تاريخ مكة المشرفة والمسجد الحرام والمدينة الشريفة والقبر الشريف‏ - ج1

- محمد بن أحمد ابن ضياء المزيد...
413 /
51

يقال له: عموم‏ (1) فقال: يا قوم أبقوا على أنفسكم فقد رأيتم و سمعتم من أهلك من صدر الأمم قبلكم قوم هود و صالح و شعيب، فلا تفعلوا و تواصلوا و لا تستخفوا بحرم الله و موضع بيته، و إياكم و الظلم و الإلحاد فيه، فإنه ما سكنه أحد قط فظلم فيه و ألحد إلا قطع الله دابرهم و استأصل شأفتهم/ [18/ أ] و بدل أرضها غيرهم حتى لا يبقى لهم باقية، فلم يقبلوا ذلك منه و تمادوا فى هلكة أنفسهم، ثم إن جرهما و قطورا خرجوا سيارة من اليمن و أجدبت عليهم فساروا بذراريهم و أنفسهم و أموالهم، و قالوا: نطلب مكانا فيه مرعى تسمن فيه ماشيتنا إن أعجبنا أقمنا فيه و إلا رجعنا إلى بلادنا، فلما قدموا مكة وجدوا فيها ماء معينا و عضاة ملتفة من سلم و سمر، و نباتا أسمن مواشيهم وسعة من البلاد و دفئا من البرد فى الشتاء، قالوا: إن هذا الموضع يجمع لنا ما نريد فأقاموا مع العماليق، و كان لا يخرج من اليمن قوم إلا و لهم ملك يقيم أمرهم، و كان ذلك سنة فيهم و لو كانوا نفرا يسيرا، فكان مضاض بن عمرو ملك جرهم و كان السميدع ملك قطورا فنزل مضاض بن عمرو على‏ (2) مكة، فكان يعشر من دخلها من أعلاها و كان حوزهم وجه الكعبة و الركن الأسود و المقام و موضع زمزم مصعد يمينا و شمالا و قيقعان‏ (3) إلى أعلى الوادى، و نزل السميدع أسفل مكة و أجيادين و كان يعشر من دخل مكة من أسفلها، و كان حوزهم المسفلة و ظهر الكعبة و الركن اليمانى و الغربى و أجيادين فبنيا فيها البيوت و اتسعا فى المنازل و كثروا على العماليق، فنازعتهم العماليق فمنعتهم جرهم و أخرجوهم من الحرم كله فكانوا فى أطرافه لا يدخلونه، فقال لهم صاحبهم عمرو (4): ألم أقل لكم لا تستخفوا بحرمة الحرم فغلبتمونى؟ فجعل مضاض و السميدع يقطعان المنازل لمن ورد عليهما من حولهما فوقهما و كثروا و ربلوا و أعجبهم البلاد، و كانوا قوما عربا و كان اللسان عربيّا، فكان إبراهيم/ [18/ ب‏] (عليه السلام) يزور إسماعيل، فلما سمع لسانهم و إعرابهم سمع لهم كلاما حسنا و رأى قوما عربا، و كان إسماعيل قد أخذ بلسانهم، فأمر

____________

(1) كذا فى الأصل و فى أخبار مكة للأزرقى «عموق». و الله أعلم.

(2) كذا فى الأصل، و فى أخبار مكة للأزرقى «أعلى». و الله أعلم.

(3) كذا فى الأصل، و فى أخبار مكة للأزرقى «قعيقعان» و هو الصواب، و وقع فى معجم البلدان (4/ 379) قعيقعان- بالضم ثم الفتح، بلفظ التصغير-: و هو اسم جبل بمكة .. ثم ذكر سبب تسميتها بذلك: أن قطورا و جرهم لما تحاربوا قعقعت الأسلحة فيه. اه. و الله أعلم.

(4) كذا فى الأصل، و فى أخبار مكة للأزرقى «عموق» و قد تقدم قريبا. و الله أعلم.

52

إسماعيل أن ينكح فيهم فخطب إلى مضاض بن عمرو ابنته رعلة فزوجه إياها، فولدت له عشرة ذكور و هى التى غسلت رأس إبراهيم حين وضع رجله على المقام، و توفى إسماعيل و ترك ولدا من رعلة بنت مضاض بن عمرو فقام مضاض بأمر ولد إسماعيل و كفلهم؛ لأنهم بنو ابنته، فلم يزل أمر جرهم يعظم بمكة و يستفحل حتى ولوا البيت فكانوا ولاته و حجابه و ولاة الأحكام بمكة، فجاء سيل فدخل البيت فانهدم فأعادته جرهم على بناء إبراهيم- (عليه السلام)-، و كان طوله فى السماء تسعة أذرع و قال بعض أهل العلم: كان الذى بنى البيت لجرهم أبو الجدرة فسمى عمرو «الجادر» و سمى بنوه «الجدرة»، ثم إن جرهم استخفت بأمر البيت و الحرم و ارتكبوا أمورا عظيمة و أحدثوا فيها أحداثا لم تكن، فقام مضاض بن عمرو بن الحارث فيهم خطيبا فقال: يا قوم احذروا البغى فإنه لا بقاء لأهله قد رأيتم من كان قبلكم استخفوا بالحرم فلم يعظموه و تنازعوا بينهم و اختلفوا، حتى سلطكم الله عليهم فأخر جتموهم فتفرقوا فى البلاد فلا تستخفوا بحق الحرم و حرمة البيت، فإنكم إن فعلتم ذلك تخوفت أن تخرجوا منه خروج ذل و صغار حتى لا يقدر أحد منكم أن يصل إلى الحرم و لا إلى زيارة البيت، فقال قائل منهم يقال له: مخدع‏ (1): من الذى يخرجنا منه؟ ألسنا أعز العرب و أكثرهم رجالا و أموالا و سلاحا؟ فقال مضاض بن عمرو:/ [19/ أ] إذا جاء الأمر بطل ما تقولون. فلم يقتصروا على شى‏ء مما كانوا يصنعون، و كان للبيت خزانة تبر فى بطنها يلقى فيها الحلى و المتاع الذى يهدى له و هو يومئذ لا سقف له، فتواعد له خمسة نفر من جرهم أن يسرقوا ما فيه فقام على كل زاوية من البيت رجل منهم و اقتحم الخامس فجعل الله- عزوجل- أعلاه أسفله و سقط منكسا على ذلك، و قيل: لما دخل البئر سقط عليه حجر من شفير البئر فحبسه فيها، و فر الأربعة. قال آخرون: فعند ذلك مسخت الأركان الأربعة فلما كان من أمر هؤلاء الذين حاولوا سرقة ما فى خزانة الكعبة ما كان، بعث الله سبحانه حية سوداء الظهر بيضاء البطن رأسها مثل رأس الجدى فحرست البيت خمسمائة سنة لا يقربه أحد بشى‏ء من معاصى الله تعالى إلا أهلكه الله و لا يقدر أحد على سرقة ما كان فى الكعبة- و سيأتى قصة رفع الحية عند بناء قريش الكعبة- و لما طغت جرهم فى الحرم دخل رجل منهم و امرأة يقال لهما: إساف و نائلة البيت ففجرا فيه، و قيل: لم يفجر بها فى البيت و لكن قبّلها، فمسخهما الله حجرين فأخرجا

____________

(1) كذا فى الأصل، و فى أخبار مكة للأزرقى «مجدع». و الله أعلم.

53

من الكعبة و نصبا على الصفا و المروة؛ ليعتبر بهما من رآهما و ليزدجر الناس عن مثل ما ارتكبا، فلم يزل أمرهما يدرس و يتقادم حتى صارا صنمين يعبدان حتى كان يوم الفتح فكسرا، و كانت مكة لا يقر فيها ظالم و لا باغ و لا فاجر إلا نفى منها، و كان نزلها بعهد العماليق و جرهم جبابرة، فكل من أراد البيت بسوء أهلكه الله، فكانت تسمى بذلك الباسة و بكة (1).

[فصل‏] ذكر ولاية خزاعة الكعبة بعد جرهم/ [19/ ب‏] و أمر مكة

عن أبى صالح قال: لما طالت ولاية جرهم استحلوا من الحرم أمورا عظاما، و نالوا ما لم يكونوا ينالون، و أكلوا مال الكعبة الذى يهدى إليها سرّا و علانية، و كلما عدا سفيه منهم على منكر وجد من أشرافهم من يمنعه و يدفع عنه، و ظلموا من دخلها من غير أهلها حتى دخل إساف بنائلة الكعبة ففجر بها، أو قبّلها فمسخا حجرين، فرق أمرهم فمنها وضعوا و تنازعوا أمرهم بينهم و اختلفوا و كانوا قبل ذلك من أعز حى فى العرب و أكثرهم رجالا و أموالا و سلاحا، فلما رأى ذلك مضاض بن عمرو قام فيهم خطيبا ثم ذكر مقالته لهم التى ذكرناها آنفا (2)، و ما قال له مخدع‏ (3) فى الجواب، فعند ذلك عمد مضاض بن عمرو إلى غزالين كانا فى الكعبة من ذهب و أسياف قلعيّة (4) فدفعها فى موضع بئر زمزم، و كان ماء زمزم قد نضب و ذهب لما أحدثت جرهم فى الحرم ما أحدثت حتى عفا (5) مكان البئر و درس، فقام مضاض بن عمرو و بعض ولده فى ليلة مظلمة فحفر فى موضع زمزم و أعمق ثم دفن فيها الأسياف و الغزالين، فبينما هم على ذلك إذ كان من أهل مأرب ما كان، و ذلك ألقت طريفة الكاهنة إلى زوجها عمرو بن عامر، الذى يقال له: مزيقياء بن ماء السماء- و هو عمرو بن عامر بن حارثة بن ثعلبة بن امرئ القيس- أنها قد رأت فى كهانتها أن سد مأرب‏

____________

(1) أخبار مكة للأزرقى (1/ 84- 89) عن بعض أهل العلم، و فيه أن سبب تسميتها بكة: ما روى عن عبد الله بن عمرو؛ لأنها تبك أعناق الجبابرة. اه.

(2) راجع ص 52.

(3) كذا فى الأصل، و فى أخبار مكة للأزرقى «مجدع». و الله أعلم.

(4) قلعيّة منسوبة إلى القلعة- بفتح القاف و اللام-: و هى موضع بالبادية تنسب السيوف إليه. النهاية مادة (قلع).

(5) كذا فى الأصل، و فى أخبار مكة للأزرقى «غبى». و الله أعلم.

54

سيخرب و أنه سيأتى سيل العرم فيخرب الجنتين، فباع عمرو بن عامر أمواله و سار هو و قومه من بلد إلى بلد لا يطئون بلدا إلا غلبوا عليه و قهروا أهله حتى يخرجوا منه، و لذلك حديث/ [20/ أ] طويل مذكور فى محله، فلما قاربوا مكة ساروا و معهم طريفة الكاهنة، فقالت لهم: سيروا فلن تجتمعوا أنتم و من خلفتم أبدا ثم قالت لهم: و حق ما أقول ما علمنى ما أقول إلا الحكيم المحكم رب جميع الإنس من عرب و من عجم. قالوا لها: ما شأنك يا طريفة؟ قالت: خذوا البعير الشدقم‏ (1) فخضبوه بالدم بلون أرض جرهم جيران بيته المحرم، فلما انتهوا إلى مكة و أهلها جرهم قد قهروا الناس و حازوا ولاية البيت على بنى إسماعيل و غيرهم، أرسل إليهم ثعلبة بن عمرو بن عامر يقول: إنا قد خرجنا من بلادنا فلم ننزل بلدا إلا فسح أهلها لنا و من خرجوا عنا فنقيم معهم حتى نرسل روادنا فيرتادوا لنا بلدا تحملنا فأفسحوا لنا فى بلادكم حتى نقيم قدر ما نستريح و نرسل روادنا إلى الشام و إلى المشرق فحيثما بلغنا أنه أمثل لحقنا به، و أرجو أن يكون مقامنا معكم يسيرا، فأبت جرهم ذلك و استكبروا فى أنفسهم و قالوا: لا و الله ما نحب أن ينزلوا معنا فيضيقوا علينا مراحلنا [و مواردنا] (2) فارحلوا عنا حيث جئتم فلا حاجة لنا بجواركم، فأرسل إليهم ثعلبة بن عمرو بن عامر أنه لا بد لى من المقام بهذا البلد حولا حتى ترجع إلىّ رسلى التى أرسلت، فإن تركتمونى طوعا نزلت و حمدتكم و آسيتكم‏ (3) فى الرعى و الماء، و إن أبيتم أقمت على كرهكم ثم لم ترعوا معى إلا فضلا فإن قاتلتمونى قاتلتكم ثم إن ظهرت عليكم سبيت النساء و قتلت الرجال و لم أترك منكم أحدا ينزل الحرم أبدا، فأبت جرهم أن تتركه طوعا و بعثت لقتاله فاقتتلوا ثلاثة أيام، فانهزمت جرهم فلم ينفلت منهم إلا الشريد، و كان مضاض ابن عمرو قد اعتزل جرهم و لم يعنهم/ [20/ ب‏] فى ذلك و قال:

قد كنت أحذركم من هذا ثم رحل هو و ولده و أهل بيته حتى نزلوا قنونى‏ (4)

____________

(1) الشدقم- كجعفر- فحل كان للنعمان بن المنذر ملك العرب، و منه الشدقميات من الإبل. تاج العروس مادة (شدقم).

(2) غير واضحة فى الأصل، و فى أخبار مكة للأزرقى (1/ 93) كما أثبتناه، و به ينتظم الكلام.

و الله أعلم.

(3) آسيتكم: شاركتكم. راجع النهاية (1/ 50).

(4) قنونى- بالفتح و نونين- من أودية السراة يصب إلى البحر فى أوائل أرض اليمن من جهة مكة قرب «حلى»، و بالقرب منها قرية يقال لها: «يبت» معجم البلدان (4/ 409).

55

و حلى‏ (1) و ما حول ذلك و فنيت جرهم أفناهم السيف فى تلك الحرب، و شرد بقية جرهم و ساروا بهم فى البلاد و سلط عليهم الذر و الرعاف، و هلك بقيتهم بأضم حتى كان آخرهم موتا امرأة رئيت تطوف بالبيت بعد خروجهم منها بزمان فعجبوا من طولها و عظم خلقتها حتى قال لها قائل: أجنية أم إنسية؟ فقالت: بل إنسية من جرهم، و أنشدت رجزا فى معنى حديثهم، و استكبرت بعيرا من رجلين من جهينة فاحتملاها على البعير إلى أرض خيبر فلما أنزلاها بالمنزل الذى سمت لهما سألاها عن الماء فأشارت لهما إلى موضع الماء فوليا عنها و إذا الذر قد تعلق بها حتى بلغ خياشيمها و هى تنادى بالويل و الثبور حتى دخل الذر حلقها و سقطت لوجهها و ذهب الجهينيان إلى الماء فاستوطناه، فمن هنالك صار موقع جهينة بالحجاز و قرب المدينة و إنما هم من قضاعة (2)، و قضاعة من ريف العراق‏ (3)- و أقام ثعلبة بمكة و ما حولها فى قومه و عساكره حولاه فأصابتهم الحمى، و كانوا ببلد لا يدرون فيه بالحمى فدعوا طريفة فشكوا إليها الذى أصابهم، فقالت لهم:

قد أصابنى الذى تشكون و هو مفرّق ما بيننا قالوا: فماذا تأمرين؟ قالت: من كان منكم ذاهم بعيد و حمل شديد و مزاد جديد فليلحق بقصر عمان‏ (4) المشيد فكان أزد عمان، ثم قالت: من كان منكم ذا جلد و قصر و صبر على أزمات الدهر فعليه بالأراك‏ (5) من بطن مر فكانت خزاعة، ثم قالت: من كان منكم يريد الراسيات/ [21/ أ] فى الوحل المطعمات فى المحل فليلحق بيثرب ذات النخل، فكانت الأوس و الخزرج، ثم قالت: من كان منكم يريد الخمر و الخمير و الملك و المعامير (6) و يلبس الديباج و الحرير فليلحق‏

____________

(1) حلى- بالفتح ثم السكون، بوزن ظبى- قال عمارة اليمنى: مدينة باليمن على ساحل البحر، بينها و بين السرين يوم واحد، و بينها و بين مكة ثمانية أيام. معجم البلدان (2/ 297).

(2) راجع معجم البلدان (2/ 194) فقد ذكر أنها علم مرتجل فى اسم أبى قبيلة من قضاعة.

و الله أعلم‏

(3) راجع الروض الأنف (1/ 137).

(4) عمان- بضم أوله، و تخفيف ثانيه، و آخره نون: اسم كورة عربية على ساحل بحر اليمن و الهند.

معجم البلدان (4/ 150).

(5) الأراك- بالفتح و آخره كاف-: و هو وادى الأراك، قرب مكة، يتصل بغيقة. معجم البلدان (1/ 135).

(6) تقرأ هكذا فى الأصل، و فى أخبار مكة للأزرقى «و التأمير». و الله أعلم.

56

ببصرى‏ (1) و عوير (2) و هما من أرض الشام فكان الذى سكنهما آل جفنة من غسان، ثم قالت: من كان منكم يريد الثياب الرقاق و الخيل العتاق و كنوز الأوراق و الدم المهراق فليلحق بالعراق فكان الذى سكنها «آل خزيمة الأبرس» (3) حتى جاءهم روادهم، فافترقوا من مكة فرقتين فرقة توجهت إلى عمان و هم أزد عمان، و سار ثعلبة بن عمرو بن عامر نحو الشام فنزلت الأوس و الخزرج ابنا حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر و هم الأنصار بالمدينة، و مضت غسان فنزلوا الشام، فانحازت خزاعة إلى مكة فأقام بها ربيعة بن حارثة ابن «عمر» (4) بن عامر و هو لحى فولى أمر مكة و حجابة الكعبة، فلما أخررت‏ (5) خزاعة أمر مكة و صاروا أهلها، جاءهم بنو إسماعيل و قد كانوا اعتزلوا حرب جرهم و خزاعة فسألوهم السكنى معهم و حولهم فأذنوا لهم، فلما رأى ذلك مضاض بن عمرو بن الحارث و قد كان أصابه من الصبابة إلى مكة ما أحزنه، أرسل إلى خزاعة يستأذنهم فى الدخول عليهم و النزول معهم بمكة فى جوارهم، و متّ إليهم برأيه و توريعه قومه عن القتال و سوء السيرة فى الحرم و اعتزاله الحرب، فأبت خزاعة أن يقربوهم و نفتهم عن الحرم كله، و لم يتركوهم ينزلون معهم، فقال عمرو بن لحى- و هو ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر- لقومه: من وجد منكم جرهميّا و قد قارب الحرم فدمه هدر، فنزعت إبل لمضاض بن عمرو بن الحارث/ [21/ ب‏] بن مضاض بن عمرو الجرهمى من قنونى تريد مكة فخرج فى طلبها حتى وجد أثرها قد رحلت مكة، فمضى على الجبال من نحو أجياد حتى ظهر على أبى قبيس يبصر الإبل فى بطن وادى مكة، فأبصر الإبل تنحر و تؤكل لا سبيل له إليها يخاف إن هبط الوادى أن يقتل فولى منصرفا إلى أهله و أنشأ يقول:

كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا* * * أنيس و لم يسمر بمكة سامر

الأبيات‏ (6). و انطلق مضاض بن عمرو نحو اليمن إلى أهله و هم يتذاكرون ما حال بينهم‏

____________

(1) بصرى- بالضم، و القصر-: بالشام من أعمال دمشق، و هى قصبة كورة حران، مشهورة عند العرب قديما و حديثا. معجم البلدان (1/ 441).

(2) عوير- بفتح أوله، و كسر ثانيه-: من قرى الشام أو ماء بين حلب و تدمر. معجم البلدان (4/ 170).

(3) كذا فى الأصل، و فى أخبار مكة للأزرقى «آل جذيمة الأبرش». و الله أعلم.

(4) كذا فى الأصل، و فى أخبار مكة للأزرقى «عمرو» و هو الصواب. و الله أعلم.

(5) كذا فى الأصل، و فى أخبار مكة للأزرقى «حازت». و الله أعلم.

(6) تكملة هذه الأبيات فى أخبار مكة للأزرقى (1/ 97، 99)، و صدر البيت فى الروض الأنف (1/ 138).

