تاريخ مكة المشرفة والمسجد الحرام والمدينة الشريفة والقبر الشريف‏ - ج1

- محمد بن أحمد ابن ضياء المزيد...
413 /
201

استقر بعض الإسفار رأى أبو بكر خرقا فى الغار فألقمه قدمه حتى الصباح مخافة أن يخرج منه هامة أو ما يؤذى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)(1).

و عن مجاهد عن ابن عباس قال: كان أبو بكر رضي اللّه عنه مع رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فى الغار فعطش أبو بكر عطشا شديدا فشكى إلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) ذلك فقال له رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«اذهب إلى صدر الغار فاشرب» قال أبو بكر: فانطلقت إلى صدر الغار فشربت ماء أحلى من العسل و أبيض من اللبن و أزكى رائحة من المسك ثم عدت إلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال:

شربت؟ فقلت: شربت يا رسول الله فقال: «ألا أبشرك؟» فقلت: بلى فداك أبى و أمى يا رسول الله قال (صلّى اللّه عليه و سلّم): «إن الله أمر الملك الموكل بأنهار الجنان أن اخرق نهرا من جنة الفردوس إلى صدر الغار ليشرب أبو بكر» قال أبو بكر رضي اللّه عنه: ولى عند الله هذه المنزلة؟ قال (صلّى اللّه عليه و سلّم): «نعم و أفضل و الذى بعثنى بالحق نبيّا لا يدخل الجنة مبغضك و لو كان له عمل سبعين نبيّا» (2). و فى الصحيحين و الترمذى عن أبى بكر رضي اللّه عنه قال: نظرت إلى أقدام المشركين و نحن فى الغار و هم على رؤوسنا فقلت:

يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى قدمه أبصرنا تحت قدميه فقال: «يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما» (3) و عن طلحة البصرى قال: قال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «لبثت مع صاحبى- يعنى أبا بكر رضي اللّه عنه- فى الغار بضعة عشر يوما

____________

(1) أخرجه البيهقى فى دلائل النبوة (2/ 476، 477)، و عزاه فى الدر المنثور (3/ 241) للبيهقى و ابن عساكر، و هو فى الإحياء (2/ 345) و قال العراقى فى تخريجه: بإسناد ضعيف، و قصة الهجرة رواها البخارى من حديث عائشة بغير هذا السياق، و اتفق عليها الشيخان من حديث أبى بكر بلفظ آخر، و لهما من حديثه قال: قلت يا رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) لو أن أحدهم نظر إلى قدميه أبصرنا تحت قدميه فقال: يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما، و أما قتاله لأهل الردة ففى الصحيحين من حديث أبى هريرة: لما توفى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و استخلف أبو بكر و كفر من كفر من العرب قال عمر لأبى بكر كيف تقاتل الناس .. اه، و أما حديث سد الخرق بقدمه فأخرجه أبو نعيم فى الحلية (1/ 33)، و عزاه السيوطى فى الدر (3/ 242) إلى ابن مردويه عن أنس، و الحديث الذى ذكره المصنف من رواية ضبة بن محصن العنزى عن عمر فى قصة، و هو من مرسل ابن أبى مليكة عند أبى القاسم البغوى كما أفاده الحافظ فى الفتح (7/ 279). و الله أعلم.

(2) فى الدر المنثور (3/ 242، 243) و قال أخرجه ابن عساكر فى تاريخه بسند واه عن ابن عباس و ذكره بنحوه.

(3) أخرجه البخارى: كتاب فضائل الصحابة- باب مناقب المهاجرين .. ح (3653- فتح)، و مسلم: كتاب فضائل الصحابة- باب من فضائل أبى بكر الصديق رضى الله عنه ح (2381)، و الترمذى: كتاب تفسير القرآن- باب من سورة التوبة ح (3096) عن أنس أن أبا بكر حدثه.

202

و مالنا طعام إلا ثمر البرير» (1) قال أبو داود (2): البرير الأراك.

و قد ثبت فى صحيح البخارى‏ (3) أنهما مكثا فى الغار ثلاثا و هذا القول هو الراجح لإجماع أهل التاريخ عليه و يحتمل أن يكون كلا القولين صحيحا و وجه الجمع أنهما مكثا فى الغار ثلاثا و يكون معنى الحديث: مكثت مع صاحبى مختفيين من المشركين فى الطريق و الغار بضعة عشر يوما و يروى أن الله تعالى أمر شجرة ليلة/ [101/ ب‏] الغار فثبتت فى وجه النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) فسترته و أمر الله تعالى حمامتين و حشيتين فوقعتا بفم الغار و أقبل فتيان قريش من كل بطن رجل بعصيهم «و هراوتهم» (4) و سيوفهم حتى إذا كانوا من النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) بقدر أربعين ذراعا تعجل رجل منهم لينظر فى الغار فرأى الحمامتين بفم الغار فرجع إلى أصحابه فقالوا له: لم تنظر فى الغار؟ فقال: رأيت حمامتين بفم الغار فعلمت أنه ليس فيه أحد فسمع النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) ما قال فعلم أن الله تعالى قد درء عنه بهما فدعا لهما و سمت عليهما و فرض «أجزاءهما» (5) و انحدرا فى الحرم‏ (6) رواه أبو مصعب المكى. و عن ابن عباس قال: استأجر المشركون رجلا يقال له: كرز بن علقمة الخزاعى فقفا لهم الأثر حتى أتى بهم إلى ثور و هو بأسفل مكة فقال: انتهى إلى هاهنا أثره فما أدرى أخذ يمينا أم شمالا أم صعد الجبل‏

____________

(1) أخرجه أحمد فى المسند (3/ 487)، عن طلحة و ليس هو طلحة بن عبيد الله، و الحاكم فى المستدرك (3/ 14، 15) عن طلحة البصرى، و قال: صحيح الإسناد و لم يخرجاه. اه. قال الذهبى: صحيح سمعه جماعة من داود و هو فى مسند أحمد. اه. و فى المستدرك كذلك (4/ 548، 549) عن طلحة النضرى، و قال فيه مثلما قال فى الموضع السابق، و قال الحافظ فى الفتح (7/ 279): لم يقع فى رواية أحمد ذكر الغار، و هى زيادة فى الخبر من بعض رواته، و لا يصح حمله على حالة الهجرة لما فى الصحيح ... إلخ.

(2) كذا فى الأصل، و الصواب «داود» و ذلك لأن داود بن هند سأل أبا حرب بن الأسود الراوى عن طلحة، عن معنى البرير فأجابه أبو حرب، كذا وقع عند الحاكم فى روايته. و الله أعلم.

(3) أخرجه البخارى: كتاب الإجارة- باب استئجار المشركين عند الضرورة ح (2263- فتح) عن عائشة، و فيه أنهما واعده- أى الدليل صبيحة ليال ثلاث. و الله أعلم.

(4) كذا فى الأصل، و فى الرواية «هراواتهم». و الله أعلم.

(5) كذا فى الأصل، و الصواب «جزاءهما» كما فى الرواية. و الله أعلم.

(6) عزاه فى الدر المنثور (3/ 242) إلى ابن سعد و ابن مردويه عن ابن مصعب قال: أدركت أنس بن مالك و زيد بن أرقم و المغيرة بن شعبة فسمعتهم يتحدثون. و ذكره ابن سعد فى الطبقات (1/ 228، 229)، و أخرجه البزار ح (1741- كشف) و قال البزار: لا نعلم رواه إلا عون ابن عمير، و هو بصرى مشهور، و أبو مصعب فلا نعلم حدث عنه إلا عوين، و كان عوين و رباح أخوين. اه.

203

فلما انتهوا إلى فم الغار قال قائل منهم: ادخلوا الغار فقال أمية بن خلف: ما أربكم إلى الغار إن عليه لعنكبوتا كان قبل ميلاد محمد (صلّى اللّه عليه و سلّم) ثم جاء فبال فى صدر الغار حتى سال بوله بين يدى النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أبى بكر، فنهى النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) عن قتل العنكبوت و قال: «إنها لخيل من جنود الله تعالى» (1) رواه عبد الملك بن محمد النيسابورى فى كتاب «شرف المصطفى».

و عن إبراهيم التيمى قال: لما دخل النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) الغار دعا شجرة كانت على باب الغار فقال لها: ائتنى فأقبلت حتى وقفت على باب الغار قال: و كان الذى بال مستقبل الغار عطية بن أبى معيط. و فى كتاب «الدلائل» للسيرقسطى: لما دخل رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) الغار أنبت الله تعالى على بابه الراءة و هى شجرة معروفة، قال أبو حنيفة: هى من أغلاف الشجر و تكون مثل قامة الإنسان و لها زهر أبيض يحشى منه المخاد و قيل: هى شجرة أم غيلان و فى مسند البزار (2) أن الله تعالى/ [102/ أ] أرسل حمامتين و حشيتين فوقعتا على وجه الغار و أن نسل حمام الحرم من نسل تلك الحمامتين. ذكره السهيلى‏ (3). و فى حديث الهجرة و قوله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما» (4).

فوائد منها: بيان فضل أبى بكر الصديق حيث قرنه النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) بنفسه و قال: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما» معناه ثالثهما بالحفظ و العصمة و النصر و المعونة و التسديد و هو داخل فى قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَ الَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ‏ (5) و قيل: هو معنى قوله: إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا (6) و منها عظم قدر النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و ارتفاع شأنه و تعالى رتبته و مكانه عن التأثر بنوائب الدنيا و التغير بمصائبها و متاعبها حيث اهتم أبو بكر بوصولهم إلى باب الغار متبعين لأثرهما و خاف من اطلاعهم عليهما و لم يهتم و لم يبال بأمرهم رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و ثبّت جأش أبى بكر و أزال روعه و طمأن نفسه على أن المفسرين ذكروا أن كثرة خوف أبى بكر رضي اللّه عنه إنما كانت لرسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) لا لنفسه، و يروى أنه قال لما خاف الطلب: يا رسول الله إن قتلت فأنا رجل واحد و إن أصبت‏

____________

(1) أورد السيوطى فى الدر المنثور (3/ 240) حديثا عن محمد بن إبراهيم التيمى مرفوعا، و فيه ذكر العنكبوت و النهى عن قتلها و أنها من جند الله، و قال: أخرجه أبو نعيم، و حديثا عن ابن عباس فيه ذكر القائف، و هو عند ابن مردويه و أبى نعيم فى الدلائل. و الله أعلم.

(2) أخرجه البزار ح (1741- كشف) و فيه- أحسبه قال: فأصل كل حمام فى الحرم من فراخهما.

اه. و قد تقدم تخريج الحديث.

(3) الروض الأنف (2/ 232).

(4) تقدم تخريجه.

(5) سورة النحل: الآية (128).

(6) سورة التوبة: الآية (40).

204

هلكت الأمة و فيه بيان عظم توكل النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) حتى فى هذا المقام. قال النووى: و فيه فضيلة لأبى بكر و هى أجل مناقبه من أوجه- أحدها: هذا اللفظ المعطى تكريمه و تعظيمه. و ثانيها: بذل نفسه و مفارقته أهله و ماله و رياسته فى طاعة الله و رسوله و ملازمة النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و معاداة الناس فيه. و ثالثها: جعل نفسه وقاية عنه‏ (1) انتهى كلامه قيل: و رابعها تخصيص الله تعالى إياه فى أمر نبيه (صلّى اللّه عليه و سلّم) باستصحابه دون غيره من سائر الناس و من فوائد الحديث بيان كراهة المكث بين الكفار و الفجار/ [102/ ب‏] و الفساق الذين لا يتدينون بالحق و لا يمكن حملهم عليه و منها جواز التحصن بالقلاع عند الخوف من العدو و منها: أن تعهد الأسباب فى؟؟؟ لا يقدح فى التوكل و الاعتماد على الله تعالى و منها: أنه يجوز الأخذ بالحزم و إظهار ظن السوء المتوقع من العدو، و ليس ذلك من الظن المنهى عنه لأن أبا بكر رضى الله عنه قال: لأبصرنا تحت قدميه و لم ينكر عليه النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و منها أنه يجوز المسافرة بالرفيق الواحد عند الحاجة بلا كراهة و إن ورد خير الرفقاء أربعة فإنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لم يستصحب سوى أبى بكر و منها أنه يجوز لأحد الرفيقين أن يظهر لصاحبه خوفه مما يخاف منه ليخفف عن نفسه ببث الشكوى و ليكون صاحبه واقفا على الحال مستعدّا لما عساه أن يعرض. و منها: أنه ينبغى للمشكو إليه أن يسكن جأش الشاكى و يعده الجميل من الله تعالى و يحثه على حسن الظن به و منها استعمال الأدب فى المخاطبات بذكر الإنسان بكنيته و نحو ذلك مما يتضمن الإكرام لقوله (صلّى اللّه عليه و سلّم): يا أبا بكر. و منها: جواز التكنية بأبى فلان و إن لم يكن للمكنى ابن مسمى بذلك إذ لم يكن لأبى بكر ابن يسمى بكرا. و عن غالب بن عبد الله عن أبيه عن جده أنه قال: شهدت مع رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال لحسان بن ثابت:

«قلت فى أبى بكر شيئا قل: حتى أسمع» قال: قلت:

و ثانى اثنين فى الغار المنيف و قد* * * طاف العدو به إذ صاعد الجبلا

و كان حب رسول الله قد علموا* * * من الخلائق لم يعدل به بدلا

فتبسم رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و فى الحديث: بيان فضل جبل ثور بما خصه الله بهذه المزية الكريمة و المنقبة العظيمة من بين سائر الأطواد و الأعلام حيث جعله متحصن خير الأنام و قلعة رسول الله و حبيبه عليه أفضل الصلاة و السلام. و فيه:/ [103/ أ] بيان فضيلة هذا الغار الشريف على سائر المغائر حيث كان صدفا لأشرف الجواهر، و كهفا لكهف الأنبياء و المرسلين و كنفا لكنف الخلائق من الأولين و الآخرين و أنشد للرافعى:

فخص بذكر الله خير مغار* * * و لا تتغافل عن هجوم مغار

و كن حذرا من غيرة الله و استقم‏* * * لديه لئلا تبتلى بصغار

____________

(1) شرح صحيح مسلم (15/ 150).

205

و قلت فى «تخليص الزبدة فى تخميس البردة» عند قوله: و ما حوى الغار من خير و من كرم .. الأبيات:

فهو الذى ريقه يشفى من السقم‏* * * بتفله حلت الآبار فى الطعم‏

فاعجب لتغريد كالدر منتظم‏* * * و ما حوى الغار من جود و من كرم‏

و كل طرف من الكفار عنه عمى‏* * * لما رأوا غار ثور كلهم عميا

و صار بدر الدجى باللطف مختفيا* * * و قال يا صاح لا تحزن فلن يريا

فالصدق فى الغار و الصديق لم يريا* * * و هم يقولون ما بالغار من أدم‏

باض الحمام به و العشب قد لمندلا* * * و العنكبوت أجادت نسجها حللا

و شجرة الراء رمت فى قلبهم عللا* * * ظنوا الحمام و ظنوا العنكبوت على‏

خير البرية لم تنسج و لم يحم‏* * * فكم أسود بنار الحرب عارفة

و فى مثاقفة بل فى مسابقة* * * و فى الدروع مع التجفاف خائفة

وقاية الله أغنت عن مضاعفة* * * من الدروع و عن عال من الأطم‏

قال المرجانى فى «بهجة النفوس»: و ذكر بعض الحمالين أنه عرف رجلا كان له جماعة بنين و أموال كثيرة و أنه أصيب فى ذلك كله فلم يحزن على شى‏ء من ذلك لقوة صبره، قال: فسألته عن ذلك فقال: إنه روى أن من دخل غار ثور الذى آوى إليه رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أبو بكر رضي اللّه عنه و سأل الله تعالى أن يذهب عنه الحزن لم يحزن على شى‏ء من/ [103/ ب‏] مصائب الدنيا و قد فعلت ذلك فما ترى منه.

قال المرجانى: و الخاصة فى ذلك من قوله تعالى: ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا (1). قال: و رأيت بهذا الجبل حيوانا يسمى الحلقوم له ألف كراع فى مائتى رجل، و رأيته أيضا بأرض الطائف و نخله و بالقدس من أرض فلسطين. انتهى. و الناس يدخلون غار جبل ثور من بابه الضيق و من بابه المتسع و بعض الناس يتجنب دخوله من بابه الضيق و يقولون: من لم يدخل منه ليس لأبيه‏ (2). و قد وسع الباب الضيق فى زماننا لأن بعض الناس انحبس فيه لما و لج فلم يقدر أن يخرج و لا يدخل و مكث على ذلك قريبا من ليلة فراح إليه المجاورون و وسعوا له و قطعوا عنه الحجر من‏

____________

(1) سورة التوبة: الآية (40).

(2) قال ابن ظهيرة فى الجامع اللطيف (ص 343): و هو باطل لا أصل له.

206

الجوانب فانفتح حتى اتسع الموضع‏ (1).

