تاريخ مكة المشرفة والمسجد الحرام والمدينة الشريفة والقبر الشريف‏ - ج1

- محمد بن أحمد ابن ضياء المزيد...
413 /
151

كبيرة ثم عمّره عبد الملك بن مروان و لم يزد فيه لكن رفع جداره و سقفه بالساج و عمّره عمارة حسنة، ثم زاد فيه الوليد بن عبد الملك و حمل إليه أعمدة الرخام، ثم زاد فيه أبو جعفر المنصور، ثم زاد فيه المهدى بعده مرتين الزيادة الأولى سنة ستين و مائة و الثانية سنة سبع و ستين إلى سنة تسع و ستين و مائة و فيها مات المهدى، و كانت الكعبة فى جانب فأحب أن تكون متوسطة فاشترى من الناس الدور و وسطها و استقر الحال على ذلك إلى وقتنا هذا (1).

[فصل‏] ذكر عمل عمر بن الخطاب و عثمان- رضى الله عنهما-

عن ابن جريج قال: كان المسجد الحرام ليس عليه جدران محيطة، إنما كانت الدور محدقة به من كل جانب غير أن بين الدور أبوابا يدخل منها الناس من كل نواحيه، فضاق على الناس فاشترى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه دورا فهدمها و هدم على «قرب» (2) من المسجد، و أبى بعضهم أن يأخذ الثمن و تمنع من البيع، فوضعت أثمانها فى خزانة الكعبة حتى أخذوها بعد، ثم أحاط عليه جدارا قصيرا، ثم كثر الناس فى زمان عثمان بن عفان رضي اللّه عنه فوسع/ [73/ ب‏] المسجد فاشترى من قوم و أبى آخرون أن يبيعوا فهدم عليهم فصيحوا به، فدعاهم فقال: إنما جرأكم علىّ حلمى عنكم فقد فعل بكم عمر هذا فلم يصح به أحد، فأحدثت على مثاله فصحتم بى. ثم أمر بهم إلى الحبس حتى كلمه فيهم عبد الله ابن خالد بن أسيد (3).

[فصل‏] ذكر بنيان ابن الزبير و عبد الملك بن مروان‏

قال الأزرقى: كان المسجد الحرام محاطا بجدار قصير غير مسقف، إنما يجلس الناس حول المسجد بالغداة و العشى يتبعون الأفياء فإذا قلص الظل قامت المجالس‏ (4)، فزاد ابن الزبير فى المسجد الحرام و اشترى من الناس دورا و أدخلها فى المسجد، و كان قد انتهى بالمسجد إلى أن أشرعه على الوادى مما يلى الصفا و الوادى يومئذ فى موضع المسجد اليوم،

____________

(1) راجع تاريخ مكة للأزرقى (2/ 69- 81)، و أخبار مكة للفاكهى (2/ 159- 174).

(2) عند الأزرقى «من قرب» و هو أوضح. و الله أعلم.

(3) تاريخ مكة للأزرقى (2/ 68، 69)، و أخبار مكة للفاكهى (2/ 157، 158) عن غير ابن جريج. و ذكره عن الواقدى فى عمل عمر، و محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان فى عمل عثمان.

(4) تاريخ مكة (2/ 69) عن جد الأزرقى، و أخبار مكة للفاكهى (2/ 159، 160) و ذكر فيه زيادة ابن الزبير.

152

و وسع المسجد من جميع نواحيه، و كانت دار الندوة يومئذ داخلة فى المسجد الحرام و بابها فى وسط الصحن، و لم يزل باب دار الندوة فى موضعه حتى زاد أبو جعفر فى المسجد فأخره إلى ما هو عليه اليوم‏ (1). قال الأزرقى: و سمعت من يذكر أن ابن الزبير كان سقفه فلا أدرى كله أم بعضه، ثم عمره عبد الملك بن مروان و لم يزد فيه و لكنه رفع جدرانه و سقفه بالساج و عمره عمارة حسنة (2)، كما ذكرنا، و جعل فى رؤوس الأساطين خمسين مثقالا من ذهب فى رأس كل إسطوانة (3). قال الأزرقى: و ذلك زمان ابن الزبير (4).

[فصل‏] ذكر عمل الوليد بن عبد الملك‏

عمر الوليد بن عبد الملك بن مروان المسجد الحرام و كان إذا عمل المساجد زخرفها فنقض عمل عبد الملك و عمل عملا محكما، و هو أول من نقل إليه الأساطين الرخام و سقفه بالساج المزخرف، و على رؤوس الأساطين الذهب على صفائح الشبه من الصفر، و أزر المسجد بالرخام من داخله و جعل فى وجه الطيقان فى أعلاه الفسيفساء، و هو أول من عمله فى المسجد الحرام و جعل للمسجد شرافات، و كانت هذه عمارة الوليد بن عبد الملك‏ (5)./ [74/ أ]

[فصل‏] عمل أمير المؤمنين أبى جعفر المنصور

لم يعمر المسجد الحرام بعد الوليد بن عبد الملك أحد من الخلفاء و لم يزد فيه شيئا حتى كان أبو جعفر أمير المؤمنين، فزاد فى شقه الشامى الذى فيه دار النخلة و دار الندوة فى أسفله، و لم يزد عليه فى أعلاه و لا فى شقه الذى على الوادى، فاشترى من الناس دورهم الملاصقة بالمسجد من أسفله حتى وضعه على منتهاه اليوم‏ (6).

____________

(1) تاريخ مكة للأزرقى (2/ 69، 70) عن عبد الرحمن بن الحسن بن القاسم بن عقبة عن أبيه، و ما هنا مختصر.

(2) تاريخ مكة للأزرقى (2/ 71).

(3) تاريخ مكة للأزرقى (2/ 71) عن سعيد بن فروة عن أبيه.

(4) تاريخ مكة (2/ 71) عن جد الأزرقى، و قاله عقب قول زاذان بن فروخ: مسجد الكوفة تسعة أجربة، و مسجد مكة تسعة أجربة و شى‏ء. اه. و الأجربة- جمع جريب- قال الأزهرى: الجريب من الأرض مقدار معلوم الذراع و المساحة، و هو عشرة أقفزة، كل قفيز منها عشرة أعشراء، فالعشير جزء من مائة جزء من الجريب. اه. لسان العرب «جرب».

(5) تاريخ مكة للأزرقى (2/ 71، 72) عن جد الأزرقى.

(6) المصدر السابق، و أخبار مكة للفاكهى (2/ 161، 162) بنحوه.

153

[فصل‏] ذكر زيادة المهدى الأولى‏

حج المهدى أمير المؤمنين سنة ستين و مائة فجرد الكعبة مما كان عليها من الثياب، و أمر بعمارة المسجد الحرام و أمر أن يزاد فى أعلاه، و اشترى ما كان فى ذلك الموضع من الدور و أمر بأساطين الرخام فنقلت فى السفن من الشام حتى أنزلت بجدة ثم جرت على العجل من جدة إلى مكة و جعلت أساطين، و لما وضعها حفر لها أرباضا (1) على كل صف من الأساطين جدارا مستقيما (2).

[فصل‏] ذكر زيادة المهدى الثانية

و لما بنى المهدى المسجد الحرام و زاد الزيادة الأولى اتسع أعلاه و أسفله و شقه الذى يلى دار الندوة، و ضاق شقه اليمانى الذى يلى الصفا فكانت الكعبة فى شق المسجد، و ذلك أن الوادى كان داخلا لا صقا بالمسجد فى بطن المسجد اليوم، و كانت الدور و بيوت من ورائه فى موضع الوادى اليوم، و إنما كان يسلك من المسجد إلى الصفا فى بطن الوادى ثم يسلك فى زقاق ضيق حتى يخرج إلى الصفا من التفاف البيوت فيها بين الوادى و الصفا، و كان المسعى فى موضع المسجد الحرام اليوم، فلما حج المهدى سنة أربع و ستين و مائة و رأى الكعبة فى شق المسجد كره ذلك و أحب أن تكون متوسطة فى المسجد، فدعى المهندسين فشاورهم فى ذلك فقدروا فى ذلك فإذا هو لا يستوى لهم من أجل الوادى و السيل و قالوا:

إن وادى مكة له سيول جارفة و هو وادى حدور، و نحن نخاف إن حولنا الوادى عن مكانه/ [74/ ب‏] أن لا ينصرف لنا على ما نريد؛ لأن وراءه من الدور و المساكن ما تكثر فيه المئونة و لعله أن لا يتم. فقال المهدى: لا بد لى أن أوسعه حتى أوسط الكعبة فى المسجد على كل حال، و لو أنفقت فيه ما فى بيوت الأموال و عظمت فى ذلك نيته و اشتدت رغبته فقدروا ذلك و هو حاضر، و نصب الرماح على الدور من أول موضع الوادى إلى آخره، ثم ذرعه من فوق الرماح حتى عرفوا ما يدخل فى المسجد من ذلك و ما يكون للوادى فيه فلما نصبوا الرماح على جنبتى الوادى على ما يدخل فى المسجد من ذلك و زنوه مرة بعد مرة و قرروا ذلك، ثم خرج المهدى إلى العراق و خلفوا الأموال فاشتروا من الناس دورهم و أرسل إلى الشام و إلى مصر فنقلت أساطين الرخام فى السفن حتى أنزلت‏

____________

(1) أرياض- جمع ربض- و هو أساس البناء. المعجم الوسيط.

(2) تاريخ مكة للأزرقى (2/ 74- 78) و ما ذكره هنا مختصرا، و أخبار مكة للفاكهى (2/ 165- 171) بنحوه.

154

بجدة ثم نقلت على العجل من جدة إلى مكة، و وضعوا أيديهم فهدموا الدور، و بنوا المسجد منحدرا حتى دخل دار أم هانئ بنت أبى طالب و كان عندها بئر جاهلية كان قصى حفرها فدخلت تلك البئر فى المسجد، فحفر المهدى عوضا عنها البئر التى على باب البقالين التى فى حدّ ركن المسجد الحرام اليوم- و تعرف هذه البئر اليوم ببئر حزورة (1)- ثم مضوا فى بنائه بأساطين الرخام و سقفه بالساج المذهب المنقوش حتى توفى المهدى سنة تسع و ستين و مائة، و قد انتهى إلى آخر منتهى أساطين الرخام من أسفل المسجد، فاستخلف موسى أمير المؤمنين فبادروا اليوم‏ (2) بإتمام المسجد و أسرعوا فى ذلك، و بنوا أساطينه بحجارة ثم طليت بالجص و عمل سقفه عملا دون عمل المهدى فى الإحكام و الحسن، فهذا جميع ما عمر فى المسجد الحرام و أحدث فيه إلى اليوم‏ (3).

[فصل‏] ذكر ذرع المسجد الحرام‏

قال الأزرقى: ذرع المسجد الحرام مكسرا مائة ألف ذراع، و عشرون ألف ذراع، و ذرع المسجد طولا من باب بنى جمع إلى باب بنى هاشم الذى عنده/ [75/ أ] العلم الأخضر مقابل دار العباس بن عبد المطلب أربعمائة ذراع و أربعة أذرع، و عرضه من باب دار الندوة إلى الجدر الذى يلى الوادى عند باب الصفا ثلاثمائة ذراع و أربعمائة ذراع‏ (4).

انتهى كلامه.

قال عز الدين بن جماعة: و مساحة المسجد الحرام ستة أفدنة و نصف و ربع، و الفدان عشرة آلاف ذراع بذراع العمل المستعمل فى البنيان بمصر و هو ثلاثة أشبار تقريبا.

[فصل‏] ذكر عدد أساطين المسجد الحرام التى بالرواقات غير الزيادتين و غير الأساطين التى بصحن المسجد فى المسجد الحرام الآن غير الزيادتين و غير أساطين المطاف الشريف‏

أربعمائة إسطوانة و تسعة و ستون إسطوانة فى جوانبه الأربعة، و على أبواب المسجد من داخله و خارجه سبعة و عشرون إسطوانة، فيصير الجميع أربعمائة إسطوانة و ستة

____________

(1) ليست هذه الجملة من كلام الأزرقى، بل هى من كلام المصنف- (رحمه الله)-.

(2) كذا فى الأصل، و الصواب «القوام» كما عند الأزرقى. و الله أعلم.

(3) تاريخ مكة للأزرقى (2/ 78- 81)، و أخبار مكة للفاكهى (2/ 171- 175) و ذكر عقبه عمارة أبى أحمد الموفق بالله فى المسجد الحرام و تفسيره.

(4) تاريخ مكة (2/ 81، 82)، و الصواب «و أربعة أذرع» كما ذكره الأزرقى. و الله أعلم.

155

و تسعين إسطوانة- بتقديم التاء على السين- و ما ذكرناه يزيد على ما ذكره الأزرقى‏ (1) فى أساطين المسجد الحرام بعشرة أساطين، و كل هذه الأساطين رخام ما عدا مائة إسطوانة و تسعة و عشرين إسطوانة فإنها حجارة منحوتة غالبها، و منها ثلاثة أساطين آجر مجصص، و تقدم ذكر عدد الأساطين التى بصحن المسجد الحرام، و أما عدد أساطين زيادة دار الندوة فستة و ستون إسطوانة فى جوانبها الأربعة و كلها حجارة منحوتة، و أما عدد أساطين زيادة باب إبراهيم فسبعة و عشرون إسطوانة حجارة منحوتة أيضا، و أما عدد طاقات المسجد الحرام و هى العقود التى على الأساطين بجوانبه الأربعة غير الزيادتين فأربعمائة طاق و أربعة و ثمانون طاقا، و هذا يخالف ما ذكره الأزرقى‏ (2) فى عدد طاقات المسجد الحرام، و كلامه يقتضى أنها تزيد على ما ذكرناه أربعة عشر طاقا، و أما عدد طاقات زيادة دار الندوة فثمانية و ستون طاقا، و أما عدد طاقات/ [75/ ب‏] زيادة باب إبراهيم فستة و ثلاثون طاقا، و أما عدد شرافات المسجد التى تلى بطن المسجد فهى أربعمائة و ثلاثة عشر شرافة، و أما عدد قناديل المسجد الحرام الآن المرتبة فيه غالبا فثلاثة و تسعون قنديلا- بتقديم التاء على السين- و يزاد فى القناديل فى شهر رمضان خصوصا فى العشر الآخر منه و فى الموسم، و عدد قناديل المسجد الحرام الآن و سلاسله تنقص كثيرا عما ذكره الأزرقى‏ (3) فى قناديل المسجد؛ لأنه ذكر أن فيه من القناديل أربعمائة قنديل و خمسة و ستين قنديلا.

انتهى.

[فصل‏] ذكر عدد أبواب المسجد و أسمائها و صفتها

عدد أبوابه اليوم تسعة عشر بابا- بتقديم التاء على السين- تنفتح على ثمانية و ثلاثين طاقا- الأول: باب بنى شيبة و يقال له: باب السلام. و هو باب بنى عبد شمس ابن عبد مناف و بهم كان يعرف فى الجاهلية و الإسلام عند أهل مكة فيه ثلاث طاقات.

قال الأزرقى: و هو الذى يدخل منه الخلفاء، قال: و فى عتبة هذا الباب حجارة طوال مفروش بها العتبة. قال: سألت جدى عنها فقلت: أبلغك أن هذه الحجارة الطوال كانت أوثانا فى الجاهلية تعبد؟ فضحك. و قال: لا، لعمرى ما كانت بأوثان ما يقول هذا

____________

(1) فى تاريخ مكة (2/ 82)، و كذلك فى أخبار مكة للفاكهى (2/ 181) ففيهما أن عددها أربعمائة و أربع و ثمانون إسطوانة، فتكون الزيادة اثنا عشر إسطوانة.

(2) فى تاريخ مكة (2/ 84)، و كذا أخبار مكة للفاكهى (2/ 185) و الذى ذكراه أن عددها أربعمائة طاقة و ثمان و تسعون طاقة.

(3) تاريخ مكة (2/ 98).

156

إلا من لا علم له، إنما هى حجارة كانت فضلت مما قلع القسرى لبركته التى يقال لها بركة البردى بفم الثقبة، و أصل ثبير كانت حول البركة مطروحة حتى نقلت حين بنى المهدى المسجد فوضعت حيث رأيت‏ (1). انتهى.

الثانى: باب النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و يعرف اليوم بباب الجنائز، و إنما قيل له باب النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم)؛ لأنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان يخرج منه إلى بيت خديجة- رضى الله عنها- و فيه طاقان‏ (2).

الثالث: باب العباس بن عبد المطلب و عنده علم المسعى من خارج، و فيه ثلاث طاقات‏ (3)، و سماه صاحب النهاية و ابن/ [76/ أ] الحاج فى منسكه باب الجنائز، و لعله كانت الجنائز يصلى عليها فيه، و يؤيد ذلك ما ذكر الفاكهى أنه يصلى على الجنائز فى باب بنى شيبة و باب العباس و باب الصفا قال: و كان الناس فيما مضى يصلون على الرجل المذكور فى المسجد الحرام‏ (4). انتهى. و أراد بالمذكور المشهور المعروف. و أما فى زماننا هذا فيصلى على الموتى جميعهم داخل المسجد الحرام، و بعض علماء الحنفية جاور بمكة المشرفة و أوصى أن يصلى عليه عند باب الجنائز خارج المسجد فصلى عليه فيه، و المشهور من الناس اليوم يصلى عليه عند باب الكعبة الشريفة، و يحكى أنهم كانوا يصلون عند باب الكعبة على الأشراف و قريش، و رأيناهم فى زماننا يصلون عند باب الكعبة على غيرهم من الأعيان، و بعض الناس نازع فى ذلك و زعم أنه لا يصلى عند باب الكعبة على غير الأشراف و قريش و أنه لا يخرج غيرهم، و إن كان من العلماء و الأعيان من باب بنى شيبة، و هذا شى‏ء لم يرد به أثر. و لو قيل: بأولوية إخراج الميت من باب الجنائز لكان له وجه؛ لكونه باب النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و طريقه إلى باب زوجته خديجة- رضى الله عنها- و أما ما يفعله الأشراف فى زماننا هذا من الطواف بالميت حول الكعبة الشريفة إسبوعا فبدعة شنيعة قبيحة، لم ينقل عن السلف الصالح فعلها، و يجب على ولى الأمر- وفقه الله تعالى- إزالتها؛ لأنه يكره إدخال الميت المسجد و الصلاة عليه فيه، بل يصلى عليه خارجه، فضلا عن الطواف به، و أما الصلاة على الموتى عند باب الكعبة فكلام الفاكهى يقتضى أن آدم- عليه الصلاة و السلام- صلى عليه عند باب الكعبة. انتهى. و من لا يصلى عليه اليوم عند باب الكعبة يصلى عليه خلف مقام إبراهيم عند مقام الشافعى، و الفقراء الطرحى يصلى عليهم عند باب الحزورة داخل المسجد الحرام/ [76/ ب‏] أمام الرواق تجاه الركن‏

____________

(1) تاريخ مكة (2/ 77، 78).

(2) تاريخ مكة للأزرقى (2/ 87، 88)، و أخبار مكة للفاكهى (2/ 189).

(3) تاريخ مكة للأزرقى (2/ 88)، و أخبار مكة للفاكهى (2/ 189).

(4) تاريخ مكة للأزرقى (2/ 97)، و أخبار مكة للفاكهى (2/ 202).

157

اليمانى، و الظاهر أن ذلك لكونه بقرب الموضع الذى يغسلون فيه و كونه أقرب إلى موضع دفنهم. و الله أعلم.

الرابع: باب علىّ و فيه ثلاث طاقات‏ (1). و هذه الأبواب الأربعة فى الشق الذى يلى المسعى و هو الشرقى.

الخامس: باب بنى عائذة. و يقال له اليوم: باب بازان و فيه طاقان‏ (2).

السادس: باب بنى سفيان بن عبد الأسد (3). و يقال له اليوم: باب البغلة و فيه طاقان، و سماه صاحب النهاية باب الحناطين.

السابع: باب الصفا. قال الأزرقى: و كان يقال له باب بنى عدى بن كعب، كانت دور بنى عدى ما بين الصفا إلى المسجد فتحولت بنو عدى إلى دور بنى سهم و باعوا رباعهم و منازلهم هناك. و يقال له اليوم: باب بنى مخزوم‏ (4). انتهى. و فيه خمس طاقات.

الثامن: باب أجياد الصغير، و فيه طاقان‏ (5).

التاسع: باب المجاهدية، و فيه طاقان. و يقال له: باب الرحمة و هو من أبواب بنى مخزوم، و كذا باب أجياد الصغير كما ذكره الأزرقى عنهما (6).

العاشر: باب مدرسة الشريف عجلان بن رميثة، و فيه طاقان. و يقال له: باب بنى تميم‏ (7). و سماه صاحب النهاية: باب العلافين.

