منتقى الأصول‏ / تقريرات - ج7

- السيد عبد الصاحب الحكيم المزيد...
445 /
407

رجلين في الرواية لا يعلم له وجه بحسب المجرى العرفي. و لو أريد- كما هو الظاهر من النص- الرجوع إلى ما يتفقان عليه، فمع الاختلاف لا يكون كل منهما حجة في حكمه، فلا معنى للسؤال عن الترجيح.

الثانية: ان المفروض في الرواية (1)، و المسلم عند الفقهاء، انه لا حق لمجتهد الحكم على خلاف ما حكم به مجتهد آخر، فكيف يتصور ثبوت حكمين منهما مختلفين؟!، بل لا بد لأحدهما من إمضاء حكم الآخر الّذي قد حكم أولا.

الثالثة: انه مع صلاحية كل منهما لفصل الخصومة، لا يتصور عدم عثوره على الرواية المعارضة لما استند إليه، مع فرض كون الحاكم الآخر من الرّواة، كما هو الشأن في المجتهدين في زمان الحضور، إذ عدم عثوره عليها يعني تقصيره في الفحص، و معه لا يجوز له القضاء و الحكم، و مع عثوره عليها كيف يحكم على إحداهما بلا ملاحظة ما هو الحكم عند التعارض؟!.

الرابعة: انه من المتسالم عند الفقهاء انه لا حق للمتخاصمين الفحص عن مستند حكم الحاكم، بل لا بد من التعبد به كيف ما كان، فكيف يفرض امر الإمام (عليه السلام) لهما بالفحص عن المستند؟!.

الخامسة: ان الرواية أولا و آخرا انما تدل على ترجيح أحد الحكمين على الآخر، لا إحدى الروايتين على الأخرى، كما يدل عليه قوله (عليه السلام): «الحكم ما حكم به أعدلهما ..» و قوله (عليه السلام): «فيؤخذ به (يعني بالمجمع عليه) من حكمهما و يترك الشاذ الّذي ليس بمشهور»، و قوله (عليه السلام): «ينظر ما وافق حكمه حكم الكتاب و السنة و خالف العامة فيؤخذ به و يترك ما خالف الكتاب ..».

السادسة: انه لو سلم كونها في مقام ترجيح إحدى الروايتين على الأخرى، فهي ظاهرة في مقام عدم كون التعارض بين السندين- كما هو مفروض البحث-، بل التعارض في مقام آخر.

____________

(1) بقوله (عليه السلام): الرادّ عليه كالرادّ على اللّه.

408

و قد تمسك السيد الخوئي لذلك بإطلاق المشهور على أحد الخبرين، فان لفظ الشهرة لغة بمعنى الوضوح المساوق للاطمئنان و العلم العادي.

و هذا يعني: ان المشهور مقطوع الصدور و غيره مقطوع عدم الصدور، و استشهد لذلك بقوله (عليه السلام): «فان المجمع عليه لا ريب فيه»، فان نفي الريب ظاهر في حصول العلم بالمجمع عليه، و قوله هذا ظاهر في كونه إشارة إلى امر ارتكازي عرفي، و بقوله: «امر بيّن رشده و امر بيّن غيّه ..»، فان تطبيق بيّن الرشد على المجمع عليه ظاهر في كونه مجزوم الحجية، و معه فإذا كان كلا الخبرين مشهورين كانا مقطوعي السند فلا تعارض بين السندين‏ (1).

إلّا انه يشكل: بان المراد بالشهرة لو كان هو الشهرة في روايته عن شخص الإمام (عليه السلام) بحيث يكون الراوي عن الإمام متعددا، كان ما ذكر في محله، لأنه يكون من قبيل المتواتر.

و ان كان هو الشهرة عن شخص راو عن الإمام (عليه السلام) بحيث يتحد الراوي عن شخص الإمام مباشرة و يتعدد الرواية عن هذا الراوي، لم يتم ما ذكر، إذ لا يحصل الاطمئنان بصدور الخبر بل يكون كغيره من الاخبار. و لا دليل [1] على إرادة الأول، إذ إطلاق الشهرة على النحو الثاني متعارف.

و اما قوله: «لا ريب فيه»، فلا يصلح شاهدا لما ذكر، إذ يمكن ان يكون المراد

____________

[1] قرّب دام ظله في الدورة الثانية إرادة الشهرة بالمعنى الأول أعني الشهرة في الطبقة الأولى الرواية عن الإمام (عليه السلام) ببيان انه مضافا إلى كونه ظاهر النص لظهور قوله «قد رواهما الثقات عنكم» في ذلك ان الشهرة في الطبقات اللاحقة المتوسطة مع وحدة الراوي عن الإمام (عليه السلام) لا يستلزم ترجيحا في جانب السند إذ هو لا يزيد على السماع من الراوي عن الإمام (عليه السلام) مباشرة فغاية الأمر يقطع برواية زرارة مثلا عن الإمام (عليه السلام) اما صدور الحديث عنه (عليه السلام) فلا يرتبط بالشهرة مع ان النقل عن الإمام (عليه السلام) بوسائط كان قليلا في تلك العصور، و لذا إن ثبت إرادة الشهرة عن الإمام (عليه السلام) مباشرة كان ذلك مستلزما للقطع بصدور النص فلا يرتبط بترجيح جانب السند بالشهرة فتدبر.

____________

(1) الواعظ الحسيني محمد سرور. مصباح الأصول 3- 412- الطبعة الأولى.

409

به نفي الريب عنه بالنسبة إلى غير المشهور لا في نفسه، و ذلك بقرينة تثليث الأقسام فيما بعد و إطلاق المشتبه على غير المشهور، فانه يقتضي كونه مشكوك الصدور لأنه مما يعلم عدم صدوره.

فالأولى في الاستدلال على المدعى بما يفرضه الراوي من معرفة كلا الحكمين حكميهما من الكتاب و السنة، فانه ظاهر في ان مستنديهما هما الكتاب و السنة- و هما امران قطعيان بلا إشكال-، و انه لا إشكال من ناحية الصدور و منشأ الحكمين، و انما الاختلاف نشأ من جهة الاختلاف في الاستظهار من الكتاب و السنة.

فالترجيح‏ (1)، بعد هذا لا يكون في مقام السندين، بل في مقام آخر غيرهما، إذ لا شك في السندين.

ثم انه‏ (2) بعد ان لم يعين إرادة النحو الثاني من لفظ المشهور، بل كان اللفظ مطلقا، استفيد من إطلاقه إمكان إرادة كلا النحوين، و مع هذا- أعني: إرادة كلا النحوين من المشهور بمقتضى الإطلاق- لا بد من ان لا يفرض الترجيح في مقام السند و بلحاظ التعارض فيه، إذ بعض افراد المشهور لا تعارض فيه في مقام السند للقطع بصدور أحدهما.

و بالجملة: فالمقبولة لا تصلح للتمسك بها على المدعى لا بلحاظ سندها و لا دلالتها.

و العجب ان الشيخ (رحمه الله)، قد أشار إلى بعض جهات الإشكال فيها، ثم التزم بصراحتها في لزوم الترجيح بين الروايتين، و أتعب نفسه الزكية في الجمع الدلالي بينها و بين المرفوعة (3).

و اما مرفوعة زرارة، فالكلام حول دلالتها لا يغني و لا يسمن من جوع.

____________

(1) هذا بالنسبة إلى الترجيح بما بعد الشهرة.

(2) هذا بالنسبة إلى الترجيح بالشهرة.

(3) الأنصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الأصول- 447- الطبعة القديمة.

410

لضعف سندها، حتى انه ضعّفها سندا من لا عادة له بتضعيف الاخبار و القدح بسندها، و هو صاحب الحدائق.

و اما الاخبار الأخرى ..

فاما ما يتكفل الترجيح بخصوص مخالفة العامة و طرح الموافق لهم، فهو و ان كان متعددا و تام الدلالة إلّا انه مخدوش السند، لروايته عن رسالة القطب الراوندي بسنده الصحيح، إلّا انه نقل عن النراقي التشكيك في صحة نسبة هذه الرسالة إلى شخص الراوندي و لم تثبت شهادة غيره بصحة نسبتها إليه بمستند قطعي،- حتى صاحب الوسائل، فانه يذكر طرقا أربعة يتوصل بها إلى إثبات نسبة الكتاب إلى صاحبه-.

و من هنا يظهر الوجه في ما نقل عن المحقق الحلي من: انه لا وجه للترجيح بمخالفة العامة- و ثبوت مسألة علمية كهذه- برواية رويت عن الإمام الصادق (عليه السلام)، إذ بعد ان عرفت الشك في ثبوت الروايات المنسوبة إلى القطب، فلا يبقى ما يصلح للدلالة على الترجيح بمخالفة العامة الا المقبولة، و قد عرفت ما فيها و ما في الاستدلال، بها، فكيف يستند إليها في مثل هذه المسألة المهمة، فلا وجه لما أنكر عليه المتأخرون بدعوى: وجود الروايات على ذلك البالغة حد الاستفاضة المعتبرة سندا و دلالة. و قد أناط اللثام عن ذلك المحقق الأصفهاني‏ (1).

و اما ما يتكفل الترجيح بموافقة الكتاب و طرح المخالف له.

فمنه ما هو ظاهر في عدم حجية المخالف للكتاب في نفسه، إلّا انه قد عرفت حمله على إرادة المخالفة لنص الكتاب، كالمخالفة بنحو التباين الكلي، بقرينة العلم بثبوت تخصيص و تقييد بعض عمومات و مطلقات الكتاب بالأخبار.

و منه ما قد يظهر- كما ادعي- في مقام الترجيح في مورد أصول الدين لا فروعه.

____________

(1) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 3- 167- الطبعة الأولى.

411

و اما ما يظهر منه الترجيح- لا تمييز الحجة عن اللاحجة- في مورد الفروع- لا الأصول- المحمول على إرادة المخالفة لظاهر الكتاب، كالمخالفة بالعموم و الخصوص، فهو [1] أربع روايات: المقبولة، و المرفوعة، و رواية عن رسالة القطب، و رواية عيون الاخبار عن الإمام الرضا (عليه السلام). اما الأوليان، فعدم صحة الاعتماد عليهما ظاهر مما تقدم و كذلك الثالثة. و اما رواية عيون الاخبار، فهي و ان كانت بالمقدار الّذي يذكر منها شاهدا وافية الدلالة، إلّا انه بملاحظة صدرها (1)، يتضح عدم كونها واردة في مقام تعارض الخبرين بل في مقام آخر، فلا تصلح للاستدلال.

و بذلك يتحصل: انه لا يمكن التمسك بشي‏ء من الاخبار على الترجيح، فتدبر.

و اما التوقف، فالذي يتمسك به له روايتان: أحدهما: المقبولة.

و الأخرى: رواية سماعة بن مهران المروية في الاحتجاج: «قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): يرد علينا حديثان واحد يأمرنا بالاخذ و الآخر ينهانا؟.

قال: لا يعمل بواحد منهما حتى تلقى صاحبك فتسأل. قلت: لا بد ان نعمل بواحد منهما؟ قال: خذ بما فيه خلاف العامة» (2).

و الأولى: مع ما عرفت ما فيها، و ان موردها الحكمان لا الروايتان، حدد فيها

____________

[1] بل التحقيق انه لا بد من حمل النص الوارد في ترجيح الموافق على المخالف للكتاب على تمييز الحجة من اللاحجة، لا ترجيح إحدى الحجتين على الأخرى، و ذلك أولا لما تقرر في محله من ان لفظ المخالفة لا يظهر منه المخالفة بنحو التباين أو العموم من وجه، اما المخالفة بنحو الإطلاق أو التقييد أو العموم و الخصوص فهو مما لا يعد مخالفة عرفا.

