إتحاف الوري بأخبار أم القري‏ - ج3

- عمر بن محمد بن فهد المزيد...
766 /
151

من دمشق الأمير سيف الدين بلبان البدرى‏ (1). فلما علم حميضة و رميثة بأمرهم هربوا إلى صوب حلى بنى يعقوب، فلما انقضى الموسم و خرج الحاج توجه جميع الأمراء المجردين صحبة أمير الحاج المصرى بلبان الشمسى. و كان كثير الطمع، مفرطا فى أمر الحاج، سيئ السيرة. و أقام/ الأمير طقصبا بالعسكر حتى رتّب الشريف 125 أبا الغيث فى إمارة مكة و أقام معه‏ (2).

و فيها مات الفخر عثمان بن محمد بن عثمان بن أبى بكر بن محمد التّوزرى، ظهر يوم الأحد حادى عشر ربيع الآخر (3).

*** «سنة أربع عشرة و سبعمائة»

فيها- فى المحرم- سار أبو الغيث و الأمير طقصبا إلى صوب حلى بنى يعقوب بسبب حميضة و رميثة؛ فسارا قدر مرحلتين و لم يجدا خبرا عنهما؛ لأنهما لحقا ببلاد السّراة. و وصل أبو الغيث و طقصبا إلى حلى بنى يعقوب و لم يدخلها طقصبا و قال: هذه أوائل‏

____________

(1) كذا فى الأصول، و السلوك للمقريزى 2/ 1: 128، و فى العقد الثمين 4: 236 «بلبان تترى».

(2) العقد الثمين 4: 235- 237، و شفاء الغرام 2: 203، و السلوك للمقريزى 2/ 1: 136، 138، و العقود اللؤلؤية 1: 407، و درر الفرائد 294.

(3) العقد الثمين 6: 41 برقم 1968.

152

بلاد المؤيد، و لا أدخلها إلا بمرسوم الناصر، فعاد على عقبه‏ (1)، فقصر أبو الغيث فى حق العسكر و ضاق بهم‏ (2) و نفر منهم، و أظهر لهم الاستغناء عنهم؛ فأخذوا خطّه بذلك، و عادوا و توجهوا من عنده فى ربيع الأول.

و قيل إن الجلب قل وصوله إلى مكة، و لم تمطر مكة، فكثرت كلف العسكر، و احتاجوا إلى السفر، فأشهد عليهم أبو الغيث أنه أذن لهم فى السفر، و كتب بذلك إلى السلطان‏ (3).

فلما علم حميضة، بمفارقة الجيش لمكة عاد إليها بجمع و قاتل أخاه أبا الغيث، و قتل من أصحاب أبى الغيث نحو خمسة عشر نفرا و من الخيل أكثر من عشرين فرسا، و ملك مكة فانهزم أبو الغيث و لجأ إلى أخواله من هذيل بوادى نخلة مكسورا. ثم إن حميضة أرسل رسولا و خيلا تقدمة للسلطان؛ فحبس رسوله، و لم يرض عنه، و أرسل بعده‏ (4) أبو الغيث هدية فوعده السلطان بنصره و إرسال عسكر- و يقال إنه أمر صاحب المدينة بنصره‏ (5).

و فيها- فى يوم الثلاثاء رابع ذى الحجة- وقعت حرب بين‏

____________

(1) العقود اللؤلؤية 1: 410.

(2) فى الأصول «منهم».

(3) السلوك للمقريزى 2/ 1: 138.

(4) فى الأصول «معه»، و المثبت عن العقد الثمين 4: 237.

(5) و انظر العقد الثمين 8: 80، و شفاء الغرام 2: 203، 204، و درر الفرائد 294.

153

حميضة و أبى الغيث بالقرب من مكة، و جرح أبو الغيث ثم ذبح بخيف بنى شديد بأمر أخيه حميضة، و كان جماعة أبى الغيث أكثر عددا و لكن رزق حميضة النصر و استقر بمكة (1).

و فيها توفى شرف الدين أبو الفتح أحمد بن محمد بن أحمد بن على بن محمد القيسى القسطلانى فى ليلة/ الثلاثاء سادس عشر 126 صفر بالقاهرة (2).

و الصفى أبو العباس أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبى بكر الطبرى فى يوم السبت حادى عشر شوال‏ (3).

*** «سنة خمس عشرة و سبعمائة»

فيها تجهز السيد رميثة إلى الأبواب السلطانية بالقاهرة، و أظهر التوبة و التنصل و الاعتذار بسالف ذنوبه، و أنهى أنه استأنف الطاعة، و سأل العفو عنه و إنجاده على أخيه عز الدين حميضة. فقبل السلطان عذره و عفا عن ذنوبه، و جرّد طائفة من العسكر مقدمهم الأمير مجد الدين دمرخان بن قرمان، و الأمير سيف الدين طيدمر الجمدار،

____________

(1) العقد الثمين 4: 237، 238، و درر الفرائد 294، 295.

(2) العقد الثمين 3: 126 برقم 618، و الدرر الكامنة 1: 259 برقم 633.

(3) العقد الثمين 3: 128 برقم 620، و الدرر الكامنة 1: 255 برقم 615.

154

فتوجّها هما و الأمير أسد الدين [رميثة] (1) إلى الحجاز فى ثانى شعبان، و رحلوا من بركة الحاج فى رابعه. و كان السيد حميضة مرض فى شعبان، و تغيّر سمعه، و حضر إلى بيت اللّه الحرام و تاب، و ذكر عنه أنه ما يتعرض لأحد من المجاورين و لا التجار و لا غيرهم، ثم بلغ الشريف حميضة بن أبى نمى وصول العسكر مع أخيه رميثة و أنهم قاربوا مكة؛ فنزح قبل وصولهم بستة أيام و أخذ المال النقد و البزّ- و هو مائة حمل- و أحرق الباقى الذى فى الحصن الذى فى الجديد بوادى مرّ، و قطع ألفى نخلة، ثم توجّه إلى الخلف و الخليف- و هو حصن بينه و بين مكة ستة أيام- و التجأ حميضة إلى صاحبه، و صاهره لعله يحتمى به، ثم وصل العسكر إلى مكة يوم السبت منتصف رمضان و أقاموا بها ثلاثة عشر يوما، و توجهوا إلى الخلف و الخليف، و أخذ جميع أموال حميضة و خزائنه، و نهب الحصن و أحرقه، و أسر ولد حميضة (2) ابن اثنتى عشرة سنة، و سلّم إلى عمّه رميثة. ثم رجع الجيش إلى مكة فوصلوها فى خامس عشر ذى القعدة و استقرّوا إلى أن حضروا/ الموقف و رجعوا مع المصريين. و استقر الأمير رميثة بمكة و نجا حميضة بنفسه، و لحق بالعراق‏ (3).

____________

(1) الإضافة عن درر الفرائد 295.

(2) بين هذين اللفظين فى الأصول عبارة لا يحتاجها النص، و قد أهملناها موافقة لما جاء فى العقد الثمين 4: 238، و درر الفرائد 295.

(3) و انظر العقد الثمين 4: 408، 409، و السلوك للمقريزى 2/ 1:

145، 148.

155

و فيها حج الركب المصرى مع الأمير سيف الدين أرغون النائب، و القاضى بدر الدين بن جماعة، و لم يكن صحبته القاضى عز الدين، و إنما كان صحبة ولده عبد الرحيم، و كان أمير الركب عز الدين أيدمر الكوكندى‏ (1). و كانت الوقفة يوم الجمعة (2).

و فيها مات حسين بن عبد اللّه بن موسى بن عباس بن عون بن رزق اللّه الهاشمى يوم الخميس خامس عشر صفر (3).

*** «سنة ست عشرة و سبعمائة»

فيها لحق الشريف حميضة بن أبى نمى الحسنى بخربندا ملك التتار، و أقام ببلاده أشهرا، و طلب منه جيشا يغزو به مكة، و ساعده جماعة من الرافضة على ذلك، و جهزوا له جمعا من خراسان، و كانوا مهتمين بذلك، و كان مقدمهم درقندى- و قيل دقلندى- و هو رافضى من أعيان دولة التتار، و كان قد قام بنصر الشريف حميضة، و جمع له من الأموال و الرجال على أن يأخذ له مكة و يقيمه بها، و أنهم ينقلون الشيخين أبا بكر و عمر رضى اللّه عنهما من جوار النبى (صلّى اللّه عليه و سلم).

____________

(1) فى ت «عز الدين أرغون الكويدكى» و فى م «عز الدين أيدعو من الكويدكى» و التصويب عن السلوك للمقريزى 2/ 1: 157، و انظر ما سبق فى أخبار سنة 704 ه.

(2) درر الفرائد 295.

(3) العقد الثمين 4: 193 برقم 1034.

156

[ثم‏] (1) إن الأمير محمد بن عيسى أخا مهنا بلغه الخبر- و كان له مدة ببلاد التتار قد خرج من طاعة السلطان- فجمع من العربان نحو أربعة آلاف فارس و قصدهم فى ذى الحجة و قاتلهم و نهبهم، و كسب العسكر منهم أموالا عظيمة من الذهب و الدراهم؛ حتى إن فيهم جماعة حصل للواحد منهم نحو ألف دينار غير الدواب و السلاح و غير ذلك، و أخذوا الفئوس و المجاريف التى كانوا قد هيئوها لنبش الشيخين أبى بكر و عمر رضى اللّه عنهما (2).

و فيها حج أرغون الدوادار نائب السلطان بمصر، و عظمت صدقته بالحرمين‏ (3).

و فيها ماتت ست الكل بنت القطب/ محمد بن أحمد القسطلانى، فى سحر يوم الاثنين تاسع عشرى ذى الحجة (4).

*** «سنة سبع عشرة و سبعمائة»

فيها قدم الشريف حميضة من بلاد العراق على فرس واحد ساقه‏

____________

(1) إضافة عن العقد الثمين 4: 239.

(2) البداية و النهاية 14: 77، 78، و العقد الثمين 4: 240، و درر الفرائد 296.

(3) النجوم الزاهرة 9: 233، و فيه «كان أمير الحاج المصرى الأمير بهادر الإبراهيمى، و أمير الركب الشامى أرغون السلحدار، و درر الفرائد 295 و فيه «كان أمير الحاج أرغون الدوادار»، و شفاء الغرام 2: 243.

(4) العقد الثمين 8: 246، 270 برقم 3408، و سماها عائشة.