الحادى عشر: باب أم هانئ بنت أبى طالب، و فيه طاقان. و هذا الباب مما يلى دور بنى عبد شمس و بنى مخزوم‏ (8). و يقال لهذا الباب: باب الملاعنة. و يقال له: باب‏

____________

(1) تاريخ مكة للأزرقى (2/ 88) و سماه باب بنى هاشم، و أخبار مكة للفاكهى (2/ 189، 190) و لم يذكر اسمه، و هو الباب الخامس عندهما، و لم يذكر المصنف بابا فى نفس هذه الجهة كان يسمى «باب دار القوارير» و هو الباب الثانى عند الأزرقى و الفاكهى. و الله أعلم.

(2) تاريخ مكة للأزرقى (2/ 88، 89)، و أخبار مكة للفاكهى (2/ 190).

(3) تاريخ مكة للأزرقى (2/ 89)، و أخبار مكة للفاكهى (2/ 190) و سماه «باب أبى سفيان بن عبد الأسد».

(4) تاريخ مكة للأزرقى (2/ 89، 90)، و أخبار مكة للفاكهى (2/ 190، 191).

(5) تاريخ مكة للأزرقى (2/ 90) و قال هذا الباب من أبواب بنى مخزوم، و لم يسميه بأجياد الصغير، و كذلك فعل الفاكهى (2/ 193) من أخبار مكة له.

(6) تاريخ مكة (2/ 90)، و كذلك الفاكهى فى أخبار مكة (2/ 193، 194).

(7) تاريخ مكة للأزرقى (2/ 90)، و أخبار مكة للفاكهى (2/ 194).

(8) تاريخ مكة للأزرقى (2/ 91)، و أخبار مكة للفاكهى (2/ 194).

158

الفرج على ما وجد بخط الأقشهرى‏ (1). و سماه صاحب النهاية (2): باب أبى جهل. و هذه الأبواب السبعة فى الشق الذى يلى الوادى و هو الجانب اليمانى.

الثانى عشر: باب الحزورة و هو الذى تلى المنارة التى تلى أجياد الكبير، و عامة مكة يسمونه باب عزورة بالعين، و إنما هو بالحاء المهملة، و فيه طاقان. قال الأزرقى:

و هو يقال له: باب حكيم بن حزام و بنى الزبير بن العوام، و الغالب عليه باب الحزامية؛ لأنه يلى خط الحزامى‏ (3).

الثالث عشر: باب إبراهيم، و فيه طاقان واحد/ [77/ أ] كبير. و ذكر أبو عبيد البكرى أن إبراهيم المنسوب إليه هذا الباب هو خياط كان عنده على ما قيل‏ (4). و نسبه سعد الدين الإسفرائينى فى كتاب «زبدة الأعمال» فقال: إبراهيم الأصبهانى. و بعضهم نسبه إلى إبراهيم الخليل (عليه السلام)(5). و لا وجه لخصوصيته دون الأبواب بالنسبة إليه.

و الله أعلم. قال الأزرقى: و يقال له: باب الخياطين‏ (6).

الرابع عشر: باب بنى سهم‏ (7) و يعرف اليوم بباب العمرة، و فيه طاق واحد.

و هذه الأبواب الثلاثة فى الجانب الغربى مما يلى خلف الكعبة.

الخامس عشر: باب السدة. و قال صاحب النهاية: باب سدة الرهوط. انتهى.

و يقال له: باب عمرو بن العاص‏ (8)، و فيه طاقان واحد صغير.

السادس عشر: باب دار العجلة، و فيه طاق واحد صغير (9).

السابع عشر: باب دار الندوة، و فيه طاق واحد (10).

الثامن عشر: باب زيادة دار الندوة. قال الأزرقى: و هو باب دار شيبة بن عثمان‏

____________

(1) راجع الجامع اللطيف (ص 218، 219).

(2) لعل المصنف يقصد «ابن الأثير» صاحب الكامل فى التاريخ، و هو أخو صاحب النهاية. و الله أعلم.

(3) تاريخ مكة (2/ 91)، و أخبار مكة للفاكهى (2/ 194، 195).

(4) فى كتاب «المسالك و الممالك» كما نقله الفاسى عنه و قال: إن العوام نسبوه إليه. راجع الجامع اللطيف (ص 218).

(5) وقع للحافظ أبى القاسم ابن عساكر و ابن جبير و غيرهما من العلماء، راجع الجامع اللطيف (ص 218) قال و هو بعيد لا وجه له. و الله أعلم.

(6) تاريخ مكة (2/ 92)، و أخبار مكة للفاكهى (2/ 195).

(7) تاريخ مكة للأزرقى (2/ 93)، و أخبار مكة للفاكهى (2/ 196).

(8) تاريخ مكة للأزرقى (2/ 93)، و أخبار مكة للفاكهى (2/ 196، 197).

(9) الأزرقى (2/ 93)، و الفاكهى (2/ 197).

(10) المصدرين السابقين.

159

يسلك منه إلى السويقة، و فيه طاقان‏ (1).

التاسع عشر: باب الدريبة، و فيه طاق واحد صغير (2). و هذه الأبواب الخمسة فى الجانب الشامى مما يلى الحطيم فهذه جملة أبواب الحرم الآن، و أسماؤها و صفاتها.

[فصل‏] ذكر منارات المسجد الحرام و ما وضع فيه لمصلحة المسجد الحرام الآن‏

خمس منائر منها أربعة فى أركانه، و واحدة فى زيادة دار الندوة. و قال ابن جبير:

إنه كان للمسجد الحرام سبع منائر عد منها هذه الخمس، ثم قال: و أخرى على باب الصفا و هى أصغرها و هى علم لباب الصفا و ليس يصعد إليها لضيقها، قال: و على باب إبراهيم صومعة. انتهى. و هذه الصومعة باقية إلى الآن لكن أعلاها منهدم، و عمّر أبو جعفر المنصور من منائر المسجد الحرام منارة باب العمرة (3)، و عمّر ابنه المهدى المنارة التى على باب بنى شيبة و التى على باب علىّ و التى على باب الحزورة (4)، و عمّر الوزير الجواد (5) منارة باب العمرة فى سنة إحدى و خمسين و خمسمائة، و يذكر أنه/ [77/ ب‏] عمر منائر المسجد الحرام، و عمرت منارة الحزورة فى دولة الملك الأشرف شعبان صاحب مصر بعد سقوطها فى سنة إحدى و سبعين، و فرغ من عمارتها فى المحرم سنة اثنين و سبعين و سبعمائة. و عمرت منارة باب بنى شيبة فى دولة الملك الناصر فرج صاحب مصر بعد سقوطها فى سنة تسع و ثمانمائة (6) و عمرت فى سنة عشر و فى التى بعدها، و جاءت عمارتها حسنة البناء. و ذكر الفاكهى‏ (7) منائر المسجد الحرام الأربع التى بأركانه الأربع و بدأ فى ذكرها بمنارة باب بنى سهم، قال: و فيها يؤذن صاحب الوقت بمكة، و ثنى بمنارة باب الحزورة قال: و فيها يسحر المؤذن فى شهر رمضان، و ثلث بمنارة باب علىّ، و ختم بمنارة بنى شيبة. انتهى. و هى الآن منارة صاحب الوقت خلافا لما ذكره الفاكهى‏ (8)،

____________

(1) تاريخ مكة للأزرقى (2/ 94)، و أخبار مكة للفاكهى (2/ 197).

(2) الجامع اللطيف (ص 217).

(3) راجع الجامع اللطيف (ص 205).

(4) المصدر السابق.

(5) هو جمال الدين محمد بن على الأصفهانى، وزير صاحب الموصل. راجع الجامع اللطيف (ص 205).

(6) راجع الجامع اللطيف (ص 205).

(7) أخبار مكة (2/ 202- 203)، و راجع الأزرقى (2/ 97، 98).

(8) فى أخبار مكة (2/ 203) أن المنارة التى تلى باب بنى سهم، هى التى يؤذن بها صاحب الوقت، و مراده بصاحب الوقت: رئيس المؤذنين، و ما ذكره المصنف هو ما ذكره الفاسى فى شفاء الغرام.

160

و فى جميع منائر المسجد الحرام الخمس يسحر المؤذنون فى شهر رمضان الآن، و كلام الفاكهى كما قدمناه يقتضى أن المؤذن كان يسحر فى منارة باب الحزورة فقط، و ذكر أيضا أنه كان يؤذن على منارة كبيرة عمرت فى رؤوس جبال مكة و ظاهرها، منها فى أبى قبيس أربع منارات، و منها فى الجبل الأحمر المقابل له منارتان، و منها فى العلق منارة.

و قد ذكر الفاكهى‏ (1) بأوضح من هذا. و فى أبى قبيس و غيره من الجبال التى ذكرناها يسحر بعض الناس فى شهر رمضان و يؤذن، و مما وضع فى المسجد الحرام و بنى فيه لمصلحته قبة كبيرة بين زمزم و سقاية العباس رضي اللّه عنه و عمرت فى زمن الناصر العباسى و كانت موجودة من قبل كما ذكره ابن عبد ربه فى العقد.

[فصل‏] و من ذلك المنابر التى يخطب عليها

و أول من خطب على منبر بمكة معاوية بن أبى سفيان- (رحمه الله)- قدم به من الشام سنة حج فى خلافته، و هو منبر صغير على ثلاث درجات، و كانت الخلفاء و الولاة قبل ذلك يخطبون يوم الجمعة على أرجلهم قياما فى وجه الكعبة و فى الحجر، و كان ذلك المنبر الذى/ [78/ أ] جاء به معاوية ربما خرب فيعمر و لا يزاد فيه، و لم يزل يخطب عليه حتى حج هارون الرشيد فى خلافته، و موسى بن عيسى عامل له على مصر فأهدى له منبرا عظيما فى تسع درجات منقوشا فكان منبر مكة، ثم أخذ منبر مكة القديم فجعل بعرفة حتى أراد الواثق بالله الحج فكتب، فعمل له ثلاثة منابر: منبر بمكة، و منبر بمنى، و منبر بعرفة. هذا ما ذكره الأزرقى‏ (2) من خبر المنابر. و ذكر الفاكهى ذلك‏ (3) و زاد: أن المنتصر بن المتوكل العباسى لما حج فى خلافة أبيه جعل له منبر عظيم، فخطب عليه بمكة، ثم خرج و خلفه بها (4). انتهى. ثم جعل بعد ذلك عدة منابر للمسجد الحرام؛ منها: منبر عمله وزير المقتدر العباسى و كان منبرا عظيما استقام بألف دينار و لما وصل إلى مكة أحرق؛ لأنه كان بعث به ليخطب عليه للخليفة المقتدى فمنع من ذلك المصريون، و خطبوا للمنتصر العبيدى صاحب مصر و أحرقوا المنبر المذكور، و منها: منبر عمل فى دولة الملك الأشرف شعبان صاحب مصر فى سنة ست و ستين و سبعمائة، و منها منبر بعث به الملك الظاهر برقوق صاحب مصر فى سنة سبع و تسعين و سبعمائة و هو باق يخطب عليه الخطباء

____________

(1) راجع أخبار مكة (2/ 87، 88).

(2) تاريخ مكة (2/ 99، 100) عن عبد الرحمن بن حسن عن أبيه.

(3) أخبار مكة (3/ 58- 62).

(4) المصدر السابق (3/ 62).

161

إلى الآن، و أصلح بعد وصوله إلى مكة غير مرة.

[فصل‏] و من ذلك المقامات‏ (1) التى هى الآن بالمسجد الحرام.

أما صفتها فإنها غير مقام الحنفى إسطوانتان من حجارة، عليها عقد يشرف من أعلاه، و فيه خشبة معترضة فيها خطاطيف للقناديل، و ما بين الإسطوانتين من مقام الشافعى لا بناء فيه، و ما بينهما من مقام المالكى و الحنبلى مبنى بحجارة مبيضة بالنورة، و فى وسط هذا البناء محراب، و كان عمل هذه المقامات على هذه الصفة فى سنة سبع و ثمانمائة لتبقى زمانا طويلا. و أما صفة مقام الحنفى الآن: فأربع أساطين من حجارة منحوتة عليها سقف مدهون مزخرف بالذهب و اللازورد،/ [78/ ب‏] و أعلى السقف مما يلى السماء مدكوك بالآجر مطلى بالنورة، و بين الإسطوانتين المتقدمتين بناء فيه محراب مرخم، و كان ابتداء عمله على هذه الصفة فى شوال أو فى ذى القعدة من سنة إحدى و ثمانمائة، و فرغ منه فى أوائل سنة اثنين و ثمانمائة. و كان بعض الناس أنكر عمله على هذه الصفة، و أفتى بهدمه جماعة ممن عاصرناه‏ (2) من علماء مصر، و أفتى بعض علماء الحنفية بجواز بنائه و إبقائه على حاله و عدم تغييره؛ لأن ذلك من باب التمكين لإقامة الصلاة و فيه مصلحة عظيمة لأهل المسجد، و هى دفع الحر و البرد و المطر، و إذا كان هذا سبيله فإنه يجوز إحداثه فى المسجد، يؤيد ذلك ما ذكره قاضى خان فى الديات فى فضل ما يحدث فى المسجد أن كل مسلم مندوب إلى عمارة المسجد، و إلى ما كان من باب التمكين لإقامة الصلاة. انتهى.

قال الشيخ عز الدين بن فهد فى حاشيته على تاريخ الفاسى: رأيت بخط والدى ما صورته: أفتى جماعة من الحنفية من أهل العلم بجواز بنائه؛ لما فيه من النفع لعامة المسلمين من الاستظلال من الشمس و الاستكفاف من البرد و دفع المطر، و أن حكمه كالأروقة و الأساطين الكائنة بالمسجد الحرام، و قد أخرب سقف مقام الحنفية الأمير سودون المحمدى فى سنة ست و ثلاثين و ثمانمائة، و عمره أتقن مما كان و وضع عليه من أعلاه قبة من خشب زوج مبيضة بالجص ليس لها أثر من داخل سقف المقام، و زاده فرشا بحجارة حمر رخوة تعرف بحجارة الماء، و لم يكن هذا الفرش فيه و لا فى غيره من المقامات فيما تقدم، و هذا

____________

(1) ذكر هذه المقامات ابن ظهيرة فى الجامع اللطيف (ص 209).

(2) منهم الشيخ العلامة زين الدين الفارسكوى الشافعى، و ألف فيه تأليفا حسنا، و الشيخ سراج الدين البلقينى، و ولده الإمام العلامة قاضى القضاة بالديار المصرية شيخ الإسلام جلال الدين و كان إذ ذاك متوليّا، و باقى القضاة، و أفتوا بهدم هذا المقام و تعزير من أفتى بجواز بنائه على هذه الصفة. ذكره الفاسى، و نقله عنه فى الجامع اللطيف (ص 209) فراجعه.

162

الفرش مستعل عن الأرض و له إزار مرتخ عليه من الحجارة الصلبة السود المنحوتة، تدور على المقام من الجوانب الثلاثة فإن الجانب القلبى فيه جدر المحراب، ثم فى سنة ثمان و خمسين و ثمانمائة كشط ناظر المسجد الحرام الأمير طوعان دهان سقف المقام المذكور/ [79/ أ] و زخرفه أحسن من زخرفته الأولى‏ (1). انتهى.

قال الشيخ المذكور: و الذى أفتى بجواز بنائه على هذه الصفة قاضى مكة الشهاب ابن الضياء هكذا أخبرنى والدى (رحمه الله).

و أما مواضعها من المسجد الحرام: فإن مقام الشافعى خلف مقام إبراهيم- (عليه السلام)- و الحنفى بين الركن الشامى و الغربى مما يلى الحطيم، و المالكى بين الركن الغربى و اليمانى، و الحنبلى تجاه الحجر الأسود (2).

و أما كيفية الصلاة بهذه المقامات فإنهم يصلون مرتين‏ (3) الشافعى ثم الحنفى ثم المالكى ثم الحنبلى‏ (4). و كلام ابن جبير يقتضى أن المالكى كان يصلى قبل الحنفى، ثم تقدم عليه الحنفى من بعد سنة تسعين و سبعمائة، و اضطرب كلام ابن جبير فى الحنفى و الحنبلى؛ لأنه ذكر ما يقتضى أن كلا منهما يصلى قبل الآخر (5). و هذا كله فى غير صلاة المغرب.

أما فيها فإنهم يصلونها جميعا فى وقت واحد ثم بطل ذلك فى موسم سنة إحدى عشرة و ثمانمائة بأمر الملك الناصر (6)، و صار الشافعى يصلى بالناس المغرب وحده، و استمر ذلك إلى أن ورد أمر الملك المؤيد أبى النصر شيخ صاحب مصر بأن يصلى الأئمة الثلاثة المغرب، كما كانوا يصلون قبل ذلك ففعلوا ذلك، و أول وقت فعل فيه ذلك ليلة السادس من ذى الحجة سنة «ست عشرة» (7) و ثمانمائة، و كذلك تجتمع الأئمة الثلاثة غير الشافعى على صلاة العشاء فى شهر رمضان فى وقت واحد، و يجتمع أيضا الأئمة الأربعة المذكورون و غيرهم من الأئمة الصغار و الكبار بالمسجد الحرام فى صلاة التراويح فى حاشية المطاف و غيرها من المسجد، و تعلو أصوات الأئمة و المكبرين خلفهم فيتشوش بذلك الطائفون و المصلون،

____________

(1) راجع الجامع اللطيف (ص 209، 210) و قد أرخ ما حصل بعد ذلك حتى سنة تسعة و أربعين و تسعمائة.

(2) الجامع اللطيف (ص 214، 215).

(3) كذا فى الأصل، و الصواب «مرتبين» كما فى الجامع اللطيف. و الله أعلم.

(4) الجامع اللطيف (ص 213).

(5) ذكره الفاسى، و راجع الجامع اللطيف (ص 214).

(6) هو الملك الناصر فرج بن برقوق الجركسى صاحب مصر. كما فى الجامع اللطيف (ص 214).

و الله أعلم.

(7) فى الجامع اللطيف «عشر» و الله أعلم.

163

فيحصل للمصلين خلفهم لبس كبير بسبب التباس أصوات المبلغين و اختلاف حركات المصلين، و مع ذلك يكثر اللغط و اللغو و أحاديث الدنيا من المستمعين غير المصلين،/ [79/ ب‏] و يجتمعون بذلك أمام كل إمام حلقا حلقا و أفواجا مستدبرين القبلة متوجهين إلى الإمام، و يختلط الرجال بالنساء متزينات متعطرات فيزداد التشويش على الطائفين، و قل من يحصل له حضور فى طواف أو غيره مع اجتماع مثل ذلك الجمع العظيم، و يعظم ذلك فى العشر الأخر من رمضان ليالى الختم فيجتمع فيها الجم العظيم من الرجال و النساء و الصبيان، و يهرع إليها الأعراب و أهل البوادى و الأودية من قرى شتى خصوصا ليلة الخامس و العشرين و السابع و العشرين من رمضان، و بعد الفراغ من الختم يصعد صغير على منبر و الجم الغفير تحته، و يخطب و يعظهم بصوت عال، بحيث يبلغ الطائفين و يشوش عليهم و يجلس فى الخطبة جلسات، و يقرأ القراء الجالسون تحته عقيب كل جلسة عشرا من القرآن بأصوات عالية و ألحان متنوعة، و يحصل فى تلك الليالى الفتن بين الرجال و النساء، و كل هذه بدع شنيعة و منكرات قبيحة- وفق الله ولى الأمر لإزالتها، و أثاب المتسبب فى إطفاء رسومها (1).

و فى صلاة التراويح خلف الصبيان اختلاف، قال مشائخ العراق و بعض مشائخ بلخ: لا تجوز. و قال غيرهم: تجوز (2). و عن نصر بن يحيى أنه سئل عنها قال: تجوز إذا كان ابن عشر سنين. و قال السرخسى: الصحيح أنها لا تجوز؛ لأنه غير مخاطب و صلاته ليست بصحيحة على الحقيقة، فلا تجوز إمامته كإمامة المجنون، أما إذا أمّ الصبى الصبيان فإنه يجوز؛ لأن صلاة الإمام مثل صلاة المقتدى. و قال القرطبى فى تفسير قوله تعالى:

فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ‏ (3). قال العلماء: يستحب أن ينور البيت الذى يقرأ فيه القرآن بتعليق القناديل و نصب الشموع و يزاد فى شهر رمضان فى أنوار المساجد (4).

انتهى.

و أما حكم صلاة الأئمة الثلاثة الحنفى و المالكى و الحنبلى فى المكتوبات/ [80/ أ] على الصفة التى ذكرناها: فاجتمع أصحابنا على أن المسجد إذا صلى فيه جماعة بعد جماعة بغير أذان ثان فإنه يباح كذا ذكره شارح الجمع؛ لأنه قال: قال أصحابنا: المسجد إذا

____________

(1) و قد استجاب الله تعالى دعوة المصنف، و أحمدت هذه البدع و المنكرات القبيحة. و لله الحمد و المنة.

