تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار - ج4

- محمد بن عبد الله ابن بطوطة المزيد...
327 /
103

ذكر سلطان بنجالة

و هو السلطان فخر الدين‏ (303) الملقب بفخرة، بالفاء و الخاء المعجم و الراء، سلطان فاضل محبّ في الغرباء و خصوصا الفقراء و المتصوفة و كانت مملكة هذه البلاد للسلطان ناصر الدين بن السلطان غياث الدين بلبن و هو الذي ولي ولده معزّ الدين الملك بدهلي، فتوجه لقتاله و التقينا بالنّهر، و سمّي لقاؤهما لقاء السّعدين، و قد ذكرنا ذلك‏ (304) و أنه ترك الملك لولده و عاد إلى بنجالة فأقام بها إلى أن توفي.

و ولى ابنه شمس الدين إلى أن توفى فولى ابنه شهاب الدين، إلى أن غلب عليه أخوه غياث الدين بها دور فاستنصر شهاب الدين بالسلطان غياث الدين تغلق فنصره و أخذ بهادور بور أسيرا، ثم أطلقه ابنه محمد لما ملك على أن يقاسمه ملكه، فنكث عليه فقاتله حتى قتله، و ولّى على هذه البلاد صهرا له فقتله العسكر، و استولى على ملكها علي شاه‏ (305)، و هو إذ ذاك ببلاد اللّكنوتي، فلما رأى فخر الدين أن الملك قد خرج عن أولاد السلطان ناصر الدين و هو مولى لهم، خالف بسدكاوان و بلاد بنجالة و استقل بالملك و اشتدت الفتنة بينه علي شاه، فإذا كانت أيام الشتاء و الوحل أغار فخر الدين على بلاد اللّكنوتي في البحر لقوته فيه، و إذا عادت الأيام التي لا مطر فيها اغار على شاه على بنجالة في البر لقوّته فيه.

حكاية [الفقير شيدا]

و انتهى حبّ الفقراء بالسلطان فخر الدين إلى أن جعل أحدهم نائبا عنده في الملك بسدكاوان، و كان يسمى شيدا، بفتح الشين المعجم و الدال المهمل بينهما ياء أخر الحروف و خرج إلى قتال عدوّ له فخالف عليه شيدا و أراد الاستبداد بالملك، و قتل ولدا للسلطان فخر الدين لم يكن له ولد غيره‏ (306)! فعلم بذلك فكّر عائدا إلى حضرته ففر شيدا و من تبعه إلى‏

____________

(303) بعد قمع ثورة غياث الدين بهادر. ضلّ بهرام خان الغلام المتبنّى لمحمد بن تغلق كحاكم على بلاد البنغال الشرقية في سونار گاون‏(Sonargaon) إلى أن توفي حوالي عام 737- 1337 و قد أعلن خلفه الاستقلال عام 738- 1338 تحت اسم فخر الدين مبارك شاه 1338- 1349- ولده و خلفه اختيار الدين غازي أقصى عن الحكم عام 1352 من لدن شمس الدين إلياس الذي وحّد سائر بلاد البنغال.

(304) راجع- الجزءIII ، 175، 177، 178

(305) أنظر التعليق السابق رقم 302. في الحقيقة فخر الدين عليّ قام بالثورة على الأقل سنة قبل علاء الدين علي.

(306) مع ذلك فإنه يظهر أنه هو ولده الذي خلفه عام 1349- 750- أنظر التعليق رقم 303.

104

مدينة سنركاوان، و هي منيعة (307)، فبعث السلطان بالعساكر إلى حصاره فخاف أهلها على أنفسهم فقبضوا على شيدا و بعثوه إلى عسكر السلطان، فكتبوا إليه بأمره، فأمرهم أن يبعثوا له رأسه فبعثوه، و قتل بسببه جماعة كبيرة من الفقراء.

و لما دخلت سدكاوان، لم أر سلطانها و لا لقيته لأنه مخالف على ملك الهند فخفت عاقبة ذلك، فسافرت من سدكاوان بقصد جبال كامرو، و هي بفتح الكاف و الميم و ضم الراء، و بينها و بين سدكاوان مسيرة شهر (308).

و هي جبال متسعة متصلة بالصين و تتصل أيضا ببلاد التّبّت‏ (309) حيث غزلان المسك.

و أهل هذا الجبل يشبهون الترك، و لهم قوة على الخدمة، و الغلام منهم يساوي أضعاف ما يساويه الغلام من غيرهم، و هم مشهورون بمعاناة السّحر، و الاشتغال به، و كان قصدي بالمسير إلى هذه الجبال لقاء وليّ من الأولياء بها، و هو الشيخ جلال الدين التّبريزي‏ (310).

ذكر الشيخ جلال الدين.

و هذا الشيخ من كبار الأولياء و أفراد الرجال، له الكرامات الشهيرة و المآثر العظيمة، و هو من المعمّرين أخبرني، (رحمه اللّه)، أنه أدرك الخليفة المستعصم بالله العباسي ببغداد و كان بها حين قتله‏ (311)، و أخبرني أصحابه بعد هذه المدة أنه مات ابن مائة و خمسين، و أنه‏

____________

(307) سونورگاوان أو سونارگانو أو سونير گونگ، مدينة في البنغال على بعد 15 ميلا جنوب داكّا كانت احدى العواصم الاسلامية و قد أعطت اسمها لأحد الأقاليم الثلاث للبنغال‏Satgan ، و فيها سيجد المركب الذي سيوصله إلى جاوة بعد 40 يوما من السفر.

(308) كامرو، الكلمة من أصل سنسكري‏KAMARUPA ، قسم من ولاية أصّام‏ASSAM يقع بين بهوتان و بنغلاديش. ألحقت أصّام بمملكة الهند عام 653 ه- 1256 م.

(309) بلاد التّبّت‏(Tibet) تتصل فعلا بالصين تقع بينها و بين بهوتان‏(Bhutan) و هي كما نعرف دولة من آسيا الوسطى تحيط بها الجبال الشامخة: و هي دولة دينية عاصمتها لاسا يراجع ج‏III ص 439.

(310) يظهر أن ابن بطوطة- و قد طال به العهد- خلط بين الشيخ جلال الدين التبريزي المتوفى عام 1244- 642، و لم يزر أصام‏(ASSAM) ، و بين الشيخ شاه جلال الذي هو من أصل تركستاني و هو الذي شارك على ما ترويه الأخبار في افتتاح سيلهت‏(Sylhet) الواقعة في الشمال الشرقي من البنغال الحالية المحتلة عام 1304، هذا الشيخ توفي عام 1347- 747 و لم يكن ابن بطوطة وحده ممن التبست عليه الشخصيات فان البنغاليين بدورهم يقعون في هذا الخطأ ...

Ross E Dunn: The Adventur Es of IBN Battuta LOnden 6891- P. 392 Note 62.

(311) يعني سنة 656- 1258 عندما اجتاح المغول بغداد.

105

كان له نحو أربعين سنة يسرد الصوم و لا يفطر، إلا بعد مواصلة عشر، و كانت له بقرة يفطر على حليبها، و يقوم الليل كله و كان نحيف الجسم طوالا خفيف العارضين، و على يديه أسلم أهل تلك الجبال و لذلك أقام بينهم.

كرامة له‏

أخبرني بعض أصحابه أنه استدعاهم قبل موته بيوم واحد و أوصاهم بتقوى الله و قال لهم: إني أسافر عنكم غدا إن شاء الله و خليفتي عليكم الله الذي لا إله إلا هو، فلما صلّى الظهر من الغد قبضه الله في آخر سجدة منها، و وجدوا في جانب الغار الذي كان يسكنه قبرا محفورا عليه الكفن و الحنوط، فغسلوه و كفنوه و صلّوا عليه و دفنوه به (رحمه اللّه).

كرامة له أيضا

و لما قصدت زيارة هذا الشيخ لقيني أربعة من أصحابه على مسيرة يومين من موضع سكناه، فأخبروني أن الشيخ قال للفقراء الذين معه: قد جاءكم سائح المغرب فاستقبلوه، و أنهم أتوا لذلك بأمر الشيخ و لم يكن عنده علم بشي‏ء من أمري، و إنما كوشف به.

و سرت معهم إلى الشيخ فوصلت إلى زاويته خارج الغار و لا عمارة عندها، و أهل تلك البلاد من مسلم و كافر يقصدون زيارته، و يأتون بالهدايا و التّحف فيأكل منها الفقراء و الواردون، و أما الشيخ فقد اقتصر على بقرة يفطر على حليبها بعد عشر كما قدمناه، و لمّا دخلت عليه قام إلي و عانقني و سألني عن بلادي و أسفاري، فأخبرته، فقال لي: أنت مسافر العرب! فقال له من حضر من أصحابه: و العجم يا سيدنا! فقال: و العجم، فأكرموه فاحتملوني إلى الزاوية و أضافوني ثلاثة أيام‏ (312).

حكاية عجيبة في ضمنها كرامات له.

و لما كان يوم دخولي إلى الشيخ رأيت عليه فرجية مرعز، فأعجبتني و قلت في نفسي:

ليت الشيخ أعطانيها، فلما دخلت عليه للوداع، قام إلى جانب الغار و جرّد الفرجية و ألبسنيها مع طاقية من رأسه و لبس مرقعة، فأخبرني الفقراء أن الشيخ لم تكن عادته أن يلبس تلك الفرجية و إنما لبسها عند قدومي، و أنه قال لهم: هذه الفرجية يطلبها المغربي، و يأخذها منه سلطان كافر و يعطيها لأخينا برهان الدين الصّاغرجي، و هي له و برسمه كانت، فلما أخبرني‏

____________

(312) يلاحظ شعور ابن بطوطة بالاعتزاز و الفخر- حول الشيخ الصاغرجي يراجع ج‏III ص 220.

106

الفقراء بذلك، قلت لهم: قد حصلت لي بركة الشيخ بأن كساني لباسه و أنا لا أدخل بهذه الفرجية على سلطان كافر و لا مسلم، و انصرفت عن الشيخ.

فاتّفق لي بعد مدة طويلة أني دخلت بلاد الصين و انتهيت إلى مدينة الخنسا فافترق مني أصحابي لكثرة الزحام، و كانت الفرجية عليّ فبينا أنا في بعض الطرق إذا بالوزير في موكب عظيم فوقع بصره علي فاستدعاني، و أخذ بيدي، و سألني عن مقدمي و لم يفارقني حتى وصلت إلى دار السلطان معه، فأردت الانفصال، فمنعني و أدخلني على السلطان فسألني عن سلاطين الإسلام فأجبته و نظر إلى الفرجية فاستحسنها، فقال لي الوزير: جرّدها! فلم يمكنني خلاف ذلك، فأخذها و أمر لي بعشر خلع و فرس مجهز و نفقة، و تغيّر خاطري لذلك، ثم تذكرت قول الشيخ: إنه يأخذها سلطان كافر، فطال عجبي من ذلك! و لما كان في السنة الأخرى دخلت دار ملك الصين بخان بالق، فقصدت زاوية الشيخ برهان الدين الصاغرجى فوجدته يقرأ و الفرجية عليه بعينها فعجبت من ذلك و قلّبتها بيدي، فقال لي: لم تقلّبها و أنت تعرفها؟ فقلت له: نعم هي التي أخذها لي سلطان الخنسا، فقال لي: هذه الفرجية صنعها أخي جلال الدين برسمي، و كتب إليّ أن الفرجية تصلك على يد فلان، ثم أخرج ليّ الكتاب، فقرأته و عجبت من صدق يقين الشيخ، و أعلمته بأول الحكاية، فقال لي: أخي جلال الدّين أكبر من ذلك كلّه، هو يتصرف في الكون، و قد انتقل إلى رحمة الله، ثم قال لي: بلغني أنه كان يصلي الصبح كلّ يوم بمكة و أنه يحج كلّ عام لانه كان يغيب عن الناس يومي عرفة و العيد فلا يعرف أين ذهب.

و لما وادعت الشيخ جلال الدين سافرت إلى مدينة حبنق‏ (313)، و ضبط اسمها بفتح الحاء المهملة و الباء الموحدة و سكون النّون و قاف، و هي أكبر المدن و أحسنها يشقها النّهر الذي ينزل من جبال كامرو، و يسمى النهر الأزرق‏ (314) و يسافر فيه إلى بنجالة و بلاد اللّكنوتي، و عليه النواعير و البساتين و القرى يمنة و يسرة- كما هي على نيل مصر و أهلها كفار تحت الذمة يوخذ منهم نصف ما يزدرعون و وظائف سوى ذلك.

و سافرنا في هذا النهر خمسة عشر يوما بين القرى و البساتين فكأنما نمشي في سوق من الأسواق و فيه من المراكب ما لا يحصى كثرة، و في كلّ مركب منها طبل فإذا التقى‏

____________

(313) حبنق هي التي تسمى اليوم هافانك تيلا(Havang Tila) و قد خربت، تقع على بعد عشرة أميال تقريبا جنوب‏(Habiganj) في سيلهت‏(Sylhet) .

(314) النهر الأزرق يظهر أنه نهر مغنا:(Maghna) الذي يمرّ على مقربة من داكّا ... انظر الخريطة هذا و كلمة النول الآتية من المفردات الحضارية التي استعملها ابن بطوطة بمعنى (حق المرور)Nolis .

107

المركبان ضرب كلّ واحد طبله و سلّم بعضهم على بعض، و أمر السلطان فخر الدين المذكور أن لا يوخذ بذلك النهر من الفقراء نول، و أن يعطي الزاد لمن لا زاد له منهم و إذا وصل الفقير إلى مدينة أعطى نصف دينار.

و بعد خمسة عشر يوما من سفرنا في النّهر كما ذكرناه وصلنا إلى مدينة سنركاوان‏ (315)، و سنر بضم السين المهمل و النون و سكون الراء، و هي المدينة التي قبض أهلها على الفقير شيدا عندما لجأ إليها، و لما وصلناها وجدنا بها جنكا يريد السّفر إلى بلاد الجاوة (316)، و بينهما أربعون و يوما، فركبنا فيه، و وصلنا بعد خمسة عشر يوما إلى بلاد البرهنكار (317)، الذين أفواههم كأفواه الكلاب، و ضبطها بفتح الباء الموحدة و الراء و النون و الكاف و سكون الهاء، و هذه الطائفة من الهمج لا يرجعون إلى دين الهنود و لا إلى غيره، و سكناهم في بيوت قصب مسقّفة بحشيش الأرض على شاطى‏ء البحر، و عندهم من أشجار الموز و الفوفل و التنبول كثير.

و رجالهم على مثل صوّرنا الا أن أفواههم كأفواه الكلاب! و أما نساؤهم فلسن كذلك و لهن جمال بارع و رجالهم عرايا لا يستترون إلا أن الواحد منهم يجعل ذكره و أنثييه في جعبة من القصب منقوشة معلقة من بطنه، و يستتر نساؤهم بأوراق الشجر، و معهم جماعة من المسلمين من أهل بنجالة، و الجاوة ساكنون في حارة على حدة، أخبرونا أنهم يتناكحون كالبهائم لا يستترون بذلك، و يكون للرجل منهم ثلاثون امرأة فما دون ذلك أو فوقه‏ (318)، و أنهم لا يزنون و إذا زنا أحد منهم فحدّ الرجل أن يصلب حتى يموت! أو ياتي صاحبه أو عبده فيصلب عوضا منه و يسرح هو، و حدّ المرأة أن يامر السلطان جميع خدامه فينكحونها واحدا بعد واحد بحضرته، حتى تموت و يرمون بها في البحر! و لأجل ذلك لا يتركون أحدا

____________

(315) حول سنركاوان أنظر التعليق السابق رقم 307.

(316) ليس القصد إلى جاوة و لكن إلى سومطرة كما هو الغالب في الاستعمال الجغرافي العربي أما جاوة فهي التي عبّر عنها بمل جاوة-Beckingham IVP .378 N 810 .