157

عشرين ليلة، و معه اثنان من أعيان التتار، و هما درقندى و ملكشاه، و معهم ثلاثة و عشرون راحلة، و أقاموا بنخلة، و كانوا قد لقوا فى طريقهم شدة من العراق إلى الحجاز، و كتب حميضة إلى أخيه رميثة يستأذنه فى دخول مكة؛ فمنعه من ذلك إلا بعد إذن السلطان، و أرسل إلى السلطان كتابا يخبره بذلك؛ فكتب السلطان إلى حميضة أنه إن حضر إلى الديار المصرية على عزم الإقامة بها قابله بالأمان و سامحه بذنوبه السالفة، و أما الحجاز فلا يقيم به. و كتب إلى درقندى و ملكشاه بالأمان و أن يحضرا. و أرسل الأميرين سيف الدين أيتمش المحمدى، و سيف الدين بهادر السعدى أمير علم‏ (1)، و أمرهما أن يستصحب كل منهما عشرة من غلمانه، و جرّد معهما من كل أمير مائة جنديين، و من كل أمير طبلخانة جنديا واحدا، و توجّها إلى مكة لإحضار حميضة و من حضر من التتار؛ فتوجّها فى يوم السبت سادس عشر ربيع الأول بمن معهما، فوصلا إلى مكة و أرسلا إلى حميضة فى معاودة الطاعة، و أن يتوجه معهما إلى الأبواب السلطانية، فاعتذر أنه ليس معه من المال ما ينفقه على نفسه و من معه فى سفره، و طلب منهما ما يستعين به على ذلك فأعطياه، فلما قبض المال تغيب، و عاد الأميران إلى القاهرة، فوصلا فى يوم السبت سادس عشرى جمادى الآخرة (2).

____________

(1) أمير علم: هو الذى يتولى شئون أعلام السلطان من رايات و سناجق و عصابات و غيرها. (صبح الأعشى 4: 8، 5: 456، 458).

(2) العقد الثمين 4: 239- 241، و السلوك للمقريزى 2/ 1: 175.

158

و فيها- أو فى التى بعدها- بعد عود الحاج من مكة وثب الأمير عز الدين حميضة على أخيه أسد الدين رميثة بموافقة العبيد و أخرجاه من مكة، فتوجه رميثة إلى نخلة و استولى حميضة على مكة، و قطع الخطبة السلطانية، و خطب لملك العراقين أبى سعيد بن/ خربندا بن أرغون بن أبغا بن هولاكو، و أخذ أموال التجار (1).

و فيها كان أمير الحاج المصرى سيف الدين قجليس، و معه من الأمراء شرف الدين أمير حسين بن حيدر (2)، و غزلوا الجوكندار، و سيف الدين ألجاي الساقى، و سيف الدين طقصبا (3) الظاهرى، و شمس الدين سنقر المرزوقى. و حج أيضا الأمير شرف الدين عيسى بن مهنّا، و أخوه محمد فى عدة من عرب آل فضل، بلغت عدتهم نحو اثنى عشر ألف راحلة.

و فيها مات النجم عبد اللّه بن محمد بن أبى المكارم الحموى‏ (4).

و شيخ الحجبة رضى الدين على بن بجير بن على بن ديلم العبدرى الشيبى‏ (5).

____________

(1) العقد الثمين 4: 241، و السلوك للمقريزى 2/ 1: 176، و درر الفرائد 296.

(2) فى الأصول «أمير الحسين بن جندر» و المثبت عن السلوك للمقريزى 2/ 1: 177.

(3) فى الأصول «تقصى» و المثبت عن المرجع السابق.

(4) فى الأصول «الحميرى» و التصويب عن العقد الثمين 5: 277 برقم 1628.

(5) العقد الثمين 6: 147 برقم 2044.

159

كلاهما فى يوم الخميس ثامن صفر.

و شرف الدين محمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن سالم بن الحسن بن عبد اللّه بن صصرى الثعلبى الدمشقى فى سابع ذى الحجة (1).

و حسن بن محمد بن أسيد بن نجم الدين اليمنى‏ (2).

*** «سنة ثمانى عشرة و سبعمائة»

فيها- فى صفر- اتصل العلم بالسلطان الناصر صاحب مصر بفعل الشريف حميضة؛ فأمر السلطان بتجريد جماعة من أقوياء العسكر، فجرّد الأمير صارم الدين أزبك الجرمكى، و الأمير سيف الدين بهادر الإبراهيمى، و الأمير بدر الدين عيسى بن التركمانى، و جماعة من الحلقة، و أجناد الأمراء من كل أمير مائة فارسين، و من كل أمير طبلخانة جنديا؛ فاجتمع ثلاثمائة فارس فأمرهم بالمسير إلى مكة، و ألا يعودوا إلى الديار المصرية حتى يظفروا بحميضة. فتوجهوا فى العشر الأخير من ربيع الأول و وصلوا إلى مكة و منعوا العبيد من حمل السلاح بمكة، و أخرجوا المفسدين، و نادوا بالعدل.

فلما توجّه الإبراهيمى لمحاربة حميضة و القبض عليه ركب إليه‏

____________

(1) العقد الثمين 1: 398 برقم 77، و البداية و النهاية 14: 86.

(2) العقد الثمين 4: 175 برقم 1011 و فيه «ابن إسحق اليمنى».

160

و تقاربا من بعضهما و باتا على ذلك. و لم يقدم الإبراهيمى على مواجهة حميضة و القبض عليه؛ فاقتضى رأي أمير الحاج المصرى الأمير علاء الدين مغلطاى/ الجمالى القبض على الإبراهيمى و على رميثة و نسب إليه مباطنته مع أخيه حميضة، و أن الذى يفعله حميضة من التشعيث‏ (1) باتفاق رميثة، و كان القبض عليهما فى يوم الثلاثاء رابع عشر ذى الحجة بعد انقضاء أيام التشريق، و حمل إلى مصر تحت الاحتفاظ، فسار بهما إلى القاهرة، و حصل للناس مشقة بكثرة عجلته فى السير؛ فإنه دخل المحمل إلى القاهرة فى ثانى عشر المحرم، و كانت العادة أوّلا بقدوم المحمل فى ثانى عشرى المحرم. (2) ثم استقر دخوله فى الأيام الناصرية يوم الرابع أو الخامس و العشرين منه‏ (2).

فأنكر عليه السلطان ما فعله، و جهز محمد بن الردينى بمائتى جمل عليها الزّاد و الماء، برسم حمل من انقطع من الحاج؛ فسافر من يومه.

و فيها حج من العراق محمل، و كان المقدم عليه رجلا شجاعا؛ فلم تتمكن العربان من أن تأخذ شيئا من الحجاج، و بعث معهم الوزير على شاه وزير السلطان أبى سعيد بن خربندا ملك التتار على يد الحاجى بولاواج نائب السلطنة بالعراق حلقتين من ذهب مرصعتين‏

____________

(1) فى ت «التعسف» و فى م كلمة لا تقرأ، و المثبت عن العقد الثمين 4:

242، 409.

(2) سقط فى ت و المثبت من م و السلوك 2/ 1: 190، و درر الفرائد 296.

161

باللؤلؤ و البلخش، كل حلقة وزنها ألف مثقال، و فى كل حلقة ست لؤلؤات فاخرات، و بينها ست قطع بلخش فاخر ليعلقا فى الكعبة، فعارض أمير الركب المصرى و منع من تعليق ذلك، و قال: هذا لا يمكن إلا بإذن السلطان صاحب مصر. فقال الحاجى بولاواج: إن الوزير على شاه كان نذر متى ظفر بخواجا رشيد الدين‏ (1) و قتله أن يعلق على باب الكعبة حلقتين. فيقال إنه أذن له فى تعليقهما زمنا قليلا، ثم رفعتا، و أخذهما أمير مكة إذ ذاك رميثة بن أبى نمى‏ (2).

و فيها قتل- ظلما- الجمالى محمد بن القاضى بهاء الدين أبى سعد على بن عبد اللّه بن عمر بن أبى المعالى يحيى بن عبد الرحمن بن الحسين الشيبانى الطبرى ليلة الاثنين سادس محرم‏ (3).

و فيها مات القاضى أبو غمر السائب بن عبد اللّه بن السائب الأنصارى الخزرجى الطنجى فى رمضان‏ (4).

و الشرف أحمد بن الأمين محمد بن القطب محمد بن أحمد بن على القسطلانى/ فى ذى القعدة (5).

____________

(1) هو رشيد الدين فضل اللّه الهمدانى المقتول سنة 718 ه، و هو مؤلف جامع التواريخ فى تاريخ المغول. (كشف الظنون 1: 539).

(2) السلوك للمقريزى 2/ 1: 190، و درر الفرائد 296.

(3) العقد الثمين 2: 25 برقم 187.

(4) العقد الثمين 4: 503 برقم 1244.

(5) العقد الثمين 3: 166 برقم 648.

162

و عائشة بنت إبراهيم بن أحمد بن غدير بن القواس الطائى، فى يوم الأحد سادس ذى القعدة (1).

*** «سنة تسع عشرة و سبعمائة»

فيها- فى يوم الخميس سابع المحرم- وصل الأمير شمس الدين آق سنقر الناصرى، أحد الأمراء من أرض الحجاز الشريف إلى قلعة الجبل، و وردت الأخبار معه أنه قبض على الأمير أسد الدين رميثة أمير مكة فى رابع عشر الحجة، و على الأمير سيف الدين بهادر الإبراهيمى؛ بسبب ما تقدم، و اتصل بالسلطان أيضا أن الإبراهيمى ارتكب فواحش عظيمة بمكة، فرسم بالقبض عليهما، و وصل الأمير أسد الدين رميثة و رسم عليه بالأبواب السلطانية أياما، ثم حصلت الشفاعة فيه فرفع عنه الترسيم، و أكرمه السلطان، و أجرى عليه فى كل شهر ألف درهم، و أقام يتردد إلى الخدمة السلطانية مع الأمراء إلى أثناء ربيع الآخر، فحضر إلى الخدمة فى يوم الاثنين رابع عشر، ثم ركب فى عشية النهار على هجن أعدت له و هرب نحو الحجاز. فعلم السلطان بذلك فى يوم الثلاثاء، فجرد خلفه جماعة من عربان العايد، فتوجهوا خلفه فوصلوا إلى منزلة حقل- و هى بقرب أيلة مما يلى الحجاز- فأدركوه بالمنزلة، فقبضوا عليه و أعادوه إلى الباب السلطانى‏

____________

(1) العقد الثمين 8: 165 برقم 3403.

163

فكان وصولهم فى يوم الخميس خامس عشرى الشهر. فرسم السلطان باعتقاله فى الجب، فاعتقل‏ (1).

و يقال إن السلطان لما علم بهروب‏ (2) السيد رميثة كتب إلى شيخ آل حرب يقول له: هذا هرب على بلادك معتمدا عليك و لا أعرفه إلا منك. فركب شيخ آل حرب بالهجن السّبق، و سار خلفه مجدا فأدركه نائما تحت عقبة أيلة فجلس عند رأسه و قال: اجلس يا أسود الوجه. فانتبه رميثة و قال: صدقت، و اللّه لو لم أكن/ أسود 132 الوجه لما نمت هذه النومة المشئومة حتى أدركتنى. فقبض عليه و حمله إلى حضرة السلطان؛ فألقاه فى السجن و ضيّق عليه، فوجع فى السجن و رمى الدم‏ (3).

و فيها- فى المحرم- ولى السلطان الناصر عطيفة بن أبى نمى إمرة مكة، و جهز عسكره مع أميرين هما عز الدين ... (4) و عز الدين أيدمر الملكى و توجهوا من القاهرة فى المحرم، فلما وصل العسكر إلى مكة أجلسوا بها عطيفة، و توجّه الذين كانوا بها من العام الماضى منهم الأمير بدر الدين محمد بن التركمانى. و كتب الشريف عطيفة إلى‏

____________

(1) العقد الثمين 4: 410، و السلوك للمقريزى 2/ 1: 193، 194.

