إتحاف الوري بأخبار أم القري‏ - ج3

- عمر بن محمد بن فهد المزيد...
766 /
201

و فيها كان أمير الحاج المصرى، عز الدين أيدمر الخطيرى‏ (1).

و فيها مات الخطيب بالمسجد الحرام/ بهاء الدين محمد بن 153 عبد اللّه بن أحمد بن عبد اللّه الطبرى، فى يوم الجمعة سادس عشرى ربيع الأول، و وليها بعده أخوه التاج على، و خطب فى رابع عشر ربيع الآخر، و يقال إن القاضى شهاب الدين الطبرى استنجز بها توقيعا و ترك التاج يخطب‏ (2).

*** «سنة ثلاث و ثلاثين و سبعمائة»

فيها قتل ياسور (3) أحد ملوك المغل وقت رمى الجمرات؛ و كان من خبره أن ملك التتر (4) أبا سعيد بن خربندا لما قتل‏ (5) جوبان أراد إقامة ياسور (6) لأنه من عظماء القان؛ فخوّف من شجاعته‏ (6) و أن جوبان كان يريد إقامته على الملك، فنفر منه أبو سعيد. ثم إنه‏

____________

(1) السلوك للمقريزى 2/ 2: 351، و درر الفرائد 305.

(2) العقد الثمين 2: 46 برقم 205، 6: 177 برقم 2064.

(3) فى الأصول، و درر الفرائد 305 «ناسور»، و المثبت عن السلوك للمقريزى 2/ 2: 367.

(4) كذا فى الأصول. و فى المرجع السابق «ملك الشرق».

(5) فى الأصول «وصل» و المثبت عن المرجع السابق.

(6) عبارة الأصول «أراد إقامة ناسور بالكوفة من عظمة القان فخوف من جماعته». و المثبت هى عبارة السلوك للمقريزى 2/ 2: 367.

202

استأذنه فى الحج فأذن له، و قام له بما يليق به، ثم طلب أبو سعيد المجد السلامى و كتب إلى السلطان يعرفه بأمر ياسور، و يخوفه منه أن تجتمع عليه المغل، و يسأل قتله. فدفع السلامى كتاب أبى سعيد إلى مملوكه قطلوبك السلامى، فقدم إلى السلطان أول ذى القعدة، فأركبه النجب فى عاشره إلى مكة، و معه كتاب إلى الأمير برسبغا الحاجب- و قد حجّ من مصر- لطلب الشريف رميثة و موافقته [سرّا] (1) على قتل ياسور. فقدم قطلوبك مكة أول ذى الحجة، فلم يوافق رميثة على ذلك، و اعتذر بالخوف من غائلته. فأعد برسبغا بعض نجابته من العربان لذلك، و وعده بما ملأ عينه.

فلما قضى الحاج النسك من الوقوف و النحر ركب ياسور فى ثانى يوم النحر لرمى‏ (2) الجمار، و ركب برسبغا أيضا. فعندما قارب الجمرة وثب عليه النجاب و ضربه فألقاه إلى الأرض، و هرب نحو الجبل؛ فتبعه مماليك برسبغا و قتلوه أيضا، خشية من أن يعترف عليه. فاضطرب حجاج العراق و ركب‏ (3) فرسانهم و أخذوا ياسور 154 قتيلا فى دمائه و صاروا إلى برسبغا منكرين ما حلّ بصاحبهم؛ فتبرأ/ من ذلك، و أظهر الترحم له، و قرر عندهم أن هذا الذى قتله إنما هو ممن له عليه ثأر، أو قاصد أحد غرمائه، و إنكم قد كفيتم أمره؛ فإنى أخذت لكم بثأره و قتل قاتله. فانصرفوا عنه و فى نفوسهم منه شى‏ء،

____________

(1) إضافة على الأصول عن المرجع السابق.

(2) فى الأصول «و رمى»، و المثبت عن المرجع السابق.

(3) فى الأصول «و ركبوا».

203

و ما زالوا له بالمرصاد- و هو يتحرز منهم- حتى افترق ركب الحجاج العراقيين من الحجاج المصريين بالمدينة [النبوية] (1) الشريفة، فأمن برسبغا على نفسه، و تقدم الحاج إلى السلطان مع المبشرين.

و فيها عمل الناصر محمد بن قلاوون بابا للكعبة الشريفة من السنط الأحمر و حلاه‏ (2) بخمسة و ثلاثين ألف درهم و ثلاثمائة درهم، و ركب عليها بعد ما قلع الباب الذى عمله المظفر صاحب اليمن فى ثامن عشر ذى القعدة. و كان على الباب الذى جعله المظفر صفائح فضة زنتها ستون رطلا، صارت لبنى شيبة بعد قلعه‏ (3).

و فيها مات على بن عرفة بن سليمان المكى فى رابع رجب‏ (4).

و فيها مات القاضى جمال الدين عبد اللّه بن عمر بن أبى جرادة ابن العديم الحلبى الحنفى، فى رابع عشر الحجة (5).

و عمر بن محمد المسجدى اليمنى، فى ثامن عشر الحجة (6).

و أبو محمد بلال بن عبد اللّه الحبشى [عتيق‏] ابن العجمى فى ذى الحجة (7).

____________

(1) إضافة عن السلوك للمقريزى 2/ 2: 368.

(2) كذا فى الأصول، و فى السلوك للمقريزى 2/ 2: 362 «و صفّحه بفضة زنتها خمسة ...».

(3) و انظر مع المرجع السابق البداية و النهاية 14: 162، و شفاء الغرام 1:

103، 104.

(4) العقد الثمين 6: 217 برقم 2088.

(5) العقد الثمين 5: 222 برقم 1591.

(6) العقد الثمين 6: 362 برقم 3096.

(7) العقد الثمين 3: 380 برقم 896، و الإضافة عنه.

204

و قاسم بن عبد المعطى بن أحمد بن عبد المعطى بن مكى بن طراد الأنصارى بفاس من بلاد المغرب‏ (1).

*** «سنة أربع و ثلاثين و سبعمائة»

فيها قدم القاضى عز الدين بن جماعة مكة مع أهله و جاور بها (2).

و فيها جاء الشريف عطيفة من مصر متوليا نصف مكة، و نزل أم الدمن ثم دخل مكة، و أخذ نصف البلاد من أخيه الشريف رميثة. فلما كان ليلة النفر من منى أخرجه السيد رميثة من مكة بلا قتال؛ فتوجه عطيفة إلى مصر صحبة الحاج، و أقام بها إلى أن جاء مع الحاج فى السنة الآتية (3).

و فيها مات الشيخ عفيف الدين عبد اللّه بن شهاب الدين المرسى فى رابع جمادى الآخرة (4).

***

____________

(1) العقد الثمين 7: 26 برقم 2319.

(2) و فى الدرر الكامنة 2: 491 «كان مقبلا على الاشتغال بالحديث، و العبادة، و الحج و المجاورة».

(3) العقد الثمين 6: 100. و شفاء الغرام 2: 204، و درر الفرائد 305.

(4) الدر الكمين، و فيه «عبد اللّه بن شهاب الدين المرسى، الشيخ عفيف الدين، توفى رابع جمادى الآخرة سنة أربع و ثلاثين و سبعمائة، هكذا رأيت مكتوبا فى حجر قبره بالمعلاة».

205

«سنة خمس و ثلاثين و سبعمائة»

فيها قدمت الرجبية من مصر إلى مكة المشرفة، و فيها خلق كثير منهم الشيخ شهاب الدين الهكارى و جاور، و أخبرت الرجبية أن الشريف عطيفة بمصر ملزوما هو و ولده مبارك، ثم قدما مكة صحبة الحاج- و الشريف عطيفة متوليا لنصف البلاد- و معه خمسون مملوكا شراء و مستخدمين، و أخذ نصف البلاد بلا قتال، و توافق هو و أخوه‏ (1).

و كانت الوقفة فى هذه السنة يوم الجمعة (2).

و فيها مات الجمال محمد بن الصفى أحمد بن محمد بن إبراهيم الطبرى، فى ليلة الجمعة حادى عشرى صفر (3).

*** «سنة ست و ثلاثين و سبعمائة»

فيها لم يحج العراقيون؛ لموت سلطانهم أبى سعيد بن خربندا، و اختلاف الكلمة بعده، و دام انقطاعهم سنين كثيرة (4).

____________

(1) شفاء الغرام 2: 204، و العقد الثمين 6: 100، و السلوك للمقريزى 2/ 2: 384، و درر الفرائد 305.

(2) درر الفرائد 305.

(3) العقد الثمين 1: 378 برقم 49.

(4) شفاء الغرام 2: 246، و درر الفرائد 305.

206

و فيها جرت بين الشريفين عطيفة و رميثة وحشة و مباعدة؛ فأقام الشريف عطيفة بمكة و معه المماليك، و رميثة بالجديد من وادى مرّ، فتسلط مبارك بن عطيفة على المجاورين، و أخذ مال التجار. فلما كان فى اليوم الثامن و العشرين من رمضان ركب السيد رميثة فى جميع عسكره، و دخل مكة على السيد عطيفة بين الظهر و العصر، و كان الشريف عطيفة برباط أم الخليفة (1)، و الخيل و الدروع و التجافيف فى العلقمية، فلم يزل رميثة و أصحابه قاصدين إلى باب العلقمية (2) و لم يكن معهم رجالة، فوقف على باب العلقمية من حماها إلى أن أغلقت، و الموضع ضيق لا مجال للخيل فيه، و حمت ذلك الغزّ و العبيد من غلمان عطيفة، فلم يحصل فى [ذلك‏] (3) اليوم للشريف رميثة ظفر، و قتل فى ذلك اليوم من أصحاب رميثة وزيره واصل بن عيسى الزباع، و ابن عمه حشيفة، و يحيى بن ملاعب، ثم ولوا راجعين إلى الجديد. و لم يقتل من أصحاب عطيفة غير عبد واحد أو اثنين- فيما قيل- و اللّه أعلم‏ (4).

____________

(1) رباط أم الخليفة: هو رباط أم الخليفة الناصر العباسى، و يعرف بالعطيفية؛ لأن الشريف عطيفة صاحب مكة كان يسكنه، و تاريخ وقفه سنة 579 ه (شفاء الغرام 1: 331).

(2) العلقمية: لعلها دار ابن علقمة، و كانت قرب المسعى عند زقاق العطارين و زقاق ابن شريق. (أخبار مكة للأرزقى 2: 242، 256).

(3) إضافة عن العقد الثمين 6: 100.

(4) و انظر شفاء الغرام 2: 204.

207

و لم يحج/ أحد من الشريفين فى هذه السنة؛ لأن رميثة أقام 156 بالجديد، و عطيفة أقام بمكة. و لم يحج الركب العراقى‏ (1).

و فيها جعلت الأساطين التى حول المطاف‏ (2)، و جعل بعضها بالحجارة المنحوتة الدقيقة، و الباقى آجر مجصص، و جعل بين كل من الأساطين خشبة ممدودة راكبة عليها و على المقابلة لها؛ لأجل القناديل التى تعلق للاستضاءة حول الكعبة، عوض الأخشاب التى كانت فى هذا المكان على صفة الأساطين‏ (3).

