاء، و مات لموته رجاء الرجال، و أظلم لغروب شمسه فضاء الأفضال، و دفن بقلعة دمشق في مسكنه، و دفن جماع الكرم و الفضل في مدفنه، و رثاه الشعراء، و بكاه الفصحاء، فمن ذلك قصيدة ذكرها العماد في البرق الشامي، عددها مائتان و عشرون بيتا ذكرت ههنا غررها، و سطرت دررها فأولها يقول:

شمل الهدى و الملك عم شتاته‏* * * و الدهر ساء و أقلعت حسناته‏

و منها:

659

بالله أين الناصر الملك الذي‏* * * لله خالصة صفت نياته‏

أين الذي مذ لم يزل مخشية* * * مرجوة و ثباته و هباته‏

أين الذي كانت له طاعاته‏* * * مبذولة و لربه طاعاته‏

أين الذي مازال سلطانا لنا* * * يرجى نداه و تتقى سطواته‏

أين الذي شرف الزمان بفضله‏* * * و سمت على الفضلاء تشريفاته‏

لا تحسبوه مات شخصا واحدا* * * بل عم كل العالمين مماته‏

ملك عن الاسلام كان محاميا* * * أبدا لماذا أسلمته حماته‏

قد أظلمت مذ غاب عنا دوره‏* * * لما خلت من بدره داراته‏

دفن السماح فليس تنشر بعد ما* * * أودى إلى يوم النشور رفاته‏

الدين بعد أبي المظفر يوسف‏* * * أقوت قواه و اقفرت ساحاته‏

بحر خلا من وارديه و لم تزل‏* * * محفوفة بوفوده حافاته‏

من لليتامى و الأرامل راحم‏* * * متعطف مفضوضة صدقاته‏

لو كان في عصر النبي لأنزلت‏* * * من ذكره في ذكره آياته‏

بكت الصوارم و الصواهل إذ خلت‏* * * من سلها و ركوبها عزماته‏

يا وحشة الاسلام حين تمكنت‏* * * من كل قلب مؤمن روعاته‏

ما كان أسرع عصره لما انقضى‏* * * فكأنما سنواته ساعاته‏

يا راعيا للدين حين تمكنت‏* * * منه الذئاب و اسلمته رعات‏

ما كان ضرك لو أقمت مراعيا* * * دينا تولى مذ رحلت ولاته‏

فارقت ملكا غير باق متعبا* * * و وصلت ملكا باقيا راحاته‏

فعلى صلاح الدين يوسف دائما* * * رضوان رب العرش بل صلواته‏

و كتب الفاضل إلى الظاهر و هو بحلب كتاب التعزية يقول فيه: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ الآية: كتبت إلى الملك الظاهر أحسن الله عزاءه في مصابه، و جعل الخلف فيه لمماليك المرحوم و أصحابه، و الدموع قد حفرت النواظر، و القلوب قد بلغت الحناجر، فإني قد ودعت أباك مخدومي وداعا لا نلتقي بعده، و أسلمت إلى الله‏

660

طالبا فضله و رفده، و لم تدفع عنه جنوده القضاء، و لا ردت عنه الأسلحة و الخزائن البلاء، و العين تدمع و القلب يخشع، و لا نقول ما يسخط الرب و إنا عليك يا يوسف لمحزونون: و في آخر الكتاب: فإن اتفقتم ما عدمتم إلا شخصه، و إن اختلفتم فالمصائب المستقبلية هو لها عظيم ..

قلت: قد فات الفاضل شيئان أحدهما النعيم، و الثاني عند قوله هو لها عظيم، كان ينبغي أن يقول: ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ.

ذكر ما خلفه، و اختلفوا فيه‏

ذكر القاضي ابن شداد في سيرة السلطان و قال: توفي، و لم يخلف سوى سبعة و أربعين درهما ناصرية و جرما واحدا صوريا ذهبا و لم يخلف دارا و لا عقارا و لا ضيعة و لا بستانا و لا سقفا و لا غيره.

و قال العماد الكاتب: لم يخلف في خزائنه سوى ستة و ثلاثين درهما، و دينارا واحدا ذهبا- ذكر بمعنى ما ذكر ابن شداد.

ذكر فتوحاته:

أول ما فتح الديار المصرية، و الحجاز و مكة و المدينة، و اليمن من زبيد إلى حضر موت متصلا بالهند، و في الشام: دمشق و بعلبك و حمص و بانياس و حماة و حلب و أعمالها، و من حصون الساحل بلاد القدس و غزة و الداروم و تل الصافية و عسقلان و يافا و قيسارية و حسي و عكا و طبرية و الشقيف و صفد و كوكب و الكرك و الشوبك و نابلس و صيدا و بيروت و جبيل و جبلة و اللاذقية و الشغر و بكاس و صهيون و بلاطنس و حصن برزية و قد ذكرنا تلك الحصون.

و من الشرق حران و الرها و الرقة و رأس العين و سنجار و نصيبين و جملين و الموزر، و سروج و ديار بكر و ميافارقين و آمد و حصونها و شهرزور و البوازيج، و خطب له على المنابر من باب همذان إلى الفرات، و من الفرات إلى حضر موت، و من المغرب إلى إفريقية.

661

و يقال انه فتح ستين حصنا، و زاد على نور الدين بمصر و الحجاز و المغرب و اليمن و القدس، و الساحل و بلاد الفرنج، و ديار بكر، و لو عاش لفتح الدنيا شرقا و غربا و بعدا و قربا، و إن كان مبدأ فتوحه مصر بهمة نور الدين و أمواله و عساكره و رجاله، و بينهما مقاربة في السيرة و العدل و الأيام و اجتناب الآثام و كلاهما لم يبلغ ستين سنة و لا خلا من فضيلة و منقبة حسنة، و قد ذكرنا أن نور الدين ولد في سنة إحدى عشرة و خمسمائة، و توفي سنة تسع و ستين و خمسمائة، و ولد صلاح الدين سنة اثنتان و ثلاثين و خمسمائة و توفي سنة تسع و ثمانين و خمسمائة و قد ذكرنا ذلك.

ذكر أولاده‏

كانوا ستة عشر ذكرا و ابنة واحدة، و كان أكبر أولاده الأفضل علي ولد بمصر سنة خمس و ستين و خمسمائة يوم عيد الفطر، و أخوه لأبيه و أمه خضر الملقب بالظافر، ولد بمصر سنة ثلاث و سبعين و خمسمائة و أخوهما لأبيهما و أمهما موسى و يلقب قطب الدين، ولد بمصر سنة ثلاث و سبعين و خمسمائة، و أخوه لأبيه و أمه يعقوب الأعز، ولد بمصر سنة اثنتان و سبعون و خمسمائة، و غازي الملك الظاهر، ولد بمصر سنة ثمان و ستين و خمسمائة، و أخوه لأبيه و أمه الزاهد داود ولد بمصر سنة ثلاث و سبعين و خمسمائة، و المعز اسحاق ولد سنة سبعين و خمسمائة، و المؤيد و اسمه مسعود ولد بدمشق سنة احدى و سبعين و خمسمائة، و الأشرف محمد ولد بالشام سنة خمس و سبعين و خمسمائة، و أخوه لأبيه و أمه ملك شاه، و يلقب بالغالب ولد بالشام سنة ثمان و سبعين و خمسمائة، و أخوهما لأبيهما و أمهما أبو بكر، و يلقب بالنصرة ولد بحران بعد وفاة أبيه في سنة تسع و ثمانين و خمسمائة.

و أما البنت فاسمها مؤنسة خاتون، تزوجها الكامل محمد بن العادل ماتت عنده، و كان لصلاح الدين ولد اسمه اسماعيل مات في حياة أبيه.

662

ذكر قضاته و وزرائه و كتابه‏

القاضي كمال الدين بن الشهرزوري، و شرف الدين بن أبي عصرون، و ولده أبو حامد و محيي الدين بن زكي الدين، و وزيره صفي الدين بن القابض، و كتابه: الفاضل، و العماد، و كان الفاضل حاكما على الجميع، و هو المشار إليه بالسيف و القلم، لا يصدر السلطان إلا عن رأيه، و لا يمضي في الأمور إلا بمضائه.

ذكر ما تجدد بعد وفاته‏

كان أخوه العادل سيف الدين لما توفي بالكرك، فقدم دمشق معزيا للأفضل، فأقام ثم رحل إلى الجزيرة، إلى البلاد التي أعطاه إياها السلطان، و هي: حران و الرها و سميساط، و الرقة و قلعة جعبر، و ميافارقين، و ديار بكر، و كان له بالشام: الكرك و الشوبك، و بعث الأفضل ضياء الدين ابن الشهرزوري رسولا إلى الخليفة، و معه زردية السلطان و سيفه و حصانه و كزا غنده، و دبوسه و تحفا كثيرة، و عاب الناس عليه بحيث بعث بعدة السلطان إلى بغداد، و كتب كتابا إلى الخليفة بيد ابن الشهرزوري، فمنه: أصدر العبد خدمته هذه، و صدره معمور بالولاء، و قلبه مغمور بالصفاء، و ذكر كلاما طويلا، فقيل لابن الشهرزوري: لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ، و أما العادل فإن المشارقة ثاروا عليه، و استثاروا عز الدين صاحب الموصل و أصحابه، فأشار عليه المجد ابن الأثير بالخروج، و أشار عليه مجاهد الدين قيماز بالمقام ليظهر حقائق الأمور، و يراسل جيرانه: ابن زين الدين صاحب إربل، و سنجر شاه صاحب الموصل، و عماد الدين صاحب سنجار، و خرج عز الدين من الموصل و اجتمعا على حران، فاستنجد العادل بأولاد أخيه، فجاءته عساكر الشام، و مصر و مرض عز الدين على نصيبين بالاسهال و ترك العساكر مع أخيه عماد الدين و رجع إلى الموصل جريدة فمات بها، ثم إن الملك العزيز قدم إلى الشام و تقدم في منزلته، و قدمت معه العساكر على‏

663

الأفضل، و بعث إليه العادل ارحل إلى مرج صفر، فرحل و هو مريض، و كان قصد العادل أن يبعده عن البلد لتصل العساكر، فوصل الظاهر من حلب، و المنصور من حماة، و شيركوه من حمص، و الأمجد من بعلبك في نجدة الأفضل، فقال العادل: قد تقرر أنه يرجع إلى مصر، و يقع الاتفاق، و تعود الأمور إلى ما كانت عليه، و اشتد مرض العزيز، و لو لا مرضه ما صالح، فأرسل العزيز كبراء دولته فخر الدين شركس و غيره، فحلف الملوك و طلب مصاهرة العادل، فزوجه ابنته خاتون، و رجع كل واحد إلى بلده، و ذلك في شعبان.

و قال العماد الكاتب: و لما انفصلت العساكر عن دمشق شرع الأفضل في اللهو و اللعب، و احتجب عن الرعية، و انقطع إلى لذاته فسمي: الملك النوام، و فوض الأمر إلى وزيره ابن الجزري، و حاجبه الجمال محاسن ابن العجمي فأفسدا عليه الأحوال، و كانا سببا لزوال دولته، و استبدلا بكبراء الأمراء و الأجناد أراذل الناس، ففسدت أمور العباد.

السنة التسعون و خمسمائة

فصل [: فى عودة اختلاف الأخوين العزيز و الأفضل‏]

..... و فيها عاد الاختلاف بين الأخوين العزيز و الأفضل، و قد ذكر العماد القصة، فقال: لما كان العزيز نازلا على الفوار رحل أبو الهيجاء و الأسدية عشية الاثنين رابع شوال، و كانوا أكثر العسكر، و أخبر العزيز بهم فما بالى بانصرافهم و قال: صفونا من أكدارهم، و لم يأمر أصحابهم باتباعهم، و بقي في خواصه تلك الليلة و رحل، و اتفق الكامل، و الأفضل أن يكون ثلث البلاد للعادل، و ثلثان للأفضل، و هو السلطان، و استناب الأفضل بدمشق أخاه قطب الدين موسى، و خاف العزيز من الأسدية الذين بالقاهرة أن يفعلوا كما فعل أصحابهم، و يمنعوه من دخولها، و كان قد استناب بها بهاء الدين قراقوش ثقة بمودته، فلما وصل إلى القاهرة

664

خرج قراقوش و الأسدية إلى لقائه فأكرمهم و أحسن إليهم، و لما وصل العسكر إلى بلبيس غلا السعر، و ظهرت ندامة الأسدية، فخاف العادل من ميلهم إلى العزيز و غدرهم، و أخبر الأفضل و قال: المصلحة الصلح فأسرى إلى الأفضل و لقيه على فرسخ، و قرر الصلح، و استبشر الناس بذلك و عفا العزيز عن الأسدية، و أحسن إليهم، و اجتمع العزيز و الأفضل و عاد الأفضل إلى دمشق، و أقام العادل عند العزيز.

