كفاية الأصول في أسلوبها الثاني‏ - ج2

- الشيخ باقر الإيرواني المزيد...
589 /
503

مطلقا في غير: أي سواء أ كان الشخص ملتفتا إلى الحرمة أم لا.

الموجب له: أي الموجب للأمر التوصلي.

و أما فيها ...: هذا إشارة إلى الصورة الرابعة.

و بدونه لا يكاد ...: أي بدون التقرّب.

و أما إذا لم يلتفت إليها ...: هذا إشارة إلى الصورة الخامسة.

بناء على تبعية الاحكام ...: أي إنما لا يكون امتثالا بناء ...

و المقصود: إن الإتيان بالصلاة في هذه الصورة الخامسة إنما لا يتحقق بها الامتثال لو بني على تبعية الاحكام للملاك الأقوى واقعا و ليس للملاك المؤثر بالفعل في حسن الفعل و قبحه لكون الحسن و القبح يتبعان العلم بجهة المصلحة وجهة المفسدة.

مع ذلك: أي حتّى على تقدير تبعية الأحكام للجهات الواقعية.

تفاوتا بينه: أي بين المجمع.

لكنه لوجود المانع ...: تقدّم أن هذا مناف لما سبق.

و قد يدافع عن الشيخ الخراساني بأنه بعد فرض كون المورد من موارد الاجتماع يلزم وجود الملاكين.

و جوابه: إن عبارته تدل على تطبيق ذلك أيضا على الصلاة عند مزاحمتها بالإزالة.

و من هنا انقدح ...: أي من إمكان قصد الامتثال.

كما يكون كذلك في ضد الواجب: المراد من الواجب هو الإزالة، و من الضد هو الصلاة مثلا.

حيث لا يكون هناك أمر يقصد: لسقوطه بالأمر بالإزالة.

504

قصورا بالحرمة موضوعا أو حكما: أي سواء أ كان الجهل بأصل الغصبية أم بحرمتها.

غاية الأمر أنه لا يكون ...: أي غاية الأمر لا يكون المجمع مما تسعه الطبيعة بما هي مأمور بها.

لو قيل بتزاحم ...: أي إنما لا تسعه الطبيعة بما هي مأمور بها لو قيل ...

في مقام تأثيرها للأحكام الواقعية: أي الانشائية.

خلاصة البحث:

تظهر ثمرة المسألة في صحة العمل و عدمها و ذلك:

1- بناء على الجواز يقع صحيحا و بقصد الامتثال لكنه مع المعصية للحكم الآخر.

2- بناء على الامتناع و تقديم الأمر يقع صحيحا بلا معصية.

3- بناء على الامتناع و تقديم النهي و فرض كون العمل توصليا يقع صحيحا.

4- بناء على الامتناع و تقديم النهي و فرض العمل عباديا يقع باطلا مع الالتفات للحرمة أو الجهل التقصيري.

5- مع الجهل القصوري يقع صحيحا لإمكان التقرب و لكنه لا يقع بنحو الامتثال بناء على تبعية الحكم للملاك الأقوى واقعا و ليس لعنوان الحسن أو القبيح.

بل يمكن تحقّق الامتثال بقصد أمر الطبيعة و إن كانت لا تعمّ الفرد بما هي مأمور بها بناء على أن التابع للملاك الأقوى هو الحكم الواقعي الانشائي دون الفعلي.

505

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

العاشر: تظهر الثمرة كما يلي:

بناء على الجواز يسقط الأمر و يحصل الامتثال بالإتيان بالمجمع بداعي الأمر حتّى في العبادات و إن كان معصية للنهي أيضا.

و كذا الحال على الامتناع و ترجيح الأمر إلّا أنه لا معصية عليه.

و أما عليه و ترجيح النهي فيسقط الأمر في التوصليات لحصول الغرض.

و أما في العبادات فلا يسقط مع الالتفات إلى الحرمة أو بدونه تقصيرا لأنه مع الالتفات أو التقصير لا يصلح للتقرب به.

و أما مع القصور فيسقط الأمر لقصد التقرب بما يصلح له بعد اشتماله على المصلحة و صدوره حسنا لأجل القصور.

نعم لا يكون امتثالا بناء على تبعية الاحكام للملاك الأقوى واقعا و ليس للفعل الحسن و القبيح التابعين للعلم.

بل يمكن أن يقال بإمكان تحقّق الامتثال رغم ذلك، بأن يقصد أمر الطبيعة بعد أن كان العقل لا يرى تفاوتا بين هذا و غيره في الوفاء بالملاك، غايته لا تعمه الطبيعة بما هي مأمور بها و لكنه للمانع و ليس لعدم المقتضي.

و من هنا يمكن تصحيح العبادة في مسألة الضد حتّى بناء على اعتبار قصد الامتثال في صحتها، حيث يمكن قصد أمر الطبيعة و إن كانت لا تعمه بما هي مأمور بها بناء على أن التابع للملاك الأقوى هو الحكم الواقعي الانشائي دون الفعلي و إلّا أمكن أن تعمه بما هي مأمور بها.

***

506

قوله (قدّس سرّه):

«و قد انقدح بذلك الفرق ...، إلى قوله: ثانيتها أنه لا شبهة ...».

(1)

إشكال و جواب: [الاجتماع جائز أو ممتنع؟]

قد يشكل بأن الطابع العام على الفقهاء هو الحكم بامتناع الاجتماع و تقديم جانب النهي، فهم يقولون: إن الأمر بالصلاة و النهي عن الغصب لا يمكن اجتماعهما في الأرض المغصوبة لأن الأحكام تتعلّق بالوجود الخارجي، و حيث إنه واحد فلا يمكن اجتماع الأمر و النهي و يلزم أن يكون أحدهما هو الثابت، و يقولون إن ذلك الثابت هو النهي.

هكذا ذكروا.

و الإشكال الذي قد يطرح هو أن النهي ما دام هو المقدّم فيلزم الحكم ببطلان الصلاة حتّى من الجاهل القاصر، فالتفرقة بين المعذور و غيره بلا وجه، فإنه مع تقديم الأمر يلزم الحكم بالصحة في حقّ الجميع، و مع تقديم النهي يلزم الحكم بالفساد في حقّ الجميع، و التفصيل بين الجاهل القاصر و الناسي و بين الجاهل المقصر و الملتفت بلا وجه، بل إما أن يحكم بالصحة في حقّ الجميع أو يحكم بالفساد في حقّ الجميع.

و في الجواب نقول: تقدم سابقا أنه متى ما علمنا بكذب أحد

____________

(1) الدرس 161: (12/ صفر/ 1426 ه).

507

الدليلين و انتفاء ملاكه يلزم تحقّق التعارض بينهما- للعلم الإجمالي بكذب أحدهما، و كل واحد منهما يقول: أنا الصادق و أنت الكاذب- و يخرج المورد عن باب الاجتماع، و أما إذا كان كلا الملاكين موجودا فيصير المورد من باب الاجتماع و لا يتحقق التعارض.

هذا ما ذكر سابقا.

و بناء عليه نقول: متى ما كان يوجد تعارض بين الدليلين بسبب العلم بانتفاء أحد الملاكين و فرض أننا قدمنا النهي- إما لوجود مرجح خاص أو لاختياره بناء على التخيير- يلزم الحكم بفساد الصلاة حتّى مع الجهل القصوري بالغصب لأنه لا مصلحة فيها- لفرض تقديم النهي- و بالتالي لا يمكن التقرّب بها لأنه تقرّب بما لا يصلح للتقرّب.

و أما إذا لم يكن تعارض بين الدليلين و فرض أنهما من باب الاجتماع بسبب ثبوت كلا الملاكين فيلزم أن نحكم بالصحة حتّى بناء على الامتناع و تقديم النهي عند فرض كون الجهل قصوريا، فيلزم الحكم بصحة صلاة المكلف إذا كان جهله عن قصور، لأنها واجدة للملاك حسب الفرض، و التقرّب بها وجيه و مقبول بعد فرض كون الجهل قصوريا، فيكون قد حصل التقرب فيقع العمل صحيحا، و هذا بخلافه حالة عدم وجود العذر، فإنه لا صلاحية للتقرّب فيقع العمل فاسدا.

بل ذكرنا أنه يمكن الحكم بالصحة حتّى بناء على اعتبار قصد الأمر في الصحة، حيث إن بإمكان المكلف قصد امتثال الأمر المتعلّق بالطبيعة، و بالتالي يلزم أن يكون الثواب الثابت له ثوابا من باب الإطاعة و الامتثال و ليس من باب الانقياد.

508

عودة إلى صميم البحث:

بعد الفراغ عن الأمور العشرة يأخذ (قدّس سرّه) بالدخول في صميم البحث و يقول:

إن المشهور ذهب إلى الامتناع، و هو الصحيح. و الدليل عليه- بنحو يتضح بطلان الأدلة للقول الآخر- يتوقف على بيان أربع مقدمات:

الأولى: إن الأحكام الخمسة متنافية فيما بينها و لا يمكن عند تحقق واحد منها تحقق الآخر، إذا كانت واصلة إلى مرحلة الفعلية، فالوجوب الفعلي ينافي الحرمة الفعلية بخلاف الوجوب الانشائي فإنه لا ينافي الحرمة الانشائية.

و المقصود من الحكم الفعلي هو الحكم الواصل إلى مرحلة التحريك و الزجر، فمتى ما كان وجوب الصلاة مثلا فعليا و حرّك المولى نحو فعلها فلا يمكن أن ينهى عنها بنحو الفعلية بأن يزجر عنها، فإن الزجر و التحريك لا يمكن اجتماعهما.

ثمّ يقول (قدّس سرّه) بعد ذلك: إنه بهذا اتضح أن استحالة اجتماع الوجوب مع الحرمة مثلا ليس من باب كونه تكليفا بالمحال- أي بغير المقدور- حتّى تختص الاستحالة بمذهب العدلي بل إن ذلك من باب كونه تكليفا محالا في نفسه، فإن الوجوب لا يمكن أن يجتمع مع الحرمة بقطع النظر عن محذور التكليف بغير المقدور، فإنه مع التحريك نحو الفعل كيف يمكن التحريك نحو الترك؟ (1)

____________

(1) قد توحي عبارة المتن أن الوجوب و الحرمة متنافيان بما هما وجوب و حرمة، و الحال أنه يمكن أن يقال: إن الوجوب ليس إلّا مجرد اعتبار، و الحرمة ليست إلّا مجرد اعتبار، و الاعتبار سهل المئونة، فيمكن اعتبار الليل نهارا، و النهار ليلا، و لا محذور في أن يعتبر العاقل لزوم فعل الصلاة و لزوم تركها في آن واحد، نعم هو لغو و عبث، إلّا أن اللغو شي‏ء و الاستحالة شي‏ء آخر.-

509

توضيح المتن:

بين ما إذا كان دليلا الحرمة و الوجوب متعارضين: أي بسبب انتفاء ملاك أحدهما.

