التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم‏ - ج3

- محمد طاهر الكردي المزيد...
596 /
505

اللهم اغفر لنا تهاوننا و قلة أدبنا في بلدك الأمين و بيتك الحرام المعظم، فأنت الرب العزيز الأكرم الغني عن العالمين.

و بمناسبة عدم تعلية الدور و البيوت في العصور السابقة على الكعبة المشرفة تعظيما و احتراما لها نذكر هنا بعض ما يشبه ذلك، فقد جاء في أواخر الجزء الثاني من كتاب" حسن المحاضرة في أخبار مصر و القاهرة" للإمام السيوطي (رحمه اللّه تعالى)، أنه في سنة تسع عشرة و ثمانمائة أمر الملك المؤيد الخطباء إذا وصلوا إلى الدعاء له في الخطبة، أن يهبط من المنبر درجة ليكون اسم اللّه و سوله في مكانة أعلى من المكان الذي يذكر فيه السلطان، فصنع ذلك الحافظ ابن حجر بالجامع الأزهر و ابن النقاش بجامع ابن طولون، قال ابن حجر: و كان مقصد السلطان في ذلك جميلا. انتهى منه.

نقول: إن ما ذكر يشبه فعل الخلفاء الراشدين رضي اللّه تعالى عنهم في صعود منبر النبي (صلى الله عليه و سلم) للخطبة، فقد كان لهذا المنبر ثلاث درجات كما في صحيح مسلم، فالثالثة العليا تسمى المجلس، و أن النبي (صلى الله عليه و سلم) كان يجلس على المجلس و يضع رجليه على الدرجة الثانية، فلما ولي أبو بكر رضي اللّه عنه قام على الدرجة الثانية و وضع رجليه على الدرجة السفلى، فلما ولي عمر رضي اللّه عنه قام على الدرجة السفلى و وضع رجليه على الأرض، فلما ولي عثمان رضي اللّه عنه فعل ذلك ست سنين من خلافته ثم علا إلى موضع النبي (صلى الله عليه و سلم).

فانظر رحمك اللّه تعالى إلى هذا الأدب الرفيع من الصحابة مع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بعد مماته و مع بعضهم أيضا، فكل واحد منهم يعرف فضل الآخر و يعترف بمكانته و مقداره، رضي اللّه تعالى عنهم أجمعين، و انظر أدب الملك المؤيد (رحمه اللّه تعالى) كيف أمر الخطباء أن يهبطوا من المنبر درجة حين الدعاء له ليكون اسم اللّه تعالى و رسوله في درجة أعلى من درجة الدعاء له، و لقد قرأنا في التاريخ أن أحد سلاطين آل عثمان" لا نذكر اسمه الآن" دخل ليلا في حجرة نومه فرأى مصحفا معلقا على الجدار المقابل لنومه فلم ينم و ما زال واقفا على رجليه تأدبا و احتراما للقرآن العظيم حتى أدركه الصبح" و إنما الأعمال بالنيات".

فبهذه الأمور الدقيقة و بهذه الآداب العالية، رفع اللّه قدرهم و مكانتهم و قوى ملكهم و سلطتهم و أدخل الرعب في قلوب أعدائهم، أما نحن في هذه الأزمنة المتأخرة القريبة من قيام الساعة، فقد أهملنا آداب الدين و الشريعة، بل إننا أهملنا

506

الفروض و تهاونا بالواجبات، فلم يعبأ اللّه بنا و سلط علينا الأعداء حتى تكدر عيشنا، فلا حول و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم، اللهم تداركنا برحمتك و حول حالنا إلى أحسن الأحوال بفضلك و رحمتك يا أرحم الراحمين آمين.

و من تعظيمهم للكعبة أنه لما فرغت قريش من بناء الكعبة كان أول من خلع الخف و النعل فلم يدخلها بهما الوليد بن المغيرة إعظاما لها فجرى ذلك سنة فكانوا لا يدخلون الكعبة بحذاء و إنما يضعونها تحت الدرجة، قال عطاء بن السائب:

رأيت سعيد بن جبير رضي اللّه عنه يطوف فإذا دخل الحجر وضع نعليه على جدر الحجر، و قال عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنهما: إن كانت الأمة من بني إسرائيل لتقدم مكة فإذا بلغت ذا طوى خلعت نعالها تعظيما للحرم.

و لقد كانت القبائل من عمالقة و جرهم و خزاعة و قريش و غيرهم يسكنون في شعاب مكة و يتركون حول الكعبة احتراما لها و تعظيما لشأنها فلا يجترئ أحد أن بيني بجوارها دارا و لا جدارا، فلما آل الأمر إلى قصي بن كلاب جمع قومه بطون قريش و أمرهم أن بينوا حول الكعبة بيوتا من جهاتها الأربعة و قال لهم: إن سكنتم حول الكعبة هابتكم الناس و لم تستحل قتالكم و الهجوم عليكم، فبنوا بيوتهم حولها، فكان ذلك أول بدء البنيان حول الكعبة. و سنتكلم إن شاء اللّه تعالى عن تعظيم الحرم بعد هذا، و هل كان تعظيم الحرم إلا إكراما للكعبة بيت اللّه الحرام.

و انظر كيف أرسل اللّه الصاعقة على أهل الشام الذين كانوا يرمون الكعبة بالمنجنيق الذي نصبوه على أخشبي مكة أبي قبيس و الأحمر و هو قعيقعان فاحترقت بسبب ذلك، قال الإمام الأزرقي في تاريخه: و كان احتراقها بعد الصاعقة التي أصابت أهل الشام بعشرين ليلة.

قال في الجامع اللطيف لابن ظهيرة ما نصه: روي أن الحجاج بن يوسف لما نصب المنجنيق على أبي قبيس بالحجارة و النيران و اشتعلت النار في أستار الكعبة، جاءت سحابة من نحو جدة يسمع فيها الرعد و يرى البرق فمطرت فلم يجاوز مطرها الكعبة و المطاف، فأطفأت النار و أرسل اللّه عليهم صاعقة فأحرقت منجنيقهم فتداركوه. قال عكرمة: و أحسب أنها احترقت تحته أربعة رجال، فقال الحجاج: لا يهولنكم هذا فإنها أرض صواعق فأرسل اللّه صاعقة أخرى فأحرقت المنجنيق و أحرقت معه أربعين رجلا و ذلك في سنة ثلاث و سبعين في أيام‏

507

عبد الملك بن مروان، قال الجد و الحجاج: ما قصد التسلط على البيت و إنما تحصن به ابن الزبير ففعل ذلك لإخراجه. انتهى من الكتاب المذكور.

و جاء في تاريخ الخميس بصحيفة (305) ما يأتي: و في زبدة الأعمال و بعض المناسك: روي أن الحجاج بن يوسف نصب المنجنيق على أبي قبيس و رمى الكعبة بالحجارة و النيران حتى تعلقت بأستار الكعبة و أشعلت فجاءت سحابة من نحو جدة مرتفعة يسمع منها الرعد و يرى فيها البرق و استوت فوق الكعبة و المطاف فأطفأت النار و سال الميزاب في الحجر ثم عدلت إلى أبي قبيس فرمت بالصاعقة و أحرقت منجنيقهم و أحرقت تحته أربعة رجال فقال الحجاج: لا يهولنكم هذا فإنها أرض صواعق فأرسل اللّه صاعقة أخرى فأحرقت المنجنيق و أحرقت معه أربعين رجلا و ذلك في سنة ثلاث و سبعين في أيام عبد الملك بن مروان فأمسك و كتب بذلك إلى عبد الملك و وهى البيت بسبب ما أصابه من حجارة المنجنيق ثم هدم الحجاج بأمر عبد الملك ما زاد ابن الزبير في الكعبة و بناه. انتهى من الكتاب المذكور.

نقول: و هنا نمسك القلم، ففيما تقدم عبرة و عظة كافيتان لذوي الأبصار، فإذا كان المنتقم الجبار قد أهلك الأمم السابقة الذين تهاونوا بحرمة بيته الحرام، فكيف بنا و نحن قد تهاونا بحرمة البيت و الحرم، و تهاونا بأمور ديننا القويم و تركنا سنة نبينا الكريم محمد (صلى الله عليه و سلم)، فظهر فينا الفساد و كثرت الموبقات و فشا فينا الظلم و الرشوات، و لئن لم ينتقم اللّه منا و لم يهلكنا كما أهلك الأمم السابقة، فإنه قد سلط علينا الأعداء، و رفع عنا البركة و الرخاء و قضى علينا بأنواع الأمراض و البلاء، و أمات قلوبنا فلا ينفع فيها الوعظ و الإرشاد، و جعل على بصائرنا غشاوة فلا نهتدي إلى ما ينفعنا، و نزع منا الرحمة فلا يرحم بعضنا بعضا، فلا حول و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم و إنا للّه و إنا إليه راجعون، اللهم يا رحمن يا رحيم يا حي يا قيوم إليك نلجأ و بك نستغيث و بك نعوذ، فارفع مقتك و غضبك عنا و عاملنا بما أنت أهله من العفو و الكرم لا بما نحن نستحقه، اللهم ارفع عنا الوباء و البلاء و الغلاء، و أنزل علينا من بركات السماء و أخرج لنا من بركات الأرض، و افتح لنا أبواب الخير و الهداية و الصلاح، و اكشف عن قلوبنا الغشاوة حتى نبصر الطريق القويم و نمشي على صراطك المستقيم، و أصلح جميع أحوالنا و أعمالنا

508

بفضلك و رحمتك يا أرحم الراحمين، و صلى اللّه على سيدنا محمد و على آله و صحبه أجمعين، و سلام على المرسلين و الحمد للّه رب العالمين.

تطييب الكعبة

الطيب و هو العطر استعمله الإنسان منذ العصور القديمة و هو من أحسن كماليات الإنسان تستروح به النفس و ينشرح له الصدر، و التعطر و النظافة من أفضل عادة العرب و مثله البخور بالعود و الصندل و اللبان و غيرها، و قد حث الدين الإسلامي على ذلك بأن يستعمله الإنسان في نفسه ولدى حضور الاجتماعات و الجمعة و الأعياد و عند كل مناسبة لطيفة، و السر في ذلك التحبب و الإقبال و عدم الكراهة و النفور. روى الأزرقي عن أم المؤمنين عائشة رضي اللّه عنها أنها قالت:

" طيبوا البيت فإن ذلك من تطهيره"، و قالت أيضا:" لأن أطيب الكعبة أحب إلي من أن أهدي لها ذهبا و فضة" و ذلك لأن الطيب نفعه أكثر فتطيب رائحة الكعبة على الدوام فتستروح الأنفس إليها، كما أن طيبها ينتقل إلى الناس كلما قربوا منها و لمسوها، أما الذهب و الفضة فلا ينتفع بهما سوى سدنتها فقط.

و لما كانت الكعبة المشرفة لها من التقديس و التعظيم في النفوس، و أن الناس يتلمسونها و يطوفون بها آناء الليل و النهار و يجتمعون عندها للصلاة و الدعاء و التضرع كانت أدعى إلى تطييبها و تبخيرها، فكان في الجاهلية يهدى إليها الخلوق و المجمر، و كان العرب يطيبونها داخلا و خارجا بل حتى كانوا يطيبون معها قرني الكبش الذي فدى به إسماعيل و ذبحه إبراهيم (صلوات اللّه و سلامه عليهما) فقد كانا محفوظين داخل الكعبة معلقين بالجدر تلقاء من دخلها إلى أن هدمها ابن الزبير فلما أراد أن يتناولهما همدا من الأيدي كما ذكره الإمام الأزرقي.

و ما احترقت الكعبة في أيام قريش قبل البعثة بخمس سنين على أشهر الأقوال إلا من تبخيرها و تجميرها، فإن امرأة من قريش ذهبت تجمر الكعبة فطارت من مجمرتها شرارة فاحترقت كسوتها و كانت الكسوة عليها ركاما بعضها فوق بعض فاحترقت الكعبة و توهنت جدرانها و تصدعت، فهدمتها قريش و بنتها بناء قويا كما هو مفصل بيانه في محله، و معنى التجمير التبخير.

و هذا عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنهما فإنه لما فرغ من بناء الكعبة المشرفة خلقها من داخلها و خارجها من أعلاها إلى أسفلها و كساها القباطي كما في‏

509

تاريخ الأزرقي، و معنى خلّقها: طلاها بضرب من الطيب، فكان ابن الزبير أول من خلّق جوف الكعبة.

و روى الأزرقي أن عبد اللّه بن الزبير كان يجمر الكعبة كل يوم برطل من مجمر و يجمر الكعبة كل جمعة برطلين من مجمر. اه.

و روى الأزرقي أن معاوية رضي اللّه عنه بعث من الشام إلى شيبة بن عثمان بكسوة من ديباج و قباطي و حبرة و كتب إليه أن يجرد الكعبة و يكسوها و يخلّقها، قال: فرأيت شيبة جردها حتى لم يترك عليها شيئا مما كان عليها و خلّق جدرانها كلها و طيبها ثم كساها تلك الكسوة التي بعث بها معاوية إليها و قسم الثياب التي كانت عليها على أهل مكة و كان ابن عباس حاضرا في المسجد الحرام و هم يجردونها قال: فما رأيته أنكر ذلك و لا كرهه. اه. قال عطاء بن يسار:

و كانت الكعبة قبل هذا لا تجرد إنما يخفف عنها بعض كسوتها و تترك عليها حتى كان شيبة بن عثمان أول من جردها و كشفها. اه.

جاء في تاريخ القطبي ما يأتي: و ذكر حجبة الكعبة المهدي أنه تراكمت على الكعبة كسوة كثيرة أثقلتها و يخاف على جدرانها من ثقلها، فأمر بنزعها فنزعت حتى بقيت مجردة، و وجدوا كسوة هشام من الديباج الثخين و كسوة من قبله من ثياب اليمن، فجردت الكعبة منها و على جدرانها من داخلها و خارجها بالغالية و المسك و العنبر.

و صعد الخدم على سطح الكعبة و صاروا يسكبون قوارير الغالية الممسكة المطيبة على جدارات الكعبة إلى أن استوعبوها، ثم كسيت ثلاث كساوى من القباطي و الخز و الديباج، و قسم المهدي في الحرمين الشريفين أموالا عظيمة و هي ثلاثون ألف ألف درهم وصل بها معه من العراق، و ثلثمائة ألف دينار وصلت إليه من مصر، و مائتا ألف دينار وصلت إليه من اليمن و خمسين ألف ثوب فرق جميع ذلك على أهل الحرمين.

جاء في تاريخ عمارة الكعبة: أن السنجاري روى في تاريخه أن السلطان قايتباي أمر في سنة (884) أربع و ثمانين و ثمانمائة بغسل الكعبة و تطييبها ظاهرا و باطنا، فحضر شريف مكة الشريف محمد بن بركات و قاضي مكة برهان الدين بن ظهيرة، و جردت الكعبة و غسلت ظاهرا و باطنا و طيبت بماء الورد و المسك ثم أعيد ثوبها. انتهى.

510

و روى الأزرقي عن أبي نجيح أن معاوية رضي اللّه عنه أجرى للكعبة وظيفة الطيب لكل صلاة و كان يبعث لها بالمجمر و الخلوق في الموسم و في رجب و أخدمها العبيد ثم اتبعت ذلك الولاة. اه. و هو أول من أجرى الزيت لقناديل المسجد من بيت المال.

و جاء في تاريخ الغازي: لما حج المهدي العباسي سنة (160) رفع إليه أنه قد اجتمع على الكعبة ثياب كثيرة حتى أنها أثقلتها و يخشى على الجدران من ذلك فأمر بتجريدها ثم ضمخها من خارجها و داخلها بالغالية و المسك و العنبر ثم كساها بثلاثة أثواب قباطي و خز و ديباج و هو جالس في المسجد مما يلي دار الندوة. انتهى.

و في هذه السنة المذكورة أمر المهدي المذكور بالمسجد الحرام و زاد فيه الزيادة الأولى قال الأزرقي: و أخبرني عبد اللّه بن إسحاق الحجبي عن جدته فاطمة بنت عبد اللّه قالت: حج المهدي فجرد الكعبة و طلا جدرانها من خارج بالغالية و المسك و العنبر قالت: فأخبرني جدك تعني زوجها محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الحجبي قال: صعدنا على ظهر الكعبة بقوارير من الغالية فجعلنا نفرغها على جدران الكعبة من خارج من جوانبها كلها و عبيد الكعبة قد تعلقوا بالبكرات التي تخاط عليها ثياب الكعبة و يطلون بالغالية جدرانها من أسفلها إلى أعلاها. اه.

قال المرحوم الشيخ حسين باسلامة في كتابه تاريخ الكعبة المعظمة ما نصه: ثم صار ذلك الطيب يهدى للكعبة من سائر الملوك و السلاطين و الأمراء إلى أن صارت ولاية الحرمين الشريفين تابعة لسلاطين آل عثمان فصار الطيب و البخور يأتي سنويا من القسطنطينية من ضمن المرتبات التي خصصت للحرمين الشريفين و استمر ذلك إلى نهضة الشريف الحسين ثم صار يصرف لرئيس السدنة من صندوق وزارة المالية شيئا من النقود مع مخصص غسيل الكعبة المعظمة برسم الطيب و العمل جار على ذلك إلى العصر الحاضر. انتهى.

و نحن بدورنا سألنا فضيلة رئيس سدنة الكعبة المشرفة عن عطر الكعبة فأجابنا بمثل ما ذكره المرحوم الشيخ حسين باسلامة، و قال: إن حكومتنا السعودية تدفع لنا ثمن العطر و البخور مقدار ألفي ريال سعودي سنويا، و قال: تطيب كافة جدران الكعبة من جهاتها الأربعة بعطر الورد بعد خلطه بماء الورد و يطلق البخور في أثناء ذلك من المجمرة التي توضع في محل خاص بوسط الكعبة.