و منها: جبل ثبير و هو جبل المزدلفة الذى على يسار الذاهب كما عرفه الأزرقى‏ (2) و غيره و قد تقدم فى أول الباب الحادى عشر ضبطه و تعريفه و هو جبل مشهور عند أهل مكة.

قال القزوينى: إنه جبل مبارك يقصده الزوار (3) و تقدم النقل عن ابن النقاش أنه يستجاب الدعاء به‏ (4) و تقدم أيضا قبيل هذا أنه تعالى لما تجلى للجبل تشظى منه شظايا فوقعت بمكة ثلاثة منها ثبير (5) قال السهيلى: ذكروا أن ثبيرا كان رجلا من هذيل مات فى ذلك الجبل فعرف الجبل به‏ (6).

و منها: الجبل الذى يلحقه مسجد الخيف و فيه غار المرسلات يأثره الخلف عن السلف كما ذكره المحب الطبرى و على ذلك أدركنا الناس فى عصرنا يقولون فى أمره و يدل له الحديث الثابت فى صحيح البخارى عن ابن مسعود قال: بينما نحن مع رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فى غار بمنى إذ نزلت عليه: وَ الْمُرْسَلاتِ عُرْفاً (7) الحديث. و قد تقدم ذكره فى الفضائل أول هذا الفصل.

[فصل‏] ذكر السقايات بمكة المشرفة و حرمها

و بمكة المشرفة عدة سقايات و يقال لها السبل منها/ [104/ أ] سبيل عطية بن ظهيرة و سبيل قاسم الزانكى عند مسجد الراية، و سبيل أم الحسين بنت القاضى شهاب الدين أحمد بالمسعى و سبيل ابن بفلحة عند عين بازان بالمسعى، و سبيل السيد حسن بن عجلان برباطه، و منها خارج مكة من أعلاها سبيل أم سليمان المتصوفة، و سبيل عطية المطيبين فى طرف المقبرة من أعلاها و سبيل القائد سعد الدين جبروه فى بستانه و سبيل إمامه السيد

____________

(1) قال ابن ظهيرة: أنه وسع فى حدود عام ثمانمائة، راجع الجامع اللطيف (ص 343).

(2) أخبار مكة (2/ 280) و سماه ثبير النّصع، و قال: و هو الذى كانوا يقولون فى الجاهلية إذا أرادوا أن يدفعوا من المزدلفة: أشرق ثبير؛ كيما نغير، و لا يدفعون حتى يرون الشمس عليه. اه، و فى الجامع اللطيف (ص 345) أن ثبير اسم لثمانية أماكن و ذكر أن هذا يسمى ثبير الأثبرة لكونه أعلاها و أطولها، و هو على يسار الذاهب إلى عرفة. و الله أعلم.

(3) عجائب المخلوقات (1/ 234، 235).

(4) راجع الجامع اللطيف (ص 344).

(5) تقدم، و قوله هنا «منها ثبير» يوافق رواية الأزرقى فتنبه. و الله أعلم.

(6) راجع الجامع اللطيف (ص 345).

(7) تقدم تخريجه.

207

حسن بن عجلان و سبيل الست بطريق منى و يقال له: سبيل ابن مزنة باسم رجل كان فيه، و الست المنسوب إليها هذا السبيل هى أخت الملك الناصر حسن صاحب مصر، و تاريخ عمارته لها سنة إحدى و ستين و سبعمائة، و بمنى عدة سبل و فيما بين منى و عرفة عدة سبل أيضا إلا أنها منخربة جدّا و بأسفل مكة مما يلى التنعيم عدة سقايات منها سبيل الزنجبيلى و يقال له: سبيل أبى راشد لتجديده له و سبيل المكين لتجديده له أيضا و منها سبيل السيدة زينب بنت القاضى أحمد الطبرى و هو الآن منخرب معطل لخرابه و وجد فى حجر مكتوب ملقى فيه أن المقتدى العباسى و والدته أمرا بعمارة هذه السقاية و الآبار التى وراءها و تصدقا بها فى سنة اثنين و ثلاثمائة و سبيل دون هذا السبيل إلى مكة عمره الشهاب المكين فى سنة ثمان و ثمانمائة و إلى جانب ذلك حوض للبهائم و كان بمكة سقايات أكثر مما ذكرنا قال الفاكهى لما ذكر السقايات: و بمكة فى فجاجها و شعابها من باب المسجد إلى منى و نواحيها و مسجد التنعيم نحو من مائة سقاية انتهى.

[فصل‏] ذكر البرك بمكة و حرمها

فيها عدة برك: منها بركتان عند باب المعلى متلاصقان على يسار الخارج من مكة إلى المعلى جددتا فى دولة الملك الناصر حسن صاحب مصر سنة تسع و أربعين و سبعمائة و منها بركتان متلاصقتان على يمين الخارج إلى المعلى إحداهما بلصق/ [104/ ب‏] سور باب المعلى ببستان الصارم، و كانتا معطلتين فعمرت إحداهما فى سنة ثلاث عشرة و ثمانمائة و ملئت من عين بازان، و منها بركتان عند مولد النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) بسوق الليل ببستان المسلمانى على ما ذكر، و منها بأسفل مكة بركة يقال لها: بركة الماجن و بحرم مكة مما يلى منى و عرفة عدة برك منها البركة المعروفة ببركة السلم و لم يعرف من أنشأها و جددها الأمير المعروف بالمك نائب السلطنة بمصر و عمر العين التى تصل إليها الماء من منى و ذلك فى سنة خمس و أربعين و سبعمائة و بطرف منى مما يلى المزدلفة و فى طريق عرفة عدة برك أخر معطلة أيضا لخرابها و بعرفة عدة برك و غالبها الآن ممتلئ بالتراب حتى صار ذلك مساويا للأرض و بعضها من عمارة العجوز والدة المقتدى و ذلك خمس برك و تاريخ عمارتها سنة خمس عشرة و ثلاثمائة و بعضها عمره المظفر صاحب إربل فى سنة أربع و تسعين و خمسمائة و فيما بعدها و بعضها عمره أقبال الرابى المستنصرى العباسى فى سنة ثلاث و ثلاثين و ستمائة و اسم أقبال باق فى بعض البرك التى حول جبل الرحمة و عمر بعضها الملك نائب السلطنة بمصر فى دولة الملك الأشرف شعبان صاحب مصر.

208

[فصل‏] ذكر الآبار بمكة و حرمها

ذكر الأزرقى‏ (1)- (رحمه الله)- شيئا من خبر الآبار الجاهلية و الإسلامية بمكة و حرمها و بعرفة، و ليس يعرف الآن مما ذكره إلا النادر، و جملة ما احتوى عليه سور مكة من الآبار ثمانية و خمسون بئرا، و كلها مسيلة إلا البئر التى فى بيت المطيبين بأعلى مكة و البئر التى فى بيت القائد زين الدين شكر مولى الشريف حسن بن عجلان و البئر التى فى بيت أحمد بن عبد الله الدورى الفراش بالحرم الشريف المكى و البئر التى فى البيت المعروف ببيت السقى بقرب بيت الدورى و لم يذكر فى ذلك الآبار التى لا ماء فيها.

و من الآبار المعروفة بمكة مما/ [105/ أ] ذكره الأزرقى البئر التى برباط السدرة و تعرف بسجلة (2) حفرها هاشم بن عبد مناف و قيل: قصى قال الأزرقى: و هى البئر التى يقال لها: بئر جبير بن مطعم دخلت فى دار أمير المؤمنين بين الصفا و المروة فى أصل المسجد الحرام التى يقال لها: دار القوارير أدخلها حماد البربرى حين بنى الدار لأمير المؤمنين هارون الرشيد و كانت البئر شارعة فى المسعى يقال: إن جبيرا ابتاعها من ولد هاشم و قال بعض المكيين: وهبها له أسد حين ظهرت زمزم و يقال: وهبها عبد المطلب حين حفر زمزم و استغنى عنها لمطعم بن عدى و أذن له أن يضع حوضا من أدم عند زمزم يستقى فيه منها و يسقى الحاج قال الأزرقى: و هو أثبت الأقاويل عندنا (2) انتهى كلامه.

و أما الآبار التى بين باب المعلا و منى فستة عشر بئرا فيها الماء: منها البئر المعروفة ببئر ميمون بن الحضرمى أخ العلاء بن الحضرمى و هى البئر التى فى السبيل المعروف بسبيل الست على ما ذكره عبد الرحمن بن «أبى» (3) حرمى فى حجر مكتوب بخطه فى هذا البئر يتضمن أن المظفر صاحب أربل عمرها سنة أربع و ستمائة.

و قال الأزرقى: و كانت آخر بئر حفرت فى الجاهلية قال: و عن مجاهد و عطاء و غيرهما من أهل العلم فى قوله تعالى: فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ‏ (4). قالوا: زمزم و بئر ميمون ابن الحضرمى‏ (5). و ذكر بعض الناس أن بئر ميمون بطريق وادى مر الظهران قيل:

و فيه نظر و منها البئر المعروفة بصلاصل قال الأزرقى: و هى البئر التى بفم شعب البيعة عند

____________

(1) راجع أخبار مكة (2/ 214- 223) الآبار التى بمكة قبل زمزم، (2/ 223، 224) الآبار التى حفرت بعد زمزم فى الجاهلية، (2/ 224- 227) الآبار الإسلامية.

(2) راجع أخبار مكة للأزرقى (2/ 217).

(3) كتبت فوق السطر و لعلها هنا. و الله أعلم.

(4) سورة الملك: الآية (30).

(5) أخبار مكة (2/ 222).

209

عقبة منى‏ (1) و الناس يسمون البئر التى بفم هذا الشعب ببركة مهير و يسمون بصلاصل بئرا فى الجانب الذى يكون على عين الذاهب إلى منى و هى بئر مشهورة عند الناس بقرب هذه البئر و ذكر الأزرقى أنها من الآبار الإسلامية (2) و سميت صلاصل بصلصل بن أوس بن محاسن بن معاوية بن شريف من بنى عمرو بن تميم قاله الفاكهى. و أما الآبار/ [105/ ب‏] التى بمزدلفة فهى ثلاثة و أما الآبار التى بعرفة فهى آبار كثيرة و التى فيها الماء الآن ثلاثة آبار و بعض الآبار التى لا ماء فيها من عمارة المظفر صاحب إربل و بين عرفة و مزدلفة بئر يقال لها: السقيا (3) على يسار الذهاب إلى عرفة. و أما الآبار التى بظاهر مكة من أعلاها فيما بين بئر ميمون بن الحضرمى و الأعلام التى هى حد الحرم فى طريق وادى نخلة فهى خمسة عشر بئرا منها أربعة آبار تعرف بآبار العسيلة و فى رأس طى بعضها ما يقتضى أن المقتدى العباسى أمر بحفر بئرين منها و فى طى بعضها ما يقتضى أن العجوز والدة المقتدى عمرتها مع سقايات هناك و البئر الرابعة من آبار العسيلة جددها بعدد ثورها بعض الأمراء المصريين فى سنة اثنين و تسعين و سبعمائة و بقية الآبار لا ماء فيها إلا بئر لأبى بكر الحصار و هى تلى آبار العسيلة و أما الآبار التى بأسفل مكة فى جهة التنعيم فهى ثلاثة و عشرون بئرا بجادة الطريق منها بئر الملك المنصور صاحب اليمن عند سبيله تعرف بالزاكية و منها الآبار المعروفة بآبار الزاهر الكبير و بعض هذه الآبار من عمارة المقتدى العباسى، و بقرب الشبيكة آبار أخر يقال لها: آبار الزاهر الصغير و هى ثلاثة آبار منها واحدة لا ماء فيها و لها قرنان فى أحدهما حجر مكتوب فيه تاريخ عمارتها و تعرف هذه الآبار ببطن ذى طوى على ما ذكره الأزرقى‏ (4) فى تعريف ذى طوى و بأسفل مكة أيضا بئر يقال لها: الطنبداوية و بأسفل مكة مما يلى باب الماجن عدة آبار منها بئر بقربه من خارجه و بئر بالشعب الذى يقال له:

خم بخاء معجمة مضمومة و هو غير خم الذى يروى أن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: عندى‏ (5) غديره «من كنت مولاه فعلىّ مولاه» (6). لأن خما هذا عند الجحفة و ذكرها الأزرقى فى الآبار التى‏

____________

(1) أخبار مكة (2/ 226).

(2) أخبار مكة (2/ 224- 227).

(3) ذكره الأزرقى فى أخبار مكة (2/ 227).

(4) راجع أخبار مكة (2/ 226) و ذكر من هذه الآبار: بئر بكار و بئر وردان.

(5) كذا فى الأصل، و الصواب «عند». و الله أعلم.

(6) أخرجه الترمذى: كتاب المناقب- باب مناقب على بن أبى طالب رضى الله عنه ح (3713)، و النسائى فى الكبرى (5/ 45، 130) عن زيد بن أرقم، و شك شعبة هل هو زيد بن أرقم أم أبو سريعة حذيفة بن أسيد؟ كما فى رواية الترمذى، و قال الترمذى عقبه: حسن صحيح، و الذى فى تحفة الأشراف (3667) عن الترمذى أنه قال: حسن غريب، و قال الحافظ فى الفتح (7/ 93)-

210

بمكة قبل زمزم قال: و حفرها كلاب بن مرة (1). قال السهيلى: و هى من خممت البيت إذا كنسته و يقال: فلان مخموم القلب أى نقيه فكأنها سميت بذلك لنقائها/ [106/ أ] قال:

و أما غدير خم الذى عند الجحفة فسمى به لغيضة عنده يقال لها: خم فيما ذكروا (2) انتهى.

[فصل‏] ذكر عيون مكة

قال الأزرقى: كان معاوية قد أجرى فى الحرم عيونا و اتخذ لها أخيافا، فكانت حوائط و فيها النخل و الزرع ثم سردها الأزرقى و ذكر أنها عشر عيون‏ (3) ثم قال: و كان عيون معاوية قد انقطعت و ذهبت فأمر أمير المؤمنين الرشيد بعيون منها فعملت و أحييت و صرفت فى عين واحدة ثم انقطعت هذه العيون فكان الناس بعد انقطاعها فى شدة من الماء و كان أهل مكة و الحاج يلقون من ذلك المشقة حتى أن الراوية لتبلغ فى الموسم عشرة دراهم و أكثر و أقل فبلغ ذلك أم جعفر بنت أبى الفضل جعفر بن أمير المؤمنين المنصور فأمرت فى سنة أربع و تسعين و مائة بعمل بركتها التى بمكة فأجرت لها عينا من الحرم فجرت بماء قليل فلم يكن فيه رى لأهل مكة و قد غرمت فى ذلك غرما عظيما فبلغها فأمرت المهندسين أن يجروا لها عيونا من الحل و كان الناس يقولون: إن ماء الحل لا يدخل الحرم لأنه يمر على عقاب و جبال فأرسلت بأموال عظام ثم أمرت من يزن عينها الأولى فوجد فيها فسادا فأنشأت عينا أخرى إلى جنبها و أبطلت تلك العيون فعملت عينها هذه بأحكم ما يكون العمل و عظمت فى ذلك رغبتها و حسنت نيتها، فلم تزل تعمل فيها حتى بلغت ثنية جبل فإذا الماء لا يظهر فى ذلك الجبل فأمرت بالجبل فضرب فيه و أنفقت فى ذلك من الأموال ما لم تكن تطيب به نفس أحد حتى أجراها الله تعالى لها و أجرت فيها عيونا من الحل منها عين المشاش و اتخذت لها بركا تكون السيول إذا جاءت تجتمع فيها ثم أجرت لها عيونا من حنين فصارت لها مكرمة لم تكن لأحد قبلها و طابت نفسها بأن أنفقت فيها ما لم تكن تطيب به نفس أحد، فأهل مكة و الحاج إنما يعيشون بها بقدرة الله تعالى ثم‏

____________

- و هو كثير الطرق جدّا، و قد استوعبها ابن عقدة فى كتاب مفرد، و كثير من أسانيدها صحاح و حسان. و الله أعلم.

(1) أخبار مكة (2/ 214).

(2) الروض الأنف (1/ 174).

(3) و هى «حائط الحمام، و حائط عوف، و حائط الصفى، و حائط مورش، و حائط خرمان، و حائط مقيصرة، و حائط حراء، و حائط ابن طارق، و حائط فخ، و حائط بلدح، ثم أضاف حائطين اتخذت ببلدح، هما حائط ابن العاص، و حائط سفيان. أخبار مكة (2/ 227- 230).

211

أمر أمير المؤمنين المأمون صالح بن العباس فى سنة عشر و مائتين أن يتخذ له برك خمس فى السوق/ [106/ ب‏] لئلا يتعنى أهل أسفل مكة و الثنية و أجيادين إلى بركة أم جعفر و أجرى عينا من بركة أم جعفر من فضل مائها فى عين تسكب فى بركة البطحاء ثم تمضى إلى بركة عند الصفا ثم تمضى إلى بركة عند الحناطين ثم تمضى إلى بركة بفوهة سكة الثنية دون دار أويس ثم تمضى إلى بركة عند سوق الحطب بأسفل مكة ثم تمضى فى سرب ذلك إلى «ماجن» (1) أبى صلابة، ثم إلى «الماجنين» (2) اللذين فى حائط ابن طارق و بأسفل مكة و كان صالح بن العباس لما فرغ منها ركب بوجوه الناس إليها فوقف عليها حين جرى فيها الماء و نحر عند كل بركة جزورا و قسم لحمها على الناس‏ (3) انتهى كلام الأزرقى.

و ذكر المسعودى فى تاريخه مقدار ما صرفت زبيدة و هى أم جعفر بنت أبى الفضل المذكورة فى عمارة هذه العين، و ذكر فيما ذكر و أحصى ألف ألف و سبعمائة ألف دينار نقل ذلك المسعودى عن محمد بن على المصرى الخراسانى الأخبارى و الظاهر أن هذه هى عين مكة المعروفة اليوم بعين بازان- بباء موحدة و ألفين بينهما زاى- لأنها فى هذه الجهة التى ذكرها الأزرقى. و الله أعلم.

و قد عمر هذه العين جماعة من الخلفاء و الملوك، منهم المستنصر العباسى فى سنة خمس و عشرين و ستمائة و فى سنة أربع و ثلاثين و ستمائة و منهم الأمير جوبان نائب السلطنة بالعراقين عن السلطان أبى سعيد بن خربيدا ملك التتر و ذلك فى سنة ست و عشرين و سبعمائة و وصلت إلى مكة فى العشر الأخير من جمادى الأولى من هذه السنة و عم نفعها و عظم، و كان جريانها هذا رحمة من الله تعالى لأمة نبيه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فإنهم كانوا فى جهد عظيم بسبب قلة الماء بمكة و عمرت مرات كثيرة فى عصرنا و فيما قبله و ممن أحسن أمرها فى عصرنا و قام بعمارتها و صرف عليها الأموال الجزيلة الشهاب بركوت المكين لأنه الذى يقوم بأمرها من سنة ثلاث عشرة إلى تاريخه و هو سبع عشرة، و من العيون التى أجريت بمكة عين أجراها الملك الناصر محمد بن/ [107/ أ] قلاوون صاحب مصر سنة ثمان و عشرين و سبعمائة فى مجرى عين بازان و تعرف هذه العين بعين جبل ثقبة و جملة المصروف عليها خمسة آلاف درهم و ذلك على يد ابن هلال الدولة مشيد العمارة و منها عين أجراها الأمير المعروف بالملك نائب السلطنة بمصر فى سنة خمس و أربعين و سبعمائة من منى إلى بركة السلم بطريق منى.

____________

(1) كذا فى الأصل، و فى أخبار مكة «ماجل» و كلاهما صواب. و الله أعلم.

(2) فى أخبار مكة «الماجلين» و كلاهما صواب. و الله أعلم.

(3) أخبار مكة (2/ 230- 232).

212

[فصل‏] ذكر المطاهر التى تمكن‏ (1) بمكة المشرفة مطاهر

منها: مطهرة الملك الناصر محمد بن قلاوون صاحب مصر عند باب بنى شيبة، و تاريخ عمارتها سنة ثمان و عشرين و سبعمائة و فيها وقفت، و منها مطهرة الأمير المعروف بالملك نائب السلطنة بمصر عند باب الحزورة و لعل عمارته لها كانت فى سنة خمس و أربعين و سبعمائة، و هى الآن معطلة، و منها مطهرة الأمير ضرغمش الناصرى أحد كبار الأمراء فى دولة الملك الناصر حسن صاحب مصر و هى فيما بين البيمارستان المستنصرى و رباط أم الخليفة و تاريخ عمارته لها سنة تسع و خمسين ثم عمرت بعد ذلك غير مرة، و منها مطهرة الملك الأشرف شعبان صاحب مصر بالمسعى قبالة باب على أحد أبواب المسجد الحرام و كانت عمارتها فى سنة ست و سبعين و سبعمائة و المتولى لأمر عمارتها الأمير أبو بكر بن سنقر الجبالى و للإشراف عليها وقف بمكة ريع فوقها و دكاكين و وقف بضواحى القاهرة، و تخربت ثم عمرها فى سنة سبع عشرة و ثمانمائة، و منها مطهرة خلفها عمرتها أم سليمان المتصوفة صاحبة الزاوية بسوق الليل و فرغ من عمارتها فى سنة ست و تسعين و سبعمائة، و منها مطهرة الأمير زين الدين بركة العثمانى رأس نوبة النوب بالقاهرة و أحد مديرى المملكة بها و هى المطهرة التى بسوق العطارين بقرب باب بنى شيبة على يسار الخارج من الباب و بابها مقابل باب المطهرة الناصرية المذكورة، و منها مطهرة تنسب للأمير طنبغا الطويل أحد الأمراء/ [107/ ب‏] المقدمين بالديار المصرية عمرت فى أوائل عشر السبعين و سبعمائة و هى بأسفل مكة عند باب العمرة الآن، و الآن هى معطلة، و منها: مطهرة عند باب الحزورة يقال لها: مطهرة الواسطى، و لم يعرف المنسوبة إليه و لا متى وقفت، و الله تعالى أعلم.

____________

(1) تقرأ هكذا فى الأصل، و لعل الصواب «تمكنت». و الله أعلم.

213

الباب الثانى فى تاريخ المدينة و ما يتعلق بالمسجد النبوى الشريف و الحجرة المقدسة و المنبر الشريف و زيارة النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و مزارات المدينة و الجوار بها و آداب الرجوع. و فيه عشرة فصول‏

214

الفصل الأول فى أول ساكنى المدينة و سكنى اليهود الحجاز ثم نزول الأوس و الخزرج بالمدينة.

215

ذكر أول من نزل المدينة الشريفة

قال أهل السير: أول من نزل المدينة بعد الطوفان قوم يقال لهم صعل و فالح، فغزاهم داود- (عليه السلام)- فأخذ منهم مائة ألف عذراء، ثم سلط الله عليهم الدود فى أعناقهم فهلكوا، فقبورهم هذه التى فى السهل و الجبل‏ (1)، و داود- (عليه السلام)- هو من ولد يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، بينه و بين يهوذا عشرة آباء (2)، عاش مائة سنة (3)، و قيل: مائة و أربعين، و قيل: سبعين، و كان يدعو إلى شريعة موسى- (عليه السلام)- لأن الزبور لم يكن فيه أحكام فكان خمسين و مائة سورة: فى خمسين ذكر ما يلقون من بختنصر و أهل بابل، و فى خمسين ذكر ما يلقون من أهل إيرون، و فى خمسين مواعظ و حكم‏ (4)، و كان يقرأه بسبعين لحنا (5). و كل كتاب يكون غليظ الكتابة يقال له:

زبور. و قيل: الزبور: كل كتاب يصعب الوقوف عليه من الكتب الإلهية. و قيل:

الزبور: الكتاب المقصور على الحكمة الإلهية العقلية دون الأحكام الشرعية. و نزل عليه الزبور بالعبرانية (6)، و كان مدة ملكه أربعين سنة (7)، كان يبيع الدرع بأربعة آلاف و هو أول من عمل الدرع‏ (8)، قال الله تعالى: وَ أَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (9). الآية.

قال أهل السير: و كان سكنى العماليق غزة و عسقلان و ساحل بحر الروم و ما بين مصر و فلسطين/ [108/ أ] ثم سكنوا مكة و المدينة و الحجاز كله و عتوا، فبعث إليهم موسى جندا من بنى إسرائيل فقتلوهم. و عن زيد بن أسلم قال: بلغنى أن ضبعا رئيت و أولادها رابضة فى حجاج عير رجل من العماليق قال: و لقد كان يمضى فى ذلك الزمان أربعمائة سنة و ما يسمع بجنازة، و كان جالوت من العماليق و كان عوج و أمه عناق من العماليق اللذين كانوا بأريحا.

____________

(1) راجع الدرة الثمينة (ص 35).

(2) راجع قصص الأنبياء لابن كثير (ص 480).

(3) قصص الأنبياء لابن كثير (ص 493) عن قول الحسن‏

(4) قصص الأنبياء للثعلبى (ص 279، 280).

(5) قصص الأنبياء للثعلبى (ص 280)، و اللحن هو اللغة و النحو. و المراد أنه كان يقرأ الزبور بسبعين لغة. و الله أعلم.

(6) قصص الأنبياء للثعلبى (ص 279).

(7) قصص الأنبياء لابن كثير (ص 492).

(8) راجع الوسائل فى معرفة الأوائل للسيوطى (ص 58).

(9) سورة سبأ: الآية (10).

216

عن ابن عمر قال: كان طول عوج ثلاثة و عشرين ألف ذراع و ثلاثمائة و ثلاثين ذراعا و ثلثى ذراع بذراع الملك، و عاش ثلاثة آلاف سنة، و أخذ إحدى بنات آدم لصلبه، و هى أول من تغنى على وجه الأرض فهلكت، كان كل أصبع من أصابعها ثلاثة أذرع فى ذراعين، ولدت حواء على أثرها قابيل ثم هابيل.

قال ابن قتيبة فى «تأويل مختلف الحديث»: و من العجب أن عوجا كان فى زمن موسى- (عليه السلام)- و له هذا الطول، و فرعون ضده فى القصر على ما ذكره الحسن قال: ما كان طول فرعون إلا ذراعا و كانت لحيته ذراعا. و قيل: كان طوله ذراعين، و كان لفرعون موسى من فسطاط مصر إلى أرض الحبشة جبال، فيها معادن الذهب و الفضة و الزبرجد و الياقوت، طمس الله عليها فصارت حجارة؛ لقول موسى: رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى‏ أَمْوالِهِمْ‏ (1). و فرعون أول من خضب بالسواد.

ذكر سكنى اليهود الحجاز بعد العماليق‏

اعلم أن موسى- عليه الصلاة و السلام- لما أهلك فرعون و طئ الشام و أهلك من بها، و بعث بعثا من اليهود إلى الحجاز و أمرهم أن لا يستبقوا من العماليق أحدا بلغ الحل، فقدموا فقتلوهم و قتلوا ملكهم و كان يقال له: الأرقم بن أبى الأرقم، و استجبوا ابنا له شابا و قدموا به فقبض موسى- (عليه السلام)- قبل قدومهم، فتلقتهم بنو إسرائيل فوجدوا الغلام معهم، فقالوا لهم: إن هذه لمعصية منكم لما خالفتم من أمر نبيكم، و الله لا تدخلوا علينا بلادنا و حالوا بينهم و بين الشام فرجعوا فسكنوا الحجاز، و كانت الحجاز إذ ذاك أشجر بلاد الله/ [108/ ب‏] و أطهرها، قالوا: و كان هذا أول سكنى اليهود الحجاز بعد العماليق، و كان جميعهم بزهرة بين الحرة و السافلة مما يلى القف، و كانت لهم الأموال بالسافلة، و نزل جمهور بمكان يقال له يثرب بمجتمع السيول سيل بطحان و العقيق و سيل قناة مما يلى زغابة، و خرجت قريظة و إخوتهم بنو هذل و هم بنو الخزرج و النضير بن النحام ابن الخزرج و قيل: قريظة و النضير أخوان و هما بنو أبناء الخزرج بن الصريخ فخرجوا بعد هؤلاء فتتبعوا آثارهم فنزلوا بالعالية على واديين يقال لهما: مذينب و مهرور، فنزلت بنو النضير على مذينب و اتخذوا عليه الأموال، و نزلت قريظة و هذل على مهرور و اتخذوا عليه الأموال، و كانوا أول من احتفر بها البنار و اغترس الأموال و ابتنى الآطام و النازل، فكان جميع ما ابتنى اليهود بالمدينة من الآطام تسعا و خمسين أطما، و الآطام: الحصون و احدها

____________

(1) سورة يونس: الآية (88).

217

أطم‏ (1). قال الخطابى: هو بناء من الحجارة، و مثله الآجام‏ (2) و العياص. ثم نزل أحياء من العرب على يهود و ذلك أنه كان بالمدينة قرى و أسواق من يهود بنى إسرائيل و كان قد نزلها عليهم أحياء من العرب و ابتنوا معهم الأطام و المنازل قبل نزول الأوس و الخزرج و هم بنو أنيف حى من بلى، و يقال: إنهم لمن بقية العماليق و بنو مرثد حى من بلى، و بنو معاوية ابن الحارث بن بهية من بنى قيس بن عيلان، و بنو الجذمى حى من اليمن، و كان جميع ما ابتنى العرب من الآطام بالمدينة ثلاثة عشر أطما (3).

ذكر نزول الأوس و الخزرج المدينة

لم تزل اليهود الغالبة على المدينة حتى جاء سيل العرم، و كان منه ما كان و ما قص الله فى كتابه، و ذلك أن أهل مأرب- و هى أرض سبأ- كانوا آمنين فى بلادهم تخرج المرأة بمغزلها لا تتزود شيئا تبيت فى قرية و تقيل فى أخرى حتى تأتى الشام، و لم يكن فى أرضهم حية و لا عقرب و لا ما يؤذى، فبعث الله إليهم ثلاثة عشر نبيا فكذبوهم و قالوا:

رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا (4) فسلط الله عليهم سيل/ [109/ أ] العرم- و هو السبيل الشديد الذى لا يطاق- و قيل: العرم اسم الوادى. و قيل: اسم المياه. و ذلك أن الله بعث عليهم جرذا يسمى الخلد- و الخلد هو الفار الأعمى- فنقب السد من أسفله حتى دخل السيل عليهم فغرقت أرضهم. و قيل: أرسل عليهم ماء أحمر فخرب السد و تمزق من سلم منهم فى البلاد، و كان السد فرسخا فى فرسخ بناه لقمان الأكبر العادى للدهر على زعمه، و كان يجتمع إليه مياه اليمن من مسيرة شهر، و تقدم فى الباب قبل هذا قضية طريفة الكاهنة و ما قالت لقومها و أنها قالت لهم: من كان منكم يريد الراسيات فى الوحل المطعمات فى المحل فليلحق بيثرب ذات النخل. فلحق بها الأوس و الخزرج فوجدوا الآطام و الأموال و القوة لليهود فعاملوهم زمانا فصار لهم مالا و عددا، فمكث الأوس و الخزرج معهم ما شاء الله ثم سألوهم أن يعقدوا بينهم و بينهم جوارا و حلفا يأمن به بعضهم من بعض، و يمتنعون به ممن سواهم، فتعاقدوا و تحالفوا و اشتركوا و تعاملوا، فلم يزالوا على ذلك زمانا طويلا حتى قويت الأوس و الخزرج و صار لهم مال و عدد فلما رأت قريظة و النضير حالهم خافوهم أن يغلبوهم على دورهم و أموالهم فتنمروا لهم حتى قطعوا الحلف الذى كان بينهم، و كانت قريظة و النضير أعز و أكثر فأقامت الأوس و الخزرج فى منازلهم‏

____________

(1) الآطام: جمع أطم- بضمتين- بناء مرتفع كالحصون. راجع النهاية لابن الأثير (1/ 54).

(2) الآجام: جمع أجم- بضمتين- الحصن. القاموس المحيط مادة «أجم».

(3) راجع الدرة الثمينة (ص 36- 39).

(4) سورة سبأ: الآية (19).

218

و هم خائفون أن تجليهم يهود حتى نجم‏ (1) منهم مالك بن العجلان أخو بنى سالم بن عوف ابن الخزرج‏ (2).

ذكر قتل اليهود و استيلاء الأوس و الخزرج على المدينة

لما نجم مالك بن العجلان سودة الجنان عليهما فبعث هو و جماعة قومه إلى من وقع بالشام من قومهم يخبرونهم حالهم، و يشكون إليهم غلبة اليهود لهم، و كان رسولهم الرمق ابن زيد بن امرئ القيس أحد بنى سالم بن عوف بن الخزرج، و كان قبيحا ذميما، شاعرا بليغا، فمضى حتى قدم الشام على ملك من ملوك غسان الذين ساروا من يثرب إلى الشام يقال له أبو حبيلة من ولد حفنة بن عمرو بن عامر. و قيل: أحد بنى جشم بن الخزرج، و كان قد أصاب ملكا بالشام/ [109/ ب‏] و شرفا، فشكا إليهم الرمق حالهم و غلبة اليهود لهم و ما يتخوفون منهم و أنهم يخشون أن يخرجوهم، فأقبل أبو حبيلة فى جمع كثير لنصرة الأوس و الخزرج، و عاهد الله أن لا يبرح حتى يخرج من بها من اليهود و يذلهم أو يصيرهم تحت أيدى الأوس و الخزرج، فسار و أظهر أنه يريد اليمن حتى قدم المدينة- و هى يومئذ يثرب- فلقيه الأوس و الخزرج و أعلمهم ما جاء به فقالوا: إن علم القوم ما تريد تحصنوا فى آطامهم فلم نقدر عليهم، و لكن ندعوهم للقائك و تلطفهم حتى يأمنوك و يطمئنوا فنتمكن منهم، فصنع لهم طعاما و أرسل إلى وجوهم و رؤسائهم فلم يبق من وجوههم أحد إلا أتاه، و جعل الرجل منهم يأتى بحاشيته و حشمه رجاء أن يحبوهم الملك، و كان قد بنى لهم حيزا و جعل فيها قوما و أمرهم من دخل عليهم منهم أن يقتلوه حتى أتى على وجوههم و رؤسائهم، فلما فعل ذلك عزت الأوس و الخزرج بالمدينة، و اتخذوا الديار و الأموال و انصرف أبو حبيلة و تفرقت الأوس و الخزرج فى عالية المدينة و سافلها، و كان منهم من جاء إلى عفاء من الأرض لا ساكن فيه فنزله، و منهم من لجأ إلى قرية من قراها و اتخذ الأموال و الآطام، و كان ما ابتنوا من الآطام مائة و سبعة و عشرين أطما، و أقاموا كلمتهم واحدة و أمرهم مجتمع، ثم دخلت بينهم حروب عظام و كانت لهم أيام و مواطن و أشعار، فلم تزل تلك الحروب بينهم حتى بعث الله تعالى رسوله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فأكرمهم الله باتباعه‏ (3)، و الأوس و الخزرج حيان ينسبان إلى قحطان، لأن من قحطان افترقت سبع و عشرون قبيلة منهم الأوس و الخزرج، و هما الأنصار و هو جمع نصير، و سموا أنصارا حين‏

____________

(1) نجم: طلع و ظهر.

(2) راجع الدرة الثمينة (ص 39- 41).

(3) راجع الدرة الثمينة (ص 41، 42).

219

آووا رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و نصروه، و عنه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «أسلمت الملائكة طوعا، و الأوس و الخزرج طوعا، و جميع العرب كرها» (1).

____________

(1) أورده الهيثمى فى «مجمع الزوائد» (10/ 28) بلفظ: «أسلمت الملائكة طوعا، و أسلمت الأنصار طوعا، و أسلمت عبد القيس طوعا». و قال: رواه الطبرانى فى «الأوسط» عن شيخه على بن سعيد ابن بشير، و فيه لين، و بقية رجاله ثقات.

220

الفصل الثانى فى ذكر فتح المدينة و هجرة النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أصحابه إليها

221

ذكر ما جاء فى فتحها

قالت/ [110/ أ] عائشة- رضى الله عنها-: كل البلاد افتتحت بالسيف، و افتتحت المدينة بالقرآن‏ (1). قال الحافظ محب الدين بن النجار فى «تاريخه» (2): فالمدينة الشريفة لم تفتح بقتال إنما كان رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) يعرض نفسه فى كلّ موسم على قبائل العرب و يقول: «ألا رجل يحملنى إلى قومه فإن قريشا قد منعونى أن أبلغ كلام ربى».

فيأبونه و يقولون له: قوم الرجل أعلم به. حتى لقى فى بعض السنين عند العقبة نفرا من الأوس‏ (3) و الخزرج قدموا فى المنافرة التى كانت بينهم فقال لهم: «من أنتم؟». قالوا: نفر من الخزرج. قال: «أمن موالى يهود؟». قالوا: نعم. قال: «أفلا تجلسون كلكم؟» (4) قالوا: بلى. فجلسوا معه فدعاهم إلى الله- عزوجل- و عرض عليهم الإسلام و تلا عليهم القرآن و كانوا أهل شرك أصحاب أوثان، و كانوا إذا كان بينهم و بين اليهود الذين معهم بالمدينة شى‏ء قالت اليهود لهم- و كانوا أصحاب كتاب و علم-: إن النبى مبعوث الآن و قد أظل زمانه فنتبعه فنقتلكم معه قتل عاد و إرم. فلما كلم رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) أولئك النفر و دعاهم إلى الله، قال بعضهم لبعض: يا قوم تعلمون و الله أنه النبى الذى توعدكم به يهود فلا سبقتكم‏ (5) إليه فاغتنموه و آمنوا به، فأجابوه فيما دعاهم إليه و صدقوه و قبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام، و قالوا: لقد تركنا قومنا و بينهم من العداوة و الشر ما بينهم، و عسى أن يجمعهم الله بك، فسنقدم عليهم و ندعوهم إلى أمرك و نعرض عليهم الذى أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليه فلا رجل أعز منك. ثم انصرفوا عن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) راجعين إلى بلادهم قد آمنوا و صدقوا و كانوا ستة: سعد (6) بن زرارة و هو جد النقباء فى العقبة الأولى و الثانية، و عوف بن عفراء- و هى أمه- و أبوه الحارث‏

____________

(1) أخرجه البزار فى كشف الأستار عن زوائد البزار للهيثمى، (2/ 49) رقم 1180، و ابن عدى فى الكامل (6/ 2180)، و ابن الجوزى فى الموضوعات (2/ 216- 217)، و عزاه السيوطى فى اللآلى المصنوعة (2/ 127) إلى الخطيب البغدادى.

(2) الدرة الثمينة (ص 45، 46).

(3) هكذا فى الأصل، و فى سيرة ابن هشام و البداية و النهاية و غير ذلك من المصادر أنه «رهط من الخزرج»، و يؤيده ما روى عن الزهرى و الشعبى «أنهم كانوا ليلتئذ ستة نفر من الخزرج». و الله أعلم.

(4) هكذا فى الأصل و فى سيرة ابن هشام، و البداية و النهاية عن ابن إسحاق «أفلا تجلسون أكلمكم».

و هو أليق بالسياق. و الله أعلم.

(5) هكذا فى الأصل، و فى السيرة لابن هشام «فلا تسبقنكم».

(6) هكذا فى الأصل، و فى جميع المصادر «أسعد بن زرارة»، و هو صحابى جليل مشهور. و الله أعلم.

222

ابن رفاعة، و رافع بن مالك بن العجلان، و قطبة بن عامر بن حديدة، و عقبة/ [110/ ب‏] ابن عامر بن نابى، و جابر بن عبد الله بن رئاب، فلما قدموا المدينة إلى قومهم ذكروا لهم رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و ما جرى لهم و دعوهم إلى الإسلام، ففشا فيهم حتى لم يبق دار من دور الإسلام إلّا و لرسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فيها ذكر، فلما كان العام المقبل وافى الموسم منهم اثنا عشر رجلا فلقوا رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) بالعقبة و هى العقبة الأولى‏ (1) فبايعوه، فلما انصرفوا بعث رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) معهم مصعب بن عمير إلى المدينة و أمره أن يقرئهم القرآن، و يعلمهم الإسلام و يفقههم فى الدين، و كان منزله على سعد (2) بن زرارة، و لقيه فى الموسم الآخر سبعون رجلا من الأنصار منهم امرأتان‏ (3) فبايعوه‏ (4)، و أرسل رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) أصحابه إلى المدينة ثم خرج إلى الغار بعد ذلك ثم توجه هو و أبو بكر رضي اللّه عنه إلى المدينة.

ذكر هجرة النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أصحابه إلى المدينة الشريفة

اعلم أن هجرة النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى المدينة هى من بعض معرفة دلائل صفات نعوته فى الكتب الإلهية، و قد نطقت الأخبار بأن المدينة دار هجرة نبى يخرج فى آخر الزمان.

ذكر صاحب «الدر المنظم» و الشهرستانى فى كتابه «أعلام النبوة» فى قصة يلخصها:

أن سيف بن ذى يزن الحميرى لما ظفر بالحبشة و ذلك بعد مولد النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) قصدته وفود العرب بالهنية، و خرج إليه وفد قريش و فيهم عبد المطلب إلى صنعاء و هو فى قصره المعروف بغمدان، فلما دخلوا عليه و أنفق ما أنفق قال سيف لعبد المطلب: إنى وجدت فى الكتاب المكنون و العلم المخزون الذى اخترناه لأنفسنا دون غيرنا خبرا جسيما، و خطرا عظيما فيه شرف الحياة و فضيلة الوفاة، و هو للناس عامة و لرهطك كافة و لك خاصة، ثم قال له: إذا ولد بتهامة غلام به علامة كانت له الإمامة، و لكم به الزعامة إلى يوم القيامة، و لو لا/ [111/ أ] أن الموت يجتاحنى قبل مبعثه لسرت بخيلى و رجلى حتى أصير بيثرب دار ملكى، فإنى أجد فى الكتاب الناطق و العلم السابق أن يثرب استحكام ملكه و أهل نصرته و موضع قبره، و لو لا أنى أقيه الآفات و أحذر عليه العاهات لأوطأته العرب، و لكنى صارف إليك ذلك عن غير يقينى بمن معك ثم أمر لكل واحد من قومه بجائزة و أجاز

____________

(1) كانت بيعة العقبة الأولى فى موسم الحج فى السنة الثانية عشر من مبعث النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و كانت بيعة العقبة الثانية فى السنة الثالثة عشر من النبوة. و الله أعلم.

(2) هكذا فى الأصل، و فى جميع المصادر «أسعد بن زرارة». و الله أعلم.

(3) هما أم عمارة- نسيبة بنت كعب- من بنى مازن بن النجار، و أم منيع- أسماء بنت عمرو- من بنى سلمة. و الله أعلم.

(4) راجع: سيرة ابن هشام (2/ 21)، و البداية و النهاية (3/ 193)، و زاد المعاد (3/ 45).

223

عبد المطلب بأضعافها، ثم قال: ائتنى بخبره و ما يكون من أمره على رأس الحول، فمات سيف قبل أن يحول عليه الحول.

و قد جاء فى بعض الأحاديث: أخبرنا رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) عن صفته فى التوراة:

«عبدى أحمد المختار، مولده بمكة، و مهاجره بالمدينة. أو قال: طيبة، أمته الحمادون لله على كل حال». و قيل: معنى قوله تعالى: وَ وَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى‏ (1). أى: ضالّا عن الهجرة فهداك إليها. و قيل: وجدك ضالّا بين مكة و المدينة فهداك إلى المدينة. و قيل فى قوله تعالى: التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ‏ (2). إن السائحين المهاجرين.

و قيل: لم يهاجر (صلّى اللّه عليه و سلّم) حتى طلب الهجرة؛ لقوله تعالى: رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَ اجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَ اجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً (3). فالداعى محمد (صلّى اللّه عليه و سلّم) و القرية مكة، و الولى و النصير الأنصار.

و عن على رضي اللّه عنه عنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: أتانى جبريل- (عليه السلام)- فقلت له: «يا جبريل من يهاجر معى؟» قال: أبو بكر و هو يلى أمتك من بعدك و هو أفضل أمتك» (4). و فى صحيح البخارى من حديث الهجرة أن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال للمسلمين: «إنى رأيت دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين و هما الحرتان» (5). و فى الصحيحين من حديث أبى موسى الأشعرى رضي اللّه عنه عن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) أنه قال: «رأيت فى المنام أنى أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل فذهب و هلى‏ (6) إلى أنها اليمامة أو هجر، فإذا هى المدينة يثرب» (7)./ [111/ ب‏] فلما ذكر النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) هذا المنام لأصحابه هاجر من هاجر منهم قبل المدينة، و رجع عامة من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة، و كان أول من هاجر إلى الحبشة حاطب بن عمرو، و قيل: عبد الله بن عبد الأسد بن هلال. و أول مولود ولد فى الإسلام بأرض الحبشة

____________

(1) سورة الضحى: الآية (7).

(2) سورة التوبة: الآية (112).

(3) سورة النساء: الآية (75).

(4) أخرجه الحاكم فى مستدركه. و صححه، و وافقه الذهبى.

(5) البخارى: كتاب مناقب الأنصار- باب هجرة النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أصحابه ح (3905- فتح) عن عائشة- رضى الله عنها-. قال الحافظ فى الفتح (7/ 276): قوله «بين لابتين و هما الحرتان» هذا مدرج فى الخبر و هو من تفسير الزهرى. و الحرة أرض حجارتها سود. ثم قال: هذه الرؤيا غير الرؤيا التى فى حديث أبى موسى التى تردد فيها.

(6) و هلى: بفتح الواو و الهاء- أى و ظنى- فتح البارى (7/ 269).

(7) البخارى: كتاب مناقب الأنصار- باب هجرة النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أصحابه (7/ 267- فتح) و مسلم:

كتاب الرؤيا- باب رؤيا النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) ح (2272).

224

عبد الله بن جعفر بن على بن أبى طالب رضي اللّه عنه. و تجهز أبو بكر رضي اللّه عنه قبل المدينة فقال له رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «على رسلك فإنى أرجو أن يؤذن لى» فقال أبو بكر: و هل ترجو ذلك بأبى أنت و أمى؟ قال: «نعم». فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) ليصحبه و علف راحلتين كانتا عنده الخبط (1) أربعة أشهر» (2). قالت عائشة- رضى الله عنها-:

بينما نحن يوما جلوس فى بيت أبى بكر فى نحو الظهيرة قال قائل لأبى بكر: هذا رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) متقنعا- فى ساعة لم يكن يأتينا فيها- قال أبو بكر: فداء له أبى و أمى، و الله ما جاء به فى هذه الساعة إلا أمر قال‏ (3): فجاء رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فاستأذن فأذن له، فدخل فقال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) لأبى بكر: «اخرج من عندك» فقال أبو بكر: إنما هم أهلك بأبى أنت. قال: «فإنى قد أذن لى فى الخروج». فقال أبو بكر: الصحبة (4) يا رسول الله؟

قال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «نعم». قال أبو بكر: فخذ بأبى أنت يا رسول الله إحدى راحلتى هاتين. قال رسول الله: «بالثمن». قالت عائشة- رضى الله عنها- فجهزناهما أحث‏ (5) الجهاز، و وضعنا (6) لهما سفرة فى جراب- و السفرة طعام يتخذه المسافر و كان أكثر ما يحمل فى جلد مستدير فنقل اسم الطعام إلى الجلد، كالراوية اسم للبعير و نقلت إلى المزادة قاله الخليل- قالت عائشة: فقطعت أسماء بنت أبى بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب، فبذلك سميت ذات النطاقين. و النطاق: أن تأخذ المرأة الثوب فتشتمل به ثم تشد وسطها بخيط ثم ترسل الأعلى/ [112/ أ] على الأسفل‏ (7)- قالت: ثم لحق رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أبو بكر بغار جبل ثور فمكثا (8) فيه ثلاثا، يبيت عندهما عبد الله بن أبى بكر، و هو غلام شاب لقن‏ (9)، فيدّلج من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بمكة كبائت، فلا يسمع أمرا يكادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط

____________

(1) الخبط: ورق السمر.

(2) البخارى: كتاب مناقب الأنصار- باب هجرة النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أصحابه ح (3905- فتح) من حديث عائشة- رضى الله عنها-.

(3) هكذا فى الأصل، و فى الحديث: قالت. أى عائشة- رضى الله عنها.

(4) هكذا فى الأصل، و فى صحيح البخارى: «الصحابة». و الله أعلم.

(5) أحثّ: أفعل تفضيل من الحث و الإسراع.

(6) هكذا فى الأصل، و فى رواية الصحيح: «و صنعنا». و المعنى قريب. و الله أعلم.

(7) قاله أبو عبيد الهروى. راجع فتح البارى (7/ 278).

(8) هكذا فى الأصل، و فى رواية الصحيح: «فكمنا».

(9) لقن: بفتح اللام و كسر القاف: سريع الفهم.

225

الظلام، و يرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبى بكر منحة من لبن فيريحها عليهما حتى تذهب ساعة من العشاء، فيبيتان فى رسل‏ (1) حتى ينعق بهما عامر بغلس ففعل ذلك فى كل ليلة من تلك الليالى، و استأجر رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أبو بكر رجلا من بنى الديل هاديا ماهرا بالهداية و هو على دين كفار قريش فأمناه فدفعا إليه راحلتيهما، و واعده غار ثور بعد ثلاث براحلتيهما، و انطلق معهما عامر بن فهيرة و الدليل فأخذ بهم طريق السواحل‏ (2)، و كان اسم دليلهم عبد الله بن أريقط الليثى، و لم يعرف له إسلام بعد ذلك، و كانت هجرته (صلّى اللّه عليه و سلّم) يوم الاثنين لثمان خلون من شهر ربيع الأول. و قيل: كانت آخر ليلة من صفر، و عمره إذ ذاك ثلاث و خمسون سنة و تسعة أشهر بعد المعراج بسنة و شهرين و يوم واحد، فكان بين البعث و الهجرة اثنا عشر سنة و تسعة أشهر و عشرون يوما، و قيل:

كانت إقامته بمكة بعد النبوة ثلاث عشرة سنة.

و مرّوا على خيمتى أم معبد (3) الخزاعية فى قديد (4)، و كانت امرأة برزة (5) جلدة تحتبى و تجلس بفناء الخيمة أو القبة ثم تسقى و تطعم، فسألوها تمرا و لحما ليشتروه فلم يصيبوا عندها شيئا من ذلك و إذا القوم مرملون‏ (6) مسنتون‏ (7) فقالت: لو كان عندنا شئ ما أعوزكم القرى. فنظر النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى شاة فى كر (8) خيمتها فقال: «ما هذه الشاة يا أم معبد؟» فقالت: شاة خلفها الجهد عن الغنم فقال: «هل بها من لبن؟» فقالت: هى أجهد من ذلك. قال/ [112/ ب‏] (صلّى اللّه عليه و سلّم): «أفتأذنين لى أن أحلبها؟» قالت: نعم بأبى أنت و أمى إن رأيت بها حلبا فاحلبها. فدعا النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) بالشاة فمسح ضرعها، و ذكر اسم الله‏

____________

(1) رسل: بكسر الراء و بعدها مهملة ساكنة: اللبن الطرى.

(2) حديث الهجرة أخرجه البخارى: كتاب مناقب الأنصار- باب هجرة النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أصحابه ح (3905- فتح) من حديث عائشة- رضى الله عنها-.

(3) اسمها عاتكة بنت خلف بن معبد بن ربيعة بن أصرم، أسلمت هى و زوجها و هاجرا إلى المدينة.

راجع البداية و النهاية (2/ 432).

(4) قديد: مصغرا، موضع بين مكة و المدينة.

(5) برزة: يقال: امرأة برزة إذا كانت كهلة لا تحتجب احتجاب الشواب، و هى مع ذلك عفيفة عاقلة تجلس للناس و تحدثهم.

(6) مرملون: أى نفد زادهم.

(7) مسنتون: أى مجدبون.

(8) كرّ خيمتها: هكذا فى الأصل، و فى الرواية: «كسر». أى جانبها. و تقرأ بفتح الكاف و كسرها.

226

تعالى، و قال: «اللهم بارك لها فى شاتها» فتفاجت‏ (1) و درت و اجترت، فدعا النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) بإناء يربض‏ (2) الرهط فحلب فيها ثجّا (3)، حتى علاه البهاء. و يروى الثمال، فسقاها فشربت حتى رويت، و سقى أصحابه حتى رووا و شرب آخرهم و قال: «ساقى القوم آخرهم شربا». فشربوا جميعا عللا بعد نهل حتى أراضوا (4)، ثم حلب فيه ثانيا عودا على بدء ثم غادره عندها ثم ارتحلوا عنها بعد أن بايعها، فقلما لبثت أن جاء زوجها أبو معبد- أكثم بن أبى الجون- يسوق أغنما عجافا تشاركن هزلى‏ (5) و يروى [عازب‏] (6) جبال و لا حلوب فى البيت، قالت: لا و الله إلا أنه مر بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت و كيت. قال: صفيه لى يا أم معبد. قالت: رأيت رجلا ظاهر الوضاءة، أبلج‏ (7) الوجه أو متبلج الوجه، لم تعبه ثجلة (8)، و لم تزر له صقلة (9) أو صعلة، و يروى لم تعبه نحلة، و سيما قسيما (10)، فى عينيه دعج‏ (11)، و فى أشفاره و طف‏ (12) أو عطف أو غطف، و فى صورته‏ (13) صحل، و فى عنقه سطع‏ (14)، و فى لحيته كثافة، أزج‏ (15)،

____________

(1) تفاجّت: التفاج: المبالغة فى تفريج ما بين الرجلين.

(2) يربض الرهط: أى يرويهم و يثقلهم حتى يناموا و يمتدوا على الأرض. من ربض فى المكان إذا لصق به.

(3) ثجّا: أى لبنا سائلا كثيرا.

(4) عللا بعد نهل: العلل: الشرب بعد الشرب، و النهل: أى العطش. و المراد أنهم شربوا مرة بعد آخرى من بعد عطش حتى رووا و شبعوا.

(5) تشاركن هزلى: أى تسوين فى النحافة و ضعف الجسم.

(6) هكذا فى الأصل، و فى رواية الحديث كلاما ساقطا من الأصل: «فلما رأى اللبن عجب، فقال:

من أين لك هذا؟ و الشاة عازب». و به يستقيم سياق الكلام. و الله أعلم.

(7) أبلج الوجه: أى مشرق الوجه مسفره.

(8) ثجّلة: أى ضخامة البطن.

(9) صقلة: أى دقة و نحول.

(10) و سيما قسيما: أى حسنا.

(11) دعج: أى شديد سواد العينين.

(12) فى أشفاره و طف: أى فى شعر أجفانه طول.

(13) هكذا فى الأصل، و الصواب: «فى صوته صحل»، و الصحل: هو بالتحريك، كالبحّة، و ألا يكون حادّ الصوت.

(14) سطع: أى ارتفاع و طول.

(15) أزجّ: تقوس فى الحاجب مع طول فى طرفه و امتداد.

227

أقرن‏ (1)، إذا صمت فعليه الوقار، و إن تكلم سما و علاه البهاء، أجمل الناس و أبهاه من بعيد، و أحسنه و أجمله من قريب، حلو المنطق أو المنظر، فصل، لا نزر و لا هذر، كأن منطقه خرزات نظم يتحدّرن، ربعة (2)، لا يبأس من طول، و لا تقتحمه عين من قصر، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظرا، و أحسنهم قدرا، له رفقاء يحفون به، إن قال أنصتوا لقوله، و إن أمر تبادروا إلى أمره، محفود محشود (3)، لا عابس، و لا مفند. قال أبو معبد: هذا و الله صاحب قريش الذى ذكر لنا من أمره ما ذكر بمكة، لقد هممت أن أصحبه و لأفعلن إن وجدت إلى ذلك/ [113/ أ] سبيلا. و أصبح صوت بمكة عاليا بين السماء و الأرض يسمعونه و لا يرون قائله:

جزى الله ربّ الناس خير جزائه‏* * * رفيقين حلا خيمتى أم معبد

... الأبيات قال: فأصبح الناس قد فقدوا نبيهم (صلّى اللّه عليه و سلّم) فأخذوا على خيمتى أم معبد حتى لحقوا بالنبى‏ (4) (صلّى اللّه عليه و سلّم).

قال ابن إسحاق: بلغنى أنه لما خرج قال أهل السير: و لقى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) الزبير فى ركب من المسلمين، كانوا تجارا قافلين من الشام، فكسا الزبير رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أبا بكر ثياب بياض‏ (5)، و سمع المسلمون بالمدينة بمخرج رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) من مكة فكانوا يغدون كل غداة إلى ثنية الوداع ينتظرون قدوم رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فحين قدم قال قائلهم:

طلع البدر علينا* * * من ثنيات الوداع‏

وجب الشكر علينا* * * ما دعا لله داع‏

أنت مرسل حقّا* * * جئت من أمر مطاع‏

جئتنا تمشى رويدا* * * نحونا يا خير داع‏

____________

(1) أقرن أى مقرون الحاجبين. و جاء فى صفته (صلّى اللّه عليه و سلّم) (سوابغ فى غير قرن) و هو الصحيح كما قاله ابن الأثير (4/ 54).

(2) ربعة: بين الطويل و القصير.

(3) محفود محشود: مطاع فى قومه.

(4) حديث أم معبد أخرجه الحاكم: المستدرك (3/ 9، 10) من طريق هشام بن حبيش، و أورده الهيثمى: مجمع الزوائد (6/ 58) و عزاه للطبرانى، و قال: فى إسناده جماعة لا أعرفهم. و ذكر الحافظ ابن كثير: البداية و النهاية (3/ 233) شواهد لهذا الحديث، و راجع زاد المعاد (3/ 55- 57). و الله أعلم.

(5) هذا جزء من حديث أخرجه البخارى: كتاب مناقب الأنصار- باب هجرة النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أصحابه ح (3906- فتح) قال أخبرنا ابن شهاب عن عروة.

228

و أضيفت الثنية إلى الوداع؛ لأنها موضع التوديع، و هو اسم قديم جاهلى، و هذه الثنية خارج المدينة- [و أقبل رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى المدينة و كان مردفا لأبى بكر و أبو بكر شيخ يعرف و النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) شاب لا يعرف، فيلقى الرجل أبا بكر فيقول: يا أبا بكر من هذا الرجل الذى بين يديك؟ فيقول: هذا الرجل الذى يهدينى السبيل. فيحسب الحاسب أنه يعنى الطريق و إنما يعنى سبيل الخير] (1)، و قدم رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) المدينة حين اشتد الضحى من يوم الاثنين لاثنتى عشرة ليلة خلت من ربيع الأول و هو الأصح، [و تلقى المسلمون رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) بظهر الحرة، فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم فى بنى عمر (2) بن عوف، فقام أبو بكر للناس و جلس رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) صامتا، و طفق‏ (3)/ 113/ ب من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) يحيى أبا بكر حتى أصابت الشمس رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه، فعرف الناس رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) عند ذلك‏] (4)، و نزل رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) على كلثوم بن الهدم‏ (5)، و فى هذه الحرة قطعة تسمى أحجار الزيت سميت به لسواد أحجارها؛ كأنها طليت بالزيت، و هو موضع كان يستقر فيه رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و بعضهم يقول: أحجار البيت و ذلك خطأ.

قال البراء بن عازب: أول من قدم علينا المدينة مصعب بن عمير و ابن أم مكتوم و كانا يقرئان الناس، ثم قدم عمار بن ياسر و بلال ثم عمر بن الخطاب فى عشرين من أصحاب النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم)، ثم قدم النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشي‏ء فرحهم برسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) حتى جعل الإماء يقلن: قدم رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)(6).

قالت عائشة: لما قدم رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) المدينة و عك‏ (7) أبو بكر و بلال قالت:

فدخلت عليهما فقلت: يا أبت كيف تجدك؟ و يا بلال كيف تجدك؟ قالت: فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول:

____________

(1) هذا جزء من حديث أخرجه البخارى: كتاب مناقب الأنصار- باب هجرة النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أصحابه ح (3911- فتح) من حديث أنس رضي اللّه عنه.

(2) هكذا فى الأصل، و الصواب «عمرو». و الله أعلم.

(3) طفق: أى جعل.

(4) هذا جزء من حديث عروة بن الزبير فى صحيح البخارى، و تم تخريجه من قبل.

(5) قال الحافظ ابن حجر فى فتح البارى (7/ 287): و قيل كان يومئذ مشركا جزم به محمد بن الحسن ابن زبالة فى أخبار المدينة.

(6) أخرجه البخارى كتاب مناقب الأنصار- باب مقدم النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أصحابه ح (3925- فتح).

(7) وعك: الوعك: الحمى.

229

كل امرئ مصبح فى أهله‏* * * و الموت أدنى من شراك نعله.

و ذكر أبو عبد الله المرزبانى: أن هذا البيت لحكيم بن الحارث بن نهيك النهشلى و كان جاهليا، قيل: يوم الوقيظ- و هو يوم كان لبنى قيس بن ثعلبة على بنى تميم و كان حكيم ينشده فى ذلك اليوم و هو يقاتل- و كان بلال إذا أقلع عنه الحمى يرفع عقيرته‏ (1) فيقول:

ألا ليت شعرى هل أبيتن ليلة* * * بواد و حولى إذخر (2) و جليل‏

(3)

و هل أردن يوما مياه مجنّة (4)* * * و هل يبدون لى شامة و طفيل‏ (5)

قالت عائشة: فجئت رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فأخبرته/ [114/ أ] فقال: «اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، و صححها، و بارك لنا فى صاعها و مدها، و انقل حماها و اجعلها بالجحفة» (6) (7). قال أهل السير: و أقام على بن أبى طالب رضي اللّه عنه بمكة ثلاث ليال و أيامها حتى أدى عن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) الودائع التى كانت عنده للناس حتى إذا فرغ منها لحق برسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فنزل معه على كلثوم بن الهدم، و لم يبق بمكة إلا من حبسه أهله أو فتنوه‏ (8). و عن زيد بن أسلم عن أبيه فى قوله- عزوجل-: وَ قُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَ أَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَ اجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً (9). قال: جعل الله مدخل صدق المدينة، و مخرج صدق مكة، و سلطانا نصيرا الأنصار (10). و قيل: أدخلنى يعنى غار ثور مدخل صدق، و أخرجنى يعنى منه إلى المدينة مخرج صدق و قيل: غير ذلك. و الله أعلم.

____________

(1) عقيرته: صوته.

(2) إذخر: نبات طيب الرائحة.

(3) جليل: شجر الثمام، واحده جليلة.

(4) مجنة: بالفتح و تشديد النون- جبل لبنى الدئل خاصة بتهامة.

(5) شامة و طفيل: جبلان بالقرب من مكة.

(6) الجحفة: موضع بين مكة و المدينة، و هى ميقات أهل الشام، و تبعد (22) كيلو جنوب شرق مدينة رابغ. قال ابن حبان: العلة فى دعاء النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) بنقل الحمى إلى الجحفة أنها كانت حينئذ دار يهود، و لم يكن بها مسلم. و الله أعلم.

(7) أخرجه البخارى: كتاب مناقب الأنصار- باب مقدم النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أصحابه المدينة ح (3926- فتح) و طرفه فى ح (1888). و اللفظ له، و مسلم: كتاب الحج- باب الترغيب فى سكنى المدينة ح (1376).

(8) راجع سيرة ابن هشام (2/ 53) و الدرة الثمينة (ص 57).

(9) سورة الإسراء: الآية (80).

(10) راجع تفسير ابن كثير آية (80)، و هذا قول قتادة أيضا.

230

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

231

الفصل الثالث فى ما جاء فى حرمة المدينة و غبارها و تمرها و دعائه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لهم بالبركة و ما يؤول إليه أمرها و حدود حرمها

232

ذكر حرمة المدينة الشريفة

روى القاضى عياض فى «الشفاء»: أن مالك بن أنس رضي اللّه عنه كان لا يركب فى المدينة دابة، و كان يقول: أستحيى من الله أن أطأ تربة فيها رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) بحافر دابتى.

و روى أنه وهب للشافعى- (رحمه الله)- كراعا كثيرا كان عنده فقال له الشافعى: أمسك منها دابة فأجابه بمثل هذا الجواب. و كان قد أفتى مالك- (رحمه الله)- فيمن قال: تربة المدينة رديئة. بضرب ثلاثين درة و أمر بحبسه و كان له قدر، و قال: ما أحوجه إلى ضرب عنقه تربة دفن فيها رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) يزعم أنها غير طيبة.

و عن الزهرى أنه قال: إذا كان يوم القيامة رفع الله- تعالى- الكعبة البيت الحرام إلى البيت المقدس فتمر بقبر النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) بالمدينة فتقول: السلام عليك يا رسول الله/ [114/ ب‏] و رحمة الله و بركاته. فيقول (عليه السلام): «و عليك السلام يا كعبة الله ما حال أمتى؟ فتقول: يا محمد أمّا من وفد إلىّ من أمتك فأنا القائمة بشأنه، و أما من لم يفد إلىّ من أمتك فأنت القائم بشأنه». رواه أبو سعيد الموصلى فى باب رفع الكعبة المشرفة إلى البيت المقدس.

فانظر لسر زيارة البيت الحرام للنبى- (عليه السلام)- و دخول الكعبة المشرفة مدينة خير الأنام و كفى بهذا الشرف تعظيما.

قال الشيخ عبد الله المرجانى فى «بهجة النفوس و الأسرار فى تاريخ دار هجرة المختار»: لما جرى سابق شرفها فى القدم أخذ من تربتها حين خلق آدم فأوجد الموجد وجودها من بعد العدم. قال أهل السير: إن الله- تعالى- لما خمر طينة آدم- (عليه السلام)- حين أراد خلقه أمر جبريل أن يأتيه بالقبضة البيضاء التى هى قلب الأرض و بهاؤها و نورها؛ ليخلق منها محمدا (صلّى اللّه عليه و سلّم) فهبط جبريل فى ملائكة الفراديس المقربين و ملائكة الصفح الأعلى، فقبض قبضة من موضع قبر رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هى يومئذ بيضاء نقية، فعجنت بماء التسنيم و رعرعت حتى صارت كالدرة البيضاء ثم غمست فى أنهار الجنة كلها، و طيف بها فى السماوات و الأرض و البحار، فعرفت الملائكة حينئذ محمدا (صلّى اللّه عليه و سلّم) و فضله قبل أن تعرف آدم و فضله، ثم عجنت بطينة آدم بعد ذلك، و لا يخلق ذلك الجسد إلّا من أفضل بقاع الأرض. حكاه الثعلبى‏ (1).

و حكى أبو عبيد الجرهمى- و كان كبير السن عالما بأخبار الأمم-: أن تبعا الأصغر و هو تبع بن حسان بن تبع سار إلى يثرب فنزل فى سفح جبل أحد، و ذهب إلى اليهود و قتل منهم ثلاثمائة و خمسين رجلا صبرا و أراد إخرابها، فقام إليه حبر من اليهود

____________

(1) فى قصص الأنبياء (ص 26).

233

فقال له: أيها الملك مثلك لا يقبل على الغضب و لا يقبل قول الزور و أنت لا تستطيع أن تخرب هذه القرية. قال: و لم؟/ [115/ أ] قال: لأنها مهاجر نبى من ولد إسماعيل يخرج من هذه البنية- يعنى البيت الحرام- فكف تبع و مضى إلى مكة و معه هذا اليهودى و رجل آخر عالم من اليهود، فكسا البيت الحرام كسوة و نحر عنده ستة آلاف جزور و أطعم الناس، و لم يزل بعد ذلك يحوط المدينة الشريفة و يعظمها.