(2) راجع المبسوط (2/ 149).

(3) سورة النور: الآية (36).

(4) (12/ 275).

164

كان له إمام معلوم و جماعة معلومون فى محلة خاصة، فصلى فيه أهله جماعة لا يباح تكرار الجماعة فيه بأذان ثان و إقامة ثانية. و قال الشافعى: مباح ذلك. قال: و التقييد بالمسجد المختص بالمحلة احتراز من الشارع، و الأذان الثانى احتراز عما إذا صلى فى مسجد المحلة جماعة بغير أذان ثان حيث يباح إجماعا. انتهى. و عن أبى سعيد أن رجلا دخل المسجد و قد صلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) بأصحابه فقال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «من يتصدق على هذا فيصلى معه؟» فقام رجل من القوم فصلى معه‏ (1). رواه أحمد و أبو داود و الترمذى و حسنه. قال الترمذى: و هو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و غيرهم من التابعين، و قالوا: لا بأس أن يصلى القوم جماعة فى مسجد قد صلى فيه جماعة و به يقول أحمد و إسحاق‏ (2). و أما وقت حدوثهم فلم يعرف تحقيقه و قد ذكر أن الحنفى و المالكى كانا موجودين فى عام «سبعة» (3) و تسعين و أربعمائة، و أما الحنبلى فلم يكن موجودا فيها، و قد ذكر أن الحنبلى كان موجودا فى عشر الأربعين و خمسمائة (4). و لما حج مرجان خادم المقتفى العباسى قلع الحطيم الذى للحنابلة بمكة و أبطل إمامتهم بها على ما ذكر سبط ابن الجوزى فى «المرآة» و ذكر أنه كان يقول: قصدى أن أقلع مذهب الحنابلة.

[فصل‏] ذكر درج الصفا و المروة

قال الأزرقى: كانت الصفا و المروة [] (5) يستند فيهما من سعى بينهما، و لم يكن بينهما بناء و لا درج حتى كان عبد الصمد بن على فى خلافة أبى جعفر المنصور فبنى درجهما/ [80/ ب‏] التى هى اليوم درجهما، فكان أول من أحدث بناءهما ثم كحل بعد ذلك بالنورة فى خلافة المأمون‏ (6).

____________

(1) أخرجه أحمد فى المسند (3/ 5، 45، 64)، و أبو داود: كتاب الصلاة- باب [فى‏] الجمع فى المسجد مرتين- ح (547)، و الترمذى: أبواب الصلاة- باب ما جاء فى الجماعة فى مسجد قد صلى فيه مرة- ح (220).

(2) سنن الترمذى (1/ 429، 430).

(3) كذا فى الأصل، و الصواب «سبع». و الله أعلم. و راجع الجامع اللطيف (ص 214).

(4) الجامع اللطيف (ص 214).

(5) كلمة غير واضحة فى الأصل، و السياق يتم بدونها، كما فى أخبار مكة للأزرقى. و الله أعلم.

(6) أخبار مكة (2/ 120) عن جد الأزرقى و هو أحمد بن محمد.

165

[فصل‏] ذكر آيات البيت الحرام زاده الله تشريفا و تعظيما

تقدم فى باب الفضائل ذكر أشياء من آيات الكعبة الشريفة مجملة و نذكر جملة الآيات هنا مفصلة. فنقول: من آياتها: الحجر الأسود و ما روى فيه «أنه من الجنة»، و ما أشربت قلوب العالم من تعظيمه قبل الإسلام. و منها: بقاء بنائها الموجود الآن و لا يبقى هذه المدة غيرها من البنيان على ما يذكره المهندسون، و إنما بقاؤها آية من آيات الله تعالى- و هذا معلوم ضرورة؛ لأن الرياح و الأمطار إذا تواترت على مكان خرب، و الكعبة المعظمة ما زالت الرياح العاصفة و الأمطار العظيمة تتوالى عليها منذ بنيت إلى تاريخه و ذلك سبعمائة سنة و تسعة و أربعون سنة، و لم يحدث فيها بحمد الله تعالى تغير فى بنائها و لا خلل، و غاية ما حدث فيها انكسار فلقة من الركن اليمانى و تحرك البيت مرارا و ذلك فى سنة اثنين و تسعين و خمسمائة، كما ذكره أبو شامة فى «الذيل» و ذكر ابن الأثير (1) و المؤيد صاحب حماه فى أخبار سنة خمس عشرة و خمسمائة: أن الركن اليمانى تضعضع فيها.

و ذكر صاحب «المرآة» أن فى سنة سبع عشرة و أربعمائة شعب البيت الحرام. و ذكر أبو عبيد البكرى: أن فى سنة ثلاث و ثلاثين و أربعمائة انكسرت من الركن اليمانى فلقة قدر إصبع. و لا تزال الكعبة الشريفة باقية إلى أن يأتى أمر الله و قضاؤه بتخريب الحبشى لها فى آخر الزمان. و منها: على ما قاله الجاحظ: إنه لا يرى البيت الحرام أحد ممن لم يكن رآه إلا ضحك أو بكى‏ (2). و منها: وقع هيبتها فى القلوب. و منها: كف الجبابرة عنها مدى الدهر. و منها: إذعان نفوس العرب و غيرهم قاطبة لتوقير هذه البقعة دون ناه و لا زاجر (3) ذكره ابن عطية. و منها: كونها بواد غير ذى زرع، و الأرزاق/ [81/ أ] من كل قطر تجى‏ء إليها عن قرب و عن بعد. و منها: الأمنة الثابتة فيها على قديم الدهر، و أن العرب كانت يغير بعضها على بعض و يتخطف الناس بالقتل و أخذ الأموال و أنواع الظلم إلا فى الحرم، و ابتنى على هذا أمن الحيوان فيه و سلامة الشجر، و ذلك كله للبركة التى خصها الله بها و للدعوة من الخليل- (عليه السلام)- فى قوله: اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً (4). و العرب تقول: آمن من حمام مكة. تضرب المثل بها فى الأمن؛ لأنها لا تهاج‏

____________

(1) الكامل (8/ 304).

(2) الجامع اللطيف (ص 51).

(3) الجامع اللطيف (ص 50).

(4) سورة البقرة: الآية (126).

166

و لا تضاد (1). و حكى النقاش عن بعض العباد قال: كنت أطوف حول الكعبة ليلا فقلت:

يا رب إنك قلت: وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً (2). فمما ذا هو آمن يا رب؟ فسمعت ملكا يكلمنى و هو يقول: من النار. فنظرت و تأملت فما كان فى المكان أحد (3). و منها:

حجر المقام و ذلك أنه قام عليه إبراهيم- (عليه السلام)- وقت رفعه القواعد من البيت لما طال البناء، فكلما علا الجدار ارتفع الحجر به فى الهوى، فما زال يبنى و هو قائم عليه و إسماعيل يناوله الحجارة و الطين حتى أكمل الجدار، ثم إن الله تعالى لما أراد [إبقاء] (4) ذلك آية للعالمين لين الحجر فغرقت فيه قدما إبراهيم- (عليه السلام)- كأنها فى طين، فذلك الأثر العظيم باق فى الحجر إلى اليوم، و قد نقلت كافة العرب ذلك فى الجاهلية على مرور الأعصار كذا (5) قاله ابن عطية. و قال أبو طالب: و موطئ إبراهيم فى الصخر، «وطئه» على قدميه حافيا غير ناعل. و ما حفظ أن أحدا من الناس نازع فى هذا القول.

و قال الزمخشرى فى قوله تعالى: فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ‏ (6): إن فى مقام إبراهيم آيات كثيرة و هى أثر قدميه الشريفة فى الصخرة الصماء و إبداؤه دون سائر آيات الأنبياء- (عليهم السلام)- و حفظه مع كثرة أعدائه من المشركين ألوف سنة (7). انتهى.

و منها: أن الفرقة من الطير من/ [81/ ب‏] الحمام و غيره يقبل حتى إذا كادت أن تبلغ الكعبة انفرقت فرقتين، فلم يعل ظهرها شى‏ء منها. ذكره الجاحظ (8) و أبو عبيد البكرى. و ذكر مكى أن الطير لا يعلوه و إن علاه طير فإنما ذلك لمرض به فهو يستشفى بالبيت‏ (9). انتهى. و أنشد فى ذلك:

و الطير لا يعلو على أركانها* * * إلا إذا أضحى بها متألما (10)

و قال ابن عطية: و هذا عندى ضعيف، و الطير يعاين أنها تعلوه، و قد علاه العقاب‏

____________

(1) راجع الجامع اللطيف (ص 50، 51).

(2) سورة آل عمران: الآية (97).

(3) الجامع اللطيف (ص 51).

(4) طمس بالأصل، و لعلها هكذا. و الله أعلم.

(5) راجع أخبار مكة للأزرقى (2/ 30)، و تفسير ابن كثير (1/ 170).

(6) سورة آل عمران: الآية (97).

(7) الكشاف (1/ 204).

(8) راجع الجامع اللطيف (ص 58).

(9) المصدر السابق، و نقله عن جمع من العلماء منهم العز بن جماعة.

(10) المصدر السابق.

167

الذى أخذ الحية المشرفة على جداره و تلك كانت من آياته‏ (1). انتهى.

قال التوربشتى فى «شرح المصابيح»: و لقد شاهدت من كرامة البيت المبارك أيام مجاورتى بمكة أن الطير كان لا يمر فوقه، و كنت كثيرا أتدبر تحليق الطير فى ذلك الجو، فأجدها مجتنبة عن محاذاة البيت، و ربما انقضت من الجو حتى تدانت فطافت به مرارا ثم ارتفعت، ثم قال: و من آيات الله البينة فى كرامة البيت أن حمامات الحرم إذا نهضت للطيران طافت حوله مرارا من غير أن تعلوه، فإذا وقفت عن الطيران وقعت على شرفات المسجد أو على بعض الأسطحة التى حول المسجد، و لا تقع على ظهر البيت مع خلوها عما ينفرها، و قد كنا نرى الحمامة إذا مرضت و تساقط ريشها و تناثر ترتفع من الأرض حتى إذا دنت من ظهر البيت ألقت بنفسها على الميزاب أو على طرف ركن من الأركان [فتبقى به‏] (2) زمانا طويلا [حائمة] (3) كهيئة المتخشع لا حراك فيها ثم تنصرف منها بعد حين من غير أن تعلو شيئا من سقف البيت‏ (4). قال [بعض حجابه‏] (3): قد تدبرتها كرة بعد أخرى فلم [تختلف فيه كما] (5) قال سواه:

[كانت‏] (6) الطير [ممنوعة] (4) عن استعلاء البيت بالطبع، فلا غرو أن يكون الإنسان ممنوعا عنه بالشرع كرامة للبيت. انتهى كلامه.

و منها: أن مفتاح الكعبة إذا وضع فى فم الصغير الذى/ [82/ أ] ثقل لسانه عن الكلام يتكلم سريعا بقدرة الله تعالى ذكر ذلك الفاكهى‏ (7)، و ذكر أن المكيين يفعلونه.

انتهى. و هو يفعل فى عصرنا هذا. و منها: أنه لا يجى‏ء سيل من الجبل فيدخل الحرم، و إنما يخرج من الحرم إلى الحل، و إذا انتهى سيل الحل إلى الحرم وقف و لم يدخل فيه، و لا يدخل الحرم إلا سيل الحرم. و قال الأزرقى: و لا يسيل واد من الحل فى الحرم إلا من موضع واحد عند التنعيم عند بيوت غفار (8).

____________

(1) راجع الجامع اللطيف (ص 58، 59)، و فى هذا القول طمس بالأصل، و قد أصلحناه من الجامع اللطيف و كذلك تفسير ابن عطية (3/ 167). و لله الحمد.

(2) غير واضحة فى الأصل، و هى هكذا فى الجامع اللطيف. و الله أعلم.

(3) لعلها هكذا فى الأصل، و ليست فى الجامع اللطيف، و السياق يتم بدونها. و الله أعلم.

(4) راجع الجامع اللطيف (ص 59، 60)، و قد كان فى الأصل طمس كثير فأتممناه منه.

و لله الحمد.

(5) غير واضحة فى الأصل لكثرة السواد، و لعلها هكذا. و الله أعلم.

(6) طمس فى الأصل، و لعلها هكذا. و الله أعلم.

(7) راجع الجامع اللطيف (ص 49) و نقل عنه قوله: إن ذلك مجرب.

(8) تاريخ مكة (2/ 130)، و فى الأصل طمس ببعض الكلمات، و أصلحناه من الأزرقى.

168

و من آيات البيت و الحرم: ائتلاف الظباء و السباع فيه حتى أن الظبى يجتمع مع الكلب فى الحرم فإذا خرجا منه تنافرا. و يتبع الجارح للصيد فى الحل فإذا دخل الحرم تركه ذكره القرطبى و غيره‏ (1). و قد تقدم فى الفضائل أن الحيتان الكبار لم تأكل الصغار زمن الطوفان فى الحرم [تعظيما له‏] (2). و منها: فيما ذكر الناس قديما و حديثا أن المطر إذا كان ناحية الركن اليمانى كان الخصب باليمن، و إذا كان ناحية الركن الشامى كان الخصب بالشام، و إذا هبط المطر من جوانبه الأربع فى العام الواحد أخصبت آفاق الأرض، و إن لم يصب جانبا منه لم يخصب ذلك الأفق الذى يليه فى ذلك العام ذكر ذلك القرطبى‏ (3) و ابن عطية و غيرهما. و منها: [تعجيل الانتقام‏] (4) لمن عتى فيه. من ذلك قصة الرجل الذى كان فى الطواف فبرز له ساعد امرأة، فوضع ساعده على ساعدها متلذذا به فلصق ساعداهما (5)، و قصة إساف لما فجر بنائلة فى البيت فمسخا حجرين‏ (6). و قصة المرأة التى جاءت إلى البيت تعوذ به من ظالم فمد يده إليها فصار أشل‏ (7). و قصة الرجل الذى سالت عينه على خده من نظره إلى شخص فى الطواف استحسنه‏ (5). و قد تقدم كل ذلك فى الرقائق، و من أعظم ذلك أمر تبع‏ (8). و ما جرى لأصحاب الفيل و رمى طير الله عنه بحجارة السجيل‏ (9)، و ذلك أمر لم يختلف كافة (10) العرب فى نقله و صحته إلى أن أنزله الله فى كتابه./ [82/ ب‏] و منها: أن الكعبة تفتح بحضرة الجم الغفير من الناس، فيدخلها الجميع متزاحمين فيسعهم بقدرة الله تعالى، و لم يعلم أن أحدا مات فيها من الزحام إلا سنة إحدى‏

____________

(1) راجع تفسير القرطبى (4/ 139)، و فى الأصل طمس ببعض الكلمات.

(2) طمس بالأصل، و لعله هكذا. و الله أعلم، و راجع أخبار مكة للأزرقى (2/ 132) عن أبى نجيح.

(3) راجع الجامع اللطيف (ص 60)، و تفسير القرطبى (4/ 139).

(4) فى الأصل طمس، و أصلحناه من الجامع اللطيف (ص 57) و للّه الحمد.

(5) راجع الجامع اللطيف (ص 57)، و بقية القصة: فقال له بعض الصالحين: ارجع إلى المكان الذى فعلت فيه فعاهد رب البيت أن لا تعود بإخلاص و صدق نية، ففعل فخلى عنه، و انفصل ساعده.

(6) راجع الجامع اللطيف (ص 57) و قد تقدمت قصتهما.

(7) المصدر السابق.

(8) راجع الجامع اللطيف (ص 51- 53) و قد تقدمت قصته.

(9) راجع الجامع اللطيف (ص 55- 57) و قد تقدمت قصته.

(10) كافة: لا تستعمل مضافة و لا بالألف و اللام. راجع تهذيب الأسماء و اللغات (3/ 116، 117) و القاموس المحيط (1098)، و عن بعضهم أنه قليل. و الله أعلم.

169

و ثمانين و خمسمائة مات فيها أربعة و ثلاثون نفرا (1). قال ابن النقاش: و الكعبة تسع ألف إنسان و إذا انفتح الباب فى أيام الموسم دخلها آلاف كثيرة (2). انتهى. فعلى هذا الكعبة تتسع كما ورد أن منى تتسع كاتساع الرحم‏ (3) و هى إحدى آياتها المتقدمة فى باب الفضائل. و الثانية: إمحاق حصى الجمار على كثرة الرمى و طول الزمان. و الثالثة: امتناع تخطى الطير الدور المشرفة بمنى على الجدران و غيرها و هى محروسة بحراسة القادر المقتدر.

و الرابعة: امتناع وقوع الذباب على الطعام فى أيام منى «على كل الزبل» (4) و نحوه مما يجمع الذباب فيحوم عليه فى «السماء» (4) و لا يقع فيه و قد تقدم ذلك كله فى الفضائل. و منها:

أن الماء لم يعلها زمن الطوفان و لكنه أقام حولها. و منها: طواف سفينة نوح بالبيت أربعين يوما كما ذكر ابن الجوزى‏ (5)، أو طاف بالبيت أسبوعا كما ذكر القرطبى.

و ذكر الثعلبى فى «العرائس»: أنها طافت بالحرم أسبوعا (6) كما تقدم ذلك فى الفضائل.

و منها: أن جبال مكة متماثلة برؤوسها كالسجود للكعبة يرى هذا من يسير قاله ابن النقاش. قال: و فوقها جبال من ذهب و فضة و كنوز و جواهر و ربما يكشف عن بعضها. و منها: على ما قال ابن النقاش أيضا: إن الكعبة تزاد فى طولها فى أوقات الصلوات و نصف الليل و ليالى الأعياد، و يوم عرفة يعطى الناس نور، قال: و يخيل للواحد إذا كان فوقها كأنه فوق العالم كله و أنه قريب من السماء، قال: و تحت القواعد مجمرة من النور كشف عنها مرة فسطع النور فى الحرم، قال: و تحت الحرم مجوف، قال:

و الطيب بمكة أطيب منه فى سائر الآفاق، و ظلال مكة أطيب من سائر الظلال، و البركات فيها أعم و أشيع/ [83/ أ] و تجى‏ء إليها ثمرات كل شى‏ء، قال: و البدر ليلة أربعة عشر

____________

(1) راجع الجامع اللطيف (ص 57، 58) و فيه أنهم كانوا: أربع و ثمانون نفرا. فالله أعلم.

(2) راجع الجامع اللطيف (ص 58).

(3) نقلها فى الجامع اللطيف (ص 58) عن جده، و فى أخبار مكة للأزرقى (2/ 179) عن ابن عباس و فى الطبرانى الصغير و الأوسط عن أبى الدرداء، مرفوعا نحوه، قال الهيثمى فى المجمع (3/ 265): و فيه من لم أعرفه.

(4) فى الأصل طمس، و لعله ما أثبتناه. و الله أعلم.

(5) فى مثير الغرام (ص 309) عن ابن عباس، و كذا الأزرقى (1/ 52).

(6) العرائس (ص 56)، و قال الحافظ ابن كثير فى البداية و النهاية- تعقيبا على القول بأن السفينة طافت به أربعين يوما أو نحو ذلك-: و لكن كل هذه الأخبار عن بنى إسرائيل، و قد قررنا أنها لا تصدق و لا تكذب، فلا يحتج بها، فأما إن ردها الحق فهى مردودة. اه. و قد ذكر قبل ذلك أنه لم يجئ فى خبر صحيح عن معصوم أن البيت كان مبنيّا قبل الخليل (عليه السلام).

170

ليس فيه سواد أحسن ما يكون و فيه كتابة ببياض، و الشمس يوم عرفة من جدد النظر إليها رأى لها نورا آخر و فيها كتابة بيضاء. انتهى كلامه.

و يذكر أن الشمس مكتوب فيها و لا يظلمون و فى القمر فتيلا، أما ما هو مكتوب فى القمر فمشاهد محسوس لمن تأمله. و منها على ما ذكره ابن عطية: زمزم فى نبعها لهاجر بهمز جبريل- (عليه السلام)- بعقبه‏ (1)، و فى حفر عبد المطلب لها آخرا بعدد ثورها بتلك الرؤيا المشهورة و ما نبع من الماء تحت خف ناقته فى سفره إلى منافرة قريش و مخاصمتها فى أمر زمزم، كما ذكره ابن إسحاق مستوعبا و قدمناه‏ (2).