(317) البره‏نكار(Barah Nakar) من الجائز أن يكون القصد إلى جزر أندامان‏(Andaman) نيكوبارNicobar فهاته الجزر هي الرئيسية في أراكان‏(ARAKAN) التابعة لبورما على مقربة من أو جزيرة نيگري‏Negarais بيدان كلام ابن بطوطة يفهم منه أن البره‏نكار اسم لشعب و ليس اسما لموقع جغرافي كما يعتقده كثير من المعلقين.

GIbb Selec 763- Becknham p: 478 Not 1.

(318) في حديثه عن المنطقة قال الادريسي (ق 1 ص 78) «... و اذا أراد الرجل أن يتزوج امرأة لم يزوجها له أهلها حتى يقتل رجلا و ياتي يقحف رأسه ...! و لو قتل خمسين رجلا زوج خمسين امرأة و شهد له أهل بلده بالبأس و النجدة ... و هم عراة لا يستترون ... و كذلك نساؤهم ... و هم لا يستترون في النكاح بل ياتونه جهارا و لا يرون بذلك بأسا و هؤلاء قوم مناكير الوجوه ... مشوهون جدّا ...

108

من أهل المراكب ينزل إليهم إلا إن كان من المقيمين عندهم، و انما يبايعون الناس و يشارونهم على الساحل و يسوقون إليهم الماء على الفيلة لانه بعيد من الساحل و لا يتركونهم لاستقائه خوفا على نسائهم لانّهنّ يطمحن إلى الرجال الحسان! و الفيلة كثيرة عندهم، و لا يبيعها أحد غير سلطانهم ثم تشتري منه بالأثواب، و لهم كلام غريب لا يفقهه إلّا من ساكنهم و أكثر التردد اليهم، و لما وصلنا إلى ساحلهم أتو إلينا في قوارب صغار، كل قارب من خشبة واحدة منحوتة، و جاءوا بالموز و التنبول و الفوفل و السمك.

ذكر سلطانهم‏

و أتى الينا سلطانهم راكبا على فيل عليه شبه بردعة من الجلود، و لباس السلطان ثوب من جلود المعزى، و قد جعل الوبر إلى خارج، و فوق رأسه ثلاث عصائب من الحرير ملونات، و في يده حربة من القصب و معه نحو عشرين من أقاربه على الفيلة، فبعثنا إليه هدية من الفلفل و الزنجبيل و القرفة و الحوت الذي يكون بجزائر ذيبة المهل و أثوابا بنجالية و هم لا يلبسونها، إنما يكسونها الفيلة في أيام عيدهم! و لهذا السلطان على كل مركب ينزل ببلاده جارية و مملوك و ثياب لكسوة الفيل و حلي ذهب تجعله زوجته في محزمها و أصابع رجليها، و من لم يعط هذه الوظيفة صنعوا له سحرا يهيج به البحر فيهلك أو يقارب الهلاك!

حكاية [كيف يعاقب الزناة]

و اتفق في ليلة من ليالي إقامتنا بمرساهم أن غلاما لصاحب المركب ممن تردد إلى هؤلاء الطائفة نزل من المركب ليلا و تواعد مع امرأة أحد كبرائهم إلى موضع شبه الغار على الساحل، و علم بذلك زوجها فجاء في جمع من أصحابه إلى الغار فوجدهما به، فحملا إلى سلطانهم فأمر بالغلام فقطعت انثياه و صلب! و أمر بالمرأة فجامعها الناس حتى ماتت! ثم جاء السلطان إلى الساحل فاعتذر عما جرى، و قال: إنا لا نجد بدّا من إمضاء أحكامنا، و وهب لصاحب المركب غلاما عوض الغلام المصلوب.

109

الفصل الخامس عشر آسيا- الجنوب الشرقي- و الصين‏

من بلاد البرهنكار إلى الجاوة في بلاد الصين من الزيتون إلى الخنسا مدينة الخنسا بلاد الخطا و مصرع القان و اختيار قراقرم عاصمة العودة على بلاد طوالسي الحديث عن الرّخ حضوره إعراس ولد الملك الظاهر [تصوير]

110

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

111

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

112

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

113

ثم سافرنا عن هؤلاء، و بعد خمسة و عشرين يوما وصلنا إلى جزيرة الجاوة (1)، بالجيم، و هي التي ينسب إليها اللّبان الجاوي‏ (2)، رأيناها على مسيرة نصف يوم و هي خضرة نضرة، و أكثر أشجارها النارجيل‏ (3) و الفوفل و القرنفل و العود الهندي‏ (4) و الشّكي و البركي‏ (5) و العنبة و الجمون‏ (6) و النارنج الحلو، و قصب الكافور، و بيع أهلها و شراءهم بقطع قصدير، و بالذهب الصيني التّبر غير المسبوك، و الكثير من أفاويه الطيب التي بها إنما هو ببلاد الكفار منها و أما ببلاد المسلمين فهو أقل من ذلك.

و لما وصلنا المرسى خرج إلينا أهلها في مراكب صغار و معهم جوز النارجيل و الموز و العنبة و السمك، و عادتهم أن يهدوا ذلك للتّجار فيكافئهم كلّ إنسان على قدره، و صعد إلينا أيضا نائب صاحب البحر (7) و شاهد من معنا من التّجار و أذن لنا في النزول إلى البرّ فنزلنا إلى البندر، و هي قرية كبيرة على ساحل البحر بها دور يسمّونها السّرحى‏ (8) بفتح السين المهمل و سكون الراء و فتح الحاء المهمل، و بينها و بين البلد أربعة أميال.

ثم كتب بهروز نائب صاحب البحر إلى السلطان فعرفه بقدومي، فأمر الأمير دولسة بلقائي و القاضي الشريف أمير سيد الشيرازي و تاج الدين الأصبهاني و سواهم من الفقهاء، فخرجوا لذلك، و جاءوا بفرس من مراكب السلطان و أفراس سواه، فركبت و ركب أصحابي و دخلنا إلى حضرة السلطان و هي مدينة سمطرة بضم السين المهمل و الميم و سكون الطاء و فتح الراء مدينة حسنة كبيرة عليها سور خشب و أبراج خشب.

____________

(1) يطلق اسم الجاوة عموما على أرخبيل الملايو، و هناك الجاوة الصغرى التي هي سمطرة المحاذية للجاوة الكبرى أو الجاوة بدون نعت، يبدو أن ابن بطوطة وصل هذه الناحية في يناير 1346- د. و ان حسين عزمي، د. هارون: الدعوة الاسلامية في ماليزيا، 1405- 1985- د. التازي: ت. د. م 7، 311.

(2) سياتي الحديث عن اللّبان:IV ص 240.

(3) يبرع السّمطريون في استعمال لبّ نواة النارجيل على ما نقرأه عند ويليام مارسدن‏(W .Marsedn) في كتابه‏(Histoire de Sumatra) .

(4) حول القرنفل ترقّب‏IV ، 240 و حول العود الهندي أيضا ترقب كذلك‏142 ,IV .

(5) ورد ذكر الشّكي و البركي عند الإدريسي في النزهة (ق، 84) و قد تقدم الحديث عنهاIII ، 126- 127.

(6) يعرفها گيب هكذاEugenia Jambolana : فاكهة صغيرة الحجم حلوة المذاق و قد انتقد ترجمة الناشرين الفرنسيين ...

(7) يعلق فيرّان على أن القصد من نائب البحر إلى شاه بندر المكلف بالميناء و الذي يتوصل بالواجبات و يقدم الواردين إلى الحاكم‏

Relations de voyages et textes gographiques arabes, persans et turcs relatifs a l`Extreme- orient, II p. 934, 4191

. (8) لم نتمكن من تحديد معنى اللفظ و بذكر گيب انه ربما كان هناك تحريف لان حرف الحاء لا يوجد في الملايا- معلوم أن دولة الاسلام استقرت في شمال سمطرة قبل نهاية القرن السابع الهجري، حيث كانت تحتوي على مدينة فاساي‏PASAI و سمطرة، و قد تغلب الاسم الثاني و أعطى أخيرا إلى الجزيرة بكاملها.

114

ذكر سلطان الجاوة

و هو السلطان الملك الظاهر (9)، من فضلاء الملوك و كرمائهم، شافعي المذهب، محبّ في الفقهاء، يحضرون مجلسه للقراءة و المذاكرة، و هو كثير الجهاد و الغزو، و متواضع يأتي إلى صلاة الجمعة ماشيا على قدميه، و أهل بلاده شافعية محبون في الجهاد، يخرجون معه تطوعا، و هم غالبون على من يليهم من الكفار، و الكفار يعطونهم الجزية على الصلح.

ذكر دخولنا إلى داره و أحسانه إلينا

و لما قصدنا إلى دار السلطان وجدنا بالقرب منه رماحا مركوزة عن جانبي الطريق هي علامة على نزول الناس فلا يتجاوزها من كان راكبا، فنزلنا عندها و دخلنا المشور فوجدنا نائب السلطان و هو يسمّى عمدة الملك، فقام الينا و سلّم علينا و سلامهم بالمصافحة، و قعدنا معه، و كتب بطاقة إلى السلطان يعلمه بذلك و ختمها و دفعها لبعض الفتيان، فأتاه الجواب على ظهرها، ثم جاء أحد الفتيان ببقشة، و البقشة: بضم الباء الموحدة و سكون القاف و فتح الشين المعجم، هي السّبنية، فأخذها النائب بيده و أخذ بيدي و أدخلني دويرة يسمونها فردخانة على وزن زردخانة (10)، إلا أن أولها فاء و هي موضع راحته بالنهار، فان العادة أن ياتي نائب السلطان إلى المشور بعد الصبح و لا ينصرف إلا بعد العشاء الآخرة، و كذلك‏

____________

(9) السلطان المسلم الأول لسمطرة هو الملك الصالح الذي توفى عام 696- 1297، و ابتداء من هذا التاريخ، و في أثناء القرن الرابع عشر تولّى عدد من الأمراء الذين خلفوا الملك الصالح ... و من ابرز هؤلاء يوجد الملك الظاهر ملك سمطره الذي أقام عنده الرحالة المغربي سنة 1345 أو 1346 و الذي اقتبس لقبه على ما يظهر من الملك الظاهر بيبرس.

Sumatra, Histoire des Rois de Pasey, Traduite du Malay et annotee par Aristide Marre, PARIS, 4791, p. 8- 9

.

Rapporten van den oudheidkun diger drenst in Mederlandsch- Indie. 3191. Beckingham vol 4 p. 778.

و أشكر بهذه المناسبة زميلي المستشرق الهولاندي فان كونينكسفيلد(Van Koningsveld) على مساعدته حول ما كتبه الهولانديون الذين كانوا بتلك الجهات ...

- الإسلام في أرخبيل الملايو، تأليف د. رؤوف شلبي 1395- 1975 صفحة 92.

(10) البقشة: كلمة تركية، و السّبنية نسبة إلى سبن محلة ببغداد تصنع فيها الثياب انظر ج.IV ، 404.

تعليق 227 و فردخانه: كلمة فارسية، فسرّها ابن بطوطة أما عن زردخانة فستاتي‏404 ,IV .

115

الوزراء و الأمراء الكبار و أخرج من البقشة ثلاث فوط إحداها من خالص الحرير و الأخرى حرير و قطن و الأخرى حرير و كتان، و أخرج ثلاثة أثواب يسمّونها التّحتانيات من جنس الفوط، و أخرج ثلاثة من الثياب مختلفة الاجناس تسمى الوسطانيات، و أخرج ثلاثة أثواب من الآرمك أحدها أبيض، و أخرج ثلاث عمائم فلبست فوطة منها عوض السراويل على عادتهم، و ثوبا من كل جنس، و أخذ أصحابي ما بقى منها.

ثم جاءوا بالطعام أكثره الأرز، ثم أتو بنوع من الفقاع، ثم أتوا بالتنبول و هو علامة الانصراف، فأخذناه و قمنا، و قام النائب لقيامنا، و خرجنا عن المشور فركبنا و ركب النائب معنا و أتوا بنا إلى بستان عليه حائط خشب و في وسطه دار بناؤها بالخشب، مفروشة بقطائف قطن يسمّونها المخملات، (11) بالميم و الخاء المعجم، و منها مصبوغ و غير مصبوغ، و في البيت أسرّة من الخيزران، فوقها مضرّبات من الحرير، و لحف خفاف و مخاد يسمونها البوالشت، فجلسنا بالدار و معنا النائب، ثم جاء الأمير دولسة بجاريتين و خادمين، و قال لي: يقول لك السلطان: هذه على قدرنا لا على قدر السلطان محمد (12)! ثم خرج النائب و بقى الأمير دولسة عندي و كانت بيني و بينه معرفة لأنه كان ورد رسولا على السلطان بدهلي، فقلت له: متى تكون رؤية السلطان؟ فقال لي: إن العادة عندنا أن لا يسلم القادم على السلطان إلا بعد ثلاث ليذهب عنه تعب السفر، و يثوب اليه ذهنه، فأقمنا ثلاثة أيام يأتي إلينا الطعام ثلاث مرات في اليوم و تأتينا الفواكه و الطرف مساء و صباحا، فلما كان اليوم الرابع و هو يوم الجمعة أتاني الأمير دولسة، فقال لي: يكون سلامك على السلطان بمقصورة الجامع بعد الصّلاة فأتيت المسجد، و صليت به الجمعة مع حاجبه قيران، بفتح القاف و سكون الياء آخر الحروف و فتح الراء.

ثم دخلت إلى السلطان فوجدت القاضي أمير سيّد و الطلبة عن يمينه و شماله، فصافحني و سلّمت عليه، و أجلسني عن يساره، و سألني عن السلطان محمد، و عن أسفاري فأجبته، و عاد إلى المذاكرة في الفقه على مذهب الشافعي، و لم يزل كذلك إلى صلاة العصر، فلما صلاها دخل بيتا هنالك فنزع الثياب التي كانت عليه، و هي ثياب الفقهاء و بها يأتي المسجد يوم الجمعة ماشيا ثم لبس ثياب الملك و هي الأقبية من الحرير و القطن.

ذكر انصرافه إلى داره و ترتيب السلام عليه‏

و لما خرج من المسجد وجد الفيلة و الخيل على بابه، و العادة عندهم أنه إذا ركب‏

____________

(11) المخملات: تعني على ما يبدو نوعا من الزرابي الوثيرة- بالشت كلمة فارسية تعني الوسادة و سيمرّ بنا استعمال كلمة بالشت بمعنى 25 قطعة نقدية ترقب ج.IV ، 260 تعليق 43.

(12) القصد إلى العاهل الهندي محمد شاه ابن تغلق سلطان دهلي سالف الذكر ...

116

السلطان الفيل ركب من معه الخيل و إذا ركب الفرس ركبوا الفيلة، و يكون أهل العلم عن يمينه، فركب ذلك اليوم على الفيل و ركبنا الخيل و سرنا معه إلى المشور، فنزلنا حيث العادة و دخل السلطان راكبا و قد اصطف في المشور الوزراء و الأمراء و الكتاب و أرباب الدولة و وجوه العسكر صفوفا، فأول الصفوف صف الوزراء و الكتاب، و وزراؤه أربعة فسلموا عليه و انصرفوا إلى موضع وقوفهم، ثم صفّ الأمراء فسلموا و مضوا إلى مواقفهم، و كذلك تفعل كل طائفة، ثم صفّ الشرفاء و الفقهاء، ثم صفا لندماء و الحكماء و الشعراء، ثم صف وجوه العسكر ثم صف الفتيان و المماليك، و وقف السلطان على فيله إزاء قبة الجلوس، و رفع فوق رأسه شطر مرصّع، و جعل عن يمينه خمسون فيلا مزينة، و عن شماله مثلها و عن يمينه أيضا مائة فرس و عن شماله مثلها، و هي خيل النوبة، و وقف بين يديه خواص الحجاب، ثم أتى أهل الطرب من الرّجال، فغنّوا بين يديه و أتي بخيل مجلّلة بالحرير لها خلاخيل ذهب و أرسان حرير مزركشة فرقصت الخيل بين يديه! فعجبت من شأنها، و كنت رأيت مثل ذلك عند ملك الهند، و لما كان عند الغروب دخل السلطان إلى داره و انصرف النّاس إلى منازلهم.