57

و بين مكة، و ما فارقوا من أمنها و ملكها فحزنوا على ذلك حزنا شديدا فبكوا على مكة، و جعلوا يقولون الأشعار فى مكة، و اختصت خزاعة بحجابة الكعبة و ولاية أمر مكة و فيهم بنو إسماعيل- (عليه السلام)- بمكة و حولها، لا ينازعهم أحد منهم فى شى‏ء من ذلك و لا يطلبونه، فتزوج لحى و هو ربيعة بن حارثة بهبرة (1) بنت عامر بن عمرو بن الحارث بن مضاض بن عمرو الجرهمى ملك جرهم فولدت له عمرا- و هو عمرو بن لحى- و بلغ بمكة و فى العرب من الشرف ما لا يبلغه عربى قبله و لا بعده فى الجاهلية، و هو الذى قسم بين العرب فى حطمة حطموها عشرة آلاف ناقة، و قد كان فقا عين عشرين فحلا، و كان الرجل فى الجاهلية إذا ملك ألف ناقة فقأ عين فحل إبله، و كان أول من أطعم الحاج بمكة سدائف‏ (2) الإبل و لحمانه على الثريد و عم فى تلك السنة جميع حاج العرب بثلاثة أثواب من برود اليمن، و كان قد ذهب شرفه فى العرب كل مذهب، و كان قوله فيهم دينا منيفا (3) لا يخالف، و هو الذى بحر البحيرة و وصّل الوصيلة و حمى الحام و سيّب السائبة و نصب/ [22/ أ] الأصنام حول الكعبة، و جاء بهبل من هيت من أرض الجزيرة فنصبه فى بطن الكعبة فكانت قريش تستقسم عنده بالأزلام، و هو أول من غير الحنيفية- دين إبراهيم- (عليه السلام)-، فكان عمرو بن لحى يلى البيت و ولده من بعده خمسمائة سنة حتى كان آخرهم «خليل بن حبشية» (4) ابن سلول بن كعب بن عمرو فتزوج إليه قصى ابنته حبى ابنة خليل‏ (5)، و كانوا هم حجابه و خزانه و القوام به و ولاة الحكم بمكة، و هو عامر لم يجر فيه خراب و لم يبن خزاعة فيه شيئا بعد جرهم و لم يسرق منه شى‏ء علمناه و لا سمعنا به، و ترافدوا على تعظيمه و الذب عنه‏ (6).

____________

(1) كذا فى الأصل، و فى أخبار مكة للأزرقى «بفهيرة». و الله أعلم.

(2) سدائف- جمع سديف- قال فى النهاية (2/ 355): شحم السنام. اه. و قال فى القاموس (سديف):- كأمير- شحم السنام.

(3) أى: عال. راجع النهاية (5/ 141).

(4) كذا فى الأصل، و فى أخبار مكة للأزرقى «حليل بن حبشية» و كذلك وقع فى الروض (1/ 142). و الله أعلم.

(5) راجع الهامش السابق.

(6) أخبار مكة للأزرقى (1/ 90- 102).

58

[فصل‏] ما جاء فى ولاية قصى بن كلاب البيت الحرام و أمر مكة بعد خزاعة

عن ابن جريج و ابن إسحاق قالا: إقامة خزاعة على ما كانت عليه من ولاية البيت و الحكم بمكة ثلاثمائة سنة، و كان بعض [التبابعة] (1) قد سار إليه و أراد هدمه و تخريبه فقامت دونه خزاعة فقاتلت عليه أشد القتال حتى رجع ثم جاء آخر فكذلك، و أما تبع الثالث- الذى نحر له و كساه و جعل له علفا (2)، و أقام عنده أياما ينحر كل يوم مائة بدنة لا يرزؤه هو و لا أحدا من عسكره شى‏ء (3) منها، يردها الناس فى اللخاخ‏ (4) و الشعاب فيأخذون منها حوائجهم ثم يقع الطير عليها فيأكل ثم يتناهبها السباع إذا أمست لا يرد عنها إنسان و لا طائر و لا سبع ثم رجع إلى اليمن- إنما كان فى عهد قريش فمكثت خزاعة على ما هى عليه و قريش إذ ذاك فى بنى كنانة متفرقة، و قد قدم فى بعض الزمان حاج قضاعة فيهم ربيعة بن حزام‏ (5) بن ضبة بن عبد كثير (6) بن عذرة بن سعد بن زيد/ [22/ ب‏]، و قد هلك كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب و ترك زهرة و قصيّا ابنى كلاب مع فاطمة بنت عمرو بن سعد بن شنل‏ (7)- و زهرة أكبرهما- فتزوج ربيعة بن حزام أمهما، و زهرة رجل بالغ و قصى فطيم أو فى سن الفطيم، فاحتملها ربيعة إلى بلاده من أرض عدن‏ (8) من أشراف الشام فاحتملت معها قصيّا لصغره و تخلف زهرة فى قومه، فولدت فاطمة بنت عمرو لربيعة رزاح بن ربيعة فكان أخا قصى بن كلاب لأمه، و لربيعة بن حزام من امرأة أخرى ثلاثة نفر حن و محمودة و جلهمة بنو ربيعة، فبينا قصى بن كلاب فى أرض قضاعة لا ينتمى إلا إلى ربيعة بن حزام إذ كان بينه و بين رجل من قضاعة شى‏ء و قصى قد بلغ فقال له القضاعى: ألا تلحق بنسبك و قومك فإنك لست منا. فرجع قصىّ إلى أمه و قد وجد فى نفسه مما قال لها القضاعى فسألها عما قال له فقالت: أنت و الله يا بنى خير منه‏

____________

(1) غير واضحة فى الأصل، و فى أخبار مكة للأزرقى هكذا. و الله أعلم.

(2) كذا فى الأصل، و فى أخبار مكة للأزرقى «غلقا». و الله أعلم.

(3) كذا فى الأصل، و فى أخبار مكة للأزرقى «شيئا». و الله أعلم.

(4) كذا فى الأصل، و هى الأودية الملتفة المضايق، و فى أخبار مكة للأزرقى «الفجاج»- بضم الفاء- و هى الطرق الواسعة بين جبلين. و الله أعلم.

(5) كذا فى الأصل، و فى أخبار مكة للأزرقى «حرام». و الله أعلم.

(6) كذا فى الأصل، و فى أخبار مكة للأزرقى «كبير». و الله أعلم.

(7) لعلها هكذا فى الأصل، و فى أخبار مكة للأزرقى «سيل». و الله أعلم.

(8) كذا فى الأصل، و فى أخبار مكة للأزرقى «عذرة». و الله أعلم.

59

و أكرم أنت ابن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب و قومك عند البيت الحرام و ما حوله. فأجمع قصى على الخروج إلى قومه و اللحاق بهم و كره الغربة فى أرض قضاعة فقالت له أمه: يا بنى لا تعجل بالخروج حتى يدخل عليك الشهر الحرام فتخرج فى حاج العرب فإنى أخشى عليك. فأقام قصى حتى دخل الشهر الحرام و خرج فى حاج قضاعة حتى قدم مكة فلما فرغ من الحج و أقام بها، و كان قصى رجلا جليدا حازما بارعا فخطب إلى «خليل بن حبشية» (1) الخزاعى ابنته حبى ابنة خليل، فعرف خليل النسب فرغب فى الرجل فزوجه خليل، و كان خليل يومئذ/ [23/ أ] يلى الكعبة و أمر مكة، فأقام قصى معه حتى ولدت حبى لقصى «عبد الدار» و هو أكبر ولده «و عبد مناف» و «عبد العزى» و «عبد بن قصى». فكان خليل يفتح البيت، فإذا اعتل أعطى ابنته حبى المفتاح ففتحته فإذا اعتلت أعطت المفتاح زوجها قصيّا أو بعض ولدها ففتحه، و كان قصى يعمل فى حيازته إليه و قطع ذكر خزاعة عنه، فلما حضرت خليلا الوفاة نظر إلى قصى و إلى ما انتشر له من الولد من ابنته فرأى أن يجعلها فى ولد ابنته، فدعى قصيّا فجعل له ولاية البيت و أسلم إليه المفتاح و كان يكون عند حبى، فلما هلك خليل أبت خزاعة أن تدعه و ذاك و أخذوا المفتاح من حبى، و يذكر أيضا أن أبا غبشان من خزاعة، و اسمه سليم، و كانت له ولاية الكعبة باع مفاتيح الكعبة من قصى بزق خمر فقيل: «أخسر من صفقة أبى غبشان» ذكره المسعودى و الأصبهانى فى «الأمثال». فعند ذلك هاجت الحرب بينه و بين خزاعة (2)، فمشى قصى إلى رجال من قومه قريش و بنى كنانة و دعاهم إلى أن يقوموا معه فى ذلك و أن ينصروه و يعضدوه فأجابوه إلى نصره، و أرسل قصى إلى أخيه لأمه «رزاح بن ربيعة» و هو ببلاد قومه من قضاعة يدعوه إلى نصره و يعلمه ما حالت خزاعة بينه و بينه من ولاية البيت، و يسأله الخروج إليه من إجابة قومه، فقام رزاح فى قومه فأجابوه إلى ذلك و خرج رزاح بن ربيعة و معه إخوته من أبيه فيمن تبعهم من قضاعة فى حاج العرب مجتمعين لنصر قصى و القيام معه، فلما اجتمع الناس بمكة خرجوا إلى الحج فوقفوا/ [23/ ب‏] بعرفة و نزلوا منى، و قصى مجمع على ما أجمع عليه من قتالهم بمن معه من قريش و بنى كنانة و من قدم عليه مع أخيه رزاح من قضاعة، فلما كان آخر أيام منى أرسلت قضاعة إلى خزاعة يسألونهم أن يسلموا إلى قصى ما جعل له خليل، و عظموا عليهم القتال فى الحرم و حذروهم الظلم و البغى بمكة و ذكروهم ما كانت فيه جرهم و ما صارت إليه حين ألحدوا فيه بالظلم، فأبت خزاعة أن تسلم ذلك فاقتتلوا بمنقضى مأزمى منى فسمى‏

____________

(1) تقدم ضبطه و فى أخبار مكة للأزرقى «حليل بن حبشية» فليعلم ذلك.

(2) راجع الروض الأنف (1/ 142)، و ذكر المثل ابن ظهيرة فى «الجامع اللطيف» (ص 114).

60

ذلك المكان المفجر؛ لما فجر فيه و سفك فيه من الدم و انتهك من حرمته، فاقتتلوا قتالا شديدا حتى كثرت القتلى فى الفريقين جميعا و فشت فيهم الجراحات، و حاج العرب جميعا من مضر و اليمن مستنكفون ينظرون إلى قتالهم ثم تداعوا إلى الصلح و دخلت قبائل العرب بينهم و عظموا على الفريقين سفك الدماء و الفجور فى الحرم فاصطلحوا على أن يحكموا بينهم رجلا من العرب فيما اختلفوا فيه، فحكموا «يعمر بن عون» (1) بن كعب بن عامر بن الليث بن بكر بن عبد مناف‏ (2) بن كنانة» و كان رجلا شريفا فقال لهم: موعدكم لنا الكعبة غدا فاجتمع الناس و عدوا القتلى فكانت فى خزاعة أكثر منها فى قريش و قضاعة و كنانة، و ليس كل بنى كنانة قاتل مع قصى خزاعة إنما كانت مع قريش من بنى كنانة فلال يسير (3) و اعتزلت عنها بكر بن عبد مناة قاطبة، فلما اجتمع الناس بفناء الكعبة قام يعمر بن عون‏ (1) فقال: ألا إنى قد شدخت ما كان بينكم من دم تحت قدمىّ هاتين فلا تباحد (4) لأحد على أحد/ [24/ أ] فى دم و إنى حكمت لقصى بحجابة الكعبة و ولاية أمر مكة دون خزاعة كما جعل له خليل و أن يخلى بينه و بين ذلك، و أن لا تخرج خزاعة من مساكنها بمكة فسمى يعمر ذلك اليوم «الشّدّاخ» فسلمت خزاعة لقصى و افترق الناس‏ (5).

قال السهيلى: و كان الأصل فى انتقال ولاية البيت من ولاية مضر إلى خزاعة أن الحرم حين ضاق عن ولد نزار و بعث فيه إيادا، أخرجتهم بنو مضر بن نزار و جلوهم عن مكة، تعجّدوا (6) فى الليل إلى الركن الأسود فاقتلعوه و احتملوه على بعير فورخ‏ (7) البعير به و سقط إلى الأرض و جعلوه على آخر فورخ أيضا و على الثالث ففعل مثل ذلك دفنوه و ذهبوا فلما أصبح أهل مكة و لم يروه وقعوا فى كرب عظيم، و كانت امرأة من خزاعة قد بصرت به حين دفن و أعلمت قومها بذلك فحينئذ أخذت [على‏] (8) خزاعة

____________

(1) كذا فى الأصل، و الذى فى أخبار مكة للأزرقى، و الروض (1/ 148) «عوف» و الله أعلم.

(2) فى أخبار مكة للأزرقى «مناة» و سيرة ابن هشام و الروض (1/ 148) كذلك. و الله أعلم.

(3) فى أخبار مكة للأزرقى «قبائل يسيرة». و الله أعلم.

(4) كذا فى الأصل، و فى أخبار مكة للأزرقى «تباعة» و المعنى أنه وضع الدماء بينهم، كما أوضحه ابن هشام فى السيرة، و راجع الروض (1/ 148). و الله أعلم.

(5) أخبار مكة للأزرقى (1/ 103- 107)، و راجع الروض (1/ 147، 148) و قال السهيلى:

شدخ دماء خزاعة أى: أبطلها. و الله أعلم.

(6) فى الروض «فعمدوا» و هى واضحة. و الله أعلم.

(7) فى الروض «فرزخ» أى: سقطت إعياء أو هزالا. و الله أعلم‏

(8) ليست فى الروض، و المعنى يستقيم بدونها. و الله أعلم.

61

على ولاة الكعبة البيت أن ينحلوا (1) لهم عن ولايته و يدلوهم على الحجر ففعلوا ذلك، فمن هنالك صارت ولاية البيت لخزاعة إلى أن صيرها أبو غبشان إلى عبد مناف هذا قول الزبير (2). فولى قصى بن كلاب حجابة الكعبة و أمر مكة و جمع قومه من قريش من منازلهم إلى مكة يستعز بهم و تملّك على قومه، و خزاعة مقيمة بمكة على رباعهم و مساكنهم لم يتحركوا و لم يخرجوا منها، فلم يزالوا على ذلك حتى الآن، و كان قصى أول رجل من بنى كنانة أضاف ملكا و أطاع له به قومه، فكانت إليه الحجابة و الرفادة و السقاية و الندوة و اللواء و القيادة، و لما جمع قريش قصيّا (3) بمكة سمى مجمعا، فحاز قصى شرف مكة/ [24/ ب‏] و ابتنى دار الندوة، و فيها كانت قريش تقضى أمورها و لم يكن يدخلها من قريش من غير ولد قصى إلا ابن أربعين سنة للمشورة و كان يدخلها ولد قصى كلهم أجمعون «و خلفاؤهم» (4) فلما كبر قصى و كان عبد الدار أكبر ولده و بكره و كان عبد مناف قد شرف فى زمان أبيه و ذهب شرفه على كل مذهب و عبد الدار و عبد العزى و عبد «بنو» (5) قصى بها لم يبلغوا و لا أحد من قومهم من قريش ما بلغ عبد مناف من الذكر و الشرف و العز، و كان قصى و حبى بنت خليل يحبان عبد الدار و يرقان عليه؛ لما يريان من شرف عبد مناف عليه و هو أصغر منه. فقالت له حبى: لا و الله لا أرضى حتى يخص عبد الدار بشى‏ء يلحقه بأخيه. فقال قصى: و الله لألحقنه به و لأحبونه بذروة الشرف حتى لا يدخل أحد من قريش و لا غيرها الكعبة إلا بإذنه و لا يعصون له أمرا و لا يعقدون لواء إلا عنده، فأجمع قصى على أن «يقسم» (6) أمور مكة الستة التى فيها الذكر و الشرف و العزّ بين ابنيه، فأعطى عبد الدار السدانة و هى الحجابة و دار الندوة و اللواء، و أعطى عبد مناف السقاية و الرفاة (7) و القيادة- فأما السدانة و هى الحجابة أى: خدمة البيت و تولى أمره و فتح بابه و إغلاقه، فيروى إنها كانت قبل قريش لطسم قبيلة من عاد فاستخفوا بحقه و استحلوا حرمته فأهلكهم الله، ثم وليته بعدهم جرهم فاستخفوا بحقه و استحلوا حرمته‏

____________

(1) فى الروض «يتخلّوا». و الله أعلم.

(2) الروض الأنف (1/ 142).

(3) كذا فى الأصل، و فى أخبار مكة للأزرقى «قصى قريشا» و هو الصواب. و الله أعلم. و راجع الروض (1/ 148، 149).

(4) فى أخبار مكة للأزرقى «و حلفاؤهم» و الله أعلم.

(5) كذا فى الأصل، و فى جميع نسخ الأزرقى سوى «أ» ففيها «بنى» كما ذكره محققه. و الله أعلم.

(6) فى أخبار مكة للأزرقى «يقصم» و الظاهر أنه تصحيف. و الله أعلم.

(7) كذا فى الأصل و الصواب «و الرفادة» كما فى أخبار مكة للأزرقى و غيره. و الله أعلم.

62

فأهلكهم الله، ثم وليته خزاعة ثم بعد خزاعة ولى قصى بن كلاب حجابة الكعبة و أمر مكة ثم أعطى ولده عبد الدار/ [25/ أ] السدانة و دار الندوة و اللواء، و أعطى عبد مناف السقاية و الرفادة و القيادة- فلما هلك قصى أقيم أمره فى قومه بعد وفاته على ما كان عليه فى حياته، و ولى عبد الدار حجابة البيت و ولاية دار الندوة و اللواء فلم يزل عليه حتى هلك، و جعل عبد الدار الحجابة بعده إلى ابنه عثمان بن عبد الدار، و جعل دار الندوة إلى ابنه عبد مناف بن عبد الدار، أما الندوة فلم تزل بنو عبد مناف بن عبد الدار يلون الندوة دون ولد عبد الدار، فكانت قريش إذا أرادت أن تشاور فى أمر فتحها لهم عامر بن هاشم ابن عبد مناف بن عبد الدار و بعض ولده أو ولد أخيه، و كانت الجارية إذا حاضت أدخلت دار الندوة ثم شق عليها بعض ولد عبد مناف بن عبد الدار درعها، ثم درعها إياه و انقلب بها أهلوها فحجبوها، فكان عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار يسمى محيّضا، و إنما سميت «دار الندوة» لاجتماع الندى فيها يندونها- أى: يجلسون فيها- لإبرام أمورهم و تشاورهم.

و أما «السدانة»: فلم تزل بنو عثمان بن عبد الدار يلون الحجابة دون ولد عبد الدار، ثم وليها عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار، ثم وليها ولده أبو طلحة عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار، ثم وليها ولده طلحة من بعده حتى كان فتح مكة فقبضها رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) من أيديهم، و فتح الكعبة و دخلها ثم خرج رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) من الكعبة مشتملا على المفتاح، فقال له العباس بن عبد المطلب رضي اللّه عنه: بأبى أنت و أمى يا رسول الله أعطنا الحجابة مع السقاية/ [25/ ب‏] فأنزل الله عزوجل‏ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى‏ أَهْلِها (1). قال عمر بن الخطاب: فما سمعتها من رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) قبل تلك الساعة فتلاها ثم دعا عثمان بن طلحة فدفع إليه المفتاح‏ (2) و قال: غيبوه‏ (3) ثم قال: خذوها يا بنى طلحة (4) بأمانة الله سبحانه فاعملوا بالمعروف خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم،

____________

(1) سورة النساء: الآية (58). و الحديث أورده الحافظ ابن كثير فى تفسيره (1/ 516)، و السيوطى فى الدر المنثور (2/ 174) عن ابن عباس مرفوعا.

(2) تفسير الطبرى (8/ 491، 492) عن ابن جريج، و تفسير ابن كثير (1/ 516)، و الدر المنثور (2/ 174، 175).

(3) هكذا فى المخطوط و أشار محقق ابن كثير أنه فى المخطوطة و الذى فى تفسير الطبرى (8/ 492) و تفسير ابن كثير (1/ 516) عن الزهرى «أعينوه»، و فى الفتح (7/ 612) قال الزهرى: فلذلك يغيب المفتاح.

(4) فى أخبار مكة (1/ 111): «أبى طلحة» و هو جد عثمان. و الله أعلم.

63

فخرج عثمان بن أبى طلحة، إلى هجرته مع النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أقام ابن عمه شيبة بن عثمان بن أبى طلحة فلم يزل يحجب هو و ولده و ولد أخيه وهب بن عثمان حتى قدم ولد عثمان ابن طلحة بن أبى طلحة و ولده شافع بن طلحة بن أبى طلحة من المدينة و كانوا بها دهرا طويلا فلما قدموا حجبوا بنى عمهم فولد أبى طلحة جميعا يحجبون‏ (1).

و يروى عن عثمان بن أبى طلحة أنه قال: كنا نفتح الكعبة يوم الاثنين و الخميس فجاء رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) يوما يريد أن يدخل مع الناس فتكلمت بشى‏ء فحلم عنى ثم قال:

«يا عثمان لعلك سترى هذا المفتاح يوما سهما ضعه‏ (2) حيث شئت» فقلت: لقد هلكت قريش يومئذ و ذلت. فقال: «بل عزت». و دخل الكعبة و وقعت كلمته منى موقعا ظننت أن الأمر سيصير إلى ما قال. فأردت الإسلام فأخافونى بزبر دينى زبرا شديدا فلما دخل رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) مكة عام الغصبة غير الله قلبى و دخله الإسلام، و لم يقدر لى أن آتيه حتى رجع إلى المدينة ثم قدر لى الخروج إليه فأدلجت فلقيت خالد بن الوليد فاصطحبنا فلقينا عمرو بن العاص فاصطحبنا فقدمنا المدينة/ [26/ أ]، فبايعته و أقمت معه حتى خرجت معه فى غزوة الفتح فلما دخل مكة قال: «يا عثمان انت بالمفتاح». فأتيته به فأخذه منى ثم دفعه إلىّ فقال: «خذوها يا بنى طلحة خالدة تالدة إلى يوم القيامة لا ينزعها منكم إلا ظالم» (3). و فى ذلك أنزل الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى‏ أَهْلِها (4). و فى الصحيح، أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: «كل مأثرة كانت فى الجاهلية فهى تحت قدمى هاتين إلا سقاية (5) الحاج و سدانة البيت» (6).