و منها: على ما ذكره ابن عطية أيضا: نفع ماء زمزم لما شرب له، و أنه يعظم ماؤها فى الموسم و يكثر كثرة خارقة لعادة الآبار. و من الآيات ما روى: أن الحجاج بن يوسف نصب المنجنيق على جبل أبى قبيس بالحجارة و النيران فاشتعلت أستار الكعبة بالنار فجاءت سحابة من نحو جدة يسمع فيها الرعد و يرى البرق، فمطرت فجاوز مطرها الكعبة و المطاف، فأطفأت النار و أرسل الله عليهم صاعقة فأحرقت منجنيقهم فتداركوه‏ (3). قال عكرمة: و أحسب أنها أحرقت تحته أربعة رجال. فقال الحجاج: لا يهولنكم هذا فإنها أرض صواعق. فأرسل الله صاعقة أخرى فأحرقت المنجنيق و أحرقت معه أربعين رجلا و ذلك فى سنة ثلاث و سبعين فى أيام عبد الملك بن مروان‏ (4). و فى هذه السنة المذكورة دام القتال أشهر إلى أن قتل عبد الله بن الزبير بن العوام أمير المؤمنين فى جمادى الأولى و طيف برأسه فى مصر و غيرها و قتل معه جماعة، و توفيت أسماء بنت أبى بكر الصديق ذات النطاقين أم ابن الزبير بعد مصابه بيسير، و فيها استوثق الأمر لعبد الملك بن مروان، و ولى الحجاج أمر الحجاز فنقض بعض الكعبة و أعادها إلى بنائها فى زمن/ [83/ ب‏] النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و كانت قد تشعبت من المنجنيق، و أصيب الحجر الأسود و أصلحوه و رفعوه، و توفى الحجاج بن يوسف الثقفى الطائفى فى ليلة مباركة على الأمة ليلة سبع و عشرين من رمضان و له خمس و خمسون أو دونها، و كان شجاعا مقداما مهيبا ذا هيبة، فصيحا بليغا، سفاكا للدماء، ولى الحجاز و العراق عشرين سنة. و فى «جامع الأصول» قال هشام ابن حسان: أحصى من قتل الحجاج صبرا فوجد مائة ألف و عشرين ألفا. أخرجه‏

____________

(1) راجع أخبار مكة للأزرقى (2/ 50) و فيه أنها هزمة جبريل بعقبه. قال أبو الوليد: و الهزمة: الغمزة بالعقب فى الأرض، و قال: زمزم شقت من الهزمة. اه.

(2) تقدم، و راجع أخبار مكة للأزرقى (2/ 42- 49).

(3) راجع الجامع اللطيف (ص 50).

(4) المصدر السابق.

171

الترمذى‏ (1).

و منها: ما روى عن ابن عباس- رضى الله عنهما- أن أبا طالب قال فى الجاهلية لقرشى قتل هاشميّا خطأ و أنكر قتله: اختر منا إحدى ثلاث؛ إن شئت أن تؤدى مائة من الإبل، و إن شئت حلف خمسون من قومك أنك لم تقتله، فإن أبيت قتلناك به. قال:

فأتاه قومه فذكر لهم ذلك فقالوا: نحلف. فأتته امرأة من بنى هاشم كانت تحت رجل منهم قد ولدت له فقالت: يا أبا طالب أحب أن تخير ابنى هذا و لا تصير يمينه، حيث تصير الأيمان- يعنى الموضع الذى كانوا يحلفون فيه، و هو حطيم الكعبة ما بين الركن و المقام و زمزم و الحجر؛ لأن الناس كانوا يحطمون هناك بالأيمان و يستجاب فيه الدعاء على الظالم للمظلوم، فقل من دعا هنالك على ظالم إلا أهلك، و قل من حلف هنالك إثما إلا عجلت له العقوبة. فكان ذلك يحجز الناس عن الظلم و يتهيب الناس الأيمان هناك، فلم يزل ذلك كذلك حتى جاء الله بالإسلام فأخر الله ذلك؛ لما أراد إلى يوم القيامة ففعل أبو طالب ذلك و أتاه رجل منهم فقال: يا أبا طالب هذان بعيران فاقبلهما عنى، و لا تصير يمينى حيث تصير الأيمان فقبلهما و جاءه ثمانية و أربعون رجلا فحلفوا. قال ابن عباس: فو الذى نفسى بيده ما حال الحول و من الثمانية و الأربعين عين تطرف. و قال ابن عباس: إن ذلك أول قسامة فى الجاهلية كانت‏ (2). و يقال: أول من بغى من قريش بمكة فأهلكهم البغى بنو الشيبان بن عدى/ [84/ أ] بن قصى.

و يروى أن خمسين رجلا من بنى عامر بن لؤى حلفوا فى الجاهلية عند البيت على قسامة و حلفوا على باطل ثم خرجوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق نزلوا تحت صخرة، فبينما هم قائلون إذ أقبلت الصخرة عليهم فخرجوا من تحتها يشتدون، فانفلقت خمسين فلقة فأدركت كل فلقة رجلا فقتلته‏ (3). و يروى أن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه سأل رجلا من بنى سليم عن ذهاب بصره فقال: يا أمير المؤمنين كنا بنى ضبعاء عشرة و كان لنا ابن عم فكنا نظلمه و نضطهده، فكان يذكرنا بالله و الرحم أن لا نظلمه، و كنا أهل جاهلية نركب كل الأمور فلما رآنا ابن عمنا لا نكف عنه و لا نرد ظلامته أمهل حتى إذا دخلت الأشهر الحرم انتهى إلى الحرم، فجعل يرفع يديه إلى الله سبحانه و يقول:

لا هم أدعوك دعاء جاهدا* * * اقتل بنى الضبعاء إلا واحدا

____________

(1) فى سننه (4/ 433).

(2) راجع الجامع اللطيف (ص 60) مختصرا.

(3) المصدر السابق (ص 60، 61)، و أخبار مكة للأزرقى (2/ 42).

172

أعمى إذا ما قيد عنى القائدا* * *ثم اضرب الرجل فارمه قاعدا

فمات إخوة لى تسعة فى تسعة أشهر فى كل شهر واحد، فبقيت أنا فعميت و ليس يلائمنى قائد و رمى الله فى رجلى. فقال عمر: سبحان الله إن هذا هو العجب‏ (2). و قال ابن عباس: سمعت عمر يسأل ابن عمهم الذى دعا عليهم قال: دعوت عليهم ليالى رجب الشهر كله بهذا الدعاء فأهلكوا فى تسعة أشهر و أصاب الباقى ما أصابه‏ (3).

و روى عن حويطب بن عبد العزى أنه قال: كان فى الجاهلية فى الكعبة حلق أمثال لجم البهم يدخل الخائف يده فيها فلا يريبه أحد، فلما كان ذات يوم ذهب خائف ليدخل يده فيها فاجتذبه رجا فشلت يمينه فأدركه الإسلام و إنه لأشل‏ (4). و عن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث قال: عدا رجل من بنى كنانة من هذيل فى الجاهلية على ابن عم له بمظلمة و اضطهده، فناشده بالله و بالرحم فعظم عليه فأبى إلا ظلمه، فقال: و الله لألحقن بحرم الله و الشهر الحرام فلأدعون/ [84/ ب‏] الله عليك، فقال له بزعمه مستهزءا به:

هذه ناقتى فلانة فأنا أقعدك على ظهرها فاذهب فاجتهد. قال: فأعطاه ناقته و خرج حتى جاء الحرم فى الشهر الحرام فقال: اللهم إنى أدعوك دعاء جاهد مضطر على فلان ابن عمى لترميه بداء لا دواء له. قال: ثم انصرف فوجد ابن عمه قد رمى فى بطنه فصار مثل الزق فما زال ينتفخ حتى انشق‏ (5). قال عبد المطلب: فحدثت هذا الحديث ابن عباس- رضى الله عنهما- فقال: أنا رأيت رجلا دعا على ابن عمّه بالعمى فرأيته يقاد أعمى‏ (6). و عن ابن عباس قال: دعا رجل على ابن عم له استاق ذودا له فخرج فطلبه حتى أصابه فى الحرم، فقال: ذودى. فقال اللص: كذبت ليس الذود لك. فقيل له: لا سبيل لك عليه. فقام رب الذود بين الركن و المقام باسطا يديه يدعو على صاحبه، فما برح من مقامه يدعو عليه حتى دله‏ (7)، فذهب عقله و جعل يصيح بمكة مالى و للذود مالى‏

____________

(1) ذكر ابن ظهيرة هذا البيت هكذا:

ثم اضرب الرجل فذره قاعدا* * * أعمى إذا ما قيد يعيا القائدا

و ذكره الأزرقى كما هنا دون لفظة «فارمه» فعنده «فذره» مثل ابن ظهيرة. و الله أعلم.

(2) راجع الجامع اللطيف (ص 61)، و أخبار مكة للأزرقى (2/ 26).

(3) أخبار مكة للأزرقى (2/ 26).

(4) راجع الجامع اللطيف (ص 61)، و أخبار مكة للأزرقى (2/ 24) و لجم اليهم من اللجام فى فم الدابة. و الله أعلم.

(5) أخبار مكة للأزرقى (2/ 25) و الزّق: رمى الطائر بذرقه، و إطعامه فرخه. راجع القاموس المحيط.

(6) المصدر السابق.

(7) دله: تحير و اندهش، و فى أخبار مكة للأزرقى (2/ 27) «وله» أى: ذهب عقله و تحير من شدة-

173

و لفلان رب الذود، فبلغ ذلك عبد المطلب فجمع ذوده و دفعها إلى المظلوم فخرج بها و بقى الآخر مدلها حتى وقع من جبل فتردى فأكلته السباع‏ (1).

و روى الواقدى عن أيوب بن موسى: أن امرأة كانت فى الجاهلية معها ابن عم لها صغير فكانت تخرج فتكسب عليه ثم تأتى فتطعمه من كسبها، فقالت له: يا بنى إنى أغيب عنك و إنى أخاف أن يظلمك ظالم، فإن جاءك ظالم بعدى فإن لله تعالى بمكة بيتا لا يشبه شيئا من البيوت و لا يقاربه مفسد و عليه ثياب، فإن ظلمك ظالم يوما فعذ به فإن له ربّا سيمنعك. قال: فجاءه رجل فذهب به فاسترقه قال: و كان أهل الجاهلية يعمرون أنعامهم فأعمر سيده ظهره، فلما رأى الغلام البيت عرف الصفة، فنزل يشتد حتى تعلق بالبيت، و جاء سيده فمد يده إليه فيبست، فاستفتى فى الجاهلية فأفتى بأن ينحر عن كل واحدة من يديه بدنة ففعل فأطلقت له يداه، و نزل الغلام و خلى/ [85/ أ] سبيله‏ (2).

و عن ابن عباس قال: قال عمر بن الخطاب و ذكر ما كان يعاقب به من حلف على ظلم فقال: إن الناس اليوم ليركبون ما هو أعظم من هذا، و لا تعجل لهم العقوبة مثل ما كانت لأولئك فما ترون ذلك، فقالوا: أنت أعلم يا أمير المؤمنين قال: إن الله- عزوجل- جعل فى الجاهلية إذ لا دين حرمة حرمها و عظمها و شرفها، و عجل العقوبة لمن استحل شيئا مما حرم لينتهوا عن الظلم مخافة تعجيل العقوبة، فلما بعث الله تعالى محمدا (صلّى اللّه عليه و سلّم) توعدهم فيما انتهكوا مما حرم بالساعة فقال: وَ السَّاعَةُ أَدْهى‏ وَ أَمَرُّ (3).

فأخر العقاب إلى يوم القيامة (4).

و عن طاووس قال: كان أهل الجاهلية لا يصنعون فى الحرم شيئا إلا عجل لهم ثم قد كان من أمر قد رأيتم يوشك أن لا يصيب أحد منهم شيئا إلا عجل له حتى لو عادت به أمه سوداء لم يعرض لها أحد.

و من الآيات ما روى عن عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر بن «كرز» (5): أنه قدم مع جدته أم عبد الله بن عامر معتمرة فدخلت عليها صفية بنت شيبة فأكرمتها و أجازتها، فقالت صفية: ما أدرى ما أكرم به هذه المرأة أما دنياهم فعظيمة، فنظرت حصاة مما كان‏

____________

- الوجد. و الله أعلم.

(1) أخبار مكة للأزرقى (2/ 26، 27) و فيه «متولها» بدلا من «مدلها» و راجع الهامش السابق ليتضح المعنى. و الله أعلم.

(2) أخبار مكة للأزرقى (2/ 27).

(3) سورة القمر: الآية (46).

(4) الجامع اللطيف (ص 61).

(5) كذا بالأصل، و لعل الصواب «كريز». و الله أعلم.

174

ينقد من الركن الأسود حين أصابه الحريق فجعلتها لها فى حق ثم قال‏ (1) لها: انظرى هذه الحصاة فإنها حصاة من الركن الأسود فاغليها للمرضى، فإنى أرجو أن يجعل الله سبحانه لهم فيها الشفاء فخرجت فى أصحابها، فلما خرجت من الحرم و نزلت فى بعض المنازل صرع أصحابها فلم يبق منهم أحد إلا أخذته الحمى، فقامت و صلت و دعت ربها عزوجل ثم التفتت إليهم، و قالت: و يحكم انظروا ماذا خرجتم به من الحرم؟ فماذا الذى أصابكم إلا بذنب؟ قالوا: ما نعلم خرجنا من الحرم بشى‏ء. قال: قالت لهم: أنا صاحبة الذنب انظروا أمثلكم حياة و حركة. قال: فقالوا: لا نعلم أحدا منا أمثل من عبد الأعلى. قالت: فشدوا/ [85/ ب‏] له رحله. ففعلوا ثم دعته فقالت: خذ هذه الحصاة التى فى هذا الحق، فاذهب بها إلى أختى صفية بنت شيبة فقل لها: إن الله تبارك و تعالى وضع فى حرمه و أمنه أمرا لم يكن لأحد أن يخرجه من حيث وضعه، فخرجنا بهذه الحصاة فأصابتنا فيها بلية عظيمة فصرع أصحابنا كلهم، فإياك أن تخرجيها من حرم الله عزوجل. قال عبد الأعلى: فما هو إلا أن دخلت الحرم فجعلنا نبعث رجلا رجلا.

و منها: أن الكعبة منذ خلقها الله تعالى ما خلت من الطائف يطوف بها من جن أو إنس أو ملك أو طائر كما تقدم فى الفضائل، و تقدم فيه قضية الحية التى رئيت طائفة بالبيت، و كذلك الجمل طاف به يوم قتل ابن الزبير.

و عن أبى الطفيل قال: كانت امرأة من الجن فى الجاهلية تسكن ذا طوى، و كان لها ابن و لم يكن لها ولد غيره و كانت تحبه حبّا شديدا، و كان شريفا فى قومه، فتزوج و أتى زوجته فلما كان يوم سابعه قال لأمه: إنى أحب أن أطوف بالكعبة سبعا نهارا.

قالت له: أى بنى إنى أخاف عليك سفهاء قريش. فقال: أرجو السلامة. فأذنت له فولى فى صورة جان، فلما أدبر جعلت تعوذه و تقول: أعيذه بالكعبة المستورة، و دعوات ابن أبى محذورة، و ما تلا محمد من سورة، إنى إلى حياته فقيرة، و إننى بعيشه مسرورة.

فمضى الجان نحو الطواف فطاف بالبيت سبعا و صلى خلف المقام ركعتين ثم أقبل منقلبا حتى إذا كان ببعض دور بنى سهم، عرض له شاب من بنى سهم أحمر أزرق أحول أعسر فقتله، فثارت بمكة غبرة حتى لم تر الجبال، قال أبو الطفيل: و بلغنا أنه إنما تثور تلك الغبرة عند موت عظيم من الجان قال: فأصبح من بنى سهم موتى كثيرة من قتلى الجن فكان فيهم سبعون شيخا أصلع سوى «الشاب» (2). قال: فنهضت بنو سهم/ [86/ أ] و حلفاؤها و مواليها و عبيدهم فركبوا الجبال و الشعاب بالثنية، فما تركوا حية و لا عقربا و لا

____________

(1) كذا بالأصل، و لعل الصواب «قالت». و الله أعلم.

(2) كذا فى الأصل، و فى أخبار مكة للأزرقى «الشباب». و الله أعلم.

175

شيئا يدب من الهوام على وجه الأرض إلا قتلوه، فأقاموا على ذلك ثلاثا فسمعوا فى الليلة الثالثة على أبى قبيس هاتفا يهتف بصوت جهورى يسمع به من بين الجبلين: يا معشر قريش الله الله فإن لكم أحلاما و عقولا، اعذرونا من بنى سهم فقد قتلوا منا أضعاف ما قتلنا منهم، ادخلوا بيننا و بينهم بالصلح، نعطهم و يعطونا العهد و الميثاق أن لا يعود بعضنا لبعض بسوء أبدا، ففعلت قريش ذلك و استوثقوا للبعض من البعض فسميت بنو سهم «الغياطلة» (1) قتلة الجن‏ (2).

و عن محمد بن هشام السهمى قال: كنت بمال لى أجد به نخلا و بين يدى جارية لى فارهة، فصرعت قدامى فقلت لبعض خدمنا: هل رأيت هذا منها قبل هذا؟ قالوا: لا.

قال: فوقفت عليها فقلت: يا معشر الجن أنا رجل من بنى سهم، و قد علمتم ما كان بيننا فى الجاهلية من الحرب، و ما صرنا إليه من الصلح و العهد و الميثاق أن لا يغدر بعضنا ببعض، فإن وفيتم و فينا و إن غدرتم غدرنا إلى ما تعرفون. قال: فأفاقت الجارية و رفعت رأسها فما عيد إليها بمكروه حتى ماتت‏ (3). و يروى أن عبد الله بن عمرو بن العاص كان فى جماعة جالسين بالمسجد الحرام بعد ما ارتفع النهار و قلصت الأفياء، و إذا هم ببريق أيم دخل من باب بنى شيبة فاشرأبت أعينهم إليه، فطاف بالبيت سبعا و صلى ركعتين وراء المقام فقمنا إليه فقلنا: ألا أيها المعتمر قد قضى الله نسكك و إن بأرضنا عبيدا و سفهاء و إنا نخشى عليك منهم، فكوم برأسه كومة بطحاء فوضع ذنبه عليها فسما فى السماء حتى غاب فما يرى. قال أبو محمد الخزاعى: الأيم الحية الذكر (4).

و قال الأزرقى: جاء طائر من ناحية أجياد الصغير لونه لون الحبرة بريشة حمراء و ريشة/ [86/ ب‏] سوداء، دقيق الساقين طويلهما له عنق طويلة رقيق المنقار طويله، كأنه من طير البحر يوم السبت يوم سبع و عشرين من ذى القعدة سنة ست و عشرين و مائتين حين طلعت الشمس، و الناس إذ ذاك فى الطواف كثير من الحاج و غيرهم، فوقع فى المسجد الحرام قريبا من مصباح زمزم مقابل الركن الأسود ساعة طويلة، ثم طار حتى صدم الكعبة فى نحو صدرها بين الركن اليمانى و الأسود و هو إلى الركن الأسود أقرب، ثم‏

____________

(1) كذا فى جميع أصول أخبار مكة للأزرقى كما قال محققه سوى (ح، ه، و) «العياطلة» بالعين المهملة. أخبار مكة (2/ 16)، و فى الجامع اللطيف (ص 64) «العياطلة». و الله أعلم.

(2) أخبار مكة للأزرقى (2/ 15، 16)، و الجامع اللطيف (ص 63، 64).

(3) أخبار مكة للأزرقى (2/ 16).

(4) أخبار مكة للأزرقى (2/ 17)، و الجامع اللطيف (ص 62) و قال صاحب النهاية (1/ 86) الأيم و الأين: الحية اللطيفة. و الله أعلم.

176

وقع على منكب رجل محرم من الحاج من أهل خراسان فى الطواف عند الركن الأسود، فطاف الرجل به أسابيع و عيناه تدمعان على خديه، و الطائر على منكبه الأيمن، و الناس يدنون منه و ينظرون إليه و هو ساكن غير «متوحش» (1) منهم، ثم طار من قبل نفسه حتى وقع على يمين المقام ساعة طويلة و هو يمد عنقه و يقبضها إلى جناحه، فأقبل فتى من الحجبة فضرب بيده فيه فأخذه؛ ليريه رجلا منهم كان يركع خلف المقام فصاح الطير فى يده أشد الصياح و أوحشه لا يشبه صوته أصوات الطير ففزع منه، فأرسله من يده فطار حتى وقع بين يدى دار الندوة، ثم طار من قبل نفسه فخرج من باب المسجد الذى بين دار الندوة و بين دار العجلة نحو قعيقعان‏ (2).

و يروى أنه أقبل طائران فى الجاهلية كأنهما نعامتان يسيران كل يوم ميلا أو يزيدان حتى أتيا مكة فوقعا على الكعبة، فكانت قريش تطعمهما و تسقيهما فإذا خف الطواف من الناس نزلا فدنيا (3) حول الكعبة حتى إذا اجتمع الناس طارا فوقعا على الكعبة فمكثا كذلك شهرا و نحوه ثم ذهبا (4).

و من آيات الحجر الأسود: أنه أزيل عن مكانه غير مرة ثم رده الله إليه، و وقع ذلك من جرهم و إياد و العماليق و خزاعة و القرامطة كذا ذكر عز الدين بن جماعة، و لم أر ما ذكره عن العماليق، و آخر من أزاله عن موضعه/ [87/ أ] أبو طاهر سليمان بن الحسن القرمطى يوم التروية سنة سبع عشرة و ثلاثمائة (5) لما سنذكره بعده.

و اعلم أن ابتداء خروج القرامطة كان سنة إحدى عشرة و ثلاثمائة، و كان أبو طاهر سليمان بن الحسن القرمطى رئيسهم فدخل البصرة فى الليل فى ألف و سبعمائة فارس، نصبوا السلاليم على السور و نزلوا فوضعوا السيف فى البلد و أحرقوا الجامع، و هرب خلق إلى الماء فغرقوا و سبوا الحريم، و الله المستعان‏ (6).

____________

(1) فى أخبار مكة للأزرقى «مستوحش»، و فى الجامع اللطيف (ص 63) كما هنا. و المعنى قريب.

و الله أعلم.

(2) أخبار مكة للأزرقى (2/ 17، 18)، و الجامع اللطيف (ص 62، 63).

(3) كذا فى الأصل، و فى الجامع اللطيف «فدفا» و معناه كما ذكره ابن ظهيرة (ص 62): فسارا، يدفون إليك دفيف النسور، قال فى الصحاح: الدفيف: الدبيب و هو السير اللين. اه.

و الله أعلم.

(4) الجامع اللطيف (ص 62).

(5) راجع الجامع اللطيف (ص 37، 38).

(6) العبر (2/ 147)، و الكامل (6/ 175).

177

و فى سنة اثنتى عشرة فى المحرم عارض ركب العراقى و معه ألف فارس و ألف راجل فوضعوا السيف، و استباحوا الحجيج و ساقوا الجمال بالأموال و الحريم، و هلك الناس جوعا و عطشا، و نجا من نجا بأسوأ حال، و وقع النوح و البكاء ببغداد و غيرها، و امتنع الناس من الصلوات فى المساجد (1)، و فى سنة ثلاث عشرة سار الركب العراقى و معهم ألف فارس فاعترضهم القرمطى و ناوشهم القتال فردوا الناس، و لم يحجوا و نزل القرمطى على الكوفة فقاتلوه فغلب على البلد فنهبه‏ (2)، و فى سنة أربع عشرة لم يحج أحد من العراق خوفا من القرامطة و نزح أهل مكة عنها خوفا منهم‏ (3). و فى سنة سبع عشرة و ثلاثمائة حج بالناس منصور الديلمى و دخلوا مكة سالمين، فوافاهم يوم التروية عدو الله أبو طاهر القرمطى فقتل الحجاج قتلا ذريعا فى المسجد و فى فجاج مكة، و قتل أمير مكة ابن محارب، و قلع باب الكعبة، و اقتلع الحجر الأسود و أخذه إلى هجر، و كان معه تسعمائة نفس فقتلوا فى المسجد ألفا و سبعمائة، و صعد على باب البيت و صاح:

أنا بالله و بالله أنا* * * يخلق الخلق و أفنيهم أنا

و قيل: إن الذى قتل بفجاج مكة و ظاهرها زهاء ثلاثين ألفا و سبى من النساء و الصبيان نحو ذلك، و أقام بمكة ستة أيام و لم يحج أحد.

و قال محمد الأصبهانى/ [87/ ب‏]: دخل قرمطى و هو سكران فصفر لفرسه فبال عند البيت، و قتل جماعة، و ضرب الحجر الأسود بدبوس فكسر منه، ثم قلعه و بقى الحجر الأسود بهجر نيفا و عشرين سنة (4)، و دفع لهم فيه خمسون ألف دينار فأبوا هكذا ذكر الذهبى فى «العبر». و ذكر غيره: أنه لما دخل مكة فى هذه السنة سفك الدماء حتى سال بها الوادى، ثم رمى بعض القتلى فى زمزم و ملأها منهم، و أصعد رجلا ليقلع الميزاب فتردى على رأسه و مات، ثم انصرف و معه الحجر الأسود و علقه على الإسطوانة السابعة من جامع الكوفة، يعتقد أن الحج ينتقل إليها، و اشتراه منه المطيع لله أبو القاسم. و قيل:

أبو العباس الفضل بن المقتدر بثلاثين ألف دينار، و أعيد إلى مكانه سنة تسع و ثلاثين و ثلاثمائة، و بقى عندهم اثنين و عشرين سنة إلا شهرا (5). هكذا ذكر عز الدين بن جماعة

____________

(1) العبر (2/ 150، 151)، و الكامل (6/ 177)، و إتحاف الورى (2/ 370).

(2) العبر (2/ 154، 155)، و إتحاف الورى (2/ 371).

(3) العبر (2/ 158)، و ذكرها ابن فهد فى إتحاف الورى (2/ 371) فى أخبار سنة ثلاث عشرة و ثلاثمائة. و الله أعلم.

(4) العبر (2/ 167، 168)، و البداية و النهاية (11/ 171، 172)، و إتحاف الورى (2/ 374، 375).

(5) راجع الجامع اللطيف (ص 37، 38)، و البداية و النهاية (11/ 172).

178

أن المطيع اشتراه من أبى طاهر القرمطى و فيه نظر؛ لأن أبا طاهر مات قبل خلافة المطيع فى سنة اثنين و ثلاثين و ثلاثمائة بهجر من جدرى- هلكه فلا رحم الله منه مغرز إبرة- على ما ذكره ابن الأثير (1) و غيره. و لما أخذه القرمطى هلك تحته أربعون جملا و لما [حمل‏] (2) أعيد إلى مكانه حمل على قعود أعجف فسمن تحته‏ (3). قال المسبحى: كانت مدة كينونة الحجر الأسود عند القرمطى و أصحابه اثنين و عشرين سنة إلا أربعة أيام‏ (4). و فى كتاب «السير» من شرح الطحاوى لأبى بكر الرازى: استحقاق القتل لا يزول عن القرامطة المتسمية بالباطنية- لعنهم الله- بزعمهم أنهم مقرون بكلمة التوحيد و النبوة؛ لأنهم ينقضون ذلك للحال بقولهم: إن للشريعة باطنا مرادا غير ما نقلته الأمة، و كذلك أشباههم من معاير الملحدين‏ (5). انتهى. قال الذهبى فى «العبر» فى سنة ثلاث عشرة و أربعمائة: تقدم بعض الباطنية من البصريين فضرب الحجر الأسود بدبوس فقتلوه فى الحال. قال محمد/ [88/ أ] بن على بن عبد الرحمن العلوى: قام فضرب الحجر ثلاث ضربات. قال: إلى متى يعبد الحجر؟ و لا محمد و لا على فيمنعنى محمد مما أفعله، فإنى اليوم أهدم هذا البيت. فالتفّاه أكثر الحاضرين و كاد أن يفلت، و كان أحمر أشقر جسيما طويلا، و كان على باب المسجد عشرة فوارس ينصرونه فاحتسب رجل و وجأه بخنجر، ثم تكاثروا عليه فهلك و أحرق، و قتل جماعة ممن اتهم بمعاونته و اختبط الوفد، و مال الناس على ركب البصريين بالنهب، و تخشن وجه الحجر و تساقط منه شظايا يسيرة و تشقق، و ظهر مكسره أسمر يضرب إلى صفرة محببا مثل الخشخاش، فأقام الحجر على ذلك يومين ثم إن بنى شيبة جمعوا الفتات و عجنوه بالمسك و اللك و حشوا الشقوق و طلوها بطلاء من ذلك فهو بين لمن تأمله‏ (6). و ذكر ابن الأثير: أن هذه الحادثة كانت فى سنة أربع عشرة و أربعمائة (7). و ذكر المسبحى: أن نافع بن محمد الخزاعى دخل الكعبة فيمن دخلها للنظر إلى الحجر الأسود لما كان فى الكعبة بعد رد القرامطة له، و أنه تأمل الحجر الأسود فإذا

____________

(1) راجع الكامل (6/ 299).

(2) كأنها مضروب عليها فى الأصل، و ليست فى الجامع اللطيف (ص 38) و السياق يتم بدونها.

و الله أعلم.

(3) راجع الجامع اللطيف (ص 38) و قعود أعجف أى: هزيل. و الله أعلم.

(4) راجع البداية النهاية (11/ 172).

(5) ذكر الحافظ ابن كثير فى البداية و النهاية (11/ 173) هذا الكلام بمعناه.

(6) راجع العبر (3/ 110، 111)، و كذلك البداية و النهاية (12/ 15)، و إتحاف الورى (2/ 448- 450) و اللك: دهان للخشب. و الله أعلم.

(7) راجع الكامل (7/ 314، 315).

179

السواد فى رأسه، دون سائره و سائره أبيض، قال: و كان مقدار طوله فيما حررت مقدار عظم الذراع، أو كالذراع المقبوضة الأصابع، و السواد فى وجهه غير ماض فى سائره جميعه. انتهى. و ما ذكره العلوى فى صفة نوى الحجر يخالف هذا. و قيل فى طوله أكثر مما ذكره الخزاعى.

و من آياته: حفظ الله له من الضياع منذ أهبط إلى الأرض مع ما وقع من الأمور المقتضية لذهابه كالطوفان‏ (1)، و دفن بنى إياد، و كما وقع من جرهم و غيرهم كما قدمناه.

و منها: أنه لما حمل إلى هجر هلك تحته أربعون جملا، فلما أعيد حمل على قعود أعجف فسمن كما قدمناه. و قيل: هلك تحته ثلاثمائة بعير. و قيل: خمسمائة. و منها: أنه يطفو على الماء إذا وضع فيه و لا يرسخ. و منها: أنه لا يسخن من النار، ذكر هاتين/ [88/ ب‏] الآيتين ابن أبى الدم فى «الفرق الإسلامية» فيما حكاه عنه ابن شاكر الكتبى المؤرخ، و نقل ذلك عن بعض المحدثين و رفعه إلى النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هذه صفة المسجد الحرام و الكعبة المشرفة- زادها الله تعالى شرفا و تعظيما./ [89/ أ]

فصل‏ (2) فى ذكر الأماكن المباركة بمكة المشرفة و حرمها و قربه التى يستحب زيارتها و الصلاة و الدعاء فيها رجاء بركتها

و هذه الأماكن مساجد و دور و جبال و مقابر. و المساجد أكثر من غيرها إلا أن بعض المساجد اشتهر باسم المولد، و بعضها باسم الدار، و سنذكر كلّا منها على حدة، أما ما اشتهر باسم المسجد فمن ذلك: مسجد بقرب المجزرة الكبيرة من أعلاها على يمين الهابط إلى مكة و يسار الصاعد منها يقال: إن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) صلى فيه المغرب على ما هو مكتوب فى حجرين بهذا المسجد (3)؛ أحدهما بخط عبد الرحمن بن أبى حرمى و فيه: أنه عمر فى رجب سنة ثمان و ثمانين و خمسمائة، و فى الآخر: أنه عمر فى سنة سبع و أربعين و ستمائة. و ذكر الأزرقى فى المواضع التى يستحب فيها الصلاة بمكة منها: مسجد بأعلى مكة عند سوق الغنم عند قرن «مقلة» (4) قال: و يزعمون أن عنده بايع «النبى رسول الله» (صلّى اللّه عليه و سلّم) الناس بمكة يوم الفتح‏ (5). انتهى. و زعم بعض أهل العصر أن هذا المسجد الذى ذكره الأزرقى هو الذى‏

____________

(1) راجع الجامع اللطيف (ص 47، 48).

(2) كلمة «فصل» هنا من وضع المصنف- (رحمه الله).

(3) راجع الجامع اللطيف (ص 331، 332).

(4) كذا فى الأصل، و عند الأزرقى «مسقلة». و الله أعلم.

(5) أخبار مكة (2/ 201)، و قال ابن ظهيرة (ص 338): لا يعرف الآن. و الله أعلم.

180

ذكرناه، و إنما توهم هذا؛ لأن المسجد الذى ذكرناه هو بلحف جبل و عنده الآن سوق الغنم. و قيل: ليس هذا التوهم صحيحا؛ لأن الجبل الذى عنده هذا المسجد هو المشرف على المروة، و يسمى جبل الديلم كما ذكره الأزرقى‏ (1)، و هو فى شق معلا مكة الشامى، و أما قرن «مقلة» (2) الذى ذكره الأزرقى فقد ذكره فى شق معلا مكة اليمانى. و الله أعلم.

قال الأزرقى فى تعريف قرن «مقلة» (2): هو قرن قد بقيت منه بقية بأعلى مكة قال:

«و مقلة» (2) رجل كان يسكنه فى الجاهلية. و عن ابن جريج قال: لما كان يوم فتح مكة جلس رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) على قرن «مقلة» (2) فجاءه الناس يبايعونه بأعلى مكة عند سوق الغنم‏ (3)./ [89/ ب‏] و من ذلك مسجد فوقه بأعلى مكة عند الردم عند بئر جبير بن مطعم يقال: إن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) صلى فيه‏ (4)، و هو يعرف اليوم بمسجد الراية (5) كما ذكره المحب الطبرى. قال الأزرقى: و قد بناه عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس- رضى الله عنهم‏ (6)- و عمره المعتصم بالله العباسى فى شعبان سنة أربع و ستين و سبعمائة، و عمره فى زماننا الأمير قطلبك الحامى المنجلى عمارته التى هو عليها الآن فى أوائل سنة إحدى و ثمانمائة. و من ذلك مسجد بسوق الليل بقرب مولد النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقال له: المختبى، يزوره الناس كثيرا فى صبيحة اليوم الثانى عشر من شهر ربيع الأول من كل سنة، و لم أر أحدا تعرض لذكره، و لا يعرف شيئا من أخباره‏ (7) و من ذلك مسجد بأسفل مكة ينسب لأبى بكر الصديق، و يقال: إنه من داره التى هاجر منها إلى المدينة (8).

و من ذلك مساجد خارج مكة من أعلاها من ذلك مسجد بأعلى مكة يقال له:

____________

(1) أخبار مكة (2/ 284) و سماه جبل الديلمى. و الله أعلم. قال: و الديلمى مولى لمعاوية كان بنى فى ذلك الجبل دارا لمعاوية فسمى به، و الدار اليوم لخزيمة بن حازم. اه.

(2) كذا فى الأصل و عند الأزرقى «مستقلة». و الله أعلم.

(3) أخبار مكة (2/ 270، 271).

(4) أخبار مكة للأزرقى (2/ 200)، و الجامع اللطيف (ص 331).

(5) راجع الجامع اللطيف (ص 331).

(6) إلى هنا انتهى كلام الأزرقى المنقول من أخبار مكة (2/ 200).

(7) راجع الجامع اللطيف (ص 332)، و قوله: لم أر أحدا ... إلخ نقله ابن ظهيرة عن الفاسى، و نقل عن الشيخ العلامة سراج الدين عمر بن فهد- (رحمه الله)- أن هذا المحل معبد عثمان بن عفان، و أن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان يختبئ فيه من الكفار. و عزاه إلى كتاب الكوكب المنير، لنصر الله. اه.

(8) راجع الجامع اللطيف (ص 332) و قال: و يعرف الآن بدار الهجرة و هو بالقرب من بركة الماجن. اه.

181

مسجد الجن. قال الأزرقى: و هو الذى يسميه أهل مكة مسجد الحرس- و عرفه الأزرقى بأنه مقابل للحجون بأعلى مكة و أنت مصعد على يمينك‏ (1)- و إنما سمى مسجد الحرس؛ لأن صاحب الحرس كان يطوف بمكة حتى إذا انتهى إليه وقف عنده و لم يجز حتى يتوافى عنده عرفاؤه و حرسه يأتونه من شعب عامر، و إذا توافوا عنده رجع منحدرا إلى مكة قال:

و هو فيما يقال له: موضع الخط الذى خط رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) لابن مسعود ليلة استمع عليه الجن، قال: و هو يسمى مسجد البيعة. يقال: إن الجن بايعوا النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) فى ذلك الموضع‏ (2). و من ذلك مسجد يقال له: مسجد الشجرة بأعلى مكة مقابل مسجد الجن.

يقال: إن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) دعا شجرة كانت فى موضعه- و هو فى مسجد الجن- يسألها عن شى‏ء فأقبلت تخط بأصولها و عروقها/ [90/ أ] الأرض حتى وقفت بين يديه، فسألها عما يريد ثم أمرها فرجعت حتى انتهت إلى موضعها (3). و من ذلك المسجد الذى يقال له:

مسجد الإجابة على يسار الذاهب إلى منى فى شعب بقرب ثنية إذاخر، و هو مسجد مشهور عند أهل مكة. يقال: إن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) صلى فيه‏ (4) و هذا المسجد الآن منخرب جدّا و جدرانه ساقطة إلا القبلى، و فيه حجر مكتوب فيه إنه مسجد الإجابة، و إنه عمر فى سنة عشرين و سبعمائة. و من ذلك المسجد الذى يقال له: مسجد البيعة. و هى البيعة التى بايع رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فيه الأنصار بحضرة عمه العباس بن عبد المطلب على ما ذكره أهل السير و هذا المسجد بقرب العقبة التى هى حد منى من جهة مكة، و هو وراء العقبة بيسير إلى مكة فى شعب على يسار الذاهب إلى منى‏ (5)، و فيه حجران مكتوب فى أحدهما إن المنصور العباسى أمر ببنيان هذا المسجد- مسجد البيعة- التى كانت أول بيعة بايع بها رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و فى الآخر ذكر أنه مسجد البيعة، و أنه بنى فى سنة أربع و أربعين و مائة، و عمره بعد ذلك المستنصر العباسى فى سنة تسع و عشرين و ستمائة، و هو الآن منخرب جدّا. و من ذلك مسجد بمنى عند الدار المعروفة بدار النحر بين الجمرة الأولى و الوسطى على يمين الصاعد إلى عرفة، يقال: إن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) صلى فيه الضحى و نحر هديه على ما هو موجود فى حجر فيه مكتوب ذلك‏ (6)، و فيه أن الملك قطب الدين أبا بكر بن‏

____________

(1) أخبار مكة (2/ 160) عن أبى محمد الخزاعى.

(2) أخبار مكة (2/ 200، 201)، و الجامع اللطيف (ص 332، 333).

(3) أخبار مكة للأزرقى (2/ 201)، و الجامع اللطيف (ص 338) و قال: و قد دثر. اه.

(4) راجع الجامع اللطيف (ص 333) و ذكر أن تعريفه من الفارسى (رحمه الله).

(5) راجع الجامع اللطيف (ص 333) و قد ذكره ابن ظهيرة ضمن المساجد التى فى منى و جهتها.

(6) راجع الجامع اللطيف (ص 333) و سماه مسجد النحر.

182

الملك المنصور صاحب اليمن أمر بعمارته فى سنة خمس و أربعين و ستمائة. و من ذلك المسجد الذى يقال له: مسجد الكبش بمنى على يسار الصاعد إلى عرفة «بلحف ثبير» (1)، و هو مشهور بمنى، و الكبش الذى نسب هذا المسجد إليه هو الكبش الذى فدى به إسماعيل أو إسحاق بن إبراهيم‏ (2). و ذكر الفاكهى خبرا عن علىّ يقتضى أن هذا الكبش نحر بين/ [90/ ب‏] الجمرتين بمنى‏ (3)، و يؤيد هذا ما ذكره المحب الطبرى عن ابن عباس أن إبراهيم نحر الكبش فى المنحر الذى ينحر فيه الخلفاء اليوم. قال المحب الطبرى: و ذلك فى سفح الجبل المقابل له- يعنى: المقابل لثبير- و أشار المحب بذلك إلى الموضع الذى يقال له اليوم دار النحر بمنى فإن أمامها ينحر هدى صاحب اليمن، و هو بقرب المسجد الذى تقدم ذكره قبل هذا المسجد (4). و من ذلك مسجد الخيف و هو مسجد مشهور عظيم الفضل، تقدمت فضائله‏ (5) فى كتاب المناسك، و تقدم تعريف موضع مصلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و أنه الأحجار التى بين يدى المنارة (6) و هذا الموضع معروف عند الناس إلى الآن. و ذكر الأزرقى صفته و ذرعه و عدد أبوابه‏ (7). و المنارة التى فيها الآن عمرها الملك المظفر صاحب اليمن فى سنة أربع و سبعين و ستمائة و فيها عمر ما تشعث من مسجد الخيف، و ممن عمره والد

____________

(1) اللّحف- بالكسر-: أصل الجبل. راجع القاموس «لحف».

(2) أخبار مكة للفاكهى (4/ 18)، و الأزرقى (2/ 175) و الصواب أنه إسماعيل.

(3) أخبار مكة للفاكهى (4/ 275).

(4) يعنى- و الله أعلم-: مسجد النحر المتقدم ذكره، و هو الذى أشار إليه المصنف بقوله: و من ذلك مسجد بمنى عند الدار المعروفة بدار النحر ... إلخ، و راجع الجامع اللطيف (ص 333، 334) فقد ذكر ما أورده المصنف هنا بمعناه. و الله أعلم. و ذكر الأزرقى هذا المسجد فى أخبار مكة (2/ 175).

(5) ذكر ابن ظهيرة فى الجامع اللطيف (ص 334) طرفا من فضائله، منها ما أخرجه الطبرانى فى معجمه الكبير عن ابن عباس عن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) أنه قال: «صلى فى مسجد الخيف سبعون نبيّا منهم موسى» و أخرجه أيضا الأزرقى (2/ 174). اه. و قال الهيثمى فى المجمع (3/ 297): و فيه عطاء بن السائب و قد اختلط.

(6) أورده الأزرقى (2/ 174) عن جده، و أعقبه بقوله: لم نزل نرى الناس و أهل العلم يصلون هنالك و قال ابن ظهيرة (ص 335): و المراد بالمنارة هى الصغيرة التى فى وسط المسجد الملاصقة لجدار القبة الكبيرة، لا المنارة التى على الباب، و المحراب الذى فى القبة هو موضع مصلاه (صلّى اللّه عليه و سلّم)؛ لأنه فى موضع الأحجار التى ذكرها الأزرقى. كذا نقله الجد- (رحمه الله)-. اه. و مراد ابن ظهيرة بالجد:

جد ابن ظهيرة. و الله أعلم.

(7) راجع أخبار مكة للأزرقى (2/ 181- 183).

183

الخليفة العباسى الناصر و اسمه مكتوب على بابه الكبير، و عمره من قبل ذلك الجواد وزير صاحب الموصل، و عمره فى سنة عشرين و سبعمائة تاجر دمشقى يقال له ابن المرجانى بأزيد من عشرين ألف درهم و عمر فيه بعد ذلك مواضع و هو الآن كثيرا تشعث. و من ذلك مسجد عن يمين الموقف يعرف بمسجد إبراهيم. قال الأزرقى: و ليس هو بمسجد عرفة الذى يصلى فيه الإمام بعرفة (1). و من ذلك مسجد التنعيم حيث أمر رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) عبد الرحمن يعمر عائشة منه‏ (2)، و تقدم بعرفة فى الباب الرابع عشر. و من ذلك مسجد بذى طوى نزل هنالك رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) حين اعتمر و حين حج تحت سمرة فى موضع المسجد (3) قال ابن الجوزى فى «المثير»: و بنته زبيدة (4). و من ذلك مسجد بأجياد، و فيه موضع يقال له المتكئ يقال: إن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) اتكئ هناك‏ (5) ذكره المحب الطبرى و الأزرقى، و قال: سمعت جدى أحمد بن/ [91/ أ] محمد و يوسف بن محمد بن إبراهيم يسألان عن المتكئ و هل صح عندهما أن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) اتكئ فيه؟ فرأيتهما ينكران ذلك، و يقولان: لم نسمع به من ثبت. قال: قال جدى: سمعت جماعة (6) من أهل العلم يقولون: إن أمر المتكئ ليس بالقوى عندهم، بل يضعفونه غير أنهم يثبتون أن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) صلى بأجياد الصغير لا يثبت ذلك الموضع و لا يوقف عليه. قال: و لم أسمع أحدا من أهل مكة يثبت أمر المتكئ‏ (7). و من ذلك مسجد على جبل أبى قبيس يقال له: مسجد إبراهيم. قال الأزرقى:

سمعت يوسف بن محمد بن إبراهيم يسأل عنه هل هو مسجد إبراهيم خليل الرحمن- (عليه السلام)-؟ فرأيته ينكر ذلك و يقول: إنما قيل هذا حديثا من الدهر، و لم أسمع أحدا من أهل العلم يثبته‏ (8). قال الأزرقى: و سألت جدّى عنه فقال لى: متى بنى هذا المسجد؟ إنما بنى حديثا من الدهر. و لقد سمعت بعض أهل العلم من أهل مكة يسأل عنه‏

____________

(1) أخبار مكة للأزرقى (2/ 202)، و الجامع اللطيف (ص 339) و ذكر أنه لا يعرف الآن.

(2) راجع الجامع اللطيف (ص 336) و نقل خلافا فى تسميته، ثم أتبعه بفائدتين. فراجعه إن شئت.

(3) راجع الجامع اللطيف (ص 338)، و أخبار مكة للأزرقى (2/ 203)، و ذكر ابن ظهيرة أنه لا يعرف الآن.

(4) أفاده قبل ابن الجوزى الأزرقىّ، كما فى أخبار مكة (2/ 203)، و كتاب ابن الجوزى هو مثير الغرام (ص 345) قال: و بنته زبيدة بأزج. و الله أعلم.

(5) أخبار مكة للأزرقى (2/ 202)، و الجامع اللطيف (ص 338).

(6) قال فى أخبار مكة (2/ 202) الزنجى مسلم بن خالد، و سعيد بن سالم القداح و غيرهما.

(7) أخبار مكة للأزرقى (2/ 202)، و الجامع اللطيف (ص 338).

(8) أخبار مكة (2/ 202).

184

أهل المسجد- مسجد إبراهيم خليل الرحمن- فينكر ذلك، و يقول: هل‏ (1) هو مسجد إبراهيم القبيسى إنسان كان فى جبل أبى قبيس يسأل عنده‏ (2). انتهى. و من ذلك مسجد بقرب مسجد الخيف من جانبه يعرف بمسجد المرسلات، فيه نزل على النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) سورة المرسلات‏ (3)، و فيه غار و هو مشهور اليوم بمنى خلف مسجد الخيف، أسفل الجبل مما يلى اليمن، كذلك يأثره الخلف عن السلف‏ (4). و قد تقدم ذكره فى الكتاب المشهور. و من ذلك مسجد الجعرانة أحرم رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) من هنالك‏ (5). و تقدم ذكره فى الباب الرابع عشر من المناسك. و من ذلك مسجد يقال له: مسجد الفتح بقرب الجموم من وادى مر يقال: إن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) صلى فيه‏ (6)، و عمّر هذا المسجد أبو نمى صاحب مكة على ما ذكر، ثم السيد حناش بن راجح، و بيضه/ [91/ ب‏] فى عصرنا و رفع أبوابه السيد الشريف حسن ابن عجلان صاحب مكة، و ذكر الأزرقى فى تاريخه مساجد أخر غير معروفة الآن‏ (7) فاختصرناها.

و أما المواضع المباركة بمكة المعروفة بالمواليد: فاعلم أن هذه المواضع مساجد لكنها مشهورة عند الناس باسم المواليد فأفردت عن المساجد بالذكر لهذا المعنى، و منها: الموضع الذى يقال له: مولد النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو عند أهل مكة مشهور فى الموضع المعروف بسوق الليل. قال الأزرقى: البيت الذى ولد فيه رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) هو فى دار محمد بن يوسف، كان عقيل بن أبى طالب أخذه حين هاجر النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و فيه و فى غيره يقول النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) عام حجة الوداع «و هل ترك لنا عقيل من ظل؟» (8) فلم يزل بيده و بيد ولده حتى باعه ولده من‏

____________

(1) كذا فى الأصل، و الصواب «بل» كما فى أخبار مكة (2/ 202). و الله أعلم.

(2) أخبار مكة للأزرقى (2/ 202، 203)، و الجامع اللطيف (ص 332) و نقل عنه الأزرقى قوله لجده فى ذلك، و أجاب عنه جوابا شافيّا. فراجعه فإنه مفيد. و الله أعلم.

(3) أخرجه البخارى: كتاب جزاء الصيد- باب ما يقتل المحرم من الدواب ح (1830- فتح).

(4) راجع الجامع اللطيف (ص 335، 336).

(5) أخبار مكة للأزرقى (2/ 207)، و الجامع اللطيف (ص 337)، و الجعرانة: بكسر الجيم و إسكان العين و تخفيف الراء و فتحها، و قيل: بكسر الجيم و العين و فتح الراء المشددة لغتان حكاهما النووى فى تهذيب الأسماء و اللغات (3/ 58، 59).

(6) راجع الجامع اللطيف (ص 338).

(7) قد ذكر هذه المساجد ابن ظهيرة فى الجامع اللطيف (ص 338، 339).

(8) أخرجه البخارى: كتاب الحج- باب توريث دور مكة و بيعها و شرائها- ح (1588- فتح)، و مسلم: كتاب الحج- باب النزول بمكة للحاج و توريث دورها ح (1351) عن أسامة بن زيد، لكن بلفظ «رباع، دور، منزل». و الله أعلم.

185

محمد بن يوسف أخ الحجاج فأدخله فى داره التى يقال لها البيضاء ثم تعرف بدار ابن يوسف، فلم يزل ذلك البيت فى الدار حتى حجت الخيزران أم الخليفتين موسى الهادى و هارون الرشيد فجعلته مسجدا تصلى فيه و أخرجته من الدار، و أشرعته فى الزقاق الذى على أصل تلك الدار يقال له: زقاق المولد (1). قال الأزرقى: سمعت جدى و يوسف بن محمد يثبتان أمر المولد و أنه ذلك البيت لا اختلاف فيه عند أهل مكة، و عن سليمان بن أبى مرحب مولى بنى جشم‏ (2) قال: حدثنى ناس كانوا يسكنون ذلك البيت قبل أن تنزعه الخيزران من الدار ثم انتقلوا عنه حين جعل مسجدا، قالوا: لا و الله ما أصابنا فيه جائحة و لا حاجة فأخرجنا منه فاشتد الزمان علينا. رواه الأزرقى‏ (3). و موضع سقطه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فى هذا المسجد معروف حتى الآن، و هو موضع مثل التنور الصغير.

قال السهيلى: ولد بالشعب و قيل: بالدار/ [92/ أ] التى عند الصفا، و كانت بعد لمحمد بن يوسف أخ الحجاج ثم بنتها زبيدة مسجدا حين حجت‏ (4). انتهى. و هذا غريب و أغرب من هذا ما قيل: إن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) ولد بالردم. و قيل: بعسفان. ذكر هذين القولين مغلطاى فى سيرته‏ (5). و المراد بالردم: دور بنى جمح بمكة على ما ذكر البكرى، و ليس المراد منه الردم الذى بأعلى مكة؛ لأن ذلك لم يكن إلا فى خلافة عمر رضي اللّه عنه، و المعروف من موضع مولده (صلّى اللّه عليه و سلّم) ما سبق‏ (4). و ممن عمّر هذا البيت الذى ذكرناه أولا الناصر العباسى سنة ست و سبعين و خمسمائة، ثم المظفر صاحب اليمن فى سنة ست و ستين و ستمائة، ثم حفيده الملك المجاهد على بن المؤيد سنة أربعين و سبعمائة و بعد ذلك غير مرة.

و منها: الموضع الذى يقال له: مولد على بن أبى طالب رضي اللّه عنه و هذا الموضع مشهور عند الناس بقرب مولد النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) بأعلى الشعب الذى فيه المولد و لم يذكره الأزرقى، و ذكره ابن جبير. و على بابه حجر مكتوب فيه هذا مولد أمير المؤمنين على بن أبى طالب، و فيه ربى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)(6)، و فى الحجر مكتوب إن الناصر العباسى أمر بعمله فى سنة ثمان و ستمائة. و قيل: ولد على بن أبى طالب فى جوف الكعبة. و هذا ضعيف عند العلماء

____________

(1) أخبار مكة للأزرقى (2/ 198)، و الجامع اللطيف (ص 325، 326).

(2) كذا فى الأصل، و فى أخبار مكة للأزرقى (2/ 199) «خثيم». و الله أعلم.

(3) فى أخبار مكة (2/ 199)، و راجع الجامع اللطيف (ص 326).

(4) الروض الأنف (1/ 184)، و راجع الجامع اللطيف (ص 326).

(5) راجع الجامع اللطيف (ص 326، 327).

(6) راجع الجامع اللطيف (ص 328).

186

كما قاله النووى فى «تهذيب الأسماء» (1). و المعروف ما قدمناه. و فى هذا البيت موضع مثل التنور يقال: إنه مسقط رأس على بن أبى طالب‏ (2). قال سعد الدين الإسفرائينى فى كتاب «زبدة الأعمال»: و فى جداره فى الزاوية حجر مركب يقال: كان هذا الحجر يكلم النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم)(2) و منها: الموضع الذى يقال له: موضع حمزة بن عبد المطلب عم النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو بأسفل مكة بقرب باب الماجن/ [92/ ب‏] عند عين باذان‏ (3). و منها: الموضع الذى يقال له: مولد عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه فى الجبل الذى تسميه أهل مكة النوبى بأسفل مكة (4).

و منها: الموضع الذى يقال له: مولد جعفر بن أبى طالب فى الدار المعروفة بدار أبى سعيد عند دار العجلة، و على بابه حجر مكتوب فيه: هذا مولد جعفر الصادق و دخله النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم)(5)، و فيه أن بعض المجاورين عمره فى صفر سنه ثلاث و عشرين و ستمائة.

و أما الدور المباركة بمكة: فاعلم أن بمكة دورا مباركة معروفة عند الناس غالبها مساجد، و لكنها اشتهرت بالدور عند أهل مكة فلذلك أفردناها بالذكر عن المساجد.

منها: دار أم المؤمنين خديجة- رضى الله عنها- بالزقاق المعروف بزقاق الحجر، و يقال له قديما: زقاق العطارين كما ذكره الأزرقى‏ (6). و يقال لهذه الدار: مولد فاطمة- رضى الله عنها-؛ لأن فيها ولدت‏ (7). قال الأزرقى: كان يسكنها رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و خديجة، و فيها ابنتى بخديجة، و ولدت فيها أولادها جميعا، و فيها توفيت، فلم يزل النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) فيها ساكنا حتى خرج إلى المدينة مهاجرا، فأخذها عقيل بن أبى طالب، و اشتراها منه معاوية و هو خليفة فجعلها مسجدا يصلى فيه و بناها بناءها هذا، و فتح معاوية فيها بابا من دار أبى سفيان بن حرب و هو قائم إلى اليوم و هى الدار التى قال فيها رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «من دخل دار أبى سفيان فهو آمن» (8). قال الأزرقى: و فى بيت خديجة- رضى الله عنها-

____________

(1) (1/ 166) فى ترجمة حكيم بن حزام.

(2) راجع الجامع اللطيف (ص 328).

(3) راجع الجامع اللطيف (ص 328).

(4) المصدر السابق، و ذكر أنه: غار لطيف فى أعلى الجبل المجاور لضريح الشيخ عبد الكبير بن يس الحضرمى، و ذكر أن الفاسى قال: و لا أعلم فى ذلك شيئا يستأنس فيه ... إلخ. و الله أعلم.

(5) راجع الجامع اللطيف (ص 329).

(6) أخبار مكة للأزرقى (2/ 199) و ذكره محققه فى الهامش. فالله أعلم، و راجع الجامع اللطيف (ص 327).

(7) راجع الجامع اللطيف (ص 327، 329، 330).

(8) أخرجه مسلم: كتاب الجهاد و السير- باب فتح مكة ح (1780) عن أبى هريرة مرفوعا، و راجع أخبار مكة (2/ 199)، و الجامع اللطيف (ص 327).

187

هذا صفيحة من حجر مبنى عليها فى الجدر جدر البيت الذى يسكنه النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) قد اتخذ قدام الصفيحة مسجدا، و هذه الصفيحة مستقلة فى الجدر من الأرض قدر ما يجلس تحتها الرجل، و ذرعها ذراع فى ذراع و شبر (1). قال الأزرقى: سألت جدى/ [93/ أ] و يوسف ابن محمد و غيرهما من أهل العلم من أهل مكة عن هذه الصفيحة و لم جعلت هناك، و قلت لهم: إنى أسمع الناس يقولون: إن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان يجلس تحت تلك الصفيحة فيستدرى بها من الرمى بالحجارة إذا جاءه من دار أبى لهب و دار عدى بن أبى الحمراء الثقفى، فأنكروا ذلك و قالوا: لم نسمع بهذا من ثبت، و لقد سمعنا من يذكرها من أهل العلم فأصبح ما انتهى إلينا من خبر ذلك أن أهل مكة كانوا يتخذون فى بيوتهم صفائح من حجارة تكون شبه الرفاف، يوضع عليها المتاع و الشى‏ء من الصبى و الداجن يكون فى البيت، فقل بيت يخلو من تلك الرفاف‏ (2). انتهى. و غالب هذه الدار الآن على صفة المسجد و فيها قبة يقال لها: قبة الوحى. قال سعد الدين الإسفرائينى و فى هذه القبة حفرة عند الباب يقول: كان يجلس النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) فيها وقت نزول الوحى و جبريل- (عليه السلام)- يجلس فى محراب القبة. انتهى. و إلى جنبها موضع يزوره الناس معها يسمونه المختبئ‏ (3)، و يتصل بهذه القبة أيضا الموضع الذى ولدت فيه فاطمة- رضى الله عنها. قال سعد الدين الإسفرائينى: و فى بيت من بيوت هذه الدار حفرة مثل التنور يقولون: إنها مسقط رأس فاطمة- رضى الله عنها-. قال المحب الطبرى: هذه الدار أفضل الأماكن بعد المسجد الحرام‏ (4). و ممن عمرها الناصر العباسى، و عمّر منها شى‏ء فى دولة الملك الأشرف شعبان صاحب مصر، و فى أول دولة الملك الناصر فرج صاحب مصر، و مما عمّر فى دولته قبة الوحى بعد سقوطها، و يذكر أن القبة التى كانت قبل هذه القبة من عمارة الملك المظفر صاحب اليمن، و فى الرواق المقدم من هذه الدار مكتوب: إن المقتدر العباسى أمر بعمله، و إلى جانب هذه الدار حوش كبير عمره/ [93/ ب‏] الناصر العباسى، و وقفه على مصالح دار خديجة- رضى الله عنها- على ما هو موجود فى حجر مكتوب فيه ذلك على باب الحوش، و فيه أيضا إن هذا الموضع مربد فاطمة- رضى الله عنها. و منها: دار أبى بكر الصديق بزقاق الحجر و يقال له: زقاق المرفق أيضا، و هذه الدار معروفة مشهورة، و على‏

____________

(1) أخبار مكة (2/ 199).

(2) أخبار مكة (2/ 199، 200)، و الجامع اللطيف (ص 327، 328) مختصرا.

(3) راجع الجامع اللطيف (ص 327).

(4) راجع الجامع اللطيف (ص 328).

188

بابها حجر مكتوب فيه: إنها دار أبى بكر الصديق رضي اللّه عنه‏ (1) و إنها عمرت بأمر الأمير الكبير نور الدين عمر بن على بن رسول الملك المسعودى فى سنة ثلاث و عشرين و ستمائة، و يقابل هذه الدار حجر فى جدار يقال: إنه الذى كلم النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) على ما ذكره ابن رشيد بضم الراء- فى رحلته‏ (2) نقلا عن العلم أحمد بن أبى بكر بن خليل العسقلانى، عن عمه سليمان بن خليل، عن ابن أبى الصيف عن الميانشى عن كل من لقيه بمكة، و ذكر ذلك ابن جبير و الناس يتبركون بمسح هذا الحجر إلى الآن. و ذكر سعد الدين الإسفرائينى فى كتاب «زبدة الأعمال»: أن أهل مكة يمشون فى المواليد من دار خديجة إلى مسجد يقولون:

إنه كان دكان أبى بكر الصديق رضي اللّه عنه كان يبيع فيه الخز، و أسلم فيه على يده عثمان بن عفان و طلحة و الزبير و غيرهم من الصحابة قال و فى جدار هذا الدكان أثر مرفق رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) يروى: أنه جاء دكان أبى بكر ذات يوم و اتكئ على هذا الجدار و نادى بأبى بكر مرتين. قال: و فى هذا الزقاق حجر مركب على جدار يزوره الناس و يقولون: هذا الحجر سلم على رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) ليالى بعث‏ (3). انتهى. و روى الترمذى و مسلم أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: «إنى لأعرف حجرا بمكة كان يسلم على قبل أن ينزل على» (4). قال السهيلى فى «الروض الأنف»: و فى بعض المسندات زيادة أن هذا الحجر الذى كان يسلم/ [94/ أ] عليه هو الحجر الأسود. قال: و هذا التسليم الأظهر فيه أن يكون حقيقة، و أن يكون الله أنطقه إنطاقا كما خلق الحنين فى الجذع، و ليس من شرط الكلام الذى هو حرف و صوت الحياة و العلم و الإرادة؛ لأنه صوت كسائر الأصوات، و الصوت عرض فى قول الأكثرين، و لم يخالف فيه إلا النّظام فإنه زعم أنه جسم و جعله الأشعرى اصطكاكا فى الجواهر بعضها لبعض- فهو عنده من الأكوان‏ (5)- و قال أبو بكر بن الطيب: ليس الصوت نفس الاصطكاك و لكنه معنى زائد عليه‏ (6). قال السهيلى: و لو قدرنا الكلام صفة قائمة بنفس الحجر، و الصوت عبارة عنه، لم يكن بدّ من اشتراط الحياة و العلم مع الكلام، و الله أعلم أى ذلك كان، أكان كلاما مقرونا بحياة و علم، فيكون الحجر به مؤمنا، أم كان صوتا

____________

(1) راجع الجامع اللطيف (ص 329).