و ثانيا ان الغالب في الروايات المتعارضة هو ما يرد منها في أبواب العبادات، و ليس في الكتاب الكريم عمومات أو إطلاقات بالنسبة إليها، فلا يتصور المخالفة من هذه الجهة لعدم الموضوع، فلا معنى لحمل الاخبار المتكفلة للترجيح عليها. بل لا بد من حملها على المخالفة بالتباين و مثله يكون الخبر ساقطا عن الحجية في نفسه فتدبر.

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 81 باب: 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث: 21.

(2) وسائل الشيعة 18- 88 باب: 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث: 42.

412

التوقف بلقيا الإمام (عليه السلام)، فهي تختص بزمان الحضور لا الغيبة كزماننا.

و الثانية: ضعيفة السند، مع معارضتها بالمقبولة، لكون الحكم فيها بالتوقف من أول الأمر و الحكم بالترجيح بعد عدم إمكانه، و الحكم في المقبولة بالتوقف، بعد فقد المرجح. مضافا إلى تحديد التوقف بلقيا الإمام (عليه السلام)، فهي مختصة أيضا بزمان الحضور.

و اما الاحتياط، فروايته مرفوعة زرارة، و قد عرفت ما في الاستدلال بها، فلا نعيد.

و اما ما ظاهره لزوم الترجيح بالأحدثية، فهو روايات:

الأولى: رواية الحسين بن مختار، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «قال: أ رأيتك لو حدثتك بحديث العام ثم جئتني من قابل فحدثتك بخلافه بأيها كنت تأخذ؟. قال: كنت آخذ بالأخير. فقال لي: رحمك اللّه تعالى» (1).

الثانية: رواية أبي عمرو الكناني، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، و هي توافق في المضمون الرواية الأولى، لكن زيد فيها: «أبى اللّه إلّا ان يعبد سرا اما و اللّه لئن فعلتم ذلك انه لخير لي و لكم أبى اللّه لنا في دينه الا التقية» (2).

الثالثة: رواية محمد بن مسلم قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): ما بال أقوام يروون عن فلان عن فلان عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لا يتهمون بالكذب فيجي‏ء منكم خلافه؟. قال: ان الحديث ينسخ كما ينسخ القرآن» (3).

الرابعة: رواية المعلى بن خنيس: «قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) إذا جاء حديث عن أولكم و حديث عن آخركم بأيهما نأخذ؟. قال: خذوا به حتى يبلغكم عن الحي، فان بلغكم عن الحي فخذوا بقوله. قال: ثم قال أبو عبد اللّه (عليه‏

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 77 باب 9، من أبواب صفات القاضي، الحديث: 7.

(2) وسائل الشيعة 18- 79 باب 9، من أبواب صفات القاضي، الحديث: 17.

(3) وسائل الشيعة 18- 77 باب 9، من أبواب صفات القاضي، الحديث: 4.

413

السلام): انا و اللّه لا ندخلكم إلّا فيما يسعكم» (1).

و هذه الروايات لا تصلح للدلالة على المدعي.

اما الأوليان [1]، فالمفروض فيهما هو القطع بصدور كلام الحديثين، لأن‏

____________

[1] تحقيق الكلام في هاتين الروايتين من حيث مدلولهما، ان يقال: أن ظاهرهما- كما أشير إليه في المتن- كون الحكمين المختلفين صادرين من نفس الإمام (عليه السلام) مشافهة، فالالتزام بالاخذ بالمتأخر لا يرتبط بترجيح سند إحدى الروايتين المتعارضتين على الأخرى و تعيين صدورها. فهما أجنبيتان عن محط الكلام، لكن لو تم مدلولهما و سندهما، أشكل الأخذ بهما على ظاهرهما، و ذلك لأن مرجع مفادهما إلى بيان ان الحكم السابق ليس حكما واقعيا يلزم الأخذ به، و انما هو حكم صوري اقتضت المصلحة بيانه موقتا.

و بما ان مطلق الروايات المتكفلة للحكمين المختلفين في زمان الصدور، إذ لا تصدر الروايتان منهما في آن واحد عادة، بل تكون أحدهما متقدمة زمانا على الأخرى، فمقتضى هذه النصوص ان إحدى هاتين الروايتين- و هي السابقة- صدرت لغير الحكم الواقعي، فإذا علم بالسابقة من الروايتين كانت معلومة البطلان، و ان اشتبه الحال كما في الروايتين الصادرتين من امام واحد، كان المورد من اشتباه الحجة باللاحجة، لأن أحدهما الواقعية المعينة معلومة البطلان و لكنها غير مميزة.

و على هذا لا يبقى للتعارض مورد أصلا، و هو خلاف النصوص الأخرى التي تفرض للتعارض موضوعا، و خلاف الضرورة من الصدر الأول إلى الآن، فان وجود التعارض بين الروايات هو من الأمور المفروغ عنها بين الكل، فمدلول هذه النصوص مما يصطدم مع الضرورة فلا يمكن الركون إليه.

و مع الغض عن هذا الإشكال، نقول: ان لزوم الأخذ بالأحدث لا وجه له الا التقية ..

اما في الحكم السابق و ارتفاعها فعلا، فيتعين الأخذ باللاحق لارتفاع العارض.

و اما في الحكم اللاحق لاقتضاء التقية رفع اليد عن الحكم الواقعي.

و من الواضح اختصاص هذا بما إذا كان أحد الحكمين موافقا للتقية، دون ما إذا لم يكن أحدهما كذلك، فإطلاق الحكم بلزوم الأخذ بالأحدث في الروايتين مما لا يظهر له وجه.

هذا، مضافا إلى ان التشريع الناسخ للتشريع السابق و ان كان للإمام (عليه السلام) و من صلاحياته، إلّا انه لم يكن يتصدى خارجا إليه، بل كان بيانه الحكم من باب انه الحكم الواصل إليهم عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، كما يشير إليه التعبير في الروايتين المزبورتين ب: «حدثتك بحديث»، كما انه لا يحتمل في حقهم (عليهم السلام) فلا بد و ان يكون ناشئا عن ملاحظة ظروف‏

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 78 باب 9، من أبواب صفات القاضي، الحديث: 8.

414

المفروض انه هو الّذي يحدث المخاطب لا انه يروى عنه فالمخاطب يسمع الحديث مباشرة منه، فليس التنافي بين السندين بل يكون بحسب الظهور، فيحمل الأول السابق على التقية كما يشير إليه ذيل رواية الكناني، و هذا هو الّذي يفهمه المخاطب بالحديثين بحسب المتعارف.

و اما الثالثة، فهي أيضا ظاهرة في كون الخبرين مقطوعي الصدور للتعبير:

«بأنه يجي‏ء منكم خلافه»، فمجي‏ء خلاف ما حدث به عن الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) منسوب إليهم مباشرة، و هو لا يتناسب مع عدم الجزم بصدوره منهم، كما ان ظاهر السؤال هو المفروغية عن صدورهما معا لا التشكيك في أحدهما، و انما الإشكال في مخالفتهم (عليهم السلام) للرسول (صلّى اللّه عليه و آله) مع ما صدر منهم من انهم لا يفتون بما يخالف سنة الرسول، و يؤيده تقرير الإمام (عليه السلام)

____________

- التقية التي تحيط بهم أو بالسائل.

و على هذا الأساس يكون مقتضى القاعدة هو الأخذ بالحكم الأحدث و لو لم يبيّن ذلك في النصوص، و ذلك لأنه اما ان يكون الحكم السابق موافقا للتقية، فبيان خلافه متأخرا يكشف عن زوال التقية، فيلزم الأخذ به. و اما ان يكون اللاحق هو الموافق للتقية، فيلزم الأخذ به للتقية. فالحكم اللاحق يلزم الأخذ به، اما للتقية أو لأنه الحكم الواقعي، لكن لا يخفى ان هذا هو حكم من كان في زمن التقية، فلا يشمل من كان في غير زمن التقية، كزماننا الّذي نحن فيه، بل المستفاد من هذه النصوص هو لزوم الأخذ بما يخالف العامة بالنسبة إلى من هو في هذه الأزمنة لأنه هو الحكم الواقعي، فلا يستفاد من هذه النصوص امر زائد على اخبار الترجيح بمخالفة العامة.

و هذا البيان أولى مما ذكره المحقق الأصفهاني (قدس سره) من اختصاص هذه النصوص بزمن التقية و هو زمن الحضور، فلا تتكفل حكم زمن الغيبة، فالمرجع فيه الاخبار العلاجية الأخرى.

فانه يرد عليه: ان الاخبار العلاجية نصّ بالنسبة إلى زمن الحضور فانه القدر المتيقن منها، إذ لا يحتمل انها تتكفل بيان حكم زمن الغيبة خاصة. و عليه فتكون معارضة لهذه الاخبار، و هذا بخلاف ما بيناه من استفادة الأخذ بمخالف العامة في غير زمن الغيبة من نفس الاخبار بلا احتياج إلى الرجوع إلى الاخبار العلاجية في ذلك، و لعل مراده ما ذكرناه.

415

له و رفع ما في ذهنه بأن الحديث ينسخ، مشيرا إلى انهم (عليهم السلام) اطلع من غيرهم بنسخ أحاديث الرسول في زمانه (صلّى اللّه عليه و آله) فيبينونه الآن.

و اما الرابعة، فعدم صلاحيتها للدلالة على المدعى من جهة ظهورها في لزوم الأخذ بالحديث حتى يبلغ عن الحي خلافه، فانه ظاهر في اختصاص لزوم الأخذ بالأحدث بزمان الحضور بلحاظ معرفة الأئمة (عليهم السلام) ما يقتضيه أحوال زمانهم من التقية و عدمها، و يشهد له قوله بعد ذلك: «انا و اللّه لا ندخلكم إلّا فيما يسعكم» الظاهر في كون اختلاف الحكم باعتبار اقتضاء حال زمان الحكم له، و هذا يختص في زمان الحضور و ان ما يقوله الإمام الحي لا بد من الأخذ به و ان خالف حكمه حكم الإمام السابق، لأن تفاوت حكمهم (عليهم السلام) بتفاوت حال الزمان الّذي هم فيه من حيث لزوم التقية و عدمها، و لأنهم (عليهم السلام) يلحظون في أحكامهم ما يقتضيه الحال، فلاحظ.

و اما ما ظاهره ان الوظيفة هي التخيير، فسيأتي الكلام فيه بعد التكلم في مقامين:

المقام الأول: انه مع التنزل عن المناقشات في سند بعض روايات الترجيح‏ (1)، فالقدر المتيقن هو لزوم الترجيح بموافقة الكتاب و مخالفة العامة، لدلالة الاخبار المروية عن رسالة القطب عليه.

و اما الترجيح بغيرهما من الشهرة أو صفات الراوي، فلم يرد ذلك الا في المقبولة و المرفوعة، و قد عرفت عدم نهوض الأولى دلالة و الثانية سندا، و مع التنزل و الالتزام بدلالة الأولى و انجبار ضعف سند الثانية بعمل الأصحاب- كما ادعاه الشيخ- فلا بد من الالتزام بلزوم الترجيح بالشهرة و صفات الراوي من الأعدلية و الأوثقية و غيرهما مما ذكره لكنه يقع الكلام في الجمع بين الروايتين المذكورتين للتنافي الحاصل بينهما، إذ قدم الترجيح بالصفات على الترجيح بالشهرة في المقبولة،

____________

(1) و هي روايات رسالة القطب الراوندي.

416

و أخر في المرفوعة، فيحصل التعارض بينهما في مورد تعارض الخبرين، و كان أحدهما مشهورا و الآخر راويه أعدل، إذ مقتضى المرفوعة تقديم المشهور منهما، و مقتضى المقبولة تقديم المروي عن الأعدل.

و قد ذكر الشيخ (رحمه الله) وجوها ثلاثة للجمع:

الأول: ان الترجيح بالصفات في المقبولة انما كان في مورد تعارض الحكمين لا الروايتين، فهي غير ناظرة فيه إلى تعارض الروايتين بخلاف المرفوعة، فالمقدم يكون هو الخبر المشهور بمقتضى المرفوعة و لا تعارضها المقبولة أصلا.

الثاني: ان مقتضى دلالة المرفوعة على لزوم الأخذ بالمشهور عند معارضته للشاذ هو الأخذ في المورد بالمقبولة لأنها أشهر من المرفوعة، و معه يكون المقدم هو الخبر المروي عن الأعدل دون المشهور.

الثالث: انه لم يثبت من المشهور تقديم الخبر المشهور على غيره و لو كان أصح منه سندا، فلم يثبت عمل الأصحاب بالمرفوعة في الفرض كي يحصل التعارض بينها و بين المقبولة، فالمحكم يكون هو المقبولة و يقدم الخبر الأصح سندا على المشهور (1).

و لا يخفى اختلاف النتيجة على الوجوه، إذ هي على الوجه الأول غيرها على الوجهين الآخرين.

اما الوجه الأول، فهو تام بلا إشكال.

و اما الثالث، فهو عجيب بعد دعوى انجبار ضعف سند المرفوعة بعمل الأصحاب بها، إذ عمل الأصحاب بها انما يثبت بعملهم بها في المورد الّذي تفترق به عن المقبولة- إذ في مورد اتفاقها معها لا يعلم كون عملهم بمضمونها، إذ قد يكون بمضمون غيرها الموافق لها-، و المورد الّذي تفترق به المرفوعة عن المقبولة هو هذا بالخصوص، فمنع عمل المشهور بها فيه لا يتناسب مع دعوى عمل المشهور بها.

____________

(1) الأنصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الأصول- 447- الطبعة القديمة.

417

و اما الثاني، فقد استشكل فيه المحقق الأصفهاني (رحمه الله) من جهات:

الأولى: انه لم يثبت شهرة المقبولة رواية، إذ يمكن ان يكون التعبير عنها بالمقبولة من جهة كون راويها صفوان بن يحيى، و هو من أصحاب الإجماع الذين أجمعت العصابة على تصحيح ما صح عنهم- كما أشرنا إليه- لا من جهة شهرتها رواية.

الثانية: ان الحكم بترجيح المقبولة استنادا إلى المرفوعة يتوقف على كون جعل الحكم في المرفوعة بنحو القضية الطبيعية أو بنحو القضية الحقيقية، و تنقيح الملاك بحيث يكون الحكم الّذي تتكفله شاملا لها.

الثالثة: ان الالتزام بترجيح المقبولة بواسطة المرفوعة و طرح المرفوعة يستلزم المحال، لأن الالتزام بالمرفوعة في ترجيح المقبولة يستلزم طرح المرفوعة كما لا يخفى، فيلزم من الأخذ بالمرفوعة طرحها، و هو محال لأن ما يلزم من وجوده عدمه محال‏ (1).

إلّا ان ما ذكره أخيرا لا نعرف له وجها، و ذلك لأن المرفوعة بإطلاقها تقتضي الأخذ بالمشهور سواء كان المعارض له الشاذ أصح منه سندا أو لم يكن كذلك، فهي تشمل المقبولة و تشمل الخبر المعارض بالأصح سندا، فشمولها للمقبولة يستلزم طرحها بالنسبة إلى الخبر المعارض بالأصح، فالأخذ بها في بعض مدلولها يستلزم طرحها في البعض الآخر لمدلولها، فلا يكون ذلك مما يلزم من وجوده عدمه، لاختلاف مورد الأخذ و الطرح، فتدبر.

نعم، الوجه الّذي يؤخذ على الشيخ، هو عدم التزامه بترجيح المقبولة بمقتضى مدلولها أيضا، لأنها أيضا تقتضي ترجيح المشهور على الشاذ، و المفروض أيضا ان جعل الحكم فيها بنحو القضية الطبيعية أو بنحو القضية الحقيقية، و لكن سريان الحكم إليها بتنقيح الملاك، إذ هو الملاك في ترجيح المقبولة بمدلول المرفوعة

____________

(1) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 3- 165- الطبعة الأولى.

418

كما عرفت، فلاحظ.

و المتحصل مما ذكرناه: انه يلتزم بالترجيح بالشهرة و الصفات بلا تعارض.

المقام الثاني: انه بناء على الترجيح، هل يجوز التعدي من المرجحات المنصوصة إلى غيرها في مقام الترجيح، أو لا يجوز ذلك، بل يلزم الاقتصار على المنصوص منها؟. التزم الشيخ بلزوم التعدي إلى غير المرجحات المنصوصة مما يوجب أقربية ذي المزية إلى الواقع من معارضه، و استند في ذلك إلى وجوه أربعة:

الأول: ظهور الترجيح بالأصدقية في المقبولة و الأوثقية في المرفوعة، في انه باعتبار ما فيهما من الطريقية إلى الواقع و إيجابهما أقربية الخبر إليه بلا مدخلية لخصوصيتهما في الترجيح أصلا.

و أيد ذلك: بأن الراوي بعد سماع الترجيح بمجموع الصفات لم يسأل عن وجود بعضها، و انما سأل عن حكم صورة تساوي الروايتين في جميع المزايا المنصوصة و غيرها، حتى قال: «لا يفضل أحدهما على الآخر»، و هذا كاشف عن فهمه كون كل من هذه الصفات و ما شابهها مزية مستقلة توجب الترجيح.

الثاني: تعليله (عليه السلام) في المقبولة الأخذ بالمشهور بأن: «المجمع عليه لا ريب فيه»، إذ المراد بنفي الريب نفيه بالإضافة إلى الشاذ- لا النفي مطلقا بحيث يكون قطعيا من جميع الجهات، إذ لا معنى معه لفرضهما مشهورين لامتناع القطع بهما بجميع جهاتهما- فيكون المعنى: ان الريب و الاحتمال الموجود في الخبر الشاذ غير موجود في المشهور. و مقتضى التعدي عن مورد النص في العلة ان كل خبرين كان في أحدهما احتمالا لا يوجد في الآخر، بحيث يكون اقرب من ذلك بعدم هذا الاحتمال كان الآخر مقدما.

الثالث: تعليلهم (عليهم السلام) لتقديم الخبر المخالف للعامة بأن: «الحق و الرشد في خلافهم» و نحوه، إذ من المعلوم ان هذه القضايا غالبية لا دائمة- لاتفاقنا معهم في بعض الأحكام- فكأن التعليل ناظر إلى ان ما يخالفهم اقرب إلى الواقع من‏

419

موافقتهم لغلبة مخالفتهم، فيتعدى إلى كل مزية توجب أقربية ذيها من غيره بمقتضى التعليل.

الرابع: قوله (عليه السلام): «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»، فانه يدل بإطلاقه على انه إذا دار الأمر بين امرين في أحدهما ريب و ليس في الآخر ذلك الريب يجب الأخذ به، و ليس المراد نفي مطلق الريب بل نفيه بالإضافة (1).

و قد ناقشه المحقق الخراسانيّ في الوجوه الثلاثة الأول دون الرابع- و لعله لوضوح المناقشة فيه، إذ لم يرد هذا التعبير في اخبار الترجيح، بل هو وارد في اخبار البراءة و الاحتياط، فلا يصلح للاستشهاد به على المدعى فيما نحن فيه- اما المناقشة في الوجه الأول: فبأنه لم يعلم كون تمام الملاك في الترجيح بالأصدقية و الأوثقية هو ما فيها من جهة الطريقية و الكشف عن الواقع، لاحتمال دخالة خصوصية في الترجيح خصوصا بملاحظة الترجيح بما لا يحتمل الترجيح به إلّا تعبدا، كالأفقهية لعدم جهة الطريقية فيها.

و اما المناقشة في الوجه الثاني: فبأن المشهور في الصدر الأول يكون مما لا ريب فيه في نفسه لحصول الاطمئنان بصدوره، و لا بأس بالتعدي إلى غير الشهرة من كل ما يوجب الاطمئنان بالصدور دون كل مزية.

و نظيرها المناقشة في الوجه الثالث، بدعوى: ان الخبر الموافق يحصل الاطمئنان و الوثوق بوجود خلل في جهة من جهاته فتنتفي حجيته، و لا بأس بالتعدي إلى كل ما كان كذلك دون كل مزية و ان لم توجب الاطمئنان‏ (2) و التحقيق: ان ما ذكره في مناقشته الوجه الأول وجيه، إلّا انه ترك المناقشة فيما ساقه الشيخ تأييدا لكلامه، و هو عدم سؤال السائل عن صورة انتفاء بعض الصفات دون بعض.

____________

(1) الأنصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الأصول- 450- الطبعة القديمة.

(2) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 447- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

420

و وجه المناقشة في ذلك: انه لم يعلم ان السائل فهم مرجحية هذه الصفات و غيرها، و اما قوله: «لا يفضل أحدهما على الآخر» فلعله يكون ناظرا إلى عدم التفاضل في هذه الصفات المذكورة دون كل مزية.

و اما مناقشته في الوجهين الآخرين فلا تمكن الموافقة عليها.

اما المناقشة في الوجه الثاني: فلأن إرادة عدم الريب في نفسه المساوق لحصول الاطمئنان و الوثوق بالصدور ممنوعة، لأن المفروض هو الحكم بلزوم الأخذ الفعلي بالمشهور للعلة المذكورة، و لا يخفى ان مجرد القطع بالسند لا يوجب لزوم الأخذ فعلا بالخبر قبل تمامية جهاته الأخرى من جهة الصدور و الدلالة.

و مع فرض تماميتها فيهما فعلا يأتي محذور فرض الخبرين مشهورين كما لا يخفى.

فلا بد من إرادة عدم الريب بالإضافة إلى الخبر المعارض- إذ إرادة عدم الريب في نفسه من جميع الجهات غير ممكنة، لفرضهما بعد ذلك مشهورين و يمتنع العلم بمطابقتهما كليهما للواقع- فيكون المعنى- كما عرفت- ان الريب الثابت في ذلك الخبر ليس موجودا في هذا الخبر، و هو لا يلازم الاطمئنان بموافقة الخبر الواقع، بل قد يقارنه أحيانا، إذ قد يكون مما فيه الريب في نفسه كشأن كل خبر.

و اما المناقشة في الوجه الثالث: فلأنك قد عرفت ان المخالفة في نفسها لا توجب الوثوق بالرشد دائما- لكثرة الاتفاق بيننا و بين العامة- و لذلك كانت هذه الاخبار من اخبار الترجيح، و انما هي أمارة غالبية توجب أقربية المخالف للواقع من الموافق. و من هنا يندفع ما ذكره من احتمال إرادة رجحان نفس المخالفة و ان لها موضوعية و خصوصية في نفسها.

هذا كله مع ان بعض هذه المناقشات ترجع إلى بيان عدم دلالة الاخبار على الترجيح من حيث الصدور، لاستلزام المرجح المذكور فيها الوثوق بالصدور و هذا خلف المفروض، إذ المفروض الكلام في التعدي بعد الالتزام بكون هذه الروايات‏

421

تتكفل الترجيح من حيث الصدور للروايتين المتعارضتين الواجدتين لمقتضى الحجية في حد أنفسهما، فتدبر.

و اما ما أورده السيد الخوئي من: ان نفس المخالفة- على هذا- تكون أمارة توجب الظن بنفس الخبر المخالف مع قطع النّظر عن المعارض، فالتعدي يقتصر فيه على مثل ذلك و لا بأس به‏ (1).

فهو غير وجيه، لأن كون الرشد في خلافهم، انما يكون أمارة ظنية على كون الحق في ما خالف العامة، لا كون الحق هو الخبر المخالف، لأن المخالف للعامة أعم من مفاد خصوص هذا الخبر و غيره لتنوع الأحكام، فالمخالفة لا تكون أمارة على صحة خصوص هذا الخبر، لعدم انحصار المخالفة بمفاده، فتعليل الأخذ بالمخالف بها انما يتجه باعتبار إيجابها كون المخالف أقرب إلى الحقيقة و الواقع من الموافق- لكونه أحد مصاديق المخالفة- لا باعتبار أنه بنفسه قريب إلى الواقع، فلا بد من التعدي إلى كل مورد يكون أحد الخبرين اقرب إلى الواقع من معارضه، و ان لم تقم أمارة على قربه في نفسه.

و الّذي يتحصل: ان الوجه هو الالتزام بما التزم الشيخ من التعدي إلى غير المرجحات المنصوصة على القول بالترجيح.

هذا، و لكن الإنصاف عدم صحة ما أفاده (قدس سره)، و ذلك لأن نفس اخبار الترجيح تصدت للحكم بالتخيير مع تساوي الخبرين في المرجحات المفروضة واحدا بعد واحد، و لو فهم السائل عموم الترجيح بأيّ مزية لكان ينبغي ان يسأل عن صورة التساوي في مطلق المزايا- بهذا العنوان- لا التساوي في المرجحات المذكورة في صدر النص، بل لا معنى لسؤاله عن المرجحات واحدا بعد آخر لو فرض دلالة قوله: «فان المجمع عليه لا ريب فيه» على الترجيح بكل مزية، لأنه يفهم منه ذلك فيأخذ بإطلاقه، فلا موضوع للسؤال حينئذ عن صورة تساويهما

____________

(1) الواعظ الحسيني محمد سرور. مصباح الأصول 3- 422- الطبعة الأولى.

422

من حيث الشهرة و نحو ذلك. و قد نسب هذا الإشكال إلى صاحب الكفاية في حاشيته على الرسائل‏ (1).

يقع الكلام بعد ذلك في اخبار التخيير، و هي ثمان روايات:

الأولى: ما عن فقه الإمام الرضا (عليه السلام) في حديث: «... و قد روى ثمانية عشر يوما، و روى ثلاث و عشرين يوما»، و بأي هذه الأحاديث أخذ من جهة التسليم جاز» (2).

الثانية: ما في ذيل مرفوعة زرارة من قوله (عليه السلام) بعد فرض السائل كون الخبرين موافقين للاحتياط أو مخالفين له: «إذا فتخير أحدهما فتأخذ به و تدع الآخر» (3).

الثالثة: رواية الحسن بن الجهم عن الإمام الرضا (عليه السلام): «قلت يجيئنا الرجلان و كلاهما ثقة بحديثين مختلفين و لا نعلم أيهما الحق؟. قال (عليه السلام):

فإذا لم تعلم فموسع عليك بأيهما أخذت» (4).

الرابعة: مرسلة الكافي حيث قال: «و في رواية أخرى: بأيهما أخذت من باب التسليم وسعك» (5).

الخامسة: رواية الحرث بن المغيرة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): قال: «إذا سمعت من أصحابك الحديث و كلهم ثقة، فموسع عليك حتى ترى القائم فترد إليه» (6).

السادسة: رواية سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل‏

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. حاشية فرائد الأصول- 273- الطبعة الأولى.

(2) مستدرك وسائل الشيعة 3- باب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث: 12- الطبعة الأولى.

(3) الأصول الكافي 1- 67، باب اختلاف الحديث، الحديث: 10.

(4) وسائل الشيعة 18- 87 باب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث: 40.

(5) وسائل الشيعة 18- 80 باب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث: 19.

(6) وسائل الشيعة 18- 87 باب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث: 41.

423

اختلف عليه رجلان من أهل دينه في امر كلاهما يرويه: أحدهما يأمره بالاخذ و الآخر ينهاه، كيف يصنع؟ قال (عليه السلام): يرجئه حتى يلقى من يخبره فهو في سعة حتى يلقاه» (1).

السابعة: ما روى عن علي بن مهزيار، قال: «قرأت في كتاب لعبد اللّه بن محمد إلى أبي الحسن (عليه السلام): اختلف أصحابنا في رواياتهم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في ركعتي الفجر في السفر، فروى بعضهم: صلهما في المحمل، و روى بعضهم:

لا تصلهما الا على الأرض. فوقع (عليه السلام) موسع عليك بأية عملت‏ (2).

الثامنة: مكاتبة محمد بن عبد اللّه بن جعفر الحميري إلى صاحب الزمان (عجل اللّه تعالى فرجه) و قد سئل فيها عن استحباب التكبير بعد التشهد الأول ...

إلى ان قال (عليه السلام) في الجواب: ان في ذلك حديثين: اما أحدهما: فإذا انتقل من حالة إلى أخرى فعليه التكبير.

و اما الآخر: فانه روي: انه إذا رفع رأسه من السجدة الثانية و كبر ثم جلس ثم قام فليس عليه في القيام بعد القعود تكبير و كذلك التشهد الأول يجري هذا المجرى، فأيهما أخذت من باب التسليم كان صوابا» (3).

و قد نوقش في الاستدلال بالأربع الأولى بضعف سندها- مع تمامية دلالتها- إذ لم يثبت كتاب فقه الرضا كي يصح الاعتماد عليه، و شذوذ المرفوعة و إرسالها، و إرسال رواية الحسن بن الجهم و رواية الكافي.

و قد شكك في كون مرسلة الكافي رواية مستقلة غير الروايات الأخرى، و احتمل انها إشارة إلى بعض هذه الروايات المذكورة.

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 77 باب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث: 5.

(2) وسائل الشيعة 18- 88 باب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث: 44.

(3) وسائل الشيعة 18- 87 باب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث: 39.

424

و لكنه‏ (1)، تشكيك لا أساس له، يدفعه ظهور كلام الكافي في انه رواية مستقلة و عدم ثبوت هذا التعبير في رواية غيرها. فالعمدة في الإشكال في الاستدلال بها إرسالها، مع إمكان التشكيك في دلالة رواية الحسن بن الجهم، فان فرض وثاقة كلا الرجلين ظاهر في فرض اطمئنانه بصدور الخبرين، و لكن يجهل الواقع منهما، فتكون أجنبية عن التخيير في مقام الحجية.

و اما الرواية الخامسة- أعني: رواية الحرث- فقد نوقش الاستدلال بها بضعف سندها بالإرسال، و عدم دلالتها على المدعي- أعني: التخيير في مقام التعارض، كما فهمه الأصحاب- بدعوى‏ (2) ظهورها في حجية اخبار الثقة و جواز العمل بها في نفسها مع قطع النّظر عن مقام المعارضة.

إلّا انه يدفع هذه الدعوى و يمنع الاستظهار المذكور من الرواية جهات فيها:

الأولى: تعليق الحكم بالوسعة على وثاقة الكل، فانه لا يتناسب مع كون المنظور إليه تعدد الواقعة و تعدد الاخبار و ان كل خبر يكون مرويا عن ثقة، إذ لا ترتبط حجية أحدها بوثاقة الراوي للآخر، بل ملاك الحجية وثاقة الراوي لنفس الخبر سواء كان الراوي لغيره ثقة أو لم يكن كذلك. كما انه لا يمكن ان يحمل على إرادة الحديث الّذي سلسلته ثقات كلهم، إذ تعدد الواسطة في الخبر في زمان الإمام نادر جدا، بل الغالب هو الرواية عن الإمام (عليه السلام) رأسا.

مضافا إلى انه لا يتناسب مع فرض السماع من الكل، إذ هو ظاهر في تعدد الرّواة عرضيا لا طوليا، إذ لا يصدق على المخبر بذي الواسطة بأنه سمع من افراد السلسلة كما لا يخفى.

و عليه، فتعليق الحكم على وثاقة الكل ظاهر في تعدد الخبر في الواقعة

____________

(1) ارتضى هذا التشكيك في الدورة الثانية و شبه قول الكليني المزبور بحكاية أي مجتهد لمدلول النصوص بقوله «روى كذا».

(2) أشار إلى ذلك المحقق العراقي و التزم به السيد الخوئي.

425

الواحدة و وثاقة الرّواة فيكون من موارد التعارض.

الثانية: ان الظاهر من الرواية كون منشأ الترديد و المشكلة هو وثاقة الكل، و انه مع عدم وثاقة البعض لا تكون هناك مشكلة، و هذا انما يتناسب مع موارد التعارض دون غيره، إذ لا مشكلة في وثاقة الكل في غير مورده، بل يؤخذ بالجميع.

الثالثة: ظهور قوله (عليه السلام): «فموسع عليك» في عدم الإلزام بالاخذ بالخبر، و هذا لا يتناسب مع كون المقصود بيان حجية خبر الثقة، إذ المناسب لها هو الإلزام بالاخذ و الحكم بوجوبه، و لا معنى لجواز الأخذ بعد عدم وجود المعذر و المنجز في مطلق مواردها غيرها.

و يضاف إلى هذه الجهات الثلاث في الإشكال: انه لم يرد في غير هذا الخبر في لسان رواية الإلزام بالعمل بخبر الواحد ابتداء، بلحاظ كونه امرا ارتكازيا لا يحتاج إلى بيان، و انما المسئول عنه غالبا هو مصداق الثقة، و ذلك يضعف حمل الرواية على ما ذكر.

هذا و لكن لا يمكن البناء على دلالتها لوجهين:

أحدهما: انها غير ظاهرة في التخيير بين الخبرين، بل هي ظاهرة في السعة، و لعل ذلك يرجع إلى تساقط الاخبار و الرجوع إلى الأصل المبيح، فمدلول هذه الرواية نظير مدلول قوله: «الناس في سعة ما لم يعلموا».

و الآخر: انها واردة في حكم زمان الحضور و التمكن من الوصول إلى الإمام (عليه السلام)، فلا تنفع في إثبات حكم مثل زماننا.

و اما الرواية السادسة- أعني: رواية سماعة، فقد نوقش فيها: بأن موردها حيث كان من موارد دوران الأمر بين محذورين- للترديد بين الحرمة و الوجوب- و كان الحكم فيها عقلا هو التخيير، فقوله (عليه السلام): «فهو في سعة» بيان و تقرير لهذا الحكم العقلي لا أكثر، و ليس هو حكم بالتخيير بالاخذ بإحدى الروايتين في مقام التعارض.

426

إلّا انه يشكل:

أولا: بأن ما ذكره السائل من ان أحدهما يأمره و الآخر ينهاه انما كان على سبيل المثال لمورد الاختلاف بين الروايتين، لا ان المسئول عنه هو هذا النحو من الاختلاف.

و ثانيا: بأنه لو سلم ذلك، فليس المورد من موارد دوران الأمر بين محذورين، لأنه انما يكون كذلك مع العلم بأصل الإلزام، و لم يثبت ذلك للشك في حجية كل من الخبرين، فيمكن ان يكون الحكم غير الوجوب و الحرمة كالإباحة.

فالتحقيق ان يقال: ان السؤال في الرواية ان كان عن العمل، و انه الفعل و الترك، كان قوله (عليه السلام): «فهو في سعة» ظاهرا في إرادة التوسعة في مقام العمل و يكون مرجع ذلك إلى الحكم بالبراءة. و ان كان السؤال عن الأخذ بإحدى الروايتين، كان المزبور ظاهرا في إرادة التوسعة في مقام الأخذ بإحدى الروايتين فيرجع ذلك إلى التخيير.

و تعيين أحد المعنيين من قوله (عليه السلام) انما يتم بتعيين جهة السؤال، و حيث انه لم يظهر من الأمر و النهي المفروضين في الخبر إرادة الأمر الوجوبيّ و النهي التحريمي منهما- كي يصلح الكلام، لكون المسئول عنه هو العمل لحصول التحير معه- فيمكن حملهما على الأعم من الأمر الوجوبيّ و الاستحبابي و النهي التحريمي و التنزيهي، بقرينة إطلاق الجواب و عدم تقييده بصورة الأمر الوجوبيّ و النهي التحريمي، و معه يتعين كون المسئول عنه هو الأخذ بالرواية و كون المراد بالسعة التخيير، كعدم التحير و الضيق في مقام العمل مع دوران الأمر بين الوجوب و الكراهة أو الحرمة و الاستحباب أو الاستحباب و الكراهة كي يحكم بالسعة، فلاحظ.

هذا، و لكن الإنصاف انها غير تامة الدلالة، لورودها في مورد التمكن من لقاء المعصوم (عليه السلام)، مع ان قوله: «فهو في سعة ...» متفرع على قوله: «يرجئه»،

427

ظاهر في عدم العمل بكلا الخبرين و الرجوع إلى الأصل العملي، لا لزوم العمل بأحد الخبرين. و اما لفظ الأمر و النهي فهما ظاهران في الإلزاميين كما حقق في محله، بل يمكن جعل قوله: «فهو في سعة» قرينة على ذلك.

و اما الرواية السابعة- أعنى: رواية علي بن مهزيار- فقد ناقش السيد الخوئي الاستدلال بها: بأن مورد الرواية و التخيير في نافلة الفجر بين الإتيان بها في المحمل و الإتيان بها على الأرض، و ظاهر حكم الإمام (عليه السلام) بجواز الإتيان بها في المحمل و على الأرض و التخيير بين الصورتين، ان التخيير واقعي، لأنه لو لم يكن الحكم الواقعي هو التخيير لكان الأنسب للإمام (عليه السلام)- بمقتضى مقامه- بيان الحكم الواقعي لا التخيير بين الحديثين.

و عليه، فالحكم بالتخيير ليس ناظرا إلى التخيير بين الحديثين، بل لأن الحكم الواقعي هو التخيير، فلا دلالة للرواية على المدعى‏ (1).

و لكن الخدشة في هذه المناقشة ظاهرة، فان المورد ليس من موارد التخيير، للعلم بجواز الصلاة على الأرض، و انما المشكوك جوازها في المحمل، فلا يظهر الأمر في: «صلهما في المحمل» في تعينه، بل في الإباحة لأنه في مقام توهم الحظر، فالامر دائر بين جواز الصلاة فيه و عدم جوازها و لا يكون مثل هذا من موارد التخيير، و ليس دائرا بين جوازها في المحمل فقط و جوازها على الأرض فقط كي يظهر الحكم بالتخيير في كونه بيانا للحكم الواقعي، فظاهر الحكم بالتخيير هو التخيير في المسألة الأصولية و الأخذ بإحدى الروايتين.

و يؤيده قوله (عليه السلام): «موسع عليك بأية عملت»، فانه ظاهر في الحكم بالتوسعة في مقام العمل بالرواية، و ان السائل في سعة بأي رواية عمل لا في الإتيان بأي الكيفيتين شاء.

و أما دعوى: كون الأنسب مع هذا السؤال هو بيان الحكم الواقعي لو كان‏

____________

(1) الواعظ الحسيني محمد سرور. مصباح الأصول 3- 425- الطبعة الأولى.

428

غير التخيير لا الحكم بالتخيير بين الحديثين.

فمندفعة: بأن إغماض الإمام (عليه السلام) عن بيان الحكم الواقعي في المسألة الخاصة ببيان حكم كلي في المسألة الأصولية الكثيرة الابتلاء، يمكن ان يكون لمصلحة هناك في نفسه كالمصلحة في عدم الابتداء ببيان الحكم.

مضافا إلى إمكان دعوى‏ (1)، عدم كون المسئول عنه هو الوظيفة الواقعية بالنسبة إلى الصلاة، و انما هو حكم الاختلاف بين الاخبار في المورد. فالجواب المناسب هو بيان الحكم لمقام المعارضة لا بيان الوظيفة العملية الفرعية.

و اما الرواية الثامنة- أعني: مكاتبة الحميري- فقد ناقش السيد الخوئي الاستدلال بها أيضا: بأنه لا تعارض بين الحديثين المفروضين في الرواية، إذ بينهما عموم مطلق، و مقتضى القاعدة هو الجمع بينهما بحمل المطلق على المقيد الّذي مقتضاه عدم استحباب التكبير بعد التشهد الأول، و انما حكم الإمام (عليه السلام) باستحباب التكبير و التخيير بين الإتيان به و عدمه، لأنه ذكر في نفسه، و الذّكر مستحب في الصلاة في جميع أحوالها (2).

إلّا ان ما ذكره من ان حكم الإمام (عليه السلام) بالتخيير و استحباب التكبير باعتبار انه ذكر في نفسه غير وجيه ..

اما على القول بأن للصلاة اجزاء مستحبة كما لها اجزاء واجبة- فالقنوت، مثلا جزء للصلاة إلّا انه مستحب- فواضح، لأن سؤال السائل عن كون التكبير بعد التشهد الأول في نفسه و بعنوانه الخاصّ من اجزاء الصلاة المستحبة، فالحكم بالتخيير من باب استحباب الذّكر في نفسه لا تتلاءم مع السؤال، إذ ليس الذّكر من اجزاء الصلاة المستحبة حتى على هذا القول، لعدم ثبوت المحل الخاصّ له.

و اما على القول بأن المستحبات في الصلاة ليست اجزاء لها، بل هي‏

____________

(1) هذه الدعوى خلاف الظاهر كما لا يخفى.

(2) الواعظ الحسيني محمد سرور. مصباح الأصول 3- 425- الطبعة الأولى.

429

مستحبات استقلالية ظرفها الصلاة- كما يلتزم به السيد الخوئي بلحاظ ان فرض الجزء المستحب للواجب خلاف فرض كونه واجبا- فلان المسئول عنه هو استحباب التكبير بعنوانه في هذا المحل الخاصّ بحيث يؤتى به في ذلك المحل بداعي أمره المختص به- نظير الإتيان بالقنوت في محله الخاصّ بداعي أمره، و عدم صحة الإتيان به بداعي الأمر بالقنوت في غير ذلك المحل- فالحكم باستحبابه من باب انه ذكر لا يجدي في الإتيان به بداعي الأمر بخصوصية محله، إذ لا محل للذكر بخصوصه.

و عليه، فلا إشكال في كون التخيير بين الأخذ بالحديثين انما هو بلحاظ استحباب التكبير في نفسه و عدمه.

و اما عدم مناسبة ذلك لكون النسبة بينهما العموم المطلق، فيمكن توجيهه:

بحمل الرواية العامة المطلقة على كون موردها التكبير بعد التشهد الأول، بحيث تكون نصا في استحبابه بعده- كما هو الحال في كل عام و مطلق بالنسبة إلى مورده- فيحصل التعارض بينهما و ان كانت النسبة العموم من وجه، لتساويهما من حيث الظهور بالنسبة إلى مورد التنافي.

و يشهد لذلك الحكم المذكور من الإمام (عليه السلام) مع التفاته (عليه السلام) إلى ان مقتضى الجمع العرفي هو التقييد و انه لا تنافي بينهما عرفا، و عدم سؤال السائل عن ذلك و تقبله الجواب.

و يمكن الاستشهاد لذلك من نفس الرواية، حيث عبر (عليه السلام): «ان في ذلك حديثين اما أولهما ...»، و المشار إليه هو التكبير بعد التشهد الأول، و هو ظاهر في ان المطلق وارد فيه، فتأمل [1].

و المتحصل: ان هذه الرواية لا إشكال فيها من جهة دلالتها. نعم، المناقشة

____________

[1] إشارة إلى المناقشة في هذا الاستظهار، لإمكان إرادة ان ما ورد مما تتكفل حكم هذا المورد حديثان، فلا دلالة له على كون مورد المطلق مورد السؤال.

430

التي يمكن فرضها فيها و في سابقتها ما ذكره المحقق الأصفهاني‏ (1)، من عدم الإطلاق فيها، لاختصاصها بمورد المستحبات- لا خصوص موردها كما قد يظهر من السيد الخوئي لعدم احتمال الخصوصية بهذا المقدار و إلّا لأشكل الأمر في كثير من الأحكام، لاستفادة كثير من الأحكام من المطلقات التي يرد كثير منها في مورد خاص- فلا يمكن التعدي منها إلى مورد كون مدلول الخبرين المتنافيين إلزاميا لعدم الجزم بعدم الخصوصية، خصوصا بملاحظة ذهاب المشهور إلى حجية الخبر الضعيف في باب المستحبات، كما بيّن في مسألة قاعدة التسامح في أدلة السنن.

و اما ما ذكره السيد الخوئي بعد كل هذا من: عدم الدليل للتخيير في مقام الإفتاء، مع عدم المرجح في كلام العلماء، مما يضعف الاعتماد على الاخبار المسوقة له‏ (2).

فهو ليس بوجه، إذ أكثر القدماء التزموا بالتعدي إلى غير المرجحات المنصوصة من المزايا، و هذا يعني- كما أشرنا إليه- عدم وجود مورد يتكافأ فيه الخبران في المزايا و القرب إلى الواقع، فلعل عدم حكمهم بالتخيير من جهة فقدان المورد له.

و اما الحكم بالتساقط لو كان، فلم يظهر كونه في مورد التعارض بنحو التباين، بل يمكن ان يكون في مورد التعارض بالعموم من وجه، و سيأتي الكلام فيه، و ان المشهور على عدم جريان الاخبار العلاجية في مورده.

و الّذي يتحصل: انه يمكن الجزم بثبوت التخيير بين الروايتين المتعارضتين، و بملاحظة الروايات الخمس الأولى مع ضعف سندها لبلوغها حد الاستفاضة.

و بملاحظة ما ورد في ديباجة الكافي من اسناد التخيير إلى الإمام (عليه السلام) رأسا بعنوان انه من مقوله لا بنحو الرواية، بعنوان انه مما روى عنه- كي‏

____________

(1) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 3- 338- الطبعة الأولى.

(2) الواعظ الحسيني محمد سرور. مصباح الأصول 3- 426- الطبعة الأولى.

431

يشكل بإرسالها- فإنه ظاهر في ثبوت التخيير لديه بواسطة الخبر الموثوق لديه، بحيث يصحح نسبة القول إلى الإمام (عليه السلام)، بل حتى مع فرض حصول الجزم بصدوره لديه يكون ذلك قرينة على المدعى لقرب العهد من الإمام (عليه السلام)، و دقة الكليني في الحديث بحيث يعلم بان أسباب حصول الجزم لديه من الأسباب المتعارف حصول القطع بها أو الوثوق.

و بملاحظة ما يستفاد من الاخبار الثلاثة الأخيرة، و ان نوقش في دلالة بعضها، و باختصاص الآخر في المستحبات.

و بثبوت الحكم بالتخيير من الصدر الأول إلى الآن.

فانه بملاحظ مجموع ذلك يحصل الجزم بأن التخيير بين المتعارضين ثابت في الجملة، و انه مما له الأساس في الأدلة، لكن قد عرفت المناقشة في أكثر هذه النصوص من حيث الدلالة و السند، و بذلك لا يظهر للتخيير وجه صحيح يمكن الاعتماد عليه [1].

____________

[1] و جملة القول في المقام: انه لم يثبت لدينا ما دل على الترجيح بالشهرة أو بموافقة الكتاب أو غير ذلك، كما لم يثبت لدينا ما دل على التخيير، فلا بد من الرجوع إلى القاعدة. و تحقيق الحال بإجمال: انه قد عرفت منّا في مبحث حجية خبر الواحد التوقف في حجية الخبر إلّا إذا كان مفيدا للاطمئنان و الوثوق.

و عليه، فإذا كان ملاك الحجية هو حصول الاطمئنان الشخصي لم يتصور تحقق التعارض بين الخبرين، لأن التعارض لا يكون إلّا إذا كان كل من الخبرين جامعا لشرائط الحجية في نفسه و مع قطع النّظر عن المعارضة، و من الواضح استحالة تحقق الاطمئنان بأمرين مختلفين متباينين.

فلا موضوع لبحث الترجيح و التخيير على ما سلكناه في حجيّة خبر الواحد.

نعم، إذا كان أحد الخبرين موافقا للعامة يمكن دعوى حصول الوثوق بالخبر الآخر، لما عرفت من ان الدلالة قطعية و كذا الجهة لفقدان احتمال التقية، و اما السند فيتحقق الوثوق به بلحاظ وثاقة الراوي.

و معه لا يحصل الوثوق في الرواية الأخرى، لعدم جريان أصالة الجهة فيها بعد ملاحظة وجود الرواية المخالفة.

و بذلك يمكن ان يقال: ان الترجيح بمخالفة العامة الوارد في بعض النصوص انما هو على‏

432

...........

____________

- القاعدة، فلا مانع من الالتزام به.

ثم انه بناء على الالتزام بالتخيير في مورد التعارض يقع الكلام في جهتين:

الجهة الأولى: في ما يفتي به المجتهد الّذي ورد لديه الخبران المتعارضان.

و قد ذهب صاحب الكفاية إلى: انه يصح له ان يفتي بما اختاره من الخبرين، لأن اختياره يستلزم قيام الحجة على الحكم، فيصح له الإفتاء به استنادا إلى الحجة. كما ان له ان يفتي بالتخيير في المسألة الأصولية، بأن يسوّغ للمقلد الأخذ بأحد الخبرين و يعمل بما يأخذ به منهما و لو كان على خلاف ما اختاره المجتهد.

و اما التخيير في المسألة الفرعية فلا وجه للإفتاء به، لعدم الدليل على التخيير في المسألة الفرعية، لأن كل حجة تقوم على ثبوت مدلولها بنحو التعيين. فالحكم الظاهري الثابت في حق المقلد هو أحدهما المعين بحسب ما يختاره من الحجة، فلا منشأ للتخيير فيها، فان التخيير الثابت تخيير في الحكم لا في العمل.

و ما ذكره (قدس سره) واضح لا كلام لنا فيه.

الجهة الثانية: في ان التخيير بدوي أو استمراري؟

ذهب صاحب الكفاية إلى: انه استمراري تمسكا بالاستصحاب، لو لم نقل بأنه قضية الإطلاقات.

و دعوى: ان موضوع التخيير هو المتحير، و لا تحير بعد اختيار أحدهما، فلا مجال للتمسك بالإطلاق أو الاستصحاب لاختلاف الموضوع.

مندفعة: بان التحير بمعنى تعارض الخبرين و التردد فيهما باق على حاله و لم يزل بالاختيار، و بمعنى آخر من الحيرة في مقام الوظيفة العملية لم يؤخذ في موضوع الأدلة الدالة على التخيير.

هذا ما أفاده في الكفاية في هذا المقام.

و التحقيق: ان متعلق الشك قبل الاختيار يختلف عنه بعد الاختيار، فان متعلق الشك قبل الاختيار هو حجية كل من الخبرين تعيينا أو تخييرا أو عدم حجية أحدهما، فأخبار التخيير تثبت حجية كل منهما بنحو التخيير و البدلية.

و بعد اختيار أحدهما يعلم انه حجة عليه و لا يحتمل زوالها، بل يقطع بأن ما أخذ به حجة إمّا تعيينا أو تخييرا.

و انما يشك في انه هل له إلغاء حجية ما أخذ به بترك الأخذ به و الأخذ بغيره، أو لا؟ و من الواضح ان هذا الشك يختلف عن الشك الأول، بل هو في طول الحكم بالتخيير الثابت للشك الأول، فلا يمكن التمسك بالإطلاقات لأن موضوعها الشك الأول، كما لا معنى للتمسك‏

433

ثم انه مع احتمال الترجيح بذي المزية يتمسك بإطلاقات التخيير في إثبات حجية غير ذي المزية، و بذلك ينفي ما يقتضيه الأصل من تعيين الأخذ بذي المزية، كما عرفت في ما سبق.

نعم، الاحتياط يقتضي الأخذ بذي المزية لو لم يكن مخالفا للاحتياط في المسألة الفرعية، لاحتمال تعينه دون غيره، خصوصا إذا كان موافقا لحجة أخرى من عام و نحوه.

نعم، لو كان مخالفا للاحتياط في المسألة الفرعية، كما لو كان مدلوله الإباحة و مدلول الآخر الوجوب، كان الأحوط الأخذ بالآخر لموافقته للاحتياط عملا كما لا يخفى.

يبقى الكلام في امر و هو: انه على القول بالترجيح هل يلتزم بالترتيب بين المرجحات و تقديم بعضها على الآخر في مقام التزاحم أو لا؟

توضيح ذلك: ان ..

من المرجحات: ما يرجع إلى مقام أصل الصدور، بمعنى انه يوجب تقوية صدور الخبر في قبال الآخر، و ذلك كالأوثقية و الأصدقية و نحوهما، فان مجي‏ء الخبر عن الموثق انما يقوي أصل صدوره عن المعصوم (عليه السلام). اما كون صدوره لغير تقية و غيرها، فلا يرتبط بوثاقة الراوي و صدقه كما لا يخفى.

و منها: ما يرجع إلى مقام جهة الصدور، بمعنى انه على تقدير الصدور يبقى احتمال صدوره لغير بيان الحكم الواقعي و هو التقية، كمخالفة العامة فانها ترتبط بجهة الصدور لا بأصله، إذ المخالفة للعامة لا تقتضي صدوره، بل تقتضي انتفاء

____________

- بالاستصحاب لأن الحكم المشكوك غير الأول.

و لعل هذا هو مراد من ذهب إلى ان موضوع التخيير هو التحير و المفروض زواله.

و بالجملة: التخيير على هذا بدوي لا استمراري، و لا حاجة إلى التطويل بعد الإشارة إلى نكتة المنع، فتدبرها فانها لا تخلو عن دقة.

434

احتمال الصدور للتقية الموجود في غيره المعارض له.

و منها: ما يرجع إلى المضمون و مفاد الخبر، كالشهرة في الفتوى- و هو واضح-.

فيقع الكلام في: انه مع التزاحم بين المرجح الصدوري و غيره، هل يقدم الخبر ذو المرجح الصدوري. أو غيره، أو لا يقدم أحدهما على الآخر، فيرجع إلى التخيير أو التساقط؟

ذهب الشيخ (قدس سره) إلى تقديم المرجح الصدوري على المرجح الجهتي‏ (1).

و ذهب الميرزا حبيب اللّه الرشتي (قدس سره)- تبعا للوحيد البهبهاني (قدس سره) (2)- إلى تقديم المرجح الجهتي على المرجح الصدوري‏ (3).

و ذهب المحقق الخراسانيّ (رحمه الله) إلى عدم تقديم أحدهما على الآخر و لزوم الرجوع مع التزاحم إلى مطلقات التخيير (4).

اما تقريب الشيخ لمدعاه: فهو: ان الرجوع إلى المرجح الجهتي انما يكون بعد فرض العلم بصدور كلا الخبرين كالمتواترين، أو تكافؤ احتمال الصدور فيهما معا، و ذلك لتفرع مقام الجهة على مقام الصدور، فان الصدور لتقية انما يفرض بعد فرض أصل الصدور كما لا يخفى.

و عليه، فمع وجود المرجح الصدوري لأحد الخبرين لا يكون احتمال الصدور في كل منهما متكافئا، و المفروض عدم العلم بصدورهما، فلا يبقى مجال لتحكيم المرجح الجهتي.

____________

(1) الأنصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الأصول- 468- الطبعة القديمة.

(2) الوحيد البهبهاني المحقق محمد باقر. الفوائد الحائرية- 215- الفائدة: 21.

(3) الرشتي المحقق ميرزا حبيب اللّه. بدائع الأفكار- 455- المقام الرابع في ترتيب المرجّحات.

(4) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 454- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

435

و ناقش في ذلك صاحب الكفاية مدعيا قصور الأدلة عن الالتزام بالترتيب و تقديم بعض المرجحات على بعض مع التزاحم، بيان ذلك: انه بناء على الالتزام بالتعدي لغير المرجحات المنصوصة- كما عليه الشيخ- فالمرجح هو الأقربية إلى الواقع أو الظن بالصدور- على الخلاف في ملاك التعدي- و هذه المرجحات ليست مرجحات بعنوانها الخاصّ، بل بعنوان إيجابها الأقربية أو الظن.

و عليه، فمع تزاحم المرجحين يلاحظ الأقرب إلى الواقع أو المظنون صدوره فيؤخذ به ان كان و إلّا فالمرجع مطلقات التخيير. و اما بناء على عدم التعدي و الاقتصار فيه على المنصوص من المرجحات، فما قد يستدل به على الترتيب هو المقبولة و نحوها، إلّا انه لكثرة إطلاقات الترجيح الخالية عن الترتيب و الواردة مورد البيان، لا بد ان تحمل المقبولة على عدم كونها واردة لبيان حكم تزاحم المرجحات و عدم كونها ناظرة إلى ذلك المقام، بل هي لبيان ان هذا مرجح و ذلك مرجح لا أكثر، لعدم صلاحيتها لتقييد المطلقات. و عليه فمع التزاحم لا دليل على الترتيب في تقديم أحدهما على الآخر فالمرجع هو مطلقات التخيير.

و اما ما ذكره الشيخ من تفرع مقام الجهة عن مقام الصدور، فقد ناقش فيه:

بأنه انما يتم و يجري في الترتيب المدعى لو التزم بكون المرجح الجهتي مرجحا للخبر في ذلك المقام بخصوصه- أعني: مقام جهة الصدور- و لكنه غير صحيح، بل هو راجع إلى مقام الصدور و ترجيح صدور أحد الخبرين على الآخر- و ان لم يوجب تقوية احتمال صدوره- و ذلك لامتناع التعبد بالصدور مع الالتزام بصدوره عن تقية، فلا يمكن الالتزام بأن الموافقة للعامة تدل على كون صدور المتعبد به لتقية، للغوية التعبد حينئذ لعدم ترتب الأثر المرغوب. فالمرجحات كلها ترجع إلى مقام واحد، و هو مقام الصدور، فلا تفرع لبعضها على بعض.