511

هذا ما وقفنا عليه من تطييب الكعبة. و أما حكم أخذ طيب الكعبة فقد ذكر الإمام النووي (رحمه اللّه تعالى) بأنه لا يجوز أخذ شي‏ء من طيب الكعبة لا للتبرك و لا لغيره و من أخذ شيئا من ذلك لزمه رده فإن أراد التبرك أتى بطيب من عنده فمسحها به ثم أخذه. و روي عن سعيد بن جبير أنه كان يكره أن يؤخذ من طيب الكعبة يستشفى به، و قال عطاء: كان أحدنا إذا أراد أن يستشفي به جاء بطيب من عنده فمسح به الحجر ثم أخذه.

عدم خلو الكعبة من الطائفين‏

من الأسرار الإلهية العجيبة الدقيقة في بيته الحرام و الكعبة المعظمة المشرفة المكرمة أنها لا تخلو قط من الطواف و الطائفين آناء الليل و أطراف النهار حتى في وقت نزول المطر و هجوم السيل إلى المسجد الحرام و في شدة الحر و البرد و هذا النوع من العبادة فريد في بابه في الحياة الدنيا. قال الحافظ محب الدين الطبري في كتابه" القرى لقاصد أم القرى" ما نصه:

و قد قيل إن الكعبة شرفها اللّه تعالى منذ خلقها عز و جل شأنه و جل جلاله ما خلت من طائف يطوف بها من إنس أو جن أو ملك، و قال بعض السلف:

خرجت يوما في هاجرة ذات سموم فقلت: إن خلت الكعبة عن طائف في حين فهذا ذلك الحين، و رأيت المطاف خاليا فدنوت فرأيت حية عظيمة رافعة رأسها تطوف حول الكعبة. ذكره ابن الصلاح في منسكه. انتهى من الطبري.

و جاء في شفاء الغرام للفاسي: قال السهيلي: لما ذكر بناء ابن الزبير للكعبة و في الخبر أنه سترها حتى وصل إلى القواعد فطاف الناس بتلك الأستار فلم تخل قط من طائف، حتى لقد ذكر أن يوم قتل ابن الزبير رضي اللّه تعالى عنهما اشتدت الحرب و اشتغل الناس فلم ير طائف يطوف بالكعبة إلا جمل يطوف بها.

انتهى منه.

قال العلامة القطبي في تاريخه المسمى" الإعلام بأعلام بيت اللّه الحرام" في الباب الأول ما نصه: و كنت أشاهد قبل الآن في زمن الصبا خلو الحرم الشريف و خلو المطاف من الطائفين حتى أني أدركت الطواف و حدي من غير أن يكون معي أحد مرارا كثيرة، أترصده خليا لكثرة ثوابه بأن يكون الشخص الواحد يقوم‏

512

بتلك العبادة وحده في جميع الدنيا و هذا لا يكون إلا بالنسبة إلى الإنسان فقط، و أما الملائكة فلا يخلو منهم المطاف الشريف.

ثم قال بعد بضعة أسطر: حكى لي والدي (رحمه اللّه) أن أحد الصالحين رصد الطواف أربعين عاما ليلا و نهارا ليفوز بالطواف وحده، فرأى بعد هذه المدة خلو المطاف الشريف فتقدم ليشرع في الطواف و إذا بحية تشاركه في ذلك الطواف، فقال لها: من أنت من خلق اللّه؟ قالت: أنا أرصد ما رصدت قبلك بمائة عام، فقال لها: حيث أنت من غير البشر فإني فزت بالانفراد بهذه العبادة و أتم طوافه.

انتهى من تاريخ القطبي.

أما ما جاء في موطأ الإمام مالك عند الكلام على" الصلاة بعد الصبح و العصر في الطواف" و هو: و حدثني عن مالك عن أبي الزبير المكي أنه قال: لقد رأيت البيت يخلو بعد صلاة الصبح و بعد صلاة العصر ما يطوف به أحد، فإننا لم نفهم هذا الكلام حق الفهم، فإن وقع هذا فهل روى مثله أحد من المحدثين و المفسرين و المؤرخين أم لا، ثم إن وقع ذلك فمن الذي أبطل هذه العادة حتى صار الناس يطوفون بالبيت في كل وقت و حين حتى بعد الصبح و بعد العصر إلى يومنا هذا بل إلى يوم القيامة إن شاء اللّه تعالى.

جاء في الجامع اللطيف لابن ظهيرة القرشي: و عن مجاهد قال: كان كل شي‏ء لا يطيقه الناس من العبادة يتكلفه ابن الزبير رضي اللّه تعالى عنه، فجاء سيل فطبق البيت فامتنع الناس من الطواف فجعل ابن الزبير يطوف سباحة، و ذكر القاضي عز الدين بن جماعة عن جده أنه طاف بالبيت سباحة و كان كلما حاذى الحجر الأسود غطس لتقبيله، و ذكر أن بعض المكيين أخبره أنه اتفق له مثل ذلك.

انتهى منه.

نقول: مسألة الطواف سباحة لا يزال بعض الناس بمكة إلى اليوم يطوفون سباحة بالكعبة المعظمة عند دخول السيل العظيم إلى المسجد الحرام و ممن طاف سباحة في السيل الكبير الذي دخل المسجد الحرام سنة (1360) ستين و ثلاثمائة و ألف صديقنا الفاضل السيد محمد الهادي بن علوي عقيل من أهالي مكة المشرفة و الساكن بباب الزيادة.

و لقد خلا المطاف من الطائفين بعض الأوقات في عصرنا هذا بعد صلاة الظهر فقط و ذلك عند ضرب الألغام و إثارتها عند الصفا لتكسير الجبل لتوسعة المسجد

513

الحرام و الشارع، فإنهم كانوا يخرقون الجبل أولا بالآلات الثاقبة قد يبلغ مائتي ثقب و قد يبلغ ثلاثمائة ثقب، ثم يملأون هذه الثقوب بالديناميت و في كل منها فتيل يكون طرف الفتيلة خارجا عن الثقب ثم يشعلونها و يبتعدون عنها فإذا وصلت النار من الفتيلة إلى الديناميت ثار و فجر تلك الثقوب فتكسر الصخور و تتطاير الأحجار إلى مسافة بعيدة في كل جهة.

لذلك قبيل إشعال الفتيل بدقائق ينذر الذين يشتغلون بالألغام الناس ليبتعدوا و يختبئوا في البيوت و تحت السقوف و أن لا يجلس أحد في طاقات و شبابيك منازلهم المطلة على مواضع الألغام خوفا من إصابتهم بالحجارات المتطايرة عند إثارة الألغام، و يكون هناك الجنود أيضا في الشارع يصفرون بصفارات الإنذار بقرب إثارتها، و يمنعون الناس من المرور بقربها، فإذا ثارت الألغام خلت الشوارع و الأماكن القريبة منها من الناس.

و لما كان المسجد الحرام قريبا من جبل الصفا و كانت الكعبة بوسط المسجد المكشوف غير المسقوف، فإنه عند إثارة الألغام يهرب الناس من الطواف حول الكعبة و يستترون في أروقة المسجد الحرام و جدرانه، و لا يترك حفظة المسجد الحرام و جنوده أن يطوف أحد بالكعبة و لا أن يقربوا الحجر الأسود و لا أن يمشوا في صحن المسجد خوفا من إصابة أحد بالأحجار المتطايرة عند إثارة الألغام بعد صلاة الظهر مباشرة.

ففي هذا الوقت فقط يخلو المطاف عيانا من الطائفين مدة لا تتجاوز نصف الساعة. و إليك صورة خلو المطاف و صحن المسجد من الناس.

انظر: صورة رقم 97، المطاف خاليا من الناس‏

و إليك صورة الحجر الأسود و قد وضعت عليه الستارة لوقايته و حفظه و الستارة عبارة عن سلم خشبي كما تراه في الصورة و هو لا يعني شيئا فوقاية اللّه تعالى أعظم و أكمل.

انظر: صورة رقم 98، صحن المسجد خاليا من الناس‏

و في هذه الحالة تحافظ حكومتنا السنية على الحجر الأسود فقد أمرت أن يوضع عليه فراش مطوي عدة طيات ثم يوضع فوق الفراش لوح من الحديد و يربط بستارة الكعبة من الجانبين بالحبال، لحفظه و صيانته و ذلك خوفا من إصابته بحجارة الألغام التي تتطاير و لكن لم يحصل و للّه الحمد أن شيئا منها وصل إلى صحن‏

514

المسجد و المطاف. و قد تكلمنا أيضا على ستر الحجر الأسود خوفا عليه من الألغام عند الكلام على ستر الكعبة في حرب ابن الزبير.

و قد بدأت إثارة الألغام لتكسير جبل الصفا قرب المسجد الحرام من ابتداء العمل في توسعة المسجد الحرام و ذلك من سنة (1375) خمس و سبعين و ثلاثمائة و ألف.

الطواف في الجاهلية

كان أهل الجاهلية يطوفون بالبيت سبعا، و كانوا يجعلون الكعبة عن يمينهم حين الطواف، و يستلمون الحجر الأسود في البدء و الختام، و كانوا يفتحون البيت يوم الاثنين و يوم الخميس، و لا يدخلونه بحذاء بل يضعون نعالهم تحت الدرجة تعظيما له، و كانوا يطوفون بالبيت عراة. فقد روى الأزرقي في تاريخه عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال: فكانت قبائل من العرب من بني عامر و غيرهم يطوفون بالبيت عراة: الرجال بالنهار، و النساء بالليل فإذا بلغ أحدهم باب المسجد قال للحمس: من يعير مصونا من يعير معوزا فإن أعاره أحمسي ثوبه طاف به و إلا ألقى ثيابه بباب المسجد ثم دخل للطواف فطاف بالبيت سبعا عريانا، و كانوا يقولون: لا نطوف في الثياب التي قارفنا فيها الذنوب ثم يرجع إلى ثيابه فيجدها لم تحرك فيأخذها و يلبسها، و لا يعود بعد ذلك إلى الطواف عريانا و لم يكن يطوف بالبيت عريان إلا الضرورة من غير الحمس: فأما الحمس فكانت تطوف في ثيابها، إلى آخر ما ذكره الأزرقي من عاداتهم و أحوالهم تفصيلا في تاريخه فراجعه إن شئت.

ثم لما جاء الإسلام منع من الطواف بالبيت عريانا، فإنه لما حج أبو بكر بالناس في الحجة التي أمره النبي (صلى الله عليه و سلم) قبل حجة الوداع أذن يوم النحر في الناس لا يحج بعد العام مشرك و لا يطوف بالبيت عريان. ذكره البخاري في صحيحه في أواخر كتاب بدء الخلق.

جاء في تاريخ الأزرقي (رحمه اللّه تعالى): أن امرأة جاءت يوما لتطوف بالبيت و كان لها جمال و هيئة، فطلبت ثيابا عادية فلم تجد من يعيرها فلم تجد بدا من أن تطوف عريانة فنزعت ثيابها بباب المسجد ثم دخلت المسجد عريانة فوضعت يدها على فرجها و جعلت تقول:

515

اليوم يبدو بعضه أو كله‏* * * و ما بدا منه فلا أحله‏

قال: فجعل فتيان مكة ينظرون إليها و كان لها حديث طويل و قد تزوجت في قريش. انتهى من الأزرقي.

تقول: و قائلة هذا البيت هي ضباعة بنت عامر بن قرط القشيرية و قد أسلمت و هاجرت رضي اللّه تعالى عنها و خلاصة قصة طوافها بالبيت عريانة:

أنها كانت عند عبد اللّه بن جدعان ثم رغب فيها هشام بن المغيرة، فطلبت الطلاق من ابن جدعان لتتزوجه، فاشترط عليها لطلاقها أن تنحر مائة ناقة سوء الحدق، و أن تغزل خيطا يمد بين أخشبي مكة، و أن تطوف بالبيت عريانة فعرضت هذه الشروط على هشام فتكفل لها بذلك، و قال لها: أنا أسأل قريشا أن يخلو لك البيت ساعة لتطوفي عريانة. فلما ذهبت لتطوف جعلت تخلع ثوبا ثوبا و هي تقول:

اليوم يبدو بعضه أو كله‏* * * فما بدا منه فلا أحله‏

حتى نزعت ثيابها ثم نشرت شعرها فغطى بطنها، و ظهرها حتى صار في خلخالها فما استبان من جسدها شي‏ء و أقبلت تطوف بالبيت و هي تقول هذا الشعر.

و قد جاءت ترجمتها و قصتها في كتاب" الإصابة في تمييز الصحابة" فارجع إليها إن شئت.

جاء في صحيح البخاري في باب مناقب الأنصار في باب أيام الجاهلية: عن قيس بن أبي حازم، قال: دخل أبو بكر على امرأة من أحمس يقال لها زينب، فرآها لا تكلم فقال: ما لها لا تكلم، قالوا: حجت مصمتة، قال لها: تكلمي فإن هذا لا يحل هذا من عمل الجاهلية، فتكلمت فقالت: من أنت، قال: امرؤ من المهاجرين، قالت: أي المهاجرين؟ قال: من قريش، قالت: من أي قريش أنت؟

قال: إنك لسؤول، أنا أبو بكر، قالت: ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح الذي جاء اللّه به بعد الجاهلية؟ قال: بقاؤكم عليه ما استقامت بكم أئمتكم قالت: و ما الأئمة؟ قال: أما كان لقومك رؤوس و أشراف يأمرونهم فيطيعونهم؟ قالت:

بلى، قال: فهم أولئك على الناس. انتهى.

516

الجلوس في الحجر و المطاف في الجاهلية

كان المطاف و حجر إسماعيل (عليه السلام) في زمن الجاهلية مجلسا عاما يجتمعون فيهما و يجلسون بفناء الكعبة و ظلها يتذاكرون في مختلف شؤونهم، أما المجلس الخاص الذي يعقده كبار القوم و أشرافهم للنظر في الأمور المهمة فقد كان في دار الندوة. روى الإمام الأزرقي في تاريخه عن جده أنه قال: كان المسجد الحرام محاطا بجدار قصير غير مسقف و كان الناس يجلسون حول الكعبة بالفداة و العشي يتتبعون الأفياء فإذا قلص قامت المجالس. اه. و قلص الظل بمعنى نقص.

و روى الإمام الأزرقي أيضا في تاريخه عن ابن جريج أنه قال: كنا جلوسا مع عطاء بن أبي رباح في المسجد الحرام" و حدوده في ذلك العهد هو نفس المطاف اليوم" فتذاكرنا ابن عباس و فضله و علي بن عبد اللّه ابن عباس في الطواف و خلفه ابنه محمد بن علي فعجبنا من تمام قامتهما و حسن وجوههما فقال عطاء: و أين حسنهما من حسن عبد اللّه ابن عباس ما رأيت القمر ليلة أربع عشرة و أنا في المسجد الحرام طالعا من جبل أبو قبيس إلا ذكرت وجه ابن عباس و لقد رأيتنا جلوسا معه في الحجر إذ أتاه شيخ قديم بدوي من هذيل يهدج على عصاه فسأله عن مسألة فأجابه فقال الشيخ لبعض من في المجلس: من هذا الفتى؟ فقالوا: هذا عبد اللّه ابن العباس بن عبد المطلب فقال الشيخ: سبحان الذي مسح حسن عبد المطلب إلى ما أرى، فقال عطاء: سمعت ابن عباس يقول: سمعت أبي يقول:

كان عبد المطلب أطول الناس قامة و أحسن الناس وجها ما رآه قط شي‏ء إلا أحبه و كان له مفرش في الحجر لا يجلس عليه غيره و لا يجلس معه عليه أحد و كان الندى من قريش حرب بن أمية فمن دونه يجلسون حوله دون المفرش فجاء رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و هو غلام يدرج ليجلس على المفرش فجبذوه فبكى فقال عبد المطلب:

و ذلك بعدما حجب بصره ما لا بني يبكي؟ قالوا له: إنه أراد أن يجلس على المفرش فمنعوه فقال عبد المطلب: دعوا ابني فإنه يحس بشرف أرجو أن يبلغ من الشرف ما لم يبلغ عربي قط، قال: و توفي عبد المطلب و النبي (صلى الله عليه و سلم) ابن ثمان سنين و كان خلف جنازته يبكي حتى دفن بالحجون.

و روى الأزرقي أيضا عن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي اللّه تعالى عنهما قالت: لما نزلت‏ تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَ تَبَ‏ جاءت أم جميل بنت حرب بن أمية

517

امرأة أبي لهب و لها ولولة و في يدها فهر فدخلت المسجد و رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) جالس في الحجر و معه أبو بكر رضي اللّه عنه فأقبلت و هي تلملم الفهر في يدها و تقول:

مذمما أبينا، و دينه قلينا، و أمره عصينا، قالت فقال أبو بكر رضي اللّه عنه: يا رسول اللّه هذه أم جميل و أنا أخشى عليك منها و هي امرأة فلو قمت، فقال: إنها لن تراني و قرأ قرآنا اعتصم به، ثم قرأ: وَ إِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَ بَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً قالت: فجاءت حتى وقفت على أبي بكر رضي اللّه عنه و هو مع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و لم تره فقالت: يا أبا بكر فأين صاحبك، قال: الساعة كان هاهنا قالت: إنه ذكر لي أنه هجاني و ايم اللّه إني لشاعرة و إن زوجي لشاعر و لقد علمت قريش أني بنت سيدها، قال سفيان قال الوليد في حديثه: فدخلت الطواف فعثرت في مرطها فقالت: نفس مذمم، فقال النبي (صلى الله عليه و سلم): ألا ترى يا أبا بكر ما يدفع اللّه تعالى به عني من شتم قريش يسموني مذمما و أنا محمد فقالت لها أم حكيم ابنة عبد المطلب: مهلا يا أم جميل، إني لحصان فما أكلم، و ثقاف فما أعلم و كلتانا من بني العم، ثم قريش بعد أعلم.