ذكر خلاف ابن أخيه و سبب ذلك.

و كان له ابن أخ متزوج ببنته فولّاه بعض البلاد، و كان الفتى يتعشق بنتا لبعض الأمراء و يريد تزوجها، و العادة هنالك أنه إذا كانت لرجل من الناس: أمير أو سوقى أو سواه، بنت قد بلغت مبلغ النكاح فلا بد أن يستأمر السلطان في شأنها، و يبعث السلطان من النساء من تنظر إليها فان أعجبته صفتها تزوجها و إلا تركها يزوجها أولياؤها ممن يشاءون.

و الناس هنالك يرغبون في تزوج السلطان بناتهم لما يحوزون به من الجاه و الشرف، و لما استامر والد البنت التي تعشقها ابن أخي السلطان بعث السلطان من نظر اليها و تزوّجها و اشتد شغف الفتى بها، و لم يجد سبيلا إليها.

ثم إن السلطان خرج إلى الغزو و بينه و بين الكفار مسيرة شهر فخالفه ابن أخيه إلى سمطرة و دخلها اذ لم يكن عليها سور حينئذ و ادّعى الملك و بايعه بعض الناس و امتنع آخرون، و علم عمّه بذلك فقفل عائدا إليها فأخذ ابن أخيه ما قدر عليه من الأموال و الذخائر و أخذ الجارية التي تعشّقها و قصد بلاد الكفار بمل جاوة، و لهذا بنى عمّه السور على سمطرة، و كانت‏ (13) إقامتي عنده بسمطرة خمسة عشر يوما ثم طلبت منه السفر

____________

(13) قد يكون من المفيد أن يقوم المرء بمقارنة هذا النص مع الذي ورد في كرونيك ملوك فاساي‏(PASAI) الذي حسب ما ورد فيه، نجد أن السلطان أحمد قتل، بدافع الغيرة اثنين من أولاده كانا يتنافسان على التزوج من أميرة جاوة! في أعقاب هذا الحادث انتحرت الاميرة المذكورة، و قام والدها بتخريب العاصمة سمطرة ... و حول (مل جاوة) انظر التعليق آتي رقم 15.

117

إذ كان أوانه‏ (14)، و لا يتهيّأ السفر إلى الصين في كل وقت، فجهّز لنا جنكا و زوّدنا و أحسن و أجمل جزاءه الله خيرا، و بعث معنا من أصحابه من يأتي لنا بالضيافة إلى الجنك، و سافرنا بطول بلاده إحدى و عشرين ليلة.

ثم وصلنا إلى مل جاوة (15) بضم الميم، و هي بلاد الكفار و طولها مسيرة شهرين و بها الأفاويه العطرة، و العود الطيب القاقلي‏ (16) و القماري‏ (17)، و قاقلة، و قمارة من بعض بلادها، و ليس ببلاد السلطان الظاهر بالجاوة إلا اللّبان و الكافور و شي‏ء من القرنفل و شي‏ء من العود الهندي و انما معظم ذلك بمل جاوة و لنذكر ما شاهدناه منها و وقفنا على أعيانه و حققناه.

ذكر اللّبان‏

و شجرة اللّبان صغيرة تكون بقدر قامة الإنسان إلى ما دون ذلك و أغصانها كأغصان الخرشف و أوراقها صغار رقاق، و ربّما سقطت فبقيت الشجرة منها دون ورقة، و اللّبان صمغية تكون في أغصانها، و هي في بلاد المسلمين أكثر منها في بلاد الكفار (18).

ذكر الكافور

و أما شجر الكافور فهي قصب كقصب بلادنا إلا أن الأنابيب منها أطول و أغلظ، و يكون الكافور في داخل الأنابيب، فإذا كسرت القصبة وجد في داخل الأنبوب مثل شكله من الكافور، و السرّ العجيب فيه أنه لا يتكون في تلك القصب حتى يذبح عند أصولها شي‏ء من الحيوان و إلا لم يتكون شي‏ء منه!! و الطيّب المتناهي في البرودة الذي يقتل منه وزن الدرهم بتجميد الروح، و هو المسمى‏

____________

(14) الاشارة إلى الريح الموسمية التي لها وقت خاص ينبغي التحرك فيه.

(15) (مل جاوة) استوقف هذا العلم الجغرافي معظم المهتمين بخط سير ابن بطوطة ... و يرى يول ان مل جاوة تعني شبه جزيرة مالاي‏MALAY (ماليزيا) لكن تيبّيط دحض هذا الرأي‏

Tibbetts: Astudy of. Arabc Text, Leiden and London 9791.

(16) قاقلة ورد ذكر هذا الموقع عند الجغرافيين العرب و يرى مصدر صيني انها تقع في ساحل إقليم‏Tenasserim . المفترض أن ابن بطوطة زاره و هو في طريقه إلى سمطرة ...

(17) قمارة (خمير) تعنى في الغالب كامبوديا، تاريخها في هذا العهد غير معروف كما ينبغي، و لهذا فانه من المتعذر القول: هل انها تابعة لجاوة أو جزيرة ملاي، و يرى تيبّيط أن الحكم الجاوي على اقليم تيناسيريم‏(Tenasserim) و كامبوديا هو تخيّل- كما يحتمل- من البلاد الجاوي و قد تصادف سفر ابن بطوطة مع هذا الامتداد الجاوي في المنطقة- نذكر أخيرا اننا في المغرب نعيش مع ترديد اسم (قمار) كلما بخّرنا بالعود القماري!.

(18) انظر التعليق 98،II 214

118

عندهم بالحرداله ... (19) هو الذي يذبح عند قصبه الآدمي، و يقوم مقام الآدمي في ذلك الفيلة الصغار.

ذكر العود الهندي‏

و أما العود الهندي فشجره يشبه شجر البلوط إلا أن قشره رقيق و أوراقه كأوراق البلوط سواء، و لا ثمر له و شجرته لا تعظم كلّ العظم و عروقه طويلة ممتدة و فيها الرائحة العطرة، و أما عيدان شجرته و ورقها فلا عطرية فيها، و كل ما ببلاد المسلمين من شجره فهو متملّك و أما الذي في بلاد الكفار فأكثره غير متملك، و المتملك منه ما كان بقاقلة و هو أطيب العود، و كذلك القماري هو أطيب أنواع العود و يبيعونه لأهل الجاوة بالأثواب، و من القماري صنف يطبع عليه كالشمع، و أما العطاس فإنه يقطع العرق منه و يدفن في التراب أشهرا فتبقى فيه قوته و هو من أعجب أنواعه.

ذكر القرنفل‏

و أما أشجار القرنفل فهي عادية ضخمة و هي ببلاد الكفار أكثر منها ببلاد الإسلام، و ليست بمتملكة لكثرتها! و المجلوب إلى بلادنا منها هو العيدان، و الذي يسمّيه أهل بلادنا نوّار القرنفل هو الذي يسقط من زهره، و هو شبيه بزهر النّارنج، و ثمر القرنفل هو جوزبوا المعروفة في بلادنا بجوزة الطيب، و الزهر المتكون فيها هو البسباسة، رأيت ذلك كله و شاهدته‏ (20).

____________

(19) هنا في معظم النسخ بياض بعد كلمة الحردالة تاتي بعده جملة تبتدى‏ء هكذا: هو الذي يذبح ... و قد حذفت هذه الجملة من بعض النسخ الأخرى- الحردالة من أصل هندي‏HARTAL و تعني الرهج الأصفر.

هذا و قد ورد تعليق علمي كتبه مارسدن‏(MARSDEN) يصحح المعلومات التي أتى بها ابن بطوطة، و يتخلص التعليق في أن الشجرة التي تنتج الكافور(CAMPHOR) ، تعادل في طولها و عظمها أكبر الاشجار ... بما أن الكافور له طبيعة يابسة، فإنه لا يخرج من الشجرة على نحو ما يخرج الصمغ، و ان العلماء بخبرتهم الطويلة يعرفون عن إمكانية احتواء الشجرة لمادة الكافور بضربها بعصي، و في حالة ما إذا وجدوا أنها تتوفر على المادة، شقوها قطعا صغيرة بنحو إسفين و استخرجوا الكافور من بين الفجوات و الفرج ... هذا و في طريقي من كوالا لامبور إلى ملاكا 15 مارس 1988 وقفت عند غابة كثيرة لأشجار الكافور حيث استمتعت بما تحدث به ابن بطوطة عن الكافور في هذه المناطق.

(20) معلومات ابن بطوطة تحتاج إلى مراجعة في نظر بعض المعلقين و هكذا فإن الاعتقاد الشعبي في الهند الشمالية ينسب القرفة و نوار القرنفل و جوز الطيب- و نذكر هذا أولا بأول- إلى القشرة، و الى الزهرة، و الى الثمر لنفس الشجرة الواحدة، فالبسباسة إذن ليست هي الزهر و لكنها غشاء الجوزة- هذا و هناك قشر لشجرة قريبة من شجرة القرنفل تدعى قرفة لان لها رائحة قريبة من القرنفل تستعمل أيضا كتابل من التوابل ... تذكرني هذه التعقيبات في مقدمة منتقي البيلوني و هي تقول: و بعض ما نقله قد يخالف ما ذكره غيره كما في وصفه بعض ما شاهده من عقاقير الهند فان بعضه مخالف لما ذكره الأطباء في وصفها و الظن بالشيخ الصّدق"

119

و وصلنا إلى مرسى قاقله فوجدنا به جملة من الجنوك معدة للسرقة، و لمن يستعصى عليهم من الجنوك، فإن لهم على كلّ جنك وظيفة، ثم نزلنا من الجنك إلى مدينة قاقلة و هي بقافين أخرهما مضموم و لامها مفتوح، و هي مدينة حسنة عليها سور من حجارة منحوتة، عرضه بحيث تسير فيه ثلاثة من الفيلة! و أول ما رأيت بخارجها الفيلة عليها الأحمال من العود الهندي يوقدونه في بيوتهم، و هو بقيمة الحطب عندنا، أو أرخص ثمنا، هذا اذا ابتاعوا فيما بينهم، و أما للتجار فيبيعون الحمل منه بثوب من ثياب القطن، و هي أغلى عندهم من ثياب الحرير.

و الفيلة بها كثيرة جدا، عليها يركبون و يحملون، و كلّ إنسان يربط فيلته على بابه و كلّ صاحب حانوت يربط فيله عنده، و يركبه إلى داره و تحمل، و كذلك جميع أهل الصين و الخطا على مثل هذا الترتيب‏ (21).

ذكر سلطان مل‏جاوة

و هو كافر رأيته خارج قصره جالسا على قبة ليس بينه و بين الأرض بساط، و معه أرباب دولته و العساكر يعرضون عليه مشاة، و لا خيل إلا عند السلطان، و انما يركبون الفيلة، و عليها يقاتلون، فعرف شأني، فاستدعاني فجئت و قلت: السلام على من اتبع الهدى، فلم يفقهوا إلا لفظ السلام! فرحّب بي، و أمر أن يفرش لي ثوب أقعد عليه، فقلت للترجمان: كيف أجلس على الثوب و السلطان قاعد على الأرض؟ فقال: هكذا عادته يقعد على الأرض تواضعا، و أنت ضيف، و جئت من سلطان كبير، فيجب إكرامك، فجلست و سألني عن السلطان، فأوجز في سؤاله، و قال لي: تقيم عندنا في الضيافة ثلاثة أيام، و حينئذ يكون انصرافك.

ذكرى عجيبة رأيتها بمجلسه‏

و رأيت في مجلس هذا السلطان رجلا بيده سكين شبه سكين المسفّر قد وضعه على رقبة نفسه، فوقع رأسه لحدة السكين و شدّة امساكه بالارض، فعجبت من شأنه، و قال لي السلطان: أ يفعل أحد هذا عندكم؟ فقلت له: ما رأيت هذا قط! فضحك، و قال: هؤلاء عبيدنا يقتلون أنفسهم في محبّتنا!! و أمر به فرفع و أحرق، و خرج لإحراقه النواب و أرباب الدولة

____________

(21) حديث ابن بطوطة عن استعمال أهل الصين و الخطا للفيل على نحو ما هو في الهند، حرك بعض المعلقين الذين قالوا: ان الفيل انما يستعمله المغول (الحكام في الصين) للأغراض الحربية و احيانا في بعض الجهات الجنوبية، بلاد الخطا(Cathey) التي تعني شمال الصين لم تكن تابعة لحكم دولة سونك الى أن اتم قوبيلاي‏Qubilai فتحه للبلاد كلها- السّرقة هنا تعني القرصنة.

120

عن الفيلة بمرسى قاقلة

121

و العساكر و الرعايا و أجرى الرزق الواسع على أولاده و أهله و إخوانه و عظّموا لأجل فعله! و أخبرني من كان حاضرا في ذلك المجلس أن الكلام الذي تكلم به كان تقريرا لمحبته في السلطان، و أنه يقتل نفسه في حبّه كما قتل أبوه نفسه في حب أبيه، و جدّه نفسه في حب جده! ثم انصرفت عن المجلس و بعث إلي بضيافة ثلاثة أيام. و سافرنا في البحر فوصلنا بعد أربعة و ثلاثين يوما إلى البحر الكاهل‏ (22) و هو الراكد، و فيه حمرة زعموا أنها من تربة أرض تجاوره، و لا ريح فيه و لا موج و لا حركة مع اتساعه، و لأجل هذا البحر تتبع كلّ جنك من جنوك الصين ثلاثة مراكب كما ذكرناه، تجذف به فتجرّه، و يكون في الجنك مع ذلك نحو عشرين مجدافا كبارا كالصّواري يجتمع على المجداف منها ثلاثون رجلا أو نحوها، و يقومون قياما صفين كل صفّ يقابل‏ (23) الآخر، و في المجداف حبلان عظيمان كالطوانيس‏ (24) فتجدف إحدى الطائفتين الحبل ثم تتركه و تجذف الطائفة الأخرى، و هم يغنون عند ذلك بأصواتهم الحسان، و أكثر ما يقولون: لعلى لعلى.

و أقمنا على ظهر هذا البحر سبعة و ثلاثين يوما، و عجبت البحريّة من التسهيل فيه، فإنهم يقيمون فيه خمسين يوما إلى أربعين و هي أنهى ما يكون من التّيسير عليهم.

ثم وصلنا إلى بلاد طوالسي، و هي بفتح الطاء المهمل و الواو و كسر السين المهمل، و ملكها هو المسمى بطوالسي‏ (25)، و هي بلاد عريضة، و ملكها يضاهي ملك الصين و له‏

____________

(22) نعت ابن بطوطة هذا البحر بالكاهل و هو نعت فارسي يعني الراكد كما قال و القصد على ما أرى إلى المحيط الهادي كما نعته الجغرافيون فيما بعد ... و قد تحدث الادريسي في هذه المنطقة عن البحر الزفتي لان ماءه كدر ...

(23) يراجع‏IV ، 91- 92 ...

(24) (الطوانيس) بالنون عوض الباء التي يستشكلها دوزى، و الطوانيس تعني الدّبابيس.

