إتحاف الوري بأخبار أم القري‏ - ج3

- عمر بن محمد بن فهد المزيد...
766 /
51

و فيها كانت الحمى بالطائف.

و فيها لم يحج العراقيون‏ (1).

و فيها مات على بن محمد بن يحيى/ بن القارى فى المحرم‏ (2).

و أبو عبد اللّه محمد بن عبد اللّه الشاطبى فى يوم الثلاثاء ثالث ربيع الآخر (3).

و فيها- أو فى التى بعدها- مات أبو على ناصر بن عبد اللّه ابن عبد الرحمن المصرى العطار فى أوائل صفر (4).

***

____________

(1) فى درر الفرائد 276، 277 أنه فى سنة سبع إلى سنة تسع و عشرين و ستمائة كان أمير الحاج أصلان تكين الناصرى، و فى سنة اثنتين و ثلاثين و ستمائة كان أمير الحاج حسام الدين بن أبى فراس، و وصلت كسوة الكعبة من بغداد. و فى سنة ثلاث و ثلاثين إلى ست و ثلاثين و ستمائة لم يحج العراقيون. و انظر فى حج سنة 633 ه، 634 ه إلى 640 ه شفاء الغرام 2: 237 ففيه ما يشير إلى انقطاع الحاج العراقى خلال هذه المدة.

(2) لم نعثر له على ترجمة فيما تيسر من المراجع.

(3) العقد الثمين 2: 94 برقم 244، و فيه «مات سنة ثلاث و ثلاثين و ستمائة».

(4) العقد الثمين 7: 316 برقم 2566، و فيه «مات بمكة فى أوائل صفر سنة أربع و ثلاثين و ستمائة كما قال القطب القسطلانى، و زاد: و حضرت الصلاة عليه و دفنه بالمعلاة».

52

«سنة أربع و ثلاثين و ستمائة» (1)

فيها عمّر المستنصر باللّه أبو جعفر العباسى العين المعروفة ببازان‏ (2).

و فيها لم يحج العراقيون بسبب أن التتار قصدوا (3) بغداد، فجمع المستنصر العلماء فسألهم فى ترك الحج للجهاد، فأفتوه بذلك و بطل الحج، و جمع مائة ألف فارس للمرابطة ببغداد إلى أن تم أمر اللّه فى تفرقتهم.

و فيها مات أبو محمد عبد الغفار بن عبد الكريم بن عبد الرحمن النهاوندى يوم الثلاثاء تاسع جمادى الأولى‏ (4).

***

____________

(1) جاء فى هامش ت لوحة 81 «سقط من الأصل ثلاث سنين لم أجد لها فيه ذكرا- كاتبه» و لم ترد هذه العبارة فى م. و يتضح من تعليقاتنا على أخبار السنة الماضية أن المؤلف أورد أخبارا أوردتها المراجع فى السنوات 29، 32، 33، 634، و انظر التعليق 1 ص 50.

(2) شفاء الغرام 1: 347.

(3) فى الأصول «دخل» و التصويب يقتضيه ما ورد فى المراجع المختلفة، فقد جاء فيها أن التتار حاصروا مدينة إربل فى سنة 634 ه و اقتحموها، و قتلوا كل من كان فيها، ثم نهبوا و أسروا و رحلوا عنها، و لم يتمكنوا من الاستيلاء على قلعتها؛ لدخول فصل الشتاء، و انظر البداية و النهاية 13: 145، و السلوك للمقريزى 1/ 1:

255، و مرآة الجنان 4: 85، و النجوم الزاهرة 6: 296، 297، و شذرات الذهب 5: 162، و الذيل على الروضتين 165.

(4) العقد الثمين 5: 468 برقم 1838، و فيه «يوم الثلاثاء تاسع عشر جمادى الأولى».

53

«سنة خمس و ثلاثين و ستمائة»

فيها توجه السلطان نور الدين عمر بن على بن رسول إلى مكة فى ألف فارس، و أطلق لكل جندى يصل إليه من أهل مصر المقيمين بمكة ألف دينار و حصانا و كسوة، فمال إليه كثير منهم، و أرسل إلى راجح بن قتادة؛ فواجهه فى أثناء الطريق، و حمل إلى راجح النقارات و الكوسات، و استخدم من أصحابه ثلاثمائة فارس، و سار راجح مسايرا السلطان على الساحل، ثم تقدم إلى مكة. فلما تحقق جغريل وصول الملك المنصور أحرق ما كان معه من الأثقال، و خرج من مكة بمن معه من العسكر قبل وصول صاحب اليمن بيومين- و ذلك فى سابع رجب- و تقدّم إلى الديار المصرية. فبعث راجح إلى السلطان [رسولا] (1) يخبره بالخبر و هو بالسّرّين، فبشّره بذلك، فقال له السلطان: من أين جئت؟ قال: من مكّة. قال: و متى خرجت من مكة؟ قال: أمس العصر. قال له: ما أمارة ذلك؟

قال: هذا كتاب من الشريف راجح. فكثر تعجب السلطان من سرعة سيره، و أمر السلطان الأمراء و المماليك أن يخلعوا عليه ما كان عليهم من الثياب، فخلعوا عليه ما أثقله. و سار/ السلطان من فوره إلى مكة فدخلها معتمرا فى رجب، و تصدق فى مكة بأموال جزيلة و أنفق على عساكره. و فى هذه الواقعة يقول الأديب جمال الدين محمد ابن حمير يمدح الملك المنصور بقصيدة منها:

____________

(1) إضافة يقتضيها السياق.

54

و من يلوم أميرا فرّ من ملك‏ (1)* * * لا ذاك ذاك و لا كالخنصر العضد

(2)

فلما دخل جغريل المدينة النبوية بلغه الخبر بوفاة الكامل، و وصلوا مصر متفرقين فى العشر الأوسط من شعبان‏ (3).

و كان المنصور يرسل كل سنة بصدقة عظيمة من اليمن إلى مكة [مع‏] (4) على بن خيلخان؛ يصل بها كلّ من كان فى مكة من المجاورين و من أهل مكة. و كان المظفر [يوسف‏] (4) فى أيام والده يتاجر بالطعام إلى مكة على يد محمد بن أبى القاسم، و كان هذا من فعله يقع موقعا عظيما عند أهل مكة؛ يرونه أعظم موقعا من الصدقة. و بلغ الطعام عندهم بسبب هذا المتجر كل ستة أمداد بدينار.

و فيها بعد موت الكامل دعى للمنصور بمكة.

و فيها أوقف أبو على بن أبى زكرى‏ (5) مدرسته المعروفة بأبى الطاهر المؤذن بقرب المدرسة المجاهدية (6)، و تعرف الآن ببيت ورثة الشيخ إسماعيل الزمزمى.

***

____________

(1) فى العقد الثمين 6: 346 «من ذا يلوم».

(2) فى العقود اللؤلؤية 1: 63 «لا ذا كذاك».

(3) و انظر مع المرجعين السابقين شفاء الغرام 2: 200، 201.

(4) إضافة على الأصول.

(5) كذا فى م، و العقد الثمين 1: 118. و فى ت «أبى ذكرى». و فى شفاء الغرام 1: 330 «ابن أبى زكريا».

(6) فى الأصول «المجاورية» و المثبت عن المرجعين السابقين.

55

«سنة ست و ثلاثين و ستمائة»

فيها سافر المنصور إلى بلاد اليمن، و ترك بمكة رتبة مائة و خمسين فارسا، و جعل عليهم ابن الوليد و ابن التعزى، و أقاما بمكة حتى انقضت هذه السنة (1).

و فيها لم يحج العراقيون‏ (2).

و فيها مات محمود بن مسكين بن معين القرشى الفهرى فى مستهل المحرم‏ (3).

و أبو العباس أحمد بن على بن محمد بن حسن بن عبد اللّه بن الزين القسطلانى المصرى المالكى، ليلة الأحد مستهل جمادى الآخرة (4).

*** «سنة سبع و ثلاثين و ستمائة»

فيها حج الشيخ عبد المعطى بن محمود بن عبد المعطى‏

____________

(1) العقد الثمين 6: 346، و شفاء الغرام 2: 201، و غاية الأمانى 1:

423، و العقود اللؤلؤية 1: 64.

(2) شفاء الغرام 2: 237.

(3) العقد الثمين 7: 150 برقم 2048.

(4) العقد الثمين 3: 105 برقم 602، و التكملة لوفيات النقلة 3: 508 برقم 2875، و الذيل على الروضتين 167، و النجوم الزاهرة 6: 314.

56

الإسكندرانى، و كان من أعيان مشايخ الإسكندرية، مشهورا بالزهد و الصلاح، و له معرفة بأصول الدين و مذهب مالك، على طريق عيذاب، و صحبته الشيخ زين الدين محمد بن منصور/ بن القفاص. فلما وصل إلى مكة كان بها رجل منقطع فى جبل أبى قبيس، فنزل إليهم و سلم على الشيخ عبد المعطى و قال لهم: كل من يدخل هذه البلدة من أهل النور أراه، و أنتم أوّل من دخلها من أهل النور. و جاور فى السنة بعدها (1).

و فيها بعث الملك الصالح نجم الدين أيوب إلى مكة ألف فارس عليهم الشريف شيحة بن قاسم أمير المدينة، فلما سمع بهم عسكر المنصور خرجوا عن مكة و أخلوها؛ فدخل الشريف شيحة، و ملكها و نهبها، و لم يقتل أحدا. فلما سمع المنصور عمر بن على بن رسول صاحب اليمن ذلك بعث بابن النصيرى و الشريف راجح إلى مكة فى عسكر جرار؛ ففر الشريف شيحة بمن معه، و قدم القاهرة (2).

*** «سنة ثمان و ثلاثين و ستمائة»

فيها قدم مكة عسكر جهزه الملك الصالح نجم الدين أيّوب بن‏

____________

(1) العقد الثمين 5: 499، و درر الفرائد 701، 702.

(2) شفاء الغرام 2: 201، و العقد الثمين 6: 346، و غاية الأمانى 1:

424، و العقود اللؤلؤية 1: 64، 65.

57

الملك الكامل مع الشريف شيحة، و فيهم علم الدين الكبير، و علم الدين الصغير، فأخذوها من عسكر صاحب اليمن، و حجوا بالناس‏ (1).

و فيها مات عبد المعطى بن محمود بن عبد المعطى الإسكندرى فى ليلة الجمعة السادس عشر من ذى الحجة (2).

