تاريخ مكة المشرفة والمسجد الحرام والمدينة الشريفة والقبر الشريف‏ - ج1

- محمد بن أحمد ابن ضياء المزيد...
413 /
101

و عن جابر بن عبد الله قال: زجر النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) عن الصور، و أمر عمر بن الخطاب زمن الفتح أن يدخل البيت فيمحو ما فيه من صورة و لم يدخله حتى محى‏ (1). و عن الحسن أن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) لم يدخل الكعبة حتى أمر عمر بن الخطاب أن يطمس على كل صورة فيها (2).

و عن ابن أبى تجراة عن أمه قالت: أنا أنظر إلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو يضع الركن بيده فقلت: لمن الثوب الذى وضع فيه الحجر؟ قالت/ [47/ ب‏] للوليد بن المغيرة.

و يقال: فحمل الحجر فى كساء رومى كان للنبى (صلّى اللّه عليه و سلّم)(3) روى جميع ذلك الأزرقى‏ (4).

و يروى: أن الطائر الذى اختطف الحية هو العقاب‏ (5). و عن ابن عباس: أن هذه الحية هى الدابة التى تكلم الناس قبل يوم القيامة (6) قال السهيلى: و اسمها أقصى‏ (7). و قيل:

إن الدابة التى تكلم الناس هى فصيل ناقة صالح، و هو الأصح كما ذكره القرطبى؛ لما روى أبو داود عن حذيفة قال: ذكر رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) الدابة فقال: «لها ثلاث خرجات من الدهر: فتخرج من أقصى البادية و لا يدخل ذكرها القرية- يعنى مكة- ثم تكمن زمانا طويلا، ثم تخرج خرجة أخرى دون ذلك فيفشو ذكرها فى أهل البادية و يدخل ذكرها القرية- أى مكة- ثم بينا الناس فى المسجد الحرام لم يرعهم إلا و هى ترغو بين الركن و المقام تنفض عن رأسها التراب» (8). الحديث ففى قوله: ترغو. دليل على أنها الفصيل. قال القرطبى: و ذلك أن الفصيل لما قتلت الناقة هرب فانفتح له حجر فدخل فى جوفه، ثم انطبق عليه الحجر فهو فيه حتى يخرج بإذن الله تعالى، و قيل: إنها الجساسة.

____________

(1) أخرجه أبو داود: كتاب اللباس- باب فى الصور ح (415)، و المسند (3/ 335، 336، 383، 396)، و أخبار مكة للأزرقى (1/ 168)، و يشهد له ما أخرجه البخارى ح (3352- فتح) عن ابن عباس أن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) لما رأى الصور فى البيت لم يدخل حتى أمر بها فمحيت ... إلخ.

(2) أخبار مكة للأزرقى (1/ 168) و مراسيل الحسن ضعيفة.

(3) أخبار مكة للأزرقى (1/ 172).

(4) أخبار مكة للأزرقى (1/ 164- 172) من أول قول الكازرونى.

(5) الروض الأنف (1/ 225).

(6) الروض الأنف (1/ 225) عن محمد بن الحسن المقرئ عن ابن عباس، و التذكرة (ص 787).

(7) المصدر السابق.

(8) أخرجه أبو داود الطيالسى فى مسنده (1069)، و نعيم بن حماد فى الفتن (ص 401) عن أبى سريعة، و هو حذيفة بن أسيد الغفارى و قال القرطبى فى التفسير (13/ 236): و قد رفع الإشكال فى هذه الدابة ما ذكرناه من حديث حذيفة، فليعتمد عليه. اه. أى هذا الحديث، و خروج الدابة ثابت فى الكتاب كما فى سورة النمل: الآية (82)، و كذا السنة كما فى صحيح مسلم ح (2941) عن ابن عمر مرفوعا.

102

و اختلفوا فى صفتها فقيل: إنها دابة مرغية (1) الشعر ذات قوائم، طولها ستون ذراعا. و قيل: على خلقة الآدميين و هى فى السحاب و قوائمها فى الأرض. و قيل:

جمعت من خلق كل حيوان؛ رأسها رأس ثور، و عين‏ (2) عين خنزير، و أذنها أذن فيل، و قرنها قرن أيّل‏ (3)، و عنقها عنق نعامة، و صدرها صدر أسد، و لونها لون نمر، و خاصرتها خاصرة هر، و ذنبها ذنب كبش، و قوائمها قوائم بعير، بين كل مفصل و مفصل اثنى عشر ذراعا بذراع آدم- (عليه السلام)- يخرج معها عصا موسى و خاتم سليمان، فتنكت فى وجه المؤمن نكتة بيضاء بعصا موسى فيبيض وجهه/ [48/ أ]، و تنكت فى وجه الكافر نكتة سوداء بخاتم سليمان فيسود وجهه‏ (4). و قيل: ليس لها ذنب‏ (5). و قيل:

ليس لها وبر و ريش. و لها ثلاث خرجات آخرهن بين الركن و المقام كما تقدم لا يخرج ثلثاها (6).

قال المرجانى فى «بهجة النفوس»: و فى الركن العراقى من حيال البيت صدع مستطيل فلعله المشار إليه.

و اختلف فى أى موضع تخرج، فقيل: من جبل الصفا يتصدع فتخرج منه‏ (7)، أو من تهامة (8)، أو من الطواف، أو من مسجد الكوفة من حيث فار تنور نوح، أو من الطائف، أو من جياد، أو من بين الركنين، أو من صخرة فى شعب أجياد (9)، أو من بحر سدوم‏ (10)، و تخرج قبل يوم التروية بيوم. و قيل: يوم عرفة. و قيل: يوم النحر. و قد تقدم فى باب الفضائل عن ابن إسحاق: أن قريشا و جدت فى الركن كتابا بالسريانية و فيه:

____________

(1) كذا فى الأصل، و عند القرطبى فى تفسيره «مزغبة» من الزّغب و هو: الشعيرات الصفر على ريش الفرخ. لسان العرب «زغب».

(2) هكذا فى الأصل، و الصواب «و عينها» كما يقتضيه السياق. و الله أعلم.

(3) أيّل: الوعل، و هو تيس الجبل أى ذكر الأروى، و هو جنس من المعز الجبلية، له قرنان قويّان منحيان كسيفين أحدبين. راجع المعجم الوسيط «أيل»، «وعل».

(4) تفسير القرطبى (13/ 235، 236) عن الماوردى و الثعلبى، و كذلك التذكرة (ص 787).

(5) المصدر السابق عن على بن أبى طالب.

(6) تفسير القرطبى (13/ 235، 236) من أول قوله: فقيل إنها دابة ... إلخ.

(7) تفسير القرطبى (13/ 236) عن عبد الله بن عمر موقوفا، و التذكرة (ص 787).

(8) تفسير القرطبى (13/ 237)، و كذلك التذكرة (ص 787) عن قتادة.

(9) المصدر السابق عن عبد الله بن عمرو.

(10) المصدر السابق عن وهب بن منبه.

103

«أنا الله ذو بكة خلقتها يوم خلقت السموات و الأرض إلى آخره» (1). و عن الزهرى قال:

إن قريشا حين بنوا الكعبة وجدوا فيه حجرا و فيه ثلاثة صفوح؛ فى الصفح الأول:

«أنا الله ذو بكة صنعتها يوم صنعت الشمس و القمر» إلى آخر كلام ابن إسحاق المتقدم فى الفضائل. و فى الصفح الثانى: «أنا الله ذو بكة خلقت الرحم و اشتققت لها اسما من اسمى فمن وصلها وصلته و من قطعها بتته». و فى الصفح الثالث: «أنا الله ذو بكة خلقت الخير و الشر فطوبى لمن كان الخير على يديه و ويل لمن كان الشر على يديه» (2). و حضر سيدنا رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) بناء قريش و له خمس و ثلاثون سنة. و قيل: خمس و عشرون سنة. حكاهما النووى‏ (3).

[فصل‏] ذكر الوقت الذى كانوا يفتحون فيه الكعبة و أول من خلع النعل عند دخولها

عن عمرو الهذلى قال: رأيت قريشا يفتحون البيت فى الجاهلية يوم الاثنين و الخميس، و كان حجابه يقعدون عند بابه فيرتقى الرجل إذا كانوا لا يريدون/ [48/ ب‏] دخوله فيدفع و يطرح و ربما عطب، و كانوا لا يدخلون الكعبة بحذاء يعظمون ذلك و يضعون نعالهم تحت الدرجة (4). و أول من خلع الخف و النعل فلم يدخلها بهما الوليد بن المغيرة؛ إعظاما لها فجرى ذلك سنة (5). و يروى أن فاختة بنت زهير بن حرب بن الحارث ابن أسد بن عبد العزى و هى أم حكيم بن حزام دخلت الكعبة و هى حامل، فأدركها المخاض فيها فولدت حكيما فى الكعبة فحملت فى نطع‏ (6)، و أخذ ما تحت مثبرها (7) فغسل عند حوض زمزم‏ (8).

____________

(1) سيرة ابن هشام (1/ 253)، و الروض الأنف (1/ 227).

(2) الروض الأنف (1/ 227).

(3) فى شرح مسلم (9/ 89).

(4) تاريخ مكة للأزرقى (1/ 174).

(5) ذكره فى تاريخ مكة للأزرقى (1/ 174) عن الواقدى عن أشياخه.

(6) النّطع: بساط من الجلد. المعجم الوسيط.

(7) المئبر: الموضع تلد فيه المرأة. القاموس المحيط مادة «ثبر»، و ذكر فى تاج العروس القصة.

(8) هذه الرواية عن عبد الله بن أبى سليمان عن أبيه، كما فى تاريخ مكة للأزرقى (1/ 174)، و فيه من أول كلام عمرو الهذلى ... إلخ.

104

[فصل‏] ذكر بناء الزبير (1) الكعبة و ما زاد فيها و ما نقص منها الحجاج‏

عن ابن جريج قال: سمعت غير واحد ممن حضر ابن الزبير حين هدم الكعبة و بناها فقالوا: لما أبطأ عبد الله بن الزبير عن بيعة يزيد بن معاوية و تخلف و خشى منهم لحق بمكة؛ ليمتنع بالحرم، و جمع مواليه و جعل يظهر عيب يزيد بن معاوية و يشتمه و يذكر شربه الخمر و غير ذلك، و يجتمع الناس إليه فيقوم فيهم بين الأيام فيذكر مساوئ بنى أمية فيطنب فى ذلك، فبلغ ذلك يزيد بن معاوية فأقسم لا يؤتى به إلا مغلولا فأرسل إليه رجلا من أهل الشام فى خيل من «أهل» (2) الشام فعظم على ابن الزبير القضية، و قال: لأن يستحل الحرم بسببك فإنه غير تاركك و لا تقوى عليه و أقسم أن لا يؤتى بك إلا مغلولا و قد عملت لك غلا من فضة و تلبس فوقه الثياب و تبر قسم أمير المؤمنين فالصلح خير عاقبة و أجمل بك و به، فقال: دعونى أياما حتى أنظر فى أمرى فشاور أمه أسماء بنت أبى بكر الصديق فى ذلك فأبت عليه أن يذهب مغلولا و قالت: يا بنى عش كريما و مت كريما، و لا تمكن بنى أمية من نفسك فتلعب بك فالموت أحسن من هذا، فأبى أن يذهب إليه فى غل و امتنع فى مواليه و من يألف إليه من أهل مكة فكان/ [49/ أ] يقال لهم: الزبيرية، فبينما يزيد على بعثة الجيوش إليه إذ أتى يزيد خبر أهل المدينة و ما فعلوا بعامله و مسن كان بالمدينة من بنى أمية و إخراجهم إياهم منها إلا من كان من ولد عثمان بن عفان رضي اللّه عنه، فجهز إليهم مسلم ابن عقبة المرى فى أهل الشام و أمره بقتال أهل المدينة فإذا فرغ من ذلك سار إلى ابن الزبير بمكة، و كان مسلم مريضا فى بطنه الماء الأصفر فقال له يزيد: إن حدث بك الموت فول الحصين بن نمير الكندى على جيشك، فسار حتى قدم المدينة فقاتلوه فظفر بهم و دخلها و قتل من قتل منهم، و أسرف فى القتل فسمى بذلك مسرفا، و نهب المدينة ثلاثا، و سار إلى مكة فلما كان ببعض الطريق حضرته الوفاة فدعا الحصين بن نمير فقال له: يا برذعة الحمار لو لا أكره أنى أتزود عند الموت معصية أمير المؤمنين ما وليتك، انظر إذا قدمت مكة فاحذر أن تمكن قريشا من أذنك فتقول‏ (3) فيها لكن لا يكن إلا الوقاف ثم العفاف‏ (4) ثم الانصراف، فتوفى مسلم المسرف و مضى الحصين بن نمير إلى مكة فقاتل ابن الزبير بها أياما

____________

(1) كذا فى الأصل، و الصواب «ابن الزبير» كما عند الأزرقى. و الله أعلم.

(2) كذا فى الأصل، و بهامشه بخط مخالف «خيل» و هو ما ذكره الأزرقى. و الله أعلم.

(3) عند الأزرقى «فتبول». و الله أعلم.

(4) عند الأزرقى «الوقاف ثم الثقاف» و الوقاف: الذى لا يستعجل فى الأمور، و الثقاف: الحاذق الفهم. راجع لسان العرب «وقف»، «ثقف». و الله أعلم.

105

و جمع ابن الزبير أصحابه فتحصن بهم فى المسجد الحرام و حول الكعبة، فضرب أصحاب ابن الزبير خياما يكتنون بها من حجارة المنجنيق و يستظلون فيها من الشمس، و كان الحصين بن نمير قد نصب المنجنيق على أخشبى مكة و هما أبو قبيس و الأحمر فكان يرميهم بها فتصيب الحجارة الكعبة حتى تخرق كسوتها عليها، فصارت كأنها جيوب النساء فوهّن الرمى بالمنجنيق الكعبة، فذهب رجل من أصحاب ابن الزبير يوقد نارا فى بعض تلك الخيام مما يلى الصفا بين الركن الأسود و الركن اليمانى، و المسجد يومئذ ضيق صغير، فطارت شرارة فى الخيمة فاحترقت و كان فى ذلك اليوم رياح شديدة، و الكعبة يومئذ مبنية بناء قريش مدماك من ساج/ [49/ ب‏] و مدماك من حجارة من أسفلها إلى أعلاها و عليها الكسوة، فطارت الرياح بلهب تلك النار فاحترقت كسوة الكعبة، و احترق الساج الذى بين البناء، و كان احتراقها يوم السبت لثلاث ليال خلون من شهر ربيع الأول قبل أن يأتى نعى يزيد بن معاوية بتسعة و عشرين يوما، و جاء نعيه فى هلال شهر ربيع الآخر ليلة الثلاثاء سنة أربع و ستين، و كان توفى لأربع عشرة خلت من شهر ربيع الأول سنة أربع و ستين، و كانت خلافته ثلاثة سنين‏ (1) و سبعة أشهر، فلما احترقت الكعبة و احترق الركن الأسود و تصدع، كان ابن الزبير بعد ذلك ربطه بالفضة و ضعفت جدران الكعبة حتى أنها لتنقض من أعلاها إلى أسفلها و يقع الحمام عليها فيستأثر (2) حجارتها و هى مجردة موهنة من كل جانب، ففزع لذلك أهل مكة و أهل الشام جميعا و الحصين بن نمير محاصر ابن الزبير، فأرسل ابن الزبير رجالا من أهل مكة من قريش و غيرهم منهم عبد الله بن خالد بن أسيد و رجال من بنى أمية إلى الحصين فكلموه و عظموا عليه ما أصاب الكعبة و قالوا: إن ذلك منكم رميتموها بالنفط. فأنكروا ذلك و قالوا: قد توفى أمير المؤمنين فعلى ماذا تقاتل؟

ارجع إلى الشام حتى تنظر ما ذا يجمع عليه رأى صاحبك يعنون معاوية بن يزيد و هل يجمع الناس عليه؟ فلم يزالوا به حتى لان لهم و رجع إلى الشام، فلما أدبر جيش الحصين بن نمير و كان خروجه من مكة لخمس ليال خلون من شهر ربيع الآخر سنة أربع و ستين، دعا ابن الزبير وجوه الناس و أشرافهم فشاوروهم‏ (3) فى هدم الكعبة، فأشار عليهم‏ (4) ناس قليلون بهدمها و أبى كثير من الناس هدمها، و كان أشدهم إباء عبد الله بن عباس قال له: دعها على ما أقرها رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فإنى أخشى أن يأتى/ [50/ أ] بعدك من يهدمها، فلا تزال‏

____________

(1) عند الأزرقى «ثلاث سنين». و الله أعلم.

(2) كذا فى الأصل، و عند الأزرقى «فتتناثر». و الله أعلم.

(3) عند الأزرقى «فشاورهم». و الله أعلم.

(4) كذا فى الأصل، و عند الأزرقى «عليه» و به يتم السياق. و الله أعلم.

106

تهدم و تبنى فيتهاون الناس بحرمتها و لكن أرقعها فقال ابن الزبير: و الله ما يرضى أحدهم أن يرقع بيت أبيه و أمه فكيف أرقع بيت الله تعالى؟ و كان ممن أشار عليها (1) بهدمها جابر ابن عبد الله و عبد بن نمير (2) و عبد الله بن صفوان بن أمية، فأقام أياما يشاور و ينظر ثم أجمع على هدمها، و كان «يحب أن يكون» (3) هو الذى يحب أن يردها على ما قال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) على قواعد إبراهيم و على ما وصفه رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) لعائشة، فأرادا أن يبنيها بالورس‏ (4) و يرسل إلى اليمن فى ورس يشترى له، فقيل: إن الورس يذهب و لكن ابنها بالقصّة (5) فسأل عن القصّة، فأخبر أن قصة صنعاء هى أجود القصة فأرسل إلى صنعاء بأربعمائة دينار يشترى له بها قصة و يكترى عليها و أمر بتثجثج‏ (6) ذلك ثم سأل رجالا من أهل العلم بمكة من أين أخذت قريش حجارتها فأخبروه مبلغها، فنقل له من الحجارة قدر ما يحتاج إليه، فلما اجتمعت و أراد هدمها خرج أهل مكة إلى منى و أقاموا بها ثلاثا؛ فرقا أن ينزل عليهم عذاب بهدمها، فأمر ابن الزبير بهدمها فلم يجترئ على ذلك أحد، فلما رأى ذلك علاها هو بنفسه فأخذ المعول و جعل يهدمها و يرمى بحجارتها، فلما رأوا أنه لم يصبه شى‏ء اجترأوا فصعدوا و هدموا و أرقى ابن الزبير فوقها عبيدا من الجيش‏ (7) فهدموها رجاء أن يكون فيهم صفة الحبشى الذى قال فيه رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة» (8). و قال مجاهد: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص يقول:

كأنى به أصيلع أفيدع‏ (9) قائم عليها يهدمها بمسحاته. و قال مجاهد: فلما هدم ابن الزبير الكعبة جئت أنظر هل أرى الصفة التى قال عبد الله بن عمرو؟ فلم أرها فهدموا و أعانهم‏

____________

(1) راجع الهامش السابق.

(2) كذا فى الأصل، و عند الأزرقى «عبيد بن عمير». و الله أعلم.

(3) ملحقة من الحاشية، و السياق يتم بدونها. و الله أعلم.

(4) الورس: نوع من الخشب النّضار الأصفر، شبه بالورس لصفرته. راجع لسان العرب «ورس»، و الذى فى لسان العرب «الورسى» بدلا من «الورس». و الله أعلم.

(5) القصة: حجارة من الجص. لسان العرب مادة «قصص».

(6) كذا فى الأصل، و عند الأزرقى «بتنجيح» أى: تيسيره و تنجيزه. المعجم الوسيط.

(7) كذا فى الأصل، و عند الأزرقى «عبيدا من الحبش» و هو الصواب. و الله أعلم.

(8) أخرجه البخارى: كتاب الحج- باب قول الله تعالى: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ ... الآية ح (1591- فتح)، و مسلم: كتاب الفتن و أشراط الساعة- باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء ح (2909) عن أبى هريرة مرفوعا.

(9) أفيدع تصغير أفدع: و هو من الفدع: عوج فى المفاصل كأنها قد فارقت مواضعها، و أكثر ما يكون فى رسغ اليد أو القدم. المعجم الوسيط «فدع» و لسان العرب.