لكن الإنصاف يقضي بعدم ورود ما ذكره صاحب الكفاية على الشيخ، و ان نظر الشيخ إلى جهة أغفلها صاحب الكفاية في مقام الإيراد. توضيح ذلك: ان احتمال‏

436

التقية و عدمه متفرع على أصل الصدور، بمعنى انه انما يثبت بعد فرض الصدور، فمحتمل التقية و غيره انما هو الكلام الصادر واقعا دون غيره، و موضوع الترجيح الجهتي هو عدم احتمال التقية. فالترجيح انما يترتب على غير محتمل التقية على تقدير صدوره، فمع وجود ما يرفع موضوع هذا المرجح، و هو أصل الصدور تعبدا، ينفي الترجيح به، لارتفاع موضوعه بالحكومة، و المرجح الصدوري في الخبر الموافق للعامة بتحكيمه يرفع موضوع المرجح الجهتي في الخبر المخالف- و هو أصل صدوره- دون العكس، لأن المرجح الجهتي في الخبر المخالف و ان كان يرجع إلى مقام الصدور- يعني يرجح صدور ذيه من غيره- إلّا انه بتحكيمه لا يرتفع موضوع المرجح الصدوري في الخبر الموافق، لعدم كون موضوعه أصل الصدور كما لا يخفى.

فتقديم المرجح الصدوري على المرجح الجهتي لأجل حكومته عليه.

و هذا الوجه و ان كان يتلاءم مع ما ذكره الشيخ من تفرع مقام الجهة على مقام الصدور، إلّا انه لا يرتبط بما ذكره في صدر كلامه من اختصاص الترجيح بالمرجح الجهتي بالمتكافئين في الصدور علما أو تعبدا، لجريانه و لو مع عدم التكافؤ كما لا يخفى. و لذلك فهو لا يصلح لأن يكون تقريبا لكلام الشيخ، و ان كان تاما في نفسه و وجها للتقديم المدعى.

و الّذي يمكن تقريب عبارة الشيخ به هو: ان احتمال التقية في الخبر الموافق للعامة، لا يكون في نفسه موجبا لطرح الخبر، بل انما يطرح به الخبر مع قيام الأمارة المعتبرة على تأييده، و الخبر المخالف يكون أمارة على التقية في الخبر الموافق، فان الظن بصدوره ظن بالتقية في مقابله، إلّا انه لا يجدي في طرحه ما لم يثبت التعبد به.

و حينئذ، فاما ان تغلب الأمارة المخالفة، أو تغلب الموافقة، أو لا يغلب إحداهما على الأخرى. فمع غلبة المخالفة لا يبقى مجال لاحتمال التقية في الموافقة، لنفي الصدور من أصله، فلا مجال للترجيح بعدم وجود هذا الاحتمال. و مع غلبة الموافقة تنتفي أمارية المخالفة، فلا يكون احتمال التقية في نفسه موجبا للطرح. و اما مع‏

437

تساويهما و تكافئهما في السند، فتصل النوبة حينئذ إلى الترجيح بمخالفة العامة، فالمرجح الجهتي انما يفرض مع التكافؤ، لأنه مع عدمه لا مجال للترجيح به، اما لغلبة ذي المرجح أو لغلبة معارضه. و مع وجود المرجح الصدوري في إحداهما يرتفع التكافؤ فلا مجال للمرجح الجهتي، و هو: أي: المرجح الجهتي- و ان رجع إلى مقام الصدور، بمعنى انه موجب لترجيح التعبد بصدور ذيه دون غيره، إلّا انه في وجوده لما كان متفرعا على أصل الصدور كان المرجح الصدوري رافعا لموضوعه، فيكون حاكما عليه كما تقدم تقريبه.

و هذا الوجه و ان لم تحرز تماميته، إلّا انه يتلاءم مع عبارة الشيخ أولا و آخرا، و لا تهمنا مناقشته بعد ما عرفت ان أساس التقديم الّذي ينظر إليه الشيخ- و هو الحكومة- تام في نفسه، فلا يتجه عليه ما أورده المحقق الخراسانيّ، إذ ذلك لا يتوقف على رجوع المرجح الجهتي إلى مقام الجهة ترجيحا، بل هو تام على الالتزام برجوعه إلى مقام الصدور- كما يلتزم به الشيخ- لأنه يبتني على تفرع المرجح الجهتي على مقام الصدور موضوعا لا ترجيحا و لا محذور فيه.

كما انه لا يبتني على استظهار الترتيب من المقبولة و نحوها، كي يقال بأنها ليست في مقام البيان من هذه الجهة، و انها ليست ناظرة إلى صورة التزاحم بين المرجحات، فانه لا تزاحم بينهما بناء على الحكومة أصلا. كما انه لا يتنافى على القول بالتعدي، لأن مخالفة العامة انما توجب الأقربية أو الظن بفرض عدم احتمال التقية على فرض الصدور، و المرجح الصدوري ينفيه كما عرفت فلا مجال له.

و اما ما ادعاه الميرزا الرشتي (قدس سره) خلافا للشيخ و جزم به بنحو عجيب و أنكر على الشيخ بتعبير غريب، فمحصله: انه يستفاد من الروايات ان المرجح الجهتي انما يكون في مقطوعي الصدور، و ذلك يستلزم بالبداهة تحكيمه في ظنيهما، و ذلك لأن ظنية الصدور و احتمال عدمه ان لم يكن موجبا لطرح الخبر فلا يكون موجبا للتعبد به، فتقديم ذي المزية الجهتية على غيره في فرض القطع‏

438

بالصدور و انسداد باب احتمال عدم الصدور، يستلزم لا محالة تقديمه على ما يكون ظنيا في صدوره.

و تقريب ما ادعاه يتضح ببيان شي‏ء، و هو: ان كل خبر و ان كان يشتمل على مقامات ثلاثة: مقام الصدور و جهته و الدلالة، إلّا ان التعبد مع احتمال المخالفة للواقع من هذه الجهات الثلاث تعبد واحد مفاده لزوم الأخذ به، و البناء على انه الواقع، و عدم الاعتناء بما يوجب الخلل فيه صدورا أو جهة أو دلالة، و ليس التعبد يتعدد بتعدد المقامات و يستلزم كل منها إلغاء احتمال الخلل في مقام معين بخصوصه، و مع كون الخبر قطعيا من بعض الجهات فالتعبد به يرجع إلى إلغاء احتمال الخلل في غيرها.

و عليه، فان كان الخبر مقطوع الصدور كان احتمال الخلل فيه أقل لأنه يكون من جهتين فقط، فتقديم ذي المزية الجهتية على الآخر مع قلة احتمال المخالفة فيه يستلزم بالبداهة تقديمه على الآخر مع كثرة احتمال الخلاف فيه، كما إذا كان ظني الصدور لكون احتمال الخلاف فيه من جهاته الثلاث. ثم انه (قدس سره) أضاف إلى ذلك: ان الموافق للعامة يدور امره بين عدم الصدور رأسا، كما لو كان ظنيا، لدلالة الاخبار على إلغائه و عدم صدقه، و بين الصدور للتقية، كما لو كان قطعي الصدور، لدلالة الاخبار على ان ما سمع منهم يشبه قول العامة فهو تقية.

و يشكل هذا الأخير- بما ذكره المحقق الخراسانيّ- بامتناع الدوران المذكور، لاحتمال ان يكون الخبر الموافق صادرا لبيان الحكم الواقعي- كما لو كان الحكم الواقعي موافقا لقول العامة- و المخالف ليس بصادر أصلا، أو انه صادر لكنه لم يرد به ظاهره، و لزوم حمله على التقية أو البناء على عدم صدوره انما يتم في فرض كون المعارض المخالف قطعيا بجميع جهاته، إذ يتعين معه كون الموافق اما غير صادر أو صادرا للتقية، و مع عدم قطعيته بجهاته كلها- كما هو الفرض- لا دليل على دوران‏

439

الموافق للعامة بين عدم صدوره أو صدوره للتقية (1).

و اما ما ذكره أولا من الملازمة البديهية، فالمناقشة فيه واضحة، و ذلك لأنه مع القطع بصدور كلا الخبرين يكون احتمال المخالفة للواقع في الخبر الموافق للعامة أقوى من المخالف، لانتفاء احتمال التقية فيه و وجوده في الموافق، فاحتمال المخالفة في المخالف أضعف منها في الموافق، لانحصاره فيه في مورد الدلالة و جهة الصدور من غير احتمال التقية، بخلاف الموافق فانه في مورد الدلالة و جهة الصدور مع احتمال التقية، و اما مع عدم القطع بصدورهما، فيزيد في الخبر المخالف احتمال المخالفة في الصدور، و الخبر الموافق و ان كان كذلك أيضا، إلّا انه مع وجود المرجح الصدوري فيه يكون احتمال المخالفة في الصدور أضعف منه في الخبر المخالف. فلعل جهة تقديم المخالف على الموافق مع القطع بالصدور لأجل أضعفيّة احتمال المخالفة فيه من الموافق، و ذلك ليس موجودا مع الظن بالصدور، لعدم أقوائية احتمال المخالفة في الموافق لضعف احتمالها فيه في جانب الصدور بوجود المرجح و قوته في المخالف، فلا يستلزم تقديم المخالف من القطعيين تقديمه من الظنيين، و ليس هو من الأمور البديهية كما ادعاه.

و للميرزا المذكور كلام آخر ذكره في الكفاية و أورد عليه، لكن لا يهمنا ذكره.

و المتحصل هو: لزوم الالتزام بما التزم به الشيخ من تقديم المرجح الصدوري على المرجح الجهتي، فتدبر.

هذا كله في صورة ما إذا كانت النسبة بين الخبرين المتعارضين هما التباين.

و اما لو كان بينهما العموم من وجه، فهل تشملهما الاخبار العلاجية الدالة على الترجيح أو التخيير أو لا، فيرجع فيهما إلى الأصل الأولي و هو التساقط؟

و التحقيق في المقام ان يقال: انه ..

تارة: يلتزم بأن لكل خبر تعبد واحد يرجع إلى إلغاء احتمال الخلاف فيه في‏

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 456- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

440

مقاماته الثلاثة: الصدور و جهته و المدلول، و معناه هو التعبد بمفاد هذا الخبر و مضمونه و الإلزام بالاخذ به.

و أخرى: يلتزم- كما عليه الأكثر- بثبوت تعبدات ثلاثة في كل مقام تعبد، فهناك تعبد بصدور الخبر، و تعبد بأنه لبيان الحكم الواقعي، و تعبد بمدلوله و ظاهره، و هذه التعبدات عرضية و يترتب عليها جمعا الأثر، لا طولية، لعدم الأثر لكل منها بخصوصه.

فان قلنا بالثاني، فلا يتصور التبعيض في حجية السند في الصدور، لأن المتعبد به في هذا المقام- و هو الصدور- امر واحد بسيط غير قابل للتعدد لوحدة متعلقه و هو الكلام.

نعم، التبعيض في حجية المدلول ممكنة بتعدد المدلول، فيمكن صدور التعبد ببعضه دون الآخر.

إلّا انه قد عرفت فيما تقدم ان التعارض في مقام الصدور انما يحصل مع عدم إمكان العمل بمدلول كل من المتعارضين، بحيث يكون التعبد بصدور كل منهما لغوا فيحصل التعارض بينهما.

و مع كون التعارض في المقام- الفرض- في بعض المدلول دون الآخر، فلا يحصل التعارض في مقام الصدور بينهما، لإمكان العمل بمدلول كل منهما ببعضه، و هو كاف في رفع لغوية التعبد بصدور كل منهما، لوجود العمل على طبقه و لو بلحاظ بعضه.