و فيها مات جدى القاضى جمال الدين محمد بن عبد اللّه بن محمد بن عبد اللّه بن فهد الهاشمى، فى يوم الأربعاء- و قيل يوم الثلاثاء- رابع شعبان‏ (4).

و عبد اللّه بن عبد الرحمن بن الضياء محمد بن عمر القسطلانى المكى المالكى، يوم عيد النحر (5).

*** «سنة سبع و ثلاثين و سبعمائة»

فيها اصطلح الشريفان رميثة و عطيفة على المشاركة فى الإمرة،

____________

(1) العقد الثمين 6: 101.

(2) فى الأصول «الطواف».

(3) شفاء الغرام 1: 234، و درر الفرائد 305.

(4) العقد الثمين 2: 79 برقم 233.

(5) العقد الثمين 5: 199 برقم 1564.

208

و أقاما مدة، ثم توجها إلى ناحية اليمن بالواديين، و ترك عطيفة ولده مباركا بمكة، و ترك رميثة ولده مغامسا بالجديد، و حصل بين مبارك و مغامس منافرة، فركب مبارك إلى الجديد لقتال مغامس فى يوم السبت سابع عشرى رجب، و كان مع مبارك أصهاره الأعراب المعروفون ببنى عمير؛ أصحاب الخيف المعروف بخيف بنى عمير بوادى نخلة- و كان تزوج منهم فى هذه السنة بامرأة و بنى بها- و جماعة من أهل مكة؛ فالتقى عسكره و عسكر ابن عمه، فقتل من أصحاب مبارك خمسة أنفار، و من أصحاب مغامس نفر واحد، و أخذت لأصحاب مغامس خيول، و هرب مغامس إلى الخيف.

فلما كان اليوم العاشر من شعبان خرج مبارك بن عطيفة و معه جماعة من أهل مكة فمنع عمه رميثة من دخول مكة لما توجّه إليها من اليمن مع النجاب الذى وصل من صاحب مصر لاستدعائه و استدعاء عطيفة للحضور إلى صاحب مصر، و منع مبارك رميثة من دخول 157 مكة، ثم تراسلا؛ فمكنه/ مبارك من دخول مكة، فدخلها و مكث فيها إلى ليلة الثالث عشر من شعبان، ثم خرج منها إلى الوادى. و فى صبيحة الليلة التى خرج فيها رميثة من مكة دخلها عطيفة مودعا و سافر إلى مصر بعد أخيه رميثة بمقدار خمسة أيام، و ترك ابنه مباركا نائبا بمكة، و معه أخوه مسعود بن عطيفة. و كان أخوهما محمد بن عطيفة فى اليمن بمن معه من الأشراف الذين لايموا عطيفة بعد أن كانوا مع أخيه رميثة لما فارق القواد عطيفة و لايموا رميثة، بعد قتل مبارك للقائد محمد بن عبد اللّه بن عمر بن مسعود العمرى؛ لأنه‏

209

رماه بسهم بظاهر مكة فمات فى موضعه؛ لموجدة وجدها عليه، لكون القائد محمد خرج فيمن خرج من أهله و غيرهم مع رميثة بن أبى نمى لاستخلاص محمد بن الزين القسطلانى من مبارك لما قبض عليه مبارك، و ذهب به إلى ساية (1)، و شاع بمكة أن مباركا قصده نهب بيوت التجار حتى بيت قاضى مكة شهاب الدين الطبرى، و لما بلغ مباركا ذلك أعلن بالنداء بالأمان، و حلف فى يوم جمعة من شوال هذه السنة عند مقام إبراهيم أنه ما همّ بهذا، و لا يفعل ذلك، بمحضر من جماعة من الفقهاء، ثم أرسل أخاه مسعودا إلى الوادى لقطع نخيل القواد ذوى عمر (2)، فقطع منها نخلا كثيرا. ثم أرسل مبارك أربع رواحل لاستعلام أخبار الحاج- و لم يكن بلغه خبر عن أبيه و عمه من حين توجها إلى مصر- فلما كان فى ليلة رابع عشر القعدة من هذه السنة خرج مبارك بن عطيفة إلى وادى المبارك لقطع نخيل بعض أهلها بسبب حمشتهم‏ (3) له؛ فإنه كان قطع حسبا بينهم على أنهم لا يقتتلون إلى مدة حدّها لهم، فقتل بعض الفريقين من الفريق الآخر رجلين غدرا؛ فقطع/ على القاتل و أصحابه نحو ستين نخلة، و أعطى 158

____________

(1) ساية: واد فى حدود الحجاز. (معجم بلدان لياقوت) و فى وفاء الوفا 2: 320، 321 «و فى ساية نخل و زرع و موز و رمان و عنب، و أصلها لولد على بن أبى طالب- رض- و فيها من أفناء الناس، و يطلع عليها جبل السراة دون عسفان «قاله عرام» و فى الأصول «نسائه» و التصويب عن العقد الثمين 7: 120.

(2) كذا فى م و العقد الثمين 7: 120، و فى ت «عمرو».

(3) حمشتهم: يقال حمش فلان فلانا حمشا و حمشة: أى هيجه و أغضبه (المعجم الوسيط).

210

أربعة أفراس، فقبض بعضها، ثم جاءه الخبر بأن الذين أرسلهم إلى ينبع قبض عليهم الترك الذين وصلوا إليها، و لم يفلت منهم غير رجل واحد، وصل إلى مكة و أخبر بذلك؛ فوصل مبارك إلى مكة فى ليلة الثلاثاء السابع عشر من ذى القعدة، ثم خرج منها و معه حاشيته ليلة الجمعة عشرى ذى القعدة، و نزل بالمزدلفة. و فى وقت أذان الجمعة من اليوم المذكور دخل مسعود بن عطيفة و بعض غلمانهم ففتحوا بيتا لشخص يقال له عمر الزيدى، و دار الإمارة، و أخذوا بعض من صدفوه فى الطريق، ثم خرجوا من مكة، و لحق بأخيه مبارك بالمزدلفة.

و دخلها رميثة و معه ابناه عجلان و مغامس، فى يوم الخميس عشرى ذى القعدة؛ متوليا مكة بمفرده، بعد القبض على أخيه عطيفة بالقاهرة، و لم يزل عطيفة بمصر إلى أن مات سنة ثلاث و أربعين، فأمن الناس بمكة، و قطع بعض نخيل إخوته الملايمين لأخيه عطيفة.

و بعد خروج مبارك من مكة بقليل؛ فى آخر القعدة التقى أخوه مسعود و القواد العمرة، و معهم ثقبة بن رميثة فى جهة اليمن، و كانوا هناك يرعون؛ فقتل مسعود بن عطيفة و اثنا عشر رجلا من أصحاب مبارك، و لم يحضر مبارك هذا الحرب؛ لأنه كان فى ناحية عنهم. و لما سمع بما تم على أصحابه من القتل ولّى منهزما مع صاحب له على فرسين؛ فسيق خلفهما فلم يلحقا (1).

____________

(1) العقد الثمين 7: 120- 123.

211

و فيها كان أمير الحاج المصرى الأمير آق سنقر السّلّارى‏ (1).

و فيها مات الشهاب أحمد بن عبد العزيز بن القاسم النويرى، فى عصر يوم الأحد سادس عشر المحرم بالمدينة النبوية (2).

و الفخر عثمان بن شجاع بن عيسى الدمياطى فى رابع عشر ذى الحجة (3).

*** «سنة ثمان و ثلاثين و سبعمائة»

فيها تعرّض مبارك بن عطيفة بن أبى نمى للجلاب الصادرة من مكة، و أخذ جميع ما فيها من الأموال، و صرفها على زبيد و كنانة، و استنجد بهما على أحمد بن سالم صاحب حلي، فحضر إليهم مبارك و التقوا مع صاحب حلي؛ فكسر صاحب حلي، و نهب مبارك و من معه بيته و حلى، و استنجد صاحب حلي برميثة، فأنجده و مكنه من البلاد فسكنها (4).

____________

(1) كذا فى الأصول، و درر الفرائد 306. و رجح محقق السلوك للمقريزى 2/ 2: 428. أنه «آق سنقر السلحدار».

(2) العقد الثمين 3: 78 برقم 583، و الدرر الكامنة 1: 184 برقم 447.

(3) العقد الثمين 6: 20 برقم 1947 و فيه «توفى رابع عشر جمادى الآخرة».

(4) العقد الثمين 7: 123.

212

و فيها- فى نصف ليلة الخميس عاشر جمادى الأولى- حصل غيم و رعود مزعجة، و بروق مخيفة، و مطر كأفواه القرب، ثم دفعت السيول من كل جهة، و كان معظم السيل من جهة البطحاء، فدخل المسجد الحرام من جميع الأبواب التى تليه، من باب بنى شيبة إلى باب إبراهيم، و أخذ السيل الكرانيف‏ (1) التى حول باب إبراهيم و دخل بها المسجد، و حفر فى الأبواب و جعل حول الأعمدة خورا مقدار قامتين و أكثر [و لو] (2) لم تكن أساسات الأعمدة محكمة لكان رماها، و قلع من أبواب الحرم عدة؛ فرمى بابا (3) من أبواب الصفا و أربعة درف من باب على، و أربعة درف من باب العباس، و كسر الفرع الأيمن من باب إبراهيم، و أخذ درفة من باب الشيخ الدلاصى، و كسر باب درجة زمزم، و موضع الأذان، و كسر باب قبة الحاصل و قلعه و أخذه، و طاف الماء بالأبواب و المنابر كل واحد إلى جهة، و بلغ عند الكعبة المعظمة قامة و بسطة، و دخل الكعبة الشريفة من خلل الباب، و علا الماء فوق عتبتها أكثر من نصف ذراع بل شبرين، و وصل إلى قناديل المطاف و غمر (4) بعضها من فوقها فأطفأها،

____________

(1) الكرانيف: أصول سعف النخل. (تاج العروس) و فى الأصول «الكداديف».

(2) إضافة عن شفاء الغرام 2: 267.

(3) كذا فى ت. و فى م «فرمى فردة باب».

(4) فى الأصول «و عبر فى بعضها من فوقها» و كذا فى شفاء الغرام 2:

267.

213

و امتلأت بئر زمزم، و ابتلت المصاحف و الختمة العثمانية و المغربية و الرباع، و سلمت الختمة التكرورية، و ما أخرج المصاحف من القبة إلا العوامون، و امتلأت قناديل المقامات الأربعة، و أخذ من مقام/ إبراهيم 160 قنديل الصبح، و عام به إلى مقام الحنفى، و عام بدرجة الكعبة إلى زيادة على، و غرّق ثمانية أنفس من العجائز المجاورات، و الزيالع الضعفاء اللواتى فى المساطب، و أربعة أنفس خارج المسجد، و خرّب من قبور المعلاة كثيرا، و خرب باب المعلاة و درفته، و خرب الدرب اليمانى، و خرب بيوتا كثيرة مقدار ثمانين بيتا كانت فى مسيله بعد المطر تشققت، و غرق بعض أهلها، و بعضهم مات تحت الردم. فكان من البيوت التى خربت بيت أبى رباح كان فى وسطه، و بروضه نجىّ و حرمتان عنده، سقطت الدار و هلك المذكورون. و دخل السيل بيت الشريفة أم دوان نصف قامة، و تعلق المجاورون بشباك البيت المذكور.