و يروى أن سليمان- (عليه السلام)- لما حملته الريح من إصطخر على ممره بوادى النمل سار إلى اليمن فتوغل فى البادية فسلك مدينة الرسول (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال سليمان (عليه السلام):

هذه دار هجرة نبى فى آخر الزمان طوبى لمن آمن به و اتبعه. فقال له قوم: كم بيننا و بين خروجه؟ قال: زهاء ألف عام. و وادى النمل هو وادى السديرة بأرض الطائف من أرض الحجاز. قاله كعب. و قيل: هو بالشام.

و عن أنس رضي اللّه عنه أن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان إذا قدم من سفر فنظر إلى جدران المدينة أوضع راحلته، و إن كان على دابة حركها (1). و عن أبى هريرة قال: يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل يطلبون العلم فلا يجدون أحدا أعلم من عالم المدينة (2). قال الترمذى: حديث حسن.

روى عن سفيان بن عيينة أنه قال: هو مالك بن أنس رضي اللّه عنه. و عن عبد الرزاق أنه قال: هو العمرى الزاهد. قال التوربشتى فى «شرح المصابيح»: و ما ذكره ابن عيينة، و عبد الرزاق فهو محمول منهما على غلبة الظن دون القطع به، و قد كان مالك- (رحمه الله)- حقيقا بهذا الظن فإنه كان إمام دار الهجرة و المرجوع بها إليه فى علم الفتيا، و كذا العمرى الزاهد و هو- عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه- و قد كان الشيخ وحده و كان من عباد الله الصالحين المشّائين فى عباده و بلاده بالنصيحة، و لقد بلغنا أنه كان يخرج إلى البادية؛ ليتفقد أحوال أهلها شفقة منه عليهم أو ألحق/ [115/ ب‏] النصيحة فيهم فيأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر، و كان يقول لعلماء المدينة: شغلكم طلب الجاه و حب الرياسة عن توفية العلم حقه فى إخوانكم من المسلمين، تركتموهم فى البوادى و الفلوات يعمهون فى أودية الجهل و متيهة الضلال، أو كلاما هذا معناه.

قال التوربشتى: و لو جاز لنا أن نتجاوز الظن فى مثل هذه القضية لكان قولنا إنه‏

____________

(1) أخرجه البخارى: كتاب العمرة- باب من أسرع ناقته إذا بلغ المدينة ح (1802- فتح).

(2) أخرجه الترمذى: كتاب العلم- باب ما جاء فى عالم المدينة ح (2680)، و النسائى فى الكبرى:

كتاب الحج- باب فضل عالم أهل المدينة.

234

عمر أولى من قوله إنه العمرى مع القطع به فقد لبث بالمدينة أعواما يجتهد فى تمهيد الشرع و تبين الأحكام، و لقد شهد له أعلام الصحابة بالتفوق فى العلم حتى قال ابن مسعود رضي اللّه عنه يوم استشهد عمر رضي اللّه عنه: لقد دفن بموته تسعة أعشار العلم. انتهى.

قال العفيف المرجانى: سمعت والدى يقول: كنت ذات يوم جالسا فى البستان فإذا بمقدار ثلاثين أو أربعين فارسا لابسين ثيابا معممين ملثمين جميعهم قاصدين المدينة، فاتبعتهم فى أثرهم فلم أجد لهم خبرا، فسألت عنهم فلم أجد من يخبرنى عنهم بخبر و لم أجد لهم أثرا، فعلمت أنهم من الملائكة أو من مؤمنى الجن أو صالحى الإنس أتوا لزيارة النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: و البستان اليوم باق معروف بالمرجانية بالقرب من المصلى. قال العفيف:

و سمعته يقول: من بركة أرض المدينة أنى زرعت بالبستان بطيخا أخضر فلما استوى أتانى بعض الفقراء من أصحابى فأشاروا إلى بطيخة قد انتهت و قالوا: هذه لا تتصرف فيها هى لنا إلى اليوم الفلانى. فلما خرجوا أتى من قطعها و لم أعلم فتشوشت من ذلك و نظرت فإذا بنوارة قد طلعت مكان تلك البطيخة و عقدت بطيخة فلم يأت يوم وعد الفقراء إلّا و هى أكبر من الأولى فأتوا و أكلوها و لم يشكوا أنها الأولى. و قال العفيف فى «تاريخه» أيضا: سمعت والدى يقول: سحرت امرأة من أهل اليمن زوجها و غيرت صورته، و اتفق لهم حكاية طويلة ثم شفع فيه بعض الناس فقالت/ [116/ أ] امرأته: لا بد أن أترك فيه علامة فأطلقته بعد أن نبت له ذنب كذنب الحمار، فحج و هو على تلك الحالة فشكا ذلك إلى أبى عبد الله محمد بن يحيى الغرناطى فقيه كان بمكة فأمره بالسفر إلى المدينة، فسافر فى طريق المشيان إليها قال: فعند وصوله إلى قباء سقط منه ذلك الذنب بإذن الله تعالى.

ما جاء فى غبار المدينة الشريفة

تقدم فى باب الفضائل حديث: «غبار المدينة شفاء من الجذام» (1). و عن ابن عمر أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) لما دنا من المدينة منصرفا من تبوك خرج إليه يتلقاه أهل المدينة من المشايخ و الغلمان، ثار من أثارهم غبرة فخمّر بعض من كان مع رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) أنفه من الغبار، فمد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) يده فأماطها عن وجهه، و قال: «أما علمت أن عجوة المدينة شفاء من السّم، و غبارها شفاء من الجذام» (2).

____________

(1) أورده السيوطى فى الجامع الصغير (2/ 75) و رمز له بالضعف، و عزاه لأبى نعيم فى الطب عن ثابت بن قيس بن شماس. و للحديث روايات بألفاظ أخرى و كلها ضعيفة كما رمز لها السيوطى فى جامعه.

(2) أورد نحوه الحافظ المنذرى فى الترغيب و الترهيب (2/ 204) عن سعد بن أبى وقاص، و قال:

ذكره رزين العبدرى فى جامعه، و لم أره فى الأصول.

235

و عن إبراهيم بن الجهم أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) أتى بنى الحارث فإذا هم وؤباء، فقال:

«مالكم يا بنى الحارث وؤبى؟ (1) قالوا: نعم يا رسول الله أصابتنا هذه الحمى. قال:

«فأين أنتم عن صعيب؟» قالوا: يا رسول الله ما نصنع به؟ قال: «تأخذون من ترابه فتجعلونه فى ماء ثم يتفل عليه أحدكم و يقول: بسم الله تربة أرضنا، بريق بعضنا، شفاء لمريضنا بإذن ربنا» ففعلوا فتركتهم الحمى‏ (2). قال أبو القاسم طاهر بن يحيى العلوى:

صعيب وادى بطحان دون الماجشونية و فيه حفرة يأخذ الناس منها، و هو اليوم إذ أوبأ إنسان يأخذ منها. قال الحافظ محب الدين بن النجار: رأيت هذه الحفرة و الناس يأخذون منها و ذكروا أنهم قد جربوه فوجدوه صحيحا. قال: و أخذت أنا منها أيضا (3). و بطحان- بضم الباء و سكون الطاء المهملة- سمى بذلك لسعته و انبساطه من البطح و هو البسط، قاله أبو عبيد القاسم/ [116/ ب‏] بن سلام. و عن ابن سلمان أن رجلا أتى به رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و برجله قرحة فرفع رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) طرف الحصير ثم وضع أصبعه التى تلى الإبهام على التراب بعدما مسها بريقه فقال: «بسم الله، بريق بعضنا، بتربة أرضنا، يشفى سقيمنا بإذن ربنا»، ثم وضع أصبعه على القرحة فكأنما حلّ من عقال‏ (4).

ما جاء فى تمر المدينة و ثمارها و دعائه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لها بالبركة

أول من غرس النخل فى الأرض أنوس بن شيث، و أول من غرس بالمدينة بنو قريظة و بنو النضير. حدث العوفى عن الكلبى فى «تاريخ ملوك الأرض»: أن شرية الخثعمى عمّر ثلاثمائة سنة و أدرك زمان عمر بن الخطاب فقال و هو بالمدينة: لقد رأيت هذا الوادى الذى أنتم و ما به نخالة و لا شجرة مما ترون، و لقد سمعت أخريات قومى يشهدون بمثل شهادتكم هذه يعنى- لا إله إلا الله- و ممن عمّر مثل هذا جماعة منهم: سلمان الفارسى و المستوغر ابن ربيعة.

و تقدم فى الفضائل: «من تصبح بسبع تمرات عجوة لم يضره فى ذلك اليوم سم‏

____________

(1) هكذا فى الأصل، و فى ابن النجار «روبى» و هم الذين أوهنهم المرض، و جمعه روبان- لسان العرب.

(2) ذكره ابن النجار فى الدرة الثمينة (ص 63)، و كذا السمهودى فى وفاء الوفاء (1/ 68)، و من طريق محمد بن الحسن بن زبالة عن محمد بن فضالة عن إبراهيم بن الجهم.

(3) الدرة الثمينة (ص 63).

(4) أخرجه البخارى: كتاب الطب- باب رقية النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) ح (5745- فتح)، و مسلم: كتاب السلام- باب استحباب الرقية من العين و النملة ... ح (2194) من حديث عائشة- رضى الله عنها-. و اللفظ لمسلم.

236

و لا سحر» (1). و فى صحيح مسلم: «من أكل سبع تمرات من بين لابتيها حين يصبح لم يضره سم حتى يمسى» (2). و اللّابة: الحرة حجارة سود من الجبلين. فقوله: «من بين لابتيها» أى حرّيتها. و عن أبى هريرة أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان يؤتى بأول الثمر فيقول:

«اللهم بارك لنا فى مدينتنا، و فى ثمارنا، و فى مدنا و فى صاعنا، بركة مع بركة، ثم يعطيه أصغر من يحضره من الولدان» (3). و فى رواية ابن السنى عن أبى هريرة: رأيت رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) إذا أتى بباكورة وضعها على عينيه ثم على شفتيه و قال: «اللهم كما أريتنا أوله فأرنا آخره ثم يعطيه من يكون عنده من الصبيان» (4). و عن على قال: خرجنا مع رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) حى إذا/ [117/ أ] كنا بالسقيا التى كانت لسعد بن أبى وقاص فقال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «ائتونى بوضوء»، فلما توضأ قام فاستقبل القبلة ثم كبر ثم قال:

«اللهم إن إبراهيم كان عبدك و خليلك دعاك لأهل مكة بالبركة، و أنا محمد عبدك و رسولك أدعوك‏ (5) أن تبارك لهم فى مدهم‏ (6) مثل ما باركت لأهل مكة، و مع البركة بركتين» (7).

ذكر ما يؤول إليه أمر المدينة الشريفة

عن أبى هريرة قال: سمعت رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول: «لتتركن المدينة على خير ما كانت مدللة، ثم أرها لا يغشاها إلّا العوافى- يريد عوافى الطير و السباع- و آخر من يحشر منها راعيان من مزينة يريدان المدينة، ينعقان بغنمهما فيجدانها وحشا حتى إذا

____________

(1) أخرجه البخارى: كتاب الأطعمة- باب العجوة ح (5445- فتح)، و مسلم: كتاب الأشربة- باب فضل تمر المدينة ح (2047). من حديث سعد بن أبى وقاص، و اللفظ للبخارى.

(2) فى كتاب الأشربة- باب فضل تمر المدينة ح (2047)، من حديث سعد بن أبى وقاص.

(3) أخرجه مسلم: كتاب الحج- باب فضل المدينة ح (1373)، و الترمذى: كتاب الدعوات- باب ما يقول إذا رأى الباكورة من الثمر ح (3454)، و ابن ماجه: كتاب الأطعمة- باب إذا أوتى بأول الثمرة ح (3329)، و مالك فى الموطأ: كتاب الجامع- باب الدعاء للمدينة و أهلها ح (2) كلهم عن أبى هريرة.

(4) ابن السنى: عمل اليوم و الليلة رقم (279).

(5) هكذا فى الأصل، و فى الحديث: «لأهل المدينة».

(6) هكذا فى الأصل، و فى الحديث: «وصاعهم».

(7) أخرجه الترمذى: كتاب المناقب- باب فى فضل المدينة ح (3914)، و النسائى فى الكبرى:

كتاب الحج- باب مكيال أهل المدينة، و الإمام أحمد: المسند (1/ 115، 116)، و ابن خزيمة: فى صحيحه (1/ 106 برقم 209).

237

بلغا ثنية الوداع خرّا على وجوههما» (1). رواه البخارى. و عنه أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال:

«لتتركن المدينة على أحسن ما كانت حتى يدخل الكلب أو الذئب فيغذّى على بعض سوارى المسجد أو على المنبر». فقالوا: يا رسول الله فلمن تكون الثمار فى ذلك الزمن.

فقال: «للعوافى الطير و السباع» (2). رواه مالك فى الموطأ.

ما جاء فى تحديد حدود حرم المدينة الشريفة

فى الصحيحين من حديث على رضي اللّه عنه عن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) أنه قال: «المدينة حرم ما بين عير إلى ثور، فمن أحدث فيها حدثا، أو آوى محدثا، فعليه لعنة الله و الملائكة و الناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا و لا عدلا» (3) و أراد بالحدث: البدعة و ذلك ما لم تجر به سنة و لم يتقدم به عمل، و بالمحدث: المبتدع. قال التوربشتى: و روى بعضهم المحدث بفتح الدال و ليس بشئ؛ لأن الرواية الصحيحة بكسر الدال و فيه من طريف المعنى و هن و هو أن اللفظين يرجعان حينئذ إلى شئ واحد، فإن إحداث البدعة/ [117/ ب‏] و إيواءها سواء، و الإيواء قلما يستعمل فى الإحداث و إنما المشهور استعماله فى الأعيان التى تنضم إلى المساوئ. انتهى.

و عن على رضي اللّه عنه قال: ما عندنا شى‏ء إلا كتاب الله و هذه الصحيفة عن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«المدينة حرم ما بين عابر إلى كذا» رواه البخارى‏ (4) مطولا و هذا لفظه، و رواه مسلم فقال:

«ما بين عير إلى ثور» (5). و هذا هو حد الحرم فى الطول. و عن أبى هريرة رضي اللّه عنه أنه كان يقول: لو رأيت الظباء ترتع‏ (6) بالمدينة ما ذعرتها، قال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «ما بين لابتيها حرام». متفق عليه‏ (7). و هذا حد الحرم فى العرض. و عنه قال: حرم رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) ما بين لابتى المدينة. قال أبو هريرة: فلو وجدت الظباء ما بين لابتيها ما ذعرتها، و جعل اثنى‏

____________

(1) البخارى: كتاب فضائل المدينة- باب من رغب عن المدينة ح (1874- فتح)، و مسلم: كتاب الحج- باب فى المدينة حين يتركها أهلها ح (1389).

(2) مالك: كتاب الجامع- باب ما جاء فى سكنى المدينة و الخروج منها ح (8). و قوله: «فيغذّى» معناه: يبول عليها لعدم سكانه و خلوه من الناس. راجع النهاية.

(3) البخارى: كتاب فضائل المدينة- باب حرم المدينة ح (1870- فتح)، و مسلم: كتاب الحج- باب فضل المدينة ح (1370)، و اللفظ لمسلم.

(4) البخارى: كتاب فضائل المدينة- باب حرم المدينة ح (1870- فتح).

(5) مسلم: كتاب الحج- باب فضل المدينة ح (1370).

(6) ترتع: تسعى و ترعى.

(7) البخارى: كتاب فضائل المدينة- باب لابتى المدينة ح (1873- فتح)، و مسلم: كتاب الحج- باب فضل المدينة ح (1372).

238

عشر ميلا حمى‏ (1) رواه مسلم. قال المازنى: نقل بعض أهل العلم أن ذكر ثور هنا و هم من الراوى؛ لأن ثورا بمكة، و الصحيح ما بين ثور إلى أحد. و قال أبو عبيد القاسم بن سلّام: إن عيرا جبل معروف بالمدينة، و أن ثورا لا يعرف بها و إنما يعرف بمكة. قال: فإذا نرى أن أصل الحديث ما بين عير إلى أحد (2). و كذلك قال غيره. و قال أبو بكر الحازمى:

حرم رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) ما بين عير إلى أحد قال: هذه الرواية الصحيحة و قيل: إلى ثور.

فليس له معنى. انتهى.

قالوا أو يكون رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) سمى أحدا ثورا تشبيها بثور مكة؛ لوقوعه فى مقابلة جبل يسمى عيرا. و قيل: أراد بهما مأزمى المدينة؛ لما ورد فى حديث أبى سعيد:

«حرمت ما بين مأزميها» (3). و قيل: أراد الحرتين شبه إحدى الحرتين بعير لنتوء وسطه و نشوزه، و الآخر بثور لامتناعه تشبيها بثور الوحش. و قيل: إن ما بين عير مكة إلى ثورها من المدينة مثله حرام. و إنما قيل: هذه التأويلات لما لم يعرف بالمدينة جبل يسمى ثورا.