107

الناس فما ترجلت‏ (1) [50/ ب‏] الشمس حتى ألصقوها بالأرض كلها من جوانبها، و كان هدمها يوم السبت النصف من جمادى الآخرة سنة أربع و ستين، و لم يقرب ابن عباس مكة حين هدمت الكعبة حتى فرغ منها، و أرسل إلى ابن الزبير لا تدع الناس بغير قبلة انصب لهم حول الكعبة الخشب و اجعل عليها الستور حتى يطوف الناس من ورائها و يصلون إليها، ففعل ذلك ابن الزبير و قال ابن الزبير: أشهد لسمعت عائشة- رضى الله عنها- تقول: قال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «إن قومك استقصروا فى بناء البيت و عجزت بهم النفقة فتركوا فى الحجر منها أذرعا، و لو لا حداثة قومك بالكفر لهدمت الكعبة و أعدت ما تركوا منها، و لجعلت لها بابين موضوعين بالأرض، بابا شرقيّا يدخل منه الناس، و بابا غربيّا يخرج منه الناس، و هل تدرين لم كان قومك رفعوا بابها؟» قالت: قلت: لا.

قال: «تعززا أن لا يدخلها إلا من أرادوا، فكان الرجل إذا كرهوا أن يدخلها يدعونه أن يرتقى حتى إذا كاد أن يدخلها دفعوه فسقط، فإن بدا لقومك هدمها فهلمى لأريك ما تركوا فى الحجر منها» فأراها قريبا من سبعة أذرع‏ (2). فلما هدم ابن الزبير الكعبة و سواها بالأرض كشف عن الأساس أساس إبراهيم- (عليه السلام)- فوجده داخلا فى الحجر نحوا من ستة أذرع و شبر، كأنها أعناق الإبل أخذ بعضها بعضا كتشبيك الأصابع بعضها ببعض، يحرك الحجر من القواعد فتحرك الأركان كلها، فدعا ابن الزبير خمسين رجلا من وجوه الناس و أشرافهم و أشهدهم على ذلك الأساس، قال: فأدخل رجل من القوم- كان أيدا- يقال له: عبد الله بن سمطيع‏ (3) العدوى عتلة كانت فى يده فى ركن من أركان البيت فتزعزعت الأركان كلها جميعا، و يقال: إن مكة رجفت رجفة شديدة حين زعزع الأساس، و خاف الناس خوفا شديدا حتى ندم كل من كان أشار/ [51/ أ] على ابن الزبير بهدمها و أعظموا ذلك إعظاما شديدا و سقط فى أيديهم، فقال لهم ابن الزبير: اشهدوا ثم وضع البناء على ذلك الأساس، و وضع جدار باب الكعبة على مدماك من الشاذروان‏ (4) اللاصق بالأرض، و جعل الباب الآخر بإزائه فى ظهر الكعبة مقابله،

____________

(1) ترجلت: ارتفعت. المعجم الوسيط «رجل».

(2) أخرجه البخارى: كتاب العلم- باب من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه فيقعوا فى أشد منه ح (126- فتح) و انظر أطرافه، و مسلم: كتاب الحج- باب نقض الكعبة و بنائها ح (1333) و انظر باقى طرقه، عن عائشة مرفوعا بنحوه.

[فائدة] فى صحيح مسلم فحوى قصة ابن الزبير فى هدم الكعبة فراجعه فى الموضع المشار إليه.

و الله أعلم.

(3) كذا فى الأصل، و عند الأزرقى «مطيع». و الله أعلم.

(4) الشّاذروان: هو بناء لطيف جدّا ملصق بحائط الكعبة و ارتفاعه عن الأرض فى بعض المواضع نحو-

108

و جعل عتبته على الحجر الأخضر الذى فى الشاذروان الذى فى ظهر الكعبة قريبا من الركن اليمانى. و كان البناءون يبنون من وراء الستر، و الناس يطوفون من خارج، فلما ارتفع البنيان إلى موضع الركن، و كان ابن الزبير حين هدم البيت جعل الركن فى ديباجة و أدخله فى تابوت و قفل عليه و وضعه عنده فى دار الندوة، و عمد إلى ما كان فى الكعبة من حلية و ثياب و طيب فوضعه فى خزانة الكعبة فى دار شيبة بن عثمان حتى أعاد بناءها، فلما بلغ البناء موضع الركن أمر ابن الزبير بموضعه، فنقر فى حجرين من المدماك الذى تحته و حجر من المدماك الذى فوقه بقدر الركن و طريق‏ (1) بينهما، فلما فرغوا منه أمر ابن الزبير ابنه عباد بن عبد الله بن مربير؟؟؟ و جبير بن شيبة بن عثمان أن يجعلوا الركن فى ثوب، و قال لهم ابن الزبير: إذا دخلت فى صلاة الظهر فاحملوه و اجعلوه فى موضعه فأنا أطول الصلاة، فإذا فرغتم فكبروا حتى أخفف صلاتى، و كان ذلك فى حر شديد فلما أقيمت الصلاة و كبر ابن الزبير و صلى بهم ركعة خرج عباد بالركن من دار الندوة و هو يحمله و معه جبير ابن [مطعم‏] (2) شيبة بن عثمان فخرقا به الصفوف حتى أدخلاه فى الستر الذى دون البناء، و كان الذى [وضعه‏] (3) فى موضعه هذا عباد بن عبد الله بن الزبير و أعانه عليه جبير بن شيبة، و قيل: الذى وضعه فى موضعه الآن حمزة بن عبد الله بن الزبير، ذكره الزبير بن أبى بكر (4)، فلما قرروه فى موضعه/ [51/ ب‏] و طريق عليه الحجران كبروا فأخف ابن الزبير صلاته و سمع الناس بذلك، و غضب فيه رجال من قريش حين لم يحضرهم ابن الزبير، و قالوا: و الله لقد رفع فى الجاهلية حين [وقع‏] بنته قريش فحكموا فيه أول من يدخل عليهم من باب المسجد، فطلع رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) جعله فى ردائه، و دعا رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) من كل قبيلة من قريش رجلا فأخذوا بأركان الثوب ثم وضعه رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فى موضعه‏ (5). و فى رواية ذكرها الأزرقى: أن ابن الزبير وضع الحجر الأسود فى موضعه هو بنفسه‏ (6).

____________

- شيرين، و فى بعضها نحو شبر و نصف و عرضها فى بعضها نحو شيرين و نصف، و فى بعضها نحو شبر و نصف. تهذيب الأسماء و اللغات (3/ 171، 172).

(1) كذا فى الأصل، و عند الأزرقى «و طوبق». و الله أعلم.

(2) كذا فى الأصل، و الصواب حذفها. و الله أعلم.

(3) ليست فى الأصل، و السياق يقتضيها و هى عند الأزرقى (1/ 208). و الله أعلم.

(4) الروض الأنف (1/ 228) عنه.

(5) تاريخ مكة للأزرقى (1/ 208).

(6) تاريخ مكة (1/ 218) عن عكرمة بن خالد و أبى جعفر.

109

و كان الركن قد تصدع من الحريق ثلاث فرق فانشظت‏ (1) منه شظية كانت عند بعض آل شيبة بعد ذلك بدهر طويل، فشده ابن الزبير بالفضة إلا تلك الشظية من أعلاه، موضعها بيّن فى أعلى الركن، طول الركن ذراعان قد أخذ عرض جدار الكعبة و مؤخر الركن داخله فى الجدر مضرس على ثلاثة رؤوس. قال ابن جريج: فسمعت من يصف لون مؤخره الذى فى الجدر قال بعضهم: هو مورد. و قال بعضهم: هو أبيض كالفضة.

و كانت الكعبة يوم هدمها ابن الزبير ثمانية عشر ذراعا فى السماء، فلما أن بلغ ابن الزبير بالبناء ثمانية عشر ذراعا و جبرت بحال الزيادة التى زاد من الحجر فيها، و استسمج‏ (2) ذلك إذا (3) صارت عريضة لا طول لها فقال: قد كانت قبل قريش تسعة أذرع حتى زادت قريش فيها تسعة أذرع طولا فى السماء، فأنا أزيد فيها تسعة أذرع أخرى، فبناها سبعة و عشرين ذراعا فى السماء، و هى سبعة و عشرون مدماكا و عرض جدارها ذراعان، و جعل فيها ثلاث دعائم، و كانت قريش فى الجاهلية جعلت فيها ست دعائم، و أرسل ابن الزبير إلى صنعاء فأتى من رخام بها يقال له:/ [52/ أ] البلق فجعله فى الروازن‏ (4) التى فى سقفها للضوء، و كان باب الكعبة قبل بناء ابن الزبير مصراعا واحدا، فجعل لها ابن الزبير مصراعين، طولهما أحد عشر ذراعا من الأرض إلى منتهى أعلاه اليوم، و جعل الباب الآخر الذى فى ظهرها بإزائه على الشاذروان الذى على الأساس مثله، و جعل ميزابها يسكب فى الحجر، و جعل لها درجة فى بطنها فى الركن الشامى من خشب منفرجة يصعد فيها إلى ظهرها.

فلما فرغ ابن الزبير من بناء الكعبة جعلها من داخلها و خارجها من أعلاها إلى أسفلها و كساها القباطى، و قال: من كانت لى عليه طاعة فليخرج فليعتمر من التنعيم، فمن قدر و أن ينحر بدنه فليفعل، و من لم يقدر فليذبح شاة، و من لم يقدر فليتصدق بقدر طوله، و خرج ماشيا و خرج الناس معه مشاة حتى اعتمروا من التنعيم شكرا لله سبحانه، و لم ير يوم كان أكثر عتيقا و لا أكثر بدنة منحورة و لا شاة مذبوحة و لا صدقة من ذلك اليوم، و نحر ابن الزبير مائة بدنة، فلما طاف بالكعبة استلم الأركان الأربعة جميعا و قال:

إنما كان ترك استلام هذين الركنين الشامى و الركن الغربى؛ لأن البيت لم يكن تامّا.

فلم يزل البيت على بناء ابن الزبير إذا طاف الطائف استلم الأركان جميعها،

____________

(1) انشظت: تفرقت و تطايرت. راجع لسان العرب «شظى».

(2) استسمج: استقبح. المعجم الوسيط.

(3) عند الأزرقى «إذ» و هو الصواب. و الله أعلم.

(4) الروازن- جمع روزنة- و هى الكوة غير النافذة. المعجم الوسيط.

110

و يدخل البيت من هذا الباب و يخرج من الباب الغربى و أبوابه لا صقة بالأرض، حتى قتل ابن الزبير رضي اللّه عنه و دخل الحجّاج مكة و كتب كتابا إلى عبد الملك بن مروان: أن ابن الزبير زاد فى البيت‏ (1) على ما كان عليه فى الجاهلية. فكتب إليه عبد الملك بن مروان: أن سد بابها الغربى الذى فتحه ابن الزبير، و اهدم ما كان زاد فيها من الحجر، و اكبسها به على ما كانت عليه. فهدم الحجّاج منها ستة أذرع و شبرا مما يلى الحجر، و بناها على أساس قريش الذى كانت/ [52/ ب‏] استقصرت عليه، و كبسها بما كان هدم منها، و سد الباب الذى فى ظهرها، و ترك سائرها و لم يحرك منه شيئا، فكل شى‏ء فيها بناء ابن الزبير إلا الجدار الذى فى الحجر فإنه بناء الحجّاج، و سد الباب الذى فى ظهرها و ما تحت عتبة الباب الشرقى الذى يدخل منه اليوم إلى الأرض أربعة أذرع و شبر، كل هذا بناء الحجّاج، و الدرجة التى فى بطنها اليوم و البابان اللذان عليهما (2) اليوم هما أيضا من عمل الحجاج فلما فرغ الحجاج من هذا كله وفد بعد ذلك الحارث بن عبد الله بن أبى ربيعة المخزومى على عبد الملك بن مروان، فقال له عبد الملك: ما أظن ابن الزبير سمع من عائشة- رضى الله عنها- ما كان يزعم أنه سمع منها فى أمر الكعبة. فقال الحارث:

أنا سمعته من عائشة. قال: سمعتها تقول ماذا؟ قال: سمعتها تقول: قال لى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «إن قومك استقصروا فى بناء البيت، و لو لا حداثة عهد قومك بالكفر أعدت فيه ما تركوا، فإن بدا لقومك أن يبنوه فهلمى لأريك ما تركوا منه» فأراها قريبا من سبع أذرع. و قال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «و جعلت لها بابين موضوعين على الأرض، بابا شرقيّا يدخل الناس منه، و بابا غربيّا يخرج الناس منه» (3).

قال عبد الملك بن مروان: أنت سمعتها تقول هذا. قال: نعم. فجعل ينكت منكسا بقضيب فى يده ساعة طويلة ثم قال: وددت و الله أنى كنت تركت ابن الزبير و ما تحمّل من ذلك.

قال ابن جريج: و كان الباب الذى عمله ابن الزبير طوله فى السماء أحد عشر ذراعا، فلما كان الحجاج نقص من الباب أربع‏ (4) أذرع و شبرا، و عمل لها هذين البابين و طولهما ستة أذرع و شبر، فلما كان فى خلافة الوليد بن عبد الملك بعث إلى واليه على‏

____________

(1) فى تاريخ مكة للأزرقى (1/ 210) زيادة و هى: «ما ليس منه و أحدث فيه بابا آخر، فكتب إليه يستأذنه فى رد البيت» و هى زيادة تفيد معنى. و الله أعلم.

(2) كذا فى الأصل، و عند الأزرقى «عليها»، و هو الصواب. و الله أعلم.

(3) تقدم تخريجه.

(4) كذا فى الأصل، و عند الأزرقى «أربعة» و هو الجادة. و الله أعلم.

111

مكة خالد بن عبد الله القشيرى‏ (1) بستة و ثلاثين ألف دينار، فضرب منها على باب/ [53/ أ] الكعبة صفائح الذهب و على ميزاب الكعبة و على الأساطين التى فى جوفها (2).

قال الأزرقى: فكل ما على الميزاب و على الأركان فى جوفها من الذهب فهو من عمل الوليد بن عبد الملك، و هو أول من ذهّب البيت فى الإسلام، فأما ما كان على الباب من عمل الوليد بن عبد الملك من الذهب فإنه رق و تفرق، فرفع ذلك إلى أمير المؤمنين محمد بن الرشيد فى خلافته فأرسل إلى سالم بن الجرّاح عامل كان له بثمانية عشر ألف دينار؛ ليضرب بها على صفائح الذهب على بابى الكعبة فقلع ما كان على الباب من الصفائح و زاد عليها من الثمانية عشر ألف دينار، فضرب عليه الصفائح التى هى عليه اليوم و المسامير و حلى باب الكعبة و على القبارين‏ (3) و العتب، و ذلك كله من عمل محمد بن هارون الرشيد، و لم يقلع فى ذلك بابى الكعبة و لكن ضرب عليهما الصفائح و المسامير و هما على حالهما (4).

قال الأزرقى: و أخبرنى المثنى بن جبير الصواف أنه حين فرقوا ذهب باب الكعبة وجد فيه ثمانية عشر ألف مثقال فزادوا عليه خمسة عشر ألف دينار، و أن الذى على الباب من الذهب ثلاثة و ثلاثون ألف دينار. و قالوا أيضا: أنه لما قلع الذهب عن الباب ألبس الباب ثوبا أصفر (5).

قال ابن جريج: و عمل الوليد بن عبد الملك الرخام‏ (6) الأحمر و الأخضر و الأبيض الذى فى بطنها مؤزرا به جدرانها و فرشها بالرخام و أرسل به من الشام، فجميع ما فى الكعبة من الرخام فهو من عمل الوليد بن عبد الملك، و هو أول من فرشها بالرخام و أزّر به جدرانها، و هو أول من زخرف المساجد (7). انتهى ما ذكره الأزرقى.

و أهل مكة يعتمرون فى كل ليلة سبع و عشرين من رجب من كل سنة و ينسبون هذه العمرة إلى ابن الزبير.

____________

(1) كذا فى الأصل، و الصواب كما ذكره الأزرقى «القسرى». و الله أعلم.

(2) أخبار مكة للأزرقى (1/ 211، 212).

(3) كذا فى الأصل، و عند الأزرقى «الفيارين» و هما حديدتان يكتنفان لسان الميزان. راجع القاموس «فار». و الله أعلم.

(4) أخبار مكة للأزرقى (1/ 212).

(5) أخبار مكة للأزرقى (1/ 212).

(6) تكررت فى الأصل.

(7) ذكر هذا الفصل الأزرقى فى تاريخ مكة (1/ 201- 213).

112

قال المحب الطبرى‏ (1): و لا يبعد أن يكون بناء الكعبة امتد إلى هذا/ [53/ ب‏] التاريخ، و قد تقدم هذا فى باب العمرة. و ذكروا أن هارون الرشيد سأل مالك بن أنس رضي اللّه عنه عن هدمها وردها إلى بناء ابن الزبير للأحاديث فى ذلك. فقال مالك: نشدتك الله يا أمير المؤمنين أن لا تجعل هذا البيت ملعبة للملوك، لا يشاء أحد إلا نقضه و بناه، فتذهب هيبته من صدور الناس. هكذا ذكر النووى‏ (2) أن السائل لمالك بن أنس هو هارون الرشيد. و قال السهيلى‏ (3): إن السائل هو أبو جعفر المنصور.

و قال الشافعى: أحب أن لا تهدم الكعبة و تبنى لئلا تذهب حرمتها.

و عن ابن عمر- رضى الله عنهما- قال: قال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «استمتعوا من هذا البيت فإنه يهدم مرتين و يرفع فى الثالثة» (4). رواه الطبرانى.

و فى الصحيحين من حديث أبى هريرة رضي اللّه عنه قال: قال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة» (5). و عن ابن عباس- رضى الله عنهما- عن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: «كأنى به أسود أفحج يقلعها حجرا حجرا» (6). رواه البخارى. و فى حديث آخر رواه الحافظ أبو موسى الأصفهانى فى غريبه: «لا يستخرج كنز الكعبة إلا ذو

____________

(1) هو أحمد بن عبد الله بن محمد الحافظ أبو العباس، محب الدين الطبرى ثم المكى، شيخ الحرم، و حافظ الحجاز بلا مدافعة (615- 694 ه) و له كتاب فى السيرة النبوية. راجع طبقات الشافعية (8/ 18- 20)، و المنهل الصافى (1/ 342- 349)، و البداية و النهاية (13/ 361)، و العبر (5/ 382)، و العقد الثمين (3/ 61- 72) و غيرها من المصادر، و راجع قوله هذا فى القرى.

(2) فى شرح صحيح مسلم (9/ 89).

(3) الروض الأنف (1/ 222)، و أما ابن ظهيرة فقال: روى أن هارون الرشيد أو أباه المهدى أو جده المنصور سأل مالك بن أنس ... الجامع (ص 92).

(4) أخرجه الطبرانى و البزار كما فى مجمع الزوائد (3/ 206) و قال: رجاله ثقات. اه. و هو فى كشف الأستار (1072) و قال: لم نسمع أحدا يحدث به إلا الحسن بن قزعة، عن سفيان، و قد روى عن ابن عمر موقوفا. اه. بل هو عند الحاكم من طريق عمرو بن عون عن سفيان بن حبيب، و ابن حبان فى صحيحه (6753)، و ابن خزيمة (2506)، و الحاكم (1/ 441)، و قال: صحيح على شرط الشيخين و لم يخرجاه. اه.

(5) تقدم تخريجه.

(6) أخرجه البخارى: كتاب الحج- باب هدم الكعبة ح (1595- فتح).