*** «سنة تسع و ثلاثين و ستمائة»

فيها جهّز المنصور نور الدين جيشا كثيفا إلى مكة مع راجح، فلما علم بهم العسكر الذين بمكة كتبوا إلى ملكهم صاحب مصر يطلبون منه النجدة، فأرسل إليهم مبارز (3) الدين على بن الحسين ابن برطاس، و الأمير مجد الدين أحمد بن التركمانى، فى مائة و خمسين فارسا نجدة، فلما علم بذلك عسكر صاحب اليمن أقاموا بالسّرّين، و كتبوا إلى المنصور بذلك؛ فتجهّز بنفسه إلى مكة فى عسكر جرار،

____________

(1) العقد الثمين 6: 346، و شفاء الغرام 2: 201، و السلوك للمقريزى 1/ 2: 312، و العقود اللؤلؤية 1: 65.

(2) العقد الثمين 5: 497 برقم 1873، و التكملة لوفيات النقلة 3: 566 برقم 3001 و فيهما «توفى فى ليلة السادس و العشرين من ذى الحجة».

(3) فى الأصول «مبارك الدين» و المثبت من العقد الثمين 6: 347، و السلوك للمقريزى 1/ 2: 313، و العقود اللؤلؤية 1: 69.

58

فلما علم المصريون بقدومه ولّوا هاربين، و أحرقوا دار السلطنة بمكة، على ما فيها من عدد و سلاح و غيرهما. و دخلها السلطان نور الدين فى شهر رمضان، و صام بها رمضان، و أبطل بها سائر المكوسات و الجبايات و المظالم/، و كتب بذلك مربعة (1)، و جعلت قبالة الحجر الأسود على زمزم، و بعث إلى صاحب ينبع أبى سعد الحسن بن على ابن قتادة، فلما أتاه أكرمه و أنعم عليه و استخدمه، و اشترى قلعة ينبع و أمر [بخرابها] (2) حتى لا يبقى قرار للمصريين، و جعله بالوادى مساعدا لنوابه الذين بمكة، و استناب بمكة مملوكه الأمير فخر الدين الشلاح و ابن فيروز.

و قيل إن ابن التركمانى قدم مكة فى سنة ثمان و ثلاثين و أقام بها إلى رمضان سنة تسع و ثلاثين‏ (3).

و فيها لم يحج العراقيون‏ (4).

و فيها حج الميورقى.

____________

(1) أضاف شفاء الغرام 2: 237 «و دامت هذه المربعة إلى أن قلعها ابن المسيب لما ولى مكة فى سنة ست و أربعين و ستمائة، و أعاد الجبايات و المكوس بمكة».

(2) سقط فى الأصول، و المثبت من شفاء الغرام 2: 201، و العقد الثمين 6: 347، و العقود اللؤلؤية 1: 69.

(3) السلوك للمقريزى 1/ 2: 312، 313، و شفاء الغرام 2: 201، و غاية الأمانى 1: 425.

(4) السلوك للمقريزى 1/ 2: 312، و درر الفرائد 277.

59

و فيها مات الشيخ الصالح صديق بن جناح بن بدر الحميدى، فى ثانى عشر ربيع الآخر (1).

و إسماعيل بن ثعلب بن فضل المصرى‏ (2).

*** «سنة أربعين و ستمائة»

فيها توجه السلطان نور الدين من مكة (3).

و فيها حج الحاج العراقى بعد أن أقام سبع سنين لم يحج‏ (4)، و وصل الشهاب ريحان خادم الخليفة مع الحاج و جاور (5) بمكة.

و فيها فى شعبان عمّر المسجد المعروف بمسجد الراية (6).

____________

(1) العقد الثمين 5: 38 برقم 1405.

(2) العقد الثمين 3: 299 برقم 766 و فيه «ابن يغلب» و جوز المحقق قراءتها تغلب.

(3) العقود اللؤلؤية 1: 69.

(4) شفاء الغرام 2: 237، و السلوك للمقريزى 1/ 2: 312، و درر الفرائد 277، و العقد اللؤلؤية 1: 69.

(5) فى الأصول «و خافه بمكة» و الصواب ما أثبته لأن الشهاب ريحان سيعود إلى بغداد مع ركب الحاج فى العام القادم.

(6) شفاء الغرام 1: 261، و فيه «عمره المستعصم العباسى فى شعبان سنة 640 ه». و العقد الثمين 5: 290.

60

و فيها- فى أوائلها- مات تقى الدين أبو الحسن على بن أبى بكر بن محمد بن إبراهيم الطبرى‏ (1).

*** «سنة إحدى و أربعين و ستمائة»

فيها عمّر الملك المنصور عمر بن على بن رسول صاحب اليمن مدرسة بالجانب الغربى من المسجد الحرام، و أوقفها على الفقهاء الشافعية، و غبطه ملوك الأرض على هذه المدرسة، و كانت هذه العمارة على يد الأمير فخر الدين الشلاح‏ (2).

و فيها بنى الشهاب ريحان الرباط المعروف برباط الشرابى عند باب بنى شيبة، و أوقفه عن موكّله الأمير شرف الدين إقبال بن عبد اللّه الشرابى المستنصرى العباسى، و وقف عليه أوقافا بأعمال مكة؛ منها مياه تعرف بالشرابيات بوادى مرّ و وادى نخلة، و وقف به كتبا فى فنون العلم نفيسة، و قرر به صوفية (3).

و فيها عمّر الشهاب ريحان/ أيضا عين عرفة.

و فيها جهز المستعصم الحاجّ إلى مكة مع والدته و دواداره، فكان صحبتها من الجمال ألف و نيف و ثلاثون جملا، و شيّع أمه إلى‏

____________

(1) العقد الثمين 6: 143 برقم 2041.

(2) العقد الثمين 1: 117، 6: 348، و شفاء الغرام 1: 328.

(3) العقد الثمين 3: 324، 325، و شفاء الغرام 1: 331.

61

الكوفة، و جهز لهم السلطان نور الدين هدية عظيمة، و أمر الشلاح بخدمتهم و إقامة حرمتهم، ففعل ذلك. و كانت سيدة (1) كثيرة الصدقات و الخلع على الأمراء، و أهل الدولة المقيمين بمكة، و أقام الشلاح بمكة، و كانت سنة لم ير أكثر منها خيرا، و اشترى أهل مكة الأملاك، و عمّروا القصور، و حلوا نساءهم بالذهب و الفضة، و تظاهروا بالنعم، و سافر مع الحاج الشهاب ريحان.

و فيها كان المتولى مكة الشلاح نيابة عن صاحب اليمن‏ (2)

*** «سنة اثنتين و أربعين و ستمائة»

فيها أوقف محمد بن على المصرى الرباط المعروف برباط غزّى- بغين معجمة و زاى مشدّدة و ياء النسبة- على الفقراء و المساكين الرجال المجردين، من أى جنس كان من المسلمين‏ (3).

و فيها مات أبو الفضل هبة اللّه بن منصور بن الفضل الواسطى فى تاسع شعبان‏ (4).

____________

(1) فى الأصول، و درر الفرائد 277 «سنة» و المثبت يستقيم به السياق.

و انظر صفة حجها فى ص 404 من درر الفرائد.

(2) و فى شفاء الغرام 2: 201، و العقد الثمين 8: 175: الشلاح: الأمير فخر الدين مملوك المنصور صاحب اليمن، و انظر غاية الآمانى 1: 426 و سماه فخر الدين بن إياس.

(3) العقد الثمين 1: 121.

(4) العقد الثمين 7: 366 برقم 2628.

62

و أبو بكر بن أحمد بن محمد الشراحى- بالحاء المهملة- فى ثامن القعدة (1).

و أبو القاسم على بن الأعز بن على بن المظفر البغدادى‏ (2).

و فيها- أو فى التى بعدها- مات وزير أبى‏ (3) عزيز صاحب مكة- أبو الربيع سليمان بن عبد اللّه بن الحسن التميمى الدارمى فى حادى عشر شعبان‏ (4).

*** «سنة ثلاث و أربعين و ستمائة»

فيها ضرب تركى شريفا فكاتب فيه راجح بن [أبى‏] (5) عزيز الخليفة فقطعت يده.

و فيها- أو فى التى بعدها- عرّيت الكعبة الشريفة من الكسوة؛ لتقطّع كسوتها من ريح شديدة هاجت بمكة، فأراد

____________

(1) العقد الثمين 8: 8 برقم 2803.

(2) العقد الثمين 6: 142 برقم 2039.

(3) فى الأصول «وزير بن عزيز» و المثبت هو الصواب.

(4) العقد الثمين 4: 607 برقم 1336 و فيه «و يلقب نجم الدين و يعرف بابن الريحانى».

(5) إضافة على الأصول.

63

صاحب اليمن الملك المنصور أن يكسوها، فقال له شيخ الحرم العفيف منصور بن منعة البغدادى: لا يكون هذا إلا من جهة الديوان- يعنى الخليفة العباسى- و لم يكن عند ابن منعة شى‏ء لأجل ذلك، فاقترض ثلاثمائة مثقال و اشترى بها ثيابا بيضا قطنا و صبغها بالسواد، و ركب عليها الطّرز القديمة التى/ كانت فى كسوة الكعبة، و كساها بذلك‏ (1).

و فيها حج الحافظ شرف الدين الدمياطى، و سمع بها من الفقيه أبى عبد اللّه محمد بن عبد اللّه بن محمد بن مقبل العجيبى المكى‏ (2).

و فيها ماتت عتيقة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) من الزمن كلثم بنت خليل بن إبراهيم الأنصارى، و تسمى موفقة، فى ليلة تاسع عشر رمضان‏ (3).

و مات مخلص الدين أبو محمد راجح بن أبى بكر بن إبراهيم العبدرى الميورقى، فى يوم الأحد سابع شوال‏ (4).

***

____________

(1) البداية و النهاية 13: 171، 172، و شفاء الغرام 1: 122، و درر الفرائد 277.

(2) العقد الثمين 2: 90.

(3) العقد الثمين 8: 311 برقم 3465، و يقول التقى الفاسى: هكذا وجدتها مذكورة بخط عبد اللّه بن عبد الملك فى تاريخه، و ذكر أن أمّه أريت قبرها بالمعلاة فى أول شعب دكالة، و عليها حجر مكتوب فيه: هذا قبر عتيقة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) من الزمن.

(4) العقد الثمين 4: 370 برقم 1169.

64

«سنة أربع و أربعين و ستمائة»

فيها أوقف أبو القاسم بن كلالة الطبيبى الرباط المعروف به بالمسعى‏ (1).