انتهى من تاريخ الأزرقي.

و معنى قول أبي بكر:" يا رسول اللّه هذه أم جميل و أنا أخشى عليك منها و هي امرأة فلو قمت" أي هذه امرأة لو أساءت إليك نقع في حرج عظيم، فإننا لا نقدر على ضربها و الانتقام منها لأنها امرأة، و التعدي على المرأة ليس من الشهامة و المروءة، كما أننا لا نصبر على امرأة تتعدى عليك، فلو قمت يا رسول اللّه و تواريت عنها لاسترحنا من أمرها. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): إنها لن تراني، و بالفعل أنها لما وقفت عليهما ما رأته، فكانت هذه المعجزة ثبتت مكانة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و قوت عزته و نصره.

استحباب الدخول في الكعبة

اعلم أنه يستحب الدخول إلى الكعبة المشرفة بأدب و خشوع و أن يصلي فيها، و الأفضل أن يقصد مصلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فإذا دخل البيت مصلي حتى يكون بينه و بين الجدار الذي قبل وجهه قريبا من ثلاثة أذرع فيصلي. ثبت ذلك في صحيح البخاري، و يدعو في جوانبه و هذا بحيث لا يؤذي أحدا و لا يتأذى هو، فإن حصل الإيذاء له أو لغيره حرم دخوله، فإذا دخل البيت فليكن شأنه الدعاء

518

و التضرع و لا يشتغل بالنظر إلى ما يلهيه فإنه في بيت اللّه تعالى الذي قال فيه:

إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَ هُدىً لِلْعالَمِينَ* فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً. و يستحب أيضا أن يكثر من دخول الحجر و يقال له الحطيم فإنه من البيت و دخوله سهل، و الدعاء فيه تحت الميزاب مستجاب، روي عن عائشة رضي اللّه عنها أنها قالت:" كنت أحب أن أدخل البيت فأصلي فيه فأخذ رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بيدي فأدخلني الحجر و قال:" صلي فيه إن أردت دخول البيت فإنما هو قطعة من البيت" و يستحب الشرب من ماء زمزم و التضلع منه، أي الامتلاء منه. فقد روي عن جابر رضي اللّه عنه أن النبي (صلى الله عليه و سلم) قال:" ماء زمزم لما شرب له" و عن أبي ذر رضي اللّه عنه أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قال في ماء زمزم:" إنها مباركة و أنها طعام طعم و شفاء سقم" رواه مسلم.

و يستحب لمن أراد الشرب منه أن يستقبل القبلة و يقول: اللهم إن بلغني أن نبيك محمدا قال:" ماء زمزم لما شرب له" و إني أشربه لتشفيني أو ترزقني علما أو مالا أو ذرية أو غير ذلك من الحاجات ثم يسمي اللّه تعالى و يشرب، و يستحب نقله تبركا، فإن النبي (صلى الله عليه و سلم) استهداه من سهيل ابن عمرو، و كفا هذا الماء المبارك شرفا أنها تخرج من تحت الكعبة المعظمة و من الصفا و المروة. اه.

و جاء في تاريخ الأزرقي: عن ابن جريج عن نافع مولى ابن عمر قال: كان ابن عمر إذا قدم مكة حاجا أو معتمرا فوجد البيت مفتوحا لم يبدأ بشي‏ء أول من أن يدخله. اه.

و روى الأزرقي عن جده عن مسلم بن خالد الزنجي أحد فقهاء مكة قال:

رأيت صدقة بن يسار يدخل البيت كلما فتح فقلت له: ما أكثر دخولك البيت يا أبا عبد اللّه؟ قال: و اللّه إني لأجد في نفسي أن أراه مفتوحا ثم لا أصلي فيه.

انتهى منه.

نقول: إن كثرة الدخول إلى الكعبة المعظمة أو قلّتها راجع إلى حال الشخص نفسه، فإن آنس من نفسه الرغبة الشديدة في دخولها مع مراعاة كامل الأدب في كل مرة و في كل وقت تفتح فيه الكعبة، فإنه يطلب له الدخول في كل مرة مهما تكرر دخوله، و هذه الحالة لا تكون إلا للعلماء الصالحين.

و ما رواه البخاري في صحيحه بأن ابن عمر رضي اللّه عنهما كان يحج كثيرا و لا يدخل الكعبة. فهذا أمر يرجع إلى اجتهاد ابن عمر و هو الحريص على تتبع آثار

519

النبي (صلى الله عليه و سلم)، فعدم دخوله لا بد أن يكون لحكمة دقيقة، و ربما كانت حتى لا يظن الناس أن دخول الكعبة من مناسك الحج لا يتم إلا بدخولها و اللّه تعالى أعلم.

و لا ينبغي أن يفهم مما تقدم أن ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما لم يدخل الكعبة قط، فقد دخلها رضي اللّه عنه حال حياة النبي (صلى الله عليه و سلم) كما يعلم ذلك من كتب الأحاديث و السير، فقد روى البخاري في صحيحه في كتاب المغازي في باب دخول النبي (صلى الله عليه و سلم) من أعلى مكة: عن عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أقبل يوم الفتح من أعلى مكة على راحلته مردفا أسامة بن زيد و معه بلال و معه عثمان بن طلحة من الحجبة، حتى أناخ في المسجد فأمره أن يأتي بمفتاح البيت، فدخل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و معه أسامة بن زيد و بلال و عثمان بن طلحة، فمكث فيه نهارا طويلا ثم خرج، فاستبق الناس فكان عبد اللّه بن عمر أول من دخل فوجد بلالا وراء الباب قائما، فسأله أين صلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فأشار له إلى المكان الذي صلى فيه، قال عبد اللّه: فنسيت أن أسأله كم صلى من سجدة. اه.

أما إذا كان الشخص من العوام ممن لا يأنس من نفسه الرغبة الشديدة في دخوله بل يتساوى لديه الدخول و عدمه، فهذا الأفضل له عدم كثرة الدخول حتى لا يحصل منه التهاون بحرمتها.

و هذا التفصيل يكون أيضا في جميع أنواع العبادات كقراءة القرآن و كثرة الصلاة.

و يصلي الداخل في أي نواحيها شاء، فقد جاء في صحيح البخاري في كتاب الحج عن ابن عمر رضي اللّه عنهما أنه كان إذا دخل الكعبة مشى قبل الوجه حين يدخل و يجعل الباب قبل الظهر، يمشي حتى يكون بينه و بين الجدار الذي قبل وجهه قريبا من ثلاث أذرع، فيصلي يتوخى المكان الذي أخبره بلال أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) صلى فيه، و ليس على أحد بأس أن يصلي في أي نواحي البيت شاء.

و الأفضل أن يصلي في الموضع الذي فيه صلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و قد صلى فيها ركعتين يوم دخلها في فتح مكة، و موضع مصلاه قبل الجدار الغربي بثلاثة أذرع قرب الركن اليماني و كان باب الكعبة خلف ظهره.

فإذا دخل المرء البيت الحرام و مشى قبل وجهه حتى يكون بينه و بين الجدار الغربي الذي أمامه نحو ثلاثة أذرع و يكون ظهره على باب البيت فقد وقف موقف‏

520

رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) في صلاته و لا بد أن تقع أعضاؤه في مكان موقفه عليه الصلاة و السلام.

و صلاة النبي (صلى الله عليه و سلم) في الكعبة كان يوم الفتح لا في حجة الوداع و صلى فيها ركعتين خفيفتين، و قد ذكر التقي الفاسي أن عليه الصلاة و السلام دخل الكعبة أربع مرات بعد الهجرة، و هو يوم الفتح و ثاني يوم الفتح و في حجة الوداع و في عمرة القضاء قبل فتح مكة بسنة. قال: و في كل من هذه الدخولات خلاف إلا الدخول الذي في يوم الفتح.

و نرى أن الحكمة في صلاة النبي (صلى الله عليه و سلم) في الكعبة حين دخولها أحيانا، و عدم صلاته حين دخوله إليها أحيانا و اكتفائه بالتكبير و التهليل و حمد اللّه و الثناء عليه، هي أن لا يظن أحد أن الصلاة عند دخولها في كل مرة واجبة، فإنه (صلى الله عليه و سلم) كل فعله و حركاته عن حكمة جزاه اللّه عن أمته خير الجزاء. و قد ذكر الإمام البخاري في صحيحه الأحاديث الواردة في دخول النبي (صلى الله عليه و سلم) الكعبة و صلاته فيها و بوّب لذلك أربعة أبواب.

و أما الطواف بالكعبة من داخلها فغير مشروع، بل لا يصح مطلقا لأنه يشترط في الطواف أن يكون خارج الكعبة و أن يكون خلف جدار حجر إسماعيل (عليه السلام)، و أما آداب دخولها التي ينبغي مراعاتها فقد بيّناها في المبحث الآتي.

فضل دخول الكعبة المعظمة

يستحب دخول بيت اللّه الحرام اقتداء برسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و بفعل الصحابة و التابعين و من بعدهم، قال الفاسي: و قد اتفق الأئمة الأربعة على استحباب دخول البيت، و استحسن مالك كثرة دخولها لأن في مناسك ابن الحاج قال ابن حبيب: و أخبرني مطرف عن مالك أنه سئل عن الصلاة في البيت و عن دخوله كلما قدر عليه الداخل، فقال له: ذلك واسع حسن. انتهى. و لقد ورد في فضل ذلك ما ذكره الفاسي في شفاء الغرام بما ملخصه:

روي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): من دخل البيت فصلى فيه دخل في حسنة و خرج من سيئة مغفورا له. و في لفظ: من دخل البيت خرج مغفورا له. و روى الفاكهي أخبارا في فضائل دخول البيت، فقد روي عن هند بن أوس أنه قال: حججت فلقيت ابن عمر فقلت: إني أقبلت‏

521

من الفج العميق أردت البيت العتيق، و أنه ذكر لي أن من أتى بيت المقدس يصلي فيه خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، فقال ابن عمر: رأيت البيت من دخله فصلى فيه خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه.

و قال عطاء: لأن أصلي ركعتين في البيت أحب إلي من أن أصلي أربعا في المسجد الحرام. و قال الحسن البصري في رسالته المشهورة: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم):

من دخل الكعبة دخل في رحمة اللّه عز و جل و في حمى اللّه تعالى و في أمن اللّه عز و جل، و من خرج خرج مغفورا له. انتهى من شفاء الغرام.

نقول: إننا نعتقد أن من دخل بيت اللّه عز و جل تبركا و تعظيما و طلبا لفضله و مغفرته، فإنه يخرج منه مغفورا له مقضى الحاجات إن عاجلا أو آجلا، فإن اللّه تعالى أكرم من أن يردّ داخل بيته المطهر عبده الضعيف الفقير المحتاج بدون إكرام و جائزة، فاللّه عز شأنه لا تضره المعاصي و لا تنفعه الطاعات، و مهما أعطى لعباده و غفر لهم فلا ينقص من ملكه و فضله مثقال ذرة، فلو دخل مخلوق إلى بيت ملك أو أمير لاجئا أو طامعا فإنه يخرج قرير العين، فكيف بمن يدخل بيت ملك الملوك الكبير المتعال الذي بيده مقاليد السموات و الأرض، و إنما الأعمال بالنيات و إنما لكل امرئ ما نوى، فعلى قدر حسن ظن العبد بربه يكون حظه و سعده، و إذا كان الداخل إلى الحرم المكي آمنا بصريح قوله تعالى: وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً فالداخل إلى نفس بيت اللّه الحرام يكون أشد أمنا لأنه واقع في نقطة مركز دائرة الحرم. اللهم إنا لا نستغني من فضلك و برك و عافيتك و رحمتك و عفوك و غفرانك لا في الدنيا و لا في الآخرة، فعاملنا بما أنت أهله يا أرحم الراحمين و يا أكرم الأكرمين آمين. و صلى اللّه على سيدنا محمد و على آله و صحبه و سلم.

آداب دخول الكعبة

لا يخفى على كل عاقل ما ينبغي من الآداب لمن يدخل بيوت الملوك و الأمراء، فكيف إذا لداخل بيت ملك الملوك و رب الأرباب الخلاق العظيم مالك الملك ذي الجلال و الإكرام.

و قبل كل شي‏ء ينبغي لداخل البيت الحرام أن يحسن ظنه باللّه و أنه سبحانه و تعالى أكرم من أن يردّه خائبا صفر اليدين، و الدنيا كلها لا تساوي عند اللّه جناح بعوضة، ثم ينبغي له مراعاة كامل الآداب و حبذا لو اغتسل في بيته و توضأ

522

و تطيب ليدخل الكعبة المعظمة طاهرا نظيفا متطيبا، فالاغتسال و التطيب لكل مجتمع سنة مطلوبة، و دخول الكعبة أولى بذلك لأنها محل اجتماع الناس و ازدحامهم للدخول، فإذا دخلها فلا يلتفت إلى يمينه أو يساره و لا إلى ما حوله على سبيل العبث و الفضول، إلا إذا أراد التحقق من بحث علمي أو أمر يهمه أو أي شي‏ء يتعلق بالكعبة نفسها من بناء و إصلاح فلا بأس من ذلك مع مراعاة الأدب و الخشوع. روي عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها أنها قالت: عجبا للمرء المسلم دخل الكعبة كيف يرفع بصره قبل السقف، ليدع ذلك إجلالا للّه تعالى و إعظاما، دخل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) الكعبة فما خالف نظره موضع سجوده حتى خرج منها، أخرجه البيهقي في سننه و الحاكم في المستدرك. و لا ينبغي معانقة الأعمدة التي في داخل الكعبة أي أسطواناتها حيث لم يفعلها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و لا أحد من أصحابه بل إذا دخلها يمشي قبل وجهه حتى إذا كان بينه و بين الجدار ثلاثة أذرع صلى ركعتين خفيفتين ثم يدعو اللّه و يثني عليه بما هو أهله و يهلل و يكبر و يستغفر اللّه و يصلي على النبي (صلى الله عليه و سلم)، كما ينبغي له أن لا يكثر من الصلاة و الدعاء إذا كان هناك زحام شديد لأن ذلك يذهب بالخشوع و استحضار القلب لمرور الناس حوله و تدافعهم عليه، و إذا كان واقفا في مصلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فليصل ركعتين خفيفتين ثم لينتقل إلى محل آخر للدعاء و الاستغفار لأن غيره ينتظر فراغه ليصلي في نفس مصلى النبي (صلى الله عليه و سلم).

و ينبغي مراعاة الرفق و السهولة في دخول الكعبة حتى لا يحصل منه أذى لغيره، فإن تحقق الضرر و الأذى منه أو له لم يدخل، لأن دخول الكعبة سنة غير مؤكدة، و أما الأذى فحرام، و لا يطلب الإتيان بالسنة بارتكاب المحرم، و ما يحصل من الاندفاع و التزاحم الشديد لدخول الكعبة حين فتحها من جهلة الناس فهذا خطأ فاحش و من الصعب إفهام العوام ذلك، على أن لهم نوع عذر و هو التشرف بدخول بيت اللّه المعظم عسى أن يكونوا من الآمنين يوم القيامة، فنيتهم حسنة لا يقصدون الأذى لبعضهم و إن وقع ذلك اضطرارا و يتحملونه و يصفحون عن بعضهم، و إنما الأعمال بالنيات، فنسأل اللّه لنا و لهم جميعا العفو و الغفران و الفضل و الإحسان و الموت على الإيمان إنه بعباده لطيف خبير.

أما ما يشاع على ألسنة العوام و الجهال من أن من دخل الكعبة لا يجوز له أن يمشي على الأرض حافيا، و لا أن يحكي ما رآه في الكعبة، و لا أن ينظر إلى سقفها

523

و من نظر إلى سقفها لا بد و أن يحصل له العمى، و نحو ذلك من الأوهام الخيالية، فهذا لا أصل له و هو كلام فارغ و وسواس من الشيطان الرجيم فينبغي التحرز من مثل هذه الأوهام و التخيلات و اللّه الهادي إلى سواء السبيل.

و من اللطائف المناسبة ذكره هنا: أن الأديب المصري الكبير الأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني (رحمه اللّه تعالى) ذكر في كتابه" رحلة الحجاز" التي كانت تقريبا سنة (1348) ثمان و أربعين و ثلاثمائة و ألف هجرية، أنه لما عاد إلى مصر من الحجاز سألته أمه عن دخوله الكعبة المشرفة بما يأتي:

قالت له: هل دخلت الكعبة؟ قال فقلت لها:" بلى دخلناها بصفة خاصة".

فقالت لي:" طوبى لك، لا تخبر أحدا بما رأيت فيها احذر".

فسألتها عن السبب فقالت لي: إن من يرى الكعبة من الداخل لا يقصّ على غيره ما يرى.

قلت لها: و لكنها خالية و لا شي‏ء فيها، كان فيها أوثان من الجاهلية فأخلاها منها النبي (صلى الله عليه و سلم).

فقالت لي: إيوه، خليك على كده، كل من سألك عنها تقول له: لم أر شيئا.

فقلت لها: و لكنها حقيقة خالية.

قالت لي: تمام مضبوط، بارك اللّه فيك.

فقلت لها: إني لا أكذب و لا أدعي، هي حقيقة كما أقول خالية.

فقالت لي: إيوه، تمام، أهو كده، اللّه يزيدك عقلا.

فأمسكت، و لم أرلي حيلة، و ها أنا ذا أقول للقراء إن الكعبة لا شي‏ء فيها، فليصدقوا أو لا يصدقوا، و ليكونوا كأمي، و ليدعوا لي، أو فليضنوا علي بالدعاء كما يشاؤون. انتهى محاورة المازني مع أمه.

نقول: ماذا يظن القارئ الكريم أن يكون داخل الكعبة، هل يكون فيها فراش وثير، أم كراسي مصفوفة مبطنة بالحرير، أم يكون فيها من أدوات الزينة و الصور و الرسوم، ما يلهي المؤمن المسلم.

524

إن الكعبة المعظمة بيت اللّه الكبير المتعال، جعلت للعبادة و الدعاء و التفكر، و إظهار الذلة و المسكنة و الانكسار، و الخضوع و البكاء و الاعتبار، فلا ينبغي أن يكون فيها ما يشغل داخلها عما جاء لأجله، فداخلها سعيد مغفور له، و اللّه تعالى أعز و أجل من أن يردّ له دعاء أو يخيب أمله.

قال الفاسي في شفاء الغرام: و أما ما يطلب في الكعبة من الأمور التي صنعها النبي (صلى الله عليه و سلم) فهو: التكبير و التسبيح و التهليل و التحميد و الثناء على اللّه عز و جل و الدعاء و الاستغفار، لأحاديث وردت في ذلك.

منها: ما رويناه عن أسامة بن زيد أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لما دخل البيت دعا في نواحيه كلها و لم يصل حتى خرج فلما خرج ركع قبل البيت ركعتين و قال: هذه القبلة. أخرجه البخاري و مسلم.

و في مسلم عن ابن جريج قلت لعطاء ما نواحيه أفي زواياه، قال: بل في كل قبلة من البيت. و عند النسائي في هذا الحديث" سبح في نواحيه و كبر". و قوله:

قبل البيت و هو بضم القاف و الباء الموحدة و يجوز إسكان الباء كما في نظائره، و معناه على ما قيل ما استقبلك فيها و قيل مقابلها. اه.

ثم قال الفاسي بعد بضعة أسطر مما تقدم: و من الأحاديث الواردة في المعنى الذي أشرنا إليه، ما رويناه في سنن النسائي أيضا من حديث أسامة بن زيد أنه دخل مع النبي (صلى الله عليه و سلم) البيت فمضى يعني النبي (صلى الله عليه و سلم) حتى إذا كان بين الأسطوانتين اللتين تليان باب الكعبة جلس فحمد اللّه و أثنى عليه و سأله و استغفره ثم قام حتى أتى ما استقبل من دبر البيت فوضع وجهه و خده عليه فحمد اللّه و أثنى عليه و سأله و استغفره ثم انصرف إلى كل ركن من أركان الكعبة فاستقبله بالتكبير و التهليل و التسبيح و الثناء على اللّه و المسألة و الاستغفار ثم خرج. انتهى باختصار.

قال: و روينا من حديثه أيضا في سنن النسائي قال: دخلت مع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) البيت فجلس فحمد اللّه و أثنى عليه و كبر و هلل ثم قام إلى ما بين يديه من البيت فوضع صدره عليه و خده و يديه ثم هلل و كبر و دعا ثم فعل ذلك بالأركان كلها ثم خرج. انتهى باختصار.

و أخرجه أحمد أيضا عن ابن عباس قال: دخل النبي (صلى الله عليه و سلم) الكعبة و فيها ست سواري فقام عند كل سارية فدعا و لم يصل. أخرجه البخاري و مسلم و أحمد بن حنبل. انتهى كل ذلك من شفاء الغرام.

525

و قال الفاسي في شفاء الغرام أيضا: و أما آداب دخول الكعبة فكثيرة منها:

الاغتسال، لما رويناه عن عبد الكريم بن أبي المخارق. و منها: نزع الخف و النعل، لما رويناه في سنن سعيد بن منصور عن عطاء و طاووس و مجاهد، و كره مالك دخولها بالخفين و النعلين و هو قول الحنابلة. و منها: أنه لا يرفع بصره إلى السقف، لحديث في ذلك رويناه عن عائشة أخرجه الحاكم من المستدرك و قال:

صحيح على شرط الشيخين، و قد تقدم هذا الحديث في الباب التاسع و هو هذا:

" روى الحاكم في المستدرك و البيهقي في سننه عن سالم بن عبد اللّه أن عائشة قالت: دخل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) الكعبة ما خلف بصره موضع سجوده حتى خرج منها".

و إنما كره رفع البصر في الكعبة لأنه يولد الغفلة و اللهو عن القصد، أشار بذلك المحب الطبري في القرى. و منها: أنه لا يزاحم زحمة شديدة يتأذى بها أو يؤذي بها أحدا، أشار إلى ذلك النووي و غيره. و منها: أن لا يكلم أحدا إلا لضرورة أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر. و منها: أن يلزم قلبه الخشوع و الخضوع و عينيه الدموع إن استطاع ذلك و إلا حاول صورتها، ذكر هذين الأمرين المحب الطبري و هذا لفظه. و منها: أن لا يسأل مخلوقا لما رويناه عن سفيان بن عينية قال: دخل هشام بن عبد الملك الكعبة فإذا هو بسالم بن عبد اللّه بن عمر بن الخطاب فقال: سلني حاجتك قال: أستحي من اللّه أن أسأل في بيته غيره، و ذكر الفاكهي ما يقتضي أن التارك بسؤال هشام في الكعبة غير سالم ابن عبد اللّه لأنه قال: حدثنا محمد بن أبي عمر قال: قال سفيان بن عينية: سمعت بعض من يذكر أن بعض الخلفاء، هشام بن عبد الملك أو غيره دخل الكعبة عام حج فلم يدع في الكعبة غير منصور الحجي، فقال له هشام: سل حاجتك، قال منصور: ما كنت لأسأل غير اللّه في بيته فلم يسأله شيئا، انتهى، و حكم النساء في دخولهن الكعبة حكم الرجال من غير خلاف أعلمه في ذلك. انتهى من شفاء الغرام.

الصلاة في داخل الكعبة

قال العلامة ابن ظهيرة القرشي الحنفي في كتابه" الجامع اللطيف في فضل مكة و أهلها و بناء البيت الشريف" عند آخر الكلام على كنز الكعبة و الحكم فيه ما نصه: فروع، ثم ذكر الفرع الأول و الثاني و الثالث و نحن لم نذكر هذه الثلاثة

526

لعدم تعلقها في هذا الفصل لكن نذكر هنا الفرع الرابع و هو المقصود فقد قال (رحمه اللّه تعالى) ما نصه:

(الفرع الرابع) تصح صلاة الفرض و النفل عندنا في الكعبة من غير كراهة بجماعة و غيرها و تجوز فوق سطحها من غير ساتر مع الكراهة.

و مذهب الإمام الشافعي (رحمه اللّه) كمذهبنا في جواز الفرض و النفل في باطن الكعبة بل هو الأفضل عنده لكن يشترط في الفريضة ألا يرجو المصلي جماعة خارج الكعبة. قال الشافعي (رحمه اللّه): ما تفوتني فريضة في جماعة فأصليها في موضع أحب إلي من بطن البيت لأن البقاع إذا فضلت بقربها منه فبطنها أفضل منها، و أما صحة الصلاة على سطحها فيشترط أن يكون إمام المصلي شاخص قدر ثلثي ذراع تقريبا من جدار الكعبة و هو الصحيح من مذهبه، و مذهب الإمام مالك رضي اللّه عنه عدم جواز الفريضة في جوف البيت و كذلك السنن المؤكدة كالعيدين و الوتر و ركعتي الفجر و ما أشبهها على مشهور مذهبه و أما النفل فيجوز و أما الصلاة على سطحها فالمشهور عنده المنع، و مذهب الإمام أحمد رضي اللّه عنه أن صلاة الفريضة في الكعبة لا تصح و في النافلة خلاف بين أصحابه و الأصح الصحة و كذا الحكم في السطح عندهم في الفريضة و النافلة. انتهى كلام ابن ظهيرة.

و هنا نذكر باختصار حكم الصلاة في جوف الكعبة فرضا كانت أو نفلا عن المذاهب الأربعة، جاء في الجزء الأول من كتاب" الفقه على المذاهب الأربعة" للعلامة الشيخ عبد الرحمن الجزيري ما نصه:

" الحنابلة قالوا": إن صلاة الفرض لا تصح في جوف الكعبة و لا على ظهرها إلا إذا وقف في منتهاها و لم يبق وراءه شي‏ء منها، أو وقف خارجها و سجد فيها، أما صلاة النافلة و الصلاة المنذورة فتصح فيها و على سطحها إن لم يسجد على منتهاها، فإن سجد على منتهاها لم تصح صلاته مطلقا، لأنه يصير في هذه الحالة غير مستقبل لها.

" و المالكية قالوا": تصح صلاة الفرض في جوفها إلا أنها مكروهة كراهة شديدة، و يندب له أن يعيدها في الوقت أما النفل فإن كان غير مؤكد ندب أن يصليه فيها، و إن كان مؤكدا كره و لا يعاد، و أما الصلاة على ظهرها فباطلة إن‏

527

كانت فرضا، و صحيحة إن كانت نفلا غير مؤكد، و في النفل المؤكد قولان متساويان.

" و الشافعية قالوا": إن الصلاة في جوف الكعبة صحيحة فرضا كانت أو نفلا، إلا أنها لا تصح إذا صلي إلى بابها مفتوحا، و أما الصلاة على ظهرها فإنه يشترط لصحتها أن يكون أمامه شاخص منها يبلغ ثلثي ذراع بذراع الآدمي.

" و الحنفية قالوا": إن الصلاة في جوف الكعبة و على سطحها صحيحة مطلقا، إلا أنها تكره على ظهرها لما فيه من ترك التعظيم. انتهى من الكتاب المذكور.

صلاة النبي (صلى الله عليه و سلم) في الكعبة

روى ابن عباس عن أسامة أن النبي (صلى الله عليه و سلم) لم يصل في الكعبة، و روى بلال أنه (صلى الله عليه و سلم) صلى في الكعبة. و هذا البحث تناوله العلماء و الأجلاء و رجحوا رواية بلال.

و إليك خلاصة ما ذكروه نقلا عن شفاء الغرام فقد جاء فيه ما يأتي:

قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر: رواية ابن عمر عن بلال أن النبي (صلى الله عليه و سلم) صلى في الكعبة، أولى من رواية ابن عباس عن أسامة، أنه لم يصل، لأنها زيادة مقبولة و ليس قول من قال من لم يفعل بشهادة ... إلى آخر كلامه.

و قال السهيلي في الروض الأنف: و أما دخوله (صلى الله عليه و سلم) الكعبة و صلاته فيها فحديث بلال أنه صلى فيها، و حديث ابن عباس أنه لم يصل فيها، و أخذ الناس بحديث بلال لأنه أثبت الصلاة و ابن عباس نفاها، و إنما يؤخذ بشهادة المثبت لا بشهادة النافي، و من تأول قول بلال أنه صلى أي دعا فليس بشي‏ء، لأن في حديث ابن عمر أنه صلى فيها ركعتين، و لكن رواية ابن عباس و رواية بلال صحيحتان، لأنه عليه الصلاة و السلام دخلها يوم النحر فلم يصل، و دخلها في الغد فصلى فيها، و ذلك في حجة الوداع، و هو حديث مروي عن ابن عمر بإسناد حسن أخرجه الدارقطني و هو من فوائده. انتهى.

و قال الشيخ محيي الدين النووي: أجمع أهل الحديث على الأخذ برواية بلال لأنه مثبت فمعه زيادة علم فوجب ترجيحه قال: و أما نفي أسامة فيشبه أنهم لما دخلوا الكعبة أغلقوا الباب و اشتغلوا بالدعاء فرأى أسامة النبي (صلى الله عليه و سلم) يدعو ثم اشتغل أسامة في ناحية من نواحي البيت و النبي (صلى الله عليه و سلم) في ناحية و بلال قريب منه ثم صلى‏

528

النبي (صلى الله عليه و سلم) فرآه بلال لقربه منه و لم يره أسامة لبعده و اشتغاله بالدعاء و كانت صلاته خفيفة فلم يرها أسامة لإغلاق الباب مع بعده و اشتغاله بالدعاء و جاز له نفيها عملا بظنه، و أما بلال فتحققها و أخبر بها و اللّه أعلم. انتهى من شرح مسلم.

و قال في المجموع و هو شرح المهذب: قال العلماء: الأخذ برواية بلال في إثبات الصلاة أولى لأنه مثبت و قد على النافي فإن بلالا كان قريبا من النبي (صلى الله عليه و سلم) حين صلى معه و راقبه في ذلك فرآه يصلي و كان أسامة متباعدا مشتغلا بالدعاء و الباب مغلق و لم ير الصلاة فوجب الأخذ برواية بلال لأن معه زيادة علم.

انتهى.

و قال المحب الطبري: و قد اختلف بلال و أسامة في صلاة النبي (صلى الله عليه و سلم) في البيت و حكم العلماء ترجيح حديث بلال لأنه أثبت و ضبط ما لم يضبطه أسامة و المثبت مقدم على النافي ثم قال: و يحتمل أن يكون أسامة غاب عنه بعد دخوله لحاجة فلم يشهد صلاته و قد روى ابن المنذر عن أسامة أن النبي (صلى الله عليه و سلم) رأى صورا في الكعبة فكنت آتيه بماء في الدلو يضرب به الصور فأخبر أنه كان يخرج لنقل الماء و كان ذلك في يوم الفتح و صلاته (صلى الله عليه و سلم) في الكعبة إنما كانت يوم الفتح لا في حجة الوداع. قال أبو حاتم بن حبان: و الأشبه عندي أن يحمل الخبران على دخولين متغايرين أحدهما يوم الفتح و صلى فيه و الآخر في حجة الوداع و لم يصل فيه من غير أن يكون بينهما تضاد. انتهى.

و قال القاضي عز الدين بن جماعة في هذا المعنى فيما أخبرني به خالي عنه:

قال:- يعني أحمد بن حنبل- حدثنا هشيم قال: أخبرنا عبد الملك عن عطاء قال أسامة بن زيد: دخلت مع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) البيت فجلس فحمد اللّه و أثنى عليه و كبر و هلل و خرج و لم يصل ثم دخلت معه في اليوم الثاني فقام و دعا ثم صلى ركعتين ثم خرج فصلى ركعتين خارجا من البيت مستقبل وجه الكعبة ثم انصرف و قال: هذه القبلة. و كذلك رواه أحمد بن منيع في مسنده و الدارقطني و غيرهم و هو كلام شاف كاف في الجمع بين الأحاديث، فنحمد اللّه على التوفيق للجمع به فإن ذلك من أجل الفوائد، فإن بعض كبار العلماء قال: يحتمل أن يكون أسامة غاب عنه (صلى الله عليه و سلم) بعد دخوله لحاجة فلم يشهد صلاته. اه.

ثم قال الفاسي بعد بضعة أسطر من الكلام المتقدم ما يأتي: و مما لعله أن يكون مرجحا لذلك أيضا" أي لحديث بلال" من حيث المعنى على ما ظهر لي،

529

أن الكعبة المعظمة كالمسجد الحرام في استحباب التحية لمن دخلها، و التحية للمسجد الحرام الطواف لمريده أو الصلاة فيه و الطواف بالكعبة من داخلها غير مشروع، فلم يبق لها تحية إلا الصلاة فيها كتحية سائر المساجد، فكيف يدخلها النبي (صلى الله عليه و سلم) و لا يصلي فيها مع بعد عهده من دخولها، فإنه من حين هاجر إلى المدينة لم يدخلها، و بين هجرته و دخوله هذا ثمان سنين، و مع طول مكثه (صلى الله عليه و سلم) في الكعبة من دخوله هذا فإن في صحيح مسلم من حديث ابن عمر في قصة دخول النبي (صلى الله عليه و سلم) الكعبة و من معه، أنهم لبثوا في البيت مليا قال النووي: أي طويلا، و في البخاري عن ابن عمر من رواية نافع أن النبي (صلى الله عليه و سلم) مكث نهارا طويلا في الكعبة حين دخلها يوم الفتح، و طول المكث بمكان يستدعي الجلوس فيه غالبا، و يبعد كل البعد أن النبي (صلى الله عليه و سلم) لم يجلس في الكعبة في دخوله هذا، أو أن يجلس فيها بغير صلاة و قد نهى (صلى الله عليه و سلم) فيما صح عنه الداخل إلى المسجد عن الجلوس فيه من غير صلاة.

و مما يؤيد كونه (صلى الله عليه و سلم) صلى في الكعبة في دخوله هذا إغلاق الباب عليه فيه كما في الصحيحين و غيرهما من حديث ابن عمر، للحكمة التي ذكرها العلماء في إغلاق الباب في دخوله هذا، و هي لئلا يكثر الناس عليه فلا يتمكن من الصلاة في الكعبة على ما يريد (صلى الله عليه و سلم)، و قيل: الحكمة في ذلك ليصلي (صلى الله عليه و سلم) إلى كل جهة من الكعبة، فإن الباب إذا كان مفتوحا و ليس أمامه قدر مؤخرة الرحل لم تصح الصلاة إليه، لعدم استقبال شي‏ء من الكعبة، ذكر هذين القولين المحب الطبري في القرى، و استظهر القول الأول و ذكر أنه يتأيد بكون النبي (صلى الله عليه و سلم) لم يصل في الكعبة أكثر من ركعتين على ما صح عنه. انتهى باختصار من شفاء الغرام للفاسي. و قد أطال (رحمه اللّه تعالى) الكلام على هذا البحث، و لكنا رأينا الاقتصار على ما قدمناه أحسن، فخير الكلام ما قل و دل.