(2) فى الأصول «بهزيمة» و لعل الصواب ما ذكرناه.

(3) العقد الثمين 4: 410، 411.

(4) بياض فى م بمقدار كلمة، و كذا فى العقد الثمين 6: 96، و لم يرد اسما الأميرين فى شفاء الغرام 2: 204.

164

السلطان: أن القواد فى طاعته، و أن حميضة نزح إلى اليمن و فارقه بنو شعبة (1) و غيرهم، و كثر بمكة الأمن و العدل، و رخصت الأسعار بحيث إنه بيعت غرارة القمح فى هذه السنة بمائة و عشرين درهما.

و فيها حج صاحب مصر الملك الناصر محمد بن قلاوون حجته الثانية، و معه صاحب حماة المؤيد (2). و نحو خمسين أميرا و جماعة من أهله و أعيان دولته، و قاضى القضاة بدر الدين بن جماعة و ابنه القاضى عز الدين، و كان بروزه بعد سفر الركب بنصف شهر و ذلك فى تاسع ذى القعدة. و قدم مكة بتواضع و ذلة، و بالغ فى التواضع بحيث قال للأمير بدر الدين جنكلى بن البابا: لا زلت أعظم نفسى إلى أن رأيت الكعبة فذكرت بوس الناس الأرض لى، فدخل فى قلبى مهابة عظيمة ما زالت حتى سجدت للّه تعالى‏ (3).

و حسن له بدر الدين بن جماعة أن يطوف راكبا كما فعل النبى (صلّى اللّه عليه و سلم)، فقال له: و من أنا حتى أتشبه بالنبى (صلّى اللّه عليه و سلم)؟! و اللّه لا طفت‏

____________

(1) فى الأصول «شيبة» و المثبت عن السلوك للمقريزى 2/ 1: 194.

(2) هو الملك المؤيد عماد الدين أبو الفدا إسماعيل بن الأفضل على بن المظفر محمود بن المنصور محمد بن عمر بن شاهنشاه بن أيوب، توفى فى ثالث عشر المحرم سنة 732 ه و قد وصف بالفضل و حسن السياسة و البراعة فى عدة علوم، و له كتاب المختصر فى أخبار البشر، و هو من كتب التاريخ المعتبرة. و انظر النجوم الزاهرة 9:

292، 293.

(3) السلوك للمقريزى 2/ 1: 197، و النجوم الزاهرة 9: 59، و درر الفرائد 297.

165

إلا كما يطوف الناس. و منع الحجّاب من منع الناس أن يطوفوا معه، و صاروا يزاحمونه و هو يزاحمهم كواحد من الناس فى مدة (1) طوافة و فى تقبيله الحجر.

و بلغه أن جماعة من المغل ممن حجّ قد اختفى خوفا منه؛ فأحضرهم و أنعم عليهم، و بالغ/ فى إكرامهم‏ (2).

و غسل الكعبة بيده، و أخذ أزر إحرام الحجاج و غسلها لهم بنفسه‏ (2).

و أبطل سائر المكوس من الحرمين، و عوض أمير مكة و المدينة عنها إقطاعات بمصر و الشام، و أحسن إلى أهل الحرمين، و أكثر من الصدقات، و فعل معروفا كثيرا فى الحرمين‏ (2).

و ذكر للسلطان بمكة أن العادة كان يحمل مال إلى خليص ليجرى الماء من عين بها إلى البركة، يردها الحاج، و قد انقطع ذلك مدة سنين، و صار الحاج يجد شدّة من قلّة الماء بخليص، فرسم السلطان [بمبلغ‏] (3) خمسة آلاف درهم لإجراء الماء من العين إلى البركة، و جعلها مقررة فى كل سنة لصاحب خليص، فأجرى الماء قبل وصول السلطان إلى خليص فى رجوعه، و استمر حمل المال إليه فى كل سنة، و وجد الماء فى البركة دائما (4).

____________

(1) فى الأصول، و درر الفرائد 297 «فى نية» و المثبت عن السلوك للمقريزى 2/ 1: 197، و النجوم الزاهرة 9: 59.

(2) المراجع السابقة.

(3) إضافة عن السلوك للمقريزى 2/ 1: 200.

(4) المرجع السابق، و درر الفرائد 297.

166

و لما أخرجت كسوة الكعبة لتعمل على البيت صعد كريم الدين الكبير إلى أعلى الكعبة بعد ما صلى بجوفها، ثم جلس على العتبة ينظر إلى الخياطين، فأنكر الناس استعلاءه على الطائفين، فبعث اللّه عليه- و هو جالس- نعاسا سقط منه على أم رأسه من علوّ البيت، فلو لم يتدراكه [الناس‏] (1) من تحته لهلك. و صرخ الناس فى الطواف تعجبا من ظهور قدرة اللّه سبحانه فى إذلال المتكبرين.

و انقطع ظفر كريم الدين فتصدّق بمال كثير (2).

و سأل المجاورون بمكة، و من بها من التجار السلطان أن يخلّف عندهم عسكرا تمنع حميضة بن أبى نمى إن هو قصد أهل مكة بسوء، فجرّد- ممن كان معه- الأمير شمس الدين آق سنقر شاد العمائر (3)، و معه مائة فارس‏ (4).

و فيها كان أمير الحاج المصرى سيف الدين طرجى‏ (5) أمير مجلس‏ (6).

____________

(1) إضافة عن درر الفرائد 297.

(2) و انظر السلوك للمقريزى 2/ 1: 198، و النجوم الزاهرة 9: 60.

(3) شاد العمائر: هو المتكلم على العمائر السلطانية، و المشرف على تنفيذ ما يأمر السلطان بإحداثه أو تجديده من المساجد أو المنازل و القصور أو الأسوار و الحصون. (صبح الأعشى 4: 22).

(4) العقد الثمين 6: 96.

(5) فى الأصول «طوسى»، و المثبت عن السلوك للمقريزى 2/ 1: 197، 203، و النجوم الزاهرة 9: 59.

(6) أمير مجلس: هو الذى يتولى شئون مجلس السلطان و يتحدث على الأطباء و الكحالين و من شاكلهم و لا يكون إلا واحدا. (صبح الأعشى 4: 18).

167

و فيها حج الركب العراقى، فخرج العرب عليه و نهبوه، و أخذوا من الحاج شيئا كثيرا، فسأل أبو سعيد بن خربندا: كم قدر ما أخذوا من الركب؟ فقيل له: نحو ثلاثين ألف دينار. فرتب لهم ستين ألف دينار (1).

و فيها/ مات الشريف أبو عبد اللّه محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن على الحسنى الفاسى، فى يوم الجمعة سابع عشرى صفر، و قيل ثامن عشريه بالقاهرة (2).

و محيى الدين [يحيى‏] (3) بن سليمان بن محمود الذهبى، فى ثالث رمضان بمكة.

*** «سنة عشرين و سبعمائة»

فيها- فى جمادى الآخرة- قصد حميضة مكة بجيش يريد أخذها، و قتل جماعة من أهل مكة، و المجاورين بها؛ فخرج إليه أخوه عطيفة [و أخوه‏] (4) عطّاف و آخر من إخوتهما بعسكر ضعيف؛

____________

(1) السلوك للمقريزى 2/ 1: 190، و درر الفرائد 298.

(2) العقد الثمين 2: 298 برقم 406، و الدرر الكامنة 4: 299 برقم 4354.

(3) إضافة عن العقد الثمين 7: 436 برقم 2695.

(4) إضافة عن العقد الثمين 6: 96.

168

فنصرهم اللّه عليه و كسروه، و هرب من مماليك الأمراء ثلاثة و لجئوا إلى حميضة (1).

و فيها لما وصل السلطان إلى قلعة الجبل بعد الحج خرج الأمير ركن الدين بيبرس الحاجب- و كان هو من الأمراء مقدمى الألوف- ببعض عدته و خرج معه مائة فارس من المماليك السلطانية ليقيموا بمكة بدل الأمير آق سنقر الذى استخلفه بمكة، و خرج من القاهرة يوم الأربعاء سادس ربيع الأول، و وصل إلى مكة و أقام بها و منع أهلها من حمل السلاح- السكين فما فوقها- و بعث إلى حميضة- و كان بقرب نخلة- يستميله إلى الطاعة و التوجّه إلى الأبواب السلطانية، فسأل رهينة عنده من الأمير ركن الدين تكون عند أهله و يحضر؛ فأجاب الأمير ركن الدين إلى ذلك و جهّز أحد أولاده و هو الأمير علىّ، و جهز معه هدية لحميضة، و لم يبق إلا أن يتوجه فأتاه فى ذلك اليوم رجل من العرب و أخبره بقتل حميضة، فأنكر وقوع ذلك و ظن ذلك مكيدة لأمر ما، لكنه توقف عن إرسال ولده حتى يتبين له الحال، فلما كان فى مساء ذلك اليوم طرق باب المعلاة بمكة ففتح فإذا مملوك اسمه، أسندمر، و هو أحد المماليك الثلاثة الذين كانوا قد التحقوا بحميضة و هو راكب حجرة حميضة التى تسمى جمعة- و كان السلطان قد طلبها من حميضة فشح بإرسالها- و أخبر أسندمر أنه قتل/ حميضة؛ اغتاله و هو نائم، و جرّد سيفه فإذا به أثر الدم،

____________

(1) و سيرد ذكر هؤلاء الأمراء الثلاثة فى خبر مقتل حميضة. و انظر العقد الثمين 4: 245.

169

و ذلك فى جمادى الآخرة. و سبب قتلهم له أنهم خافوا من دخوله فى الطاعة، و أنه يرسلهم إلى حضرة السلطان فقتلوه؛ و توجّهوا فى وادى شعبة و حضروا إلى مكة. و جهز الأمير ركن الدين من توجّه لإحضار سلب حميضة و المملوكين اللذين بقيا معه، فأحضر السلب و أحد المملوكين، و قيل إن الثالث مات- و هو مملوك الأمير سيف الدين بكتمر الساقى- فألزم صاحب نخلة بإحضاره، و توعده إن تأخر عن حضوره [فأحضره‏] (1).

و أرسل ركن الدين ولديه ناصر الدين محمد و شهاب الدين أحمد إلى الأبواب السلطانية بهذا الخبر، فوصلا إلى السلطان، فأنعم عليهما، و عاد الجواب إلى الأمير ركن الدين بطلبه؛ فتوجه من مكة فى مستهل شعبان، و صحبته المماليك الثلاثة الذين كانوا هم سبب قتل حميضة، و وصلوا إلى الأبواب السلطانية فى العشر الأول من شهر رمضان، فلما وصل شمله الإنعام الشريف، و أمر السلطان بقتل أسندمر قاتل حميضة قودا به فى شوال‏ (2).

و فيها أطلق السيد رميثة مع جماعة من الأمراء من الجب بالقاهرة، و توجّه إلى مكة و صحبته الأمير سيف الدين أرغون الدوادار نائب السلطنة بمصر هو و بنوه و أولاده و مماليكه، فوصلوا مكة فى ثالث عشرى ذى القعدة، فتألم أهل مكة لوصول السيد رميثة إلى مكة؛

____________

(1) إضافة عن العقد الثمين 4: 244.