113

السويقتين» (1). فقوله: «كأنى به» فى معنى أبصر به على معنى هذه الصفة، «و السويقتين» تصغير الساقين و هى مؤنثة فلذلك ظهرت التاء فى تصغيرها، و إنما صغر الساقين؛ لأن الغالب على سوق الحبشة الدّقة و الحموشة (2)، أى: يخرّبها رجل من الحبشة له ساقان دقيقتان، و أسود و أفحج حالان عن خبر كأن، و كأن و إن لم تكن بفعل فإنه شبه به، و إذا قيد منصوبه أو مرفوعه بالحال كان تقييدا باعتبار معناه الذى أشبه الفعل، و أفحج بالفاء ثم الحاء المهملة ثم الجيم: الذى يتدانى صدور قدميه و يتباعد عقباه و يتفحج ساقاه و معناه: يتفرج‏ (3)، و الفجج بجيمين فتح ما بين/ [54/ أ] الرجلين و هو أقبح من الفحج‏ (4)، و يقلعها فى معنى الحال و الضمير للكعبة، و من صفة ذى السويقتين أنه أصمع أفيدع أصيلع، و الأصمع- بالصاد المهملة ثم الميم ثم العين المهملة-: الصغير الأذن من الناس و غيرهم‏ (5)، و الأفيدع- تصغير أفدع، بالفاء ثم العين المهملتين-: و هو المفرّج الرسغ من اليد أو الرجل‏ (6)، و الأصيلع- تصغير الأصلع-: و هو الذى انحسر الشعر عن رأسه‏ (7)، و فى حديث حذيفة الطويل عنه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «كأنى بحبشى أفحج الساقين، أزرق العينين، أفطس الأنف، كبير البطن، و أصحابه ينقضونها حجرا حجرا و يتناولونها حتى يرموا بها فى البحر- يعنى الكعبة-». رواه ابن الجوزى، و هو حديث فيه طول.

و عن على بن أبى طالب: استكثروا من الطواف بهذا البيت قبل أن يحال بينكم و بينه، فكأنى برجل من الحبشة أصعل أصمع حمش الساقين قاعد عليها و هى تهدم‏ (8). رواه أبو عبيد القاسم بن سلام. قال الأصمعى: قوله: أصعل. هكذا يروى، قال: و أما كلام‏

____________

(1) أخرجه أحمد فى المسند (5/ 371) عن سهل بن حنيف عن رجل من الصحابة، و البيهقى فى السنن الكبرى (9/ 176) عن سهل عن عبد الله بن عمرو، و كذا أخرجه أبو داود: كتاب.

الملاحم- باب النهى عن تهييج الحبشة ح (4309) مرفوعا عندهم.

(2) راجع المجموع المغيث فى غريبى القرآن و الحديث (2/ 152) و هو بنحوه، و النهاية لابن الأثير (2/ 423).

(3) راجع لسان العرب مادة «فحج».

(4) راجع لسان العرب مادة «فجج».

(5) لسان العرب مادة «صمع».

(6) لسان العرب مادة «فدع».

(7) لسان العرب مادة «صلع».

(8) أخرجه عبد الرزاق (5/ 137)، و الأزرقى (1/ 276)، و الفاكهى (1/ 194، 359)، و أورده أبو عبيد فى الغريب (3/ 454)، و زاد الحافظ فى الفتح (3/ 538) رواية يحيى الحمانى له فى مسنده عن على مرفوعا.

114

العرب فهو صعل بغير ألف: و هو الصّغير الرأس، و كذلك الحبشة كلهم‏ (1)، و حمش السّاقين- بالحاء المهملة- أى: دقيقهما. و عن أبى هريرة رضي اللّه عنه عن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال:

«يبايع لرجل بين الركن و المقام، و أول من يستحل هذا البيت أهله، فإذا استحلوه فلا تسأل عن هلكة العرب، ثم تجى‏ء الحبشة فيخربونه خرابا لا يعمر بعده أبدا، و هم الذين يستخرجون كنزه» (2). رواه أبو داود الطيالسى.

و ذكر الحليمى: أن ذلك يكون فى زمن عيسى- (عليه السلام)- (3). و ذكر أبو حامد فى كتاب «مناسك الحج» له و غيره، و يقال: لا تغرب الشمس من يوم إلا و يطوف بهذا البيت رجل من الأبدال، و لا يطلع الفجر من ليلة إلا طاف به واحد من الأوتاد، و إذا انقطع ذلك كان سبب رفعه من الأرض، فيصبح الناس و قد رفعت الكعبة ليس لها أثر، و هذا إذا أتى عليها/ [54/ ب‏] سبع سنين لم يحجها أحد، ثم يرفع القرآن من المصاحف فيصبح الناس فإذا الورق أبيض يلوح ليس فيه حرف، ثم ينسخ القرآن من القلوب فلا يذكر منه كلمة واحدة، ثم يرجع الناس إلى الأشعار و الأغانى و أخبار الجاهلية، ثم يخرج الدجال و ينزل عيسى ابن مريم فيقتل الدجال، و الساعة عند ذلك بمنزلة الحامل المقرب تقرب ولادتها (4). انتهى.

و قال غير الحليمى: إن خرابه يكون بعد رفع القرآن و ذلك بعد موت عيسى ابن مريم- (عليهما السلام)- و صححه بعض متأخرى العلماء (5). و الله أعلم.

و اعلم أن حاصل ما ذكرنا فى بناء الكعبة فيما تقدم من الروايات أنها بنيت سبع مرات: أولاهن: بناء الملائكة أو آدم على الخلاف المتقدم، الثانية: بناء إبراهيم (صلّى اللّه عليه و سلّم) على القواعد الأولى، الثالثة: بناء العمالقة، الرابعة: بناء جرهم، الخامسة: بناء قريش من الإسلام بخمسة أعوام و قد حضر النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) هذا البناء كما ذكرنا، السادسة: بناء عبد الله‏

____________

(1) راجع كلام الأصمعى فى غريب الحديث لأبى عبيد (3/ 454).

(2) أخرجه أحمد فى المسند (2/ 291، 312، 328، 351)، و أبو داود الطيالسى (2373)، و ابن أبى شيبة (15/ 52، 53)، و الحاكم (4/ 452، 453) و قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين و لم يخرجاه. اه. و تعقبه الذهبى بقوله: ما خرجا لابن سمعان شيئا و لا روى عنه غير ابن أبى ذئب و قد تكلم فيه. اه. و قال الهيثمى فى المجمع (3/ 298): فى الصحيح بعضه و رواه أحمد، و رجاله ثقات. اه و قد صحح إسناده الشيخ أحمد شاكر فى تحقيق المسند (15/ 36).

(3) راجع الجامع اللطيف (ص 88).

(4) راجع إحياء علوم الدين (1/ 242).

(5) كذلك صححه ابن ظهيرة فى الجامع (ص 88).

115

ابن الزبير حين احترقت فى عهده بشررة طارت من أبى قبيس فوقعت فى أستارها فاحترقت. و قيل: إن امرأة أرادت أن تجمّرها فطارت شررة من المجمرة فى أستارها فاحترقت، السابعة: بناء الحجاج بن يوسف الثقفى و هو الشى‏ء الذى من ناحية حجر إسماعيل الذى هو موجود اليوم.

و ذكر السهيلى: أن بناءها كان خمس مرات و عدّ أولاهن: بناء شيث بن آدم (عليهما السلام)(1)، قال: و كانت قبل أن يبنيها شيث خيمة من ياقوتة حمراء يطوف بها آدم‏ (2)، قال: و قد قيل: إنه بنى فى أيام جرهم مرة أو مرتين؛ لأن السيل كان صدع حائطه و لم يكن بنيانا إنما كان إصلاحا لما و هى منه، و جدارا بنى بينه و بين السيل بناه عامر الحاذر، و قد تقدم هذا الخبر (3). انتهى. و يقال: إنّ قصى بن كلاب جدد بناءها بعد إبراهيم- (عليه السلام)- و سقفها بخشب الروم و جريد النخل ثم بنتها قريش.

[فصل‏] ذكر الجب الذى كان فى الكعبة و مالها الذى كان فيه‏

عن/ [55/ أ] مجاهد قال: كان فى الكعبة على يمين من دخلها جب عميق حفره إبراهيم و إسماعيل- (عليهما السلام)- حين رفعا القواعد، و كان فيه ما يهدى للكعبة ليس لها سقف، فسرق منها مال على عهد جرهم مرة بعد مرة، و كان جرهم ترتضى لذلك رجلا يكون عليه يحرسه، فبينا رجل ممن ارتضوه عندها إذ سولت له نفسه فنظر حتى إذا انتصف النهار و قامت المجالس و تقلصت الظلال و انقطعت الطرق- و مكة إذ ذاك شديدة الحر- بسط رداءه ثم نزل فى البئر فأخرج ما فيها فجعله فى ثوبه، فأرسل الله- عزوجل- عليه حجرا من البئر فحبسه، حتى راح الناس فوجدوه فأخرجوه و أعادوا ما وجدوا فى ثوبه من البئر فسميت بذلك البئر الأخسف، فلما أن خسف بالجرهمى و حبسه الله، بعث الله عند ذلك ثعبانا فأسكنه فى ذلك الجب فى بطن الكعبة أكثر من خمسمائة سنة، يحرس ما فيه فلا يدخله أحد إلا رفع رأسه و فتح فاه، فلا يراه أحد إلا ذعر منه، و كان ربما يشرف على جدار الكعبة فأقام كذلك فى زمن جرهم و زمن خزاعة و صدرا من عصر قريش حتى اجتمعت قريش فى الجاهلية على هدم البيت و عمارته فجاء عقاب فاختطفه ثم طار به نحو أجياد الصّغير (4).

____________

(1) الروض الأنف (1/ 221).

(2) المصدر السابق (1/ 222).

(3) المصدر السابق (1/ 222) و فيه «عامر الجارود» بدلا من «عامر الحاذر». و الله أعلم.

(4) تاريخ مكة للأزرقى (1/ 244، 245).

116

و عن شقيق عن شيبة- يعنى ابن عثمان- قال: قعد عمر بن الخطاب فى مقعدك الذى أنت فيه فقال: لا أخرج حتى أقسم مال الكعبة. قلت: ما أنت بفاعل؟ قال: بلى لأفعلن. قلت: ما أنت بفاعل. قال: لم؟ قلت: لأن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) رأى مكانه هو و أبو بكر و هما أحوج منك إلى المال فلم يحركاه فقام فخرج‏ (1). رواه أبو داود و الطيالسى بهذا اللفظ، و البخارى و النسائى بنحوه، و فى رواية للبخارى عن أبى وائل قال: جلست مع شيبة على الكرسى فى الكعبة فقال: لقد جلس هذا المجلس عمر فقال: لقد هممت أن لا أدع فيها صفراء و لا بيضاء إلا قسمته. قلت إن صاحبيك لم يفعلا. قال: هما/ [55/ ب‏] المرءان أقتدى بهما (2).

قال المحب الطبرى: لما أخبر شيبة أن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أبا بكر لم يتعرضا للمال، رأى عمر أن ذلك الصواب و كأنه رأى حينئذ أن ما جعل فى الكعبة يجرى مجرى الوقف عليها فلا يجوز تغييره، أو رأى ذلك تورعا حين أخبر أنه تركه صاحباه مع رؤيته جواز إنفاقه فى سبيل الله؛ لأن صاحبيه إنما تركاه للعذر الذى تضمنه حديث عائشة (3). انتهى.

قال الأزرقى: و ذكروا أن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) وجد فى الجبّ الذى كان فى الكعبة سبعين ألف أوقية من الذهب مما كان يهدى للكعبة- للبيت-. و أن على بن أبى طالب رضي اللّه عنه قال: يا رسول الله لو استعنت بهذا المال على حربك فلم يحركه، ثم ذكر لأبى بكر فلم يحركه. و عن محمد بن يحيى قال: حدثنى بعض الحجبة فى سنة ثمان و ثمانين و مائة أن ذلك المال بعينه فى خزانة الكعبة ثم لا أدرى ما حاله بعد (4).

قال الأزرقى: و حدثنى جدّي و غيره من مشايخ أهل مكة و بعض الحجية أن الحسين ابن على‏ (5) العلوى عمد إلى خزانة الكعبة فى سنة مائتين فى الفتنة حين أخذ الطالبيون مكة، فأخذ مما فيها مالا عظيما و نقله إليه و قال: ما تصنع الكعبة بهذا المال، موضوعا لا

____________

(1) أخرجه أبو داود (السجستانى): كتاب المناسك- باب فى مال الكعبة ح (2031)، و ابن ماجه: كتاب المناسك- باب مال الكعبة ح (3116)، و بنحوه أخرجه البخارى: كتاب الحج- باب كسوة الكعبة ح (1594- فتح)، و أحمد (3/ 410).

(2) أخرجه البخارى: كتاب الاعتصام بالكتاب و السنة- باب الاقتداء بسنن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) ح (7275- فتح)، و الأزرقى فى تاريخ مكة (1/ 245).

(3) راجع الجامع اللطيف (ص 93).

(4) تاريخ مكة للأزرقى (1/ 246، 247).

(5) فى تاريخ مكة للأزرقى: ابن الحسن.

117

ينتفع به! نحن أحق به، نستعين به على حربنا (1).

و يروى أن مال الكعبة كان يدعى الأبرق و لم يخالط مالا قط إلا محقه، و لم يرزأ أحد منه إلا بان النقص فى ماله و أدنى ما يصيب صاحبه أن يشدد عليه الموت‏ (2). حتى أن فتى من الحجبة حضرته الوفاة فاشتد عليه الموت جدّا فمكث أياما ينزع نزعا شديدا حتى رأوا منه ما غمهم و أحزنهم من شدة كربه، فقال أبوه: يا بنى لعلك أصبت من هذا الأبرق شيئا- يعنى: مال الكعبة- قال: نعم يا أبت أربعمائة دينار. فقال أبوه: اللهمّ إن هذه الأربعمائة دين عليّ فى أنفس مالى للكعبة أؤديها إليها ثم انحرف إلى أصحابنا/ [56/ أ] فقال: اشهدوا أن للكعبة عليّ أربعمائة دينار. فسرى عن الغلام ثم لم يلبث الفتى أن مات‏ (3).

[فصل‏] ذكر من كسا الكعبة فى الجاهلية

عن أبى هريرة- رضي اللّه عنه- عن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) أنه: نهى عن سب أسعد الحميرى- و هو تبع- و هو أول من كسا الكعبة (4) كسوة كاملة كساه العصب‏ (5)، و جعل له بابا يغلق بضبّة و لم يكن يغلق قبل ذلك‏ (6). و يروى أن تبعا أرى فى المنام أن يكسوها فكساها الأنطاع، ثم أرى أن يكسوها فكساها الوصائل- و هى ثياب حبرة من عصب اليمن‏ (7)-

____________

(1) تاريخ مكة للأزرقى (1/ 247).

(2) المصدر السابق (1/ 247، 248).

(3) تاريخ مكة للأزرقى (1/ 247) عن عبد الله بن زرارة بن مصعب، و الجامع اللطيف (ص 49).

(4) تاريخ مكة للأزرقى (1/ 249) من طريق إبراهيم بن محمد بن أبى يحيى عن همام بن منبه عن أبى هريرة به مرفوعا، و أورده فى الدر المنثور (6/ 31) و عزاه إلى ابن مردويه، و ابن عدى فى الكامل (6/ 2246)، و التمهيد (10/ 47) من طريق الواقدى عن معمر عن همام عن أبى هريرة به مرفوعا فى الكامل و التمهيد، و عزاه فى فتح البارى (3/ 536) إلى الحارث بن أبى أسامة.

(5) العصب: ضرب من برود اليمن، سمى عصبا لأن غزله يعصب أى يدرج ثم يصبغ ثم يحاك، و ليس من برود الرقم. لسان العرب مادة «عصب».

(6) جاء فى تاريخ مكة للأزرقى (1/ 250) عن ابن جريج نحوه.

(7) تاريخ مكة للأزرقى (1/ 249، 250) عن ابن إسحاق.

118

و روى عبد الرزاق عن ابن جريج قال: بلغنا أن تبعا أول من كسا الكعبة الوصائل‏ (1).

و يروى أن تبعا لما كسا البيت المسوح و الأنطاع‏ (2) انتفض البيت فزال ذلك عنه، و فعل ذلك حين كساه الخصف‏ (3)، فلما كساه الملاء (4) و الوصائل قبلها، ثم كساها الناس بعد تبع فى الجاهلية (5).

و قال ابن جريج: و قد زعم بعض علمائنا أن أول من كسا الكعبة إسماعيل- (عليه السلام)(6)-، و كانت الكعبة فى الجاهلية تكسى كسّى شيئا من وصائل و أنطاع و كرار و خز و نمارق عراقية، و إذا بلى منها شى‏ء أخلف مكانه ثوب آخر، و لا ينزع مما عليها شى‏ء من ذلك‏ (7).

[فصل‏] ذكر من كساها فى الإسلام و طيبها و خدمها

كساها سيدنا رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) الثياب اليمنية ثم أبو بكر و عمر و عثمان- رضى الله عنهم- القباطى‏ (8)، و معاوية و ابن الزبير و من بعدهم‏ (9).

و عن ابن جريج قال: كانت الكعبة فيما مضى إنما تكسى يوم عاشوراء إذا ذهب آخر الحاج حتى كانت بنو هاشم فكانوا يعلقون عليها القمص يوم التروية من الديباج؛ لأن يرى الناس ذلك عليها بهاء و جمالا فإذا كان يوم عاشوراء علقوا الإزار (10). و يروى‏

____________

(1) المصنف (9230) ضمن حديث طويل له.

(2) المسوح- جمع مسح- و هو: كساء من الشعر، و الأنطاع- جمع نطع- و هو: بساط من جلد.

راجع المعجم الوسيط.

(3) الخصف: شى‏ء ينسج من الخوص و الليف، و هو أيضا ثياب غلاظ. راجع الروض الأنف (1/ 40).

(4) الملاء- جمع ملاءة- و هى: الملحفة أو ما يفرش على السرير. المعجم الوسيط.

(5) راجع الروض الأنف (1/ 40).

(6) مصنف عبد الرزاق (5/ 154) رقم (9230).

(7) راجع تاريخ مكة للأزرقى (1/ 251) فقد أدخل كلام عمر بن الحكم السلمى فى كلام ابن أبى مليكة. و الله أعلم.

(8) القباطى- جمع قبطية- و هى: ثياب من كتان بيض رقاق، و كانت تنسج بمصر، و هى منسوبة إلى القبط [على غير قياس‏]. المعجم الوسيط. و سيأتى معناها فى كلام المصنف (رحمه الله تعالى).

(9) راجع تاريخ مكة للأزرقى (1/ 253)، و راجع هذا الفصل فى الجامع اللطيف (ص 104- 111).

(10) تاريخ مكة للأزرقى (1/ 252).

119

أن عثمان أول من ظاهر بها كسوتين القباطى و البرود، و كان عمر يكسوها من بيت المال‏ (1).

و يروى أن معاوية بن أبى سفيان كان/ [56/ ب‏] يكسوها كسوتين: كسوة عمر رضي اللّه عنه القباطى، و كسوة ديباج، فكانت تكسى الديباج يوم عاشوراء و تكسى القباطى فى آخر شهر رمضان‏ (2). و كان ابن عمر يجلل بدنه القباطى و الأنماط و الحلل ثم يبعث بها إلى الكعبة يكسوها إياها (3). أخرجه مالك. و القباطى- بفتح القاف-: جمع قبطية بضم القاف: و هو ثوب رقيق أبيض من ثياب مصر كأنه منسوب إلى القبط، و الضم فيه من تغيير النسب، و الضم خاص بالثياب، و أمّا فى الناس فقبطى بكسر القاف لا غير (4).

و الأنماط ضرب من البسط واحدها نمط.

و عن ابن عمر أنه كان يفعل ذلك فلما كساها الأمراء كان إذا نحر كساها المساكين‏ (5).

و اختلفوا فى أول من كساها الديباج، فقيل: عبد الله بن الزبير. و قيل: يزيد ابن معاوية. و قيل: عبد الملك بن مروان‏ (6). و كان الناس قبل ذلك يهدون البدن عليها الحبرات‏ (7) ثم يبعثون بالحبرات إلى البيت كسوة (8). و يروى أن أول عربية كست الكعبة الحرير و الديباج نتيلة بنت جناب أم العباس بن عبد المطلب‏ (9)- و هى بتاء منقوطة باثنتين من فوق، و بعضهم يصحفها بثاء مثلثة- قاله السّهيلى.

____________

(1) تاريخ مكة للأزرقى (1/ 253) و ليس فيه أن عثمان كسى الكعبة البرود. و الله أعلم.

(2) تاريخ مكة للأزرقى (1/ 253، 254) عن أبى نجيح.

(3) الموطأ: كتاب الحج- باب العمل فى الهدى حين يساق ح (146)، و معنى يجلل أى: يكسوها الجلال و هى ما يجعل على ظهر البعير، ما تغطى به الدابة لتصان.

(4) راجع النهاية مادتى «قبط»، «نمط».