____________

(1) أخبار مكة للأزرقى (1/ 111).

(2) كذا فى الأصل، و فى الجامع اللطيف (ص 114) «أضعه». و الله أعلم.

(3) أخرج هذه القطعة: الطبرانى فى الكبير (11/ 120)، و فى الأوسط (1/ 155)، و هو فى كشف الخفا (1/ 374)، و المقاصد الحسنة (1/ 198)، و قال فى مجمع الزوائد (3/ 285):

و فيه عبد الله بن المؤمل و ثقه ابن حبان و قال: يخطئ، وثقه ابن معين فى رواية و ضعفه جماعة. اه. و هو فى ميزان الاعتدال (2/ 510).

(4) سورة النساء: الآية (58)، و راجع من أول قوله و يروى عن عثمان بن طلحة ... الجامع اللطيف (ص 114، 115).

(5) السقاية: ما كانت قريش تسقيه الحجاج من الزبيب المنبوذ فى الماء، و السدانة: خدمتها و تولى أمرها، و فتح بابها و إغلاقه، و يطلق على الحجابة: السدانة. راجع النهاية (2/ 355، 381).

(6) أخرجه أبو داود: كتاب الديات- باب فى دية الخطأ شبه العمد ح (4547)، (4588) عن عبد الله بن عمرو، و أحمد فى المسند: (2/ 11، 36، 103) عن عبد الله بن عمر، (3/ 410)، (5/ 412) عن رجل من أصحاب النبى صلى الله عليه و سلم،. و ابن-

64

و عن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) أنه لما فتح الكعبة أخذ من بنى شيبة مفتاح الكعبة حتى أشفقوا أن ينزعه منهم ثم قال: «يا بنى شيبة هاكم المفتاح و كلوا بالمعروف» (1). رواه سعيد بن منصور. و قال العلماء: إن هذه ولاية من رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فلا يجوز لأحد أن ينزعها منهم‏ (2).

قال المحب الطبرى: لا يبعد أن يقال هذا إذا حافظوا على حرمته و لازموا الأدب فى خدمته، أما إذا لم يحفظوا حرمته فلا يبعد أن يجعل عليهم و معهم مشرف يمنعهم من هتك حرمته، قال: و ربما تعلق الجاهل المعكوس الفهم بقوله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «كلوا بالمعروف» فاستباح أخذ الأجرة على دخول البيت، و لا خلاف بين الأمة فى تحريم ذلك و أنه من أشنع البدع و أقبح الفواحش، قال: و هذه اللفظة و إن صحت فيستدل بها على إقامة الحرمة؛ لأن أخذ الأجرة ليس من المعروف و إنما الإشارة- و الله أعلم- إلى أن ما يتصدق به من البر و الصلة على وجه التبرر فلهم أخذه و ذلك أكل بالمعروف لا محالة، و إلى ما يأخذونه من بيت المال على ما يتولونه/ [26/ ب‏] من خدمته و القيام بمصالحه فلا يحل لهم إلا قدر ما يستحقونه. و الله أعلم‏ (3).

و أما اللواء: فكان فى أيدى بنى عبد الدار كلهم يليه منهم ذوا السن و الشرف فى الجاهلية، حتى كان يوم أحد فقتل عليه من قتل منهم‏ (4).

و أما الرفادة: فخرج كانت قريش تخرجه من أموالها فى كل موسم فتدفعه إلى قصى يصنع به طعاما للحاج يأكله من لم يكن معه سعة و لا زاد، و كان قصى ينحر على كل طريق من طرق مكة جزورا و ينحر بمكة جزرا كثيرة و يطعم الناس، و كان يحمل راجل الحاج و يكسو عاريهم، فلما هلك قصى أقيم أمره فى قومه بعد وفاته على ما كان عليه فى حياته- و لم تزل لعبد مناف بن قصى يقوم بها حتى توفى فولى بعده هاشم بن عبد مناف فكان يطعم الناس فى كل موسم مما يجتمع عنده من ترافد قريش، كان يشترى بما يجتمع‏

____________

- ماجه: كتاب الديات- باب دية شبه العمد مغلظة ح (2628) عن ابن عمر، و قال المنذرى:

أخرجه النسائى و ابن ماجه و أخرجه البخارى فى التاريخ الكبير. راجع عون المعبود (12/ 190)، و ذكره الأزرقى (1/ 114)، و ابن كثير فى تفسيره (1/ 515).

(1) ذكره الحافظ فى الفتح (7/ 612) عن على بن أبى طلحة، و ابن ظهيرة فى الجامع اللطيف (ص 115).

(2) الجامع اللطيف (115).

(3) الجامع اللطيف (ص 115).

(4) الأزرقى (1/ 111) و فيه «ذوو السن» بدلا من «ذوا السن»، و الجامع اللطيف (ص 117).

65

عنده دقيقا و يأخذ من كل ذبيحة من بدنة و بقرة (1) أو شاة فخذها فيجمع ذلك كله ثم «يخرد به الدقيق» (2) و يطعمه الحاج، فلم يزل على ذلك من أمره حتى أصاب الناس فى سنة جدب شديد، فخرج هاشم بن عبد مناف إلى الشام فاشترى بما اجتمع عنده من ماله دقيقا و كعكا فقدم به مكة فى الموسم فهشم ذلك الكعك و نحر الجزور و طبخها و جعله ثريدا و أطعم الناس، و كانوا فى مجاعة شديدة حتى أشبعهم، فسمى بذلك هاشما و كان اسمه عمرا، فلم يزل هاشم على ذلك حتى توفى، فكان عبد المطلب يفعل ذلك فلما توفى عبد المطلب قام بذلك أبو طالب فى كل موسم حتى جاء الإسلام و هو على ذلك، و كان النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم)/ [27/ أ] قد أرسل بمال يعمل به الطعام مع أبى بكر رضي اللّه عنه حين حج أبو بكر بالناس سنة تسع ثم عمل فى حجة النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) فى حجة الوداع ثم أقامه أبو بكر رضي اللّه عنه فى خلافته ثم عمر فى خلافته ثم الخلفاء، و هلم جرّا (3). قال الأزرقى: و هو طعام الموسم الذى يطعمه الخلفاء اليوم فى أيام النحر بمنى حتى تنقضى أيام الموسم‏ (4)، و كان معاوية رضي اللّه عنه اشترى دارا بمكة و سماها دار المراحل و جعل فيها قدورا و كانت الجزور و الغنم تذبح و تطبخ فيها و تطعم الحاج أيام الموسم ثم يفعل ذلك فى شهر رمضان‏ (5).

و كانت الجزور و الغنم تذبح و تطبخ فيها و تطعم الحاج أيام الموسم، ثم يفعل ذلك فى شهر رمضان‏ (6). و يروى أن أول من أطعم الحاج «الفالوزج» (7) بمكة عبد الله بن جدعان‏ (8). قال أبو عبيدة: وفد عبد الله بن جدعان على كسرى فأكل عنده «الفالوزج» (7) فسأل عنه فقالوا: لباب البر يلت مع العسل. فقال: أبيعونى غلاما يصنعه.

فأتوه بغلام فابتعاه فقدم به مكة فأمره فصنعه للحاج، و وضع الموائد من الأبطح إلى باب المسجد ثم نادى مناديه ألا من أراد «الفالوزج» (7) فليحضر فحضر الناس، و أنه مازال‏

____________

(1) كذا فى الأصل، و عند الأزرقى «أو بقرة». و الله أعلم.

(2) كذا فى الأصل، و الأقرب أن تكون «يخردله الدقيق» أى يقطعه قطعا، و عند الأزرقى «يخرر به».

و الله أعلم.

(3) أخبار مكة للأزرقى (1/ 111، 112)، و الجامع اللطيف (115، 116).

(4) أخبار مكة (1/ 112).

(5) الجامع اللطيف (116).

(6) الجامع اللطيف (ص 116).

(7) كذا فى الأصل، و فى الجامع اللطيف، و المنمق «الفالوذج» بالذال المعجمة. و الله أعلم. و هو حلواء هلامية رجراجة تعمل من الدقيق و الماء و العسل و مواد أخرى. «المعجم الوسيط».

(8) المنمق (ص 372)، و أخبار مكة للفاكهى (3/ 223).

66

طعام فى الجاهلية (1). و فى صحيح مسلم عن عائشة- رضى الله عنها- أنها قالت لرسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): إن ابن جدعان كان يطعم الناس و يقرى الضيف فهل ينفعه ذلك يوم القيامة؟ فقال: «لا إنه لم يقل يوما: رب اغفر لى خطيئتى يوم الدين» (2). و ابن جدعان هو ابن عم عائشة- رضى الله عنها-.

و فى غريب الحديث لابن قتيبة: أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: «كنت أستظل بظل جفنة عبد الله بن جدعان فى الهاجرة» (3). قال ابن قتيبة: كانت جفنته يأكل/ [27/ ب‏] منها الراكب على البعير و سقط فيها صبى فمات‏ (4).

قال السهيلى: و كان ابن جدعان فى بدء أمره صعلوكا ترب اليدين، و كان مع ذلك شريرا فاتكا لا يزال يجنى الجنايات فتغفل‏ (5) عنه أبوه و قومه حتى أبغضته عشيرته، و نفاه أبوه و حلف أن لا يؤويه أبدا لما أثقله به من الغرم و حمله من الديات، فخرج فى شعاب مكة حائرا ثائرا (6) يتمنى الموت أن ينزل به، فرأى شقا فى جبل فظن فيه حية فتعرض للشق يرجو أن يكون فيه ما يقتله فيستريح فلم ير شيئا فدخل فيه، فإذا فيه ثعبان عظيم له عينان يتقدان كالسراجين، فحمل عليه الثعبان فأفرج له فانساب عنه مستديرا بدارة عندها بيت فخطى خطوة أخرى فصفر به الثعبان و أقبل إليه كالسهم فأفرج له فانساب عنه، فوقع فى نفسه أنه مصنوع من ذهب و مسكه بيده فإذا هو مصنوع من ذهب و عيناه ياقوتتان، فكسره و أخذ عينيه و دخل البيت فإذا جثث على سرر طوال لم ير مثلهم طولا و عظما و عند رؤوسهم لوح من فضة فيه تاريخهم، و إذا هم رجال من ملوك جرهم و آخرهم موتا الحارث بن مضاض، و إذا عليهم ثياب لا يمس منها شى‏ء إلا انتثر

____________

(1) الجامع اللطيف (ص 116). و لم يذكره عن أبى عبيدة.

(2) أخرجه مسلم: كتاب الإيمان- باب الدليل على أن من مات على الكفر لا ينفعه عمله ح (214)، و أحمد فى المسند (6/ 93، 120). و لفظ مسلم: عن عائشة قالت: قلت يا رسول الله! ابن جدعان، كان فى الجاهلية يصل الرحم، و يطعم المسكين، فهل ذاك نافعه؟ قال:

«لا ينفعه. إنه لم يقل يوما: رب اغفر لى خطيئتى يوم الدين».

(3) راجع الروض الأنف (1/ 158)، و القرطبى (14/ 276).

(4) راجع الروض الأنف (1/ 158)، و الجفنة: أعظم ما يكون من القصاع. لسان العرب مادة «جفن».

(5) كذا فى الأصل، و فى الروض «فيعقل» و به يستقيم المعنى. و الله أعلم.

(6) كذا فى الأصل، و فى الروض «بائرا»، يقال: رجل حائر بائر: إذا لم يتجه لشى‏ء. لسان العرب «حير». و الله أعلم.

67

كالهباء من طول الزمن و إذا فى وسط البيت كوم عظيم من الياقوت و اللؤلؤ و الذهب و الفضة و الزبرجد فأخذ منه ما أخذ ثم علم على الشق علامة و أغلق بابه بالحجارة، و أرسل إلى أبيه بالمال الذى خرج به يسترضيه و يستعطفه و وصل عشيرته كلهم فسادهم، و جعل ينفق من ذلك الكنز و يطعم الناس و يفعل بالمعروف- و صار/ [28/ أ] هذا الكنز معروفا بكنز ابن جدعان- و هو ممن حرم الخمر فى الجاهلية بعد أن كان مغرى بها و ذلك أنه سكر فتناول القمر ليأخذه فأخبر بذلك حين صحا فحلف لا يشربها أبدا، و لما كبر و هرم أراد بنو تميم أن يمنعوه من تبذير ماله و لاموه فى العطاء فكان يدعوه الرجل فإذا دنا منه لطمه لطمة خفيفة ثم قال له: قم فانشد لطمتك و اطلب ديتها، فإذا فعل ذلك أعطاه بنو تميم من مال ابن جدعان حتى يرضى. انتهى كلام السهيلى‏ (1).

و أما «السقاية»: فلم تزل بيد عبد مناف فكان يسقى الناس الماء من بئر خم‏ (2) على الإبل فى المزاود و القرب، ثم يسكب ذلك الماء فى حياض من أدم بفناء الكعبة فيرده الحاج حتى يتفرقوا فكان يستعذب ذلك الماء (3). قال السهيلى: ذكروا أن قصيّا كان يسقى الحجيج فى حياض من أدم، و كان ينقل الماء إليها من آبار خارجة من مكة منها «بئر ميمون الحضرمى» (4)، و كان ينبذ لهم الزبيب، ثم احتفر لهم قصى «العجول» (5) فى دار أم هانئ بنت أبى طالب بالحزورة و هى أول سقاية احتفرت بمكة، و كانت العرب إذا قدمت مكة يردونها فيستقون منها و يتزاحمون عليها (6)، و كانت قريش قبل حفر زمزم قد احتفرت آبارا، و حفر قصىّ أيضا بئرا عند الردم الأعلى ثم حفر هاشم ابن عبد مناف بئرا و قال حين حفرها: لأجعلنها للناس بلاغا. و حفرها قصى أيضا

____________

(1) الروض الأنف (1/ 159، 160).

(2) بئر خم: كانت مشرب الناس فى الجاهلية، و حفرها كلاب بن مرة، و يقال إنها لبنى مخزوم.

تاريخ مكة للفاكهى (4/ 97)، و الأزرقى (1/ 112)، (2/ 214). و قال السهيلى فى الروض الأنف (1/ 174): هى بئر مرة، فهى من خممت البيت إذا كنسته، و يقال: فلان مخموم القلب أى: نقيه، فكأنها سميت بذلك لنقائها.

(3) تاريخ مكة للأزرقى (1/ 112).

(4) بئر ميمون الحضرمى: آخر بئر حفرت من هذه الآبار فى الجاهلية، و لم يكن بمكة يومئذ ماء يشرب إلا زمزم، و حفرها ميمون بن الحضرمى. تاريخ مكة للفاكهى (4/ 104)، و الأزرقى (2/ 222).

(5) العجول: بئر لم يحفر أول منها. تاريخ مكة للأزرقى (2/ 215)، و تاريخ مكة للفاكهى (3/ 97) و قال إن الذى حفرها «قصى». اه. و الروض الأنف (1/ 172).

(6) الروض الأنف (1/ 172).

68

سجلة (1)، و قيل: بل حفرها هاشم و هى البئر التى يقال لها: بئر جبير بن مطعم فكانت سجلة لهاشم بن عبد مناف فلم تزل لولده حتى وهبها أسد بن هاشم لمطعم بن عدى حين حفر عبد المطلب/ [28/ ب‏] زمزم و استغنوا عنها، و يقال: وهبها له عبد المطلب حين حفر زمزم و استغنى عنها، و سأله المطعم بن عدى أن يضع حوضا من أدم إلى جنب زمزم السفلى؛ ليسقى فيه من ماء بئره فأذن له فى ذلك فكان يفعل، فلم يزل هاشم بن عبد مناف يسقى الحاج حتى توفى فقام بأمر السقاية من بعده عبد المطلب بن هاشم فلم يزل كذلك حتى حفر زمزم فأغنت عن آبار مكة فكان منها مشرب الحاج، قال: و كانت لعبد المطلب إبل كثيرة إذا كان يوم الموسم جمعها ثم سقى لبنها بالعسل فى حوض من أدم عند زمزم، و يشترى الزبيب فينبذه بماء زمزم و يسقيه الحاج؛ ليكسر غلظ ماء زمزم و كانت إذ ذاك غليظة جدّا، و كان الناس إذ ذاك لهم فى بيوتهم أسقفة (2) فيها الماء من هذه الآبار ثم ينبذون فيها القبضات من الزبيب و التمر؛ لتكسر عنهم ماء آبار مكة، و كان الماء العذب بمكة عزيزا لا يوجد إلا لإنسان يستعذب له من بئر ميمون خارج مكة، فلبث عبد المطلب يسقى الناس حتى توفى، فقام بأمر السقاية بعده العباس بن عبد المطلب رضي اللّه عنه فلم تزل فى يده، و كان للعباس كرم بالطائف و كان يحمل زبيبه إليها و كان يداين أهل الطائف و يقتضى منهم الزبيب فينبذ ذلك كله و يسقيه الحاج أيام الموسم، فدخل رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) مكة يوم الفتح فقبض السقاية من العباس بن عبد المطلب و الحجابة من عثمان بن طلحة، فقام العباس بن عبد المطلب رضي اللّه عنه فبسط يده و قال: يا رسول الله بأبى أنت و أمى اجمع لى/ [29/ أ] الحجابة و السقاية فقال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «أعطيكم ما تزرءون فيه و لا تزرءون منه» (3). فقام بين عضادتى باب الكعبة فقال: ألا إن كان دم أو مال أو مأثرة كانت فى الجاهلية فهى تحت قدمى هاتين إلا سقاية الحاج و سدانة الكعبة، فإنى قد أمضيتهما لأهلهما على ما كانت عليه فى الجاهلية (4).

فقبضها العباس فكانت فى يده حتى توفى فوليها بعده عبد الله بن عباس فكان يفعل فيها

____________

(1) تاريخ مكة للأزرقى (2/ 217)، و الروض الأنف (1/ 172، 173)، و تاريخ مكة للفاكهى (4/ 99، 100).

(2) كذا فى الأصل، و عند الأزرقى «أسقية». و الله أعلم.

(3) المغازى للواقدى (2/ 833)، و سيرة ابن هشام مع شرح أبى ذر الخشنى (4/ 79) و فيها: و قال أبو على: إنما معناه: إنما أعطيتكم ما تمنون كالسقاية التى تحتاج إلى مؤن، و أما السدانة فيرزأ لها الناس بالبعث إليها يعنى كسوة البيت. اه. «و عندهم تزرءون» بتقديم الراء. و الله أعلم.

(4) تقدم تخريجه.

69

كفعله دون بنى عبد المطلب، و كان محمد ابن الحنيفة رضي اللّه عنه قد كلم فيها ابن عباس فقال له ابن عباس: ما لك و لها نحن أولى بها فى الجاهلية و الإسلام، قد كان أبوك يتكلم فيها فأقمت البينة طلحة بن عبد الله و عامر بن ربيعة و أزهر بن عبد الرحمن بن عوف و مخرومة ابن نوفل أن العباس بن عبد المطلب كان يليها فى الجاهلية بعد عبد المطلب و جدك أبو طالب فى إبله فى باديته بعرنة، و أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) أعطاها العباس يوم الفتح دون بنى عبد المطلب فعرف ذلك من حضر، فكانت بيد عبد الله بن عباس بتولية النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) دون غيره لا ينازعه فيها منازع و لا يتكلم فيها متكلم حتى توفى، فكانت فى يد على ابن عبد الله بن عباس يفعل فيها كفعل أبيه و جده- رضى الله عنهم- يأتيه الزبيب من ماله بالطائف و ينبذه حتى توفى، فكانت بيد ولده حتى الآن‏ (1).

قال الأزرقى: كان لزمزم حوضان: فحوض بينها و بين الركن يشرب منه الماء، و حوض من ورائها للوضوء له سرب يذهب فيه الماء (2).

و أما القيادة: أى قيادة الجيوش/ [29/ ب‏]- من قاد أى: [قود] (3)، الواحد قائد- فوليها من بنى عبد مناف عبد شمس بن عبد مناف ثم من بعده أمية بن عبد شمس، ثم حرب بن أمية فقاد الناس يوم عكاظ و غيره، ثم كان سفيان‏ (4) بن حرب يقود قريشا بعد أبيه حتى كان يوم بدر فقاد الناس عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، و كان أبو سفيان فى الحرب‏ (5) فى العير يقود الناس فلما كان يوم أحد قاد الناس أبو سفيان بن حرب، و قاد الناس، يوم الأحزاب، و كانت آخر وقعة لقريش و حرب حتى جاء الله تعالى بالإسلام و فتح مكة (6).

[فصل‏] ما جاء فى عبادة بنى إسماعيل الحجارة و تغيير دين إبراهيم‏

قال ابن إسحاق: إن بنى إسماعيل و جرهم ضاقت عليهم مكة فتفسحوا فى البلاد و التمسوا المعاش، و أول ما كانت عبادة الحجارة فى بنى إسماعيل أنه كان لا يظعن من‏

____________

(1) تاريخ مكة للأزرقى (1/ 113- 115) و فيه «مخرمة» بدلا من «مخرومة».

(2) تاريخ مكة للأزرقى (2/ 59) بسنده عن عطاء.

(3) غير واضحة فى الأصل، و لعلها ما أثبتناه. و الله أعلم.

(4) كذا فى الأصل، و عند الأزرقى «أبو سفيان» و هو الصواب. و الله أعلم.

(5) كذا فى الأصل، و لعل معناها: فى أثناء الحرب قائما على العير. و الله أعلم.

(6) تاريخ مكة للأزرقى (1/ 115)، و الجامع اللطيف (ص 117، 118).

70

مكة ظاعن منهم إلا احتملوا معهم من حجارة الحرم؛ تعظيما للحرم و صبابة (1) بمكة و بالكعبة حيث ما حلوا وضعوه و طافوا به كالطواف بالكعبة حتى أفضى ذلك بهم إلى أن كانوا يعبدون ما استحسنوا من حجارة الحرم خاصة حتى خلفت الخلوف بعد الخلوف، و نسوا ما كانوا عليه، و استبدلوا بدين إبراهيم و إسماعيل- (عليهما السلام)- غيره، فعبدوا الأوثان و صاروا إلى ما كانت عليه الأمم من قبلهم من الضلالات، و استباحوا ما كان يعبد قوم نوح منها على إرث‏ (2) ما كان قد بقى فيهم من ذكرها، و فيهم على ذلك بقايا من عهد إبراهيم و إسماعيل يتمسكون بها من تعظيم البيت و الطواف به و الحج و العمرة و الوقوف بعرفة و مزدلفة و هدى البدن و الإهلال بالحج و العمرة مع إدخالهم فيه/ [30/ أ] ما ليس منه، و كان أول من غير دين إسماعيل و إبراهيم و نصب الأوثان و سيّب السائبة و بحر البحيرة و وصل الوصيلة و حمى الحام عمرو بن لحى.

قال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «رأيت عمرو بن لحى يجر قصبه فى النار- أى أمعاءه- على رأسه فروة»، فقال له رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «من فى النار»؟ قال: من بينى و بينك من الأمم‏ (3) (4).

[فصل‏] ما جاء فى أول من نصب الأصنام فى الكعبة و الاستقسام بالأزلام‏

قال ابن إسحاق: إن البئر التى كانت فى جوف الكعبة كانت على يمين من دخلها، و كان عمقها ثلاثة أذرع، حفرها إبراهيم و إسماعيل؛ ليكون فيها ما يهدى للكعبة فلم تزل كذلك حتى كان عمرو بن لحى فقدم بصنم يقال له: هبل من هيت من أرض الجزيرة، و كان هبل من أعظم أصنام قريش عندها، فنصبه على البئر فى بطن الكعبة و أمر الناس‏

____________

(1) الصّبابة: الشوق، و قيل: رقته و حرارته، و قيل: رقة الهوى «لسان العرب» مادة: «صبب».

(2) قال أبو عبيد: الإرث أصله من الميراث. اه. أى بقية من ورث قوم نوح، و فرق بعض العلماء بين الإرث و الميراث، لأن الميراث فى المال، و الإرث فى الحسب. و الله أعلم. راجع «لسان العرب» مادة: ورث، «و غريب الحديث» لأبى عبيد (1/ 181، 182).

(3) أخرجه البخارى: كتاب التفسير- باب‏ ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ ... ح (4624- فتح) و مسلم كتاب الجنة و صفة نعيمها و أهلها- باب النار يدخلها الجبارون، و الجنة يدخلها الضعفاء ح (2856). لكن بلفظ «رأيت عمرو بن عامر الخزاعى يجر قصبه فى النار، و كان أول من سيب السيوب عن أبى هريرة مرفوعا. و عند ابن هشام (1/ 120، 121) عن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم مرفوعا نحوه.

(4) تاريخ مكة للأزرقى (1/ 116، 117).

71

بعبادته، فكان الرجل إذا قدم من سفره بدأ به على أهله بعد طوافه بالبيت و حلق رأسه عنده، و هبل الذى قال له أبو سفيان يوم أحد: «أهل» (1) هبل اعل هبل أى: ظهر دينك فقال النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم): «الله أعلى و أجل» (2). و كان اسم البئر الأخسف‏ (3).

قال إسحاق‏ (4): و كان عند هبل فى الكعبة سبعة قداح، كل قدح منها مكتوب فيه كتاب، قدح فيه «العقل» إذا اختلفوا فى العقل من يحمله ضربوا بالقداح السبعة عليهم فعلى من خرج حمله و قدح فيه «نعم» للأمر إذا أرادوه «يضرب به فى القداح» (5) فإن ظهر قدح فيه نعم عملوا به، و قدح فيه «لا» فإذا أرادوا الأمر ضربوا به فى القداح فإذا خرج ذلك لم يفعلوا ذلك الأمر و قدح فيه «منكم»، و قدح فيه «ملصق»، و قدح فيه «من غيركم»، و قدح فيه/ [30/ ب‏] «المياه» فإذا أرادوا أن يحفروا الماء ضربوا بالقداح، و فيها ذلك القدح فحيث ما خرج به عملوا به، و كانوا إذا أرادوا أن يختنوا غلاما أو يزوجوا أحدا أو يدفنوا ميتا أو شكوا فى نسب أحد ذهبوا به إلى هبل و مائة درهم و جزور فأعطوها صاحب القداح الذى يضرب بها ثم قربوا صاحبهم الذى يريدون به ما يريدون ثم قالوا:

يا إلهنا هذا فلان بن فلان أردنا به كذا و كذا فأخرج الحق فيه ثم يقولون لصاحب القداح:

اضربه فإن خرج «منكم» كان منهم وسيطا، و إن خرج عليه «من غيركم» كان حليفا، و إن خرج عليه «ملصق» كان ملصقا على منزلته فيهم لا نسب له و لا حلف، و إن خرج عليه شى‏ء سوى هذا مما يعملون به عملوا به، و إذا خرج «لا» أخروه عامه ذلك حتى يأتون‏ (6) به مرة أخرى ينتهون فى أمرهم ذلك إلى ما خرجت به القداح‏ (7)، و كذلك فعل عبد المطلب بابنه حين أراد أن يذبحه‏ (8). قال ابن إسحاق: و كان هبل من خرز العقيق على‏

____________

(1) كذا فى الأصل، و فى الرواية «اعل» و كذا عند الأزرقى. و الله أعلم.

(2) أخرجه البخارى: كتاب المغازى- باب غزوة أحد ح (4043- فتح)، و أحمد فى المسند:

(4/ 293) عن البراء بن عازب، و المسند (1/ 463) عن عبد الله بن مسعود، و لم يتكرر لفظ «اعل هبل» و تكرر عند القرطبى (9/ 76).

(3) تاريخ مكة للأزرقى (1/ 117).

(4) كذا فى الأصل، و الصواب «ابن إسحاق» و راجع الأزرقى (1/ 117)، و سيرة ابن هشام مع الروض الأنف (1/ 176). و الله أعلم.

(5) فى السيرة «يضرب به القداح»، و فى الأصل «يضرب به فى القداح» كأنه مضروب عليه.

(6) كذا فى الأصل، و الصواب «يأتوا» كما فى الأزرقى و السيرة. و الله أعلم.

(7) تاريخ مكة للأزرقى (1/ 117- 119)، و سيرة ابن هشام (1/ 203، 204)، و السيرة مع الروض (1/ 176).

(8) تاريخ مكة للأزرقى (1/ 118، 119).

72

صورة إنسان و كانت يده اليمنى مكسورة [فأدركته‏] (1) قريش فجعلت له يدا من ذهب، و كانت له خزانة للقربان و كان قربانه مائة بعير، و كان له حاجب‏ (2).

[فصل‏] ما جاء فى أول من نصب الأصنام و ما كان من كسرها

قد تقدم أنه زنى رجل من جرهم بامرأة فى الكعبة و قبّلها فيها فمسخا حجرين‏ (3)، و اسم الرجل إساف بن بغه‏ (4)، و قيل: إساف بن عمرو (5)، و اسم المرأة نائلة بنت ذئب، و قيل: بنت سهيل، فأخرجا من الكعبة- و عليهما ثيابهما- فنصب أحدهما على الصفا و الآخر على المروة، فلم يزل الأمر يدرس و يتقادم حتى صار يمسحهما من وقف على الصفا و المروة ثم صارا و ثنين يعبدان، فلما كان عمرو بن لحى أمر الناس بعبادتهما/ [31/ أ] و التمسح بهما حتى كان قصىّ فصارت إليه الحجابة و أمر مكة فحولهما من الصفا و المروة، فجعل أحدهما بلصق الكعبة و جعل الآخر فى موضع زمزم، و كان ينحر عندهما- و كان يطرح بينهما ما يهدى للكعبة، و لم تكن تدنو منهما امرأة طامث- و كان الطائف إذا طاف بالبيت بدأ بإساف فاستلمه، و إذا فرغ من طوافه ختم بنائلة فاستلمها، حتى كان يوم الفتح فكسرهما رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) مع ما كسر من الأصنام‏ (6).

فخرج من نائلة عجوز سوداء شمطاء حبشية تخمش وجهها عريانة ناشرة الشعر تدعو بالويل و الثبور، فقيل لرسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فى ذلك: فقال: «تلك نائلة قد أيست أن تعبد ببلادكم» (7). و عن ابن عباس قال: دخل رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) مكة يوم الفتح و إن بها ثلاثمائة و ستين صنما قد سدها (8) لهم إبليس بالطعام- و فى رواية: حول الكعبة ثلاثمائة و ستون صنما- و كان بيد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) قضيب- فطاف على راحلته و جعل يطعنها-

____________

(1) غير واضحة فى الأصل، و التصويب من الأزرقى (1/ 119).

(2) تاريخ مكة للأزرقى (1/ 119)

(3) تاريخ مكة للأزرقى (1/ 119)، و سيرة ابن هشام (1/ 127) و أورده من طريق ابن إسحاق بسنده عن عائشة موقوفا، و البداية و النهاية (2/ 178).

(4) كذا فى الأصل، و فى السيرة «بغى». و الله أعلم.

(5) تاريخ مكة للأزرقى (1/ 122)، و مغازى الواقدى (2/ 841).

(6) تاريخ مكة للأزرقى (1/ 119، 120) عن ابن إسحاق، و ما بين الاعتراضات عن عمرة.

(7) مغازى الواقدى (2/ 841)، و تاريخ مكة للأزرقى (1/ 122)، و الروض الأنف (1/ 105)، و هو فى دلائل النبوة للبيهقى (5/ 75) بسنده عن ابن أبزى، و كذا هو فى «البداية و النهاية» (4/ 300، 301).

(8) كذا فى الأصل، و عند الأزرقى «سدها، بالرصاص» و الله أعلم.

73

و يقول: جاءَ الْحَقُّ وَ زَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً (1)- فما منها صنم أشار إلى وجهه إلا وقع على دبره، و لا أشار إلى دبره إلا وقع على وجهه حتى وقعت كلها (2) و أمر بهبل فكسر و هو واقف عليه. فقال الزبير بن العوام رضي اللّه عنه لأبى سفيان: يا أبا سفيان ابن حرب قد كسر هبل أما إنك قد كنت منه يوم أحد فى غرور حين تزعم أنه قد أنعم عليك، فقال أبو سفيان: دع هذا عنك يا ابن العوام فقد أرى أن لو كان مع إله محمد غيره لكان غير ما كان‏ (3).

و قال ابن إسحاق: لما صلى النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم)/ [31/ ب‏] الظهر يوم الفتح أمر بالأصنام التى حول الكعبة فجمعت ثم حرقت بالنار و كسرت‏ (4)، و لم يكن فى قريش رجل بمكة إلا و فى بيته صنم‏ (5). و يقال: إن إبليس رن ثلاث رنات: رنة حين لعن فتغيرت صورته عن صورة الملائكة، و رنة حين رأى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) قائما بمكة، و رنة حين افتتح رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)(6).

و قال ابن إسحاق: نصب عمرو بن لحى الخلصة بأسفل مكة، و كانوا يلبسونها القلائد و يهدون لها الشعير و الحنطة و يصبون عليها اللبن و يذبحون لها و يعلقون عليها بيض النعام، و نصب على الصفا صنما يقال له: نهيك مجاود الريح، و نصب على المروة صنما يقال له: مطعم الطير (7). و أما مناة و كانت صخرة لهذيل‏ (8) و خزاعة فأول من نصبها عمرو ابن لحى على ساحل البحر مما يلى قديد، و كانت الأوس و الخزرج و غسان من الأزد و من دان دينها من أهل يثرب و أهل الشام كانوا يحجونها و يعظمونها، فإذا طافوا بالبيت‏

____________

(1) أخرجه البخارى: كتاب المظالم- باب هل تكسر الدنان التى فيها خمر أو تخرق الزقاق ح (2478- فتح)، و مسلم: كتاب الجهاد و السير- باب إزالة الأصنام من حول الكعبة ح (1781) بنحوه.

(2) سيرة ابن هشام (4/ 84، 85)، و تاريخ مكة للأزرقى (1/ 120، 121) و ما بين الاعتراضات رواية أخرى، و مغازى الواقدى (2/ 832)، و البداية و النهاية (4/ 301).

(3) مغازى الواقدى (2/ 832)، و تاريخ مكة للأزرقى (1/ 122).

(4) تاريخ مكة للأزرقى (1/ 121).

(5) تاريخ مكة للأزرقى (1/ 123) و لكنه عن الواقدى، كما فى مغازى الواقدى (2/ 870) بسنده عن سعيد بن عمرو الهذلى.

(6) تاريخ مكة للأزرقى (1/ 122، 123)، و مغازى الواقدى (2/ 841، 842).

(7) تاريخ مكة للأزرقى (1/ 124).

(8) تاريخ مكة للأزرقى (1/ 125) عن محمد بن السائب الكلبى.

74

و أفاضوا من عرفات و فرغوا من منى لم يحلقوا رؤوسهم إلا عند مناة، و كان‏ (1) يهلون لها و من أهل لها لم يطف بين الصفا و المروة مكان‏ (2) الصنمين اللذين عليهما، و هما نهيك مجاود الريح و مطعم الطير، و كان هذا الحى من الأنصار يهلون بمناة، و كانوا إذا أهلوا بحج أو عمرة لم يظل أحد منهم سقف بيته حتى يفرغ من حجه أو عمرته، فكان الرجل إذا أحرم لم يدخل بيته، و إن كانت له فيه حاجة تسور من ظهر بيته لئلا يحف‏ (3) رتاج الباب رأسه، فلما جاء الله بالإسلام و هدم أمر الجاهلية أنزل فى ذلك: وَ لَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها (4)/ [32/ أ].

و أما اللات و العزى فكان بدء أمرهما فيما روى ابن عباس: أن رجلا ممن مضى كان يقعد على صخرة لثقيف يبيع السمن من الحاج إذا مروا فتلت سويقهم- و كان ذا غنم- فسميت الصخرة اللات فمات، فلما فقده الناس قال لهم عمرو: إن ربكم كان اللات فدخل فى جوف الصخرة، و كانت العزى ثلاث شجرات سمرات‏ (5) بنخلة، و كان أول من دعى إلى عبادتها عمرو بن ربيعة و الحارث بن كعب، و قال لهم عمرو: إن ربكم يصيف باللات لبرد الطائف و يشتو بالعزى لحر تهامة، و كان فى كل واحدة شيطان يعبد ثم بعث رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) بعد الفتح خالد بن الوليد إلى العزى يقطعها فقطعها ثم جاء فقال له النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم): «ما رأيت فيهن؟» فقال: لا شى‏ء قال: «ما قطعتهن فارجع فاقطع» فرجع فقطع فوجد تحت أصلها امرأة ناشرة شعرها قائمة عليهن كأنها تنوح عليهن فرجع فقال: إنى رأيت كذا و كذا قال: «صدقت» (6). و يروى أن خالد بن الوليد خرج إلى العزى يهدمها فى ثلاثين فارسا من أصحابه حتى انتهى إليها فهدمها ثم رجع إلى النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال: «أهدمت؟» قال: نعم يا رسول الله. قال: «هل رأيت شيئا؟» قال: لا.

____________

(1) فى تاريخ مكة للأزرقى «و كانوا» و الله أعلم.

(2) عند الأزرقى «لمكان». و الله أعلم.

(3) كذا فى الأصل، و فى أخبار مكة للأزرقى «يجن» و هو الصواب. و الله أعلم، أى: يستر رأسه.

راجع لسان العرب مادتى «رتج»، «جنن».

(4) سورة البقرة: الآية (189). و راجع تفسير القرطبى (2/ 345)، و تاريخ مكة للأزرقى (1/ 124، 125).

(5) سمرات جمع سمرة- بضم الميم-: من شجر الطلح. لسان العرب مادة «سمر».

(6) تاريخ مكة للأزرقى (1/ 125، 126)، و راجع البداية و النهاية (4/ 315)، و دلائل النبوة للبيهقى (5/ 77)، و الدر المنثور (6/ 126)، و تفسير ابن كثير (4/ 254)، و المجمع (6/ 176) و تفسير القرطبى (17/ 99، 100)، و الحديث كذلك فى النسائى الكبرى (6/ 474) عن أبى الطفيل بنحوه.

75

قال (صلّى اللّه عليه و سلّم): «فإنك لم تهدمها فارجع فاهدمها» فخرج خالد و هو متغيظ فلما انتهى إليها جرد سيفه فخرجت إليه امرأة عريانة ناشرة شعرها فجعل السادن يصيح بها فأقبل خالد بالسيف إليها فضربها فجزلها باثنتين ثم رجع إلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فأخبره، قال:

/ [32/ ب‏] «تلك العزى قد أيست أن تعبد ببلادكم». [فقال‏] (1) خالد: يا رسول الله، الحمد لله الذى أكرمنا بك و أنقذنا بك [من الهلكة] (1)، لقد كنت أرى أبى يأتى إلى العزى بخير ماله من الإبل و الغنم [فيذبحها] (1) للعزى و يقيم عندها ثلاثا ثم ينصرف إلينا مسرورا، و نظرت إلى ما مات أبى و إلى ذلك الرأى الذى يعاش فى فضله، و كيف خدع حتى صار يذبح لما لا يسمع و لا يبصر و لا يضر و لا ينفع، فقال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «إن هذا الأمر إلى الله فمن يسره للهدى تيسر له و من يسره للضلالة كان فيها» (2). و كان هدمها لخمس ليال بقين من شهر رمضان سنة ثمان، و كان سادنها أفلح بن النضر السلمى من بنى سليم، فلما حضرته الوفاة دخل عليه أبو لهب يعوده و هو حزين، فقال: ما لى أراك حزينا؟ قال: أخاف أن تضيع العزى من بعدى. فقال له أبو لهب: لا تحزن فأنا أقوم عليها بعدك. فجعل أبو لهب يقول لكل من لقيه: إن تظهر العزى كنت قد اتخذت عندها يدا، و إن يظهر محمد (صلّى اللّه عليه و سلّم) على العزى و ما أراه يظهر فابن أخى. فأنزل الله عزوجل‏ تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَ تَبَ‏ (3).

و أما ذات أنواط: فكانت شجرة عظيمة خضراء بحنين، يقال لها: «ذات أنواط» لكفار قريش و من سواهم من العرب، كانوا يعظمونها و يذبحون لها و يعكفون عندها يوما، و كان من حج منهم وضع زاده عندها و يدخل بغير زاد تعظيما للحرم، فلما ذهب رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى حنين قال له رهط من أصحابه فيهم الحارث بن مالك: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فكّبر/ [33/ أ] رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و قال: «هكذا قال قوم موسى»: اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ‏ (4).

____________

(1) طمس بالأصل، و تم استدراكه من أخبار مكة للأزرقى (1/ 127). و للّه الحمد.

(2) تاريخ مكة للأزرقى (1/ 127، 128)، و مغازى الواقدى (3/ 873، 874) عن سعيد بن عمرو الهذلى، و تهذيب تاريخ دمشق (5/ 101، 102).

(3) سورة المسد: الآية (1). و راجع تاريخ مكة للأزرقى (1/ 125- 128).

(4) سورة الأعراف: الآية (138). و راجع تاريخ مكة للأزرقى (1/ 129، 130) بعضه عن أبى واقد الليثى و بعضه عن ابن عباس، و أخرجه الترمذى ح (2180) كتاب الفتن: باب ما جاء لتركبن سنن من كان قبلكم و قال: هذا حديث حسن صحيح. اه. و ابن حبان ح (6702- إحسان)، و أحمد فى المسند (5/ 218).