(2) العقد الثمين 4: 243- 245، و السلوك للمقريزى 2/ 1: 209.

170

لأن الناس مجتمعون على حب عطيفة، لكن أمر مكة إلى أخيه عطيفة، و قيل إن رميثة لما قدم كان أميرا على مكة شريكا لأخيه عطيفة (1).

و فيها قدمت مكة رجبية (2).

و فيها كان حاج مصر ستة (3) ركوب، رحل أولهم من القاهرة يوم الاثنين سادس عشر شوال، و رحل آخرهم يوم الجمعة تاسع عشر شوال، و سار الأمير أرغون النائب أوّل القعدة فى جماعة، ثم توجّه الفخر/ ناظر الجيش فى جماعة، و سار من القاهرة إلى مكة فى مدة اثنى عشر يوما، و ركب البحر خلائق. و صلّوا بمنى الصلوات الخمس أولها الظهر من يوم التروية، و آخرها الصبح من يوم عرفة، و ساروا إلى عرفة بعد طلوع الشمس، و أحيوا هذه السنة بعد تركها.

و حج أرغون الدوادار النائب ماشيا من مكة إلى عرفة كهيئة الفقراء، و حضر الموقف عالم كثير من جميع الأقاليم و البلاد، حتى إنه اجتمع بها ما يزيد على ثلاثين ركبا، و وقف محمل العراق خلف محمل مصر، و من خلفه محمل اليمن‏ (4).

____________

(1) العقد الثمين 4: 411، 6: 97.

(2) السلوك للمقريزى 2/ 1: 214.

(3) كذا فى الأصول، و درر الفرائد 298. و فى السلوك للمقريزى 2/ 1:

214 «سبعة ركوب» و ذلك لأنه زاد ركب الرجبية.

(4) و انظر مع المرجعين السابقين شفاء الغرام 2: 244.

171

و اعتنى أبو سعيد بن خربندا بأمر حاج العراق عناية تامة، و حلّى المحمل بالحرير، و رصّعه بالذهب و باللؤلؤ و الياقوت و أنواع الجوهر؛ فقوم ذلك بمائة تومان ذهب. قال الذهبى: و حسبنا ذلك بمائتى ألف دينار و خمسين ألف دينار من الذهب المصرى، و جعل للمحمل جترا (1) ينصب عليه إذا وضع. فلما مر ركب العراق بعرب البحرين خرج عليهم ألف فارس يريدون أخذهم، فتوسط الناس بينهم على أن يأخذوا من أمير الركب ثلاثة آلاف دينار. فلما قيل لهم إنما جئنا من العراق بأمر الملك الناصر صاحب مصر و كتابه إلينا بالمسير للحجاز أعادوا المال و قالوا: لأجل السلطان الملك الناصر نخفركم بغير شى‏ء. و مكنوهم من المسير، فبلغ ذلك السلطان فسرّ به و بالغ فى الإنعام على العربان، و كان السلطان قد بعث إلى أمراء المغل و أعيانهم الخلع، فلما انقضى الحج خلع عليهم الأمير أرغون، و دعا لأبى سعيد بعد الدعاء للسلطان بمكة (2).

و كان أمير الركب المصرى بهاء الدين أصلم‏ (3)، و كانت الوقفة يوم الجمعة (4).

____________

(1) الجتر: هو المظلة التى ترفع على رأس السلطان، و تسمى القبة و الطير، و هى من رسوم الدول الفاطمية، و المراد هنا قبة على شكل مظلة ترفع فوق المحمل إذا وضع على الأرض.

(2) شفاء الغرام 2: 244، و السلوك للمقريزى 2/ 1: 214، 215، و درر الفرائد 298، 299.

(3) فى الأصول «أظلم» و المثبت عن المرجعين السابقين.

(4) المراجع السابقة.

172

و كانت مكة فى هذه السنة طيّبة من كثرة المياه و الخير و الأمن، و أرسل إليها من الغلال ما له قيمة كثيرة، و جاء فى/ هذه السنة من اليمنيين و [تجار] (1) الكارم خلق كثير إلى مكة؛ بسبب عدل عطيفة (2).

و تصدّق الفخر ناظر الجيش فى الحرمين بعشرة آلاف دينار (3).

و فيها عمّر رخام الحجر من قبل الناصر محمد بن قلاوون‏ (4).

و فيها عمّر مسجد الإجابة، و هو على يسار الذاهب إلى منى فى شعب بقرب ثنية أذاخر، و يقال إن النبى (صلّى اللّه عليه و سلم) صلى فيه‏ (5).

و فيها عمّر الشهاب أحمد بن عمر بن أبى بكر الهمدانى الأصل المعروف بابن المرجانى‏ (6) ما شعث من مسجد الخيف بمنى بشى‏ء كثير من ماله يزيد على عشرين ألف درهم و يقال على خمسين ألف درهم.

***

____________

(1) إضافة عن درر الفرائد 298. و تجار الكارم: هم تجار الأفاويه و البهار مما يجلب من الهند أو ينبت فى اليمن. و انظر السلوك للمقريزى 1/ 3: 899 هامش 2.

(2) العقد الثمين 6: 96، 97.

(3) و فى السلوك للمقريزى 2/ 1: 214 «باثنى عشر ألف دينار».

(4) العقد الثمين 2: 260.

(5) شفاء الغرام 1: 261، 262.

(6) فى الأصول «بابن المرسين» و المثبت عن العقد الثمين 3: 113 برقم 608، و البداية و النهاية 14: 96، و شفاء الغرام 1: 267.

173

«سنة إحدى و عشرين و سبعمائة»

فيها- فى أولها- حلف بنو حسن لرميثة، و أظهر رميثة مذهب الزيدية، و كتب عطيفة أمير مكة، و مملوك كان معه لنائب السلطان، يذكران للسلطان ذلك. فوصلت الكتب للسلطان فى ربيع الآخر- أو فى جمادى الأولى- فانجرح‏ (1) السلطان من هذا الأمر و اشتد غضبه على رميثة.

و فيها كان بمكة و ما حولها غلاء شديد فى الحبّ و السمن و اللحم، و عدم التّمر بالكلية (2).

و فيها حجت خوند طغاي جارية الناصر أمّ ولده آنوك، و جعل أرغون لخوند ثمان عربات كعادة بلاد الترك، فأعجب السلطان ذلك، فسافرت فيها، و رفعت عليها العصائب السلطانية، و دقّت الكوسات وراءها، و حملت الخضروات و البقول و الرياحين فى المحاير (3) مزروعة فى الطين، و لم يعهد سفر امرأة من نساء الملوك مثل سفرها.

و سافر معها الأمير قجليس، و القاضى كريم الدين الكبير، و خرج النائب‏ (4) و الحجاب فى خدمتها إلى بركة الحاج، حتى رحلت فى يوم‏

____________

(1) فى الأصول «فخرج» و المثبت عن العقد الثمين 4: 412، 6: 97.

(2) السلوك للمقريزى 2/ 1: 238، و شفاء الغرام 2: 273، و درر الفرائد 299، 300.

(3) المحاير: جمع محارة و هى هنا تعنى صندوقين يشدان إلى جانبى الرحل.

(الخطط للمقريزى 2: 101).

(4) فى الأصول «النائب فى الحجاب» و المثبت عن السلوك للمقريزى 2/ 1:

233، و درر الفرائد 299.

174

الأربعاء سابع عشرى شوال، فحجت و عادت إلى القاهرة؛ فخرج السلطان إلى لقائها ببركة الحاج، و مدّ سماطا عظيما، و خلع على سائر الأمراء و أرباب الوظائف و جميع القهرمانات مثل الست حدق المعروفة بالست‏ (1) مسكة، و نساء الأمراء/ و دخلوا إلى منازلهم، و لم يسمع بمثل هذه الحجة فى كثرة خيرها و سعة العطاء، و يقال إنه أنفق على حجة طغاى مبلغ ثمانين ألف دينار و ستمائة و ثمانين دينارا سوى كراء الحمول و ثمن الجمال و مصروف الجوامك‏ (2)، و سوى ما حمل [من‏] (3) أمير الشام و من أمراء مصر.

و فيها حج نائب دمشق تنكز الناصرى‏ (4).

و فيها مات العارف باللّه العفيف أبو محمد عبد اللّه [بن عبد الحق‏] (5) بن عبد اللّه القرشى المخزومى الدّلاصى، فى ليلة الجمعة رابع عشر المحرم.

____________

(1) فى الأصول «الست حدق و الست مسكة» و المثبت عن السلوك للمقريزى 2/ 1: 235، و الدرر الكامنة 2: 87 برقم 1483.

(2) الجوامك: جمع جامكية، و هى الرواتب عامة. (هامش السلوك للمقريزى 1/ 1: 52) و انظر صبح الأعشى 3: 457.

(3) إضافة عن السلوك للمقريزى 2/ 1: 235، و درر الفرائد 299.

(4) البداية و النهاية 14: 100، و شفاء الغرام 2: 244 و درر الفرائد 299.

(5) سقط فى الأصول، و المثبت عن العقد الثمين 5: 196 برقم 1562، و النجوم الزاهرة 9: 251، و السلوك للمقريزى 2/ 1: 235، و الدرر الكامنة 2:

371 برقم 2155.

175

و فاطمة بنت القطب محمد بن أحمد القسطلانى فى صفر أو ربيع الأول‏ (1).

و القاضى عبد اللّه بن القاضى سليمان بن محمد بن عبد اللّه الشيبانى فى جمادى الأولى‏ (2).

و الشيخ نجم الدين عبد اللّه بن محمد بن محمد بن على الأصبهانى ليلة الاثنين سادس عشر جمادى الآخرة (3).

و الشيخ الصالح برباط رامشت محمد الزيلعى‏ (4).

و المجد أحمد بن إبراهيم بن يعقوب بن أبى بكر الطبرى‏ (5).

*** «سنة اثنتين و عشرين و سبعمائة»

فيها توجه صاحب مكة الشريف عطيفة بن أبى نمى إلى القاهرة، و أخبر بقحط الحجاز لعدم المطر، و أنهم استقوا ثلاثا فلم‏

____________

(1) العقد الثمين 8: 286 برقم 3434.

(2) العقد الثمين 5: 173 برقم 1541.

(3) العقد الثمين 5: 271 برقم 1626، و شذرات الذهب 6: 55، و السلوك للمقريزى 2/ 1: 234.

(4) العقد الثمين 2: 214 برقم 502.

(5) العقد الثمين 3: 11 برقم 514 و فيه «توفى قبل الموسم».

176

يسقوا، و وصل القمح مائتين و خمسين درهما الإردب، فرسم السلطان أن يحمل إلى مكة ألفا إردب، و حمل النائب ألف إردب، و الحاج آل ملك ألف إردب. فلما وصلت الغلال تصدّق بها؛ [فانحل السعر] (1) (2) و أبيع الإردب القمح بمائة درهم‏ (2)، فأغيثوا بعد ذلك.

و فيها أسقط الناصر المكس المتعلق بالمأكول بمكة فقط، و عوّض صاحب مكة الشريف عطيفة بن أبى نمى عن ذلك ثلثى بلد (دماميل) (3) من صعيد مصر.