(5) فى الموطأ (1/ 379) عن مالك أنه سأل عبد الله بن دينار ما كان عبد الله بن عمر يصنع بجلال بدنه حين كسيت الكعبة هذه الكسوة؟ قال: كان يتصدق بها.

(6) تاريخ مكة للأزرقى (1/ 253).

(7) الحبرات- جمع حبرة- و هى ثوب من قطن أو كتان مخطط كان يصنع باليمن. المعجم الوسيط.

(8) تاريخ مكة للأزرقى (1/ 254) عن محمد بن على.

(9) الروض الأنف (1/ 42) و نقله عن جماعة و لم يذكر منهم إلا الدارقطنى، و هو فى المؤتلف و المختلف له (1/ 466)، و المنمق (ص 36، 37)، و قصة ذلك أن العباس ضل و هو صبى فنذرت إن وجدته، أن تكسو البيت الحرام، فوجدته ففعلت، و راجع فتح البارى (3/ 537).

و الله أعلم.

120

و كان المأمون يكسوها ثلاث مرات فيكسوها الديباج الأحمر يوم التروية، و القباطى يوم هلال رجب، و الديباج الأبيض يوم سبع و عشرين من رمضان‏ (1). و يروى أنه ابتدأ الكسوة بالأبيض سنة ست عشرة و مائتين حين سأل عن أحسن ما يكون فى الكعبة فقيل له: الديباج الأبيض‏ (2). قال الأزرقى: و أول من خلق جوف الكعبة ابن الزبير، و أول من دعا على الكعبة عبد الله بن شيبة و يلقب الأعجم دعا لهشام بن عبد الملك‏ (3) و كان خليفة (4). انتهى.

و ذكر الواقدى عن أشياخه: أن عبد الملك بن مروان لما ولى كان يبعث إليها كل سنة بالطيب و المجمرة (5)، و كان عبد الله بن الزبير يجمر الكعبة الشريفة فى كل يوم برطل من الطيب/ [57/ أ] و يوم الجمعة برطلين‏ (6). و أجرى لها معاوية الطيب لكل صلاة، فكان يبعث بالطيب و المجمر و الخلوق فى الموسم و فى رجب، و أخدمها عبيدا بعث بهم إليها فكانوا يخدمونها، ثم اتبعت ذلك الولاة بعد (7).

و عن ابن جريج قال: كان معاوية أول من طيب الكعبة بالخلوق و المجمر، و أجرى الزيت لقناديل المسجد من بيت المال‏ (8). و عن عائشة- رضى الله عنها- قالت: كسوة الكعبة على الأمراء (9). و عنها قالت: لطيب الكعبة أحب إلىّ من أن أهدى لها ذهبا و فضة (10). و عنها قالت: طيبوا الكعبة البيت فإن ذلك من تطهيره‏ (11). أخرجهن الأزرقى.

و كسوة الكعبة الآن سوداء من حرير، و بطانتها من كتان أبيض، و هى أربعة و أربعون شقة كل شقة بطول الكعبة سبعة و عشرون ذراعا: منها عشر شقاق ما بين‏

____________

(1) تاريخ مكة للأزرقى (1/ 255، 256).

(2) المصدر السابق (1/ 255) و فيه أنه سنة ست و مائتين، و تاريخ مكة للفاكهى (5/ 233)، و فتح البارى (3/ 537).

(3) فى تاريخ مكة للأزرقى (1/ 253) لعبد الملك بن هشام.

(4) المصدر السابق (1/ 253)، و سبب تسمية عبد الله بن شيبة بالأعجم لأنه كان فى لسانه ثقل قاله الزبير و راجع العقد الثمين (5/ 176).

(5) تاريخ مكة للأزرقى (1/ 255).

(6) المصدر السابق (1/ 257) عن هشام بن عروة.

(7) المصدر السابق (1/ 253، 254) عن أبى نجيح.

(8) تاريخ مكة للأزرقى (1/ 254).

(9) المصدر السابق (1/ 254).

(10) المصدر السابق (1/ 257).

(11) المصدر السابق (1/ 257).

121

الركنين اليمانيين، و اثنى عشر شقة ما بين الركن اليمانى و الغربى، و عشر ما بين الغربى و الشامى و هو جانب الحطيم، و اثنى عشر شقة ما بين الركن الشامى إلى الركن الأسود و هو جانب وجه الكعبة بعد، و الكسوة الآن طراز مدوّر بالكعبة بين الطراز إلى الأرض قريب من عشرين ذراعا، و عرض الطراز ذراعان إلا شيئا يسيرا، مكتوب فى الطراز على جانب وجه الكعبة بعد البسملة: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ‏- إلى قوله- غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ‏ (1). صدق الله العظيم. و بين الركنين اليمانيين مكتوب بعد البسملة: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ‏- إلى قوله- بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ‏ (2). صدق الله العظيم. و بين الركن اليمانى و الغربى مكتوب بعد البسملة: وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَ إِسْماعِيلُ‏- إلى قوله- التَّوَّابُ الرَّحِيمُ‏ (3). صدق الله العظيم. و بين الركن الغربى و الشامى مكتوب بعد البسملة: كما أمر بعمل هذه الكسوة الشريفة الفقير إلى الله تعالى السلطان فلان اسم ملك مصر.

[فصل‏] ما جاء فى تجريد الكعبة

عن أبى نجيح قال: كان/ [57/ ب‏] عمر بن الخطاب ينزع ثياب الكعبة فى كل سنة فيقسمها على الحاج‏ (4). و يروى أن أول من جرد الكعبة و كشفها شيبة بن عثمان‏ (5).

و يروى أنه دخل على عائشة فقال: يا أم المؤمنين تجتمع على الكعبة الثياب فتكثر، فيعمد إلى بيار فيحفرها و يعمقها فتدفن فيها ثياب الكعبة؛ لكيلا يلبسها الحائض و الجنب. قالت عائشة- رضى الله عنها-: ما أصبت و بئس ما صنعت لا تعد لذلك، فإن ثياب الكعبة إذا نزعت عنها لا يضرها من لبسها من حائض أو جنب و لكن بعها و اجعل ثمنها فى سبيل الله و المساكين و ابن السبيل‏ (6). رواهن الأزرقى.

و حج المهدى أمير المؤمنين سنة ستين و مائة فرفع إليه أنه قد اجتمع على الكعبة كسوة كثيرة حتى أنها قد أثقلتها، و يخاف على جدرانها من ثقل الكسوة فجردها حتى لم يبق عليها من كسوتها شيئا ثم ضمخها من خارجها و داخلها بالغالية من أسفلها إلى أعلاها

____________

(1) سورة آل عمران: الآيتين (96، 97).

(2) سورة المائدة: الآية (97).

(3) سورة البقرة: الآيتين (127، 128).

(4) تاريخ مكة للأزرقى (1/ 258، 259).

(5) المصدر السابق (1/ 259، 260) عن ابن أبى مليكة و عبد الحميد بن جبير بن شيبة.

(6) المصدر السابق (1/ 261، 262) عن علقمة بن أبى علقمة عن أمه.

122

من جوانبها كلها، و صعد على ظهر الكعبة بقوارير الغالية فجعل يفرغها على جدران الكعبة من خارج من جوانبها كلها، و عبيد الكعبة قد خرطوا فى البيكار (1) الذى يخاط عليها ثياب الكعبة، ثم أفرغ عليها ثلاث كسى من قباطى و خز و ديباج، و المهدى قاعد على ظهر المسجد مما يلى دار الندوة (2).

[فصل‏] ما جاء فى أسماء الكعبة و أن لا يبنى بيت يشرف عليها

إنما سميت الكعبة كعبة لوجهين: الأول: لأنها مربعة، و أكثر بيوت العرب مدورة، و عند أهل اللغة كل بيت مدور مربع فهو مكعب، و كعبة بفتح الكاف، و كان فى خثعم بيت يسمّونه كعبة اليمانية. قال سعيد بن سالم: قال ابن جريج: و كان ابن الزبير بنى الكعبة على ما بناها إبراهيم- (عليه السلام)- قال: و هى مكعبة على خلقة الكعب؛ فلذلك سميت الكعبة.

قال الأزرقى: و كان الناس يبنون بيوتهم/ [58/ أ] مدورة تعظيما للكعبة، و أول من بنى بيتا مربعا حميد بن زهير، فقالت قريش: ربع حميد بن زهير بيتا إما حياة و إما موتا (3).

الثانى: لعلوها و نتوها و نشورها على الأرض، فكل ناتئ بارز كعب، مستديرا كان أو غير مستدير، و منه كعب ثدى الجارية و كعب القدم و كعب القناة (4).

و من أسمائها البيت و هو اسم علم على الكعبة- زادها الله تشريفا و تكريما- سميت بذلك لأنها ذات سقف و جدار و هى حقيقة البيت و إن لم يكن به ساكن، و يسمى البيت الحرام لتحريم الله إياها؛ لقوله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «إن مكة حرمها الله و لم يحرمها الناس» (5). أو لأن حرمتها انتشرت فأريد بالتحريم سائر الحرم، كما قال- عزوجل-: هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ (6). و أراد الحرم. و يسمى البيت العتيق و تقدم فى باب الفضائل سبب تسميتها

____________

(1) كذا فى الأصل، و عند الأزرقى «البكار».

(2) المصدر السابق (1/ 262، 263) عن غير واحد من مشيخة أهل مكة و جد الأزرقى، و قد خلط المصنف بين الأثرين. و الله أعلم.

(3) تاريخ مكة (1/ 279، 280) عن ابن أبى نجيح، و الجامع اللطيف (ص 26).

(4) راجع مشارق الأنوار (1/ 343)، و الجامع اللطيف (ص 26).

(5) أخرجه البخارى: كتاب العلم- باب ليبلغ العلم الشاهد الغائب ح (104- فتح)، و مسلم:

كتاب الحج- باب تحريم مكة و صيدها .. ح (1354)، و أحمد فى المسند (4/ 31)، (6/ 385) عن أبى شريح العدوى مرفوعا.

(6) سورة المائدة: الآية (95).

123

بذلك. قال الأزرقى: و كان يدعى البيت قادسيّا، و يدعى بادرا، و يدعى القرية القديمة (1). انتهى. و يسمى بكة على قول، و أما مكة فهى القرية. و ذكر صاحب المشارق: من أسمائها البنية و بنية إبراهيم، و بنية أبى طالب. و عن شيبة بن عثمان: أنه كان يشرف فلا يرى بيتا مشرفا على الكعبة إلا أمر بهدمه‏ (2). و عن يوسف بن ماهك قال: كنت جالسا مع عبد الله بن عمرو بن العاص فى ناحية المسجد الحرام إذ نظر إلى بيت مشرف على أبى قبيس فقال: أبيت ذلك؟ قلت: نعم. قال: إذا رأيت بيوتها- يعنى بذلك مكة- قد علت أخشبها، و فجرت بطونها أنهارا فقد أزف الأمر (3).

قال الأزرقى: و حدثنى جدّى قال: لما أن بنى العباس بن محمد بن على بن عبد الله ابن عباس رضي اللّه عنه داره التى بمكة على الصيارفة حيال المسجد الحرام، أمر قوامه أن لا يرفعوها فيشرفوا بها على الكعبة، و أن يجعلوا أعلاها/ [58/ ب‏] دون الكعبة فتكون دونها؛ إعظاما للكعبة أن تشرف عليها، فلم تبق بمكة دار لسلطان و لا غيره حول المسجد تشرف على الكعبة إلا هدمت و خربت إلا هذه الدار فإنها على حالها إلى اليوم‏ (4).

[فصل‏] ذكر أول من استصبح حول الكعبة و فى المسجد الحرام‏

عن مسلم بن خالد الزنجى قال: بلغنا أن أول من استصبح لأهل الطواف فى المسجد الحرام عقبة بن الأزرق بن عمرو الغسانى، و كانت داره لا صقة بالمسجد الحرام من ناحية وجه الكعبة، و المسجد يومئذ ضيق ليس بين جدر المسجد و بين «المسجد الحرام» (5) المقام إلا شى‏ء يسير، فكان يضع على حرف داره مصباحا كبيرا يستصبح فيه فيضى‏ء له وجه الكعبة و المقام و أعلى المسجد. و أول من أجرى للمسجد قناديل و زيتا معاوية بن أبى سفيان‏ (6). فلم يزل يضع عقبة بن الأزرق ذلك المصباح على حرف الدار حتى كان خالد ابن عبد الله القسرى فوضع مصباح زمزم مقابل الركن الأسود فى خلافة عبد الملك بن مروان، و دخلت تلك الدار فى المسجد حين وسعه ابن الزبير ثم المهدى الأول، فرفع ذلك‏

____________

(1) تاريخ مكة (1/ 280) و فيها «قادسا ... ناذرا» و هو الصواب، و معنى «قادس» مأخوذ من التقديس، أى التطهير، يعنى أنها تطهر من الذنوب. ذكره ابن ظهيرة فى الجامع (ص 158)، و فيه (ص 161) تسميتها «نادرة». و الله أعلم.

(2) تاريخ مكة للأزرقى (1/ 280)، و الجامع اللطيف (ص 26).

(3) تاريخ مكة للأزرقى (1/ 282)، و كذا الجامع اللطيف (ص 26).

(4) تاريخ مكة للأزرقى (1/ 282، 283)، و كذا الجامع اللطيف (ص 26، 27).

(5) ليست فى تاريخ مكة للأزرقى (1/ 286)، و كأنه مضروب عليها فى الأصل.

(6) تاريخ مكة للأزرقى (1/ 286).

124

المصباح الذى كان يوضع على حرف الدار (1). و كان عمر بن عبد العزيز يأمر الناس ليلة هلال المحرم يوقدون النار فى فجاج مكة و يضعون المصابيح للمعتمرين مخافة السرق‏ (2).

قال الأزرقى: فلم يزل مصباح زمزم على عمود طويل مقابل الركن الأسود الذى وضعه خالد بن عبد الله القسرى، فلما كان محمد بن سليمان على مكة فى خلافة المأمون فى سنة ست عشرة و مائتين وضع عمودا طويلا مقابله بحذاء الركن الغربى، فلما ولى مكة محمد بن داود جعل عمودين طويلين أحدهما بحذاء الركن اليمانى و الآخر بحذاء الركن الشامى، فلما ولى هارون الواثق بالله أمر بعمد من/ [59/ أ] شبه‏ (3) طوال عشرة فجعلت حول المطاف؛ ليستصبح عليها لأهل الطواف، و أمر بثمان ثريات‏ (4) كبار يستصبح فيها و تعلق فى المسجد الحرام فى كل وجه اثنتان‏ (5).

قال الأزرقى: و أول من استصبح بين الصفا و المروة خالد بن عبد الله القسرى فى خلافة سليمان بن عبد الملك‏ (6)، و كان حول الطواف عشرة أعمدة من صفر يستصبح بها على أهل الطواف بعث بها الواثق العباسى‏ (7). انتهى كلامه.

و أما عددها اليوم فاثنان و ثلاثون إسطوانة ثمانية عشر منها آجر مجصّص، و أربعة عشر منها حجارة منحوتة دقيقة، و بين كل واحدة من الأساطين خشبة ممدودة راكبة عليها و على التى بإزائها لأجل القناديل التى تعلق فيها للاستصباح، و كان فى موضع هذه الأساطين قبل ذلك أخشاب على صفة الأساطين، و سبب عملها هو الاستضاءة بالقناديل على الطائفين حول الكعبة. قال عز الدين بن جماعة: و الأساطين التى حول المطاف الشريف أحدثت للاستضاءة بالقناديل التى تعلق بينها بعد العشرين و سبعمائة، و كانت من خشب ثم جعلت من حجارة سنة تسع و أربعين و سبعمائة، ثم ثارت ريح عاصفة سنة إحدى و خمسين و سبعمائة «فألتمتها» (8) ثم جددت فيها. انتهى.

____________

(1) تاريخ مكة للأزرقى (1/ 286، 287) عن أبى الحسن بن القاسم بن عقبة بن الأزرق.

(2) المصدر السابق (1/ 287) عن عطاء بن أبى رباح.

(3) الشبه: النحاس الأصفر.

(4) الثريّات- جمع ثريا- هى مجموعة المصابيح التى يسميها الناس: النجفة (و هى محدثة) المعجم الوسيط.

(5) تاريخ مكة للأزرقى (1/ 287).

(6) المصدر السابق (1/ 287) عن جد الأزرقى.

(7) المصدر السابق (1/ 287، 288).

(8) هكذا فى الأصل، و لعلها «فالتهمتها». و الله أعلم.

125

و ذكر ابن محفوظ أن إحداث هذه الأساطين المذكورة فى سنة ست و ثلاثين و سبعمائة. و الله أعلم.

[فصل‏] ذكر ذرع الكعبة من داخل و خارج‏

قد تقدم أن طول الكعبة فى السماء سبع و عشرون ذراعا، و قد ذكر الأزرقى فى ذرعها من داخلها و خارجها (1). قال عز الدين بن جماعة: و حررت أنا ارتفاعها و مقدار ما بين أركانها و غير ذلك لما كنت مجاورا بمكة سنة ثلاث و خمسين و سبعمائة، فكان ارتفاعها من أعلى الملتزم إلى أرض الشاذروان ثلاثة/ [59/ ب‏] و عشرون ذراعا و نصف ذراع و ثلث ذراع، و بين الركن الذى فيه الحجر الأسود و بين الركن الشامى و يقال: العراقى من داخل الكعبة ثمانية عشر ذراعا و ثلث و ربع و ثمن، و من خارجها ثلاثة و عشرين ذراعا و ربع ذراع، و ارتفاع باب الكعبة الشريفة من داخلها ستة أذرع «و قيراطان» (2)، و من خارجها خمسة أذرع و ثلث، و عرضه من داخلها ثلاثة أذرع و ربع و ثمن، و من خارجها ثلاثة أذرع و ربع، و عرض العتبة نصف ذراع و ربع، و ارتفاع الباب الشريف عن أرض الشاذروان ثلاثة أذرع و ثلث و ثمن، و ارتفاع الشاذروان عن أرض المطاف ربع و ثمن، و عرضه فى هذه الجهة نصف و ربع، و ذرع الملتزم و هو ما بين الركن و الباب من داخل الكعبة ذراعان و من خارجها أربعة و سدس، و ارتفاع الحجر الأسود عن أرض المطاف ذراعان و ربع «و سدس» (3)، و بين الركن الشامى و الغربى من داخل الكعبة خمسة عشر ذراعا و قيراطان، و من خارجها ثمانية عشر و نصف و ربع، و بين الغربى و اليمانى من داخلها ثمانية عشر ذراعا و ثلثا ذراع و ثمن ذراع، و من خارجها ثلاثة و عشرون ذراعا، و بين اليمانى و الركن الأسود من داخلها خمسة عشر ذراعا و ثلث ذراع، و من خارجها تسعة عشر- بتقديم التاء على السين- و ربع، و ذرع دائر الحجر من داخله من الفتحة إلى الفتحة أحد و ثلاثون و ثلث، و من خارج من الفتحة إلى الفتحة سبعة و ثلاثون و نصف و ربع و ثمن، و من الفتحة إلى الفتحة على الاستواء سبعة عشر ذراعا، و من صدر دائر الحجر من داخله إلى جدار البيت تحت الميزاب خمسة عشر ذراعا، و عرض جدار الحجر ذراعان/ [60/ أ] و ثلث ذراع، و ارتفاعه عن أرض المطاف مما يلى الفتحة التى من جهة المقام ذراع و ثلثا ذراع و ثمن ذراع، و ارتفاعه مما يلى الفتحة الأخرى ذراع و ثلث و نصف و ثمن، و ارتفاعه من وسطه ذراع‏

____________

(1) راجع تاريخ مكة للأزرقى (1/ 288- 292).

(2) تكررت فى الأصل.

(3) كتبت فى الهامش، و لعلها هنا، و لا يبدو علامة إلحاق. فالله أعلم.

126

و ثلث ذراع، وسعة ما بين جدار الحجر و الشاذروان عند الفتحة التى من جهة المقام أربعة أذرع و ثلث، و عرض الشاذروان فى هذه الجهة نصف ذراع، و الخارج من جدار الحجر فى هذه الجهة عن مسامتة الشاذروان نصف ذراع و ربع ذراع و ثمن، وسعة الفتحة الأخرى أربعة أذرع و نصف، و عرض الشاذروان فى هذه الجهة ثلثا ذراع، و الخارج من جدار الحجر فى هذه الجهة عن مسامتة الشاذروان نصف ذراع و ثلث ذراع.