76

[فصل‏] مسيرة تبع إلى مكة

قال ابن إسحاق: سار تبع الأول إلى الكعبة فأراد هدمها و تخريبها، و خزاعة يومئذ تلى البيت و أمر مكة، فقامت خزاعة دونه فقاتلت عنه أشد القتال حتى رجع ثمّ تبع آخر كذلك، «و التتابعة» (1) الذين أرادوا هدم الكعبة و تخريبها ثلاثة، و قد كان قبل ذلك منهم من يسير فى البلاد فإذا دخل مكة عظم الحرم و البيت، فأما تبع الثالث الذى أراد هدم البيت إنما كان فى أول زمان قريش، و سبب مسيره إليه أن قوما من هذيل من بنى لحيان جاؤوه فقالوا له: إن بمكة بيتا يعظمه العرب جميعا و تفدى إليه و تنحر عنده و تحجه و تعتمره، و إن قريشا تليه و قد حازت شرفه و ذكره و أنت أولى أن يكون ذلك البيت و شرفه لك، فلو سرت إليه و خربته و بنيت بيتا عندك ثم صرفت حاج العرب إليه كنت أحق به منهم، قال: فأجمع السير إليه‏ (2)، فلما كان تبع بالدف‏ (3) من جمدان‏ (4) بين «أمج و عسفان» (5)، دفت بهم‏ (6) دوابهم و أظلمت عليهم الأرض، فدعى أحبارا كانوا معه من أهل الكتاب فسألهم، فقالوا: هل هممت لهذا البيت بشى‏ء؟ قال: أردت أن أهدمه.

قالوا: فانو له خيرا أن تكسوه و تنحر عنده، ففعل فانجلت عنهم الظلمة، و إنما سمى الدف من أجل ذلك‏ (7).

و فى رواية قال له الأحبار: هل هممت لهذا البيت بسوء؟ فأخبرهم بما قال له الهذليون و بما أراد أن يفعل فقالت الأحبار: و الله/ [33/ ب‏] ما أرادوا إلا هلاكك و هلاك قومك، إن هذا بيت الله الحرام و لم يرده أحد قط بسوء إلا هلك. قال: فما الحلية؟ قالوا: تنوى له خيرا أن تعظمه و تكسوه و تنحر عنده و تحسن إلى أهله ففعل،

____________

(1) كذا فى الأصل و عند الأزرقى «و التبابعة». و الله أعلم.

(2) تاريخ مكة للأزرقى (1/ 132).

(3) الدّف- بلفظ الدف الذى ينقر به-: موضع فى جمدان من نواحى المدينة من ناحية عسفان.

معجم البلدان (2/ 458).

(4) جمدان- بالضم ثم سكون-: جبل بين ينبع و العيص على ليلة من المدينة، و قيل: واد بين ثنية غزال و بين أمج. معجم البلدان (2/ 161).

(5) أمج* * * بفتح أوله و ثانيه- بلد من أعراض المدينة، و عسفان بضم أوله و سكون ثانيه ثم فاء، و آخره نون-: منهلة من مناهل الطريق بين الجحفة و مكة. راجع معجم البلدان (1/ 249)، (4/ 121).

(6) أى: سارت بهم سيرا لينا. راجع لسان العرب مادة «دفف».

(7) تاريخ مكة للأزرقى (1/ 132، 133) عن موسى بن عيسى المدينى.

77

فانجلت عنهم الظلمة و سكنت الريح و انطلقت بهم ركابهم و دوابهم، فأمر تبع بالهذليين فضربت رقابهم و صلبهم و إنما كانوا فعلوا ذلك حسدا لقريش على ولايتهم البيت‏ (1).

قال السهيلى: روى نقلة الأخبار أن تبعا لما عمد إلى البيت يريد إخرابه رمى بداء تمخض منه رأسه قيحا و صديدا يثج ثجّا، و أنتن حتى لا يستطيع أحد أن يدنو منه قيد رمح- و قيل: بل أرسلت عليه ريح كتفت منه يديه و رجليه و جلده فأصابتهم ظلمة شديدة حتى رقت‏ (2) خيلهم، فقال له: الجيران تب إلى الله مما نويت ففعل فبرئ من دائه و صح من وجعه‏ (3). قال السهيلى: و أخلق بهذا الخبر أن يكون صحيحا، فإن الله تعالى يقول:

وَ مَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ‏ (4). أى: و من يهم فيه بظلم و إن لم يفعل عذّب تشديدا فى حقه و تعظيما لحرمته كما فعله الله بأصحاب الفيل أهلكهم قبل الوصول إلى بيته‏ (5). انتهى. ثم سار تبع حتى قدم مكة فكان سلاحه بقعيقعان فلذلك سمى قعيقعان، و كانت خيله بأجياد فلذلك سمى أجياد الجياد خيل تبع، و كانت مطابخه فى الشّعب الذى يقال له: شعب عبد الله بن عامر بن كريز فلذلك سمى شعب المطابخ، فأقاما (6) بمكة أياما ينحر فى كل يوم مائة بدنة و لا يرزأ هو و لا أحد من عسكره منها شيئا، يردها الناس و يأخذون منها حاجتهم ثم يقع عليها/ [34/ أ] الطير فيأكل ثم يتناوبها السباع إذا أمست لا يصد عنها إنسان و لا طائر و لا سبع، يفعل ذلك كل يوم مدة مقامه ثم كسا البيت كسوة كاملة كساه العصب‏ (7)، و جعل له بابا يغلق بضبة فارسية، و هو أول من كسا البيت كسوة كاملة، أرى فى المنام أن يكسوها فكساها الأنطاع‏ (8) ثم أرى أن يكسوها فكساها الوصائل ثياب حبرة من عصب اليمن، و هو أول من جعل لها بابا

____________

(1) تاريخ مكة للأزرقى (1/ 133) عن ابن إسحاق، و نحوه فى سيرة ابن هشام (1/ 59- 61)، و الروض الأنف (1/ 39، 40).

(2) كذا فى الأصل، و فى الروض «دفّت» و الله أعلم.

(3) الروض الأنف (1/ 39، 40).

(4) سورة الحج: الآية (25).

(5) الروض الأنف (1/ 40).

(6) كذا فى الأصل و فى أخبار مكة للأزرقى «فأقام». و الله أعلم.

(7) العصب: قال الخطابى فى المعالم (على حديث قلادة من عصب): إن لم تكن الثياب اليمانية فلا أدرى ما هو. اه. و قال أبو موسى: هى العصب- بفتح الصاد-: و هى أطناب مفاصل الحيوانات و هو شى‏ء مدور ... إلخ. لسان العرب مادة «عصب».

(8) الأنطاع- جمع نطع-: و هو من الأدم (الجلد) معروف. لسان العرب مادة «نطع».

78

يغلق و لم يكن يغلق قبل ذلك‏ (1).

قال القتبى: كانت قصة تبع قبل الإسلام بسبعمائة عام‏ (2).

[فصل‏] مبتدأ حديث الفيل‏

كان من حديث الفيل ما ذكروا أن ملكا من ملوك حمير يقال له: زرعة ذو نواس، و كانوا قد تهودوا و استجمعت معه حمير على ذلك إلا أهل نجران فإنهم كانوا على النصرانية على أصل حكم الإنجيل، و لهم رأس يقال له: عبد الله بن تامر (3)، فدعاهم ذو نواس إلى اليهودية فأبوا فخيرهم فاختاروا المقتل، فخدلهم أخدودا و صنف لهم المقتل، فمنهم من قتل صبرا و منهم من أوقد له النار فى الأخدود فألقاه فى النار إلا رجلا من سبأ يقال له: دوس بن ثعلبان، فهرب على فرس له يركض فأتى قيصر فذكر له ما بلغ منهم و استنصره، فقال له: بعدت بلادك و نأت دارك عنا، و لكن سأكتب إلى ملك الحبشة فإنه على ديننا فينصرك فكتب له إلى النجاشى يأمره بنصره، فلما قدم على النجاشى بعث معه رجلا من الحبشة يقال له: أرياط، و قال: إن دخلت اليمن فاقتل ثلث رجالها و اسب ثلث نسائها و ذراريها و ابعثهم إلىّ و خرب ثلث بلادها، فلما دخلوا أرض اليمن تناوشوا بسبأ (4) من/ [34/ ب‏] قتال ثم ظهر عليهم، ثم خرج ذو نواس على فرسه فاستعرض له البحر حتى لجج به فماتا جميعا فى البحر و كان آخر العهد به، فدخلها أرياط فعمل ما أمره به النجاشى‏ (5).

[فصل‏] ذكر الفيل حين ساقته الحبشة

قال ابن إسحاق: لما ظهرت الحبشة على أرض اليمن كان ملكهم إلى أرياط و أبرهة، و كان أرياط فوق أبرهة، فأقام أرياط باليمن سنتين فى سلطانه لا ينازعه أحد ثم نازعه أبرهة الحبشى الملك، و كان فى جند من الحبشة فانحاز إلى كل واحد منهما من الحبشة طائفة ثم سار أحدهما إلى الآخر، فكان أرياط يكون بصنعاء و محاليفها، و كان‏

____________

(1) تاريخ مكة للأزرقى (1/ 133، 134).

(2) الروض الأنف (1/ 41).

(3) كذا بالأصل، و فى أخبار مكة للأزرقى «ثامر». و الله أعلم.

(4) كذا فى الأصل، و عند الأزرقى «شيئا». و الله أعلم.

(5) تاريخ مكة للأزرقى (1/ 134، 135) عن محمد بن إسحاق، و سيرة ابن هشام (1/ 73- 76) و قال ابن هشام: الأخدود: الحفر المستطيل فى الأرض، كالخندق و الجدول و نحوه، و جمعه أخاديد.

79

أبرهة يكون بالجند و محاليفها، فلما تقارب الناس و دنا بعضهم من بعض أرسل أبرهة إلى أرياط إنك «لا تضع» (1) بأن تلقى الحبشة بعضهم ببعض فتفنيها بسبأ، و لكن ابرز إلىّ و أبرز لك فأينا أصاب صاحبه انصرف إليه جنده، فأرسل إليه أرياط أن قد صدقت و انصرف، فخرج أرياط و كان رجلا عظيما طويلا وسيما و فى يده حربة له، و خرج له أبرهة و كان رجلا قصيرا حادرا (2) رحيما دحداحا (3)، و كان ذا دين فى النصرانية و خلف أبرهة عبد له‏ (4) يحمى ظهره يقال له: عتودة، فلما دنا أحدهما من صاحبه رفع أرياط الحربة فضرب بها رأس أبرهة يريد يأفوخه- بالهمز- فوقعت الحربة على جبهة أبرهة فشرمت حاجبه و عينه و أنفه و شفته فبذلك سمى أبرهة الأشرم، و حمل غلام أبرهة على أرياط من خلف فزرقه بالحربة فقتله، فانصرف جند أرياط إلى أبرهة فاجتمعت عليه الحبشة باليمن، و كان ما صنع أبرهة من قتله/ [35/ أ] أرياط بغير علم النجاشى ملك الحبشة بأرض البسوم‏ (5) من بلاد الحبشة، فلما بلغه ذلك غضب غضبا شديدا و قال: عدا على أميرى بغير أمرى فقتله، ثم حلف النجاشى لا يدع أبرهة حتى يطأ أرضه و يجز ناصيته، فلما بلغ ذلك أبرهة حلق رأسه ثم ملأ جرابا من تراب أرض اليمن، ثم بعث به إلى النجاشى و كتب إليه: أيها الملك إنما كان أرياط عبدك و أنا عبدك اختلفنا فى أمرك و كلنا طاعته لك إلا أنى كنت أقوى على أمر الحبشة منه و أضبط، و قد حلقت رأسى كله حين بلغنى قسم الملك و بعثت به إليه مع جراب من تراب أرضى ليضعه تحت قدميه فيبر بذلك قسمه، فلما انتهى ذلك إلى النجاشى كتب إليه أن اثبت بأرض اليمن حتى يأتيك أمرى، فأقام أبرهة باليمن، و بنى أبرهة عند ذلك القلّيس‏ (6) بصنعاء إلى جنب غمدان‏ (7) فبنى كنيسة و أحكمها و سماها القلّيس، و كتب إلى النجاشى ملك الحبشة: إنى قد بنيت لك‏

____________

(1) كذا فى الأصل، و فى أخبار مكة للأزرقى «لا تصنع» و الله أعلم.

(2) الحادر: الممتلئ لحما و شحما مع ترارة. لسان العرب مادة «حدر».

(3) الدحداح: القصير السمين. لسان العرب مادة «دحح» قال: و فى صفة أبرهة صاحب الفيل:

كان قصيرا حادرا دحداحا. اه.

(4) كذا فى الأصل، و عند الأزرقى «عبدا له». و الله أعلم.

(5) كذا فى الأصل، و عند الأزرقى «أكسوم». و الله أعلم.

(6) القلّيس: سميت الكنيسة بذلك لارتفاع بنائها و علوها. الروض الأنف (1/ 63).

(7) غمدان- بضم أوله، و سكون ثانيه، و أخره نون: موضع بصنعاء، به القصر الذى أراد بناءه يشرح بن يحصب. راجع معجم البلدان (4/ 210).

80

كنيسة لم يبن مثلها لملك كان قبلك، «و ليست بمبنية» (1) حتى أصرف حاج العرب إليها (2) و يتركوا الحج إلى بيتهم، فبنى القلّيس بحجارة قصر بلقيس صاحبة الصرح الذى ذكر فى القرآن فى قصة سليمان- (عليه السلام)-، و كان سليمان- (عليه السلام)- حين تزوجها ينزل عليها فيه إذا جاءها، فوضع الرجال «تسنعا» (3) يناول بعضهم بعضا الحجارة و الآلة، حتى نقل ما كان فى قصر بلقيس مما احتاج إليه من حجارة و رخام و آلة البناء، و جدّ فى بنائه و كان مربعا مستوى التربيع، و جعل طوله فى السماء ستين ذراعا و كثفه‏ (4) من داخله عشرة أذرع فى السماء، فكان يصعد إليه/ [35/ ب‏] بدرج الرخام، و حوله سور بينه و بين القليس مائتا ذراع مطيف به من كل جانب، و جعل بناء ذلك كله بحجارة يسميها أهل اليمن الجروب منقوشة مطبقة لا تدخل بين أطباقها الإبرة، و جعل طول بنائه من الجروب عشرين ذراعا فى السماء، ثم فصل ما بين حجارة الجروب بحجارة مثلثة متداخلة بعضها ببعض، حجرا أخضر و حجرا أحمر و حجرا أبيض و حجرا أصفر و حجرا أسود، فيما بين كل ساقين‏ (5) خشب ساسم مدور الرأس غليظ الخشبة ناتئ على البناء، فكان مفصلا لهذا البناء على هذه الصفة، ثم فصله برخام منقوش طوله فى السماء ذراعان ناتئ على البناء بذراع، ثم فصل فوق ذلك الرخام بحجارة بيضاء لها بريق و كان هذا ظاهر حائط القلّيس، و كان عرض حائطه ستة أذرع، و كان له باب من نحاس عشرة أذرع طولا فى أربعة أذرع عرضا، و كان المدخل منه إلى بيت فى جوفه طوله ثمانون ذراعا فى أربعين ذراعا معمولا بالساج المنقوش و مسامير الذهب و الفضة، ثم يدخل من البيت إلى إيوان طوله أربعون ذراعا عن يمينه و عن يساره عقود مضروبة بالسفيسف‏ (6) مشجرة بين أضعافها كواكب الذهب ظاهرة، ثم يدخل من الإيوان قبة ثلاثين ذراعا فى ثلاثين ذراعا منقوشة جدرها بالسفيسفاء (6) و الذهب و الفضة، و فيها رخامة مما يلى مطلع الشمس من‏

____________

(1) كذا فى الأصل، و فى سيرة ابن هشام «و لست بمنته». و الله أعلم.

(2) تاريخ مكة للأزرقى (1/ 136، 137)، و سيرة ابن هشام (1/ 80- 82)، و البداية و النهاية (2/ 157، 158) عن ابن إسحاق.

(3) لعلها هكذا بالأصل، و عند الأزرقى «نسقا». و الله أعلم.

(4) كذا فى الأصل، و عند الأزرقى «و كبسه». و الله أعلم.

(5) كذا فى الأصل، و عند الأزرقى «سافين» مثنى «ساف» و هو الصف. و الله أعلم.

(6) كذا فى الأصل، و عند الأزرقى «الفسيفساء» و هى: قطع صغار ملونة من الرخام أو الحصباء أو الخرز أو نحوها، يضم بعضها إلى بعض. المعجم الوسيط «فسافس». و هو من المعرب. و الله أعلم.

81

البلق‏ (1) مربعة عشرة أذرع فى عشرة أذرع، تغشى عين من نظر إليها من بطن القبة تؤدى ضوء الشمس و القمر إلى داخل القبة، و كان تحت الرخامة منبر من الأبنوس مفصل بالعاج الأبيض، و درج المنبر من/ [36/ أ] الساج ملبسة ذهبا و فضة، و كان فى القبة أو فى البيت خشبة ساج منقوشة طولها ستون ذراعا يقال لها: كعيب، و خشبة من ساج نحوها فى الطول يقال لها: امرأة كعيب يتبركون بها فى الجاهلية، و كان أبرهة عند بناء القليس قد أخذ العمال بالعمل أخذا شديدا و كان قد آلى أن لا تطلع الشمس على عامل لم يضع يده فى عمله فيؤتى به إلا قطع يده. قال: فتخلف رجل ممن كان يعمل فيه حتى طلعت الشمس، و كانت له أم عجوز فذهب بها معه لتستوهبه من أبرهة فأتته و هو بارز للناس فذكرت له علة ابنها و استوهبته منه، فقال: لا أكذب نفسى و لا أفسد علىّ عمالى فأمر بقطع يده، فقالت له أمه: اضرب بمعولك اليوم فاليوم لك و غدا لغيرك ليس كل الدهر لك، فقال: أدبوها ثم قال لها: إن لى هذا الملك أيكون لغيرى؟ قالت: نعم، و كان أبرهة قد أجمع أن يبنى القليس حتى يظهر على ظهره فيرى منه بحر عدن، فقال: لا أبنى حجرا على حجر بعد يومى هذا و أعيا (2) الناس من العمل، فانتشر خبر بناء أبرهة هذا البيت فى العرب‏ (3)، فدعا رجلان من بنى مالك بن كنانة فتيين‏ (4) منهم فأمرهما أن يذهبا إلى ذلك البيت الذى بناه أبرهة بصنعاء فيحدثا فيه فذهبا ففعلا ذلك، فدخل أبرهة البيت فرأى آثارهما فيه، فقال: من فعل هذا؟ فقيل له: رجلان من العرب من أهل البيت الذى تحج إليه العرب بمكة لما أن سمعا قولك: أصرف إليها حاج العرب. جاءاها ففعلا فيها (5)- أى: أنها ليست لذلك بأهل- فغضب عند ذلك أبرهة و حلف ليسيرن إلى البيت حتى يهدمه- و بعث رجلا كان عنده إلى بنى كنانة يدعوهم إلى حج تلك الكنيسة فقتلت بنو كنانة ذلك/ [36/ ب‏] الرجل، فزاد ذلك أبرهة غضبا و حنقا (6)- ثم أمر الحبشة فتهيأت و تجهزت ثم سار و خرج بالفيل معه، و سمعت بذلك العرب فأعظموه و فظعوا به، و رأوا أن جهاده حق عليهم حين سمعوا أنه يريد يهدم الكعبة بيت الله الحرام،

____________

(1) البلق: سواد و بياض. لسان العرب «بلق». و الله أعلم.

(2) كذا فى الأصل، و عند الأزرقى «و أعفا». و الله أعلم.

(3) تاريخ مكة للأزرقى (1/ 136- 140) من أول قوله: «و يتركوا الحج» من قول محمد بن يحيى قال: حدثنى من أثق به من مشيخة أهل اليمن.

(4) كذا فى الأصل، و فوقها علامة إلحاق و لا يوجد شى‏ء فى الهامش. و الله أعلم.

(5) أى: أحدثا فيها. من قول ابن هشام (1/ 84).

(6) حنقا أى: اشتد غيظه. المعجم الوسيط مادة «حنق».