و فيها حج أبو العباس أحمد بن على الظفارى مع ابن الفقيه أبى بكر محمد الصّبرى [التعزى‏] (4) و الذى صار إليه بها القضاء.

و فيها مات إمام المقام الرضى إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الطبرى، فى يوم السبت ثامن المحرم/، و قيل ثامن صفر، و قيل ثامن ربيع الأول‏ (5).

____________

(1) إضافة عن السلوك للمقريزى 2/ 1: 238.

(2) عبارة الأصول «فبيع الحمل القمح بمائة درهم الإردب» و المثبت من المرجع السابق.

(3) كذا فى الأصول، و العقد الثمين 1: 194، 6: 97 و شفاء الغرام 2:

244. و فى السلوك للمقريزى 2/ 1: 236 «دمامين». و هى بلدة من مركز الأقصر بمحافظة قنا، تقع على الشاطى‏ء الغربى للنيل. (الخطط التوفيقية لعلى مبارك 11: 20).

(4) إضافة لتوضيح السياق، حيث إن هذا الفقيه تولى قضاء تعز و مات سنة 742 ه كما سيرد. و انظر العقود اللؤلؤية 2: 75.

(5) العقد الثمين 3: 240 برقم 719، و مرآة الجنان 4: 267.

177

و أبو عبد اللّه محمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن الحداد الصنهاجى فى يوم التروية (1).

*** «سنة ثلاث و عشرين و سبعمائة»

فيها حج القاضى بدر الدين بن جماعة، و ابنه عز الدين، و الأمير سيف الدين آل ملك، و توجهوا إلى مكة فى ثانى شوال، و الأمير بيبرس الدوادار نائب السلطنة، و توجه إلى مكة فى حادى عشر شوال، و معه حاج كثير، و رحل المحمل صحبة الحاج فى ثامن عشر شوال من البركة، و توجّه الفخر ناظر الجيش فى ثانى عشرى‏ (2) شوال إلى القدس ثم توجه منه إلى الحج، و كانت عدة ركوب حجاج مصر ستة ركوب على كل ركب أمير. و حج فى هذه السنة الأمير سيف الدين طشتمر حمّص أخضر الساقى. و وصل القاضى بدر الدين بن جماعة و الأمير آل ملك يوم الأحد عشرى القعدة.

و كانت الوقفة يوم الجمعة (3).

و فيها مات القطب محمد بن الشيخ عبد اللّه [بن عبد الحق‏] الدلاصى فى مستهل صفر (4).

____________

(1) العقد الثمين 7: 97 برقم 249.

(2) فى الأصول «فى ثانى عشر» و المثبت عن السلوك للمقريزى 2/ 1: 250.

(3) درر الفرائد 300.

(4) العقد الثمين 2: 64 برقم 216، و الإضافة عنه.

178

و الجمال أحمد بن عمر بن عمر بن داود الأرجانى فى نصف رجب‏ (1).

و أحمد بن أحمد المازنى الواسطى فى سابع عشر رمضان‏ (2).

*** «سنة أربع و عشرين و سبعمائة»

فيها بيعت الغرارة الحب الشامية فوق ألف و ثلاثمائة درهم‏ (3).

و فيها حج ملك التكرور موسى بن أبى بكر الأسود، و معه أكثر من خمسة عشر ألفا من التكاررة، و دخل إلى السلطان بالقاهرة فسلم و لم يجلس، ثم أركب حصانا، و أهدى هو إلى السلطان أربعين ألف مثقال، و إلى نائبه عشرة آلاف، و نزل سعر الذهب بالقاهرة درهمين‏ (4).

____________

(1) لم نعثر له على ترجمة فيما تيسر من المراجع.

(2) العقد الثمين 3: 14 برقم 517.

(3) مرآة الجنان 4: 271.

(4) و فى السلوك للمقريزى 2/ 1: 255 «قدم منسا موسى ملك التكرور يريد الحج، و أقام تحت الأهرام ثلاثة أيام فى الضيافة و عدى إلى بر مصر فى يوم الخميس سادس عشرى رجب، و طلع إلى القلعة ليسلم على السلطان، و امتنع من تقبيل الأرض؛ فلم يجبر على ذلك، غير أنه لم يمكن من الجلوس فى الحضرة السلطانية.

و أمر السلطان بتجهيزه للحج؛ فنزل و أخرج ذهبا كثيرا فى شراء ما يريد من الجوارى و الثياب و غير ذلك حتى انحط الدينار ستة دراهم». و انظر فى حج ملك التكرور و مروره بالقاهرة البداية و النهاية 14: 112، و شفاء الغرام 2: 244، و مرآة الجنان 4: 271، 273، و درر الفرائد 300، 679.

179

و ثارت فتنة بين التكاررة و الترك بالمسجد الحرام، شهرت فيها السيوف فى المسجد، و كان ملك التكرور نازلا بالشباك المشرف على المسجد الحرام بجانب رباط الخوزى، فأشرف من الشباك على أصحابه و أشار إليهم بالرجوع عن القتال، فكفوا عن ذلك؛ و ذلك من رجحان عقله، إذ لا ملجأ له و لا ناصر فى غير/ وطنه و أهله. ثم رجع ملك التكرور فخلع عليه السلطان خلعة الملك؛ عمامة مدورة و جبة سوداء و سيفا مذهبا.

و فيها كان أميرا على مكة رميثة و عطيفة ابنا أبى نمى. و كان أمير الركب المصرى أيتمش المحمدى‏ (1).

و فيها مات محمد بن أحمد بن عثمان بن عجلان- بكسر العين- القيسى الإشبيلى‏ (2).

*** «سنة خمس و عشرين و سبعمائة»

فيها وصل عسكر من مصر متوجها إلى اليمن و مقدمه نائب السلطان بيبرس الحاجب؛ نجدة للملك المجاهد بن الناصر صاحب اليمن، و عند وصولهم خرج إمام الزيدية من مكة و أقام بوداى مرّ، و ما رجع إليها إلى وقت الحاج، و عاد بعد الموسم إلى ما كان يفعله.

____________

(1) شفاء الغرام 2: 204، و العقد الثمين 6: 98، و درر الفرائد 300.

(2) العقد الثمين 1: 308 برقم 31.

180

و إمام الزيدية المشار إليه رجل شريف كان يصلى بالزيدية بين الركنين: اليمانى و الحجر الأسود، فإذا صلّى صلاة الصبح دعا بدعاء مبتدع و جهر به صوته و هو: اللهم صل على محمد و على آل بيته المصطفين الأطهار، المنتخبين الأخيار، الذين أذهب اللّه عنهم الرّجس و طهرهم تطهيرا. اللهم انصر الحق و المحقين، و اخذل الباطل و المبطلين؛ ببقاء ظل أمير المؤمنين، ترجمان البيان، و كاشف علوم القرآن، الإمام محمد بن المطهر بن يحيى بن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، الذى بالدين أحيا، إمام المتقين و حجاب الضالين. اللهم انصره، و شعشع أنواره، و اقتل حسّاده، و اكبت أضداده. مع زيادات على هذا. و كان إذا صلى صلاة المغرب دعا أيضا بهذا الدعاء، و جهر به صوته فى هاتين الصلاتين‏ (1).

و أقام العسكر بمكة إلى أن وصلت إقاماتهم من مصر إلى جدة؛ فأبيع الشعير بثلاثين درهما الإردب، و الدقيق بعشرين درهما الويبة. ثم رحلوا فى خامس جمادى الأولى ثم عادوا إلى مكة فى حادى عشر رمضان بعد مشقة زائدة، و ساروا من مكة يوم عيد الفطر إلى القاهرة (1).

و فيها كان بمكة رخاء؛ بيع الإردب القمح المصرى بثمانية عشر درهما، و ذلك/ بساحل جدة (2).

____________

(1) العقد الثمين 6: 98، 99. و انظر السلوك للمقريزى 2/ 1: 259- 261، 265- 268، و غاية الأمانى 1: 500- 503، و العقود اللؤلؤية 32، 33.

(2) شفاء الغرام 2: 273.

181

و فيها وقف الناس بعرفة يومين. السبت و الأحد؛ لاختلاف فى هلال ذى الحجة. و كان الركب المصرى قليلا و العراقى كثيرا (1).

*** «سنة ست و عشرين و سبعمائة»

فيها عمّر بازان رسول الأمير جوبان بن تلك بن تداون نائب السلطنة بالعراقين عن السلطان أبى سعيد بن خربندا ملك التتر عين عرفة، و كان الناس فى جهد عظيم بسبب قلة الماء بمكة، فإن الراوية كانت تباع بها فى الموسم بعشرة دراهم مسعودية (2)، و فى غير الموسم من ستة دراهم إلى سبعة، فقصد الأمير جوبان عمل خير بمكة، فدلّه بعض الناس على عين كانت تجرى فى القديم ثم تعطلت. فندب لذلك بعض ثقاته و أعطاه خمسين ألف دينار و جهزه فى الموسم سنة خمس و عشرين، فلما قضى حجه تأخّر بمكة، و اشتهر أمره بها، فأعلم بعين فى عرفة؛ فنادى بمكة: من أراد العمل فى العين فله ثلاثة دراهم فى كل يوم. فهرع إليه العمال، و خرج بهم‏ (3) إلى العمل فلم يشقّ على أحد منهم و لا استحثه، و إنما كانوا يعملون باختيارهم؛ فأتاه‏

____________

(1) شفاء الغرام 2: 245، و درر الفرائد 300.

(2) الدراهم المسعودية: ينسب ضربها إلى الملك المسعود الأيوبى بن الكامل محمد بن العادل أبى بكر بن أيوب، و كان انتزع مكة من حسن بن قتادة، و ظل واليا عليها حتى سنة 626 ه.

(3) فى الأصول «إليهم» و المثبت عن السلوك للمقريزى 2/ 1: 275.

182

جمع كثير من العرب و عمل حتى النساء، إلى أن جرى الماء بمكة بين الصفا و المروة، فى ثامن عشرى جمادى الأولى من هذه السنة، و كانت مدة العمل أربعة أشهر، و كثر النفع بهذه العين و عمّ و عظم، و صرفه أهل مكة إلى مزارع الخضر. و كان جملة ما صرف عليها فى هذه العمارة مائة ألف درهم و خمسين ألف درهم. فلما فرغ بازان من عمارة العين قدم إلى مصر و اجتمع بالسلطان و عرّفه خبر العين؛ فشقّ عليه ذلك و قال له على لسان النائب‏ (1): من أذن لك فى هذا و لم لا شاورتنى؟ فقال للنائب: عرّف السلطان أن جوبان فعل ما فعل من الخير و بقى الأمر للسلطان، إن شاء يخرب أو يعمر، فهذا شى‏ء قد فعله‏ (2) من فعله و خرج عنه،/ و الأمر إليكم: فلما بلغ قوله للسلطان سكت.

و اتفق فى إجراء هذه العين قضية أذكرها لغرابتها. قال الشيخ نجم الدين خليفة بن محمود الكيلانى‏ (3) مباشر عمارة العين: إنه لما وصل فى الحفر إلى موضع ذكره كان الماء يفور فلا ندرى أين يذهب و لا نرى عينا و لا أثرا، ثم فى بعض الأيام خرج أحد الحفارين من تحت الحفر مصروعا لا يتكلم، فمكث كذلك طويلا فسمعناه يقول: يا مسلمين‏ (4)، لا يحل لكم أن تظلمونا. قلت له أنا: و بأى شى‏ء

____________

(1) فى الأصول «الناس» و التصويب عن السلوك للمقريزى 2/ 1: 274.