و كان طول الماء بالحرم من خارجه قامة و نصفا. و كان أمرا مهولا: قدرة قادر يقول للشى‏ء كن فيكون، و لو دام ذلك النوء (1) إلى الصباح لغرقت مكة- و العياذ باللّه تعالى- و يعرف هذا السيل بسيل القناديل.

و دخل المسجد الحرام قاضى مكة شهاب الدين الطبرى و معه الضياء الحموى‏ (2)، و بنو شيبة، و الشيخ غانم‏ (3)

____________

(1) النوء: و يراد به الغيم و المطر الشديد.

(2) هو محمد بن عبد اللّه بن محمد بن أبى المكارم الحموى، له ترجمة فى العقد الثمين 2: 86 برقم 235.

(3) هو غانم بن يوسف بن إدريس من غانم الشيبى شيخ الحجبة له ترجمة فى العقد الثمين 7: 5 برقم 2299.

214

و أخوه‏ (1)، و جماعة الفراشين، و أمر بإخراج الرّباع و المصاحف فأخرجها العوّام، ثم بعد صلاة الفجر اجتمع القاضى شهاب الدين الطبرى و الضياء الحموى و بنو شيبة، و الشيخ غانم و أخوه محمد بن يوسف، و أبو الفضل، و يحيى بن بجير (2) و الوجيه، و غيرهم من الأعيان، و دخلوا البيت العتيق، و غسلوه بماء المطر، و أخرجوا التراب و الماء، و دخلوا مقام إبراهيم فوجدوا المقام الشريف غاطسا فى الماء فحملوه و أدخلوه البيت العتيق. ثم طافوا أسبوعا للّه تعالى و هم يعومون. ثم خرجوا إلى باب إبراهيم فوجدوا ثمّ مصرف الماء مسدودا 161 ففتحوه/. و جمعوا الزبل الذى دخل الحرم بالأخشاب و أخرجوه بالماء و داروا [على‏] (3) الأبواب يتفقدون ما تخرب، و جمعوا الكتب التى ابتلّت، و حملوها و دخلوا بها إلى المدرسة الحنفية المظفرية، و نشروا الكتب و المصاحف الشريفة بالسطح و المجلس و الإيوان، فلما كان فى صبح يوم الجمعة اجتمع أهل الحرم كافة و المجاورون و القاضى شهاب الدين و جمعوا الطين الذى فى الطريق و نقلوه، و اجتمعوا على المنبر الذى للخطبة و ردّوه إلى موضعه، و خطب عليه الخطيب شهاب الدين أحمد بن الإمام رضى الدين الطبرى [أو] (4) نائب الخطيب،

____________

(1) و هو محمد بن يوسف بن إدريس الشيبى، له ترجمة فى العقد الثمين 2:

402 برقم 490.

(2) هو يحيى بن على بن بجير العبدرى الحجبى، له ترجمة فى العقد الثمين 7:

443 برقم 2704.

(3) إضافة يقتضيها السياق.

(4) إضافة يستقيم بها السياق؛ فإن شهاب الدين الطبرى تولى قضاء-

215

و صلى الناس، و اجتمع المجاورون و أهل مكة أهل الحرم، و اجتهدوا على تنظيف ما فى الحرم الشريف و إخراج التراب و الحجارة. و كان مجاورا فى هذه السنة جوهر بن عبد اللّه المؤيدى المجاهدى، خادم الحرم الشريف النبوى؛ فاشتغل هو و غلمانه، فجمع التراب من مقام إبراهيم إلى المقام المالكى و إلى باب الصفا، و فرشت البطحاء من مقام إبراهيم إلى دائر المقام الحنفى. ثم جاء المطر يوم الجمعة تاسع عشر جمادى الأولى و أخذ البطحاء التى فرشت، و نزل [من‏] (1) وادى أجياد و وادى إبراهيم قليل‏ (2) و لم يضر الحرم بشى‏ء (2).

و فيها فى اليوم السادس و العشرين من جمادى الأولى دخل حميضة بن رميثة مكة من حلي‏ (3).

و فيها حج أهل المغرب مع الحرة أم‏ (4) السلطان أبى الحسن على‏

____________

- مكة، و تولى الخطابة بعد موت بهاء الدين محمد بن عبد اللّه بن أحمد الطبرى فى سنة 732 ه لأنه استنجز بها توقيعا من السلطان الناصر محمد بن قلاوون، و ترك التاج على بن عبد اللّه بن أحمد الطبرى أخا بهاء الدين يخطب حتى مات. و انظر ما سبق فى أخبار 732 ه.

(1) إضافة على الأصول.

(2) كذا فى ت. و فى م «لم يضر بالحرم شى‏ء».

و انظر فى أخبار السيل شفاء الغرام 2: 266، 267، و البداية و النهاية 14: 180، و درر الفرائد 306.

(3) كذا فى الأصول. و لم يذكر المؤرخون لرميثة ابنا يسمى حميضة. و الذى كان فى حلى فى صدر هذا العام هو الشريف رميثة حينما استجار به أحمد بن سالم صاحب حلى فأنجده رميثة و نصره على مبارك بن عطيفة و قبيلتى زبيد و كنانة، و مكنه من البلاد فسكنها.

(4) كذا فى الأصول، و درر الفرائد 306، 705. و فى السلوك-

216

ابن عثمان بن يعقوب المرينى صاحب فاس، و معها خلق عظيم من المغاربة، و كانت فى ركب لها بمفردها قدام المحمل، و كان فى خدمتها جمال الدين والى الجيزة.

و حج كثير من أهل مصر و أميرهم سيف الدين طيبغا المحمدى، و حصل لهم العطش فى الوجه‏ (1)، و مات به عدة من 162 الخلق/ و نحو أربعمائة حمار (2).

و كانت الوقفة الاثنين، و كانت البلاد رخية؛ بيعت الويبة الدقيق العلامة الفاخرة بتسعة دراهم، و السمن خمسة أرطال بدرهم، و العسل أربعة أرطال بدرهم، و اللحم أربعة أرطال بدرهم، و العجوة اثنا عشر رطلا بدرهم‏ (3).

*** «سنة تسع و ثلاثين و سبعمائة»

فيها توجّه الشريف مبارك بن عطيفة إلى القاهرة بخيله‏ (4)، فسجن مع أبيه لكثرة فساده بالحجاز.

____________

- للمقريزى 2/ 2: 447 «بنت السلطان». و انظر حجها فيه بأوسع مما هنا.

(1) الوجه: منزلة من منازل الحاج بها ماء عذب، فى واد فسيح بعد منزلة الأزلم بخمس مراحل، و قبل منزلة أكرا (فم الضيقة) بمرحلتين، و تقع فى شمال الحجاز. (درر الفرائد 450، 451).

(2) درر الفرائد 306.

(3) المرجع السابق.

(4) كذا فى م، و السلوك للمقريزى 2/ 2: 463. و فى ت «بحيلة» و لعلها الصواب.

217

و فيها حج سيف الدين بشتك الناصرى، و صحبته عدة من الأمراء، منهم: الأمير ناصر الدين محمد بن بكتمر الحاجب، و تصدّق بشتك على الحاج و المشاة من مصر إلى مكة، و من مكة إلى مصر بالماء و الكعك، و جعل لهم خيمة يستظلون بها، فلما قدم مكة فرّق فى الأمراء مالا كثيرا؛ فبعث إلى كل من الأمراء المقدمين ألف دينار، و إلى كل من أمراء الطبلخانات خمسمائة دينار، و فرق فى الأجناد، و بعث إلى بيوت الأمراء بمال كثير، ثم استدعى المجاورين جميعهم، و الأشراف و غيرهم من أرباب البيوت من أهل مكة، صغارا و كبارا، و غيرهم من الزيالعة، و فرق فيهم من الأموال ما لا يعلمه إلا اللّه فلم يبق بمكة أحد حتى أسدى إليه معروفا، فكان جملة ما فرقه ثلاثين ألف دينار و أربعمائة ألف درهم سوى ما وصل إليه فى المراكب من الغلال. فلما قدم المدينة الشريفة- بعد قضاء نسكه- فعل فيها خيرا كثيرا (1).

و كانت هذه السنة طيبة رخية كثيرة الخير، و كانت الوقفة الجمعة (2).

و فيها عمّر الملك المجاهد على بن داود بن يوسف بن عمر بن على بن رسول صاحب اليمن مدرسته بالجانب اليمانى من المسجد

____________

(1) السلوك للمقريزى 2/ 2: 471، 472، و درر الفرائد 306، 694، 695.

(2) السلوك للمقريزى 2/ 2: 471، و درر الفرائد 306.

218

الحرام، و أوقفها فى ذى القعدة على الشافعية و أرباب وظائفها (1).

و فيها مات أبو طيبة محمد بن أحمد بن الأمين الآقشهرى‏ (2).

و الحافظ علم الدين القاسم بن محمد بن يوسف البرزالى محرما بخليص فى رابع الحجة (3).

*** «سنة أربعين و سبعمائة»

163 فيها كان أمير/ الحاج المصرى الأمير بكا الخضرىّ‏ (4)؛ و كان خروج الحاج من القاهرة فى رابع عشرى شوال، و كانت العادة أن يرحل من القاهرة فى سادس عشر شوال، فقصد السلطان ألا تطول إقامة الحاج بمكة رفقا بأهلها؛ فأخّر الرحيل إلى رابع عشرية ليوافى الحاج مكة أول ذى الحجة، و استمر ذلك فيما بعد.

____________

(1) العقد الثمين 1: 318، 6: 158، و شفاء الغرام 1: 328. و فى العقود اللؤلؤية 2: 68 أن السلطان المجاهد أمر بإنشاء هذه المدرسة، و وقف عليها وقفا جيدا من أملاكه فى سنة 740 ه.

(2) العقد الثمين 1: 286 برقم 9.

(3) دول الإسلام 2: 245، و البداية و النهاية 14: 185، و فوات الوفيات 3: 196 برقم 396، و الدرر الكامنة 3: 321 برقم 3229، و النجوم الزاهرة 9: 319، و شذرات الذهب 6: 122.

(4) فى الأصول، و درر الفرائد 306 «بغا الخضرى» و المثبت عن السلوك للمقريزى 2/ 2: 494، و النجوم الزاهرة 10: 104 و قد قتل موسطا فى شهر رجب سنة 743 ه.

219

و فيها حج الأمير سيف الدين آقبغا عبد الواحد بأهله، و فعل بمكة خيرا قليلا، و رجع بالملامة (1).