قال عز الدين: كل ذلك حررته بذراع القماشى المستعمل فى زماننا بمصر. انتهى كلامه.

قال الأزرقى: و ذرع عرض بعد جدار الكعبة ذراعان، و الكعبة لها سقفان أحدهما فوق الآخر، و كانت غير مسقفة فى عهد إبراهيم- (عليه السلام)(1)- و فى سقف الكعبة أربع روازن‏ (2) نافذة من السقف الأعلى إلى السقف الأسفل للضوء، و على الروازن رخام، و كان ابن الزبير أتى به من صنعاء يقال له: البلق و بين السقفين فرجة، و ذرع التحجير الذى فوق ظهر سطح الكعبة ذراعان و نصف، و ذرع عرض «جدار» (3) التحجير كما يدور ذراع، و فى التحجير ملبن مربع من ساج فى جدران سطح الكعبة، كما يدور فيه حلق حديد تشد فيها ثياب الكعبة، و كان أرض سطح الكعبة بالفسيفساء، ثم كانت تتلف‏ (4) عليهم إذا جاء المطر فقلعته الحجبة بعد سنة المائتين و شيدوه بالمرمر المطبوخ و الجص، و ميزاب الكعبة فى وسط الجدر الذى يلى الحجر يسكب فى بطن الحجر، و ذرع طول الميزاب أربع‏ (5) أذرع، وسعته ثمانى‏ (6) أصابع فى ارتفاع مثلها، و الميزاب ملبس صفائح/ [60/ ب‏] ذهب داخله و خارجه، و كان الذى جعل عليه الذهب الوليد ابن عبد الملك، و ذرع مسيل الماء فى الجدر ذراع و سبعة عشر إصبعا (7).

[فصل‏] ذكر ما يدور بالحجر الأسود من الفضة

و كان ابن الزبير أول من ربط الركن الأسود بالفضة لما أصابه الحريق، ثم كانت الفضة قد رقت و نزعت حول الحجر الأسود حتى خافوا على الركن أن ينقض، فلما اعتمر

____________

(1) راجع تاريخ مكة للأزرقى (1/ 288- 290).

(2) روازن- جمع روزنة- و هى الكوة غير النافذة. المعجم الوسيط.

(3) عند الأزرقى «جدر». و الله أعلم.

(4) عند الأزرقى «تكف». و الله أعلم.

(5) كذا فى الأصل، و الصواب «أربعة» و هو عند الأزرقى. و الله أعلم.

(6) كذا فى الأصل، و الصواب «ثمانية» و هو عند الأزرقى. و الله أعلم.

(7) تاريخ مكة للأزرقى (1/ 290، 291).

127

أمير المؤمنين هارون الرشيد و جاور فى سنة تسع و ثمانين و مائة أمر بالحجارة التى بينها الحجر الأسود فثقبت بالماس من فوقها و تحتها ثم أفرغ فيها الفضة (1).

و ذكر المسبحى: أن فى سنة أربعين و ثلاثمائة قلع الحجبة الحجر الأسود و كان «بضه منبر» (2) و جعلوه فى الكعبة خوفا عليه، و أحبوا أن يجعلوا له طوقا من فضة يشد به كما كان قديما فى عهد ابن الزبير، فأصلحه صائغان حاذقان و عملا له طوقا من فضة و أحكماه، قال: و عن محمد بن نافع الخزاعى: أن مبلغ ما على الحجر الأسود من الطوق و غيره ثلاثة آلاف و تسعة و تسعون درهما على ما قيل. انتهى.

قيل: و الحلية التى على الحجر الأسود الآن غير الحلية المتقدمة؛ لأن داود بن عيسى ابن فليتة الحسنى أمير مكة أخذ طوق الحجر الأسود قبيل عزله من مكة فى سنة خمس و ثمانين و خمسمائة أو فى التى بعدها على ما ذكر غير واحد من أهل التواريخ، و هذا يقتضى أن يكون قلع الحجر الأسود ليعمل له طوق يصونه‏ (3).

[فصل‏] ما جاء فى مقام إبراهيم (عليه السلام)

المقام فى اللغة: موضع قدم القائم. و مقام إبراهيم: هو الحجر الذى وقف عليه إبراهيم. و اختلفوا فى المراد من المقام فى قوله تعالى: فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ‏ (4). فقال الجمهور: هو الحجر المعروف. و قيل: البيت كله مقام إبراهيم؛ لأنه بناه و قام فى جميع أقطاره. و قيل: مكة كلها. و قيل: الحرم كله. و الصحيح/ [61/ أ] قول الجمهور (5).

و فى سبب وقوفه عليه أقوال؛ أحدها: إنه وقف عليه لبناء البيت قاله سعيد بن جبير. الثانى: إنه جاء من الشام فطلب ابنه إسماعيل فلم يجده فقالت له زوجته: انزل فأبى. فقالت: دعنى أغسل رأسك، فأتته بحجر فوضع رجله عليه و هو راكب فغسلت شقه، ثم رفعته و قد غابت رجله فيه، فوضعته تحت الشق الآخر و غسلته فغابت رجله فيه،

____________

(1) المصدر السابق (1/ 345) عن جد الأزرقى، قال: و كان الذى عمل ذلك ابن الطحان مولى ابن المشمعل. و الله أعلم.

(2) كذا فى الأصل، و لعلها «ربضه منير» و الله أعلم.

(3) أى من السرقة و غيرها و راجع الجامع اللطيف (ص 37، 38).

(4) سورة آل عمران: الآية (97).

(5) راجع تفسير ابن كثير (1/ 168، 169) و تفسير القرطبى (3/ 112، 113) و صحح ما صححه المصنف و قد ثبت فى البخارى ح (395- فتح) أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) صلى خلف المقام ركعتين، و كذا صححه ابن حجر كما فى الفتح (1/ 595).

128

فجعله الله تعالى من الشعائر، و هذا مروى عن ابن مسعود و ابن عباس- رضى الله عنهم-. الثالث: إنه وقف عليه فأذن فى الناس بالحج‏ (1).

قال الأزرقى: لما فرغ من التأذين أمر بالمقام فجعله قبلة، فكان يصلى إليه مستقبل الباب ثم كان إسماعيل بعد يصلى إليه إلى باب الكعبة (2). و عن أنس بن مالك رضي اللّه عنه قال:

رأيت المقام فيه أصابعه و أخمص قدميه و العقب غير أنه أذهبه مسح الناس بأيديهم‏ (3). و عن قتادة فى قوله تعالى: وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى‏ (4). قال: إنما أمروا أن يصلوا عنده و لم يؤمروا بمسحه، و لقد تكلفت هذه الأمة شيئا ما تكلفته الأمم قبلها، و لقد ذكر لنا بعض من رأى أثره و أصابعه فما زالت هذه الأمة تمسحه حتى اخلولق و انماح. و عن نوفل بن معاوية الديلى قال: رأيت المقام فى عهد عبد المطلب مثل المهاة، و المهاة: خرزة بيضاء.

[فصل‏] ما جاء فى موضع المقام و كيف رده عمر إلى موضعه هذا

اختلفوا هل كان فى عهد النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) ملصقا بالبيت، أو فى موضعه الآن؟

و الصحيح أنه كان فى عهد النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) ملصقا بالبيت.

روى الأزرقى عن المطلب بن أبى وداعة السهمى قال: كانت السيول تدخل المسجد الحرام من باب بنى شيبة قبل أن يردم/ [61/ ب‏] عمر بن الخطاب الردم الأعلى، و كان يقال لهذا الباب: باب السيل، و كانت السيول ربما رفعت المقام عن موضعه و إلى وجه الكعبة. حتى جاء سيل فى خلافة عمر بن الخطاب يقال له: سيل أم نهشل، و سمى بذلك؛ لأنه ذهب بأم نهشل ابنة عبيدة ابن أبى «حجيجة» (5) فماتت فيه، فاحتمل المقام من موضعه هذا فذهب به حتى وجد بأسفل مكة، فأتى به فربط فى أستار الكعبة فى وجهها، و كتب فى ذلك إلى عمر رضي اللّه عنه فأقبل عمر فزعا، فدخل بعمرة فى شهر رمضان و قد عفى‏ (6) موضعه و عفاه السيل، فدعا عمر بالناس فقال: أنشد الله عبدا عنده علم فى هذا المقام أين موضعه؟ فقال المطلب بن أبى وداعة: عندى ذلك فقد كنت أخشى عليه‏

____________

(1) الجامع اللطيف (ص 30).

(2) تاريخ مكة (2/ 30).

(3) تاريخ مكة للفاكهى (1/ 450).

(4) سورة البقرة: الآية (125).

(5) كذا فى الأصل، و عند الأزرقى «أحيحة». و الله أعلم.

(6) كذا فى الأصل، و عند الأزرقى «غبى». و الله أعلم.

129

هذا، فأخذت قدره فى موضعه إلى الركن، و من موضعه إلى باب الحجر و من موضعه إلى زمزم بميقاط (1) و هو عندى فى البيت. فقال له عمر: فاجلس عندى و أرسل إليها. فأتى بها فمدها فوجدها مستوية إلى موضعه هذا، فسأل الناس و شاورهم فقالوا: نعم هذا موضعه. فلما استثبت ذلك عمر و حق عنده أمر به فأعلم ببناء ربضه تحت المقام ثم حوله فهو فى مكانه هذا إلى اليوم‏ (2).

و روى الأزرقى أيضا عن ابن أبى مليكة أنه قال: موضع المقام هو الذى به اليوم، و هو موضعه فى الجاهلية و فى عهد النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أبى بكر و عمر- رضى الله عنهما- إلا أن السيل ذهب به فى خلافة عمر فجعل فى وجه الكعبة حتى قدم عمر رضي اللّه عنه فرده بمحضر من الناس‏ (3).

و نقل الأزرقى عن عروة بن الزبير أن المقام كان عند صقع‏ (4) البيت فأما موضعه الذى هو موضعه فموضعه الآن، و أما ما يقول الناس: إنه كان هنالك موضعه فلا (5).

انتهى كلام الأزرقى.

و قال مالك فى «المدونة»: كان المقام فى عهد إبراهيم- (عليه السلام)-/ [62/ أ] فى مكانه اليوم، و كان أهل الجاهلية ألصقوه بالبيت خيفة السيل و كان ذلك فى عهد النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و عهد أبى بكر، فلما ولى عمر رضي اللّه عنه رده بعد أن قاس موضعه بخيوط قديمة قيس بها حين أخبروه‏ (6). و حكى سند عن أشهب عن مالك: أن الذى حمل عمر على ذلك- و الله أعلم- ما كان النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) يذكره من كراهية تغيير مراسيم إبراهيم- (عليه السلام)- و منه قوله (صلّى اللّه عليه و سلّم) لعائشة: «لو لا حدثان قومك بكفر لنقضت الكعبة» (7). فرأى عمر أن ذلك ليس فيه تغيير لمكان ما رآه من مراسيم إبراهيم- (عليه السلام)- انتهى.

و فى هذا مناقضة ظاهرة لما ذكره الأزرقى عن ابن أبى مليكة، و أما ما ذكره المطلب‏

____________

(1) المقاط- بكسر الميم-: الحبل الصغير الشديد الفتل. لسان العرب «قمط» و ذكر القصة شاهدا، و فى الأصل بياء بعد الميم. و الله أعلم.

(2) تاريخ مكة للأزرقى (2/ 33، 34)، و الجامع اللطيف (ص 31).

(3) تاريخ مكة للأزرقى (2/ 35)، و الجامع اللطيف (ص 32).

(4) الصقع و يقال: السقع و السين أحسن: الناحية من البيت. لسان العرب «سقع»، و الذى فى تاريخ مكة للأزرقى «سفع» و له وجه: و هى آثار فى الدار تخالف من سوادها سائر لون الأرض.

و الله أعلم.

(5) تاريخ مكة للأزرقى (2/ 35).

(6) الجامع اللطيف (ص 32).

(7) تقدم تخريجه.

130

ابن أبى وداعة فيحتمل أمرين؛ أحدهما: أن يكون قول عمر: أنشد الله عبدا عنده علم فى هذا المقام أين موضعه؟ أى: الذى كان عليه فى عهد النبوة و هو المتبادر إلى الفهم؛ لأنه كان بحاثا عن السنة وقافا عندها، و كذلك فهمه ابن أبى مليكة فأثبت لذلك أن موضعه اليوم هو الموضع الذى كان فيه فى عهد النبوة، و أن إلصاقه بالبيت إنما كان لعارض السيل.

الاحتمال الثانى: أن يكون عمر سأل عن موضعه فى زمن إبراهيم- (عليه السلام)- ليرده إليه لعلمه أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان يؤثر مراسيم إبراهيم- (عليه السلام)- و يكره تغييرها، و يكون سبيله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فى تقرير المقام ملصقا بالبيت إلى أن توفى (صلّى اللّه عليه و سلّم) سبيله فى تقرير ما كان من الكعبة فى الحجر تأليفا لقريش فى عدم تغيير مراسيمهم، فلذلك سأل عمر عن مكان المقام فى زمن إبراهيم- (عليه السلام)- ليرده إليه.

و على هذا التأويل فلا مناقضة بين ما رواه المطلب و الإمام مالك فيكون الجمع بينهما أولى من ترك أحدهما. و يكون ابن أبى مليكة قال/ [62/ ب‏] ما قاله فهما من سياق ما رواه المطلب و الإمام مالك أثبت ما أثبته جازما به، فلا يكون ذلك إلا عن توقيف فكان الجمع أولى‏ (1) قاله المحب الطبرى. و يروى أن رجلا يهوديّا أو نصرانيّا كان بمكة فأسلم يقال له: جريج ففقد المقام ذات ليلة فوجد عنده أراد أن يخرجه إلى ملك الروم فأخذ منه و ضربت عنقه‏ (2). و عن عبد الله بن السائب و كان يصلى بأهل مكة قال: أنا أول من صلى خلف المقام حين رد فى موضعه هذا، ثم دخل عمر رضي اللّه عنه و أنا فى الصلاة فصلى خلفى صلاة المغرب‏ (3).

[فصل‏] ما جاء فى الذهب الذى على المقام و من جعله عليه‏

أول ما حلّي المقام فى خلافة المهدى العباسى سنة إحدى و ستين و مائة كما ذكره الفاكهى‏ (4). و روى الأزرقى عن عبد الله بن شعيب قال: ذهبت أرفع المقام فى خلافة المهدى فانثلم قال: و هو من حجر رخو يشبه السنان فخشينا أن يتفتت، فكتبنا فى ذلك إلى المهدى فبعث إلينا بألف دينار فضببنا بها المقام أسفله و أعلاه، و لم يزل ذلك الذهب عليه حتى ولى أمير المؤمنين جعفر المتوكل على الله فجعل عليه ذهبا فوق ذلك الذهب‏

____________

(1) و قال ابن ظهيرة فى الجامع اللطيف (ص 32): و صحح ابن جماعة ما قاله مالك. و الله أعلم.

(2) الجامع اللطيف (ص 32).

(3) تاريخ مكة للأزرقى (2/ 36).

(4) تاريخ مكة للفاكهى (1/ 475، 476).

131

أحسن من ذلك العمل فى مصدر الحاج سنة ست و ثلاثين و مائتين‏ (1)، ثم إن الذهب الذى حلّي به المقام فى خلافة المتوكل لم يزل عليه إلى أن أخذه جعفر بن الفضل و محمد بن حاتم فى سنة إحدى و خمسين و مائتين، و ضرباه دنانير و أنفقاه على حرب إسماعيل العلوى فيما ذكروا، و بقى الذهب الذى عمل فى خلافة المهدى إلى سنة ست و خمسين و مائتين ثم قلع و ضم إليه ذهب آخر و حلّي المقام بذلك كله، و كان فى المقام حلية من فضة مع الذهب فزاد فيها فى هذا التاريخ أمير مكة على بن الحسين الهاشمى العباسي، و كان سبب ذلك أن الحجبة ذكروا لعلى بن الحسين المذكور أن/ [63/ أ] المقام قد و هى و يخاف عليه، و سألوه أن يجدد عليه و يضببه حتى يشتد، فأجابهم إلى ما سألوه و قلع ما على المقام من الذهب و الفضة، فإذا هو سبع قطع ملصقة و زال عنها الإلصاق فألزم إلصاقه بالعقاقير، و ركب عليه من حلية الذهب و الفضة ما يزيده شدة و يستحسنه الناظر فيه، و كان ابتداء عمل ذلك فى المحرم سنة ست و خمسين و مائتين و الفراغ منه فى ربيع الأول منها، و كان جملة ما فى الطوقين اللذين عملا فى المقام باللحوم التى فيهما ألفى مثقال ذهبا إلا ثمانية مثاقيل‏ (2).

انتهى كلام الفاكهى مختصرا.

قال الشيخ سعد الدين الإسفرائينى فى كتاب «زبدة الأعمال و خلاصة الأفعال»:

و فى سنة تسع و خمسين و سبعمائة فى زمان القاضى شهاب الدين أحمد بن محمد بن محمد ابن محب الدين الطبرى قاضى مكة سرق الذى كان عليه فعمل عليه الفضة و هى عليه إلى الآن. انتهى.

[فصل‏] ذكر ذرع المقام‏

ذكر الأزرقى: أن ذرع المقام ذراع، و أن القدمين داخلان فيه سبع أصابع‏ (3). و قال عز الدين بن جماعة: و حررت لما كنت بمكة سنة ثلاث و خمسين و سبعمائة مقدار ارتفاعه من الأرض فكان نصف ذراع و ربع ذراع و ثمن ذراع بالذراع المستعمل فى زماننا بمصر فى القماش، و أعلى المقام مربع من كل جهة نصف ذراع و ربع ذراع، و موضع «عرض» (4) القدمين فى المقام ملبّس بفضة، و عمقه من فوق الفضة سبع قراريط و نصف قيراط من‏

____________

(1) إلى هنا انتهى المنقول من تاريخ مكة للأزرقى (2/ 36)، و راجع تاريخ مكة للفاكهى (1/ 476).

(2) تاريخ مكة للفاكهى (1/ 477- 479).

(3) تاريخ مكة للأزرقى (2/ 38).

(4) كذا فى الأصل. و الله أعلم.

132

ذراع القماش‏ (1)، و المقام اليوم فى صندوق من حديد حوله شباك من حديد، عرض الشباك عن يمين المصلى و يساره خمسة أذرع و ثمن ذراع، و طوله إلى جهة الكعبة خمسة أذرع إلا قيراطين، و خلف الشباك المصلى و هو محوز بعمودين من حجارة و حجرين من جانبى المصلى، و طول المصلى خمسة أذرع و سدس ذراع، و من صدر الشباك الذى داخله المقام إلى شاذروان الكعبة/ [63/ ب‏] عشرون ذراعا و ثلثا ذراع و ثمن ذراع، كل ذلك بالذراع المتقدم ذكره. انتهى كلام ابن جماعة.

[فصل‏] ما جاء فى إخراج جبريل زمزم لأم إسماعيل «و يروى لها» (2)

لما كان بين هاجر أم إسماعيل و بين سارة امرأة إبراهيم ما كان أقبل إبراهيم- (عليه السلام)- بهاجر و ابنها إسماعيل- و هو صغير يرضعها (3)- حتى قدم بهما مكة، و مع أم إسماعيل شنة فيها ماء تشرب منه و تدر على ابنها و ليس معها زاد (4)- و فى رواية:

و معها جراب فيه تمر و سقاء فيه ماء و ليس بمكة أحد و ليس لها ماء- فعمد بهما إبراهيم إلى دوحة فوق زمزم فوضعهما عندها، ثم توجه إبراهيم خارجا على دابته فتبعته أم إسماعيل حتى وافى إبراهيم بكدا، فقالت له أم إسماعيل: إلى من تتركها و ولدها؟ قال: إلى الله- عزوجل- قالت: رضيت بالله- و فى رواية: قالت له: أين تذهب و تتركنا بهذا الوادى الذى ليس فيه أنيس و لا شى‏ء؟ فقالت له ذلك مرارا و جعل لا يلتفت إليها فقالت:

آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذن لا يضيعنا- ثم رجعت تحمل ابنها- فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهؤلاء الدعوات و رفع يديه و قال: رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ‏- حتى بلغ- يَشْكُرُونَ‏ (5). و جعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل حتى فنى ماء شنها فانقطع درها (6)، فجاع ابنها فاشتد جوعه حتى نظرت إليه أمه يتشحط فخشيت أم إسماعيل أن يموت، فقالت: لو تغيبت عنه حتى يموت و لا أدرى بموته. فوجدت الصفا أقرب جبل فى الأرض يليها فقامت عليه، فاستقبلت الوادى تنظر هل ترى أحدا فلم تر أحدا، فهبطت‏

____________

(1) راجع كلام ابن جماعة هذا إلى هنا فى الجامع اللطيف (ص 31).