و فيها لم يحج [الركب‏] العراقى‏ (2)، و حج أهل اليمن و معهم زوجة صاحب اليمن فحجت، و اعتمرت، و فى آخر هذه السنة، و أول السنة التى بعدها [عمرت‏] (3) المسجد المعروف بمسجد الهليلجة بالتنعيم فى طريق الوادى و بقربه بئر (4).

و فيها مات إمام المالكية أبو البركات عمر بن محمد بن عمر التوزرى القسطلانى، فى يوم الأربعاء رابع صفر، و ولى بعده الإمامة ولده ضياء الدين أبو عبد اللّه محمد (5).

و الشيخ ولى اللّه تعالى على بن أبى الكرم الشولى فى يوم أحد سلخ صفر- و قيل أول ربيع الأول‏ (6).

____________

(1) العقد الثمين 1: 120، و شفاء الغرام 1: 333. و فى ترجمته فى العقد الثمين 8: 90 «الطيبى».

(2) شفاء الغرام 2: 237، و درر الفرائد 277، و الإضافة عنه.

(3) إضافة عن درر الفرائد 704.

(4) شفاء الغرام 1: 267، 268.

(5) العقد الثمين 6: 358 برقم 3092.

(6) العقد الثمين 6: 223 برقم 2095.

65

و المحدث أبو الفضل جعفر بن عبد الرحمن بن جعفر السلمى الصقلى البجائى، فى ذى الحجة (1)

*** «سنة خمس و أربعين و ستمائة»

فيها- فى خامس عشرى شوال- عقد مجلس [بسبب‏] (2) القاضى عبد الكريم بن يحيى بن عبد الرحمن بن على بن الحسين بن الشيبانى الطبرى بحضرة أمير مكة المشرفة الشلاح، و ابن أبى الفضل المرسىّ، فعين المرسىّ القطب القسطلانى، فبعثوا إليه، فأبطأ عليهم؛ لأنه تشاغل بالاستخارة، و انفض المجلس قبل أن يأتى؛ لأن الشلاح كان به فتق، فقال المرسىّ للقاضى عمران بن ثابت الفهرى: يا عمير سدّد الأمور حتى يولوا قاضيا، فاستمر القاضى عمران قاضيا إلى أن مات سنة ثلاث و سبعين.

و فيها حج/ ابن حذيفة بعرب من جهة الشام‏ (3) و لم يحج 87 العراقيون‏ (4).

____________

(1) العقد الثمين 3: 426 برقم 894.

(2) سقط فى الأصول و المثبت عن العقد الثمين 6: 419.

(3) لم نعثر على ما يوثق هذا الخبر فيما تيسر من المراجع.

(4) البداية و النهاية 13: 182، و شفاء الغرام 2: 237، و درر الفرائد 277.

66

و فيها عمّر المسجد الذى عند دار النحر بمنى؛ بين الجمرة الأولى و الوسطى، على يمين الصاعد إلى عرفة، يقال إن النبى (صلّى اللّه عليه و سلم) صلى فيه الضحى، و نحر هديه عنده؛ و ذلك بأمر صاحب اليمن قطب الدين أبى بكر بن المنصور (1).

و فيها مات مصطفى بن محمود بن موسى الأقصرى المصرى، فى ليلة الجمعة رابع عشر جمادى الأولى‏ (2).

و أبو الفرج عبد الرحمن بن فتوح بن بنين الكاتب فى جمادى الأولى‏ (3).

و الشيخ الصالح عبد الملك بن معمر بن شيريار الراقراقى فى شوال‏ (4).

و أبو مدين شعيب بن يحيى بن أحمد بن محفوظ التميمى القيروانى الإسكندرى يوم السبت ثالث عشرى القعدة (5).

و الشيخ إسماعيل بن موسى الدلاصى‏ (6).

____________

(1) شفاء الغرام 1: 262.

(2) العقد الثمين 7: 204 برقم 2462.

(3) العقد الثمين 5: 398 برقم 1771 و فيه «المعروب بابن أبى حرمى الكاتب النقاش».

(4) العقد الثمين 5: 515 برقم 1888 و فيه «توفى فى شوال سنة أربع و تسعين و ستمائة». و فى الهامش «و قرئ و سبعين».

(5) العقد الثمين 5: 12 برقم 1377.

(6) لم نعثر له على ترجمة فيما تيسر من المراجع.

67

«سنة ست و أربعين و ستمائة»

فيها- كما ذكر بعض العصريين، أو فى السنة التى قبلها، فى يوم الاثنين منتصف ربيع الأول كما ذكر الميورقى- عزل المنصور عمر ابن على بن رسول صاحب اليمن مملوكه الأمير فخر الدين الشلاح عن مكة و أعمالها، و ولى عوضه محمد بن أحمد بن المسيّب اليمنى، على مال يقوم به- بعد كفاية الجند- وقود مائة فرس فى كل سنة. فتقدم إلى مكة بمرسوم السلطان فدخلها، و خرج عنها الأمير فخر الدين الشلاح؛ فأقام ابن المسيّب أميرا بمكة هذه السنة و التى بعدها، فساءت سيرته، و غيّر (1) فى هذه المدة جميع الخير الذى وضعه السلطان نور الدين، و أعاد الجبايات و المكوسات، و قلع المربعة التى كان السلطان كتبها من جهة إبطال المكوسات و الجبايات و المظالم و جعلها على زمزم فى سنة تسع و ثلاثين، و استولى على الصدقات التى كانت تصل من اليمن، و أخذ من المجد بن [أبى‏] (2) القاسم المال الذى كان تحت يده للملك المظفر. و بنى حصنا بنخلة يسمّى العطشان، و استحلف هذيلا لنفسه، و منع الجند النفقة، فتفرقوا/ عنه، و مكر مكرا فمكر اللّه به‏ (3).

____________

(1) فى الأصول «عز» و المثبت عن العقد الثمين 1: 386، و العقود اللؤلؤية 1: 77.

(2) إضافة عن العقود اللؤلؤية 1: 78.

(3) شفاء الغرام 2: 201، و العقود اللؤلؤية 1: 77، 78، و السلوك للمقريزى 1/ 2: 332، 333، و غاية الأمانى 1: 431.

68

و فيها عمر الشريف أبو سعد بن على بن قتادة المشهد الذى به قبر الحسين بن على بن الحسن‏ (1) الحسنى بفخ بطريق التنعيم ظاهر مكة.

و فيها مات شيخ الحرم زين الدين أبو النعمان بشير بن سليمان التبريزى فى يوم الخميس ثالث- أو رابع- صفر (2).

و أبو الحسن على بن محمد بن على بن محمد الكردى الكركى ليلة رابع عشر الحجة (3).

*** «سنة سبع و أربعين و ستمائة»

فيها حسن بعض كبار الأعراب من زبيد للسيد أبى سعد الحسن بن على بن قتادة دخول مكة و الفتك بمن فيها من جهة صاحب اليمن، و هوّن عليه أمرهم، و كانوا فرقتين تخرج واحدة إلى أعلى مكة و الأخرى إلى أسفلها كل يوم، فحمل أبو سعد فى يوم الجمعة لتسع خلون من ذى القعدة على إحدى الفرقتين فكسرها، فضعفت الأخرى عنه؛ فاستولى على مكة، و قبض على ابن المسيب؛ الأمير الذى‏

____________

(1) فى الأصول «الحسين» و المثبت عن ترجمته بالعقد الثمين 4: 196 برقم 1040.

(2) العقد الثمين 3: 371 برقم 850 و فيه «نجم الدين أبو النعمان بشير بن حامد بن سليمان».

(3) العقد الثمين 6: 248 برقم 3015.

69

كان بها من جهة صاحب اليمن، و أخذ ما كان معه من خيل و عدد و مماليك، و قيده، و أحضر أعيان أهل الحرم و قال: ما لزمته إلا لتحققى خلافه على مولانا السلطان، و علمت أنه أراد الهرب بهذا المال الذى معه إلى العراق، و أنا غلام السلطان و المال عندى محفوظ و الخيل و العدد إلى أن يصل مرسوم السلطان. فوردت الأخبار بعد أيام يسيرة بوفاة السلطان‏ (1).

و توجّه راجح بن قتادة إلى اليمن هاربا لما استولى عليها أبو سعد ابن أخيه على بن قتادة، و سكن السّرّين- يعنى الموضع المعروف بالواديين‏ (2).

و فيها- فى رابع المحرم- أوقف أبو أحمد عطية بن ظهيرة بن مرزوق المخزومى سبيلين أحدهما عند البئر المعروفة بالحرارية (3)، و للسبيل المذكور حق استقاء الماء فيه منها، و الثانى بمنى عند الجمرة الوسطى المعروف بسبيل عبد الصمد- اسما لا ملكا- و أوقف عليهما الأصيلة المعروفة بجعفر، و تعرف الآن بالظهيرية، و سقيتها أحد و عشرون/ قيراطا؛ كل ذلك بالضيعة المعروفة بالجموم، ثم مات فى الأربعاء سادس المحرم‏ (4).

____________

(1) العقد الثمين 4: 160، و العقود اللؤلؤية 1: 78.

(2) العقد الثمين 4: 378.

(3) فى شفاء الغرام 1: 337 «سبيل عطية بن ظهيرة بأعلى مكة» و فى ص 341 «بئر تعرف بأم الناغية عند سبيل ابن ظهيرة» و لعلها بئر الحرارية المذكورة هنا.

(4) و انظر ترجمته فى العقد الثمين 6: 107 برقم 2006.

70

و فيها مات الشيخ أبو عبد اللّه قيصر بن آق سنقر التركمانى الصوفى سلخ المحرم، و يقال فى صفر (1).

*** «سنة ثمان و أربعين و ستمائة»

فيها مات أبو محمد عبد اللّه بن محمد بن عمران الحجبى‏ (2) فى ثامن عشرى الحجة.

و أبو معشر عبد الكريم بن عبد الصمد بن محمد الطبرى‏ (3).

*** «سنة تسع و أربعين و ستمائة»

فيها وقع بمكة غلاء عظيم و أقام جميع السنة (4).

و فيها حج الملك المظفر يوسف بن المنصور عمر بن على بن رسول، و كسا رؤساء الحرم التشريفات، و أقام بمكة عشرة أيام يفرق‏

____________

(1) العقد الثمين 7: 81 برقم 2356.

(2) كذا فى ت، و فى م «الحجى». و لم نعثر له على ترجمة فيما تيسر من المراجع.

(3) العقد الثمين 5: 475 برقم 1848.

(4) شفاء الغرام 2: 271، و السلوك للمقريزى 1/ 2: 382.

71

الصدقات المبرورة، فوصلت صدقاته لكل بيت بمكة، و عمّت الحاج أجمعين، على اختلاف أنواعهم، و جهز أعيان حاج مصر (1).

و فيها عمر المسجد الذى بقرب المجزرة الكبيرة من أعلاها، على يمين الهابط إلى مكة، و يسار الصاعد منها، يقال إن النبى (صلّى اللّه عليه و سلم) صلى فيه المغرب‏ (2).

و فيها مات نور الدين على بن محمد الطبرى فى آخر ذى الحجة (3).

و الفقيه أبو محمد جابر بن أسعد الحميرى اليمنى‏ (4).

*** «سنة خمسين و ستمائة»

فيها قوى أمر المرطى الزيدى باليمن، و ضاق به ذرع المظفر، و نفذ إلى بغداد يحرّض على الحج بسبب أن المرطى عزم على الحج‏

____________

(1) لم ترد هذه الحجة فى ترجمة الملك المظفر فى العقد الثمين 7: 488 برقم 2778، و لا فى غيره مما تيسر من مراجع. و إن كانت أوصاف حجته هذه تنطبق على بعض أوصاف حجته فى سنة 659 ه، و التى سترد فى مكانها.

(2) شفاء الغرام 1: 260 و فيه «أنه عمّر سنة سبع و أربعين و ستمائة».

(3) الدر الكمين و فيه «سبط بن خليل، مات فى آخر ذى الحجة، و دفن بالمعلاة».

(4) العقد الثمين 3: 400 برقم 869.

72

و قطع الخطبة العباسية. فحج من العراق فلك الدين التركى، و كان حاج العراق انقطع عن مكة من سنة ست و أربعين، بل قال سبط ابن الجوزى فى مرآته: و حج الناس من بغداد بعد عشر سنين بطل الحج فيها منذ مات المستنصر إلى هذه السنة (1).

و فيها حمل مع الحاج العراقى الحسن بن محمد الصاغانى فى تابوت. ثم رجع الحاج إلى بغداد، فأودعوا التابوت عند العرب إلى قابل، ثم نقل إلى مكة و دفن بها (2).

و فيها مات أبو محمد عبد العظيم بن أبى الحسن بن أحمد بن إسماعيل المصرى/ الحصنى الإسكاف، فى ثانى عشرى الحجة (3).

*** «سنة إحدى و خمسين و ستمائة»

فيها حج الشيخ مجد الدين أبو البركات عبد السلام بن عبد اللّه بن الخضر بن محمد بن تيمية الحرانى‏ (4)، و زوجته أم البدر

____________

(1) درر الفرائد 277، 278، و انظر البداية و النهاية 13: 182، و شفاء الغرام 2: 237، و النجوم الزاهرة 7: 25.

(2) العقد الثمين 4: 176 برقم 1013، و السلوك للمقريزى 1/ 2:

385، و دول الإسلام 5: 157.

(3) العقد الثمين 5: 468 برقم 1837.

(4) الذيل على طبقات الحنابلة 2: 249 برقم 359، و دول الإسلام 2:

158، و العبر فى خبر من غبر 5: 212، و شذرات الذهب 5: 257، 258.

73

بدرة بنت عمه الخطيب فخر الدين أبى عبد اللّه محمد بن الخضر بن محمد بن تيمية (1)، و حدثا فى ليلة الأربعاء رابع عشر ذى الحجة بفوائد ابن ماسى‏ (2) من آخر جزء الأنصارى‏ (3)، و رباعيات الغيلانيات‏ (4). و رباعيات حمزة الأنصارى، و قرئ على مجد الدين وحده مشيخة أبى البدر الكرخى‏ (5)، و كان ذلك بحضور الإمام شمس الدين بن سيبى المحدث، و كان بمكة هذه السنة جمال الدين أبو الفتح نصر اللّه بن أبى محمد بن إلياس بن عبد الرحمن بن على بن أحمد الأنصارى الدمشقى، و حدث بها فى ثانى شوال من السنة بالجزء الأول من فوائد الجصاص، و السادس من فوائد أبى زرعة محمد (6)،

____________

(1) التكملة لوفيات النقلة 3: 138 برقم 2017، و شذرات الذهب 5:

102.

(2) و تسمى فوائد البزار فى الحديث، لعبد اللّه بن إبراهيم بن أيوب بن ماسى. (كشف الظنون 2: 1296).

(3) لمحمد بن عبد اللّه الأنصارى، أو لأبى محمد عبد الباقى الأنصارى.

(كشف الظنون 1: 586) و ترجم لأولهما طبقات الحفاظ 156 برقم 342.

(4) الغيلانيات: فوائد حديثية من رواية أبى طالب محمد بن محمد بن إبراهيم ابن غيلان البزار المتوفى سنة 440 ه. (كشف الظنون 1: 588، و الوافى بالوفيات 1: 119 برقم 27).

(5) هو أبو البدر عباد بن الوليد بن خالد الغبرى الكرخى، نسبة إلى كرخ سامراء. (ياقوت: معجم البلدان) توفى سنة 258 ه فى قول ابن قانع، أو فى سنة 262 ه فى قول ابن حبان. (تهذيب الكمال للمزى 2: 654).

(6) هو محمد بن عبد اللّه بن عبد اللّه بن أبى دجانة عمرو بن عبد اللّه بن صفوان النصرى، مات قبل سنة 360 ه، و هو ابن ابن أخى الحافظ أبى زرعة عبد الرحمن الدمشقى. (تذكرة الحفاظ 3: 1001) روى عنه و عن أخيه، الحافظ-

74

و أبى بكر أحمد ابنى عبد اللّه بن أبى دجانة، و الأول من فوائد أبى مسلم الكاتب انتقاء ابن فورك‏ (1).

و فيها حج الإمام محيى الدين النووى مع والده‏ (2).

و فيها وصل الشريف جماز بن حسن بن قتادة إلى دمشق، فطلب من الناصر [يوسف‏] (3) بن العزيز [محمد] (3) بن الظاهر [غازى الأيوبى‏] (3) أن يعينه على ملك مكة من ابن عمّه أبى سعد الحسن بن على بن قتادة، و يقطع خطبة المظفر صاحب اليمن، فأنزله و مطله، ثم جهّز عسكرا له مع الرّكب، و سبقه و تقدم بنفسه أمام الركب، ففتك بابن عمه أبى سعد المذكور و قتله فى الحرم لثلاث خلون من شعبان؛ كما قاله ابن الفرات، أو فى أوائل رمضان؛ كما قاله ابن مسدى، أو لخمس من شوال؛ كما ذكره الميورقى و ابن محفوظ.

و استولى على مكة، و نقض عهد الناصر، و خطب للمظفر

____________

- أبو القاسم تمام بن محمد بن عبد اللّه الرازى المتوفى سنة 414 ه فى فوائده الحديثية رقم 756. (رسالة دكتوراه للدكتور عبد الغنى جبر التميمى).

(1) ابن فورك: هو أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه بن فورك الأصبهانى، توفى فى رمضان سنة 410 ه. (دول الإسلام للذهبى 1: 244، و تذكرة الحفاظ 3: 1050، و البداية و النهاية 12: 8، و الوافى بالوفيات 8: 201 برقم 3634، و طبقات الحفاظ 412 برقم 932، و شذرات الذهب 3: 190).

(2) العبر فى خبر من غبر 5: 312، و درر الفرائد 278، و انظر ترجمته فى البداية و النهاية 13: 278، و النجوم الزاهرة 7: 278.

(3) الإضافة عن العقد الثمين 3: 435.

75

صاحب اليمن، و حج بالناس و أقام بها إلى آخر يوم من ذى الحجة فتسلمها منه عمه راجح بن قتادة بلا قتال و فر أمامه إلى ينبع‏ (1).

و فيها جاء/ من الحاج عالم كثير من البر و البحر ما لم يسمع بمثله فيما مضى، و حصل للناس فى أيام الموسم عطش شديد، و كانت الوقفة الجمعة و للصالحين فيها رأى فى فضل من حضرها.

و مات فيها كثير من جمال‏ (2) الحجاج.

و فيها كان الغلاء بمكة حتى بلغت شربة الماء بدرهم، و الشاة بأربعين درهما، و بيع بالطائف الشعير و الدخن مدّ و ربع بدينار (3).

و فيها جاء مكة سيل‏ (4).

و فيها مات أبو محمد عبد اللّه بن عبد العزيز الكردى، المعروف بالصامت، فى ربيع الأول‏ (5).

و الشيخ جميل الحيبى- بالحاء المهملة بعدها ياء مثناة من تحت‏ (6).

***

____________

(1) العقد الثمين 4: 161، 3: 435، و شفاء الغرام 2: 201، و درر الفرائد 278.

(2) فى الأصول «من الرجال الحجاج» و المثبت من درر الفرائد 278.

(3) النجوم الزاهرة 7: 30، و درر الفرائد 278.

(4) العقد الثمين 1: 207، و شفاء الغرام 2: 266، و المرجع السابق.

(5) العقد الثمين 5: 203 برقم 1568.

(6) كذا فى الأصول. و فى العقد الثمين 23: 443 برقم 914 «الحبيبى- بحاء مهملة و باء موحدة ثم ياء مثناة من تحت ثم باء موحدة ثم ياء للنسبة- و لم أدر هذه النسبة لماذا».

76

«سنة اثنتين و خمسين و ستمائة»

فيها- فى ربيع الأول- أخرج غانم بن راجح والده من مكة بلا قتال، و أقام بها إلى شوال، فجاء الشريفان أبو نمىّ محمد بن أبى سعد حسن بن على بن قتادة، و عم أبيه إدريس بن قتادة و أخذا مكة من غانم بعد قتال لم يقتل فيه إلا ثلاثة أنفس؛ منهم عالى شيخ المبارك، و أقاما بها إلى يوم الأربعاء خامس عشرى ذى القعدة، فجاء مبارز الدين الحسين بن على بن برطاس من اليمن فى مائتى فارس من قبل المظفر صاحب اليمن، فلقيه الأشراف خارج مكة و تقاتلوا بالسرجة من قوز المكاسة، و قاتل معهم جماز بن شيحة صاحب المدينة، فقتل بين الصفين مختار الدين حمد بن محمد بن أحمد بن المسيّب‏ (1)، و دخل [ابن‏] (2) برطاس مكة، و حج بالناس، و لم يزل مقيما بها إلى آخر السنة (3).

و فيها- فى أولها- كان بمكة عطش شديد (4).

و فيها خطب بمكة لصاحب مصر الأشرف موسى بن الناصر يوسف بن المسعود، و لأتابكه المعزّ أيبك التركمانى الصالحى‏ (5).

____________

(1) و كان ممن أرسله المظفر صاحب اليمن مع ابن برطاس لقتال أشراف مكة، و أنظر ترجمته فى العقد الثمين 4: 225 برقم 1073.

(2) إضافة على الأصول.

(3) و انظر العقد الثمين 1: 458، 6: 152 برقم 2051، 7: 4 برقم 2298، و العقود اللؤلؤية 1: 115.

(4) درر الفرائد 279.

(5) العقد الثمين 1: 191.

77

و فيها مات يوسف بن الحسن بن على قاضى سنجار، فى آخر شوال‏ (1).

و أبو الحسن على بن يعلى بن على بن عبيد بن حمزة (2) التميمى البغدادى العراقى [المعروف‏] بالسختيلى.

*** «سنة ثلاث و خمسين و ستمائة»

فيها جمع الشريفان أبو نمىّ و إدريس/ جمعا عظيما و قصدوا مكة و معهم جماز بن شيحة صاحب المدينة، فحاصروا الأمير مبارز الدين بن برطاس حصارا شديدا، و دخلوا عليه مكة من رءوس الجبال فى يوم السبت لأربع ليال بقين من المحرم، و تقاتلوا فى وسط مكة، و كسر ابن برطاس، و قتل جماعة من أصحابه و أسروه، ففدى نفسه. و سفكت الدماء بالحجر من المسجد الحرام، و امتلأ الناس رعبا، و لم يصلّ بالحرم و المقام إمام ممن حضر إلا الشيخ أبو مروان معلّم قرن ميقات نجد، و عاد ابن برطاس هو و الجند الذين كانوا معه إلى اليمن‏ (3).

____________

(1) كذا فى الأصول. و فى الذيل على الروضتين 234 أنه توفى فى سنة 663 ه بالقاهرة، و كذلك فى البداية و النهاية 13: 246، و شذرات الذهب 5: 313، و النجوم الزاهرة 7: 219.

(2) فى الأصول «ابن معلى بن على بن عبيد بن حمدة» و المثبت عن العقد الثمين 6: 275 برقم 3037، و الإضافة عنه.

(3) العقد الثمين 1: 458، 459، 6: 153، 154، و شفاء الغرام 2: 202، و العقود اللؤلؤية 1: 119، 120، و درر الفرائد 279، و غاية الأمانى 1: 441.

78

و فيها تنافر أمير الركب العراقى و أمير مكة، و ركب أمير الركب العراقى للقتال، ثم سكنت الفتنة، بسعي الناصر داود بن المعظم عيسى بن العادل صاحب الكرك، و أحضر أمير مكة لأمير الحاج- و فى عنقه عمامته- فرضى عليه أمير الحاج و زاده فى الموسم الذى جرت‏ (1) العادة به، و شكر الناس للناصر صاحب الكرك صنعه هذا (2).

و فيها حج نجم الدين أبو الثناء مظفّر بن محمود بن أحمد بن عساكر الدمشقى، فأدركه الأجل بعرفات فى يومها، و دفن بها قريبا من الصخرات‏ (3).

*** «سنة أربع و خمسين و ستمائة»

فيها توجه إدريس بن قتادة إلى أخيه راجح بالسّرّين، فتغلب أبو نمى على مكة، ثم جاء إدريس مع أخيه راجح إلى مكة و أصلح بين إدريس و أبى نمى، و اشتركا فى الإمرة كما كانا (4).

____________

(1) كذا فى الأصول. و فى شفاء الغرام 2: 238 «و زاده على ما جرت به العادة من الرسم».

(2) البداية و النهاية 13: 186، و النجوم الزاهرة 7: 34، و درر الفرائد 279.

(3) العقد الثمين 7: 226 برقم 2475.

(4) العقد الثمين 1: 459، 3: 279، و شفاء الغرام 2: 202.

79

و فيها حج الركب العراقى و وقع المطر بعرفة (1).

و فيها مات أبو بكر عبد اللّه بن خليل بن إبراهيم بن يحيى العثمانى‏ (2).

و راجح بن قتادة بن إدريس بن مطاعن‏ (3).

*** «سنة خمس و خمسين و ستمائة»

فيها لم يحج من الآفاق ركب سوى حجّاج الحجاز، و لم ترفع راية الملك من الملوك وقت الوقوف بعرفة (4).

و فيها مات القاضى أبو العلاء ماجد بن سليمان بن عمر القرشى الفهرى فى جمادى الثانية (5).

و أشبة بنت عبد الغفار بن عبد الكريم النهاوندى فى يوم الجمعة رابع عشر القعدة (6).

____________

(1) درر الفرائد 279.

(2) الدرر الكمين، و أوصل نسبه إلى أبان بن عثمان بن عفان، و أفاد أنه نقل هذه الترجمة من مجاميع أبى العباس الميورقى.

(3) العقد الثمين 4: 372 برقم 1172.

(4) العقد الثمين 1: 192، و شفاء الغرام 2: 238، 240، و درر الفرائد 279.

(5) العقد الثمين 7: 112 برقم 2382.

(6) لم نعثر لها على ترجمة فيما تيسر من مراجع. و انظر ترجمة والدها فى وفيات سنة 634 ه من هذا الكتاب.

80

و الجلال/ أبو عبد اللّه محمد بن عبد السلام بن أبى المعالى الكازرونى، فى ليلة الثامن و العشرين من ذى القعدة (1).

*** «سنة ست و خمسين و ستمائة»

فيها جاء أولاد حسن بن قتادة إلى مكة و لزموا إدريس بن قتادة و أخذوا مكة (2)، و أقاموا بها ستة أيام، ثم جاء أبو نمى و أخرجهم منها من غير قتال بينهم‏ (3).

و فيها حج القاضى بدر الدين محمد بن إبراهيم بن سعد اللّه بن جماعة الكنانى مع والده من طريق البحر لعدم تيسر الحج فى البر، و حضر وفاة الشيخ أبى الحسن الشاذلى بحميترا من صحراء (4) عيذاب، و صلى عليه البدر بن جماعة (5).

____________

(1) العقد الثمين 2: 121 برقم 271 و فيه «توفى ليلة الثامن و العشرين من ذى الحجة».

(2) فى الأصول «ملكه».

(3) العقد الثمين 1: 176، و السلوك للمقريزى 1/ 2: 412.

(4) هو أبو الحسن على بن عبد اللّه بن عبد الجبار بن يوسف الشاذلى، و انظر السلوك للمقريزى 1/ 2: 414، و النجوم الزاهرة 7: 68، 69، و شذرات الذهب 5: 278، و مرآة الجنان 4: 140- 147، و فى درر الفرائد 279 «بحميترة من صحراء عيذاب». و كذا فى تاج العروس 3: 159 و هو موضع بصحراء عيذاب ... و يقال فيه أيضا حميترا.

(5) و انظر ترجمة ابن جماعة فى البداية و النهاية 14: 163، و النجوم الزاهرة 9: 298.

81

و فيها مات قاضى مكة كمال الدين أبو المحامد عبد الكريم بن يحيى بن عبد الرحمن بن على بن الحسين بن على الشيبانى الطبرى فى شهر ربيع الأول‏ (1).

و أم محمد آمنة بنت عنان بن حسن بن عنان العذرية (2)، والدة القطب القسطلانى فى يوم الخميس النصف من صفر.

*** «سنة سبع و خمسين و ستمائة»

فيها تولى الملك المظفر يوسف بن المنصور عمر أمر الحرم الشريف و عمارته، و إقامة مناره، و خدمته و جوامك خدمه‏ (3).

و فيها لم يحج الركب العراقى‏ (4).

و فيها مات أبو محمد صالح بن محمود بن محمد بن إبراهيم الأصبهانى الكرومى فى العشر الأوسط من المحرم‏ (5).

____________

(1) العقد الثمين 5: 181 برقم 1858.

(2) فى الأصول «العذرى» و المثبت من العقد الثمين 8: 174 برقم 3307.

(3) العقد الثمين 7: 489، و العقود اللؤلؤية 1: 128.

(4) درر الفرائد 279.

(5) العقد الثمين 5: 29 برقم 1393.

82

و محمود بن تلميس بن أفنان الأقسانى‏ (1) يوم الجمعة سادس عشرى صفر.

و الشيخ عبد اللّه الكراكى فى ثالث عشر رمضان‏ (2).

*** «سنة ثمان و خمسين و ستمائة»

و

«سنة تسع و خمسين و ستمائة»

فيها حج الملك المظفر يوسف بن المنصور صاحب اليمن، و كان له فى طريقه من الصدقات- فى البر و البحر- ما لا يعلمه إلا اللّه، و كان يسير فى البر و المراكب تسير فى البحر مسايرة له بالعلوفات و الأطعمة، فلما قارب مكة خرج عنها الشريفان إدريس بن قتادة، و أبو نمى بن أبى سعد خوفا منه، ثم دخل مكة فى عساكره و جنوده داعيا ملبيا، خاشعا متضرعا، عارى الرأس/ و الجنب‏ (3) حتى قضى حقّ الطواف، ثم تقدمت العساكر و الجيوش فحطّت‏ (4) فى‏

____________

(1) كذا فى الأصول، و قد ورد أمامه فى هامش م عبارة «لم أره». و لم نعثر لهذا الاسم على ترجمة فيما تيسر من المراجع.

(2) لم نعثر له على ترجمة فيما تيسر من المراجع.

(3) كذا فى الأصول، و فى العقود اللؤلؤية 1: 134 «و الجسد».

(4) فى م «طبت». و فى ت «نصبت» و المثبت من المرجع السابق، و درر الفرائد 280.

83

الحجون، و لم يزل بمكة إلى أن قضى ما يجب عليه من الوقوف بعرفة، فوقف عند الصخرات، و طلعت أعلامه مضمومة مع أعلام صاحب مصر، فقال له الأمير عز الدين بن الإمام: هلّا أطلعت أعلامك يا مولانا قبل أعلام المصريين؟ فقال: أترانى أؤخر أعلام ملك‏ (1) كسر عساكر التتر بالأمس و أقدّم أعلامى لأجل حضورى و مغيبه؟! لا أفعل هذا أبدا. ثم مضى فى حجه حتى أتمه، ثم قصد البيت الشريف، و حلّ له ما حرم عليه، و لم يزل مدة إقامته بمكة يصلى المغرب على قبة زمزم، ثم يطوف واردا و صادرا، و تخالف هو و الوزير القاضى البهاء فى مقام إبراهيم و خدمة البيت الشريف، و أخذ المكسحة فكسحه، و تأبط القربة و غسله و غسله، ثم ضمخه بالغوالى الفاخرة، فقال فيه الشاعر عند ذلك:

مقام يحق لذى الكبريا* * * ء به أن يذلّ له بالخضوع‏

رأينا به الملك رب الفخار* * * أبا عمر [ذا] (2) النوال الهموع‏

خشوعا مروعا لتقوى الإله‏* * * و ما كان [من‏] (2) قبله بالمروع‏

____________

(1) يريد بذلك الملك المظفر سيف الدين قطز بن عبد اللّه المعزى، الذى تسلطن فى مصر فى يوم السبت سابع عشر ذى القعدة سنة 657 ه، و تصدى للتتار بعد أخذهم بغداد و قتلهم الخليفة، ثم اجتياحهم البلاد الشامية، و وصول غاراتهم إلى غزة و بلد الخليل، و استباحتهم الحرمات من القتل و الأسر و سبى النساء و الصبيان، و كان لقاء السلطان لهم بعين جالوت- بين نيسان و نابلس- من أعمال فلسطين، و قد نصره اللّه عليهم؛ فهزم التتار و تشتتوا فى البلاد الشامية، و تتبعهم شجعان الأمراء من جيش قطز؛ يقتلون و يأسرون، و يستردون السبايا، و حفظوا للإسلام بيضته، و للمسلمين كرامتهم، و كان النصر يوم الجمعة خامس عشرين رمضان سنة 658 ه. و انظر النجوم الزاهرة 7: 72- 84.

(2) الإضافة عن العقود اللؤلؤية 1: 134.

84

و كسا الكعبة الشريفة من داخلها، و لم يكسها ملك قبله بعد الخلفاء العباسيين ببغداد، و استمر يكسوها عدة سنين مع ملوك مصر، و إنما تجعل كسوته على الكعبة بعد سفر الحاج المصرى من مكة؛ مراعاة لصاحب مصر، و انفرد بكسوتها بعض السنين. و أقام مع ذلك بمصالح الحرم و أهله، ثم أقام فى مكة عشرة أيام يفرّق الصدقات حتى ملأت صدقاته كل منزل بمكة، و عمّت جميع الحاج على اختلاف أنواعهم، و جهز حاج مصر بالأنعام و المراكب و الأزواد.

و كسا رؤساء الحرم الشريف، و نثر على البيت الذهب و الفضة. و لما عزم على الرحيل تقدمت أثقاله إلى البئر المعروفة بالبيضاء، ثم ودّع البيت/ باكيا مستعيرا عائدا على بلاده. و فى غالب مدة سلطنته كان يخطب له على منبر مكة، و خطب له فيها، و من بعده لجماعة من ولده ملوك اليمن، بعد الخطبة لصاحب مصر، و عمل للكعبة بابا، و أقام بها حتى أبدل فى آخر سنة ثلاث و ثلاثين و سبعمائة (1) بالباب الذى بعث به الناصر محمد بن قلاوون صاحب مصر، و أخذ بنو شيبة حليته، و كانت ستين رطلا فضة، و القفل الذى على باب الكعبة الآن منسوب إليه‏ (2).

و فيها قرر المستنصر باللّه أبو القاسم أحمد بن الظاهر محمد بن‏

____________

(1) فى الأصول «و ستمائة» سهو.

(2) شفاء الغرام 2: 239، 240، و العقد الثمين 7: 489، و العقود اللؤلؤية 1: 133- 135، و غاية الأمانى 1: 450.

85

الناصر العباسى الخليفة بمصر (1) للوجيه عبد الرحمن بن عبد المعطى بن مكى بن طراد الأنصارى الخزرجى‏ (2) و ابن أخيه الشرف عبد المعطى بن أحمد بن عبد المعطى‏ (3) النظر فى مصالح المسجد الحرام، و أمر الأوقاف و الربط بمكة، و إظهار شعار خلافته بمكة، و غيرها. و نص التوقيع:

و بعد فإنه لما رد [اللّه‏] (4) إلينا أمور المسلمين، و أقامنا أئمة للخلق أجمعين، و جعلنا خلفاء بلاده، و نوابه فى عباده، ألهمنا اللّه العدل المزلف لديه، و وفقنا للعمل المقرب إليه؛ بفضله و كرمه، و لما وصل الشيخان الأجلان الأمينان الصدران الكبيران العدلان المرتضيان، وليّا دولتنا، و مجيبا بيعتنا؛ وجيه الدين عبد الرحمن بن عبد المعطى، و ابن أخيه شرف الدين عبد المعطى بن أحمد بن عبد المعطى الأنصاريان‏ (5) إلينا، و حضرا إلينا، أرانا اللّه الصواب أن يقلّد أمر الحرم الشريف بمكة- شرفها اللّه تعالى- إليهما، و يعتمد عليهما فى الاهتمام بمصالحه، و القيام بعمارته، و كذلك أمر الرّبط و المدارس‏

____________

(1) انظر أخبار وصول المستنصر هذا إلى مصر سنة 659 ه فى عهد الظاهر بيبرس سلطان مصر، و استقباله و المبايعة له بالخلافة، و انتقال الخلافة العباسية من بغداد إلى مصر، بعد اجتياح التتار لبغداد فى سنة 656 ه و قتل الخليفة المستعصم فى (البداية و النهاية 13: 231، 232، و السلوك للمقريزى 1/ 2: 448- 453، و المختصر فى أخبار البشر 3: 212، 213، و النجوم الزاهرة 7: 109- 117).

(2) العقد الثمين 5: 383 برقم 1753.

(3) العقد الثمين 5: 496 برقم 1871.

(4) إضافة عن العقد الثمين 5: 383.

(5) فى الأصول «الأنصارى» و المثبت عن المرجعين السابقين.

86

و الأوقاف بمكة- شرفها اللّه تعالى- و حضورهما للخطبة لنا، و السكة باسمنا، و السبيل و المحمل، و صعود الأعلام العباسية المنصورة (1) إلى جبل عرفات قبل أعلام زعماء البلاد من جميع الجهات، و أذنّا لهما أن يستنيبا من شاءا، و أن يكاتبا زعماء الحجاز و اليمن و سائر/ البلاد بالطاعة للّه و رسوله و لأمير المؤمنين- أعز اللّه أنصاره- بإجابة بيعته و طاعته و عونه و أخذ البيعة له، و على من يليه من الرعايا، و إقامة الخطبة، و ضرب السكة باسمه- و الحمد للّه وحده.

و فيها- فى منتصف شعبان- جاء سيل هائل دخل الكعبة شرفها اللّه‏ (2).

و كانت الوقفة فى هذه السنة يوم الجمعة (3).

و فيها مات الصاحب الوزير تقى الدين حسين بن على القاشانى فى ربيع الأول‏ (4).

***

____________

(1) فى الأصول «المنصورية»، و المثبت عن العقد الثمين 5: 384.

(2) الذى جاء فى العقد الثمين 1: 207، و شفاء الغرام 2: 266 هو سيل سنة 669 ه، و لم يرد فيهما شى‏ء عن سيل سنة 659 ه.

(3) العقد الثمين 5: 533 فى ترجمة ابن عساكر: عبد الوهاب بن الحسن ابن محمد الدمشقى، تاج الدين.

(4) العقد الثمين 4: 204 برقم 1044.

87

«سنة ستين و ستمائة»

فيها لم ترفع راية لملك من الملوك وقت الوقوف بعرفة (1).

و فيها مات التاج أبو الحسن عبد الوهاب بن الحسن بن محمد ابن الحسن بن عساكر الدمشقى، فى يوم الاثنين حادى عشرى جمادى الأولى‏ (2).

و أبو عبد اللّه محمد بن على بن الحسين بن عبد الملك بن أبى النضر الطبرى المكى [المعروف بابن‏] النجار، فى يوم الثلاثاء ثانى رجب‏ (3).

و أبو محمد القاسم بن على بن أحمد بن عبد المعطى الأنصارى الأندلسى فى ذى الحجة (4).

*** «سنة إحدى و ستين و ستمائة»

فيها كسا الملك الظاهر بيبرس الصالحى‏ (5) الكعبة الشريفة و هو أول من كساها من ملوك الترك بمصر (6).

____________

(1) العقد الثمين 1: 192، و شفاء الغرام 2: 240، و درر الفرائد 280.

(2) العقد الثمين 5: 532 برقم 1910.

(3) العقد الثمين 2: 151 برقم 309، و الإضافة عنه.

(4) العقد الثمين 7: 27 برقم 2321.

(5) هو الملك الظاهر ركن الدين أبو الفتح بيبرس بن عبد اللّه البندقدارى الصالحى النجمى، تولى السلطنة فى يوم الأحد سابع ذى القعدة سنة 658 ه، صبيحة قتل المظفر قطز. و توفى يوم الخميس التاسع و العشرين من المحرم 676 ه بدمشق. و انظر النجوم الزاهرة 7: 94- 258.

(6) العقد الثمين 1: 59، و درر الفرائد 280، 665.

88

و فيها حج القاضى بدر الدين بن جماعة مع والده من طريق البحر (1).

و فيها توفى إمام مقام إبراهيم الخليل بالمسجد الحرام، و خطيب المسجد الحرام أبو الربيع سليمان بن خليل بن إبراهيم العسقلانى، فى ليلة الأربعاء رابع عشر (2) أو خامس عشر (2) المحرم، و ولى بعده الإمامة و الخطابة الجمال محمد بن يوسف بن مسد (3).

و فيها مات إسماعيل بن عبد اللّه بن الحاج أحمد فى صفر (4).

*** «سنة اثنتين و ستين و سبعمائة»

فيها- و قيل فى سنة أربع و ستين- مات أبو عبد اللّه محمد بن أبى البركات بن أبى الخير بن حمد الهمدانى‏ (5).

***

____________

(1) و فى ترجمته فى الدرر الكامنة 3: 367 برقم 3266 «أنه حج مرارا».

(2) فى م «عشرى» و المثبت من ت، و العقد الثمين 4: 603 برقم 1331.

(3) فى الأصول «ابن مبيد» و المثبت عن العقد الثمين 2: 404.

(4) لم نعثر له ترجمة فيما تيسر من مراجع.

(5) العقد الثمين 1: 423 برقم 109.

89

«سنة ثلاث و ستين و ستمائة»

فيها مات أمير الحاج المصرى إلى الحرمين علم الدين قيصر، عتيق شمس الدين/ إلدقز (1) أستاذ دار (2) الملك العادل، فى يوم الثلاثاء خامس عشر ربيع الثانى.

و الحافظ محمد بن يوسف بن موسى بن مسدى يوم السبت عاشر شوال‏ (3).

و الضياء أبو عبد اللّه محمد بن عمر بن محمد بن عمر القسطلانى يوم الاثنين ثامن عشرى شوال‏ (4).

و شيخ الصوفية بحلب مخلص الدين راجح بن أبى بكر العبدرى الميورقى فى شوال‏ (5).

و أحمد بن حسين بن حسن بن سند الجزرى‏ (6).

***

____________

(1) كذا فى الأصول، و فى السلوك للمقريزى 1/ 2: 532 «الدكز» و فى النجوم الزاهرة 6: 165 «إيلدكز».

(2) أستاذ الدار، و أستادار: هو متولى شئون الدور السلطانية. (صبح الأعشى 4: 20).

(3) العقد الثمين 2: 403 برقم 493.

(4) العقد الثمين 2: 230 برقم 345.

(5) سبق أن ذكره المؤلف فى وفيات سنة 643 ه، و كذلك ذكره الفاسى فى العقد الثمين 4: 370 برقم 1169.

(6) الدر الكمين، و فيه «مات ليلة الأحد حادى عشر شوال سنة ثلاث و ستين و ستمائة، هكذا رأيت بحجر قبره بالمعلاة».

90

«سنة أربع و ستين و ستمائة»

فيها- فى آخر رمضان- بلغ السعر بمكة [الشعير] (1) ربع مدّ و ثلثه بدينار.

و فيها كان أمير الحاج المصرى جمال الدين نائب دار العدل‏ (2).

و فيها مات شيخ الحرمين عفيف الدين منصور بن محمد بن منعة الزعفرانى فى خامس عشرى القعدة (3).

*** «سنة خمس و ستين و ستمائة»

فيها بلغ السعر بمكة ربع و شطر بدينار، و لم يقع بالطائف مطر إلا بعد ستة أشهر- نصف عام- و انقطعت عين وجّ عن أرضه، و غارت مياه الآبار غاية الغور.

و فيها حج الأمير الحلى من قبل الظاهر [بيبرس‏] و تصدق على أهل مكة (4).

____________

(1) إضافة على الأصول عن شفاء الغرام 2: 271.

(2) السلوك للمقريزى 1/ 2: 544، و درر الفرائد 281.

(3) فى الأصول «ابن منبه الزعفرانى» و المثبت عن العقد الثمين 7: 285، برقم 2525.

(4) درر الفرائد 281؛ و الإضافة عنه.

91

و فيها مات أبو عبد اللّه محمد بن عبد اللّه بن عليات بن فضالة العثمانى فى ليلة الخميس ثامن عشر صفر (1).

و الشريفة حسنة ابنة محمد الحسنى والدة الرضى الطبرى فى أحد الربيعين‏ (2).

و القاضى جمال الدين يعقوب بن أبى بكر بن محمد بن إبراهيم الطبرى فى سلخ شعبان‏ (3).

و واعظ مكة نور الدين مسعود بن أحمد العجمى‏ (4).

و مفتى الحرمين سبأ بن شعيب اليمنى بالمهجم من اليمن‏ (5).

*** «سنة ست و ستين و ستمائة»

فيها أرسل المظفر للبيت المعظم كسوة و للحجرة الشريفة النبوية (6).

____________

(1) العقد الثمين 2: 71 برقم 223.

(2) العقد الثمين 8: 199 برقم 3325 و فيه «حسنة بنت محمد بن كامل ابن يعسوب الحسنية أم محمد المكية ... و توفيت فى أحد الربيعين سنة خمس و ستين و سبعمائة بمكة».

(3) العقد الثمين 7: 473 برقم 2744.

(4) فى الأصول «اللمحى» و المثبت عن العقد الثمين 7: 180 برقم 2434.

(5) العقد الثمين 4: 510 برقم 1253.

(6) درر الفرائد 281، و فى ترجمته بالعقد الثمين 7: 489 «و كان يكسوها غالب السنين».

92

و فيها وجّه المظفر يوسف بن عمر، على بن التعزى بنحو مائة ألف لعمارة الحرم، و حلية باب الكعبة بالذهب و الفضة، فأخذ منها الشرفاء- فى جمادى الآخرة- نحو خمسة و ثلاثين ألفا، فحلى الباب بصفائح فضة زنتها ستون رطلا (1).

و فيها عمر المظفر مولد الرسول (صلّى اللّه عليه و سلم)(2).

و فيها توجه الحاج العراقيون من بغداد إلى مكة، و هى أوّل سنة حجوا فيها بعد غلبة التتار على بغداد فى سنة خمس و خمسين‏ (3).

و فيها مات عبد الرحمن بن موسى بن إبراهيم الدستارى فى رابع جمادى الأولى‏ (4).

و الشيخ ذو الكرامات خلوف بن على المغربى‏ (5).

***

____________

(1) درر الفرائد 281، و العقود اللؤلؤية 1: 169، و غاية الأمانى 1:

454.

(2) شفاء الغرام 1: 270، و درر الفرائد 281.

(3) درر الفرائد 281، و شفاء الغرام 2: 240.

و الثابت أن غلبة التتار على بغداد كانت فى أوائل سنة 656 ه، و انظر الذيل على الروضتين 198، 199، و دول الإسلام 2: 159، 160، و العبر فى خبر من غبر 5: 225، 226، و البداية و النهاية 13: 200- 202، و السلوك للمقريزى 1/ 2: 409، و النجوم الزاهرة 7: 49- 51، 60.

(4) فى هامش م «لم أره». و لم نعثر له على ترجمة فيما تيسر من المراجع.

(5) فى الدر الكمين: خلوف بن على المغربى، الشيخ ذو الكرامات، مات بمكة سنة ست و ستين و سبعمائة. هكذا رأيت فى بعض مجاميع الميورقى.

93

«سنة سبع و ستين و ستمائة»

فيها وقع بين أبى نمىّ و عمه إدريس خلف، فأخرج أبو نمى عمه إدريس من مكة؛ و انفرد بالإمرة، و خطب لصاحب مصر الظاهر بيبرس البندقدارى الصالحى، و كتب إليه أبو نمىّ يذكر: أنه لما شاهد من عمه إدريس ميلا إلى صاحب اليمن و تحاملا على دولته أخرجه من مكة، و انفرد بالإمرة، و خطب له، و سأل مرسومه إلى أمراء المدينة ألا ينجدوا عمه عليه. فاشترط عليه صاحب مصر تسبيل بيت اللّه للعاكف و الباد، و ألا يؤخذ عنه حقّ و لا يمنع زائر فى ليل أو نهار، و ألّا يتعرض إلى تاجر و لا حاج بظلم، و أن تكون الخطبة و السكة له، و لأبى نمى على ذلك عشرون ألف درهم [نقرة] (1) فى كل سنة. فلما ورد جواب أبى نمى إلى صاحب مصر بالتزام ذلك كتب له تقليدا بالإمرة بمفرده، و بعد أن خرج إدريس بن قتادة من مكة جمع جندا و رجع إلى مكة، ثم اصطلح مع أبى نمى، واتفقا على طاعة صاحب مصر، و كتب إليه إدريس يعرفه بذلك، فسلمت الأوقاف لنوابها (2).

و فيها التحم الشنآن بين علماء مكة و عبد الحق بن سبعين، و بغّضه أصحابه إلى الفضلاء؛ لتغاليهم فيه مع حمقهم فى أنفسهم و أنه ليس بقرشى‏ (3).

____________

(1) إضافة عن الذهب المسبوك 88. و الدرهم النقرة هو الذى ثلثاه من الفضة الخالصة، و يطبع بالسكة السلطانية بدار الضرب. (صبح الأعشى 3: 443، 466، 467).

(2) العقد الثمين 1: 459، 3: 279.

(3) العقد الثمين 5: 334.

94

و فيها حج السلطان الملك الظاهر بيبرس صاحب مصر، و صحبه جماعة من الأمراء، منهم الأمير بدر الدين [بيليك‏] (1) الخازندار (2)، و قاضى القضاة صدر الدين سليمان بن عبد الحق الحنفى، و فخر الدين [إبراهيم‏] (3) بن لقمان، و تاج الدين/ بن الأثير و نحو ثلاثمائة مملوك، و أجناد من الحلقة (4)، و لم يصحب غلمانا و لا عكامين‏ (5) إلا الأمراء و الخاصة الذين معه، و قال: الصغير يخدم الكبير، و كل من يعرف صنعة يفعلها فى سفرنا هذا. و سار و كان توجّهه إلى مكة بعد مضى خمسة و عشرين يوما أو نحوها من ذى القعدة بحيث لم يبق بينه و بين يوم عرفة إلا خمسة عشر يوما، و كان قدّم فى‏

____________

(1) إضافة عن النجوم الزاهرة 7: 146، و الذهب المسبوك 89.

(2) الخازندار: هو المتولى شأن خزائن الأموال السلطانية من نقد و قماش و غير ذلك، و عادة يكون من مقدمى الألوف. (النجوم الزاهرة 13: 9 تعليق 2، و صبح الأعشى 4: 21).

(3) إضافة عن النجوم الزاهرة 7: 146.

(4) أجناد الحلقة: هم عدد كبير من العسكر من غير المماليك، و ربما دخل فيهم من ليس من الجند كالمتعممين، و لكل أربعين منهم مقدم يحكم عليهم وقت خروج العسكر فقط، و إقطاع مقدم الحلقة يبلغ ألفا و خمسمائة دينار، و الجندى يبلغ مائتين و خمسين دينار.

(النجوم الزاهرة 14: 9، 68 الهوامش، و صبح الأعشى 4: 16، 22).

و عبارة الأصول «أجناد الخليفة» و التصويب عن المرجعين السابقين، و السلوك للمقريزى 1/ 2: 580.

(5) العكامون: جمع عكام، و هو الذى يعكم الأعدال على الدواب و نحوها بالعكام: يعنى يشد الأحمال على الدواب بالحبال و ما أشبهها. (المعجم الوسيط).