عدد دخول النبي (صلى الله عليه و سلم) الكعبة بعد الهجرة

لم نبحث عن عدد دخول النبي (صلى الله عليه و سلم) للكعبة قبل هجرته إلى المدينة، و المعقول أنه دخلها عدة مرات قبل البعثة و قبل الهجرة أيضا فقد كان الناس يدخلونها قبل الإسلام.

قال الشيخ حسين باسلامة في كتابه" تاريخ الكعبة المعظمة": روى ابن سعد في الطبقات عن عثمان بن طلحة قال: كنا نفتح الكعبة في الجاهلية يوم الاثنين‏

530

و الخميس، فأقبل النبي (صلى الله عليه و سلم) يوما يريد أن يدخل الكعبة مع الناس، فأغلظت له و نلت منه فحلم عني، ثم قال:" يا عثمان لعلك سترى هذا المفتاح يوما بيدي أضعه حيث شئت" فقلت: لقد هلكت قريش يومئذ و ذلت قال:" بل عمرت و عزت يومئذ" و دخل الكعبة فوقعت كلمته مني موقعا ظننت يومئذ أن الأمر سيصير إلى ما قال، فلما كان يوم الفتح قال:" يا عثمان ائتني بالمفتاح" فأتيته به، فأخذه مني ثم دفعه إلي و قال:" خذوها خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم، يا عثمان إن اللّه استأمنكم على بيته فكلوا مما يصل إليكم من هذا البيت بالمعروف"، قال: فلما و ليت ناداني فرجعت إليه فقال:" ألم يكن الذي قلت لك" قال:

فذكرت قوله لي بمكة قبل الهجرة:" لعلك سترى هذا المفتاح يوما بيدي أضعه حيث شئت" قلت: بلى أشهد أنك رسول اللّه، انتهى من الكتاب المذكور.

و أما دخوله (صلى الله عليه و سلم) بعد هجرته إلى المدينة، فقد جاء في كتاب شفاء الغرام للفاسي عن ذلك ما خلاصته:

أما عدد دخول النبي (صلى الله عليه و سلم) الكعبة بعد هجرته فروينا في ذلك أخبارا يتحصل من مجموعها، أن النبي (صلى الله عليه و سلم) دخل الكعبة بعد هجرته أربع مرات و هو: (1) يوم فتح مكة (2) و في ثاني يوم الفتح (3) و في حجة الوداع (4) و في عمرة القضية.

و في كل من هذه الدخلات خلاف إلا الدخول الذي في يوم الفتح، و نشير إلى الأخبار الواردة في هذه الدخلات.

(1) فأما دخوله (صلى الله عليه و سلم) الكعبة في يوم الفتح، فرويناه في صحيح مسلم و غيره كما سبق في حديث ابن عمر، و لفظ حديثه عند مسلم: قدم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يوم الفتح فنزل بفناء الكعبة و أرسل إلى عثمان بن طلحة فجاء بالمفتاح ففتح الباب، ثم دخل النبي (صلى الله عليه و سلم) و بلال و أسامة بن زيد و عثمان بن طلحة و ذكر الحديث و لا تضاد بين حديث ابن عمر هذا و حديثه في صحيح مسلم الذي قال فيه: أقبل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) عام الفتح على ناقة لأسامة حتى أناخ بفناء الكعبة ثم دخل عثمان بن طلحة فقال: ائتني بالمفتاح ... الحديث في صفة دخول النبي (صلى الله عليه و سلم) الكعبة و صلاته فيها لأن المراد بعام الفتح في هذا الحديث يوم الفتح كما في الحديث السابق لأن الأحاديث تفسر بعضها بعضا و المجمل منها يرد إلى المبين و قد أشار الإمام النووي إلى اتفاق الخبرين لأنه قال في شرح مسلم قوله: قدم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يوم الفتح فنزل بفناء الكعبة هذا دليل على أن هذا المذكور في أحاديث الباب من دخوله (صلى الله عليه و سلم) الكعبة

531

و صلاته فيها كان يوم الفتح و هذا لا خلاف فيه و لم يكن يوم حجة الوداع.

انتهى، و في هذا الدخول وقع الاختلاف في كون النبي (صلى الله عليه و سلم) صلى فيه.

(2) و أما دخوله (صلى الله عليه و سلم) في ثاني يوم الفتح، ففي مسند أحمد بن حنبل ما يدل له، لأنه قال: حدثنا هشيم قال: أخبرنا عبد الملك عن عطاء قال: قال أسامة بن زيد دخلت مع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) البيت فجلس فحمد اللّه و أثنى عليه و كبّر و هلل و خرج و لم يصل، ثم دخلت معه في اليوم الثاني فقام و دعا ثم صلى ركعتين ثم خرج فصلى ركعتين خارجا من البيت مستقبل وجه الكعبة ثم انصرف و قال:

هذه القبلة.

(3) و أما دخوله (صلى الله عليه و سلم) في حجة الوداع، فرويناه في سنن أبي داود و ابن ماجة و جامع الترمذي و المستدرك للحاكم من رواية إسماعيل بن عبد الملك بن أبي الصغير عن ابن أبي مليكة عن عائشة، و سبق ذلك في الترجمة التي قبل هذه الترجمة مع بيان ما في الحديث من الوهن و اللّه أعلم بالصواب. اه.

نقول: إن لفظ الحديث الذي قال الفاسي عنه أنه سبق في الترجمة عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها هو هذا: قالت:" خرج النبي (صلى الله عليه و سلم) من عندي و هو قرير العين طيب النفس، فرجع إلي و هو حزين، فقلت له فقال: إني دخلت الكعبة و وددت أني لم أدخلها، إني أخاف أن أكون أتعبت أمتي من بعدي".

(4) و أما دخوله (صلى الله عليه و سلم) في عمرة القضية، فذكر المحب الطبري في القرى عن عروة بن الزبير و سعيد بن المسيب ما يقتضي ذلك، لأنه قال في باب العمرة و هو الباب الثامن و الثلاثون في ترجمة ترجم عليها بما جاء في عمرة الحديبية و عمرة القضية: و عن هشام عن أبيه أن خراش بن أمية حلق رأس النبي (صلى الله عليه و سلم) عند المروة ثم دخل البيت، و عن سعيد بن المسيب أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لما قضى نسكه دخل البيت فلم يزل فيه حتى أذن بلال بالظهر على ظهر الكعبة، و أقام رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بمكة ثلاثا فلما كان ظهر اليوم الرابع أتاه سهيل بن عمرو بن حويطب بن عبد العزى و رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) جالس في مجلس الأنصار يتحدث مع سعد بن عبادة فقال: يا محمد قد انقضى أجلك فاخرج عنا، قال: و ماذا عليكم لو تركتموني فأعرست عندكم و صنعت لكم طعاما؟ و كان قد تزوج بميمونة الهلالية من طريقه و ذكر مناشدة سهيل النبي (صلى الله عليه و سلم) في الخروج من مكة و خروج النبي (صلى الله عليه و سلم) إلى سرف و تعريسه فيه بميمونة.

532

و لم يذكر المحب الطبري من خرج هذا الخبر و لا الخبر الأول و هما يقتضيان دخول النبي (صلى الله عليه و سلم) الكعبة في عمرة القضية، و خبر سعيد ابن المسيب أصرح لما فيه من القضايا التي وقعت في عمرة القضية على ما جاء في غير هذا الخبر و هي تزويج النبي (صلى الله عليه و سلم) ميمونة و سؤال سهيل بن عمرو النبي (صلى الله عليه و سلم) في الخروج من مكة و جواب النبي (صلى الله عليه و سلم) له على نحو ما في هذا الخبر.

و لست واثقا بصحة ما فيه من دخول النبي (صلى الله عليه و سلم) الكعبة و أذان بلال الظهر عليها و على تقدير صحتها فلأنهما يخالفان ما رويناه في الصحيحين عن إسماعيل بن أبي خالد قال: قلت لعبد اللّه بن أبي أوفى: أدخل النبي (صلى الله عليه و سلم) في عمرته؟ قال لا، انتهى. و المراد بهذه العمرة عمرة القضية على ما قال العلماء كما قال النووي منهم في شرح مسلم و غيره و سيأتي ذكر السبب الذي لأجله لم يدخل النبي (صلى الله عليه و سلم) في هذه العمرة و لم أر أحدا من أهل العلم قال بدخول النبي (صلى الله عليه و سلم) الكعبة في عمرة القضية كما هو مقتضى هذين الخبرين و إنما ذكرناهما لغرابتهما، انتهى كل ذلك مختصرا من كتاب شفاء الغرام للفاسي.

منع بعض الناس عن دخول الكعبة

نرى أحيانا سدنة الكعبة يمنعون بعض الناس عن دخول الكعبة عند فتحها و يدفعونهم عن بابها دفعا، و هم معذورون في ذلك، فكل اجتماع و ازدحام لا بد أن يقع فيه تدافع و اشتداد، و الظاهر أن هذه الحالة مأخوذة عن عادة قريش في الجاهلية، و إليك بيان ذلك:

لما بنى إبراهيم الخليل عليه الصلاة و السلام الكعبة جعل فتحة بابها لاصقا بالأرض، فلما بنتها قريش جعلوا بابها مرتفعا عن الأرض و كبسوها بالحجارة حتى يدخلوا فيها من شاؤوا و يمنعوا من أرادوا، و حتى لا يدخلها السيل.

ففي تاريخ الأزرقي: لما بنت قريش الكعبة قال أبو حذيفة بن المغيرة: يا معشر قريش ارفعوا باب الكعبة حتى لا يدخل عليكم إلا بسلم فإنه لا يدخل عليكم إلا من أردتم فإن جاء أحد ممن تكرهون رميتم به فيسقط فكان نكالا لمن رآه ففعلت قريش ذلك و ردموا الردم الأعلى و صرفوا السيل عن الكعبة و كسوها لوصائل.

533

و في رواية: فلما وضعوا أيديهم في بنائها قالوا: ارفعوا بابها من الأرض و اكبسوها حتى لا تدخلها السيول و لا ترقى إلا بسلم و لا يدخلها إلا من أردتم إن كرهتم أحدا دفعتموه ففعلوا ذلك.

و فيه أيضا عند باب ما جاء في فتح الكعبة عن سعيد بن عمرو الهذلي عن أبيه قال: رأيت قريشا يفتحون البيت في الجاهلية يوم الاثنين و الخميس و كان حجابه يجلسون عند بابه فيرتقي الرجل إذا كانوا لا يريدون دخوله فيدفع و يطرح و ربما عطب- أي هلك- و كانوا لا يدخلون الكعبة بحذاء يعظمون ذلك و يضعون نعالهم تحت الدرجة. انتهى من الأزرقي.

فعلم مما ذكر أن قسوة بني شيبة على بعض الناس عند دخولهم الكعبة عادة وراثية مأخوذة من قريش، و بنو شيبة يضطرون أحيانا إلى استعمال القسوة و العنف، و ذلك عندما يتوسمون في الشخص أن الأولى عدم دخوله البيت الحرام لما يظهر عليه من الشدة و القوة بحيث يتحقق منه الأذى لغيره من الضعفاء في داخل الكعبة، أو أنهم يمنعون الناس من الدخول إذا رأوا داخل الكعبة قد امتلأ بهم، فينتظرون خروجهم حتى يسمحوا بدخول غيرهم.

و الازدحام و الاحتكاك في دخول الكعبة عند فتحها أمر ضروري لا بد من وقوعه، خصوصا في زماننا هذا الذي ازدادت مكة المكرمة بالناس و العمران زيادة لم نكن نتصورها منذ ربع قرن، كما يقع التصادم على بابها أيضا بسبب دخول الناس فيها و خروجهم منها في وقت واحد، فلو كان لها بابان للدخول و باب للخروج كما كان في عهد عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنهما لما حصل التصادم و التدافع.

و لا حيلة في منع التصادم و التزاحم في دخول الكعبة، اللهم إلا إذا كثر فتحها و انتظمت المواعيد، كأن تفتح في كل أسبوع مرة أو مرتين يوم الاثنين و يوم الجمعة، كما كان في العهود السابقة، و أن يخصص الدخول كل مرة لطائفة من الناس لا يدخلها غيرهم. فعندئذ قد يرتاح الناس في دخولهم الكعبة المشرفة، و لكن أنى يكون ذلك.

534

أخذ الأجرة على دخول الكعبة

الكعبة المشرفة هي بيت اللّه الحرام، و بيت اللّه غير مملوك لأحد إلا للواحد الأحد جل و علا، فهو إذا بيت عام لكل من آمن باللّه و رسوله، فالمسلمون يلجأون إليه طلبا في عفو اللّه و مغفرته و رحمته و إحسانه، و لكل مسلم الحق في دخول بيت ربه و خالقه، و الوقوف على بابه، و التعلق بأستاره، و من هنا قالوا لا يجوز أخذ الأجرة على دخول البيت الحرام أي على وجه الاشتراط، أما على وجه البر و الصلة و الهدية و الهبة فلا بأس.

و لقد ذكر الفاسي في كتابه" شفاء الغرام" حكم أخذ الأجرة على ذلك بصحيفة 129 من الجزء الأول منه و هذا نص كلامه:

و لنختم هذه الترجمة بحكم سدانة الكعبة و حكم ما يأخذه سدنتها ممن يدخلها، و للمحب الطبري في ذلك كلام شاف فنذكره و نص كلامه: الحجابة منصب بني شيبة ولاهم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إياها كما ولى السقاية للعباس ثم قال:

و سدانة البيت خدمته و تولي أمره و فتح بابه و إغلاقه و يقال: سدن يسدن سدانة فهو سادن و الجمع سدنة ثم قال العلماء: لا يجوز لأحد أن ينزعها منهم قالوا:

و هي ولاية رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و أعظم مالك أن يشرك معهم غيرهم قلت: و لا يبعد أن يقال هذا إذا حافظوا على حرمته و لازموا في خدمته الأدب أما إذا لم يحافظوا على حرمته فلا يبعد أن يجعل عليهم مشرف يمنعهم من هتك حرمته و ربما تعلق الجاهل الغبي البذي المعكوس الفهم بقوله (صلى الله عليه و سلم):" و كلوا بالمعروف" فاستباح أخذ الأجرة على دخول البيت و لا خلاف بين الأمة في تحريم ذلك و أنه من أشنع البدع و أقبح الفواحش و هذه اللفظة إن صحت رواية فيستدل بها على إقامة الحرمة لأن أخذ الأجرة ليس من المعروف و إنما الإشارة و اللّه أعلم إلى ما يقصدون به من البر و الصلة على وجه التبرر فلهم أخذه و ذلك أكل بالمعروف لا محالة أو إلى ما يأخذونه من بيت المال على ما يقومون به من خدمته أو القيام بمصالحه فلا يحل لهم منه إلا قدر ما يستحقونه و اللّه أعلم ثم قال بعد أن ذكر أحاديث تتعلق بالحجر بسكون الجيم: و فيها ما يقتضي أن سبب رفع قريش لباب الكعبة ليمنعوا من شاؤوا و في قوله (صلى الله عليه و سلم): فعل ذلك قومك ليدخلوا من شاؤوا و يمنعوا من شاؤوا و قوله: و ألصق بابها بالأرض دلالة على أن الناس غير محجوبين عن البيت و أنه لا

535

يحل منعهم و ما يأخذه السدنة على ذلك لا يطيب لهم إلا بطيب نفس من الدافعين و إنما تجب أجرتهم على ما يتولونه من القيام بمصالحة من بيت المال.

قال أبو العالية الرباحي في قوله: فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ‏ قال: السهم المضاف إلى اللّه تعالى إنما هو لبيت اللّه تعالى و أكثر أهل العلم على أنه أضاف الخمس إلى نفسه لشرفه و سهم اللّه و سهم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) واحد. انتهى من شفاء الغرام.

و قال صاحب كتاب التراتيب الإدارية: قال المحب الطبري في الباب الثامن و العشرين من كتاب القرى: ربما تعلق بعض الجهال به في جواز أخذ الأجر على دخول الكعبة و لا خلاف في تحريمه و أنه من أشنع البدع، و هذا أي قوله: فكلوا مما يصل إن صح احتمل أن معناه ما يأخذونه من بيت المال على خدمته و القيام بمصالحه و لا يحل لهم إلا قدر ما يستحقونه و ما يقصدون به من البر و الصلة على وجه التبرر بهم، فلهم أخذه و في ذلك أكل بالمعروف. اه.

و حكى على هذا الزرقاني في شرح المختصر الإجماع، و وجهه: أن أخذ الأجرة إنما يجوز على ما يختص الإنسان بمنفعته و الانتفاع به، و البيت لا يختص به أحد دون أحد، فلا يجوز لهم أخذ الأجرة على فتحه، و إنما لهم الولاية على فتحه و إغلاقه في الأوقات التي جرت العادة بفتحه فيها، و لا يجوز لهم إغلاقه و منع الناس دائما، قاله الشيخ أبو عبد اللّه الحطاب الرعيني المكي المالكي في شرح المختصر.

ثم قال: و الظاهر و إن لم أقف على نص أن حكم فتح المقام و أخذ الأجرة عليه كذلك.

و قال الحطاب في باب النذر من شرح المختصر أيضا: و المحرم إنما هو نزع المفتاح منهم لا منعهم من انتهاك حرمة البيت و ما فيه قلة أدب فهذا واجب لا خلاف فيه، لا كما يعتقده الجهلة أنه ولاية لأحد عليهم و أنهم يفعلون في البيت ما شاؤوا فهذا لا يقوله أحد من المسلمين. انتهى من التراتيب الإدارية.