(2) فى الأصول «جعله» و المثبت عن المرجع السابق.

(3) و انظر ترجمته فى العقد الثمين 4: 320 برقم 1139.

(4) كذا فى الأصول و لعل المؤلف التزم حكاية ما نطق به المصروع.

183

ظلمناكم؟ قال: نحن سكان هذه الأرض، و لا و اللّه ما فيهم مسلم غيرى، و قد تركتهم ورائى مسلسلين و إلا كنتم لقيتم منهم شرا، و قد أرسلونى إليكم يقولون: لا ندعكم تمرون بهذا الماء فى أرضنا حتى تبذلوا لنا حقنا. قلت: و ما حقكم؟ قال: تأخذون ثورا و تزينونه بأعظم زينة و تلبسونه و تزفونه من داخل مكة حتى تنتهوا به إلى هنا فاذبحوه، ثم اطرحوا لنا دمه و أطرافه و رأسه فى بئر عبد الصمد، و شأنكم بباقيه، و إلا فلا ندع الماء يجرى فى هذه الأرض أبدا. قلت له: نعم أفعل ذلك. و إذا بالرجل قد أفاق يمسح وجهه و عينيه و يقول: لا إله إلا اللّه، أين أنا؟ و قام الرجل ليس به قلبة (1).

فذهبت إلى بيتى، فلما أصبحت و نزلت أريد المسجد إذا برجل على الباب لا أعرفه، فقال لى: الحاج خليفة ها هنا؟ قلت: و ما تريد به؟ قال: حاجة أقولها له. قلت: قل لى الحاجة، و أنا أبلغه إياها فإنه مشغول. قال لى: قل له إنى رأيت البارحة فى النوم ثورا عظيما قد زيّنوه بأنواع الحلى و اللباس و جاءوا به يزفونه حتى مروا به على دار خليفة فوقفوه إلى أن خرج و رآه و قال نعم هو هذا، ثم أقبل به يسوقه و الناس خلفه يزفونه حتى خرج من مكة، فذبحوه و ألقوا رأسه و أطرافه فى بئر. قال: فتعجبت من منامه و حكيت الواقعة و المنام لأهل مكة و كبرائهم،/ فاشتروا ثورا و زينوه و ألبسوه و خرجنا به نزفه حتى انتهينا به إلى موضع الحفر فذبحناه و ألقينا رأسه و أطرافه و دمه فى البئر التى‏

____________

(1) قلبة: يقال به قلبة: أى أصيب بالقلاب و هو داء يأخذ فى القلب.

(المعجم الوسيط).

184

سماها، قال فما هو إلا أن طرحنا ذلك فى البئر و كأن من أخذ بيدى و أوقفنى على مكان و قال: احفرواها هنا. فحفرنا فإذا بالماء يموج فى ذلك الموضع و إذا طريق منقورة فى الجبل يمر تحتها الفارس بفرسه، فأصلحناها فجرى الماء فيها يسمع خريره، فلم يكن إلا نحو أربعة أيام و إذا بالماء بمكة، و أخبرنا من حول البئر أنهم لم يكونوا يعرفون فى البئر ماء يردونه، فما هو إلا أن امتلأت و صارت موردا (1).

و فيها قدم السيد رميثة إلى الديار المصرية، و كان السيد عطيفة [منفردا] (2) بإمرة مكة فوصل إليه مرسوم من السلطان بتبطيل مقام الزيدية، و الإنكار عليه فى ذلك، و فى أمور حدثت بمكة، فدخل السيد عطيفة المسجد عند وصول المرسوم و أخرج إمام الزيدية إخراجا عنيفا، و نادى بالعدل فى البلاد، و حصل بذلك سرور عظيم للمسلمين‏ (3).

و فيها حج أرغون الدوادار نائب السلطنة بمصر، و ولده ناصر الدين محمد (4)، و أبو الحسن أحمد [بن‏] (5) الفقيه على الجنيد بن الفقيه أحمد بن محمد بن منصور بن الجنيد.

____________

(1) العقد الثمين 4: 320- 322، و شفاء الغرام 1: 349، 350، و درر الفرائد 300- 302. و انظر البداية و النهاية 14: 123، و السلوك للمقريزى 2/ 1: 274، 275.

(2) سقط فى الأصول و المثبت عن العقد الثمين 6: 98.

(3) و انظر البداية و النهاية 14: 123، 124، و درر الفرائد 300.

(4) السلوك للمقريزى 2/ 1: 277، 279. و أضاف البداية و النهاية 14:

124 «و زوجته بنت السلطان».

(5) إضافة عن العقود اللؤلؤية 2: 45 و فيه «مات فى يوم الأحد ثانى عشر جمادى الأولى سنة 727 ه.

185

«سنة سبع و عشرين و سبعمائة»

فيها كان الحاج المصرى قليلا جدا، و كان أميرهم جمال الدين آقوش نائب الكرك‏ (1).

و صلى الحجاج الشاميون بمنى خمس صلوات أوّلها الظهر من يوم التروية، و آخرها الصبح من يوم عرفة، و ساروا إليها بعد طلوع الشمس؛ و أحيوا هذه السّنّة بعد تركها (2).

و فيها أرسل السلطان علاء الدين على بن هلال الدولة لعمارة حرم مكة لأنه قد بلغه أن سقوفه قد تشعثت و تهدم فيه عدة جدر، و جهز كل ما يحتاج إليه من المال و الصناع و الآلات،/ و كتب للشريف 144 بمساعدته‏ (3).

و فيها- أو فى التى بعدها- حج العراقيون و معهم تابوت جوبان نائب السلطنة بالعراق، و حضروا به المواقف، و طافوا به حول البيت ليلا، و ذهبوا به إلى المدينة ليدفنوه بالتربة التى بناها بمدرسته عند باب الرحمة- أحد أبواب المسجد النبوى- فلم يمكن من الدفن بها، و دفن بالبقيع‏ (4).

____________

(1) السلوك للمقريزى 2/ 1: 290، 291، و درر الفرائد 302.

(2) شفاء الغرام 2: 245، و المرجع السابق.

(3) انظر مع المرجعين السابقين الدرر الكامنة 3: 211.

(4) العقد الثمين 3: 447، و الدرر الكامنة 2: 79، و درر الفرائد 302.

186

و فيها ماتت زينب بنت الضياء محمد بن عمر بن محمد بن عمر ابن الحسن القسطلانى فى صفر (1).

و مسعود بن قاسم الصبحى فى يوم الجمعة تاسع ربيع الأول‏ (2).

و الشيخ أبو بكر بن عمر بن عثمان بن الحاج إسماعيل صاحب مقدشوه، لثلاث بقين من ربيع الآخر (3).

و الشهاب أحمد بن عبد اللّه بن محمد بن محمد بن أبى بكر الطبرى، فى ثالث الحجة ببيت المقدس‏ (4).

و محمد بن أخت قاضى دمشق نجم الدين ميسر الشافعى، فى ثامن الحجة يوم التروية (5).

و الشيخ الصالح العارف باللّه أفضل بن محمود بن محمود السّروى بمنى فى أيام التشريق‏ (6).

و علم الدين عبد اللّه بن عبد الحق المصرى المعروف بالوراب‏ (7).

***

____________

(1) العقد الثمين 8: 235 برقم 3368.

(2) لم نعثر له على ترجمة فيما تيسر من المراجع.

(3) لم نعثر له على ترجمة فيما تيسر من المراجع.

(4) العقد الثمين 3: 73 برقم 573.

(5) لم نعثر له على ترجمة فيما تيسر من المراجع.

(6) العقد الثمين 3: 322 برقم 795.

(7) لم نعثر له على ترجمة فيما تيسر من المراجع.

187

«سنة ثمان و عشرين و سبعمائة»

فيها كان بمكة رخاء، بيع فيه القمح كل إردب بأربعين درهما، و الدقيق كل ويبة بثمانية دراهم، و كان الرخاء أيضا فى اللحم و السمن و العسل‏ (1).

و فيها عمّر ابن هلال الدولة الشبابيك الحديد المطيفة بمقام إبراهيم الخليل من جوانبه الأربعة، و كانت خشبا قبل ذلك، و جدّد سطح المسجد الحرام و أبوابه، و المطهرة المعروفة بالناصرية عند باب بنى شيبة، و أوقفها عن الملك الناصر صاحب مصر، و أجرى عين جبل ثقبة فى مجرى عين بازان، و جملة المصروف عليها خمسة آلاف درهم.

و زرع بها البطيخ و الذرة و الخضروات و غيرها، و امتلأت البرك‏ (2).

و فيها حج بالركب المصرى الأمير شهاب الدين أحمد بن المهمندار، و حج أيضا طقزدمر، و الفخر ناظر الجيش، و ست حدق، و عملت معروفا كبيرا، و كانت الوقفة/ الجمعة (3). 145

و فيها مات الناخوذة صلاح الدين خضر بن قرامرز الكازرونى، فى يوم الاثنين لثلاث بقين من صفر (4).

____________

(1) شفاء الغرام 2: 273، و العقود اللؤلؤية 2: 51، و السلوك للمقريزى 2/ 1: 303.

(2) شفاء الغرام 1: 348، 349، و السلوك للمقريزى 2/ 1: 303، و درر الفرائد 302.

(3) السلوك للمقريزى 2/ 1: 303، و درر الفرائد 302.

(4) العقد الثمين 4: 318 برقم 1134 و فى هامشه «الناخوذة هو ربان السفينة».

188

و الموفق أبو الحسن على بن أبى بكر [محمد] العقيلى نسبا الزيلعى، فى يوم الثلاثاء سابع عشرى الحجة (1).

*** «سنة تسع و عشرين و سبعمائة»

فيها مات الشمس محمد بن عبد اللّه بن على بن يوسف بن شاهد القيّمة الدمشقى المصرى، فى أوائلها (2).

و الكمال أبو الطاهر محمد بن عبد الرحمن بن أبى الفتح العمرى المصرى، المؤذن بالمسجد الحرام، فى يوم الاثنين رابع عشرى رجب‏ (3).

*** «سنة ثلاثين و سبعمائة»

فيها حضر الأمير عطيفة على العادة، و لبس خلعة السلطان، و لم يحضر أخوه رميثة، و لا اجتمع مع الأمراء، و لا حضر (4) الموقف مع أخيه.

____________

(1) العقد الثمين 6: 144 برقم 2042، و الإضافة عنه.

(2) العقد الثمين 2: 70 برقم 222.

(3) العقد الثمين 2: 104 برقم 259.

(4) كذا فى الأصول. و فى العقد الثمين 4: 413 «و لكنه حضر الموقف مع أخيه».

