تاريخ مكة المشرفة والمسجد الحرام والمدينة الشريفة والقبر الشريف‏ - ج1

- محمد بن أحمد ابن ضياء المزيد...
413 /
301

أيوب رضي اللّه عنه بعزلا المزادة ففتحت فسال الفضيخ فيه فسمى مسجد الفضيخ، و الفضيخ:

نوع من الخمر. و هو ما افتضخ من البسر من غير أن تمسه النار، و يقال له: الفضوخ و هو من أسماء الخمر. قال الحافظ محب الدين: و مسجد الفضيخ قريب من قباء من شرقيه و يعرف بمسجد الشمس‏ (1). قال الشيخ جمال الدين: و هو على شفير الوادى على نشز من الأرض، مرضوم بحجارة سود و هو صغير جدا (2).

و منها: مسجد بنى قريظة.

عن محمد بن عتبة بن أبى مالك قال: قال‏ (3) (صلّى اللّه عليه و سلّم) فى بيت امرأة من الحضر فى بنى قريظة، فأدخل الوليد بن عبد الملك ذلك البيت فى المسجد حين بناه. قال الحافظ محب الدين: روى عن على بن رفاعة عن أشياخ من قومه، أن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) صلّى فى بيت امرأة من بنى قريظة، فأدخل ذلك المكان فى مسجد بنى قريظة، و هو المكان الذى صلّى فيه رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) ببنى قريظة (4)، و قيل: إنما أدخل البيت فى المسجد عمر بن عبد العزيز حين بناء مسجد قباء. قال الحافظ محب الدين: و هذا المسجد باق بالعوالى طوله نحو العشرين ذراعا، و عرضه كذلك، و فيه نحو الستة عشر إسطوانا، فتهدم و وقعت/ [153/ ب‏] منارته و أخذت أحجاره، و قد كان مبنيا على شكل بناء مسجد قباء و حوله بساتين و مزارع‏ (5). قال الشيخ جمال الدين: هذا المسجد شرقى مسجد الشمس بعيدا عنه بالقرب من الحرة الشرقية على باب حديقة، يعرف الآن بحاجوم وقف على الفقراء بين أبيات خراب، هى بعض دور بنى قريظة، و هى شمالى باب الحديقة، و طوله نحو من خمسة و أربعين ذراعا، و عرضه كذلك، و بقى أثره إلى العشر الأول بعد السبعمائة، فجدد و بنى عليه حضير مقدار نصف قامة، و كان قد نسى فمن ذلك التاريخ عرف‏ (6).

و منها: مسجد الجمعة.

و هو الذى أدرك فيه رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) صلاة الجمعة بعد أن أسس مسجد قباء و هو قادم إلى المدينة. قال الشيخ جمال الدين: و هذا المسجد على يمين السالك إلى مسجد قباء شماليه أطم خراب، و يقال له: المزدلفة، أطم عتبان من بنى مالك و هو فى بطن الوادى، و هو مسجد صغير مبنى بحجارة قدر نصف القامة، و هو الذى كان‏

____________

(1) الدرة الثمينة (ص 190).

(2) التعريف بما آنست الهجرة (ص 45).

(3) قال من القيلولة- و هو النوم قبيل الظهر أو بعده.

(4) الدرة الثمينة (ص 190).

(5) الدرة الثمينة (ص 190).

(6) التعريف بما آنست الهجرة (ص 45).

302

يحول السيل بينه و بين عتبان إذا سال، و الآن منازل بنى سالم بن عوف كانت غربى هذا الوادى على طرف الحرة و آثارهم باقية هناك، فسأل عتبان رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) أن يصلى له فى بيته يتخذه مصلى ففعل (صلّى اللّه عليه و سلّم)(1).

و منها: مسجد بنى ظفر من الأوس.

عن إدريس بن محمد بن يوسف بن محمد بن أنيس بن فضالة الصفرى عن جده، أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) جلس على الحجر الذى فى مسجد بنى ظفر، و أن زياد بن عبيد الله أمر بقلعه حتى جاءته مشيخة بنى ظفر فأعلموه أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) جلس عليه فرده، قال: فقل امرأة يصعب حملها تجلس عليه إلا/ [154/ أ] حملت، و عنده أثر فى الحجر يقال: إنه أثر حافر بغلة النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) من جهة القبلة، و فى غربيه حجر عليه أثر كأنه أثر مرفق، و على حجر آخر أثر أصابع و الناس يتبركون بها. قال الشيخ جمال الدين: و هذا المسجد شرقى البقيع مع طرف الحرة الشرقية و يعرف اليوم بمسجد البغلة (2).

و منها: مسجد بنى معاوية بن مالك بن النجار بن الخزرج.

عن عتيك بن الحارث أنه قال: جاءنا عبد الله بن عمر- رضى الله عنهما- فى بنى معاوية و هى قرية من قرى الأنصار، فقال: هل تدرون أين صلّى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فى مسجدكم هذا؟

قلت: نعم و أشرت إلى ناحية منه، فقال: هل تدرى ما الثلاث التى دعا بها؟ قلت نعم قال: فأخبرنى بهن، قلت: دعا أن لا يظهر عليهم عدو من غيرهم فأعطيها، و أن لا يهلكهم بالسنين فأعطيها، و أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعها، قال عبد الله بن عمر:

صدقت. فلن يزال الهراج إلى يوم القيامة. قال الشيخ جمال الدين و يعرف هذا المسجد اليوم بمسجد الإجابة، و هو شمالى البقيع على يسار طريق السالك إلى العريض وسط تلول، و هى أثر قرية بنى معاوية و هى اليوم خراب‏ (3). قال الحافظ محب الدين: فيجب زيارة هذه المواضع و إن لم تعرف أسماؤها؛ لأن الوليد بن عبد الملك كتب إلى عمر بن عبد العزيز:

مهما صح عندك من المواضع التى صلّى فيها رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فابن عليها مسجدا، فالآثار كلها أثر بناء عمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه‏ (4).

و أما مشربة أم إبراهيم بن سيدنا رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم). فروى إبراهيم بن محمد بن يحيى بن محمد بن ثابت، أن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) صلّى/ [154/ ب‏] فى مشربة أم إبراهيم- عليه‏

____________

(1) التعريف بما آنست الهجرة (ص 44، 45).

(2) التعريف بما آنست الهجرة (ص 46).

(3) التعريف بما آنست الهجرة (ص 47).

(4) الدرة الثمينة (ص 191).

303

السلام-. قال الحافظ محب الدين: هذا الموضع بالعوالى بين النخل، و هو أكمة قد حوط حولها بلبن، و المشربة البستان، و أظنه قد كان بستانا لمارية القبطية أم إبراهيم ابن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم)(1). قال الشيخ جمال الدين: المشربة شمالى مسجد بنى قريظة قريبا من الحرة الشرقية، فى موضع يعرف بالدشت بين نخل يعرف بالأشراف القواسم من بنى قاسم بن إدريس بن جعفر أخ الحسين العسكرى؛ لأن آل شعيب بن جماز منهم، و صهيب بالقرب من دار بنى الحارث بن الخزرج التى كان أبو بكر رضي اللّه عنه نازلا فيها بزوجته حبيبة بنت خارجة و قيل:

مليكة أخت ابن خارجة (2).

و منها: مصلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) العيد.

عن هشام بن سعيد بن إبراهيم بن أبى أمية و عن شيخ من أهل السن، أن أول عيد صلّاه رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) صلّاه فى حارة الدوس عند بيت أبى الجنوب، ثم صلى العيد الثانى بفناء دار حكيم بن العداء عند دار حفرة داخلا فى البيت الذى بفناء المسجد، ثم صلى العيد الثالث عند دار عبد الله بن درّة المازنى داخلا بين الدارين دار معاوية و دار كثير بن الصّلت، ثم صلى العيد الرابع عند أحجار عند الحناطين بالمصلى، ثم صّلى داخلا فى منزل محمد بن عبد الله بن كثير بن الصلت، ثم صلى حيث صلى الناس اليوم. و روى عن أبى هريرة رضي اللّه عنه أن أول فطر أو أضحى جمع فيه رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) بفناء دار حكيم بن العداء عند أصحاب المحامل. و روى عن محمد بن عمار ابن ياسر أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان يسلك إلى المصلى من الطريق العظمى على أصحاب الفساطيط، [155/ أ] و يرجع من الطريق الأخرى على دار عمار بن ياسر رضي اللّه عنه. و روى عن عائشة بنت سعد بن أبى وقاص عن أبيها رضي اللّه عنه، أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: «ما بين مسجدى إلى المصلى روضة من رياض الجنة». و روى عن حمزة (3) عن عائشة- رضى الله عنها- أن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان يذبح أضحيته بيده إذا انصرف من المصلى على ناحية الطريق التى كان ينصرف منها، و تلك الطريق و المكان الذى كان يذبح فيه (صلّى اللّه عليه و سلّم) مقابل المغرب مما يلى طريق بنى زريق.

قال الشيخ جمال الدين: و أما الطريق العظمى فهى طريق الناس اليوم من باب المدينة إلى المصلى، و هو الذى قال فيه: ثم صلّى حيث يصلّى الناس اليوم، و لا يعرف من المساجد التى ذكرت لصلاة العيد إلا هذا الذى يصلى فيه العيد اليوم‏ (4). قال: و شماليه مسجد وسط

____________

(1) الدرة الثمينة (ص 191).

(2) التعريف بما آنست الهجرة (ص 45).

(3) فى التعريف بما آنست الهجرة: «عمرة». و الله أعلم.

(4) التعريف بما آنست الهجرة (ص 48، 49).

304

الحديقة المعروفة بالعريض المتصلة بقبة عين الأزرق، و يعرف اليوم بمسجد أبى بكر الصديق رضي اللّه عنه و لعله صلّى فيه فى خلافته، و شمالى الحديقة أيضا مسجد كبير متصل يسمى مسجد على بن أبى طالب رضي اللّه عنه، و لم يرد أنه صلى بالمدينة عيدا فى خلافته. فتكون هذه المساجد الموجودة اليوم من الأماكن التى صلى فيها النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) سنة بعد سنة، إذ لا يختص أبو بكر و على- رضى الله عنهما- بمسجدين لأنفسهما و يتركان المسجد الذى صلّى فيه رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)(1). قال الشيخ جمال الدين: و ليس بالمدينة الشريفة مسجد يعرف غير ما ذكر إلا مسجد على ثنية الوادى على يسار الداخل إلى المدينة من طريق/ [155/ ب‏] الشام، و مسجد آخر صغير على طريق السافلة، و هى الطريق اليمنى الشرقية إلى مسجد (2) حمزة رضي اللّه عنه، يقال: إنه مسجد أبى ذر الغفارى رضي اللّه عنه و لم يرد فيهما نقل يعتمد عليه‏ (3).

و أما مسجد الضرار: فهو المسجد الذى بناه المنافقون مضاهاة لمسجد قباء

، فلما بنوه أتوا النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو متجهز إلى تبوك فأمروه أن يصلى لهم فيه، فقال «إنى على جناح سفر و حال شغل و لو قدمنا إن شاء الله لأتيناكم فصلينا لكم فيه». فلما نزل رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) بذى أوان- بلد بينه و بين المدينة ساعة من نهار مرجعه من تبوك- أتاه خبر المسجد، فدعا رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) مالك بن الدّخشم و معن بن عدى و أخاه عاصما، و فى رواية و عامر ابن السّكن و وحشيا قاتل حمزة، فقال: «انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه و حرقاه». فخرجا حتى أتيا سالم بن عوف فأخذ سعفا من النخل و أشعلاه، ثم دخلا المسجد و فيه أهله فحرقاه و هدماه، و أنزل الله تعالى فيه: وَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً ... (4) إلى آخر القصة (5) نزلت هذه الآية فى أبى عامر الراهب؛ لأنه كان خرج إلى قيصر و تنصر، و وعدهم قيصر أنه سيأتيهم فبنوا مسجد الضرار (6)، و كان الذين بنوه اثنا عشر رجلا: خذام بن خالد و من بيته أخرج المسجد، و معتب بن قشير، و أبو حبيبة بن الأزعر، و عبّاد بن حنيف، و جارية بن عامر، و ابناه مجمع‏ (7)، و بحزج،

____________

(1) التعريف بما آنست الهجرة (ص 49).

(2) فى التعريف بما آنست الهجرة: «مشهد».

(3) التعريف بما آنست الهجرة (ص 49).

(4) سورة التوبة: الآية (107).

(5) راجع السيرة النبوية لابن هشام (4/ 92)، تفسير القرطبى (8/ 253)، و تفسير ابن كثير (2/ 335).

(6) راجع تفسير القرطبى (8/ 253)، و تفسير ابن كثير (2/ 335).

(7) فى ابن هشام: مجمع و زيد بن جارية.

305

و نبيل‏ (1) بن الحارث، و يخلد بن عثمان‏ (2)، و ذريعة بن ثابت‏ (3)، و ثعلبة بن حاطب، مذكور فيهم و فيه نظر، لأنه شهد بدرا (4) قاله ابن عبد البر.

و كل مسجد بنى/ [156/ أ] على ضرار أورياء أو سمعة فحكمه حكم مسجد الضرار لا تجوز الصلاة فيه‏ (5). قال النقاش: فيلزم أن لا يصلى فى كنيسة و نحوها، فإنها بنيت على شر. قال القرطبى: هذا لا يلزم؛ لأن الكنيسة لم يقصد بها الضرر بالعين، و إن كان أصل بنائها على شر، إنما بنوها لعبادتهم، و قد أجمع العلماء أن من صلى فى كنيسة أو بيعة على موضع طاهر جاز (6).

و ذكر أبو داود عن عثمان بن العاص أن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) أمره أن يجعل مسجد الطائف حيث كانت طواغيتهم. و قوله تعالى: لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً (7). قد يعبر عن الصلاة بالقيام، و منه: «من قام رمضان إيمانا و احتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» (8). و روى أن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان لا يمر بالطريق التى فيها هذا المسجد، و أمر بموضعه أن يتخذ كناسة و مزبلة (9)،

و روى سعيد بن جبير أن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) لما أرسل ليهدم رؤى الدخان يخرج منه. و قيل:

كان الرجل يدخل فيه سعفة فيخرجها سوداء محترقة. و عن ابن مسعود أنه قال: جهنم فى الأرض ثم تلا فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ‏ (10).

قال القرطبى: اختلف هل ذلك حقيقة أم مجاز على قولين، أحدهما: أن ذلك حقيقة و أنه كان يحفر ذلك الموضع الذى انهار به فيخرج منه دخان‏ (11) و قال جابر بن‏

____________

(1) فى ابن هشام: «نبتل بن الحارث».

(2) فى ابن هشام: «بجاد بن عثمان».

(3) فى ابن هشام: «وديعة بن ثابت».

(4) راجع تفسير القرطبى (8/ 254) و تفسير ابن كثير (2/ 235)، و ابن هشام (4/ 92).

(5) تفسير القرطبى (8/ 254).

(6) راجع تفسير القرطبى (8/ 255).

(7) سورة التوبة: الآية (108).

(8) أخرجه البخارى: كتاب الإيمان- باب تطوع قيام رمضان من الإيمان ح (37- فتح)، و مسلم:

كتاب صلاة المسافرين و قصرها- باب الترغيب فى قيام رمضان و هو التراويح ح (759) من حديث أبى هريرة رضي اللّه عنه.

(9) راجع تفسير القرطبى (8/ 258).

(10) سورة التوبة: الآية (109).

(11) تفسير القرطبى (8/ 265)، و القول الثانى: أن ذلك مجاز، و المعنى صار البناء فى نار جهنم، فكأنه انهار إليه و هوى فيه. قال: و الظاهر الأول، إذ لا إحالة فى ذلك. و الله أعلم.

306

عبد الله: أنا رأيت الدخان يخرج منه‏ (1). و فال خلف بن سيرين: رأيت فى مسجد المنافقين حجرا يخرج منه الدخان‏ (2). قال الحافظ محب الدين: هذا المسجد قريب من مسجد قباء و هو كبير و حيطانه عالية، و قد كان بناؤه مليحا (3).

قال الشيخ جمال الدين: و أما اليوم فلا أثر له و لا/ [156/ ب‏] يعرف له مكان، و ما ذكره الشيخ محب الدين فهو و هم لا أصل له. قال عفيف الدين المرجانى: و قد ذكر الشيخ جمال الدين و ابن النجار هذا المسجد فى تاريخهما و عداه من جملة المساجد التى صلى النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) فيها، و النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) لم يصل فيه فلذلك أخرنا ذكره. انتهى كلامه.

و أما النقاء و حاجز المذكوران فى الأشعار: فاعلم أن النقاء من غربى مصلى العيد المذكور إلى منزلة الحجاج غربى وادى بطحان، و الوادى يفصل بين مصلى العيد و النقاء من أجل مجاورة المكانين، و فيه يقول بعضهم موريا عن الشيب و مصلى الجنائز:

ألا يا سائرا فى قفر عمرو* * * يكابد فى المسرى و عرا و سهلا

بلغت نقاء المشيب و جزت عنه‏* * * و ما بعد النقاء إلا المصلى‏

و أما حاجز: فهو من غربى النقاء إلى منتهى الحرة من وادي العقيق‏ (4).