قال المحب/ [118/ أ] الطبرى: و قد أخبرنى الثقة الصدوق الحافظ العالم المجاور بحرم رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) أبو محمد عبد السلام البصرى أن حذاء أحد عن يساره جانحا إلى ورائه جبل صغير يقال له: ثور، و أخبر أنه تكرر سؤاله عنه لطوائف من العرب- العارفين بتلك الأرض و ما فيها من الجبال- فكل أخبر أن ذلك الجبل اسمه ثور، فعلمنا بذلك أن ما تضمنه الخبر صحيح، و عدم علم أكابر العلماء به لعدم شهرته و عدم سؤالهم و بحثهم عنه‏ (4). انتهى.

و قال جمال الدين المطرى و غيره: قد ثبت بالمدينة الشريفة عن أهلها القدماء الساكنين بالعمرية و الغابة أنهم يعرفون عن آبائهم و أجدادهم أن وراء أحد جبلا يقال له:

ثور معروف. قال: و شاهدنا الجبل و لم يختلف فى ذلك أحد، و عسى أن يكون أشكل على من تقدم لقلة سكناهم بالمدينة، قال: و هو خلف جبل أحد من شماليه تحته و هو جبل صغير مدور و هما حد الحرم كما نقل، قال: و لعل هذا الاسم لم يبلغ أبا عبيد و لا المازنى‏ (5).

____________

(1) مسلم: كتاب الحج- باب فضل المدينة ح (1372)، و كذلك أخرجه الإمام أحمد: المسند (2/ 279).

(2) راجع الدرة الثمينة لابن النجار (ص 87، 88)، و فتح البارى للحافظ ابن حجر (4/ 98).

(3) أخرجه مسلم: كتاب الحج- باب الترغيب فى سكنى المدينة ح (1374). و المأزم: المضيق بين الجبلين حيث يلتقى بعضها ببعض و يتسع ماوراءه. و قيل: الجبلين. النهاية لابن الأثير.

(4) راجع قول المحب الطبرى هذا و غيره من الأقوال فى الفتح للحافظ ابن حجر (4/ 99).

(5) راجع التعريف بما آنست الهجرة من معالم دار الهجرة (ص 35).

239

انتهى. و أما عير فهو الجبل الكبير الذى من جهة قبلة المدينة.

و اختلف فى صيد حرم المدينة و شجره‏ (1) و مذهبنا (2) أنه لا يحرم، و تقدم آخر الباب التاسع الجواب عن حديث‏ (3) سعد بن أبى وقاص و عن قوله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «إن إبراهيم حرم مكة و إنى حرمت المدينة» (4). و عن حديث سعد بن أبى وقاص أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: «إنى أحرم ما بين لابتى المدينة أن يقطع عضاهها» (5). الحديث. قال التوربشتى فى «شرح المصابيح»: و كان سعد و زيد بن ثابت يريان فى ذلك الجزاء. و أجاب عن ذلك بأنه نسخ فلم يشعرا به. قال: و إنما ذهب للنسخ من ذهب للأحاديث التى تدل على خلاف ذلك، و لهذا لم يأخذ بحديثهما أحد من فقهاء/ [118/ ب‏] الأمصار، و سئل مالك عن النهى فى قطع سدر المدينة فقال: إنما نهى عنه لئلا يتوحش و ليتقى به شجرها فيستأنس بذلك من هاجر إليها و يستظل بها. انتهى.

و أجاب أيضا عن حديث أبى سعيد الخدرى عن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: «اللهم إن إبراهيم حرم مكة فجعلها حرما» (6). الحديث. و فيه «لا ينفر صيدها». و كذلك فى حديث جابر: «لا يصاد صيدها» (7). قال: و السبيل فى ذلك أن يحمل النهى على ما قاله مالك و غيره من العلماء أنه أحب أن تكون المدينة مأهولة مستأنسة، فإن صيدها و إن رأى تحريمه نفر يسير من الصحابة فإن الجمهور منهم لم ينكروا اصطياد الطيور بالمدينة، و لم يبلغنا فيه عن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) نهى من طريق يعتمد عليه، و لو كان حراما لم يسكت عنه فى موضع الحاجة، ثم لم يبلغنا عن أحد من الصحابة أنه رأى الجزاء فى صيد المدينة، و لم يذهب أيضا إلى ذلك أحد من فقهاء الأمصار الذين يدور عليهم علم الفتيا فى بلاد الإسلام انتهى.

____________

(1) قال مالك و الشافعى و أحمد: إنه يحرم. و قال أبو حنيفة: إنه ليس بحرام. و راجع ما قاله الحافظ ابن حجر فى الفتح (4/ 100).

(2) مذهب المصنف- (رحمه الله)- الحنفية، فعندهم لا يحرم صيد حرم المدينة و لا قطع شجره.

و الله أعلم.

(3) و هو أن سعد بن أبى وقاص أخذ رجلا تصيد فى حرم المدينة فسلبه ثيابه فجاءوا إليه فكلموه فيه فقال إن رسول الله حرم هذا الحرم و قال: «من أخذ الصيد فيه فليسلبه ثيابه» ... أخرجه أبو داود: كتاب المناسك- باب فى تحريم المدينة ح (2037).

(4) أخرجه مسلم: كتاب الحج- باب فضل المدينة ح (1362). من حديث جابر بن عبد الله.

(5) أخرجه مسلم: كتاب الحج- باب فضل المدينة ح (1363)، و أحمد: المسند (1/ 169، 181، 185).

(6) أخرجه مسلم: كتاب الحج- باب الترغيب فى سكنى المدينة ح (1374).

(7) تقدم تخريجه.

240

و أجاب التوربشتى أيضا عن حديث سعد رضي اللّه عنه أنه وجد عبدا يقطع شجرا أو يخبطه فسلبه ثيابه‏ (1). قال: و الوجه فى ذلك النسخ فى ذلك على ما ذكرنا و قد كانت العقوبات فى أول الإسلام جارية فى الأموال. انتهى.

____________

(1) تقدم تخريجه.

241

الفصل الرابع فى ذكر أودية المدينة الشريفة و آبارها المنسوبة إلى النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و عينها و ذكر جبل أحد و الشهداء عنده‏

242

ذكر وادى العقيق و فضله‏

تقدم حديث عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه قال: سمعت رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) بوادى العقيق يقول: «أتانى الليلة آت من ربى ..» (1) الحديث. و كان عبد الله بن عمر ينيخ بالوادى يتحرى معرس رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و يقول: هو أسفل من المسجد الذى ببطن الوادى بينه و بين/ [119/ أ] الطريق وسط من ذلك‏ (2). و عن عامر بن سعد بن أبى وقاص قال: ركب رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى العقيق ثم رجع فقال: «يا عائشة جئنا من هذا العقيق فما ألين موطئه و ما أعذب ماءه». قالت: أفلا تنتقل إليه؟ قال: «كيف و قد ابتنى الناس» (3).

قال أهل السير: وجد قبر آدمى عند جما أم خالد بالعقيق مكتوب فيه: أنا عبد الله رسول رسول الله سليمان بن داود إلى أهل يثرب، و وجد حجر آخر على قبر آدمى أيضا عليه مكتوب: أنا سود (4) بن سوادة رسول رسول الله عيسى ابن مريم إلى أهل هذه القرية (5).

قال الشيخ جمال الدين المطرى: و الجماوات أربعة أجبل غربى وادى العقيق.

و ابتنى الناس بالعقيق من خلافة عثمان رضي اللّه عنه و نزلوه و حفروا به الآبار و غرسوا فيه النخيل و الأشجار من جميع نواحيه على جنبى وادى العقيق إلى هذه الجماوات، و سميت كل جما منها باسم من بنى فيها، و نزل فيه جماعة من الصحابة- رضى الله عنهم- منهم أبو هريرة و سعيد بن العاص‏ (6) بن سعيد بن العاص و سعد بن أبى وقاص و سعيد بن زيد (7)، و ماتوا جميعهم به و حملوا إلى المدينة و دفنوا فى البقيع و كذلك سكنه جماعة من التابعين و من بعدهم، و كانت فيه القصور المشيدة و الآبار العذبة، و لأهلها أخبار مستحسنة و أشعار رائقة، و لما بنى عروة بن الزبير قصره بالعقيق و نزله، قيل له جفوت عن مسجد رسول‏

____________

(1) أخرجه البخارى: كتاب الحج- باب قول النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) (العقيق واد مبارك) ح (1534- فتح)، و أحمد:

المسند (1/ 24)، و أبو داود: ح (1800).

(2) أورده ابن النجار: الدرة الثمينة (ص 95).

(3) أورده ابن النجار بسنده: الدرة الثمينة (ص 95، 96)، و أورده كذلك جمال الدين المطرى:

التعريف بما آنست الهجرة بسنده (ص 60).

(4) هكذا فى الأصل، و فى الدرة الثمينة: «أسود»، و كذلك فى التعريف بما آنست الهجرة للمطرى.

و الله أعلم.

(5) راجع الدرة الثمينة لابن النجار (ص 96)، و التعريف بما آنست الهجرة للمطرى (ص 60).

(6) قال المطرى: سعيد بن العاصى مشكوك فى صحبته.

(7) إلى هنا انتهى كلام المطرى (ص 60).

243

الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال: إنى رأيت مساجدهم لاهية، و أسواقهم لاغية، و الفاحشة فى فجاجهم عالية، فكان فيما هنالك عما هو فيها عافية، و ولى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) العقيق لرجل اسمه هيضم المزنى، و لم تزل الولاة على المدينة الشريفة يولون عليه واليا حتى كان داود بن عيسى فتركه فى سنة ثمان و تسعين و مائة (1). قال/ [119/ ب‏] ابن النجار: و وادى العقيق اليوم ليس فيه ساكن، و فيه بقايا بنيان خراب و آثار تجد النفس برؤيتها أنسا (2).

قال الشيخ منتخب الدين: و بالمدينة عقيقان الأصغر فيه بئر رومة، و الأكبر فيه بئر عروة، سميا بذلك لأنهما عقا عن حرة المدينة- أى قطعا. قال الجمال المطرى: و رمل مسجد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) من العرصة التى تسيل من الجما الشمالية إلى الوادى فيحمل منه و ليس فى الوادى رمل أحمر غير ما يسيل من الجبل‏ (3).

ذكر الآبار المنسوبة إلى النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم)

قد نقل أهل السير أسماء آبار بالمدينة شرب منها رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و بصق فيها إلا أن أكثرها لا يعرف اليوم، فلا حاجة إلى ذكره، و نذكر الآبار التى هى موجودة اليوم معروفة على ما يذكر أهل المدينة و العهدة عليهم‏ (4). الأولى: بئر حا. قال ابن النجار: و هذه البئر اليوم وسط حديقة صغيرة جدا فيها نخيلات و بزر (5) حولها و عندها بيت مبنى على علو من الأرض، [و هى قريبة من البقيع و من سور المدينة] (6) و هى ملك لبعض أهل المدينة، و ماؤها عذب حلو، قال: و ذرعتها فكان طولها عشرين ذراعا (7) منها أحد عشر ذراعا و نصف ماء و الباقى بنيان، و عرضها ثلاثة أذرع و يسير (8)، و هى مقابلة المسجد كما ورد فى الصحيح‏ (9) (10).

____________

(1) راجع الدرة الثمينة فى تاريخ المدينة لابن النجار (ص 96).

(2) الدرة الثمينة (96).

(3) فى التعريف بما آنست الهجرة (ص 62).

(4) راجع الدرة الثمينة (ص 101).

(5) هكذا فى الأصل، و فى الدرة الثمينة: «يزرع». و هو الصواب. و الله أعلم.

(6) ما بين المعكوفتين ليست فى الدرة الثمينة.

(7) هكذا فى الأصل، و فى الدرة الثمينة: «عشرة أذرع و نصف»، و ما جاء فى التعريف بما آنست الهجرة (ص 53) موافق لما فى الأصل.

(8) هكذا فى الأصل و فى الدرة الثمينة: «و شبر».

(9) صحيح البخارى: كتاب الزكاة- باب الزكاة على الأقارب ح (1461- فتح).

(10) الدرة الثمينة (ص 101، 102).

244

و قال المطرى: و هى شمالى سور المدينة، بينها و بين السور الطريق، و تعرف اليوم بالنويرية اشتراها (1) و وقفها على الفقراء و غيرهم‏ (2).

الثانية: بئر أريس و هى البئر التى جلس رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) عليها و توسط قفها و كشف عن ساقيه و دلاهما فى البئر، و كان بابها من جريد، فدخل عليه أبو بكر رضي اللّه عنه فبشره بالجنة و جلس عن يمين رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) معه فى القف و دلى رجليه فى البئر و كشف عن ساقيه، ثم دخل عمر رضي اللّه عنه و بشر بالجنة [120/ أ] و جلس عن يساره و صنع كما صنع أبو بكر، ثم دخل عثمان بن عفان و بشره بالجنة مع بلوى تصيبه فوجد القف قد ملئ فجلس و جاههم من الشق الآخر. ثبت ذلك فى الصحيحين‏ (3)، و كان البواب أبو موسى الأشعرى. قال سعيد بن المسيب: فأولتها قبورهم.

قال ابن النجار: و هذه البئر مقابلة مسجد قباء، و عندها مزارع و يستسقى منها ماؤها عذب، قال: و ذرعتها فكان طولها أربعة عشر ذراعا و شبرا، منها ذراعان و نصف ماء و عرضها خمسة أذرع، و طول قفها الذى جلس عليه النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و صاحباه ثلاثة أذرع تشف كفّا، و البئر تحت أطم عال خراب من حجارة (4). قال المطرى: البئر غربى مسجد قباء فى حديقة الأشراف الكبراء من بنى الحسين بن على بن أبى طالب، و الأطم المذكور من جهة القبلة و قد بنى فى أعلاه مسكن يسكنه من يقوم بالحديقة و يخدم «المسجد الشريف» (5) و حولها دور الأنصار و آثارهم- رضى الله عنهم- و قد جدد لها الشيخ صفى الدين أبو بكر أحمد السلامى- (رحمه الله)- درجا ينزل إليها منه، و على الدرج قبو و ذلك فى سنة أربع عشرة و سبعمائة (6).

الثالثة: بئر بضاعة. و قد تقدم فى الفضائل أن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) بصق فيها (7) و دعا لها

____________

(1) و فى التعريف بما آنست الهجرة: «اشتراها بعض النساء النويرين».

(2) التعريف بما آنست الهجرة (ص 53).

(3) أخرجه البخارى: كتاب فضائل الصحابة- باب قول النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) لو كنت متخذا خليلا- ح (3674- فتح)، و مسلم: كتاب فضائل الصحابة- باب من فضائل عثمان بن عفان رضي اللّه عنه ح (2403) عن أبى موسى الأشعرى.

(4) الدرة الثمينة (ص 103).

(5) هكذا فى الأصل، و فى التعريف بما آنست الهجرة: «مسجد قباء».

(6) التعريف بما آنست الهجرة (ص 49- 50).

(7) أورد الحديث ابن النجار بسنده فى الدرة الثمينة (ص 104) من حديث سهل بن سعد و أورده الطبرانى فى الكبير من حديث أبى أسيد.

245

و هذه البئر كانت لبنى ساعدة و هم قوم من الخزرج. قال‏ (1) المرجانى فى تاريخه: و الظاهر أن بضاعة رجل أو امرأة تنسب إليه البئر، و كان موضعها ممر السيول فتكمح الأقذار من الطرق إليها لكن الماء لكثرته لا يؤثر ذلك فيه. قال أبو داود فى «السنن»: سألت قيم بئر بضاعة عن عمقها فقلت: أكثر ما يكون فيها الماء؟ قال: إلى العانة. قلت: فإذا نقص.

قال: دون العورة. قال أبو داود: قد ذرعت بئر بضاعة برداء مددته عليها ثم ذرعته فإذا عرضه ستة أذرع، و سألت الذى فتح باب البستان فأدخلنى إليه هل غير بناؤها عما كانت عليه؟ فقال: لا. و رأيت فيها ماء متغير اللون‏ (2). قال/ [120/ ب‏] ابن العربى: و هى فى وسط السبخة فماؤها يكون متغيرا من قرارها. قال المحب بن النجار: و ماؤها عذب طيب، صاف‏ (3) أبيض، و ريحه كذلك، و يستقى منها كثيرا، قال‏ (4): و ذرعتها فكان طولها أحد عشر ذراعا و شبرا، منها ذراعان راجحة ماء و الباقى بناء، و عرضها ستة أذرع كما ذكر أبو داود (5). قال الجمال المطرى: و هى اليوم فى ناحية حديقة شمالى سور المدينة و غربى بئر حا إلى جهة الشمال، يستقى منها أهل الحديقة، و الحديقة فى قبلة البئر و يستقى منها أهل حديقة أخرى شمالى البئر، و البئر وسط بينهما (6). و هذه الآبار المذكورة تقدم فضلها فى الفضائل.