و فيها حج الشيخ سراج الدين البلقينى مع والده‏ (2).

و فيها مات أبو عبد اللّه عيسى بن عبد اللّه بن عبد العزيز الحجّى النّخلى فى المحرم بوادى نخلة (3).

و أبو العباس أحمد بن محمد بن محمد بن أبى بكر بن مرزوق، ثانى عشرى شوّال‏ (4).

و عبد المؤمن بن خليفة بن عبد الملك الدّكالى فى ليلة الأحد عشر شوال‏ (5).

و ست الأهل بنت الشيخ عبد اللّه الدلاصى‏ (6).

____________

(1) السلوك للمقريزى 2/ 2: 494.

(2) الضوء اللامع 6: 86.

(3) فى الأصول «الحجى المتحلى» و المثبت عن العقد الثمين 6: 459 برقم 3186، و الدرر الكامنة 3: 283 برقم 3118.

(4) العقد الثمين 3: 173 برقم 653.

(5) العقد الثمين 5: 519 برقم 1897 و فيه «مات ليلة الأحد ... عشر شوال سنة إحدى و أربعين و سبعمائة» مشيرا ببياض لرقم قبل عشر.

(6) العقد الثمين 8: 247 برقم 3381 و فيه «توفيت سنة إحدى و أربعين و سبعمائة بمكة و دفنت بالمعلاة».

220

............... (1)

*** «سنة اثنتين و أربعين و سبعمائة»

فيها فى ربيع الأول أفرج عن الشريف مبارك بن عطيفة (2).

و فيها توجه المجاهد صاحب اليمن إلى مكة [و فى خدمته الشريف ثقبة بن صاحب مكة] (3) رميثة بن أبى نمى، فلما بلغ يلملم- ميقات الإحرام من ناحية اليمن- يوم الاثنين سلخ القعدة أمر بنصب الأحواض و ملئت ماء و طرح فيها من السويق و السكر ما

____________

(1) خلت الأصول من ذكر سنة إحدى و أربعين و سبعمائة و أخبارها. و قد جاء فى شفاء الغرام 2: 247 «فى سنة إحدى و أربعين و سبعمائة وقف الحجاج المصريون و الشاميون بعرفة يومين: يوم الجمعة و يوم السبت، و وقف أهل مكة بالسبت، و لكنهم حضروا عرفة ليلة السبت». و جاء فى السلوك 2/ 3: 563 «و فى يوم الثلاثاء رابع عشريه [أى المحرم سنة 742 ه] قدم محمل الحاج من الحجاز صحبة ملكتمر الحجازى»، و جاء فى درر الفرائد 306 «سنة إحدى و أربعين و سبعمائة حج بالناس سيف الدين أرغون».

و يلاحظ أن المؤلف أورد وفاة الشيخ عبد المؤمن بن خليفة الدكالى، و ست الأهل بنت عبد اللّه الدلاصى فى آخر وفيات سنة أربعين و سبعمائة فى حين أن الفاسى ذكر وفاتهما فى سنة إحدى و أربعين و سبعمائة، كما أشرت إلى ذلك فى التعليقات.

(2) السلوك للمقريزى 2/ 3: 573.

(3) إضافة عن العقد الثمين 6: 169، و درر الفرائد 679.

221

شاء اللّه، و سبلها للناس؛ فشرب منها الصغير و الكبير و القاصى و الدانى، و تصدّق على الناس يومئذ بدراهم كثيرة، و ثياب كثيرة للإحرام، و وصل إليه فى يلملم أمير مكة الشريف رميثة بن أبى نمى، و معه سائر الأشراف و أعيان أهل مكة، فلما حضروا بين يدى المجاهد تصدّق عليهم أجمعين على قدر مراتبهم، و أعطى/ رميثة من النقد 164 أربعين ألف درهم جددا مجاهدية، و أعطاه من الكسوة و أنواع الطيب و المسك و العنبر و العود ما يحمله أربعة من الحمالين، و أعطاه عدة من الخيل و البغال كوامل العدد و الآلات، و خلع عليه و على من معه من الأشراف، ثم سار إلى مكة فدخلها عشاء ليلة الأربعاء ثانى ذى الحجة- و قيل فى ليلة هلال ذى الحجة- فطاف و سعى، و دخل الكعبة الشريفة بعد سعيه، فلما خرج من الكعبة الشريفة دخل مدرسته المجاهدية، ثم خرج إلى المخيم فى آخر ليلته، فلما أصبح صلّى الصبح، ثم دخل مكة؛ فأقام فى مدرسته نهار الأربعاء و ليلة الخميس و يوم الخميس، و هو يشاهد الكعبة و من يطوف بها من الناس‏ (1).

و فى يوم الجمعة رابع ذى الحجة وصل أمير الركب المصرى و كسا الكعبة كسوة حسنة (2).

و فى يوم السبت خامس الشهر وصل أمير الركب الشامى و من معه من الصفديين و الحلبيين و غيرهم، و كسا أمير الركب الشامى البيت كسوة فاخرة (2).

____________

(1) شفاء الغرام 2: 247، و العقود اللؤلؤية 2: 70، 71.

(2) العقود اللؤلؤية 2: 71.

222

فلما كان يوم التروية و هو يوم الثلاثاء ثامن الشهر ركب السلطان فى عساكره إلى منى، و أمسى بها ليلة الأربعاء تاسع الحجة، فلما أصبح سار إلى الموقف فى تواضع و خشوع و تأدب و خضوع، فلما أذّن الظهر صلى بصلاة الإمام، و ركب و الأشراف و القواد فى خدمته و غيرهم من المصريين، و وقف عند الصخرات بنواحى موقف النبى (صلّى اللّه عليه و سلم)، فلم يزل واقفا بين يدى اللّه تعالى فى تسبيح و تهليل و تقديس و تبجيل إلى آخر النهار. و فى آخر النهار وصل إليه أمير الركب المصرى و أمير الركب الشامى و سألاه المثول بين يديه لتقبيل 165 كفه/، فأذن لهما، فوصلا و قبّلا كفّه مرارا، و أكثرا من الدعاء له.

فلما غربت الشمس سألاه أن يأذن لهما فى المسير فى خدمته، فأمرهما أن يسيرا فى عساكرهما و محاملهما. فقبلا يده و انصرفا. و توقف هو و من معه من عسكره و خواصه؛ فلم يزل فى بكاء و خشوع و دعاء و خضوع و الحاضرون يبكون لبكائه و يؤمنون على دعائه، فلما غشيه الليل سار فى عساكره إلى الموقف بمزدلفة و لم يزل بها إلى أن صلى الصبح و أخذ الحصى لرمى الجمار، ثم سار إلى منى و قد حفّت به العساكر و أحاطت به الفرسان، و لم يزل سائرا إلى الجمرة الكبرى فرماها هنالك، و سار إلى الخيمة، و سارت عساكر الشام و مصر بين يديه، فأقام يومه ذلك و هو يوم الخميس العاشر، فلما كان صبح يوم الجمعة سار إلى مكة، فطاف بها طواف الزيارة، ثم رجع إلى منى فرمى الجمار الثلاث، و بات ليلة السبت الثانى عشر بمنى، فلما أصبح و زالت الشمس رمى الجمار أيضا، و أقام بمنى إلى صبح يوم‏

223

الاثنين الرابع عشر، ثم تقدم إلى مكة فطاف بها طواف الوداع، و خرج و أشعر العسكر بالتأهب للسفر، و سار آخر يومه، فأصبح على بئر آدم و هى التى تسمى بئر على، و إنما هى بئر الحسين بن سلامة، فأقام هناك إلى يوم الخميس سابع عشر الحجة- و قيل إلى يوم السبت تاسع عشر، و قيل للعشرين- و سافر و هو متغير الخاطر على بنى حسن لكونهم لم يمكنوه من كسوة الكعبة و تركيب باب عليها من عنده. و كانت الأشراف و القواد فى خدمته طول إقامته بمكة إلى أن سافر (1).

و كان حاج مصر فى هذه السنة قليلا (2)،/ و حج الناس حجة 166 طيبة.

و فيها مات زين الدين أبو الطاهر أحمد بن محمد بن المحب أحمد ابن عبد اللّه الطبرى، فى رابع المحرم‏ (3).

و صاحب الحلّة الشريف أحمد بن رميثة بن أبى نمى الحسنى، قتله المغل فى ثامن عشر رمضان‏ (4).

____________

(1) العقد الثمين 6: 169، 170، و شفاء الغرام 2: 247، و العقود اللؤلؤية 2: 72، و درر الفرائد 680، 681.

(2) درر الفرائد 307.

(3) العقد الثمين 3: 119 برقم 616، و الدرر الكامنة 1: 259 برقم 629.

(4) العقد الثمين 3: 40 برقم 547. و الحلة: بنواحى العراق.

224

و قاضى تعز محمد بن يوسف بن على بن محمود بن أبى المعالى النزارى الصّبرى فى آخر يوم عرفة شهيدا مبطونا، و غسّل بمنى و دفن بالأبطح، و كان وصل مع المجاهد (1).

و مقبل بن أبى نمى بن أبى سعد الحسنى المكى ليلة الأربعاء لليلتين بقيتا من ذى الحجة (2).

*** «سنة ثلاث و أربعين و سبعمائة»

فيها كان بعرفة فتنة بين الحجاج المصريين و أهل مكة، من قبل الظهر إلى غروب الشمس، قتل فيها جماعة؛ و سبب ذلك أن السيد رميثة صاحب مكة شكا إلى أمير الحاج المصرى ما يلقاه من بنى حسن، فاقتضى رأى الأمير الركوب عليهم؛ فركب و التقى مع بنى حسن فقتل من الترك قريب من ستة عشر نفرا، و من أتباع الأشراف ناس قليل، و ظفر الأشراف على الترك، و لم يتعرضوا للحاج بنهب، و نفر الناس من عرفة- خائفين- قبل غروب الشمس، و سلك الأشراف فى نفرهم من عرفة طريق البئر المعروفة بالمظلمة (3)، و توجهوا

____________

(1) العقد الثمين 2: 403 برقم 492، و العقود اللؤلؤية 2: 75، و شذرات الذهب 6: 139.

(2) العقد الثمين 7: 267 برقم 2514.

(3) و فى العقد الثمين 2: 146 «و أخذ بعضهم طريق المظلمة».

225

إلى مكة و تحصنوا بها، و تركوا الحضور إلى منى فى أيامها؛ تخوفا من الحجاج، و رحل الحجاج جميعهم فى النفر الأول، و نزلوا الزاهر و لم يصبحوا فيه، و لم يعتمر أكثر الحجاج، و لم يطوفوا طواف الوداع؛ خوفا على أنفسهم، و تعرف هذه السنة عند أهل مكة بالسنة المظلمة. و كان أصيب فى هذه الفتنة الشريف محمد بن عقبة بن إدريس بن قتادة بن إدريس بن مطاعن بجرح فمات منه فى يوم الثلاثاء حادى عشر ذى الحجة (1).

و فيها مات عبد الكريم بن أبى نمى/ محمد بن سعد بن حسن 167 ابن على بن حسن بن قتادة، فى يوم الاثنين ثانى عشر المحرم‏ (2).

و صفيّة بنت إبراهيم بن أحمد بن محمد الزبيدية، فى ليلة الجمعة سادس عشر المحرم‏ (3).

و خضر بن حسن بن محمود النابتى العراقى الأصفهانى ليلة السادس من شعبان‏ (4).

____________

(1) شفاء الغرام 2: 247، و العقد الثمين 2: 146، 147، و السلوك للمقريزى 2/ 3: 636، 638.

(2) العقد الثمين 5: 477 برقم 1851.

(3) العقد الثمين 8: 259 برقم 3398.

(4) فى الأصول «حسن بن حسن بن محمود النابتى الصنعانى» و المثبت عن العقد الثمين 4: 314 برقم 1131، و فيه «توفى ليلة السادس عشر من شعبان سنة ثلاث و أربعين و سبعمائة بمكة، و دفن بالمعلاة. كذا وجدت وفاته فى حجر قبره، و وجدت تاريخ وفاته بهذا الشهر أيضا بخط ابن البرهان الطبرى».

226

و غانم بن يوسف بن إدريس بن غانم الشيبى، فى رمضان‏ (1).

و ظهيرة بن أحمد بن عطية بن ظهيرة، فى ليلة الرابع عشر من شوال‏ (2).

و محمد بن موسى بن على بن أسعد بن جميع الطائى الصفدى، فى يوم السبت حادى عشرى الحجة (3).

و عبد الكريم بن محمد بن أحمد بن عطية بن ظهيرة (4).

و الشريف عطيفة بن أبى نمى بالقبيبات بالقاهرة (5).

*** «سنة أربع و أربعين و سبعمائة»

فيها اشترى عجلان و ثقبة إمرة مكة من والدهما رميثة بستين ألف درهم؛ لأنه كان كبر و ضعف، و عجز عن البلاد و عن أولاده، و بقى كل منهم له فيها حكم، ثم استدعى الصالح إسماعيل بن الناصر

____________

(1) العقد الثمين 7: 5 برقم 2299.

(2) العقد الثمين 5: 77 برقم 1449.

(3) لم نعثر له على ترجمة فيما تيسر من المراجع.

(4) العقد الثمين 5: 476 برقم 1850.

(5) العقد الثمين 6: 95 برقم 2003.

227

محمد بن قلاوون الشريف ثقبة إلى مصر؛ فتوجه إليها، و بقى عجلان وحده فى البلاد إلى آخر ذى القعدة، فوصل مرسوم من سلطان مصر برد البلاد على السيد رميثة، و لزم الشريف ثقبة فى مصر. فلما علم السيد عجلان بذلك خرج إلى ناحية اليمن، و منع الجلاب من الوصول إلى مكة؛ فلم يصل منها إلا القليل، و عزّ بها صنف المتجر، و حصل فى هذه السنة غلاء عظيم فى أيام الحج؛ بحيث بيعت الويبة الشعير بأربعين درهما، عنها ديناران، و الويبة الدقيق بخمسين درهما، و الرطل البقسماط بثلاثة دراهم، و الإردب القمح بثمانين درهما، و الحمل إلى أربعمائة و خمسين درهما لقلته. و كان حجاج الشام كثيرين، و حصل للحجاج فى سفرهم مشقات كثيرة من قلة الماء و غلو الأسعار، و هلك كثير من المشاة (1).

و حج بالناس البرناق‏ (2)، و وقع بينه/ و بين أهل مكة فتنة، 168 و قتل منهم بعض فوارس، و سلم الحاج من الشرفاء؛ لكلام السيد رميثة. و لما رحل الحاج من مكة وصل السيد عجلان من جهة اليمن، و نزل الزاهر، و أقام به أياما، ثم بعد ذلك اصطلح هو و أبوه، و أخذوا من التجار مالا جزيلا (3).

____________

(1) العقد الثمين 4: 416، 417، 6: 59، و السلوك للمقريزى 2/ 3:

660.

(2) فى الأصول «البرياق»، و فى درر الفرائد 307 «البرناو»، و أشار فى هامشه أنه فى نسخة الأزهرية «البرتاق» و المثبت عن النجوم الزاهرة 11: 12 و هو: سيف الدين برناق بن عبد اللّه نائب قلعة دمشق، توفى سنة 762 ه، و كان مشكور السيرة.

(3) العقد الثمين 4: 417.

228

و فيها مات عبد اللّه بن على بن محمد بن عبد السلام بن أبى المعالى الكازرونى المكى، فى خامس عشرى رمضان‏ (1).

و الشيخ الصالح أبو القاسم بن محمد بن عمر بن إبراهيم بن على ابن محمد، يوم الخميس عاشر القعدة (2).

و عبد اللّه بن أحمد بن أبى بكر بن الفقيه أحمد بن موسى بن عجيل اليمنى، فى ذى الحجة (3).

و أبو البركات محمد بن أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن الحرازى بدمشق‏ (4).

*** «سنة خمس و أربعين و سبعمائة»

فيها جدد الأمير المعروف بآل ملك نائب السلطنة بمصر البركة

____________

(1) العقد الثمين 5: 213 برقم 1583.

(2) الدر الكمين، و وصفه بالشيخ الصالح العابد الورع الزاهد الفقيه و قال: مات يوم الخميس عاشر القعدة سنة أربع و أربعين و سبعمائة. هكذا رأيت بحجر قبره بالمعلاة».

(3) العقد الثمين 5: 97 برقم 1474.

(4) العقد الثمين 1: 365 برقم 41 و فيه «ذكر البرزالى فى تاريخه فى المتوفين فى سنة إحدى و ثلاثين و سبعمائة». و قد أورد الفاسى بعده فى ص 366 برقم 42 سميه أخا السابق، و كناه بأبى الفضل. و قال: إنه مات فى طاعون سنة 749 ه و كان يعلم الناس دعاء ليسلموا به منه، فكانت وفاته فى أوائل الحجة من السنة المذكورة بمكة.

229

المعروفة ببركة السلم‏ (1) بطريق منى، و أجرى العين من منى إليها على يد ولده أحمد و ابن أخيه فارس الدين‏ (2)، و عمر المطهرة عند باب الحزورة (3)، و تعرف ببيت العطار، و هى الآن معطلة.

و فيها مات راجح بن على بن مالك‏ (4) بن حسن بن حسين ابن كامل بن أحمد الحسنى يوم السبت [رابع المحرم‏].

و الفقيه صفى الدين مصطفى بن محمود بن موسى بن محمود بن على الأنصارى المكى فى ليلة الجمعة رابع عشر جمادى الأولى‏ (5).

و مقرى‏ء مكة البرهان إبراهيم بن مسعود بن إبراهيم الإربلى المسرورى فى ثالث عشر جمادى الأولى بالمدينة (6).

و فيها مات- تقريبا- الجمال محمد بن عبد المعطى بن أحمد ابن عبد المعطى بن مكى بن طراد الأنصارى‏ (7).

***

____________

(1) شفاء الغرام 1: 340، و العقد الثمين 3: 331.

(2) درر الفرائد 307. و انظر ترجمته فى الدرر الكامنة 1: 432 برقم 1041.

(3) شفاء الغرام 1: 350، و العقد الثمين 3: 330.

(4) فى الأصول «ابن مبارك» و المثبت عن العقد الثمين 4: 372 برقم 1171، و كذا الإضافة عنه.

(5) العقد الثمين 7: 204 برقم 2462.

(6) العقد الثمين 3: 262 برقم 727، و الدرر الكامنة 1: 74 برقم 191.

(7) العقد الثمين 2: 125 برقم 280.

230

«سنة ست و أربعين و سبعمائة»

فيها فى ثانى المحرم سافر السيد عجلان إلى القاهرة، فوصلها و أقام بها إلى أن مات الملك الصالح‏ (1)، و ولى أخوه الكامل شعبان السلطنة بالديار مصرية و الشامية؛ فولى الكامل عجلان إمرة مكة 169 دون أبيه/ رميثة، و عاد السيد عجلان إلى مكة فوصلها يوم السبت سابع عشر (2) جمادى الآخرة، و معه خمسون مملوكا- شراء و مستخدمين- و قبض البلاد بلا قتال من إخوته، و قرى‏ء مرسومه بالتولية على زمزم فى الساعة الثالثة من النهار، و دعى له بعد المغرب و للسلطان الملك الكامل، و قطع دعاء السيد رميثة، و راح أخوه ثقبة إلى نخله، و أقام معه أخواه‏ (3) سند و مغامس بمكة، فأعطى أخاه سندا ثلث البلاد بلا دعاء و لا سكة، و أعطى أخويه مغامسا و مباركا السّرّين: أعنى الموضع المعروف بالواديين.

و يقال إن السيد عجلان أعطى أخويه سندا و مغامسا فى البلاد [رسما] (4) و أقاما معه فى البلاد على ذلك مدّة، ثم تشوّش‏

____________

(1) هو الملك الصالح إسماعيل بن محمد بن قلاوون، و هو الرابع من أولاده الذين تولوا السلطنة فى مصر، و كانت ولايته فى ثانى عشر المحرم سنة 743 ه بعد خلع أخيه الناصر أحمد. و توفى ليلة الخميس رابع شهر ربيع الآخرة سنة 446. و تسلطن بعده أخوه الكامل شعبان بن محمد بن قلاوون. (النجوم الزاهرة 10: 78- 116).

(2) كذا فى ت، و العقد الثمين 6: 60، و فى م «سابع عشرين». هذا و قد عين فى إمرة مكة فى شهر جمادى الأولى. (السلوك للمقريزى 2/ 3: 685).

(3) فى الأصول «أخوه».

(4) إضافة عن العقد الثمين 6: 60.

231

منهما فأخرجهما من البلاد بحيلة إلى وادى مرّ، ثم أمرهما بالاتساع فى البلاد؛ فلحقا بأخيهما ثقبة، و كان قد توجّه إلى الديار المصرية قبل توجههما إليه بشهر، و توجّه صحبته بقود فيه عدة خيول؛ فوعد بخير (1)؛ فلما وصل سند و مغامس مصر قبض عليهم بها، و لم يزالوا بها حتى أطلقهم ابن عمهم محمد بن عطيفة. ثم جاء نجاب للشريف عجلان من مصر فى أوائل ذى القعدة و أخبر بأن البلاد لعجلان، و أن إخوته قبضوا فى مصر (2) حتى ينظر حال عجلان مع الحاج؛ فزيّن السوق بمكة.

ثم بعد وصول النجاب مات السيد رميثة فى ثامن القعدة؛ فبطلت الزينة.

و نشر السيد عجلان بمكة من العدل و الأمان للحاج و المجاورين الذى لم يعهد مثله فى طول الزمان؛ و ردّ المظالم و السرقات، و بطل القتل و النهب، و طرح/ ربع الجبايات‏ (3)، و رفع المظالم. 170

و فيها حجت الحرّة من بلاد المغرب‏ (4).

و فيها مرض السيد رميثة بغير مكة، فحمل و أتى به إلى مكة- و قد دخل فى النزع- فى نصف ليلة الخميس سابع ذى القعدة، ثم‏

____________

(1) السلوك للمقريزى 2/ 3: 691.

(2) كذا فى م، و العقد الثمين 6: 60. و فى ت «قبض عليهما».

(3) فى الأصول، و المرجع السابق «الجنايات».

(4) السلوك للمقريزى 2/ 3: 692.

232

مات فى يوم الجمعة ثامن القعدة، و طيف به وقت صلاة الجمعة- و الخطيب على المنبر قبل أن يفتتح الخطبة- و سكت الخطيب حتى فرغوا من الطواف به، و كان ابنه عجلان يطوف معه، و جعله فى مقام إبراهيم‏ (1).

و فيها ماتت صفيّة بنت محمد بن عبد المحسن الأبوتيجى بمكة (2).

و أحمد بن الوجيه عبد الرحمن بن عبد المعطى بن مكّىّ بن طراد الأنصارى‏ (3).

*** «سنة سبع و أربعين و سبعمائة»

فيها أرسل السيد عجلان إلى القاهرة قودا، فمنع من الإنعام عليه كعادته عند قدومه بقوده، و هى أربعة آلاف درهم. و كتب إلى أخيه ثقبة ألّا يعارضه، و أن يحضر إلى القاهرة (4).

و فيها قدم تجّار اليمن و الهند، و كان الفلفل عزّ وجوده بالقاهرة

____________

(1) العقد الثمين 4: 417.

(2) العقد الثمين 8: 260 برقم 3399، و شذرات الذهب 6: 149، و الدرر الكامنة 2: 204 برقم 1728 و فيه ماتت سنة 748 ه.

(3) العقد الثمين 3: 76 برقم 579.

(4) السلوك للمقريزى 2/ 3: 704.

233

حتى بيع الرطل بستة و أربعين درهما، و لم يعهد مثل ذلك فيما سلف، فبيع عند قدوم الحاج بخمسة دراهم الرطل‏ (1).

و فيها كان بمكة غلاء بلغت فيه غرارة الحنطة مائة و سبعين درهما، و الذرة مائة و أربعين‏ (2).

و فيها قدم الأمير أحمد بن آل ملك لعمارة ما يحتاج عمارته فى الحرم، و جاء معه من مصر بالبناة و النجارين و العمال، و بعض حجاج؛ فعمر سقف الحرم الذى عند باب رباط السّدرة.

و فيها كانت الوقفة الجمعة؛ لأنه ثبت ذلك عند قاضى مكة بحضور قاضى القضاة عز الدين بن جماعة و غيره من حجاج مصر و الشام/ و العراق، و كان يوم عرفة بمصر و الإسكندرية يوم الخميس، 171 فأنكر الشيخ علاء الدين على بن عثمان التركمانى الحنفى على القاضى عز الدين بن جماعة، و أفتى أن حج الناس فاسد، و يلزم من وقف بالناس يوم الجمعة بعرفة جميع ما أنفقه الحاج من الأموال، و أنه يجب على الحجاج كلهم أن يقيموا محرمين لا يطئوا نساءهم، و لا يمسوا طيبا حتى يقفوا بعرفة مرة أخرى. و شنّع بذلك عند الأمراء، و أظهر الحزن على الناس، و الأسف على ما أنفقوه من أموالهم؛ فشقّ ذلك على الأمير طغيتمر الدوادار، من أجل أن زوجته حجت فيمن حج، و أخذ خط ابن التركمانى بما تقدم ذكره، فغضب الشافعية، و أنكروا

____________

(1) السلوك للمقريزى 2/ 3: 725، و درر الفرائد 308.

(2) شفاء الغرام 2: 273.

234

مقالته و ردّوها، و قصد ابن جماعة أن يعقد مجلسا فى ذلك، و يطلب ابن التركمانى، و يدعى عليه بما أفتى به مما لا يوجد فى كتب الحنفية؛ فرجّعه الناس عن ذلك مخافة الشناعة (1).

و فيها فى يوم الاثنين تاسع عشر رجب حصل مطر بمكة المشرفة بين صلاة الظهر و العصر، و نزل وادى إبراهيم و امتلأ، و أخذ الكرانيف‏ (2) و دخل الحرم من أبوابه قليلا، و امتلأ المطاف إلى حد باب البغلة (3). و كان فى باب إبراهيم أخشاب عام بها السيل فى الحرم و امتلأ بازان‏ (4)، و امتلأ أجياد و المصافى. ثم ابتدى‏ء فى تنظيف الحرم الشريف يوم الأربعاء سلخ الشهر المذكور.

و فيها ولى الفخر عثمان بن يوسف بن أبى بكر الأنصارى النويرى تدريس الحديث لوزير بغداد (5).

و فيها مات أبو بكر بن على بن مكارم بن فتيان الأنصارى الدمشقى، فى ثالث ربيع الأول‏ (6).

____________

(1) السلوك للمقريزى 2/ 3: 725، درر الفرائد 308.

(2) فى الأصول «الكداديف» و المثبت عن تاج العروس. و انظر ما سبق فى أخبار سيل سنة 738 ه.

(3) باب البغلة: و هو من أبواب شق المسجد اليمانى الذى يلى الوادى، و هو باب بنى سفيان بن عبد الأسد، و لا يدرى سبب تسميته بباب البغلة. (أخبار مكة للأرزقى 2: 89، و شفاء الغرام 1: 238).

(4) و انظر شفاء الغرام 1: 238.

(5) العقد الثمين 6: 56.

(6) لم نعثر له على ترجمة فيما تيسر من المراجع.

235

و أبو بكر بن عمر بن شهاب الهمذانى الصوفى، فى يوم السبت ثالث عشر ربيع الأول‏ (1)./

و الشريف [محمد] بن أبى عبد اللّه محمد بن محمد بن عبد 172 الرحمن الحسنى الفاسى، فى شعبان أو رمضان فى المدينة (2).

«سنة ثمان و أربعين و سبعمائة»

فيها وصل من مصر إلى مكة السيد ثقبة بن رميثة و أخواه سند و مغامس، و ابن عمهم محمد بن عطيفة، و أخذوا فيها نصف البلاد من عجلان بغير قتال‏ (3).

و فيها كان بمكة غلاء (4).

و فيها انقطعت عين بازان بعد عمارتها فى سنة ست و عشرين‏ (5).

و فيها زار القاضى شهاب الدين الطبرى المدينة النبوية فى قافلة كبيرة، و جدد بئر رومة ظاهر المدينة، و رفع بناءها على الأرض نحو

____________

(1) العقد الثمين 8: 16 برقم 2818 و فيه «توفى يوم السبت ثالث عشر ربيع الأول سنة سبع و أربعين و ستمائة ... نقلت وفاته من حجر قبره».

(2) العقد الثمين 2: 334 برقم 437، و الدرر الكامنة 4: 342 برقم 4455، و الإضافة عنهما.

(3) العقد الثمين 3: 395، 6: 61.

(4) شفاء الغرام 2: 273.

(5) درر الفرائد 308.

236

نصف قامة، و نزحها و كثر ماؤها بعد أن خربت و نقضت حجارتها و أخذت، و لم يبق بها إلا أثر؛ فدخل فى عموم الحديث الصحيح «من يحفر بئر رومة فله الجنة» (1).

و فيها حج الركب العراقى بعد انقطاعه عن الحج إحدى عشرة سنة، و كان الحجاج كثيرا من العراق بخلاف مصر و الشام‏ (2).

*** «سنة تسع و أربعين و سبعمائة»

فيها قدمت الرجبية من مصر صحبة الأمير فارس الدين ابن أخت الحاج آل ملك، و صحبتهم القاضى عزّ الدين بن جماعة، و قاضى القضاة زين الدين عمر البسطامى- و هو معزول- و القاضى علاء الدين بن التركمانى، و القاضى تاج الدين الإخنائى المالكى، و هو جليد- نائبا عن عمه تقى الدين- و معه أخوه ابن أمان الدين إبراهيم، و ابن أخيه عبد الوهاب بن القاضى جمال الدين، و ناصر الدين نصر اللّه الحنبلى، و زين الدين عبد الرحمن الإسنائى، و شهاب الدين بن النقيب، و القاضى شمس الدين بن يوسف المالكى و أولاده، و خلق كثير لا يحصون.

____________

(1) العقد الثمين 3: 163.

و بئررومة: فى عقيق المدينة اشتراها عثمان رضى اللّه عنه و تصدق بها على المسلمين. و الحديث المذكور هنا فى صحيح البخارى من رواية عثمان بن عفان رضى اللّه عنه حين حوصر. (معجم البلدان لياقوت- وفاء الوفا 2: 138).

(2) شفاء الغرام 2: 247، و درر الفرائد 308.

237

و كان عدة جمال الرجبية الذين نزلوا من عقبة أيلة؛ حصرهم فارس الدين و عدّهم واحدا واحدا، فكانوا أحد عشر ألف جمل و خمسمائة جمل، و رسم أن ينزلوا من العقبة و هو واقف يعدهم/ 173 و يطلق لكل واحد جماله- شيئا بعد شى‏ء- فأقاموا ينزلون ثلاثة أيام، و أقاموا فى رابغ إلى أن أهلّ رمضان، فأحرموا بعمرة آفاقية (1) من الميقات، و دخلوا مكة فى رابع رمضان، و ناس فى الخامس.

و اجتهد فارس الدين فى إصلاح المسجد الحرام، و جدد الأعمدة المتجددة حول المطاف، و شرع فى عمارة عين جوبان فنازعه عرب بنى شعبة، فجمع لهم و قاتلهم؛ فقتل منهم جماعة و جرح كثيرا و هزمهم، و قتل له مملوكان. و أصلح [العين‏] (2) حتى جرى ماؤها بقلّة (3).

و فيها- فى آخرها و أول التى بعدها- وصل السيد مبارك بن عطيفة من اليمن إلى مكة، و قصد أن يدخلها فاهتم بذلك، ثم ألقى اللّه فى قلبه الرّعب فتوجه إلى سواكن و حاصرها، و قاتل أهلها. ثم قتل فى جمادى الأولى من السنة بعد هذه‏ (4).

____________

(1) آفاقية: المراد أن كل واحد من المعتمرين نوى عمرته منفردا.

(2) إضافة عن السلوك للمقريزى 2/ 3: 798.

(3) و انظر فى إصلاح هذه العين السلوك للمقريزى 2/ 3: 766، 768، 769، 798.

(4) العقد الثمين 7: 123.

238

و فيها- أو فى التى بعدها- وقع الغلاء بمكة شديدا، بلغت الحنطة إلى نحو ثلاثمائة درهم الإردب، و الذرة الغرارة إلى نحو المائة، و وصل الدقيق- فى الموسم- إلى ستة و أربعين درهما الويبة، و الشعير إلى سبعين درهما الويبة (1).

فيها وقع بمكة و الطائف و جدة و عامة بلاد الحجاز و بواديها وباء عظيم حتى جافت البوادى، و هلك كثير من الجمال، و قيل أنه لم يبق بجدة سوى أربعة أنفس، و خلت الطائف و لم يبق فيها إلا القليل، و كان يموت من أهل مكة فى كل يوم نحو من عشرين نفسا و دام مدة ثم ارتفع. و هذا الوباء كان عاما فى جميع البلاد، و هو بديار مصر أعظم ما كان‏ (2).

و فيها قصد المجاهد صاحب اليمن الحج، فأرسل بعض رواده فسمع بكثرة أهل مصر فبطل.

و فيها فى سلخ رجب أوقف العز إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الأصبهانى الرباط المعروف به بزقاق الحجر على الفقراء و المساكين و المجاورين من أهل الخير و الديانة من أى صنف كانوا من العرب و العجم‏ (3). و يكون النظر إليه و إلى عقبه [من‏] (4) بعده، فإذا

____________

(1) السلوك للمقريزى 2/ 3: 798.

(2) شفاء الغرام 2: 273، و المرجع السابق، و انظر النجوم الزاهرة 10:

195- 213.

(3) شفاء الغرام 1: 334.

(4) إضافة عن العقد الثمين 3: 240.

239

انقرضوا يكون للحاكم بمكة المشرفة. و الحجرتان المفترقتان فى أعلى الرباط و أسفله/ وقف على هذا الرباط، يصرف كراؤهما فى مصلحته و عمارته 174 و سقايته و ما يحتاج إليه. و النظر فيهما للمذكورين‏ (1)

و فيها قدم الشيخ شمس الدين محمد بن على بن سكر البكرى مكة حاجّا، ثم بدا له استيطانها فاستوطنها حتى مات‏ (2).

و فيها مات شيخ السدنة محمد بن يوسف بن إدريس بن فرج ابن غانم الشيبى، فى جمادى الأولى، و كان تولى المشيخة قبل موته فى هذا الشهر الجمال عبد اللّه محمد بن أبى بكر بن ناصر الشيبى‏ (3).

و فيها مات إمام مقام إبراهيم الخليل أبو المكارم أحمد بن الرضى الطبرى، فى ذى الحجة، و ولى بعده الإمامة ولده رضى الدين محمد (4).

و فيها مات محب الدين موسى بن عمر الجعبرى، فى حادى عشر رمضان‏ (5).

____________

(1) و قد ورد أمام هذا الخبر فى هامش الأصول «استأجر هذا الرباط و الغرفتين- بعد أن آلت إلى الخراب، و صارت مربطا للدواب- الشيخ العلامة العارف باللّه تعالى مولانا جعفر الرومى إجارة طويلة من القاضى شمس الدين التاذفى الشافعى من أعمال سنة ست و عشرين و ثمانمائة، و عمّر الرباط، و أسكنه الفقراء، و عمر الغرفتين، و أنفق على ذلك مالا كبيرا- (رحمه اللّه تعالى)، و هو رباط باق إلى الآن يسكنه الفقراء».

(2) العقد الثمين 2: 205.

(3) العقد الثمين 2: 402 برقم 490، 1: 434.

(4) العقد الثمين 3: 9 برقم 512 و فيه خلاف حول تاريخ وفاته.

(5) العقد الثمين 7: 306 برقم 2547.

240

و أبو الفضل محمد بن أحمد بن قاسم الحرازى‏ (1).

و خليل‏ (2) بن عبد المؤمن بن خليفة الدّكالى.

كلاهما فى ذى القعدة أو ذى الحجة.

و فخر الدين عثمان بن الصفى أحمد بن محمد بن إبراهيم الطبرى، فى العشر الأول من ذى الحجة (3).

و الجمال محمد بن أحمد بن عطية القرشى‏ (4).

و البدر حسين بن الزين محمد بن الأمين بن القطب القسطلانى‏ (5).

كلاهما فى ذى الحجة.

و خليفة بن أبى سعد بن ميمون الجعفرى‏ (6).

و أبو عبد اللّه محمد بن محمد بن أبى بكر عبد اللّه بن خليل بن إبراهيم العسقلانى‏ (7) المكى بها.

____________

(1) العقد الثمين 1: 366 برقم 42.

(2) فى الأصول «خليفة» و المثبت عن العقد الثمين 4: 328 برقم 1142.

(3) العقد الثمين 6: 16 برقم 1940.

(4) العقد الثمين 1: 320 برقم 34.

(5) العقد الثمين 4: 208 برقم 1047.

(6) لم نعثر له على ترجمة فيما تيسر من المراجع.

(7) فى الأصول «القسطلانى» و المثبت عن العقد الثمين 2: 294 برقم 399.

241

و الشيخ محب الدين موسى الجعبرى‏ (1).

و الشيخ يحيى التونسى‏ (2).

*** «سنة خمسين و سبعمائة»

فيها كان الغلاء بمكة متصلا بالسنة التى قبلها (3).

و فيها حصل بين الشريف عجلان و ثقبة وحشة، و كان عجلان بمكة و ثقبة بالجديد، ثم خرج عجلان إلى الوادى لقتال ثقبة، فلما أن بلغ الدّكناء و أرض خالد رام المسير إلى ثقبة، فمنعه القواد من ذلك، ثم إنه نزل بوادى العقيق من أرض خالد- و لعله من أرض مرّ- و أقام بها مدة يسيرة، ثم أصلحوا بينه و بين أخيه، و صعد عجلان إلى خيف بنى شديد و أقام، ثم توجه إلى مصر فى شعبان أو رجب، و بقى ثقبة فى البلاد وحده، و قطع نداء أخيه/ عجلان من 175 زمزم‏ (4).

و لقى السيد عجلان ركب الرجبية بالعقبة، فقدم إلى القاهرة، و دخل على السلطان، و طلب منه تجريد عسكر معه، فلم يجب، و رسم له بشراء مماليك، و استخدام الأجناد البطالين؛ فشرع فى‏

____________

(1) تكرر ذكره فى الأصول، و انظر ثالث وفاة فى هذه السنة ص 239.

(2) العقد الثمين 7: 459 برقم 2721.

(3) السلوك للمقريزى 2/ 3: 798.

(4) العقد الثمين 6: 61.

242

ذلك. (1) و قدم كتاب أخيه ثقبة، صحبته محضر ثابت الشكر من سيرته، و تكذيب عجلان فيما نقل عنه‏ (1)، فكتب لعجلان توقيع بإمرة مكة بمفرده، و اشترى أربعين مملوكا، و استخدم عشرين جنديا، و أنفق فيهم خمسمائة درهم كل واحد، ثم استخدم طائفة أخرى حتى صار فى مائة فارس، و حمل معه حملين [نشابا و قسيا و نحوها] (2) فلما كان اليوم الخامس أو الرابع من شوال وصل عجلان من مصر متوليا لجميع البلاد، و معه أمير اسمه الصارم‏ (3) مشدّ العمائر، و عدة رجال و جند و مماليك، بعد خروج ثقبة و أخواه سند و مغامس إلى ناحية اليمن، ثم قصد ثقبة ذهبان‏ (4) و حمضة (5)، و تعرض للجلاب و أخذها، و حمل عبيده فيها و جاء بها إلى حلى، و استمر بها مدة، و لقى بها فى السنة الآتية- كما سيأتى- المجاهد (6).

____________

(1) كذا فى الأصول. و فى السلوك للمقريزى 2: 3: 820 «و قدم كتاب أخيه ثقبة يشكو منه فكتب لعجلان توقيع بإمرة مكة بمفرده». ثم فى ص 821 «و فيه قدم كتاب الشريف ثقبة و صحبته محضر ثابت يتضمن الشكر من سيرته، و تكذيب عجلان فيما نقل عنه؛ فكتب باستقراره شريكا لأخيه عجلان».

(2) إضافة عن السلوك للمقريزى 2/ 3: 820.

(3) و هو صارم الدين منجك شاد العمائر (السلوك 2/ 3: 765).

(4) ذهبان: بلاد من أعمالى الجهة الشمالية من اليمن. (غاية الأمانى 2:

766) و فى معجم البلدان لياقوت «قرية من قرى الجند باليمن، و أيضا من نواحى زبيد».

(5) حمضة: من قرى عثر من أرض اليمن من جهة قبلتها. (معجم البلدان لياقوت).

(6) العقد الثمين 3: 396، 6: 62.

243

و فى ضحى يوم وصول السيد عجلان من مصر وقعت صاعقة و ريح سوداء و مطر، و وقع فى حال وقوع الصاعقة جميع الأعمدة المتخذة حول المطاف التى جددها فارس الدين فى سنة تسع و أربعين، و لم يبق منها إلى عمودين، و انكسر منها جملة و تبدد ما فيها.

و فيها كان أمير الحاج الأمير فارس الدين، و معه عدة من مماليك الأمراء، و حاج كبير جدا، و مال من بيت المال و من مودع الحكم‏ (1) لعمارة عين جوبان بمكة، و مبلغ عشرة آلاف درهم للعرب بسبب العين المذكورة، فرسم أن تكون مقررة لهم فى كل سنة.

و فيها حج محمد بن يوسف أحد مقدمى الدولة على ستة قطر جمال،/ و ثلاثة قطر هجن بطبل و بيزه‏ (2) كما يحج الأمراء بحيث كان 176 معه نحو مائتى عليقة.

____________

(1) فى الأصول «موقع الحكم» و المثبت من السلوك للمقريزى 2/ 3:

807، و درر الفرائد 308. و فى هامش السلوك للمقريزى 1/ 3: 864 «مودع الحكم: عبارة عن صندوق لحفظ مال يوضع فى عهدة قاضى القضاة. تحفظ فيه أموال اليتامى القصر، و أموال الغائبين، و كان الأمير يلبغا العمرى أول من اتخذ لأموال اليتامى تابوتا توضع فيه، و يوضع فيه أيضا مال من لا وارث له. و كان مودع الحكم فى زمن المقريزى فندق مسرور الكبير الواقع على يسرة السالك من سوق باب الزهومة إلى الحريرين بالقاهرة».

(2) هذا اللفظ فى م غير منقوط، و فى ت «ننرة» و المثبت من السلوك للمقريزى 2/ 3: 818، و رجح محققه أن المقصود به قماش يكسو الطبل على ظهور الجمال كما هو الحال فى مصر فى العصر الحاضر. و نرجح أن اللفظ هو تحريف للفظ بازة و هى نوع من الطبول الصغيرة منها ما يحمل على الخيل و الجمال و منها ما يعلقه الرجل على كتفه فيكون أمام صدره، و منها ما يحمل فى اليد و يدق عليه بسير جلد.

و لا تزال هذه الأنواع موجودة إلى وقتنا هذا.

244

و فيها مات الإمام شهاب الدين أبو العباس أحمد بن إبراهيم الأصفونى‏ (1) فى ليلة الثلاثاء ثالث عشر الحجة بمنى و نقل إلى المعلاة فدفن بها.

و علماء (2) بنت الشيخ عبد اللّه بن عبد الحق الدلاصى.