(2) كذا فى الأصل و ليست عند الأزرقى.

(3) فى تاريخ مكة للأزرقى (2/ 39) «ترضعه» و صححه من الطبعة الأوربية، و قال المحقق: و فى جميع الأصول «يرضعها». أى: كما هنا. و الله أعلم.

(4) تاريخ مكة للأزرقى (2/ 39) عن عبد الله بن عباس.

(5) سورة إبراهيم: الآية (37) و هذه الرواية فى صحيح البخارى ح (3364- فتح).

(6) أى: انقطع در اللبن من ثديها لطفلها.

133

من الصفا و قالت: لو مشيت بين هذين الجبلين تعللت حتى يموت الصبى و لا أراه.

فمشت بينهما أم إسماعيل حتى إذا بلغت الوادى رفعت طرف درعها، ثم سعت سعى الإنسان المجهود/ [64/ أ] حتى جاوزت الوادى، ثم أتت المروة فقامت عليها و نظرت فلم تر أحدا ففعلت ذلك سبع مرات، فلذلك شرع السعى بينهما سبعا، فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا فقالت: صه تريد نفسها ثم تسمعت فسمعت أيضا فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث، فخرج لها جبريل فاتبعته حتى وصل عند زمزم فبحث بعقبه أو بجناحه حتى ظهر الماء، و تقول بيدها هكذا و تغرف من الماء فى سقائها و هو يفور بعد ما تغرف فشربت و أرضعت ولدها، و قال لها جبريل- (عليه السلام)-: لا تخافى الضيعة فإن ها هنا بيت الله- عزوجل- يبنيه هذا الغلام و أبوه، و إن الله تعالى لا يضيع أهله‏ (1). و فى الحديث أن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: «يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم أو قال:

لو لم تغرف من الماء لكانت عينا معينا» (2).

قال القرطبى فى «تفسيره»: لا يجوز لأحد أن يتعلق بهذا فى طرح ولده و عياله بأرض مضيعة، اتكالا على العزيز الرحيم، و اقتداء بفعل إبراهيم الخليل، كما فعله غلاة الصوفية فى حقيقة التوكل، قال: إبراهيم فعل ذلك بأمر الله تعالى؛ لقوله فى الحديث: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. و قد روى أن سارة لما غارت من هاجر بعد أن ولدت إسماعيل خرج بها إبراهيم- (عليه السلام)- إلى مكة فروى أنه ركب البراق هو و هاجر و الطفل فجاء فى يوم واحد من الشام إلى مكة، و أنزل ابنه و أمه هناك و ركب منصرفا من يومه، و كان ذلك كله بوحى من الله- عزوجل- فلما ولّى دعا (3). انتهى كلامه.

فبينما هاجر و ابنها كذلك إذ مر ركب من جرهم قافلين من الشام فى الطريق السفلى، فرأى الركب الطير على الماء فقال بعضهم: ما كان بهذا الوادى من ماء و لا أنيس فأرسلوا جريين لهم حتى أتيا أم إسماعيل فكلماها، ثم رجعا/ [64/ ب‏] إلى ركبهما فأخبراهم بمكانها، فرجع الركب كلهم حتى حيوها فردت عليهم، و قالوا: لمن هذا الماء؟

قالت أم إسماعيل: هو لى. قالوا: أ تأذنين لنا أن نسكن معك؟ قالت: نعم. قال النبى‏

____________

(1) تاريخ مكة للأزرقى (2/ 39، 40) بنحوه، و الحديث فى صحيح البخارى ح (3364- فتح) تقدم تخريجه، و راجع تفسير القرطبى (9/ 368، 369).

(2) أخرجه البخارى: كتاب الأنبياء- باب يزفون النسلان فى المشى ح (3364- فتح) عن ابن عباس مرفوعا.

(3) تفسير القرطبى (9/ 370).

134

(صلّى اللّه عليه و سلّم): «ألفى ذلك أم إسماعيل، و قد أحبت الأنس» فنزلوا و بعثوا إلى أهليهم، فقدموا و سكنوا تحت الدوح و اعترشوا عليها العرش، فكانت معهم هى و ابنها (1).

قال بعض أهل العلم: كانت جرهم تشرب من ماء زمزم فمكثت بذلك ما شاء الله أن تمكث، فلما استخفت جرهم بالحرم و تهاونت بحرمة البيت، و أكلوا مال الكعبة الذى يهدى لها سرّا و علانية و ارتكبوا مع ذلك أمورا عظاما، نضب ماء زمزم و انقطع فلم يزل موضعه يدرس و يتقادم و تمر عليه السيول عصرا بعد عصر حتى عفى مكانه، و سلط الله خزاعة على جرهم فأخرجتهم من الحرم و وليت عليهم الكعبة و الحكم بمكة، و موضع زمزم فى ذلك داثر لا يعرف؛ لتقادم الزمان حتى بوّأه الله لعبد المطلب بن هاشم لما أراد الله تعالى من ذلك فخصه به من بين قريش‏ (2). و قيل: إن جرهما دفنت زمزم حين ظعنوا من مكة و استولى عليها غيرهم.

قال السهيلى: و لما أحدثت جرهم فى الحرم و استخفوا بالمناسك و الحرم، و بغى بعضهم على بعض و اجترم، تغوّر ماء زمزم و اكتتم، فلما أخرج الله جرهم من مكة بالأسباب التى ذكرناها، عمد الحارث بن مضاض الأصغر إلى ما كان عنده من مال الكعبة و فيه غزالان من ذهب و أسياف قلعيّة (3) كان أهداها ساسان ملك الفرس، و قيل:

سابور، و ذكروا أن الأوائل من ملوك الفرس كانت تحج الكعبة إلى عهد ساسان أو سابور، فلما علم ابن مضاض أنه مخرج منها جاء فى الليل حتى دفن ذلك فى زمزم و غطى عليها، و لم تزل دارسة عافيا أثرها حتى آن مولد المبارك/ [65/ أ] الذى كان يستسقى بوجهه غيث السماء، و تتفجر من بنانه ينابيع الماء صاحب الكوثر و الحوض الرّواء، فلما آن ظهوره أذن الله لسقيا أبيه أن تظهر و لما اندفن من مائها أن يجهر (4)، فكان (صلّى اللّه عليه و سلّم) قد سقت الناس بركته قبل أن يولد و سقوا بدعوته و هو طفل حين أجدب بهم البلد، و ذلك حين خرج به جده مستسقيا لقريش، و سقيت الخليقة غيوث السماء فى حياته الفينة بعد الفينة و المرة بعد المرة، تارة بدعائه و تارة ببنانه و تارة بإلقاء سهمه، ثم بعد موته (صلّى اللّه عليه و سلّم) استشفع عمر بعمه إلى الله تعالى [إلى‏] (5) عام الرمادة و أقسم عليه به و بنبيه، فلم يبرح حتى قلصوا

____________

(1) تاريخ مكة للأزرقى (2/ 40، 41)، و هو بمعناه فى البخارى كما تقدم.

(2) تاريخ مكة للأزرقى (2/ 41).

(3) قلعيّة: نسبة إلى قلعة، قيل: إنها جبل بالشام، أو هى معدن ينسب إليه الرصاص الجيد. معجم البلدان (4/ 389).

(4) كذا فى الأصل، و فى الروض الأنف «تجتهر» أى: تنقى. و الله أعلم.

(5) «إلى» زائدة فى الأصل، و ليست فى الروض الأنف، و الصواب حذفها. و الله أعلم.

135

المأزر و اعتلقوا الحذاء و خلصوا الغدران، و سمعت الرفاق المقبلة إلى المدينة فى ذلك اليوم صائحا يصيح فى السحاب: أتاك الغوث أبا حفص أتاك الغوث أبا حفص، كل ذلك ببركة المبتعث بالرحمتين الداعى إلى الحياتين الموعود بهما على يديه فى الدارين‏ (1). انتهى كلام السهيلى. و قال فى تفجير زمزم جبريل بالعقب دون أن يفجرها باليد أو غيرها:

إشارة إلى أنها لعقبه وراثة و هو محمد و أمته كما قال تعالى: وَ جَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ‏ (2). أى: فى أمة محمد (3). انتهى.

[فصل‏] ما جاء فى حفر عبد المطلب بن هاشم زمزم‏

عن الزهرى قال: أول ما ذكر من أمر عبد المطلب بن هاشم جدّ رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) أن قريشا خرجت فارة من أصحاب الفيل و هو غلام شاب، فقال: و الله لا أخرج من حرم الله أبتغى العز فى غيره فجلس عند البيت، و أجلت عنه قريش فلم يزل ثابتا فى الحرم حتى أهلك الله الفيل و أصحابه، و رجعت قريش و قد عظم فيها بصبره و تعظيمه محارم الله تعالى، فبينما هو فى ذلك و قد ولد له أكبر بنيه- و هو الحارث بن عبد المطلب- فأدرك، فأتى عبد المطلب فى المنام فقال له: احفر زمزم خبئة الشيخ الأعظم/ [65/ ب‏] فاستيقظ فقال: اللهم بين لى. فأتى فى المنام مرة أخرى فقيل له: لحفرتكم بين الفرث و الدم فى مبحث الغراب فى قرية النمل مستقبلة الأنصاب الحمر. فقام عبد المطلب فمشى حتى جلس فى المسجد الحرام ينتظر ما سمى له من الآيات، فنحرت بقرة بالحزورة (4) فانفلتت من جازرها بحشاشة نفسها حتى غلبها الموت فى المسجد فى موضع زمزم، فجزرت تلك البقرة فى مكانها حتى احتمل لحمها، فأقبل غراب يهوى حتى وقع فى الفرث فبحث عند قرية النمل، فقام عبد المطلب فحفر هنالك فجاءته قريش فقالت لعبد المطلب: ما هذا الصنع؟ إنا لم نكن «نريك» (5) بالجهل لم تحفر فى مسجدنا؟ فقال عبد المطلب: إنى لحافر هذه البئر و مجاهد من صدنى عنها. فطفق هو و ابنه الحارث يحفران و ليس له ولد يومئذ غيره، فسفه عليهما ناس من قريش فنازعوهما و قاتلوهما، و تناهى عنه‏

____________

(1) الروض الأنف (1/ 166) و تكملة كلامه (صلّى اللّه عليه و سلّم) صلاة تصعد و لا تنفد، و تتصل و لا تنفصل، و تقيم و لا تريم، إنه منعم كريم.

(2) سورة الزخرف: الآية (28).

(3) الروض الأنف (1/ 166).

(4) الحزورة: و كانت سوق مكة، كانت بفناء دار أم هانئ ابنة أبى طالب التى كانت عند الحناطين.

و قيل غير ذلك. راجع تاريخ مكة للأزرقى (2/ 294) من قول أبى الوليد.

(5) كذا فى الأصل و عند الأزرقى (2/ 43) «نزنك» و هو الصواب. و الله أعلم.

136

ناس من قريش لما يعلمون من علو نسبه و صدقه و اجتهاده فى دينهم، فلما اشتد عليه الأذى نذر إن و فى له عشرة من الولد أن ينحر أحدهم، ثم حفر حتى أدرك سيوفا دفنت فى زمزم حين دفنت، فلما رأت قريش أنه قد أدرك السيوف قالوا: يا عبد المطلب أجزنا مما وجدت. فقال عبد المطلب: هذه السيوف لبيت الله الحرام. فحفر ثلاثة أيام حتى انبط الماء فى القرار ثم بحرها حتى لا ينزف ثم بنى عليها حوضا، فطفق هو و ابنه ينزعان فيملآن ذلك الحوض فيشرب منه الحاج، فيكسره ناس من حسدة قريش بالليل فيصلحه عبد المطلب حين يصبح، فلما أكثروا فساده دعا عبد المطلب ربه فأرى فى المنام فقيل له:

قل اللهم لا أحلها لمغتسل، و لكن هى للشارب حل و بل ثم كفيتهم، فقام عبد المطلب، فنادى بالذى أرى ثم انصرف، فلم يكن يفسد حوضه ذلك عليه أحد من قريش إلا رمى فى جسده بداء حتى تركوا حوضه، ثم تزوج عبد المطلب النساء فولدت له عشرة رهط، فقال: اللهم/ [66/ أ] إنى كنت نذرت لك نحر أحدهم، و إنى أقرع بينهم فأصب بذلك من شئت فأقرع بينهم فطارت القرعة على عبد الله بن عبد المطلب و كان أحب ولده إليه، فقال: اللهم عبد الله أحب إليك أم مائة من الإبل، ثم أقرع بينه و بين المائة الإبل فكانت القرعة على المائة من الإبل فنحرها عبد المطلب‏ (1). و عن على بن أبى طالب قال: قال عبد المطلب: إنى لنائم فى الحجر أتانى آت فقال: احفر طيبة. قال: قلت: و ما طيبة؟ قال:

ثم ذهب عنى فرجعت إلى مضجعى فنمت فيه فجاءنى فقال: احفر برة. قال: قلت:

و ما برة؟ ثم ذهب عنى فلما كان من الغد رجعت إلى مضجعى فنمت فيه فجاءنى فقال:

احفر زمزم. قال: قلت: و ما زمزم؟ قال: لا تنزف و لا تذم‏ (2) تسقى الحجيج الأعظم، و هى بين الفرث و الدم عند نقرة الغراب الأعصم عند قرية النمل. قال: فلما أبان له شأنها و دل على موضعها و عرف أنه قد صدق، غدا بمعوله و معه ابنه الحارث بن عبد المطلب ليس له يومئذ غيره، فحفر فلما بدا لعبد المطلب الطى كبّر، فعرفت قريش أنه قد أدرك حاجته، فقاموا إليه فقالوا: يا عبد المطلب إنها بئر إسماعيل و إن لنا فيها حقّا، فأشركنا معك فيها. فقال عبد المطلب: ما أنا بفاعل إن هذا إلا خصصت به دونكم و أعطيته من بينكم. قالوا: فأنصفنا فإنا غير تاركيك حتى نحاكمك. قال:

فاجعلوا بينى و بينكم من شئتم أحاكمكم إليه. قالوا: كاهنة بنى سعد بن هذيم. قال:

____________

(1) تاريخ مكة للأزرقى (2/ 42- 44).

(2) أى أن هذا برهان عظيم؛ لأنها لم تنزف من ذلك الحين إلى اليوم قط، و قد وقع فيها حبشى فنزحت من أجله، فوجدوا ماءها يثور من ثلاثة أعين، أقواها و أكثرها ماء من ناحية الحجر الأسود.

قاله السهيلى فى الروض الأنف (1/ 170).

137

نعم، و كانت بأشراف الشام فركب عبد المطلب و معه نفر من بنى عبد مناف و ركب من كل قبيلة من قريش نفر، قال: و الأرض إذ ذاك مفاوز (1) فخرجوا حتى إذا كانوا ببعض المفاوز بين الحجاز و الشام فنى ماء عبد المطلب و أصحابه فظمئوا حتى أيقنوا بالهلكة، و استسقوا من معهم من قبائل قريش فأبوا عليهم و قالوا: إنا فى مفازة نخشى فيها على أنفسنا مثل ما أصابكم، فلما رأى عبد المطلب ما «صنع» (2) القوم و ما يتخوف على نفسه و أصحابه/ [66/ ب‏] قال: ماذا ترون؟ قالوا: ما رأينا إلا تبع لرأيك فمرنا بما شئت.

قال: فإنى أرى أن يحفر كل رجل منكم لنفسه لما بكم الآن من القوة، فكلما مات رجل دفعه أصحابه فى حفرته، ثم واروه حتى يكون آخره رجلا فضيعة رجل واحد أيسر من ضيعة ركب جميعا. قالوا: نعم ما أمرت به. فقام كل رجل منهم يحفر حفرته ثم قعدوا ينتظرون الموت عطشا، ثم إن عبد المطلب قال لأصحابه: إن إلقاءنا بأيدينا هلك للموت لعجز ألا نضرب فى الأرض، فعسى الله أن يرزقنا ماء ببعض البلاد فارتحلوا، فارتحلوا حتى إذا فرغوا و من معهم من قريش ينظرون إليهم و ما هم فاعلون، تقدم عبد المطلب إلى راحلته فركبها فلما انبعثت انفجرت تحت خفها عين ماء عذب فكبّر عبد المطلب و كبّر أصحابه، ثم نزل فشرب و شربوا و أسقوا حتى ملأوا أسقيتهم ثم دعى القبائل التى معه من قريش، فقال: هلم‏ (3) إلى الماء فقد سقانا الله تعالى فاشربوا و أسقوا. فشربوا و سقوا فقالت القبائل التى نازعته: قد و الله قضى الله تعالى لك علينا يا عبد المطلب، و الله لا نخاصمك فى زمزم أبدا، الذى سقاك هذا الماء بهذه الفلاة هو الذى سقاك زمزم، فارجع إلى سقايتك راشدا. فرجع و رجعوا معه و لم يمضوا إلى الكاهنة و خلوا بينه و بين زمزم‏ (4).

قال ابن إسحاق: هذا الذى بلغنى من حديث على بن أبى طالب فى زمزم، و قد سمعت من يحدث عن عبد المطلب أنه قيل له حين أمر بحفر زمزم:

____________

(1) المفاوز- جمع مفازة- و فى اشتقاق اسمها ثلاث أقوال:

أ- عن الأصمعى أنها سميت مفازة على جهة التفاؤل لراكبها بالفوز و النجاة.

ب- عن أبى المكارم: لأن راكبها إذا قطعها و جاوزها فاز.

ج- عن بعضهم: مهلكة لأنه يقال: فاز الرجل و فوز و فاد و فطس: إذا هلك.

راجع الروض الأنف (1/ 171).

(2) كذا مصححا من هامش الأصل، و فى الأصل «فعل». و الله أعلم.

(3) أى تعالوا، و هى لغة أهل الحجاز، و بها نزل القرآن الكريم، و عند بنى تميم تلحقها الضمائر فيقول هنا: هلموا. و الله أعلم.

(4) تاريخ مكة للأزرقى (2/ 44- 46)، و سيرة ابن هشام (1/ 193- 196).

138

ادع بالماء الروى غير الكدر* * * لتسقى حجيج الله فى كل مبر (1)

ليس يخاف عنه شى‏ء ما عمر (2)

فخرج عبد المطلب حين قيل له ذلك إلى قريش، فقال: اعلموا أنى قد أمرت أن أحفر زمزم. قالوا: فهل بين لك أين هى؟ قال: لا. قالوا: فارجع إلى مضجعك الذى رأيت فيه ما رأيت، فإن يك حقّا من الله يبين لك، و إن يكن من الشيطان فلن يعود إليك. فرجع عبد المطلب إلى مضجعه فنام فيه فأتى، فقيل له: احفر زمزم إنك إن/ [67/ أ] حفرتها لن تندم، و هى تراث‏ (3) من أبيك الأعظم، لا تنزف أبدا و لا تذم، تسقى الحجيج الأعظم مثل نعام جافل‏ (4) لم يقسم ينذر فيها ناذر لمنعم، تكون ميراثا و عقدا محكم، ليست كبعض ما قد تعلم، و هى بين الفرث و الدم‏ (5).

قال ابن هشام: هذا الكلام و الذى قبله فى حديث على فى حديث حفر زمزم «عند» (6) سجع و ليس بشعر (7). قال ابن إسحاق: فزعموا أنه حين قيل له ذلك قال:

و أين هى؟ قيل له: عند قرية النمل حيث ينقر الغراب غدا. فغدا عبد المطلب و معه ابنه الحارث فوجد قرية النمل و وجد الغراب ينقر عندها بين الوثنين إساف و نائلة اللذين كانت قريش تذبح عندهما، فجاء بالمعول فحفر فلما تمادى به الحفر، فوجد فيها غزالين من ذهب و هما الغزالان اللذان دفنتهما جرهم فيها حين خرجت من مكة، و وجد فيها أسيافا قلعية و أدراعا، فقالت له قريش: يا عبد المطلب فى هذا شرك و حق. قال: لا، و لكن هلموا إلى أمر ينصف بينى و بينكم. فضرب عليها بالقداح قالوا: و كيف نصنع؟ قال:

____________

(1) مبر- مفعل من البر. قاله أبو ذر الخشنى فى شرح السيرة (1/ 196)، و كذا فى الروض الأنف (1/ 171).