في غير مورد من موارد الجهل و النسيان: المناسب: في مورد الجهل و النسيان.

بل للأمر: و ذلك من خلال قصد الأمر المتعلّق بالطبيعة.

و مجرد اعتقاد الموافقة: عطف تفسير على الانقياد.

و يحكمون بالبطلان في غير موارد العذر: أي و لا يشكل بأنه بناء على تقديم الحرمة يلزم الحكم بالفساد حتّى في مورد العذر، و بناء على تقديم الأمر يلزم الحكم بالصحة مطلقا.

خلاصة البحث:

قد يشكل بأن الأصحاب حيث يذهبون إلى الامتناع و تقديم جانب النهي فيلزم الحكم بالفساد مطلقا فلما ذا التفرقة بين الحالات؟

و الجواب: إن الحكم بالفساد بنحو مطلق وجيه بناء على التعارض بسبب انتفاء أحد الملاكين، و أما بناء على الاجتماع فحيث إن الملاك موجود و يمكن التقرّب في حالة القصور دون التقصير فالتفرقة تكون وجيهة.

____________

- و المناسب أن يقال: إن التنافي بين الأحكام ليس بما أنها أحكام، فإنها اعتبارات، بل بما هي تحكي عن مصلحة و مفسدة، و بما أن الوجوب يستدعي امتثاله الفعل بينما النهي يستدعي امتثاله الترك، فالتنافي بين الأحكام هو باعتبار عالم الملاك و عالم الامتثال، و إلّا فبقطع النظر عن هذين العالمين لا تنافي بينها. و ربما يكون هذا هو المقصود للشيخ الخراساني (قدّس سرّه).

510

ثمّ إن المختار في المسألة هو الامتناع لمقدمات أربع، أوّلها إن الأحكام متنافية فيما بينها بوجوداتها الفعلية كما هو واضح.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

إشكال و جواب:

اتضح بما تقدم الفرق بين ما إذا كان دليل الحرمة و الوجوب متعارضين- مع تقديم دليل الحرمة تخييرا أو ترجيحا- فلا مجال للصحة أصلا، و بين ما إذا كان من باب الاجتماع و بني بالامتناع و تقديم جانب الحرمة حيث يقع صحيحا في مورد الجهل القصوري و النسيان لموافقته للغرض بل للأمر و يكون الثواب ثوابا على الإطاعة دون الانقياد.

و منه يظهر وجه حكم الأصحاب بصحة الصلاة في المغصوب مع النسيان أو الجهل عن قصور، و بطلانها في غير ذلك، مع أن الجلّ لو لا الكل قائلون بالامتناع و تقديم الحرمة.

إذا عرفت هذه الأمور فالحقّ هو الامتناع كما ذهب إليه المشهور، و يتّضح ذلك بعد بيان المقدمات التالية:

الأولى: لا ريب في تضاد الأحكام الخمسة في مرحلة فعليتها و بلوغها إلى مرحلة التحريك و الزجر- للمنافاة بين التحريك إلى شي‏ء و الزجر عنه في زمان واحد- و إن لم تكن متنافية في مرحلة الإنشاء.

و عليه فاستحالة الاجتماع ليست من باب التكليف بالمحال بل من جهة أنه بنفسه محال فلا يجوز حتّى عند من يجوّز التكليف بغير المقدور.

***

511

قوله (قدّس سرّه):

«ثانيتها: إنه لا شبهة ...، إلى قوله: إذا عرفت ما مهدناه ...».

(1)

تتمة الدليل على الامتناع:

الثانية: هذه المقدمة أهم المقدمات الأربع بل هي أساس الدليل على القول بالامتناع، و حاصلها: إن الأحكام تتعلّق بالوجود الخارجي لفعل المكلف- لأنه الذي تترتّب عليه الآثار- دون العناوين و الأسماء، فوجوب الصلاة مثلا لم يتعلّق بعنوان الصلاة بل بوجودها الخارجي، لأنه الذي يترتّب عليه النهي عن الفحشاء و المنكر، و القربانية لكل تقي.

و حينما نقول: إن الأحكام لا تتعلّق بالعناوين فلا نفرّق بين أن يكون العنوان عنوانا لمبدأ متأصل أو غير متأصل.

مثال العنوان ذي المبدأ المتأصل: الأسود و الأبيض، فإن المبدأ فيهما هو السواد و البياض، و هما متأصلان في الوجود، بمعنى أنه يمكن الإشارة إلى وجود السواد فيقال: هذا سواد، و لا يتوقف تحققه على اعتبار معتبر، فالسواد موجود في الخارج حقيقة و تمكن الإشارة إليه حتّى لو لم يوجد معتبر يعتبره، و هكذا الحال بالنسبة إلى البياض.

و يصطلح على مثل ذلك بالمحمول بالضميمة.

____________

(1) الدرس 162: (22/ صفر/ 1426 ه).

512

و مثال العنوان ذي المبدأ غير المتأصل: المالك و الحرّ و الرقّ و المغصوب و ...، فإن المبدأ- و هو الملكية مثلا- لا وجود حقيقي له في الخارج بل هو مجرد اعتبار لا أكثر، و لو لا اعتبار المعتبر لم يكن للملكية مثلا تحقق، و هكذا الحال بالنسبة إلى البقية.

و يصطلح على مثل هذا بالخارج المحمول.

و بالجملة: العنوان- سواء أ كان عنوانا لمبدأ متأصل أم لا- ليس مركزا للأحكام بل المركز هو الوجود الخارجي لأنه الذي تترتب عليه الآثار.

نعم العناوين تؤخذ في متعلّقات الأحكام لتكون مرآة مشيرة إلى المتعلّق الحقيقي، و هو الوجود الخارجي و ليس من باب أنها هي المتعلّق الحقيقي. (1)

الثالثة: إنه بعد أن عرفنا أن المتعلّق الحقيقي للأحكام هو الوجود الخارجي فنقول: إن الوجود الخارجي للشي‏ء لا يتعدّد بتعدّد عناوينه، فاللّه سبحانه مثلا واحد أحد و ليس فيه تعدّد أبدا رغم أنه تصدق عليه عناوين كثيرة، كالعالم و القادر و الرازق و غير ذلك من الأوصاف الكثيرة المذكورة في دعاء جوشن الكبير مثلا.

إنه سبحانه تصدق عليه الصفات الجلالية و الجمالية من دون أن يحصل فيه تعدّد، و هو تماما كما قيل:

عبارتنا شتى و حسنك واحد * * * و كل إلى ذاك الجميل يشير

الرابعة: و هذه المقدمة ليست في واقعها مقدمة يتوقف عليها دليل الامتناع، و إنما يراد من خلالها دفع توهمين توهمهما صاحب الفصول.

____________

(1) يأتي فيما بعد إن شاء اللّه تعالى التعليق على المقدمة المذكورة.

513

و التوهمان هما:

1- ذكر صاحب الفصول أن القول بالامتناع مبتن على أصالة الوجود و القول بالجواز مبتن على أصالة الماهية.

فإذا قلنا إن الوجود هو الأصيل الذي تترتب عليه الآثار فيلزم أن يكون هو المتعلّق للاحكام، و حيث إنه- في مثال الغصب و الصلاة- واحد فيلزم تعلّق الحكمين بالوجود الواحد، و هو ممتنع، و هذا بخلاف ما إذا قلنا بأن الماهية هي الأصيلة التي تترتب عليها الآثار فيلزم أن تكون هي المتعلّق للأحكام، و حيث إنها متعدّدة- إذ ماهية الصلاة تغاير ماهية الغصب- فلا يلزم اجتماع الحكمين في شي‏ء واحد، و بالتالي يلزم الحكم بالجواز دون الامتناع.

و أجاب الشيخ الخراساني عن ذلك بأن الموجود ما دام واحدا فماهيته يلزم أن تكون واحدة و لا يمكن أن تتعدد- حتّى لو بني على أصالة الماهية- و إلّا كان اثنين و لم يكن واحدا.

إذن من هذه الناحية لا فرق بين أصالة الوجود و أصالة الماهية، فكما أن الوجود واحد و لا يمكن أن يتعلق به حكمان كذلك الماهية واحدة و لا يمكن أن يتعلق بها حكمان من دون فرق بين القول بأصالة الوجود أو أصالة الماهية.

2- ذكر صاحب الفصول أيضا أن القول بالامتناع مبتن على أن يكون وجود الجنس و وجود الفصل و ما يلحق بهما متحدين في الخارج من دون امتياز بينهما، أما إذا قلنا بامتياز وجودهما فيلزم الحكم بالجواز.

و لك أن تقول: إننا تارة نبني على أن التركيب بين الجنس و الفصل اتحادي- بمعنى أن وجودهما متحد من دون امتياز، كما هو الحال في السكنجبين مثلا، فإنه وجود واحد من دون امتياز لوجود الخل عن وجود السكر- و أخرى نبني على أنه انضمامي، بمعنى أن وجود كل منهما يمتاز عن وجود

514

الآخر، غايته هو منضم إليه، كما هو الحال في النظر إلى المرأة الأجنبية أثناء الصلاة، فإن وجود الصلاة يغاير وجود النظر لا أنهما وجود واحد، بل هما وجودان، غايته انضم أحدهما إلى الآخر.

فإن قلنا إن التركيب بينهما اتحادي فيلزم الحكم بالامتناع، إذ الوجود الواحد لا يمكن تعلّق حكمين به، و هذا بخلاف ما إذا قلنا إن التركيب بينهما انضمامي، فإنه يلزم الحكم بالجواز، لأنه بعد تعدّد الوجود لا يلزم اجتماع حكمين في وجود واحد.

و أجاب الشيخ الخراساني عن ذلك بأن هذا يتم لو كان عنوان الصلاتية و الغصبية من قبيل الجنس و الفصل، و لكنهما ليسا كذلك، فإن حقيقة الحركة لا تختلف باختلاف العناوين، فالحركة ضمن الصلاة هي الحركة ضمن الانحناءات غير الصلاتية، و الحركة في الدار المغصوبة هي الحركة نفسها في الأرض المباحة، فلو كان المورد من قبيل الجنس و الفصل يلزم أن يتحقق الاختلاف لاختلاف الشي‏ء باختلاف جنسه و فصله. (1)

____________

(1) و لكن صاحب الفصول ذكر كلمة اللواحق أيضا، حيث قال: الجنس و الفصل و ما يلحق بهما، و من الواضح أن الصلاتية و الغصبية هما و إن لم يكونا من قبيل الجنس و الفصل للحركة، و لكنهما من قبيل اللواحق.

بل أن نسبة التوهّمين المذكورين إلى صاحب الفصول هي من أساسها ليست صحيحة، فإنه قال: إن الدليل على الامتناع هو أن وجود الصلاة و الغصب بما أنه واحد فلا يمكن توجّه الأمر و النهي إليه للزوم اجتماعهما في شي‏ء واحد، ثمّ قال: و هذا الدليل إنما يتم بناء على أصالة الوجود و بناء على أن وجود الجنس و وجود الفصل و وجود اللواحق الخارجية لا تمايز فيما بينها خارجا، إنه ذكر هذا المقدار و لم يذكر أن القول بالامتناع مبتن على أصالة الوجود و على عدم تمايز وجود الجنس و الفصل، و كم فرق بين ذاك التعبير و هذا التعبير.

515

توضيح المتن:

إنه لا شبهة في أن متعلّق الأحكام ...: بل إن ذلك مورد للشبهة كما سيأتي.

ثمّ إنه قد أطال (قدّس سرّه) في بيان المقدمة المذكورة بل كان من المناسب اختصارها كالتالي: إن متعلّق الأحكام هو فعل المكلف بوجوده الخارجي- لأنه مركز الآثار- دون اسمه و عنوانه.

و جاعله: عطف تفسير على سابقه.

لا ما هو اسمه: أشار به إلى العنوان الذي يكون المبدأ فيه متأصلا.

و لا ما هو عنوانه: أشار به إلى العنوان الذي يكون المبدأ فيه مجرد اعتبار.

و قوله: (مما قد انتزع عنه) أي مما قد انتزع من فعل المكلف.

ثمّ لا يخفى أن فعل المكلف في مثال الملكية هو العقد مثلا، و الملكية ليست عنوانا للعقد، و إنما هو منشأ لانتزاعها.

و المناسب بدل المغصوبية: الغصبية.

و الإضافات: عطف تفسير على سابقه.

ضرورة أن البعث: تعليل لقوله: إنه لا شبهة في أن متعلّق ...

و الإشارة إليها بمقدار الغرض منها: فإذا كان الغرض قائما بمطلق الصلاة قيل: أقيموا الصلاة، أما إذا كان قائما بالصلاة الوضوئية قيل:

أقيموا الصلاة الوضوئية.

لا بما هو هو ...: أي إن متعلّق التكاليف ليس هو العنوان بما هو عنوان.

و كلمة: بنفسه، و استقلاله، و حياله عطف تفسير على سابقه.

مغايرة لجهته: المناسب: مغايرة لجهة.

و أحديته: الظاهر أن كلمة أحدية و وحدته و بساطته مترادفة و العطف تفسيري.

516

الصفات الجلالية: المراد من الصفات الجلالية الصفات السلبية مثل ليس بظالم، و المراد من الصفات الجمالية الصفات الثبوتية الكمالية مثل عادل و قادر.

و الامثال العليا: الظاهر أن العطف على سابقه تفسيري.

كانت عينه في الخارج: أي بحيث تكون تلك الماهية عين ذلك الموجود خارجا كالعينية بين الفرد و الطبيعي.

على القولين في تلك المسألة: أعني أصالة الوجود و أصالة الماهية، فإنهما القولان في مسألة أصالة الوجود و أصالة الماهية.

من أي مقولة كانت: الظاهر أن المناسب: في أي مقولة كانت، فإن الحركة تطرأ على المقولات و ليست بنفسها من المقولات.

و يتخلف: عطف على يختلف، أي لا يكاد تتخلف أجزاؤها الذاتية باختلاف الغصبية و الاباحة.

خلاصة البحث:

و ثانيتها: إن الأحكام تتعلّق بالأفعال بوجوداتها الخارجية لأنها مركز الآثار و ليس بالعناوين.

و ثالثتها: إن الموجود الخارجي الواحد لا يتعدّد بتعدّد العناوين كما في اللّه سبحانه.

و رابعتها: إن القول بالامتناع لا يبتني على أصالة الوجود و لا على كون التركيب بين الجنس و الفصل اتحاديا، كما أن القول بالجواز لا يبتني على أصالة الماهية و لا على كون التركيب بين الجنس و الفصل انضماميا.

517

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

الثانية: إن متعلّق الأحكام هو فعل المكلف الخارجي لا اسمه و عنوانه، ضرورة أن البعث و الزجر ليس بلحاظه و إنما يؤخذ كوسيلة لملاحظة المتعلّق الحقيقي.

الثالثة: إن تعدّد العنوان لا يوجب تعدّد المعنون، كما هو الحال في اللّه سبحانه الذي تصدق عليه الصفات الجلالية و الجمالية.

الرابعة: ليس للموجود الواحد إلّا ماهية واحدة بلا تفاوت بين القول بأصالة الوجود و أصالة الماهية خلافا لصاحب الفصول حيث توهّم التفاوت.

كما ظهر عدم الابتناء على تعدّد الجنس و الفصل في الخارج و عدمه، ضرورة عدم كون العنوانين المتصادقين عليه من قبيل الجنس و الفصل، فمثل الحركة لا تختلف في المغصوب عنها في غيره، و ضمن الصلاة عنها ضمن غيرها.

***

518

قوله (قدّس سرّه):

«إذا عرفت ما مهدناه ...، إلى قوله: كما ظهر مما حققناه أنه لا يكاد يجدي أيضا ...».

(1)

كلام للمحقق القمي: [حول الامتناع‏]

بعد فراغه (قدّس سرّه) من المقدمات الأربع‏ (2) ذكر أن الوجه في القول‏

____________

(1) الدرس 163: (23/ صفر/ 1426 ه).

(2) ذكرنا فيما سبق أن أهم المقدمات الأربع هي المقدمة الثانية، و قد ذكر (قدّس سرّه) فيها أن الأحكام الشرعية تتعلق بفعل المكلف بوجوده الخارجي لأنه مركز الآثار و ليس بعنوانه، و نحن نقول: إن الأمر على عكس ما ذكره تماما، فالأحكام تتعلّق بالصور الذهنية دون الوجودات الخارجية، و جرّب ذلك بنفسك، فأنت إذا أردت أن تحكم على ولدك بلزوم السفر فحكمك هذا قضية نفسية و ذهنية و إلّا ففي الخارج لا توجد عملية الحكم، و ما دام الحكم أمرا نفسيا فيلزم أن يكون منصبّا على الأمر الذهني أيضا و ليس على الفعل الخارجي و إلّا فمن الواضح عدم إمكان تعلّق ما في النفس بما في الخارج إلّا بأن يدخل الخارج إلى الذهن أو يخرج الذهن إلى الخارج.

إنه بناء على هذا يتعيّن تعلّق الأحكام بالصور الذهنية دون الوجودات الخارجية.

و لنا أن نقرّب المطلب المذكور بشكل آخر و نقول: إذا كان الوجوب الشرعي يتعلّق بالصلاة الخارجية فنسأل هل يتعلق بها بعد تحققها في الخارج أو قبل تحققها؟ و كلاهما باطل.

أما الأوّل فلأنه يلزم طلب تحصيل ما هو حاصل.

و أما الثاني فلأنه يلزم تعلّق الحكم بما هو معدوم.

إن هذا منبّه واضح على لزوم تعلّق الأحكام بالصور الذهنية.-

519

بالامتناع يصير واضحا، فإن المجمع- كالصلاة في المغصوب- بعد ما كان واحدا من حيث الوجود و الماهية فيلزم عدم إمكان توجّه الأمر و النهي إليه و إلّا يلزم اجتماعهما في شي‏ء واحد، هو مستحيل.

نعم إذا قلنا إن الأحكام تتعلّق بالعناوين فلا تعود مشكلة في البين حيث يتعلّق الأمر بعنوان الصلاة و النهي بعنوان الغصب، و لكنك قد عرفت أن متعلّق الأحكام هو فعل المكلف بوجوده الخارجي و ليس عنوانه.

ثمّ بعد هذا تعرّض (قدّس سرّه) إلى بيان كلامين للمحقق القمي صاحب القوانين- لإثبات جواز الاجتماع- مع المناقشة.

الكلام الأوّل: إن الأحكام حيث تتعلق بالطبائع دون الأفراد فيمكن الحكم بالجواز، بتقريب أن الطبيعة بما هي هي- أي بقصر النظر على ذاتها و ذاتياتها- و إن كانت ليست إلّا هي، أي ليست هي إلّا نفس الطبيعة بذاتها و ذاتياتها و لا تتصف بكونها مطلوبة أو غير مطلوبة، و لكنها

____________

- نعم قد تقول: إن الصور الذهنية كيف تتعلّق بها الأحكام و الحال أنها ليست مركزا للآثار؟

و الجواب: إن الصور الذهنية قد تلحظ بما هي صور ذهنية و قد تلحظ بما هي عين الخارج، فإن اللّه سبحانه قد أعطى للإنسان قدرة على أن يلحظ الصورة الذهنية كأنها عين الخارج، و لذا ترى أننا قد نختلي بأنفسنا و نستذكر بعض الأمور السابقة و نفرح أو نحزن، إنه كيف نفرح و نحزن؟ لا تفسير لذلك سوى أننا بالصور الذهنية نرى الخارج، و هكذا الخطيب الحسيني يقرأ مصيبة أهل البيت (عليهم السّلام) فنبكي، و لا تفسير للبكاء سوى أننا من خلال الصور الذهنية نستحضر الخارج.

و إذا اتضح هذا يتضح أن المناسب هو القول بالجواز لأن صورة الصلاة بما هي عين الخارج مركز الوجوب، و صورة الغصب بما هي عين الخارج مركز النهي، فلم يلزم بالتالي اجتماع الأمر و النهي في شي‏ء واحد.

520

لو لوحظت مقيّدة بالوجود بنحو يكون القيد- أعني الوجود- خارجا عن متعلّق الطلب، و التّقيّد هو الداخل في متعلّق الطلب، إنه لو نظرنا إلى الطبيعة هكذا فيمكن تعلّق الطلب بها آنذاك، و لا يلزم محذور اجتماع الأمر و النهي بلحاظ متعلّق التكليف و لا اجتماعهما بلحاظ عالم الامتثال و العصيان.

أما أنه لا يلزم اجتماعهما بلحاظ المتعلّق فواضح لأن متعلّق الأمر هو طبيعة الصلاة، و متعلّق النهي هو طبيعة الغصب، و وجود هاتين الطبيعتين و إن كان واحدا إلّا أن المفروض أن قيد الوجود خارج عن متعلّق الطلب، و عليه فإذا لاحظنا المتعلّقين بما هما متعلّقان فلا اجتماع للأمر و النهي فيهما، و إذا لاحظنا قيد الوجود فلا اجتماع أيضا لفرض أنه خارج عن متعلّق الطلب.

و أما أنه لا يلزم الاجتماع بلحاظ عالم الامتثال فلأن امتثال أمر صل يتحقق بالإطاعة، و مخالفة نهي لا تغصب تتحقق بالعصيان فأين إذن اجتماع الأمر و النهي؟!

هذا حاصل ما أفاده القمي.

و أجاب الشيخ الخراساني بأنه ما هو المقصود من وجود طبيعتين يتعلق الأمر بإحداهما و النهي بالأخرى؟ فهل المقصود وجود ماهيتين للموجود الواحد أو المقصود وجود عنوانين؟ و كلاهما باطل.

أما الأوّل فلأن الموجود الواحد ليست له إلّا ماهية واحدة، فكما أنه وجود واحد كذلك هو ماهية واحدة.

و أما الثاني فلأن الأحكام تتعلّق بالمعنونات الخارجية دون العناوين، و المعنونات لا تتعدّد بتعدّد العناوين.

521

توضيح المتن:

وجودا و ذاتيا: أي وجودا و ماهية.

و إن غائلة اجتماع الضدين فيه ...: هذا شروع في ردّ الكلام الأوّل للقمي. و ضمير فيه يرجع إلى المجمع.

كالآثار العادية و العقلية: مثال الأوّل: الالتحاء للرجل، فإنه أثر عادي لوجوده، و مثال الثاني: التحيّز للجسم، فإنه أثر عقلي لوجوده.

بحيث كان القيد خارجا و التقيّد داخلا: كما هو الحال في شرائط الصلاة مثلا، فإن الفرق بينها و بين الأجزاء بعد كون التقيّد مأخوذا في متعلّق الطلب فيهما هو أنه في الشرائط لا يكون الأمر ممتدا و شاملا لها بخلافه في الأجزاء، فإنه شامل لها.

بما هما كذلك: أي بما هما متعلّقان.

و أنت خبير: هذا شروع في الردّ على الكلام الأوّل للقمي.

و لعلّ في التعبير شيئا من الغموض إلّا أن المراد هو ما ذكرناه.

خلاصة البحث:

إنه بعد اتضاح المقدمات الأربع يتضح الوجه في الامتناع حيث يلزم تعلّق الأحكام المتنافية بالوجود الواحد.

و قد ذكر القمي في إثبات الجواز أن الطبيعة بعد أخذها مقيّدة بالوجود بنحو يكون القيد خارجا عن متعلّق الطلب لا يلزم الاجتماع في المتعلّق لفرض تعدده و لا في مقام الامتثال و العصيان كما هو واضح.

و أجاب الشيخ الخراساني بأن المقصود من الطبيعتين إن كان هو الماهيتين فقد تقدّم أن الموجود الواحد ليست له إلّا ماهية واحدة، و إن كان هو العنوانين فقد تقدّم أن الأحكام لا تتعلّق بالعناوين و لا تتعدّد المعنونات بتعدّدها.

522

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

ثمّ إنه إذا عرفت هذه المقدمات فسوف تعرف أن الحقّ هو الامتناع، إذ المجمع بعد ما كان واحدا وجودا و ماهية فلا يمكن تعلّق الأمر و النهي به حتّى مع تعدّد العنوان لأن الأحكام لا تتعلّق بها بل بالوجود الخارجي.

و أما ما أفاده القمي من ارتفاع المشكلة لو بني على تعلّق الأحكام بالطبائع فغاية تقريبه أن الطبائع من حيث هي هي و إن كانت لا تصلح لتعلّق الأحكام الشرعية بها إلّا أنها بما هي مقيّدة بالوجود- بنحو يكون القيد خارجا و التقيّد داخلا- صالحة لذلك، و لا يلزم الاجتماع في مقام تعلّق التكليف و لا في مقام العصيان و الإطاعة.

أما في المقام الأوّل فلتعدّد المتعلّقين بما هما متعلّقان و إن كانا متحدين فيما هو خارج عنهما.

و أما في المقام الثاني فلسقوط أحدهما بالإطاعة و الآخر بالعصيان فأين الاجتماع في واحد؟

فجوابه أن تعدّد العنوان لا ينفع بعد وحدة المعنون وجودا و ماهية و بعد تعلّق الاحكام به دون العنوان.

***

523

قوله (قدّس سرّه):

«كما ظهر مما حققناه ...، إلى قوله: أما القسم الأوّل فالنهي تنزيها ...».

(1)

كلام آخر للمحقق القمي: [حول جواز الاجتماع‏]

و في هذا الكلام أراد القمي إثبات الجواز أيضا، و ذكر ما حاصله:

إن الأحكام حيث تتعلّق بالطبائع فلا تعود مشكلة في البين، إذ الأمر يتعلّق بطبيعة الصلاة، و النهي بطبيعة الغصب، فأين الاجتماع في شي‏ء واحد إذن حتّى يحكم بالامتناع؟

نعم الطبيعتان تجتمعان في الفرد، فهذا الفرد الموجود في الخارج هو فرد لطبيعة الصلاة و فرد لطبيعة الغصب، و لكن الفرد ليس نفس الطبيعة حتّى يلزم تحقق الاجتماع فيه و إنما هو مقدمة لها، فالاجتماع على هذا لا يلزم حتّى بلحاظ نفس الفرد لأنه ليس نفس الطبيعة بل هو مقدمة لها.

و إذا قلت: إن هذا المقدار لا يدفع المشكلة لأن الفرد لمّا كان مقدمة فلا يمكن أن يتصف بالحرمة لأن مقدمة الواجب إذا لم نحكم بوجوبها فلا أقل لا يمكن الحكم بحرمتها، فكيف يتصف الفرد بالحرمة بعد افتراض كونه مقدمة؟ فالصلاة في الدار المغصوبة التي هي فرد خارجي كيف تتصف بالحرمة؟

____________

(1) الدرس 164: (24/ صفر/ 1426 ه).

524

قلت: لا محذور في اتصاف المقدمة بالحرمة ما دامت ليست منحصرة، كما هو الحال في ركوب الطائرة المغصوبة إلى الحج مثلا، فإنه محرّم رغم كونه مقدمة، إنه لا محذور في ذلك بعد افتراض وجود طائرة أخرى مباحة يمكن ركوبها، و هكذا الحال في المقام، فلا محذور في اتصاف الصلاة الخارجية بالحرمة بعد إمكان أداء الصلاة في المباح.

هذا حاصل ما أفاده القمي (قدّس سرّه).

و أجاب الشيخ الخراساني بجوابين:

1- إن الفرد ليس مقدمة لوجود الطبيعي بل هو عينه، فزيد مثلا ليس مقدمة لوجود طبيعي الإنسان بل هو نفسه، و كيف يكون مقدمة و الحال أن المقدمية تستدعي الاثنينية، و لا اثنينية بين الفرد و الطبيعة، و ما دام الفرد عين الطبيعي فيلزم أن يكون الأمر و النهي المتعلّقان بالطبيعتين متعلّقين بالفرد الخارجي فيعود بذلك المحذور.

2- إنه مع التسليم بكون الفرد مقدمة لوجود الطبيعة فالإشكال رغم ذلك باق، لأن الفرد إذا كان مقدمة لكلتا الطبيعتين فذلك يعني اشتمال الفرد على كلتا الطبيعتين، و قد تقدّم أن كل موجود واحد لا تكون له إلّا ماهية و طبيعة واحدة.

أدلة الجواز:

ثمّ بعد الفراغ عن الدليل على الامتناع أخذ (قدّس سرّه) باستعراض دليلين على الجواز، هما:

الدليل الأوّل: إن اجتماع الوجوب و الحرمة إذا لم يكن ممكنا فكيف وقع اجتماع غيرهما من الأحكام، كما هو الحال في العبادات المكروهة و العبادات المستحبة؟ فالصلاة في الحمام مثلا هي واجبة و مكروهة، و صوم يوم عرفة لمن يضعفه عن الدعاء هو مستحب و مكروه و هكذا.

525

و احتمال الخصوصية للوجوب و الحرمة غير موجود، إذ التضاد بين الأحكام لا يختص بهما بل يعمّ جميع الأحكام فيما بينها، فإذا جاز اجتماع مثل الاستحباب و الكراهة جاز اجتماع غيرهما لعدم الفرق.

و أجاب الشيخ الخراساني بجوابين عن الدليل المذكور، أحدهما إجمالي، و الآخر تفصيلي.

أما الجواب الإجمالي فهو جوابان:

1- إنه بعد ما ثبت بالدليل العقلي القطعي المتقدّم استحالة الاجتماع فكل ما ورد من الشرع يدل بظاهره على تحقّق الاجتماع فلا بدّ من صرفه عن ظاهره بشكل و آخر، فإن الظهور لا يمكن أن يقف أمام الدليل العقلي القطعي.

2- إن العبادات المكروهة أو المستحبة لا يحتاج إلى الجواب عنها خصوص القائل بالامتناع بل القائل بالجواز يحتاج إلى ذلك أيضا، فإن القائل بالجواز إنما يقول بالجواز فيما إذا كان المورد مشتملا على عنوانين و كانت للمكلف مندوحة يمكنه من خلالها اختيار البديل المباح، أما إذا لم يكن المورد مشتملا على عنوانين أو لم يكن مشتملا على البديل المباح فلا يمكن تحقّق الاجتماع حتّى عند القائل بالجواز.

و في مقامنا نقول: إنه في مثال الصلاة في الحمام لا يوجد عنوانان بل هناك عنوان واحد، و هو عنوان الصلاة، و أما عنوان الكون في الحمام فهو ليس متعلّق الكراهة، إذ الكون في الحمام ليس في نفسه من الأمور المكروهة بل هو أمر راجح حيث يوجب نظافة البدن، و على هذا الأساس فالصلاة نفسها واجبة و هي نفسها أيضا- ما دامت في الحمام- مكروهة أيضا، فعنوان الصلاة مثلا الذي هو عنوان واحد مجمع للوجوب‏

526

و الكراهة معا، غايته أن الوجوب تعلّق بمطلق الصلاة بينما الكراهة تعلقت بالحصة الخاصة منها.

ثمّ إنه مع التّنزّل عن ذلك و افتراض وجود عنوانين فليس المكلف ذا مندوحة دائما بل ربما لا تكون له، كما في صوم يوم عاشوراء، فإنه لا يوجد له بدل، إذ صوم يوم آخر- أي يوم كان- هو مستحب في نفسه و لا يكون بدلا عن صوم يوم عاشوراء.

و عليه فكراهة الصوم يوم عاشوراء تشتمل على الإشكال من ناحيتين: من ناحية أن العنوان واحد- حيث إن الاستحباب متعلّق بالصوم بمطلقه و الكراهة متعلّقة بالصوم أيضا، غايته بالحصة الخاصة منه- و من ناحية أن المكلف لا مندوحة له، أي لا يمكنه اختيار البديل، بخلاف ذلك في مثال الصلاة في المغصوب إذا أمكن الخروج منه إلى المكان المباح، فإنه يوجد عنوانان، و البديل متحقّق.

و بالجملة: ليس القائل بالامتناع هو الذي يحتاج فقط إلى جواب عن العبادات المكروهة بل القائل بالجواز بحاجة إلى ذلك أيضا.

هذا كله في الجواب الإجمالي.

و أما الجواب التفصيلي فحاصله أن يقال: إن العبادات المكروهة هي على أقسام ثلاثة:

1- أن تكون الكراهة متعلّقة بذات العبادات و نفترض أن لا بدل لها، كما في صوم يوم عاشوراء، فإن ذات الصوم مكروهة يوم عاشوراء و لا يوجد له بدل، كما هو واضح.

2- أن تكون الكراهة متعلّقة بذات العبادات و نفترض أن لها بدلا، كما في الصلاة في الحمام مثلا، فإن ذات الصلاة مكروهة ما دامت‏

527

هي في الحمام، و هي ذات بدل، لإمكان الصلاة في البيت أو في المسجد.

3- أن لا تكون الكراهة متعلّقة بذات العبادة، بل بعنوان آخر يكون متحدا مع العبادة أو ملازما لها، كما هو الحال في الصلاة في مواضع التهمة، فإن ذات الصلاة ليست مكروهة في مواضع التهمة، و إنما المكروه هو الكون في مواضع التهمة من دون خصوصية للصلاة، غايته أن عنوان الكون في مواضع التهمة حيث إنه متحد مع الصلاة فيها أو ملازم لها فتنسب الكراهة إلى الصلاة مجازا و مسامحة.

و بعد اتضاح هذه الأقسام الثلاثة نأخذ بالجواب عن كل قسم بخصوصه.

توضيح المتن:

كما ظهر مما حققناه ...: هذا شروع في الردّ على الكلام الثاني للقمي.

بسوء الاختيار: متعلّق بكون أو بمحرّمة.

و ذلك مضافا: أي لا يكاد يجدي و ذلك ...

إنه بحسبها: أي إن المجمع بحسب الماهية واحد أيضا، فالمجمع- و هو الفرد- كما أنه واحد وجودا كذلك هو واحد ماهية لما عرفت في المقدمة الرابعة من أن كل موجود واحد لا يمكن أن تكون له ماهيتان.

قد استدل على الجواز بأمور: أي نذكر أمرين منها.

و الصيام في السفر: أي بناء على جواز الصوم في السفر، و هناك رأي يقول بعدم جوازه فيه بما في ذلك المستحب منه.

و في بعض الأيام: كصوم يوم عرفة لمن يضعفه عن الدعاء.

تعدّد الجهة: أي العنوان، يعني لو لم يكن تعدّد العنوان كافيا في‏

528

جواز اجتماع الوجوب و التحريم لم يكن كافيا في العبادات المكروهة و المستحبة أيضا.

مع تعددها: أي الجهة.

لوقوع اجتماع الكراهة: أي لاجتماع الكراهة و الإيجاب، و لاجتماع الكراهة و الاستحباب، فالصلاة في الحمام إن كانت واجبة كانت مثالا للأوّل، و إن كانت مستحبة كانت مثالا للثاني. و هكذا الحال في الصيام في السفر و في يوم عاشوراء.

و اجتماع الوجوب أو الاستحباب ...: هذا إشارة إلى أربعة أنحاء:

اجتماع الوجوب و الاباحة، و اجتماع الوجوب و الاستحباب، و اجتماع الاستحباب و الاباحة، و اجتماع الاستحباب و الاستحباب.

و مثال الأخير الصلاة المستحبة في المسجد.

و المثالان اللذان ذكرهما هما مثالان للأقسام الأربعة.

ثمّ إن اجتماع الاستحباب و الاستحباب هو من اجتماع المثلين، و هو مستحيل كاجتماع الضدين، فإذا كان تعدّد العنوان كافيا يلزم أن يكون كافيا في الاثنين معا، و إذا لم يكن كافيا لم يكن كافيا في الاثنين معا أيضا.

إن العبادات المكروهة على ثلاثة ...: و أما المستحبة فيأتي الجواب عنها إن شاء اللّه تعالى.

بل بما هو مجامع ...: المناسب: بل بما هو متحد معه ...

خلاصة البحث:

إن الكلام الثاني للقمي- و هو أن المتعلّق للتكاليف الطبائع، و الفرد مقدمة لوجودها- غير تام لوجهين: إن الفرد عين الطبيعة لا مقدمة لها، و إنه لا يمكن أن يكون ذا ماهيتين.

529

و قد استدل على الجواز بالعبادات المكروهة و المستحبة.

و قد ذكر (قدّس سرّه) جوابين إجماليين و جوابا تفصيليا.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

و أما ما أفاده القمي أيضا- من تعلّق الأحكام بالطبائع، و الفرد مقدمة لوجودها، و لا ضير في كون المقدمة بسوء الاختيار محرّمة في صورة عدم الانحصار- فيردّه مضافا إلى أن الفرد عين الطبيعي في الخارج، كيف و المقدمية تقتضي الاثنينية في الخارج، و لا تعدد كما هو واضح، إنه إنما يجدي لو لم يكن المجمع الواحد وجودا واحدا ماهية، و قد عرفت أنه بحسبها واحد أيضا.

أدلة الجواز:

استدل على الجواز بأمور، نذكر منها اثنين:

الأمر الأوّل: لو لم يكن تعدّد العنوان كافيا في جواز اجتماع الوجوب و التحريم فكيف وقع الاجتماع في العبادات المكروهة و المستحبة بعد وضوح تضاد الأحكام بأسرها.

و الجواب:

أما إجمالا فبأنه بعد قيام الدليل على الامتناع لا بدّ من التصرف في ظاهر ما دلّ على الوقوع، فإن الظهور لا يصادم البرهان.

مع أن القائل بالجواز يحتاج إلى الجواب عن ذلك أيضا لأنه إنما يقول به في صورة تعدّد العنوان و وجود المندوحة، لا ما إذا لم تكن، كما في بعض العبادات المكروهة التي لا بدل لها.

و أما تفصيلا فالعبادات المكروهة على ثلاثة أقسام.

530

1- أن يكون النهي متعلّقا بنفسها مع عدم وجود البدل، كصوم يوم عاشوراء.

2- أن يكون النهي متعلّقا بنفسها مع وجود البدل، كالصلاة في الحمام.

3- أن لا يكون النهي متعلّقا بها بنفسها بل بالعنوان المتحد أو الملازم لها، كالصلاة في مواضع التهمة، بناء على كون النهي متعلّقا بالكون المتحد أو الملازم للصلاة لا بها.

***

531

قوله (قدّس سرّه):

«أما القسم الأوّل فالنهي تنزيها ...، إلى قوله:

و أما القسم الثاني ...».

(1)

مشكلة العبادات المكروهة:

القسم الأوّل:

توجد في العبادات المكروهة- أعني مثل صوم يوم عاشوراء الذي لا بدل له- مشكلتان:

إحداهما: ما أشار إليه صاحب هذا الدليل، و هو أنه كيف اجتمع الاستحباب و الكراهة في صوم عاشوراء و كيف أمكن ذلك؟

ثانيتهما: كيف تقع العبادة صحيحة و مكروهة؟ إنه أمر غير ممكن، فإن شرط وقوع العبادة صحيحة قصد التقرّب بها، و كيف يمكن التقرب بالشي‏ء المكروه و المبغوض للمولى؟ فصوم عاشوراء بعد ما كان مبغوضا للمولى و مكروها كيف يقع صحيحا و عبادة مقربة؟

و قد أجاب الشيخ الخراساني في هذا القسم بجواب يمكن بواسطته دفع كلتا المشكلتين.

و حاصل ما أفاده: إنه لا بدّ أن نضع أمام نظرنا- قبل أن نأخذ بالتفكير في الجواب- قضيتين يمكن أن تساعدا في هذا المجال، و هما:

____________

(1) الدرس 165: (25/ صفر/ 1426 ه).

532

1- إن صوم يوم عاشوراء لا إشكال في صحته و قد قام الإجماع على ذلك و لم يحتمل أحد وقوعه باطلا.

2- إن صوم عاشوراء و إن كان صحيحا إلّا أن تركه أرجح من فعله لاستمرار سيرة أهل البيت (عليهم السّلام) على تركه.

إنه بعد الالتفات إلى هاتين القضيتين يمكن أن ننطلق إلى الجواب و نقول: إنه يلزم أن نفترض أن فعل الصوم يشتمل على المصلحة، و تركه يشتمل على المصلحة أيضا، فكلاهما يشتمل على المصلحة إلّا أن مصلحة الترك أكبر و أشد، و أشدّية المصلحة في الترك لا توجب مفسدة و مبغوضية في الفعل.

و بناء على هذا تكون كراهة الصوم ليست لأجل مفسدة في فعل الصوم بل لأجل كون المصلحة في الترك أكبر، حيث ينطبق على الترك عنوان ذي مصلحة أرجح، كعنوان مخالفة بني أمية مثلا.

و هذا يعني أن الكراهة في مقامنا هي بمعنى جديد يغاير الكراهة في سائر الموارد، ففي سائر الموارد حينما يقال: هذا مكروه فالمقصود أن فعل هذا الشي‏ء مبغوض و يشتمل على مفسدة، و هذا بخلاف الكراهة في مقامنا، فإنها ليست بهذا المعنى، بل هي بمعنى طلب الترك لكون المصلحة فيه أشد.

و لك أن تقول: إن المورد بناء على هذا المعنى الجديد للكراهة يكون مصداقا للتزاحم بين المستحبين، فصوم يوم عاشوراء هو مصداق للتزاحم بين المصلحتين و المستحبين، و كلما حصل تزاحم بين مصلحتين تخيّر المكلف بينهما مع تساويهما، و يلزم تقديم الأهم عند فرض أقوائية إحداهما، و حيث إنه في المقام كان الترك أقوى مصلحة فيكون الأمر متعلّقا بالترك.

533

و لكن نبقى نؤكّد أن هذا الأمر بالترك لم ينشأ عن مفسدة و مبغوضية في الفعل- بل هو على ما هو عليه من المصلحة و المحبوبية- و إنما هو للمصلحة الأشد في نفس الترك.

و بذلك تندفع كلتا المشكلتين.

أما أن الأولى تندفع فباعتبار أن النهي إنما ينافي الأمر لو كان النهي ناشئا عن مفسدة في الفعل، أما إذا كان النهي للمصلحة الأهم في الترك فلا يتنافى مع الأمر بالفعل.

و أما أن الثانية تندفع فلأن الفعل لا يشتمل على مفسدة و مبغوضية حتّى يقال كيف يقع صحيحا مقربا.

و حصيلة الجواب: إن الكراهة في المقام ليست لمفسدة في الفعل بل لمصلحة أهم في الترك، و المورد هو من موارد التزاحم بين المستحبين و تقديم الأهم منهما، و معه فلا إشكال. و لك أن تصطلح بدل كراهة صوم عاشوراء باستحباب تركه، فإن التعبير المذكور لا يثير مشكلة.

ثمّ إنه (قدّس سرّه) لم يقتصر على بيان حصيلة الجواب بالشكل المذكور بل أضاف بعض الأمور الجانبية التي قد يكون ذكرها عائقا عن هضم الجواب بسرعة، من قبيل:

1- إن العنوان المشتمل على المصلحة- كعنوان مخالفة بني أمية الصادق على ترك صوم عاشوراء- تارة يكون متحدا مع الترك و أخرى يكون ملازما، (1) و لا تأثير من هذه الناحية سوى أنه في حالة

____________

(1) يمكن أن يشكل بأن العنوان الوجودي- كمخالفة بني أمية- كيف يتحد مع الترك الذي هو عدمي؟ و هل يمكن أن يتّحد الوجود مع العدم؟

534

الاتحاد يكون نسبة الطلب إلى الترك نسبة حقيقية، و هذا بخلافه لو كان العنوان ملازما، فإن نسبة الطلب إلى الترك تكون بالعرض و المجاز، إذ المطلوب حقيقة هو ذلك العنوان دون الترك.

2- إن أشدية المصلحة في الترك لا توجب منقصة و مبغوضية في الفعل و إنما يتحقق ذلك لو فرض أن مركز الملاكين واحد و كان أحدهما أشد، كما لو فرض أننا بنينا على الامتناع في مسألة الصلاة في المغصوب، أي قلنا: إن متعلّق الأحكام هو الوجود الخارجي الذي هو واحد، و فرض أننا بنينا على تقديم النهي، أي على أن المفسدة الثابتة في ذلك الوجود الواحد هي الأهم فيلزم بعد الكسر و الانكسار بقاء مفسدة ما و مبغوضية ما، و بالتالي لا يمكن التقرّب.

3- إن النهي المتعلّق بصوم عاشوراء تارة نقول هو مولوي و أخرى نقول بكونه إرشاديا، و كلامنا السابق ناظر إلى كونه مولويا، أما إذا قلنا بكونه إرشاديا- أي كأنه يقول هكذا: أرشدك إلى أن المصلحة الثابتة في الترك أقوى- فسوف تكون نسبة الطلب إلى الترك نسبة حقيقية سواء فرض أن العنوان ذا المصلحة متحد مع الترك أو ملازم له، فلا فرق من هذه الناحية.

توضيح المتن:

أما القسم الأوّل فالنهي تنزيها ...: في العبارة إيهام، إذ توحي أن النهي عن صوم عاشوراء إنما حمل على الكراهة لأجل الإجماع على صحة الصوم، و الحال أن هذا ليس بمقصود، و إنما المقصود أنه بعد الالتفات إلى مطلبين- أي وقوع الصوم صحيحا بالإجماع، و أرجحية الترك- يلزم أن يكون النهي التنزيهي إما لأجل ... أو لأجل ...

535

و الأنسب التعبير هكذا: أما القسم الأوّل فبعد الإجماع على أنه يقع صحيحا ... يلزم أن يكون النهي تنزيها إما لأجل انطباق ...

إما لأجل انطباق ...: أي إن النهي التنزيهي هو إما لأجل انطباق ...

و إما لأجل ملازمة الترك ...

فهما حينئذ يكونان من قبيل المستحبين: فبدلا عن التعبير بالعبادة المكروهة الموجب للإيهام يمكن أن نعبّر بالمستحبين المتزاحمين.

و إن كان الآخر: يعني فعل الصوم.

و منقصة فيه: أي في الفعل.

كما يوجبها ...: أي كما يوجب الحزازة ما ... و كلمة ما فاعل ليوجب.

ثمّ إن في العبارة شيئا من الغموض. و المناسب: و أرجحية الترك لا توجب حزازة في الفعل كالحزازة الحاصلة فيه فيما إذا كانت مفسدته غالبة على مصلحته.

على الامتناع: أي و تقديم النهي.

بخلاف المقام فإنه: أي الفعل.

و إما لأجل ...: هذا عدل لقوله: (إما لأجل انطباق ...).

و قوله: (لعنوان كذلك)، أي لعنوان ذي مصلحة.

إلّا في أن الطلب المتعلّق به حينئذ: أي حين كون العنوان ملازما.

و ضمير به يرجع إلى الترك.

كما في سائر ...: أي إن العنوان ما دام متحدا فالطلب المتعلّق بالترك يكون حقيقيا كطلب الترك في سائر المكروهات حيث يكون حقيقيا، و لا فرق إلّا في أن منشأ طلب الترك في سائر المكروهات هو

536

وجود مفسدة في الفعل بخلافه في مقامنا، فإن طلب الترك هو لمصلحة فيه و ليس لمفسدة في الفعل.

نعم يمكن ...: أي هذا كله لو قلنا أن النهي مولوي.

في كلا القسمين: أي في العنوان المتحد و العنوان الملازم.

الإرشاد إلى الترك: المناسب: الإرشاد إلى أرجحية الترك.

و أكثر ثوابا لذلك: عطف على أرجح من الفعل. أي هو أكثر ثوابا لأنه أرجح من الفعل أو ملازم لما هو أرجح.

خلاصة البحث:

إنه بعد الإجماع على صحة الصوم يوم عاشوراء و بعد أرجحية تركه يتعيّن أن يكون النهي الكراهتي لا لأجل مفسدة في الصوم بل لمصلحة أشد في الترك من دون وجود مفسدة في الفعل، و تكون الكراهة بمعنى جديد، و يكون المورد من قبيل التزاحم بين المستحبين.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

أما القسم الأوّل: فبعد الإجماع على صحة العمل و أرجحية تركه يتعيّن أن يكون النهي التنزيهي لا لمفسدة في الفعل بل لوجود مصلحة في الترك كما هي موجودة في الفعل و إن كانت مصلحة الترك أكثر، و يكون ذلك من قبيل المستحبين المتزاحمين من دون أن تكون أرجحية الترك موجبة للحزازة في الفعل.

ثمّ إن شدة المصلحة في الترك إما لانطباق عنوان ذي مصلحة عليه أو لملازمته له، و لا فرق إلّا في أن الطلب المتعلّق بالترك في حالة الملازمة لا يكون بنحو الحقيقة بل بالعرض و المجاز، بخلافه حالة

537

الاتحاد، فإن تعلقه به يكون حقيقيا، كما في سائر المكروهات من غير فرق إلّا في أن منشأ الطلب فيها منقصة في الفعل، بخلافه في المقام، فإنه لمصلحة في الترك من دون مفسدة في الفعل.

هذا إذا قلنا بكون النهي مولويا.

و يمكن أن يكون للإرشاد إلى أرجحية الترك، و لازمه أن يكون النهي بنحو الحقيقة حتّى على تقدير كون العنوان الراجح ملازما.

***

538

قوله (قدّس سرّه):

«و أما القسم الثاني ...، إلى قوله: و أما القسم الثالث ...».

(1)

القسم الثاني: ما له بدل:

و أما القسم الثاني- أعني ما له بدل، كالصلاة في الحمام- فقد أجاب عنه (قدّس سرّه) بجوابين:

1- نفس الجواب السابق المذكور في القسم الأوّل، و ذلك بأن يقال: إن النهي عن الصلاة في الحمام ليس نهيا كراهيا بالمعنى المصطلح، أي لم ينشأ عن مفسدة في الفعل بل عن أشدية المصلحة في الترك، و هذه كراهة بمعنى جديد يرتفع معها الإشكال، و يمكن أن نعبّر بدل كراهة الفعل باستحباب الترك.

2- أن يكون النهي إرشادا إلى وجود منقصة و قلة ثواب في الصلاة في الحمام و إن الأجدر انتخاب الفرد الأفضل، و هو الصلاة في البيت أو المسجد.

و لك أن تقول: إن الصلاة إذا لاحظناها من دون مزية من هذا الجانب و لا منقصة من ذلك الجانب الآخر- كالصلاة في البيت مثلا- و كان لها مقدار من الثواب بدرجة (10) مثلا فحينئذ الصلاة في الحمام تكون أقل ثوابا من ذلك الحد المتوسط، و الصلاة في المسجد تكون‏

____________

(1) الدرس 166: (26/ صفر/ 1426 ه).

539

أكثر ثوابا، و النهي عن الصلاة في الحمام يريد أن يرشدنا إلى أن هذا الفرد ناقص و أقل ثوابا، و الأجدر بك انتخاب الأفضل.

و لعلّ هذا هو مقصود من قال: إن الكراهة في العبادة هي بمعنى قلة الثواب، أي مراده القلة بلحاظ الحد المتوسط.

و قد أشكل على هذا بإشكالين:

أ- إن لازم ذلك استحباب الصلاة في البيت، لأنها أكثر ثوابا من الصلاة في الحمام.

ب- إن لازم ذلك كراهة الصلاة في البيت، لأنها أقل ثوابا من الصلاة في المسجد.

و الجواب عن هذين الإشكالين واضح، فإنه ليس المقصود القلة و الكثرة كيفما اتفق، بل المقصود القلة و الكثرة بلحاظ الحدّ المتوسط.

ثمّ ذكر (قدّس سرّه) أن النهي في هذا القسم لا يكون إلّا إرشاديا، (1) (2) أي إرشاد إلى أن الصلاة إذا كانت في الحمام فهي تشتمل على منقصة، لا من جهة أن نفس الكون في الحمام يشتمل على حزازة، كيف و هو يشتمل على النظافة التي هي من الإيمان، بل لأجل أن الحمام يشتمل على أشخاص عراة و على أمور مشوّشة للذهن، و هو مما لا يتناسب مع كون الصلاة معراج المؤمن، و إنما المناسب لها الكون في المسجد، و هذا بخلاف القسم الأوّل، فإن النهي فيه على ما ذكرنا يحتمل المولوية و الإرشادية معا.

____________

(1) و قد تسأل لما ذا اختص القسم الثاني بهذا الجواب الثاني و لم يذكر في القسم الأوّل؟

و الجواب واضح، فإنه لا يوجد في القسم الأوّل بدل حتّى يمكن الإرشاد إليه.

(2) لا بدّ أن يكون المقصود على الجواب الثاني و إلّا فعلى الجواب الأوّل يمكن أن يكون مولويا كما هو واضح.

540

توضيح المتن:

كما يمكن أن يكون بسبب حصول ...: كان من المناسب ذكر كلمة إرشاد، أي هكذا: كما يمكن أن يكون للإرشاد إلى حصول ...

و ربما يحصل لها لأجل ...: ذكر هذا و ما بعده تطويل من دون حاجة.

و ذلك لأن الطبيعة ...: هذه العبارة ناقصة حيث لم يذكر لها جواب.

إذا كان مع تشخّص ...: لا يخفى أن قوله: (في حدّ نفسها) هو بحسب المعنى نفس قوله: (إذا كان مع تشخص لا يكون ...) فالتكرار واضح.

و ليكن هذا مراد من قال: أي مراده أنها أقل ثوابا بلحاظ الحدّ المتوسط.

تكون بمعنى أنها تكون: كلمة تكون في الموردين زائدة.

لما عرفت ...: أي و لا يرد عليه لما عرفت.

لا يصلح إلّا للإرشاد: تقدّم أنه لا بدّ أن يكون المقصود أنه لا يكون إلّا للإرشاد على الجواب الثاني و إلّا فعلى الجواب الأوّل يمكن أن يكون مولويا.

خلاصة البحث:

إن القسم الثاني يمكن الجواب عنه بنفس الجواب المذكور في القسم الأوّل، كما يمكن الجواب عنه بكون النهي إرشادا إلى وجود المنقصة و قلة الثواب و إن الأجدر انتخاب ما فيه مزية و كثرة ثواب.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

و أما القسم الثاني: فالنهي فيه يمكن أن يكون لأجل ما ذكر في القسم الأوّل، و يمكن أيضا أن يكون إرشادا إلى اشتمال الفرد على منقصة توجب قلة الثواب و إن الأجدر انتخاب ما يشتمل على المزية و كثرة الثواب.

541

و هذا مراد من قال: إن الكراهة في العبادة بمعنى قلة الثواب. و لا يرد عليه أن لازم ذلك اتصاف العبادة الأقل ثوابا من الأخرى بالكراهة، و التي ليس لها مزية و منقصة بالاستحباب لأنها أكثر ثوابا.

و وجه عدم وروده أن المراد قلة الثواب و كثرته بالقياس إلى الحدّ المتوسط.

و النهي في هذا القسم لا يصلح إلّا للإرشاد بخلاف القسم الأوّل فإنه يمكن فيه أن يكون مولويا أيضا.

***

542

قوله (قدّس سرّه):

«و أما القسم الثالث ...، إلى قوله: و منها أن أهل العرف ...».

(1)

القسم الثالث: تعلّق النهي بالعنوان الآخر:

و أما القسم الثالث- أعني ما إذا لم يتعلق النهي الكراهتي بذات العبادة بل بالعنوان الآخر كالكون في موضع التهمة- فقد أجاب عنه (قدّس سرّه) بجوابين:

1- أن يكون النهي متعلّقا بالعنوان الآخر و ليس بذات العبادة، فذات الصلاة مثلا ليست منهيا عنها و إنما النهي متعلّق بالكون في موضع التهمة و تكون نسبته إلى الصلاة بالعرض و المجاز، فالمنهي عنه حقيقة هو العنوان المذكور المتّحد مع الصلاة أو الملازم، و الصلاة منهي عنها بالعرض و المجاز.

2- أن يكون النهي متعلّقا بالعبادة- و ليس بذلك العنوان الآخر- و لكنه نهي إرشادي، أي هو إرشاد إلى أن الصلاة في موضع التهمة تشتمل على منقصة و قلة ثواب و أن الأرجح الإتيان بها في المواضع الأخرى، إذ المفروض في هذا القسم وجود البدل، أي إمكان أداء الصلاة في موضع آخر.

و الفارق بين هذين الجوابين أنه على الأوّل يكون النهي مولويا و نسبته إلى العبادة تكون بالعرض و المجاز، و هذا بخلافه على الثاني فإن النهي إرشادي و نسبته إلى العبادة هي بنحو الحقيقة.

____________

(1) الدرس 167: (29/ صفر/ 1426 ه).

543

ثمّ بعد هذا ذكر (قدّس سرّه) أن الجواب الأوّل يتم في حالتين، هما:

1- أن يبنى على جواز الاجتماع، فإن معنى الجواز كون المتعلّق متعددا، فهناك صلاة و هناك كون في موضع التهمة، و أحد الوجودين يغاير الوجود الثاني و إن كان منضما إليه، إنه بناء على هذا يكون النهي متعلّقا بالعنوان الآخر، و تكون نسبته إلى الصلاة بالعرض و المجاز.

2- أن يبنى على الامتناع و لكن يفترض أن العنوان الآخر ملازم للصلاة و ليس متحدا معها، إنه بناء على هذا يكون النهي متعلّقا بذلك العنوان الملازم و تكون نسبته إلى الصلاة بالعرض و المجاز.

أما إذا فرض البناء على الامتناع و فرض أيضا كون ذلك العنوان متحدا فلا يمكن تطبيق الجواب الأوّل، إذ العنوان الآخر ليس ذا وجود آخر مغاير لوجود الصلاة حتّى يمكن تعلّق النهي الكراهتي به و تكون نسبته إلى الصلاة بالعرض و المجاز، بل يلزم أن يكون النهي الكراهتي متعلّقا بذات الصلاة، و بذلك يعود الإشكال، و يتعيّن على هذا المصير إلى الجواب الثاني، أي حمل النهي على الإرشاد، أي الإرشاد إلى كون الصلاة في موضع التهمة يشتمل على المنقصة و قلة الثواب بسبب تشخّصها بتشخّص غير لائق.

و لك أن تقول: إن الصلاة في هذا القسم الثالث- بناء على الامتناع و كون ذلك العنوان متحدا- تصير كالصلاة في الحمام، أي تصير مصداقا للقسم الثاني، فكما أنه في القسم الثاني كانت الصلاة في الحمام متشخّصة بمشخّص غير لائق، و كان النهي إرشادا إلى الفرد الأفضل كذلك الصلاة في موضع التهمة- بناء على الامتناع و كون‏

544

عنوان موضع التهمة متحدا مع الصلاة- تصير متشخّصة بمشخّص غير لائق و يكون النهي عنها للإرشاد إلى كونها أقل ثوابا و ذا منقصة. (1)

أين يأتي تفسير الكراهة بأقلية الثواب؟

تقدّم في القسم الثاني من الأقسام الثلاثة المتقدمة- و هو عبارة عن مثل الصلاة في الحمام- إنه يمكن الجواب بوجهين: إما نفس الجواب المذكور في القسم الأوّل أو بحمل النهي على الإرشاد إلى كون الفرد أقل ثوابا لتشخّصه بمشخّص غير لائق.

و تقدّم أن هذا هو المقصود من تفسير الكراهة بأقلّية الثواب.

و الآن نقول: إن تفسير الكراهة بأقليّة الثواب هل يأتي في القسم الأوّل أيضا؟ و لما ذا لم نذكره فيه؟ و هكذا هل يأتي في القسم الثالث أيضا أو هو مختص بالقسم الثاني؟

و في هذا المجال نقول: إن ذلك لا يمكن تطبيقه على القسم الأوّل، إذ قد فرض فيه عدم وجود البدل و أن صوم يوم الحادي عشر من محرم مثلا ليس هو بدلا عن صوم اليوم العاشر، إنه بناء على هذا لا يمكن أن يكون صوم اليوم العاشر أقل ثوابا، إذ يكون أقل ثوابا من صوم أي يوم؟ إن المفروض عدم وجود البدل حتّى يكون هذا أقل ثوابا من‏

____________

(1) و قد اعتبر (قدّس سرّه) شرطا آخر، و هو تقديم جانب الأمر، فقال هكذا: إنه بناء على الامتناع و كون العنوان متحدا و فرض تقديم الأمر يلزم حمل النهي على الإرشاد و لا يمكن الحمل على المولوية، و السؤال: لما ذا اشترط تقديم جانب الأمر؟ لعلّ ذلك من جهة أنه لو كان المقدّم هو النهي فذلك يعني أن المفسدة هي الأهم، و مع أهمية المفسدة لا يمكن التقرّب و وقوع الصلاة صحيحة، و بالتالي لا يمكن أن يكون النهي من جهة الإرشاد إلى أفضل الأفراد، فإن أفضلية فرد على فرد صحتهما معا.

545

ذاك، و ذاك أكثر ثوابا من هذا، فتفسير الكراهة بأقليّة الثواب لا معنى لها في القسم الأوّل.

و هكذا لا معنى لتفسير الكراهة بأقليّة الثواب في القسم الثالث بناء على القول بالجواز، فإنه بناء على الجواز يكون المتعلّق متعددا، أي تكون الصلاة مغايرة للكون في موضع التهمة، و بعد افتراض المغايرة لا تكون الصلاة مشخّصة بمشخّص غير لائق حتّى تكون أقل ثوابا. (1)

العبادة المستحبة:

كل ما سبق من الأقسام الثلاثة كان ناظرا إلى العبادة المكروهة.

و أما العبادة المستحبة- كالصلاة في المسجد- فهي مورد للإشكال أيضا، باعتبار أنه كيف يمكن أن تكون العبادة الواحدة واجبة و مستحبة في وقت واحد؟

و هناك أربعة أجوبة يمكن من خلالها التّخلّص من المشكلة المذكورة، و هي:

1- أن يبنى على كون الأمر الاستحبابي إرشادا إلى أفضل الأفراد، فالمقصود من استحباب الصلاة في المسجد هو الإرشاد إلى كونها أفضل أفراد الواجب، و من المعلوم أن الاستحباب بهذا المعنى يمكن أن يجتمع مع الوجوب.

____________

(1) و يلزم إضافة حالة ثالثة، و هي ما إذا بني على الامتناع و فرض أن عنوان الكون في موضع التهمة ملازم للصلاة و ليس متحدا معها، إنه بناء على الفرض المذكور يكون وجود العنوان الآخر مغايرا لوجود الصلاة، و بالتالي لا تكون- الصلاة- متشخصة بمشخّص غير لائق حتّى تكون أقل ثوابا.

إذن تفسير الكراهة بأقلية الثواب لا يتم في ثلاث حالات، و يتم في حالتين، و هما القسم الثاني و القسم الثالث بناء على الامتناع و كون العنوان الآخر عنوانا متحدا لا ملازما.

546

2- أن يبنى على كون الأمر الاستحبابي مولويا و لكنه اقتضائي، أي يراد به بيان ثبوت ملاك الاستحباب لا أن هناك استحبابا فعليا و حقيقيا.

3- أن يبنى على كون الأمر الاستحبابي مولويّا و فعليّا و لكن فيما إذا كان عنوان الكون في المسجد عنوانا ملازما لا متحدا مع الصلاة.

و بناء على هذا تكون نسبة الاستحباب إلى الصلاة بنحو العرض و المجاز، إذ المستحب حقيقة هو الكون في المسجد لا نفس الصلاة. (1)

4- أن يبنى على كون الأمر الاستحبابي مولويّا و فعليّا و يفترض أن ذلك العنوان متحد مع الصلاة و لكن يفترض البناء على الجواز، فإنه بناء على الجواز يكون المتعلّق متعدّدا، فيمكن بالتالي ثبوت الاستحباب للكون في المسجد، و ثبوت الوجوب للصلاة.

و نلفت النظر إلى أن هذا الجواب الأخير مبني على القول بالجواز بينما الأجوبة الثلاثة الأخرى تتم على الجواز و الامتناع، و من هنا عبّر (قدّس سرّه) بكلمة مطلقا في الجواب الأوّل و غيره قاصدا بذلك الإشارة إلى ما ذكرناه، أي إنها تتم حتّى بناء على الامتناع.

و يوجد فارق آخر، و هو أنه على الأوّل و الثاني تكون نسبة الاستحباب إلى الصلاة بنحو الحقيقة دون المجاز بخلافه على الجوابين الأخيرين.

____________

(1) لا يخفى أنه بعد ما فرض وجود ملازمة بين ذلك العنوان و الصلاة فكيف يكون أحدهما مستحبا و الآخر واجبا؟ إنه أمر غير ممكن، فإن المتلازمين و إن لم يلزم اتحادهما في الحكم إلّا أنه لا يمكن اختلافهما فيه، و هذا مطلب قد تقدّم منه سابقا، و سيأتي بعد قليل التأكيد منه (قدّس سرّه) عليه إن شاء اللّه تعالى.

547

هل جواب القسم الأوّل يأتي في العبادات المستحبة؟

كان الجواب عن القسم الأوّل أن المقصود من الكراهة هو أرجحية الترك- لانطباق عنوان راجح عليه- من دون وجود مفسدة و مبغوضية في الفعل، و الآن نسأل: إن هذا الجواب هل يمكن تطبيقه في العبادة المستحبة؟

و الجواب: إنه لا يمكن تطبيقه، و ذلك لأن عنوان الكون في موضع التهمة إما أن يكون عنوانا متحدا مع الصلاة أو يكون مغايرا.

فإن كان متحدا فيلزم أن يكون مؤكّدا للوجوب من دون أن يكون موجبا لاستحباب الصلاة حتّى بالعرض و المجاز- بمعنى كون الاستحباب متعلّقا بالعنوان، و نسبته إلى الصلاة بالعرض و المجاز- إذ المفروض كون العنوان المذكور متحدا مع الصلاة لا مغايرا. نعم بناء على الجواز يتعدد المتعلّق فيمكن ذلك.

هذا إذا كان العنوان متحدا.

و أما إذا كان ملازما فهو إنما يوجب استحباب الصلاة بالعرض و المجاز، لفرض تغايرهما و عدم الاتحاد، فالمستحب هو ذلك العنوان المغاير دون ذات الصلاة.

و يلزم أن يكون الاستحباب الثابت لذلك العنوان استحبابا اقتضائيا و ليس فعليّا كي لا يلزم اختلاف المتلازمين في الحكم، فإنه قد تقدّم في أبحاث سابقة (1) أن المتلازمين و إن لم يلزم اتحادهما في الحكم و لكن يلزم أن لا يختلفا فيه.

____________

(1) لاحظ مبحث الضد (ص 210) من الكفاية.

548

إذن إذا كان العنوان ملازما فيمكن ثبوت الاستحباب الاقتضائي له- بمعنى ثبوت ملاك الاستحباب للكون في المسجد دون نفس الاستحباب- و تكون نسبته إلى الصلاة بالعرض و المجاز. (1)

توضيح المتن:

مما لا يكون متحدا ...: أي إرشادا إلى سائر الأفراد الأخرى من الصلاة التي لا تكون متحدة مع ذلك العنوان و لا ملازمة.

هذا على القول ...: ظاهر العبارة أن اسم الإشارة يرجع إلى كلا الجوابين و لكن المقصود خصوص الأوّل.

و ترجيح جانب الأمر: ذكرنا النكتة في وجه اعتبار ترجيح جانب الأمر. و كان المناسب حذف الشرط المذكور لوضوح ذلك، و ربما الطالب يتصوّر أن ذلك إشارة إلى شرط مهم و دقيق بينما الأمر ليس كذلك.

حيث إنه صحة: أي حيث إن المفروض صحة العبادة.

فيكون حال النهي فيه: أي حال النهي عن الصلاة في موضع التهمة حال الصلاة في الحمام في كون كل منهما مشخّصا بمشخّص غير لائق، و بالتالي يكون النهي إرشادا إلى ذلك.

و الظاهر أن هذا التطويل لا داعي إليه، و كان بإمكانه اختصار المطلب و العبارة، بأن يقول: فيكون النهي إرشاديا و يتعيّن ذلك و لا يمكن أن يكون مولويا.

____________

(1) و لكن يرد عليه الاعتراض بلحاظ ما تقدم كما أشرنا، و دقّق النظر، فإن الموضوع دقيق معنى و لفظا.

549

فيحمل على ما حمل عليه: أي فيحمل على الإرشاد كما حمل القسم الثاني على ذلك.

و قد انقدح بما ذكرناه: هذا ما أشرنا إليه تحت عنوان أين يأتي تفسير الكراهة بأقليّة الثواب؟

و قوله: في القسم الأوّل مطلقا: أي على الجواز و الامتناع.

كما انقدح حال اجتماع ...: هذا إشارة إلى ما ذكرناه تحت عنوان العبادة المستحبة.

و قوله: فيها: أي في العبادات.

مطلقا على نحو الحقيقة: أي على القول بالجواز و الامتناع و تكون نسبة النهي الإرشادي إلى الصلاة نسبة حقيقية.

و مولويا اقتضائيا: عطف على قوله: (على نحو الإرشاد).

ثمّ إن قوله: كذلك يعني: مطلقا و على نحو الحقيقة.

و فعليا بالعرض و المجاز: عطف على قوله: (مولويّا).

و قوله: فيما كان ملاكه: أي ما إذا كان ملاك الاستحباب ملازمة العبادة للعنوان المستحب.

أو متحد معه: الصحيح: أو متحدا لأنه عطف على ملازمتها.

و الأنسب: أو اتحاده.

و لا يخفى أنه لا يكاد يأتي القسم الأوّل: المناسب: جواب القسم الأوّل.

ثمّ إن هذا إشارة إلى العنوان الذي ذكرناه أخيرا.

و قوله: هاهنا: إشارة إلى العبادة المستحبة، أي إن جواب القسم الأوّل هل يأتي في العبادة المستحبة التي لا بدل لها، كالصلاة في المسجد، فإنه لا بدل لها.

550

و كذا فيما إذا لازم ...: أي و كذا فيما إذا لازمت العبادة ذلك العنوان يلزم أن يكون ذلك العنوان المستحب مؤكّدا لوجوب العبادة و لا يمكن أن يوجب استحبابها إلّا بنحو العرض و المجاز و بالاستحباب الاقتضائي دون الفعلي.

خلاصة البحث:

يوجد في القسم الثالث جوابان: أن يكون النهي مولويّا متعلّقا حقيقة بذلك العنوان دون نفس العبادة، و أن يكون النهي إرشادا إلى سائر الأفراد.

و الجواب الأوّل يتم على القول بالجواز، و هكذا على الامتناع إذا فرض أن العنوان ملازم و لا يتم بناء على الامتناع إذا فرض أن العنوان متحد و يتعيّن المصير إلى الجواب الثاني.

و تفسير الكراهة بأقليّة الثواب لا يتم في القسم الأوّل و لا القسم الثالث على القول بالجواز.

و العبادة المستحبة يمكن الجواب فيها بأربعة أجوبة.

و جواب القسم الأوّل لا يأتي في العبادة المستحبة.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

و أما القسم الثالث: فيمكن أن يكون النهي فيه متعلّقا حقيقة بذلك العنوان، و نسبته إلى العبادة بالعرض و المجاز، كما يمكن أن يكون إرشادا إلى الأفراد الأخرى التي لا يكون ذلك العنوان متحدا معها و لا ملازما لها.

و الجواب الأوّل يتم لو بني على الجواز أو كان العنوان ملازما، و أما إذا كان متحدا فيتعيّن الجواب الثاني بلا مجال للجواب الأوّل.

551

ثمّ إنه لا مجال لتفسير الكراهة في العبادة بأقليّة الثواب في القسم الأوّل و لا في القسم الثالث على القول بالجواز.

و أما العبادة المستحبة فيمكن أن يكون الأمر الاستحبابي فيها بنحو الإرشاد إلى أفضل الأفراد أو يكون مولويّا اقتضائيا- و نسبته على التقديرين على نحو الحقيقة من دون فرق بين الجواز و الامتناع- أو يكون فعليا و تكون نسبته إلى العبادة بالعرض و المجاز فيما إذا كان العنوان ملازما، أو يكون كذلك فيما إذا كان متحدا على تقدير الجواز.

ثمّ إن جواب القسم الأوّل لا يأتي في العبادة المستحبة، لأن العنوان إذا كان متحدا فانطباقه على العبادة الواجبة التي لا بدل لها يوجب تأكيد وجوبها لا استحبابها حتّى بالعرض و المجاز، نعم على الجواز يمكن ذلك.

و إذا كان العنوان ملازما فهو يؤكّد وجوب العبادة أيضا و لا يمكن أن تتصف بالاستحباب إلّا بنحو الاقتضاء و بالعرض و المجاز.

***

552

قوله (قدّس سرّه):

«و منها: إن أهل العرف يعدون ...، إلى قوله:

و ينبغي التنبيه ...».

(1)

بقية الأدلة على الجواز: [الاجتماع‏]

ذكرنا فيما سبق أن الأدلة على جواز اجتماع الأمر و النهي متعددة، و قد نقل (قدّس سرّه) منها اثنين، و تقدّم ذكر الأوّل منهما، و أما الثاني فهو:

الدليل الثاني: إن الشخص لو امر بفعل معين و نهي عن الكون في مكان خاص، كما إذا قال المولى لعبده: خط ثوبي و لا تذهب إلى بيت الجيران، فذهب العبد إلى بيت الجار و اشتغل بخياطة الثوب فيه فالعرف يعدّ مثل العبد المذكور مطيعا و عاصيا، أي يعدّه مطيعا من ناحية الأمر بالخياطة و عاصيا من ناحية مخالفة النهي عن الذهاب إلى بيت الجار، و هذا يشهد بإمكان اجتماع الأمر و النهي، إذ لو لم يمكن يلزم ثبوت إما الأمر فقط فيكون مطيعا فقط أو النهي فقط فيكون عاصيا فقط.

إذن عدّ العبد مطيعا و عاصيا يدل على ثبوت الأمر و النهي معا، و بالتالي يكون كاشفا عن إمكان الاجتماع.

و أجاب (قدّس سرّه) عن الدليل المذكور بجوابين:

1- إن المثال المذكور هو في نفسه قابل للمناقشة، لأن المورد إنما يدخل في باب الاجتماع فيما إذا كان موجودا واحدا يشتمل على‏

____________

(1) الدرس 168: (1/ ربيع الأوّل/ 1426 ه).