189

و فيها فى يوم الجمعة رابع عشر ذى الحجة قتل الأمير الجندار (1) ألدمر بن عبد اللّه الناصرى بمكة، و كان من خبر ذلك أن أمير الركب العراقى هذه السنة كان من أهل توريز و يعرف بمحمد الحجيج، تقرب من أولاد جوبان فترقى بهم إلى معرفة السلطان أبى سعيد فعظم أمره، و جعله من ندمائه، و بعثه رسولا إلى مصر غير مرة؛ فأعجب به السلطان و لاق بخاطره إلى أن بلغه عنه أنه تعرض فى مجلس أبى سعيد بشى‏ء ذكره مما يكرهه السلطان، فتنكّر له و أسرّ ذلك فى نفسه، فلما بلغه أنه سار أمير الركب العراقى كتب إلى الشريف عطيفة بن أبى نمى سرّا أن يتحيل فى قتله. فلم يجد بدا من امتثال ما أمر به، و أطلع ولده مبارك بن عطيفة و من يثق به على ذلك، و تقدم إليهم بإعمال الحيلة فيه، فلما قضى الحاج النسك عاد منهم الأمير علم الدين سنجر الجاولى إلى مصر، و معه جماعة فى يوم الأربعاء ثانى عشر ذى الحجة، و تأخر الأمير سيف الدين خاص ترك أمير الحاج، و الأمير سيف الدين/ ألدمر الجندار (2)، و الأمير أحمد بن خالة 146 السلطان ليصلّوا بمكة صلاة الجمعة، و معهم بقية حجاج مصر.

فلما حضروا للجمعة و صعد الخطيب المنبر أراد الشريف عمل ما رسم به. فأخذ العبيد فى إثارة الفتنة بين الناس ليحصل الغرض بذلك، و أوّل ما بدءوا به عبثوا ببعض حاج العراق، و خطفوا شيئا من‏

____________

(1) فى الأصول «الخازندار» و المثبت عن السلوك للمقريزى 2/ 2: 323، 324، 326، و الدرر الكامنة 1: 434، و العقد الثمين 3: 327، و النجوم الزاهرة 9: 282.

(2) فى الأصول «الخازندار» و التصويب عن المراجع السابقة.

190

أموالهم بباب المسجد الحرام؛ باب إبراهيم. و كان الشريف عطيفة جالسا إلى جانب الأمير خاص ترك أمير الركب، فصرخ الناس بالأمير ألدمر- و ليس عنده علم بما كتب به السلطان إلى الشريف عطيفة، و كان مع ذلك شجاعا حاد المزاج قوى النفس- فنهض و معه جماعة من المماليك، و قد تزايد صراخ الناس، و أتى الشريف و سبّه و قبض بعض قواده و أخرق به، فلاطفه الشريف فلم يسكن، و اشتد صياح الناس. فركب الشريف مبارك بن عطيفة فى قواد مكة بآلة الحرب، و ركب جند مصر. فبادر خليل ولد الأمير ألدمر ليطفى‏ء الفتنة، و ضرب أحد العبيد، فرماه العبد بحربة قتله. فلما رأى أبوه ذلك اشتد غضبه و حمل بنفسه لأخذ ثأر ولده. فرمى الآخر بحربة فمات.

و يقال: بل صدف الشريف مبارك بن عطيفة و قد قصد أمير العراق و عليه آلة حربه، فقال له: ويلك!! تريد أن تثير فتنة؟ و همّ أن يضربه بالدبوس، فضربه مبارك بحربة كانت فى يده أنفذها من صدره؛ فخرّ صريعا و قضى اللّه معهما بالشهادة لجماعة آخرين، منهم مملوك الأمير ألدمر و أمير عشرة يعرف بابن التاجى‏ (1)، و جماعة نسوة و غيرهم من الرجال. فركب أمير الركب عند ذلك و نجا بنفسه. و رمى مبارك ابن عطيفة بسهم فى يده فشلّت.

و ركب أهل مكة سطح الحرم و رموا الأمير أحمد و من معه‏

____________

(1) و التاجى: هو الأمير ركن الدين بيبرس التاجى، و الى القاهرة- كان- و انظر هامش النجوم الزاهرة 9: 283.

191

بالحجارة، و قد أفرغ نشابه بين يديه هو و من معه، و رمى بها/ حتى 147 خلص أيضا.

و فرّ أمير ركب العراق، و دخلت الخيل المسجد الحرام، و فيهم جماعة من بنى حسن ملبسين غائرين، و اختبط الناس بأسرهم، و تفرّق الناس و ركب بعضهم بعضا، و نهبت الأسواق، و قتل من الخلق جماعة، و من الحجاج و غيرهم؛ قتلهم عبيد الأشراف و غوغاء أهل مكة، و نهبت للناس أموال كثيرة، و جرت أمور عجيبة، و صلى الناس الجمعة و السيوف تعمل، و خرجوا إلى المنزلة و الخيل فى أثرهم يضربون بالسيوف يمينا و شمالا، و ما وصلوا إلى المنزلة و فى العين قطرة، و دخل الأمراء بعد الهزيمة إلى مكة لطلب بعض الثأر، و خرجوا فارين مرّة أخرى، ثم بعد ساعة جاء الأمراء خائفين، و بنو حسن و غلمانهم أشرفوا على ثنية كدى من أسفل مكة، و تحيّر الشريف عطيفة فى أمره، و ما زال يداوى الأمر حتى خرج الحجاج بأجمعهم من مكة و أمروا بالرحيل، و توجهوا إلى بلادهم، و لو لا [أن‏] (1) سلم اللّه كانوا نزلوا عليهم، و لم يبق من الحجاج مخبر. فوقف [أمير] (2) المصريين فى وجوههم يأمر بالرحيل. فاختبط الناس و جعل أكثر الناس يترك ما ثقل من أحمالهم، و نهب الحاج بعضهم بعضا.

و كان من غريب الاتفاق أن فى يوم الجمعة الذى قتل فيه ألدمر

____________

(1) إضافة على الأصول.

(2) سقط فى الأصول، و المثبت عن العقد الثمين 3: 329، و درر الفرائد 304

192

كأنما نودى فى القاهرة و مصر و قلعة الجبل بقتل ألدمر فى فتنة كانت بمكة فى هذا اليوم، و تحدّث الناس بذلك حديثا فاشيا إلى أن بلغ السلطان و أمراء الدولة، فلم يعبئوا به و جعلوه من ترهات العامة.

و أغرب من ذلك أن الأمير علم الدين سنجر الخازن كان كاشفا بالغربية من نواحى القاهرة، فلما عاد إلى منزله بعد صلاة عيد الأضحى و افاه أحد غلمانه- و قد حضر إليه من القاهرة- فأخربه أنه أشيع بالقاهرة أن فتنة كانت بمكة قتل فيها الأمير ألدمر أمير جندار؛ 148 فسخر من قوله/ و قال: هذا كلام لا يقبله عاقل. و أخذ الخبر ينتشر حتى تحدث به كل أحد (1).

و فيها حج العراقيون و معهم فيل بعثه أبو سعيد بن خربندا ملك العراق لحمل المحمل؛ فتشاءم الناس به. و قالوا: هذا عام الفيل.

فكانت الفتنة بمكة، و قتل ألدمر [و كان‏] (2) ما كان. و حضروا بالفيل المواقف كلها، و ساروا به إلى المدينة. فلما وصل إلى الفريش‏ (3)- بالتصغير- قبيل البيداء التى ينزل فيها إلى ذى الحليفة

____________

(1) و انظر هذه الأحداث فى البداية و النهاية 14: 149، و العقد الثمين 3:

327- 329، و شفاء الغرام 2: 245، 246، و السلوك للمقريزى 2/ 2:

323- 325، و النجوم الزاهرة 9: 282، 283، و درر الفرائد 302- 304.

(2) إضافة على الأصول.

(3) الفريش: فى وفاء الوفا 2: 355 «فرش ملل و الفريش- مصغرة- معروفان قرب ملل، يفصل بينهما واد يقال له مثغر، كان بهما منازل و عمائر، و كان كثير بن العباس ينزل فريش ملل على اثنين و عشرين ميلا من المدينة».

193

وقف و تقهقر، و صار كلما أرادوا أن يقدم رجلا تأخر مرة بعد مرة، فضربوه ليسير و هو يأبى إلا الرجوع إلى القهقرى، و كلما أرادوا أن يتقدم إلى جهة المدينة تأخر إلى ورائه، و هم يضربونه و هو يتأخر إلى أن سقط ميتا فى يوم الأحد رابع عشرى الحجة. و يقال إن المصروف عليه من حين خروجه من العراق إلى أن هلك زيادة على ثلاثين ألف درهم. و لم يعرف مقصد أبى سعيد فى بعثه الفيل إلى مكة (1).

و فيها قدم مكة الشيخ على بن محمد بن داود البيضاوى الشهير بالزمزمى‏ (2).

و فيها- فى ليلة الأربعاء سادس عشر الحجة- جاء سيل عظيم بلا مطر، امتلأت منه البرك التى فى المعلاة و عند المولد النبوى، و خرّب البساتين، و ملأ المسجد الحرام بالأوساخ‏ (3).

و فيها مات قاضى مكة نجم الدين أبو حامد محمد بن القاضى جمال الدين محمد بن المحب الطبرى، ضحوة يوم الجمعة ثانى جمادى الآخرة، و ولّى الشريف عطيفة بن أبى نمى ولده الشهاب أحمد عوضا عنه، و وصلته الولاية فى سابع جمادى الآخرة، ثم فوض المجاهد (4) إليه ذلك، و كتب له عند ذلك تقليد حسّن فيه من مدحه.

____________

(1) و انظر شفاء الغرام 2: 246، و السلوك للمقريزى 2/ 2: 325، و درر الفرائد 304.

(2) العقد الثمين 6: 230 و فيه «توفى بمكة سنة 785 ه».

(3) شفاء الغرام 2: 266.

(4) هو الملك المجاهد على بن داود بن يوسف بن عمر بن على بن رسول ملك اليمن، تولى بعد أبيه المؤيد داود سنة 721 ه. (غاية الأمانى 1: 494) و فى العقد الثمين 3: 161 «أن المؤيد صاحب اليمن فوض عطيفة فى تولية المذكور».

194

كم من أب قد علا بابن فشرفه‏* * * كما علا برسول اللّه عدنان‏ (1)

و فيها مات الزين محمد بن محمد بن محمد القسطلانى فى سابع صفر (2).

و خضر بن محمد بن على الإربلى‏ (3) الصوفى.

و الشيخ سعادة المغربى‏ (4).

*** 149

«سنة إحدى و ثلاثين و سبعمائة»

فيها- فى ثالث المحرم- لما وصل القاصد من مكة و أخبر بصحة قتل ألدمر تعجّب الناس من صحة ما أشيع من قتله فى يوم قتله، فشقّ على السلطان ذلك، و كتب بإحضار الشريف عطيفة أمير مكة و ولده و قواده‏ (5).

فلما قدم الحاج أخبروا بكثرة الفتن بمكة بين الشريفين عطيفة و رميثة، و قوّة رميثة على عطيفة، و نهبه مكة، و خروجه عن الطاعة،

____________

(1) العقد الثمين 2: 271 برقم 385، 3: 161 برقم 647.

(2) العقد الثمين 2: 331 برقم 432.

(3) فى الأصول «الأصلى» و التصويب عن العقد الثمين 4: 318 برقم 1135.