95

المنازل إقامة و كلف المئونة و إبلا و خيلا يركبون عليها، فإذا وصل المنزلة الأخرى تركوا ذلك و ركبوا الموجود لهم فى المنزلة التى وصلوا إليها، و كان سفرهم على حكم البريد، كلما وصل إلى بريد ركب الخيل التى فيه، و نزل عن التى ركبها إلى ذلك المكان، و تبقى الخيل و الجمال مبرّكة (1) تنعلف كل شى‏ء فى منزله و مكانه إلى أن يأتوا إلى ذلك المكان بعد الفراغ من الحج و رجوعهم إليه من مكة و المدينة. و السلطان طول طريقه يستفتى قاضى القضاة صدر الدين و يتبعه فى أمر دينه، فسار إلى مكة فى سبع عشرة مرحلة، فلما وصلوا إلى مكة ركب السلطان هو و جميع الأمراء كلهم الخيل البلق، و كان وصولهم إلى مكة فى ثامن ذى الحجة، و قد طلع الناس كلهم إلى عرفة، و لم يبق إلا أمير مكة و بعض غلمانه، فاستنكر ذلك و قال: ما يأتى فى هذا الوقت إلا من يريد أن يدرك الحج قبل أن يفوته، و فى هذا اليوم، ما جرت العادة أن يقدم فيه أحد إلى مكة إلا غريب ما له عادة بالحج. فسألهم: هل أنتم من العراق أو من العجم أو من الترك؟ فقال السلطان: قولوا له:

الذى قلت له لا يجيئنى إلا على البلق؛ فقد جئناه على البلق، و نحن محرمون كلنا، هذا صاحب مصر، و معه الأمراء الذين فى مصر و الشام. قال له: هذا الأمير فلان- و ذكر له كل أمير باسمه- فإن شئت أن تقتل الكل فاقتلهم. و كان صاحب مكة قد كتب إلى الظاهر يهدّده، و يتكلم بما لا يخاطب به أحد/ من الملوك، و يقول‏

____________

(1) فى الأصول «مسبوكة» و لعل الصواب ما أثبتناه.

96

له: لا تجئنى إلا على البلق، و أنه ما يبالى به. فاستغفر و قال: العفو يا مولانا. ثم ركب و سعى معهم، و أشهد على نفسه أنه قد ترك جميع ما كان يأخذه من جميع الحاج القادمين فى البر من طريق الركب المصرى و الشامى و أعمالهما؛ إكراما للسلطان، و أنه ترك ذلك الجباء إلى يوم القيامة؛ فلا يأخذ أحد من المتولّين مكة من أحد من سائر الحجاج المصريين و الشاميين شيئا، لا من تجّارهم و لا من أغنيائهم و لا من فقرائهم. و استقرا الحال على ذلك إلى هذا الزمان، و ما بعده- إن شاء اللّه- و كان يأخذ الجباء و المكس من التاجر من كل ما يكون معه، و من الحاج الذى ليس يتّجر، كان يأخذ منه جباء على كل جمل؛ يوقف الركب عند قبر أبى لهب، و ما يتعدى منه جمل إلا بعد أن يأخذ منه الجباء (1) الذى كان مقررا عليه فى ذلك الزمان الماضى قبل حج الملك الظاهر. و صار الحاج طلقا؛ ليس أحد يطالب أحدا بشى‏ء من سائر الأشياء لا التاجر و لا الفقير و لا المشاة كلهم. و استقام أمر الناس فى السفر من طريق مصر إلى مكة بغير جباء، و بطل ما كان يأخذه صاحب مكة من حاج مصر و الشام و جميع الركوب التى تصل إلى مكة المشرفة [من‏] (2) الديار المصرية و الشامية، و استقر بطلان المكس و الجباء عن الحاج إلى آخر الزمان- إن شاء اللّه- و كان الحاج المصرى و الشامى قد انقطع عن مكة فلم يحج من شدة الظلم و الخوف الذى يجده الناس من متولى مكة فى تلك السنين الماضية.

____________

(1) فى الأصول «جباء».

(2) سقط فى الأصول.

97

و تصدّق السلطان بمال عظيم فى الحرم الشريف على الفقراء و المجاورين، و فرق كساوى على أهل الحرم، و أعطى خواصه جملة من المال ليفرقوها سرّا، و صار كواحد من الناس لا يحجبه أحد، و لا يحرسه إلا اللّه، و هو منفرد يصلى و يطوف و يسعى، و غسل الكعبة الشريفة، و سار فى وسط الخلائق، و كل من رمى إليه إحرامه غسله و ناوله إيّاه، و جلس على باب البيت، و أخذ بأيدى الناس ليطلعهم/ إلى البيت، فتعلق بعض العامة بإحرامه ليطلع فقطعه، و كاد يرمى السلطان إلى الأرض، و هو مستبشر بجميع ذلك. و علّق كسوة الكعبة بيده و خواصه، و تردد إلى من بالحرمين من الصالحين، و سبّل الكعبة الشريفة فى كل سنة، و أحسن كثيرا إلى أمراء الحجاز إلا صاحب المدينة جماز بن شيحة و ابن أخيه مالك بن صيف؛ لفرارهما منه. و زاد أميرى مكة مالا و غلالا فى كل سنة بسبب تسبيل الكعبة الشريفة للناس.

و لم يغفل- مع ذلك- عن تدبير الممالك، و كتّاب الإنشاء تكتب عنه فى المهمات. و كتب كتابا إلى صاحب اليمن ينكر عليه أمورا، و يقول فيه: سطرته‏ (1) من مكة المشرفة و قد أخذت طريقها فى سبع عشرة خطوة- يعنى بالخطوة المنزلة- و يقول: الملك هو الذى يجاهد فى اللّه حق جهاده، و يبذل نفسه فى الذّبّ عن حوزة الدين؛ فإن كنت ملكا فاخرج و التق التتار. و أحسن إلى أميرى مكة و إلى أمير ينبع و أمير خليص؛ و أكابر الحجاز، و كتب منشورين لأميرى‏

____________

(1) فى الأصول «سطرتها».

98

مكة إدريس و أبى نمى، و سألاه فى أن يؤمر عليهما أميرا من جهته نائبا بمكة تقوى به نفسهما و يرجع أمرهما إليه، و يكون الحلّ و العقد على يده؛ فولّى الأمير شمس الدين مروان نائب الأمير عز الدين أمير جندار (1). و طلب الظاهر عبد الحق بن سبعين غاية الطلب فاختفى، و قضى السلطان مناسك الحج، و سار عن مكة فى ثالث عشر الحجة (2).

و قال ابن محفوظ: لم يحج فيها أحد من مصر لا فى البر و لا فى البحر. و لعله غير ذلك‏ (3).

و كانت الوقفة يوم الجمعة (4).

و فيها مات طاووس الحرمين التقى أبو العباس أحمد بن عبد الواحد ابن مرى بن عبد الواحد الحورانى فى سابع عشرى رجب بالمدينة المنورة (5).

***

____________

(1) فى الأصول «أمير خازندار»، و المثبت من العقد الثمين 7: 172، و السلوك للمقريزى 1/ 2: 582.

(2) البداية و النهاية 13: 254، 255، و شفاء الغرام 2: 240، و السلوك للمقريزى 1/ 2: 580- 582، و درر الفرائد 281- 283، و الذهب المسبوك 89- 93.

(3) شفاء الغرام 2: 240، و درر الفرائد 283 و فيه «و لعله غير متذكر».

(4) المرجع السابق.

(5) العقد الثمين 3: 83 برقم 588.

99

«سنة ثمان و ستين و ستمائة»

فيها- فى رمضان- أخرج الشريف أبو نمى و عمه إدريس الأمير (1) مروان نائب [الأمير عز الدين أمير] جندار (1) بأمر الظاهر بيبرس، و جاء أمير يقال له التنيسى و كسا الكعبة من قبل الظاهر، و حج بالناس‏ (2).

و فيها غارت مياه الآبار بوجّ إلى حد أنه لم يتحدث أحد من مشايخنا أنه رأى ذلك.

*** «سنة تسع و ستين و ستمائة»

فيها- فى ربيع الأول- قتل ولد لأبى نمى، و وقع بين أبى نمى و عمه إدريس خلف؛ فاستظهر إدريس على أبى نمى، و خرج أبو نمىّ هاربا من بين يدى عمه، و توجه إلى ينبع و استنجد بصاحبها، و جمع جندا و قصد مكة- بعد أربعين يوما من قتل ولده- فالتقى هو و عمه إدريس بخليص و تحاربا، فطعن أبو نمى إدريس ألقاه عن جواده و نزل إليه و جزّ رأسه، و استبد بالإمرة؛ و ذلك فى ربيع الأول أو جمادى الأولى‏ (3).

____________

(1) فى الأصول «مروان نائب خازندار» و الإضافة و التصويب عما سبق.

(2) العقد الثمين 1: 465، 7: 172، و درر الفرائد 283.

(3) العقد الثمين 1: 460، 3: 279، و درر الفرائد 283. و قد ورد فى هامش ت أمام هذا الخبر «قتل إدريس بن قتادة.

100

و فيها- فى ليلة النصف من شعبان- جاء سيل إلى مكة المشرفة لم يسمع بمثله فى هذه الأعصار، و دخل وسط الكعبة، و ألقى كل زبالة كانت فى المعلاة فى الحرم، و عظم خوف الناس بسببه من الهدم و الغرق، و مات منهم عالم عظيم؛ حملهم، و بعضهم طاحت الدور عليهم، و كان ذلك بعد صلح ثقيف على قسمة العيون بأشهر (1).

و فيها عريت الكعبة و قاسى الناس شدّة من العري؛ فجاءت الكسوة بعد حج الناس.

و فيها لم يحج أحد من مصر لا فى البر و لا فى البحر، و حج ركب كبير من بغداد (2).

و فيها- فى يوم القرّ (3) بمنى- خطب خطيب مكة ابن الأعمى و ذكر رمى الجمار قبل الصلاة.

و فيها مات العفيف عبد الرحمن بن صهيب بن جابر بن عبد الرحمن الأسدى يوم الخميس ثامن عشرى المحرم‏ (4).

____________

(1) شفاء الغرام 2: 266، و العقد الثمين 1: 207، و درر الفرائد 283.

(2) العقد الثمين 1: 192، و شفاء الغرام 2: 240، و السلوك للمقريزى 1/ 2: 596، و درر الفرائد 283.

(3) يوم القر: هو اليوم الأول من أيام التشريق، و سمى بذلك لأن الحجاج يقرون بمنى للنحر (المصباح المنير- قرر- و انظر القرى لقاصد أم القرى 434 تحت عنوان ما جاء فى جواز رمى يوم النحر فى ليلة القر).

(4) لم نعثر له على ترجمة فيما تيسر من المراجع، و مثل ذلك أيضا حدث لأخيه أبى الحسن على بن صهيب فى وفيات سنة 622 ه.