و بالجملة: فعلى هذا الالتزام لا يمكن تصور التبعيض في حجية الصدور مع عدم ثبوت التعارض في هذا المقام الّذي هو موضوع الأحكام، فلا تصل النوبة إلى الكلام في شمول الاخبار العلاجية و عدمها.

و بهذا البيان تعرف ما في دعوى السيد الخوئي (حفظه اللّه)- كما في مصباح الأصول-، لإمكان التبعيض في حجية الصدور- مع التزامه بهذا الالتزام- منظّرا

441

له بقيام البينة على ملكية زيد لعشرة دراهم و قيام أخرى على نفي ملكيته لخمسة، فانه يؤخذ بالبينة الأولى في إثبات ملكيته لخمسة دراهم، و هو معنى التبعيض‏ (1).

و لكن التنظير المذكور ليس بشي‏ء، فان التبعيض في مورد البينة انما هو في المدلول- و هو الملكية- و قد عرفت انه قابل للتبعيض لتعدده، لا الصدور للقطع به، بل لا معنى له، لأن مفادها ليس الحكاية عن الإمام (عليه السلام). و موضوع الكلام في الخبر هو التبعيض في حجية الصدور، فلا يتجه القياس المذكور.

ثم انه فرض أولا احتمال القول بالتساقط في المجمع، و الأخذ بكل من العامين في مورد افتراقه عن الآخر، مستدلا على ذلك: بأن طرحهما في مورد افتراقهما طرح للحجيّة بلا معارض، و هو ممنوع. ثم فرض احتمال الرجوع في المجمع إلى الاخبار العلاجية، و بنى صحة هذا الاحتمال و تنجزه على ثبوت معقولية التبعيض في الحجية و عدمها، ثم جزم بمعقولية التبعيض بعد ذلك.

و لا يخفى على النبيه ان الالتزام بالتساقط في خصوص المجمع و الالتزام بهما في مورد الافتراق، التزام بالتبعيض في الحجية المفروض كونه محل الإشكال، فكيف يفرض الكلام في معقولية التبعيض و عدمها متأخرا عن فرضه، و انه يكون بناء على الاحتمال الآخر، بحيث انه مع عدم معقوليتها ينتهي إلى عدم الرجوع إلى الاخبار العلاجية، و تعين الالتزام بالتساقط في خصوص المجمع، مع انه يستلزم تساقطهما في مجموع مدلولهما، كما لا يخفى على المتدبّر؟. كما انه على هذا- أعني: فرض التبعيض على القول بالتساقط- لا يصح الانتهاء إلى الرجوع إلى الاخبار العلاجية بفرض معقولية التبعيض، كيف؟ و المفروض انه لازم كلا القولين!.

و ان قلنا بالأول ..

فتارة: يلتزم بأن مفاد هذا التعبد الواحد إلغاء احتمال الخلاف في المقامات الثلاثة للخبر، فهو يتكفل إلغاء احتمال الخلاف في كل مقام ضمنا.

____________

(1) الواعظ الحسيني محمد سرور. مصباح الأصول 3- 428- الطبعة الأولى.

442

و أخرى: يلتزم بأن مفاده ليس ذلك، بل مفاده رأسا الإلزام بمضمون الخبر، و لازم ذلك هو إلغاء احتمال الخلاف في مقاماته الثلاثة، لأن ان مفاده رأسا ذلك.

فعلى الأوّل: يكون الكلام فيه عين الكلام على القول الأول من امتناع التبعيض في الحجية في مقام الصدور ثبوتا، لعدم معقولية التبعيض فيه، كي ينفى احتمال الخلاف ضمنا في بعضه دون الآخر. و عدم شمول الاخبار العلاجية له إثباتا، لعدم انتهاء المعارضة إلى مقام السند و الصدور.

و على الثاني: فلما كان التعبد بالخبر يرجع إلى الإلزام بالاخذ بمضمونه و مفاده و البناء على انه حكم اللّه، كان التبعيض في حجيته ممكن التحقق بلا إشكال، لتعدد المدلول و إمكان التفكيك بين افراده في الحجية و التعبد. فشمول الاخبار العلاجية ثبوتا ممكن على هذا الالتزام، إلّا ان الكلام في شمولها إثباتا، بمعنى ان مقتضى الاخبار العلاجية و مفادها بنحو يشمل مورد العامين من وجه أو لا يشمل، بل يختص بمورد المتباينين.

و الحق: عدم شمولها، لعدم سريان التعارض إلى مقام السند و الصدور كما عرفت، و اختصاص الاخبار في المتعارضين في هذا المقام كما عرفت مرارا. و السر فيه: ان موضوع الأحكام في الاخبار المزبورة هو الخبران المتعارضان، و ظاهر ان المخبر به انما هو قول المعصوم و صدور هذا الدال منه (عليه السلام)، و ليس هو نفس المدلول و المضمون.

و بعبارة أخرى: ان الإخبار بقوله (عليه السلام) لا بمقول القول. و عليه فالتعارض بين الخبرين معناه التعارض بينهما في هذا المقام و من هذه الجهة- أعني جهة الخبر- لأن معناه التنافي بينهما في مدلوليهما المخبر به، و ذلك يكون لو كان التنافي مقام الصدور، بمعنى انه لا يمكن الالتزام بصدور هذين الكلامين، فلاحظ.

و المتحصل: انه لا وجه للالتزام بشمول أدلة العلاج في مورد التعارض بالعموم من وجه، لأنه ممتنع إثباتا على بعض التقادير، و إثباتا و ثبوتا على بعض‏

443

آخر.

و لو تنزلنا عن الالتزام بتعدد التعبد أو رجوعه إلى المتعدد، و التزمنا بوحدته حقيقة و حكما. و تنزلنا عن الالتزام باختصاص الاخبار العلاجية بمورد التعارض في مقام السند و الصدور، و التزمنا بعمومها لجميع الموارد. كان اللازم مراعاة الترجيح و التخيير بين الخبرين بمجموع مدلوليهما لا بخصوص مورد الاجتماع، لأن التعارض انما هو بين هذا الخبر و ذاك و ان كان منشؤه التنافي في بعض المدلول، إلّا ان يلتزم بشمول الاخبار لمورد التعارض بين الخبرين الضمنيين أيضا، فتختص ملاحظة المرجحات في مورد الاجتماع لصدق الخبر الضمني على بعض المدلول، لأن الاخبار بالمجموع استقلالا اخبار بالبعض ضمنا.

إلّا ان إثبات ذلك من الاخبار مشكل جدا، بل ممنوع، لظهورها في إرادة الخبرين بالاستقلال، فلاحظ و تدبر.

يبقى الكلام فيما أفاده السيد الخوئي في ما لو كان التعارض بين الإطلاقين من:

سقوط الروايتين في مورد الاجتماع من الأول بلا حاجة إلى الرجوع إلى المرجحات، و ذلك لأن الإطلاق بمعنى اللابشرط القسمي المقابل للتقييد غير داخل في مدلول اللفظ، إذ اللفظ موضوع للماهية المهملة المعبر عنها باللابشرط المقسمي فلا يروي الراوي عن الإمام (عليه السلام) إلّا ثبوت الحكم للطبيعة المهملة، و اما إطلاقه فهو خارج عن مدلول اللفظ و يثبت بحكم العقل بعد تمامية مقدمات الحكمة، و على هذا فلا تعارض بين الخبرين باعتبار نفس مدلوليهما، إذ لا تنافي بين ثبوت الحكم بوجوب إكرام العالم على نحو الإهمال و حرمة إكرام الفاسق على هذا النحو أيضا، فلا تنافي بين الخبرين أيضا، و لا سبيل للعقل إلى الحكم بأن المراد منهما وجوب إكرام العالم مطلقا و لو كان فاسقا و حرمة إكرام الفاسق مطلقا و لو كان عالما، لأنه حكم بالجمع بين الضدين، و الحكم بالإطلاق في أحدهما دون الآخر ترجيح بلا

444

مرجح، فيسقط الدليلان معا في مادة الاجتماع‏ (1).

و تحقيق الحال فيما ذكره- بعد ظهور ان نظره في ذلك إلى ان إجراء مقدمات الحكمة انما هو بيد المكلف لا الراوي، بل الراوي لا ينقل سوى ثبوت الحكم للطبيعة المهملة، و العقل يستظهر بمقدمات الحكمة إرادة العموم، و هي غير تامة فيما نحن فيه- ان الراوي اما ان ينقل المعنى أو اللفظ، و المراد بنقل المعنى و اسناده إلى المعصوم (عليه السلام) هو الاخبار بصدور الدال على هذا المعنى من المعصوم لا صدور نفس المعنى، إذ الصادر منه (عليه السلام) هو اللفظ لا المدلول كما لا يخفى.

فان كان الراوي ناقلا بالمعنى، فمعناه انه ينقل صدور الدال على المعنى الإطلاقي، و هو العموم من الإمام (عليه السلام)، و هذا يعني إجراؤه بشخصه مقدمات الحكمة في كلام الإمام (عليه السلام) لا المكلف. نعم، المكلف يجري مقدمات الحكمة في كلام الراوي كي يستظهر صدور المطلق من المعصوم، باعتبار ان الراوي يخبر بصدور الدال على هذا المعنى الّذي يبديه من الإمام (عليه السلام).

و لو كان النقل باللفظ، فمقدمات الحكمة من الأمور الواقعية المستفادة من الراوي و روايته، فان عدم نصب القرينة انما يعلم من الراوي، و هكذا كونه في مقام البيان، فانه يعرف من ملاحظة خصوصيات الحديث و شئونه، و هو ما يرتبط بالراوي. و عليه فالمعنى الإطلاقي يكون مدلولا لكلام الراوي، و ليس هو خصوص الطبيعة المهملة، و الإطلاق يحكم به العقل بواسطة مقدمات الحكمة، و معه يحصل التعارض بين الروايتين باعتبار مدلوليهما، فلاحظ.

و لو أغمضنا النّظر عن هذا كله، و التزمنا بأن إجراء مقدمات الحكمة بيد المكلف، فما رتبه على ذلك من سقوط الدليلين في مورد الاجتماع لعدم تمامية المقدمات، لاستلزامه الإطلاق فيها الحكم بالجمع بين الضدين، و الالتزام بإطلاق أحدهما ترجيح بلا مرجح انما يتم لو كان مجرى المقدمات المذكورة هو المراد

____________

(1) الواعظ الحسيني محمد سرور. مصباح الأصول 3- 429- الطبعة الأولى.

445

الجدي، و قد عرفت في صدر المبحث خلاف ذلك و ان مجراها المراد الاستعمالي، و معه لا محذور في انعقاد الإطلاق في كل منهما، نظير العامين بالوضع و يلتزم بتعارضهما في مورد الاجتماع كالعامين بلا فرق أصلا لا موضوعا و لا حكما، فتدبر.

هذا تمام الكلام في مبحث التعادل و الترجيح، و به تمت الدورة الأصولية، و الحمد للّه أولا و آخرا و هو ولي التوفيق. و كان ذلك في صباح الاثنين الموافق للثامن عشر من شهر شوال سنة (1383 ه)، و قد تم تسجيله مساء الاثنين في اليوم نفسه، نسأله جلت عظمته ان يوفقنا للعلم و العمل الصالح ليكون ذلك ذخرا لنا يوم لا ينفع مال و لا بنون الا من أتى اللّه بقلب سليم، انه سميع مجيب و هو حسبنا و نعم الوكيل.

عبد الصاحب الحكيم‏