المواضع التي صلى فيها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) حول الكعبة

جاء في كتاب الجامع اللطيف لابن ظهيرة بعنوان: فصل في ذكر المواضع التي صلى فيها (صلى الله عليه و سلم) حول الكعبة و بيانها ملخصة كما نقله الفاسي عن القرى للمحب الطبري مع زيادة أدلة ما نصه:

536

الأول: خلف مقام الخليل (عليه السلام) لما رواه جابر في صفة حجه (صلى الله عليه و سلم) من قوله: ثم نفر إلى مقام إبراهيم فقرأ: وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى‏، و جعل المقام بينه و بين البيت ثم صلى الركعتين.

الثاني: تلقاء الحجر الأسود عند حاشية المطاف كما في النسائي من حديث المطلب بن أبي وداعة.

الثالث: قريبا من الركن الشامي مما يلي الحجر، بسكون الجيم كما في سنن أبي داود من حديث عبد اللّه بن السائب.

الرابع: عند باب الكعبة كما في تاريخ الأزرقي من حديث ابن عباس قال (صلى الله عليه و سلم): أمني جبريل عند باب الكعبة مرتين. قال الفاسي و يحتمل ثلاثة وجوه:

(الأول): أن يكون صلى و جاه الباب.

(الثاني): أن يكون في الحفرة المرخمة التي عند باب الكعبة على يمينه.

(الثالث): أن يكون في الملتزم و هو بعيد، و الوجه الأول أقرب لأنه عند الباب حقيقة، و إنما نبهنا على ذلك لأن الشيخ عز الدين بن عبد السلام و الشيخ أحمد بن موسى بن العجيل ذكر أن مصلى جبريل بالنبي (صلى الله عليه و سلم) في الحفرة المرخمة، و لم أقف على كلام ابن عجيل. و أما كلام ابن عبد السلام فنقله ابن جماعة. انتهى. قال ابن جماعة بعد ذلك عن ابن عبد السلام: و لم أر ذلك لغيره و فيه بعد لأنه لو كان صحيحا لنبهوا عليه بالكتابة في الحفرة، و لما اقتصروا على من أمر بعمل المطاف و اللّه أعلم. انتهى.

الخامس: تلقاء الركن الذي يلي الحجر من جهة المغرب جانحا إلى جهة الغرب قليلا بحيث يكون باب المسجد المعروف اليوم بباب العمرة خلف ظهره كما في مسند أحمد و سنن أبي داود و غيرهما من حديث المطلب بن أبي وداعة أنه رأى النبي (صلى الله عليه و سلم) يصلي مما يلي باب بني سهم، و الناس يمرون بين يديه، و باب بني سهم هو باب العمرة المذكور.

السادس: في وجه الكعبة كما في الصحيحين من حديث أسامة بن زيد رضي اللّه عنهما أن النبي (صلى الله عليه و سلم) لما خرج من البيت صلى قبل البيت ركعتين، و قال: هذه القبلة كما تقدم. قال المحب الطبري: وجه الكعبة يطلق على بابها و لهذا قيل للمحاذي له خلفها دبر الكعبة، و يطلق على جميع الجانب الذي فيه الباب و هو

537

المتعارف و الظاهر أن هذا الموضع تلقاء المقام في فناء الكعبة بحيث يكون المقام خلف ظهر المصلح فيه. ثم قال: و يحتمل على بعد أن يكون الموضع الرابع يعني المتقدم عند باب الكعبة، قال ابن جماعة: و قد ورد تفضيل وجه الكعبة على غيره من الجهات، فعن ابن عمر البيت كله قبلة و قبلته وجهة فإن فاتك ذلك فعليك بقبلة النبي (صلى الله عليه و سلم) تحت الميزاب و مثله عن عمرو بن العاص، و المراد بقبلة النبي (صلى الله عليه و سلم) قبلة بالمدينة الشريفة. انتهى.

السابع: بين الركنين اليمانيين ذكره ابن إسحاق في سيرته في قصة طويلة.

قال الفاسي: و لم يعينه المحب. و يحتمل أن يكون (عليه السلام) صلى إلى وسط الجدار كما نقله ابن سراقة و يكون عند الرخامة التي في الشاذروان المكتوب فيها اسم الملك لاجين أنه عمل المطاف و يحتمل أن يكون مائلا عن الوسط إلى جهة الحجر الأسود أو إلى جهة الركن اليماني.

الثامن: في الحجر للحديث الصحيح بينما النبي (صلى الله عليه و سلم) يصلى في حجر الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فوضع ثوبه في عنقه (صلى الله عليه و سلم) فخنقه خنقا شديدا فأقبل أبو بكر و أخذ بمنكبه و دفعه عنه (عليه السلام) و قال: أَ تَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ ... الآية قال المحب الطبري: و لا يبعد أن تكون صلاته (صلى الله عليه و سلم) تحت الميزاب، فقد روي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال: صلوا في مصلى الأخيار و اشربوا من شراب الأبرار، فقيل له: ما مصلى الأخيار و ما شراب الأبرار؟ فقال: تحت الميزاب و ماء زمزم، و هو (صلى الله عليه و سلم) سيد الأخيار، و لا يبعد أن تكون الإشارة إليه (صلى الله عليه و سلم).

انتهى كل ذلك من كتاب الجامع اللطيف لابن ظهيرة (رحمه اللّه تعالى).

نقول: و ما جاء في الكتاب المذكور عند الأمر السابع من أن النبي (صلى الله عليه و سلم) صلى بين الركنين اليمانيين" أي بين الركن الأسود و الركن اليماني" صلى هنا ليستقبل بيت المقدس قبل أن يؤمر باستقبال الكعبة فكان عليه الصلاة و السلام يصلي بين الركنين جاعلا الكعبة بينه و بين بيت المقدس، و لا يخفى أن هذا من كمال عقله و قوة فطنته (صلى الله عليه و سلم)، و يشبه هذا صلاتنا اليوم عند مقام إبراهيم مستقبلين نفس الكعبة و بيننا و بينها المقام.

قال ابن كثير في تفسيره في الجزء الأول ص 189 ما يأتي: إن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قد أمر باستقبال الصخرة من بيت المقدس فكان بمكة يصلي بين الركنين فتكون بين يديه الكعبة و هو مستقبل صخرة بيت المقدس، فلما هاجر إلى المدينة

538

تعذر الجمع بينهما فأمره اللّه بالتوجه إلى بيت المقدس، فاستمر الأمر على ذلك بضعة عشر شهرا، و كان يكثر الدعاء و الابتهال أن يوجه إلى الكعبة التي هي قبلة إبراهيم (عليه السلام)، فأجيب إلى ذلك و أمر بالتوجه إلى البيت العتيق، فخطب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) الناس فأعلمهم ذلك. انتهى ملخصا منه.

أول من أدار الصفوف حول الكعبة

الصلاة من أجلّ العبادات فيها التسبيح و التقديس و الدعاء و التضرع، و إليها تسكن قلوب الأنبياء و المرسلين و الصالحين المخلصين قال اللّه تعالى: وَ اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ الصَّلاةِ وَ إِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ‏، و كان عليه الصلاة و السلام" إذا حزّ به أمر صلى" رواه الإمام أحمد و أبو داود، و قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم):" حبب إليّ من دنياكم النساء و الطيب و جعلت قرة عيني في الصلاة" رواه الإمام أحمد و النسائي و غيرهما.

فالصلاة قرة كل مؤمن تقي و كل مخلص نقي، و هي عند الكعبة المشرفة أشد قرة لهم و أعظم لذة لديهم، فلحظة الصلاة و انتظارها عند بيت اللّه الحرام لا يعادلها شي‏ء مطلقا، و لا يعرف ذلك إلا الخاشعين ذوي البصائر المنورة و القلوب المفتحة.

لا يعرف الشوق إلا من يكابده‏* * * و لا الصبابة إلا من يعانيها

و كان أول من أدار الصفوف حول الكعبة خالد بن عبد اللّه القسري لما ولاه على مكة أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان المتوفى في سنة ست و ثمانين من الهجرة، و ذكر ذلك الإمام الأزرقي في تاريخه بالتفصيل و هذا نصه:

حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي عن سفيان بن عيينة قال: أول من أدار الصفوف حول الكعبة خالد بن عبد اللّه القسري حدثني جدي قال: حدثني عبد الرحمن بن حسن بن القاسم بن عقبة الأزرقي عن أبيه قال: كان الناس يقومون شهر رمضان في أعلا المسجد الحرام تركز حربة خلف المقام بربوة فيصلي الإمام خلف الحربة و الناس وراءه فمن أراد صلى مع الإمام و من أراد طاف بالبيت و ركع خلف المقام، فلما ولي خالد بن عبد اللّه القسري مكة لعبد الملك بن مروان و حضر شهر رمضان أمر خالد القراء أن يتقدموا فيصلوا خلف المقام و أدار الصفوف حول الكعبة و ذلك أن الناس ضاق عليهم أعلا المسجد فأدارهم حول الكعبة فقيل له:

نقطع الطواف لغير المكتوبة قال: فأنا آمرهم يطوفون بين كل ترويحتين سبعا

539

فأمدهم فتصلوا بين كل ترويحتين بطوف سبع، فقيل له: فإنه يكون في مؤخر الكعبة و جوانبها من لا يعلم بانقضاء طواف الطائف من مصل و غيره فيتهيأ للصلاة فأمر عبيد الكعبة أن يكبروا حول الكعبة يقولون: الحمد للّه و اللّه أكبر فإذا بلغوا الركن الأسود في الطواف السادس سكتوا بين التكبيرتين سكته حتى يتهيأ الناس ممن في الحجر و من في جوانب المسجد من مصل و غيره فيعرفون ذلك بانقطاع التكبير و يصلي و يخفف المصلي صلاته ثم يعودون إلى التكبير حتى يفرغوا من السبع و يقوم مسمع فينادي: الصلاة رحمكم اللّه، قال: و كان عطاء بن أبي رباح و عمرو بن دينار و نظراؤهم من العلماء و يرون ذلك و لا ينكرونه.

حدثني جدي عن مسلم بن خالد الزنجي و سعيد بن سالم قالا: حدثنا ابن جريج قال: قلت لعطاء: إذا قل الناس في المسجد الحرام أحب إليك أن يصلوا خلف المقام أو يكونوا صفا واحدا حول الكعبة قال: بل يكونوا صفا واحدا حول الكعبة قال: و تلى: وَ تَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ‏. انتهى من الأزرقي.

و هنا جاء في هامش هذه الصحيفة ما نصه: ذكر السنجاري في بعض أولياته أن الحجاج أول من أطاف الناس حول الكعبة للصلاة و كانوا يصلون صفا. و نقل عن الزركشي أن أول من فعله عبد اللّه بن الزبير، و يمكن الجمع بين الكلامين بأن ابن الزبير فعله أولا ثم خالد بعد قتله. انتهى من هامش كتاب الأزرقي.

قال الشيخ حسين بن عبد اللّه باسلامة المكي (رحمه اللّه تعالى) في كتابه" تاريخ عمارة المسجد الحرام" بصحيفة 20 عند هذا الكلام ما نصه: هذا حاصل ما جاء في كون خالد بن عبد اللّه القسري هو أول من أمر الناس بالصلاة حول الكعبة المعظمة صفوفا دائرة، و لم ينكر عليه أحد من فقهاء التابعين في ذلك العصر المنير بأهل الفضل و العلم مثل عطاء بن أبي رباح، و عمرو بن دينار، و نظراؤهما.

و كان ذلك في الفريضة و التراويح جماعة بإمام واحد، و لم ينكر عليه إلا ما كان من أمر التشويش و عدم علم من كان طائفا أنه قد قامت الصلاة، فعمل ذلك الترتيب الذي يظهر عليه التكليف، و لكن كان ذلك مؤقتا لبينما يألف الناس ذلك الوضع. و علم من ذلك أيضا أنهم كانوا قبل إمارة خالد القسري يصلون في جهة واحدة من المسجد الحرام و هي الجهة الشرقية خلف مقام إبراهيم (صلى الله عليه و سلم) و أن الجهات الثلاثة الأخرى كانت خالية من المصلين في الفريضة جماعة، و ظهر من عمل خالد

540

هذا فوائد حسنة و سنة مستحبة لكونه هو الذي سن هذه السنة و عم عموم المسجد الحرام بالمصلين جماعة واحدة بإمام واحد و قد ارتضى عمله كبار الفقهاء من التابعين و غيرهم من علماء السلف الصالح و لو كان في عمله هذا ما يخالف الشريعة لأنكره العلماء و إذا فرضنا أن الذي منعهم من الإنكار هو خشية بطشه، فقد كان في وسعهم إنكاره بعد عزله من إمارة مكة. و قد أتيت بهذه الفائدة هنا ليعلم القارئ أول من أدار الصفوف حول الكعبة المعظمة جماعة و السنة التي وضع ذلك فيها و اللّه أعلم. انتهى من تاريخ المسجد الحرام.

مدة صلاة النبي (صلى الله عليه و سلم) إلى بيت المقدس‏

روى البخاري و مسلم في صحيحهما و اللفظ للبخاري" كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) صلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا، و كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يحب أن يوجه إلى الكعبة فأنزل اللّه عز و جل: قَدْ نَرى‏ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فتوجه نحو الكعبة و قال السفهاء من الناس و هم اليهود: ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ‏ فصلى مع النبي (صلى الله عليه و سلم) رجل ثم خرج بعد ما صلى، فمرّ على قوم من الأنصار في صلاة العصر نحو بيت المقدس فقال هو: يشهد أنه صلى مع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و أنه توجه نحو الكعبة فتحرّف القوم حتى توجهوا نحو الكعبة".

أخرجه البخاري في أربعة مواضع من صحيحه، و أخرجه مسلم في كتاب المساجد، و راوي الحديث هو البراء بن عازب رضي اللّه تعالى عنه.

بيت المقدس هو بوزن المجلس، أي بفتح الميم و كسر الدال المهملة و هو مصدر كالمرجع أو مكان القدس و هو الطهر أي المكان الذي يطهر العابد من الذنوب أو يطهر العبادة من الأصنام.

و يقال أيضا بيت المقدّس، بضم الميم و فتح القاف و تشديد الدال المفتوحة، و يقال البيت المقدس على الصفة و الأشهر بيت المقدس بالإضافة البيانية كمسجد الجامع.

541

و المراد بالصلاة إلى بيت المقدس نفس الصخرة كما هو صريح في بعض الأحاديث، و قوله:" فمر على قوم من الأنصار في صلاة العصر نحو بيت المقدس" أي يصلون نحو بيت المقدس.

و كان تحول النبي (صلى الله عليه و سلم) إلى الكعبة في الصلاة بالمدينة المنورة، ففي طبقات ابن سعد أنه عليه الصلاة و السلام صلى ركعتين من الظهر في مسجده بالمسلمين ثم أمر أن يتوجه إلى المسجد الحرام فاستدار إليه و دار معه المسلمون.

و يقال أنه عليه الصلاة و السلام زار أم بشر بن البراء بن معرور في بني سلمة فصنعت له طعاما و حانت الظهر فصلى عليه الصلاة و السلام بأصحابه ركعتين ثم أمر فاستدار إلى الكعبة و استقبل الميزاب فسمي مسجد القبلتين. قال ابن سعد قال الواقدي: هذا أثبت عندنا.

و لقد كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يقع في روعه و يتوقع من ربه أن يحوله إلى الكعبة لأنها قبلة أبيه إبراهيم عليه الصلاة و السلام فكان يدعو إلى السماء طلبا للوحي فحقق اللّه تعالى مطلبه و مناه.

و في حديث الطبري من طريق ابن جريج قال: أول ما صلى إلى الكعبة ثم صرف إلى بيت المقدس و هو بمكة فصلى ثلاث حجج ثم هاجر فصلى بعد قدومه المدينة ستة عشر شهرا ثم وجهه اللّه تعالى إلى الكعبة.

و كان (صلى الله عليه و سلم) إذا استقبل بيت المقدس في صلاته بمكة يجعل الكعبة بينه و بينها، أي كان يصلي بين الركن الأسود و الركن اليماني، فقد روي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أن قبلته (صلى الله عليه و سلم) بمكة كانت بيت المقدس لكنه لا يستدبر الكعبة بل يجعلها بينه و بينها. اه.

انتهى باختصار من شرح" زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري و مسلم" و الشرح و المتن كلاهما لشيخنا العلامة المحدث الشيخ محمد حبيب اللّه الشنقيطي (رحمه اللّه تعالى) و جزاه عنا خير الجزاء.

أمر الكسوة الخارجية للكعبة المعظمة

قلنا أن إبراهيم الخليل عليه و على نبينا محمد و على جميع الأنبياء و المرسلين الصلاة و السلام، لما بنى الكعبة مع ابنه إسماعيل، بناه بالرضم حجارة بعضها فوق‏

542

بعض بدون جص و لا نورة و لم يجعل لها سقفا و لا بابا يفتح و يغلق بل جعل في جهتها الشرقية مكانا مفتوحا علامة على الباب و على أنه وجه الكعبة و كذلك لم يجعل عليها كسوة. و السبب في ذلك أولا لم يؤمر بذلك، ثانيا من أين يأتي بالقماش أو الجلد، أو الخسف الكثير في ذلك الزمن الذي لم يكن بمكة كلها سوى قبيلة من جرهم. هذا ما نراه و اللّه تعالى أعلم. فالشي‏ء في ابتداء الأمر يقع على الفطرة ثم يأخذ في التحسين تدريجيا شيئا فشيئا هذا هو سنة الكون، و القصد من تغطية الكعبة بالكسوة تكريمها و تجميلها.