ذكر مساجد صلى فيها النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) بالمدينة الشريفة

لا يعرف اليوم إلا بعض أماكنها و هى فى قرى الأنصار، منها: مسجد بنى زريق من الخزرج و هو أول مسجد قرئ فيه القرآن بالمدينة قبل هجرة النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و أن رافع بن مالك الزرقى رضي اللّه عنه لما لقى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فى العقبة أعطاه ما نزل عليه من القرآن بمكة إلى ليلة العقبة، و ذكر أن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) توضأ فيه و لم يصل. قال الشيخ جمال الدين: و قرية بنى زريق قبل سور المدينة الشريفة و قبل المصلى، و بعضها كان من داخل السور اليوم بالموضع المعروف بدردان أو ذى أروان التى وضع لبيد ابن عاصم و هو من يهود بنى زريق السحر فى راعونة بئرها/ [157/ ا] و الحديث مشهور (5).

و قال الشيخ أبو الفتح: ذو أروان اسم محلة بنى زريق، و هناك بئر يسمى بئر ذى أروان و المسجد هناك. و مسجد بنى ساعدة من الخزرج رهط سعد بن عبادة، ذكر أن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) صلى فيه و جلس فى السقيفة. عن عبد المهيمن بن عباس عن سهيل بن سعد عن‏

____________

(1) تفسير القرطبى (8/ 265)، و تفسير ابن كثير (2/ 338).

(2) تفسير ابن كثير (2/ 338)، و فيه: «خلف بن ياسين الكوفى».

(3) الدرة الثمينة (ص 195).

(4) التعريف بما آنست الهجرة (ص 49).

(5) التعريف بما آنست الهجرة (ص 76).

307

أبيه عن جده قال: جلس رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فى سقيفتنا التى عند المسجد و استقى، فخصت له وطأة فشرب ثم قال: زدنى، فخصت له أخرى فشرب ثم قال: كانت الأولى أطيب.

و فى هذه السقيفة كانت بيعة أبى بكر الصديق رضي اللّه عنه و قرية بنى ساعدة عند بئر بضاعة، و البئر وسط بيوتهم، و شمالى البئر اليوم إلى جهة المغرب بقية أطم يقال إنه من دار أبى دجانة رضي اللّه عنه الصغرى التى عند بضاعة، و مسجد عند بيوت المطر عند خيام بنى عفان، روى أن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) صلى فيه، و أن تلك المنازل كانت منازل آل بنى و هم كلثوم بن الحصين الغافرى رضي اللّه عنه. قال الشيخ جمال الدين: و ليست الناحية معروفة اليوم‏ (1). و مسجد لجهينة و لمن هاجر من بنى الربعة (2) عن خارجة بن الحارث بن رافع عن أبيه عن جده قال:

جاء رسول الله يعود رجلا من أصحابه فى بنى الربعة من جهينة يقال له أبو مريم، فعاده بين منزل بنى قيس العطار الذى فيه الأراكة و بين منزلهم الأخرى الذى يلى دار الأنصار، فصلى فى المنزل فقال نفر من جهينة لأبى مريم: لو جئت رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فسألته أن يخط لنا مسجدا، فقال: احملونى فحملوه فلحق النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم)/ [157/ ب‏] فقال: «مالك يا أبا مريم؟» فقال: يا رسول الله لو خططت لنا مسجدا، فجاء إلى مسجد جهينة و فيه خيام لبلى فأخذ طلقا أو محجنا فخط لهم، فالمنزل لبلى و الخطة لجهينة.

قال الشيخ جمال الدين: و هذه الناحية اليوم معروفة غربى حصن صاحب المدينة، و السور القديم بينهما و بين جبل سلع، و عندها أثر باب من أبواب المدينة خراب، و يعرف اليوم بدرب جهينة، و الناحية من داخل السور بينه و بين حصن المدينة (3). و مسجد قار النابغة ذكر أن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) صلى فيه. و مسجد بنى عدى بن النجار ذكر أن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) صلى فيه أيضا. قال الشيخ جمال الدين: و هذه الدار غربى مسجد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هى دار بنى عدى بن النجار و مسجد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و ما يليه من جهة المشرق دار غنم بن مالك بن النجار (4). و مسجد بنى خدرة. و قيل: خدرة- بضم الخاء المعجمة و سكون الدال المهملة- و اسمه لأبجر بن عوف بن الحارث، و قيل: خدرة أم أبجر، و الأول أشهر، و هم بطن من الأنصار، و أبجر بفتح الهمزة و الجيم و سكون الباء الموحدة. عن هشام بن عروة أن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) صلى فى مسجد بنى خدرة. و عن يعقوب بن محمد بن أبى صعصعة أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) صلى فى بعض منازل بنى خدرة، فهو المسجد الصغير الذى فى بنى خدرة مقابل بيت‏

____________

(1) التعريف بما آنست الهجرة (ص 77).

(2) ساقطة من الأصل، و السياق يقتضى وضعها. و الله أعلم.

(3) التعريف بما آنست الهجرة (ص 77).

(4) التعريف بما آنست الهجرة (ص 77).

308

الحية. قال الشيخ جمال الدين: و دار بنى خدرة عند بئر البصة (1). و مسجد بنى مازن عن عمرو بن يحيى بن عمارة عن أبيه أن رسول الله/ [158/ ا] وضع مسجد بنى مازن بن النجار بيده، و هيأ قبلته و لم يصل فيه. و عن يعقوب بن محمد بن أبى صعصعة أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) صلى فى بيت أم أبى بردة فى بنى مازن. قال الشيخ جمال الدين: و دار بنى مازن قبلى بئر البصة و تسمى الناحية اليوم أبا مازن‏ (2). و مسجد بنى جديلة و هو مسجد أبى بن كعب رضي اللّه عنه عن يوسف الأعرج و ربيعة بن عثمان أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) صلى فى مسجد بنى جديلة. قال الشيخ جمال الدين: و دار بنى جديلة عند بئر حاء شمالى سور المدينة من جهة المشرق، و بنو جديلة هم بنو معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار بن الخزرج‏ (3). و مسجد بنى دينار ذكر أن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) صلى فى مسجد بنى دينار عند العالين، و أن أبا بكر رضي اللّه عنه تزوج امرأة من بنى دينار بن النجار، فكان رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) يعوده، فكلموه أن يصلى لهم فى مكان يصلون فيه فصلى لهم فى هذا المسجد، و مسجد بنى دينار بين دار بنى جديلة و دار بنى معاوية أهل مسجد الإباجة (4) المتقدم ذكره- أعنى مسجد بنى معاوية- فهذه بطون بنى النجار كلها، و دورهم هذه المذكورة بالمدينة و ما حولها من جهة الشمال إلى مسجد الإجابة، و هم بنو غنم بن النجار، و بنو عدى بن النجار، و بنو مازن ابن النجار، و بنو دينار بن النجار، و بنو معاوية بن النجار.

و مسجد بأصل المنارتين من طريق العقيق الكبرى صلى فيه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو لا يعرف.

و مسجد بنى حارثة من الأوس ذكر أن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) صلى فيه، و دار بنى حارثة بيثرب.

و مسجد بنى عبد الأشهل رهط سعد/ [158/ ب‏] بن معاذ و أسيد بن حصن ذكر أن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) صلى فيه، و أن أم عامر بن يزيد بن السكن أتت رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) بعرف فتعرفه ثم قام فصلى فلم يتوضأ، و بنو عبد الأشهل منسوبون إلى عبد الأشهل بن جشم بن الحارث ابن الخزرج، قال النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم): «خير دور الأنصار بنو النجار، ثم بنو عبد الأشهل، ثم بنو الحارث ثم بنو ساعدة، و فى كل دور بنى الأنصار خير» (5). و مسجد بنى الحبلى و هم رهط عبد الله بن سلول، ذكر أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) صلى فيه. و مسجد بنى الحارث بن الخزرج، ذكر أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) صلى فيه. قال الشيخ جمال الدين: و دار بنى الحبلى بين قباء و بين دار بنى‏

____________

(1) التعريف بما آنست الهجرة (ص 77، 78).

(2) التعريف بما آنست الهجرة (ص 78).

(3) التعريف بما آنست الهجرة (ص 78).

(4) هكذا فى الأصل، و الصواب «الإجابة». و الله أعلم.

(5) تقدم تخريجه.

309

النجار، و دار بنى النجار شرقى وادى بطحان، تعرف اليوم بالحارث بإسقاط بنى‏ (1).

و مسجد بنى أمية بن زيد بالعوالى فى الكبا عند مال نهيك بن أبى نهيك، ذكر أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) صلى فيه. قال الشيخ جمال الدين: و دارهم شرقى دار بنى الحارث، و فيهم كان عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه نازلا بامرأته الأنصارية أم عاصم بنت أو أخت عاصم بن ثابت بن أبى الأفلح رضي اللّه عنه و مسجد بنى خدرة ذكر أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) صلى فى مسجد بنى خدرة عند الأطم الذى بجوار سعد بن عبادة، و وضع (صلّى اللّه عليه و سلّم) يده على الحجر الذى فى أطم سعد (2). قال الشيخ جمال الدين: و هذه الدار قبلى دار بنى ساعدة و بين بضاعة و مما يلى سوق المدينة، عرضه ما بين المصلى إلى جدار سعد المذكور، و هى جدار كان يستقى الناس فيها الماء كما ورد عنه بعد وفاة أمه رضي اللّه عنه‏ (3). و مسجد النور صلى (صلّى اللّه عليه و سلّم) فيه و لا يعرف/ [159/ ا] اليوم. و مسجد بنى واقف ذكر أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) صلى فيه و هو موضع بالعوالى، كانت فيه منازل بنى واقف من الأوس رهط هلال بن أمية الواقفى، أحد الثلاثة الذين خلفوا، و لا يعرف مكان دارهم اليوم إلا أنها بالعوالى. و مسجد فى دار سعد بن خيثمة بقباء ذكر أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) صلى فيه. قال الشيخ جمال الدين: و دار سعد بن خيثمة أحد الدور التى قبل مسجد قباء، يزورها الناس إذا زاروا قباء، و هناك أيضا دار كلثوم بن الهدم فى تلك العرصة، و كان (صلّى اللّه عليه و سلّم) نازلا بها حين قدم المدينة، و كذلك أهله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و أهل أبى بكر رضي اللّه عنه حين قدم بهم على بن أبى طالب رضي اللّه عنه، و هن سودة بنت زمعة و عائشة و أمها أم رومان، و أختها أسماء بنت أبى بكر رضي اللّه عنه، و ولدت أسماء عبد الله بن الزبير قبل نزولهم إلى المدينة، فكان أول مولود ولد من المهاجرين بالمدينة (4). و مسجد التوبة صلى (صلّى اللّه عليه و سلّم) فيه و هو بالعصبة عند بئرهم، و هو غير معروف. قال الشيخ جمال الدين: أما العصبة فهى غربى مسجد قباء، فيها مزارع و آبار كثيرة، و هى منازل بنى حججابن لعله بطن من الأوس‏ (5). و مسجد بنى أنيف يقولون:

صلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فيما كان يعود طلحة بن البراء رضي اللّه عنه قريبا من أطمهم. قال الشيخ جمال الدين: يلون دار بنى أنيف و هم بطن من الأوس بين قرية بنى عمرو بن عوف بقباء و بين العصبة (6). و مسجد الشيختين و يسمى مسجد الشيخ صلى (صلّى اللّه عليه و سلّم) فيه، و هو موضع بين‏

____________

(1) التعريف بما آنست الهجرة (ص 78).

(2) التعريف بما آنست الهجرة (ص 78).

(3) التعريف بما آنست الهجرة (ص 78).

(4) التعريف بما آنست الهجرة (ص 78، 79).

(5) التعريف بما آنست الهجرة (ص 79).

(6) التعريف بما آنست الهجرة (ص 79).

310

المدينة و بين أحد، على الطريق الشرقية مع الحرة إلى جبل أحد، و ذكروا أنه/ [159/ ب‏] (صلّى اللّه عليه و سلّم) من هناك غدا إلى أحد يوم أحد كما قدمنا. و مسجد بنى حطمة صلى (صلّى اللّه عليه و سلّم) فيه.

و مسجد العجوز ذكر أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) صلى فى مسجد العجوز ببنى حطمة، و هى امرأة من بنى سليم. و مسجد بنى وائل صلى (صلّى اللّه عليه و سلّم) فيه. قال الشيخ جمال الدين: الظاهر أن منازلهم بالعوالى شرقى مسجد الشمس؛ لأن تلك النواحى كلها ديار الأوس، و ما سفل من ذلك إلى المدينة ديار الخزرج‏ (1). و مسجد بنى بياضة من الخزرج صلى (صلّى اللّه عليه و سلّم) فيه، و بنو بياضة بطن من الأنصار ثم من الخزرج. قال المطرى: و كانت دار بنى بياضة فيما بين دار بنى سالم بن عوف من الخزرج بوادى رانوناء عند مسجد الجمعة إلى وادى بطحان قبل دار بنى مازن؛ لأن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) لما صلى الجمعة فى بنى سالم بن عوف برانوناء ركب راحلته، فانطلقت به حتى وارت دار بنى بياضة تلقاء زياد بن لبيد و فروة بن عمرة فى رجال بنى بياضة (2). و مسجد بفيفاء الخيار ذكر ابن إسحاق فى غزوة العشيرة أن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) سلك على نقب بنى دينار ثم على فيفاء الخيار، فنزل تحت شجرة ببطحاء ابن زاهر يقال لها ذات الساق، فصلى عندها فثم مسجده و صنع له طعاما عندها، و موضع أبانى المرمة معلوم، و استقى له من ماء يقال له المشترب. قال الشيخ جمال الدين: فيفاء الخيار غربى الجماوات التى بوادى العقيق و هى الجبال التى فى غربى وادي العقيق، و هى أرض فيها سهولة و فيها حجارة و حفائر، و هو الموضع الذى كانت ترعى فيه إبل الصدقة و لقاح رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)/ [160/ ا]، لأنه ورد فى رواية أنها إبل الصدقة، و فى أخرى أنها لقاح رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و أنها كانت ترعى بذى آكد و غربى جبل عير على ستة أميال من المدينة، و الروايتان صحيحتان، و الجمع بينهما: أن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) كانت له إبل من نصيبه من المغنم، و كانت ترعى مع إبل الصدقة، فنحر مرة عن إبله، و مرة عن إبل الصدقة و إن النفر من عكل أو من عرينة أمرهم رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) أن يلحقوا بإبل الصدقة يشربوا من أبوالها و ألبانها ففعلوا، ثم قتلوا الراعى و كان يسمى يسار من موالى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و استاقوا الإبل، فبعث فى أثرهم عشرين فارسا و استعمل عليهم ثور بن جابر الفهرى فأدركوهم فربطوهم، و فقدوا واحدة من لقاح رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) تدعى الحناء، فلما دخلوا بهم المدينة كان رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) بالغابة أسفل المدينة فخرجوا بهم نحوه فلقوه و هو راجع إلى المدينة، و هو اليوم موضع معروف يجتمع فيه سيل قباء و سيل بطحان، فأمر بهم (صلّى اللّه عليه و سلّم)

____________

(1) التعريف بما آنست الهجرة (ص 79).

(2) التعريف بما آنست الهجرة (ص 79).

311

فقطعت أيديهم و أرجلهم و سملت أعينهم و صلبوا هناك‏ (1).

ذكر المساجد التى صلى فيها (صلّى اللّه عليه و سلّم) بين مكة و المدينة

منها: مسجد ذى الحليفة، و هى محرم الحجاج ميقات أهل المدينة. قال الشيخ جمال الدين: و مسجد الحليفة هو المسجد الكبير الذى هناك، و كانت فيه عقود فى قبلته و منارة فى ركنه الغربى الشمالى فتهدم على طول الزمان، و هو مبنى على موضع الشجرة التى كانت هنالك و بها سمى مسجد الشجرة، و البئر من جهة شماليه، و فى هذا المسجد مسجد آخر أصغر منه، و لا يبعد أن/ [160/ ب‏] يكون (صلّى اللّه عليه و سلّم) صلى فيه بينهما مقدار رمية سهم‏ (2). و عن عبد الله بن عمر أنه قال: بات رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) بذى الحليفة مبدأه و صلى فى مسجدها (3). يروى أن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) صلى فى مسجد الشجرة إلى جهة الإسطوان الوسطى استقبلها، و كان موضع الشجرة التى كان النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) صلى إليها و كانت سمرة (3)، فينبغى للحاج إذا وصل إلى ذى الحليفة أن لا يتعدى فى نزوله المسجد المذكور من أربع نواحيه.

و مسجد بشرقى الروحاء- الروحاء من أعمال الفرع- عن سالم بن عبد الله عن أبيه قال: صلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) بشرقى الروحاء عن يمين الطريق و أنت ذاهب إلى مكة و عن يسارها و أنت مقبل من مكة. قال الشيخ جمال الدين: شرق الروحاء هو آخر السيالة و أنت متوجه إلى مكة، و أول السيالة إذا قطعت فرش مالك و أنت مغرب، و كانت الصخيرات صخيرات الإمام عن يمينك، و هبطت من فرش مالك ثم رجعت عن يسارك و استقبلت القبلة هذه السيالة، و كانت قد تجدد فيها بعد النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) عيون و سكان و آخرها الشرق المذكور، و المسجد عنده و عنده قبور قديمة، ثم تهبط فى وادى الروحاء مستقبل.

القبلة، و تعرف اليوم بوادى بنى سالم بطن من حرب، فتمشى مستقبل القبلة و شعب على ابن أبى طالب رضي اللّه عنه على يسارك إلى أن يدور الطريق بك إلى المغرب و أنت مع أصل الجبل الذى على يمينك، و أول ما يلقاك مسجد على يمينك و يعرف ذلك المكان بغرف الظبية، و يبقى جبل ورقان على يسارك، و مسجد بغرف الظبية و هو المتقدم ذكره آنفا/ [161/ ا]، و كان فيه قبور كثيرة فى قبلته فمهدهم (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و فى المسجد الآن حجر قد نقش عليه بالخط الكوفى عند عمارته الميل الفلانى من البريد الفلانى‏ (4).

و مسجد الزبير: حدثنا ابن الحسن عن أخيه عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن‏

____________

(1) التعريف بما آنست الهجرة (ص 79).

(2) التعريف بما آنست الهجرة (ص 66).

(3) أورده المطرى بسنده: التعريف بما آنست الهجرة (ص 66).

(4) التعريف بما آنست الهجرة (ص 67).

312

عوف عن أبيه عن جده قال: أول غزاة غزاها رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أنا معه غزوة الإيواء حتى إذا كان بالروحاء عند غرف الظبية قال: «أتدرون ما اسم هذا الجبل- يعنى ورقان-؟

هذا حمت اللهم بارك فيه و بارك لأهله فيه، تدرون ما اسم هذا الوادى- يعنى وادى الروحاء-؟ هذا سجاسج، لقد صلى فى هذا المسجد قبلى سبعون نبيا، و لقد مر بها- يعنى الروحاء- موسى بن عمران (صلّى اللّه عليه و سلّم) فى سبعين ألفا من بنى إسرائيل، عليه عباءتان قطوانيتان على ناقة له ورقاء، و لا تقوم الساعة حتى يمر بها عيسى ابن مريم- (عليهما السلام)- حاجّا أو معتمرا أو يجمع الله تعالى له ذلك» (1).

و ذكر أبو عبيد البكرى: أن قبر مضر بن نزار بالروحاء على ليلتين من المدينة بينهما أحد و أربعون ميلا. و قيل: أربعون، و قيل عشرة فراسخ، و ذلك ثلاثون ميلا، و فى صحيح مسلم: أن ما بين الروحاء و المدينة ستة و ثلاثون ميلا. و مسجد الغزالة: فى آخر وادى الروحاء مع طرف الجبل على يسارك و أنت ذاهب إلى مكة المشرفة، لم يبق منه اليوم إلا عقد الباب، صلى فيه رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و عن يمين الطريق إذا كنت بهذا المسجد و أنت مستقبل النازية موضع كان عبد الله بن عمر ينزل فيه، و يقول: هذا منبر رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و كان ثم شجرة كان عمر رضي اللّه عنه/ [161/ ب‏] يصب فضل وضوئه فى أصلها، و يقول:

هكذا رأيت رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) يفعل. و إذا كان الإنسان عند مسجد الغزالة المذكور كانت طريق النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى مكة المشرفة على يساره مستقبل القبلة، و فى الطريق المعهود من قديم الزمان يمر على بئر يقال لها السقيا، ثم على ثنية هرشاء، و هى طريق الأنبياء- (صلوات الله و سلامه عليهم)- و الطريق اليوم فى طريق الروحاء على النازية إلى مضيق الصفراء، و مسجد على يمين الطريق المذكورة تجده حين تفضى من أكمة دون الدويثة بميلين تحت صخيرة ضخمة، قد انكسر أعلاها فانثنى فى جوفها و هى قائمة على ساق، و الدويثة معروفة و المسجد غير معروف‏ (2). و مسجد بطريق بلعة من وراء العرج و أنت ذاهب إلى مكة المشرفة عن يمين الطريق على رأس خمسة أميال من العرج إلى هبطة هناك، و عندها ثلاثة أقبر و رضم من حجارة بين سلمات كان عبد الله بن عمر يروح من العرج بعد أن تميل الشمس بالهاجرة فيصلى الظهر فى هذا المسجد، و العرج معروف إلا المسجد.

و مسجد على يسار الطريق و أنت ذاهب إلى مكة المشرفة فى مسيل دون ثنية هرشاء إلى سرحة هى أقرب السرحات إلى الطريق و هى أطولهن، و عقبة هرشاء معروفة سهلة المسالك. و مسجد بالأثاثة و لا تعرف. و مسجد بالمسيل الذى بوادى مر الظهران حين‏

____________

(1) أورده المطرى بسنده (ص 67، 68).

(2) التعريف بما آنست الهجرة (67، 68).

313

تهبط من الصفراوات على يسار الطريق و أنت ذاهب إلى مكة المشرفة.

و مسجد بذى طوى و وادى طوى بمكة بين الثنيتين و مصلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) منه أكمة سوداء، تدع من الأكمة عشرة أذرع أو نحوها يمينا، ثم تصلى مستقبل/ [162/ ا] الفرضين بين الجبل الطويل الذى بينك و بين الكعبة و ليس بمعروف، و ذكر أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) نزل بالدبة دبة المستعجلة من المضيق و استقى له من بئر الشعبة الصابة أسفل من الدبة فهو لا يفارقها الماء أبدا، قال الشيخ جمال الدين: و المستعجلة هى المضيق الذى يصعد إليه الحاج إذا قطع النازية و هو متوجه إلى الصفراء (1). و ذكر ابن إسحاق أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) نزل بشعب يسفر، و هو الشعب الذى بين المستعجلة و الصفراء، و قسم به غنائم أهل بدر، و لا يزال الماء به غالبا. و مسجد الصفراء ذكر ابن زبالة أن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) صلى فيه، و صلى بمسجد آخر بموضع يسمى ذات المن مضيق الصفراء، و فى مسجد آخر بدفران واد معروف يصب فى الصفراء من جهة الغرب، و أنهم حفروا بئرا فى موضع سجود النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و وجدوا الماء بها له فضل من العذوبة على ما حولها ببركة النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم). و مسجد بالبرود ذكروا أن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) نزل فى موضع المسجد الذى بالبرود من مضيق الفرج و صلى فيه رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم). و مسجد من طريق مبرك ذكروا أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) صلى فيه فى مطلعه من طريق مبركه فى مسجد هناك بينه و بين زعان بستة أميال‏ (2).

ذكر المساجد المشهورة التى صلّى فيها النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) فى الغزوات و غيرها

منها: مسجد بعضد على مرحلة من المدينة صلّى فيه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عند خروجه إلى خيبر.

و مسجد بالصهباء- و الصهباء من أدنى خيبر- صلّى به المعروف و هو معروف، و ذكر ابن زبالة أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) حين/ [162/ ب‏] وصل إلى خيبر من رجوعه من الطائف نزل بين أهل الشق و أهل النضاة و صلّى إلى عوسجة هناك، و جعل حول مصلاه حجارة يعرف بها. و مسجد بشمران ذكر ابن زبالة أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) صلّى أيضا على جبل بخيبر يقال له شمران فثم مسجده من ناحية سهم بنى النزار. قال المطرى: و يعرف الجبل اليوم بسمران- بالسين المهملة- يروى أن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: «ميلان فى ميل من خيبر مقدس» (3) و عن سعيد ابن المسيب أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: «خيبر مقدسة و السوارقة مؤتفكة». و خيبر كانت مسكن اليهود و موضع الجبابرة منها على ثمانية برد من المدينة، و فى خيبر رد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) الشمس على علىّ رضي اللّه عنه بعد ما غربت حتى صلى العصر. و مسجد ببدر كان عند

____________

(1) التعريف بما آنست الهجرة (ص 69).

(2) راجع هذه المساجد فى التعريف بما آنست الهجرة (ص 65- 69).

(3) التعريف بما آنست الهجرة (ص 78).

314

العريش الذى بنى لرسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) يوم بدر، و هو معروف اليوم يصلى فيه ببطن الوادى بين النخيل و العين قريبة منه. و مسجد بالعشيرة فى بطن ينبع معروف اليوم. و مسجد بالحديبية لا يعرف بل يعرف ناحيته لا غير، و هو بين جدة و مكة، بينه و بين جدة مثل ما بين مكة و الطائف، و مثل ما بين مكة و عسفان. قال مالك: و بينهما أربعة برد. و تقدم تحديد الحديبية و تعريفها فى محلها. و مسجد لية من أرض الطائف قال الشيخ جمال الدين:

و هو معروف رأيته و عنده أثر فى حجر يقال إنه أثر خف ناقة النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و أقاد النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) بنحرة الرغاء حين قدم، و هو أول دم أقيد فى الإسلام رجل من بنى ليث قتل رجلا من بنى/ [163/ أ] هذيل فقتله به‏ (1). قال ابن إسحاق: ثم سلك من لية على نخب و هى عقبة فى الجبل حين نزل تحت سدرة يقال لها الصادرة، ثم ارتحل فنزل بالطائف و كان قد نزل قريبا من حصن الطائف فقتل جماعة من أصحابه بالنبل، فانتقل إلى موضع مسجده الذى بالطائف اليوم. قال عفيف الدين المرجانى: و هذا الحصن باق إلى الآن بالبناء الجاهلى و فيه بئر و فيها تنين عظيم يمنعهم البناء فيه إلا أن يذبحوا عنده، و هو بالقرب من مسجد الحجاج ابن يوسف، و قد كان بنى هذا المسجد بتربة حمراء يؤتى بها من اليمن، و لم يبق إلا آثاره و منارتاه خراب، و مسجد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) بالطائف فى وسط المسجد المعروف اليوم بمسجد سيدنا عبد الله بن عباس- رضى الله عنهما-، و فى ركن المسجد الكبير منارة عالية بنيت فى أيام الناصر لدين الله أبى العباس أحمد بن المستضى‏ء، و خلفه تحت المنارة بئر ينزل فيها إلى الماء بدرج قريب الأربعين درجة، و مسجد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فى هذا الجامع بين قبتين صغيرتين يقال إنهما بنيتا فى موضع قبتى زوجيته (صلّى اللّه عليه و سلّم) اللتين كانتا معه عائشة و أم سلمة- رضى الله عنهما-، و بين القبتين محراب، و كذلك قدام القبلة أيضا محراب، و لا يبعد أن يكون (صلّى اللّه عليه و سلّم) صلّى فى المحرابين، و للمسجد العباسى أربعة أروقة فى قبلته، و له ثلاثة أبواب فى يمينه و يساره و مؤخره، و فى ركنه الأيمن القبلى قبر سيدنا عبد الله بن العباس ابن عم سيدنا رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و على قبره ملبن/ [163/ ب‏] ساج على بنيان طوله من الأرض ثلاثة أشبار، و عرضه بطول القبر عشرة أشبار و قليل، و عرض القبر ستة أشبار و قليل، أمر بعمله الإمام المقتفى لأمر الله فى سنة سبع و أربعين و خمسمائة، كذا مكتوب فى الخشب، و توفى بالطائف سنة ثمان و ستين و قد أضرّ. قال ميمون بن مهران: شهدنا جنازته بالطائف فلما وضع ليسلم عليه جاء طائر أبيض حتى دخل فى أكفانه فالتمس فلم يوجد، فلما سوى عليه التراب سمعنا صوتا و لم نر شخصا

____________

(1) التعريف بما آنست الهجرة (ص 77، 78).

315

يقول: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى‏ رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً (1) .... إلى آخر السورة. و عنده فى القبة ثلاثة قبور، هذا قبر زبيدة توفيت فى جمادى الآخرة من سنة خمس و ستين و ثلاثمائة. قال عفيف الدين المرجانى: و الظاهر أن هذه عين زبيدة بنت جعفر امرأة هارون الرشيد، و قد ذكر المسعودى فى «مروج الذهب»: أن زبيدة بنت جعفر توفيت سنة ست عشر و مائتين فى خلافة المأمون، اسمها أمة العزيز و هى ابنة عمة الرشيد و زوجته و أم الأمين، و هى التى بنت الآبار و البرك و المصانع بمكة المشرفة، و حفرت العين المعروفة بعين المشاش بالحجارة، و أجرتها من مسافة اثنى عشر ميلا إلى مكة المشرفة و أنفقت عليها ألف ألف مثقال و سبعمائة ألف مثقال و أدخلتها مكة و فرقتها فى شوارعها.

قال الشيخ جمال الدين: و رأيت بالطائف شجرات سدر يذكر أنهن من عهد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فيهن واحدة دفر (2) جدرها خمسة و أربعون شبرا، و أخرى تزيد على الأربعين، و أخرى سبعة و ثلاثون، قال: و هناك شجرة يذكر أن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) مر بها/ [164/ أ] و هو على راحلته فانفرق جدرها نصفين، يذكر أن ناقته (صلّى اللّه عليه و سلّم) دخلت من بينهما و هو ناعس، قال (رحمه الله): رأيتها فى سنة ست و تسعين و ستمائة، و حملت من ثمرها إلى المدينة ثم دخلت الطائف فى سنة تسع و عشرين و سبعمائة فرأيتها قد وقعت و يبست و جدرها ملقى لا يمسه أحد لحرمتها (3). قال المرجانى: و رأيت بوح قرية من قرى الطائف سدرة محاذية للحيرة قرية أيضا يذكر أن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) جلس تحتها حين أتاه عديس بالطبق العنب و أسلم، و قال: شجرة محمد، و القصة مشهورة، قال: و رأيت غارا فى جبل هناك عند آخر الحيرة تحت العين يذكر أنه جلس فيه رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم). انتهى.

____________

(1) سورة الفجر: الآية (27، 28).

(2) كذا فى الأصل. و الله أعلم.

(3) التعريف بما آنست الهجرة (ص 78).

316

[الفصل الثامن‏] فى ذكر وفاة رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و فيه ذكر وفاة أبى بكر الصديق رضي اللّه عنه و وفاة عمر رضي اللّه عنه و ذكر ما جاء أن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أبا بكر و عمر- رضى الله عنهما- و عيسى- (عليه السلام)- خلقوا من طينة واحدة و ما جاء فى صفة وضع القبور المقدسة و صفة الحجرة الشريفة

317

أما ذكر وفاة رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)

قال الله تعالى: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ‏ (1). حكى أبو معاذ عن النحويين أن الميت بالتخفيف الذى فارقه الروح، و بالتشديد الذى لم يكن يمت بعد و هو يموت، فأخبره تعالى أنه ميّت إشارة إلى قوله تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ‏ (2). ثم إن الله تعالى خيّره حين بعث إليه ملك الموت على أن يقبض روحه أو ينصرف، فلم يخير قبله نبى و لا رسول/ [164/ ب‏] ألا ترى إلى موسى- (عليه السلام)- حين قال ملك الموت: أجب ربك، فلطمه ففقأ عينه، و لو أتاه على وجه التخيير لما بطش به، و قول ملك الموت حين رجع:

إنك أرسلتنى إلى عبد لا يريد الموت قال الإمام أبو إسحاق الثعلبى: و قصة موسى و ملك الموت لا يردها إلا كل مبتدع ضال، يؤيده قوله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «إن ملك الموت كان يأتى الناس عيانا حتى أتى موسى- (عليه السلام)- ليقبضه فلطمه ففقأ عينه، فجاء ملك الموت بعد ذلك خفية» (3). و كذلك قصتة مع داود- (عليه السلام)- حين غلقت عليه أبوابه فرأى ملك الموت عنده فقال له: ما أدخلك دارى بغير إذنى، فقال: أنا الذى أدخل على الملوك بغير إذن، فقال: فأنت ملك الموت، قال: نعم، قال: جئت داعيا أم ناعيا؟

قال: بل ناعيا، قال: فهلا أرسلت إلىّ قبل ذلك لأستعد للموت؟ قال: كم أرسلت إليك فلم تنتبه، قال: و من كانت رسلك؟ قال: يا داود أين أبوك؟ أين أمك؟ أين أخوك؟ قال: ماتوا، قال: أما علمت أنهم رسلى و أن النوبة تبلغك‏ (4).

قال العلماء: و ابتدأ برسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) وجعه يوم الخميس فى ليال بقين من صفر (5)، و قيل: فى أول ربيع الأول فى السنة الحادية عشر من الهجرة (5)، و مدة مرضه- عليه الصلاة و السلام- اثنى عشر يوما، و قيل: أربعة عشر (6)، و كان مرضه بالصداع، و اشتد وجعه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فى بيت ميمونة فدعا نساءه و استأذنهن فى أن يمرض فى بيت عائشة- رضى الله عنها- فأذن له فخرج يمشى بين رجلين من أهل بيته الفضل بن العباس و على- رضى الله عنهما-، و خرج نهار الخميس فصلى على أصحاب أحد/ [165/ أ]

____________

(1) سورة الزمر: الآية (30).

(2) سورة الرحمن: الآية (26).

(3) قصص الأنبياء (ص 251).

(4) قصص الأنبياء (ص 296).

(5) سيرة ابن هشام (4/ 165).

(6) صفة الصفوة لابن الجوزى (1/ 112).

318

و استغفر لهم، ثم أمر بسد الأبواب فى المسجد إلا باب أبى بكر.

قالت عائشة- رضى الله عنها-: اضطجع فى حجرى فدخل عبد الرحمن بن أبى بكر فى يده سواك أخضر، قالت: فنظر رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فى يده نظرا عرفت أنه يريده، قالت: فقلت: يا رسول الله أ تحب أن أعطيك هذا السواك؟ قال: نعم، قالت: فأخذته فمضغته له حتى لينته ثم أعطيته إياه، قالت: فاستن به كأشد ما رأيته استن بسواك قط ثم وضعه، و وجدت رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) يثقل فى حجرى فذهبت أنظر فى وجهه فإذا بصره قد شخص، و هو يقول: بل الرفيق الأعلى فى الجنة، فقلت: خيّرت فاخترت و الذى بعثك بالحق‏ (1). و روى ابن أبى مليكة قال: لما كان يوم الاثنين خرج رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) عاصبا رأسه إلى صلاة الصبح، و أبو بكر يصلى بالناس فلما خرج رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) تفرج الناس، فعرف أبو بكر أن الناس لم يصنعوا ذلك إلا لرسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فنكص عن مصلاه، فدفع رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فى ظهره و قال: صلّ بالناس، و جلس رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى جنبه فصلى قاعدا عن يمين أبى بكر، فلما فرغ من صلاته أقبل على الناس رافعا صوته حتى خرج صوته من باب المسجد يقول: «يا أيها الناس سعرت النار و أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، إنى و الله ما تمسكون على بشى‏ء، إنى لم أحل إلا ما أحل القرآن، و لم أحرم إلا ما حرم القرآن». فلما فرغ رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) من كلامه، قال له أبو بكر: يا نبى الله أراك قد أصبحت بنعمة الله و فضله كما تحب، و اليوم/ [165/ ب‏] يوم ابنة خارجة، أفآتيها؟ قال: نعم، ثم دخل رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و خرج أبو بكر إلى أهله بالسنح‏ (2)، و خرج على رضي اللّه عنه من عند رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فقال المسلون: يا أبا الحسن كيف أصبح رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)؟ قال: أصبح بحمد الله بارئا، قال: فأخذ العباس بيده ثم قال: يا على أنت و الله عبد العصا بعد ثلاث، أحلف بالله لقد عرفت الموت فى وجه رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) كما كنت أعرفه فى وجوه بنى عبد المطلب، فانطلق بنا إلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فإن كان هذا الأمر فينا عرفناه، و إن كان فى غيرنا أمرناه فأوصى بنا الناس، فقال: و الله لا أفعل، و الله لئن منعناه لا يؤتينا بعده أحد، فتوفى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) حين اشتد الضحى من ذلك اليوم‏ (3). قيل: إن الصلاة التى صلّاها رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو جالس عن يمين أبى بكر صلاة

____________

(1) سيرة ابن هشام (4/ 172، 173)، و أخرج البخارى نحوه فى باب مرض النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و وفاته (ح 4438- فتح).

(2) إلى هنا انتهى حديث ابن أبى ملكية، راجع سيرة ابن هشام (4/ 172).

(3) سيرة ابن هشام (4/ 172)، و البداية و النهاية (5/ 216)، و الدرة الثمينة (ص 200، 201)-

319

الظهر قاله ابن وضاح و أبو عبد الله بن عتاب.

و ذكر ابن الجوزى: «أن جبريل أتى النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) قبل موته بثلاثة أيام فقال: يأحمد إن الله أرسلنى إليك يسألك عما هو أعلم به منك يقول: كيف تجدك؟ فقال: أجدنى يا جبريل مغموما و أجدنى يا جبريل مكروبا، و أتاه فى اليوم الثانى فأعاد السؤال فثنى الجواب، ثم قال فى اليوم الثالث مثل ذلك و هو يجيب كذلك، فإذا ملك الموت يستأذن فقال: يا أحمد هذا ملك الموت يستأذن عليك و لم يستأذن على آدمى قبلك و لا يستأذن على آدمى بعدك، فقال: ائذن له، فدخل فوقف بين يديه فقال: إن الله أرسلنى/ [166/ أ] إليك و أمرنى أن أطيعك، فإن أمرتنى أن أقبض نفسك قبضتها، و إن أمرتنى أن أتركها تركتها، فقال جبريل- (عليه السلام)-: يا أحمد إن الله قد اشتاق إليك، قال: امض لما أمرت به يا ملك الموت، فقال جبريل- (عليه السلام)-: السلام عليك يا رسول الله هذا آخر موطئى الأرض، إنما كنت حاجتى فى الدنيا (1)، فتوفى (صلّى اللّه عليه و سلّم) مستندا إلى ظهر عائشة فى كساء ملبد و إزار غليظ (2). و توفى (صلّى اللّه عليه و سلّم) عن أثر السم؛ لقوله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فى وجعه الذى مات فيه: «ما زالت أكلة خيبر تعاودنى، فالآن أو ان قطعت أبهرى» (3).

قال ابن إسحاق: إن كان المسلمون ليرون أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) مات شهيدا مع ما أكرمه الله تعالى به من النبوة، و توفى (صلّى اللّه عليه و سلّم) يوم الاثنين حين اشتد الضحى لاثنتى عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، و قيل: لليلتين خلتا منه، و دفن ليلة الأربعاء (4)، و قيل: ليلة الثلاثاء، و قيل: و كانت وفاته (صلّى اللّه عليه و سلّم) سنة تسعمائة و خمس و ثلاثين سنة من سن ذى القرنين حكاه المسعودى فى «مروج الذهب»، و قد بلغ من العمر ثلاثا و ستين سنة، و قيل: خمسا و ستين سنة، و قيل ستين سنة و الأول أصح، روى الثلاثة مسلم، و هى صحيحة، فقول من قال: ثلاثا و ستين فهو على أصله، و من قال: ستين فإنهم كانوا فى الزمان الأول لا يذكرون الكسر، و من قال: خمسا و ستين حسب السنة التى ولد فيها و التى توفى فيها

____________

- و أخرجه البخارى: كتاب المغازى- ح (4447- فتح) عن ابن عباس.

(1) أخرجه الطبرانى من حديث الحسين بن على، و فى إسناده عبد الله بن ميمون القداح، و ذكر نحوه ابن الجوزى فى صفة الصفوة (1/ 116).

(2) أخرجه البخارى: كتاب الرقاق، و الترمذى برقم (978) و ابن ماجه.

(3) أخرجه البخارى معلقا: كتاب المغازى ح (4428- فتح) عن عائشة، و أسنده البيهقى.

(4) راجع البداية و النهاية (5/ 242، 257)، و الدرة الثمينة (ص 202).

320

(صلّى اللّه عليه و سلّم)(1). قال الحاكم: اختلفت الرواية فى سن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و لم يختلفوا أنه ولد فى عام الفيل، و أنه بعث/ [166/ ب‏] و هو ابن أربعين سنة، و أنه أقام بالمدينة عشرا، و إنما اختلفوا فى مقامه بمكة المشرفة بعد البعث فقيل: عشرا، و قيل: ثلاثة عشر، و قيل: خمسة عشر، و سجى (صلّى اللّه عليه و سلّم) ببرد حبرة.

و قيل: إن الملائكة سجته، و كذب بعض أصحابه بموته دهشة منهم عمر بن الخطاب، و أخرس بعضهم فما تكلم إلا بعد الغد منهم عثمان بن عفان، و أقعد آخرون منهم على بن أبى طالب- رضى الله عنهم-.

قال عفيف الدين المرجانى: و الحكمة فى ذلك أنه لما كان عمر أبلغ الناس نظرا و أعلاهم فراسة صحيح تخيل الفكر عظيم قياسه أدهش حتى لم يتخيل موت المختار، و لما كان عثمان حوى أثقال الفصاحة و له فى القول على من سواه رجاحة أخرس بإنطاق حجب الأستار، و لما كان على سيف الله القاطع و عليه اسم القوة واقع أقعد عن مد خطوات الأقدار، و لم يكن أثبت من العباس و أبى بكر- رضى الله عنهما- و بقى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فى بيته يوم الاثنين و ليلة الثلاثاء، فلما كان يوم الثلاثاء أقبل الناس على جهاز رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فسمعوا من باب الحجرة حين ذكروا غسله لا تغسلوه فإنه طاهر مطهر، ثم سمعوا بعده غسلوه فإن ذلك إبليس و أنا الخضر، و قال: إن فى الله عزاء من كل مصيبة، و خلفا من كل هالك، و دركا من كل فائت، فبالله نتقوى، و إياه فارجعوا، فإن المصاب من حرم الثواب، ثم كلمهم مكلم من ناحية البيت غسلوا رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و عليه ثيابه، و كانوا قد اختلفوا فى ذلك فغسلوه (صلّى اللّه عليه و سلّم) [167/ أ] فى قميصه، و كانوا لا يرون أن يقلبوا منه عضوا إلا انقلب بنفسه، و إن معهم لحفيفا كالريح يصوت بهم ارفقوا برسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فإنكم ستكفونه، و تولى غسله علىّ و العباس و الفضل و قثم بن العباس يقلبونه معهم، و أسامة بن زيد و شقران موليا رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) يصبان الماء، و أوس ابن خولى الأنصارى ممن حضر غسله (صلّى اللّه عليه و سلّم)(2)، يروى عن على رضي اللّه عنه قال: أوصانى النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) لا يغسله غيرى «فإنه لا يرى أحد عورتى إلا طمست عيناه» (3). وسطعت منه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ريح لم يجدوا مثلها قط. و كفن (صلّى اللّه عليه و سلّم) فى ثلاثة أثواب بيض سحولية من كرسف ليس فيها

____________

(1) راجع صفة الصفوة (1/ 118، 119).

(2) راجع سيرة ابن هشام (4/ 177)، و صفة الصفوة (1/ 119)، و البداية و النهاية (5/ 247).

(3) رواه البزار فى مسنده و البيهقى. و راجع البداية و النهاية (5/ 248) و قال ابن كثير: هذا حديث غريب جدّا.

321

قميص و لا عمامة (1)، و كان فى حنوطه (صلّى اللّه عليه و سلّم) المسك، ثم وضع على سريره فى بيته و دخل الناس يصلون عليه أرسالا أفذاذا الرجال ثم النساء ثم الصبيان، و لم يؤمهم أحد بوصية منه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال فيها: «أول من يصلى علىّ خليلى و حبيبى جبريل ثم ميكائيل ثم إسرافيل ثم ملك الموت مع ملائكة كثيرة». قيل: فعل ذلك (صلّى اللّه عليه و سلّم) ليكون كل منهم فى صلاة، و قيل:

ليطول وقت الصلاة فيلحق من يأتى من حول المدينة، و اختلفوا فى مكان دفنه فقائل يقول: بالبقيع، و قال قائل: عند منبره، و قال قائل: فى مصلاه، فجاء أبو بكر رضي اللّه عنه فقال: إن عندى من هذا خبرا و علما سمعت النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول: «ما قبض نبى إلا دفن حيث توفى» (2). فحول فراشه و حفر له موضعه/ [167/ ب‏]، و كان بالمدينة عبيدة بن الجراح يضرح كحفر أهل مكة، و كان أبو طلحة يلحد لأهل المدينة فبعث العباس خلفهما رجلين و قال: اللهم خر لرسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فجاء أبو طلحة فلحد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)(3)، و دفن (صلّى اللّه عليه و سلّم) من وسط الليل ليلة الأربعاء، و نزل قبره (صلّى اللّه عليه و سلّم) علىّ و العباس و قثم و الفضل ابنا العباس و شقران مولى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أوس بن خولى، و بسط شقران تحته فى القبر قطيفة حمراء كان يفرشها (صلّى اللّه عليه و سلّم)(4)، و قيل: كان يتغطى بها، و قيل: إن عبد الرحمن بن الأسود نزل معهم، و كذلك عبد الرحمن بن عوف، و أطبق أسامة على قبره (صلّى اللّه عليه و سلّم) سبع لبنات نصبن نصبا (5) و لما دفن (صلّى اللّه عليه و سلّم) جاءت فاطمة- رضى الله عنها- فوقفت على قبره و أخذت قبضة من تراب القبر فوضعته على عينها و بكت و أنشأت تقول:

ماذا على من شم تربة أحمد* * * أن لا يشم مدى الزمان غواليا

صبت علىّ مصائب لو أنها* * * صبت على الأيام عدن لياليا (6)

و توفيت بعده (صلّى اللّه عليه و سلّم) بستة أشهر (7)، و قيل ثمانية أشهر، و قيل: ثلاثة أشهر، و قيل:

سبعون يوما، و كان (صلّى اللّه عليه و سلّم) أخبرها أنها أول أهله لحوقا به فكانت كذلك، و قبض (صلّى اللّه عليه و سلّم) عن‏

____________

(1) البخارى: كتاب الجنائز- ح (1264- فتح)، و مسلم: كتاب الجنائز- ح (941).

(2) أورده ابن النجار بسنده (ص 204)، و البداية و النهاية (5/ 253)، و مثير الغرام (ص 483)، و أخرج نحوه الترمذى برقم (1018).

(3) راجع صفة الصفوة (1/ 119)، و البداية و النهاية (5/ 247).

(4) راجع سيرة ابن هشام (4/ 178، 179)، و البداية و النهاية (5/ 254).

(5) راجع الدرة الثمينة (ص 204).

(6) مثير الغرام لابن الجوزى (ص 489)، و الدرة الثمينة (ص 205).

(7) الدرة الثمينة (ص 205).

322

مائة ألف و أربعة و عشرين ألفا من الصحابة- (رضوان الله عليهم)- قاله أبو موسى، و قال أيضا: شهد مع رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) حجة الوداع أربعون ألفا من الصحابة/ [168/ أ] ممن روى عنه و سمع منه، و شهد معه تبوك سبعون ألفا.

ذكر وفاة أبى بكر الصديق رضي اللّه عنه‏

ذكر محمد بن جرير الطبرى: أن اليهود سمت أبا بكر فى أرزة. و قيل: أكل هو و الحارث ابن كلدة حريرة (1) أهديت لأبى بكر، فقال الحارث: أرفع يدى إن فيها لسمّ سنة، و أنا و أنت نموت فى يوم واحد عند انقضاء سنة (2). و قيل: توفى من لدغة الجريش ليلة الغار. و قيل: كان به طرف من السل قاله الزبير بن بكار، و مرض خمسة عشر يوما و كان فى داره التى قطع له رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و جاه دار عثمان رضي اللّه عنه، توفى رضي اللّه عنه بين المغرب و العشاء من ليلة الثلاثاء لثمان ليال بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة و هو الأشهر (3)، و قال بن إسحاق: توفى ليلة الجمعة لسبع ليال بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاثة عشر من الهجرة و هو الأشهر، و قيل: توفى فى جمادى الأولى حكاه الحاكم، و قيل: يوم الاثنين لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة، و كانت خلافته سنتين و ثلاثة أشهر إلا خمس ليال، و قيل: عشر ليال، و قيل: و ثمانية أيام، و قيل: و سبعة عشر يوما، استوفى بخلافته سن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و لما ولى الخلافه استعمل عمر بن الخطاب على الحج، ثم حج من قابل ثم أعتمر فى رجب سنة اثنتى عشر، و توفى أبو بكر قبل أبى قحافة فورث أبو قحافة منه السدس ورده على ولد أبى بكر، و مات أبو قحافة فى المحرم سنة أربع عشر من الهجرة و هو ابن سبع و تسعين سنة (4)، و غسلت أبا بكر رضي اللّه عنه زوجته أسماء بوصية منه و ابنه عبد الرحمن/ [168/ ب‏] يصب عليها الماء، و حمل على السرير الذى حمل عليه رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و صلى عليه عمر رضي اللّه عنه و جاءه المنبر، و دفن إلى جنب رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) بوصية منه، و ألصق لحده بلحد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و دخل قبره عمر و عثمان و طلحة و عبد الرحمن بن أبى بكر (5).

____________

(1) حريرة: طعام يطبخ بالدقيق و اللبن.

(2) صفة الصفوة لابن الجوزى (1/ 137)، و الدرة الثمينة (ص 206).

(3) راجع صفة الصفوة (1/ 139)، و الدرة الثمينة (ص 207).

(4) الدرة الثمينة (207).

(5) صفة الصفوة (1/ 139)، و الدرة الثمينة (ص 207).

323

ذكر وفاة عمر رضي اللّه عنه‏

يروى أنه خرج يطوف بالسوق بعد حجته فلقيه أبو لؤلؤة فيروز الفارسى غلام للمغيرة بن شعبة و كان نصرانيّا، و قيل: مجوسيّا، أعدا علىّ المغيرة بن شعبة فإنّ علىّ خراجا كثيرا، قال: فكم خراجك؟ قال: درهمان فى كل يوم، قال: فإيش صناعتك؟

قال: نقاش نجار حداد. قال: فما أرى خراجك كثير على ما تصنع من الأعمال، ثم قال له: و بلغنى أنك قلت: لو أردت أن أعمل رحى يتحدث بها من بين المشرق و المغرب ثم انصرف، فقال عمر: لقد توعدنى العلج‏ (1) آنفا، ثم أتى عمر منزله فجاءه كعب الأحبار فقال: يا أمير المؤمنين اعهد فإنك ميت فى ثلاثة أيام، فقال: و ما يدريك؟ فقال: أجد فى كتاب الله التوراة، فقال عمر: الله إنك لتجد عمر بن الخطاب فى التوراة، قال:

اللهم لا و لكن أجد صفتك و حليتك و إنه قد فنى أجلك، فلما كان من الغد جاءه كعب فقال: يا أمير المؤمنين ذهب يوم و بقى يومان، ثم جاءه بعد ذلك فقال: ذهب يومان و بقى يوم و ليلة و هى لك إلى صبحها، فلما كان الصبح خرج عمر إلى الصلاة و دخل أبو لؤلؤة فى الناس فى يده خنجر له رأسان نصابه فى وسطه فضرب عمر ست ضربات، إحداهن تحت سرته و هى التى قتلته و سقط عمر، و ظهر العلج لا يمر على أحد يمينا أو شمالا إلا طعنه حتى طعن ثلاثة عشر رجلا/ [169/ أ] مات منهم سبعة، و قيل: ستة، و طرح عليه رجل من المسلمين برنسا و احتضنه من خلفه فنحر العلج نفسه، و أخذ عمر بيد عبد الرحمن بن عوف فقدمه فصلى بالناس بقل هو الله أحد و قل يا أيها الكافرون، و حمل عمر إلى منزله و دخل عليه المهاجرون و الأنصار يسلمون عليه، و دخل فى الناس كعب فلما نظر إليه عمر أنشأ يقول:

و واعدنى كعب ثلاثا أعدها* * * و لا شك أن القول ما قاله كعب‏

و ما بى حذار الموت إنى لميت‏* * * و لكن حذار الذنب يتبعه ذنب‏

طعن يوم السبت غرة المحرم سنة أربع و عشرين بعد حجة تلك السنة، و قيل: طعن يوم الاثنين لأربع ليال بقين من ذى الحجة سنة ثلاث و عشرين، و قيل: لثلاث ليال بقين من ذى الحجة، و بقى ثلاثة أيام بعد الطعنة ثم توفى، و استأذن عائشة- رضى الله عنها- أن يدفن مع صاحبيه فأذنت له، و قالوا له: أوصى استخلف، فقال:

ما أجد أحدا أولى و لا أحق بهذا الأمر من هولاء النفر الذى توفى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو عنهم راض فسمى عثمان و عليّا و الزبير و طلحة و سعدا و عبد الرحمن بن عوف فهم أهل‏

____________

(1) العلج: الواحد من كفار العجم.

324

الشورى، و توفى و سنه يومئذ ثلاث و ستون سنة، و قيل: ستون. و قيل: ستون. و قيل: إحدى و ستون، و قيل: ست و ستون، و قيل: خمس و ستون، و قيل: خمس و خمسون، و نزل قبره عثمان و علىّ و عبد الرحمن بن عوف و الزبير و سعد ابن أبى وقاص، و قيل: صهيب و ابنه عبد الله ابن عمر عوضا عن الزبير و سعد، تولى الخلافة سنة ثلاث عشرة من الهجرة لثمان بقين من جمادى الآخرة و قيل: بويع له فى رجب، و قيل: فى ذى الحجة من السنة المذكورة فكانت مدة خلافتة عشر [169/ ب‏] سنين و ستة أشهر و أربعة أيام‏ (1)، و لما دفن عمر رضي اللّه عنه قالت عاتكة ابنة زيد بن عمرو بن عقيل امرأة عمر بن الخطاب ترثيه:

و فجعنى فيروز لا در دره‏* * * بأبيض تال للكتاب منيب‏

رؤوف على الأدنى غليظ على العدا* * * أخا ثقة فى النائبات نجيب‏

متى ما يقل لا يكذب القول فعله‏* * * سريع إلى الخيرات غير قطوب‏

و عاتكة امرأته تزوجها عبد الله بن أبى بكر فقتل عنها ثم عمر فقتل عنها ثم الزبير فقتل عنها ثم توفيت سنة إحدى و أربعين، و لما دفن رضي اللّه عنه لزمت عائشة ثيابها الدرع و الخمار و الإزار و قالت: إنما كان أبى و زوجى فلما دخل معهما غيرهما لزمت ثيابى، و ابتنت حائطا بينها و بين القبور و بقيت فى بقية البيت من جهة الشام، و يروى عنها- رضى الله عنها- أنها رأت فى المنام أنه سقط فى حجرها- و روى فى حجرتها ثلاثة أقمار- فذكرت ذلك لأبى بكر فقال: خيرا. قال يحيى: فسمعت بعد ذلك أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) لما دفن فى بيتها، قال أبو بكر: هذا أحد أقمارك يا بنية و هو خيرها (2).

قال عفيف الدين المرجانى فى فضائل عمر رضي اللّه عنه: عن ابن عباس قال: رأيت عمر رضي اللّه عنه فى المنام بعد وفاته فقلت له: يا أمير المؤمنين من أين أقبلت؟ قال: من حضرة ربى- عزوجل-، فسألته ماذا فعل الله بك؟ فقال: أوقفنى بين يديه فسألنى ثم قال: يا عمر تناديك امرأة على شاطئ الفرات فأهلك من شاها شاة تقول: و اعمراها و اعمراها تستغيث بك فلا تجيبها. فقلت: و عزتك و جلالك ما علمت بذلك و أنت أعلم منى، فقال لى: و قد كان يجب عليك، و إنى أرعد من تلك المسألة إلى هذا/ [170/ أ] الوقت، قال ابن عباس: ثم ماذا قال؟ قال: رددت إلى مضجعى فهبط علىّ منكر و نكير فقالا لى:

من ربك؟ و من نبيك؟ فقلت لهما: أما تستحيان منى و لمثلى تقولان هذا و جذبتهما إلىّ، و قلت: الله ربى و ضجيعى نبى و أنتما من ربكما؟ فقال نكير لمنكر: و الله يا أخى ما

____________

(1) راجع صفة الصفوة (1/ 150)، و الدرة الثمينة (ص 208- 210).

(2) راجع الدرة الثمينة (ص 210، 211).

325

ندرى نحن المبعوثون إلى عمر أم عمر المبعوث إلينا، فرفع رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) رأسه من لحده فقال لهما: «هو عمر بن الخطاب هو أعرف بربه منكما».

ما جاء أن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أبا بكر و عمر- رضى الله عنهما- و عيسى- (عليه السلام)- خلقوا من طينة واحدة و أن كل مخلوق يدفن فى تربته التى خلق منها

عن أنس بن يحيى قال: لقى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) جنازة فى بعض سكك المدينة فسأل عنها فقالوا: فلان الحبشى فقال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «سيق من أرضه و سمائه إلى التربة التى خلق منها» (1). قال الحافظ محب الدين بن النجار: فعلى هذا طينة النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) التى خلق منها من المدينة، و طينة أبى بكر و عمر- رضى الله عنهما- من طينة النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هذه منزلة رفيعة (2). و فى قوله تعالى: مِنْها خَلَقْناكُمْ وَ فِيها نُعِيدُكُمْ وَ مِنْها نُخْرِجُكُمْ‏ (3).

إشارة إلى رد الإنسان إلى طينة المبدأ التى منها النشأة الأولى، فالإنسان يدفن فى مكان أخذ تربته على حد الموازنة، فلا يقال لأهل البقيع إنهم من تربة النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و إنما لهم شركة فى الأرض المأخوذ منها، دليله ما روى عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «ما من مولود إلا و فى سرته من تربته التى يخلق منها، فإذا/ [170/ ب‏] رد إلى أرذل العمر رد إلى تربته التى خلق منها حتى يدفن فيها، و إنى و أبا بكر و عمر خلقنا من تربة واحدة و فيها ندفن». انتهى. و من دفن منه جزء بأرض و دفن جزء آخر بأرض أخرى يمكن أن يقال خلق من تربتين من أرضين، و قيل: لا يمكن و ليست تربته إلا ما حازت عجب الذنب منه؛ لأنها فيما يظهر تربة حفرته بدليل بقائها و منها ينبت فى النشأة الثانية كذا ذكره عفيف الدين المرجانى.

قال أهل السير: و فى بيت عائشة- رضى الله عنها- موضع قبر فى السهوة الشرقية، قال سعيد بن المسيّب: فيه يدفن عيسى ابن مريم- (عليه السلام)- مع النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم)

و عن عبد الله بن سلام عن أبيه عن جده قال: يدفن عيسى ابن مريم مع النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و صاحبيه- رضى الله عنهما-، و يكون قبره الرابع‏ (4) فعلى هذا فطينته من طينتهم.

و عن أبى هريرة رضي اللّه عنه قال: قال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «إذا أهبط الله المسيح فيعيش‏

____________

(1) أورده ابن النجار بسنده: الدرة الثمينة (ص 211).

(2) الدرة الثمينة (ص 211).

(3) سورة طه: الآية (55).

(4) الدرة الثمينة (211).

326

فى هذه الأمة ما يعيش فيموت بمدينتى هذه، و يدفن إلى جانب قبر عمر، فطوبى لأبى بكر و عمر يحشران بين نبيين» فانظر إلى هذا الفضل العظيم و عن هارون بن موسى العروى‏ (1). قال: سمعت جدى أبا علقمة سئل كيف كان الناس يسلمون على النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) قبل أن يدخل البيت فى المسجد؟ فقال: كان يقف الناس عند باب البيت يسلمون عليه، و كان الباب ليس عليه غلق حتى هلكت عائشة- رضى الله عنها- و قيل: كان الناس يأخذون من تراب قبر النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) فأمرت عائشة- رضى الله عنها- بجدار فضرب عليهم‏ (2). و يروى أن امرأة قالت لعائشة: اكشفى‏ (3)/ [171/ أ] لى قبر رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فكشفته لها فبكت حتى ماتت.

ما جاء فى صفة وضع القبور المقدسة و صفة الحجرة الشريفة

سبب الاختلاف فى ذلك شدة هيبة تلحق الناظر فتزيل منه كيفية التمييز، كما سئل بعض من نزل الحجرة المقدسة لسبب يأتى فقال: لا أدرى ما رأيت.

عن عمر بن بطاس‏ (4) قال: رأيت قبر النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) لما هدم عمر بن عبد العزيز عنه البيت مرتفعا نحوا من أربع أصابع عليه حصباء إلى الحمرة ما هى‏ (5)، و رأيت قبر أبى بكر رضي اللّه عنه وراء قبر النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و رأيت قبر عمر أسفل منه، و هذه صفته‏ (6):

قبر النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) قبر أبى بكر رضي اللّه عنه قبر عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه‏

و عن عائشة- رضى الله عنها- قالت: رأس النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) مما يلى المغرب، و رأس أبى بكر عند رجل النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و عمر خلف ظهر النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هذه صفته‏ (7):

____________

(1) فى الدرة الثمينة: «العروبى».

(2) الدرة الثمينة (ص 211).

(3) جاءت فى الأصل مكررة.

(4) فى الدرة الثمينة: «عثمان بن نطاس».

(5) فى الدرة الثمينة: «مائلة»، و هى الصواب، و الله أعلم.

(6) الدرة الثمينة (ص 212).

(7) الدرة الثمينة (ص 212).

327

قبر النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) عمر رضي اللّه عنه أبو بكر رضي اللّه عنه‏ و عن نافع بن أبى نعيم: أن صفة قبر النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و قبر أبى بكر و عمر- رضى الله عنهما- قبر النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) أمامهما إلى القبلة مقدما، ثم قبر أبى بكر حذاء منكبى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و قبر عمر حذاء منكبى أبى بكر- رضى الله عنهما- و هذه صفته‏ (1)/ [171/ ب‏]:

قبر النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) قبر أبو بكر رضي اللّه عنه قبر عمر رضي اللّه عنه‏ و عن القاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق رضي اللّه عنه قال: دخلت على عائشة- رضى الله عنها- فقلت: يا أمه أرينى قبر النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و صاحبيه- رضى الله عنهما- فكشفت لى عن قبورهم فإذا هى لا مرتفعة و لا لاطئة مبطوحة بيضاء (2) حمراء من بطحاء العرصة، و إذا قبر النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) أمامها، [و] (3) رجلا أبى بكر عند رأس النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و رأس عمر عند رجلى النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و هذه صفته‏ (4):

النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) أبو بكر رضي اللّه عنه عمر رضي اللّه عنه‏ و روى ابن المنكدر بن محمد عن أبيه قال: قبر رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و قبر أبى بكر خلفه، و قبر عمر عند رجل النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و هذه صفته‏ (5):

النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) أبو بكر رضي اللّه عنه عمر رضي اللّه عنه/ [172/ أ] و عن عبد الله بن محمد بن عقيل قال: خرجت فى ليلة مطيرة إلى المسجد حتى إذا كنت عند دار المغيرة بن شعبة لقيتنى رائحة و الله ما وجدت مثلها قط، فجئت المسجد

____________

(1) الدرة الثمينة (ص 212).

(2) هكذا فى الأصل، و فى البداية و النهاية: «ببطحاء».

(3) ليست فى الأصل، و السياق يقتضى وضعها. و الله أعلم.

(4) راجع البداية و النهاية و قد عزاه إلى أبى داود و الحاكم و البيهقى (5/ 258)، و الدرة الثمينة (ص 213).

(5) الدرة الثمينة (ص 213).

328

فبدأت لقبر النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) فإذا جداره قد انهدم، فدخلت فسلمت على النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و مكثت فيه مليّا، و رأيت القبور فإذا قبر رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و قبر أبى بكر عند رجليه، و قبر عمر عند رجلى أبى بكر- رضى الله عنهما-، و هذه صفته‏ (1):

النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) أبو بكر رضي اللّه عنه عمر رضي اللّه عنه‏ و على هذه الصفة المذكورة روى عن عبد الله بن الزبير أيضا، و قد اختلفت الرواية فى قبره (صلّى اللّه عليه و سلّم) هل هو مسنم أو مسطح؟ فروى الوصفان جميعا (2)، و المسنم المرتفع، و كذلك اختلفوا فى قبر ضجيعيه- رضى الله عنهما-.

قال الحافظ محب الدين: و سقط جدار حجرة النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) الذى يلى موضع الجنائز فى زمان عمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه، فظهرت القبور فأمر عمر بن عبد العزيز بقباطى فخيطت ثم ستر الموضع، و أمر ابن وردان أن يكشف عن الأساس فبينما هو يكشفه إذ رفع يده و تنحى، فقام عمر بن عبد العزيز فزعا فرأى قدمين و رأى الأساس و عليها السعد (3)، فقال له عبد الله بن عبد الله بن عمر رضي اللّه عنه: أيها الأمير لا يروعك فهما قدما جدك عمر بن الخطاب ضاق البيت عنه، فحفر له فى الأساس، فقال له/ [172/ ب‏] ابن وردان: غط ما رأيت ففعل‏ (4).

و عن هشام بن عوف‏ (5) عن أبيه قال: لما سقط الحائط فى زمن الوليد أخذوا فى بنيانه، فبدت لهم قدم ففزعوا و ظنوا أنها قدم النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) حتى قال لهم عروة: لا و الله ما هى قدم النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم)، ما هى إلا قدم عمر (6). و أمر عمر بن عبد العزيز أبا حفصة مولى عائشة- رضى الله عنها- و ناسا معه فبنوا الجدار و جعلوا فيه كوة فلما فرغوا منه و ربعوه‏ (7)، دخل مزاحم مولى عمر رضي اللّه عنه فقم ما سقط على القبر من التراب و الطين و نزع‏

____________

(1) الدرة الثمينة (ص 213).

(2) راجع مثير الغرام (ص 484)، و البداية و النهاية (5/ 258)، و فتح البارى (3/ 255).

(3) هكذا فى الأصل، و فى الدرة الثمينة: «و عليها الشعر». و الله أعلم.

(4) الدرة الثمينة (ص 214).

(5) هكذا فى الأصل، و الصواب: «هشام عن عروة». و الله أعلم.

(6) البداية و النهاية (5/ 258)، و عزاه للبخارى، و الدرة الثمينة (ص 214).

(7) هكذا فى الأصل، و فى الدرة الثمينة: «و رفعوه».

329

القباطى‏ (1). قال الحافظ محب الدين: و بنى عمر بن عبد العزيز على حجرة النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) حائطا و لم يوصله إلى السقف بل دونه بمقدار أربعة أذرع و أدار عليها شباكا من خشب‏ (2).

قال الشيخ جمال الدين: و بعد احتراق المسجد أعيد الشباك كما كان أولا، و هو يظهر اليوم لمن تأمله من تحت الكسوة، و أدخل عمر بن عبد العزيز بعض بيت فاطمة- رضى الله عنها- من جهة الشمال فى الحائز الذى بناه بحرفاء يلتقى على ركن واحد كما سنبينه، فصار لها ركن خامس؛ لئلا تكون الحجرة الشريفة مربعة كالكعبة، فتتصور جهال العامة أن الصلاة إليها كالصلاة إلى الكعبة، و بقى بقية من البيت من جهة الشمال و فيه اليوم صندوق مربع من خشب فيه إسطوان و خلفه محراب‏ (3).

قال الحافظ محب الدين: لما ولى المتوكل الخلافة أمر إسحاق بن سلمة و كان على عمارة الحرمين من قبله بأن تؤزر الحجرة المقدسة بالرخام من حولها ففعل، و لم يزل إلى سنة ثمان و أربعين و خمسمائة فى خلافة/ [173/ أ] المقتفى، فجدد تأزيرها جمال الدين الأصبهانى و جعل الرخام حولها قامة و بسطة، و هو الذى عمل الشباك الدائر بالحجرة المقدسة اللاصق بالسقف و هو الذى احترق و كان من خشب الصندوق‏ (4) و الأبنوس مكتوبا بأقطاع الخشب الأراونك سورة الإخلاص صنعة بديعة، و لم تزل حتى عمل لها الحسين بن أبى الهيجاء صهر الملك الصالح ستارة، و عليها الطرز و الجامات المرقومة بالإبريسم، و أدار عليها إزارا من الإبريسم مكتوبا فيه سورة يس فعلقها نحو العامين، ثم جاءت من الخليفة ستارة فنفذت تلك المتقدمة إلى مشهد علىّ بالكوفة و علقت هذه عوضها، فلما ولى الإمام الناصر لدين الله نفذ ستارة أخرى فعلقت فوق تلك المذكورة، فلما حجت الخليفة (5) أم الخليفة و عادت [إلى‏] (6) العراق نفذت ستارة فعلقت على الستارتين‏ (7) قال ابن النجار:

ففى يومنا هذا عليها ثلاث ستائر، ثم قال- (رحمه الله)-: و اليوم فى رصف سقف المسجد الذى بين الحجرة و القبلة نيّف و أربعون قنديلا كبارا و صغارا من الفضة المنقوشة

____________

(1) الدرة الثمينة (ص 214).

(2) الدرة الثمينة (ص 214).

(3) التعريف بما آنست الهجرة (ص 46).

(4) هكذا فى الأصل، و فى الدرة الثمينة: «الصندل».

(5) فى الدرة: «الجهمة».

(6) ليست فى الأصل، و السياق يقتضى وضعها. و الله أعلم.

(7) الدرة الثمينة (ص 214، 215).

330

و السادج، و فيها اثنان بلور و واحد ذهب و فيها قمر (1) فضة مغموس فى الذهب نفذتها الملوك و أرباب الأموال‏ (2). قال المرجانى: و هى إلى الآن باقية.