(2) عمر- من العمر- أى: ما بقى، و يروى: ما غبر: أى ما بقى أيضا، و هو من الأضداد بمعنى بقى و بمعنى ذهب. قاله أبو ذر الخشنى فى شرح السيرة (1/ 196).

(3) أى: ميراث.

(4) نعام جافل: الجافل الكثير الذى يجى‏ء و يذهب، و هو السريع أيضا، قاله أبو ذر الخشنى فى شرح السيرة (1/ 197)، و الروض الأنف (1/ 171).

(5) راجع كلام ابن إسحاق هذا فى سيرة ابن هشام (1/ 196، 197)، و الروض الأنف (1/ 168).

(6) فى السيرة «عندنا» و هو الصواب. و الله أعلم.

(7) السيرة (1/ 197)، و الروض الأنف (1/ 168)، و هو يشير إلى قوله: «لا تنزف و لا تذم» إلى قوله: «عند قرية النمل». أفاده ابن هشام.

139

أجعل للكعبة قدحين‏ (1) ولى قدحين و لكم قدحين، فمن خرج قدحاه على شى‏ء كان له، و من تخلف قدحاه فلا شى‏ء له. قالوا: أنصفت. فجعل قدحين أصفرين للكعبة، و قدحين أسودين لعبد المطلب، و قدحين أبيضين لقريش، ثم أعطوا القداح الذى يضرب بها عند هبل، و قام عبد المطلب يدعو الله- عزوجل- و ضرب صاحب القداح فخرج الأصفران على الغزالين، و خرج الأسودان على الأسياف و الأدراع لعبد المطلب، و تخلف قدحا قريش، فضرب عبد المطلب الأسياف بابا للكعبة، و ضرب فى الباب الغزالين فكانت أول حلية حليته الكعبة (2).

قال السهيلى: دل على زمزم بعلامات ثلاث: بنقرة الغراب الأعصم، و أنها بين الفرث و الدم، عند قرية النمل، و يروى أنه لما قام ليحفرها رأى ما رسم له من قرية النمل و نقرة الغراب/ [67/ ب‏] و لم ير الفرث و الدم، فبينما هو كذلك ندّت بقرة لجازرها فلم يدركها حتى دخلت المسجد الحرام و نحرها فى الموضع الذى رسم لعبد المطلب فسال هناك الفرث و الدم، فحفر عبد المطلب حيث رسم له، و لم تخص هذه العلامات الثلاث بأن تكون دليلا عليها إلا لحكمة إلهية، و فائدة مشاكلة فى علم التعبير و التوسم الصادق- يعنى زمزم و ماءها.

أما الفرث و الدم: فإن ماءها طعام طعم و شفاء سقم و هى لما شربت له، و قد تقوّت من مائها أبو ذر ثلاثين يوما و ليلة فسمن حتى تكثرت عكنه‏ (3)، فهى إذا كما قال (صلّى اللّه عليه و سلّم) فى اللبن: «إذا شرب أحدكم اللبن فليقل: اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه، فإنه ليس شى‏ء يسد مسد الطعام و الشراب إلا اللبن» (4). و قال تعالى فى اللبن: مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ‏

____________

(1) القدح: قطعة من الخشب تعرّض قليلا و تسوى، و تكون فى طول الفتر أو دونه، و تخط فيه حزوز تميز كل قدح بعدد من الحزوز، و كان يستعمل فى الميسر. المعجم الوسيط.

(2) سيرة ابن هشام (1/ 197- 199)، و الروض الأنف (1/ 168- 171)، و حديث حفر بئر زمزم فى مصنف عبد الرزاق (9718) من طريق الزهرى مرسلا، و دلائل النبوة للبيهقى (1/ 93- 97) من حديث على بن أبى طالب، و طبقات ابن سعد (1/ 83- 85).

(3) العكن- جمع عكنه-: و هى ما انطوى و تثنى من لحم البطن سمنا. المعجم الوسيط.

(4) أخرجه بنحوه أبو داود: كتاب الأشربة- باب ما يقول إذا شرب اللبن ح (3730)، و الترمذى:

كتاب الدعوات- باب ما يقول إذا أكل طعاما ح (3455) و قال: حديث حسن، و النسائى فى الكبرى (6/ 79)، و أحمد فى المسند (1/ 220، 225، 284)، و الحميدى (482) من حديث عمر بن حرملة عن ابن عباس، و هو عند ابن ماجة ح (3322) من طريق عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس.

140

وَ دَمٍ لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشَّارِبِينَ‏ (1). فظهرت هذه السقيا المباركة بين الفرث و الدم و كانت تلك من دلائلها المشاكلة لمعناها.

و أما قوله: الغراب الأعصم: قال القتبى: الأعصم من الغربان الذى فى جناحيه بياض. و اعترض على أبى عبيد لقوله فى شرح الحديث: الأعصم الذى فى يديه بياض.

و قال: كيف يكون للغراب يدان؟ و أجاب عنه السهيلى و قال: إنما أراد أبو عبيد أن هذا الوصف لذوات الأربع و لذلك قال: إن هذا الوصف فى الغربان عزيز، و كأنه ذهب إلى الذى أراد ابن قتيبة من بياض الجناحين و لو لا ذلك لقال: إنه فى الغربان محال لا يتصور.

قال السهيلى: و فى؟؟؟ ابن أبى شيبة من طريق أبى أمامة عن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) ما يغنى عن قولهما و فيه الشفاء، و ذلك؟؟؟ أنه قال: قال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «المرأة الصالحة فى النساء كالغراب الأعصم». قيل: يا رسول الله و ما الغراب الأعصم؟ قال: «الذى إحدى رجليه بيضاء». قال السهيلى: فالغراب فى التأويل فاسق و هو أسود، فدلت نقرته عند الكعبة على نقرة الأسود/ [68/ أ] الحبشى بمعوله فى أساس الكعبة يهدمها فى آخر الزمان فكان نقر الغراب فى ذلك المكان يؤذن بما يفعله الفاسق الأسود فى آخر الزمان بقبلة الرحمن و سقيا أهل الإيمان، و ذلك عندما يرفع القرآن و تحيا عبادة الأوثان، و فى الصحيح‏ (2): فى صفة الذى يخرب الكعبة أنه أفحج. و هذا ينظر إلى كون الغراب أعصم إذا تفحج تباعد فى الرجلين، كما أن العصم اختلاف فيهما و الاختلاف تباعد، و قد عرف بذى السويقتين كما نعت الغراب بصفة فى ساقيه فتأمله، فهذا من خفى علم التعبير؛ لأنها كانت رؤيا و إن شئت كانت من باب الزجر و التوسم الصادق و الاعتبار و الفكر فى معالم حكمة الله، فهذا سعيد بن المسيب حين حدث بحديث البئر فى البستان، و أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) قعد على قفها (3)، و دلى رجليه فيها، ثم جاء أبو بكر ففعل مثل ذلك، ثم جاء عمر ففعل مثل ذلك ثم جاء عثمان فانتبذ منهم ناحية و قعد حجرة (4) قال سعيد بن المسيب: فأولت ذلك قبورهم اجتمعت قبور الثلاثة و انفرد قبر عثمان، و الله تعالى يقول:

إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ‏ (5). فهذا من التوسم و الفراسة الصادقة.

و أما قرية النمل: ففيها من المشاكلة و المناسبة أيضا أن زمزم هى عين مكة التى‏

____________

(1) سورة النحل: الآية (66).

(2) من حديث ابن عباس، كما فى البخارى ح (1595)- فتح).

(3) قف البئر: الدكة التى تجعل حولها. لسان العرب «قفف».

(4) أى: ناحية.

(5) سورة الحجر: الآية (75).

141

يردها الحجيج و العمار من كل جانب فيحملون إليها البر و الشعير و غير ذلك، و هى لا تحرث و لا تزرع؛ لقول إبراهيم: إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ. إلى قوله: وَ ارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ‏ (1). و قرية النمل كذلك لأن النمل لا يحرث و لا يبذر و تجلب الحبوب إلى قريتها من كل جانب، و فى مكة قال تعالى: قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ‏ (2). مع أن لفظ قرية مأخوذ من قريت الماء فى الحوض إذا جمعته. و الرؤيا تعبر على اللفظ تارة و على المعنى أخرى، فقد اجتمع اللفظ و المعنى فى هذا التأويل، و قيل/ [68/ ب‏] لعبد المطلب فى صفة زمزم: لا تنزف‏ (3) أبدا و لا تذم. و هذا برهان عظيم لأنها لم تنزف من ذلك الوقت إلى يومنا قط، و قد وقع فيها حبشى فنزحت من أجله فوجدوا ماءها يثور من ثلاث أعين أقواها و أكثرها ماء عين من ناحية الحجر الأسود، روى هذا الحديث الدارقطنى. و قوله: و لا تذم أى لا تعاب و لا تلفى مذمومة من قولك: أذممته إذا وجدته مذموما. و قيل: لا يوجد ماؤها قليلا من قولهم:

بئر ذمّة إذا كانت قليلة الماء. و منه حديث البراء فأتينا على بئر ذمّة فنزلنا فيها أى قليلة الماء كذا قاله ابن الأثير (4). و ضعف السهيلى الوجه الأول و قال: قوله: و لا تذم فيه نظر و ليس هو على ما يبدو من ظاهر اللفظ من أنها لا يذمها أحد، فلو كان من الذم لكان ماؤها أعذب المياه و لتضلع منها كل من يشربه، و قد تقدم فى الحديث أنه لا يتضلع منها المنافق فماؤها إذا مذموم عندهم، و قد كان خالد بن عبد الله القسرى أمير العراق يذمها و يسميها أم جعلان، و احتفر بئرا خارج مكة باسم الوليد بن عبد الملك، و جعل يفضلها على زمزم و يحمل الناس على التبرك بها دون زمزم، جراءة منه على الله تعالى و قلة حياء منه، و هو الذى يفصح و يعلن بلعن على رضي اللّه عنه على المنبر (5). قال السهيلى: و إنما ذكرنا هذا ليعلم أنها قد ذمت قال: فقوله إذا: لا تذم من قولهم بئر ذمّة أى قليلة الماء، فهو من أذممت البئر إذا وجدتها ذمة كقولك: أكذبت الرجل إذا وجدته كاذبا، قال تعالى:

____________

(1) سورة إبراهيم: الآية (37).

(2) سورة النحل: الآية (112).

(3) نزفت البئر: إذا نزح ماؤها كله.

(4) النهاية (2/ 169)، و الحديث الذى ذكره عن البراء أورده بسنده السهيلى فى الروض الأنف (1/ 170)، و أخرجه أحمد فى المسند (4/ 292، 297)، و الطبرانى الكبير (2/ 26)، و قال فى المجمع (8/ 300): هو فى الصحيح باختصار كثير فى غزوة الحديبية، و رجاله رجال الصحيح.

(5) الروض الأنف (1/ 170).

142

فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ‏ (1). قال: فهذا أولى ما حمل عليه معنى قوله: لا تذم‏ (2). انتهى كلام السهيلى و هذا لفظه.

و قوله: ادعوا بالماء الروى غير الكدر، يقال: ماء روى بالقصر، و رواء بالفتح و المد. و قوله: يسقى حجيج الله فى كل مبر: هو مفعل من البر يريد فى مناسك الحج و مواضع الطاعة. و قوله: مثل نعام جافل لم يقسم: الجافل من/ [69/ أ] جفلت الغنم إذا انقلعت بحملها، و لم تقسم أى لم تتوزع و لم تتفرق. و قوله: ليس يخاف منه شى‏ء ما عمر: أى ما عمر هذا الماء فإنه لا يؤذى و لا يخاف منه ما يخاف من المياه إذا أفرط فى شربها بل هو بركة على كل حال‏ (3). قال السهيلى: فعلى هذا يجوز أن يحمل قوله: لا تنزف و لا تذم- أى لا تذم عاقبة شربها- و هذا تأويل سائغ أيضا إلى ما قدمنا من التأويل و كلاهما صحيح فى صفتها (4). انتهى.

و كان حفر عبد المطلب لها قبل مولد النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) على ما ذكره ابن إسحاق فى السيرة (5) عن على، و فى تاريخ الأزرقى أن حفر [عبد] (6) المطلب لزمزم كان بعد قصة أصحاب الفيل‏ (7)، فعلى هذا يكون حفر [عبد] (6) المطلب لها بعد مولد النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و الله أعلم.

و يروى أن أبا طالب عم النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) عالج زمزم، و كان النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) ينقل فى علاجه الحجارة و هو غلام‏ (8) رواه البزار فى مسنده بإسناد ضعيف.

[فصل‏] ذكر علاج زمزم فى الإسلام‏

قال الأزرقى: كان قد قل ماؤها جدّا حتى كانت تجم‏ (9) فى سنة ثلاث و عشرين‏

____________

(1) سورة الأنعام: الآية (33).

(2) الروض الأنف (1/ 170).

(3) الروض الأنف (1/ 171، 172).

(4) الروض الأنف (1/ 172).

(5) لعله يقصد ما تقدم من حديث حفر البئر ففيه أن عبد المطلب كان معه ابنه الحارث و لم يكن له ولد غيره، و عليه فتكون هذه الحادثة قبل مولد النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقينا. و الله أعلم. و راجع السيرة (1/ 194).

(6) ليست فى الأصل، و الصواب إثباتها. و الله أعلم.

(7) لعله يشير بذلك إلى رواية الزهرى المرسلة، راجع تاريخ مكة (2/ 42).

(8) أخرجه البزار، كما فى كشف الأستار (2/ 45) عن ابن عباس، و قال الهيثمى فى المجمع (3/ 287): و فيه النضر أبو عمر و هو متروك.

(9) تجم- يقال: جمت البئر: تراجع ماؤها بعد الأخذ منها. المعجم الوسيط.

143

و أربع و عشرين و مائتين، فضرب فيها تسع‏ (1) أذرع سحّا فى الأرض فى تقوير (2) جانبها، ثم جاء الله بالأمطار و السيول فى سنة خمس و عشرين و مائتين فكثر ماؤها، و كان سالم ابن الجراح قد ضرب فيها فى خلافة هارون الرشيد أذرعا و ضرب فيها فى خلافة المهدى، و كان عمر بن ماهان قد ضرب فيها، و كان ماؤها قد قل حتى كان رجل يقال له: محمد ابن مشير من أهل الطائف يعمل فيها فقال: أنا صليت فى قعرها (3). انتهى كلامه. و أما العيون التى فى قعرها فثلاث كما تقدم؛ عين حذاء الركن الأسود، و عين حذاء الصفا و أبى قبيس، و عين حذاء المروة (4).

[فصل‏] ذكر فضل زمزم و خواصها

قد تقدم فى باب الفضائل الأحاديث/ [69/ ب‏] الواردة فى فضائلها منها: أن ماءها لما شرب له‏ (5) كما ثبت فى الأحاديث الصحيحة، و قد شربه جماعة من العلماء و الصالحين «لمقاصد» (6) جليلة و حوائج جزيلة فنالوها، من ذلك أن «الإمام الشافعى» (6) رضي اللّه عنه شربه للعلم فكان فيه غاية و للرمى فكان يصيب العشرة من العشرة و التسعة من العشرة (7)، و من ذلك ما حكاه القرطبى عن أبى عبد الله محمد بن على الترمذى عن أبيه‏

____________

(1) كذا فى الأصل، و الصواب «تسعة». و الله أعلم.

(2) تقوير: توسيع. المعجم الوسيط.

(3) تاريخ مكة (2/ 61).

(4) أى كما نقله سابقا عن السهيلى فى الروض (1/ 170)، و راجع أخبار مكة للفاكهى (2/ 74)، و تاريخ مكة للأزرقى (2/ 61).

(5) أخرجه ابن ماجه: كتاب المناسك- باب الشرب من زمزم ح (3062)، و أحمد فى المسند (3/ 357) عن جابر بلفظ «ماء زمزم لما شرب له»، و أحمد فى المسند كذلك (3/ 372) بلفظ «... لما شرب منه»، و أخبار مكة للفاكهى (2/ 27) باللفظين، و تاريخ مكة للأزرقى (2/ 52) باللفظ الأول، و الحديث قال عنه السخاوى فى المقاصد برقم (928): سنده ضعيف. اه. ثم ذكر له شواهد، و حسن ما قاله الحافظ ابن حجر فى حديث معاوية أنه لما شرب له، فإن الحافظ قال عنه: أنه حسن مع كونه موقوفا. اه، و يشهد له كذلك حديث أبى ذر رفعه فى مسلم أنه طعام طعم، زاد الطيالسى «و شفاء سقم»، و قد صححه كما قال السخاوى ابن عيينة، و الدمياطى و المنذرى. و بالجمله فقد جربه جماعة من الكبار و ذكروا أنه صح. اه. ما ذكره السخاوى ملخصا ببعض التصرف، و راجع الجامع اللطيف (ص 261- 263) فإنه مفيد. و الله أعلم.

(6) طمس بالأصل، و لعلها هكذا. و الله أعلم.

(7) راجع الجامع اللطيف (ص 266).

144

قال: دخلت الطواف فى ليلة مظلمة فأخذنى التبول فأشغلنى فجعلت اعتصر حتى آذانى، و خفت إن خرجت من المسجد أن أطأ بعض تلك الأقذار و ذلك أيام الحاج، فذكرت الحديث و هو أنه لما شرب له، فدخلت زمزم فتضلعت منه فذهب عنى إلى الصباح. و من ذلك أن رجلا شرب سويقا فيه إبرة و هو لا يشعر بها، فاعترضت فى حلقه و صار لا يقدر يطبق فمه و كاد يموت، فأمره بعض الناس بشرب ماء زمزم و أن يسأل الله تعالى فيه الشفاء، فشرب منه شيئا بجهد و جلس عند إسطوانة من المسجد الحرام فغلبته عيناه فنام و انتبه و هو لا يحس من الإبرة شيئا و ليس به بأس‏ (1). هذا ملخص ما ذكره الفاكهى فى فضائل مكة.

و من ذلك أن أحمد بن عبد الله الشريفى الفراش بالحرم الشريف المكى شربه للشفاء من العمى فشفى‏ (2). و لا التفات إلى ما ذكره ابن الجوزى فى الموضوعات و أن حديث:

«ماء زمزم لما شرب له». موضوع‏ (3) بل قد صح من طرق لما قد ذكرناه فى باب الفضائل، و أما حديث «الباذنجان لما أكل له». فهو حديث موضوع كما ذكره ابن قيم الجوزية (4).

و من فضائله: أنه لا يتضلع منه المنافقون‏ (5). «و أن آية ما بيننا و بينهم هو التضلع» (6).

و منها: أن من شرب منه حرم الله جسده على النار. و منها: أن الله تعالى يرفع المياه العذبة قبل يوم القيامة غير زمزم و تغور المياه غير زمزم قاله الضحاك بن مزاحم‏ (7). و منها:

/ [70/ أ] أن النظر إليها عبادة (8). و منها: أنها طعام طعم و شفاء سقم، يؤيده قضية

____________

(1) أخبار مكة للفاكهى (2/ 35) عن أحمد بن محمد بن حمزة بن واصل عن أبيه أو عن غيره من أهل مكة، و الجامع اللطيف (ص 264، 265).

(2) الجامع اللطيف (ص 265).

(3) ذكره فى الجامع اللطيف (ص 267).

(4) كما فى المنار المنيف (ص 54).

(5) تاريخ مكة للأزرقى (2/ 52) عن ابن عباس مرفوعا بلفظ «التضلع من ماء زمزم براءة من النفاق» و عن غيره نحوه.