و أما الأفضل فإنه لما عاد إلى دمشق ازداد وزيره الجزري من الأفعال القبيحة، و آذى الأكابر من الدولة، و الأفضل يسمع منه و لا يعدي أحدا، و لا يخالفه، فكتب قيماز النجمي و أعيان الدولة إلى العادل يشكونه، فأرسل العادل إلى الأفضل يقول: ارفع يد هذا الأحمق السي‏ء التدبير القليل التوفيق، فلم يلتفت و اتفق مع العزيز على النزول إلى دمشق، فسارا إلى الشام فاستشار الأفضل أصحابه فكل أشار عليه أن يلتقي عمه و أخاه، و لا يخالفهما إلا الجزري فإنه أشار عليه بالعصيان، فاستعد للحصار، و حلف الأمراء و المقدمين، و فرقهم في الأبراج و على الأسوار، فراسلوا العزيز و العادل و أصلحوا أمرهم في الباطن، و اتفق العادل مع عز الدين ابن الحمصي على فتح الباب الشرقي، ففتحه ابن الحمصي، فدخلا البلد من غير قتال، فنزل العزيز دار عمته ست الشام، و نزل العادل دار العقيقي، و نزل الأفضل إليهما و هما في دار العقيقي، فدخل عليهما و بكى بكاء شديدا، فأمره العزيز بانتقاله إلى صرخد، فأخرج وزيره الجزري في الليل في جملة الصناديق خوفا من القتل، فأخذ أموالا عظيمة، و هرب إلى بلاده، و كان العزيز قد قرر مع العادل أن يكون نائبه بمصر، و يقيم العزيز بدمشق، ثم ندم فأرسل إلى الأفضل رسالة فيها صلاح حاله فأذاعها، و وصلت إلى العادل فغضب العزيز، و رسم عليه بالخروج فخرج إلى مسجد خاتون بأهله و عياله، و سلم العزيز بصرى إلى العادل، و كان بها الظافر، و أقام العزيز بدمشق أربعة أيام، و صلى‏

665

الجمعة عند مكان قبر والده بالكلاسة، و أمر ببناء القبة، و المدرسة إلى جانبها، و أمر محيي الدين بن زكي الدين بعمارة المدرسة العزيزية، و نقل السلطان من الكلاسة في سنة اثنتان و تسعين و خمسمائة، و كان الأفضل قد شرع في بناء تربة عند مشهد القدم بوصية من السلطان، فإنه قال:

تكون تربتي على الجادة التي يمر بها الصادر و الوارد، فيترحم علي فارتفع قامة، و جاء العزيز فحصر دمشق و أخربها، و كان العزيز إذا جلس في مجالس لهوه جلس على بابه كأنه برد دار، فلما كان آخر الليلة من مقدمه بدمشق، و كانت ليلة الاثنين تاسع شعبان قال العادل لولده الملك المعظم: ادخل فقبل يده و اطلب منه دمشق، و كان المعظم قد راهق الحلم، فدخل فقبل يده و طلب منه دمشق، فدفعها إليه و أعطاه سبحته، و قيل استناب العادل فيها و أعطاها للمعظم عيسى بن العادل على سنن في سنة أربع و تسعين و خمسمائة، و رحل تاسع شعبان إلى مصر، و مضى الأفضل إلى صرخد، و نفى العادل ابن الحمصي الذي فتح له الباب الشرقي و كان قد أعطاه عشرة آلاف دينار، فاستردها منه، و اجتاز العزيز في طريقه إلى مصر بالقدس، فعزل أبا الهيجاء السمين عنه، و ولاه سنقر الكبير، و مضى أبو الهيجاء إلى بغداد، و سنذكره ......

السنة الحادية و التسعون و خمسمائة

........ و فيها كانت الوقعة العظيمة، و تعرف بوقعة الزلاقة [اقرأ:

الأرك‏] بين يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن و بين ألفنش ملك طليطلة، و كان ألفنش قد استولى على جزيرة الأندلس و قهر ولاتها، و كان يعقوب مشغولا عن نصرتهم بالخوارج الخارجين عليه، و بينه و بين الأندلس زقاق، و عرضه ثلاثة فراسخ، و يحتاج في عبوره إلى مشقة عظيمة، و طمع الناس في المسلمين بهذا السبب، و كتب ألفنش إلى يعقوب كتابا نسخته: باسمك اللهم فاطر السموات و الأرض، و صلى الله على المسيح عيسى بن مريم الفصيح، أما بعد أيها الأمير إنه لا يخفى على ذي عقل لازب، و ذكاء ثاقب‏

666

أنك أمير الملة الحنيفية، كما أنا أمير الملة النصرانية، و غير خاف عنك ما عليه نوابك بالأندلس من التخاذل، و التقاعد، و التكاسل، و اهمال أمور الرعية و الاشتمال على اللذات الدنية، و لما أظهروا العصيان، و ادرعوا بالخذلان سلطني الله عليهم، فأذقتهم الخسف، و أسمتهم العسف، أخلي منهم الديار و أمحو الآثار، و أسبي الذراري و الولدان، و امثل بالكهول و الشبان، و قد جعلت ألوفا من العذارى المسلمات مملوكات لبنات الفرنجيات، و لا عذر لك في التخلف عن نصرتهم، و قد أمكنتك يد القدرة، و أنت قادر على النصرة، مع أنكم تعتقدون أن الله فرض لكم في كتابكم، فقال عشرة منا بواحد منكم، و قد زاغ عنكم الصواب، و كذبتم الكتاب، و الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَ عَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ‏ (1)، و نحن اليوم الواحد منا يقتل العدد منكم فقد أظفرنا الله بكم، و أقدرنا عليكم لا تقدرون دفاعا، و لا تستطيعون امتناعا، ثم بلغني أنك أخذت في الاحتيال، و أشرفت على ربوة القتال، و جمعت جمعا من البربر و العرب الذين ادرعوا العار، و عبدوا الدرهم و الدينار، و أحلوا الحرام، و باينوا دين الاسلام، و تظل عاما تنتظر حوادث الزمان، و تقلب الحدثان، تقدم رجلا و تؤخر أخرى، و هذا الفعل بمثلك أحرى، فلا أدرى ألجبن أبطأ بك، فضللت في غيك أم التكذيب بما أنزل على نبيك، فإن كنت عاجزا عن العبور إلي خائفا من أهوال الزقاق، فإني أذكر لك ما فيه الرفق بك، و الارتفاق، و هو أن تعاهدني بالأيمان المغلظة، و الأقسام المعظمة، و دفع الرهائن، و توجه إلي جملة من المراكب لأعبر إليك، و أبارزك في أعز الأماكن عليك، فإن كانت الدبرة لك، كانت غنيمة ساقها الله إليك، و إن كانت لي كانت يدي العليا، و استحقيت إمارة الملتين، و التقدم على الفئتين، و الله تعالى يوفق للسعادة، و يسهل الإرادة، فإنه لا رب غيره، و لا خير إلا خيره، و السلام.

____________

(1)- سورة الأنفال- الآية: 66.

667

و الكتاب بخط وزير ألفنش، و كان نصرانيا قد قرأ العربية، فلما قرأ يعقوب كتابه استشاط غضبا، و أدركته حمية الاسلام، و الغيرة على الإيمان، فكتب على رأس الكتاب بخطه‏ ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَ لَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَ هُمْ صاغِرُونَ‏ (1) و كتب تحت الآية:

و لا كتب إلا المشرفية عندنا* * * و لا رسل إلا الخميس العرمرم‏

ثم قام من ساعته، فشد ذنب فرسه، و لبس سلاحه و سار إلى زقاق سبتة، فنزل عليه، و جمع الشواني و المراكب، و عرض جنده فكانوا مائتي ألف مقاتل، مائة ألف يأكلون بالديوان، و مائة ألف مطوعة، و عبر الزقاق إلى مكان يقال له الزلاقة، و جاءه ألفنش في مائتي ألف فارس و أربعين ألفا من أعيان الفرنج من أعيان المقاتلة، فجرى بينهم قتال لم يجر في الجاهلية و لا الاسلام، ثم إن الله أنزل نصره على الاسلام، فهرب ألفنش في نفر يسير إلى طليطلة، و غنم المسلمون ما كان في عسكره، فكان عدة من قتل من الفرنج مائة ألف و ستة و أربعين ألفا، و عدة الأسارى ثلاثين ألفا، و من الخيام مائة ألف خيمة و خمسون ألفا، و من الخيل ثمانون ألفا، و من البغال مائة ألف، و من الحمير أربعمائة ألف تحمل أثقالهم، لأنهم لا جمال لهم، و من الأموال و الجواهر و الثياب ما لا يحد و لا يحصى، و بيع الأسير بدرهم، و السيف بنصف درهم، و الحصان بخمسة دراهم، و الحمار بدرهم، و قسم يعقوب الغنائم بين المسلمين على مقتضى الشريعة، فاستغنوا إلى الأبد، و وصل ألفنش طليطلة على أقبح حال، فحلق رأسه و لحيته، و نكس صليبه و آلى أن لا ينام على فراش، و لا يقرب النساء، و لا يركب فرسا و لا دابة حتى يأخذ بالثأر و أقام يجمع الجزائر، و البلاد، و يستعد، و قيل إنما كانت هذه الواقعة سنة تسعين و خمسمائة.

____________

(1)- سورة النمل- الآية: 37.

668

و حج بالناس من بغداد سنجر الناصري، و من الشام قراسنقر و أيبك فطيس الصلاحيان، و من مصر الشريف إسماعيل بن ثعلب الجعفري، من ولد جعفر بن أبي طالب ....

السنة الثانية و التسعون و خمسمائة

....... و فيها كانت وقعة يعقوب بن يوسف أيضا مع ألفنش، قد ذكرنا أنه حشد و جمع جمعا أكثر من الأول، و التقوا فهزمه يعقوب و ساق خلفه إلى طليطلة، و ضربها بالمناجيق، و ضيق عليها و لم يبق إلا فتحها فخرجت إليه والدة ألفنش و بناته و نساؤه و أهله، و بكين بين يديه و سألنه إبقاء البلد عليهن، فرق لهن و من عليهن بها، و وهب لهن المال و الجواهر، و ردهن مكرمات بعد القدرة، و لو فتح طليطلة فتح إلى مدينة النحاس، و عاد إلى قرطبة، فأقام شهرا يقسم الغنائم، و جاءته رسل ألفنش يسأله الصلح، فصالحه مدة، و أمن أهل الأندلس، و قيل إن هذه الوقعة كانت في سنة احدى و تسعين و خمسمائة.

و فيها ظهر ببوصير قرية بصعيد مصر و هي التي قتل فيها مروان الجعدي بيت هرمس الحكيم و فيه أمثلة كباش و ضفادع و قوارير كلها نحاس، و فيه أموات لم تبل ثيابهم.

و حج بالناس من بغداد ألب قرا، مملوك طاشتكين، و كان الخليفة قد أفرج عن طاشتكين من الحبس في هذه السنة، و حج من مصر الشريف إسماعيل بن ثعلب الجعفري ....

السنة الثالثة و التسعون و خمسمائة

و فيها قدم حسام الدين أبو الهيجاء السمين بغداد، و خرج الموكب للقائه في زي عظيم، و رتب الأطلاب على ترتيب الشام، و كان في خدمته عدة من الأمراء، و كان معه ولدا أخيه عز الدين كرد، و الغرز، و أول ما تقدم طلب كرد، ثم الغرز، ثم أمير أمير، و جاء هو بعد الكل في‏

669

العدد الكامل، و السلاح التام، و خرج جميع من ببغداد للقائه و كان رأسه صغير و بطنه كبير جدا، بحيث كان على ركبة البغلة، و كان قد رآه عند الحربية رجل كواز، فعمل في ساعته كوزا من طين، و سبق بغلته في السوق، فلما اجتاز به ضحك و عمل أهل بغداد بعده كيزانا، و سموها أبا الهيجاء السمين على صورته، و أنزله الخليفة بدار العميد غربي بغداد بعد أن عبر إلى الجانب الشرقي، و قبل عتبة باب النوبي، و قام له الخليفة و أكرمه بالضيافات، ثم أمره أن يجرد جماعة من أصحابه مع عسكر الخليفة إلى همذان، فجرد جماعة، فلما بعدوا من بغداد نهبوا خزانة الخليفة، و قتلوا جماعة من العسكر، و مضوا إلى الموصل و الجزيرة، و عاد عسكر الخليفة إلى بغداد، و قد حرجوا فنقله الخليفة إلى الجانب الشرقي إلى دار عند النظامية كانت لسلطان دمشق مجير الدين أبق، و وكل به، ثم خلع عليه بعد ذلك: الجبة، و الفرجية، و العمامة السوداء، و القباء الأسود، و بين يديه الخيل بمراكب الذهب، و قد شاهدته و أنا صغير في هذه السنة، و أعطاه الأموال و الرجال، و سار إلى همذان.

و فيها انقضت الهدنة التي كانت بين صلاح الدين و الفرنج، فقصدوا بيروت و بها سامة الجبلي، فهرب، و استولى الفرنج عليها فقال بعض الدمشقيين هذه الأبيات:

سلم الحصن ما عليك ملامه‏* * * ما يلام الذي يروم السلامه‏

إن أخذ الحصون لا من قتال‏* * * سنة سنها ببيروت سامه‏

أبعد الله تاجرا سن ذا* * * و أخزى بخزيه من سامه‏

فصل [في الحج بالناس و وفاة سيف الاسلام طغتكين بن أيوب أخو السلطان صلاح الدين ملك اليمن‏]

و حج بالناس من بغداد شمس الدين اصبه و من الشام سيف الدين محمد بن تميرك.

و فيها توفي سيف الاسلام طغتكين بن أيوب أخو السلطان صلاح‏

670

الدين ملك اليمن من زبيد إلى حضر موت، و قمع الخوارج، و كان شجاعا شهما، و قد ذكرناه، و كانت وفاته في شوال بزبيد، و ولي بعده ولده شمس الملوك إسماعيل، و ادعى الخلافة- و سنذكره ....

السنة الرابعة و التسعون و خمسمائة

و فيها نزلت الفرنج في المحرم على تبنين، فأرسل العادل محيي الدين ابن زكي الدين إلى العزيز إلى مصر يستنجده، فخرج بجيوشه إلى الشام، فوصل في ربيع الأول، و كانوا ضايقوا الحصن، و نقبوه من كل جانب، و أشرف على الأخد، و نقبوه سربا سربا، و كانوا يستظلون من المطر، و جعلوا النقوب بيوتا يسكنونها، و كان الفرنج يحدقون بالمسلمين من النقوب، و يحدثونهم، و كان المسلمون مع العادل نازل بهم عند هونين و معه شيركوه صاحب حمص، و الأمجد صاحب بعلبك، و عز الدين ابن المقدم، و دلدرم صاحب تل باشر، و جاءهم العزيز فساروا جميعا إلى هونين، فلو تأخر يوما أخذت تبنين، و قتل من فيها، و أرسل الله تلك الليلة مطرا عظيما، و ريحا شديدة، و أوقع في قلوب الفرنج الرعب، و قيل جاءكم سلطان مصر، و العساكر فتركوا المناجيق و الدبابات، و الآلات بحالها، و الخيم و ما فيها، و هربوا في الليل إلى صور، ثم بعثوا يطلبون الصلح، فصالحهم العزيز على قاعدة صلح صلاح الدين، و خلع العزيز على المعظم عيسى بن العادل، و أعطاه صنجقا و منشورا بدمشق، و عاد إلى مصر، و مضى العادل إلى ماردين فحصرها في رمضان، و ملك الربض و لم يبق سوى القلعة.

و فيها حج بالناس من بغداد إيلبا، و من دمشق زين الدين قراجا، مملوك صلاح الدين.

فصل و فيها توفي جرديك بن عبد الله النوري‏

، كان من أكابر أمراء نور الدين، ثم خدم صلاح الدين في جميع غزواته، و هو الذي قتل شاور

671

بمصر، و ابن الخشاب، بحلب، و كان شجاعا جوادا، ولاه صلاح الدين القدس، ثم أخذه منه الأفضل.

أبو الهيجاء، و قد ذكرناه ........

فصل و فيها توفي عماد الدين صاحب سنجار

، و اسمه زنكي بن مودود بن زنكي بن آقسنقر ابن أخى نور الدين، و قد ذكرناه في السنين، و كان عاقلا جوادا، و هو الذي قايض حلبا بسنجار، و لم يزل مع السلطان صلاح الدين في غزواته مجاهدا، و كان ميمون النقيبه، و كان السلطان يحترمه مثل ما كان يحترمه نور الدين، و يعطيه الأموال و الهدايا، و التحف الكثيرة، و لما توفي صلاح الدين خرج مع أخيه عز الدين إلى لقاء العادل، و كانت وفاته بسنجار، و لما احتضر أوصى إلى أكبر أولاده، و هو قطب الدين محمد، و يلقب الملك المنصور ......

و فيها توفي قيماز بن عبد الله مجاهد الدين الخادم الرومي، الحاكم على الموصل، و هو الذي بنى الجامع المجاهدي، و الرباط، و المدرسة، و المارستان بظاهر الموصل على دجلة، و وقف عليهم الأوقاف، و كان عليه رواتب كثيرة بحيث لم يدع بالموصل بيت فقير إلا و أغنى أهله، و كان دينا صالحا، عادلا كريما يتصدق كل يوم خارجا عن الرواتب بمائة دينار، و له حكايات مشهورة، و لما مات عز الدين محمود و ولي ابنه أرسلان شاه حبسه و ضيق عليه، و آذاه فتوفي في الحبس، فأخرج ملفوفا في كساء، فلما وصل إلى باب البلد قال البوابون: قفوا حتى نستأذن فأبقي على قارعة الطريق حتى أذن له، و كان لعز الدين مسعود جارية يقال لها أفضل أولدها الجهة الأتابكية التي بنت في قاسيون التربة و المدرسة، و كانت زوجة الملك الأشرف (رحمه الله)، و كان عز الدين قد زوج أفضل أم الأتابكية مجاهد الدين قيماز.

672

فصل و فيها توفي أبو الهيجاء السمين الكردي‏

، و لقبه حسام الدين، و قد ذكرنا أنه قدم بغداد، و بعثه الخليفة إلى همذان، فلم يتم له أمر، و اختلفت الأمراء عليه، و تفرق عنه أصحابه فخاف من الخوارزمي، و استحيى أن يعود إلى بغداد، فسار يطلب الشام على دقوقا، فلما وصل إليها مرض و أقام بها أياما، فتوفي، و بلغني أنه كان نازلا على تل فقال: ادفنوني فيه، فحفروا له قبرا على رأس التل، و ظهرت بلاطة عليها اسم أبيه فدفنوه عليه.

و الحمد لله.

السنة الخامسة و التسعون و خمسمائة

دخلت هذه السنة و العادل على ماردين، و توفي الملك العزيز في المحرم، و كتبت الصلاحية إلى الأفضل و هو بصرخد ليقدم عليهم، فسار إلى مصر فجعلوه أتابك ولد العزيز .....

فصل ... و فيها توفي الملك العزيز عثمان بن صلاح الدين صاحب مصر،

و قد ذكرنا أنه ولد سنة سبع و ستين و خمسمائة و كان العزيز، لطيفا كثير الخير، رفيقا بالرعية.

حكى لي المبارز سنقر الحلبي (رحمه الله) قال: نفد ما بيده بمصر، فلم يبق في الخزانة درهم و لا دينار، فجاء رجل من أهل الصعيد إلى يازكش، سيف الدين فقال: عندي للسلطان عشرة آلاف دينار، و يوليني قضاء الصعيد، فدخل يازكش على العزيز، فأخبره فقال: و الله لا بعت دماء المسلمين و أولادهم بملك الأرض و كتب ورقة ليازكش، بألف دينار، و قال اخرج فاطرد هذا المدبر و لولاك لآذيته.

673

و قد ذكرنا أنه وهب دمشق للملك المعظم و كان يطلق عشرة آلاف دينار، و عشرين ألفا، و كان سبب وفاته أنه خرج إلى الفيوم يتصيد، فلاح له ظبي فركض خلفه فكبا به الفرس فدخل قربوس السرج في فؤاده، فحمل إلى القاهرة، فمات في العشرين من المحرم، و دفن عند الشافعي عن سبع و عشرين سنة و شهور، و قيل عن ثمان و عشرين سنة.

و قال ابن القادسي: كان قد ركب و تبع غزالة فوقع فاندقت عنقه، و بقي أربعة أيام، و مات، و كانت الوصية إلى أمير كبير اسمه يازكش، فوثبت الأسدية عليه فقتلته، و هذه من هنات ابن القادسي بقوله: اندقت عنقه، و الملك العزيز ما اندقت عنقه، إنما دخل قربوس السرج في فؤاده، و أقام بالقاهرة اسبوعين، و نص على ولده ناصر الدين محمد، و كان أكبر أولاده، و كان له عشرة أولاد، و لم يذكر عمه العادل في الوصية، فأما سيف الدين يازكش فكان مقدم الأسدية كبير القدر فيهم، و عاش بعد العزيز مدة طويلة، و سنذكره، و الحمد لله.

ذكر ما جرى بعد وفاته‏

كان لابنه محمد عشر سنين، و كان مقدم الصلاحية فخر الدين جهركس، و أسد الدين سراسنقر، و زين الدين قراجا فاتفقوا على ناصر الدين محمد، و حلفوا له الأمراء، و كان سيف الدين يازكش مقدم الأسدية غائبا بأسوان، فقدم فصوب رأيهم، و ما فعلوه إلا أنه قال: هو صغير السن لا ينهض بأعباء الملك، و لابد من تدبير كبير يحسم المواد، و يقيم الأمور، و العادل مشغول بالشرق بماردين، و ما ثم أقرب من الأفضل، فجعله أتابك العسكر فلم يمكن الصلاحية مخالفة الأسدية، فقالوا: افعلوا، فكتب يازكش إلى الأفضل يستدعيه، و هو بصرخد، و كتبت الصلاحية إلى من بدمشق من أصحابهم يقولون: قد اتفقت الأسدية على الأفضل، و إن ملك حكموا علينا فامنعوه من المجي‏ء، فركب عسكر دمشق ليمنعوا الأفضل ففاتهم، و كان الأفضل قد التقى‏

674

نجابا من عند جهركس إلى من في دمشق بهذا المعنى، و معه كتب فأخذها منه، و قال: ارجع فرجع إلى مصر، و لما وصل الأفضل إلى مصر التقاه الأسدية، و رأى جهركس النجاب فقال: ما أسرع ما عدت فقال له الخبر، فساق هو و قراجا إلى القدس فتحصنا به، ثم أشارت الأسدية على الأفضل بقصده دمشق، و أن العادل مشغول بماردين فكتب إلى الظاهر فأجابه، و قال: اقدم حتى أساعدك.

ذكر حصار دمشق‏

فقام الأفضل و سار بالعساكر إلى الشام و استناب بمصر سيف الدين يازكش و وصل إلى دمشق فأحدق بدمشق و بلغ العادل و هو على ماردين، و قد أقام عليها عشرة أشهر و لم يبق إلا تسليمها و صعدت أعلامه على القلعة، و سمعوا بوفاة العزيز فتوقفوا، فرحل عنها و ترك ولده الكامل محمدا عليها، و جاء العادل، و معه دلدرم، و ابن المقدم و جماعة من الأمراء، و كان الأفضل نازلا في الميدان الأخضر، فأشار عليه جماعة من الأمراء أن يتأخر إلى مشهد القدم، حتى يصل الظاهر، و صاحب حمص و الأمراء، و كانت مكيدة، فتأخر إلى مشهد القدم، و دخل العادل، و من معه من العسكر إلى دمشق، و جاء الظاهر بعسكر حلب، و جاء عسكر حماة، و حمص، و بشارة من بانياس، و عسكر الحصون، و سعد الدين مسعود صاحب صفد، و ضايقوا البلد، و كسروا باب السلامة، و جاء آخرون إلى باب الفراديس، فيقال ان الناصح ابن الحنبلي، و أخاه الشهاب و أصحابهما كسروا باب الفراديس، و كان العادل في القلعة قد استأمن إليه جماعة من المصريين مثل ابن كمدان، و قيماز الجمدار الخادم، و بلغه فركب و خرج إليهم، و جاء إلى جيرون و المجد أخو الفقيه عيسى قائم على فرسه يشرب الفقاع، فصاح العادل «يا فعلة يا صنعة» إلى ههنا، فخرجوا و أغلق باب السلامة و جاء إلى باب الفراديس، فوجدهم قد كسروا الأقفال بالمرزبات، فقال: من فعل هذا؟ قالوا: الحنابلة، فسكت و لم يقل شيئا.

675

قلت: و حكى لي الملك المعظم عيسى (رحمه الله) قال: لما رجعنا من باب الفراديس، و وصلنا إلى باب مدرسة الحنابلة رمى على رأس أبي حب الزيت فأخطأه، و وقع في رقبة الحصان فوقع الحصان ميتا، فنزل أبي و ركب غيره، و لم ينطق بكلمة، و جاء جهركس و قراجا في الليل من جبل سنير فدخلا دمشق، و أما المواصلة، فساقوا على الملك الكامل فرحلوه من ماردين، فجاء يقصد دمشق، و جمع التركمان، و أما دمشق فإنه لما اشتد الحصار عليها قطعوا أشجارها، و مياهها الداخلة إليها، و انقطعت عن أهلها الميرة، و ضجوا فبعث العادل إلى الظاهر يقول: أنا اسلم إليك دمشق على أن تكون أنت السلطان، و تكون دمشق لك لا للأفضل، فطمع الظاهر فأرسل إلى الأفضل يقول: أنت صاحب مصر، فآثرني بدمشق، فقال: دمشق لي من أبي، و إنما أخذت مني غصبا فلا أعطيها لأحد، فوقع الخلف بينهما و وقع التقاعد، و خرجت السنة على هذا.