(2) مل‏ء العيبة (ص 130، 131).

(3) الجامع اللطيف (ص 329) مختصرا.

(4) أخرجه مسلم: كتاب الفضائل- باب فضل نسب النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و تسليم الحجر عليه قبل النبوة ح (2277)، و الترمذى: كتاب المناقب- باب فى آيات إثبات نبوة النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) ح (3624) عن جابر بن سمرة.

(5) ليست فى الروض الأنف.

(6) الروض الأنف (1/ 267).

189

مجردا غير مقرون بحياة؟ و فى كلا الوجهين هو علم من أعلام النبوة. و أما حنين الجذع فقد سمى حنينا، و حقيقة الحنين تقتضى شرط الحياة، و يحتمل تسليم الحجارة أن يكون مضافا فى الحقيقة إلى ملائكة يسكنون تلك الأماكن و يعمرونها فيكون مجازا من باب قوله:

وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ (1). و الأول أظهر (2). انتهى كلامه.

قال المحب الطبرى فى أحكامه فى ذكر تسليم الحجر و الشجر عليه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عن جابر بن سمرة رضي اللّه عنه قال: قال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «إنى لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علىّ قبل أن أبعث، و إنى لأعرفه الآن» (3). أخرجه مسلم و أبو حاتم، و أخرجه الترمذى و قال: «كان يسلم علىّ ليالى بعثت». و قال: حسن غريب‏ (4). و قال عياض: قيل: إنه الحجر الأسود.

قال المحب الطبرى: و الظاهر أنه غيره، فإن شأن الحجر الأسود عظيم، و لو كان إياه لذكر و لما أنكره، قال: و اليوم بمكة حجر عند أبنية تعرف بدكان أبى بكر، أخبرنا شيخنا/ [94/ ب‏] أبو الربيع سليمان بن خليل أن أكابر أشياخ أهل مكة أخبروا أنه الحجر الذى كان يسلم عليه (صلّى اللّه عليه و سلّم). انتهى كلام الطبرى.

و قال المرجانى فى «بهجة النفوس»: قيل: هو الحجر الأسود. و قيل: الحجر المستطيل بباب دار أبى سفيان بزقاق الحجر. قال: و هذا الحجر على الدار باق إلى اليوم.

انتهى. و هو كذلك باق إلى الآن. و منها: دار الأرقم بن أبى الأرقم المخزومى المعروفة بدار الخيزران التى عند الصفا، و المقصود من زيارتها مسجد مشهور فيها (5). ذكره الأزرقى و ذكر أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان مختفيا فيه، و أن فيه أسلم عمر بن الخطاب‏ (6).

و قال غيره: كان (صلّى اللّه عليه و سلّم) مستترا فيه فى بدء الإسلام، و كان به اجتماع من أسلم من الصحابة، و به أسلم عمر بن الخطاب و حمزة و غيرهما، و منه ظهر الإسلام و له أيضا فضل كثير (7)، قال [الأرقم‏] (8) المرجانى: و أرقم بن أبى الأرقم اشترى المهدى داره بسبعة عشر ألف درهم، و وهبها للخيزران أم الخليفتين الهادى و الرشيد.

____________

(1) سورة يوسف: الآية (82).

(2) الروض الأنف (1/ 267).

(3) تقدم تخريجه، و أخرجه أبو حاتم فى صحيحه ح (6482).

(4) راجع سنن الترمذى (5/ 293) و كذلك هو فى تحفة الأشراف (2/ 154).

(5) أخبار مكة للأزرقى (2/ 200)، و الجامع اللطيف (ص 330).

(6) أخبار مكة (2/ 200).

(7) راجع الجامع اللطيف (ص 330).

(8) كأنها مضروب عليها فى الأصل و الصواب حذفها. و الله أعلم.

190

قال سعد الدين الإسفرائينى: و المسجد الذى فى هذه الدار بنته جارية المهدى‏ (1)، و ممن عمر هذا المسجد الوزير الجواد ثم المستنصر العباسى، و عمر فى آخر القرن الثامن بعض المجاورات. و منها: دار العباس رضي اللّه عنه عم النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) التى بالمسعى المعظم، و هى الآن رباط يسكنه الفقراء (2). و من الدور المباركة بمكة رباط الموفق بأسفل مكة (3). و تقدم فى كتاب المناسك فى ذكر الأماكن المستجاب فيها الدعاء أنه يستجاب فيه الدعاء (4). و منها:

معبد الجنيد بلحف الجبل الذى يقال له: الأحمر أحد أخشبى مكة، و هو مشهور عند الناس‏ (5). و قال سعد الدين الإسفرائينى: إنه معبد الجنيد و معبد إبراهيم بن أدهم‏ (6).

و أما الجبال المباركة بمكة و حرمها: فمنها: الجبل المعروف بأبى قبيس، و هو الجبل المشرف على الصفا و هو أحد/ [95/ أ] أخشبى مكة، و الآخر الأحمر، و إنما سمى أبا قبيس لثلاثة أوجه؛ أحدهما: أنه سمى برجل من إياد يقال له: أبو قبيس بنى فيه فلما صعد البناء فيه سمى جبل أبى قبيس كذا ذكر الأزرقى‏ (7)، و قيل: إن هذا الجبل من مذحج ذكره ابن الجوزى. و الثانى: أن الحجر الأسود استودع فيه عام الطوفان، فلما بنى الخليل الكعبة نادى أبو قبيس: الركن منى بمكان كذا و كذا كما قدمناه. و الثالث: سمى بقبيس ابن سالح رجل من جرهم كان قد و شى بين عمرو بن مضاض و بين ابنة عمه ميّة، فنذرت أن لا تكلمه و كان شديد الكلف بها، فحلف ليقتلن قبيسا فهرب منه فى الجبل المعروف به و انقطع خبره، فإما مات فيه و إما تردى منه، و هو خبر طويل ذكره ابن هشام فى عبر السيرة. و صحح النووى فى «التهذيب» الوجه الأول، و قال: إن الوجه الثانى ضعيف أو غلط (8). و قال الأزرقى: الأول أشهر عند أهل مكة و كان يسمى فى الجاهلية الأمين؛ للمعنى الذى ذكرناه فى الوجه الثانى و هذا مما يقويه و يرجحه على الوجهين الأخيرين‏ (9).

____________

(1) راجع الجامع اللطيف (ص 330).

(2) راجع الجامع اللطيف (ص 330) و قال: و فى جدارها أحد الميلين الأخضرين اللذين يسن الجرى بينهما حالة السعى.

(3) راجع الجامع اللطيف (ص 330).

(4) نقله ابن ظهيرة (ص 330) عن الشيخ خليل المالكى و أنه كان يكثر إتيانه للدعاء. و الله أعلم.

(5) راجع الجامع اللطيف (ص 331) و قال الفاسى- (رحمه الله)-: و يقال له الآن قعيقعان و جبل أبى الحارث أيضا.

(6) نقله ابن ظهيرة (ص 331) عن جده. و الله أعلم.

(7) أخبار مكة (2/ 266، 267).

(8) تهذيب الأسماء و اللغات (3/ 108، 109).

(9) راجع أخبار مكة (2/ 266، 267)، و الجامع اللطيف (ص 340).

191

و الله أعلم. و عن مجاهد قال: أول جبل وضعه الله على الأرض حين مادت أبو قبيس ثم حدثت منه الجبال‏ (1) ذكره الأزرقى و الواحدى، و قبر آدم فيه على ما قال وهب بن منبه فى غار يقال له: غار الكنز و هو غير معروف الآن‏ (2). و قيل: إن قبره بمسجد الخيف بعد أن صلى عليه جبريل عند باب الكعبة حكاه الفاكهى عن عروة بن الزبير (3)، و ذكره ابن الجوزى فى «درياق القلوب» و قال: دفنته الملائكة به. و قيل: عند مسجد الخيف ذكره الذهبى، و فى منسك الفارسى. و قيل: عند منارة مسجده، و قيل: قبره فى الهند فى الموضع الذى أهبط إليه من الجنة و صححه الحافظ ابن كثير (4). و قال الأزرقى: إن قبر آدم و إبراهيم و إسحاق و يعقوب و يوسف فى بيت المقدس‏ (5). و قد تقدمت هذه الأقوال مع زيادة فوائد فى أوائل هذا/ [95/ ب‏] الباب. و فى أبى قبيس على ما قيل: قبر شيث بن آدم و أمه حواء (2) كذا ذكر الذهبى فى جزء ألفه فى تاريخ مدة آدم و بنيه؛ لأنه قال:

و دفن شيث مع أبويه فى غار أبى قبيس.

و تقدم فى باب الفضائل و غيره حديث الكتاب الموجود فى الركن و فيه: أن مكة لا تزول حتى يزول أخشباها. و تقدم فى أول الباب أن إبراهيم- (عليه السلام)- أذّن فى الناس بالحج على أبى قبيس على أحد الأقوال. و قال ابن النقاش فى «فهم المناسك»: من صعد فى كل جمعة إلى أبى قبيس رأى الحرم مثل الطير يزهر، و إن صعد إلى ثور أو حراء أو ثبير كان أثبت لنظره و مشاهدته، و خصوصا ليالى رجب و شعبان و رمضان و ليالى الأعياد. و جبال مكة تسمى جبال فاران كذا وجد فى الفصل العشرين من السفر الخامس عن موسى- (عليه السلام)- أن الرب جاء من طور سيناء و أشرق من «ساعين» (6) و استعلن من جبال فاران. فمجى‏ء الله من طور سيناء هو إنزاله التوراة على موسى، و إشراقه من «ساعين» (6) إنزاله الإنجيل على عيسى؛ لأنه كان يسكن فى «ساعين» (6) أرض الخليل فى قرية ناصرة، و استعلانه من جبال فاران إنزاله القرآن على محمد (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و فاران هى جبال مكة فى قول الجميع‏ (7).

____________

(1) أخبار مكة للأزرقى (2/ 267)، و الجامع اللطيف (ص 340) و نسبه كذلك لابن عباس.

و الله أعلم.

(2) راجع الجامع اللطيف (ص 340).

(3) راجع الجامع اللطيف (ص 340)، و أنه لحد فى مسجد الخيف راجع الفاكهى (4/ 271).

(4) راجع البداية و النهاية (1/ 92).

(5) أخبار مكة (1/ 73).

(6) كذا فى الأصل، و فى تفسير القرطبى (13/ 159) «ساعير» و هو الصواب. و الله أعلم.

(7) راجع تفسير القرطبى (13/ 159).

192

قال علماء التاريخ: جميع ما عرف فى الأرض من الجبال مائة و ثمانية و تسعون جبلا، من أعجبها سرنديب‏ (1)، و هو أقرب ذرا الأرض إلى السماء. و قيل: صخرة بيت المقدس أقرب ذرا الأرض من السماء بثمانية عشر ميلا حكاه القرطبى. و طول جبل سرنديب مائتان و نيّف و ستون ميلا، فيه أثر قدم آدم و عليه شبه البرق، لا يذهب شتاء و لا صيفا، و حوله الياقوت و فى واديه الماس، و فيه العود و الفلفل و دابة المسك وهر الزباد، و وادى سرنديب متصل إلى قرب سيلان. و جبل الردم الذى/ [96/ أ] فيه السد طوله سبعمائة فرسخ، و ينتهى إلى البحر المظلم‏ (2). و جبل قاف من زمردة خضراء محيط بالسموات و الأرض، و منه اخضرت السماء، دائر بالأرض من وراء البحر المحيط و السماء عليه مقببة، و ما أصاب الناس من زمرد كان مما تساقط من ذلك الجبل.

و قال وهب: أشرف ذو القرنين على جبل فرأى تحته جبالا صغارا فقال له: ما أنت. قال: أنا قاف. قال: فما هذه الجبال حولك؟ قال: هى عروقى و ما من مدينة إلا و فيها عرق من عروقى، فإذا أراد الله أن يزلزل مدينة أمرنى فحركت عرقى ذلك فتزلزل تلك الأرض. فقال: يا قاف أخبرنى بشى‏ء من عظمة الله تعالى. قال: إن شأن ربنا لعظيم، و إن ورائى أيضا مسيرة خمسمائة عام فى خمسمائة عام من جبال ثلج، يحطم بعضها بعضا لو لا هى لاحترقت من حر جهنم. قال المرجانى: و اسم جبل قاف «عيلهون». قال: و لأجل هذا الاسم منع استعمال تلك الحفيظة حكاه المازرى، قال:

و وراء قاف أرض بيضاء كافورية مثل الدنيا سبع مرات، و من خلفها السبعة الأبحر: أولها:

يبطس، الثانى: قيس، الثالث: الأصم، الرابع: المظلم، الخامس: مايس، السادس:

الساكن، السابع: الباكى و هى محيطة بعضها ببعض حكاه الكسائى.

قال وهب: خلقها الله فى اليوم الثالث. و عن أنس رضي اللّه عنه أن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: «لما تجلى الله لجبل طور سيناء تشظى منه شظايا، فنزلت بمكة ثلاثة؛ حراء و قديد و ثور، و بالمدينة أحد و عير و ورقان» (3). و عنه أيضا قال: «صار لعظمة الله ستة أجبل، فوقعت ثلاثة بالمدينة: أحد و ورقان و رضوى، و وقعت ثلاثة بمكة ثور و ثبير و حراء» (4). و قيل:

نزلت بمكة أربعة حراء و ثبير و ثور و قديد. انتهى.

____________

(1) المدهش (ص 58).

(2) راجع المدهش (ص 58)، و راجع معجم البلدان (3/ 215، 216).

(3) أخبار مكة للأزرقى (2/ 280، 281)، بإبدال «جبل قديد» بثبير. و الله أعلم.

(4) أورده فى الدر المنثور (3/ 119) و عزاه لأبى الشيخ، و ابن مردويه، و ابن أبى حاتم. اه و هو كذلك فى تفسير البغوى (2/ 197، 198)، و أورده ابن كثير فى تفسيره (الأعراف/ 143) عن ابن-

193

قال المرجانى: و لم نعلم أن بحرم مكة جبلا يقال له: قديدا، إنما قديد بينها و بينه مقدار أربعة أيام أو خمسة./ [96/ ب‏] و الطور اسم الجبل الذى كلم الله عليه موسى، و هو أحد جبال الجنة، و عن عمرو بن عوف قال: قال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «أربعة جبال من جبال، و أربعة أنهار من أنهار الجنة، و أربعة ملاحم من ملاحم الجنة». قيل: فما الأجبل؟ قال: «أحد جبل يحبنا و نحبه، و الطور من جبال الجنة، و لبنان من جبال الجنة- و خصيب من جبال الجنة و هو بالروحاء- و الأنهار: النيل و الفرات و سيحان و جيجان، و الملاحم: بدر و أحد و الخندق و خيبر» (1). قال: التوربشتى شارح المصابيح و فى قوله (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«أربعة أنهار من أنهار الجنة». الحديث و جهان؛ أحدهما: أن نقول: إنما جعل الأنهار الأربعة من أنهار الجنة؛ لما فيها من السلاسة و العذوبة و الهضم و تضمنها البركة الإلهية و تشرفها بورود الأنبياء إليها و شربهم منها، و ذلك مثل قوله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فى عجوة المدينة: «إنها من ثمار الجنة» (2). و الآخر: أن نقول: يحتمل أنه سمى الأنهار التى هى أصول أنهار الجنة بتلك الأسامى؛ ليعلم أنها فى الجنة بمثابة الأنهار الأربعة فى الدنيا، أو لأنها مسميات بتلك المسميات فوقع الاشتراك فيها. انتهى. و الطور هو الذى أقسم الله تعالى به بقوله:

وَ الطُّورِ وَ كِتابٍ مَسْطُورٍ (3). لفضله على الجبال إذ روى أن الله أوحى إلى الجبال أنى مهبط على أحدكم أمرى- يريد رسالة موسى- فتطاولت كلها إلا الطور فإنه استكان لأمر الله و قال: حسبى الله. فأهبط الله الأمر عليه ذكره ابن عطية. و روى أن‏

____________

- أبى حاتم بسنده، و قال: و هذا حديث غريب، بل منكر. اه.، و ذكره القرطبى فى تفسيره (17/ 58). و هو فى أخبار مكة للفاكهى (4/ 82)، و قال ابن الجوزى فى الموضوعات (1/ 120): حديث موضوع لا أصل له.

(1) أخرجه الطبرانى فى الكبير (17/ 18، 19)، و ليس فيه «و خصيب من جبال الجنة و هو بالروحاء»، و قال فى المجمع (4/ 14) و فيه كثير بن عبد الله و هو ضعيف. اه. و قال الحافظ فى التقريب ضعيف أفرط من نسبه إلى الكذب، اه. و سقط من المصنف قوله «الجنة» من قوله (صلّى اللّه عليه و سلّم) أربعة جبال من جبال ... إلخ و عند الطبرانى «و حنين» بدلا من «و خيبر».

(2) عن أبى هريرة مرفوعا: «الكمأة من المن و ماؤها شفاء للعين، و العجوة من الجنة، و هى شفاء من السم» أخرجه الترمذى: كتاب الطب- باب ما جاء فى الكمأة و العجوة ح (2068)، و النسائى فى الكبرى: الأطعمة- الكمأة (4/ 157)، و ابن ماجة: كتاب الطب- باب الكمأة و العجوة ح (3455)، و أحمد فى المسند (2/ 301، 305، 325، 356، 357، 421، 488، 490، 511) و قال الترمذى: حديث حسن. اه. و كذا هو فى تحفة الأشراف (13496) عنه، و جاءت بمعناه أحاديث أخرى عن جابر و أبى سعيد و رافع بن عمرو المزنى. و الله أعلم.

(3) سورة الطور: الآية (1).

194

الله تعالى أوحى إلى الجبال أن السفينة- أى سفينة نوح- ترسو على واحد منها فتطاولت، و بقى الجودى لم يتطاول تواضعا لله تعالى فاستوت السفينة عليه و بقيت عليه أعواده‏ (1). و قال مجاهد: تشامخت الجبال و تطاولت لئلا ينالها الغرق، فعلا الماء فوقها خمسة عشر ذراعا، و تواضع/ [97/ أ] الجودى فلم يغرق و رست السفينة عليه. و يقال:

إن الجودى من جبال الجنة فلهذا استوت عليه. و يقال: أكرم الله ثلاثة جبال بثلاثة نفر:

الجودى بنوح، و طور سيناء بموسى، و حراء بمحمد (صلّى اللّه عليه و سلّم) ذكره القرطبى‏ (2). و قال: لما تواضع الجودى و خضع عز، و لما ارتفع غيره و استعلا ذل، و هذه سنة الله فى خلقه يرفع من يخشع و يضع من ترفع. و لقد أحسن القائل:

و إذا تذللت الرقاب «تخضعا» (3)* * * منا إليك فعزّها فى ذلها

و من ذلك قصة «القصواء» (4) ناقة النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) التى كانت لا تسبق فسبقها قعود لأعرابى يوما، فقال (صلّى اللّه عليه و سلّم): «إن حقّا على الله أن لا يرفع شيئا فى الدنيا إلا وضعه» (5). انتهى. و بحرم مكة اثنا عشر ألف جبل ذكره الأزرقى فى الجبال، و فى أبى قبيس انشق القمر للنبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) كما ذكره الحافظ قطب الدين الحلبى‏ (6)؛ لأنه قال: كان يرى نصفه على قعيقعان و نصفه الآخر على أبى قبيس. و ذكر القطب أن أبا نعيم الحافظ روى بسنده إلى ابن عباس أن ذلك- يعنى انشقاق القمر- ليلة أربع عشرة فانشق القمر نصفين نصفا على الصفا و نصفا على المروة. انتهى. و الصفا محسوب من أبى قبيس على ما ذكره العلماء فلا يضاد ما ذكره القطب من أن نصف القمر على أبى قبيس. و ذكر القرطبى فى ذلك خبرا و قال:

اجتمع المشركون إلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و قالوا: إن كنت صادقا فاشقق لنا القمر فرقتين؛ نصف على أبى قبيس و نصف على قعيقعان. فقال لهم رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «إن فعلت تؤمنون بى». قالوا: نعم. و كانت تلك ليلة بدر فسأل رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) ربه أن يعطيه ما قالوا، فانشق القمر فرقتين و رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) ينادى المشركين: «يا فلان يا فلان/ [97/ ب‏] اشهدوا» (7). و أماكون الانشقاق وقع فى أبى قبيس فى الموضع الذى يقوله الناس‏

____________

(1) راجع تفسير القرطبى (9/ 41).