(25) تحديد بلاد طوالسى‏(Thaoalicy) كانت و ما تزال محلّ نقاش متواصل بين المهتمين بالرحلة، و ينبغي في رأي نيكولاس زافرا(N .Zafra) رئيس قسم التاريخ بجامعة الفيليبين أن تكون طواليسي بمملكة شامبّا(Champa) بالهند الصينية، و مما يذكر في هذا الصدد أن كلمة طاوال‏(Taval) تعني لقبا يعطي للأمراء و النبلاء في شامبّا، و في الباحثين كهنري يول‏(H .Yule) من يرى أنها سولو(Sulu) جنوب غربي الفيليبين، و منهم كالاستاذ جوزي ريزال‏(Jose Rizal) من يرى كذلك أنها توجد في لوزون‏(Luzon) بالفيليبين و في الباحثين من قال: ان (طواليسي) كانت توجد باليابان! و أذكر بهذه المناسبة، أن الوزير الأول المغربي السيد أحمد عصمان «فوجى‏ء» و هو يزور اليابان عام 1976 عندما سمع الوزير الياباني السيد طاكيوميكي‏T .Miki يرحب به قائلا: يسعد اليابان ان تستقبل في شخصكم المغربي الثاني بعد الزيارة التاريخية التي قام بها مسيو ابن بطوطة لبلادنا.!! و أرجو بهذه المناسبة أن أشكر الزميل الفيليبيني الأخ قيصر أديب ما جول‏(CESAR ADIB MAJUL) من جامعة الفيليبين على مراسلته منذ تاريخ 2 نونبر 1976 التي لخصت لي بعض ما يمكن أن يقال في هذا الصدد،- د. التازي: تاريخ دخول الاسلام للفيليبين، محاضرة ألقيتها في مانيلا يوم الاربعاءII يونيه 1980. و كنت أرافق في هذه الرحلة المستشار أحمد ابن سودة ...

122

الجنوك الكثيرة يقاتل بها أهل الصين حتى يصالحوه على شي‏ء. و أهل هذه البلاد عبدة أوثان، حسان الصورة، أشبه الناس بالترك في صورهم، و الغالب على ألوانهم الحمرة، و لهم شجاعة و نجدة، و نساؤهم يركبن الخيل و يحسّن الرماية و يقاتلن كالرجال سواء، و أرسينا من مراسيهم بمدينة كيلوكري، و ضبطها بكاف مفتوح و ياء آخر الحروف مسكنة و لام مضموم و كاف مفتوح و راء مكسور، و هي من أحسن مدنهم و أكبرها (26) و كان يسكن بها ابن ملكهم‏ (27)، فلما أرسينا بالمرسي جاءت عساكرهم و نزل الناخوذة إليهم، و معه هدية لابن الملك، فسألهم عنه، فأخبروه أن أباه ولّاه بلدا غيره، و ولى بنته بتلك المدينة و اسمها أردجا (28) بضم الهمزة و سكون الراء و ضم الدال المهمل و جيم.

ذكر هذه الملكة

و لما كان اليوم الثاني من حلولنا بمرسى كيلوكري استدعت هذه الملكة الناخودة صاحب المركب، و الكراني‏ (29) و هو الكاتب، و التجار و الرؤساء، و التّنديل و هو مقدم الرجال‏ (30)، و سپاه سالار و هو مقدم الرماة، لضيافة صنعتها لهم على عادتها و رغب الناخودة مني أن أخضر معه، فأبيت لأنهم كفار لا يجوز أكل طعامهم فلما حضروا عندها، قالت لهم: هل يقى أحد منكم لم يحضر؟ فقال لها الناخودة: لم يبق إلا رجل واحد بخشى،

____________

(26) تتبع كلام ابن بطوطة عن التنافس المستمر بين ملك طوالسى و بين ملك الصّين الذي يوحي ربّما بأنّ بلاد طواليسى تعنى بلاد اليابان الحالية، و حديثه عن احدى مراسي طوالسى كذلك يعبّر عن وجود طائفة من المراسي يكوّن مرسى كيلوكرى‏(Kaylukari) إحداها ... و على نحو ما قلناه في التعليق السابق وجدنا أن عددا من البلاد ترشح لكي تدخل في اطار طوالسى و هكذا فعلاوة على ما ذكر قبل، هناك سيليبس‏(Celebes) و طونكان و الكامبودج الخ و من حق الباحثين أن يزيدوا الموضوع دراسة و تنقيبا و ان يدخلوا في الاعتبار عدد الايام و الليالي التي تذكر كأمد لقطع المسافات ...

Gibb: Selections P. 663 Beckingham 583.

(27) اختلفت الآراء كذلك حول موقع كيلوكري في الجنوب الشرقي لآسيا، و يجعلها الاستاذ ياما موطوYamamots و كأنها نقل عربي لكلمةKlaung Garai التي لها علاقة بما شيّده ملك شامبّا مما يحمل هذا الاسم.

C. F. Beckingham: The Travels: IV P. 588 N 0 72.

(28) تعليقا على الاميرة أوردجا يسلك المعلقون طرائق قددا، سيما و قد ورد في أوصافها و لغة حديثها ما سنقف عليه سيما أيضا و قد مرّ هذا الاسم بنا عند ما كان ابن بطوطة يتحدث عن الملكة رقم 4 من زوجات السلطان أوزبك خان ... و يرى بعض المعلقين أن الكلمة آتية من لقب أهل بروناي:(Urdana Raja) . و نحن نعرف عن الوجود النّسوي المتميز في تلك المناطق التي لا تخلو من سلطانة أو حاكمة أو فارسة إلى الآن على ما رأيته رؤياعين و أنا ألقي محاضرتي على جمع كبر من فضليات السيدات في مانيلا يوم الأربعاء 11 يونيه 1980 كما قلت في التعليق‏Times Journal 21 -6 -0891 .

(29) الكراني، تقدم هذا التعبير (II، 198) و هو يؤدي إلى الآن في البنغال معنى كاتب المصالح العمومية.

(30) التّنديل: ربما كان القصد إلى عريف الملاحين و النوتية لأن كلمة تنديل‏(Tindal) تستعمل في الهند بهذا المعنى و الرّجال ج. راجل: المشاة، عبارة سبه سلار كلمة فارسية تعني قائد الجيش.

123

و هو الفقيه بلسانهم‏ (31)، و بخشى بفتح الباء الموحدة و سكون الخاء و كسر الشين المعجمين، و هو لا ياكل طعامكم، فقالت: ادعوه! فجاء جنادرتها و أصحاب الناخوذة، فقالوا: أجب الملكة! فأتيتها و هي بمجلسها الاعظم و بين يديها نسوة بأيديهن الأزمّة يعرض ذلك عليها، و حولها النساء القواعد و هن وزيراتها و قد جلس تحت السرير على كراسي الصندل و بين يديها الرجال و مجلسها مفرش بالحرير و عليه ستور حرير و خشبه من الصندل، و عليه صفائح الذهب و بالمجلس مساطب خشب منقوش عليها أواني ذهب كثيرة من كبار و صغار كالخوابي و القلال و البواقيل أخبرني الناخوذة أنها مملوؤة بشراب مصنوع من السكر مخلوط بالأفاويه يشربونه بعد الطعام، و أنه عطر الرائحة حلو المطعم يفرج و يطيب النكهة و يهضم و يعين على الباءة.

فلما سلمت على الملكة قالت لي بالتركية: حسن مسن يخشي مسنّ معناه: كيف حالك كيف أنّك؟ و أجلستني على قرب منها، و كانت تحسن الكتاب العربي، فقالت لبعض خدامها: دواه و بتك كاتور، معناه: الدواة و الكاغد، فأتي بذلك فكتبت: بسم الله الرحيم الرحين، فقالت: ما هذا؟ فقلت لها تنضري نام، و تنضري بفتح التاء المعلوة و سكون النون و فتح الضاد و راء و ياء، و نام بنون و ألف و ميم و معنى ذلك: اسم الله، فقالت خشن‏ (32) و معناه جيّد. ثم سألتني من أي البلاد قدمت؟ فقلت لها: من بلاد الهند، فقالت: بلاد الفلفل؟

فقلت: نعم! فسألتني عن تلك البلاد و أخبارها، فأجبتها، فقالت: لا بد أن أغزوها و أخذها لنفسي، فاني يعجبني كثرة مالها و عساكرها! فقلت لها: افعلي! و أمرت لي بأثواب و حمل فيلين من الأرز و بجاموستين و عشر من الضأن و أربعة أرطال جلّاب و أربعة مرطبانات‏ (33)، و هي أوان ضخمة مملوءة بالزنجبيل و الفلفل و الليمون و العنبا، كل ذلك مملوح مما يستعد للبحر.

____________

(31) بخشي‏(Bakshi) : إذا انطلقنا من الاصل السنسكري فإن الكلمة كانت هي الاسم الذي يعطي من لدن الترك و المغول للرهبان البوذيين ... توجد في المخطوطة المصححة عندنا كلمة الفقيه واضحة عوض القاضي في النسخة المترجمة- الأزمة ج زمام، السجل- العبارة التي قالتها الأميرة أوردجا سبق و أن قيلت له من لدن السلطان طرمشرين‏III ، 33.

(32) كلمة تنضري محرفة غالبا من كلمة تنري‏(TANRI) و كلمة خشن تحريف لكلمة حوش‏(HOS) .

(33) مرطبن: أواني خزفية تصنع في بيرمانيا، و قد ورد في كتابات باربوزا(barbosa) التعريف بهذه «المرطبانات» التي يقول عنها إنها جرار من الخزف المتين و الجميل، و ان المسلمين يفضلونها، و هم يصدرونها من هذا المكان في مقابلة بخور جاوة ...

124

و أخبرني الناخودة أن هذه الملكة لها في عسكرها نسوة و خدم و جوار يقاتلن كالرّجال و أنها تخرج في العساكر من رجال و نساء فتغير على عدوها و تشاهد القتال و تبارز الأبطال، و أخبرني أنها وقع بينها و بين بعض أعدائها قتال شديد و قتل كثير من عسكرها و كادوا يهزمون، فدفعت بنفسها و خرقت الجيوش حتى وصلت إلى الملك الذي كانت تقاتله فطعنته طعنة كان فيها حتفه فمات و انهزمت عساكره، و جاءت برأسه على رمح فافتكّه أهله منها بمال كثير، فلما عادت إلى أبيها، ملّكها تلك المدينة التي كانت بيد أخيها. و أخبرني أن أبناء الملوك يخطبونها فتقول: لا أتزوج إلا من يبارزني فيغلبني فيتحامون مبارزتها خوف المعرة إن غلبتهم!

ثم سافرنا عن بلاد طوالسي‏

فوصلنا بعد سبعة عشر يوما، و الريح مساعدة لنا، و نحن نسير بها أشد السير و أحسنه إلى بلاد الصين، و اقليم الصين متّسع كثير الخيرات و الفواكه و الزرع و الذهب و الفضة لا يضاهيه في ذلك إقليم من أقاليم الأرض و يخترقه النهر المعروف بآب حياة (34)، معنى ذلك ماء الحياة، و يسمى أيضا نهر السّبر، كاسم النهر الذي بالهند، و منبعه من جبال بقرب مدينة خان بالق تسمى كوه بوزنه معناه جبل القرود، و يمرّ في وسط الصين مسيرة ستة أشهر إلى أن ينتهي إلى صين الصين و تكتنفه القرى و المزارع و البساتين و الأسواق كنيل مصر إلا أن هذا أكثر عمارة، و عليه النواعير الكثيرة.

____________

(34) يلاحظ أن ابن بطوطة في هذه الأخريات من رحلته لم يبق على النسق الذي عهدناه منه في معظم تنقلاته السابقة من ذكر للتواريخ و تدقيق للموقع الجغرافي، لا ندري هل لما أخذ يحسه من رغبة في العودة إلى وكره أم لأن ذاكرة الرحالة خانته بعد تلك السنوات الطوال في زيادة هذه البلاد التي لم يعرف لسان قومه ا و لم يكن يشعر فيها بما كان يشعر به و هو في البلاد الأخرى مما يعبر عنه قوله «إن خاطره كان شديد التغيّر ... فكان يلازم بيته و لا يخرج إلا لضرورة» (IV، 282) أم و هذا مهم إن الأمر يتعلق بابن جزي الذي كان على ما عرفنا- على حال من الاستعجال يفسّره لنا أنه لم يتجاوز ثلاثة شهور في جمع الرحلة التي استمرت زهاء ثلاثين سنة! مهما يكن فقد دفع ذلك «الصنيع» من ابن بطوطة بعض المعلقين إلى القول بانه لم يضع قدمه على أرض الصّين بل ان ما حكاه عنها ربما كان يعتمد فيه على حكايات بعض التجار!! لقد لاحظوا عليه منذ البداية حديثه عن النهر الذي قال إنه يخترق اقليم الصين و قال إنه يحمل اسم آب حياة أو السرو على نحو اسم النهر الذي في الهند (II، 6-III 355، 437) يضاف إلى هذا آن هم لا يعرفون جبلا قرب بيكين يحمل اسم جبل القرود إلى آخر ما قيل ... و مع كلّ ذاك فاننا لم نعدم وجود باحثين امثال هاميلتون گيب ممن اتسعت آفاقهم للدفاع عن ابن بطوطة! ... و كلّ الذين تحدثوا من أهل الصين عن ابن بطوطة لم يخامرهم الشك في إنه زار بلادهم ... و لعل من الطريف أن نسمع أن الرئيس شوان لاي عندما قام بزيارة المغرب أواخر 1963 اعراب عن الرغبة في زيارة ابن بطوطة باعتباره من أبرز الشخصيات التي يرجع لها الفضل في تقديم الصين لعالم الإسلام و العروبة.

125

و ببلاد الصين السكر الكثير مما يضاهي المصريّ بل يفضله! و الأعناب و الإجاص و كنت أظن أن الاجاص العثماني الذي بدمشق لا نظير له حتى رأيت الإجاص الذي بالصين، و بها البطيخ العجيب، يشبه بطّيخ خوارزم و أصفهان، و كل ما ببلادنا من الفواكه فإن بها ما هو مثله و أحسن منه، و القمح بها كثير جدا و لم أر قمحا أطيب منه و كذلك العدس و الحمص.

ذكر الفخار الصيني‏

و أما الفخار الصّيني فلا يصنع منها إلا بمدينة الزيتون‏ (35) و بصين كلان‏ (36)، و هو من تراب جبال هناك تقد فيه النار كالفحم، و سنذكر ذلك، و يضيفون إليه حجارة عندهم و يوقدون النار عليها ثلاثة أيام، ثم يصبون عليها الماء فيعود الجميع ترابا، ثم يخمرونه فالجيّد منه ما خمّر شهرا كاملا و لا يزاد على ذلك، و الدّون ما خمر عشرة أيام و هو هنالك بقيمة الفخار ببلادنا أو أرخص ثمنا، و يحمل الى الهند و سائر الاقاليم حتى يصل إلى بلادنا بالمغرب و هو أبدع أنواع الفخار!

ذكر دجاج الصين‏

و دجاج الصين و ديوكها ضخمة جدا أضخم من الإوز عندنا (37) و بيض الدجاج عندهم أضخم من بيض الإوز عندنا، و أما الإوز عندهم فلا ضخامة لها، و لقد اشترينا دجاجة فأردنا طبخها فلم يسع لحمها في برمة واحدة فجعلناه في برمتين.

و يكون الدّيك بها على قدر النّعامة و ربّما انتتف ريشه فيبقى بضعة حمراء، و أول ما رأيت الديك الصيني بمدينة كولم، فظننته نعامة و عجبت منه، فقال لي صاحبه: إن ببلاد الصين ما هو أعظم منه، فلما وصلت إلى الصين رأيت مصداق ما أخبرني به من ذلك.

____________

(35) الزيتون كان هذا الموقع في صدر الأعلام الجغرافية التي استنجدت فيها بزملائي أعضاء الوفد الصيني في المؤتمر العالمي لتنميط الأعلام الجغرافية (نيويورك) و قد بعث إلى البروفيسور دوكسيانگمينك‏Du Xiangming مدير معهد البحث الطوبّوغرافي في بيكين بالمعلومات التالية: الزيتون: التي عرفت عند بعض المعلقين تحت اسم تسوتونك‏(Tseu -Thoung) هي التي تحمل اليوم اسم: قانزهوQuanz -hou ، و قد ترجم الاسم الذي استعمله المعلقون المشار اليهم في كلمة صينية يمكن تهجيتها هكذاCitong الذي هو الاسم المنتحل لقانز هو ... انظر ملحق المراسلات‏

(36) كلمة صين كلان- و هي بالذات صين الصين: كان جواب الأستاذ المذكور عنها بما يلي: صين كلان مرادف لكلمةGuangzhou و هي كانطون‏Canton ... هذا و اذكر أن سليمان التاجر يسمى هذا العلم الجغرافي باسم (خانفو) الذي كان يترجم إلى كانطون. اخبار الصين و الهند جمعت سنة 237 باريز 1948.

(37) معلومات يعززها ما سجله أودوريك أوف بوردينون‏(Odoric of Prodenone) معاصر ابن بطوطةBeckingham IV P .988 -Not 5 .

126

بمتحف كينشيهوانك تقف على هذه الصور من الفخّار

127

ذكر بعض من أحوال أهل الصين.

و أهل الصين كفار يعبدون الاصنام و يحرقون موتاهم كما تفعل الهنود (38)، و ملك الصين تتري من ذرية تنكيزخان‏ (39)، و في كلّ مدينة من مدن الصين مدينة للمسلمين ينفردون بسكناهم، و لهم فيها المساجد لإقامة الجمعات و سواها، و هم معظّمون محترمون، و كفار الصين يأكلون لحوم الخنازير و الكلاب و يبيعونها في أسواقهم، و هم أهل رفاهية وسعة عيش إلا أنهم لا يحتفلون في مطعم و لا ملبس، و ترى التاجر الكبير منهم الذي لا تحصى أمواله كثرة و عليه جبة قطن خشنة.

و جميع‏ (40) أهل الصّين إنما يحتفلون في أواني الذهب و الفضة، و لكل واحد منهم عكاز يعتمد عليه في المشي، و يقولون: هو الرّجل الثالثة!! و الحرير عندهم كثير جدا لان الدود تتعلق بالثمار و تأكل منها فلا تحتاج إلى كثير مؤنة و لذلك كثر و هو لباس الفقراء و المساكين بها، و لو لا التّجار لما كانت له قيمة، و يباع الثوب الواحد من القطن عندهم بالاثواب الكثيرة من الحرير.

و عادتهم أن يسبك التاجر ما يكون عنده من الذهب و الفضة قطعا تكون القطعة منها من قنطار فما فوقه و ما دونه، و يجعل ذلك على باب داره، و من كان له خمس قطع منها جعل في أصبعه خاتما، و من كانت له عشر جعل خاتمين، و من كان له خمس عشرة سمّوه:

السّتي، بفتح السين المهمل و كسر التاء المعلوة، و هو بمعنى الكارمي بمصر (41)، و يسمون‏

____________

(38) في الفصلة التي تحمل عنوان (أخبار الصّين و الهند التي أشرت إليها في التعليق 36) و التي ترجمها و علق عليها جان سوفاجي باريز 1948، حديث عن أن أهل الصين يدفنون في اليوم الذي ماتوا في مثله من قابل إلى آخر ما ذكروه و لم يتحدث عن عادة الإحراق التي تحدث عنها ماركوبولو في منطقة هانكز هو: الخنساء عند ابن بطوطة ...

(39) كان الامبراطور الذي يحكم الصين على ذك العهد يحمل اسم طوغون تيمورToghon Temur الذي تملك من عام 733- 1333- 771- 1370، و هو الامبراطور الأخير من الدولة المغولية(Yuan) كان هو الثامن من المنحدرين من جنكيزخان و قد أقصى عن الصين بتاريخ 1368- بدر الدّين: العلاقات بين العرب و الصين طبعة أولى 1950 القاهرة ص 207. جامع التواريخ لرشيد الدّين.

Beckingham: The Travels ... P. 988 N 0 7.

(40) يبدو أن ابن بطوطة كان يتحدث عن محيط معيّن من الصين و الافقد عرف أهل الصين بمطبخهم الثريّ الرفيع ... كما عرفوا بأناقتهم في اللباس و تميزهم ...

Jacques Gernet: la vie quotidienne en Chine a la veille de l`invasion mongole 9591- P. 831- 25.

(41) الاسم ستي من أصل هندي‏(Chetty) و تعني أحد أعضاء طبقة اجتماعية تهتم بالتجارة جنوب الهند و حول الاكارم انظر تعليقنا ج.IV ، 49.

128

جانب من سوقهم في بكين حيث يباع كل شي‏ء ...

129

القطعة الواحدة منها بركالة (42)، بفتح الباء الموحدة و سكون الراء و فتح الكاف و اللام.

ذكر دراهم الكاغد التي بها يبيعون و يشترون‏

و أهل الصين لا يتبايعون بدينار و لا درهم، و جميع ما يتحصل ببلادهم من ذلك يسبكونه قطعا كما ذكرناه و انما يبيعهم و شراءهم بقطع كاغد، كل قطعة منها قدر الكف مطبوعة بطابع السلطان و تسمى الخمس و العشرون قطعة منها بالشت‏ (43)، بباء موحدة و ألف و لام مكسور و شين معجم مسكن و تاء معلوة، و هو يمعنى الدينار عندنا (44) و إذا تمزقت تلك الكواغد في يد إنسان حملها إلى دار كدار السكّة عندنا فأخذ عوضها جددا و دفع تلك، و لا يعطي على ذلك أجرة و لا سواها (45)، لأن الذين يتولون عملها لهم الأرزاق الجارية من قبل السلطان، و قد وكل بتلك الدار أمير من كبار الامراء، و إذا مضى الانسان إلى السوق بدرهم فضة أو دينار يريد شراء شي‏ء لم يؤخذ منه و لا يلتفت إليه حتى يصرفه بالبالشت و يشتري به ما أراد.

ذكر التراب الذي يوقدونه مكان الفحم‏

و جميع أهل الصين‏ (46) و الخطا (47) إنما فحمهم تراب عندهم منعقد كالطّفل عندنا

____________

(42) الكلمة من أصل فارسي‏(PARGALA) و تعني القطعة و الجزء ...

(43) بالشت كلمة فارسية و تعني في الأصل الوسادة أو الكيس و قد استعملت للقطعة الذهبية أو الفضية، و يلاحظ من الآن انتشار اللغة الفارسية في الامبراطورية الصينية و في البلاط كذلك، و قد خصص ماركو بولو فصلا للحديث عن العملة.

(44) البالشت- كنت مضطرا إلى أن ألتجئ بتاريخ 12127/ 6/ 1995 لسفارتنا في بكين بعد أن استنفذت كل الوسائل و قد قام صديقنا الأستاذ السفير عبد الرحيم بن عبد الجليل باستشارة المتخصصين من أمثال الأستاذ الجامعي تشوكاي‏Zhu kai . و يذكر التقرير الذي توصلت به شاكرا أن العملة الورقية الوحيدة التي كانت متداولة في الفترة التي قضاها الرحالة المغربي في الصين أي في عهد دولة يوان‏(Yuan) نوعان:BAOCHAO وJIAOCHAO ... و قد تكون كلمة بالشت تحريفا لBAO CHAO التي تعني النقد النفيس (يذكر أن البالشت في اصطلاح المغول قطعة ذهبية معينة المقدار كما في (فرهنك آنندراج).

و يقول التقرير: أن الاسم الكامل لهذه العملةZHI YUAN TONG XING BAO CHAO بمعنى نقد نفيس متداول في عهد الامبراطور. تراجع الملاحق و قد زودنا السفير بأحسن صورة لهذه العملة عن كتاب حول تاريخ النقود بالصين ...

(45) نفس المعلومات يرددها ماركوپولو بإضافة أن تكلفة التبديل تقتضي دفع ثلاثة في المائة.

(46) يقصد بالصين هنا القسم الجنوبي من البلاد في مقابلة القسم الشمالي الذي يحمل اسم بلاد الخطا ...

و هكذا فكلما ذكر الصين مجردة فإن قصده إلى الجنوب ...

(47) كلمة الخطا(Cathay) التي تعطي للصين الشمالي كما قلنا- كلمة مستعملة من لدن الأوربيين في القرن الثالث عشر إلى السادس عشر الميلادي، ربما كانت آتية من إمارة بروطو مونغول-(Proto mongole) المنتمين إلى‏(ki -an) التي حكمت من عام 907 إلى عام 1122، و في الروسيا نجد أن الصين تسمّى دائما قطاي‏(Kitay) .

130

عملة صينية من القرن الرابع عشر (انظر التعليق رقم 44 من ج 4 ص 260)

131

نماذج من العملة الصينية على عهد زيارة ابن بطوطة للصين‏

132

و لونه لون الطّفل، تأتي الفيلة بالأحمال منه فيقطعونه قطعا على قدر قطع الفحم عندنا و يشعلون النار فيه فيقد كالفحم و هو أشد حرارة من نار الفحم، و إذا صار رمادا عجنوه بالماء و يبسوه و طبخوا به ثانية، و لا يزالون يفعلون به كذلك إلى أن يتلاشى، و من هذا التّراب يصنعون أواني الفخار الصيني و يضيفون إليه حجارة سواه كما ذكرناه‏ (48).

ذكر ما خصوا به من إحكام الصناعات‏

و أهل الصين أعظم الأمم إحكاما للصناعات، و أشدهم إتقانا فيها (49)، و ذلك مشهور من حالهم، قد وصفه الناس في تصانيفهم فأطنبوا فيه، و أما التصوير فلا يجاريهم أحد في إحكامه من الروم و لا من سواهم. فان لهم فيه اقتدارا عظيما، و من عجيب ما شاهدت لهم من ذلك أني ما دخلت قطّ مدينة من مدنهم ثم عدت إليها إلا و رأيت صورتي و صور أصحابي منقوشة في الحيطان و الكواغد موضوعة في الأسواق! و لقد دخلت إلى مدينة السلطان فمررت على سوق النّقاشين و وصلت إلى قصر السلطان مع أصحابي، و نحن على زيّ العراقيين فلما عدت من القصر عشيا مررت بالسوق المذكورة فرأيت صورتي و صور أصحابي منقوشة في كاغد قد ألصقوه بالحائط، فجعل كل واحد منا ينظر إلى صورة صاحبه لا تخطى‏ء شيئا من شبهه، و ذكر لي أن السلطان أمرهم بذلك و أنهم أتوا إلى القصر و نحن به فجعلوا ينظرون إلينا و يصورون صورنا و نحن لم نشعر بذلك، و تلك عادة لهم في تصوير كل من يمر بهم و تنتهي حالهم في ذلك إلى أن الغريب إذا فعل ما يوجب فراره عنهم بعثوا صورته إلى البلاد و بحث عنه فحيثما وجد شبه تلك الصورة أخذ.

قال ابن جزي: هذا مثل ما حكاه أهل التاريخ من قضية ساپور ذي الاكتاف ملك الفرس، حين دخل إلى بلاد الروم متنكّرا، و حضر وليمة صنعها ملكهم و كانت صورته على بعض الأواني فنظر إليها بعض خدّام قيصر فانطبعت على صورة سابور، فقال لملكه: إن‏

____________

(48) يخلط ابن بطوطة هنا بين تراب الفحم و بين الصلصال الذي يصنع منه البورسلين، و الحقيقة- على ما يلاحظ- ان المادتين تمتزجان حتى تصنع منهما المادة التي تصمد للاحتراق ...

(49) وردت مثل هذه الشهادة لدى تاجر عربي من أهل القرن الرابع الهجري- العاشر الميلادي. اقرأ الاستطراد الذي ذكره ياقوت في معجم البلدان (مادة الصين) عن رحلة أبي دلف مسعر بن مهلهل الخزرجي (ت 390- 1000 م) لبلاد الترك و الصّين و الهند.

معجم البلدان تحقيق فريد عبد العزيز الجندي ... دار الكتب العلمية بيروت 1410 ه 1990 م‏

133

هذه الصورة تخبرني أن كسرى معنا في هذا المجلس، فكان الأمر على ما قاله، و جرى فيه ما هو مسطور في الكتب‏ (50).

ذكر عادتهم في تقييد ما في المراكب‏

و عادة أهل الصين إذا أراد جنك من جنوكهم السّفر صعد اليه صاحب البحر و كتّابه و كتبوا من يسافر فيه من الرماة و الخدام و البحرية، و حينئذ يباح لهم السفر فإذا عاد الجنك إلى الصين صعدوا إليه أيضا و قابلوا ما كتبوه بأشخاص الناس فإن فقدوا أحدا ممن قيدوه طلبوا صاحب الجنك به، فإما أن ياتي ببرهان على موته أو فراره أو غير ذلك مما يحدث عليه، و إلّا أخذ فيه، فإذا فرغوا من ذلك أمروا صاحب المركب أن يملي عليهم تفسيرا بجميع ما فيه من السلع قليلها و كثيرها ثم ينزل من فيه، و يجلس حفّاظ الديوان لمشاهدة ما عندهم، فإن عثروا على سلعة قد كتمت عنهم عاد الجنك بجميع ما فيه مالا للمخزن‏ (51)، و ذلك نوع من الظلم ما رأيته ببلاد من بلاد الكفار و لا المسلمين إلا بالصين اللهم إلا أنه كان بالهند ما يقرب منه، و هو أن من عثر على سلعة له قد غاب على مغرمها أغرم أحد عشر مغرما، ثم رفع السلطان ذلك لما رفع المغارم.

ذكر عادتهم في منع التجار عن الفساد.

و إذا قدم التاجر المسلم على بلد من بلاد الصين خيّر في النزول عند تاجر من المسلمين المتوطنين معيّن، أو في الفندق، فإن أحب النزول عند التاجر حصر ماله و ضمّنه التاجر المستوطن، و أنفق عليه منه بالمعروف، فإذا أراد السفر بحث عن ماله، فان وجد شي‏ء منه قد ضاع أغرمه التاجر المستوطن الذي ضمّنه، و إن أراد النزول بالفندق سلم ماله لصاحب الفندق و ضمنه، و هو يشتري له ما أحب و يحاسبه، فإن أراد التّسري اشترى له جارية و أسكنه بدار يكون بابها في الفندق، و انفق عليهما.

____________

(50) يتعلق الامر بالعاهل الساساني شابور الثاني‏SHAPUR II (309- 379 م) المعروف بصراعاته ضد ملوك الرّومان أصحاب القسطنطينية. الحكاية التي رواها ابن بطوطة توجد في تاريخ الساسانيين الذي ألفه المؤرخ الفارسي ميرخوند. و تتمة الحكاية هي أن شابور خيط إلى جلد حمار و أودع في السجن! و قد لقب بذي الاكتاف لأنه كان يثقب أكثاف معارضيه و يعلقهم منها بحبل حتّى لا يعود أحد للمعارضة.!!

(51) يقدم لنا أودوريك دوبوردونون‏(O .DE PRODENONE) إشارات مماثلة هذا و يلاحظ استعمال كلمة (المخزن) بمعنى الدولة و الحكومة على ما هو المصطلح المغربي ...

134

و الجواري رخيصات الأثمان إلا أن أهل الصين أجمعين يبيعون أولادهم و بناتهم و ليس ذلك عيبا عندهم، غير أنهم لا يجبرون على السفر مع مشتريهم و لا يمنعون أيضا منه إن اختاروه، و كذلك إن أراد التزوّج تزوّج، و أما إنفاق ماله في الفساد فشي‏ء لا سبيل له إليه! و يقولون: لا نريد أن يسمع في بلاد المسلمين أنهم يخسرون أموالهم في بلادنا فانّها أرض فساد و حسن فائت!!

ذكر حفظهم للمسافرين في الطرق‏

و بلاد الصين آمن البلاد و أحسنها حالا للمسافر، فإن الانسان يسافر منفردا مسيرة تسعة اشهر و تكون معه الأموال الطائلة فلا يخاف عليها، و ترتيب ذلك أن لهم في كل منزل ببلادهم فندقا عليه حاكم يسكن به في جماعة من الفرسان و الرجال، فإذا كان بعد المغرب أو العشاء الآخرة جاء الحاكم إلى الفندق و معه كاتبه فكتب أسماء جميع من يبيت به من المسلمين و ختم عليها، و أقفل باب الفندق عليهم فإذا كان بعد الصبح، جاء و معه كاتبه فدعا كل انسان باسمه، و كتب بها تفسيرا، و بعث معهم من يوصّلهم إلى المنزل الثاني له و ياتيه ببراءة من حاكمه أن الجميع قد وصلوا إليه، و إن لم يفعل طلبه بهم، و هكذا العمل في كل منزل ببلادهم من صين الصين إلى خان بالق.

و في هذه الفنادق جميع ما يحتاج إليه المسافر من الأزواد و خصوصا الدجاج و الإوز، و أما الغنم فهي قليلة عندهم.

و لنعد إلى ذكر سفرنا فنقول: لما قطعنا البحر كانت أول مدينة وصلنا اليها مدينة الزّيتون‏ (52)، و هذه المدينة ليس بها زيتون و لا بجميع بلاد أهل الصين و الهند، و لكنه اسم وضع عليها، و هي مدينة عظيمة كبيرة تصنع بها ثياب الكمخا، و الأطلس‏ (53)، و تعرف بالنسبة إليها، و تفضل على الثياب الخنساوية و الخنبالقية، و مرساها من أعظم مراسي الدنيا

____________

(52) نلاحظ أن ابن بطوطة على نحو الاسلوب الذي اتبعه عندما قدم بلاد الهند، قبل أن يفصل حركته فيها قام هنا بتقديم للصين قبل أن تنزل مراكبه بها ... و هكذا فقد تحرك من طوالسى و سار سبعة عشر يوما في اتجاه الجنوب الشرقي للصين حيث وجدناه ينزل ميناء مدينة الزيتون‏(Quanzhou) حاليّا في اقليم‏(fujian) بمضيق طايوان على الخط 53، 0 24 شمالا و الخط 13، 118 شرقا مقابلة لهذه الجزيرة و من المعلوم أن هذه المدينة تعتبر نقطة الانطلاق التجاري البحري مع المحيط الهادى‏ء- تعليق 35 (ملاحق)

(53) يذكر يول أن كلمة ساطان‏Satin واردة أصلا من زيتون، من خلال الكلمة الإيطالية القديمةZETTANI .

135

أو هو أعظمها، رأيت به نحو مائة جنك كبار، و أما الصغار فلا تحصى كثرة، و هو خور كبير من البحر يدخل في البر حتى يختلط بالنّهر الأعظم.

و هذه‏ (54) المدينة و جميع بلاد الصين يكون للإنسان بها البستان و الأرض، و داره في وسطها كمثل ما هي بلدة سجلماسة ببلادنا (55)! و بهذا عظمت بلادهم، و المسلمون ساكنون بمدينة على حدة. و في يوم وصولي إليها رأيت بها الامير الذي توجه إلى الهند رسولا بالهدية، و مضى في صحبتنا و غرق به الجنك، فسلّم علي و عرف صاحب الديوان بي‏ (56) فأنزلني في منزل حسن، و جاء إليّ قاضي المسلمين تاج الدين الأردويلي و هو من الأفاضل الكرماء و شيخ الاسلام كمال الدين عبد الله الأصفهاني، و هو من الصلحاء و جاء إليّ كبار التجار فيهم شرف الدين التبريزي أحد التجار الذين استدنت منهم حين قدومي على الهند و أحسنهم معاملة، حافظ القرآن مكثر للتلاوة.

و هؤلاء التّجار لسكناهم في بلاد الكفار إذا قدم عليهم المسلم فرحوا به أشد الفرح، و قالوا: جاء من أرض الإسلام، و له يعطون زكوات أموالهم فيعود غنيا كواحد منهم.

و كان بها من المشايخ الفضلاء برهان الدين الكازروني، له زاوية خارج البلد (57)، و إليه يدفع التجار النذور التي ينذرونها للشيخ أبي إسحاق الكازروني‏ (58)، و لما عرف صاحب‏

____________

(54) يلخص ابن بطوطة المسالك المائية الصينية كلّها في النهر الأعظم الذي هو مزيج «متخيل» بين النهر الأصفرYellow River و بين القناة الكبرى التي تربط بيكين مع الخنساء:Hangzhou أمّا نهر جينكيانك‏(Jinjiang) ، فهو قليل الأهمية و مصبّه عند مدينة(Quanshow) يراجع التعليق السابق رقم 34.

(55) الحديث عن المقارنة بين نظام (الفيلات) في الصين و سجلماسة حيث الدار وسط الحديقة يدعونا إلى الالتفات للعلاقات المغربية الصينية، و هو الموضوع الذي عالجته الندوة التي حضرناها في بيكين في يونيه 1988.

ذ. رضوان ليولين روى: (جامعة بيكين) العلاقات الصينية المغربية في العصور القديمة،- د. التازي:

في العلاقات المغربية الصينية، هل كانت زيارة ابن بطوطة لبيكين ردا على زيارة وانغ دايوان لطنجة؟

جريدة العلم المغربية، 7 غشت 1988.- التاريخ الدبلوماسي للمغرب 6 ص 647.

(56) نلاحظ أن ابن بطوطة هنا أخذ يستعيد ذكرياته و يتفقد أصحابه فيما يتصل بالمهمة التي عهد بها اليه سلطان الهند لدى ملك الصين، و يتجلى واضحا أن مدينة الزيتون كانت بالفعل ملتقى دوليا على مضيق طايوان هذا و إن مجموع الشخصيات التي ذكرها ابن بطوطة هنا في مدينة الزيتون‏(Quanzhou) من أصل فارسي، هذا و ما تزال إلى الآن قرية بضواحي المدينة تحمل اسم قرية الفرس. و نعلم من خلال المصادر التاريخية الصينية بأن المدينة كانت تتوفر على جالية فارسية قوية، و لذلك فإن اللغة الفارسية بالصين على ذلك العهد كانت سائدة على ما قلناه، و لا بد أن تستوقفنا هنا كلمة «الديوان» المستعملة في المغرب و خاصة عند الموانى‏ء المفتوحة في وجه المراكب التجارية الأجنبية- الكلمة يقال إنها من أصل إيطالي‏Dogane أو فرنسي‏Douane ، و يقصد بها مكتب الجمارك (و من هنا جاءت التوصّية بابن بطوطة!) و قد تحدتثا عن هذه المصطلحات في التاريخ الدبلوماسي للمغرب.

(57) لا بد أن نذكّر هنا بما ورد في (I، 37- 38) من أن برهان الدين الأعرج قال لابن بطوطة و هو ما يزال بالاسكندرية: أراك تحب السياحة، فقال نعم و لم يكن حينئذ خطر بخاطره زيارة الهند و الصين، فقال له برهان الدين: لا بد لك ان شاء الله من زيارة أخي فريد الدّين بالهند و آخى ركن الدين زكرياء بالسند و أخي برهان الدين بالصين و إذا بلغتهم فسلم عليهم ... و لم أزل أجول، يقول ابن بطوطة، حتى لقيت الثلاثة ...

(58) يعتبر هذا الشيخ عند العامة ممن يتوسل بهم عند الخوف من أخطار البحار كما سلف في الجزءII ، 90 ... على نحو الشيخ اليابري بمدينة الرباط- د. التازي مؤتمر يابرة (البرتغال) 1982.

136

البيوت محاطة بالحدائق على نحو ما كان بسجلماسة

137

الديوان أخباري كتب إلي القان، و هو ملكهم الأعظم‏ (59)، يخبره بقدومي من جهة ملك الهند فطلبت منه أن يبعث معي من يوصلني إلى بلاد الصين و هم يسمونها صين‏ (60) كلان، لأشاهد تلك البلاد، و هي في عمالته بخلال ما يعود جواب القان، فأجاب إلى ذلك، و بعث معي من أصحابه من يوصلني.

و ركبت في النّهر في مركب يشبه أجفان بلادنا الغزوية إلّا أن الجذّافين يجذفون فيه قياما، و معهم، في وسط المركب الركاب في المقدم و المؤخر، و يظلّلون على المركب بثياب تصنع من نبات ببلادهم يشبه الكتان، و ليس به، و هو أرقّ من القنب.

و سافرنا في هذا النهر سبعة و عشرين يوما (61) و في كل يوم ترسو عند الزوال بقرية نشتري بها ما نحتاج إليه و نصلّي الظهر ثم ننزل بالعشي إلى أخرى و هكذا إلى أن وصلنا إلى مدينة صين كلان بفتح الكاف، و هي مدينة صين الصّين، و بها يصنع الفخار، و بالزيتون أيضا، و هنالك يصب نهر آب حياة في البحر، و يسمونه مجمع البحرين‏ (62)، و هي من أكبر المدن و أحسنها أسواقا، و من أعظم أسواقها سوق الفخار، و منها يحمل إلى سائر بلاد الصين، و إلى الهند و اليمن، و في وسط هذه المدينة كنيسة عظيمة لها تسعة أبواب داخل كل باب أسطوان و مصاطب يقعد عليها الساكنون بها، و بين البابين الثاني و الثالث منها موضع فيه بيوت يسكنها العميان و أهل الزّمانات و لكل واحد منهم نفقته و كسوته من أوقاف الكنيسة، و كذلك فيما بين الأبواب كلّها و في داخلها المارستان للمرضى و المطبخة لطبخ الاغذية و فيها الاطباء و الخدام.

و ذكر لي أن الشيوخ الذين لا قدرة لهم على التكسّب لهم نفقتهم و كسوتهم بهذه الكنيسة، و كذلك الأيتام و الأرامل ممن لا حال له، و عمّر هذه الكنيسة بعض ملوكهم و جعل هذه المدينة و ما اليها من القرى و البساتين وقفا عليها، و صورة ذلك الملك مصورة بالكنيسة المذكورة، و هم يعبدونها.

____________

(59) كان الحاكم الاعظم في ذلك العهد طوگون تيمور(Togon Timur) انظر التعليق 39 هذا و كلمة القان تؤدي في التركية معنى لقب (الخاقان) ...

(60) صين كلان و صين الصين‏Guangzhou كانطون انظر ملحق المراسلات‏

(61) يلاحظ بعض المعلقين على سفر ابن بطوطة من مدينة الزيتون التي تقع كما قلنا على مضيق طايوان، إلى مدينة صين‏كلان (كانطون) فيذكرون بان المحطات التي ذكرها على ذلك النهر لفترة 27 يوما غير صحيحة، القناة الكبرى غير موجودة في المنطقة فهل هناك فوالت من مذكراته؟ أو تساهل في تلخيصها؟

يراجع التعليق 34.

(62) الواقع أن الأمر لا يتعلق بالنهر الأصفر، و لكن يتعلق بنهر بي جيانك‏Bei Jiang راجع التعليق رقم 34.

138

كانطون في القرن السابع عشر

139

و في بعض جهات هذه المدينة (63) بلدة المسلمين، لهم بها المسجد الجامع و الزاوية و السوق و لهم قاض و شيخ، و لا بد في كل بلد من بلاد الصين من شيخ الإسلام تكون أمور المسلمين كلّها راجعة اليه، و قاض يقضي بينهم. و كان نزولي عند أوحد الدين السنجاري، و هو أحد الفضلاء الأكابر ذوي الاموال الطائلة، و أقمت عنده أربعة عشر يوما، و تحف القاضي و سائر المسلمين تتوالى عليّ، و كلّ يوم يصنعون دعوة جديدة و يأتون اليها بالعشّارين‏ (64) الحسان و المغنين. و ليس وراء هذه المدينة مدينة لا للكفار و لا للمسلمين، و بينها و بين سدّ ياجوج و ماجوج‏ (65) ستون يوما فيما ذكر لي، يسكنها كفار رحّالة يأكلون بني آدم إذا ظفروا بهم‏ (66) و لذلك لا تسلك بلادهم و لا يسافر إليها. و لم أر بتلك البلاد من رأى السد و لا من رأى من رآه.

حكاية عجيبة

و لما كنت بصين كلان سمعت أن بها شيخا كبيرا قد أناف على مائتي سنة، و أنه لا يأكل و لا يشرب، و لا يحدث، و لا يباشر النساء مع قوته التامة، و أنه ساكن في غار بخارجها

____________

(63) تعرضت (كانطون) لعدة تغييرات و لذا فانه لا يوجد أثر لهذه الكنيسة التي تحدث عنها ابن بطوطة.

(64) السنجاري نسبة إلى سنجار التي تقع ضمن الجزيرة الفراتية، و قد كانت عاصمة لفرع من أسرة أتابك زنكى من عام 1170 إلى 1220 م- انظرIII ، 241- 42 أما العشارون فهم القراء الذي يوزعون تلاوة القرآن على عشرة أقساط كما أسلفنا التعليق 288 الفصل الرابع عشر و لا أرى وجها لتعسّف التراجمة!

(65) تذكر الرواية أن سدّ ياجوج و ماجوج شيد من لدن ذي القرنين ليحمي العالم المتمدن من هجمات الشمال و يقع هذا السد حسب مدركات المعاصرين اليوم على مقربة من الدربندDERBENT التي تقع على الخط 03، 42 شمالا و الخط 18، 48 شرقا غرب بحر قزوين، و قد سمعنا عنه و نحن نقوم عام 1974 بزيارة لباكو التي تقع جنوبا. و يحكى ابن خرداذبة في المسالك و الممالك أن الخليفة الواثق بالله بعث سفيره سلام الترجمان ليقف على حقيقة هذا السد و انه أي السفير عاد- بعد أن ساعده صاحب السرير بتقرير إلى الخليفة حول الموضوع، و من المهم أن نذكر هنا أن هذا السد التبس على كثير من الناس و منهم ابن بطوطة بسور الصين العظيم‏(La grande Muraille) الذي بناه تسين شي‏هوانگ تي مؤسس الامبراطورية الصينية عام 221- 211 قبل الميلاد، و قد زرناه في صيف 1988 ... و من تمام الفائدة أن نحيل على تفسير (التحرير و التنوير) للشيخ محمد الطاهر ابن عاشور (تونس 1984) و حسب إفادة زميلنا في أكاديمية المملكة المغربية نيل أرمسترونغ الذي صعد القمر فإن سور الصين هو الشي‏ء الوحيد من صنع الإنسان الذي ظهر لهم من القمر!!

(66) يتحدث ماركوبولو عن أن شعب مملكة فوجوFuju ياكل لحم البشر و ينسب هذا غالبا إلى القبائل البدائية بيد أن هذا لا يعدوا أن يكون زعما بالنسبة لأهل الصين و المغول و الثّبت ... و لا بد مع هذا أن نلاحظ أن نمط المطبخ الصيني الذي يحتوي على بعض المواد الغذائية التي لا يستسيغها الذوق الأوربي و التي قد تكون محرمة على المسلمين في بعض الأحيان من شأن كل ذلك أن يسهل نسبة بعض أهل الصين في الماضي إلى أكلة لحوم البشر! انظر ج.VI ، 428 حول أكل البشر في افريقيا ...

140

سور الصين العظيم‏

141

يتعبد فيه، فتوجهت إلى الغار، فرأيته على بابه و هو نحيف شديد الحمرة، عليه أثر العبادة و لا لحية له فسلّمت عليه فأمسك بيدي و شمّها، و قال للترجمان: هذا من طرف الدنيا كما نحن من طرفها الآخر!! ثم قال لي: لقد رأيت عجبا، أ تذكر يوم قدومك الجزيرة التي فيها الكنيسة و الرجل الذي كان جالسا بين الاصنام و أعطاك عشرة دنانير من الذهب؟ فقلت:

نعم! فقال: أنا هو! فقبّلت يده، و فكّر ساعة، ثم دخل الغار فلم يخرج إلينا، و كأنه ظهر منه النّدم على ما تكلّم به، فتعجبنا و دخلنا الغار عليه فلم نجده و وجدنا بعض أصحابه و معه جملة بوالشت من الكاغد (67)، فقال: هذه ضيافتكم، فانصرفوا. فقلنا له: ننتظر الرجل، فقال:

لو أقمتم عشر سنين لم تروه، فإن عادته إذا إطلع أحد على سرّ من أسراره لا يراه بعده، و لا تحسب أنه غاب عنك بل هو حاضر معك، فعجبت من ذلك و انصرفت، فأعلمت القاضي و شيخ الاسلام و أوحد الدين السنجاري بقضيته، فقالوا: كذلك عادته مع من ياتي اليه من الغرباء و لا يعلم أحد من ينتحله من الأديان! و الذي ظننتموه أحد أصحابه هو هو. و أخبروني أنه كان غاب عن هذه البلاد نحو خمسين سنة ثم قدم عليها منذ سنة، و كان السلاطين و الأمراء و الكبراء يأتونه زائرين فيعطيهم التّحف على أقدارهم، و يأتيه الفقراء كلّ يوم فيعطي لكل أحد على قدره، و ليس في الغار الذي هو به ما يقع عليه البصر! و أنه يحدث عن السنين الماضية، و يذكر النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، و يقول: لو كنت معه لنصرته، و يذكر الخليفتين عمر بن الخطاب و عليّ بن أبي طالب بأحسن الذكر و يثنى عليهما و يلعن يزيد ابن معاوية و يقع في معاوية.

و حدثوني‏ (68) عنه بأمور كثيرة، و أخبرني أوحد الدين السنجاري قال: دخلت عليه بالغار فأخذ بيدي فخيل لي أني في قصر عظيم و أنه قاعد فيه على سرير و فوق رأسه تاج و عن جانبيه الوصائف الحسان و الفواكه تتساقط في أنهار هنالك و تخيّلت أني أخذت تفاحة لآكلها. فإذا أنا بالغار و بين يديه، و هو يضحك مني و أصابني مرض شديد لازمني شهورا فلم أعد إليه.

و أهل تلك البلاد يعتقدون أنه مسلم، و لكن لم يره أحد يصلي، و أما الصيام فهو صائم أبدا، و قال لي القاضي ذكرت له الصلاة في بعض الأيام، فقال لي: أ تدري أنت ما أصنع؟

إن صلاتي غير صلاتك! و أخباره كلّها غريبة، و في اليوم الثاني من لقائه سافرت راجعا إلى مدينة الزيتون، و بعد وصولي إليها بأيام جاء أمر القان بوصولي إلى حضرته على البر

____________

(67) راجع التعليق رقم 43- 44 من هذا الفصل.

(68) تشير هذه الخصوصيات التي أشار اليها ابن بطوطة في حديثه عن شيخ صين‏كلان إلى موقف وسط بين الشيعة و السّنة، فهو أي الشيخ يذكر الخليفتين عمر و علي باحسن الذكر ... و هو يلعن اليزيد

Beckingham IV, P S 89- Gibb: Travels I P. 64 N 041.

142

تذكار يخلد وصول البعثة الإسلامية للصّين‏

143

و الكرامة (69) إن شئت في النهر و الّا ففي البر فاخترت السفر في النهر فجهزوا لي مركبا حسنا من المراكب المعدة لركوب الأمراء، و بعث الأمير معنا أصحابه و وجه لنا الامير و القاضي و التجار المسلمون أزوادا كثيرة، و سرنا في الضيافة نتغدّى بقرية و نتعشى بأخرى، فوصلنا بعد سفر عشرة أيام الى مدينة قنجنفو (70)، و ضبط اسمها بفتح القاف و سكون النون و فتح الجيم و سكون النون الاخر و ضم الفاء و واو. مدينة كبيرة حسنة في بسيط أفيح، و البساتين محدقة بها فكأنها غوطة دمشق، و عند وصولنا خرج إلينا القاضي و شيخ الاسلام و التجار و معهم الأعلام و الطبول و الأبواق و الأنفار و أهل الطرب و أتونا بالخيل فركبنا و مشوا بين أيدينا، لم يركب معنا غير القاضي و الشيخ، و خرج أمير البلد و خدامه، و ضيف السلطان عندهم معظم أشد التعظيم، و دخلنا المدينة و لها أربعة أسوار يسكن ما بين السور الاول و الثاني عبيد السّلطان من حراس المدينة و سمّارها و يسمون البصوانان‏ (71) بفتح الباء الموحدة و سكون الصاد المهمل و واو و ألف و نون و الف و نون، و يسكن ما بين السور الثاني و الثالث الجنود المركبون و الامير الحاكم على البلد، و يسكن داخل السور الثالث المسلمون، و هنالك نزلنا عند شيخهم ظهير الدين القرلاني، بضم القاف و سكون الراء، و يسكن داخل السور الرابع الصينيون، و هو أعظم المدن الأربعة و مقدار ما بين كلّ باب منها و الذي يليه ثلاثة أميال و أربعة و لكل إنسان كما ذكرناه بستانه و داره و أرضه.

حكاية [قوام الدّين السبتي‏]

و بينما أنا يوما في دار ظهير الدين القرلاني إذا بمركب قوام الدين السّبتي، فعجبت من اسمه! و دخل إليّ، فلما حصلت المؤانسة بعد السلام سنح لي أني أعرفه، فأطلت النظر

____________

(69) يلاحظ بعض المعلقين أنه من البعيد أن تكون الدعوة قد وجهت إلى ابن بطوطة لأنه لا يمتلك أية حجة على أنه يحمل صفة سفير. و نعتقد أن تقديم ابن بطوطة من لدن السفير الصيني الذي كان في الهند و الذي صادفه في مدينة الزيتون يمكن أن يكون حجة على أنه مبعوث من ملك الهند.

(70) كما فعلت في الأعلام الجغرافية الصينية الأخرى التي أشكلت علي، فقد استنجدت بالمركز الوطني الصيني للخريطة فتلقيت من زميلي الأستاذ دوشيان مينگ‏Du Xiangming مدير المركز ما يلي: ان قان جان فو لا تتفق الآراء حول موقعها في الصين بيد أن الرأي السائد أنها تقع بين مدينة الزيتون‏Quanzhou و بين الخنساء،(Hangzhou) ... أنظر ملحق المراسلات.

(71) حراس اللّيل و الكلمة فارسية(Pashanan) نلاحظ مرة أخرى هيمنة اللغة الفارسية في المحيط الصيني.

144

إليه فقال: أراك تنظر إلي نظر من يعرفني، فقلت له: من أيّ البلاد أنت؟ فقال من سبتة! فقلت له: و أنا من طنجة! فجدد السّلام عليّ و بكى حتى بكيت لبكائه!! فقلت له: هل دخلت بلاد الهند؟ فقال لي: نعم دخلت حضرة دهلي، فلما قال لي ذلك تذكّرت له، و قلت: أ أنت البشري؟ قال: نعم! و كان وصل إلى دهلي مع خاله أبي القاسم المرسى و هو يومئذ شاب لا نبات بعارضيه، من حداق الطلبة، يحفظ الموطأ (72) و كنت أعلمت سلطان الهند بأمره فأعطاه ثلاث آلاف دينار و طلب منه الإقامة عنده فأبى، و كان قصده بلاد الصين فعظم شأنه بها و اكتسب الأموال الطائلة.

أخبرني أن له نحو خمسين غلاما، و مثلهم من الجواري و أهدى إلي منهم غلامين و جاريتين و تحفا كثيرة، و لقيت أخاه بعد ذلك ببلاد السودان، (73) فيا بعد ما بينهما! و كانت إقامتي بقنجنفو خمسة عشر يوما، و سافرت منها، و بلاد الصين على ما فيها من الحسن لم تكن تعجبني، بل كان خاطري شديد التغير بسبب غلبة الكفر عليها، فمتى خرجت عن منزلي رأيت المناكير الكثيرة، فأقلقني ذلك حتى كنت ألازم المنزل فلا أخرج إلا لضرورة، و كنت إذا رأيت المسلمين بها فكأنّي لقيت أهلي و أقاربي! و من تمام فضيلة هذا الفقيه البشري أن سافر معي لما رحلت عن قنجنفو أربعة أيام حتى وصلت إلى مدينة بيوم قطلو (74)، و هي بباء موحدة مفتوحة و ياء آخر الحروف ساكنة و واو مفتوحة و ميم و قاف مضموم و طاء مسكنة و لام مضموم و واو، مدينة صغيرة يسكنها الصينيون من جند و سوقة، و ليس بها للمسلمين إلا أربعة من الدور، و أهلها من جهة الفقيه المذكور، و نزلنا بدار أحدهم و أقمنا عنده ثلاثة أيام ثم ودعت الفقيه و انصرفت فركبت النّهر على العادة نتغدّى بقرية و نتعشى بأخرى إلى أن وصلنا بعد سبعة عشر يوما منها إلى‏

____________

(72) إذا ما استثنينا مجموع الفقه للإمام الشهيد زيد بن علي فإنا لموطا هو أول كتاب في الفقه الاسلامي ...

من تأليف الامام مالك بن أنس عمدة المذهب المالكي على ما هو معلوم ...

(73) انظر ج.IV ، 376- 377.

(74) يبدو أن الأمر لا يتعلق باسم لموقع جغرافي و لكنه علم على اسم لقائد تركي تترى (بيان‏Bayan ) قطلو، أي بيان (المحظوظ). و هو أي (بيان) الذي استعمل عند ابن بطوطة و كأنه علم على مكان (گيب:

مختارات ص 371 تعليق 1) اسم لأحد الجنرالات الأساسيين الذين اسهموا في فتح جنوب الصين ...

و هناك (بيان) آخر كان وزيرا للامبراطور طوغون تيمور الذي كانت زيارة ابن بطوطة تصادفه-Beck ingham IV ,P .009 .

145

مدينة الخنسا (75)، و اسمها على نحو اسم الخنساء الشاعرة، و لا أدري أعربي هو أم وافق العربي؟ و هذه المدينة أكبر مدينة رأيتها على وجه الأرض، طولها مسيرة ثلاثة أيام يرحل المسافر فيها و ينزل، و هي على ما ذكرناه من ترتيب عمارة الصين، كلّ أحد له بستانه و داره، و هي منقسمة إلى ستّ مدن سنذكرها، و عند وصولنا إليها خرج إلينا قاضيها أفخر الدين و شيخ الاسلام بها و أولاد عثمان بن عفان المصري، و هم كبراء المسلمين بها (76) و معهم علم أبيض و الاطبال و الأنفار و الابواق و خرج أميرها في موكبه. و دخلنا المدينة و هي ست مدن على كل مدينة سور، و محدق بالجميع سور واحد، فأول مدينة منها يسكنها حراس المدينة و أميرهم، حدثني القاضي و سواه أنهم اثنا عشر الفا في زمام العسكرية و بتنا ليلة دخولنا في دار أميرهم.

و في اليوم الثاني دخلنا المدينة الثانية على باب يعرف بباب اليهود (77)، و يسكن بها اليهود و النصارى و الترك عبدة الشمس، و هم كثير و أمير هذه المدينة من أهل الصّين، و بتنا عنده الليلة الثانية.

____________

(75) يذكر الناشران الفرنسيان أن القصد حاليا إلى‏(Hang -Tchou -fou) و يقتصر بيكينگام على كلمة(Hang -Chou) ، و قد أفادني الزميل البروفسور دوكسيانگينك بأن مدينة الخنسا، هي بالذات التي تعرف حاليا باسم هانگز هوHANGZHOU ، و يفيد الأستاذ المذكور في مراسلته بتاريخ‏ll غشت 1994 أن اسم الخنسا، ترجم عن كلمة صينية قديمة يمكن تهجيتها هكذا جينگشي، و هو الاسم المنتحل لكلمة هانكز هوHANGZHOU ... انظر ملحق المراسلات أما عن الشاعرة الخنساء فهي تماضر بنت عمر الرياحية السليمية ... أكثر شعرها رثاء و كان لها أربعة أبناء شهدوا القادسية فقتلوا جميعا أدركها أجلها عام 24 ه 645.

(76) حديث ابن بطوطة عن حضور الإسلام بالصّين يذكرنا بما ورد في مذكرات الرحالة البندقي ماركوبولو الذي أقام كما قيل في الصين سنوات عديدة، فقد تحدث طويلا عن تأثير العرب و المسلمين و هو الذي روى قصة الأمير العربي أحمدAcmat و كان هو الذي يلي الامبراطور في نفوذه الواسع و كانت الجالية العربية و الاسلامية المقيمة في العاصمة(Cambalue) تتمتع بنفوذ عظيم إلى آخر الحديث الطويل الذي أورده ماركوبولو.

MARCO Polo: le devisement du monde( la decouverte 4991 )T. I p. 912- 022- 121- 222- 322- 422

(77) من خلال الحديث عن باب اليهود في مدينة الخنساء يظهر أنه كانت هناك جالية لليهود و هذه من المعلومات التي يظهر أن ابن بطوطة يستأثر بها دون المصادر الأولى لتاريخ الصين، هذا و حول وصف ابن بطوطة لهذه المدينة نلاحظ أن بعض المعلقين كانوا يجدون أن في تلك الشهادة غرابة! و قد قال روس دان‏Rosse Dun على الخصوص إنها شهادة فيها خلل و إن ابن بطوطة لم يستطع وصف هذه المدينة هذا علاوة على اجتيازه القناة و استطاعته أداء مهمته الدبلوماسية التي عهد بها اليه لدى الامبراطور طوغون تيمور ...

Ross E. Dum: The Adventures of IBN Battuta p. 062- Beckingham: The travels T VI P 109 N 540.

146

و في اليوم الثالث دخلنا المدينة الثالثة، و يسكنها المسلمون، و مدينتهم حسنة و أسواقهم مرتبة كترتيبها في بلاد الإسلام، و بها المساجد و المؤذنون، سمعناهم يؤذنون بالظهر عند دخولنا و نزلنا منها بدار أولاد عثمان بن عفان المصري، و كان أحد التّجار الكبار استحسن هذه المدينة فاستوطنها، و عرفت بالنسبة اليه و أورث عقبه بها الجاه و الحرمة، و هم على ما كان عليه أبوهم من الإيثار على الفقراء و الإعانة للمحتاجين، و لهم زاوية تعرف بالعثمانية، حسنة العمارة لها أوقاف كثيرة، و بها طائفة من الصوفية، و بنى عثمان المذكور المسجد الجامع بهذه المدينة، و وقف عليه و على الزاوية أوقافا عظيمة و عدد المسلمين بهذه المدينة كثير و كانت إقامتنا عندهم خمسة عشر يوما فكنا كل يوم و ليلة في دعوة جديدة، و لا يزالون يحتفلون في أطعمتهم و يركبون معنا كلّ يوم للنزهة في أقطار المدينة.

و ركبوا معي يوما فدخلنا إلى المدينة الرابعة و هي دار الإمارة و بها سكنى الامير الكبير قرطى. و لما (78) دخلنا من بابها ذهب عني أصحابي و لقيني الوزير و ذهب بي إلى دار الامير الكبير قرطي فكان من أخذه الفرجية التي أعطانيها ولي الله جلال الدين الشيرازي‏ (79) ما قد ذكرته.