(4) العقد الثمين 4: 530 برقم 1262.

(5) السلوك للمقريزى 2/ 2: 328.

195

و أنه لم يلق ركب الحجاج. فكتب بإحضارهما؛ فلما ورد المرسوم بطلب الشريفين إلى مصر اتفقا و خرجا عن الطاعة، فشقّ ذلك على السلطان و عزم على إخراج بنى حسن من مكة. و تقدم إلى الأمير أيتمش: أمير مائة مقدم ألف‏ (1)، أن يخرج بعسكر إلى مكة، و عين معه من الأمراء: الأمير طيدمر الساقى، و الأمير آقبغا آص، و الأمير آق سنقر، و الأمير طرقش [و الأمير] (1) طقتمر الأحمدى، و الأمير طقتمر الصلاحى. و أربعة عشر من مقدمى الحلقة، و عدة من أعيان أجناد الحلقة.

ثم استدعى [السلطان‏] (2) الأمير أيتمش بدار العدل، و قال له بحضرة القضاة: لا تدع فى مكة أحدا من الأشراف، و لا من القواد، و لا من عبيدهم، و ناد بها: من أقام منهم حلّ دمه، ثم احرق جميع وادى نخلة، و ألق فى نخلها النار حتى لا تدع شجرة مثمرة و لا دمنة عامرة، و خرّب ما حول مكة من المساكن، و أخرج حرم الأشراف منها، و أقم بها بمن معك حتى يأتيك عسكر آخر. فقام فى ذلك قاضى القضاة جلال الدين [محمد] (2) القزوينى و وعظ السلطان، و ذكّره بوجوب تعظيم الحرم، إلى أن استقر الأمر على أن‏

____________

(1) أمير مائة مقدم ألف: هى مرتبة حربية يكون فى خدمة حاملها مائة مملوك فارس، و يقدم فى الحروب على ألف جندى من أجناد الحلقة، و كان أصحاب هذه المرتبة أعلى مراتب الأمراء، و كان بيدهم فى أيام المماليك جميع المناصب العليا. (انظر هامش السلوك للمقريزى 1/ 1: 239).

(2) إضافة عن السلوك للمقريزى 2/ 2: 329.

196

كتب لرميثة أمان و تقليد بإمرة مكة. و سار العسكر من ظاهر القاهرة فى نصف صفر، و عدتهم ستمائة (1) فارس، فوصلوا مكة فى العشر الأول من ربيع الآخر، و لم يروا فى طريقهم أحدا من العرب و لا من غيرهم، و وجدوا الشريفين عطيفة و رميثة و أولادهما و عسكرهما لما سمعوا 150 بوصول العسكر إلى مكة هربوا/ إلى جهة اليمن، و هرب الناس من مكّة إلى نخلة و غيرها. و كان الشريف رميثة قد جمع عربا كثيرا يريد محاربة الأمراء، فكتب إليه الأمير أيتمش يعرّفه بأمان السلطان له، و تقليده إمرة مكة، و يحثه على الحضور إليه، و يرغّبه فى الطاعة، و يحذره عاقبة الخلاف، و يهدده على ذلك، و يعرفه بما أمر به السلطان من إجلاء بنى حسن و أتباعهم عن مكة. فلما وقف على ذلك اطمأن إلى الأمير أيتمش، و أجابه بما كان قد عزم عليه من الحرب لو أن غيره قام مقامه، و طلب منه أن يحلف له هو و من معه ألا يغدروه، و أن يقرضه خمسين ألف درهم يتعوضها من إقطاعه. فتقرر الحال على أن بعث إليه الأمير أيتمش خيرا كثيرا، من الزاد و الدقيق و الشعير و البقسماط و الكعك و الرقاق و السكر و غير ذلك، و مبلغ أربعين‏ (2) ألف درهم، فقدم حينئذ، فلما قارب مكة ركب الأمير أيتمش و من معه إلى لقائه، فإذا عدة من قواده مع وزيره قد تقدموه ليحلّفوا له العسكر،

____________

(1) كذا فى الأصول. و فى المرجع السابق «سبعمائة فارس».

(2) كذا فى الأصول. و فى السلوك للمقريزى 2/ 2: 331 «مبلغ خمسة آلاف درهم».

197

فعادوا بهم إلى الحرم و اجتمع المشايخ و الصلحاء و الأعيان، و حلّفوا الأمراء للشريف رميثة أيمانا مؤكدة على أنه إذا جاء إلى مكة لا يؤذونه؛ فسيّروا له أمانا: و هو خاتم و منديل.

فلما أن جاء الأمان ركب إلى مكة، و لاقاه الأمراء، و قابلوه بما يليق به من الإكرام؛ فلبس تشريف السلطان و تقلّد إمارة مكة وحده دون أخيه عطيفة، و قرى‏ء تقليده و أمان السلطان. و عزم على تقدمة شى‏ء للأمراء، فامتنعوا أن يقبلوا منه هدية. و كتبوا إلى السلطان بعود الشريف إلى الطاعة، و أقاموا بمكة واحدا و ثلاثين يوما، ثم توجهوا منها إلى المدينة، ثم إلى القاهرة، بعد أن تأخر منهم بمكة خمسون نقيبا بسبب الحج، و يعودون مع الركب. و حصل خير كثير؛ فالحمد للّه لم يرق بسببهم محجمة دم/ و لا آذوا أحدا من الخلق.

فلما وصل العسكر إلى القاهرة فى سابع جمادى الآخرة دخل الأمير أيتمش على السلطان، فشكره على ما كان منه، و كان قاضى القضاة جلال الدين القزوينى حاضرا؛ فأكثر من الثناء على أيتمش و قال: هذا الذى فعله هو الإسلام. فكانت مدة غيبتهم أربعة أشهر تنقص ثمانية أيام‏ (1).

و أرسل السيد رميثة رسولا إلى السلطان صاحب مصر، و توجه الرسول من القاهرة إلى مكة فى سادس عشر جمادى الآخرة (2).

____________

(1) العقد الثمين 4: 413- 415، و السلوك للمقريزى 2/ 2: 331، 332.

(2) العقد الثمين 4: 414.

198

و فيها حج الأمير علاء الدين مغلطاى الجمالى، و مات فى رجوعه فى سابع عشر المحرم من السنة بعد هذه، بسطح عقبة أيلة، فصبّر و حمل إلى القاهرة (1).

و فيها مات إمام الحنابلة بالمسجد الحرام القاضى جمال الدين محمد بن عثمان بن موسى بن عبد اللّه الآمدى ثم المكى الحنبلى، ضحوة يوم الأحد عشرى جمادى الآخرة، و ولى بعده الإمامة ولده محمد (2).

و فيها مات علم الدين أبو ذرّ محمد بن عثمان بن يوسف النّويرى المالكى يوم الأربعاء سابع عشر شوال‏ (3).

و الشرف يعقوب بن محمد بن هارون الإربلى‏ (4).

*** «سنة اثنتين و ثلاثين و سبعمائة»

فيها حج السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون صاحب‏

____________

(1) السلوك للمقريزى 2/ 2: 341، 353، و النجوم الزاهرة 9: 291، 292، و درر الفرائد 304، 305. و انظر ترجمته فى الدرر الكامنة 5: 134 برقم 4825.

(2) العقد الثمين 2: 134 برقم 297.

(3) العقد الثمين 2: 136 برقم 298.

(4) العقد الثمين 7: 477 برقم 2751.

199

مصر، و معه نحو سبعين أميرا، و صاحب حماة الأفضل‏ (1)، و القاضى جلال الدين محمد القزوينى، و عز الدين بن جماعة، و موفق الدين الحنبلى، و عز الدين بن الفرات الحنفى، و فخر الدين النويرى المالكى، و جماعة من الأعيان و غيرهم. و كان القاضى عز الدين بن جماعة و الثلاثة بعده ينزلون فى خيمة (2) واحدة، فإذا قدمت إليهم فتوى كتبوا عليها.

فلما أن وصل السلطان إلى ينبع تلقّاه الأشراف من أهل المدينة بحريمهم، و قدم عليه الشريف أسد الدين رميثة من مكة و معه قواده و حريمه، فأكرمهم السلطان و أنعم عليهم، و ساروا معه إلى أن نزلوا خليص، ففر نحو ثلاثين/ مملوكا إلى العراق. 152

فلما قدم مكة أكثر بها من الإنعام على الأمراء و أنفق فى جميع من معه من الأجناد و المماليك ذهبا كثيرا، و عمّ بصدقاته أهل الحرم‏ (3)، و فوّض للقاضى شهاب الدين الطبرى قضاء مكة، و أهدى القاضى شهاب الدين للسلطان تمرا و كعكا فى أطباق الخوص؛ فاستحسن منه ذلك السلطان، و قال: هذا قاض فقير (4).

____________

(1) هو الملك الأفضل ناصر الدين محمد بن الملك المؤيد عماد الدين أبى الفدا إسماعيل الأيوبى، تولى بعد وفاة أبيه فى ثالث عشرين المحرم سنة 732 ه. (النجوم الزاهرة 9: 292).

(2) فى الأصول «فى جهة»، و المثبت عن السلوك للمقريزى 2/ 2: 353.

(3) السلوك للمقريزى 2/ 2: 355، 356، و النجوم الزاهرة 9: 104، 105.

(4) السلوك للمقريزى 2/ 2: 356، و النجوم الزاهرة 9: 105.

200

و اجتمع القاضى شهاب الدين الطبرى بالسلطان فسأله عن المراسيم التى تصل إلى مكة من جهته، فقال له: كثير منها لا أعرفه، و ذكر له الناصر أمارة يعرف بها الصحيح من ذلك. و أن القاضى شهاب الدين قطّع بسبب ذلك نيّفا و أربعين مرسوما (1).

و اجتمع القاضى شهاب الدين و الملك الناصر و شخص من أعيان الدولة يقال له ابن هلال فى الكعبة الشريفة، فقال ابن هلال الدولة للناصر: يا مولانا السلطان هذه الأساطين التى فى جوف الكعبة من سفينة نوح. فقال الناصر للقاضى شهاب الدين: هذا صحيح؟ فقال له القاضى شهاب الدين: كذا قيل. فعرف الناصر أنه أراد السّتر و ألا يظهر لابن هلال الدولة منه سوء، فعاتبه ابن هلال الدولة بعد ذلك على كونه لم يصرّح بتصديقه، و قال له: هؤلاء ملوك و لا بد من الترويح عليهم فى القول‏ (2).

و سأل السلطان الناصر القاضى شهاب الدين الطبرى فقال:

سمعنا أن بمكة فسقا من اللّهو و غيره. فقال القاضى شهاب الدين للسلطان: بلدنا هذه كسائر بلاد اللّه، بها البرّ و الفاجر.

و فيها فى آخر ذى الحجة وقع بمكة أمطار و صواعق: منها صاعقة على أبى قبيس قتلت رجلا، و صاعقة بمسجد الخيف‏ (3) قتلت رجلا، و أخرى بالجعرانة قتلت رجلين.

____________

(1) العقد الثمين 3: 165.

(2) العقد الثمين 3: 165، 166.

(3) فى الأصول، و درر الفرائد 305 «بالخيف»، و المثبت من شفاء الغرام 2: 266.