قال المطرى: و لم يكن على الحجرة الشريفة قبة، بل كان ما حول حجرة النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) حصيرا فى السطح مبنيا بالآجر مقدار نصف قامة، يميز الحجرة عن السطح إلى سنة ثمان و سبعين و سبعمائة فى دولة السلطان الملك المنصور قلاوون عمل هذه القبة، و هى أخشاب أقيمت و سمر عليها ألواح خشب ثم ألواح رصاص، و عمل/ [173/ ب‏] مكان الحصير شباكا من خشب و تحته بين السقفين أيضا شباكا خشب تحكيه، و فى سقف الحجرة الشريفة بين السقفين ألواح خشب سمر بعضها إلى بعض، و سمر عليها ثوب مشمع، و هناك طابق مقفل إذا فتح كان النزول منه إلى ما بين حائط بيت النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و بين الحائز الذى بناه عمر بن عبد العزيز (3)، قال: و كما حج السلطان الملك الظاهر فى سنة سبع و ستين و ستمائة اقتضى رأيه أن يدير على الحجرة الشريفة درابزينا، فقاس ما حولها بيده و عمل الدرابزين الموجود اليوم، و أرسله فى سنة ثمان و ستين و أداره عليها، و فيه ثلاثة أبواب قبلى و شرقى و غربى، و نصبه ما بين الأساطين التى تلى الحجرة الشريفة إلا من ناحية الشمال، فإنه زاد فيه إلى متهجد النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و ظن ذلك زيادة حرمة للحجرة المقدسة، فحجر طائفة من الروضة مما يلى بيت النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) فلو كان ما حجره عكس، و جعل من الناحية الشرقية و ألصق الدرابزين بالحجرة مما يلى الروضة لكان أخف؛ إذ الناحية فيه ليست من الروضة و لا من المسجد القديم، بل مما زيد فى أيام الوليد (4)، ثم قال: و لم يبلغنى أن أحدا أنكر ذلك و لا ألقى إليه بالا، و هذا من أهمّ ما ينظر فيه، و كان الدرابزين الذى عمل الملك الظاهر نحو القامتين، فلما كان فى تاريخ سنة أربع و تسعين و ستمائة زاد عليه الملك العادل زين الدين كتبغا شباكا دائرا عليه و رفعه حتى أوصله السقف‏ (5)، قال (رحمه الله): و مما أحدث فى صحن المسجد الشريف قبة كبيرة عمرها الإمام الناصر/ [174/ أ] لدين الله فى سنة سبعين و خمسمائة؛ لحفظ حواصل الحرم و ذخائره، مثل المصحف العثمانى، و لما احترق المسجد سلم ما فيها ببركة المصحف‏

____________

(1) فى الدرة: «قصر».

(2) الدرة الثمينة (215).

(3) التعريف بما آنست به الهجرة (ص 47).

(4) التعريف بما آنست به الهجرة (ص 47).

(5) التعريف بما آنست به الهجرة (ص 47).

331

الكريم، و لكونها فى وسط المسجد، و مما أحدث أيضا فى الصخرة من جهة القبلة رواقان أمر بإنشائهما السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون فى سنة تسع و عشرين و سبعمائة، فاتصل ظل السقف القبلى بهما و عم نفعهما، و هما المقوس أعلاهما و أزيلت المقصورة التى كانت تظل الحجرة الشريفة للاستغناء عنها بهما. و كان المتسبب فى إزالتها إمام المدينة الشريفة شرف الدين أبو الفتح محمد بن محمد بن أحمد الأسيوطى، و ذلك لأنها كانت يجتمع فيها أهل البدع و كانت لهم كالمجتهد فاجتهد فى إزالتها و هدمها ليلا و أدخلها فى الحجرة الشريفة، فتربعت الحجرة الشريفة و ذلك فى أواخر سنة ثمان و عشرين و سبعمائة، توفى- (رحمه الله)- يوم الرابع و العشرين من صفر سنة خمس و أربعين و سبعمائة، و هذه صفة (1) مثال الحائز الذى بناه عمر بن عبد العزيز و صفة حجرة النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) فى وسطه‏ (2).

/ [174/ ب‏].

قال الحافظ محب الدين: و اعلم أن فى سنة ثمان و أربعين و خمسمائة سمعوا صوت هدّة فى الحجرة المقدسة، و كان الأمير يومئذ قاسم بن مهنا الحسينى فأخبروه بالحال فقال:

ينبغى أن ينزل شخص لينظر ما هذه الهدة، فلم يجدوا أمثل حالا من الشيخ عمر النشائى شيخ شيوخ الصوفية بالموصل، فاعتذر لمرض كان به يحتاج إلى الوضوء فى غالب الأوقات، فألزموه فامتنع من الأكل و الشرب مدة، و سأل النبى‏ (3) (صلّى اللّه عليه و سلّم) إمساك المرض عنه بقدر ما يبصر و يخرج، و نزل بحبال من بين السقفين و معه شمعة، و دخل إلى الحجرة فرأى شيئا من السقف قد وقع على القبور المقدسة فأزاله و كنس التراب بلحيته، و أمسك الله عنه الداء بقدر ما خرج و عاد إليه، توفى الشيخ عمر بمكة بعد نزوله بتسع سنين فى سنة ست و خمسين و خمسمائة، و كذلك أيضا فى سنة أربع و خمسين و خمسمائة فى أيام قاسم المذكور وجد فى الحجرة الشريفة رائحة منكرة، فذكروه للأمير فأمرهم بالنزول، فنزل الطواشى بيان الأسود أحد خدام الحجرة الشريفة، و نزل معه الصّفى الموصلى متولى عمارة المسجد، و هارون الشادى الصوفى بعد أن بذل جملة من المال للأمير فى ذلك، فوجدوا هرّا قد هبط من الشباك الذى فى أعلى الحائز (4) بين الحائز و بين بيت النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) فأخرجوه و طيبوا مكانه، و كان نزولهم يوم السبت الحادى عشر من ربيع الآخرة (5).

____________

(1) هذا الوصف غير واضح بالأصل.

(2) التعريف بما آنست به الهجرة (ص 48).

(3) فى الدرة الثمينة: «و سأل الله تعالى»، و هو الصواب. و الله أعلم.

(4) فى الدرة: «الحاجز بين الحجرة و المسجد».

(5) الدرة الثمينة (ص 217).

332

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

333

الفصل التاسع فى حكم زيارة رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و فضلها و كيفيتها و كيفية زيارة ضجيعيه‏

- رضى الله عنهما- و كيفية السلام عليه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حال الزيارة/ [175/ أ] و السلام على ضجيعيه و التوسل به إلى الله عزوجل و إثبات حياته و بقاء حرمته (صلّى اللّه عليه و سلّم) بعد وفاته و ذكر ما روى فى الحجرة الشريفة من العجائب و شوهد فيها من الغرائب‏

334

ذكر حكم زيارة النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و فضلها

إذا انصرف الحجاج و المعتمرون عن مكة المشرفة يستحب لهم استحبابا مؤكدا أن يتوجهوا إلى مدينة سيدنا رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)؛ للفوز بزيارته، فإنها من أعظم القربات و أرجى الطاعات و الحج المتاعى، «و فى شرح المختار» (1): لما جرى الرسم أن الحاج إذا فرغوا من مناسكهم و قفلوا عن المسجد الحرام قصدوا المدينة زائرين قبر النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم)، إذ هى من أفضل المندوبات و المستحبات، بل تقرب من درجة الواجب، فإنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حرض عليها و بالغ فى الندب إليها، أحببت أن أذكر فيها فصلا أذكر فيه نبذا من الآداب و ذكرها.

و فى مناسك الفارسى: أنها قريبة إلى الواجب فى حق من كان له سعة. و ممن صرح باستحبابها و كونها سنة من الشافعية فى أواخر باب أعمال الحج الغزالى فى «الإحياء» (2) و البغوى فى «التهذيب» و الشيخ عز الدين بن عبد السلام فى «مناسكه»، و أبو عمرو بن الصلاح و أبو زكريا النووى‏ (3)- رحمهم الله تعالى-، و من الحنابلة الشيخ موفق الدين و الإمام أبو الفرج البغدادى و غيرهم، و أما المالكية فقد حكى القاضى عياض منهم الإجماع على ذلك، و فى «تهذيب الطالبين» لعبد الحق عن الشيخ ابن عمران المالكى: أن زيارة قبر النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) واجبة، قال عبد الحق: يعنى من السنن الواجبة، و فى كلام العبدى المالكى فى «شرح الرسالة»: أن/ [175/ ب‏] المشى إلى المدينة لزيارة قبر النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) أفضل من الكعبة و من بيت المقدس. و أكثر عبارات الفقهاء أصحاب المذاهب تقتضى استحباب السفر للزيارة؛ لأنهم استحبوا للحاج بعد الفراغ من الحج الزيارة و من ضرورتها السفر و أما نفس الزيارة فالأدلة عليها كثيرة و منها: قوله تعالى: وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ‏ (4) .. الآية. و لا شك أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حى و أن أعمال أمته معروضة عليه. و منها: حديث ابن عمر المذكور فى باب الفضائل يرفعه:

«من زار قبرى وجبت له شفاعتى» (5). رواه الدارقطنى و ابن أبى الدنيا و ابن خزيمة و البيهقى فى «الشعب». و فى لفظ: «من جاءنى زائرا لم تنزعه حاجة إلا زيارتى كان‏

____________

(1) الاختيار فى تعليل المختار (1/ 226).

(2) الإحياء (1/ 308).

(3) راجع الإيضاح فى مناسك الحج (ص 156).

(4) سورة النساء: الآية (64).

(5) أخرجه الدارقطنى: سننه (2/ 217)، و مثير الغرام (ص 486)، و ابن النجار بسنده: الدرة الثمينة (ص 221). و رمز له السيوطى بالضعف.

335

حقا علىّ أن أكون له شفيعا يوم القيامة» (1). كذا فى الخلعيات، و عند أبى يعلى الموصلى بلفظ: «من زارنى بعد وفاتى عند قبرى فكأنما زارنى فى حياتى» (2). و فى لفظ الدارطنى:

«كان كمن زارنى فى حياتى و صحبنى» (3). و فى لفظ: «من زارنى محتسبا إلى المدينة كان فى جوارى يوم القيامة» (4). ذكره البيهقى و ابن الجوزى و غيرهما. و عند ابن عدى عن ابن عمر يرفعه: «من حج البيت و لم يزرنى فقد جفانى» (5). و ذكره ابن الجوزى فى الموضوعات و هو غير جيد، لأن ابن عدى لما رواه بين سنده و حكم بأنه جيد، و الدارقطنى لما رواه فى «غريب مالك» قال: تفرد به هذا الشيخ- يعنى النعمان بن سبل- و هو منكر، و لا يلزم من هذا أن يكون المتن منكرا، و فى البيهقى فى «السنن الكبير» و فى الثانى من فوائد الحافظ أبى الفتح الأزدى عن ابن مسعود يرفعه: «من حج/ [176/ أ] حجة الإسلام و زار قبرى و غزا غزوة و صلى علىّ من بيت المقدس لم يسأله الله تعالى فيما افترض عليه». و فى «الدرة الثمينة» لابن النجار عن أنس يرفعه: «ما من أحد من أمتى له منعة لم يزرنى فليس له عذر» (6). و قد تقدم فى باب الفضائل الأحاديث الواردة فى فضل زيارة القبر المقدس قوله فى الحديث: «وجبت له شفاعتى» معناه حققت و ثبتت و لزمت و إنه لا بد منها بوعده (صلّى اللّه عليه و سلّم) تفضلا منه.

قال الشيخ تقى الدين السبكى و قوله: «وجبت له» إما أن يكون المراد له بخصوصية بمعنى أن الزائرين يخصون بشفاعة لا تحصل لغيرهم عموما و لا خصوصا، و إما أن يكون المراد أنهم يفردون بشفاعة مما يحصل لغيرهم و يكون إفرادهم بذلك تشريفا و تنويها بسبب الزيارة، و إما أن يكون المراد أنه ببركة الزيارة يجب دخوله فى عموم من تناله الشفاعة، و فائدة ذلك البشرى بأنه يموت مسلما و على هذا التقدير الثالث يجب إجراء اللفظ على عمومه؛ لأننا لو أضمرنا فيه شرطا لو مات على الإسلام لم يكن لذكر الزيارة معنى؛

____________

(1) أورده ابن النجار بسنده: الدرة الثمينة (ص 221).

(2) أخرجه البيهقى (5/ 246)، و الدارقطنى (2/ 217)، و مثير الغرام (ص 486)، و ابن النجار فى الدرة الثمينة (ص 221). و قال البيهقى: تفرد به حفص بن سليمان و هو ضعيف.

(3) أورده ابن النجار بسنده عن ابن عمر: الدرة الثمينة (ص 221).

(4) البيهقى فى الشعب ح (4157)، و تنزيه الشريعة (2/ 176)، و مثير الغرام (ص 487). بلفظ: «كنت له شهيدا و شفيعا يوم القيامة».

(5) أخرجه الدارقطنى (2/ 217)، و ابن النجار: الدرة الثمينة (ص 221).

(6) الدرة الثمينة (ص 221).

336

لأن الإسلام وجه كاف فى نيل هذه الشفاعة و على التقديرين الأولين يصح هذا الإضمار، فالحاصل أن أثر الزيارة إما الوفاة على الإسلام مطلقا لكل زائره و كفى بها نعمة، و إما شفاعة خاصة بالزائر أخص من الشفاعة العامة. و قوله: شفاعتى فى الإضافة إليه تشريف لها فإن الملائكة و الأنبياء و المؤمنين يشفعون و الزائر لقبره (صلّى اللّه عليه و سلّم) له نسبة خاصة منه يشفع فيه/ [176/ ب‏] هو بنفسه و الشفاعة تعظم بعظم الشافع فكما أن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) أفضل من غيره كذلك شفاعته أفضل من شفاعة غيره. انتهى كلام السبكى.

و منها: أن نبينا (صلّى اللّه عليه و سلّم) أحياه الله بعد موته حياة تامة و استمرت تلك الحياة إلى الآن، و هى مستمرة إلى يومة القيامة إن شاء الله تعالى، و يشاركه فى ذلك جميع الأنبياء عليهم الصلاة و السلام، و الدليل على ذلك أمور أحدها: قوله تعالى: وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ‏ (1). و الشهادة حاصلة له (صلّى اللّه عليه و سلّم) على أتم الوجوه؛ لأنه شهيد الشهداء، قال الله تعالى: وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً (2). و إن توهم أن ذلك من خصائص القتل، فقد حصل له ذلك أيضا من أكلة خيبر، صرح ابن عباس و ابن مسعود و غيرهما بأنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) مات شهيدا. ثانيها: حديث أنس يرفعه: «الأنبياء أحياء فى قبورهم يصلون» (3). و فى لفظ عند البيهقى: «الأنبياء لا يتركون فى قبورهم بعد أربعين ليلة و لكنهم يصلون بين يدى الله عزوجل حتى ينفخ فى الصور». ثالثها: حديث أنس عند مسلم: «أتيت على موسى ليلة أسرى بى و هو قائم يصلى فى قبره» (4). رابعها: حديث الإسراء و رؤيته الأنبياء و ذكره لكل أحد أنه على صورة كذا و بهيئة كذا و مستند إلى البيت المعمور، و أمثال ذلك دلائل قاطعة على أنهم أحياء بأجسادهم. خامسها: حديث أوس بن أوس «إن الله حرم على الأرض أن/ [177/ أ] تأكل أجساد الأنبياء» (5). و فيه دليل واضح و قد ذهب إلى ما ذكرنا دليله و أوضحنا حجته جماعة من أهل العلم و صرحوا به، منهم الإمام البيهقى و الأستاذ أبو

____________

(1) سورة آل عمران: الآية (169).

(2) سورة البقرة: الآية: (143).

(3) أخرجه أبو يعلى فى مسنده، و رمز له السيوطى بالحسن.

(4) مسلم: كتاب الفضائل- باب فضائل موسى ح (2375).

(5) أخرجه أبو داود: كتاب الجمعة ح (1047)، و النسائى: فى كتاب الجمعة (3/ 91- 92)، و ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة ح (1085). و صححه الحاكم و وافقه الذهبى، و حسنه المنذرى و ابن حجر.

337

القاسم القشيرى و أبو حاتم بن حبان و أبو طاهر الحسين بن على الأردستانى، و صرح به أبو عمرو بن الصلاح و محيى الدين النووى و الحافظ محب الدين الطبرى و غيرهم.