82

فخرج إليه رجل من أشراف اليمن من ملوك حمير يقال له: ذو نفر، فدعا قومه و من أجابه من سائر العرب إلى حرب أبرهة و مجاهدته عن بيت الله و ما يريد من هدمه و إخرابه فأجابوه إلى ذلك، ثم عرض له فقاتله فهزم ذو نفر و أتى به أسيرا فلما أراد قتله، قال له ذو نفر: أيها الملك لا تقتلنى فعسى أن يكون مقامى معك خيرا لك من قتلى، فتركه من القتل و حبسه عنده فى وثاق، و كان أبرهة رجلا حليما ورعا ذا دين فى النصرانية، و مضى أبرهة على وجهه ذلك يريد ما خرج إليه، حتى إذا كان فى أرض خثعم عرض له نفيل بن حبيب الخثعمى فى قبائل من خثعم و من اتبعه من قبائل العرب فقاتله، فهزمه أبرهة و أخذ له نفيل أسيرا فأتى به، فقال له نفيل: أيها الملك لا تقتلنى فإنى دليلك بأرض العرب، فهاتان يداى على قبائل خثعم بالسمع و الطاعة فأعفاه و خلى سبيله و سار معه حتى إذا مر بالطائف خرج إليه مسعود بن مغيث‏ (1) فى رجال ثقيف، فقال: أيها الملك إنما نحن عبيدك سامعون لك مطيعون و ليس عندنا لك خلاف و ليس بيتنا هذا البيت الذى تريد يعنون اللات، إنما تريد البيت الذى بمكة، و نحن نبعث معك من يدلك عليه. فتجاوز عنهم و بعثوا معه أبا رغال مولى لهم يدله على مكة، فخرج أبرهة و معه أبو رغال حتى أنزلهم «بالمغمّس» (2)- بفتح الميم/ [37/ أ] الثانية و تشديدها- و قيل: بكسرها فلما أنزله به مات أبو رغال هنالك فرجمت قبره العرب، و هو قبره الذى يرجم بالمغمّس و هو الذى يقول فيه جرير بن الحطنا (3):

إذا مات الفرزدق فارجموه‏* * * كرجم الناس قبر أبى رغال‏ (4)

قال السهيلى: و روى أيضا أن أبا رغال من ثمود، و أنه كان بالحرم حين أصاب قومه الصيحة، فلما خرج من الحرم أصابه من الهلاك ما أصاب قومه فدفن هناك، و دفن معه غصنان من ذهب، و ذكر أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) مر بالقبر و أمر باستخراج الغصنين منه فاستخرجا (5). انتهى.

____________

(1) كذا فى الأصل، و عند الأزرقى «معتب». و الله أعلم.

(2) بالمغمّس- بالضم ثم الفتح، و تشديد الميم و فتحها: موضع قرب مكة فى طريق الطائف. معجم البلدان (5/ 161)، و الروض الأنف (1/ 68).

(3) كذا فى الأصل، و عند الأزرقى «الخطفى» و هو الصواب. و الله أعلم‏

(4) الشطر الثانى من البيت: كرجمكم لقبر أبى رغال. هكذا فى البداية و النهاية (2/ 159)، و الروض الأنف (1/ 67)، و فى تاريخ مكة للأزرقى (1/ 143) كما ترمون قبر أبى رغال.

و الله أعلم.

(5) الروض الأنف (1/ 67)، و راجع كلام ابن إسحاق فى البداية و النهاية (2/ 158، 159)،-

83

و لما نزل أبرهة المغمّس بعث رجلا من الحبشة يقال له: الأسود بن مقصود على خيل له حتى انتهى إلى مكة، فساق إليه أموال «أهل الحرم» (1) من قريش و غيرهم فأصاب فيها مائتى بعير لعبد المطلب بن هاشم، و هو يومئذ كبير قريش و سيدها، فهمت قريش و خزاعة و كنانة و هذيل و من كان فى الحرم بقتاله، ثم عرفوا أنهم لا طاقة لهم بقتاله فتركوا ذلك، و بعث أبرهة حناطة الحميرى إلى مكة، فقالوا له: سل عن سيد أهل هذه البلدة و شريفهم ثم قل لهم: إن الملك يقول لكم: إنى لم آت لحربكم إنما جئت لهدم هذا البيت، فإن لم تتعرضوا لقتال فلا حاجة لى بدمائكم، فإن هو «لم» (2) يرد حربى فائتنى به، فلما دخل حناطة مكة سأل عن سيد قريش و شريفها فقيل له: عبد المطلب فأرسل إلى عبد المطلب فأخبره بما قال أبرهة، فقال عبد المطلب: و الله ما نريد حربه و ما لنا بذلك من طاقة، و هذا بيت الله الحرام و بيت خليله/ [37/ ب‏] إبراهيم- (عليه السلام)-، فإن يمنعه فهو بيته و حرمه، و إن يخل بينه و بينه فو الله ما عندنا دفع. فقال له حناطة: فانطلق إليه فإنه قد أمرنى أن آتيه بك، فانطلق معه عبد المطلب و أردفه على بغلة له كان عليها و ركب معه بعض بنيه حتى أتى العسكر فسأل عن ذى نفر و كان له صديقا حتى دل عليه و هو فى مجلسه فقال: يا ذا نفر هل عندك من غناء فيما نزل بنا؟ فقال ذو نفر: و ما غناء رجل أسير فى يدى ملك ينتظر أن يقتله بكرة و عشية، ما عندى غناء من شى‏ء مما نزل بك إلا أن أنيسا سائس الفيل صديق لى، فأرسل إليه و أوصيه بك و أعظم عليه حقك، و أسأله أن يستأذن لك على الملك و تكلمه بما بدا لك، و يشفع لك عنده بخير إن قدر على ذلك، قال: حسبى. فبعث ذو نفر إلى أنيس فقال له: إن عبد المطلب سيد قريش و صاحب عير مكة يطعم الناس بالسهل و الجبل و الوحوش فى رؤوس الجبال، و قد أصاب الملك له مائتى بعير فاستأذن له عليه و انفعه عنده بما استطعت، فقال: أفعل فكلم أنيس أبرهة فقال له: أيها الملك هذا سيد قريش ببابك يستأذن عليك و هو صاحب عير مكة و هو سيدها و هو يطعم الناس بالسهل و الجبل و الوحوش فى رؤوس الجبال فأذن له عليك فليكلمك، فأذن له أبرهة و كان عبد المطلب أوسم رجل و أعظمه و أجمله فأذن له، فلما دخل عليه و رآه أبرهة أجله و كرمه عن أن يجلسه تحته، و كره أن تراه الحبشة معه على سريره فنزل أبرهة عن سريره فجلس على بساطه و أجلسه معه إلى جنبه، ثم قال لترجمانه‏

____________

- و سيرة ابن هشام (1/ 84- 87)، و تاريخ مكة للأزرقى (1/ 140- 143)، و تفسير القرطبى (20/ 187، 189).

(1) كذا فى الأصل، و عند الأزرقى «أهل تهامة». و الله أعلم.

(2) تكررت «لم» فى الأصل، و الصواب حذف أحدهما. و الله أعلم.

84

قل له: ما حاجتك؟ فقال له الترجمان: إن الملك يقول لك ما حاجتك؟ قال: حاجتى أن يرد علىّ الملك/ [38/ أ] مائتى بعير أصابها لى. فلما قال له ذلك، قال أبرهة لترجمانه قل له: قد كنت أعجبتنى حين رأيتك ثم زهدت فيك حين كلمتنى، تكلمنى فى مائتى بعير أصبتها لك و تترك بيتا هو دينك و دين آبائك و قد جئت أهدمه و لا تكلمنى فيه. قال عبد المطلب: إنى أنا رب إبلى و إن للبيت ربّا سيمنعه. قال: ما كان ليمنع منى. قال:

أنت و ذاك‏ (1).

قال ابن إسحاق: و كان قد ذهب مع عبد المطلب إلى أبرهة حين بعث إليه «حناطة الحميرى» «يعمر بن نفاشة (2) بن عدى» من بنى كنانة و هو يومئذ سيد بنى بكر، «و خويلد بن واثلة» و هو يومئذ سيد هذيل، فعرضوا على أبرهة ثلث أموال تهامة على أن يرجع عنهم و لا يهدم البيت فأبى عليهم‏ (3)، ورد أبرهة على عبد المطلب الإبل التى كان أصابها، فلما انصرفوا عنه انصرف عبد المطلب إلى قريش فأخبرهم الخبر و أمرهم بالخروج من مكة و التحرز (4) فى شعف الجبال خوفا عليهم من «معرة الجيش» (5)، ثم أقام عبد المطلب فأخذ بحلقة باب الكعبة و قام معه نفر من قريش يدعون الله و يستنصرونه على أبرهة و على جنده، فقال عبد المطلب و هو آخذ بحلقة باب الكعبة:

لا همّ إن المرء يمنع رحله فامنع حلالك‏ (6)* * * لا يغلبن صليبهم‏

و محالهم‏ (6) عدوا محالك‏ (7)* * * جروا جميع بلادهم‏

و الفيل كى يسبوا عيالك‏ (8)* * * عمدوا حمادك بكيدهم‏

جهلا و ما رقبوا جلالك‏ (7)

____________

(1) تاريخ مكة للأزرقى (1/ 143، 144)، و سيرة ابن هشام (1/ 87- 89) و البداية و النهاية (2/ 159، 160)، و الروض الأنف (1/ 68، 69) و تفسير القرطبى (20/ 189، 190) عن ابن إسحاق، و إن كان القرطبى لم يذكره عنه.

(2) كذا فى الأصل، و عند الأزرقى «نفاثة» و الله أعلم.

(3) جاء فى هذا الموضع «و الله أعلم أكان ذلك أم لا» و راجع تاريخ مكة للأزرقى (1/ 145)، و سيرة ابن هشام (1/ 89)، و الروض الأنف (1/ 69) و البداية و النهاية (2/ 160).

(4) التحرز: التمنع. لسان العرب مادة «حرز».

(5) معرة الجيش: شدته.

(6) حلالك- بكسر الحاء- جمع حلة: و هى جماعة البيوت. المعجم الوسيط مادة «حلّ».

(7) المحال: الكيد و القوة. المعجم الوسيط مادة «محل».

(8) هذا البيت ليس فى تاريخ مكة للأزرقى (1/ 145)، و لا فى سيرة ابن هشام (1/ 90)، و لا فى البداية و النهاية (2/ 160).

85

إن كنت تاركهم و كعتنا (1) فأمر ما بدا لك‏

ثم أرسل عبد المطلب حلقة باب الكعبة و انطلق هو و من معه من قريش إلى شعف الجبال فتحرزوا فيها ينتظرون ما أبرهة فاعل بمكة إذا دخلها، و قال عبد المطلب أيضا:

/ [38/ ب‏]

قلت و الأشرم تردى خيله‏* * * إن ذا الأشرم غر بالحرم‏

كاد يتبع فيمن‏ (2) جندت‏* * * حمير و الحى من ذاك قزم‏ (2)

فانثنى عنه و فى أوداجه‏* * * جارح‏ (3) أمسك منه بالكظم‏

نحن أهل الله فى بلدته‏* * * لم يزل ذاك على عهد إبرهم‏

نعبد الله و فينا شيمة* * * صلة القربى و إيفاء الذمم‏

إن للبيت لربّا مانعا* * * من يرده بآثام يصطلم‏ (4)

و قوله: إبرهم يريد إبراهيم- (عليه السلام)- و لما أصبح أبرهة تهيأ لدخول مكة و هدم الكعبة و هيأ فيله و عبأ جيشه و قدم فيله أمام جيشه، و كان اسم الفيل محمودا (5) و كان فيل النجاشى بعثه إلى أبرهة و كان فيلا لم ير مثله فى الأرض عظما و جسما و قوة.

و قال مقاتل: لم يكن معهم إلا ذلك الفيل الواحد فلذلك قال تعالى: أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ‏ (6). و قال الضحاك: كانت الفيلة ثمانية غير الفيل الأعظم. و قيل: اثنى عشر فيلا. و قيل: ألف فيل. و قيل: إنما وحّد فى القرآن لوفاق رؤوس الآى. و قيل: نسبهم إلى الفيل الأعظم. فلما وجهوا الفيل إلى مكة أقبل نفيل بن حبيب الخثعمى حتى قام إلى جنب الفيل فالتقم أذنه فقال: ابرك محمودا و ارجع راشدا من حيث جئت فإنك فى بلد الله الحرام ثم أرسل أذنه فبرك، و خرج نفيل بن حبيب يشتد حتى صعد فى الجبل، فضربوا الفيل ليقوم فأبى فضربوا رأسه بالطبرزين‏ (7) فأبى فأدخلوا

____________

(1) كذا فى الأصل، و عند الأزرقى و ابن كثير فى البداية و النهاية «قبلتنا». و الله أعلم.

(2) كذا فى الأصل، و عند الأزرقى و غيره «فيما .. قدم» و الله أعلم.

(3) كذا فى الأصل، و عند الأزرقى «حارج». و الله أعلم.

(4) يصطلم: يستأصل و يباد. المعجم الوسيط «صلمة».

(5) أخبار مكة للأزرقى (1/ 145، 146)، و سيرة ابن هشام (1/ 89- 91)، و الروض الأنف (1/ 69- 71)، و البداية و النهاية (2/ 160)، و تفسير القرطبى (20/ 190، 191).

(6) سورة الفيل: الآية (1)، و قول مقاتل، حكاه القرطبى بقوله: قال الأكثرون. و الله أعلم.

(7) الطبرزين: قال البكرى: الأصل فيه- بفتح الباء- و معناه شجر قطع بفأس. اه. من الروض (1/ 72)، و حكى فيه كذلك سكون الباء، و قال أبو ذر: آلة معقفة من حديد. شرح السيرة-

86

محاجمهم‏ (1) تحت مراقه‏ (2) و مرافقه فدفعوه‏ (3) بها ليقوم فأبى، فوجهوه راجعا إلى اليمن فقام يهرول و وجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك، و وجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك و وجهوه إلى مكة فبرك،/ [39/ أ] و أرسل الله تعالى عليهم طيرا من البحر أمثال الخطاطيف مع كل طائر منها ثلاثة أحجار يحملها: حجر فى منقاره، و حجران فى رجليه أمثال الحمص و العدس- و فى رواية: فوق العدسة و دون الحمصة- بتشديد الميم و بتخفيفها- فلما غشيت القوم أرسلتها عليهم- فلم تصب تلك الحجارة أحدا إلا هلك و ليس كلهم أصابت‏ (4)، فذلك قوله تعالى‏ وَ أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ‏ (5). أى: أقاطيع كالإبل المؤبلة يتبع بعضها بعضا (6)، واحدها إبالة (7). و قيل: متفرقة (8). يقال: جاءت الخيل أبابيل- أى متفرقة- و من هاهنا و هاهنا. قال أبو عبيد: لا واحد لها (9). و قيل: واحدها إبول كعجول، أو إبّيل كسكّين، أو أبولة و هى الحزمة الكبيرة من الحطب‏ (10)، شبهت الطير بها لكثرتها و اجتماعها.

و قال ابن عباس: لها خراطيم كخراطيم الطير و أكف كأكف الكلاب. و قال عكرمة: كان لها رؤوس كرؤوس السباع لم تر قبل ذلك و لا بعده. و قال ربيع: لها أنياب‏

____________

- (1/ 91). و الله أعلم.

(1) كذا فى الأصل، و عند الأزرقى «محاجنهم» و المحجن: عصا معقفة الرأس كالصولجان. لسان العرب «حجن». و الله أعلم.

(2) مراقه: ما رق من أسفل البطن ولان. لسان العرب «مرق».

(3) كذا فى الأصل، و عند الأزرقى «فبزغوه» أى: أدموه كما فى الروض الأنف (1/ 72). و الله أعلم.

(4) تاريخ مكة للأزرقى (1/ 146)، و سيرة ابن هشام (1/ 92)، و الروض الأنف (1/ 71)، و البداية و النهاية (2/ 160، 161)، و تفسير القرطبى (20/ 191، 192) عن ابن إسحاق.

(5) سورة الفيل: الآية (3).

(6) نقله القرطبى فى تفسيره (20/ 197) عن ابن عباس و مجاهد. و قوله: كالإبل المؤبلة عن إسحاق ابن عبد الله بن الحارث بن نوفل.

(7) قال القرطبى: قال الفراء: لا واحد له من لفظه، و زعم الرؤاسى- و كان ثقة- أنه سمع فى واحدها «إبّالة» مشددة، و حكى الفراء «إبالة» مخففا. تفسير القرطبى (20/ 198).

(8) نقله القرطبى فى تفسيره (20/ 197) عن ابن مسعود و ابن زيد و الأخفش. قال النحاس: و هذه الأقوال متفقة ... إلخ.

(9) تاج العروس مادة «أبل» (7/ 199).

(10) راجع تاج العروس مادة «أبل»، و تفسير القرطبى (20/ 197).

87

كأنياب السباع. و قال سعيد بن جبير: طير خضر لها مناقير صفر. و قالت عائشة- رضى الله عنها-: هى أشبه شى‏ء بالخطاطيف. و قيل: أشباه الوطاويط و كانت حمرا.

و قيل: سودا. و قيل: بيضاء. و قال أبو الجوزاء: أنشأها الله فى ذلك الوقت‏ (1).

و قوله تعالى: تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ‏ (2). أى: من طين مطبوخ بالنار كما يطبخ الآجر مكتوب فيها أسماء القوم‏ (3). و قيل: معرب من سنك و كل، فسنك هو الحجر و كل هو الطين و الماء (4). و قيل: من سجيل أى من السماء، و هى الحجارة التى نزلت على قوم لوط. و قيل: من الجحيم و هى سجين ثم أبدلت اللام نونا (5). قال الزمخشرى:

و سجيل كأنه علم للديوان الذى كتب فيه عذاب الكفار كما أن سجينا/ [39/ ب‏] علم لديوان أعمالهم، كأنه قيل: بحجارة من جملة العذاب المكتوب المدون، و اشتقاقه من الإسجال و هو الإرسال؛ لأن العذاب موصوف بذلك، كقوله: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ‏ (6). وَ أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ‏ (7).

قال ابن مسعود: و صاحت الطير و رمتهم، و بعث الله ريحا فضربت الحجارة فزادتها شدة فما وقع منها حجر على رجل إلا خرج من الجانب الآخر، و إن وقع على رأسه خرج من دبره‏ (8). فقوله: فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ‏ (9). أى: كزرع قد أكل حبه و بقى تبنه.

و يروى: أن الحجر كان يقع على أحدهم فيخرج كل ما فى جوفه فيبقى كقشر الحنطة إذا خرجت منه الحبة (10). و يروى: أنها لم تصيبهم كلهم لكنها أصابت من‏

____________

(1) راجع هذه الأقوال فى تفسير القرطبى، و ابن كثير، و الطبرى، و هى موجودة كلها فى تفسير البغوى (4/ 528، 529).

(2) سورة الفيل: الآية (4).

(3) تفسير القرطبى (20/ 198).

(4) كذا فى الأصل، و عند ابن كثير و ابن هشام «سنج و جل فسنج ... و جل» و الله أعلم. و راجع تفسير ابن كثير (4/ 551)، و سيرة ابن هشام (1/ 95)، و مع الروض الأنف (1/ 74)، و فى كل هذه (سنج جل) و الذى فى الكشاف (4/ 234): (سنككل).

(5) تفسير القرطبى (20/ 198).

(6) سورة الأعراف: الآية (133).

(7) سورة الفيل: الآية (3)، و راجع الكشاف (4/ 234) فإلى هنا انتهى النقل من الكشاف.

(8) تفسير البغوى (4/ 529)، و تفسير القرطبى (20/ 199).

(9) سورة الفيل: الآية (5).

(10) تفسير القرطبى (20/ 199)، و تفسير ابن كثير (4/ 552)، و تفسير البغوى (4/ 529).

88

شاء الله منهم. و قيل: هلك القوم جميعا فلما رأت الحبشة ذلك خرجوا هاربين يبتدرون‏ (1) التى منه جاءوا، و يسألون عن نفيل بن حبيب ليدلهم على الطريق إلى اليمن، و قال نفيل بن حبيب حين رأى ما أنزل الله بهم من عذابه:

أين المفر و الإله الطالب‏* * * و الأشرم المغلوب غير الغالب‏

و قال نفيل أيضا فى ذلك:

ألا حييت عنا ياردينا* * * نعمناكم مع الإصباح عينا

ردنيه لو رأيت و لن تريه‏* * * لدى جنب المحصب ما رأينا

إذا لعذرتنى و حمدت أمرى‏* * * و لم تأسى على ما فات بينا

حمدت الله إذ عاينت طيرا* * * و خفت حجارة تلقى علينا

و كل القوم يسأل عن نفيل‏* * * كأن علىّ للحبشان دينا

و نفيل ينظر إليهم من بعض تلك الجبال، و قد خرج القوم و ماج بعضهم فى بعض، فخرجوا يتساقطون بكل طريق و يهلكون على كل منهل، و بعث الله على أبرهة داء فى جسده/ [40/ أ] فجعل تتساقط أنامله، كلما سقطت أنملة أتبعتها مدة من قيح و دم فانتهى إلى صنعاء و هو مثل فرخ الطير ممن بقى من أصحابه و ما مات حتى انصدع صدره عن قبله‏ (2) ثم هلك، و أقام بمكة ضعف الجيش و بعض من ضمه العسكر فكانوا بمكة يعتملون و يرعون لأهل مكة. انتهت قصة أصحاب الفيل‏ (3).

قال مقاتل بن سليمان: إن السبب الذى جر حديث أصحاب‏ (4) هو أن فتية من قريش خرجوا تجارا إلى أرض النجاشى فساروا حتى دنوا من ساحل البحر فى سند حقف من أحقافه ببيعة للنصارى تسميها قريش «الهيكل»، و يسميها النجاشى و أهل أرضه «الماسرجسان»، فنزل القوم فى سندها فجمعوا حطبا و أججوا نارا و شووا لحما، فلما ارتحلوا تركوا النار كما هى فى يوم عاصف فعجت الرياح فاضطرم الهيكل نارا، و انطلق الصريخ إلى النجاشى فأخبره فأسف عند ذلك غضبا للبيعة فبعث أبرهة لهدم الكعبة (5).

____________

(1) فى الأصل إلحاق و لا يوجد فى الهامش أثره، و الذى عند الأزرقى و ابن كثير «يبتدرون الطريق».

و به يستقيم المعنى. و الله أعلم.

(2) تاريخ مكة للأزرقى (1/ 146، 147)، و سيرة ابن هشام (1/ 92، 93)، و الروض الأنف (1/ 71، 72)، و البداية و النهاية (2/ 161)، و تاريخ الطبرى (2/ 136، 137).

(3) تاريخ مكة للأزرقى (1/ 147).

(4) كذا فى الأصل، و عند القرطبى و البغوى «أصحاب الفيل» و به يتم المعنى. و الله أعلم.

(5) تفسير القرطبى (20/ 192، 193) عن الكلبى و مقاتل، و تفسير البغوى (4/ 527) عن مقاتل-

89

و قال فيه: و كان بمكة يومئذ أبو مسعود الثقفى، كان مكفوف البصر يصيف بالطائف و يشتو بمكة و كان رجلا نبيها نبيلا عاقلا، و كان لعبد المطلب خليلا فقال عبد المطلب يا أبا مسعود: هذا يوم لا يستغنى فيه عن رأيك فماذا عندك؟ فقال أبو مسعود لعبد المطلب:

اعمد إلى مائة من الإبل فاجعلها حرما لله و قلدها نعلا ثم أثبتها فى الحرم لعل بعض هؤلاء السودان يعقر منها فيغضب رب هذا البيت فيأخذهم، ففعل مثل ذلك عبد المطلب فعمد القوم إلى تلك الإبل فحملوا عليها و عقروا بعضها فجعل عبد المطلب يدعو، فقال أبو مسعود: إن لهذا البيت ربّا يمنعه فقد نزل تبع ملك اليمن بصحن هذا البيت و أراد هدمه فمنعه الله و ابتلاه و أظلم عليه ثلاثة أيام، فلما/ [40/ ب‏] رأى تبع ذلك كساه القباطى البيض و عظمه و نحر له جزورا فانظر نحو اليمن هل ترى شيئا؟ فنظر عبد المطلب فقال:

أرى طيرا بيضا نشأت من شاطئ البحر و حلقت على رؤوسنا فقال: هل تعرفها؟

قال: و الله ما أعرفها ما هى بنجدية و لا غربية و لا شامية و إنها لطير بأرضنا غير مؤنسة (1). قال: ما قدرها؟ قال: أشباه اليعاسيب‏ (2)، فى مناقيرها حصى كأنها حصى الخذف قد أقبلت كالليل يكسع بعضها بعضا، أمام كل دفعة طير يقودها أحمر المنقار أسود الرأس طويل العنق فجاءت حتى إذا حازت عسكر القوم ركدت فوق رؤوسهم ثم أمالت الطير ما فى مناقيرها على من تحتها، مكتوب على كل حجر اسم صاحبه ثم رجعت من حيث جاءت- و قيل: كان على كل حجر مكتوبا «من أطاع الله نجا و من عصاه غوى»- فلما أصبحا انحطا من ذروة الجبل فمشيا فلم يؤنسا أحدا، ثم مشيا فلم يسمعا حسّا فقالا:

بات القوم سامدين‏ (3) فأصبحوا نياما، فلما دنوا من عسكر القوم إذا هم خامدون، و كان الحجر يقع على بيضة أحدهم فيخرقها حتى يقع فى دماغه، و يخرق الفيل و الدابة و يغيب الحجر فى الأرض من شدة وقعه، فأخذ عبد المطلب فأسا و حفر حتى أعمق فى الأرض فملأه من الذهب الأحمر و الجوهر الجيد و حفر لصاحبه فملأه، ثم قال لأبى مسعود: هات خاتمك فاختر إن شئت أخذت حفرتى و إن شئت حفرتك و إن شئت فهما لك. فقال أبو مسعود: اختر لى على نفسك. فقال عبد المطلب: إنى لم أك أن أجعل المتاع فى حفرتى فهى لك. و جلس كل واحد منهما على حفرته و نادى عبد المطلب‏

____________

- و عند البغوى «فهاجت الرياح» بدلا من «فعجت الريح». و الله أعلم.

(1) أى: غريبة.

(2) جمع يعسوب: و هى ملكة النحل. «المعجم الوسيط».

(3) كذا فى الأصل، و عند البغوى «سامرين» أى: من السمر و هو التحدث مع الجليس ليلا. المعجم الوسيط. و الله أعلم.

90

فى الناس فتراجعوا و أصابوا من فضلهما حتى ضاقوا بذلك ذرعا، و ساد عبد المطلب بذلك/ [41/ أ] قريشا فلم يزل عبد المطلب و أبو مسعود فى غنى من ذلك المال إلى أن ماتا (1).

و قال الواقدى بإسناده: وجه النجاشى أرياط بأربعة آلاف إلى اليمن فغلب عليها فأكرم الملوك و استذل الفقراء، فقام رجل من الحبشة يقال له: أبرهة الأشرم أبو يكسوم فدعا إلى طاعته فأجابوه فقتل أرياط و غلب على اليمن، فرأى الناس يتجهزون أيام الموسم للحج قال: أين يذهب الناس؟ فقالوا: يحجون بيت الله بمكة. قال: مم هو؟ قالوا:

من حجارة. قال: فما كسوته؟ قالوا: الوصائل. قال: و المسيح لأبنين لكم خيرا منه.

فبنى لهم بيتا عمله بالرخام الأبيض و الأسود و الأحمر و الأصفر و حلاه بالذهب و الفضة و حفه بالجواهر، و جعل له أبوابا عليها صفائح الذهب و مسامير الذهب و رصّعها بالجواهر و جعل فيها ياقوتة حمراء عظيمة و جعل لها حجّابا، و كان يوقد بالمندل و يلطخ جدره بالمسك حتى يطيب الجواهر، و أمر الناس بحجه فحجه كثير من قبائل العرب سنين و مكث فيه رجال يتعبدون و يتنسكون، فأمهل نفيل الخثعمى حتى كان ليلة من الليالى و لم ير أحدا يتحرك جاء بعذرة فلطخ بها قبلته و ألقى فيه الجيف، فأخبر أبرهة بذلك فغضب غضبا شديدا و قال: إنما فعل هذا العرب غضبا لبيتهم لأنقضه حجرا حجرا. و كتب إلى النجاشى يخبره بذلك و يسأله أن يبعث إليه بفيله محمودا (2)، و كان فيلا لم ير مثله فى الأرض عظما و جسما و قوة فبعث به إليه فغزا البيت كما ذكرنا إلى أن قال: أقبلت الطير من البحر مع كل طائر حجران فى رجليه و حجر فى منقاره، فقذفت الحجارة عليهم لا تصيب شيئا إلا هشمته و إلا نفط ذلك الموضع، و كان ذلك أول ما رؤى الجدرى و الحصبة بأرض العرب ذلك/ [41/ ب‏] العام، و أول ما رؤى بها من أمرّ الشجر من الحرمل‏ (3) و الحنظل و العشر (4) فى ذلك العام فأهمدتهم الحجارة، و بعث الله سيلا آتيا فذهب بهم إلى البحر فألقاهم فيه، و ولى أبرهة و من بقى معه هرابا، فجعل أبرهة يسقط عضوا عضوا حتى مات، و أما محمود فيل النجاشى فربض‏ (5) و لم يشجع على الحرم فنجا، و أما الأخر فشجعت فحصبت و هلكت‏ (6).

____________

(1) تفسير البغوى (4/ 527، 528)، و فى تفسير القرطبى (20/ 193) نحوه.

(2) كذا فى الأصل، و عند الطبرى «محمود» و الله أعلم.

(3) الحرمل: نبات صحراوى، من الفصيلة الرطريطية، يستعمل فى الطب. «المعجم الوسيط».

(4) العشر: شجر له صمغ، و فيه حراق مثل القطن يقتدح به. لسان العرب مادة «عشر».

(5) ربض: طوى قوائمه و لصق بالأرض و أقام. «المعجم الوسيط» و المعنى هنا: أنه ثبت و لم يتحرك.

و الله أعلم.

(6) تاريخ الطبرى (2/ 137- 139) من عدة طرق عن ابن عباس.

91

قال الأزرقى: و قال بعض المكيين: أول ما كانت بمكة حمام اليمام الحرمية ذلك الزمان، يقال: إنها من نسل الطير التى رمت أصحاب الفيل حين خرجت من البحر من جدة (1).

و قال الكلبى: لما أهلكهم الله بالحجارة لم يفلت منهم إلا أبرهة أبو يكسوم، فسار و طائر يطير فوقه و لم يشعر به حتى دخل على النجاشى فأخبره بما أصابهم، فلما استتم كلامه رماه الطائر فسقط ميتا فأرى الله النجاشى كيف كان هلاك أصحابه.

و قال الواقدى: كان أبرهة جدّ النجاشى الذى كان فى زمن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و آمن به‏ (2).

و قال القرطبى فى «التفسير»: و كان أصحاب الفيل ستين ألفا لم يرجع منهم إلا أميرهم رجع و معه شرذمة لطيفة، فلما أخبروا بما رأوا أهلكوا (3).

و قال السهيلى: فلما هلك و مزقت الحبشة كل ممزق و أقفر ما حول هذه الكنيسة فلم يعمرها أحد، و كثرت حولها السباع و الحيات، و كان كل من أراد أن يأخذ شيئا منها «أصابته الجن» (4) فبقيت من ذلك العهد بما فيها من العدد و الخشب المرصع بالذهب و الآلات المفضضة التى تساوى قناطير من المال، لا يستطيع أحد أن يأخذ منها شيئا إلى زمن «أبى العباس السفاح»، فذكر له من أمرها و ما يتهيب من جنها و حيّاتها فلم يرعه ذلك و بعث إليها «أبا العباس بن الربيع»/ [42/ أ] عامله على اليمن معه أهل الحزم و الجلادة (5) فخربها و حصّلوا منها مالا كثيرا، بيع ما أمكن بيعه من رخامها و آلاتها، فعفى بعد ذلك رسمها و انقطع خبرها و اندرست آثارها، و كان الذى يصيبهم من الجن ينسبونه إلى كعيب و امرأته‏ (6) أصيب الذى كسرهما بجذام فافتتن بذلك رعاع الناس و طغاتهم‏ (7).

و اختلفوا فى تاريخ عام الفيل: قال مقاتل: كان أمر الفيل قبل مولد النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) بأربعين سنة (8). و قيل: بثلاثين.

____________

(1) تاريخ مكة للأزرقى (1/ 148).

(2) راجع تفسير القرطبى (20/ 193).

(3) (20/ 193).

(4) تكررت فى الأصل.

(5) أى: الصبر على المكروه.

(6) فى الروض الأنف (1/ 63): صنمين كانت الكنيسة عليهما، فلما كسر كعيب و امرأته أصيب ... إلخ.

(7) الروض الأنف (1/ 63)، و الطغام: أرذال الناس و أوغادهم. المعجم الوسيط.

(8) تفسير القرطبى (20/ 194)، و تفسير البغوى (4/ 528).

92

و قال عبيد بن عمير و الكلبى: كان قبل مولده بثلاث و عشرين سنة (1). و قال الآخرون: بل كانت قصة الفيل فى العام الذى ولد فيه رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و على هذا أكثر العلماء و هو الأصح‏ (2) يدل عليه ما روى عن عبد الملك بن مروان أنه قال لقباث بن أشيم‏ (3) الكنانى الليثى: يا قباث أنت أكبر سنا أم رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)؟ قال: رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) أكبر منى و أنا أسن منه، ولد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) عام الفيل‏ (4)، و وقفت بى أمى على روث الفيل أخضر، و روى خرء الطير أخضر محيلا- أى: قد أتى عليه حول-.

و يدل عليه أيضا ما روى عن عائشة- رضى الله عنها- قالت: رأيت قائد الفيل و سائسه بمكة أعميين مقعدين يستطعمان الناس‏ (5). و قيل: بعد خمسين يوما من الفيل‏ (6).

و قيل: بعد قدوم أصحاب الفيل بشهرين و كان لعشرين من نيسان. و قيل: بعد قدومهم بخمس و خمسين ليلة.

و قول عبد المطلب: لا هم إن المرء يمنع رحله إلى آخره. حذفت الألف و اللام من (اللهم) و اكتفى بما بقى كما تقول: لاه أبوك تريد الله أبوك قاله السّهيلى‏ (7)، و الحلال بالكسر: القوم الحلول فى المكان يريد بهم سكان الحرم. قال/ [42/ ب‏] السهيلى:

و الحلال أيضا: متاع البيت، و جائز أن يستعيره هاهنا (8)، و قوله: فبرك الفيل: فيه نظر؛ لأن الفيل لا يبرك فيحتمل أن بروكه سقوطه على الأرض لما جاءه من أمر الله، و يحتمل أن يكون فعل فعل البارك الذى يلزم موضعه لا يبرح فعبر بالبروك عن ذلك. قال:

و سمعت من يقول إن فى الفيلة صنفا منها يبرك كما يبرك الجمل، فإن صح و إلا فتأويله ما

____________

(1) تفسير القرطبى (20/ 194)، و هو فى تفسير البغوى (4/ 528) عن الكلبى فقط.

(2) تفسير القرطبى (20/ 194) و صدره بقوله: و الصحيح، و تفسير البغوى (4/ 528) و صدره بقوله: و الأكثرون.

(3) كذا فى الأصل، و عند القرطبى «أسيد» و الصواب ما فى الأصل، كما ضبطه ابن حجر و غيره راجع التقريب، و هو بتخفيف الباء. و الله أعلم.

(4) تفسير القرطبى (20/ 195) و باقى القصة تختلف عما هنا. و الله أعلم.

(5) دلائل النبوة للبيهقى (1/ 125)، و تاريخ مكة للأزرقى (1/ 148، 149)، و سيرة ابن هشام (1/ 97، 98)، و البداية و النهاية (2/ 162)، و تفسير القرطبى (20/ 195) و قد صرح ابن إسحاق فيه بالسماع.

(6) تفسير القرطبى (20/ 194) و نقله عن الماوردى من كتاب «أعلام النبوة».

(7) الروض الأنف (1/ 70) و هو بمعناه لا بلفظه، و عند السهيلى: «للّه أبوك» و هو الصواب.

و الله أعلم.

(8) الروض الأنف (1/ 70).

93

قدمناه‏ (1).

قال السّهيلى: و كانت الفيلة ثلاثة عشر فيلا فهلكت كلها إلا محمودا و هو فيل النجاشى من أجل أنه أبى من التوجه إلى الحرم‏ (2). قال: و قال ابن عباس: كان أصغر الحجارة كرأس الإنسان و كبارها كالإبل، و كانت قصة الفيل فى أول المحرم من سنة اثنين و ثمانين و ثمانمائة من تاريخ ذى القرنين‏ (3). و قوله: «فضربوا رأسه بالطبرزين» بفتح الباء هذا هو الأصل كما ذكره البكرى فى المعجم و الطبر هو الفأس، و قد تسكن الباء؛ لأن العرب تتلاعب بالأسماء الأعجمية تلاعبا و لا تقرها على حال قاله ابن جنى. و روى يونس عن ابن إسحاق: أن الفيل ربض فجعلوا يقسمون بالله أنهم رادوه إلى اليمن فيحرك لهم أذنيه كأنه يأخذ عليهم بذلك عهدا، فإذا أقسموا له قام يهرول فيردونه إلى مكة فيربض، فيحلفون له فيحرك لهم أذنيه كالمؤكد عليهم القسم ففعلوا ذلك مرارا، و فى رواية: أنهم استشعروا العذاب فى ليلة ذلك اليوم؛ لأنهم نظروا إلى النجوم كالحة إليهم تكاد تكلمهم من اقترابها منهم ففزعوا لذلك‏ (4).

قال المرجانى فى «بهجة النفوس»: و أقبلت الطير من ناحية البحر يوم الاثنين.

قال القرطبى فى تفسيره: قال علماؤنا: كانت قصة الفيل فيما يعد من معجزات النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و إن كان قبله. قال: و قال أبو صالح: و رأيت فى بيت أم هانئ بنت أبى طالب نحوا من قفيزين من/ [43/ أ] تلك الحجارة سوداء مخططة بحمرة (5).

فإن قيل: كيف منع أصحاب الفيل من الكعبة قبل مصيرها قبلة و منسكا، و لم يمنع الحجّاج من هدمها و قد صارت قبلة و منسكا حين أحرقها و نصب المنجنيق عليها (6)؟! فالجواب: إن فعل الحجاج كان بعد استقرار الدين فاستغنى عن آيات تأسيسه، و أصحاب الفيل كانوا قبل ظهور النبوة فجعل المنع منها آية لتأسيس النبوة و مجى‏ء الرسالة، و أجاب الزمخشرى عنه: بأن الحجاج ما قصد التسليط على البيت و إنما تحصن به ابن الزبير فاحتال لإخراجه ثم بناه، و لما قصد التسليط عليه أبرهة فعل به ما فعل على أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) قد أنذر بهدمها، فصار الهدم آيه بعد ما كان المنع آية، و قد عاصر رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فى‏

____________

(1) الروض الأنف (1/ 71، 72).

(2) الروض الأنف (1/ 72).

(3) فى يوم الأحد السابع عشر من المحرم كما ذكره فى الجامع اللطيف (1/ 235).

(4) الروض الأنف (1/ 72، 73) من أول قول ابن عباس.

(5) تفسير القرطبى (20/ 195).

(6) أجاب الحافظ فى الفتح (3/ 539) عن هذه المسألة، بكون ذلك يقع فى آخر الزمان قرب قيام الساعة، و أنه علامات النبوة لقوله (صلّى اللّه عليه و سلّم) لن يستحل هذا البيت إلا أهله فراجعه فإنه مهم. و الله أعلم.

94

زمان نبوته بعد هجرته جماعة شاهدوا الفيل منهم: «حكيم بن حزام»، «و حويطب ابن عبد العزى»، «و نوفل بن معاوية»؛ لأن كل واحد من هؤلاء عاش مائة و عشرين سنة ستين فى الجاهلية و ستين فى الإسلام.

قال كمال الدين الدميرى فى كتابه «حياة الحيوان»: إذا دخل إنسان على من يخاف شره فليقرأ كهيعص (1)، حم عسق (2) و عدد حروف الكلمتين عشر يعقد لكل حرف إصبعا من أصابعه يبدأ بإبهام اليد اليمنى و يختم بإبهام اليد اليسرى، فإذا فرغ عقد جميع الأصابع، قرأ فى نفسه سورة الفيل فإذا وصل إلى قوله: «ترميهم» كرر لفظ ترميهم عشر مرات يفتح فى كل مرة إصبعا من الأصابع المعقودة، فإذا فعل ذلك أمن شره و هو عجيب مجرب‏ (3). و كنية الفيل أبو الحجاج و أبو الحرمان و أبو دغفل و أبو كلثوم و أبو مزاحم، و الفيلة أم شبل، و فى «ربيع الأبرار» كنية فيل الحبشة أبو العباس، و قد/ [43/ ب‏] ألغز فى اسم الفيل فقيل:

ما اسم شى‏ء تركيبه من ثلاث‏* * * و هو ذو أربع تعالى الإله‏

قيل تصحيفه و لكن إذا ما* * * عكسوه يكون لى ثلثاه‏

و هو لا يتلاقح إلا فى بلاده و معادنه و إن صار أهليّا، و هو إذا اغتلم‏ (4) أشبه الجمل فى ترك الماء و العلف حتى تتورم رأسه و لم يكن لسواسه غير الهرب منه، و الذكر ينزو (5) إذا مضى له من العمر خمس سنين، و زمان نزوه الربيع، و الأنثى تحمل سنتين فإذا حملت لا يقربها الذكر و لا يلمسها و لا ينزو عليها إلا بعد ثلاث سنين، و قيل: تحمل سبع سنين، و لا ينزو إلا على فيلة واحدة و له عليها غيرة شديدة، و إذا تم حملها و أرادت الوضع دخلت النهر حتى تضع ولدها؛ لأنها تلد و هى قائمة و لا فواصل لقوائمها فتلد، و الذكر عند ذلك يحرسها و ولدها من الحيات، و يزعم أهل الهند أن لسان الفيل مقلوب لو لا ذلك لتكلم، و فيه من الفهم ما يقبل به التأديب و يفعل ما تأمره من السجود للملوك و غير ذلك من الخير و الشر فى حالتى السلم و الحرب، و فيه من الأخلاق أنه يقاتل بعضه بعضا و المقهور منهما يخضع للقاهر، و أهل الهند يعظمونه؛ لما اشتمل عليه من الخصال المحمودة من علو سمكه‏

____________

(1) سورة مريم: الآية (1)

(2) سورة الشورى: الآية (1، 2)، و كتب فى الأصل كلمة واحدة و هو خطأ.

(3) حياة الحيوان (2/ 193).

(4) هكذا فى حياة الحيوان (2/ 188)، و هو من الغلمة: أى هياج شهوة النكاح. «لسان العرب» مادة «غلم». و الله أعلم.