و لما مات العزيز كتب الفاضل إلى العادل يعزيه يقول: حياة طيبة تقف فيها المواقف الجسيمة، و تنقلب عنها بالأمور السالمة، و العواقب الرحيمة، و لا نقص الله له عددا و لا أعدمه نفسا، و لا ولدا، و لا كدر له مشربا و لا موردا، و أعظم أجره في ولده العزيز (رحمه الله) على ذلك الكريم و نضره، و إلى سبيل الجنة يسره و كتب فيها:

و إذا محاسن وجهه بليت‏* * * فعفا البلى عن وجهه الحسن‏

قال و كان مدة مرضه بعد عوده من الفيوم مدة اسبوعين، فأحرق القلب و أجرى العين، قلت و هذا البيت من أبيات أولها:

إنى أرقت و ذكر الموت أرقني‏* * * فقلت للدمع: أسعدني فأسعدني‏

إني أظن البلى لو كان يعرفه‏* * * عف البلى عن بقايا وجهه الحسن‏

فصل [فى وفاة أبي يوسف يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن صاحب المغرب‏]

و فيها توفي الملك المنصور الغازي المجاهد أبو يوسف يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن صاحب المغرب، الذي كسر ألفنش على الزلاقة،

676

و لم يكن لألفنش مع كثرة جيوشه به طاقة و لم يكن في ولاة المغرب من له سيرة كسيرته، و قد أثنى عليه أصحاب السير، و ذكره عبد المنعم بن عمر في تاريخه، و أثنى عليه و قال: لما توفي أبوه يوسف، قام بالأمر أحسن قيام، فأقر العيون بما قرر من قواعد الاسلام، و يسر كلمة التوحيد، و أذل من الكفر كل جبار، و رفع غاية الاجتهاد فتضوع باجتهاده كل ناد، و أمر بالمعروف، و نهى عن المنكر، و نشر نشره أذكى من العنبر، و صوب كرمه أعلى من ضوء القمر الأنور، و أقام الحدود على العالمين خصوصا على أهله، و عشيرته الأقربين، فاستقامت الأمور ببركاته، و ظهرت الفتوحات العظيمة بعزماته، و انتشرت الخيرات بكراماته، و ذكر هزيمته لملك الفرنج، و اسمه الأدفنش بالديار المغربية.

قلت و حكى لي الشيخ الصالح الفاضل أبو العباس بن ما سيف المغربي اللواتي بالديار المصرية بالقرافة في سنة أربعين و سبعمائة، من فضائل الملك المنصور يعقوب بن يوسف المذكور، و كان أبو العباس قد صحبه زمانا و انتفع به و استفاد منه.

قلت: و كلما حكيته عنه فهو على المشاهدة و العيان، لا من فلان و فلان، قال: فمن ذلك أنه قدم بلدة فاس رجل شريف، و كان فاضلا لطيفا، و كان يعظ بصوت طيب، فجلس بها فمال الناس إليه و أرادوا أن يبايعوه، و بلغ خبره إلى يعقوب، فكتب إليه كتابا يقول: قد بلغنا قدومك البلاد، و وصول بركتك إلى أهلها، و نحن نسألك أن تقدم إلينا لنأخذ حظنا منك كما أخذ أهل البلاد حظهم، و بعث إليه بعشرة آلاف دينار، فخاف الشريف، و اجتمع إليه أهل البلاد و قالوا: متى وقعت في يده قتلك، فأظهر العصيان، و نحن أهل الجبال معك، فقال الشريف: معاذ الله أن أكون سببا لإراقة دم مسلم، و لكني أسير إليه و أستعين بالله عليه، و بلغ يعقوب قوله، فلما قرب من مراكش، خرج يعقوب و استقبله و أنزله معه في قصره، و جمل إليه المال و التحف، و جلس يسمع كلامه.

677

و اتفق عبور يعقوب للقاء الفنش و من عادتهم يوم المصاف أن يصلي الخليفة بالناس الفجر، و يركب و معه خمسة آلاف من القراء ملبسين الدروع حاملين الأسلحة، فيقرأون سبعا من القرآن و يدعو الخليفة، و لا يدعو غيره، و كان له طبال اسمه حماد مقدم الطبالين، و خلفه مائة كوس، و ليس في العسكر من له طبل سوى الخليفة، فإذا فرغ من الدعاء بعد القراءة، قال حماد: قال لبيك فيقول: اضرب الطبل فيدق الكوسات، و تحمل العساكر و هاتان الخصلتان لا يشارك الخليفة فيهما أحد: الدعاء و قوله: يا حماد اضرب الطبل.

فلما كان في هذا اليوم الذي التقى فيه يعقوب صلى الخليفة بالناس، و ركب و الشريف عن يمينه، و لما فرغ من قراءة السبع، التفت إلى الشريف فقال: يا شريف ادع فقال: الله الله يا أمير المؤمنين العفو هذه وظيفة أمير المؤمنين، فقال: لابد فما أمكنه مخالفته خوفا منه، فمد يده و دعا و عجب الناس، و لما فرغ من الدعاء قال له: يا شريف قل لحماد يضرب الطبل، فقال: العفو يا أمير المؤمنين، فقال لابد فقال: يا حماد اضرب الطبل، و فضرب و حملوا ثم التفت إلى الشريف، و قال: يا شريف إن كان خطر ببالك أنك تحكم في البلاد، و أطاعتك أهل فاس و الجبال في هذا الأمر، و رأيت مناما، فهو هذا الذي رأيت ما يحصل لك من الخلافة سواه، فنزل و قبل الأرض، و كسر الله الفنش.

و لله در هذه المكارم و لو كان غير يعقوب لحل بالشريف العظائم.

و منها ما حكاه لي أبو العباس أيضا قال: كان ليعقوب ابن أخت لم يكن بمراكش أحسن صورة منه، و له ثماني عشرة سنة، فقدم مراكش رجل يرقص الدب و معه امرأته، فرآها ابن أخت يعقوب فأعجبته، فأرسل إليها فأخذها فوقف زوجها ليعقوب فقال: يا أمير المؤمنين إني رجل غريب، و قد غصبني ابن أختك و أخذ زوجتي، فقال له: اتبعني و جاء إلى قصر ابن أخته و قال للرجل: قف هاهنا، ثم دخل القصر

678

و استدعى ابن أخته و قال له: لم أخذت زوجة هذا الرجل، فأنكر، فدعا بالرجل و قال له: قد أنكر، فقال: يا أمير المؤمنين، لي كليبة قد ربتها المرأة تحضر كل امرأة في القصر، و أحضر الكليبة فهي تعرفها من بين ألف امرأة، فإن وقفت عندها و إلا فاقتلني، فقال للرجل: اخرج ثم قال لابن أخته لا تبقي امرأة في القصر إلا و تخرج، فأخرج النساء، و خرجت المرأة بينهن و قد غير زيها و ألبسها الحلي و الجواهر و الثياب الفاخرة و أطلق الكلبة، فجاءت فوقفت عندها فاستدعى الرجل، و قال:

زوجتك بما عليها، ثم التفت إلى ابن أخته و قال قصرك مملوء بالجواري المستحسنات، و أنت تمد عينك إلى امرأة رجل غريب جاء من بلاد بعيدة فأخذتها غصبا، ثم قال لغلمانه: أعطوه الرماح، و هذه قتلة المغاربة، فخرجت أمه حاسرة فبكت بين يديه، و قالت: مالي غيره، فقال و الله لابد، و قتله.

و منها ما حكاه أبو العباس أيضا قال: اشتهرت امرأة بالزهد، و أنها ما تأكل الخبز، فبعث إليها يعقوب و قال: أقيمي عندي في القصر أياما لأتبرك بك، فأقامت عنده أياما فدخلت بعض جواريه إلى السقاية يوما فرأت الزاهدة تأكل الخبز في بيت الماء فبهتت، و جاءت إليه فأخبرته فقال لها: و الله لئن سمع هذا غيري منك لأقتلنك، ثم بحث عن ذلك فوجده صحيحا، فأرسل إلى الزاهدة خمسمائة دينار، و ثيابا، و قال لها: قد حصل لنا البركة بمقامك عندنا، و قد سألني بنو عمي أن تقيمي عندهم في قصرهم لتصل إليهم بركتك، فانتقلت إليهم و لم يظهر أمر المرأة.

قال: و كان جوادا سمحا يهب مائة ألف دينار، و خمسين ألفا، و يفتقد أرباب البيوت، و يكرم العلماء و الفقهاء و لم يسمع منه كلمة فحش، و كان عادلا متمسكا بالشرع، و يصلي بالناس الصلوات، و يلبس الصوف على جسده، و يقف للمرأة و الضعيف و يأخذ لهم الحق.

قلت يعقوب هذا هو الذي راسله صلاح الدين بشمس الدين ابن‏

679

منقذ يستنجد به في سنة سبع و ثمانين و خمسمائة و مدحه ابن منقذ بأبيات من الشعر فأعطاه لكل بيت ألف دينار.

ذكر وفاته‏

قال علماء الأندلس: مرض يعقوب مرضا أشفى منه على الموت، فأوصى إلى ولده أبي عبد الله محمد، و أن لا يخفوا موته و أن يصلي عليه المسلمون، و يدفن على قارعة الطريق ليترحم عليه من يمر به، و توفي في ربيع الأول، فكانت مدة أيامه خمس عشرة سنة، و بايع الناس ولده محمدا و استمر على سيرة أبيه، ثم اختلفت الأهواء، و دخل النقص على البيت بموت يوسف، قلت: و عهدي بالشيخ أبي العباس باقيا في سنة أربعين و ستمائة، و بلغني أنه توفي في سنة ثلاث و خمسين و ستمائة بالقرافة بمصر، و قد جاوز المائة سنة، و جرى بينى و بينه مذاكرة في القرافة في سنة ثلاث و خمسين و ستمائة، في ترك الصلاة و ما حكمه، فقال: انشدني ابن الرمامة و اسمه محمد بن جعفر المرسي الحافظ قال:

أنشدني أبو الفضل طاهر النحوي لنفسه يقول هذه الأبيات:

في حكم من ترك الصلاة و حكمه‏* * * إن لم يقربها كحكم الكافر

و إذا أقربها و جانب فعلها* * * فالحكم فيه للحسام الباتر

و به يقول الشافعي و مالك‏* * * و الحنبلي تمسكا بالظاهر

و أبو حنيفة لا يقول بقتله‏* * * و يقول بالضرب الشديد الزاجر

هذي أقاويل الأئمة كلهم‏* * * و أجلها ما قلته في الآخر

المسلمون دماؤهم معصومة* * * حتى تراق بمستنير باهر

مثل الزنا و القتل في شرطيهما* * * و انظر إلى ذاك الحديث السائر

و معنى قوله في أول الأبيات: تمسكا بالظاهر، يعني قوله (عليه السلام) «بين العبد و الكفر ترك الصلاة» و معنى قوله: «لا يحل دم امرى‏ء مسلم إلا بإحدى ثلاث» الحديث.

680

السنة السادسة و التسعون و خمسمائة

و فيها كان ابتداء جلوسي عند قبر الإمام أحمد بن حنبل في يوم الأربعاء، و يجتمع خلق عظيم و تهب في تلك المجالس من القبول نسيم و يعرف فيها نضرة النعيم و يصحبها كل ما رد من طيب و كل كريم بكل تكريم‏ سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ‏ (1).

و دخلت هذه السنة و الحصار، و كان أتابك أرسلان شاه الموصلي قد رحّل الملك الكامل من ماردين، فقدم دمشق و معه خلق كثير من التركمان و عسكر الرها و حران فتأخر الأفضل بالعساكر إلى عقبة شيحورا سابع عشر صفر، و وصل الكامل تاسع عشر صفر، و نزل بجوسق أبيه على الشرف، و دخل الأفضل إلى مرج صفر، و رحل الظاهر إلى حلب و أحرقوا ما عجزوا عن حمله، و سار الأفضل إلى مصر، و أحضر العادل بني الحنبلي: الناصح، و أخاه شمس الدين، و غيرهما و كان الأفضل قد وعد الناصح بقضاء دمشق، و الشهاب بالحسبة، فقال لهم العادل: ما الذي دعاكم إلى كسر باب الفراديس و مظاهرة أعدائي علي، و سفك دمي، فقال له الناصح: أخطأنا و ما ثم إلا عفو السلطان، فقال العادل: فما بدا مني إليكم ما يوجب ذلك، و لو لا أن يقال عني أني شنقت فقهاء ما أبقيت منكم أحدا و لكن البلد لكم هبوه لي، فأخرجهم إلى حلب.

و جرت بعد هذا واقعة عظيمة شفع في الشهاب الحنبلي إلى العادل فرده، و كان يذكر الدرس في حلقة الحنابلة، و يأخذ مغل الوقف، و كان في الحنابلة رجل مصري يقال له نصر يخدم الشيخ العماد، فأقام الشهاب سنين لا يعطيهم شيئا، فنهضوا و استغاثوا إلى العادل و هو في دار العدل، و كان الملك الأشرف، و المعظم، و أولاد العادل وقوفا في الخدمة، فقال‏

____________

(1)- سورة ياسين- الآية: 58.

681

نصر: يا سلطان العالمين، هذا الرجل الوقف معه مدة يأكله، و لا يوصل إلينا شيئا، و كان ذلك في حدود سنة عشر و ستمائة، فقال العادل: كم له معه سنة؟.

فقال نصر: من كسر باب الفراديس، فقال الملك الأشرف: ذا تاريخ ميشوم، فضحك العادل و الجماعة.

و أما الأفضل فإنه لما سار إلى مصر أرسل العادل وراءه أبا محمد نجيب الدين العدل أن يقول له: ترفق فإنا لك مثل الوالد، و عندي كل ما تريد فقال للعدل: قل له إن صح ما قلت فأبعد عنك أعدائي الصلاحية، و بلغ الصلاحية، فقالوا للعادل: ايش قعودنا، قم بنا، و ساروا خلف الأفضل مرحلة مرحلة، فنزل الأفضل بلبيس، و نزل العادل السائح، فرجع الأفضل، و ضرب بهم المصاف فكسروه، و تفرق عنه أصحابه، و دخل القاهرة، و أغلق أبوابها، و جاء العادل فنزل البركة و دخل سيف الدين يازكش بين العادل و الأفضل و اتفقوا أن يعطيه العادل ميافارقين و جبل جور، و ديار بكر، و يأخذ منه مصر، و رحل الأفضل من مصر في ربيع الآخر، و دخل العادل القاهرة، و أحسن إلى يازكش، و قال للأفضل جميع من معك كاتبني إلا سيف الدين، و قدم العادل يازكش و حكمه في البلاد، ورد القضاء إلى صدر الدين عبد الملك بن درباس الكردي، و ولى شيخ الشيوخ ابن حموية التدريس بالشافعي، و مشهد الحسين، و النظر في خانقاه الصوفية، و جلس الوزير صفي الدين عبد الله بن علي وزير العادل في دار السلطنة في حجرة الفاضل، و نظر في الدواوين، قال العماد: أعطى القوس باريها، و أجرى الأمور على أحسن مجاريها، و سار الأفضل إلى ميافارقين، و استدعى العادل ولده محمد الكامل إلى مصر، فخرج من دمشق في ثالث شعبان، و ودعه أخوه عيسى المعظم إلى رأس الماء، و قال العماد: و سرت معه إلى مصر و أنشدته هذه الأبيات:

682

دعتك مصر إلى سلطانها فأجب‏* * * دعاءها فهو حق غير مكذوب‏

قد كاد يهيضني دهري فأدركني‏* * * محمد بن أبي بكر بن أيوب‏

و رحل الكامل إلى مصر في عاشر رمضان، و التقاه العادل من العباسة و أنزله دار الوزارة، و كان قد زوجه العادل ببنت أخيه صلاح الدين فدخل بها، و لم يقطع العادل الخطبة لولد العزيز، ثم إنه جمع الفقهاء و قال: هل يجوز ولاية الصغير على الكبير؟ فقالوا: الصغير مولى عليه، قال: فهل يجوز لكبير أن يولى عليه و ينوب عنه؟ قالوا: لا، لأن الولاية من الأصل إذا كانت غير صحيحة، فكيف تصح النيابة؟ فقطع خطبة ابن العزيز، و خطب لنفسه، و لولده الكامل محمد بن بعده.

و نقص النيل في هذه السنة فلم يبلغ ثلاث عشرة ذراعا، و وقع الغلاء و الوباء، و حج من العراق آقسنقر- المسمى- وجه السبع، و من الشام سامة الجبلي.

فصل و فيها توفي خوارزم شاه، و اسمه تكش بن أرسلان شاه بن أتسز

، من ولد طاهر بن الحسين، و يلقب علاء الدين، و كان شجاعا ملك الدنيا من الصين، و الهند، و ماوراء النهر إلى خراسان، إلى باب بغداد، كان نوابه في حلوان و كان ديوانه مائة ألف مقاتل، و هو الذي كسر مملوكه ميانجق عسكر الخليفة و أزال دولة بني سلجوق، و كان حاذقا بعلم الموسيقا، لم يكن في زمانه ألعب منه بالعود، و حكى أن الباطنية جهزوا إليه رجلا ليقتله، و كان يحترز كثيرا فجلس ليلة يلعب بالعود، و شرع الخيمة فاتفق أنه غنى بيتا بالعجمية و فيه «بينم» و معناه: قد أبصرتك فخاف الباطني منه و ارتعد و هرب، فأخذ و حمل إليه فقرره، فأقر فقتله، و كان يباشر الحروب بنفسه حتى ذهبت احدى عينيه في الحرب، و كان يقول: الملك إذا لم يباشر الحرب بنفسه لا يصلح للملك، لأنه يكون مثل المرأة، و كان قد عزم على‏

683

قصد بغداد، فجمع و حشد و وصل إلى دهستان فتوفي بها في رمضان، فحمل في تابوت إلى خوارزم فدفن عند أهله و أقام ولده محمد مقامه.

و فيها توفي القاضي الفاضل، و اسمه عبد الرحيم بن علي بن حسن أبو علي البيساني الكاتب، ولد ببيسان في سنة تسع و عشرين و خمسمائة، و اشتغل بعلم الأدب و الرسائل، فبرع فيه و صار أوحد زمانه في فنه، و كان صلاح الدين يقول في ملأ من الناس: لا تظنوا ملكت البلاد بسيوفكم، بل بقلم الفاضل، و كان يستشيره في أموره، و قد ذكرنا طرفا من ذلك، و كان كثير العبادة تاليا للقرآن، و قد استعان بآيات من الكتاب في كثير من رسائله، و رسائله عشرة مجلدات، و سمع قائلا يقول بيت شعر، و هو هذا:

لقد ضاع شعري على بابكم‏* * * كما ضاع در على خالصة

فقال: لو قلعت عينا هذا الشعر لأبصر، و سمع أيضا قائلا يقول:

«إن المداد خلوق ثوب الكاتب‏

فقال: الكاتب النحس، انتهى.

و كان الفاضل ممدحا، قال العماد: مدح بمائة ألف بيت من الشعر، و كان الفاضل متحيرا من الناس إذا سلم عليه من لا يعرفه آذاه، و إذا التقاه إنسان و لم يسلم عليه أعناه.

ذكر وفاته‏

لما تيقن الفاضل استيلاء العادل على القاهرة دعا على نفسه بالموت خوفا من ابن شكر وزير العادل، فإنه كانت بينه و بينه وحشة، فخاف أن يستدعيه و يهينه، فقام تلك الليلة يبكي و يتضرع و يصلي، فأصبح ميتا، و حكي عن الملك المحسن بن صلاح الدين أنه قال: اتفق يوم وفاة الفاضل يوم دخول العادل القاهرة، دخل من باب النصر، و خرجنا

684

بجنازته من باب زويلة، و دفن بتربته في القرافة، و بنى مدرسة بالقاهرة و وقف عليها أوقافا نقل إليها بعض كتبه، و كانت كتبه مائة ألف مجلدة، و وقف على الأسارى وقفا عميما، فاستنقذ به خلقا عظيما، و هجاه ابن عنين الشاعر، فأشار على صلاح الدين بنفيه إلى البلاد فنفاه إلى الهند، و هجاؤه معروف، و قد قال فيه الوجه:

في كتبه قلم يريك به القضاء مقدرا* * * ما نور الظلماء غير مداده إذ نورا

فصل .... و فيها توفى قيماز النجمي‏

، و لقبه صارم الدين، كان من أكابر مماليك نجم الدين أيوب، و كان عظيم القدر عند صلاح الدين، إذا فتح بلدا سلمه إليه، و استأمنه عليه، و كان كثير الصدقات، و أفعال الخير، بنى القنطرة بين خسفين و نوى و غيرها، و المدرسة المجاورة لداره بدمشق بجنب باب القلعة، و كان العادل قد جعله بدمشق مع ولده الملك عيسى ثقة به، فتوفي بدمشق في جمادى الأولى، و ظهرت له أموال عظيمة فيقال إنه وجد له في أسفل البركة مائة ألف دينار.

و فيها توفي الحاجب لؤلؤ بن عبد الله الذي ذكرنا أنه أخذ مراكب الفرنج في بحر القلزم، و كان جوادا شجاعا، كثير الصدقات.

قال العماد: وقع الغلاء بمصر في السنة الماضية، و هذه، فكان يخبز كل يوم أربعة و عشرين ألف رغيف، يفرقها على الفقراء، و في غير الغلاء كان يخبز كل يوم اثني عشر ألفا، و كان صائما قائما متعبدا، و كانت وفاته بالقاهرة في جمادى الأولى و الله أعلم .....

السنة السابعة و التسعون و خمسمائة

و فيها استناب الخليفة نصير الدين ناصر بن مهدي في الوزارة، و أذن للقاضي ابن الشهرزوري في الخروج من بغداد.

685

و فيها كانت حوادث عظيمة لم يتجدد مثلها في السنين الماضية، منها:

هبوط النيل، و لم يعهد ذلك في الاسلام، إلا مرة واحدة، فإنه بقي منه شي‏ء يسير، و اشتد الغلاء، و الوباء بمصر، فهرب الناس إلى المغرب، و الحجاز، و اليمن، و الشام، و تفرقوا تفرق أيدي سبأ، و مزقوا كل ممزق أعظم من سنة اثنتين و أربعمائة في أيام المستنصر، فإن كان الناس في هذه السنة كان الرجل يذبح ولده الصغير و تشاركه أمه في طبخه و شيه، و أحرق السلطان جماعة فعلوا ذلك، و لم ينتهوا و كان الرجل يدعو صديقه و أعز الناس عليه إلى منزله فيضيفه، فيذبحه و يأكله، و فعلوا بالأطباء كذلك، و كانوا يدعونهم ليبصروا المرضى فيقتلونهم و يأكلونهم، و فقدت الميتات و الجيف من كثرة ما أكلوها، و كانوا يخطفون الصبيان من الشوارع فيأكلونهم، و كفن السلطان في مدة يسيرة مائتي ألف و عشرين ألفا، و امتلأت طرقات المغرب، و الحجاز و الشام برمم الناس و صلى إمام جامع الاسكندرية في يوم على سبعمائة جنازة.

قال العماد الكاتب: و في سنة سبع و تسعين و خمسمائة اشتد الغلاء، و امتد البلاء، و تحققت المجاعة، و تفرقت الجماعة، و هلك القوي، فكيف الضعيف، و نحف السمين، فكيف العجيف، و خرج الناس حذر الموت من الديار، و تفرق فريق مصر في الأمصار، و لقد رأيت الأرامل على الرمال، و الجمال باركة تحت الأحمال، و مراكب الفرنج واقفة بساحل البحر على اللقم تسترق الجياع باللقم، و جاءت في شعبان زلزلة عظيمة هائلة من الصعيد فعمت الدنيا في ساعة واحدة فهدمت مدينة نابلس، و بنيان مصر، فمات تحت الهدم خلق كثير، ثم امتدت إلى الشام، و الساحل، فهدمت نابلس، فلم تبق بها جدارا قائما إلا حارة السمرة، مات تحت الهدم ثلاثون ألفا.

و هدمت عكا و صور و جميع قلاع الساحل، و امتدت إلى دمشق فرمت بعض المنارة الشرقية بجامع دمشق، و أكثر الكلاسة، و المارستان النوري،

686

و عامة دور دمشق إلا القليل، و هرب الناس إلى الميادين، و سقط من الجامع ست عشرة شرفة، و تشققت قبة النسر، و خسف بالكلاسة، و تهدمت بانياس، و هونين و تبنين و خرج قوم من بعلبك يجنون الريباس من جبل لبنان، فالتقى عليهم الجبلان، و ماتوا بأسرهم.

و تهدمت قلعة بعلبك مع عظم حجارتها، و وثيق عمارتها، و امتدت إلى: حمص، و حماة، و حلب، و العواصم، و قطعت البحر إلى قبرس، و انفرق البحر فصار أطوادا، و قذف بالمراكب إلى الساحل، فتكسرت، ثم امتدت إلى خلاط، و أرمينية، و آذربيجان، و الجزيرة، و أحصي من هلك في هذه السنة على وجه التقريب فكان ألف ألف انسان، و مائة ألف انسان، و كان قوة الزلزلة في مبدأ الأمر بمقدار ما يقرأ الانسان سورة الكهف، ثم دامت بعد ذلك أياما.

فقال بعض البلغاء: أما بعد، فإنه لما حدث بملك الشام حادث الزلازل، و وجد في أكثرها أعظم البلايا و البلابل، حتى طمت الأرض من أرض الجزيرة إلى بلاد الساحل، و هدمت الحصون و المعاقل، و أخربت ما لا يحصى من الدور و المنازل، و سوت الأعالي من البنيان بالأسافل، و أوحشت من أهلها المجالس، و المحافل، و شدخت كثيرا من الهام بالجنادل، و فصلت من الأعضاء و المفاصل، و أبانت من الأقدام و الأكف و الأنامل، و أدبر القطان من الأوطان إدبار النعام الجافل، و خلا كثير من السكان في الموارد و المناهل، و كثرت في الدنيا اليتامى و الأرامل، و أرمضت قلوب الفاقدات، و أرمضت عيون الثواكل، و أخمصت كثيرا من أجنة الحوامل، و وضعت الطيور لهولها في الحواصل.

فكان ما حدث منها عبرة للبيب العاقل، و حسرة على المصر الغافل، و تنبيها على اخلاص التوبة المتغافل، و إزعاجا للمتباطى‏ء عن الطاعة و المتثاقل، و ما ظلم الله عباده بإهلاك النسل و الناسل، و لكنهم لما تعاموا عن الحق، و تمادوا في الباطل و أضاعوا الصلوات، و عكفوا على‏

687

الشهوات و الشواغل، و أهدروا دم المقتول، و أرشوا في ترك القاتل، و ارتكبوا الفجور، و شربوا الخمور، و انتشر فسقهم في القبائل، و أكلوا الربا و الرشا و أموال اليتامى، و هو شر المآكل، و زهدوا فيما رغبوا فيه، و طمعوا في الحاصل، و من بقي منهم إنما يستدرج في أيام قلائل، و ما جرى على البلاد فعبرة و موعظة للخارج و الداخل.

و الله يمن على الإسلام، و أهله بفرج عاجل، و يوفقهم للقيام بمرضاته من أداء الفرائض و النوافل، و يكفيهم من عذابه الأليم الهائل، و ينجيهم من عقابه الآجل و العاجل، فهو مجيب المضطر، و معطى السائل و فارج الكرب الفادح و الخطب النازل.

و في مستهل ذي القعدة حوصرت دمشق، و جاء الأفضل، و الظاهر، و كان العادل بمصر، و بشارة ببانياس، و قد أقطعها العادل مع تبنين و هونين و غيرهما لجهركس، فلما نزل الأفضل و الظاهر على دمشق، جاء بشارة بجنده لهما، فقاتلوا دمشق أياما، و كان بها الملك المعظم عيسى، و بلغ العادل، فجاء فنزل نابلس، و بعث و أصلح الأمراء، و زحف الأفضل و الظاهر فوصلوا إلى باب الفراديس، و أحرقوا فندق تقي الدين، و قاتلهم المعظم و حفظ البلد، و أقاموا شهرين، و في شهر ذي القعدة وقعت المصلحة للعادل، و الخلف بين الأخوين فرحلوا سلخ ذي القعدة، و جاء العادل فدخل دمشق و مضى المعظم و جهركس، و قراجا فحاصروا بانياس و بها حسام الدين بشارة فقاتلهم فقتل ولده و أخرجوه من البلاد و تسلمها جهركس و سلم قراجا صرخد.

فصل و حج بالناس طاشتكين‏

، و كان الخليفة أفرج عنه، ورد عليه إقطاعه و ماله، و توفي جدي، و العماد عقيب هذه الزلازل.

فصل و فيها توفى عز الدين ابن المقدم‏

، و اسمه إبراهيم بن محمد بن عبد

688

الملك، و أبوه محمد المقتول بعرفات، و كان إبراهيم شجاعا، عاقلا، و له قلعة بارين و فامية، و منبج، و الراوندان، و عدة حصون مدعينه إليها الملك الظاهر فأخذها و بقيت له بارين فتوفي و دفن في العقيبة، و كان له بنات ...

فصل و فيها توفى العماد الكاتب، و اسمه محمد بن محمد بن حامد بن محمد

بن عبد الله بن علي بن محمود بن هبة الله بن الّه بتشديد اللام، و هو اسم فارسي و معناه بالعربية العقاب، و كنيته أبو عبد الله بن أبي الفرج الأصبهاني المشد، و يعرف بابن أخي العزيز، و قد ذكرنا جملة من أخباره و عباراته و آثاره، و ذكره الحافظ ابن عساكر فقال: ولد بأصفهان في سنة تسع عشرة و خمسمائة، و بها نشأ و تفقه على مذهب الشافعي على أبي منصور سعيد بن محمد بن الرزاز، مدرس النظامية، و سمع عليه الحديث، و استقل بعلم الأدب و الكتابة و الإنشاء، و برع فيها، و خدم الوزير يحيى بن هبيرة، و كان أحد كتابه و شعرائه، ثم سافر إلى الشام، و قدم دمشق في أيام نور الدين محمود بن زنكي، و أنزله القاضي ابن الشهرزوري كمال الدين في المدرسة التي في نواحي باب الفرج عند باب القصر، و كان نجم الدين أيوب بدمشق فقصد زيارته ليرفع من قدره و مدحه العماد.

و قد ذكرناه في سنة اثنتين و ستين و خمسمائة، ثم مدح نور الدين، و أسد الدين، و صلاح الدين و كان فاضلا عارفا بالأدب، أخذه عن ابن الخشاب، و كان القاضي الفاضل يقول: العماد كالزناد الوقاد، يعني أن النار في باطنه، و ظاهره فيه قترة، و له الترسل و النظم و النثر، و كان حافظا لدواوين العرب، و صنف المصنفات الحسان، و كان القاضي الفاضل يحبه و يثني عليه، و يمازحه، و هو الذي استخدمه عند صلاح الدين، و قد ذكر العماد نفسه في الخريدة، و مبدأ حاله، و أن عمه العزيز لما توفي كان طفلا، و قد ذكرنا أن عمه العزيز قتل بتكريت، و أن أبا العماد صودر بأصبهان، و خرجوا منها و قدموا بغداد في سنة أربع و ثلاثين‏

689

و خمسمائة، و أنه عاد إلى أصبهان في سنة ثلاث و أربعين و خمسمائة في زي طلبة العلم، فإنه لقي بها الفضلاء، و صحب العلماء، و خرج منها في سنة ثمان و أربعين و خمسمائة على نية الحج، ثم عاد إليها، ثم سافر إلى بغداد مع أبيه في سنة احدى و خمسين و خمسمائة [فاتصل بالوزير يحيى بن هبيرة و مدحه‏] بقصائد و استكتبه و استنابه بواسط و أعمالها.

و فيها برز العادل إلى القصير طالبا حلب، و كان الأفضل بحمص عند شيركوه، فجاء إلى عمه العادل فالتقاه عند ثنية العقاب، فأكرمه و عوضه عن ميافارقين صميصات، و سروج، و قلعة نجم، و قد أتى في المرج و حضر، و تسلم الملك الظاهر فامية من شمس الدين ابن المقدم في صفر، و نزل العادل إلى حمص.

و جات في شعبان زلزلة عظيمة هائلة فشققت قلعة حمص و رمت المنظرة التي على القلعة و أخربت حصن الأكراد، و تعدت إلى جزيرة قبرس و امتدت إلى نابلس فأخربت ما بقى.

و فيها شرع الشيخ أبو عمر شيخ الفارسية (رحمه الله) في بناء الجامع بالجبل، و كان بقاسيون رجل فامى يقال له أبو داود محاسن، و أدركته في سنة ست و ستمائة فوضع أساسه و بلغ قامة، و أنفق عليه ما كان يملكه، و بلغ ابن زين الدين مظفر الدين فبعث إلى الشيخ أبي عمر مالا فتممه، و وقف عليه وقفا، و بعد ذلك أراد ابن زين الدين أن يسوق الماء إليه من برزة، و بعث إليه ألف دينار، فقال المعظم عيسى (رحمه الله): طريق الماء كله قبور، و كيف يجوز أن ينبش عظام المسلمين، اشتروا بغلا و اعملوا مدارا، و بالباقي مكانا، و أوقفوا عليه و لا تؤذوا أحدا ففعلوا .....

السنة الستمائة

دخلت سنة ستمائة، و في أول هذه السنة سافرت من بغداد إلى الشام، و هي أول رحلتي، فاجتزت بدقوقا، و بها خطيبها، و يقال له الحجة،

690

و كان يعظ بها، و روى لنا الحديث، و سمع بالعراق ابن البطي و غيره، و جلست بدقوقا، ثم قدمت إربل، فاجتمعت بشيخ كيس ظريف يقال له محيى الدين الساقاني، و أنشدني مقطعات لغيره، ثم قدمت الموصل، و جلست بها، و حصل لي القبول التام بحيث أن الناس كانوا ينامون ليلة المجلس في الجامع من كثرة الزحام، و أدركت بها جماعة من علماء الإسلام، و حملة حديث المصطفى (عليه السلام)، فسمت الأحاديث النقورية على أبى طاهر أحمد بن عبد الله بن أحمد بن محمد الطوسى الخطيب، و غيره، ثم قدمت حران فجلست بها، و سمعت الخطيب فخر الدين ابن تيمية، و ابن الطباخ، و عبد القادر الرهاوي، و غيرهم.

ثم قدمت حلب، و جلست بها، و سمعت شمائل النبي (صلى الله عليه و سلم)، من افتخار الدين، و أسباب النزول من عبد الرحمن ابن الأستاذ و غيرهما، ثم سمعت شمائل النبي (صلى الله عليه و سلم) من افتخار الدين سنة ثلاث و ستمائة، مرة ثانية، ثم قدمت دمشق و نزلت بقاسيون عند الفارسية، و جلست به و بجامع دمشق، فكانت مجالسي و لله الحمد و المنة مثل غرفات الجنة، ثم زرت البيت المقدس المخصوص بالإعظام، و قبر الخليل (عليه السلام)، و جلست بالبيت المقدس، و ذكرت فضله الذي هو على التقوى مؤسس.

و عدت إلى قاسيون فأقمت بها إلى سنة ثلاث و ستمائة، و رجعت إلى حلب، و أدركت بالشام شيخنا تاج الدين الكندي، و جمال الدين بن الحرستاني القاضي، و شمس الدين ابن الشرازي، و شرف الدين ابن الموصلي، و بني عساكر، و قرأت على الشيخ موفق الدين الحنبلي، و داود بن ملاعب، و ابن صصرى، و خلق كثير، و صحبت الشيخ أبا عمر شيخ الفارسية و شاهدت منه الزهد في الدنيا، و الورع و الفضل، و التواضع، و من أخيه الموفق و نسيبه العماد ما يرد به عن الصحابة و الأولياء و الأفراد، فأنساني حالهم أهلي و أوطاني، مع بقاء أعياني، ثم عدت إليهم‏

691

بعد ذلك على نية الاقامة عسى أن أكون رفيقهم في دار الإقامة، و أنشدت بلسان الظاهر و الباطن أقول:

فألقت عصاها و استقر بها النوى‏

فصل و فيها كانت كسرة المواصلة

سار نور الدين صاحب الموصل إلى تل أعفر، ففتحها بالسيف، و كانت لقطب الدين ابن عماد الدين صاحب سنجار، فاستنجد قطب الدين بالملك الأشرف ابن العادل، فجاء و معه سنجر شاه صاحب الجزيرة، و الصالح صاحب آمد، و الأوحد أخو الأشرف صاحب ميافارقين في عساكر ديار بكر، و اجتمعوا في خلق عظيم، و كان صاحب الموصل نازلا على كفر ذمار في عسكر الموصل لا غير، و كان الحر شديدا و الأشرف على يوسري في ألوف، فساق عليهم نور الدين في أول مرة، ثم كانت الكسرة عليه لسوء تدبيره، لأنهم كانوا أضعافهم مستريحين و هو متعوب عطشا فانهزم و أسروا جماعة من أمرائه منهم: المبارز سنقر، الجبلي، و ولده الظهير غازي، و ذلك في يوم السبت تاسع عشر شعبان، و دخل نور الدين الموصل و تحصن بها، و استعد للحصار، و جاء الأشرف فنزل كفر ذمار، و تراسلا و اصطلحا في آخر ذي الحجة، و أطلق الأمراء الذين أسرهم إلا المبارز سنقر، و ولده الظهير غازي فإنهما أقاما في سجن حران مدة حتى شفع فيهما قطب الدين بن زين الدين فأطلقهما و تزوج الأشرف أخت نور الدين صاحب الموصل.

فصل [: في قتل ناصر الدين بن أرتق صاحب ماردين عمه زوج أمه نظام الدين‏]

و فيها وثب ناصر الدين بن أرتق صاحب ماردين على عمه زوج أمه نظام الدين، و غلامه لؤلؤ فألحقهما بالهالكين، و استولى، و كانا قد حكما عليه و قترا الرزق عليه، و كان ناصر الدين و أخوه حسام الدين نازلين بحرزم لا يمكنهما النظام و لؤلؤ من سكنى القلعة، و يقال إن لؤلؤ دس‏

692

إلى حسام الدين من سقاه السم فرمى كبده قطعا، و بقى ناصر الدين فخاف أن يجري عليه ما جرى على أخيه، و يصير له تعبا، فكان النظام و لؤلؤ يأكلون البلاد على اسم ناصر الدين، و كان يصعد إلى القلعة للسلام على النظام، فصعد على العادة و ضبط له الأمراء الباب، فدخل على النظام و قد تهيأت له الأسباب و عنده أم ناصر الدين فضربه بالباقرون فقامت إليه في وجهه، و قالت: تأن فما يفوت، فقال: اذهبي و إلا ألحقتك بالنظام، ثم قتله، و خرج و اتفق دخول لؤلؤ فالتقاه في الدهليز و كان أعور ذهبت احدى عينيه في حصار ماردين، فضربه بالباقرون في عينه الصحيحة على أفعاله القبيحة، و طلع السطح فرمى به للعوام، فانهزم أصحاب لؤلؤ و النظام، و ملك القلعة بما فيها و استولى على ذخائر يحير وصفها، و بعث ناصر الدين بأطراف لؤلؤ إلى الموصل، و ميافارقين و جبل جور، و استقامت له الأمور.

و فيها حج بالناس طاشتكين ........

السنة الحادية و ستمائة

و في جمادى الآخرة عزل الخليفة الناصر ولده أبا نصر محمد عدة الدنيا و الدين عن ولاية العهد، اجتمع أرباب الدولة في دار الوزير ابن مهدي و القضاة، و العلماء، و الفقهاء و الأمراء، و أخرج الوزير رقعة بخط ولي العهد إلى والده مضمونه أنه حين ولاه العهد لم يكن يعلم ما يجب عليه و لا قدر ذلك، و أنه سأل أباه إقالته و عزله و أنه لا يصلح لذلك، و شهد عليه أبو منصور سعيد بن الرزاز، و أبو نصر أحمد بن زهرة العدلان بذلك، و أن الخليفة أقاله، و انشأ محمد بن محمد القمي كتابا إلى البلدان بذلك، و هذا محمد القمي هو الذي ناب في الوزارة، و عزل في أيام المستنصر بالله و لقبه المكين.

و في جمادى الآخرة عقيب هذه الواقعة وقع حريق في دار الخليفة لم يجر في الدنيا مثله، فتحت أبواب الدار في الليل، و ركب الوزير ابن‏

693

مهدي و أرباب الدولة إلى خزانة السلاح، فرأوا النار قد لعبت فيها، و اجتمع جميع من ببغداد من: السائقين، و الفراشين بالقرب، و الروايا و الصناع، و الفعلة و أقاموا يوما و ليلة يقلبون الماء على النار، و هي تزداد، فاحترق جميع ما كان في الخزانة من الأسلحة و الأمتعة و القسي، و النشاب و الرماح، و الجروخ، و السيوف و الجواشن و الزرديات، و قدور النفط و الخوذ المرصعة بالجواهر، و اليواقيت، و عملت النار و ساعدها الهواء، و دبت إلى الدور، و التاج، و الدار البيضاء، فخرج الخليفة منها إلى دجلة، و احترقت خزانة الرؤوس [و فيها] رأس البساسيري، و رأس ابن منكلي، و رأس طغريل و غيرها، و يقال إن قيمة ما ذهب ثلاثة آلاف ألف و ستمائة ألف دينار، و كان ذلك عبرة لمن اعتبر، و فكرة لمن افتكر.

فصل و فيها جاءت الفرنج إلى حماة، و أخذوا النساء الغسالات‏

من باب البلد على العاصي، و خرج إليهم الملك المنصور ابن تقي الدين و ثبت و أبلى بلاء حسنا، و كسر الفرنج عسكره، و وقف على الصافة من المرقنطة إلى باب حماة، و لولا وقوفه ما أبقوا أحدا من الناس.

و حج بالناس من العراق وجه السبع، و من الشام صارم الدين برغش العادلي والي قلعة دمشق، و زين الدين قراجا صاحب صرخد، و جاء أبو محمد يوسف، و قرأ عزل ولي العهد بمكة و المدينة عند قبر النبي (صلى الله عليه و سلم) .....

فصل و فيها توفي الملك ابن بكتمر صاحب خلاط

، كان شابا لم يكن في الدنيا أحسن منه، و لم يبلغ عشرين سنة قتله الهزار ديناري، و قيل بل غرقه في البحر، ثم قتل الهزار ديناري بعده و سنذكره، و الحمد لله وحده و صلى الله على أشرف خلقه محمد و آله و صحبه و سلم.

694

السنة الثانية و ستمائة

و فيها استوزر الخليفة نصير الدين ناصر بن مهدي العلوي الحسني، و خلع عليه خلعة الوزارة: القميص، و الدراعة، و العمامة، و خرج من باب الحجرة، فقدم له فرس من خيل الخليفة، و بين يديه دواة فيها ألف مثقال ذهب، و وراءه المهد الأصفر، و ألوية الحمد، و طبول النوبة، و الكوسات تخفق، و العهد منشور بين يديه، و جمع أرباب الدولة مشاة بين يديه، و ضربت الطبول و البوقات له بالرحبة في أوقات الصلوات الثلاث: المغرب، و العشاء، و الفجر، فقال الناس: يا ليت شعرنا ماذا أبقى الخليفة لنفسه.

و فيها هرب أبو جعفر محمد بن حديدة الوزير الانصاري من دار ابن مهدي، و كان محبوسا بدار المطبخ عند ابن مهدي ليعذبه، فحلق ابن حديدة رأسه و لحيته، و خرج فلم يظهر خبره إلا من مراغة بعد مدة، و عاد إلى بغداد ..

و فيها توجه ناصر الدين صاحب ماردين إلى خلاط بمكاتبة، فجاء الملك الأشرف فنزل على دنيسر، و أقطع بلاد ماردين، فعاد ناصر الدين إلى بلده، بعد أن غرم مائة ألف دينار، و لم يسلموا إليه خلاط.

و فيها أغار ابن لاون على بلاد حلب، و أخذ الجشار من نواحي حارم فبعث الملك الظاهر فارس الدين ميمون القصري، و أيبك فطيس، و ابن تركمان، و حسام الدين ابن أمير تركمان، فنزلوا على حارم فقيل لميمون:

كن على حذر فتهاون، و كبسهم ابن لاون، و قتل جماعة من المسلمين و ثبت أيبك فطيس، و ابن التركمان، و قاتلا قتالا شديدا، و لولاهم لأخذ ميمون، و بلغ الظاهر فخرج من حلب، و نزل مرج دابق، و جاء إلى حارم، فهزم ابن لاون إلى بلاده و كان قد بنى قلعة فوق دربساك، فأخربها و عاد إلى حلب.

695

و حج بالناس من العراق وجه السبع، و من الشام الشجاع بن علي بن السلار ......

فصل و فيها توفي طاشتكين بن عبد الله التستري‏

أمير الحاج و الحرمين و لقبه مجير الدين حج بالناس ستا و عشرين حجة، و كان في طريق الحج مثل الملوك، فحسده ابن يونس، و قال للخليفة: إنه يكاتب صلاح الدين، و زور عليه كتابا فحبسه مدة، ثم تبين له أنه بري‏ء من ذلك فأطلقه، و أعطاه خوزستان، ثم أعاده إلى إمرة الحج، و كانت الحلة السيفية إقطاعه، و كان جوادا شجاعا، سمحا قليل الكلام يمضي عليه الأسبوع لا يتكلم، استغاث إليه رجل يوما فلم يكلمه، فقال الرجل: الله كلم موسى فقال: أنت موسى؟ فقال الرجل: و أنت الله؟ فقضى حاجته.

و كان حليما التقاه رجل فاستغاث إليه في بوابه، فلم يجبه فقال له الرجل أحمار أنت؟ فقال طاشتكين: لا، و قام يوما إلى الوضوء فحل حياصته و تركها موضعه، و دخل ليتوضأ، و كانت الحياصة تساوي خمسمائة دينار فسرقها الفراش و هو يشاهده، فلما خرج طلبها فلم يجدها فقال أستاذ داره: اجمعوا الفراشين، و أحضروا المعاصير، فقال له طاشتكين لا تضرب أحدا فالذي أخذها ما يردها، و الذي رآه ما يغمز عليه، فلما كان بعد مدة رأى على الفراش الذي سرق الحياصة ثيابا جميلة و بزة ظاهرة، فاستدعاه سرا و قال له: بحياتي هذه من ذيك؟ فخجل؟

فقال لا بأس عليك فاعترف فلم يعارضه، و كان قد جاوز تسعين سنة فاستأجر أرضا وقفا ثلاثمائة سنة على جانب دجلة ليعمرها دارا، فكان ببغداد رجل يحدث في الخلق، يقال له قبيح المحدث فقال: يا أصحابنا نهنئكم مات ملك الموت، فقالوا: و كيف؟ فقال: طاشتكين عمره مقدار تسعين سنة استأجر أرضا ثلاثمائة سنة، فلولا علم أن ملك الموت قد مات ما فعل هذا، فتضاحك الناس.

696

و كانت وفاته بتستر، و أوصى أن يحمل إلى مشهد أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، فحمل في تابوت فدفن كما أوصى.

فصل و فيها توفى مسعود و مودود ابنا الحاجب مبارك بن عبد الله‏

، فمسعود لقبه سعد الدين صاحب صفد، و مودود لقبه بدر الدين شحنة دمشق و أمهما أم فرخشاه بن شاهنشاه بن أيوب، و أصل أمهما من المنظرة، ففرخشاه أخوهما لأمهما، و اختهما ست عذراء صاحبة المدرسة المجاورة لقلعة دمشق، و كانا أميرين كبيرين، لهما مواقف كثيرة مع صلاح الدين، و تقدمت وفاة بدر الدين مودود، فإنه مات بدمشق يوم الأحد خامس شهر رمضان، و توفى سعد الدين بصفد يوم الاثنين خامس شوال، فبينهما شهر، و الحمد لله وحده و صلواته على أشرف خلقه محمد و آله و صحبه و سلم.

السنة الثالثة و ستمائة

و فيها فارق وجه السبع الحج، و قصد الشام، و كان في الحج العراقي جمع من الأعيان، فبكوا و ضجوا، و سألوه فقال: مولانا أمير المؤمنين محسن إليّ و ما أشكو إلا من الوزير ابن مهدي يقصدني لقربي من مولاي، و ما عن الروح عوض، و سار إلى الشام و دخل الحجاج بغداد و عليهم وحشة و كآبة، و أمر الخليفة أن لا يخرج الموكب إلى لقائهم و لا يخرج إليهم أحد و أدخل الكوس، و العلم، و المهد في الليل، و أقام الخليفة حزينا أياما.

و أما وجه السبع فوصل إلى دمشق فالتقاه العادل و أولاده و خدمه، و أحسنوا إليه و أكرموه ........

و فيها قبض الخليفة على عبد السلام بن عبد الوهاب ابن الشيخ عبد القادر الذي أحرقت كتبه في الرحبة، و استأصله، و أصبح يطلب من الناس، و كان قد بلغه فسقه و فجوره .........

697

و فيها نزلت الفرنج على حمص، و كان الظاهر قد بعث يوسف خطلخ الجبلي إليها نجدة لأسد الدين، و أمر في هذه المرة الصمام ابن العلائي صاحب حمص.

و فيها فارقت دمشق قاصدا إلى حلب، و جلست بقاسيون و ودعت الناس، فلم يتخلف بدمشق إلا اليسير، و امتلأ جامع الجبل بالناس فصاحوا علينا من الشبابيك و الأبواب: لا، لا، لا، يعني قوموا فاخرجوا، فخرجنا إلى المصلى، و كان شيخنا تاج الدين الكندي حاضرا، فلما خرج من الباب زحموه فانكشف رأسه، و وقعت عمامته فعز علي و سألته أن يمضي إلى دمشق و لا يحضر في المصلى، فامتنع و قال: لا و الله حتى يتم المجلس، و تاب في ذلك اليوم زيادة عن خمسمائة شاب، و قطعوا شعورهم، و كان سيف الدين ابن بيرك حاضرا، و جرى الكلام في المغناطيس و أنه يعشق الحديد ثم قلت و الحبارى يعشق الشمس، و لهذا كلما مالت الشمس إلى جهة مال الحبارى إليها فصاح شمس الدين بن بيرك: كلنا اليوم حبارى.

و حج بالناس مجاهد الدين ياقوت و هي أول حجة حجها، و حج صدر جهان، و وصلت إلى حلب في ذي الحجة و اجتمعت بالنقاش الحلبي الشاعر، و لقبه تاج الدين، و اسمه مسعود بن أبي الفضل أبو الفتح فأنشدني مقطعات من شعره، و كتبها لي بخطه، و مولده سنة أربعين و خمسمائة، و مدح الملك الأمجد صاحب بعلبك، قلت: و هجا مسعودا صاحب شيزر بيتين هما عينا الذم، و سبب ذلك أنه حكى عن نفسه قال: اشتريت من دمشق فاكهة بأربعين درهم**، 350، و قوسين بأربعين درهما، فقصدت شيزر، فنزلت بخان في الربض و أخبر مسعود صاحبها بي فاستدعاني، فدخلت عليه، و قدمت له الهدية و أنشدته أبياتا غزلا و مديحا فلما انتهينا أخرج من تحت طراحته خمسة دراهم، و قال:

أنفق عليك هذه الليلة فطباخنا مريض، فنزلت إلى الخان فلما كان‏

698

صبيحة ذلك اليوم جاءني أستاذ داره، و قال: الأمير يسلم عليك، و يقول لك: كم ثمن الفاكهة و القوسين؟ فقلت: معاذ الله أن أذكر لهما ثمنا، و إنما أهديتهما للأمير، فقال: لابد، فقلت: اشتريتهما من دمشق بثمانين درهما، و اكتريت لي و لهما بغلا بعشرين درهما، فعاد و معه مائة درهم و قال: هو يعتذر إليك و ما في الخزانة شي‏ء، فامتنعت من أخذها و خرجت من شيزر و لم أبت بها و قلت:

ما أليق النحس بمسعود كم‏* * * على الورى يا ساكني شيزر

فيا ملوك الأرض هموا به‏* * * فإنه و الله شي‏ء زري‏

قلت عهدى بالنقاش في سنة ثمان و ستمائة في الحياة، و قدم دمشق في سنة تسع و ستمائة، و أنشد الجماعة قطعا من قصائده، و أفادهم من فرائد فوائده، إلا أنه كان باطنه كالزناد الوقاد، و ظاهره كالجليد و الجماد، و من رآه نسبه إلى البلاهة و عدم الذكاء و الفقاهة، فإذا أنشد تساقط من ألفاظه مثل الجمان، و قد شاهدته، و ليس الخبر كالعيان، و لم أقف على تاريخ وفاته ......

السنة الرابعة و ستمائة

........ قلت و حججت أنا في هذه السنة و هي الرابعة و ستمائة و رأيت من الموتى ما أذهلني و خصوصا في النقرة و العسيلة فإني رأيت فيها ما يزيد على خمسة آلاف ميت و مشينا ثلاثة أيام في الأموات .....

فصل ..... و فيها وصل النجم خليل قاضي العسكر الحنفي إلى بغداد

رسولا من العادل و أخرج في مقابلته السهروردي، و سنقر السلحدار و معهما الخلع للعادل و أولاده، و كان في خلعة العادل: الطوق و السواران.