(2) فى تفسيره (9/ 41، 42).

(3) و عند القرطبى «تخشعا» و هى بمعناها. و الله أعلم.

(4) عند البخارى «العضباء» و كذا هى فى تفسير القرطبى. و الله أعلم.

(5) أخرجه البخارى: كتاب الرقاق- باب التواضع ح (6501- فتح) عن أنس بن مالك.

(6) راجع الجامع اللطيف (ص 341).

(7) راجع البداية و النهاية (3/ 117)، و أورده عن أبى نعيم بسنده، و عزاه فى الدر المنثور (6/ 133) إلى أبى نعيم فى الحلية، و القرطبى (17/ 127) عن ابن عباس.

195

اليوم فلم أر ما يدل على ذلك، و قد اختلفت الأحاديث فى موضع انشقاق القمر، ففى مسند عبد حميد و الترمذى عن أنس أنه وقع بمكة (1). و فى صحيح مسلم حديث ابن مسعود أنه وقع بمنى‏ (2). و فى تفسير ابن عطية: قال ابن مسعود: رأيته انشق فذهب فرقة وراء جبل حراء. و قد تقدم فى الأماكن المستجاب فيها الدعاء أن الدعاء يستجاب فى أبى قبيس‏ (3)، و من عجائبه ما ذكر القزوينى فى كتابه «عجائب المخلوقات»: من أنه يزعم الناس أن من أكل عليه الرأس المشوى يأمن أوجاع الرأس، قال: و كثير من الناس يفعل ذلك‏ (4). انتهى.

قال قوام الدين فى «التبيين» شرح الأخسبكتى فى باب حروف المعانى: لما ذكر عن الشافعى رضي اللّه عنه أن الواو للترتيب، و قال: قد أنكر عليه أصحابه فى هذا؛ لأنه قول لم يقل به أحد لمخالفته لموضوع اللغة، ثم قال قوام الدين: و العجب من الغزالى حيث قرع صفات الحسن البصرى و طعن على مالك و شنع على أبى حنيفة فى آخر منخوله‏ (5) فقال:

و أما أبو حنيفة فلم يكن مجتهدا، لأنه لا يعرف اللغة و عليه يدل قوله: لو رماه بأبو قبيس.

ثم غفل عن سهو إمامه و لقد صدقوا فى قولهم: حبك للشى‏ء يعمى و يصم. و الجواب عنه من وجوه:

أحدها: إنا نقول: لا نسلم أن أبا حنيفة تكلم بهذه الكلمة أصلا و ما ذاك إلا افتراء عليه، فأى مسألة تعلقت بها و أى كتاب من كتب أصحابه حواها، و أى دليل دل عليها، و الله و الله إن بعض الظن إثم.

و الثانى: فرضنا أنه تكلم بمثل هذه الكلمة لكن لا نسلم أنه أخطأ؛ لأنه يجوز بطريق الحكاية مثل هذا لقوله:

وجدنا فى كتاب بنى تميم‏* * * أحقّ الخيل بالركض المعار

____________

(1) عن أنس قال: «إن أهل مكة سألوا رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) أن يريهم آية فأراهم انشقاق القمر». أخرجه البخارى: كتاب المناقب- باب سؤال المشركين أن يريهم النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) آية ح (3637- فتح)، و مسلم: كتاب صفات المنافقين و أحكامهم- باب انشقاق القمر ح (2802)، و عبد بن حميد ح (1184)، و الترمذى: كتاب التفسير- باب من سورة القمر ح (3286).

(2) أخرجه مسلم: كتاب صفات المنافقين- باب انشقاق القمر- ح (2800).

(3) راجع الجامع اللطيف (ص 340)، و ذكره الفاكهى و استشهد لذلك بحكاية الوفد الذين استسقوا فيه فأجيب لهم و سقوا.

(4) بهامش «حياة الحيوان» للدميرى (1/ 232).

(5) قال الذهبى فى سير أعلام النبلاء (19/ 344): و فى أواخر «المنخول» للغزالى كلام فج فى إمام لا أرى نقله هنا. اه.

196

برفع القاف و الراء. و كقولهم: قرأت‏ سُورَةٌ أَنْزَلْناها (1). بضم سورة.

و قولهم: بدأت بالحمد لله. بضم الدال،/ [98/ أ] و لا تنكر الحكاية، و هو أن ينقل القول على ما كان إلا من لا يمس بعلم الإعراب أو من له مس من الجنون، و الجنون فنون.

و الثالث: فرضنا أنه أخطأ كما زعم هذا القائل، لكن لا نسلم أن الشخص لا يكون مجتهدا إذا أخطأ فى شى‏ء؛ لأن القول بإصابة كل مجتهد ليس بمذهب المسلمين، بل المجتهد يجوز له الخطأ و الصواب؛ لأنه ليس بمعصوم، ثم نقول: هلا أورد الغزالى فى كتابه ما أخذ أهل اللغة على إمامه فى أشياء من الغلط!.

الأول: قوله فى «أحكام القرآن»: ذلِكَ أَدْنى‏ أَلَّا تَعُولُوا (2). أى: لا تكثر عيالكم، و إنما معناه لا تميلوا، و الثانى: قوله فى كتابه هذا: إن الواو للترتيب، و إنما هى لمطلق الجمع. و الثالث: قوله فى كتابه: ماء مالح، و إنما هو ماء ملح؛ لقوله تعالى:

مِلْحٌ أُجاجٌ‏ (3). و الرابع قوله: إذا أشلى كلبه- يريد به أغراه- و إنما يقال: أشلاه إذا استدعاه. و الخامس: الغرم الهلاك، و إنما الغرم اللزوم إلى غير ذلك‏ (4).

ثم الغزالى شنع فى كتابه «المنخول» فى أشياء من غير حجة على دعواه و لا دليل على ما خيل له، و الله إنا كنا نعتقده غاية الاعتقاد لأجل ما جمع فى «إحيائه» من كلمات المشايخ بالنظر إلى الظاهر، ثم لما رأينا طعنه على الكبار بلا إقامة برهان حصل بنا منه ما حصل، و لقد صدقوا فى قولهم: تسمع بالمعيدى خير من أن تراه. اللهم ارزقنا الصدق و الوفاء و لا تجعل فى قلوبنا غلّا للذين آمنوا و هيئ لنا من أمرنا رشدا. انتهى كلام قوام الدين و هذا لفظه.

و منها: جبل حراء بأعلى مكة و هو ممدود، و منهم من يذهب فيه إلى التذكير فيصرفه، و منهم من يذهب فيه إلى التأنيث فيمنعه الصرف‏ (5). و هذا الجبل من مكة على ثلاثة أميال كما ذكره صاحب المطالع و غيره، و هو مقابل لثبير و الوادى بينهما، و هما على يسار السالك إلى منى، و حراء قبلى ثبير مما يلى شمال الشمس، و أما ثور فمن جهة

____________

(1) سورة النور: الآية (1).

(2) سورة النساء: الآية (3).

(3) سورة الفرقان: الآية (53)، و سورة فاطر: الآية (12).

(4) قد تولى الرد على هذه المزاعم الإمام فخر الدين الرازى فى كتابه «مناقب الشافعى» فراجعه فإنه مفيد. و الله أعلم.

(5) راجع الجامع اللطيف (ص 341، 342).

197

الجنوب من على/ [98/ ب‏] يمين الشمس، «و يسمى هذا الجبل بعضهم جبل النور، و لعمرى إنه كذلك لكثرة مجاورة النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و تعبده فيه، و ما خصه الله فيه من الكرامة بالرسالة إليه و نزول الوحى فيه عليه، و ذلك فى غار فى أعلاه مشهور يأثره الخلف عن السلف- رحمهم الله- و يقصدونه بالزيارة» (1)، و أما ما ذكر الأزرقى فى تاريخه‏ (2) فى ذكر الجبال: من أن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) أتى هذا الجبل و اختبئ فيه من المشركين فى غار فى رأسه مشرف مما يلى القبلة. فقال بعض من عاصرناه: إن هذا ليس بمعروف، و المعروف أن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) لم يختبئ من المشركين إلا فى غار ثور بأسفل مكة (3). انتهى.

و يؤيد ما ذكره الأزرقى ما قاله القاضى عياض ثم السهيلى فى «الروض الأنف» (4):

أن قريشا حين طلبوا رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان على ثبير فقال له ثبير و هو على ظهره: اهبط عنى يا رسول الله، فإنى أخاف أن تقتل على ظهرى فيعذبنى الله، فناداه حراء إلىّ يا رسول الله. فيحتمل أن يكون النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) اختبئ فيه من المشركين فى واقعة ثم اختفى فى ثور فى واقعة أخرى و هى خبر الهجرة.

و قال السهيلى فى حديث الهجرة: و أحسب فى الحديث أن ثورا ناداه أيضا لما قال له ثبير: اهبط عنى. و هذا الغار الذى فى الجبل مشهور بالخير و البركة؛ لحديث بدء الوحى الثابت فى الصحيحين‏ (5)، و أورد ابن أبى جمرة سؤالا و هو: أنه لم اختص (صلّى اللّه عليه و سلّم) بغار حراء فكان يخلو فيه و يتحنث دون غيره من المواضع و لم يبدله فى طول تحنثه؟ و أجاب عن ذلك بأن هذا الغار له فضل زائد على غيره من قبل أن يكون فيه منزويا مجموعا لتحنثه و هو يبصر بيت ربه و النظر إلى البيت عبادة، فكان له اجتماع ثلاث عبادات و هى الخلوة و التحنث و النظر إلى البيت، و جمع هذه الثلاث أولى من الاقتصار على بعضها/ [99/ أ] دون بعض، و غيره من الأماكن ليس فيه ذلك المعنى، فجمع له (صلّى اللّه عليه و سلّم) فى المبادى كل حسن بادى‏ (6). انتهى. و عن ابن أبى مليكة قال: جاءت خديجة إلى النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) بحيس و هو بحراء فجاءه جبريل فقال: يا محمد هذه خديجة قد جاءتك تحمل حيسا معها و الله يأمرك أن تقرئها السلام و تبشرها ببيت فى الجنة من قصب لا صخب فيه و لا نصب، فلما أن رقت‏

____________

(1) راجع الجامع اللطيف (ص 342).

(2) أخبار مكة (2/ 288).

(3) راجع الجامع اللطيف (ص 342).

(4) راجع (1/ 268)، و الجامع اللطيف (ص 342).

(5) أخرجه البخارى ح (3)، و مسلم ح (160) عن عائشة.

(6) راجع الجامع اللطيف (ص 342) و أضاف أن هذا الجبل كان يختلى فيه أجداده (صلّى اللّه عليه و سلّم)، ثم ذكر أن هذا أحسن ما قيل. و الله أعلم.

198

خديجة قال لها النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم): «يا خديجة إن جبريل جاءنى و الله يقرئك السلام، و يبشرك ببيت فى الجنة من قصب لا صخب فيه و لا نصب». فقالت خديجة: الله السلام و من الله السلام و على جبريل السلام‏ (1). رواه الأزرقى. و ذكر المرجانى فى «بهجة النفوس» عجيبة قال: خرجت فى بعض الأيام إلى زيارة حراء و كان يوم السبت الثانى من جمادى الأولى سنة ثلاث و خمسين و سبعمائة، و كان يوم غيم فلما كان بعد الظهر سمعت لبعض تلك الأحجار فيه أصواتا عجيبة فرفعت حجرين منها فى كل كف حجر، فكنت أحد رعدة الحجر فى يدى و هو يصيح، ثم إنى رفعت يدى فصاحت كل واحدة من أصابعى أيضا و كان محل الصياح قامة من الأرض فما كان على سمتها صاح و ما كان أرفع من ذلك أو أخفض لم يتكلم فعلمت أن ذلك تسبيح فدعوت الله تعالى بما تيسر فلما طلعت الشمس سكت فقست الشمس فوجدت ظل كل شى‏ء مثله و مثل ربعه فقدرته بعد ذلك بالإسطرلان فكانت تلك هى الساعة العاشرة و كان صوت الحجر يسمع من مدى مائة خطوة قال: فذكرت ما رأيته لوالدى- (رحمه الله)- فقال: و أنا جرى لى بحراء شبه ذلك و ذلك أنا كنا جماعة بائتين به و كانت ليلة غيم فقمت فى أثناء الليل و إذا بإبريق للفقراء و شبه النار خارج منه و قد أضاء/ [99/ ب‏] المكان من ذلك قال: فأيقظت الجماعة و كنت أفتح كفى فيبقى على رأس كل إصبع شعلة نار مثل الشمع قال: فوضعت عمامتى على عكاز و رفعته فأشعل كالشعل فذكرنا ذلك لبعض الصالحين فقال: مرت بكم سحابة السكون قال المرجانى: و الصفتان واحدة إلا أنى رأيت ذلك نهارا فكان ضوءا و هم رأوه ليلا فكان نورا قال: ثم إنى صعدت الجبل أيضا يوم السبت الثامن عشر من شوال سنة أربع و خمسين و سبعمائة و كان معى جماعة منهم [به‏] (2) فاتفق لى مثل ذلك ورآه الجماعة قال المرجانى: و حدثنى والدى عن بعض من أدركه من كبراء وقته أنه كان يصعد معه إلى حراء فى كل عام مرة فيلتقط ذلك الشخص من بعض الحجارة قال: فسألته عن ذلك فقال: أخرج منها نفقتى [به‏] (2) العام ذهبا إبريزا. انتهى كلام المرجانى و له شعر أنشده فى فضائل حراء و ما اختص به من الكرامات و هو:

تأمل حراء فى جمال محياه‏* * * فكم من أناس فى حلا حسنه تاهوا

____________

(1) أخبار مكة للأزرقى (2/ 204)، و عن أبى هريرة بنحوه، أخرجه البخارى: كتاب مناقب الأنصار- باب تزوج النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) خديجة و فضلها- رضى الله عنها- ح (3820- فتح)، و مسلم: كتاب فضائل الصحابة- باب فضائل خديجة أم المؤمنين- رضى الله تعالى عنها- ح (2432).

و القصب: اللؤلؤ المجوف، و الصخب: الصوت المختلط المرتفع، و النصب: المشقة و التعب.

(2) لعلها هكذا فى الأصل. و الله أعلم.

199

فمما حوى من هجا لعلياه زيرا* * * يفرّج عنه الهم فى حال مرقاه‏

به خلوة الهادى الشفيع محمد* * * و فيه له غار له كان يرقاه‏

و قبلته للقدس كانت بغاره‏* * * و فيه أتاه الوحى فى حال مبداه‏

و فيه تجلى الروح بالموقف الذى‏* * * به الله فى وقت البداءة سوّاه‏

و تحت تخوم الأرض فى السبع أصله‏* * * و من بعد هذا اهتز بالسفل أعلاه‏

و لما تجلى الله قدس ذكره‏* * * لطور تشظى فهو إحدى شظاياه‏

و منها ثبير ثم ثور بمكة* * * كذا قد أتى فى نقل تاريخ مبداه‏

و فى طيبة أيضا ثلاثا نعدها* * * فعيرا و ورقانا و أحدا رويناه‏

و يقبل فيه ساعة الظهر من دعا* * * به و ينادى من دعانا أجبناه‏

و فى أحد الأقوال فى عقبت حرا* * * أتى ثم قابيل لهابيل غشاه‏

و مما حوى سرّا حوته صخوره‏* * * من التبر إكسيرا يقام سمعنها/ [100/ أ]

سمعت به تسبيحها غير مرة* * * و أسمعته جمعا فقالوا سمعناه‏

به مركز النور الإلهى مثبتا* * * فلله ما أحلى مقاما بأعلاه‏

قيل: كان (صلّى اللّه عليه و سلّم) يصلى فيه إلى القدس و قيل: إنما كان يصلى ذلك الوقت إلى الكعبة ثم انتقل إلى بيت المقدس ثم بعد ذلك تحول إلى الكعبة قالوا: و فى حراء رأى النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) جبريل فى الخلقة الأولى له ستمائة جناح قد سد الأفق. و منها جبل ثور بأسفل مكة و سماه البكرى أبا ثور و المعروف فيه ثور كما ذكره الأزرقى‏ (1) و المحب الطبرى و هو من مكة على ثلاثة أميال كما ذكره ابن الحاج و ابن جبير و قال البكرى: إنه على ميلين من مكة و إن ارتفاعه نحو ميل‏ (2). قال المرجانى: و سمى الجبل ثورا و إنما اسمه المحل سمى بثور بن مناة بن طائخة؛ لأنه كان ينزله. و صح أن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أبا بكر الصديق اختليا فيه فى غار به و هو مشهور يأثره الخلف عن السلف، و هو الذى ذكره الله سبحانه فى القرآن فى قوله:

ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ (3) و فى حديث الهجرة (4) أن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أبا بكر لحقا بغار فى جبل ثور بأسفل مكة فدخلاه و أمر أبو بكر رضي اللّه عنه ابنه عبد الله أن يتسمع لهما ما يقول‏

____________

(1) أخبار مكة (2/ 294).

(2) راجع الجامع اللطيف (ص 343).

(3) سورة التوبة: الآية (40).

(4) ممن أخرج حديث الهجرة بنحو ما ذكره المصنف، البخارى: كتاب الإجارة- باب استئجار المشركين عند الضرورة ... إلخ ح (2263- فتح) و راجع أطرافه- ح (472) عن عائشة- رضى الله عنها-.

200

الناس فيهما نهاره ثم يأتيهما إذا أمسى بما يكون فى ذلك اليوم من الخبر و أمر عامر ابن فهيرة مولاه أن يرعى غنمه نهاره ثم يريحها عليهما إذا أمسى فى الغار و كانت أسماء بنت أبى بكر تأتيهما من الطعام بما يصلبهما فأقام رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فى الغار ثلاثا و معه أبو بكر و جعلت قريش فيه حين فقدوه مائة ناقة لمن رده عليهم و كان عبد الله بن أبى بكر يكون فى قريش و معهم يتسمع ما يقولون فى شأن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أبى بكر ثم يأتيهما إذا أمسى و يخبرهما الخبر و كان عامر ابن فهيرة مولى أبى بكر يرعى فى رعيان أهل مكة فإذا أمسى أراح عليهما/ [100/ ب‏] غنم أبى بكر فاحتلبا و ذبحا فإذا غدا عبد الله بن أبى بكر من عندهما إلى مكة اتبع عامر ابن فهيرة أثره بالغنم حتى يعمى عليهم حتى إذا مضت الثلاث و سكن عنهم الناس أتاهما صاحبهما الذى استأجراه بعيرهما و أتتهما أسماء بنت أبى بكر بسفرتهما و ارتجلا الحديث بطوله، و فى رواية: لما دخلا غار ثور أمر الله العنكبوت فنسجت على بابه و الراءة (1) فنبتت‏ (2) و حمامتين و حشيتين فغشيتا على بابه فأقاما فى الغار بضعة عشر يوما ثم خرج منه ليلة الاثنين لأربع ليال خلون من شهر ربيع الأول على ناقته الجذعاء.

قالت أسماء: فمكثنا ثلاثا لا ندرى أين وجه النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) حتى أنشد رجل من الجن من أسفل مكة أبياتا من الشعر و أن الناس يتبعونه يسمعون صوته و ما يرونه حتى خرج من أعلى مكة.

و يروى أن أبا بكر لما خرج مع رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) متوجها إلى الغار جعل يمشى طورا أمامه و طورا خلفه و طورا عن يمينه و طورا عن شماله قال: «ما هذا يا أبا بكر؟» قال: يا رسول الله بأبى أنت و أمى أذكر الرصد فأحب أن أكون أمامك و أتخوف الطلب فأحب أن أكون خلفك و أحفظ الطريق يمينا و شمالا فقال: «لا بأس عليك يا أبا بكر إن الله معنا» قال: و كان رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) غير مخصر القدم يطأ بجميع قدمه الأرض و كان حافيا فحفى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فحمل رسول الله أبو بكر على كاهله حتى انتهى إلى الغار فلما وضعه ذهب النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) ليدخل فقال أبو بكر: و الذى بعثك بالحق لا تدخل حتى أدخل فأسبره قبلك فدخل رضي اللّه عنه فجعل يلتمس بيده فى ظلمة الليل الغار مخافة أن يكون فيه شى‏ء يؤذى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فلما لم ير شيئا دخل رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فكانا فيه، فلما/ [101/ أ]

____________

(1) قال قاسم: هى شجرة معروفة، و قال أبو حنيفة: من أغلاف الشجر، و تكون مثل قامة الإنسان، و لها خيطان و زهر أبيض تحشى به المخاد، فيكون كالريش لخفته و لينه، لأنه كالقطن. و راجع الروض الأنف (2/ 232).

(2) ذكر هذه الرواية قاسم بن ثابت فى الدلائل. راجع الروض الأنف (2/ 231، 232).