الرابعة: بئر غرس عن سعيد بن عبد الرحمن بن رقيش قال: جاءنا أنس بن مالك بقباء فقال: أين بئركم هذه؟- يعنى بئر غرس- فدللناه عليها قال: رأيت النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) جاءها و إنها لتسنى على حمار بسحر فدعا النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) بدلو من مائها فتوضأ منه ثم سكبه فيها فما نزفت بعده‏ (7). و عن إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع قال: قال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«رأيت الليلة أنى أصبحت على بئر من الجنة»، فأصبح على بئر غرس فتوضأ منها و بصق‏

____________

(1) هناك بياض فى الأصل، و لعل الصواب ما أثبتناه. و الله أعلم.

(2) راجع سنن أبى داود (1/ 18).

(3) هكذا فى الأصل، و فى الدرة الثمينة: «و لونه صاف أبيض».

(4) فى الأصل بياض و لعل الصواب ما أثبتناه. و الله أعلم.

(5) الدرة الثمينة (ص 105).

(6) التعريف بما آنست الهجرة (ص 53).

(7) أورده ابن النجار بسنده: فى الدرة الثمينة (ص 105)، و كذلك أورده المطرى: التعريف بما آنست الهجرة بسنده (ص 51).

246

فيها، و غسل منها حين مات‏ (1) (صلّى اللّه عليه و سلّم) و كان يشرب منها (2). قال المحب بن النجار: و هذه البئر بينها و بين مسجد قباء نحو نصف ميل، و هى فى وسط الصحراء (3)، و قد خربها السيل و طمها، و فيه ماء أخضر إلا أنه عذب طيب، و ريحه الغالب عليه الأجون‏ (4)، قال:

و ذرعتها فكان طولها سبعة أذرع شافة، منها ذراعان ماء، و عرضها عشرة أذرع‏ (5). قال المطرى: هى شرقى قباء إلى جهة الشمال و هى بين النخيل، و يعرف مكانها اليوم و ما حولها بالغرس‏ (6)، و هى ملك بعض أهل المدينة وجدت‏ (7) بعد السبعمائة، و هى كثيرة الماء، و عرضها عشرة أذرع و طولها يزيد على ذلك‏ (8).

الخامسة: بئر البصّة. عن عبد الرحمن‏ (9) بن أبى سعيد الخدرى رضي اللّه عنه قال: كان/ [121/ أ] رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) يأتى الشهداء و أبناءهم و يتعاهد عيالهم، قال: فجاء يوما أبا سعيد الخدرى فقال: «هل عندك من سدر أغسل به رأسى فإن اليوم الجمعة؟» قال:

نعم فأخرج له سدرا و خرج معه إلى البصة فغسل رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) رأسه و صب غسالة رأسه و مراقة شعره فى البصة (10)». قال ابن النجار: و هذه البئر قريبة من البقيع على يسار الماضى إلى قباء، و هى بين نخل، و قد هدمها السيل و طمها، و فيها ماء أخضر، و وقفت على قفها و ذرعت طولها فكان أحد عشر ذراعا، منها ذراعان ماء و عرضها تسعة أذرع، و هى مبنية بالحجارة، و لون مائها إذا انفصل منها أبيض، و طعمه حلو إلا أن الأجون غالب عليه، قال: و ذكر لى الثقة أن أهل المدينة كانوا يستقون منها قبل أن يطمها السيل‏ (11).

____________

(1) أورده ابن النجار بسنده: الدرة الثمنية (ص 105)، و كذلك أورده جمال الدين المطرى بسنده:

التعريف بما آنست الهجرة (ص 51).

(2) حديث شربه (صلّى اللّه عليه و سلّم) من بئر غرس أورده ابن النجار بإسناده: الدرة الثمينة (ص 106).

(3) هكذا فى الأصل، و فى الدرة الثمينة: «الشجر».

(4) الأجون: أى الملوحة.

(5) الدرة الثمينة (ص 106).

(6) هكذا فى الأصل، و فى التعريف بما آنست الهجرة: «بالمغرس».

(7) هكذا فى الأصل، و فى التعريف بما آنست الهجرة: «وجددت».

(8) التعريف بما آنست الهجرة (ص 51).

(9) هكذا فى الأصل، و فى التعريف بما آنست الهجرة: «ربيع بن عبد الرحمن».

(10) أورده ابن النجار بإسناده: الدرة الثمينة (ص 106، 107)، و كذلك أورده المطرى بإسناده:

التعريف بما آنست الهجرة (ص 51، 52).

(11) الدرة الثمينة (ص 107).

247

قال المطرى: و هى اليوم «حديقة كبيرة» (1) محوط عليها بحائط، و عندها فى الحديقة بئر صغير أصغر منها، و الناس يختلفون فيهما أيهما بئر البصة إلا أن الشيخ محب الدين قطع بأنها الكبيرة القبلية، و قياس الصغرى كالكبرى، و عرضها ستة أذرع و هى التى تلى أطم مالك بن سنان أبو أبى سعيد الخدرى قال: و سمعت بعض من أدركت من أكابر خدام الحرم الشريف و غيرهم من أهل المدينة يقولون: إنها الكبرى القبلية. و أن الفقيه الصالح أبا العباس أحمد بن موسى بن عجيل و غيره من صلحاء اليمن إذا جاؤها للتبرك إنما يقصدون الكبرى، و الحديقة التى هى فيها اليوم وقف على الفقراء و المساكين و الواردين و الصادرين لزيارة سيد المرسلين، أوقفها الشيخ عزيز الدولة ريحان الندى‏ (2) الشهابى شيخ خدام الحرم الشريف قبل وفاته «بيومين» (3) أو ثلاثة، و كانت وفاته سنة سبع و تسعين و ستمائة (4).

السادسة: بئر رومة. قال الإمام منتخب الدين أبو الفتح العجلى: لما قدم المهاجرون/ [121/ ب‏] المدينة الشريفة استنكروا الماء لملوحته، و كان لرجل من بنى غفار عين يقال لها بئر رومة يبيع منها القربة بمد من الطعام، فقال له النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم): «بعنيها بعين فى الجنة». فقال ليس لى غيرها. فبلغ عثمان رضي اللّه عنه فاشتراها بخمسة و ثلاثين ألف درهم ثم أتى النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال: يا رسول الله أتجعل لى مثل الذى جعلت له؟ فقال: نعم. قال الشيخ:

و هذه البئر فى العقيق الأصغر و فى العقيق الأكبر بئر عروة كما قدمنا.

و عن موسى بن طلحة أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: «نعم الحفيرة، حفيرة المزنى- يعنى رومة» فلما سمع بذلك عثمان رضي اللّه عنه ابتاع نصفها بمائة بكرة و تصدق بها فجعل الناس يستقون منها، فلما رأى صاحبها أن قد امتنع منه ما كان يصيب عليها باع من عثمان النصف الباقى بشى‏ء يسير فتصدق بها كلها (5). و ذكر ابن عبد البر أن بئر رومة كانت ركية ليهودى يبيع من مائها للمسلمين، فقال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «من يشترى رومة فيجعلها للمسلمين يضرب بدلوه فى دلائهم، و له بها مشربة فى الجنة» (6). فأتى عثمان اليهودى‏

____________

(1) فى التعريف بما آنست الهجرة: «فى حديقة كبيرة».

(2) فى التعريف بما آنست الهجرة: «البدرى».

(3) فى التعريف بما آنست الهجرة: «بعامين أو ثلاثة».

(4) التعريف بما آنست الهجرة (ص 52).

(5) أورده ابن النجار بإسناده: الدرة الثمينة (ص 108)، و كذلك أورده المطرى: التعريف بما آنست الهجرة (ص 54).

(6) حديث بئر رومة أخرجه الترمذى: كتاب المناقب- باب مناقب عثمان ح (3703)، و النسائى:

كتاب الإحباس باب وقف المساجد (6/ 233، 234).

248

فساومه بها فأبى أن يبيعها كلها، فاشترى عثمان نصفها باثنى عشر ألف درهم فجعلها للمسلمين، فقال له عثمان: إن شئت جعلت «قرنين» (1)، و إن شئت فلى يوم و لك يوم فقال: بل لك يوم و لى يوم. فكان إذا كان يوم عثمان يستقى المسلمون ما يكفيهم يومين فلما رأى ذلك اليهودى قال: أفسدت علىّ ركيتى فاشترى النصف الآخر بثمانية آلاف درهم‏ (2). قال ابن النجار: و هذه البئر اليوم بعيدة عن المدينة جدّا، و عندها بناء من حجارة خراب، قيل إنه كان ديرا ليهودية، و حولها مزارع و آبار، و أرضها رملة، قد انتفضت خرزتها و أعلامها إلا بئر مليحة مبنية بالحجارة الموجهة، قال: و ذرعتها فكان طولها ثمانية عشر ذراعا،/ [122/ أ] منها ذراعان ماء و باقيها مطموم بالرمل الذى تسفيه الرياح فيها، و عرضها ثمانية أذرع و ماؤها صاف و طعمها حلو إلا أن الأجون قد غلب عليه‏ (3).

قال المطرى: وسط وادى العقيق من أسفله فى براح واسع من الأرض، و قد خربت و أخذت حجارتها و لم يبق إلا آثارها (4). قال ابن النجار: و اعلم أن هذه الآبار قد يزيد ماؤها فى بعض الزمان، و قد ينقص و ربما بقى منها ما كان مطموما (5). و قد ذكر المطرى أن الآبار المذكورة ستة و السابعة لا تعرف اليوم إلا ما يسمع من قول العامة: إنها بئر جمل و لم يعلم أين هى و لا من ذكرها إلا أنه ورد فى حديث أبى هريرة رضي اللّه عنه قال: «أقبل رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) من نحو بئر جمل» (6). ثم قال: إلا أنى رأيت حاشية بخط الشيخ محب الدين‏ (7) بن عساكر على نسخة من «الدرة الثمينة» لابن النجار ما مثاله العدد ينقص على المشهور بئرا واحدة؛ لأن المثبت ست و المأثور المشهور سبع.

و السابعة: اسمها بئر العهن بالعالية يزرع عليها اليوم، و عندها سدرة و لها اسم آخر مشهورة به. قال الشيخ جمال الدين: بئر العهن هذه معروفة بالعوالى انتقلت بالشراء إلى الشهيد المرحوم على بن مطرف العمرى، و هى بئر مليحة منقورة فى الجبل و عندها سدرة كما ذكر و لا تكاد تنزف أبدا، [العوالى و يقال العالية أيضا، سميت به لإشراف مواضعها]

____________

(1) فى التعريف بما آنست الهجرة: «لنصيبى قرنين».

(2) راجع التعريف بما آنست الهجرة (ص 54).

(3) الدرة الثمينة (ص 108، 109).

(4) التعريف بما آنست الهجرة (ص 54).

(5) الدرة الثمينة (ص 109).

(6) أخرجه البخارى: كتاب التميم- باب التميم فى الحضر ح (337- فتح)، و مسلم: كتاب الحيض- باب التميم ح (369) معلقا. عن أبى الجهيم.

(7) فى التعريف بما آنست الهجرة: «أمين الدين».

249

[و هى منازل حول المدينة. قال مالك: بين أبعد العوالى و المدينة ثلاثة أميال‏] (1). و قد ذكر ابن زبالة فى «تاريخه» عدة آبار بالمدينة و سماها فى دور الأنصار و نقل أن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) أتاها و توضأ من بعضها و شرب منها، لا يعرف اليوم منها شئ‏ (2).

قال الشيخ جمال الدين: و من جملة ما ذكر آبار فى الحرة الغربية فى آخر منزلة المنعمى‏ (3) على يسار السالك اليوم على بئر على المحرم، و على جانبها الشمالى بناء مستطيل مجصص يقال لها السقيا كانت لسعد بن أبى وقاص تقدم ذكرها، نقل أن/ [122/ ب‏] النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) «عوض» (4) جيش بدر بالسقيا و صلى فى مسجدها، و دعا فى هناك‏ (5) لأهل المدينة أن يبارك لهم فى مدهم و صاعهم و أن يأتيهم بالرزق من هاهنا و هاهنا، و شرب (صلّى اللّه عليه و سلّم) من بئرها، و يقال لأرضها السفلجان. و هى اليوم معطلة خراب و هى بئر كبيرة مليحة منقورة فى الجبل، و نقل أن السقيا عين من طرف الحرة بينها و بين المدينة يومان كذا فى كتاب أبى داود. و نقل الحافظ عبد الغنى أن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) عرض جيشه على بئر أبى عنبة بالحرة فوق هذه البئر إلى المغرب، و نقل أنها على ميل من المدينة. و منها بئر أخرى إذا وقفت على هذه المذكورة و أنت على جادة الطريق و هى على يسارك كانت هذه على يمينك و لكنها بعيدة عن الطريق قليلا، و هى فى سند من الحرة قد حوط حولها بناء مجصص و كان على شفيرها حوض من حجارة لم تزل أهل المدينة قديما يتبركون بها و يشربون من مائها و ينقل إلى الآفاق منها كما ينقل ماء زمزم، و يسمونها زمزم أيضا لبركتها، قال:

و لم أعلم أحدا ذكر منها أحدا (6) يعتمد عليه- و الله أعلم- أيتهما هى «السفلى» (7) الأولى لقربها من الطريق أم هذه لتواتر البركة فيها (8). قال عفيف الدين المرجانى: و يمكن أن يكون تسميتهم إياها زمزم لكثرة مائها يقال: ماء زمزم لكثرة مائها- أى كثير.

قال الشيخ جمال الدين: أو لعلها البئر التى احتفرتها فاطمة بنت الحسين بن على زوجة الحسن بن الحسن بن على- رضى الله عنهم- حين أخرجت من بيت جدتها

____________

(1) ما بين المعكوفتين ليست من كلام المطرى.

(2) التعريف بما آنست الهجرة (ص 56).

(3) فى حاشية التعريف بما آنست الهجرة: «النقا».

(4) فى التعريف بما آنست الهجرة: «عرض».

(5) فى التعريف بما آنست الهجرة: «و دعا هنالك».

(6) هكذا بالأصل، و فى التعريف بما آنست الهجرة: «ذكر فيها أثرا». و هو الصواب. و الله أعلم.

(7) فى التعريف بما آنست الهجرة: «السقيا».

(8) التعريف بما آنست الهجرة (ص 56).

250

فاطمة الكبرى أيام الوليد بن عبد الملك حين أمر بإدخال حجر أزواج رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و بيت فاطمة- رضى الله عنهن- فى المسجد، فإنها بنت دارها فى الحرة و أمرت بحفر بئر فيها، فطلع لهم جبل فذكروا ذلك لها، فتوضأت و صلت ركعتين و دعت و رشت موضع البئر بفضل وضوئها، و أمرتهم/ [123/ أ] فحفروا فلم يتوقف عليهم من الجبل شئ حتى ظهر الماء. قال الشيخ جمال الدين: و الظاهر أنها هذه، و أن السقيا هى الأولى؛ لأنها على جادة الطريق و هو الأقرب‏ (1). و الله أعلم.

ذكر عين النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم)

عن طلحة بن خراش قال: كانوا أيام الخندق يحفرون مع رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و يخافون عليه فيدخلون به كهف بنى حزام فيبيت فيه حتى إذا أصبح هبط، قال: و نقر رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) العيينة التى عند الكهف فلم تزل تجرى حتى اليوم‏ (2). قال الحافظ محب الدين: و هذه العين فى ظاهر المدينة و عليها بناء، و هى مقابلة المصلى‏ (3). قال الشيخ جمال الدين: أما الكهف الذى ذكره ابن النجار فمعروف على غربى جبل يبلغ‏ (4) عن يمين‏ (5) إلى ساحل‏ (6) الفتح من الطريق القبلية، و على يسار السالك إلى المدينة الشريفة إذا زار المسجد و سلك المدينة مستقبل القبلة يقابله حديقة نخل تعرف بالغنيمة فى بطن وادى بطحان غربى جبل سلع، و فى هذا الوادى عين تأتى من عوالى المدينة تسقى ما حول المساجد من المزارع و النخيل تعرف بعين الخيف خيف شامى، و تعرف تلك الناحية بالسيح- بالسين المهملة بعدها ياء مثناة من أسفل و حاء مهملة، و أما العين التى ذكر الشيخ محب الدين المقابلة للمصلى فهى عين الأزرق و هو مروان بن الحكم، التى «خرجها» (7) بأمر معاوية رضي اللّه عنه و هو و اليه على المدينة، و أصلها من قباء من بئر كبيرة غربى مسجد قباء فى حديقة «نخل» (8)، و القبة مقسومة نصفين يخرج الماء منها من وجهين مدرجين، وجه قبلى و الآخر شمالى‏

____________

(1) التعريف بما آنست الهجرة (ص 56، 57).

(2) أورده ابن النجار: فى الدرة الثمينة (ص 109)، و كذلك المطرى (ص 54، 55).

(3) الدرة الثمينة (ص 109).

(4) فى التعريف بما آنست الهجرة: «سلع».

(5) فى التعريف بما آنست الهجرة: «يمين السالك».

(6) فى التعريف بما آنست الهجرة: «مساجد».

(7) هكذا فى الأصل، و فى التعريف بما آنست الهجرة: «أجراها».

(8) فى التعريف بما آنست الهجرة- بعد هذه الكلمة: «و هى تجرى إلى المصلى و عليها فى المصلى قبة كبيرة».