699

و فيها ملك الأوحد ابن العادل خلاط، كاتبه أهلها بعد قتل ابن بكتمر الهزار ديناري، و يأخذ بثأر أخي [ابن بكتمر] فسار إلى أخلاط و خرج الهزار ديناري للقائه فضربه فأبان رأسه، و عاد إلى أرزن الروم، و بقيت خلاط بغير ملك و كان الأوحد صاحب ميافارقين فكاتبوه فجاء إليهم و استولى عليها و كانوا جبابرة و شرط عليهم بالملازكردية (1) و المقدمون، فشرع فيهم فأبادهم، و غرقهم في بحر خلاط و بدد شملهم.

و فيها حج بالناس ياقوت و حججت معه، و هي أول حجاتي، و كانت الوقفة يوم الأربعاء، وعدت إلى العراق، و حج من الشام زين الدين دلدرم، و شيخ الشيوخ صدر الدين و أولاده، و شبل الدولة الحسامي و خلق كثير ....

فصل .... و فيها توفى قراجا الصلاحي صاحب صرخد

، و لقبه زين الدين، كان شجاعا جوادا، توفي بدمشق، و دفن بقاسيون، و قبره عند تربة ابن تميرك في قبة على الجادة .....

السنة الخامسة و ستمائة

و فيها تكاملت دار المضيف ببغداد بالجانب الغربي للحجاج، و الواردين من البلاد، و رتب الخليفة لهم فنون الأطعمة و الزاد، و إذا عادوا من الحج رتب فيهم الدنانير و الثياب.

و فيها زلزلت نيسابور زلزلة عظيمة، و دامت عشرة أيام فمات تحت الهدم خلق كثير، و حج بالناس من العراق ياقوت، و من الشام حسام الدين قيماز والي القدس ......

____________

(1)- انظر الموسوعة ج 59- ص 117.

700

السنة السادسة و ستمائة

و فيها نزلت الكرج على خلاط، و بها الملك الأوحد بن العادل في عسكر خلاط، و جاء ملك الكرج، و يقال له إيواني في خلق عظيم و تحصن الأوحد في القلعة، و حصر أبواب البلد و ضايقه و أشرف على أخذه، فأصبح ذات يوم فقال له منجمه: البشارة لي، قال: و كيف؟ قال:

ما تبيت الليلة إلا في قلعة خلاط، فشرب الخمر حتى ثمل و ركب في جيوشه، و قصد باب أرجيش، و خرج إليه المسلمون فقاتلوه و رأوا ما لا قبل لهم به، فبينما هم كذلك إذ عثر به جواده فقتل عليه جماعة من خواصه، و أخذ أسيرا فحمل إلى القلعة فبات بها و رحل الكرج عن البلد، و فرج الله عن أهله، ثم اتفق مع الأوحد على أن يرد إيواني ما فتح من بلاد المسلمين، و يطلق الأسارى و مائة ألف دينار، و يزوج إيواني ابنته من أخي الأوحد، و قيل إنما كانت وقعة إيواني بعد حصار سنجار في سنة سبع و ستمائة (1).

و في ربيع الأول نزل العادل على سنجار بعساكر الشام، و مصر، و ديار بكر، و حلب، و معه أولاده، و أقام بضربها بالمناجيق إلى رمضان، و لم يبق إلا تسليمها فأرسل الظاهر أخاه المؤيد يشفع في السنجارية فلم يشفعه، و مات المؤيد في هذه السنة، و كره المشارقة مجاورة العادل فاتفقوا عليه و صاحب إربل و أرسل الخليفة إلى ابن الضحاك، و آقباش يشفع إلى العادل فيهم، و تقاعد العسكر عن القتال، و خذله صاحب حمص، فرحل بعد أن أخذ نصيبين، و الخابور، و نزل حران و فرق العساكر، و عزم صاحب إربل، و الموصل، و ماردين، و الجزيرة، و حلب على قتال العادل، ثم صالحوه، و اتفقوا.

و حج بالناس من العراق ياقوت، و من الشام فخر الدين إياس الشمامي ......

____________

(1)- انظر الموسوعة ج 59- ص 134.

701

فصل ..... و فيها عصى قطب الدين سنجر الناصري بتستر بعد موت طاشتكين‏

، و كان زوج ابنته، فبعث إليه الخليفة عز الدين نجاح الشرابي، و مؤيد الدين القمي نائب الوزارة، فلما قربوا من تستر هرب سنجر بأمواله و أهله إلى صاحب شيراز أتابك نرسي، و قيل سعد، فحلف له أن لا يسلمه، ثم نكث و غدر به و نهب أمواله، و جميع ما كان معه و ارتكب من النساء الفواحش، و سلمه إلى نواب الخليفة فعادوا به إلى بغداد فأدخل سنجر بعد الملك و السلطنة على بغل في السنة الآتية.

فصل و فيها خرجت من دمشق إلى نابلس إلى الغزاة

، و كان الملك المعظم عيسى (رحمه الله) بها، جلست بالجامع يوم السبت خامس ربيع الأول و كان الناس من باب المشهد الذي لزين العابدين إلى باب الناطفانيين، و إلى باب الساعات، و كان القيام في الصحن أكثر بحيث امتلأ جامع دمشق، و حزروا ثلاثين ألفا، و كان يوما لم ير بدمشق مثله و لا بغيرها، و كان قد اجتمع عندي شعور كثيرة، و قد وقفت على حكاية أبي قدامة الشامي مع تلك المرأة التي قطعت شعرها، و بعثت به إليه و قالت:

اجعله قيدا لفرسك في سبيل الله، فعملت من الشعور التي اجتمعت عندي شكلا لخيل المجاهدين، و لما صعدت المنبر أمرت بإحضارها فحملت على أعناق الرجال، و كانت ثلاثمائة شكال، فلما رآها الناس صاحوا صيحة عظيمة، و قطعوا مثلها، و قامت القيامة، و كان المبارز المعتمد إبراهيم (رحمه الله) والي دمشق حاضرا و جميع الأعيان، فلما نزلت من المنبر يطرق لي و يمشي بين يدي إلى باب الناطفانيين، فتقدم إلى فرسي فأمسك بركابي و أركبني، و خرجت من باب الفرج إلى المصلى، و جميع من كان بالجامع بين يدي، و سرنا من الغد إلى الكسوة و معنا خلق مثل التراب.

702

و كان معنا من قرية واحدة يقال لها زملكا، من قرى دمشق، ثلاثمائة رجل بالعدد و السلاح، و أما من غيرها فخلق كثير، و الكل خرجوا احتسابا و جئنا إلى عقبة فيق، و الطير لا يقدر أن يطير من خوف الفرنج، فسرنا على الجادة إلى نابلس، و وصلت أخبارنا إلى عكا، و خرج المعظم فالتقانا، و سرّ بنا، و جلست بجامع نابلس و أحضرنا الشعور، فأخذها و جعلها على صدره و وجهه و جعل يبكي، و كان يوما عظيما، و لم أكن اجتمعت به قبل ذلك اليوم، و خدمنا و أكرمنا و خرجنا إلى نحو بلاد الفرنج فخرجنا و هدمنا و قطعنا أشجارهم، و أسرنا جماعة، و قتلنا جماعة و لم يتجاسروا أن يخرجوا من عكا، فأقمنا أياما، ثم عدنا سالمين إلى الطور المطل على الناصرة، و المعظم معنا، فقال: أريد أن أبني عليه قلعة، فطلب أخاه الملك الأشرف، و عساكر الشرق و حلب و شرع في عمارة الطور، و أقام العسكر تحته من ذي الحجة هذه السنة سنة ثماني و ستمائة، فعمل سوره و دارا و استوى، و خاف الفرنج، فأرسلوا إلى العادل فصالحهم و أعطوا العسكر دستورا فتفرقوا، و المعظم يعمر الطور إلى قبيل وفاة العادل فلا يحصى ما غرم عليه.

فصل ..... و فيها توفي أتابك نور الدين صاحب الموصل‏

، و اسمه أرسلان بن عز الدين مسعود، و كان متكبرا جبارا بخيلا، فاتكا سفاكا للدماء حبس أخاه علاء الدين، فمات في حبسه، و ولى الموصل رجلا ظالما يقال له السراج، فأهلك الحرث و النسل، و كان نور الدين يسى‏ء التدبير، و هو الذي كسره الأشرف على يوسري، و عرض لنور الدين مرض السل فأقام يذوب ذوبانا، و مات في صفر و خلف ولدين: مسعودا و لقبه القاهر و زنكي، و أوصى إلى بدر الدين لؤلؤ أن يكون مسعود السلطان، و زنكي في شهرزور، و بعث بدر الدين العماد ابن يونس إلى بغداد يطلب الخلع مع بدر الدين محمد سبط العقاب فخلع عليه ......

703

السنة الثامنة و ستمائة

و فيها عاد نجاح الشرابي و القمي من تستر إلى بغداد، و بين يديهما سنجر مملوك الخليفة الذي عصى عليه راكبا على بغل ببرذعة، و في رجليه سلسلة، و حبس، و جمع القمي القضاة و الفقهاء و الأعيان، و أخرج كتبه إلى المخالفين في الدولة و إلى نوابه يقول: من لقيتم من عسكر الخليفة، و قرأها على الجماعة فأفتوا بإراقة دمه و أيس سنجر و الناس من نفسه، فقال القمي: فإن أمير المؤمنين قد عفا عن ذنبه و صفح عن جرمه، و أفاض الخلع عليه، و جمع بينه و بين أهله في الصاغة في دار طاشتكين بدار الخليفة.

و فيها قدم رسول جلال الدين حسن صاحب ألموت يخبر بأنهم تبرأوا من الباطنية و بنوا المساجد و الجوامع، و قد أقيمت الجمعة و الجماعات عندهم، و صاموا رمضان، فسر الخليفة و الناس بذلك، و قدمت خاتون أم جلال الدين حاجة، فاحتفل لها الخليفة.

و فيها بعث الخليفة خاتمه إلى وجه السبع بالشام، و بعث معه العادل رسولا، فأكرمه و ولى وجه السبع الكوفة إقطاعا.

و في شعبان قدم ايدغمش من همذان إلى بغداد، و كان منكلي مملوك أزبك قد طرده من همذان فاحتفل له الخليفة و أخرج جميع أرباب الدولة للقائه و قام له بالضيافة العظيمة ....

فصل ...... و فيها حج بالناس من العراق علاء الدين محمد بن ياقوت،

نيابة عن أبيه، و معه ابن أبي فراس يدبره، و في الحج أم جلال الدين، و حج بالناس الصمصام أخو سياروخ على حج دمشق، و من القدس الشجاع علي بن السلار أميرا على حج القدس، و كانت ربيعة خاتون بنت أيوب، أخت صلاح الدين في الحج، فلما كان يوم النحر بمنى،

704

بعد ما رمى الناس الجمرة، و ثب الاسماعيلية على رجل شريف من بني عم قتادة أشبه الناس به، و ظنوه إياه فقتلوه عند الجمرة، و يقال إن الذي قتله كان مع أم جلال الدين فثار عبيد مكة و الأشراف، و صعدوا على جبلين بمنى، و هللوا و كبروا، و ضربوا الناس بالحجارة و المقاليع و النشاب، و نهبوا الناس يوم العيد و الليلة، و اليوم الثاني و قتل من الفريقين جماعة، فقال ابن أبي فراس لمحمد بن ياقوت: ارحلوا بنا إلى الزاهر إلى منزلة الشاميين فلما حملت الأثقال على الجمال حمل قتادة و العبيد عليهم، فأخذوا الجميع إلا القليل، و قال قتادة: و الله ما كان المقصود إلا أنا، و الله لا أبقيت من حاج العراق أحدا، و كانت ربيعة خاتون بالزاهر و معها ابن السلار و أخو سياروخ و حاج الشام، فجاء محمد بن ياقوت أمير الحاج العراقي فدخل خيمة ربيعة خاتون مستجيرا بها و معه خاتون أم جلال الدين، فبعثت ربيعة ابن السلار إلى قتادة تقول: ما ذنب الناس قد قتلت القاتل، و جعلت ذلك وسيلة إلى نهب المسلمين، و أنت تحللت الدماء في الشهر الحرام في الحرم و المال، و قد عرفت من نحن و من أولاد أخي، و الله لئن لم تنته لأفعلن و لأفعلن، فجاء إليه ابن السلار فخوفه و هدده، و قال: ارجع عن هذا و إلا قصدك الخليفة من العراق، و نحن من الشام، فكف عنهم و طلب مائة ألف دينار فجمعوا له ثلاثين ألفا من أمير الحاج العراقي و من خاتون أم جلال الدين، و أقام الناس ثلاثة أيام حول خيمة ربيعة خاتون بين قتيل، و جريح، و مسلوب، و جائع، و عريان، و قال قتادة: ما فعل هذا إلا الخليفة و إن عاد قرب أحد من بغداد إلى هاهنا لأقتلن الجميع، و يقال إنه أخذ من المال و المتاع و غيره ما قيمته ألفا ألف دينار، و أذن للناس في الدخول إلى مكة، فدخل الأصحاء و الأقوياء فطافوا و أي طواف، و معظم الناس ما دخلوا، و رحلوا إلى المدينة فدخلوا بغداد على غاية من الفقر، و الذل، و الهوان، و لم تنتطح فيها شاتان.