و أما حديث: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» (1). فلا دلالة فيه على النهى عن الزيارة، بل هو حجة فى ذلك، و من جعله دليلا على حرمة الزيارة فقد أعظم الجرأة على الله و على رسوله، و فيه برهان قاطع على غباوة قائله، و قصوره عن ذوق صافى العلم، و قصوره عن نيل درجة كيفية الاستنباط و الاستدلال، و الحديث فيه دليل على استحباب الزيارة من وجهين؛ الأول: أن موضع قبره الشريف أفضل بقاع الأرض، و هو (صلّى اللّه عليه و سلّم) أفضل الخلق و أكرمهم على الله تعالى؛ لأنه لم يقسم بحياة أحد غيره، و أخذ الميثاق من الأنبياء بالإيمان به و بنصره، كما فى قوله تعالى: وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَ حِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ .. (2) الآية. و شرفه بفضله على سائر المرسلين و كرمه؛ بأن ختم به النبيين و رفع درجته فى عليين، فإذا تقرر أنه أفضل المخلوقين و أن تربته أفضل بقاع الأرض، استحب شد الرحال إليه و إلى تربته بطريق الأولى. الوجه الثانى: أنه استحب شد الرحال إلى مسجد المدينة، و لا يتصور من المؤمنين المخلصين انفكاك قصده عنه (صلّى اللّه عليه و سلّم)/ [177/ ب‏]، و كيف يتصور أن المؤمن المعظم قدر النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) يدخل مسجده و يشاهد حجرته و يتحقق أنه يسمع كلامه ثم بعد ذلك يسعه أن لا يقصد الحجرة و القبر، و يسلم على رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، هذا مما لا خفاء فيه على أحد، و كذلك لو قصد زيارة قبره لم ينفك قصده عن قصده المسجد، و من الدليل على الزيارة الأحاديث الكثيرة الصحيحة فى فضل زيارة الإخوان فى الله، فزيارة النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) أولى و أولى. و منها: أن حرمته (صلّى اللّه عليه و سلّم) واجبة حيا و ميتا، و لا شك أن الهجرة إليه كانت فى حياته من أهم الأشياء فكذا بعد موته. و منها: الأحاديث الدالة على استحباب زيارة القبور، و هذا فى حق الرجال مجمع عليه، و فى حق النساء فيه خلاف، هذا فى غير قبر النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم)؛ و أما زيارة قبره (صلّى اللّه عليه و سلّم) فالإجماع على استحبابها للرجال و النساء. و منها: أن الإجماع على جواز شد الرحال للتجارة و تحصيل المصالح الدنيوية فهذا أولى؛ لأنه من أعظم المصالح الأخروية. و منها: إجماع الناس العملى على زيارته (صلّى اللّه عليه و سلّم) و شد الرحال إليه بعد الحج، من بعد وفاته إلى زماننا هذا. و منها: الإجماع القولى. قال‏

____________

(1) تقدم تخريجه.

(2) سورة آل عمران: الآية (81).

338

القاضى عياض: زيارة قبره (صلّى اللّه عليه و سلّم) سنة من المسلمين مجمع عليها (1).

و أما الآثار فكثيرة جدّا، عن يزيد المهدى قال: لما ودعت عمر بن عبد العزيز قال:

إنى لى إليك حاجة. قلت: يا أمير المؤمنين كيف ترى حاجتك عندى؟ قال: إنى أراك إذا أتيت المدينة سترى قبر النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) فأقرئه منى السلام./ [178/ أ] و عن حاتم بن وردان قال: كان عمر بن عبد العزيز يوجه البريد قاصدا من الشام إلى المدينة؛ ليقرئ عنه النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) السلام. و فى باب الحج من فتاوى الفقيه أبى الليث قال أبو القاسم: لما أردت الخروج إلى مكة قال القاسم بن غسان: إن لى إليك حاجة إذا أتيت قبر النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) فأقرئه منى السلام. فلما وضعت رجلى فى مسجد المدينة ذكرت ذلك. قال الفقيه أبو الليث:

فيه دليل أن من لم يقدر على الخروج فأمر غيره ليسلم عنه فإنه ينال فضل السلام إن شاء الله تعالى. انتهى. و فى مسند الدارمى: أنه لما كان أيام الحرة لم يؤذن فى مسجد النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) ثلاثا و لم يقم و لم يبرح سعيد بن المسيب فى المسجد، و كان لا يعرف وقت الصلاة إلا بهمهمة يسمعها من قبر النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم). و عن أم الدرداء قالت: لما رحل عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه من فتح بيت المقدس فصار إلى الخابية، فسأله بلال أن يقره بالشام ففعل ذلك، فقال: و أخى أبو رويحة- يعنى عبد الله بن عبد الرحمن الخثعمى- الذى آخى بينى و بينه رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فنزل دارنا فى خولان فأقبل هو و أخوه إلى قوم من خولان، فقال لهم: إنا قد أتيناكم خاطبين، و قد كنا كافرين فهدانا الله تعالى، و مملوكين فأعتقنا الله تعالى، و فقيرين فأغنانا الله تعالى، فإن تزوجونا فالحمد لله تعالى، و إن تردونا فلا حول و لا قوة إلا بالله، فزوجوهما، ثم إن بلالا رأى فى منامه النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو يقول: ما هذه الجفوة يا بلال/ [178/ ب‏] أما آن لك أن تزورنى. فانتبه بلال حزينا و جلا خائفا، فركب راحلته و قصد المدينة فأتى قبر النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) فجعل يبكى عنده و يمرغ وجهه عليه، فأقبل الحسن و الحسين فجعل يضمهما و يقبلهما، فقالا له: يا بلال نشتهى نسمع أذانك الذى كنت تؤذن لرسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فى المسجد ففعل، فعلا سطح المسجد فوقف موقفه الذى كان يقف فيه، فلما قال: الله أكبر الله أكبر ارتجت المدينة، فلما قال أشهد أن لا إله إلا الله ازدادت رجتها، فلما قال: أشهد أن محمدا رسول الله خرجت العواتق من خدورهن، و قالوا: بعث رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فما رؤى يوم أكثر باكيا و لا باكية بالمدينة بعد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) من ذلك، ذكره ابن عساكر فى ترجمة بلال. و ليس الاعتماد فى الاستدلال بهذا الحديث على رؤيا المنام فقط، بل على فعل بلال و هو

____________

(1) راجع الشفاء (2/ 74).

339

صحابى لا سيما فى خلافة عمر رضي اللّه عنه، و الصحابة متوافرون و لا تخفى عنهم هذه القصة، فسفر بلال فى زمن صدر الصحابة لم يكن إلا للزيارة و السلام على النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و كذلك إبراد عمر بن عبد العزيز البريد من الشام فى زمن صدر التابعين فلا يقل من لا علم له: إن السفر لمجرد الزيارة ليس بسنة. و أنشد بعضهم:

تمام الحج أن تقف المطايا* * * على ليلى و تقرئها السلاما

«و فى الواقعات»: الأحسن بالحاج أن يبدأ بمكة فإذا قضى نسكه بمكة أتى المدينة؛ لأن الحج فرض و الزيارة سنة، و لو كان الحج غير حجة الإسلام يبدأ بأيهما شاء، و لو بدأ بالمدينة فى الوجه/ [179/ أ] الأول جاز، و إذا نوى زيارة قبر النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) فلينو مع ذلك زيارة مسجده؛ لأنه أحد المساجد الثلاثة.

و أما كيفية زيارته (صلّى اللّه عليه و سلّم) و زيارة ضجيعيه رضى الله عنهما

فإذا توجه إلى زيارة قبره الشريف (صلّى اللّه عليه و سلّم) أكثر من الصلاة و التسليم على سيدنا محمد البشير النذير (صلّى اللّه عليه و سلّم) فى طريقه، و ينبغى أن ينيخ بالبطحاء التى بذى الحليفة و هى المعرس و يصلى بها؛ تأسيا بسيدنا رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و كان ابن عمر- رضى الله عنهما- شديد الحرص على ذلك، و يروى عن نافع أنه انقطع عن ابن عمر حتى سبقه إلى المعرس ثم جاء إليه فقال له: ما حبسك عنى، فأخبره فقال: إنى ظننت أنك أخذت الطريق الأخرى و لو فعلت لأوجعتك ضربا.

و ليزد فى الصلاة و السلام عليه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إذا وقع بصره على معاهد المدينة و حرمها و نخيلها و آبارها، و كلما قرب من المدينة و عمرانها زاد من الصلاة و التسليم، و سأل الله تعالى أن ينفعه بزيارته فى الدنيا و الآخرة و يستشعر (1) تعظيم عرصاتها و يتخيل منازلها و رحباتها فإنها المواطن التى عمرت بالوحى و التنزيل، و كثر فيها تردد أبى الفتوح جبريل و أبى الغنائم ميكائيل، و اشتملت تربتها على جسد سيد البشر، و انتشر عنها من دين الله تعالى و سنن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) ما انتشر، و قد أحسن ناظم هذه الأبيات رادّا على من أنكر سماع رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) من المصلى عليه الصلاة، و هى هذه الأبيات/ [179/ ب‏]:

ألا أيها الغادى إلى يثرب مهلا* * * لتحمل شوقا ما أطيق له حملا

تحمّل رعاك الله منى تحية* * * و بلغ سلامى روح من طيبة حلا

وقف عند ذاك القبر فى الروضة التى‏* * * تكون على يمنى المصلى إذا صلى‏

و قم خاضعا فى مهبط الوحى خاشعا* * * و خفض هناك الصوت و اسمع لما يتلى‏

____________

(1) فى الأصل غير واضحة، و لعل الصواب ما أثبتناه. و الله أعلم.

340

و ناد سلام الله يا قبر أحمد* * * على جسد لم يبل فيك و لن تبلى‏

ترانى أرانى عند قبرك قائما* * * يناديكم عبد ماله غيركم مولى‏

و تسمع عن قرب صلاتى مثلما* * * تبلغ عن بعد صلاة الذى صلى‏

أناديك يا خير الخلائق و الذى‏* * * به ختم الله النبيين و الرسلا

نبى الهدى لولاك لم نعرف الهدى‏* * * و لولاك لم نعرف حراما و لا حلا

و لولاك لا و الله ما كان كائن‏* * * و لم يخلق الرحمن جزءا و لا كلا

و استحب بعض‏ (1) العلماء أن يقول: اللهم هذا حرم رسولك فاجعله لى وقاية من النار، و أمانا من العذاب و سوء الحساب، اللهم افتح لى أبواب رحمتك، و ارزقنى فى زيارة رسولك (صلّى اللّه عليه و سلّم) ما رزقته أولياءك و أهل طاعتك، و اغفر لى و ارحمنى يا خير مسئول. و ما يفعله بعض الناس من النزول عن الرواحل عند رؤيتهم المدينة و الحرم النبوى، و مشيهم إما قليلا أو إلى أن يصلوا لا بأس به؛ لأنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لم ينكر على وفد عبد القيس حين نزلوا عن الرواحل لما رأوه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و تعظيم جهته (صلّى اللّه عليه و سلّم) و حرمه المقدس بعد وفاته كهو فى حياته. و حكى القاضى عياض فى «الشفاء» (2): أن أبا الفضل الجوهرى لما ورد المدينة زائرا و قرب من بيوتها ترجّل و مشى باكيا، منشدا:

و لما رأينا رسم من لم يدع لنا* * * فؤادا لعرفان الرسوم و لا لبّى/ [180/ أ]

نزلنا عن الأكوار نمشى كرامة* * * لمن بان عنه أن نلمّ به ركبا

و ينبغى أن يغتسل عند دخولها أو يتوضأ كما ذكرنا فى دخول مكة، و يلبس أنظف ثيابه و الجديد أفضل و يتطيب، ثم يدخل المدينة الشريفة قائلا: بسم الله رب أدخلنى مدخل صدق و أخرجنى مخرج صدق و اجعل لى من لدنك سلطانا نصيرا، و ليكن خاضعا خاشعا معظما لحرمتها، مكثرا من الصلاة و السلام على سيدنا رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) قاصدا المسجد الشريف، و ليحضر فى نفسه شرف البقعة و جلالة من شرفت به، و أنها دار هجرته و مهبط وحيه و أصل الأحكام و منبع الإيمان، و ليكن ممتلئ القلب من هيبته (صلّى اللّه عليه و سلّم) كأنه يراه، و ليمتثل فى نفسه إذا مشى مواضع الأقدام الشريفة النبوية فلعله فى موضع قدميه العزيزتين، فلا يضع قدمه إلا بسكينة و وقار كما كان (صلّى اللّه عليه و سلّم) يمشى، و من الأدب إذا دخلها أن لا يركب فيها كما كان مالك- (رحمه الله)- يفعل و كان يقول: استحيى من الله عزوجل أن أطأ

____________

(1) راجع إحياء علوم الدين للغزالى (4/ 229).

(2) الشفاء (2/ 49).

341

تربة فيها رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) بحافر دابة (1). فإذا وصل باب المسجد الشريف فيدخل من باب جبريل (عليه السلام)، و يقدم رجله اليمنى فى الدخول و اليسرى فى الخروج و ليقل ما قدمناه فى دخول المسجد الحرام، و ليدخل بخضوع و تذلل و أدب، حامدا للّه تعالى شاكرا له على نعمته عليه، و استحب العلماء أن يقصد أول دخوله الروضة المقدسة و هى بين المنبر و القبر المقدس، فيصلى تحية المسجد فى مصلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هى الحفرة أو فى غيره من الروضة أو من المسجد، فإذا صلى/ [180/ ب‏] التحية شكر الله تعالى على ما أنعم به عليه، و سأله إتمام النعمة بقبوله زيارته. قال الكرمانى: و يسجد بعد تحية المسجد سجدة شكرا لله تعالى على وصوله إلى تلك البقعة الشريفة و الروضة المنيفة. و فى «الاختيار» (2):

يسجد شكرا لله على ما وفقه، فإن خاف فوت المكتوبة بدأ بها و كفته عن تحية المسجد، ثم ينهض إلى القبر الشريف المقدس من ناحية القبلة فيقف قبالة وجهه الشريف. قال رشيد الدين: فيستدبر القبلة و يستقبل المسمار الفضة الذى بجدار القبر المقدس، على نحو أربعة أذرع من السارية التى هى غربى رأس القبر الشريف فى زاوية جداره. و قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: يقف على نحو ثلاثة أذرع من الجدار و يجعل القنديل الكبير على رأسه، ناظرا إلى الأرض غاض الطرف فى مقام الهيبة و التعظيم و الإجلال، فارغ القلب من علائق الدنيا، مستحضرا فى نفسه جلالة موقفه و منزلة من هو بحضرته، و علمه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بحضوره و قيامه و سلامه، و يمثل صورته الشريفة فى حياته موضوعا فى لحده.

و استدبار القبلة هو المستحب عند مالك و الشافعية و الحنابلة. و اختلفت عبارة أصحابنا فى ذلك: ففى مناسك الفارسى و الكرمانى عن أبى الليث: يقف مستقبل القبلة مستدبر القبر المقدس، و يضع يمينه على شماله كما فى الصلاة و هذا شاذ، و الصحيح المعتمد عليه أنه يقف عند الرأس المقدس بحيث يكون على يساره، و يبعد عن الجدار قدر أربعة أذرع، ثم يدور إلى أن يقف قبالة الوجه المقدس مستدبر القبلة، و يصلى عليه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ثم يسلم على أبى بكر و على عمر- رضى الله عنهما-/ [181/ أ].

و روى الإمام أبو حنيفة رضي اللّه عنه فى مسنده عن نافع عن ابن عمر- رضى الله عنهما- قال: من السنة أن تأتى قبر رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) من قبل القبلة، و تجعل ظهرك إلى القبلة و تستقبل القبر بوجهك ثم تقول: السلام عليك أيها النبى و رحمة الله و بركاته. و ليس من السنة أن يمس الجدار أو يقبله بل الوقوف من البعد أقرب إلى الإحرام، و من الآداب أن‏

____________

(1) راجع الشفاء (2/ 48).

(2) (1/ 226).

342

لا يرفع صوته بالتسليم و لا يمس القبر بيده و لا يقف عند القبر طويلا، و يرون أن أبا جعفر المنصور ناظر مالك بن أنس فى مسجد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال له مالك: يا أمير المؤمنين لا ترفع صوتك فى هذا المسجد، فإن الله عزوجل أدب قوما فقال: لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ .. (1) الآية. و مدح قوما فقال: إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ‏ (2). الآية. و ذم أقوما فقال: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ‏ (3). الآية. و إن لحرمته ميتا كحرمته حيا. فاستكان لها أبو جعفر و قال: يا أبا عبد الله أستقبل القبلة و أدعو، أم أستقبل رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)؟ فقال: و لم تصرف وجهك عنه، و هو وسيلتك و وسيلة أبيك آدم- (عليه السلام)- إلى الله تعالى يوم القيامة، بل استقبله و استشفع به فيشفعه الله فيك. رواه الحافظ ابن بشكوال، ثم القاضى عياض- (رحمه الله)- فى «الشفاء» (4). قال ابن جماعة: و لا يلتفت إلى قول من زعم أنه موضوع، لهواه الذى أرداه.

قال الحافظ محب الدين: و علامة الوقوف تجاه الوجه الكريم مسمار فضة مضروبة فى رخامة حمراء (5)./ [181/ ب‏]

قال المرجانى فى «بهجة النفوس»: و جميع التواريخ المتقدمة يذكرون العلامة بالمسمار و يصفونه بأنه صفر و لعله غيّر، و الذى هو موجود الآن عيانا و مشاهدة أنه من فضة. و الله أعلم.

و أما الدلالة بالقنديل فقال الشيخ جمال الدين: الآن هناك عدة قناديل جددت بعد احتراق المسجد، ثم قال: و موقف الناس اليوم للسلام على رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) عرصة بيت أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب- رضى الله تعالى عنها- (6).

قال المرجانى: و ذكر لى بعض المتبصرين أنه أتى للسلام على النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) يرى فى الحجر الأسود الذى تحت الرخامة الحمراء الذى فيها المسمار الفضة، صورة شخص له شعر طويل، مرة يعرفه و مرة يتركه، و هو ينظر إلى من يأتى للسلام على رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)

____________

(1) سورة الحجرات: الآية (2).

(2) سورة الحجرات: الآية (3).

(3) سورة الحجرات: الآية (4).

(4) الشفاء (2/ 35).

(5) الدرة الثمينة (ص 223).

(6) التعريف بما آنست الهجرة (ص 48).