و هذه المدينة منفردة لسكنى عبيد السلطان و خدامه و هي أحسن المدن الستّ، و يشقها أنهار ثلاثة: أحدها خليج يخرج من النهر الأعظم و تأتي فيه القوارب الصّغار إلى هذه المدينة بالمرافق من الطعام و أحجار الوقد، و فيه السفن للنّزهة، و المشور في وسط هذه المدينة، و هو كبير جدّا، و دار الإمارة في وسطه و هو يحف بها من جميع الجهات، و فيه سقائف فيها الصناع يصنعون الثياب النفيسة و آلات الحرب. و أخبرني الأمير قرطى أن عددهم الف و ستمائة معلّم، كل واحد منهم يتبعه الثلاثة و الاربعة من المتعلمين و هم أجمعون عبيد القان، و في أرجلهم القيود، و مساكنهم خارج القصر، و يباح لهم الخروج إلى أسواق المدينة دون الخروج على بابها، و يعرضون كلّ يوم على الأمير مائة مائة، فان نقص أحدهم طلب به أميره! و عادتهم أنه اذا خدم احدهم عشر سنين فكّ عنه قيده، و كان يخيّر النّظرين إما أن يقيم في الخدمة غير مقيد، و إما أن يسير حيث شاء من بلاد القان و لا يخرج عنها، و إذا بلغ سنّه خمسين عاما أعتق من الأشغال و أنفق عليه، و كذلك ينفق على من بلغ هذه السن أو

____________

(78) قرطى يعرّف على أنه هو لا طاي‏(Hu -la -T`ai) الذي كان قد عيّن نائب مستشار لاقليم شيانك شي‏Chiang -che عام 1329 بعد أن كان فيما قبل في نفس المنصب في هوكوانگ‏Hu -Kuang .Beckingham IV ,209 N 74 .

(79) يلاحظ أن الذي اعطاه الفرجية كان سمي جلال الدّين التبريزي و ليس الشيرازي‏IV ، 219، و ما بعدها ...

147

نحوها من سواهم، و من بلغ ستين سنة عدوّه كالصّبي فلم تجر عليه الاحكام‏ (80)! و الشيوخ بالصين يعظمون تعظيما كثيرا و يسمى أحدهم أطا، و معناه الوالد.

ذكر الامير الكبير قرطي‏

و ضبط اسمه بضم القاف و سكون الراء و فتح الطاء المهمل و سكون الياء، و هو أمير أمراء الصين أضافنا بداره و صنع الدعوة و يسمّونها الطّوى‏ (81)، بضم الطاء المهمل و فتح الواو، و حضرها كبار المدينة و أتى بالطباخين المسلمين فذبحوا و طبخوا الطعام، و كان هذا الامير على عظمته يناولنا الطعام بيده و يقطع اللحم بيده، و أقمنا في ضيافته ثلاثة أيام، و بعث ولده معنا إلى الخليج فركبنا في سفينة تشبه الحرّاقة، و ركب ابن الامير في أخرى و معه اهل الطرب و أهل الموسيقى، و كانوا يغنون بالصّيني و بالعربي و بالفارسي و كان ابن الامير معجبا بالغناء الفارسي فغنوا شعرا منه و أمرهم بتكريره مرارا حتى حفظته من أفواههم (82) و له تلحين عجيب و هو.

جون در نماز ايستاده كويي بمحرابم دري‏* * *تا دل بمهرت داده‏أم در بحر فكر افتاده‏أم‏

و اجتمعت بتلك الخليج من السفن طائفة كبيرة لهم القلاع الملونة و مظلّات الحرير و سفنهم منقوشة أبدع نقش، و جعلوا يتحاملون و يترامون بالنارنج و الليمون، و عدنا بالعشى الى دار الامير فبتنا بها و حضر أهل الطرب فغنّوا بأنواع من الغناء العجيب.

____________

(80) ورد في اخبار الصين و الهند التي جمعت سنة 237 سالفة الذكر أن المرء اذا بلغ ثمانين سنة لم توخذ منه جزية و أجرى عليه من بيت المال و هم يقولون «أخذنا منه شابّا و نجري عليه شيخا»!!

J. Sauvaget: Relation de la chine et de l`Inde Paris 8491 p. 12.

(81) لفظ الطّوى بمعنى الضيافة تقدم ج.III ص. 40 و لعل الكلمة صينية كما يقول النعيمي ..

(82) هذا بيت واحد و ليس بيتين كما تصور النساخ قاطبة و تبعهم طبعا سائر الناشرين!!، و الشعر لسعدى الشيرازي (ت 621- 291) من قصيدة مشهورة له و مطلعها:

آخر نگاهي بازكن وقتي كه برما بگذرى‏* * * يا كبر منعت مى‏كند كز دوستان ياد آوري؟

ايرج أفشار: يادداشتهاى قزويني، تهران 1337- محمد علي فروغي: كليات سعدي تهران 1346- بدر الدّين حيّ حسيني الصيني: العلاقات بين العرب و الصين 1370- 1950 ص 302 محمود حقيقت كاشاني: پابه‏باي ابن بطوطة، كردش ... أشكر بهذه المناسبة معالي د. علي أكبر ولايتي ... و د. هادي شريفي و ذ. جعفر شهيدي ... و مكتبة جامعة طهران و سفارة إيران بالمغرب.

148

لقطات من ضريح سعدي في شيراز عن مجموعة آثار معماري- سازمان جغرافيا نيروهاي مسلح‏

149

حكاية المشعوذ

و في تلك الليلة حضر أحد المشعوذة، و هو من عبيد القان، فقال له الامير: أرنا من عجائبك! فأخذ كرة خشب لها ثقب، فيها سيور طوال فرمى بها إلى الهواء فارتفعت حتى غابت عن الأبصار، و نحن في وسط المشور أيام الحر الشديد، فلما لم يبق من السير في يده إلا يسير أمر متعلّما له فتعلق به و صعد في الهواء إلى أن غاب عن أبصارنا، فدعاه فلم يجبه ثلاثا فأخذ سكينا بيده كالمعتاظ و تعلق بالسير إلى أن غاب أيضا! ثم رمى بيد الصبي إلى الأرض، ثم رمى برجله ثم بيده الأخرى ثم بجسده ثم برأسه، ثم هبط و هو ينفخ و ثيابه ملطخة بالدم، فقبّل الأرض بين يدي الامير، و كلمه بالصيني، و أمر له الامير بشي‏ء، ثم إنه أخذ أعضاء الصبي فألصق بعضها ببعض و ركضه برجله فقام سويّا! فعجبت منه، و أصابني خفقان القلب كمثل ما كان أصابني عند ملك الهند حين رأيت مثل ذلك، فسقوني دواء أذهب عني ما وجدت.

و كان القاضي أفخر الدين إلى جانبي فقال لي: و الله ما كان من صعود و لا نزول و لا قطع عضو، و إنما ذلك شعوذة! و في غد تلك الليلة دخلنا من باب المدينة الخامسة و هي أكبر المدن يسكنها عامة الناس، و أسواقها حسان و بها الحذّاق بالصنائع و بها تصنع الثياب الخنساوية، و من عجيب ما يصنعون بها أطباقا يسمونها الدّست‏

خلت الدّسوت من الرخا* * * خ ففرزنت فيها البيادق!!

(83)، و هي من القصب و قد ألصقت قطعه أبدع إلصاق و دهنت بصبغ أحمر مشرق، و تكون هذه الأطباق عشرة واحدا في جوف آخر رقّتها تظهر لرائيها كأنها طبق واحد و يصنعون غطاء يغطي جميعها و يصنعون من هذا القصب صحافا، و من عجائبها أن تقع من العلوّ فلا تنكسر و يجعل فيها الطعام السخن فلا يتغيّر صباغها و لا يحول، و تجلب من هنالك إلى الهند و خراسان و سواها.

و لما دخلنا هذه المدينة بتنا ليلة في ضيافة أميرها، و بالغد دخلنا من باب يسمى كشتي بانان إلى المدينة السادسة، و يسكنها البحرية و الصيادون و الجلافطة و النجارون، و يدعون داد

____________

(83) إحالة على‏I ، 187 نقول ... من معاني الدست أيضا، و اللفظ فارسي، رقعة الشطرنج، و يقولون فلان حسن الدّست شطرنجي حاذق، و اذا خاب أحدهم قيل: تم عليه الدست، قال ابن شرف القيرواني:

خلت الدّسوت من الرخا* * * خ ففرزنت فيها البيادق!!

و يذكر دوزى من معاني الكلمة العرش و البساط- د. النعيمي: الفاظ من رحلة ابن بطوطة مجلة المجمع العلمي العراقي المجلد 24- 1974.

150

رسم للسحرة بالصّين عام 1681 عن بيكينگام في المجلد الرابع للترجمة الإنجليزية

151

كاران و الإصباهية و هم الرّماة و الپيادة، و هم الرّجّال‏ (84)، و جميعهم عبيد السلطان، و لا يسكن معهم سواهم، و عددهم كثير.

و هذه المدينة على ساحل النّهر الأعظم بتنا بها ليلة في ضيافة أميرها، و جهّز لنا الأمير قرطى مركبا، بما يحتاج اليه من زاد و سواه، و بعث معنا أصحابه برسم التّضييف، و سافرنا من هذه المدينة، و هي آخر أعمال الصين، و دخلنا إلى بلاد الخطا (85)، بكسر الخاء المعجم و طاء مهمل و هي أحسن بلاد الدنيا عمارة، و لا يكون في جميعها موضع غير معمور فإنه إن بقى موضع غير معمور طلب أهله أو من يواليهم بخراجه، و البساتين و القرى و المزارع منتظمة بجانبي هذا النهر من مدينة الخنسا إلى مدينة خان بالق، و ذلك مسيرة أربعة و ستين يوما، و ليس بها أحد من المسلمين إلا من كان خاطرا غير مقيم، لأنها ليست بدار مقام، و ليس بها مدينة مجتمعة (86)، و إنما هي قرى و بسائط فيها الزرع و الفواكه و السكر، و لم أر في الدنيا مثلها غير مسيرة أربعة أيام من الأنبار إلى عانة. و كنا كلّ ليلة ننزل بالقرى لأجل الضيافة حتى وصلنا إلى مدينة خان بالق، و ضبط اسمها بخاء معجم و الف و نون مسكن و باء معقودة و ألف و لام مكسور و قاف، و تسمى أيضا خانقو (87)، بخاء معجم و نون مكسور و قاف و واو، و هي حضرة القان، و القان هو سلطانهم الأعظم الذي مملكته بلاد الصين و الخطا، و لما وصلنا إليها أرسينا على عشرة أميال منها على العادة عندهم، و كتب إلى أمراء البحر

____________

(84) يلاحظ أن كل هذه المفردات ليست صينية و لكنها فارسية: كشتي‏بانان، دودگاران، و إصباهية و پيااده، و هذا ما يؤكد هيمنة الفرس على الشارع الصيني ... كما يلاحظ أن ترجمه ابن بطوطة لهذه الكلمات في محلّها و مع هذا فإن من المفيد أن نعرف أن الضرب بالرمح أهم عنصر في الحياة الحربية بالنسبة للمغول و الترك .. و قد علق البروفيسور فرانك على باب المدينة البحرية بما يفيد أن ابن بطوطة يستأثر بهذه المعلومات.

Beckingham P. 502 N 0 55.

(85) الخطا شمال الصين، و يذكر أن الصين في القرن العاشر للميلاد كانت موزعة على قسمين: الجنوب الذي كان يحكم، ابتداء من الخنساءHang -Zhou ، من لدن دولة سونك‏(Sung) ، و القسم الثاني الشمال المحكوم على التوالي من لدن ليا وLiao ثم دولة الصّين و قد اتمّ المغول احتلالهم للصّين عام 1234 و لدولة سونگ عام 1279- و عن استعمال ابن بطوطة لكلمة الصّين نلاحظ أنه أحيانا يقصد بها الامبراطورية الصينية كلّها و أحيانا يقصد إلى الجنوب فقط.

(86) كانت حكاية ابن بطوطة المتعلقة بعدم وجود أية مدينة على طول ضفاف هذا النهر من مدينة الخنسا(Hang -Zhau) إلى يكين على مدّة 64 يوما ... كانت مدعاة للشك من قبل بعض المعلّقين و كأنهم يحكمون بالحاضر على ما كان في الغابر!!

(87) ورد في الرسالة التي توصلنا بها من المركز الوطني الصيني للخرائط أن خان بالق هو بالذات بيكين و اصل الكلمة (هانبلي) و هو الاسم التاريخي لبكين في القرن الرابع عشر ... هذا و لا أدري عن صلة كلمة خانقو بكلمة خانفو التي وردت في أخبار الصين و الهند التي جمعت سنة 237 يراجع التعليق رقم 36- اما الأنبار و عانة فمدينتان على نهر الفرات بينهما نحو 120 ميلا ...

152

بخبرنا، فأذنوا لنا في دخول مرساها فدخلناه، ثم نزلنا إلى المدينة، و هي من أعظم مدن الدنيا و ليست على ترتيب بلاد الصّين في كون البساتين داخلها، و إنما هي كسائر البلاد و البساتين بخارجها، و مدينة السلطان في وسطها كالقصبة، حسبما نذكره.

و نزلت عند الشيخ برهان الدين الصاغرجي، و هو الذي بعث إليه ملك الهند بأربعين ألف دينار و استدعاه، فأخذ الدنانير و قضى بها دينه، و أبى أن يسير إليه‏ (88)! و قدم على بلاد الصين فقدّمه القان على جميع المسلمين الذين ببلاده و خاطبه بصدر الجهان.

ذكر سلطان الصين و الخطا الملقب بالقان.

و القان عندهم سمة لكل من يلي الملك: ملك الأقطار، كمثل ما يسمى كلّ من ملك بلاد اللّور بآتابك‏ (89)، و اسمه بّاشاي‏ (90) بفتح الباء المعقودة و الشين المعجمة و سكون الياء، و ليس للكفار على وجه الأرض مملكة أعظم من مملكته.

ذكر قصره [القان‏]

و قصره في وسط المدينة المختصة بسكناه، و أكثر عمارته بالخشب المنقوش، و له ترتيب عجيب، و عليه سبعة أبواب فالباب الأول منها يجلس به الكتوال، و هو أمير البوابين و له مصاطب مرتفعة عن يمين الباب و يساره، و فيها المماليك البرددارية، و هم حفاظ باب القصر، و عددهم خمسمائة رجل، و أخبرت أنهم كانوا فيما تقدم الف رجل، و الباب الثاني يجلس عليه النّزدارية، بالنون و الزاي، و هم أصحاب الرماح و عددهم خمسمائة، و الباب الرابع يجلس عليه التّغدارية بالتاء المثناة و الغين المعجم، و هم أصحاب السّيوف و الترسنة. و الباب الخامس فيه ديوان الوزارة، و به سقائف كثيرة، فالسّقيفة العظمى يقعد بها الوزير على مرتبة هائلة مرتفعة، و يسمون ذلك الموضع المسند، و بين يدي الوزير دواة عظيمة من الذهب، و تقابل هذه السقيفة سقيفة كاتب السر، و عن يمينها سقيفة كتاب الرسائل، و عن يمين الوزير سقيفة كتّاب الأشغال، و تقابل هذه السقائف سقائف أربع إحداها تسمى ديوان الإشراف يقعد بها المشرف، و الثانية سقيفة ديوان المستخرج و أميرها من كبار الامراء، و المستخرج هو ما يبقى قبل العمال، و قبل الأمراء من إقطاعاتهم، و الثالثة ديوان الغوث، و يجلس فيها أحد الامراء

____________

(88) يراجع (III ص 255) الحديث عن برهان الدّين الصاغرجي.

(89) يراجع‏II ص 31 دلالة أتابك: كلّ من يلي بلاد اللور ...

(90) يظهر أن الكلمة تحريف للفارسية بّادشاه‏Padshah الامبراطور المغولي على ذلك العهد كما نعرف هو طوغون تيمور(Toghon Temur) .