و قد اختلفوا في أول من كساها فقيل إسماعيل عليه الصلاة و السلام، و قيل عدنان بن أدد، و قيل تبّع الحميري و هذا القول الأخير هو الشائع و هو ما نذهب نحن إليه أيضا، لأن ما عللناه لإبراهيم (عليه السلام) من عدم وضعه الكسوة على البيت نعلله أيضا لابنه إسماعيل عليهما الصلاة و السلام، و نعلله أيضا لعدنان بن أدد، فإن مكة في تلك العصور الغابرة كانت قليلة السكان لا يرد إليها سوى قليل من المأكولات و اللوازم الضرورية من جهة اليمن، فمن أين لهم القماش أو الحصير الكثير الكافي لستر الكعبة، إذا فالقول القائل بأن تبع الحميري هو أول من كسا البيت هو القول الأصح، و يؤيده ما ذكره الإمام الأزرقي في تاريخه من الروايات الآتية. و الكلام قد يطول بنا عن كسوة الكعبة المشرفة، لذلك جعلنا هذا المبحث في ستة أقسام:

القسم الأول: كسوة الكعبة في العصر الجاهلي‏

(1) كسوة تبّع الحميري، و هو أول من كسا بيت اللّه الحرام على الأصح كما بينا ذلك هنا، لهذا جعلناه الأول في الترتيب ممن كسوا الكعبة.

روى الأزرقي في تاريخه عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النبي (صلى الله عليه و سلم) أنه نهى عن سب أسعد الحميري و هو تبع و كان هو أول من كسا الكعبة.

و روي أيضا عن محمد بن إسحاق أنه قال: بلغني عن غير واحد من أهل العلم أن أول من كسا الكعبة كسوة كاملة تبع و هو أسعد أري في النوم أنه يكسوها فكساها الأنطاع ثم أري أن يكسوها فكساها الوصايل ثياب حبرة من عصب اليمن و جعل لها بابا يغلق و قال أسعد في ذلك:

و كسونا البيت الذي حرم اللّه‏* * * ملاء معضدا و برودا

543

و أقمنا به من الشهر عشرا* * * و جعلنا لبابه إقليدا

و خرجنا منه نؤم سهيلا* * * قد رفعنا لواءنا معقودا

انتهى من الأزرقي. و الإقليد هو المفتاح، و الأنطاع هو الجلود.

و أما العصب فقد قال صاحب كتاب المحمل و الحج فبرود يمانية يعصب غزلها أي يجمع و يشد ثم يصبغ بعضه و ينسج من غير المصبوغ فيأتي موشى.

و أما الملاء فثياب حبرة من عصب، و الوصائل ثياب موصلة من صنع همدان باليمن، و قيل أنها ثياب حمر مخططة يمانية. انتهى من الكتاب المذكور.

قالوا: و كساها تبع بالخصف أيضا و هو حصير من خوص النخل، و في مسالك الأمصار أنها ثياب غلاظ. اه.

و تبع و هو أسعد الحميري هو أحد ملوك اليمن قبل البعثة بزمن بعيد، فهو أول من كسا الكعبة و نحر عندها و أول من جعل لها بابا يغلق. قال ابن ظهيرة القرشي في الجامع اللطيف نقلا عن القطبي في الإعلام: أنه من يوم موت تبع الحميري إلى اليوم الذي بعث فيه نبينا محمد (صلى الله عليه و سلم) ألف سنة لا تزيد و لا تنقص. و اللّه تعالى أعلم.

ترجمة تبع و هو أسعد الحميري‏

تبّع هذا هو أحد ملوك اليمن قبل البعثة بزمن بعيد أي بألف سنة كما سيأتي في آخر هذا الكلام، و حمير بكسر الحاء و إسكان الميم و فتح الياء قبيلة شهيرة كائنة في اليمن ورد في حقهم حديث رواه أبو هريرة رضي اللّه عنه أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قال:" رحم اللّه حميرا أفواههم سلام و أيديهم طعام و هم أهل أمن فإيمان" رواه الإمام أحمد و الترمذي، و سببه أن رجلا قال: يا رسول اللّه إلعن حميرا فأعرض عنه ثم ذكره. جاء في الجامع اللطيف نقلا عن القطبي في الإعلام ما نصه:

أما قصة تبّع فذكر" القطبي في الإعلام" أنه كان من الخمسة الذين دانت لهم الدنيا بأسرها، و كان كثير الوزراء فاختار منهم واحدا و أخرجه لينظر في ملكه، و كان إذا أتى بلدة يختار من حكمائها عشرة رجال، و كان معه من العلماء و الحكماء مائة ألف رجل هم الذين اختارهم من البلدان و لم يكونوا محسوبين من‏

544

الجيش، ثم إنه قصد مكة فلما انتهى إليها لم يخضع له أهلها كخضوع غيرهم و لم يعظموه فغضب لذلك و دعا وزيره و شكى إليه فعلهم، فقال: إنهم عرب لا يعرفون شيئا و لهم بيت يقال له الكعبة و هم معجبون به، فنزل الملك بعسكره ببطحاء مكة و عزم على هدم البيت و قتل الرجال و نهب النساء و سبيهم، فأخذه الصداع و تفجر من عينيه و أذنيه و منخريه و فمه ماء منتن فلم يصبر عنده أحد طرفة عين من شدة النتن فقال لوزيره: اجمع العلماء و الحكماء و الأطباء فلم يقدروا على الجلوس عنده، و عجزوا عن مداواته و قالوا: نحن نقدر على مداواة ما يعرض من أمور الأرض، و هذا من السماء لا نستطيع له ردا، ثم اشتد أمره و تفرق الناس عنه فلما أقبل الليل جاء أحد العلماء لوزيره فقال: إن بيني و بينك سرا فإن كان الملك يصدقني في حديثه عالجته، فاستبشر الوزير بذلك و جمع بينه و بين الملك فلما خلا قال له العالم: أيها الملك أنت نويت لهذا البيت سوءا قال: نعم، فقال له العالم:

أيها الملك نيتك أحدثت لك هذا الداء، و رب هذا البيت عالم بالأسرار فبادر و ارجع عما نويت، فقال الملك: قد أخرجت ذلك من قلبي و نويت لهذا البيت و أهله كل خير فلم يخرج العالم من عنده إلا و قد عافاه اللّه تعالى من علته فآمن باللّه من ساعته و خلع على الكعبة سبعة أثواب و هو أول من كسا الكعبة كما سأذكره بعد إن شاء اللّه تعالى ثم خرج إلى يثرب و ليس بها يومئذ بيت و إنما فيها عين ماء فنزل عند العين ثم إن العلماء و الحكماء أخرجوا من بينهم أربعمائة و هم أعلمهم و تبايعوا أن لا يخرجوا من يثرب و إن قتلهم الملك فلما علم الملك بذلك سألهم عن الحكمة التي اقتضت إقامتهم في هذه البلدة؟ فقالوا: أيها الملك إن ذلك البيت و هذه البقعة يشرفان برجل يبعث في آخر الزمان اسمه محمد و وصفوه ثم قالوا: طوبى لمن أدركه و آمن به، و نحب أن ندركه أو يدركه أولادنا فلما سمع الملك بذلك هم بالمقام معهم فلم يقدر على ذلك فأمر بعمارة أربعمائة دار على عدد العلماء و أعطى كل واحد منهم جارية و أعتقها و زوجه بها و أعطاهم مالا جزيلا (ثم كتب) كتابا و ختمه بخاتم من ذهب و دفعه إلى عالمهم الكبير الذي أبرأه من علته و أمره أن يدفعه إلى محمد (صلى الله عليه و سلم) إن أدركه، و أن يوصي بذلك أولاده ثم أولادهم (و كان الكتاب) أما بعد: فإني آمنت بك و بكتابك الذي ينزل عليك، و أنا على دينك و سنتك و آمنت بربك و بكل ما جاء من ربك من شرائع الإيمان و الإسلام فإن أدركتك فيها و نعمت، و إلا فاشفع لي و لا تنسني يوم القيامة فإني من أمتك الأولين و قد بايعتك قبل مجيئك و أنا على ملتك و ملة إبراهيم أبيك عليه‏

545

السلام (ثم نقش عليه): للّه الأمر من قبل و من بعد و كتب عنوانه: إلى محمد بن عبد المطلب نبي اللّه و رسوله و خاتم النبيين و رسول رب العالمين (صلى الله عليه و سلم) من تبع الأول حمير بن وردع ثم سار من يثرب إلى بلاد الهند فمات بها و كان من يوم موته إلى اليوم الذي بعث فيه النبي (صلى الله عليه و سلم) ألف سنة لا تزيد و لا تنقص. قال ابن ظهيرة:

و كان الأنصار من أولاد أولئك العلماء و الحكماء (فلما ظهر خبره) (صلى الله عليه و سلم) بمكة أرسلوا إليه كتاب تبع مع رجل منهم يقال له أبو ليلى إلى مكة فوجد النبي (صلى الله عليه و سلم) في قبيلة بني سليم، فعرفه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فقال له: أنت أبو ليلى، فقال: نعم، قال: معك كتاب تبع الأول، قال: نعم، و بقي أبو ليلى متفكرا ثم دفع الكتاب إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فدفعه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إلى علي بن أبي طالب فقرأه عليه فلما سمع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) كلام تبع قال: مرحبا بالأخ الصالح ثلاث مرات ثم أمر أبا ليلى بالرجوع إلى المدينة يبشرهم بقدومه (عليه السلام).

قال ابن ظهيرة: فلما هاجر النبي (صلى الله عليه و سلم) إلى المدينة سأله أهل القبائل أن ينزل عليهم و صاروا يتعلقون بزمام ناقته و هو يقول: خلوها فإنها مأمورة حتى جاءت إلى دار أبي أيوب الأنصاري و كان من أولاد العالم الذي شفى تبع برأيه. انتهى كل هذا من الجامع اللطيف. فقوله: أن تبّع الحميري أحد الخمسة الذين دانت لهم الدنيا بأسرها، هذا على رأي من يقول: أن من ملك الدنيا كلها خمسة، و قيل هم أربعة: مؤمنان: ذو القرنين و سليمان، و كافران: نمرود و بختنصر. و ذو القرنين هو الإسكندر الرومي.

و ذكر الإمام الأزرقي في تاريخه قصة تبع الحميري في موضعين" الموضع الأول" في باب ما جاء في ولاية قصي بن كلاب البيت الحرام و أمر مكة بعد خزاعة، قال في هذا الباب ما نصه: حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي قال: حدثنا سعيد بن سالم عن عثمان بن ساج عن ابن جريج و عن ابن إسحاق يزيد أحدهما على صاحبه قالا: أقامت خزاعة على ما كانت عليه من ولاية البيت و الحكم بمكة ثلاثمائة سنة و كان بعض التبابعة قد سار إليه و أراد هدمه و تخريبه فقامت دونه خزاعة فقاتلت عليه أشد القتال حتى رجع ثم آخر فكذلك. و أما تبع الثالث الذي نحر له و كساه و جعل له غلقا و أقام عنده أياما ينحر كل يوم مائة بدنة لا يرزأ هو و لا أحد من أهل عسكره شيئا منها يردها الناس في الفجاج و الشعاب فيأخذون منها حاجتهم ثم تقع عليها الطير فتأكل ثم تنتابها السباع إذا أمست لا يرد عنها

546

إنسان و لا طير و لا سبع ثم رجع إلى اليمن إنما كان في عهد قريش فلبثت خزاعة على ما هي عليه و قريش إذ ذاك في بني كنانة متفرقة ... الخ.

انتهى ما ذكره الأزرقي عن تبع في هذا الباب.

" و أما الموضع الثاني" فهو في باب مسير تبع إلى مكة شرفها اللّه تعالى فقد قال فيه ما نصه: حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي عن سعيد بن سالم عن عثمان بن ساج قال: أخبرني ابن إسحاق قال: سار تبّع الأول إلى الكعبة و أراد هدمها و تخريبها و خزاعة يومئذ تلي البيت و أمر مكة فقامت خزاعة دونه و قاتلت عنه أشد القتال حتى رجع ثم تبع آخر فكذلك، و أما التبابعة الذين أرادوا هدم الكعبة و تخريبها فثلاثة و قد كان قبل ذلك منهم من يسير في البلاد فإذا دخل مكة عظم الحرم و البيت، و أما التبع الثالث الذي أراد هدم البيت فإنما كان في أول زمان قريش قال: و كان سبب خروجه و مسيره إليه أن قوما من هذيل من بني لحيان جاؤوه فقالوا: إن بمكة بيتا تعظمه العرب جميعا و تفد إليه و تنحر عنده و تحجه و تعتمره و أن قريشا تليه فقد حازت شرفه و ذكره و أنت أولى أن يكون ذلك البيت و شرفه و ذكره لك فلو سرت إليه و خربته و بنيت عندك بيتا ثم صرفت حاج العرب إليه كنت أحق به منهم قال: فأجمع المسير إليه.

قال الأزرقي: حدثني جدي قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن موسى بن عيسى المديني قال: لما كان تبع بالدف من جمدان بين أمج و عسفان دفت بهم دوابهم و أظلمت الأرض عليهم فدعا أحبارا معه من أهل الكتاب فسألهم فقالوا:

هل هممت لهذا البيت بشي‏ء قال: أردت أن أهدمه، قالوا له: خيرا أن تكسوه و تنحر عنده ففعل فانجلت عنهم الظلمة و إنما سمي الدف من أجل ذلك. ثم رجع إلى حديث ابن إسحاق قال: فسار حتى إذا كان بالدف من جمدان بين أمج و عسفان دفت بهم الأرض و غشيتهم ظلمة شديدة و ريح فدعا أحبارا كانوا معه من أهل الكتاب فسألهم فقالوا: هل هممت لهذا البيت بسوء؟ فأخبرهم بما قال له الهذليون و بما أراد أن يفعل فقالت الأحبار: و اللّه ما أرادوا إلا هلاكك و هلاك قومك إن هذا بيت اللّه الحرام و لم يرده أحد قط بسوء إلا هلك قال: فما الحيلة؟

قالوا: تنوي له خيرا أن تعظمه و تكسوه و تنحر عنده و تحسن إلى أهله ففعل فانجلت الظلمة و سكنت الريح و انطلقت بهم ركابهم و دوابهم، فأمر تبع بالهذليين فضربت أعناقهم و صلبهم و إنما فعلوا ذلك حسدا لقريش على ولايتهم البيت ثم‏

547

سار تبع حتى قدم مكة فكانت سلاحه بقعيقعان فيقال فبذلك سمي قعيقعان و كانت خيله بأجياد و يقال إنما سميت أجياد أجيادا بجياد خيل تبع، و كانت مطابخه في الشعب الذي يقال له شعب عبد اللّه بن عامر بن كريز فلذلك سمي الشعب المطابخ، فأقام بمكة أياما ينحر في كل يوم مائة بدنة لا يرزأ هو و لا أحد ممن في عسكره منها شيئا يردها الناس فيأخذون منها حاجتهم ثم تقع الطير فتأكل ثم تنتابها السباع إذا أمست لا يصد عنها شي‏ء من الأشياء إنسان و لا طائر و لا سبع يفعل ذلك كل يوم مقامه أجمع، ثم كسا البيت كسوة كاملة أري في المنام أن يكسوها فكساها الأنطاع، ثم أري أن يكسوها فكساها الوصايل ثياب حبرة من عصب اليمن، و جعل لها بابا يغلق و لم يكن يغلق قبل ذلك، و قال تبع في ذلك و في مسيره شعرا:

و كسونا البيت الذي حرم اللّه‏* * * ملاء معصبا و برودا

و أقمنا به من الشهر عشرا* * * و جعلنا لبابه إقليدا

و خرجنا منه نؤم سهيلا* * * قد رفعنا لواءنا معقودا

و مما تقدم من قوله:" بين أمج و عسفان" فقد جاء في هامش تاريخ الأزرقي ما نصه: أمج ذكر السمهودي نقلا عن الأسدي أن أمج بعد خليص بجهة مكة بميلين، قال: و بعده بميل وادي الأزرق و يعرف بعران، و أمج لخزاعة. اه.

قلنا: و خليص قرية في وادي فاطمة أما عسفان فهي المرحلة الثانية للقوافل الصادرة من مكة إلى المدينة، و تبعد عن مكة ستة و ثلاثون ميلا. اه.

انتهى كل ذلك من تاريخ الأزرقي المسمى" أخبار مكة و ما جاء فيها من الآثار".

و ما تقدم من أن سلاح تبع كانت بقعيقعان فلذلك سمي بقعيقعان و أن خيله كانت بأجياد فلذلك سمي أجيادا. فقد جاءت علة أخرى لتسميتها بذلك أيضا ففي موضع آخر من تاريخ الأزرقي أن عمرو بن الحارث بن مضاض الجرهمي الذي بلغ من العمر عتيا يذكر لأبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي حين اجتمع به قبيل الإسلام أنه سمي أجياد أجيادا قال: لأنها جادت بالدماء يوم التقينا نحن و قطورا. و سمي قعيقعان قعيقعان لتقعقع السلاح في ظهورنا لما طلعنا عليهم منه.

و عمرو بن الحارث المذكور هو القائل:

كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا* * * أنيس و لم يسمر بمكة سامر

548

بلى نحن كنا أهلها فأزالنا* * * صروف العوادي و الجدود العواثر

فانظر رحمك اللّه كيف وضع اللّه تعالى هيبة بيته الحرام و محبته و تعظيمه في قلوب عباده منذ أقامه في الأرض للعبادة، و لو لم يكن كذلك لما حج إليه الناس من كل فج عميق، فسبحان من بيده مقاليد السموات و الأرض فهو رب هذا البيت و رب كل شي‏ء.