343

فمرة يتبسم فى وجه المسلم و مرة لا ينظر إلى أحد، و أكثر قعوده ثانيا إحدى رجليه نصف تربيعة و ركبته الأخرى قائمة، و من جانبه الأيمن مما يلى الروضة شخص آخر، و من جانبه الآخر الأيسر البكرى شخصان آخران، قال الراءى: فعدمت الخشوع فى ذلك المحل الشريف بسبب رؤيتى لهما و شغل خاطرى بهما. قال المرجانى: إشارة أيضا إلى إثبات الوقار و الحرمة المحركة لخواطر الاعتبار، سمعت والدى- (رحمه الله)- يقول: صلينا يوما الظهر بحرم المدينة، و أقبل طائر عظيم أبيض طويل الساقين أتى من جهة باب السلام، و هو يطير مع جدار القبلة، و قد ملأ جناحاه ما بين الحائط القبلى و السوارى، فلما حاذى المحراب وقف و مشى قليلا قليلا إلى أن وصل/ [182/ أ] إلى الشباك موقف المسلمين على رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فاستقبل النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و وقف، و جعل يضع منقاره على الأرض و يرفعه مرارا إلى أن فرغ الناس من صلاتهم، و اجتمعوا عليه ينظرونه ثم مشى حتى خرج إلى صحن المسجد إلى نحو الحجارة التى يذكر أنها حد المسجد القديم، ثم فتح أجنحته و طار مرتفعا فى الجو غير مائل يمينا و لا شمالا حتى غاب عن أعيننا.

كيفية السلام عليه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حال الزيارة و السلام على ضجيعيه رضى الله عنهما

ليقل بخضوع قلب و غض طرف و خفض صوت و سكون جوارح: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا نبى الله، و السلام عليك يا خيرة الله من خلقه، السلام عليك يا حبيب الله، السلام عليك يا صفوة الله، السلام عليك يا سيد الأنبياء و المرسلين، السلام عليك يا خاتم النبيين، السلام عليك يا خير الخلائق أجمعين، السلام عليك يا قائد الغر المحجلين، السلام عليك و على أهل بيتك الطاهرين، السلام عليك و على أزواجك الطاهرات أمهات المؤمنين، السلام عليك و على أصحابك و آلك أجمعين، السلام عليك و على سائر الأنبياء و المرسلين و سائر عباد الله الصالحين، السلام عليك أيها النبى و رحمة الله و بركاته، جزاك الله عنا يا رسول الله أفضل ما جزى نبيا و رسولا عن أمته، صلّى اللّه عليك كلما ذكرك الذاكرون، و غفل عن ذكرك الغافلون، و صلى عليك فى الأولين و الآخرين أفضل و أكمل و أطيب ما صلى على أحد من خلقه أجمعين، كما استنقذنا بك من/ [182/ ب‏] الضلالة، و بصرنا بك من العماية، و هدانا بك من الجهالة، أشهد أن لا إله إلا الله، و أشهد أنك عبده و رسوله و أمينه و خيرته من خلقه، و أشهد يا رسول الله أنك بلغت الرسالة، و أديت الأمانة، و نصحت الأمة، و كشفت الغمة، و جاهدت فى الله حق جهاده، و عبدت ربك حتى أتاك اليقين، و نحن وفدك يا رسول الله و أضيافك، جئنا إلى جنابك الكريم من بلاد شاسعة و أماكن بعيدة، نقصد بذلك قضاء

344

حقك علينا، و النظر إلى مآثرك، و التيمن بزيارتك، و التبرك بالسلام عليك، و الاستشفاع بك إلى ربنا عزوجل، فإن خطايانا قد قصمت ظهورنا، و أوزارنا قد أثقلت كواهلنا، و أنت الشافع المشفع، و قد قال الله تعالى: وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً (1). و قد جئناك يا رسول الله ظالمين لأنفسنا مستغفرين لذنوبنا، فاشفع لنا إلى ربنا، و اسأله أن يميتنا على سنتك، و يحشرنا فى زمرتك، و يسقينا بكأسك غير خزايا و لا ندامى، و يرزقنا مرافقتك فى الفردوس الأعلى مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين و الصديقين و الشهداء و الصالحين و حسن أولئك رفيقا، يا رسول الله الشفاعة الشفاعة، اللهم صلى على محمد و على آل محمد، و إنه نهاية ما ينبغى أن يسأله السائلون، و خصّة بالمقام المحمود و الوسيلة و الفضيلة و الدرجة العالية، و بغاية ما ينبغى أن يأمله الآملون، اللهم صلى على محمد عبدك و رسولك النبى الأمى و على آل محمد و أزواجه و ذريته، كما صليت على إبراهيم و على آل إبراهيم، و بارك على محمد و على آل محمد و أزواجه/ [183/ أ] و ذريته، كما باركت على إبراهيم و على آل إبراهيم فى العالمين إنك حميد مجيد، ثم يتحول إلى صوب يمينه بقدر ذراع فيسلم على أبى بكر رضي اللّه عنه؛ لأن رأسه بحيال منكب رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) عند الأكثرين، فيقول:

السلام عليك يا خليفة رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و صفيه و ثانيه فى الغار أبا بكر الصديق، جزاك الله عن أمة محمد خيرا، و لقّاك فى القيامة أمنا و برّا، ثم يتأخر إلى صوب يمينه بقدر ذراع فيسلم على عمر؛ لأن رأسه عند منكب أبى بكر رضي اللّه عنه عند الأكثرين، فيقول: السلام عليك يا أمير المؤمنين عمر الفاروق الذى أعز الله بك الإسلام، جزاك الله عن الإسلام و أمة نبيه محمد (صلّى اللّه عليه و سلّم) خيرا.

و من قال من الحنفية: إنه يستقبل القبلة عند السلام على رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: إذا أراد السلام على أبى بكر يتحول عن يساره مقدار ذراع، و كذلك يفعل للسلام على عمر رضي اللّه عنه، ثم يرجع إلى موقفه الأول قبالة وجه النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فيحمد الله تعالى و يمجده، و يصلى على النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و يتوسل إلى الله تعالى به فى حوائجه، و يستشفع به إلى ربه سبحانه و تعالى، و يدعو لنفسه و لوالديه و للمؤمنين و لمن أحب بما أحب، و يختم دعاءه بآمين و بالصلاة على سيدنا رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم).

و فى «مناسك الفارسى»: إذا فرغ من السلام على عمر رضي اللّه عنه يرجع قدر نصف ذراع فيقف بين رأس الصديق و رأس الفاروق و يقول: السلام عليكما يا ضجيعى‏

____________

(1) سورة النساء: الآية (64).

345

رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، السلام عليكما يا صاحبى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، السلام/ [183/ ب‏] عليكما يا وزيرى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، المعاونين له فى الدين و العاملين بسنته حتى أتاكما اليقين، فجزاكما الله خير جزاء، جئنا يا صاحبى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) زائرين لنبينا و صديقنا و فاروقنا، و نحن نتوسل بكما إلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) ليشفع لنا. انتهى. و كذلك ذكر فى «الاختيار» (1). ثم يتقدم إلى رأس القبر الشريف فيقف بين القبر و الإسطوانة التى هناك، و يستقبل القبلة و يجعل الرأس المقدس عن يساره و يحمد الله تعالى و يثنى عليه، و يصلى على النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و يدعو لنفسه و لمن أحب بما أحب.

قال قاضى القضاة عز الدين بن جماعة: و ما ذكره من العود إلى قبالة وجهه الشريف و من التقدم إلى رأس القبر المقدس للدعاء عقب الزيارة، لم ينقل عن فعل الصحابة- رضى الله عنهم- و التابعين- رحمهم الله-؛ و من عجز عن حفظ ما قدمنا ذكره عند السلام عليه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أو ضاق وقته اقتصر على بعضه، و اقلّه السلام عليك يا رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و المروى عن جماعة من السلف ألايجاز؟؟؟ فى هذا جدّا، فعن الإمام مالك- (رحمه الله)- أنه كان يقول: السلام عليك أيها النبى و رحمة الله و بركاته. و عن ابن عمر أنه كان إذا قدم من سفر دخل المسجد، ثم أتى القبر الشريف و قال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه ثم ينصرف. ثم إن كان أحد أوصاه بالسلام على رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فليقل: السلام عليك يا رسول الله من فلان بن فلان، أو فلان بن فلان يسلم عليك يا رسول الله، أو نحو هذا من العبارات. و يروى أن عمر بن عبد العزيز كان يوصى بذلك/ [184/ أ] و يرسل البريد من الشام بذلك كما قدمناه.

و روى ابن أبى فديك و هو من علماء أهل المدينة، و ممن روى عنه الشافعى قال:

سمعت بعض من أدركت يقول: بلغنا أن من وقف عند قبر النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) فتلا هذه الآية:

إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِ‏ (2). الآية ثم قال: صلّى اللّه عليك يا محمد سبعين مرة، ناداه ملك صلّى اللّه عليك يا فلان، و لم يسقط له حاجة (3). و من أحسن ما

____________

(1) (1/ 228).

(2) سورة الأحزاب: الآية (56).

(3) مثير الغرام (ص 487)، و الدرة الثمينة (ص 223)، و البيهقى فى شعب الإيمان ح (4169) و الشفاء (2/ 75).

346

يقول ما حكاه العلماء عن العتبى «مستحبين» (1) قال: كنت جالسا عند قبر النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) فجاء أعرابى فقال: السلام عليك يا رسول الله سمعت الله يقول: وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً (2).

و قد جئتك مستغفرا من ذنبى، مستشفعا بك إلى ربى، ثم أنشأ يقول:

يا خير من دفنت بالقاع أعظمه‏* * * فطاب من طيبهنّ القاع و الأكم‏

نفسى الفداء لقبر أنت ساكنه‏* * * فيه العفاف و فيه الجود و الكرم‏

ثم استغفر و انصرف، فغلبتنى عيناى فرأيت النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) فى المنام فقال: يا عتبى الحق بالأعرابى فبشره أن الله قد غفر له‏ (3). قال بعض العلماء: يقول الزائر بعد السلام و الصلاة عليه (صلّى اللّه عليه و سلّم): اللهم إنك قلت و قولك الحق: وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ.

الآية. اللهم إنا قد سمعنا قولك و أطعنا أمرك، و قصدنا نبيك هذا (صلّى اللّه عليه و سلّم) مستشفعين به إليك من ذنوبنا، [184/ ب‏] و ما أثقل ظهورنا من أوزارنا، تائبين إليك من زللنا، معترفين بخطايانا و تقصيرنا، اللهم فتب علينا، و شفع نبيك هذا فينا (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و ارفعنا بمنزلته عندك و حقه عليك، اللهم اغفر للمهاجرين و الأنصار و لإخواننا الذين سبقونا بالإيمان و لا تجعل فى قلوبنا غلّا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم، و لله در هذا الأعرابى حيث استنبط من الآية الكريمة المجى‏ء إلى زيارته (صلّى اللّه عليه و سلّم) بعد موته مستغفرا، فإن ذلك أظهر فى قصد التعظيم و صدق الإيمان، و استغفار الرسول (صلّى اللّه عليه و سلّم) بعد الموت حاصل؛ لأنه الشفيع الأكبر يوم القيامة، و الوسيلة العظمى فى طلب الغفران و رفع الدرجات، من بين سائر ولد آدم، و المجى‏ء إليه بعد موته تجديد لتأكيد التوسل به إلى الله تعالى وقت الحاجة، و قد خمس هذين البيتين الشيخ محمد بن أحمد بن أمين الأقشهرى- (رحمه الله تعالى)- فقال:

خير المزار لدينا ثم أعظمه‏* * * و خير من سرّ عرش الرب مقدمه‏

ناديته بمقول و هو أقومه‏* * * يا خير من دفنت فى الترب أعظمه‏

فطاب من طيبهن القاع و الأكم‏* * * طوبى لجاركم طابت مساكنه‏

جار بجار و جار المرتع آمنه‏* * * قول إذا قلت تشفينى محاسنه‏

نفسى الفداء لقبر أنت ساكنه‏* * * فيه العفاف و فيه الجود و الكرم‏

____________

(1) كذا فى الأصل، و قد ذكره بعض العلماء «مستحسنين له».

(2) سورة النساء: الآية (64).

(3) الدرة الثمينة (ص 224)، و البيهقى فى الشعب ح (4178)، و مثير الغرام (ص 490).

347

قال عز الدين بن جماعة: و شتان بين هذا الأعرابى و بين من أضله الله فحرّم السفر إلى زيارته (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و هى من أعظم القربات كما قدمناه و لبعض زوار النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم)/ [185/ أ]

أتيتك زائرا و ودت أنى‏* * * جعلت سواد عينى أمتطيه‏

و ما لى لا أسير على جفونى‏* * * إلى قبر رسول الله فيه‏

قال القاضى عياض‏ (1)- (رحمه الله)-: و جدير بمواطن عمرت بالوحى و التنزيل، و تردد بها جبريل و ميكائيل، و عرجت منها الملائكة و الروح، و ضجت فى عرصاتها بالتقديس و التسبيح، و اشتملت تربتها على جسد سيد البشر، و انتشر عنها من دين الله و سنة نبيه ما انتشر، مدارس آيات، و مساجد و صلوات، و مشاهد الفضائل و الخيرات، و معاهد البراهين و المعجزات، و مساكن الدين، و مشاعر المسلمين، و موقف سيد المرسلين، و متبوأ خاتم النبيين، حيث انفجرت النبوة و فاض عبابها، و مواطن مهبط الرسالة، و أول أرض مسّ جلد المصطفى ترابها، أن تعظم عرصاتها، و تنسم نفحاتها، و تقبّل ربوعها و جدرانها، و أنشد:

يا دار خير المرسلين و من به‏* * * هدى الأنام و خص بالآيات‏

عندى لأجلك لوعة و صبابة* * * و تشوق متوقد الجمرات‏

و علىّ عهد إن ملأت محاجرى‏* * * من تلكم الجدرات و العرصات‏

لأعفرن مصون شيبى بينها* * * من كثرة التقبيل و الرشفات‏

لو لا العوادى و الأعادى زرتها* * * أبدا و لو سحبا على الوجنات‏

لكن سأهدى من حفيل تحيتى‏* * * لقطين تلك الدار و الحجرات‏

أزكى من المسك المفتق نفحة* * * تغشاه بالآصال و البكرات‏

و تخصه بزواكى الصلوات‏* * * و توأمى التسليم و البركات‏

قال مؤلفه:

____________

(1) فى الشفاء (2/ 49، 50).

348

قال مؤلفه:

انتهى إكماله بمعونة الله و توفيقه على يد الفقير إلى الله تعالى أحمد أبى السرور بن عدى بن أبى الليث بن الضياء الحنفى. عامله/ [185/ ب‏] الله بلطفه الخفى، و من كتب بسببه، و بلغه غاية أربه، و ذلك فى اليوم المبارك يوم السبت حادى عشر محرّم الحرام عام أربع و عشرين و تسعمائة، و الحمد للّه على التيسير و الإتمام و على الإفضال و الإنعام، و أشكره على كل حال، مدى الدهر و الأيام و أصلى على نبينا محمد، أفضل من صلّى و حج البيت الحرام و صام، المبعوث إلى الأحمر و الأسود، و الخاصّ و العام، عدد من سبّح الله و قدسه من أول الدنيا إلى يوم القيام، و على آله و أصحابه الأخيار الأعلام، جعلنا الله فى زمرتهم فى دار السلام، بمنه و كرمه، آمين، و الحمد للّه رب العالمين.

[خاتمة الكتاب:]

تم الكتاب بعون الملك الوهاب على يد العبد الفقير عليها:

عاشور بن عبد الكريم بن محمد بن رجب بن محمد، البرلسى أصلا، الإدكاوى مولدا، الحسينى الشافعى، أصلح الله شأنه و صانه عما شانه، و ذلك فى يوم الأحد المبارك سابع عشر فى رجب الفرد الحرام سنة ثلاثة و مائة و ألف.

و صلّى اللّه على سيدنا محمد و على آله و صحبه و سلّم تسليمصا كثيرا إلى يوم الدين و الحمد للّه رب العالمين./ [186/ أ].

349

الفهارس العامة

1- فهرس الآيات.

2- فهرس الأحاديث و الآثار.

3- فهرس الأعلام.

4- فهرس المساجد.

5- فهرس البلدان.

6- فهرس القبائل.

7- فهرس الجبال.

8- فهرس الأنهار و البحار و الآبار و العيون.

9- فهرس الأشعار.

10- المصادر و المراجع.

11- فهرس الموضوعات.

350

فهرس الآيات القرآنية

طرف الآية/ اسم السورة/ رقم الآية/ رقم الصفحة

إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً/ البقرة/ 30-/ 27

وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى‏/ البقرة/ 125/ 128

اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً/ البقرة/ 126/ 165

وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ‏/ البقرة/ 127/ 121

وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً/ البقرة/ 143/ 336

وَ لَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها/ البقرة/ 189/ 74

وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ‏/ آل عمران/ 81/ 337

إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ‏/ آل عمران/ 96/ 121

فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ‏/ آل عمران/ 97/ 127، 166

وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً/ آل عمران/ 97/ 166

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ‏/ آل عمران/ 102/ 1

وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ‏/ آل عمران/ 144/ 253

أَ وَ لَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها/ آل عمران/ 165/ 257، 258

وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً/ آل عمران/ 169/ 336

يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ/ النساء/ 1/ 1

ذلِكَ أَدْنى‏ أَلَّا تَعُولُوا/ النساء/ 3/ 196

إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ‏/ النساء/ 58/ 62، 63

وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا/ النساء/ 64/ 334، 344

رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها/ النساء/ 75/ 223

هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ/ المائدة/ 95/ 122

جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ‏/ المائدة/ 97/ 121

فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ‏/ الأنعام/ 33/ 142

فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ‏/ الأعراف/ 133/ 87

اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ/ الأعراف/ 138/ 75