(6) أخرجه ابن ماجة: كتاب المناسك- باب الشرب من زمزم (3061) عن ابن عباس مرفوعا «إن آية ما بيننا و بين المنافقين أنهم لا يتضلعون من زمزم» قال البوصيرى فى مصباح الزجاجة (3/ 34):

هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، رواه الدارقطنى فى سننه، و الحاكم فى المستدرك ... و رواه البيهقى فى سننه الكبرى عن الحاكم فذكره. اه. و راجع أخبار مكة للفاكهى (2/ 28)، و الجامع اللطيف (ص 262).

(7) تاريخ مكة للأزرقى (2/ 59)، و أخبار مكة للفاكهى (2/ 67).

(8) أخبار مكة للفاكهى (2/ 41) عن مكحول مرسلا، و الجامع اللطيف (ص 263).

145

إسلام أبى ذر الثابتة فى الصحيح و أنه أقام شهرا بمكة لا قوت له إلا ماء زمزم فسمن حتى تكسرت عكن بطنه‏ (1)، و كان أهل الجاهلية يغدون بعيالهم فيشربون منها فيكون صبوحا لهم و كانوا يعدونها عونا على العيال و كانت تسمى شباعة (2). و عن عكرمة بن خالد قال:

بينما أنا ذات ليلة فى جوف الليل عند زمزم إذا بنفر يطوفون عليهم ثياب بيض لم أر بياض ثيابهم لشى‏ء قط، فلما فرغوا صلوا قريبا منى فالتفت بعضهم فقال لأصحابه: اذهبوا بنا نشرب من شرب الأبرار. قال: فقاموا فدخلوا زمزم فقلت: و الله لو دخلت على القوم فسألتهم، فقمت فدخلت فإذا ليس فيها أحد من البشر (3). و عن رباح مولى لآل الأخنس أنه قال: أعتقنى أهلى فدخلت من البادية إلى مكة فأصابنى فيها جوع شديد حتى كنت أكوم الحصباء ثم أضع كبدى عليه قال: فقمت ذات ليلة إلى زمزم فنزعت فشربت لبنا كأنه لبن غنم مستوحمة أنفاسا- و فى رواية: مكثت ثلاثة أيام لا أجد شيئا آكله فأتيت زمزم فبركت على ركبتى مخافة أن أسقى و أنا قائم فيرفعنى الدلو من الجهد فجعلت أنزع قليلا قليلا حتى أخرجت الدلو فشربت، فإذا أنا بصريف اللبن بين ثناياى، فقلت: لعلى ناعس فضربت بالماء على وجهى و انطلقت و أنا أجد قوة اللبن و شبعه. و الصريف: اللبن ساعة يصرف عن الضرع‏ (4). و عن عبد العزيز بن أبى رواد أن راعيا كان يرعى و كان من العبّاد فكان إذا ظمئ وجد فيها لبنا و إذا أراد أن يتوضأ وجد فيها ماء (5). و منها: «أن الاطلاع فيها يحط الأوزار و الخطايا». رواه الفاكهى‏ (6) عن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) مرسلا من رواية مكحول- و فى رواية أخرى: الطهور/ [70/ ب‏] منها يحبط الخطايا. و منها: أنه خير ماء على وجه الأرض‏ (7) كما روى عن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) فى الحديث المتقدم فى الفضائل، كيف‏

____________

(1) أخرجه مسلم: كتاب فضائل الصحابة- باب من فضائل أبى ذر ح (2473)، و أحمد فى المسند (5/ 174، 175) و فيهما أنه «طعام طعم»، و ليس فيهما «شفاء سقم» بل هو زيادة عند أبى داود الطيالسى (457)، و راجع تاريخ مكة للأزرقى (2/ 50، 53) عن أبى ذر و غيره، و أخبار مكة للفاكهى (2/ 37).

(2) راجع تاريخ مكة للأزرقى (2/ 51، 52)، و أخبار مكة للفاكهى (2/ 36).

(3) تاريخ مكة للأزرقى (2/ 51).

(4) راجع تاريخ مكة للأزرقى (2/ 53، 54)، و أخبار مكة للفاكهى (2/ 38، 39).

(5) تاريخ مكة للأزرقى (2/ 54)، و أخبار مكة للفاكهى (2/ 39).

(6) أخبار مكة (2/ 41).

(7) أخبار مكة للفاكهى (2/ 41) عن ابن عباس، و الطبرانى الكبير (11/ 98) و قال فى المجمع (3/ 286) و رجاله ثقات و صححه ابن حبان. اه. و هو فى الطبرانى الأوسط كذلك برقم (3912)، (8129).

146

و قد اختص بأن غسل منه بطن سيدنا رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) على ما ثبت فى الصحيحين‏ (1) فى حديث المعراج بعد البعثة، و فى ذلك دليل على فضيلة ماء زمزم على غيره من المياه إذ غسل منه هذا المحل الجليل فى هذا الموطن الرفيع.

قال ابن أبى جمرة لقائل أن يقول: لم لم يغسل بماء الجنة الذى هو أطيب و أبرك؟

و الجواب: أنه لو غسل بماء الجنة دون استقراره بالأرض لم يبق لأمته أثر بركته، فلما غسل بماء زمزم و هو مما استقر من ماء السماء بالأرض على ما قاله ابن عباس فى تفسير قوله تعالى: وَ أَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَ إِنَّا عَلى‏ ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ‏ (2). فقال: كل ما فى الأرض إنما هو مما ينزل من السماء. و قد جاء فى الأثر:

أن ما من مطر ينزل إلا و فيه مزاج من الجنة أو بعضه مع زوائد.

فوائد جمة؛ منها: ما ذكرناه من إبقاء البركة للأمة. و منها: أنه خص مقره بهذه الأرض المباركة. و منها: أنه خص به الأصل المبارك و هو إسماعيل- (عليه السلام)- و منها:

أنه خص بما لم يخص به غيره من المياه بأن جعل فيه لهاجر أم إسماعيل- عليه الصلاة و السلام- غذاء، فكان يغنيها عن الطعام و الشراب. و منها: أن ظهوره كان بواسطة الأمين جبريل- (عليه السلام)- فكان أصلا مباركا فى مقر مبارك بواسطة فعل أمين مبارك، فاختص به هذا السيد المبارك فكان ذلك زيادة له فى التشريف و التعظيم، و الله تعالى يفضل من يشاء من مخلوقاته حيوانا كان أو جمادا، فجاء بالحكمة العجيبة فى الملة الجليلة ملة إبراهيم بالمقال، و فى الماء ملك إسماعيل بلسان الحال. انتهى كلامه.

و هل المراد بالبطن الذى غسل بزمزم البطن نفسه أو ما فى البطن و هو القلب؟ قال ابن أبى جمرة: الظاهر أن المراد القلب؛ لأنه جاء فى/ [71/ أ] رواية أخرى ذكر القلب و لم يذكر البطن. و قال: و يمكن الجمع بينهما بأن يقال: أخبر (صلّى اللّه عليه و سلّم) مرة بغسل البطن و لم يتعرض لذكر القلب، و أخبر مرة بغسل القلب و لم يتعرض لذكر البطن، فيكون الغسل قد حصل فيهما جميعا معا مبالغة فى تنظيف المحل. انتهى.

و كان الشيخ سراج الدين البلقينى فيما يحكى عنه يفتى بأن ماء زمزم أفضل من ماء الكوثر (3). و يذكر أن السلطان صلاح الدين أبا المظفر يوسف بن أيوب كان إذا عاد من‏

____________

(1) أخرجه البخارى: كتاب بدء الخلق- باب ذكر الملائكة ح (3207- فتح) و كذلك ح (3887- فتح)، و مسلم: كتاب الإيمان- باب الإسراء برسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى السموات و فرض الصلوات ح (164) عن مالك بن صعصعة مرفوعا.

(2) سورة المؤمنون: الآية (18).

(3) راجع الجامع اللطيف (ص 268).

147

الغزو نفض ثيابه من غبار الغزو على نطع و أمر من يجمعه، و أن ذلك الغبار عجن بماء زمزم و جعل لبنة لطيفة و جعلت تحت رأسه فى قبره.

و من خواص ماء زمزم أنها لم تنزف من ذلك الوقت إلى يومنا هذا و لم يذم. و منها:

أنه يبرد الحمى كما رويناه عن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم)(1) فى باب الفضائل و منها: أنه يذهب بالصداع كما ذكره الضحاك بن مزاحم‏ (2). و منها: أنه يفضل مياه الأرض كلها طبّا و شرعا كما ذكره بدر الدين الصاحب المصرى فى تأليفه «نقل الكرام و هدية دار السلام»، و أنشد لنفسه أبياتا حسنة فى مدح ماء زمزم. و منها: أن الاطلاع فيها يجلو البصر كما ذكره الطحاوى. و منها: أن ماءها يحلو ليلة النصف من شعبان و يطيب على ما ذكره ابن الحاج المالكى فى منسكه. قال الضحاك بن مزاحم: بلغنى أنه سيأتى عليها زمان تكون أعذب من النيل و الفرات‏ (3).

قال أبو محمد الخزاعى: و قد رأينا ذلك فى سنة إحدى و ثمانين و مائتين و ذلك أنه أصاب مكة أمطار كثيرة فسال واديها بأسيال عظام فى سنة تسع و سبعين، و سنة [و] (4) ثمانين و مائتين فكثر ماء زمزم و ارتفع حتى قارب رأسها، فلم يكن بينه و بين شفتها العليا إلا سبع‏ (5) أذرع أو نحوها، و ما رأيتها قط كذلك و لا سمعت من يذكر أنه رآها كذلك، و عذبت جدّا حتى كان ماؤها أعذب من مياه مكة التى يشربها أهلها/ [71/ ب‏]، و كنت أنا و كثير من أهل مكة نختار الشرب منها لعزوبته و إنا رأيناه أعزب من مياه العيون‏ (6). و منها: أنه يكثر فى ليلة النصف من شعبان فى كل سنة بحيث إن البئر يغص بالماء على ما قيل، لكن لا يشاهد هذا إلا الأولياء، و ممن شاهد ذلك الشيخ الصالح أبو الحسن على المعروف بكرباج على ما نقله بعضهم عن الشيخ فخر الدين النورى عنه‏ (7).

و منها: أن من حثى على رأسه ثلاث حثيات منها لم تصبه ذلة أبدا على ما وجد فى كتاب‏

____________

(1) أخرجه أحمد فى المسند (1/ 291)، و ابن أبى شيبة (7/ 439) و صحيح ابن حبان (13/ 432) و أخبار مكة للفاكهى (2/ 28)، و الحديث أخرجه البخارى: كتاب بدء الخلق- باب صفة النار و أنها مخلوقة ح (3261- فتح) و فيه «فأبردوها بالماء أو قال بماء زمزم» شك همام (الراوى عن أبى جمرة). اه. و الحديث من رواية أبى جمرة عن ابن عباس.

(2) أخبار مكة للأزرقى (2/ 54).

(3) أخبار مكة للأزرقى (2/ 54)، و الجامع اللطيف (ص 269).

(4) الصواب حذفها. و الله أعلم.

(5) كذا فى الأصل، و الصواب «سبعة». و الله أعلم.

(6) أخبار مكة للأزرقى (2/ 54).

(7) الجامع اللطيف (ص 269).

148

الروم كما ذكره الفاكهى بسنده عن بعض ملوك الروم‏ (1). و منها: أن ماءها يعظم فى الموسم و يكثر كثرة خارقة لعادة الآبار كما ذكره ابن عطية فى «التفسير». و تقدم فى باب الفضائل و فى الباب العاشر تمام ما يتعلق بزمزم من فضائلها و آداب شربها، و ثبت أن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) عام حجة الوداع جاء زمزم فقال: «ناولونى دلوا. فناولوه فشرب منها ثم مضمض فمج فى الدلو ثم أمر بما فى الدلو فأفرغ فى البئر» (2). قال مسعر: مجّ فى الدلو مسكا أو أطيب من المسك.

[فصل‏] ذكر ذرع بئر زمزم‏

قال الأزرقى: كان ذرع زمزم من أعلاها إلى أسفلها ستين ذراعا، ثم قل ماؤها حتى كانت تجم، فضرب فيها تسع‏ (3) أذرع سحّا فى الأرض فى تقوير جوانبها، قال:

فغورها من رأسها إلى الجبل أربعون ذراعا ذلك كله بنيان، و ما بقى فهو جبل منقور و هو تسعة و عشرون ذراعا، قال: و ذرع حنك زمزم فى السماء ذراعان و شبر، و ذرع تدوير فم زمزم أحد عشر ذراعا، وسعة فم زمزم ثلاثة أذرع و ثلثا ذراع، و أول من عمل الرخام على زمزم و على الشباك و فرش أرضها بالرخام أمير المؤمنين أبو جعفر فى خلافته ثم عملها المهدى فى خلافته ثم غيرت فى خلافة أمير المؤمنين المعتصم بالله سنة عشرين و مائتين، و كانت مكشوفة قبل ذلك إلا قبة صغيرة على موضع البئر (4). و ذكر الأزرقى فى تاريخه/ [72/ أ] صفة ما كانت عليه زمزم و حجرتها و حوضها قبل أن تغير فى خلافة المعتصم بالله مما كان عمله المهدى فى خلافته‏ (5)، ثم ذكر ما غير من عمل زمزم فى خلافة المعتصم بالله، و ذرعها (6) إلى أن غيرت فى خلافة الواثق بالله فى سنة تسع و عشرين و مائتين‏ (7) فمن أراد ذلك كله فلينظره ثمة. و من الحجر الأسود إلى جدار الحجرة التى فيها بئر زمزم أحد و ثلاثون ذراعا بذراع القماش المتقدم ذكره، و أما صفة الحجرة التى فيها بئر زمزم فى زماننا هذا فهو بيت مربع، سقف فى جدرانه تسعة أحواض للماء تملأ من بئر زمزم يتوضأ

____________

(1) أخبار مكة للفاكهى (2/ 39)، و الجامع اللطيف (ص 269، 270).

(2) أخبار مكة للأزرقى (2/ 57)، و أخبار مكة للفاكهى (2/ 54) عن عبد الجبار بن وائل عن أبيه، و نحوه عن ابن عباس فى المسند (1/ 372)، و أخبار مكة للفاكهى (2/ 55).

(3) كذا فى الأصل، و الصواب «تسعة». و الله أعلم.

(4) تاريخ مكة (2/ 61).

(5) المصدر السابق (2/ 100، 101).

(6) المصدر السابق (2/ 101، 104).

(7) المصدر السابق (2/ 104- 106).

149

الناس منها، و الخلوة التى إلى جانب هذه الحجرة مما يلى اليمن عملت على ما هى عليه اليوم فى سنة سبع و ثمانمائة، و كانت قبل ذلك على غير هذه الصفة، و إنما بنيت على هذا الوضع الآن؛ ليتوضأ الناس من الزبازيب التى عملت فى أسفلها.

[فصل‏] ذكر سقاية العباس بن عبد المطلب رضي اللّه عنه‏

هذه السقاية إلى الآن حجرة مربعة عليها قبة كبيرة ساترة لجميعها، و القبة من آجر معقود بالنورة، و فى أسفل جدرانها خلاء الجنوب شبابيك من حديد تشرف على المسجد الحرام، فى كل جهة شباكان، و فى جانبها الشمالى من خارجها حوضان من رخام مفردين، و باب السقاية بينهما، و فى هذه الحجرة بركة كبيرة تملأ من بئر زمزم يسكب الماء من البئر فى خشبة طويلة على صفة الميزاب متصلة بالجدار الشرقى فى حجرة زمزم، و يجرى الماء منها إلى الجدار المذكور ثم إلى قناة تحت الأرض حتى تخرج فى البركة من فوارة فى وسطها، و آخر وقت عمرت فيه هذه السقاية سنة سبع و ثمانمائة، و سبب عمارتها فى هذه السنة سقوط القبة التى كانت على هذه السقاية و كانت من عمل الجواد، و كلام الأزرقى‏ (1) فى أصل هذه السقاية مخالف ما هى عليه الآن، و قد ذكر الأزرقى ذرع ما بينها و بين الحجر الأسود و غير ذلك من جوانب المسجد.

[فصل‏] ذكر حد/ [72/ ب‏] المسجد الحرام و ما يتعلق بالنوم و الوضوء فيه و أول من أدار الصفوف حول الكعبة

عن أبى هريرة قال: إنا لنجد فى كتاب الله تعالى أن حد المسجد الحرام من الحزورة إلى المسعى‏ (2). و عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: أساس المسجد الحرام الذى وضعه إبراهيم- عليه الصلاة و السلام- من الحزورة إلى المسعى إلى مخرج سيل أجياد. قال: و المهدى وضع المسجد على المسعى‏ (3). و عن عطاء بن أبى رباح قال: المسجد الحرام الحرم كله‏ (4). و أول من أدار الصفوف حول الكعبة خالد بن عبد الله القسرى‏ (5)، و كان الناس يقومون قيام شهر رمضان فى أعلى المسجد الحرام تركز حربة خلف المقام‏

____________

(1) فى تاريخ مكة (2/ 104- 106)، و أخبار مكة للفاكهى (2/ 87).

(2) تاريخ مكة للأزرقى (2/ 62)، و أخبار مكة للفاكهى (2/ 86، 87).

(3) نفس المصدر السابق.

(4) تاريخ مكة للأزرقى (2/ 62).

(5) المصدر السابق (2/ 65) عن سفيان بن عيينة.

150

بربوة فيصلى الإمام خلف الحربة و الناس وراءه، فمن أراد صلى مع الإمام و من أراد طاف و ركع خلف المقام، فلما ولى خالد بن عبد الله القسرى مكة لعبد الملك بن مروان و حضر شهر رمضان أمر خالد القراء أن يتقدموا فيصلوا خلف المقام و أدار الصفوف حول الكعبة، و ذلك أن الناس ضاق عليهم أعلى المسجد فأدارهم حول الكعبة فقيل له: يقطع الطواف لغير المكتوبة. قال: فأنا آمرهم يطوفون بين كل ترويحتين بسبع. فقيل له: إنه يكون فى مؤخر الكعبة و جوانبها من لا يعلم بانقضاء طواف الطائف من مصل و غيره فيتهيأ للصلاة.

فأمر عبيد الكعبة أن يكبروا حول الكعبة يقولون: الحمد لله و الله أكبر فإذا بلغوا الركن الأسود فى الطواف السادس سكتوا بين الركنين سكتة حتى يتهيأ الناس ممن فى الحجر و من جوانب المسجد من مصل أو غيره فيعرفون ذلك بانقطاع التكبير، و يصلى و يخفف المصلى صلاته ثم يعودون إلى التكبير حتى يفرغوا من السبع، و يقوم مسمع فينادى الصلاة رحمكم الله. و كان عطاء و عمرو بن دينار و نظراؤهم من العلماء يرون ذلك و لا ينكرونه‏ (1). و عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: إذا قل الناس فى المسجد/ [73/ أ] الحرام أحب إليك أن يصلوا خلف المقام أو يكونوا صفّا واحدا حول الكعبة؟ قال: أن يكونوا صفّا واحدا حول الكعبة. و تلا: وَ تَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ‏ (2) (3). و عنه قال: قلت لعطاء: أتكره النوم فى المسجد الحرام؟ قال: بل أحبه‏ (4). و عن عطاء أنه كان يتوضأ فى المسجد الحرام‏ (5). روى ذلك كله الأزرقى.

[فصل‏] ذكر ما كان عليه المسجد الحرام وسعته و عمارته إلى أن صار على ما هو عليه الآن‏

لما استخلف عمر بن الخطاب و كثر الناس، وسع المسجد و اشترى دورا و اتخذ للمسجد جدارا قصيرا دون القامة و كانت المصابيح توضع عليه‏ (6)، ثم اشترى عثمان فى خلافته دورا و هدمها و وسعه بها و بنى المسجد و الأروقة (7)، ثم زاد فيه ابن الزبير زيادة

____________

(1) المصدر السابق (2/ 65، 66) عن عبد الرحمن بن حسن بن القاسم بن عقبة الأزرقى عن أبيه.

(2) سورة الزمر: الآية (75).

(3) تاريخ مكة للأزرقى (2/ 66).

(4) المصدر السابق (2/ 68).

(5) المصدر السابق (2/ 68).

(6) تاريخ مكة للأزرقى (2/ 68، 69) عن ابن جريج، و أخبار مكة للفاكهى (2/ 157، 158) عن محمد بن عمر الواقدى.

(7) تاريخ مكة للأزرقى (2/ 69) عن ابن جريج، و أخبار مكة للفاكهى (2/ 158) عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان.