تاريخ مكة المشرفة والمسجد الحرام والمدينة الشريفة والقبر الشريف‏ - ج1

- محمد بن أحمد ابن ضياء المزيد...
413 /
251

يغتسل فيهما و ينتفع بهما، و تخرج العين من «القبلة» (1) من جهة المشرق ثم تأخذ إلى جهة الشمال، و أخذ الأمير سيف الدين الحسين بن أبى الهيجاء فى حدود الستين و خمسمائة منها شعبة من عند مخرجها من القبلة، فساقها إلى باب المدينة الشريفة باب المصلى، ثم أوصلها إلى الرحبة التى عند مسجد/ [123/ ب‏] رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) من جهة باب السلام المعروف قديما بباب مروان، و بنى لها منهلا بدرج من تحت الدور يستقى منه أهل المدينة، و ذلك الموضع موضع سوق المدينة الآن، ثم جعل لها «مصرفين» (2) تحت الأرض تشق وسط المدينة على البلاط ثم تخرج على ظاهر المدينة من جهة الشمال شرقى حصن أمير المدينة، و جعل منها شعبة صغيرة تدخل إلى صحن المسجد الشريف أزيلت كما سيأتى ذكره فى الفصل السادس إن شاء الله تعالى.

و اعلم أن العين إذا خرجت من القبة التى فى المصلى سارت إلى جهة الشمال حتى تصل إلى سور المدينة فتدخل من تحته إلى منهل آخر بوجهين مدرجين، ثم تخرج إلى خارج المدينة الشريفة فتصل إلى منهل آخر بوجهين عند قبر النفس الزكية، ثم تخرج من هناك و تجتمع هى و ما يتحصل من فضلها فى قناة واحدة إلى البركة التى ينزلها الحجاج، ثم قال (رحمه الله تعالى): و أما عين النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) التى ذكر ابن النجار فليست تعرف اليوم، و إن كانت كما ذكر قال: عند الكهف المذكور فقد دثرت و عفا أثرها (3).

ذكر جبل أحد و الشهداء عنده‏

تقدم فى باب الفضائل ذكر فضل جبل أحد (4) و الأحاديث الواردة فى ذلك، و تقدم معنى قوله فى الحديث فى «أحد يحبنا و نحبه» (5)، و تقدم أيضا حديث: «اثبت أحد فإنما عليك نبى و صديق و شهيدان» (6). قيل: إن قوله (صلّى اللّه عليه و سلّم) هذا إشارة عما أحدثه قوم‏

____________

(1) فى التعريف بما آنست الهجرة: «القبة».

(2) فى التعريف بما آنست الهجرة: «مصرفا».

(3) التعريف بما آنست الهجرة: (ص 55).

(4) و مما جاء فى فضل جبل أحد: «أحد ركن من أركان الجنة» أخرجه أبو يعلى فى مسنده، و الطبرانى فى الكبير، و أورده ابن النجار بسنده: الدرة الثمينة (ص 114)، و المطرى فى التعريف بما آنست الهجرة (ص 41). و رمز له الحافظ السيوطى بالضعف.

(5) أخرجه البخارى: كتاب المغازى- باب أحد جبل يحبنا و نحبه ح (4083- فتح)، و مسلم: كتاب الحج- باب فضل المدينة ح (1365) من حديث أنس.

(6) أخرجه البخارى: كتاب فضائل الصحابة- باب قول النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم): لو كنت متخذا خليلا ح (3675- فتح)، و أبو داود: كتاب السنة- باب فى الخلفاء ح (4651)، و الترمذى: كتاب المناقب- باب فى مناقب عثمان ح (3697)، من حديث أنس بن مالك.

252

موسى- (عليه السلام)- لما اختار السبعين للميقات و وقع فى نفوسهم ما وقع تزلزل الجبل به، فكأنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أشار أنه ليس عليك ممن يشك كقوم موسى. و عن جابر بن عتيك عن أبيه قال: قال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «خرج موسى و هارون- (عليهما السلام)- حاجّين أو معتمرين فلما كانا بالمدينة مرض هارون- (عليه السلام)- فثقل، فخاف عليه موسى- (عليه السلام)- اليهود، فدخل أحدا فمات فدفنه/ [124/ أ] فيه» (1). و قيل: مات موسى و هارون (عليهما السلام) فى التيه، و قبر موسى معروف بالقدس فى أول التيه‏ (2) يزار.

و عن أنس رضي اللّه عنه أن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: «لما تجلى الله لجبل طور سيناء فصار لعظمة الله تعالى ستة أجبل، فوقعت ثلاثة بالمدينة: أحد و ورقان و رضوى و وقعت ثلاثة بمكة ثور و ثبير و حراء» (3). قال الشيخ جمال الدين: فأحد معروف [و هو شمالى المدينة و أقرب الجبال إليها و هو على نحو فرسخين منها، و قيل: على نحو أربعة أميال‏] (4). و عير مقابله فى قبلة المدينة و المدينة بينهما، و ورقان قبل شعب علىّ، ما بين الشعب و الروحاء إلى القبلة، (5) و استشهد بأحد سبعون رجلا (6) أربعة من المهاجرين و هم حمزة بن عبد المطلب، و عبد الله بن جحش، و مصعب بن عمير، و شماس بن عثمان، و الباقون كلهم أنصار (7)، و قتل حمزة يوم أحد وحشى بن حرب الحبشى مولى جبير بن مطعم و ذلك فى النصف من شوال يوم السبت على رأس اثنين و ثلاثين من الهجرة، و كان يقاتل بين يدى النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) بسيفين فعثر فوقع فانكشف الدرع عن بطنه فطعن، قال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) حين رآه و قد مثل به: «جاءنى جبريل فأخبرنى أن حمزة مكتوب فى أهل السماوات السبع حمزة بن عبد المطلب أسد الله و أسد رسوله» (8). و كبر رسول الله‏

____________

(1) أورده عمر بن شبه: فى تاريخ المدينة (1/ 86) بسنده، و ابن النجار بسنده: فى الدرة الثمينة (ص 114)، و كذلك أورده المطرى: التعريف بما آنست الهجرة (ص 41).

(2) راجع البداية و النهاية لابن كثير (1/ 327).

(3) تقدم تخريجه.

(4) ما بين المعكوفتين فى تحقيق النصرة للمراغى (ص 136).

(5) التعريف بما آنست الهجرة (ص 41)، و راجع كذلك الدرة الثمينة لابن النجار (ص 115)، و تحقيق النصرة للمراغى (ص 132).

(6) جاء التنصيص على هذا العدد فى صحيح البخارى: كتاب المغازى- باب من قتل يوم أحد من المسلمين ح (4078- فتح) من حديث أنس.

(7) راجع فتح البارى (7/ 434).

(8) أورده ابن النجار بسنده: الدرة الثمينة (ص 115).

253

(صلّى اللّه عليه و سلّم) فى جنازته سبعين تكبيرة. و قيل: كبر عليه سبعا (1). و دفن هو و ابن أخته عبد الله ابن حجر (2) فى قبر واحد. و الشهداء يوم أحد سبعون: (الأول) حمزة بن عبد المطلب أحد أعمام النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أخوه من الرضاعة. (الثانى) عبد الله بن جحش الأسدى من المهاجرين الأولين أخته زينب بنت جحش زوج النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو الذى انقطع سيفه يوم أحد فأعطاه النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) عرجون نخلة فصار فى يده سيفا، و لم يزل ينتقل حتى بيع من بغا التركى/ [124/ ب‏] بمائتى دينار (3) و دفن مع حمزة. (الثالث) مصعب بن عمير العبدرى و هو أول من هاجر إلى المدينة و أول من جمع فى الإسلام يوم الجمعة، و كان لواء رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) الأعظم لواء المهاجرين يوم بدر معه و يوم أحد، و ضرب ابن قمئة يد مصعب فقطعها، و مصعب يقول: وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ‏ (4). و أخذ اللواء بيده اليسرى فضربها ابن قمئة فقطعها فجثا على اللواء فضمه بين عضديه إلى صدره ثم حمل عليه الثالثة فأنفذه و وقع مصعب و سقط اللواء، و ذكر ابن سعد أن مصعبا حين قتل أخذ الراية ملك على صورته فكان النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول: «تقدم يا مصعب». فقال الملك لست بمصعب فعلم أنه ملك. (الرابع): شماس بن عثمان الشريد القرشى حمل من بين القتلى إلى المدينة و به رمق ثم مات عند أم سلمة، فأمر رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) أن يرد إلى أحد فيدفن كما هو فى ثيابه التى مات فيها بعد أن مكث يوما و ليلة إلا أنه لم يأكل و لم يشرب، و لم يصل عليه رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و لم يغسله. (الخامس): عمار بن زياد بن السكن لما أثخن و سد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) قدمه‏ (5) فمات. (السادس): عمرو بن ثابت بن وقش كان يأبى الإسلام فلم يسلم إلا يوم أحد و أسلم و قاتل حتى قتل فذكروه لرسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال: «إنه لمن أهل الجنة» (6). (السابع) و (الثامن): ثابت بن وقش أبو عمرو المذكور، و اليمان‏ (7) أبو حذيفة كانا شيخين ارتفعا فى الآطام مع النساء و الصبيان و لما خرج رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى‏

____________

(1) السيرة النبوية لابن هشام (3/ 28، 29)، و راجع كلام السهيلى فى الصلاة على الشهداء (3/ 178، 179).

(2) هكذا فى الأصل، و الصواب جحش. و الله أعلم.

(3) راجع السهيلى (3/ 179).

(4) سورة آل عمران: الآية (144).

(5) السيرة النبوية لابن هشام (3/ 18).

(6) السيرة النبوية لابن هشام (3/ 24)، و أخرجه أحمد: المسند (5/ 428، 429) من حديث أبى هريرة.

(7) اليمان: هو حسيل بن جابر والد حذيفة بن اليمان.

254

أحد فقال أحدهما للآخر: ما تنتظر و خرجا فقاتلا حتى قتلا (1). (التاسع): حنظلة بن أبى عامر الأوسى قتله أبو سفيان، فقال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) حين قتل: «إن صاحبكم لتغسله الملائكة». فسئلت صاحبته عنه فقالت: خرج و هو جنب حين سمع النداء. فكان يعرف بغسيل الملائكة». (2) (العاشر): أنس بن النضر بن ضمضم عم أنس بن مالك وجد فيه بضعة و ثمانون طعنة/ [125/ أ] و هو الذى قال فيه رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره» و يروى أن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: «من رجل ينظر إلى ما فعل سعد ابن الربيع فى الأحياء هو أم فى الأموات؟» فنظر رجل من الأنصار، قيل: هو أبى بن كعب‏ (3)، فوجده جريحا فى القتلى فيه رمق قال: فقلت له: إن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) أمرنى أن أنظر فى الأحياء أنت أم فى الأموات. فقال: أنا فى الأموات فأبلغ رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) منى السلام، و قل له: إن سعد بن الربيع يقول لك: جزاك الله عنا خير ما جزى نبيّا عن أمته، و أبلغ قومك منى السلام و قل لهم إن سعد بن الربيع يقول لكم: إنه لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى نبيكم و فيكم عين تطرف، قال: ثم لم أبرح حتى مات فجئت رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فأخبرته‏ (4). الثانى عشر: عبد الله بن عمرو بن حزام و هو أول من قتل يوم أحد، و هو الذى قال فيه النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) لابنه جابر: «لا تبكه ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعتموه» (5). الثالث عشر: عمرو بن الجموح أحد نقباء الأنصار و كان أعرج، و كان له بنون أربعة فأرادوا حبسه فامتنع، و قال النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) لبنيه: «ما عليكم ألا تمنعوه لعل الله عزوجل يرزقه الشهادة» فخرج معه‏ (6). قيل: يؤخذ من هذا أن أصحاب الأعذار إذا خرجوا نالوا درجة الشهادة.

____________

(1) السيرة النبوية لابن هشام (3/ 22).

(2) أخرجه الحاكم (3/ 204، 205)، و البهيقى (4/ 15) من طريق ابن إسحاق عن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن جده، قال الهيثمى فى «مجمع الزوائد» (3/ 23): أخرجه الطبرانى من حديث ابن عباس بإسناد حسن، و أورده ابن سعد فى طبقاته (3/ 1/ 9).

(3) على ما قاله ابن عبد البر فى «الاستيعاب».

(4) السيرة النبوية لابن هشام (3/ 27)، و أخرجه مالك فى الموطأ (2/ 465، 466) عن يحيى بن سعيد مرسلا، و قال ابن عبد البر: هذا الحديث لا أعرفه مسندا إلا ما يروى عن أهل السير.

(5) أخرجه البخارى: كتاب المغازى- باب من قتل من المسلمين يوم أحد ح (4080- فتح) من حديث جابر رضي اللّه عنه.

(6) راجع السهيلى (3/ 169)، و الدرة الثمينة لابن النجار (ص 125).

255

الحارث بن أوس بن معاذ بن النعمان، و أسعد (1) بن سويد بن قيس من بنى حدرة، الحارث بن أنس بن رافع، عمرو بن معاذ بن النعمان، أسلمه‏ (2) بن ثابت بن وقش، رفاعة بن وقش، صفى بن قيظى، حباب بن قيظى، عباد بن سهل، إياس بن أوس ابن عتيك، عبيد بن التيهان و يقال: عتيك، حبيب بن زيد بن تيم البياضى، يزيد بن حاطب بن عمرو الأشهلى، أبو سفيان بن الحارث بن قيس البياضى، أنيس‏ (3) بن قتادة، أبو حية بالياء المثناة من تحت و يقال: بالباء الموحدة أخو سعد بن خيثمة [125/ ب‏] لأمه، و قيل: أبو حنة بالنون لأنه شهد بدرا و ليس فيمن شهد بدرا أحد يقال له أبو حبة بالباء الموحدة، عبد الله بن جبير بن النعمان‏ (4)، خيثمة أبو سعيد (5) بن خيثمة، عبد الله بن سلمة، يسبع بن حلوان بن الحارث، و قيل: سبيع بن حاطب بن الحارث، عمرو بن قيس بن زيد، ابن قيس، ثابت بن عمرو بن زيد، عامر بن مخلد، أبو هبيرة بن الحارث، و يقال: أبو أسيرة، و يقال: إن أبا أسيرة أخوه، عمرو بن مطرف بن علقمة، أوس بن ثابت بن المنذر أخو حسان بن ثابت، قيس بن مخلد، كيسان عبد أبى قارون بن النجار، سليم بن الحارث، نعمان بن عمرو (6) خارجة بن زيد، أوس بن الأرقم بن زيد، مالك بن سنان أبو أبى سعيد الخدرى، عتبة بن ربيع بن رافع، ثعلبة بن سعد بن مالك، ثقف بن فروة بن الندى، عبد الله بن عمرو بن وهب، ضمرة حليف لبنى طريف من جهينة، نوفل بن عبد لله، عباس بن عبادة، نعمان بن مالك بن ثعلبة، المجذر بن زياد، عبادة بن الخشخاش، رفاعة بن عمرو و قيل: رفاعة بن رافع بن يزيد بن عمرو، خلاد بن عمرو بن الجموح، أبو أيمن مولى خلاد بن عمرو المذكور، سليم و قيل: سليمان و الأول أصح و قيل:

سالم بن عامر و قيل: ابن عمرو بن حديدة، مولاه عنزة و يقال عنيزة أو عنترة، سهل بن قيس بن أبى بن كعب، ذكوان بن عبد قيس بن خالد بن مخلد الزرقى، عبيد بن المعلى بن لوذان، مالك بن نميلة، الحارث بن عدى بن خرشة، مالك بن أياس، إياس بن عدى، عمرو بن إياس‏ (7)، و عن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) أنه قال فى قتلى أحد: «هؤلاء شهداء فأتوهم و سلموا

____________

(1) فى ابن هشام: «سعيد بن سويد».

(2) فى ابن هشام: «سلمة بن ثابت».

(3) فى ابن هشام: «أنس بن قتادة».

(4) فى ابن هشام: «عبيد الله بن جبير».

(5) فى ابن هشام: «خيثمة أبو سعد».

(6) فى ابن هشام: «عبد عمرو».

(7) راجع السيرة النبوية لابن هشام (3/ 46- 49)، و الدرة الثمينة (ص 122)، و وفاء الوفا (3/ 934).

256

عليهم و لن يسلم عليهم أحد ما قامت السموات و الأرض إلا ردوا عليه» (1). و روى جعفر بن محمد الصادق/ [126/ أ] عن أبيه عن جده أن فاطمة بنت رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) كانت تختلف بين اليومين و الثلاثة إلى قبور الشهداء بأحد فتصلى هناك و تدعو و تبكى حتى ماتت‏ (2). و روى العطاف بن خالد قال: حدثتنى خالة لى و كانت من العابدات قالت:

ركبت يوما حتى جئت قبر حمزة فصليت ما شاء الله و لا و الله ما فى الوادى من داع و لا مجيب و غلامى أخذ برأس دابتى فلما فرغت من صلاتى قلت: السلام عليكم و أشرت بيدى فسمعت رد السلام على من تحت الأرض أعرفه كما أعرف أن الله سبحانه خلقنى فاقشعرت كل شعرة منى فدعوت الغلام و ركبت‏ (3). و قد وردت آثار كثيرة فى أن أجساد الشهداء لا تبلى و قد شوهد ذلك، و شوهد أيضا بقاء أجساد شهداء الأمم المتقدمة، و مصداق ذلك قوله تعالى: وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ وَ الْقُرْآنِ‏ (4). فالآية عامة فى سائر مؤمنى الأمم، و كذلك الأنبياء- عليهم الصلاة و السلام- لا تبلى أجسادهم، و قد حرم الله على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، و قد وجدت أجساد الملوك و الحكماء المدبرين مع طراوة أجسادهم بالحيلة بعد وفاتهم بمئين من الأعوام بل بعض حكماء الأمم المتقدمة و ملوكها يوجدون إلى هذا الزمن أطرياء لم يتغير منهم شئ و ذلك أنهم و بروا أدهانا ادهنوا بها عند موتهم فمنعتهم من البلاء قال هرمس: و قد أمرت من يفعل بى ذلك إذا أنا مت و أشار إلى أن يطلى بالشمس و القمر مرموزا و هو الزئبق و الملح بالرمز الثانى.

و يروى: أنه متى شد جميع الشخص بالذهب لا يبلى ما بقى الذهب، و قد وجد شخص مكفن بالذهب فى ورقة من ذهب فقلعت فإذا فيها سبعون درهما.

قال الشيخ جمال الدين: و فى قبلة جبل أحد قبور الشهداء و لا يعلم منها الآن إلا قبر حمزة رضي اللّه عنه و معه فى القبر ابن أخته كما تقدم، و عليه قبة عالية و مشهد بنته أم الخليفة الناصر لدين الله أبى العباس أحمد بن/ [126/ ب‏] المستضئ سنة تسعين و خمسمائة و على المشهد باب من حديد يفتح كل خميس و شمالى المسجد أرام من حجارة يقال إنها من قبور الشهداء و كذلك من غربته أيضا، و قد ورد أن هذه قبور أناس ماتوا عام الرمادة فى خلافة عمر رضي اللّه عنه، و لا شك أن قبور الشهداء حول حمزة رضي اللّه عنه إذ لا ضرورة أن يبعدوا عنه، و عند رجل حمزة قبر رجل تركى كان متوليّا عمارة المشهد الشريف يقال له: سنقر،

____________

(1) أورده ابن النجار بسنده (ص 126).

(2) الدرة الثمينة (ص 127)، و وفاء الوفا (3/ 932)، و روى نحوه رزين العبدرى فى جامعه.

(3) الدرة الثمينة (ص 127)، و وفاء الوفا (3/ 932).

(4) سورة التوبة: الآية (111).

257

و كذلك فى صحن المسجد الشريف قبر دفن فيه بعض الأشراف من أمراء المدينة. و تحت جبل أحد من جهة القبلة لا صقا بالمسجد مسجد شريف صغير قد تهدم يقال: إن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) صلى فيه الظهر و العصر بعد انفصال القتال، و فى جهة القبلة من هذا المسجد موضع منقور فى الحجر على قدر رأس الإنسان يقال: إن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) جلس على الصخرة التى تحته و أدخل رأسه فيه، و كذلك شمالى المسجد غار فى الجبل يقال: إن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) دخله. و لم يرد بذلك نقل صحيح. و قبلى المشهد جبل صغير يسمى عنين- بفتح العين المهملة و كسر النون الأولى- و الوادى بينهما كان علية الرماة يوم أحد و عنده مسجدان أحدهما مع ركنة الشرقى يقال: إنه الموضع الذى طعن فيه حمزة و المسجد الآخر شمالى هذا المسجد على شفير هذا الوادى يقال: إنه مصرع حمزة و إنه مشى بطعنته إلى هناك ثم صرع رضي اللّه عنه، و بين المشهد و المدينة ثلاثة أميال و نصف و الى أحد ما يقارب أربعة أميال‏ (1). و كانت غزاة أحد فى السنة الثالثة من الهجرة.

قال الحافظ محب الدين: جاءت قريش من مكة لحرب رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و لاقوه يوم السبت النصف من شوال سنة ثلاث من الهجرة عند جبل أحد (2). و قيل: كان نزول قريش يوم أحد بالمدينة بالجمعة و قال ابن إسحاق: يوم الأربعاء فنزلوا بالمدينة برومة/ [127/ أ] من وادى العقيق و صلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) الجمعة بالمدينة ثم لبس لامته و خرج هو و أصحابه على الحرة الشرقية حرة و اقم و باك بالسيحين موضع بالمدينة و أحد مع الحرة إلى جبل أحد و غزا صبح يوم السبت إلى أحد ففيه كانت وقعة أحد، قيل: خرج رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) يوم السبت لسبع ليال خلون من شوال على رأس اثنين و ثلاثين شهرا من الهجرة و كان دليل رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) ليلة أحد سهل بن أبى حثمة.

و عن قتادة: لما قدم أبو سفيان بالمشركين رأى النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) رؤيا فى النوم فتأولها قتلا فى أصحابه، و رأى سيفه ذا الفقار انفصم فكان قتل حمزة، و رأى كبشا أغبر قتل فكان صاحب لواء المشركين عثمان بن أبى طلحة، فقال النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) لأصحابه بعد الرؤيا: «إنى فى جنة حصينة- يعنى المدينة- فدعوهم يدخلون نقاتلهم» فقال ناس من الأنصار:

يا رسول الله إنا نكره أن نقتل فى طرف المدينة فابرز بنا إلى القوم فلبس النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) لامته و ندم القوم فيما أشاروا به و اعتذروا إليه فقال: «إنه ليس لنبى إذا لبس لامته أن يضعها حتى يقاتل ستكون فيكم مصيبة» قالوا: يا رسول الله خاصة أو عامة. قال مكى: فقتادة يذهب إلى أن الذنب الذى عدده الله فى قوله: أَ وَ لَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ‏

____________

(1) التعريف بما آنست الهجرة (ص 41، 42).

(2) الدرة الثمينة (ص 115).

258

مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ‏. (1) هو ما أشاروا به. و قيل فيه غير ذلك، و كان (صلّى اللّه عليه و سلّم) يوم أحد فى ألف، و المشركون فى ثلاثة آلاف، و كان جبريل و ميكائيل- (عليهما السلام)- عن يمين رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و عن يساره يقاتلان لشدة القتال. و عن جعفر بن محمد أن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) دعا يوم أحد فقال: «يا صريخ المكروبين و مجيب المضطرين و كاشف الكرب العظيم اكشف كربى/ [127/ ب‏] و همى و غمى فإنك ترى حالى و حال أصحابى». قال: فصرف الله عدوه و غزا (صلّى اللّه عليه و سلّم) أحدا على فرسه السكب كان اشتراه من أعرابى من بنى فزارة بالمدينة و كان اسمه عند الأعرابى المضرس، و هو أول فرس ملكه رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أول غزاة غزا عليه أحدا، و كان طلق اليمين له سبحة و سابق عليه فسبق فعرج به رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، يقال: فرس سكب- أى كثير الجرى، ثم إن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) قاتل المشركين يوم أحد و المسلمين و خلص العدو إلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فذب بالحجارة حتى وقع بشقه فانكسرت رباعيته و شج فى وجهه و كلمت شفته و كان ذلك كرامة له (صلّى اللّه عليه و سلّم) و لأصحابه الذين استشهدوا بين يديه و كانوا سبعين رجلا كما تقدم‏ (2).

____________

(1) سورة آل عمران: الآية (165).

(2) راجع سيرة ابن هشام (3/ 17).

259

الفصل الخامس فى ذكر جلاء بنى النضير من المدينة و حفر الخندق و قتل بنى قريظة بالمدينة

260

ذكر جلاء بنى النضير من المدينة

اعلم أن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) قد عقد حلفا بين بنى النضير من اليهود و بين بنى عامر، فعدا عمرو بن أمية الضمرى من بنى النضير على رجلين من بنى عامر فقتلهما، فأتى النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) بنى قريظة (1) يستعينهم فى دية القتيلين، فقالوا: نعم. ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا:

إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذا، و كان رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) قاعدا إلى جنب جدار من بيوتهم، فمن رجل يعلوا على هذا البيت فيلقى عليه صخرة، فصعد أحدهم‏ (2) لذلك، فأتى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) الخبر من السماء فقام و رجع إلى المدينة، و أخبر أصحابه الذين معه منهم أبو بكر و عمر و على- رضى الله عنهم- و أمرهم بالتهيؤ لحربهم، و سار حتى نزل بهم فى شهر ربيع الآخر سنة أربع من الهجرة فتحصنوا فى الحصون، فأمر/ [128/ أ] النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) بقطع نخيلهم و تحريقها، و قذف الله فى قلوبهم الرعب، فسألوا رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) أن يخليهم‏ (3) و يكف عن دمائهم على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا السلاح ففعل، فخرجوا إلى خيبر و منهم من سار إلى الشام، و خلوا الأموال فقسمها رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) على المهاجرين الأولين دون الأنصار إلا أن سهل بن حنيف و أبا دجانة سماك بن خرشة ذكرا فقرأ فأعطاهم رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و لم يسلم من بنى النضير إلا رجلان يامين بن عمير و أبو سعيد بن وهب‏ (4)، أسلما على أموالهم فأحرزاها، و أنزل الله تعالى فى بنى النضير سورة الحشر بأسرها (5)، و كانت نخيل بنى النضير تسمى نويرة، و قيل: بويرة، اسم بلدة أو موضع من مواضع بنى النضير.

ذكر حفر الخندق‏

حفر رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) الخندق يوم الأحزاب، و ذلك أن نفرا من بنى النضير الذين أجلاهم رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و كانوا بخيبر و كان رئيسهم حيى بن أخطب قدم هو و رؤساء قومه إلى مكة على قريش، فدعوهم لحرب رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فأطاعتهم قريش و غطفان بمن جمعوا، فلما سمع النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) ضرب الخندق على المدينة، و كان (صلّى اللّه عليه و سلّم) ينقل التراب يوم الخندق حتى‏

____________

(1) فى ابن هشام: «بنى النضير».

(2) قال ابن هشام: هو عمرو بن جحاش بن كعب.

(3) فى ابن هشام: «يجليهم».

(4) فى ابن هشام: «أبو سعد».

(5) راجع السيرة النبوية لابن هشام (3/ 90، 91)، و البداية و النهاية لابن كثير (3/ 76- 78)، و الدرة الثمينة (ص 131، 132)، و زاد المعاد لابن القيم (3/ 248- 250).

261

اغبر بطنه كما ثبت فى صحيح البخارى‏ (1)، و اشتدت عليهم صخرة فى الخندق فشكوها إلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فدعا بإناء من ماء فتفل فيه ثم دعا بما شاء الله أن يدعوا به ثم نضح ذلك الماء على تلك الصخرة، فانهالت حتى عادت كالكثيب لا ترد فأسا و لا مسحاة، و لم يزل المسلمون يعملون فيه حتى أتموه، و حفره (صلّى اللّه عليه و سلّم) طولا من أعلى وادى بطحان غربى الوادى مع الحرة إلى غربى المصلى مصلى العيد، ثم إلى مسجد الفتح/ [128/ ب‏] ثم إلى الجبلين الصغيرين اللذين فى غربى الوادى، يقال لأحدهما: رابح و للآخر جبل بنى عبيد، و أقبلت قريش و كنانة و من تبعها من الأجاييش فى عشرة آلاف حتى نزلوا بمجتمع السيول من رومة- وادى العقيق- و قائدهم أبو سفيان، و أقبلت غطفان و بنوا أسد و من تبعها من أهل نجد حتى نزلوا بذنب نقمى إلى جانب أحد ما بين طرفى وادى النقمى و قائدهم عيينة بن حصن، و أتى الحارث بن عوف فى بنى مرة و مسعود (2) بن رحيلة فى أشجع، و خرج رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و المسلمون فى ثلاثة آلاف حتى جعلوا ظهورهم إلى جبل سلع، و ضرب رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) قبته على القرن الذى فى غربى جبل سلع موضع مسجده اليوم، ثم سعى حيى بن أخطب حتى قطع الحلف الذى كان بين بنى قريظة و بين النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و خاف لحرب رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فاشتد الخوف، و اشتد الحصار على المسلمين و كان فى ذلك ما قص الله تعالى بقوله: إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَ مِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ ...

الآيات‏ (3). فأقام رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و المشركون بضعا و عشرين ليلة لم يكن لهم حرب إلا الرمى بالنبل إلا الفوارس من قريش فإنهم قاتلوا فقتلوا و قتلوا، و أصاب سعد بن معاذ سهم فحسم رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) جرحه فانتفخت يده و نزف الدم، فلما رأى ذلك قال: اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقنى لها، اللهم إن كنت وضعت الحرب بيننا و بينهم فاجعله لى شهادة، و لا تمتنى حتى تقر عينى فى بنى قريظة، و كان راميه حبّان بن العرقة رماه بسهم فى عضده أصاب أكحله فانقطع، فأمر رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) بضرب فسطاط فى المسجد لسعد فكان يعوده فى كل يوم، و استشهد/ [129/ أ] يومئذ من المسلمين ستة من الأنصار، و لم يزل رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أصحابه على ما هم عليه من الخوف و الشدة حتى هدى الله تعالى نعيم بن مسعود داخل غطفان للإسلام، و لم يعلم أصحابه، و خدع بين بنى قريظة و قريش و غطفان و رمى بينهم الفتن، و بعث الله تعالى عليهم الريح فى ليال باردة فجعلت تكفأ قدورهم و تطرح أبنيتهم فرجعوا إلى بلادهم، و كان مجيئهم و ذهابهم فى‏

____________

(1) كتاب المغازى- باب غزوة الخندق ح (4104- فتح) من حديث البراء.

(2) فى ابن هشام: «مسعر بن رخيلة».

(3) سورة الأحزاب: الآية (10).

262

شوال سنة خمس من الهجرة، يروى أنهم لما وقفوا على الخندق قالوا: إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها، و يقال: إن سلمان أشار به على رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)(1). قال الحافظ محب الدين: و الخندق اليوم باق و فيه قناة تأتى من عين بقباء إلى النخل الذى بأسفل المدينة المعروف بالسيح حول مسجد الفتح، و قد انطم أثره و تهدمت حيطانه‏ (2). قال الشيخ جمال الدين المطرى: و أما اليوم فقد عفا أثر الخندق و لم يبق منه شى‏ء يعرف إلا ناحيته؛ لأن وادى بطحان استولى على موضع الخندق فصار مسيله فى موضع الخندق‏ (3). و قال عفيف الدين المرجانى: و فى سنة تسع و أربعين و سبعمائة أرانى والدى- (رحمه الله)- باقى جدار منه.

ذكر قتل بنى قريظة بالمدينة الشريفة

قال ابن إسحاق: و لما انصرف رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) من الخندق رجع إلى المدينة و المسلمون و وضعوا السلاح، فأتى جبريل- (عليه السلام)- رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) معتجرا بعمامة من إستبرق على بغلة عليها قطيفة من ديباج فقال: لقد وضعت السلاح يا رسول الله؟

فقال: نعم. قال: ما وضعت الملائكة بعد السلاح، و ما رجعت الآن إلا من طلب القوم، إن الله يأمرك بالسير إلى بنى قريظة فإنى عامد إليهم فمزلزل بهم. فأذّن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فى الناس: «من كان سامعا مطيعا فلا/ [129/ ب‏] يصلين العصر إلا فى بنى قريظة». (4) فنزل رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فحاصرهم خمسا و عشرين ليلة، و قذف الله تعالى فى قلوبهم الرعب حتى نزلوا على حكم رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فتواثبت الأوس و قالوا:

يا رسول الله إنهم موالينا دون الخزرج فهم لنا، فقال: «ألا ترضون يا معشر الأوس أن نحكم فيهم رجلا منكم». قالوا: بلى، قال: «فذلك إلى سعد بن معاذ». و كان سعد فى خيمته يداوى جرحه، [و كان حارثة بن كلدة هو الذى يداويه و كان طبيب العرب و هو مولى أبى بكرة مسروح‏] (5)، فأتت الأوس سعد بن معاذ إلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال له:

«احكم فى بنى قريظة» فقال: إنى أحكم فيهم أن تقتل الرجال و تقسم الأموال و تسبى‏

____________

(1) راجع السيرة النبوية لابن هشام (3/ 106- 108)، و الدرة الثمينة لابن النجار (ص 135، 138)، و جزم ابن القيم فى زاد المعاد (3/ 270- 275) بأن الذى أشار بحفر الخندق هو سلمان رضي اللّه عنه.

(2) الدرة الثمينة (ص 138).

(3) التعريف بما آنست الهجرة (ص 59).

(4) أخرجه البخارى: كتاب المغازى- باب مرجع النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) من الأحزاب ح (4119- فتح)، و مسلم: كتاب الجهاد و السير- باب المبادرة بالغزو ح (1770).

(5) ما بين المعكوفتين ليست فى سيرة ابن هشام، و ليست فى الدرة الثمينة.

263

الذرارى. فقال له رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة»- أى من فوق سبع سموات-، و كان الذين نزلوا على حكمه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أربعمائة، و استنزلوا بنى قريظة من حصونهم فحبسوا بالمدينة فى دار امرأة من بنى النجار، ثم خرج رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى سوق المدينة فخندق بها خنادق ثم بعث إليهم فجئ بهم فضرب أعناقهم فى تلك الخنادق، و كانوا سبعمائة و فيهم حيى بن أخطب الذين‏ (1) حرضهم على نقض العهد، فقتل منهم (صلّى اللّه عليه و سلّم) كل من أنبت‏ (2)، و استحيى من لم ينبت، و قتل منهم امرأة كانت طرحت رحى على خلاد بن سويد من الحصن فقتلته يوم قتال بنى قريظة فقتلها به النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و أخبر (صلّى اللّه عليه و سلّم) أن لخلاد أجر شهيدين، ثم قسم رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) أموالهم و نساءهم و أبناءهم على المسلمين، و أنزل الله تعالى فى بنى قريظة و الخندق من قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ‏ (3) إلى قوله: وَ أَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَ دِيارَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ وَ أَرْضاً لَمْ‏/ [130/ أ] تَطَؤُها (4) قيل: هى نساؤهم. ثم انفتق على سعد بن معاذ جرحه فمات منه شهيدا، و ذلك بعد أن أصابه السهم بشهر فى شوال سنة خمس، و كان رجلا طوالا ضخما (5)، و لم تزل بقايا اليهود بالمدينة إلى خلافة عمر رضي اللّه عنه، و روى عن ابن شهاب أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: «لا يجتمع دينان فى جزيرة العرب» (6) قال ابن شهاب: ففحص عن ذلك عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه حتى أتاه اليقين أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: «لا يجتمع دينان فى جزيرة العرب». فأجلى يهود خيبر و أجلى يهود نجران و فدك‏ (7). انتهى.

____________

(1) هكذا فى الأصل، و الصواب «الذى». و الله أعلم.

(2) أى كل من بلغ.

(3) سورة الأحزاب: الآية (9).

(4) سورة الأحزاب: الآية (27).

(5) راجع السيرة النبوية لابن هشام (3/ 118- 126)، و البداية و النهاية لابن كثير (4/ 94- 128)، و الدرة الثمينة لابن النجار (ص 141، 142)، و أخرج البخارى بعضا منه: كتاب المغازى- باب مرجع النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) من الأحزاب ح (4122- فتح).

(6) أخرجه مالك فى الموطأ: كتاب الجامع- باب ما جاء فى إجلاء اليهود من المدينة ح (18) و هو حديث مرسل، و هو موصول فى الصحيحين من حديث ابن عباس، أخرجه البخارى: كتاب الجزية و الموادعة- باب إخراج اليهود من جزيرة العرب ح (3168- فتح)، و مسلم: كتاب الوصية- باب ترك الوصية لمن ليس له شئ ح (1637). بلفظ: «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب».

(7) راجع الموطأ (2/ 893).

264

الفصل السادس‏

فى ذكر ابتداء بناء مسجد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و ما زيد فيه أو نقص منه إلى هذا التاريخ و فيه ذكر ما جاء فى قبلة مسجد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و ذكر حجر أزواج النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و ذكر مصلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) من الليل و ذكر قصة الجذع و ذكر منبر النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و الروضة الشريفة و ذكر سد الأبواب الشوارع فى المسجد الشريف و ذكر تجمير المسجد الشريف و نحليقه و ذكر موضع تأذين بلال رضي اللّه عنه و ذكر أهل الصّفة و ذكر زيادة عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه فى مسجد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و ذكر بطحاء مسجد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و ذكر زيادة عثمان رضي اللّه عنه و ذكر زيادة الوليد بن عبد الملك بن مروان و ذكر زيادة المهدى و ذكر بلاعات المسجد و سائر صحنه و السقايات التى كانت فيه و ذكر احتراق المسجد الشريف و ذكر الخوخ و الأبواب التى كانت فى مسجد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و ذكر ذرع المسجد اليوم و عدد أساطينه و طيقانه و حدود المسجد القديم و ذكر أسوار المدينة الشريفة.

265

ذكر ابتداء بناء مسجد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)

لما قدم/ [130/ ب‏] النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) المدينة نزل على [أم‏] (1) كلثوم بن الهدم فى بنى عمرو بن سالم بن عوف، فمكث عندهم الاثنين و الثلاثاء و الأربعاء و الخميس، و كان كلثوم بن الهدم أسلم قبل قدوم النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) المدينة و توفى فى السنة الأولى، و روى البخارى فى «صحيحه» (2): أن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) مكث فى بنى عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة، و عن مسلم‏ (3): أقام فيه أربع عشرة ليلة، و أخذ مربد (4) كلثوم بن الهدم و عمله مسجدا و أسسه و صلى فيه إلى بيت المقدس، و خرج من عندهم يوم الجمعة عند ارتفاع النهار فركب ناقته القصواء، وجد المسلمون و لبسوا السلاح عن يمينه و شماله و خلفه و كان لا يمر بدار من دور الأنصار إلا قالوا: هلم يا رسول الله إلى القوة و المنعة و الثروة، فيقول لهم خيرا، و يقول عن ناقته: «إنها مأمورة خلوا سبيلها»، فمر ببنى سالم بن عوف فأتى مسجدهم الذى فى وادى رانوناء و أدركته صلاة الجمعة فصلى بهم هنالك و كانوا مائة رجل، و قيل: أربعون، و كانت أول جمعة صلاها بالمدينة، ثم ركب راحلته و أرخى لها زمامها و ما يحركها و هى تنظر يمينا و شمالا حتى انتهت به إلى زقاق الحسنى من بنى النجار فبركت على باب دار أبى أيوب الأنصارى، و قيل: بركت أولا على باب مسجده (صلّى اللّه عليه و سلّم) ثم ثارت و هو عليها فبركت على باب أبى أيوب، ثم التفت و ثارت و بركت فى مبركها الأول، و ألقت جرانها (5) فى الأرض و زرمت‏ (6) فنزل عنها رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و قال: هذا المنزل يا رسول الله فاحتمل‏

____________

(1) ليست فى زاد المعاد (3/ 58)، و لا فى الدرة الثمينة (ص 54)، و لا فى البداية و النهاية (3/ 238)، و لا فى سيرة ابن هشام (2/ 58). و الله أعلم.

(2) أخرجه البخارى: كتاب مناقب الأنصار- باب هجرة النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أصحابه إلى المدينة ح (3906- فتح) عن سراقة بن جشعم.

(3) أخرجه مسلم: كتاب المساجد و مواضع الصلاة- باب ابتناء مسجد النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) ح (524)، و كذا البخارى: كتاب الصلاة- باب هل تنبش قبور مشركى الجاهلية ح (428- فتح) عن أنس ابن مالك.

(4) المربد: الموضع الذى تحبس فيه الإبل و الغنم، و به سمى مربد المدينة و البصرة. و هو بكسر الميم و فتح الباء، من ربد بالمكان إذا أقام فيه، و ربده إذا حبسه. النهاية (2/ 182)، و سيأتى للمصنف أنه كان مربدا للتمر.

(5) الجران: باطن العنق، النهاية (1/ 263) و قال بعده: كما أن البعير إذا برك و استراح مد عنقه على الأرض. اه.

(6) أى: صوتت، و الإزرام: الصوت لا يفتح به الفم. النهاية (2/ 220).

266

أبو أيوب رحله و أدخله بيته، فأقام رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فى بيت أبى أيوب سبعة أيام ثم بنى مسجده، ثم لم يزل فى بيت أبى أيوب ينزل عليه من الوحى حتى ابتنى مسجده و مساكنه، و كان ابتداء/ [131/ أ] بنيانه (صلّى اللّه عليه و سلّم) مسجده فى شهر ربيع الأول من السنة الأولى‏ (1)، و كانت إقامته فى دار أبى أيوب سبعة أشهر (2).

قال الشيخ جمال الدين: و دار أبى أيوب مقابلة لدار عثمان رضي اللّه عنه من جهة القبلة و الطريق بينهما، و هى اليوم مدرسة للمذاهب الأربعة اشترى عرصتها الملك المظفر شهاب الدين غازى بن الملك العادل سيف الدين أبى بكر بن أيوب بن شادى و بناها، و أوقفها على المذاهب الأربعة و أوقف عليها وقفا بميافارقين و هى دار ملكه و لها بدمشق وقف أيضا، و يليها من جهة القبلة عرصة كبيرة تحاذيها من القبلة كانت دارا لجعفر بن محمد الصادق، و فيها الآن قبلة مسجده و فيها أثر المحاريب، و هى اليوم ملك للأشراف المنايفة، و للمدرسة قاعتان كبرى و صغرى، و فى إيوان الصغرى الغربى خزانة صغيرة مما يلى القبلة فيها محراب يقال إنه مبرك ناقة رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)(3)، ثم قال (رحمه الله تعالى): و اعلم أن المسجد الشريف فى دار بنى غنم بن مالك بن النجار و كان مربدا للتمر لسهل و سهيل بنى رافع بن مالك بن النجار و كانا غلامين، فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدا فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) أن يقبله منهما هبة حتى ابتاعه منهما و بناه، و قيل: لم يأخذ له ثمنا، و قيل: اشتراه من بنى عفراء بعشرة دنانير ذهبا دفعها عنه أبو بكر رضي اللّه عنه، و كانت دار بنى النجار أوسط دور الأنصار و أفضلها، و بنو النجار أخوال عبد المطلب بن هاشم جد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و النجار تيم اللات بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج و هم بطون كثيرة، سمى بالنجار؛ لأنه اختتن بالقدوم، و قد صح عن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) أنه قال: «خير دور الأنصار دور بنى النجار» (4) (5). و عن أنس أن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم)/ [131/ ب‏] لما أخذ المربد من بنى‏

____________

(1) راجع سيرة ابن هشام (2/ 58- 62)، و الدرة الثمينة (ص 145) و زاد المعاد (3/ 58- 62) و البداية و النهاية (3/ 236- 243).

(2) راجع الدرة الثمينة (ص 145)، و البداية و النهاية (3/ 253) و حكاه عن الواقدى.

(3) التعريف بما أنست الهجرة (ص 36).

(4) أخرجه البخارى: كتاب مناقب الأنصار- باب فضل دور الأنصار ح (3789- فتح)، و مسلم: كتاب فضائل الصحابة- باب فى خير دور الأنصار ح (2511) عن أبى أسيد مالك بن ربيعة الساعدى.

(5) التعريف بما آنست الهجرة (ص 35- 36).

267

النجار كان فيه نخل و قبور المشركين و خرب، فأمر النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) بالنخيل فقطع و بقبور المشركين فنبشت و بالخرب فسويت، قال: فصفوا النخل قبلة له و جعلوا عضادتيه حجارة، و طفق رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) ينقل معهم اللبن فى بنيانه‏ (1)، و بنى (صلّى اللّه عليه و سلّم) مسجده مربعا و جعل قبلته إلى بيت المسجد (2)، و طوله سبعون ذراعا فى عرض شبر (3) أو أزيد، و جعل له ثلاثة أبواب و جعلوا ساريتى المسجد من الحجارة و بنوا باقيه من اللبن، و فى الصحيحين:

كان جدار المسجد ما كادت الشاة تجوزه‏ (4). و عن عائشة- رضى الله عنها-: كان طول جدار المسجد بسطة، و كان عرض الحائط لبنه لبنة، ثم إن المسلمين كثروا فبنوه لبنة و نصفا، ثم قالوا: يا رسول الله لو أمرت بالمسجد فظلل، قال: نعم، فأقيم له سوار من جذوع النخل شقة شقة ثم طرحت عليها العوارض و الخصف‏ (5) و الإذخر، و جعل وسطه رحبة فأصابتهم الأمطار فجعل المسجد يكف‏ (6) بهم، فقالوا: يا رسول الله لو أمرت بالمسجد فطين، فقال لهم: «عريش كعريش موسى ثمام‏ (7) و خشيبات يعم فيعمل و الأمر أعجل من ذلك»، فلم يزل كذلك حتى قبض رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و يقال: إن عريش موسى- (عليه السلام)- كان إذا قام به أصاب رأسه السقف. قال أهل السير: و بنى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) مسجده مرتين، بناه حين قدم أقل من مائة فى مائة، فلما فتح الله تعالى عليه خيبر بناه فزاد عليه فى الدور مثله‏ (8).

____________

(1) أخرجه البخارى: كتاب الصلاة- باب هل تنبش قبور مشركى الجاهلية، و يتخذ مكانها مساجد ح (428- فتح)، و مسلم: كتاب المساجد و مواضع الصلاة- باب ابتناء مسجد النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) ح (524).

(2) كذا فى الأصل، و الصواب «المقدس». كما فى الدرة الثمينة (ص 146)، و زاد المعاد (3/ 63).

(3) كذا فى الأصل، و ليست موجودة فى الدرة الثمينة (ص 146). و الله أعلم.

(4) أخرجه البخارى: كتاب الصلاة- باب قدر كم ينبغى أن يكون بين المصلى و السترة ح (497- فتح)، و مسلم: كتاب الصلاة- باب دنو الصلاة من السترة ح (509) عن سلمة ابن الأكوع، و اللفظ قريب من رواية البخارى، و راجع الدرة الثمينة (ص 146) و عزاه للصحيحين.

(5) الخصف: هى الجلّة التى يكنز فيها التمر. النهاية (2/ 37).

(6) يكف بهم: يسقط المطر عليهم.

(7) ثمام: عشب من الفصيلة النجيلية يسمو إلى مائة و خمسين سنتيمتر.

(8) راجع الدرة الثمينة (ص 147).

268

ذكر ما جاء فى قبلة مسجد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)

اعلم أن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) صلى فى مسجده متوجها إلى بيت المقدس سبعة عشر شهرا، و قيل: ستة عشر، ثم أمر بالتحول إلى الكعبة فى السنة الثانية من الهجرة/ [132/ أ] فى صلاة الظهر يوم الثلاثاء النصف من شعبان، و قيل: فى رجب‏ (1)، فأقام رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) رهطا على زوايا المسجد ليعدل القبلة، فأتاه جبريل- (عليه السلام)- فقال: يا رسول الله ضع القبلة و أنت تنظر إلى الكعبة ثم قال: بيده هكذا، فأمات كل جبل بينه و بين الكعبة لا يحول دون نظره شى‏ء فلما فرغ، قال جبريل: هكذا فأعاد الجبال و الشجر و الأشياء على حالها و صارت قبلته إلى الميزاب من البيت، فهى المقطوع بصحتها (2). و عن أبى هريرة رضي اللّه عنه قال: كانت قبلة النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى الشام، و كان مصلاه الذى يصلى فيه للناس من الشام من مسجده أن تضع الإسطوانة المحلقة اليوم خلف ظهرك ثم تمشى مستقبل الشام و هى خلف ظهرك حتى إذا كنت محاذيا لباب عثمان المعروف اليوم بباب جبريل- (عليه السلام)- و الباب عن منكبك الأيمن و أنت فى صحن المسجد كانت قبلته فى ذلك الموضع‏ (3)، و أنت واقف فى مصلاه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و سيأتى ذكر الإسطوانة فى محله.

يروى أن أول ما نسخ من أمور الشرع أمر القبلة، و تقدم فى باب الفضائل فضل مسجد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و أن المسجد الذى أسس على التقوى هو مسجده (صلّى اللّه عليه و سلّم).

ذكر حجر أزواج النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم)

لما بنى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) مسجده بنى بيتين لزوجتيه عائشة و سودة- رضى الله عنهما- على نعت بناء المسجد من لبن و جريد، و كان لبيت عائشة- رضى الله عنها- مصراع واحد من عرعر أوساج، و لما تزوج النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) نساءه بنى لهن حجرات و هى تسعة أبيات، و هى ما بين بيت عائشة- رضى الله/ [132/ ب‏] عنها- إلى الباب الذى يلى باب النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم).

قال أهل السير: ضرب رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) الحجرات ما بينه و بين القبلة و الشرق إلى الشام، و لم يضربها فى غربيّه، و كانت خارجة من المسجد مديرة به إلى جهة المغرب، و كانت أبوابها شارعة فى المسجد (4). قال عمران بن أبى أنس: كانت منها أربعة أبيات‏

____________

(1) راجع السيرة النبوية لابن هشام (2/ 92)، و البداية و النهاية (3/ 288).

(2) راجع الدرة الثمينة (ص 147).

(3) راجع الدرة الثمينة (ص 148).

(4) راجع الدرة الثمينة (ص 152).

269

بلبن لها حجر من جريد، و كانت خمسة أبيات من جريد مطينة لا حجر لها، على أبوابها مسوح الشعر. قال النجار (1): و ذرعت الستر فوجدته ثلاثة أذرع فى ذراع، و كان الناس يدخلون حجر أزواج النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) بعد وفاته يصلون فيها يوم الجمعة حكاه مالك، و قال:

كان المسجد يضيق على أهله، و حجرات أزواج النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) ليست من المسجد و لكن أبوابها شارعة فيه‏ (2).

و قالت عائشة- رضى الله عنها-: كان رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) إذا اعتكف يدنى إلى رأسه فأرجله، و كان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان‏ (3).

و عن عبد الله بن يزيد الهذلى قال: رأيت بيوت أزواج النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) حين هدمها عمر ابن عبد العزيز كانت بيوتا باللبن و لها حجر من جريد، و رأيت بيت أم سلمة و حجرتها من لبن فسألت ابن ابنها، فقال: لما غزا رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) دومة الجندل‏ (4) بنت أم سلمة بابها و حجرتها بلبن، فلما قدم رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) نظر إلى اللبن فقال: «ما هذا البناء»؟

فقالت: أردت أن أكف أبصار الناس. فقال لى: «يا أم سلمة شر ما ذهب فيه مال المسلمين البنيان» (5). و قال عطاء الخراسانى: أدركت حجر أزواج النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) من جريد النخل على أبوابها المسوح من شعر أسود فحضرت كتاب الوليد يقرأ يأمر بإدخالهم فى المسجد، فما رأيت باكيا أكثر من ذلك اليوم./ [133/ أ] و سمعت سعيد بن المسيب يقول يومئذ: و الله لوددت أنهم يتركونها على حالها ينشأ ناس من أهل المدينة فيقدم القادم من الآفاق فيرى ما اكتفى به رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فى حياته، فيكون ذلك مما يزهد الناس فى التكاثر و الفخر. و قال يزيد بن أمامة: ليتها تركت حتى يقصر الناس من البنيان، و يروا ما رضى الله- عزوجل- لنبيه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و مفاتيح الدنيا عنده‏ (6).

و أما بيت فاطمة- رضى الله عنها- فإنه كان خلف بيت النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) عن يسار المصلى إلى القبلة، و كان فيه خوخة إلى بيت النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و كان رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) إذا

____________

(1) هكذا فى الأصل، و الصواب: «ابن النجار». و الله أعلم.

(2) راجع الدرة الثمينة (ص 152).

(3) أخرجه البخارى: كتاب الحيض- باب غسل الحائض رأس زوجها ح (296- فتح)، و مسلم:

كتاب الحيض- باب جواز غسل الحائض رأس زوجها ح (297).

(4) دومة الجندل: حصن و قرى بين الشام و المدينة على سبع مراحل من دمشق.

(5) أورده ابن النجار بسنده: الدرة الثمينة (ص 153)، و أخرجه الإمام أحمد: المسند (6/ 293).

(6) راجع هذه الأقوال فى الدرة الثمينة (ص 153)، و مثير الغرام (ص 485).

270

قام من الليل إلى المخرج اطلع منه يعلم خبرهم، و كان رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) يأتى بابها كل صباح فيأخذ بعضادتيه و يقول: «الصلاة الصلاة، إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهركم تطهيرا». قال الحافظ محب الدين بن النجار: و بيتها اليوم حوله مقصورة، و فيه محراب و هو خلف حجرة النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم)(1). قال عفيف الدين المرجانى: و هو اليوم أيضا باق على ذلك.

ذكر مصلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) من الليل‏

و روى عيسى بن عبد الله عن أبيه قال: كان رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) يطرح حصيرا كل ليلة إذا انكفت الناس وراء بيت علىّ رضي اللّه عنه ثم يصلى صلاة الليل، قال: و ذلك موضع الإسطوان الذى مما يلى الدويرة على طريق النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم).

و عن سعيد بن عبد الله بن فضل قال: مر بى محمد بن الحنفية و أنا أصلى إليها فقال لى: أراك/ [133/ ب‏] تلزم هذه الإسطوانة هل جاءك فيها أثر؟ قلت: لا. قال:

فالزمها فإنها كانت مصلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) من الليل، ثم قال: قلت: هذه الإسطوانة؟

قال: نعم‏ (2).

قال الشيخ جمال الدين: و هذه الإسطوانة خلف بيت فاطمة- رضى الله عنها- فالواقف المصلى إليها يكون باب جبريل المعروف قديما بباب عثمان على يساره، و حول الدرابزين الدابر على حجرة النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و قد كتب فيها بالرخام هذا متهجد النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم)(3).

قال الحافظ محب الدين: و بيت فاطمة- رضى الله عنها- من جهة الشمال، و فيه محراب إذا توجه المصلى إليه كانت يساره إلى باب عثمان رضي اللّه عنه‏ (4).

ذكر قصة الجذع‏

عن أنس رضي اللّه عنه قال: كان رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) يخطب يوم الجمعة إلى جنب خشبة مسندا ظهره إليها فلما كثر الناس قالوا: ابنوا له منبرا، فبنوا له منبرا له عتبتان فلما قام على المنبر يخطب حنّت الخشبة إلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال أنس: و أنا فى المسجد فسمعت الخشبة تحن حنين الواله‏ (5)، فما زالت تحن حتى نزل إليها فاحتضنها فسكنت و كان الحسن إذا حدث‏

____________

(1) الدرة الثمينة (ص 154).

(2) راجع الدرة الثمينة (ص 155).

(3) التعريف بما آنست الهجرة (ص 29، 30).

(4) الدرة الثمينة (ص 155).

(5) الواله: من اشتد حزنه حتى ذهب عقله.

271

بهذا الحديث بكى، و قال: يا عباد الله الخشبة تحن إلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) شوقا إليه لمكانه من الله- عزوجل-، فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائه‏ (1). و عن جابر بن عبد الله كان المسجد مسقوفا على جذوع نخل فكان النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) إذا خطب يقوم إلى جذع منها فلما صنع المنبر سمعنا لذلك الجذع صوتا كصوت العشار (2). و فى رواية أنس حتى ارتج المنبر لخواره، روى بجواره بالجيم، و فى رواية سهل‏ (3): و كثر بكاء الناس لما رأوا به، و فى رواية المطلب: حتى تصدع و انشق حتى/ [134/ أ] جاء النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) فوضع يده عليه فسكت، زاد غيره فقال النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم): «إن هذا بكى لما فقد من الذكر»، و زاد غيره: «و الذى نفسى بيده لو لم ألتزمه لم يزل هكذا إلى يوم القيامة تحزنا على رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)»، فأمر به النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) فدفن تحت المنبر (4). كذا فى حديث المطلب، و سهل بن سعد، و إسحاق عن أنس، و فى بعض الروايات جعل فى السقف. قيل: كان النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) إذا صلى صلى إليه فلما هدم المسجد أخذه أبىّ و كان عنده إلى أن أكلته الأرض. و عن الإسفرائينى: أن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) دعاه إلى نفسه فجاءه يخرق الأرض، فالتزمه ثم أمره فعاد إلى مكانه. و فى حديث أبى بريدة قال: يعنى النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) «إن شئت أردك إلى الحائط الذى كنت فيه تنبت لك عروقك، و يكمل لك خلقك و يجدد لك خوص و ثمرة، و إن شئت أغرسك فى الجنة فيأكل أولياء الله من ثمرك». ثم أصغى له النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) يسمع ما يقول فقال: بل تغرسنى فى الجنة يأكل منى أولياء الله، و أكون فى مكان لا أبلى فيه فسمعه من يليه. فقال النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم). «قد فعلت». ثم قال «اختار دار البقاء على دار الفناء» (5). قالت عائشة- رضى الله عنها-:

____________

(1) أورده ابن النجار بسنده: الدرة الثمينة (ص 156)، و البيهقى فى دلائل النبوة (2/ 559)، و ابن الجوزى: مثير الغرام (ص 470)، و أخرج نحوه الدارمى: سننه (1/ 32). و راجع البداية و النهاية (6/ 125). و أصل الحديث رواه الترمذى: كتاب المناقب- باب فى آيات إثبات نبوة النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) ح (3627). قال: حديث أنس حديث حسن صحيح.

(2) أخرجه البخارى: كتاب المناقب- باب علامات النبوة ح (3585- فتح).

(3) رواية سهل هذه أوردها أبو نعيم فى دلائل النبوة (ص 143).

(4) قال الحافظ ابن حجر فى الفتح (6/ 697): هذه الزيادة لأبى عوانة و ابن خزيمة، و أبى نعيم من حديث أنس، و أصله فى الترمذى دون هذه الزيادة.

(5) أخرجه الدارمى: سننه (1/ 29، 30)، و راجع الدرة الثمينة (ص 157).

272

لما قال النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) ذلك غار الجذع فذهب‏ (1). و قصة الجذع نظير إحياء الموتى لعيسى- (عليه السلام)- و أكبر (2).

و قال ابن أبى الزناد: و لم يزل الجذع على حاله زمان رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أبى بكر و عمر- رضى الله عنهم- فلما هدم عثمان رضي اللّه عنه المسجد اختلف فى الجذع، فمنهم من قال: أخذه أبىّ بن كعب، و منهم من قال: دفن فى موضعه. قال الحافظ محب الدين:

و كان الجذع فى موضع الإسطوانة/ [134/ ب‏] المحلقة عن يمين المحراب محراب النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) عند الصندوق‏ (3). قال الشيخ جمال الدين: إنه كان لا صقا بجدار المسجد القبلى فى موضع كرسى الشمعة اليمنى التى عن يمين المصلى فى مقام النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و الإسطوانة التى قبل الكرسى متقدمة عن موضع الجذع، فلا يعتمد على قول من جعلها موضع الجذع، و فى الإسطوانة خشبة ظاهرة مثبتة بالرصاص بموضع كان فى حجر من حجارة الإسطوانة مفتوح قد حوط عليه بالبياض و الخشبة ظاهرة تقول العامة هذا الجذع، و ليس كذلك بل هو من جملة البدع التى يجب إزالتها؛ لئلا يفتتن بها كما أزيلت الجذعة التى فى المحراب القبلى، فإن الشيخ أبا حامد- (رحمه الله)- ذكر مصلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) حققه بقوله: إذا وقف المصلى فى مقام النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) تكون رمانة المنبر الشريف حذو منكبه الأيمن، و يجعل الجذعة التى فى القبلة بين يدى عينيه، فيكون واقفا فى مصلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)(4).

قال الشيخ جمال الدين: و ذلك قبل احتراق المسجد الشريف، و قبل أن يجعل هذا اللوح القائم فى قبلة مصلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و إنما جعل بعد حريق المسجد و كان يحصل بتلك الجذعة تشويش كثير، و ذلك أنهم كانوا يقولون: هذه خرزة فاطمة بنت رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و كانت عالية فيتعلق النساء و الرجال إليها، فلما كانت سنة إحدى و سبعمائة جاور الصاحب زين أحمد بن محمد بن على المعروف بابن حنا فأمر بقلعها فقلعت، و هى اليوم فى حاصل الحرم الشريف ثم توجه إلى مكة فى أثناء السنة فرأى أيضا ما يقع من الفتنة عند دخول البيت الحرام من الرجال و النساء لا ستمساك العروة الوثقى فى‏

____________

(1) راجع قول عائشة- رضى الله عنها- هذا فى البداية و النهاية (6/ 130). و قال: هذا حديث غريب إسناد و متن.

(2) راجع البداية و النهاية (6/ 131). فإنه نقل مثل هذا عن البيهقى.

(3) الدرة الثمينة (ص 157).

(4) التعريف بما آنست الهجرة (ص 28).

273

زعمهم فأمر بقلع ذلك المثال أيضا (1)، و الحمد للّه، و أما العود الذى فى الإسطوانة التى عن يمين مصلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)/ [135/ أ] و هو الجذع المتقدم ذكره. فقال الحافظ محب الدين: روى عن مصعب بن ثابت قال: طلبنا علم العود الذى فى مقام النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) فلم نقدر على أحد يذكر لنا فيه شيئا حتى أخبرنى محمد بن مسلم بن السائب صاحب المقصورة أنه جلس إلى جنبه أنس بن مالك فقال: تدرى لم صنع هذا العود؟ و لم أسأله فقلت: ما أدرى. قال: كان رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) يضع عليه يمينه ثم يلتفت إلينا، فيقول: «استووا و عدلوا صفوفكم». فلما توفى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) سرق العود فطلبه أبو بكر فلم يجده، ثم وجده عمر عند رجل من الأنصار بقباء قد دفنه فى الأرض فأكلته الأرض، فأخذ له عودا فشقه و أدخله فيه ثم شعبه ورده إلى الجدار، و هو العود الذى وضعه عمر بن عبد العزيز فى القبلة، و هو الذى فى المحراب اليوم باق. قال مسلم بن حبان: كان ذلك العود من طرفاء الغابة. و قيل: بل كان من الجذع المذكور (2).

قال المرجانى: قلت- و الله أعلم-: إن هذا الجذع الذى ذكره ابن النجار إنه فى القبلة باق إلى اليوم، لعله الذى قاس به الشيخ أبو حامد و قلعه ابن حنا. قال الشيخ جمال الدين: و كان ذلك قبل حريق المسجد الشريف.

ذكر منبر النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و روضته الشريفة

عن أبى حازم أن نفرا جاءوا إلى سهل بن سعد و قد تماروا فى المنبر من أى عود هو؟ فقال: أما و الله إنى لأعرف من أى عود هو، و من عمله، و رأيت رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) أول يوم جلس عليه. فقلت له: فحدثنا فقال: أرسل رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى امرأة «انظرى غلامك النجار يعمل لى أعوادا أحكم للناس عليها» فعمل هذه الثلاث درجات، ثم أمر بها رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فوضعت هذا الموضع، و هى من طرفاء الغابة و الطرفاء شجر يشبه الأثل إلا أن الأثل/ [135/ ب‏] أعظم منه‏ (3).

و عن جابر بن عبد الله أن امرأة من الأنصار قالت لرسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): يا رسول الله ألا أجعل لك شيئا تقعد عليه فإن لى غلاما نجارا. فقال: إن شئت. فعمل له المنبر (4).

____________

(1) التعريف بما آنست الهجرة (ص 28، 29).

(2) التعريف بما آنست الهجرة (ص 29).

(3) أخرجه البخارى: كتاب الجمعة- باب الخطبة على المنبر ح (917- فتح)، و مسلم: كتاب المساجد و مواضع الصلاة- باب جواز الخطوة و الخطوتين ح (544).

(4) أخرجه البخارى: كتاب مناقب الأنبياء- باب علامات النبوة بعد الإسلام ح (3584- فتح).

274

و عن عبد الله بن عمر أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) لما بدن قال له تميم الدارى: ألا أتخذ لك منبرا يا رسول الله يجمع أو يحمل عظامك. قال: بلى. قال: فاتخذ له منبرا مرقاتين‏ (1).

و عن أبى الزناد أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان يخطب فى يوم الجمعة إلى جذع فى المسجد فقال:

إن القيام قد يشق على وشكا ضعفا فى رجليه، فقال له تميم الدارى و كان من أهل فلسطين: يا رسول الله أنا أعمل لك منبرا كما رأيت يصنع بالشام. قال: فلما اجتمع رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و ذوا الرأى من أصحابه على اتخاذه، قال العباس بن عبد المطلب: إن لى غلاما يقال له فلان أعمل الناس، فقال له النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم): فمره يعمل، فأرسل إلى أثلة بالغابة فقطعها ثم عملها درجتين و مجلسا، ثم جاء بالمنبر فوضعه فى موضعه اليوم ثم راح رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) يوم الجمعة، فلما جاوز الجذع يريد المنبر حن الجذع ثلاث مرات كأنه خوار بقرة حتى ارتاع الناس و قام بعضهم على رجليه، و أقبل رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) حتى مسه بيده فسكن، فما سمع له صوت بعد ذلك، ثم رجع رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى المنبر فقام عليه.

و قد روى أن هذا الغلام الذى صنع المنبر اسمه مينا- بياء ساكنة مثناة من أسفل بعدها نون. و قال عمر بن عبد العزيز: عمله صباح غلام العباس بن عبد المطلب. قال الواقدى:

و ذلك فى السنة الثامنة من الهجرة اتخذه درجتين و مقعدة. قال ابن أبى الزناد: كان رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) يجلس على المنبر و يضع رجليه على الدرجة الثانية، فلما ولى أبو بكر رضي اللّه عنه/ [136/ أ] قام على الدرجة الثانية و وضع رجليه على الدرجة الثالثة السفلى، فلما ولى عمر رضي اللّه عنه قام على الدرجة السفلى و وضع رجليه على الأرض إذا قعد، فلما ولى عثمان رضي اللّه عنه قام على الدرجة السفلى كما فعل عمر رضي اللّه عنه ست سنين، ثم علا فجلس موضع النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و كسا المنبر قبطية (2).

ذكر الشيخ محب الدين عن محمد بن الحسن بن زبالة قال: كان طول المنبر منبر النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) الأول فى السماء ذراعين و شبرا و ثلاثة أصابع، و عرضه ذراع راجح، و طول صدره و هو مسند إلى النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) ذراع، و طول رمانتى المنبر اللتين كان يمسكهما (صلّى اللّه عليه و سلّم) إذا جلس يخطب شبر و أصبعان‏ (3)، و عرضه ذراع فى ذراع و تربيعه سواء، و عدد درجه ثلاث بالمقعد، و فيه خمسة أعواد فى جوانبه الثلاث قال الشيخ جمال الدين: هذا ما كان عليه فى حياة رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و فى خلافة أبى بكر و عمر و عثمان- رضى الله عنهم-، فلما حج‏

____________

(1) أخرجه أبو داود: كتاب الصلاة- باب فى اتخاذ المنبر ح (1081).

(2) راجع هذه الأقوال فى الدرة الثمينة ص (157- 159).

(3) إلى هنا انتهى كلام الشيخ محب الدين بن النجار كما فى المطبوع من الدرة الثمينة (ص 160).

275

معاوية رضي اللّه عنه فى خلافته كساه قبطية ثم كتب إلى مروان بن عبد الحكم و هو عامله على المدينة أن ارفع المنبر عن الأرض، فدعا له النجارين و رفعوه عن الأرض و زادوا من أسفله ست درجات، و صار المنبر بسبع درجات بالمجلس‏ (1). قال ابن زبالة: لم يزد فيه أحد قبله و لا بعده. و قال الشيخ جمال الدين: هذا فى زمان محمد بن زبالة، و روى أيضا عن ابن زبالة أن طول منبر النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) بما زيد فيه أربعة أذرع و من أسفله عتبة، و ذكر ابن زبالة أيضا أن المهدى بن المنصور لما حج سنة إحدى و ستين و مائة قال للإمام مالك بن أنس- (رحمه الله)-: أريد أن أعيد منبر النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم)/ [136/ ب‏] على حاله الأول، فقال له مالك: إنما هو من طرفاء و قد شد إلى هذه العيدان و سمر فهى ببركته حفت أن تتهافت فلا أرى تغييره، فتركه المهدى على حاله‏ (2)، قيل: إن المهدى فرق فى هذه الحجة ثلاثين ألف ألف درهم و مائة ألف و خمسين ألف ثوب، و حمل إليه الثلج من بغداد إلى مكة و كسا البيت ثلاث كساوى بيضاء و حمراء و سوداء توفى بماء سندان بموضع يقال له الرد، فى المحرم سنة تسع و ستين و مائة. قال الشيخ جمال الدين: و ذكر لى يعقوب بن أبى بكر بن أوحد من أولاد المجاورين بالمدينة الشريفة و كان أبوه أبو بكر فراشا من قوام المسجد الشريف، و هو الذى كان حريق المسجد على يديه و احترق هو أيضا فى حاصل الحرم، إن هذا المنبر الذى زاده معاوية و رفع منبر النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) وجد قد تهافت على طول الزمان و إن بعض خلفاء بنى العباس جدده و اتخذوا من بقايا أعواد منبر النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) أمشاطا للتبرك بها، و المنبر الذى ذكره ابن النجار هو المذكور أولا فإنه قال فى تاريخه: و طول المنبر اليوم ثلاثة أذرع و شبر و ثلاثة أصابع، و الدكة التى هو عليها من رخام طولها شبر و عقد، و من رأسه إلى عتبته خمسة أذرع و شبر و أربع أصابع، و قد زيد فيه اليوم عتبتان و جعل عليه باب يفتح يوم الجمعة (3). قال الشيخ جمال الدين: فدل ذلك على أن المنبر الذى احترق غير المنبر الأول الذى عمله معاوية و رفع منبر النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) فوقه‏ (4). قال الفقيه يعقوب بن أبى بكر:

سمعت ذلك ممن أدركت بأن بعض الخلفاء جدد المنبر و اتخذ من بقايا أعواده أمشاطا، و إن المنبر المحترق هو الذى جدده الخليفة المذكور، و هو الذى أدركه الشيخ محب الدين قبل احتراق المسجد الشريف، فإن الحافظ محب الدين كتب التاريخ فى سنة ثلاث/ [137/ أ]

____________

(1) التعريف بما آنست الهجرة (ص 23).

(2) التعريف بما آنست الهجرة (ص 23).

(3) فى الدرة الثمينة (ص 160).

(4) التعريف بما آنست الهجرة (ص 23، 24).

276

و تسعين و خمسمائة و توفى سنة ثلاث و أربعين و ستمائة، و كان احتراق المسجد ليلة الجمعة أول رمضان سنة أربع و خمسين و ستمائة كما سيأتى‏ (1).

قال الشيخ جمال الدين: ثم إن الملك المظفر عمل منبرا و أرسله فى سنة ست و خمسين و ستمائة، و نصب فى موضع منبر النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) رمانتاه من الصندل، و لم يزل إلى سنة ست و ستين و ستمائة عشر سنين يخطب عليه، ثم إن الملك الظاهر أرسل هذا المنبر الموجود اليوم فحمل منبر صاحب اليمن إلى حاصل الحرم و هو باق فيه و نصب هذا مكانه، و طوله أربعة أذرع، و من رأسه إلى عتبته سبعة أذرع يزيد قليلا، و عدد درجاته سبع بالمقعد، و المنقول أن ما بين المنبر و مصلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) الذى كان يصلى فيه إلى أن توفى (صلّى اللّه عليه و سلّم) أربعة عشر ذراعا (2).

و أما الروضة الشريفة فتقدم فى باب الفضائل قوله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «ما بين قبرى و منبرى روضة من رياض الجنة» (3). و تقدم معنى الحديث. و فى حديث آخر: «ما بين حجرتى و منبرى روضة من رياض الجنة» (4). و فى رواية: «ما بين بيتى و منبرى» (5). [قال‏] (6) القاضى عياض: قال الطبرى: فيه معنيان؛ أحدهما: أن المراد بالبيت بيت سكناه على الظاهر مع أنه روى ما يبينه «ما بين حجرتى و منبرى». و الثانى: أن البيت هاهنا القبر، و هو قول زيد بن أسلم فى هذا الحديث، كما روى «ما بين قبرى و منبرى» قال الطبرى:

و إذا كان قبره فى بيته اتفقت معانى الروايات و لم يكن بينها خلاف؛ لأن قبره (صلّى اللّه عليه و سلّم) فى حجرته و هو بيته‏ (7).

____________

(1) راجع التعريف بما آنست الهجرة (ص 24).

(2) التعريف بما آنست الهجرة (ص 25، 26).

(3) أخرجه أحمد: المسند (3/ 64)، عن أبى سعيد، و البيهقى: السنن (5/ 246) عن جابر.

و أورده ابن الجوزى فى مثير الغرام (ص 472) بسنده عن أبى بكر الصديق.

(4) أورده جمال الدين المطرى بسنده عن جابر: التعريف بما آنست الهجرة (ص 17).

(5) أخرجه البخارى: كتاب فضل الصلاة فى مسجد مكة و المدينة- باب فضل ما بين القبر و المنبر ح (1196- فتح)، و مسلم: كتاب الحج- باب ما بين القبر و المنبر روضة من رياض الجنة ح (1391) من حديث أبى هريرة رضي اللّه عنه.

(6) فى الأصل بياض، و لعلها ما أثبتناه. و الله أعلم.

(7) راجع الشفاء (2/ 82، 83).

277

ذكر سد الأبواب الشوارع فى المسجد

عن أبى سعيد الخدرى قال: خطب النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال: «إن الله خيّر عبدا بين الدنيا و بين ما عنده فاختار ما عند الله». فبكى أبو بكر، فقلت فى نفسى: ما يبكى هذا الشيخ أن يكون عبدا خيره الله بين الدنيا و بين ما عنده/ [137/ ب‏] فاختار ما عند الله، فكان رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) هو العبد، و كان أبو بكر أعلمنا، فقال: يا أبا بكر لا تبك إن آمن الناس علىّ فى صحبته و ماله أبو بكر، و لو كنت متخذا من أمتى خليلا لا تخذت أبا بكر، و لكن أخوة الإسلام و مودته، لا يبقين فى المسجد باب إلا سد، إلا باب أبى بكر (1). و كان باب أبى بكر رضي اللّه عنه فى غربى المسجد. و روى ابن عباس- رضى الله عنهما- أن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) أمر بالأبواب كلها فسدت إلا باب على رضي اللّه عنه‏ (2).

ذكر تجمير المسجد الشريف و تخليقه‏

ذكر أهل السير: أن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه أتى بسفط من عود فقال: أجمروا به المسجد لينتفع به المسلمون. قال الحافظ محب الدين: فبقيت سنة فى الخلفاء إلى اليوم يؤتى فى كل عام بسفط من عود يجمر به المسجد ليلة الجمعة و يوم الجمعة عند منبر النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) من خلفه إذا كان الإمام يخطب، قالوا: و أتى عمر رضي اللّه عنه بمجمرة من فضة فيها تماثيل من الشام فكان يجمر بها المسجد ثم توضع بين يديه، فلما قدم إبراهيم بن يحيى واليا على المدينة غيرها و جعلها ساجا. فقال الحافظ محب الدين: و هى فى يومنا هذا منقوشة (3). قال عفيف الدين المرجانى: و كذلك هى مستمرة إلى يومنا هذا.

و أما تخليقه: فروى أن عثمان بن مظعون رضي اللّه عنه تفل فى المسجد فأصبح كئيبا فقالت له امرأته: مالى أراك كئيبا؟ فقال: ما شى‏ء إلا أنى تفلت فى المسجد و أنا أصلى فعمدت إلى القبلة فغسلتها ثم خلقتها، فكان أول من خلق القبلة. و عن جابر بن عبد الله أول من خلق القبلة عثمان بن عفان رضي اللّه عنه. ثم لما حجت الخيزران أم موسى و هارون الرشيد فى سنة سبعين و مائة أمرت بالمسجد الشريف أن يخلق، فتولى تخليقه جاريتها مؤنسة/ [138/ أ] فخلقته جميعه و خلقت الحجرة الشريفة جميعها (4).

____________

(1) أخرجه البخارى: كتاب الصلاة- باب الخوخة و الممر فى المسجد ح (466- فتح).

(2) الدرة الثمينة (ص 161).

(3) الدرة الثمينة (ص 162).

(4) الدرة الثمينة (ص 162).

278

ذكر موضع تأذين بلال رضي اللّه عنه‏

روى ابن إسحاق: أن امرأة من بنى النجار قالت: كان بيتى من أطول بيت حول المسجد، و كان بلال يؤذن عليه الفجر كل غداة، فيأتى بسحر فيجلس على البيت ينتظر عليه الفجر فإذا رآه تمطى، قال: اللهم أحمدك و أستعينك على قريش أن يقيموا دينك، قالت: ثم يؤذن.

و ذكر أهل السير: أن بلالا كان يؤذن على إسطوان فى قبلة المسجد يرقى إليها بأقباب‏ (1) و هى قائمة إلى الآن فى منزل عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه.

و عن ابن عمر- رضى الله عنهما- كان بلال يؤذن على منارة فى دار حفصة بنت عمر التى فى المسجد قال: و كان يرقى على أقباب‏ (1) فيها، و كانت خارجة من مسجد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) لم تكن فيه و ليست فيه اليوم‏ (2)، و كان يؤذن بعد بلال. و قيل: معه عبد الله ابن أم مكتوم الأعمى، و أذن بعدهما سعد بن عابد مولى عمار بن ياسر و هو سعد القرط، و سمى سعد القرط؛ لأنه كان إذا اتجر فى شى‏ء وضع فيه فاتجر فى القرط فربح فلزم التجارة فيه، جعله رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) مؤذنا بقباء فلما مات رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و ترك بلال الأذان، نقل أبو بكر رضي اللّه عنه سعدا هذا إلى مسجد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فلم يزل يؤذن فيه إلى أن مات، و توارث عنه بنوه الأذان فيه إلى زمن مالك- (رحمه الله)- و بعده أيضا، و قيل: إن الذى نقله إلى المدينة للأذان عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، و قيل: إنه كان يؤذن للنبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و استخلفه على الأذان فى خلافة عمر رضي اللّه عنه حين خرج بلال إلى الشام. و قال خليفة بن خياط: أذن لأبى بكر رضي اللّه عنه سعد القرط مولى عمار بن ياسر إلى أن مات أبو بكر، و أذن بعده لعمر رضي اللّه عنه. حكاه ابن عبد البر.

ذكر أهل/ [138/ ب‏] الصفة

روى البخارى فى صحيحه‏ (3) أن أهل الصفة كانوا فقراء. و عن أبى هريرة رضي اللّه عنه قال: لقد رأيت سبعين من أهل الصفة ما منهم رجل عليه رداء، إما إزار و إما كساء و قد ربطوه فى أعناقهم، فمنها ما يبلغ نصف الساقين، و منها ما يبلغ الكعبين فيجمع يده؛ كراهية أن ترى عورته.

و روى أهل السير: أن محمد بن مسلمة رأى أضيافا عند رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فى المسجد

____________

(1) هكذا فى الأصل، و فى الدرة الثمينة: «أقتاب».

(2) إلى هنا راجعه فى الدرة الثمينة (ص 164).

(3) فى كتاب مواقيت الصلاة- باب السمر مع الضيف و الأهل ح (602- فتح).

279

فقال: ألا تفرق هذه الأضياف فى دور الأنصار، و يجعل لك من كل حائط قنو (1) ليكون لمن يأتيك من هؤلاء الأقوام، فقال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «بلى». فكان كل من جذّ ماله جاء بقنو فجعله فى المسجد بين ساريتين فجعل الناس يفعلون ذلك، و كان معاذ يقوم عليهم و كان يجعل حبلا بين الساريتين ثم تعلق الأقناء على الحبل، و يجمع العشرين أو الأكثر فيهش عليهم بعصاه من الأقناء فيأكلون حتى يشبعون ثم ينصرفون، و يأتى غيرهم فيفعل لهم مثل ذلك، فإذا كان الليل فعل لهم مثل ذلك‏ (2). و أهل الصفة هم أهل مسجد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و الصفة بالمدينة خارج المسجد و بمكة داخل المسجد، و سدة المسجد هى الظلال التى حول المسجد، و قيل: الباب نفسه، و السدى منسوب إليه، و جاء فى الحديث:

و كان يصلى فى السدة سدة المسجد.

و أما أهل الصفة فهم: أبو عبيدة بن الجراح، و عبد الله بن مسعود، و المقداد، و بلال، و أبو ذر، و صهيب، و خباب بن الأرت، و عمار بن ياسر، و عتبة بن غروان، و زيد بن الخطاب، و سالم مولى أبى حذيفة، و أبو مرثد بن مسعود، و أبو الدرداء، و مسطح بن إياثة، و عكاشة بن محصن، و طلحة بن عمرو، و واثلة بن الأسقع، و معاذ بن الحارث، و السائب بن خلاد، و صفوان بن بيضاء، و مسعود بن الربيع، و أبو اليسر كعب/ [139/ أ] ابن عمرو، و أبو عيسى بن حى، و عويمر بن ساعدة، و أبو لبانة، و سالم بن عمير، و خبيب بن يساف، و عبد الله بن أنيس، و حذيفة بن اليمان، و عبد الله بن بدر، و الحجاج بن عمرو، و أبو هريرة، و ثوبان مولى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و أبو عبيدة مولاه أيضا (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و ثابت بن وديعة، و سالم بن عبيد، و جرهد بن خويلد، و بشير بن الخصاصة، و ربيعة بن كعب، و ثابت بن الضحاك، و أسماء بنت حارثة، و سالم بن عبيدة الأشجعى، و أبو سعيد الخدرى، و حزيم بن فاتك، فهؤلاء أهل الصفة، و تقدم فى باب الفضائل فضل الإسطوانات المشهورة فى الروضة و الصلاة إليها فلينظر ثم.

ذكر زيادة عمر بن الخطاب فى مسجد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)

يروى أن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه قال: لو لا أنى سمعت رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول: «إنى أريد أن أزيد فى المسجد ما زدت فيه». و عن سلمة بن خباب أن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال يوما و هو فى مصلاه فى المسجد: «لو زدنا فى مسجدنا و أشار بيده نحو القبلة» فأجلسوا رجلا فى موضع مصلى النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) ثم رفعوا يد الرجل و حطوها حتى رأوا أن ذلك نحو ما رأوا أن النبى‏

____________

(1) قنو: العذق بما فيه من الرطب، و جمعه أقناء. النهاية (4/ 116).

(2) راجع الدرة الثمينة (ص 166).

280

(صلّى اللّه عليه و سلّم) رفع يده، ثم مدوا ميقاطا فوضعوا أطرافه بيد الرجل ثم مدوه، فلم يزالوا يقدمونه و يؤخرونه حتى رأوا أن ذلك شبيه لما أشار رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) من الزيادة، فقدم عمر القبلة فكان موضع جدار عمر رضي اللّه عنه فى موضع عيدان المقصورة (1)، و كان صاحب المقصورة فى زمان الصحابة السائب بن خباب مولى قريش، و قيل: مولى فاطمة بنت عتبة.

قال أهل السير: كان بين المنبر و بين الجدار بقدر ما تمر شاة، فأخذ عمر رضي اللّه عنه/ [139/ ب‏] موضع المقصورة و زاد فى يمين القبلة، فصار طول المسجد الشريف أربعين و مائة ذراع، و عرضه عشرين و مائة، و طول السقف أحد عشر ذراعا، و سقفه جريد ذراعان، و بنى فوق ظهر المسجد سترة ثلاثة أذرع، و بنى أساسه بالحجارة إلى أن بلغ قامة، و جعل له سته أبواب؛ بابين عن يمين القبلة، و بابين عن يسارها، و لم يغير باب عاتكة، و لا الباب الذى كان يدخل منه النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و فتح بابا عند دار مروان بن الحكم، و بابين فى مؤخر المسجد (2). و روى عن أبى هريرة رضي اللّه عنه قال: قال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «لو بنى هذا المسجد إلى صنعاء كان مسجدى» (3). و روى غيره مرفوعا قال: «هذا مسجد (4) و ما زيد فيه فهو منه و لو بلغ صنعاء كان مسجدى» و عن أبى هريرة رضي اللّه عنه أنه سمع رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول «لو زيد فى هذا المسجد ما زيد لكان الكل مسجدى».

و عن عمر رضي اللّه عنه لو مد مسجد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فى هذه الزيادة دار العباس بن عبد المطلب وهبها للمسلمين و اشترى نصف موضع كان خطه النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) فزاده فى المسجد و بناه على بنيانه الذى كان على عهد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) باللبن و الجريد و أعاد عمده خشبا.

ذكر بطحاء مسجد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)

عن بشر بن سعيد أو سليمان بن يسار شك الضحاك أنه حدثه: أن المسجد كان يرش زمان النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و زمان أبى بكر و عامة زمان عمر رضي اللّه عنه، و كان الناس يتنخمون فيه و يبصقون حتى عاد زلقا حتى قدم أبو مسعود الثقفى فقال لعمر رضي اللّه عنه: أليس بقربكم واد؟

قال: بلى. قال: فمر بحصباء تطرح فيه فهو ألف للمخاط و النخامة/ [140/ أ] فأمر عمر رضي اللّه عنه بها (5)، ثم قال: هو أغفر للنخامة و ألين فى الموطئ. الغفر بالغين المعجمة

____________

(1) أورده ابن النجار بسنده: الدرة الثمينة (ص 171).

(2) راجع الدرة الثمينة (ص 171).

(3) رواه الزبير بن بكار فى أخبار المدينة، و رمز له الحافظ السيوطى فى الجامع الصغير بالضعف.

(4) فى الدرة الثمينة: «مسجدى».

(5) أورده ابن النجار بسنده: الدرة الثمينة (ص 173).

281

التغطية و الستر و منه المغفرة، و قد حرم التنخم فى المسجد إبراهيم النخعى و قال: بنجاستها و تفرد بهذا القول و لم يتبع فيه، بل كفارتها سترها. و عن أبى الوليد قال: سألت ابن عمر ابن الخطاب- رضى الله عنهما- عن الحصباء التى كانت فى المسجد فقال: إنا مطرنا ذات ليلة فأصبحت الأرض مبتلة، فجعل الرجل يجيئ بالحصباء فى ثوبه فيبسطه تحته، فلما قضى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) صلاته قال: ما أجر هذا؟. و عن محمد بن سعد أن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ألقى الحصباء فى مسجد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و كان الناس إذا رفعوا رؤوسهم من السجود ينفضون أيديهم من أيديهم فجئ بالحصباء من العقيق من هذه العرصة فبسطت فى المسجد (1).

قال الشيخ جمال الدين: و رمل مسجد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) يحمل من وادى العقيق من العرصة التى تسيل من الجما الشمالية إلى الوادى فيحمل منه، و ليس بالوادى رمل أحمر غير ما، يسيل من الجما، و الجماوات أربعة و هو رمل أحمر يغربل ثم يبسط فى المسجد (2).

ذكر زيادة عثمان رضي اللّه عنه‏

فى صحيح البخارى‏ (3) كان عثمان رضي اللّه عنه و لى الخلافة سنة أربع و عشرين، فلما بلغت خلافته أربع سنين كلمه الناس فى الزيادة و شكوا إليه ضيق المسجد يوم الجمعة، فشاور عثمان رضي اللّه عنه أهل الرأى من أصحاب رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فى ذلك و زاد فى المسجد زيادة كثيرة و بنى جداره بالحجارة المنقوشة و القصة، و جعل عمده من حجارة منقوشة حشوها أعمدة الحديد و الرصاص، و سقفه بالساج، و باشر ذلك بنفسه، و كان عمله فى أول ربيع الآخر (4) سنة تسع و عشرين، و فرغ منه حين دخلت السنة لهلال المحرم سنة/ [140/ ب‏] ثلاثين، و كان عمله عشرة أشهر، و زاد فى القبلة إلى موضع الجدار اليوم، و زاد فيه من المغرب إسطوانا بعد المربعة، و زاد فيه من الشام خمسين ذراعا، و لم يزد من الشرق شيئا، و قدر زيد بن ثابت أساطينه فجعلها على قدر النخل، و جعل فيها طبقين مما يلى المشرق و المغرب، و بنى المقصورة بلبن و جعل فيها كوة ينظر الناس فيها إلى الإمام، و جعل طول المسجد الشريف ستين و مائة ذراع، و عرضه خمسين و مائة ذراع، و جعل أبوابه سته على ما كان على عهد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، باب عاتكة، و الباب الذى يليه، و باب مروان، و باب‏

____________

(1) راجع الدرة الثمينة (ص 173).

(2) التعريف بما آنست الهجرة (ص 27).

(3) فى كتاب الصلاة- باب بنيان المسجد ح (446- فتح).

(4) فى الدرة الثمينة: «ربيع الأول».

282

النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و بابين فى آخره‏ (1).

ذكر زيادة الوليد بن عبد الملك بن مروان‏

و ذلك أنه لما استعمل عمر بن عبد العزيز على المدينة الشريفة أمره بالزيادة فى المسجد، فاشترى عمر ما حوله من المشرق و المغرب و الشام، و من أبى أن يبيع هدم عليه و وضع له الثمن، فلما صار إلى القبلة قال عبيد الله بن عبد الله بن عمر: لسنا نبيع هذا هو فى حق حفصة، و قد كان النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) يسكنها، فلما كثر الكلام بينهما قال له عمر بن عبد العزيز: أجعل لكم فى المسجد بابا و أعطيكم دار الرفق، و ما بقى من الدراهم فهى لكم- يعنى التى تفضل من العمارة- ففعلوا، فأخرج بابهم فى المسجد و هى الخوخة التى تخرج من دار حفصة- رضى الله عنها-، و قدم الجدار فى موضعه اليوم، و زاد من الشرق ما بين الإسطوانة المربعة إلى جدار المسجد، و معه عشرة أساطين من مربعة القبر الشريف إلى الرحبة و إلى الشام، و مد من المغرب إسطوانتين، و أدخل فيه حجرات أزواج النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و بيت فاطمة- رضى الله عنها- و أدخل فيه دور عبد الرحمن بن عوف، و دار عبد الله بن مسعود، و أدخل فيه من المغرب دار طلحة/ [141/ أ] بن عبد الله، و دار سبرة بن أبى رهم، و دار عمار بن ياسر، و بعض دار العباس و علم ما دخل منها فجعل سائر سواريها التى تلى السقف أعظم من غيرها من السوارى، و بعث الوليد بن عبد الملك إلى ملك الروم إنا نريد أن نعمل مسجد نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و سلّم) فأعنا فيه بعمال و فسيفساء- و هى الفصوص المزججة المذهبة- فبعث إليه بأربعين من الروم، و بأربعين من النبط، و بأربعين ألف مثقال عونا له، و بأحمال فسيفساء، و سلاسل القناديل اليوم، و هدم عمر المسجد و أخمد النّورة التى يعمل منها الفسيفساء سنة، و حمل القصّة من النخل، و عمل الأساس بالحجارة و الجدار بالحجارة المنقوشة المطابقة، و جعل عمد المسجد حجارة حشوها عمد الحديد و الرصاص، و جعل طوله مائتى ذراع، و عرضه من مقدمه مائتى ذراع، و من مؤخره مائة و ثمانين ذراعا، و عمله بالفسيفساء و المرمر، و سقفه بالساج و ماء الذهب، و أدخل الحجرات و القبر المقدس فى المسجد و نقل لبن الحجرات فبنى به داره فى الحرة (2).

قال الحافظ محب الدين: فهو بها لليوم له بياض على اللبن‏ (3). و قال الذين عملوا الفسيفساء: إنما عملنا على ما وجدنا من صور شجر الجنة و قصورها، و كان عمر بن عبد

____________

(1) راجع الدرة الثمينة (ص 173، 174)، و مثير الغرام (ص 464).

(2) راجع الدرة الثمينة (ص 174، 175).

(3) الدرة الثمينة (ص 175).

283

العزيز إذا عمل العامل الشجرة الكبيرة من الفسيفساء و أحسن عملها نفله ثلاثين درهما، و كانت زيادة الوليد من المشرق ستة أساطين، و زاد من الشام الإسطوانة المربعة التى فى القبر الشريف أربعة عشر إسطوانا، منها عشرة فى الرحبة، و أربعة فى السّقايف الأولى التى كانت قبل، و زاد من الإسطوانة التى دون المربعة إلى المشرق أربع أساطين، و أدخل بيت النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) فى المسجد، و بقى ثلاثة أساطين فى/ [141/ ب‏] السّقايف، و جعل للمسجد فى أربع زواياه أربع منارات، و كانت الرابعة مطلة على دار مروان، فلما حج سليمان بن عبد الملك أذن المؤذن فأطل عليه فأمر بها فهدمت، و أمر عمر بن عبد العزيز حين بنى المسجد بأسفل الأساطين فجعل قدر سترة اثنين يصليان إليها، و قدر مجلس اثنين يستندان إليها، و لما صار إلى جدار القبلة دعا مشايخه من أهل المدينة من قريش و الأنصار و العرب و الموالى فقال: احضروا بنيان قبلتكم، لا تقولوا غير عمر قبلتنا فجعل لا ينزع حجرا إلا وضع حجرا. و هو أول من أحدث الشرافات و المحراب و عمل بالميازيب من رصاص، و لم يبق منها إلا ميزابان، أحدهما فى موضع الجنائز، و الآخر على الباب الذى يدخل منه أهل السوق- يعنى باب عاتكة، و عمل المقصورة من ساج، و جعل للمسجد عشرين بابا و كان هدمه للمسجد فى سنة إحدى و تسعين و مكث فى بنيانه ثلاث سنين، فلما قدم الوليد بن عبد الملك حاجّا جعل ينظر إلى البنيان فقال حين رأى سقف المقصورة:

ألا عملت السقف مثل هذا؟ فقال يا أمير المؤمنين إذا تعظم النفقة جدّا فقال: و إن كان، و كانت النفقة فى ذلك أربعين ألف مثقال، و لما استنفد الوليد النظر إلى المسجد التفت إلى أبان بن عثمان بن عفان رضي اللّه عنه فقال: أين بنياننا من بنيانكم؟ فقال: إنا بنيناه بناء المساجد و بنيتموه بناء الكنائس‏ (1).

و قال الحافظ محب الدين: و خلا فى بعض الأيام المسجد فقال بعض الروم: لأبولن على قبر نبيهم، فنهاه أصحابه فلم يقبل فلما هم اقتلع [حجر] (2) فألقى على رأسه فانتثر دماغه، فأسلم بعض أولئك النصارى، و عمل أحدهم على رأس خمس طاقات من جدار القبلة فى صحن المسجد صورة خنزير/ [142/ أ]، فظهر عليه عمر بن عبد العزيز فأمر به فضربت عنقه، و كان عمل القبط مقدم المسجد، و الروم ما خرج من السقف من جوانبه و مؤخره، و أراد عمر بن عبد العزيز أن يعمل على كل باب سلسلة تمنع الدواب، فعمل واحدة فى باب مروان، ثم بدا له عن البواقى، و أقام الحرس فيه يمنعون الناس من الصلاة

____________

(1) راجع الدرة الثمينة (ص 176، 177).

(2) ليست فى الأصل، و السياق يقتضى وضعها. و الله أعلم.

284

على الجنائز فيه‏ (1). قال الحافظ محب الدين: و السنة فى الجنائز باقية إلى يومنا هذا إلا فى حق العلويين و الأمراء و غيرهم من الأعيان، و الباقون يصلى عليهم خلف الحائط الشرقى، إذا وقف الإمام على الجنازة كان النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) على يمينه‏ (2). و قال عفيف الدين المرجانى:

و كذلك الأمر باق إلى هذا التاريخ، و الوليد بن عبد الملك هو الذى بنى مسجد مكة و مسجد المدينة و مسجد دمشق و المسجد الأقصى و قبة الصخرة، و أنفق على مسجد دمشق أحد عشر ألف ألف مثقال و نيّفا، و قيل: أنفق عليه خراج الدنيا ثلاث دفعات، و هو أول من نقل إلى مكة أساطين الرخام مدة خلافته عشر سنين و تسعة أشهر، و توفى بدير مروان و حمل إلى دمشق فدفن فى مقبرة الفراديس، و كان مسجد دمشق للصابئين، ثم صار لليونانيين، ثم صار لليهود، و فى ذلك الزمان قتل يحيى بن زكريا و نصب رأسه على باب حيرون، و عليه نصب رأس الحسين، ثم غلبت عليه النصارى ثم غلبت عليه المسلمون.

ذكر زيادة المهدى‏

و ذلك أنه لما ولى الخلافة آخر ذى الحجة من سنة ثمان و خمسين و مائة شرع فى بناء المسجد الحرام و مسجد المدينة المشرفة على ما هما عليه اليوم، و بنى بيت المقدس و قد كان هدمته الزلازل، و حج فى سنة ستين و مائة، و استعمل فى هذه السنة على المدينة/ [142/ ب‏] جعفر بن محمد [بن‏] (3) سليمان بن عبد الله بن عباس و أمره بالزيادة فى المسجد النبوى، و ولاه بناءه هو و عاصم‏ (4) بن عمر بن عبد العزيز، و عبد الملك بن شبيب الغسانى فزادوا فى المسجد من جهة الشام إلى منتهاه اليوم، فكانت زيادته مائة ذراع، و لم يزد فيه من الشرق و الغرب شيئا، ثم سد على آل عمر خوختهم التى فى دار حفصة، فكثر كلامهم، فصالحهم على أن يخفض المقصورة ذراعين، و زاد فى المسجد لتلك الخوخة ثلاث درجات، و حفر الخوخة حتى صارت تحت المقصورة و جعل عليها فى جدار القبلة شباك حديد فهو عليها اليوم، و كان الذى دخل فى المسجد من الدور؛ دار عبد الرحمن بن عوف، و دار شرحبيل، و بقية دار عبد الله بن مسعود، و دار المسور بن مخرمة، و فرغ من بنيانه سنة خمس و ستين‏

____________

(1) الدرة الثمينة (ص 177، 178).

(2) راجع الدرة الثمينة (ص 178).

(3) ليست فى الأصل، و الصواب ما أثبتناه، و فى الدرة الثمينة: «جعفر بن سليمان بن على بن عبد الله ابن عباس». و الله أعلم.

(4) فى الدرة الثمينة: «عبد الله بن عاصم بن عمر بن عبد العزيز».

285

و مائة، و كان ابتداؤه سنة اثنين و ستين و مائة، و عرض منقبته مما يلى المشرق ذراعان و أربع أصابع و هو أعرضها؛ لأنه من ناحية السيل‏ (1).

ذكر بلاعات المسجد و ستائر صحنه و السقايات التى كانت فيه‏

قال الحافظ محب الدين: و فى صحن المسجد أربع و ستون بلاعة، عليها أرحاء و لها صمائم من حجارة، و كان أبو البحترى وهب بن وهب القاضى واليا على المدينة لهارون الرشيد و كشف سقف المسجد فى سنة ثلاث و تسعين و مائة فوجد فيه سبعين خشبة فأصلحها، و كان ماء المطر إذا كثر فى صحن المسجد يغشى قبلة المسجد، فجعل بين القبلة و الصحن «لا صقا حجارا من المربعة» (2) التى فى غربى المسجد إلى المربعة التى فى شرقيه التى تلى القبر المقدس تمنع الماء و الحصب.

و أما الستائر التى كانت فى صحن المسجد: فذلك أنه لما قدم أبو جعفر المنصور سنة أربعين و مائة أمر بستور فستر بها صحن المسجد، على عمد لها رؤوس كقرّيات/ [143/ أ] الفساطيط، و جعلت فى الطيقان، فكانت لا تزال العمد تسقط على الناس، فغيرها و أمر بستور أكثف من تلك الستور، و حبال تأتى من جدة تسمى القنبار و جعلت مشتبكة، فكانت تجعل على الناس كل جمعة، فلم تزل حتى خرج محمد بن عبد الله بن حسن يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة خمس و أربعين و مائة، فأمر بها فقطعت ذراريع لمن كان يقاتل معه، فتركت حتى كان زمان هارون فأخذت هذه الأستار اليوم، و لم يكن يستر بها فى زمان بنى أمية (3). قال عفيف الدين المرجانى: ثم إنها تركت لما جدد الملك الناصر الرواقين. و عن حسن‏ (4) بن مصعب قال: أدركت كسوة الكعبة يؤتى بها المدينة قبل مكة فتنشر على الرضراض فى مؤخر المسجد ثم يخرج بها إلى مكة، و ذلك فى سنة إحدى و ثلاثين أو اثنين و ثلاثين و مائة (5). انتهى و أما الآن فلا يؤتى بها إلى المدينة و إنما يؤتى بها صحبة الركب المصرى.

و أما السقايات: فقال محمد بن الحسن بن زبالة: كان فى صحن المسجد تسع عشرة سقاية إلى أن كتبنا كتابنا هذا فى صفر سنة تسع و تسعين و مائة، منها ثلاث عشرة

____________

(1) راجع الدرة الثمينة (ص 178، 179).

(2) هكذا فى الأصل، و فى الدرة الثمينة: «حجارة مربعة لا صقة».

(3) راجع الدرة الثمينة (ص 179، 180).

(4) فى الدرة الثمينة: «حسين بن مصعب».

(5) راجع الدرة الثمينة (ص 180).

286

أحدثتها خالصة و هى أول من أحدث ذلك، و ثلاث لزيد البربرى مولى أمير المؤمنين، و سقاية لأبى البحترى وهب بن وهب، و سقاية لسحر أم ولد هارون الرشيد، و سقاية لسلسبيل أم ولد جعفر بن أبى جعفر (1). قال الحافظ محب الدين: و أما الآن فليس به سقاية إلا أن فى وسطه بركة كبيرة مبنية بالآجر و الجص و الخشب، بها درج أربع فى جوانبها، و الماء ينبع من فوارة فى وسطها تأتى من العين الزرقاء، و لا يكون فيها الماء إلا فى المواسم، بناها بعض أمراء الشام تسمى شامة (2). قال الشيخ جمال الدين: و كان يحصل/ [143/ ب‏] بهذه البركة انتهاك لحرمة المسجد فسدت لذلك. قال الحافظ محب الدين: و عملت الجهة (3) أم الخليفة الناصر لدين الله فى مؤخر المسجد سنة تسعين و خمسمائة سقاية فيها عدة من البيوت، و حفرت لها بئرا، و فتحت لها بابا إلى المسجد فى الحائط الذى يلى الشام و هى تفتح فى الموسم‏ (4).

ذكر احتراق المسجد الشريف‏

و احترق مسجد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) ليلة الجمعة أول شهر رمضان سنة إحدى و خمسين و ستمائة، بعد خروج نار الحرة الآتى ذكرها فى السنة نفسها، فكتب بذلك إلى الخليفة المستعصم بالله أبى أحمد عبد الله بن المستنصر فى الشهر المذكور، فواصل الصاع و الآلة فى صحبة حجاج العراق و ابتدئ فيه بالعمارة من أول سنة خمس و خمسين و ستمائة، و استولى الحريق على جميع سقوفه حتى لم يبق فيه خشبة واحدة، و بقيت السوارى قائمة و ذاب رصاص بعضها فسقطت، و احترق سقف الحجرة المقدسة، و أنشد بعضهم فى ذلك:

لم يحترق حرم النبى لحادث‏* * * يخشى عليه و لا دهاه العار

لكنها أيدى الروافض لامست‏* * * ذاك الجناب فطهرته النار

و قصة هذه النازلة على ما نقله ابن أبى شامة و المطرى و غيرهما: و ذلك أنه لما كانت الليلة ليلة الأربعاء ثالث جمادى الآخرة سنة أربع و خمسين و ستمائة ظهر بالمدينة دوى عظيم، ثم زلازل رجفت منها المدينة و الحيطان ساعة بعد ساعة، و كان بين اليوم و الليلة أربعة عشر زلزلة، و اضطرب المنبر إلى أن سمع منه صوت الحديد، و اضطربت‏

____________

(1) راجع الدرة الثمينة (ص 181، 182).

(2) الدرة الثمينة (ص 182).

(3) كذا فى الأصل، و فى الدرة الثمينة: «الجهمة». و الله أعلم.

(4) الدرة الثمينة (ص 182).

287

قناديل المسجد، و سمع لسقف المسجد صرير، و تمت الزلازل إلى يوم الجمعة ضحى ثم انبجست الأرض بنار عظيمة فى واد يقال له: أخيلين بينه و بين المدينة نصف يوم، ثم انبجست/ [144/ أ] من رأسه فى الحرة الشرقية من وراء قريظة على طريق الشوارقية بالمقاعد، ثم ظهر لها دخان عظيم فى السماء ينعقد حتى يبقى كالسحاب الأبيض، و للنار ألسن محمرة صاعدة فى الهواء، و بقى الناس فى مثل ضوء القمر، و صارت النار قدر المدينة العظيمة، و ما ظهرت إلا ليلة السبت، و كان اشتعالها أكثر من ثلاث منائر و هى ترمى بشرر كالقصر، و شررها صخر كالجمال، و سال من هذه النار واد يكون مقداره خمسة فراسخ، و عرضه أربعة أميال، و عمقه قامة و نصف، و هو يجرى على وجه الأرض، و يخرج منه أمهاد و جبال يسير على وجه الأرض، و هو صخر يذوب حتى يصير كالآنك، فإذا جمد صار أسود و قبل الجمود لونه أحمر، و سال منها واد من نار حتى حاذى جبل أحد، و سالت من أخيلين نار تنحدر مع الوادى إلى الشظاة، و الحجارة تسير معها حتى عادت تقارب حرة العريض، ثم وقعت أياما تخرج من النار ألسن ترمى بحجارة خلفها و أمامها حتى نبت لها جبل، و لها كل يوم صوت من آخر النهار و رؤى ضوء هذه النار من مكة و من الينبع، و لا يرى الشمس و القمر من يوم ظهور النار إلا كاسفين. قال ابن أبى شامة: ظهر عندنا بدمشق أثر الكسوف من ضعف نور الشمس على الحيطان، و كلنا حيارى من ذلك ما هو حتى أتى خبر النار.

قال المطرى: سارت النار من مخرجها الأول إلى جهة الشمال ثلاثة أشهر تدب كدبيب النمل، تأكل كلما دبت عليه من جبل أو حجر و لا تأكل الشجر، فتثير كل ما مرت عليه فيصير سدّا لا مسلك فيه لإنسان إلى منتهى الحرة من جهة الشمال، فقطعت فى وسط وادى الشظاة إلى جبل و غيره، فسدت الوادى المذكور بسد عظيم بالحجر المسبوك بالنار، و لا كسد ذى القرنين، لا يصفه إلا من رآه طولا و عرضا و ارتفاعا [144/ ب‏]، و انقطع وادى الشظاة بسببه، و صار السيل منحبس خلف السد و هو واد عظيم، فيجتمع خلفه المياه حتى يصير بحرا كنيل مصر عند زيادته قال- (رحمه الله تعالى)-:

شاهدته كذلك فى شهر رجب من سنة تسع و عشرين و سبعمائة، قال: و أخبرنى علم الدين سحر المغربى، من عتقاء الأمير عز الدين منيف بن شيحة بن القاسم بن مهنا الحسينى أمير المدينة، قال: أرسلنى مولاى الأمير المذكور بعد ظهور النار بأيام و معى شخص من العرب يسمى خطيب بن منان و قال لنا: اقربا من هذه النار و انظرا هل يقدر أحد على القرب منها؟ فخرجنا إلى أن قربنا منها فلم نجد لها حرّا، فنزلت عن فرسى‏

288

و سرت إلى أن وصلت إليها و هى تأكل الصخر، و مددت يدى إليها بسهم فغرق النصل و لم يحترق و احترق الريش. انتهى. قال عفيف الدين المرجانى: انظر إلى عظم لطف البارى تعالى بعباده إذ سخرها بلا حرارة، إذ لو كانت كنارنا لأحرقت من مدى البعد، فناهيك بقربها و عظمها، و لكنها ليست بأول مكارمه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و امتنان خالقها- عزوجل- إذ خمد حرها، و جعل سيرها تهويدا لا تنفيثا، حفظا لنبيه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و لأمته، و رفقا بعباده و لطفا بهم: أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (1). و قد ظهر بظهورها معجزات بان بها آيات [و] (2) أسرار بديعة و عنايات ربانية منيعة، ففى انطماس نورها فكرة، و سببه عدم حرها، و فى عدم حرها عبرة، و سببه خفة سيرها، و فى استرسال دبيبها قدرة و سببه عدم أكلها، و فى عدم أكلها حرمة، و سببه لا يعضد نبتها. قال الشيخ جمال الدين: و أخبرتنى بعض من أدركتها من النساء إنهن كن يغزلن على ضوئها بالليل على أسطحة البيوت.

قال (رحمه الله): و ظهر/ [145/ أ] بظهورها معجزة من معجزات رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و هى ما ورد فى الصحيحين من حديث أبى هريرة رضي اللّه عنه قال: قال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«لا تقوم الساعة حتى تظهر نار بالحجاز تضئ لها أعناق الإبل ببصرى» (3). فكانت هى إذا لم يظهر قبلها و لا بعدها، ثم قال (رحمه الله): و ظهر لى أنه فى معنى أنها كانت تأكل الحجر و لا تأكل الشجر، إن ذلك لتحريم سيدنا رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) شجر المدينة فمنعت من أكله؛ لوجوب طاعته، و هذا من أوضح معجزاته (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و قدم إلى المدينة الشريفة فى جمادى الآخرة من السنة المذكورة نجابة من العراق، و أخبروا أن بغداد أصابها غرق عظيم حتى دخل الماء من أسوارها إلى البلد، و غرق كثير من البلد و دخل الماء دار الخليفة، و انهدمت دار الوزير و ثلثمائة و ثمانون دارا، و انهدم مخزن الخليفة و هلك من السلاح شى‏ء كثير، و أشرف الناس على الهلاك و تخرقت أزقة بغداد، و دخلت السفن وسط البلدان، و فى تلك السنة احترق مسجد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و كانت ليلة الجمعة أول ليلة من رمضان المعظم. قال الشيخ جمال الدين: و انخرق السد من تحته فى سنة تسعين و ستمائة؛ لتكاثر

____________

(1) سورة الملك: الآية (14).

(2) ليست فى الأصل، و السياق يقتضى وضعها. و الله أعلم.

(3) أخرجه البخارى: كتاب الفتن- باب خروج النار ح (7118- فتح)، و مسلم: كتاب الفتن و أشراط الساعة- باب لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز ح (2902) من حديث أبى هريرة.

289

الماء من خلفه، فجرى فى الوادى المذكور سنة كاملة سيلا يملأ ما بين جانبى الوادى، ثم سنة أخرى دون ذلك، ثم انخرق فى العشر الأول بعد السبعمائة فجرى سنة أو أزيد، ثم انخرق فى سنة أربع و ثلاثين و سبعمائة بعد تواتر أمطار عظيمة، و علا الماء من جانبى السد من دونه مما يلى جبل أو غيره، فجاء السيل طام لا يوصف، و مجراه على مشهد حمزة رضي اللّه عنه و حفروا واديا آخر قبلى الوادى و مشهد حمزة و قبلى جبل عنين، و بقى المشهد و جبل عنين فى وسط/ [145/ ب‏] السيل أربعة أشهر، و لو زاد الماء مقدار ذراع وصل إلى المدينة الشريفة. قال (رحمه الله تعالى): و كنا نقف خارج باب البقيع على التل الذى هناك فنراه و نسمع خريره، ثم استقر فى الوادى بين القبلى الذى أحدثته النار و الشمالى قريبا من سنة، و كشف عن عين قديمة قبل الوادى، فجددها الأمير ودى بن جماز أمير المدينة الشريفة فى ولايته‏ (1). انتهى. رجعنا إلى المقصود قال الشيخ جمال الدين: و لما ابتدأوا بالعمارة قصدوا إزالة ما وقع من السقوف على القبور المقدسة فلم يجسروا، و رأوا من الرأى أن يطالعوا الإمام المستعصم فى ذلك، و كتبوا له فلم يصل إليهم حول، و حصل للخليفة المذكور شغل باستيلاء التتار على بلادهم تلك السنة، فتركوا الردم و أعادوا سقفا فوقه على رؤوس السوارى التى حول الحجرة الشريفة، فإن الحائط الذى بناه عمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه حول بيت النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) بين هذه السوارى التى حول بيت النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) لم يبلغ به السقف الأعلى، بل جعلوا فوق الحوائط و بين السوارى إلى السقف شباكا من خشب يظهر لمن تأمله من تحت الكسوة على دوران الحائط جميعه؛ لأنه أعيد بعد الاحتراق على ما كان عليه قبل ذلك، و سقفوا فى هذه السنة و هى سنة خمس و خمسين الحجرة الشريفة و ما حولها إلى الحائط الشرقى إلى باب جبريل- (عليه السلام)- و من جهة الغرب الروضة الشريفة جميعها إلى المنبر المنيف، ثم دخلت سنة ست و خمسين و ستمائة فكان فى المحرم و منها واقعة بغداد و قتل الخليفة المذكور، و وصلت الآلة من مصر، و كان المتولى لها تلك السنة الملك المنصور على بن الملك العزيز بن أبيك الصالحى، فأرسل الآلات و الأخشاب فعملوا إلى باب السلام، ثم عزل/ [146/ أ] صاحب مصر المذكور، و تولى مكانه مملوك أبيه الملك المظفر سيف الدين قطز المعزى، و اسمه الحقيقى محمد (2) بن ممدود، و أمه أخت السلطان جلال الدين خوارزم شاه، و أبوه ابن عمه، وقع عليه السبى عند غلبة التتار فبيع بدمشق ثم انتقل بالبيع إلى مصر و تملك فى سنة ثمان و خمسين و ستمائة، و فى شهر رمضان من السنة

____________

(1) راجع تحقيق النصرة مختصر التعريف بما آنست الهجرة (ص 68- 71).

(2) كذا فى الأصل، و فى التعريف بما آنست الهجرة: «محمود». و هو الصواب.

290

المذكورة كانت وقعة عين جالوت على يده، ثم قتل بعد الوقعة بشهر و هو داخل إلى مصر، و كان العمل فى المسجد الشريف تلك السنة من باب السلام إلى باب الرحمة المعروف قديما بباب عاتكة بنت عبد الله بن يزيد بن معاوية، كانت لها دار تقابل الباب فنسب لها كما نسب باب عثمان و باب مروان، و من باب جبريل إلى باب النساء المعروف قديما بباب ريطة بنت أبى العباس السفاح، و تولى مصر آخر تلك السنة الملك الظاهر ركن الدين بيبرس الصالحى المعروف بالبندقدارى، فعمل فى أيامه باقى المسجد الشريف من باب الرحمة إلى شمالى المسجد ثم إلى باب النساء، و كمل سقف المسجد كما كان قبل الحريق سقفا فوق سقف، و لم يزل على ذلك حتى جدّدوا السقف الشرقى و السقف الغربى فى سنتى خمس و ست و سبعمائة فى أول دولة السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون، فجعلا سقفا واحدا يشبه السقف الشمالى فإنه جعل فى عمارة الملك الظاهر كذلك‏ (1).

ذكر الخوخ و الأبواب التى كانت فى مسجد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)

قال الشيخ جمال الدين: اعلم أن الخوخة التى تحت الأرض و لها شباك فى القبلة و طابق مقفل يفتح أيام الحاج، و هى طريق آل عبد الله بن عمر- رضى الله عنهم- إلى دارهم التى تسمى اليوم دار العشرة، و إنما هى دار آل عبد الله/ [146/ ب‏] بن عمر، و كان بيت حفصة- رضى الله عنها- قد صار إلى آل عبد الله بن عمر- رضى الله عنهم- أجمعين، فلما أدخل عمر بن عبد العزيز بيت حفصة فى المسجد جعل لهم طريقا فى المسجد و فتح لهم حائطا فى الحائط القبلى، يدخلون منه إلى المسجد و لم يزل كذلك حتى عمل المهدى بن المنصور المقصورة على الرواقين، فسد الباب و جعل لهم شباكا حديدا، و حفر لهم من تحت الأرض طريقا يخرج إلى خارج المقصورة، فهى هذه الموجودة اليوم و هى إلى الآن بيد آل عبد الله بن عمر- رضى الله عنهم- و أما خوخة أبى بكر رضي اللّه عنه فإن باب أبى بكر كان فى غربى المسجد، و نقل أيضا أنه كان قريبا من المنبر، و لما زاد فى المسجد إلى عمده من المغرب نقلوا الخوخة، و جعلوها فى مثل مكانها الأول، كما نقل باب عثمان رضي اللّه عنه إلى موضعه اليوم‏ (2).

قال الشيخ جمال الدين: و باب خوخة أبى بكر رضي اللّه عنه اليوم هو باب خزانة لبعض حواصل المسجد، إذا دخلت من باب السلام كانت على يسارك قريبا من الباب‏ (3).

____________

(1) التعريف بما آنست الهجرة (ص 25).

(2) التعريف بما آنست الهجرة (ص 30).

(3) التعريف بما آنست الهجرة (ص 30).

291

و أما أبواب مسجد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم):

فذلك أنه لما بنى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) مسجده أولا جعل له ثلاثة أبواب: باب فى مؤخره، و باب عاتكة، و باب الرحمة، و الباب الذى كان يدخل منه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو باب عثمان رضي اللّه عنه المعروف اليوم بباب جبريل (عليه السلام)(1).

قال الحافظ محب الدين: روى عن ربيعة بن عثمان قال: لم يبق من الأبواب التى كان رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) يدخل منها إلا باب عثمان رضي اللّه عنه‏ (2).

قال الشيخ جمال الدين: فلما بنى الوليد بن عبد الملك المسجد جعل له عشرين بابا ثمانية فى جهة الشرق فى الحائط القبلى:/ [147/ أ]

[الباب‏] الأول: باب النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم).

سمى بذلك لمقابلته بيت النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) لا لأنه دخل منه (عليه السلام)، و قد سد عند تجديد الحائط، و جعل منه شباك يقف الإنسان عليه من خارج المسجد، فيرى حجرة النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم).

[الباب‏] الثانى: باب على رضي اللّه عنه‏

كان يقابل بيته خلف بيت النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و قد سد أيضا عند تجديد الحائط.

[الباب‏] الثالث: باب عثمان رضي اللّه عنه‏

نقل عند بناء الحائط الشرقى قبالة الباب الأول الذى كان يدخل منه النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو باب جبريل، و هو مقابل لدار عثمان رضي اللّه عنه، ثم اشترى عثمان رضي اللّه عنه دارا حولها إلى القبلة و الشرق، و شمالها الطريق إلى باب جبريل إلى باب المدينة الأول من عمل جمال الدين الأصبهانى، و منه يخرج إلى البقيع فالذى يقابل باب جبريل- (عليه السلام)- منها اليوم رباط أنشأه جمال الدين محمد بن على بن منصور الأصبهانى وزير بنى زنكى و وقفه على فقراء العجم، و جعل له فيه مشهدا دفن فيه، و كان قد جدد أماكن كثيرة بمكة و المدينة، منها باب إبراهيم بمكة و زيادته و اسمه مكتوب على الباب، و تاريخه من سنة ست و أربعين و خمسمائة، و منها المنابر بمكة و عليها اسمه، و كان أولا قد جدد باب الكعبة و أخذ الباب العتيق و حمله إلى بلده، و عمل منه تابوتا حمل فيه بعد موته إلى المدينة الشريفة، مات مسجونا بقلعة الموصل سنة تسع و خمسين و خمسمائة و حمل إلى مكة ثم إلى المدينة و أنشد فى ذلك:

سرى نعشه فوق الركاب و طالما* * * سرى جوده فوق الركاب و نائله‏

يمر على الوادى فتثنى رماله‏* * * عليه و بالبادى فتثنى أرامله/ [147/ ب‏]

و هو الذى بنى سور المدينة الثانى بعد السور الأول القديم، و عمل لها أبوابا من حديد و لكنه كان على ما حول المسجد، فلما كثر الناس بالمدينة و وصل السلطان الملك العادل‏

____________

(1) التعريف بما آنست الهجرة (ص 31).

(2) الدرة الثمينة (ص 183).

292

نور الدين الشهيد محمود بن زنكى ملك الشام إلى المدينة لأمر حدث بها يأتى ذكره فى آخر هذا الفصل، أمر ببناء هذا السور الموجود اليوم، و فى قبلة الرباط المذكور من دار عثمان تربة اشترى عرصتها أسد الدين شير كوه بن شادى عم السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف، و عملها تربة نقل إليها هو و أخوه نجم الدين أيوب بعد موتهما و دفنا بها، و توفى أسد الدين شهيدا بخانوق كان يعتريه سنة أربع و ستين و خمسمائة بالقاهرة.

[الباب‏] الرابع: باب ريطة و يعرف بباب النساء

، و فى أعلاه من خارج لوح من الفسيفساء مكتوب فيه آية الكرسى من بقية البنيان القديم الذى بناه عمر بن عبد العزيز، و دار ريطة المقابلة له كانت دارا لأبى بكر الصديق رضي اللّه عنه، و نقل أنه توفى بها و هى الآن مدرسة للحنفية بناها يار كوج أحد أمراء الشام و يعرف باليار كوجية، و عمل له فيها مشهدا نقل إليه من الشام بعد موته، و الطريق إلى البقيع بينها و بين دار عثمان رضي اللّه عنه، و الطريق سبعة أذرع قاله ابن زبالة. قال الشيخ جمال الدين: و هى اليوم قريب من هذا (1).

[الباب‏] الخامس: باب يقابل باب أسماء ابنة الحسين بن عبد الله بن عبيد الله‏

بن العباس كانت لجبلة بن عمرو الساعدى الأنصارى، ثم صارت لسعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان، ثم صارت لأسماء، و قد سد عند تجديد الحائط الشرقى فى أيام الناصر لدين الله سنة تسع و ثمانين و خمسمائة، و دار أسماء المذكورة هى/ [148/ أ] اليوم رباط للنساء.

[الباب‏] السادس: باب يقابل دار خالد بن الوليد

و قد دخل فى بناء الحائط المذكور، و دار خالد الآن رباط للرجال، و معها من جهة الشمال دار عمرو بن العاص، و الرباطان المذكوران بناهما قاضى القضاة كمال الدين محمد بن عبد الله بن القاسم الشهرزورى.

[الباب‏] السابع: باب يقابل زقاق المناصع بين دار عمرو بن العاص و دار موسى بن إبراهيم‏

ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبى ربيعة المخزومى، و الزقاق اليوم ينفذ إلى دار الحسن بن على العسكرى- (رحمه الله تعالى)- و كان الزقاق نافذا إلى المناصع خارجا عن المدينة، و هو متبرز النساء بالليل على عهد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و دار موسى بن إبراهيم اليوم رباط للرجال أنشأه محيى الدين عبد الرحيم بن على بن الحسين اللخمى التبانى ثم العسقلانى، و دخل هذا الباب فى الحائط أيضا.

[الباب‏] الثامن: باب كان يقابل أبيات الصوافى‏

، دورا كانت بين موسى بن إبراهيم و بين عبد الله بن الحسين الأصغر بن على بن زين العابدين بن الحسين بن على، دخل فى الحائط أيضا و موضع هذه الدور اليوم دار اشتراها صفى الدين أبو بكر بن أحمد السلامى‏

____________

(1) التعريف بما آنست الهجرة (ص 31، 32).

293

و وقفها على قرابته السلاميين، و فى شمالى المسجد الشريف أربعة أبواب سدت أيضا عند تجديد الحائط الشمالى، و ليس فى شمالى المسجد اليوم إلا باب سقاية عمرتها أم الإمام الناصر لدين الله للوضوء فى سنة تسعين و خمسمائة كما تقدم، و مما يلى المغرب ثمانية أبواب، بابان مسدودان، و بقية باب ثالث سد و بقيت منه قطعة و دخل باقيه عند تجديد الحائط، ثم باب عاتكة إليه ثم باب عاتكة بنت عبد الله بن يزيد و هو باب الرحمة و كان يقابل دار عاتكة، ثم صارت الدار ليحيى بن خالد بن برمك وزير الرشيد،/ [148/ ب‏] و بابان سدا أيضا عند تجديد الحائط ما بين باب عاتكة هذا و خوخة أبى بكر رضي اللّه عنه، ثم خوخة أبى بكر و قد تقدم ذكرها، ثم الباب الثامن باب مروان بن عبد الحكم، و كانت داره تقابله من المغرب و من القبلة، و يعرف الآن بباب السلام و باب الخشوع، و لم يكن فى القبلة و لا إلى اليوم باب إلا خوخة آل عمر المتقدم ذكرها، و خوخة كانت لمروان عند داره فى ركن المسجد الغربى.

قال الشيخ جمال الدين: شاهدناها عند بناء المنارة الكبيرة المستجدة فى سنة ست و سبعمائة، أمر بإنشائها الملك الناصر محمد بن قلاوون، و كان بابها عليها و هو من ساج، فلم يبل إلى هذا التاريخ و قد استدت بحائط المنارة المغربى‏ (1).

ذكر ذرع المسجد اليوم و عدد أساطينه و طيقانه و ذكر حدود المسجد القديم‏

قال عفيف الدين المرجانى: اعلم أن طول المسجد اليوم بعد الزيادات كلها من قبلته إلى الشام مائتا ذراع و أربع و خمسون ذراعا و أربع أصابع و عرضه من مقدمه من المشرق إلى المغرب مائتا ذراع و سبعون ذراعا شافة، و عرضه من مؤخره مائة ذراع و خمسة و ثلاثون ذراعا، و طول رحبته من القبلة إلى الشام مائة ذراع و تسع و خمسون ذراعا و ثلاث أصابع، و ذلك قبل زيادة الرواقين، و من شرقيه إلى غربيه سبع و تسعون ذراعا راجحة، و طول المسجد فى السماء خمسة و عشرون. قال الحافظ محب الدين: هذا ما ذرعته أنا بخيط (2). و ذكر الشيخ جمال الدين أن ابن زبالة ذكر مثل ذلك و ما يقاربه‏ (3).

و ذكر ابن زبالة: أن طول منائره خمس و خمسون ذراعا، و عرضهن ثمانية أذرع فى ثمانية.

و أما الطيقان ففى القبلة ثمان و ستون: منها فى القبر المقدس أربعة، و فى الشام‏

____________

(1) التعريف بما آنست الهجرة (ص 31- 33).

(2) الدرة الثمينة (ص 182).

(3) التعريف بما آنست الهجرة (ص 27).

294

مثلها، و فى المشرق أربعون/ [149/ أ] منها اثنتان فى الحجرة المعظمة، و فى المغرب ستون و بين كل إسطوانتين تسعة أذرع‏ (1)، و ذلك قبل زيادة الرواقين و ليس على رؤوس السوارى أقواس بل عوارض غير الدائر بالرحبة، و الرواقين اللذين زيدا فى دولة الملك الناصر.

و أما حدود مسجد الرسول (صلّى اللّه عليه و سلّم) القديم‏

المشار إليه أولا فذكر الحافظ محب الدين- أن حده من القبلة الدرابزينات التى بين الأساطين التى فى قبة الروضة الشريفة، و من الشام الخشبتان المغروزتان فى صحن المسجد هذا طوله، أما عرضه من المشرق إلى المغرب فهو من حجرة النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى الإسطوان الذى بعد المنبر الشريف و هو آخر البلاط (2).

قال الشيخ جمال الدين: أما الدرابزينات التى ذكرت فى جهة القبلة فهى متقدمة عن موضع الحائط القبلى الذى كان محاذيا لمصلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، لما ورد أن الواقف فى مصلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) تكون رمانة المنبر الرفيع حذو منكبه الأيمن، فمقام النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) لم يغير باتفاق، و كذلك المنبر الشامى لم يؤخر عن منصبه الأول، و إنما جعل هذا الصندوق الذى فى قبلة مصلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) سترة بين المقام و بين الإسطوانات، و ورد أيضا أنه كان بين الحائط القبلى و بين المنبر ممر الشاة، و بين المنبر و الدرابزين اليوم مقدار أربعة أذرع و ربع، ثم قال- (رحمه الله)-: و فى صحن المسجد اليوم حجران، يذكر أنهما حد مسجد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) من الشام و المغرب و لكنهما ليسا على سمت المنبر الشريف، بل هما داخلان إلى جهة المشرق مقدار أربعة أذرع أو أقل، و كذلك هما متقدمان إلى القبلة بمثل ذلك لأنى اعتبرت/ [149/ ب‏] ذلك بالذراع فوجدتهما ليسا على حد ذرع المسجد الأول‏ (3). و الله أعلم.

قال الحارث بن أسد المحاسبى: حد المسجد الأول ستة أساطين فى عرضه عن يمين المنبر إلى القناديل التى حذاء الخوخة، و ثلاث سوارى عن يساره من ناحية المنحرف، و منتهى طوله من قبلته إلى مؤخره حذاء تمام الرابع من طيقان المسجد اليوم، فما زاد على ذلك فهو خارج عن المسجد الأول، قال: و روى عن مالك أنه قال: مؤخر المسجد بحذاء عضادة الباب الثانى الذى يقابل باب عثمان، و هو باب النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم)- أعنى العضادة الآخرة السفلى، و هو أربعة طيقان من المسجد ما قصر حتى يصير فى الروضة، و الروضة ما بين‏

____________

(1) إلى هنا راجعه فى الدرة الثمينة (ص 182، 183).

(2) الدرة الثمينة (ص 183).

(3) التعريف بما آنست الهجرة (ص 26، 27).

295

القبر و المنبر فما كان منها من الإسطوانة السادسة التى حدثت لك عن يمين المنبر فليس من المسجد الأول، إنما كان من حجرة عائشة- رضى الله عنها- فوسع به المسجد و هو من الروضة و تدنو من ناحية المنبر على يمينك حذاء الصندوق الموضوع هناك إلى المنبر، يروى أنه من وقف حذاء ذلك الصندوق و جعل عمود المنبر حذاء منكبه الأيمن، فقد وقف موقف رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) الذى كان يقوم فيه.

قال قاضى القضاة عز الدين بن جماعة فى «مناسكه الكبرى»: و قد حررت ذرع ما حول ما به المسجد فى زمنه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فكان ما بين الجدار الذى داخله الحجرة المقدسة و بين السارية السابعة اثنان و أربعون ذراعا و ثلثا ذراع، و ما بين الدرابزين و الحجرتين ستة و أربعون ذراعا و ثلثا ذراع، و ذرعت ما بين الجدار الذى حول الحجرة الشريفة و بين المنبر فكان أربعة و ثلاثين ذراعا و قيراطا و ذلك طول الروضة الشريفة، قال: و لم يتحرر لى عرضها و ما سامت بيت النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم)/ [150/ أ]، أو المنبر فهو من الروضة بلا شك، و بين المنبر و الدرجة التى ننزل منها إلى الحضرة التى هى مصلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) عن يمين الإمام تسعة أذرع و قيراط، و عرض الدرجة سدس ذراع و ثمن ذراع، وسعة الحضرة ذراع و ثلث ذراع و ربع ذراع و ثمن ذراع فى مثله، كل ذلك بذراع العمل بمصر المحروسة. انتهى كلام ابن جماعة. و رحبة المسجد مقدار ثلاثة عشر، و على جانبها بئر، و على جانبها الغربى قبة حاصل المسجد الشريف أنشأ لها السلطان الملك الناصر، و بهذه القبة المصحف العثمانى، و أول من جمع القرآن بين اللوحين أبو بكر رضي اللّه عنه ثم إنه أمر زيد بن ثابت بجمع القرآن و ذلك بعد أيام اليمامة، فلما جمعه زيد كان عند حفصة، فأرسل عثمان إلى حفصة: أرسلى إلينا بالمصحف فننسخها بالمصاحف، ثم جمع زيدا و عبد الله بن عمرو بن العاص و ابن عباس و عبد الله بن الزبير و عبد الرحمن بن الحارث بن هشام و أمرهم بنسخها فى مصحف ففعلوا، ثم رد عثمان المصحف إلى حفصة، و قيل: أحرقها، و قيل: جعل منها أربع نسخ فبعث أحدهن إلى الكوفة، و إلى البصرة أخرى، و إلى الشام الثالثة، و أمسك عند نفسه واحدة فهى التى بالمدينة، و قيل: جعل سبع نسخ، و وجه من ذلك أيضا نسخة إلى مكة، و نسخة إلى اليمن، و نسخة إلى البحرين، و الأول أصح.

قال عفيف الدين المرجانى: و بمكة الآن منهن نسخة، و ذكروا أنها كانت عليها شبكة من اللؤلؤ فيما تقدم، و كان أهل مكة يستسقون بها و كانت فى جوف الكعبة، و هى فى مقدار قطع ذراع فى ذراع. انتهى كلامه.

296

ذكر أسوار المدينة الشريفة

السور الأول: [السور القديم بناه عضد الدولة ابن نوبة]

نقل قاضى القضاة شمس الدين بن خلكان: أن هذا السور القديم بناه عضد الدولة/ [150/ ب‏] ابن نوبة المسمى بالحسن بن موسى بعد الستين و ثلاثمائة فى خلافة الإمام الطائع لله بن المطيع، ثم تهدم على طول الزمان و لم يبق إلا آثاره و هى باقية إلى الآن.

السور الثانى: هو الذى بناه جمال الدين الأصبهانى‏

على رأس الأربعين و خمسمائة.

السور الثالث: بناه السلطان الملك العادل [محمود فى سنة ثمان و خمسين و خمسمائة]،

و ذلك أن المدينة الشريفة ضاقت بأهلها فلما قدم السلطان المذكور فى سنة سبع و خمسين و خمسمائة إلى المدينة بسبب رؤيا رآها، استغاث به أهل المدينة و طلبوا أن يبنى عليهم سورا يحفظهم و يحفظ مواشيهم، فأمر ببناء هذا السور الموجود اليوم، فبنى فى سنة ثمان و خمسين و خمسمائة، و كتب اسمه على باب البقيع و هو باق إلى اليوم، و قصة الرؤيا على ما حكاه الطبرى و غيره: أن السلطان محمودا رأى النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) ثلاث مرات فى ليلة واحدة، و هو يقول له فى كل واحدة منها: يا محمود أنقذنى من هذين الشخصين الأشقرين فحلفه، فاستحضر وزيره قبل الصبح فذكر له ذلك فقال: هذا أمر حدث بالمدينة ليس له غيرك، فتجهز و خرج على عجل بمقدار ألف راحلة و ما يتبعها من خيل و غير ذلك حتى دخل المدينة الشريفة على غفلة من أهلها، و زار و جلس فى المسجد لا يدرى ما يصنع، فقال له وزيره: أتعرف الشخصين إذا رأيتهما؟

قال نعم، فأمره بالصدقة و طلب الناس عامة و فرق عليهم ذهبا و فضة، و قال: لا يبقين أحد بالمدينة إلا جاء، فلم يبق إلا رجلين مهاجرين من أهل الأندلس نازلين فى الناحية التى تلى قبلة حجرة النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) من خارج المسجد عند دار آل عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه فطلبهما/ [151/ أ] للصدقة فامتنعا، فجد فى طلبهما فجئ بهما فلما رآهما، قال: هما هذان فسألهما عن حالهما، فقالا: جئنا للمجاورة، فقال: اصدقانى، و تكرر السؤال حتى أفضى إلى معاقبتهما، فأقرا أنهما من النصارى و أنهما و صلا لكى ينقلا من فى هذه الحجرة المقدسة باتفاق من ملوكهما، و وجدوهما قد حفرا نقبا من تحت الأرض من تحت حائط المسجد القبلى، و هما قاصدان إلى جهة الحجرة الشريفة، و يجعلان التراب فى بئر عندهما فى البيت الذى هما فيه، فضرب أعناقهما عند الشباك الذى فى شرقى حجرة النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) خارج المسجد، ثم أحرقا آخر النهار، و ركب و توجه إلى الشام. انتهى.

و الله أعلم.

297

الفصل السابع فى ذكر المساجد التى صلى فيها النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) المعروفة بالمدينة و غيرها

و فيه ذكر المساجد المعروفة بالمدينة الشريفة و ذكر مساجد بالمدينة صلى فيها لا تعرف اليوم و ذكر المساجد التى صلى فيها النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) بين مكة و المدينة و ذكر المساجد المشهورة فى الغزوات و غيرها التى صلى فيها (صلّى اللّه عليه و سلّم)

298

أما ذكر المساجد المعروفة بالمدينة الشريفة

فمنها: مسجد قباء.

قال الله تعالى: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى‏ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ‏ (1). أى بنيت جدره و رفعت قواعده‏ (2).

عن ابن عباس و الضحاك و الحسن: هو مسجد قباء، و تعلقوا بقوله تعالى: مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ. و هو قول بريرة و ابن زيد و عروة، و دليل الظرف يقتضى الرجال المتطهرين فهو مسجد قباء (3). و عن أبى هريرة قال: نزلت هذه الآية فى أهل قباء: فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا (4). فيه أى من حاضريه، قيل: كانوا يجمعون بين الماء/ [151/ ب‏] و الحجر.

مسجد قباء فى بنى عمرو بن عوف كان مربدا لكلثوم بن الهدم فأعطاه رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فبناه مسجدا و أسسه و صلى فيه قبل أن يدخل المدينة حين قدومه من مكة، كما تقدم.

و تقدم فى باب الفضائل الأحاديث الواردة فى فضل قباء (5) و الصلاة فيه.

و روى نافع عن ابن عمر أن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) صلّى إلى الإسطوان الثالث فى مسجد قباء التى فى الرحبة (6).

قال الحافظ محب الدين: و لم يزل مسجد قباء على ما بناه رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى أن بناه عمر بن عبد العزيز حين بنى مسجد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و وسعه، و نقشه بالفسيفساء و سقفه بالساج و عمل له منارة، و جعل له أروقة و فى وسطه رحبة، فتهدم حتى جدده جمال الدين الأصبهانى وزير بنى زنكى فى سنة خمس و خمسين و خمسمائة، قال: و ذرعته فكان طوله ثمانية و ستين ذراعا راجحا قليلا، و عرضه كذلك، و ارتفاعه فى السماء عشرون ذراعا، و طول منارته فى سطحه اثنان و عشرون ذراعا، و على رأسها قبة نحو العشرة أذرع، و فى المسجد تسع و ثلاثون إسطوانة، بين كل إسطوانتين سبعة أذرع راجحة، و فى جدرانه طاقات فى كل جانب ثمان إلا الجانب الشامى فإن الثانية سدت‏

____________

(1) سورة التوبة: الآية (108).

(2) راجع تفسير القرطبى (8/ 259).

(3) راجع تفسير القرطبى (8/ 259).

(4) راجع تفسير القرطبى (8/ 259)، و تفسير ابن كثير (2/ 336).

(5) مما جاء فى فضل قباء و الصلاة فيه، قوله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فى الحديث الصحيح: «من توضأ فأحسن الوضوء، و جاء مسجد قباء، فصلى فيه ركعتين، كان له أجر عمرة». أخرجه ابن ماجه ح (1412)، و أحمد:

المسند (3/ 487).

(6) راجع الدرة الثمينة لابن النجار (ص 188).

299

بالمنارة، و منارة مربعة و هى على يمين المصلى‏ (1).

و منها مسجد الفتح.

عن جابر رضي اللّه عنه، أن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) دعا فى مسجد الفتح يوم الاثنين و يوم الثلاثاء و يوم الأربعاء، فاستجيب له يوم الأربعاء بين الصلاتين، فعرف البشر فى وجهه‏ (2). و قد تقدم فى باب الفضائل. و عن هارون بن كثير عن أبيه عن جده،/ [152/ أ] أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) دعا يوم الخندق على الأحزاب فى موضع الإسطوانة الوسطى من مسجد الفتح الذى على الجبل‏ (3). قال الشيخ جمال: مسجد الفتح على قطعة من جبل سلع من جهة المغرب، و غربيه وادى بطحان، و تحته فى الوادى عين تجرى، و يعرف الموضع بالسيح بالسين المهملة- يصعد إلى المسجد من درجتين شمالية و شرقية، و كانت فيه ثلاث إسطوانات قبل هذا البناء الذى هو اليوم عليه من بناء عمر بن عبد العزيز فتهدم، ثم جدده الأمير سيف الدين الحسين بن أبى الهيجا أحد وزراء العبيديين بمصر فى سنة خمس و سبعين و خمسمائة، و كذلك جدد المسجدين اللذين تحته من جهة القبلة، يعرف الأول القبلى بمسجد على بن أبى طالب رضي اللّه عنه، و الثانى يلى الشمال يعرف بمسجد سلمان الفارسى رضي اللّه عنه جددهما فى سنة سبع و سبعين و سبعمائة (4). و ذكر الحافظ محب الدين: أنه كان معهما مسجد ثالث فذلك لم يبق له أثر (5). قال الحافظ محب الدين:

و روى عن معاذ بن سعد أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) صلى فى مسجد الفتح الذى على الجبل، و فى المساجد التى حوله، و فى المسجدين القبليين‏ (6).

و منها: مسجد القبلتين.

عن عثمان بن محمد الأخنسى‏ (7)، أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) زار امرأة من بنى سلمة يقال لها أم بشر (8) فى بنى سلمة فصنعت له طعاما، فحانت الظهر فصلّى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) بأصحابه فى مسجد القبلتين الظهر، فلما صلى ركعتين أمر أن يتوجه إلى الكعبة فاستدار رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى الكعبة. فسمى ذلك مسجد القبلتين،

____________

(1) الدرة الثمينة (ص 188).

(2) أورده عمر بن شبه (1/ 58)، و كذا ابن النجار فى الدرة الثمينة (ص 189).

(3) الدرة الثمينة (ص 189)، و وفاء الوفا (1/ 832)، و أورده ابن الجوزى فى مشير الغرام (ص 496).

(4) التعريف بما آنست الهجرة (ص 47).

(5) الدرة الثمينة (ص 189).

(6) الدرة الثمينة (ص 189).

(7) فى الدرة الثمينة: «الأحبشى».

(8) فى الدرة الثمينة: «أم بشير».

300

و كانت الظهر يومئذ أربع ركعات، منها/ [152/ ب‏] اثنان إلى بيت المقدس، و اثنان إلى الكعبة (1)، و صرفت القبلة يوم الثلاثاء النصف من شعبان فى السنة الثانية من الهجرة، و قيل: بل صرفت القبلة فى مسجد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فى صلاة العصر يوم الاثنين النصف من رجب على رأس سبعة عشر شهرا من الهجرة. و قال ابن المسيب: صرفت قبل بدر بشهرين. و الأول أصح‏ (2). قال الحافظ محب الدين: و هذا المسجد بعيد من المدينة قريب من بئر رومة و قد تقدم، و لم يبق إلا آثاره، و موضع المسجد يعرف بالقاع‏ (3)، و القاع المكان المستوى. قال عفيف الدين المرجانى: و بهذا الوادى سار رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و من معه بالخيل و الإبل على ظهر الماء لما أن غزا خيبر قال‏ (4) رضي اللّه عنه: وجدنا السيول بالقاع فقدرنا الماء فإذا هو أربعة عشر قامة فنزل رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فسجد و دعا ثم قال: «سيروا على اسم الله»، فسرنا على الماء. و كان ذلك نظير فلق البحر لموسى- (عليه السلام)-.

قال الشيخ جمال الدين: و مسجد القبلتين بعيد عن مسجد الفتح من جهة الغرب على رابية على شفير وادى العقيق، و حوله خراب عتيق على الحرة، و حوله آبار و مزارع تعرف بالعرض، فى قبله مزارع الجرف المعروف بالمسجد المذكور فى قرية بنى سلمة، و يقال لها خرباة، ثم قال: و فى هذا المسجد و هو مسجد بنى حزام من بنى سلمة رأى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) النخامة فحكها بعرجون كان فى يده، ثم دعا بخلوق فجعله على رأس العرجون، ثم جعله على موضع النخامة، فكان أول مسجد خلق فى الإسلام‏ (5).

و منها مسجد الفضيخ.

روى هشام بن عروة و الحارث بن فضيل‏ (6) أنهما قالا:

صلّى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) [153/ أ] فى مسجد الفضيخ‏ (7). و عن جابر بن عبد الله أن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) لما حاصر بنى النضير ضرب قبته فى موضع مسجد الفضيخ و أقام بها ستا، قال:

و جاء تحريم الخمر فى السنة الثالثة من الهجرة، و قيل: فى السنة الرابعة، و أبو أيوب فى نفر من أصحاب رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فى موضعه معهم راوية (8) خمر من فضيخ، فأمر أبو

____________

(1) الدرة الثمينة (ص 190).

(2) راجع الدرة الثمينة (ص 190).

(3) الدرة الثمينة (ص 190).

(4) فى الأصل كلمة غير واضحة، بعد هذه الكلمة، و السياق مستقيم بدونها.

(5) التعريف بما آنست الهجرة (ص 48).

(6) فى الدرة الثمينة: «فضل».

(7) الدرة الثمينة (ص 190).

(8) راوية خمر: المزادة التى يستقى فيها.