(5) ينزو: من «نزا» و هو الوثوب.

95

و عظم صورته و بديع منظره و طول خرطومه وسعة أذنه، و طول عمره و ثقل حمله و خفة و طئه فإنه ربما مرّ بالإنسان و لا يشعر به لحسن خطوه و استقامته، و لطول عمره حكى أرسطو أن فيلا ظهر أن عمره أربعمائة سنة و اعتبر ذلك بالموسم‏ (1). و بينه و بين السّنور عداوة طبيعية حتى أن الفيل يهرب منه، كما أن السبع يهرب من الديك الأبيض، و كالعقرب و أنها متى رأت الوزغة ماتت.

و ذكر القزوينى أن فرج الفيلة/ [44/ أ] تحت بطنها (2)، فإذا كان وقت الضراب ارتفع و برز للفحل حتى يتمكن من إيتانه فسبحان من لا يعجزه شى‏ء عن شى‏ء (3).

و لما رد الله سبحانه الحبشة عن مكة و أصابهم ما أصابهم من النقمة، أعظمت العرب قريشا، و قالوا: أهل الله قاتل عنهم و كفاهم مؤنة عدوهم فجعلوا يقولون فى ذلك الأشعار، و يذكرون فيها ما صنع الله تعالى بالحبشة و ما دفع عن قريش من كيدهم، و يذكرون الأشرم و الفيل و مساقه إلى الحرم و ما أراد من هدم البيت و استحلال حرمته‏ (4).

[فصل‏] ذكر بناء قريش الكعبة فى الجاهلية

كانت الكعبة قبل أن تبنيها قريش و ضما (5) يابسا ليس بمدر (6) تبروه‏ (7) العناق، و كان بابها بالأرض و لم يكن لها سقف و إنما تدلى الكسوة على الجدر من خارج و تربط من أعلى الجدر من بطنها، و كان فى بطن الكعبة عن يمين من دخلها جب‏ (8) يكون فيه ما يهدى للكعبة من مال و حلية كهيئة الخزانة، و كان على ذلك الجب حية تحرسه بعثه الله منذ زمن جرهم، و ذلك أنه عدا على ذلك الجب قوم من جرهم فسرقوا مالها و حليتها مرة بعد مرة، فبعث الله تعالى تلك الحية فحرست الكعبة و ما فيها خمسمائة سنة، ثم لم تزل كذلك حتى بنت قريش الكعبة، و كان قرنا الكبش الذى ذبحه إبراهيم- (عليه السلام)-

____________

(1) كذا فى الأصل، و فى حياة الحيوان «بالوسم» و هو من الفراسة، تقول: توسمت فيه الخير أى:

تفرست. لسان العرب مادة «وسم».

(2) جاء فى حياة الحيوان المطبوع (2/ 188): «إبطها» و هو تحريف. و الله أعلم.

(3) حياة الحيوان للدميرى (2/ 188) من أول قوله: و كنية الفيل.

(4) تاريخ مكة للأزرقى (1/ 148) عن بعض المكيين.

(5) كذا فى الأصل و هو من الوضم: خشبة أو بارية يوضع عليها اللحم، و عند الأزرقى «رضما» من الرضم و هو الحجارة البيض. لسان العرب مادة «رضم».

(6) المدر: الطين اللزج المتماسك، و القطعة منه مدرة. «المعجم الوسيط».

(7) كذا فى الأصل، و عند الأزرقى «تنزوه» من الوقوع و الوطء. و الله أعلم.

(8) الجب: البئر الواسعة «المعجم الوسيط».

96

معلقين فى بطنها بالجدر تلقاء من دخلها و يطيبان إذا طيب البيت، و كان فيها معاليق من حلية كانت تهدى للكعبة، و سبب بناء قريش الكعبة أن امرأة ذهبت تجمر الكعبة فطارت من مجمرتها شرارة فاحترقت كسوتها، و كانت الكسوة عليها ركاما بعضها فوق بعض فلما احترقت الكعبة توهنت جدرانها من كل جانب و تصدعت/ [44/ ب‏]، و كانت السيول متواترة فجاء سيل عظيم و هى على تلك الحال فدخل الكعبة و صدع جدرانها و أحافها (1)، ففزعت من ذلك قريش فزعا شديدا و هابو هدمها و خشوا إن ينسوها أن ينزل عليهم العذاب، فبينما هم على ذلك ينتظرون و يتشاورون إذ أقبلت سفينة للروم حتى إذا كانت بالشّعيبة (2)- بضم الشين المعجمة- و هى يومئذ ساحل مكة قبل جدة فانكسرت فسمعت بها قريش، فركبوا إليها فاشتروا خشبها، و أذنوا لأهلها أن يدخلوا مكة فيبيعوا ما معهم من متاعهم على أن لا يعشروهم‏ (3)، و كانوا يعشرون من دخلها من تجار الروم، كما كانت الروم تعشر من دخل منهم بلادها، و كان فى السفينة رومى نجار بناء يسمى باقوم‏ (4).

قال السهيلى: و قال ابن إسحاق: و كان بمكة نجار قبطى، و ذكر غيره أنه كان علجا فى السفينة و أن اسم ذلك النجار باقوم و كذلك أيضا فى اسم النجار الذى عمل منبر رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) من طرفاء الغابة و لعله أن يكون هذا (5). انتهى كلامه.

فلما قدموا بالخشب مكة قالوا: لو بنينا بيت ربنا فاجتمعوا لذلك و تعاونوا و ترافدوا فى النفقة، و ربعوا قبائل قريش أرباعا، ثم اقترعوا عند هبل فى جوف الكعبة على جوانبها، فطار قدح بنى عبد مناف و بنى زهرة على الوجه الذى فيه الباب و هو الشرقى، و طار قدح بنى عبد الدار و بنى أسد بن عبد العزى و بنى عدى بن كعب على الشق الذى يلى الحجر و هو الشق الشامى، و طار قدح بنى سهم و بنى جمح و بنى عامر بن لؤى على ظهر الكعبة و هو الشق الغربى، و طار قدح بنى تميم و بنى مخزوم و قبائل من قريش ضمّوا معهم على الشق اليمانى الذى يلى الصفا فنقلوا الحجارة، و رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) يومئذ غلام لم ينزل عليه الوحى ينقل معهم الحجارة على/ [45/ أ] رقبته، فبينما هو ينقلها إذا انكشفت‏

____________

(1) عند الأزرقى «و أخافهم». و الله أعلم.

(2) الشّعيبة: مرفأ السفن من ساحل بحر الحجاز، و قد كان مرفأ مكة و مرسى سفنها قبل جدة. معجم البلدان (3/ 350، 351).

(3) من عشر المال، أى: أخذ عشره مكسا. المعجم الوسيط.

(4) تاريخ مكة للأزرقى (1/ 159، 160) عن ابن أبى نجيح عن أبيه.

(5) الروض الأنف (1/ 225).

97

نمرة كانت عليه فنودى يا محمد عورتك و ذلك أول ما نودى- و الله أعلم- فمرويت؟؟؟

لرسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) عورة بعد ذلك، و لبج‏ (1) برسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) من الفزع حين نودى فأخذه العباس بن عبد المطلب فضمه إليه، و قال: لو جعلت نمرتك على عاتقك تعتل‏ (2) الحجارة.

قال: ما أصابنى هذا إلا من التعرى فشد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) إزاره و جعل ينقل معهم، و كانوا ينقلون بأنفسهم تبررا و تبركا بالكعبة، فلما اجتمع لهم ما يريدون من الحجارة و الخشب و ما يحتاجون إليه، عدوا على هدمها فخرجت لهم الحية التى كانت فى بطنها تحرسها سوداء الظهر بيضاء البطن رأسها مثل رأس الجدى تمنعهم كلما أرادوا هدمها، و كانت لا يدنو أحد من بئر الكعبة إلا رفعت ذنبها و كشت- أى: صوّتت-، فلما رأوا ذلك اعتزلوا عند مقام إبراهيم- (عليه السلام)- و هو يومئذ فى المكان الذى هو فيه اليوم، فقال لهم الوليد بن المغيرة: يا قوم ألستم تريدون بهدمها الإصلاح. قالوا: بلى. قال:

فإن الله- عزوجل- لا يهلك المصلحين، و لكن لا تدخلوا فى عمارة بيت ربكم إلا من طيب أموالكم، و لا تدخلوا فيه مالا من ربا و لا مالا من مسيس‏ (3) و لا مهر بغى و جنبوه الخبيث من أموالكم، فإن الله- عزوجل- لا يقبل إلا طيبا. ففعلوا ثم وقفوا عند المقام فقاموا يدعون ربهم و يقولون: اللهم إن كان لك فى هدمها رضى فأتمه و أشغل عنا هذا الثعبان. فأقبل طائر من جو السحاب كهيئة العقاب‏ (4) ظهره أسود و بطنه أبيض و رجلاه صفراوان و الحية على جدار البيت فاغرة فاها فأخذ برأسها، و فى رواية/ [45/ ب‏] فغرز مخالبه فى رأسها حتى انطلق بها يجرها و ذنبها أعظم من كذا و كذا، فطار بها حتى أدخلها أجياد الصغير، فقالت قريش: إنا لنرجوا أن يكون الله سبحانه قد رضى عملكم و قبل نفقتكم فاهدموه فهابت قريش هدمه، فقالوا: من يبدأ فيهدم؟ فقال الوليد بن المغيرة: أنا أبدؤكم فى هدمه أنا شيخ كبير، فإن أصابنى أمر كان قد دنا أجلى، و إن كان غير ذلك لم يزر أبى‏ (5)، فعلا البيت و فى يده عتلة يهدم بها فتزعزع من تحت رجله فقال: اللهم لم نزع‏ (6) إنما أردنا الإصلاح. و جعل يهدمها حجرا حجرا بالعتلة فهدم يومه ذلك، فقالت‏

____________

(1) لبج: صرع و سقط من قيام. المعجم الوسيط.

(2) لعلها هكذا فى الأصل، و عند الأزرقى «تقيك». و الله أعلم.

(3) كذا فى الأصل، و عند الأزرقى «ميسر». و الله أعلم.

(4) العقاب: طائر من كواسر الطير، قوى المخالب مسرول، له منقار قصير أعقف، حاد البصر.

المعجم الوسيط.

(5) كذا فى الأصل، و عند الأزرقى «يرزأنى» أى يصيبنى. و الله أعلم.

(6) نزع: ننتهى. راجع لسان العرب مادة «نزع»، و فى تاريخ مكة للأزرقى (1/ 162): و فى هامشه (نزع، تزع، نرع) و الله أعلم.

98

قريش: نخاف أن ينزل به العذاب إذا أمسى. فلما أمسى لم ير بأسا، فأصبح الوليد غاديا على عمله فهدمت قريش معه حتى بلغوا الأساس الذى رفع عليه إبراهيم و إسماعيل- (عليهما السلام)- القواعد من البيت فأبصروا حجارة كأنها الإبل الخلف‏ (1)، لا يطيق الحجر منه ثلاثون رجلا يحرك الحجر منها فترتج جوانبها قد تشبك بعضها ببعض، فأدخل الوليد بن المغيرة عتلة بين حجرين فانفلقت منه فلقة فأخذها أبو وهب بن عمرو بن عائذ ابن عمران بن مخزوم فنزت من يده ثم عادت فى مكانها، و طارت برقة كادت أن تخطف أبصارهم و رجفت مكة بأسرها، فلما رأوا ذلك أمسكوا عن أن ينظروا إلى ما تحت ذلك، فلما جمعوا ما أخرجوا من النفقة قلت النفقة عن أن تبلغ لهم عمارة البيت كله، فتشاوروا فى ذلك و أجمع رأيهم عن أن يقصروا عن القواعد و يحجروا ما يقدرون عليه من البيت و يتركوا بقيته فى الحجر عليه جدار مدار يطوف الناس من ورائه، ففعلوا ذلك و بنوا فى بطن/ [46/ أ] الكعبة أساسا يبنون عليه من شق الحجر، و تركوا من ورائه من فناء البيت فى الحجر ستة أذرع و شبرا فبنوا على ذلك، فلما وضعوا أيديهم فى بنائها، قالوا: ارفعوا بابها من الأرض و اكبسوها حتى لا تدخلها السيول و لا ترقى إلا بسلم، و لا يدخلها إلا من أردتم ثم إن كرهتم أحدا دفعتموه، ففعلوا ذلك و بنوها بساق‏ (2) من حجارة و ساق‏ (3) من خشب بين الحجارة حتى انتهوا إلى موضع الركن فاختلفوا فى وضعه، و كثر الكلام فيه و تنافسوا فى ذلك فقالت بنو عبد مناف و زهرة: هو فى الشق الذى وقع لنا. و قالت بنو تميم و مخزوم: هو فى الشق الذى وقع لنا. و قالت سائر القبائل: لم يكن الركن مما استهمنا عليه. فقال أبو أمية بن المغيرة: يا قوم إنما أردنا البر و لم نرد الشر، فلا تحاسدوا و لا تنافسوا فإنكم إن اختلفتم نسيت أموركم و طمع فيكم غيركم، و لكن حكموا بينكم أول من يطلع عليكم من هذا الفج. قالوا: رضينا و سلمنا فطلع رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) عليه وشاحا (3) نمرة فقالوا: هذا الأمين قد رضينا به فحكموه، فبسط رداءه ثم وضع فيه الركن و دعا من كل ربع رجلا فأخذوا بأطراف الثوب، فكان من بنى عبد مناف عتبة بن ربيعة، و كان فى الربع الثانى أبو ربيعة (4) بن الأسود و كان أسن القوم، و فى الربع الثالث العاص‏

____________

(1) الخلف: جمع خلفة، و هى الناقة الحامل. لسان العرب مادة «خلف».

(2) كذا فى الأصل، و عند الأزرقى «بساف- و ساف» و هو الصواب، و الساف هو: الصف من اللبن أو الحجارة فى البناء، عند أهل العراق. لسان العرب «دمك».

(3) تثنية وشاح و هو نسيج عريض يشد على العاتق. راجع لسان العرب مادة «وشح».

(4) عند الأزرقى «أبو زمعة» و الله أعلم.

99

ابن وائل، و فى الربع الرابع حذيفة (1) بن المغيرة، فرفع القوم الركن و قام النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) على الجدر فوضعه هو بيده، فذهب رجل من أهل نجد ليناول النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) حجرا يشد به الركن، فقال العباس بن عبد المطلب رضي اللّه عنه: لا، فناول العباس النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) حجرا فشد به الركن‏ (2).

و فى رواية: أمر بالركن فوضع فى ثوب ثم/ [46/ ب‏] أمر سيد كل قبيلة فأعطاه ناحية الثوب ثم ارتقى، و أمرهم بالركن أن يرفعوه إليه فرفعوه إليه فكان هو الذى وضعه‏ (3).

قال الكازرونى‏ (4) فى سيرته: و كان وضعه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يوم الاثنين فلما وضعه غضب النجدى قال: و اعجباه لقوم أهل شرف و عقول و سن و أموال، عمدوا إلى أصغرهم سنا و أقلهم مالا فرأسوه عليهم فى مكرمتهم كأنهم خدم له، أما و الله ليفوتنهم سبقا و ليقسمن عليهم حظوظا. و يقال: إن هذا النجدى هو إبليس لعنه الله.

فبنوا حتى بلغوا أربعة أذرع و شبرا ثم كبسوها و وضعوا بابها مرتفعا على هذا الذرع رفعوها بمدماك‏ (5) على خشب و مدماك حجارة حتى بلغوا السقف، فقال لهم باقوم الرومى: أتحبون أن تجعلوا سقفها «منكسا» (6) أو مسطحا. قالوا: بل ابن بيت ربنا مسطحا. قال: فبنوه مسطحا و جعلوا فيه ست دعائم فى صفين، كل صف ثلاث دعائم من الشق الشامى الذى يلى الحجر إلى الشق اليمانى، و جعلوا ارتفاعها من خارجها من الأرض إلى أعلاها ثمانية عشر ذراعا، و كانت قبل ذلك تسعة أذرع، فزادت قريش «فى السماء» (7) فى ارتفاعها فى السماء تسعة أذرع أخرى، و بنوها من أعلاها إلى أسفلها بمدماك من حجارة و مدماك من خشب، فكان الخشب خمسة عشر مدماكا و الحجارة ستة عشر مدماكا، و جعلوا ميزابها يسكب فى الحجر، و جعلوا درجة من خشب فى بطنها فى الركن الشامى يصعد فيها إلى ظهرها، و زوقوا سقفها و جدرانها من بطنها و دعائمها، و جعلوا فى دعائمها صور الأنبياء و صور الشجر و صور الملائكة، و كان فيها صورة إبراهيم- (عليه السلام)- خليل الرحمن شيخ يستقسم بالأزلام، و صورة عيسى ابن مريم‏

____________

(1) عند الأزرقى «أبو حذيفة».

(2) تاريخ مكة للأزرقى (1/ 160- 164)، و راجع سيرة ابن هشام (1/ 249- 254).

(3) سيرة ابن هشام (1/ 254، 255) بنحوه، و الروض الأنف (1/ 228).

(4) هو على بن محمد بن محمود بن أبى العز بن أحمد بن إسحاق بن إبراهيم الكازرونى ثم البغدادى، الشافعى، من تصانيفه روضة الأريب فى التاريخ، و السيرة النبوية. توفى 697 ه، راجع معجم المؤلفين (7/ 232).

(5) مدماك: الصف من اللبن أو الحجارة فى البناء. لسان العرب «دمك».

(6) عند الأزرقى «مكبسا». و الله أعلم.

(7) ليست عند الأزرقى (1/ 164).

100

و أمه، و صور الملائكة- (عليهم السلام)-/ [47/ أ] فلما كان يوم الفتح دخل رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فأرسل الفضل بن عباس بن عبد المطلب فجاء بماء من زمزم ثم أمر بثوب فبل بالماء و أمر بطمس تلك الصور فطمست، و وضع (صلّى اللّه عليه و سلّم) كفيه على صورة عيسى ابن مريم و أمه- (عليهما السلام)- و قال: «امحوا جميع الصور إلا ما تحت يدى» فرفع يده عن عيسى و أمه، و نظر إلى صورة إبراهيم فقال: «قاتلهم الله جعلوه يستقسم بالأزلام، ما لإبراهيم و للأزلام» (1). و جعلوا لها بابا واحدا فكان يغلق و يفتح، و كانوا قد أخرجوا ما كان فى الجبّ من حلية و مال و قرنى الكبش و جعلوه عند أبى طلحة عبد الله بن عبد العزى بن عبد الدار بن قصى، و أخرجوا هبل و نصب عند المقام حتى فرغوا من بناء البيت وردوا ذلك المال فى الجب و علقوا فيه الحلية و قرنى الكبش وردوا الجب فى مكانه مما يلى الشق الشامى و نصبوا هبل على الجب كما كان قبل ذلك، و جعلوا له سلما يصعد فيه إلى بطنها، و كسوها حين فرغوا من بنائها حبرات ثمانية، و عن مشافع بن شيبة بن عثمان أن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: «يا شيبة امح كل صورة فيه إلا ما تحت يدى» قال: فرفع يده عن عيسى ابن مريم و أمه‏ (2).

____________

(1) قوله: و وضع رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) كفيه على صورة عيسى ابن مريم و أمه (عليهما السلام)، و قال «امحوا .... إلا ما تحت يدى ..» هذه الزيادة لا تصح عن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و لعلها موضوعة من قبل أعداء الإسلام، و ذلك لعدة أمور منها:

(الأول) ما ثبت فى البخارى و غيره عن ابن عباس قال: دخل النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) البيت فوجد فيه صورة إبراهيم و صورة مريم فقال: أما لهم فقد سمعوا أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة، هذا إبراهيم مصور فما له يستقسم ح (3351- فتح).

(الثانى) ما ذكره النووى فى شرح مسلم (9/ 88) من كونه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لم يدخل الكعبة فى عمرة القضاء، و قال العلماء: و سبب عدم دخوله (صلّى اللّه عليه و سلّم) ما كان فى البيت من الأصنام و الصور، و لم يكن المشركون يتركونه لتغييرها، فلما فتح الله تعالى عليه مكة دخل البيت و صلى فيه و أزال الصور قبل دخوله. اه. و هذا يشمل جميع الصور بلا استثناء.

(الثالث) ما ثبت فى صحيح البخارى ح (3352- فتح) أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لما رأى الصور فى البيت لم يدخل حتى أمر بها فمحيت. و للّه الحمد.

(2) قوله: إلا ما تحت يدى قال: فرفع يده. إلخ غير ثابت عن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و الحديث فى تاريخ مكة للأزرقى (1/ 168) و هو فى المعجم الكبير للطبرانى (7/ 299) عن شيبة بلفظ «يا شيبة أكفنى هذه ... و لم يذكر قوله: إلا ما تحت يدى ... إلخ، و كذلك بنحوه فى التاريخ الكبير للبخارى (8/ 70) و لم يذكره كذلك، و فى المجمع (3/ 295): و مسافع لم أجد من ترجمه. اه. بل هو مترجم فى تهذيب الكمال (27/ 422) و غيره و فى الأصل مشافع و هو تصحيف. و الله أعلم.