(2) لم يذكر المؤرخون من كسا الكعبة بعد تبع الحميري الذي هو أول من سن هذه السنة الحسنة، و الذي نعتقده أن الناس بعد أن رأوا كسوة تبع على الكعبة لم يتركوها مجردة قط، و هذا هو المعقول.

روى الأزرقي عن ابن أبي مليكة أنه قال: بلغني أن الكعبة كانت تكسى في الجاهلية كسي شتى: كانت البدنة تجلل الحبرة و البرود و الأكسية و غير ذلك من عصب اليمن و كان هذا يهدى للكعبة سوى جلال. البدن هدايا من كسي شتى خز و حبرة و أنماط فيعلق فتكسى منه الكعبة و يجعل ما بقي في خزانة الكعبة فإذا بلي منها شي‏ء أخلف عليها مكانه ثوب آخر و لا ينزع مما عليها شي‏ء و كان يهدى إليها خلوق و مجمر و كانت تطيب بذلك من بطنها و من خارجها. اه.

و روي أيضا عن النوار بنت مالك بن صرمة أم زيد ابن ثابت قالت: رأيت على الكعبة قبل أن ألد زيد بن ثابت و أنا به نسي‏ء مطارف خز خضراء و صفراء و كرارا و أكسية من أكسية الأعراب و شقاق شعر. و الكرار الحيش الرقيق.

واحدها كر. اه.

و روي أيضا عن عطاء بن يسار عن عمر بن الحكم السلمي قال: نذرت أمي بدنة تنحرها عند البيت و جللتها شقتين من شعر و وبر فنحرت البدنة و سترت الكعبة بالشقتين و النبي (صلى الله عليه و سلم) يومئذ بمكة لم يهاجر فأنظر إلى البيت يومئذ و عليه كسي شتى من وصائل و أنطاع و كرار و خز و نمارق عراقية أي ميسانية كل هذا قد رأيته عليه. انتهى من الأزرقي.

(3 و 4) كسوة قريش و كسوة أبي ربيعة بن المغيرة بن عبد اللّه بن عمرو بن مخزوم و كان اسمه في الجاهلية (بجيرا) فسماه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) عبد اللّه. كما ذكره صاحب كتاب المحمل و الحج نقلا عن الأغاني.

549

روى الأزرقي قال: حدثني جدي قال: حدثنا عبد الجبار ابن الورد قال:

سمعت ابن أبي مليكة يقول: كانت قريش في الجاهلية ترافد في كسوة الكعبة فيضربون ذلك على القبائل بقدر احتمالها من عهد قصي بن كلاب حتى نشأ أبو ربيعة بن المغيرة بن عبد اللّه بن عمرو بن مخزوم و كان يختلف إلى اليمن يتجر بها فأثرى في المال فقال لقريش: أنا أكسو و حدي الكعبة سنة و جميع قريش سنة فكان يفعل ذلك حتى مات يأتي بالحبرة الجيدة من الجند فيكسوها الكعبة فسمته قريش" العدل" لأنه عدل فعله بفعل قريش كلها فسموه إلى اليوم العدل و يقال لولده بنو العدل. اه من الأزرقي، و الجند بفتحتين بلد بأرض السكاسك باليمن.

(5) كسوة خالد بن جعفر بن كلاب، فقد ذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري روى الفاكهي في كتاب مكة من طريق مسعر عن جده قال: أصاب خالد بن جعفر بن كلاب لطيمة في الجاهلية فيها نمط من ديباج فأرسل به إلى الكعبة فنيط عليها، قال الحافظ: فعلى هذا هو أول من كسى الكعبة الديباج ثم قال:

و روى الدارقطني في المؤتلف أن أول من كسى الكعبة الديباج نتيلة بنت حبان والدة العباس بن عبد المطلب كانت أضلت العباس صغيرا فنذرت إن وجدته أن تكسو الكعبة الديباج و ذكر الزبير بن بكار أنها أضلت ابنها ضرار ابن عبد المطلب شقيق العباس فنذرت إن وجدته أن تكسو البيت فرده عليها رجل من جذام فكست الكعبة ثيابا بيضاء.

قال الحافظ: و هذا محمول على تعدد القصة. انتهى من تاريخ الكعبة. و معنى اللطيمة العير التي تحمل الطيب و بز التجار و ربما قيل لسوق العطارين لطيمة. اه من مختار الصحاح.

(6) كسوة نتيلة بنت حبان والدة العباس بن عبد المطلب، و هي التي ذكرنا قصتها في رقم (5) قال ابن ظهيرة في كتابه الجامع اللطيف: و هي أول عربية كستها الحرير.

القسم الثاني: كسوة الكعبة في الإسلام‏

(7) كسوة النبي (صلى الله عليه و سلم): فقد كساها الثياب اليمانية و قد كانت كسوتها على عهده الأنطاع و المسوح.

550

(8) كسوة أبي بكر رضي اللّه عنه: كساها القباطي و هي جمع قبطية ثوب رقيق أبيض من ثياب مصر كأنه منسوب إلى القبط و الضم خاص بالثياب و الكسر خاص بالناس، و تسميتها بالقباطي ليس لاحتكار أقباط مصر لهذا النوع من النسيج و لكنه اصطلاح اتفق عليه. كما ذكر في كتاب المحمل و الحج.

(9) كسوة عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه: كساها القباطي أيضا من بيت المال من مصر و كان يكتب إلى مصر لتحاك له فيها، قال ابن ظهيرة في الجامع اللطيف: كان عمر بن الخطاب ينزع ثياب الكعبة كل سنة فيقسمها على الحجاج.

(10) كسوة عثمان رضي اللّه عنه: كساها القباطي أيضا و كان يطلبها من مصر كعمر بن الخطاب، رضي اللّه عن الجميع. قال صاحب كتاب المحمل و الحج: و قد كساها عثمان سنة برودا يمانية أمر عامله على اليمن بعملها و هو يعلى بن منبه. قال: و وضع عثمان على الكعبة كسوتين إحداهما فوق الأخرى و هو أول من فعل ذلك في الإسلام. اه.

أما علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه، فقد قال صاحب كتاب المحمل و الحج: إن التاريخ لم يذكر عنه شيئا و لعل حروبه في تمهيد أمر الدولة قد شغلته عن ذلك. اه. و نحن نقول و لهذا السبب نفسه لم يحج رضي اللّه عنه بالناس بعد الخلافة أيضا.

(11) كسوة عبد اللّه بن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنهما، ففي تاريخ الأزرقي: كان ابن عمر يجلل بدنة بالأنماط فإذا نحرها بعث بالأنماط إلى الحجبة فيجعلونها على الكعبة قبل أن تكسى الكعبة. اه.

و قال ابن ظهيرة في كتابه الجامع اللطيف: و كساها عبد اللّه بن عمر ابن الخطاب رضي اللّه عنهما ما كان يجلل به بدنة من القباطي و الحبرات و الأنماط.

انتهى. الحبرات بكسر الحاء و فتح الباء جمع حبرة كعنبة برد يمان. قال في المصباح: و الأنماط جمع نمط بفتحتين و هو ثوب من صوف يطرح على الهودج.

قاله في المنجد و له معان أخر.

551

القسم الثالث: كسوة الكعبة في عصر بني أمية

(12) كسوة معاوية بن أبي سفيان رضي اللّه عنه: فقد كساها كسوتين فكانت تكسى الديباج يوم عاشوراء، و تكسى القباطي في أواخر شهر رمضان لعيد الفطر.

قال صاحب كتاب المحمل و الحج: و كانت الكعبة تلبس الديباج الأحمر يوم التروية و لا يخاط، و يترك الإزار عليها حتى يذهب الحاج لئلا يخرقونه، فإذا كان يوم عاشوراء علقوا عليها الإزار و أوصلوه بالقميص الديباج فلا يزال عليها إلى يوم 27 رمضان فتكسى الكسوة الثانية و هي من القباطي. اه.

(13) كسوة عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنهما: فإنه لما فرغ من بناء الكعبة المشرفة سنة أربع و ستين خلّقها من داخلها و خارجها من أعلاها إلى أسفلها و كساها القباطي و قيل الديباج الخسرواني فكان يبعث بالكسوة إلى مصعب بن الزبير كل سنة فكانت تكسى يوم عاشوراء كما ذكره الأزرقي، لكن عبارة صاحب كتاب المحمل و الحج فقد كان يبعث إلى أخيه مصعب ليرسل إليه الكسوة كل سنة. و فرق بين العبارتين كما لا يخفى.

و يدل على ذلك ما جاء في كتاب الدرة الثمينة في تاريخ المدينة لابن النجار، المطبوع بآخر الجزء الثاني من كتاب" شفاء الغرام" عند الكلام على ذكر الستارة التي كانت على صحن مسجد المدينة ما نصه:

أنبأنا ذاكر بن كامل عن الحسن بن أحمد بن محمد الحداد عن أبي نعيم الحافظ عن أبي جعفر الخلدي، قال: أخبرنا محمد بن عبد الرحمن المخزومي قال: حدثنا الزبير بن بكار قال: حدثني محمد بن الحسن بن زبالة قال: حدثني حسين بن مصعب قال: أدركت كسوة الكعبة يؤتى بها المدينة قبل أن تصل إلى مكة فتنشر على الرضراض في المسجد ثم يخرج بها إلى مكة، و ذلك سنة إحدى و ثلاثين أو اثنتين و ثلاثين و مائة. انتهى من الكتاب المذكور.

قال في مختار الصحاح: الرضراض" بفتح الراء" ما دق من الحصى، و رضاض الشي‏ء، بضم الراء، فتاته، و كل شي‏ء كسرته فقد رضرضته.

552

(14) كسوة يزيد بن معاوية بن أبي سفيان: كساها الديباج الخسرواني أيضا و يزيد هو الذي أخدم أيضا العبيد للكعبة كما أخدمهم لها قبله أبوه معاوية رضي اللّه تعالى عنه.

(15) كسوة الحجاج بن يوسف الثقفي: كساها الديباج الخسرواني أيضا، قال صاحب كتاب المحمل و الحج: و لعله فعل ذلك تكفيرا عما أتاه من رميها بالمنجنيق في قتاله ابن الزبير.

(16) كسوة عبد الملك بن مروان، كساها الديباج. قال الأزرقي: فكان يبعث به كل سنة من الشام، فيمر به على المدينة فينشر يوما في مسجد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) على الأساطين هاهنا و هاهنا ثم يطوى و يبعث به إلى مكة و كان يبعث بالطيب إليها و بالمجمر و إلى مسجد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم).

(17) كسوة هشام بن عبد الملك، قال صاحب كتاب المحمل و الحج: كساها هشام ديباجا غليظا و أغلب كسوة من كان قبله من متاع اليمن. قال: و قال الماوردي: و كساها بنو أمية في بعض أيامهم الحلل التي كانت على أهل" نجران" في جزيتهم و الديباج من فوقها. اه.

القسم الرابع: كسوة الكعبة في عصر العباسيين‏

(18) كسوة أمير المؤمنين محمد المهدي: قال مؤلف كتاب المحمل و الحج فيه ما نصه:

و في سنة (159) أمر المهدي بصنع كسوة من القباطي للكعبة شاهدها الفاكهي و قال عنها:" و رأيت كسوة من قباطي مصر مكتوبا عليها بسم اللّه بركة من اللّه، مما أمر به عبد اللّه المهدي محمد أمير المؤمنين أصلحه اللّه محمد بن سليمان أن يصنع في طراز تنيس كسوة الكعبة على يد الخطاب بن مسلمة عامله سنة تسعة و خمسين و مائة" مقريزي ص 181 و رأى الفاكهي أيضا كسوة أخرى باسم المهدي مصنوعة سنة (162) قال: و في سنة (160) نزع" المهدي" الكسوة التي كانت على الكعبة و كساها كسوة جديدة و ذلك لأن حجبة الكعبة أنهوا إليه أنهم يخافون على الكعبة أن تهدم لكثرة ما عليها من الكسوة فأمر أن يكشف عنها ما عليها من الكسوة حتى بقيت مجردة ثم طلي البيت كله بالخلوق بالغالية و المسك و العنبر ... الخ. اه.

553

(19) كسوة هارون الرشيد، قال صاحب كتاب المحمل و الحج فيه ما نصه:

و قال الفاكهي: و رأيت أيضا كسوة لهارون الرشيد من قباطي مصر مكتوب عليها" بسم اللّه بركة من اللّه للخليفة الرشيد عبد اللّه هارون أمير المؤمنين أكرمه اللّه مما أمر به الفضل بن الربيع أن يعمل في طراز تونة سنة تسعين و مائة" انتهى من الكتاب المذكور.

و هو نقلا عن المقريزي ص 181 و رأى الفاكهي أيضا كسوة أخرى مصنوعة باسم هارون الرشيد سنة (191).

(20) كسوة الفضل بن سهل ذي الرياستين و طاهر بن الحسين: قال صاحب كتاب المحمل و الحج فيه ما نصه:" و قال الفاكهي أيضا و رأيت كسوة مما يلي الركن الغربي يعني من الكعبة مكتوبا عليها" مما أمر به السري ابن الحكم و عبد العزيز بن الوزير الجروي بأمر الفضل بن سهل ذي الرياستين و طاهر بن الحسين سنة سبع و تسعين و مائة" انتهى من الكتاب المذكور و هو نقلا عن المقريزي ص 181.

(21) كسوة المأمون بن هارون الرشيد، قال صاحب كتاب المحمل و الحج فيه ما نصه: ثم إن المأمون بن هارون الرشيد أمر أن تكسى الكعبة ثلاث مرات" أي في السنة" تكسى الديباج الأحمر يوم التروية، و القباطي أول رجب، و الديباج الأبيض في 27 رمضان. ابتدأ المأمون سنة (206) حين قالوا له: الديباج الأحمر يتخرق قبل الكسوة الثانية فسأل مبارك الطبري مولاه و هو على بريد مكة و صوافيها عن أحسن ما تكون فيه الكعبة فقال له في الديباج الأبيض ففعله قال:

و في مرآة الحرمين أمر أن لا يسدل عليها إلا كسوة واحدة، ثم قال: و قال الفاكهي:" و رأيت شقة من قباطي مصر في وسطها إلا أنهم كتبوا في أركان البيت بخط دقيق أسود مما أمر به أمير المؤمنين المأمون سنة ست و مائتين". اه من كتاب المحمل و الحج و هو نقلا عن المقريزي ص 181.

ثم قال أيضا:" ثم رفع إلى المأمون أيضا أن إزار الديباج الأبيض يتخرق و يبلى في أيام الحج من مس الحجاج قبل أن يخاط عليها إزار الديباج الأحمر في عاشوراء فزادها إزارا من ديباج أبيض، تكساه يوم التروية فيستر به ما تخرق من الإزار الذي كسيته إلى أن يخاط عليها إزار الديباج الأحمر في العاشوراء". انتهى كل ذلك من المحمل و الحج. و هذا الكلام و أكثر منه موجود في تاريخ الأزرقي.

554

(22) كسوة أبي السرايا الأصفر، قال في كتاب المحمل و الحج فيه ما نصه:

و في سنة (200) مائتين قدم مكة حسين بن حسن الأفطس الطالبي و ملكها و دخل الكعبة و جردها من جميع الكسي، و أخذ جميع ما كان عليها و كساها ثوبين رقيقين من قز أحدهما أصفر و الآخر أبيض، كان أبو السرايا بعث بهما إليها مكتوب عليهما" بسم اللّه الرحمن الرحيم و صلى اللّه على محمد و على أهل بيته الطيبين الطاهرين الأخيار، أمر أبو السرايا الأصفر بن الأصفر داعية آل محمد بعمل هذه الكسوة لبيت اللّه الحرام، و أن تطرح عنها كسوة الظلمة من لدى العباس" ثم أخذ أموالا كثيرة من أهل مكة و صادرهم و أبادهم. انتهى من الكتاب المذكور.

(23) كسوة أمير المؤمنين جعفر المتوكل على اللّه، قال صاحب كتاب المحمل و الحج فيه ما نصه:

ثم رفع إلى جعفر المتوكل على اللّه في سنة (240) أن إزار الديباج الأحمر يبلى قبل هلال رجب من مس الناس و تمسحهم بالكعبة فزادها إزارين مع الإزار الأول فأذال قميصها الديباج الأحمر و أسبله حتى بلغ الأرض ثم جعل الإزار فوقه في كل من شهرين إزارا. اه.

قال الأزرقي: معنى أذال" بالذال المعجمة": أسبل. قال صاحب المحمل: ثم نظر الحجبة فإذا الإزار الثاني لا يحتاج إليه فوضع في تابوت الكعبة و كتبوا إلى المتوكل أنه يكفي إزار واحد مع ما أذيل من قميصها، فصار يبعث بإزار واحد فتكسى به بعد ثلاثة أشهر و يكون الذيل ثلاثة أشهر. ثم في سنة (243) أمر المتوكل بإذالة القميص القباطي حتى بلغ الشاذروان الذي تحت الكعبة. قال الماوردي: ثم كسى المتوكل أساطينه الديباج و قد عدت الكساوى التي كسيت بها الكعبة من سنة (200) إلى سنة (244) فإذا هي مائة و سبعون ثوبا. راجع تاريخ مكة. ثم عاد الخلفاء العباسيون ببغداد إلى شعارهم الأسود فألبسوا الكعبة الديباج الأسود. انتهى كل ذلك من كتاب المحمل و الحج.

و في سواد كسوة الكعبة المعظمة يقول المهلهل الدمياطي:

يروق لي منظر البيت العتيق إذا* * * بدا الطرفي في الإصباح و الطفل‏

كأن حلته السوداء قد نسجت‏* * * من حبة القلب أو من أسود المقل‏