*** «سنة إحدى و خمسين و سبعمائة»

فيها حج بييغاروس من مصر، و أردف بالأمير سيف الدين طاز أتابك الجيوش الإسلامية، فساس الأمر و تلطف بالأمير بيبغا غاية اللطف و لما وقعت الفتنة بمنى ذلك العام قبض على المجاهد صاحب اليمن، و على [ثقبة بن‏] (3) رميثة صاحب مكة- كان- و على طفيل صاحب المدينة النبوية، فقدم بالجميع إلى مصر من غير تكلف حتى وطئوا بساط السلطان. ذكر ذلك أبو الحسن على بن العتر (4) فى ذيله.

____________

(1) كذا ورد اسمه فى الأصول. و فى العقد الثمين 5: 415 برقم 1798، و السلوك للمقريزى 2/ 3: 813، و الدرر الكامنة 2: 459 برقم 2374، و النجوم الزاهرة 10: 248، و شذرات الذهب 6: 167 «نجم الدين عبد الرحمن بن يوسف بن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن على القرشى الأصفونى الشافعى».

(2) فى الأصول «علاما» و المثبت من العقد الثمين 8: 280 برقم 3418 و فيه «توفيت سنة خمس و سبعمائة».

(3) إضافة على الأصول يقتضيها السياق. و قد جاء فى السلوك للمقريزى 2/ 3:

831، 832، و النجوم الزاهرة 10: 226، 227: أن ثقبة أخذ رهينة و أكرم، ثم بعد القبض على المجاهد فرّ بعربه و عبيده.

(4) فى الأصول «ابن الغير» و لعل الصواب ما ذكرناه.

245

و فيها قصد المجاهد الحج؛ فسار إلى مكة بأمه و أولاده فى سبعمائة فارس، و ثمانمائة رام بالقوس، و خلائق من المقاتلة الصناديد الذين استخدمهم من أهل اليمن، و من أهل صنعاء و ما والاها، و معه كسوة للكعبة الشريفة. فلما كان بحلي وجده‏ (1) ثقبة و أخواه سند و مغامس و لا يموه و ساروا معه، و أغروه بأخذ مكة و كسوة الكعبة؛ فسار حتى قرب من مكة- و قد سبقه حجاج مصر- و كان أمير الركب المصرى بزلار أمير سلاح، و كان مع الحجاج سبعة عشر أميرا، و يقال أربعون أميرا ما بين كبير و صغير، منهم نائب السلطنة بيبغاروس، و كان خرج بتجمل زائد، و معه مائة و خمسون مملوكا بالسلاح، و منهم الأمير طاز أتابك الجيوش، و خرج طلبه‏ (2) و فيه ستون فارسا، و كان بيبغا خرج من القاهرة قبل طاز بيومين، ثم رحل الأمير طاز [بعده، ثم رحل‏] (3) الأمير بزلار/ بالحاج- ركبا ثالثا- 177 فى عشرين شوال. ثم إن السلطان أرسل الأمير قردم للأمير طاز و الأمير بزلار أمير الركب بكتاب يتضمن القبض على الوزير منجك‏ (4)، و أنهما يحترسان على الأمير بيبغاروس، و كتب لبيبغاروس‏

____________

(1) كذا فى الأصول، و لعلها «جاءه».

(2) الطّلب: هو الفرقة من المماليك و العسكر الخاصة بكل أمير. (هامش النجوم الزاهرة 13: 55).

(3) إضافة عن السلوك للمقريزى 2/ 3: 821، و النجوم الزاهرة 10:

218.

(4) هو الأمير الوزير منجك اليوسفى، أخو نائب السلطنة الأمير بييغاروس.

(النجوم الزاهرة 10: 218، 223).

246

يطيّب خاطره و يعلمه بتغير السلطان على أخيه منجك لأمور صدرت منه اقتضت مسكه، و أنه مستمر على نيابة السلطان؛ فإن أراد العود عاد، و إن أراد الحج حجّ، فوصل الكتاب إلى بيبغاروس و قد نزل سطح العقبة، فلما قرأ الكتاب و جم و قال: كلّنا مماليك السلطان، و خلع عليه‏ (1) و كتب جوابه بأنه ماض لأداء الحج، و اشتد خوفه، و نزل من العقبة، و نزل المنزلة (2)؛ فبلغه أن الأمير طاز و الأمير بزلار ركبا للقبض عليه؛ فركب بمن معه من الأمراء و المماليك بآلة الحرب، فقام الأمير عز الدين أزدمر الكاشف‏ (3) بملاطفته، و أشار عليه ألا يعجل، و يكشف عن الخبر. فبعث نجابا فى الليل لذلك؛ فعاد و أخبر أن الأمير طاز مقيم بركبه، و أنه سار بهم و ليس فيهم أحد لابس عدة الحرب، فقلع السلاح هو و من معه، و تلقى طاز و سأله عما تخوف منه فأوقفه على كتاب السلطان إليه، فلم ير فيه ما يكره؛ فاطمأن و رحل كل منهما بركبه من العقبة. فأتت الأخبار من الأمراء

____________

(1) أى على حامل كتاب السلطان إليه، و هو الأمير قردم. (السلوك للمقريزى 2/ 3: 825).

(2) يعنى بالمنزلة هنا منزلة المويلحة و سيرد ذلك فيما بعد.

(3) الكاشف: هو الذى يتولى كشف شؤون إقليم من الأقليم و تدبيرها، فيقال كاشف الجيزة أو كاشف الشرقية ... الخ. و الكشف من وظائف أرباب السيوف الذين لا يحضرون مجلس السلطان، و الكاشف يحكم على جميع البلاد التى يتولى كشفها، و له موكب بمراسيم النيابة يحضره الأمراء، و يمد السماط و يحضره القضاة، و تقرأ القصص بين يديه. و كان يطلق عليه والى الولاة.

(صبح الأعشى 4: 24، 25).

247

باتفاق طاز و بيبغاروس؛ فكتب إلى طاز و بزلار أمير الركب بالقبض على بيبغاروس قبل دخول مكة، و توجه إليهما طيلان الجاشنكير، و قد رسم له أن يتوجّه بيبغاروس إلى الكرك. و جرّد فياض و عيسى بن حسن إلى العقبة، ثم خرج الأمير أردلان‏ (1) بمضافه تقوية لهما. فلما قدم طيلان على طاز و بزلار كتبا إلى أزدمر الكاشف يعلمانه بمارسم لهما من مسك بيبغاروس، و يؤكدان عليه/ فى استمالة الأمير فاضل‏ (2) و الأمير محمد بن بكتمر و بقية من معه‏ (3) و تعجيزهم عن القيام معه، فأجدّ (4) فى ذلك. ثم كتبا لبيبغاروس أن يتأخر لسماع مرسوم السلطان حتى يكون دخولهم مكة، جميعا؛ فأحسّ بالشر، و همّ أن يتوجه إلى الشام، فما زال أزدمر الكاشف به حتى رجعه عن ذلك. و عند نزوله المويلحة (5) قدم طاز و بزلار، فتلقاهما و أسلم نفسه من غير ممانعة، و أراد تسليمه لطيلان حتى يحمله إلى الكرك فرغب إلى طاز أن يحج معه، فأخذه صحبته متحفظا به و كتب بذلك؛ فتوهم السلطان و مغلطاي أن طاز قد مال مع بيبغاروس و تشوّشا تشوشا زائدا، ثم أكد ذلك ورود الخبر بعصيان أحمد (6) فى‏

____________

(1) فى الأصول «بزلار» و المثبت عن السلوك للمقريزى 2/ 3: 827.

(2) فى النجوم الزاهرة 10: 228 «أنه أخو الأمير بيبغاروس».

(3) أى من مع بيبغا؛ كما ورد فى المرجع السابق.

(4) أى أزدمر الكاشف.

(5) المويلحة: منزلة من منازل الحاج على شاطئ البحر الأحمر جنوبى العقبة، قامت على أنقاض مدينة مدين، و انظر هامش النجوم الزاهرة 10: 223.

(6) هو الأمير أحمد الساقى نائب صفد، ثم نائب حماة. قتل بقلعة حلب مع غيره من الأمراء المقبوض عليهم سنة 754 ه. (النجوم الزاهرة 10: 222، 225، 293).

248

صفد، و ظنوا أنه مباطن لبيبغاروس. فأخرج طيلان ليقيم على الصفراء حتى يرد الحاج إليها فيمضى ببيبغا إلى الكرك.

و دخل المجاهد مكة فى يوم الأربعاء رابع الحجة. و دخل معه السيد ثقبة و أخواه سند و مغامس بغير رضاء السيد عجلان؛ لأنه كان منعهم و المجاهد من دخول مكة، فغلبوه و دخلوها، فلم يسهل ذلك بالسيد عجلان. و لم يفعل المجاهد بمكة خيرا و لا معروفا لأحد من أهل الحرم و لأقوامه، و لا التفت إلى السيد عجلان و لا أنصفه، و لا التفت إلى أحد من الأشراف و القواد، و لا أمير الحاج المصرى بزلار، و إنما أقبل على الأمير طاز أحد الأمراء؛ فنقل إلى السيد عجلان أنه إذا سافر المصريون من مكة يولى صاحب اليمن أخاك ثقبة و يترك معه قطعة من العسكر، و ربما أنه يريد/ إمساكك و يسير بك معه معتقلا؛ فأثر الكلام فى قلبه فدخل على أمير الركب المصرى بزلار و الأمراء المصريين و قال لهم: إن صاحب اليمن يريد أن يقيم فى مكة بعد توجهكم، و مراده أن ينزع كسوة البيت و يكسوه بكسوة جاء بها معه من اليمن، و يريد أن يولى فى مكة واليا من جهته، و يترك معه جندا من اليمن، و يغيروا أوضاعكم، و لا يتركوا لكم فى مكة أمراء. و ها هو فى جمع يسير من أهل اليمن، و لكن لا طاقة لنا بهم، و من المصلحة أنه لا يفوت و إن لم تفعلوا قدمت معكم إلى مولانا السلطان- يعنى صاحب مصر- و تركت مكة له و برئت من العهدة. فأثّر هذا الكلام فى قلوبهم، فاتفق رأيهم و رأى عجلان على الإقدام على المجاهد.

فقال الشريف و أهل مكة: نحن نجعل عيوننا عليه متى افترقت عسكره‏

249

فى منى لقضاء حوائجهم أشعرناكم، فلا تكونوا إلا على أهبة. و افترقوا على هذا الرأى، فلما كان صبيحة اليوم الثالث عشر من الحجة؛ و هو يوم النفر الأول و قد افترق عسكر صاحب اليمن عنه و انتشروا فى منى يتجهزون للسفر- أرسل الشريف رسولا بكتاب إلى أمير الركب يستحثه الركوب، و قال: هذا وقت قضاء الحاجة. فركب أمير الحاج بزلار و من معه و من انضم إليه من الأمراء و غيرهم خلا الأمير طاز، و استعانوا بالسيد عجلان و بنى حسن و العوامّ، و تلاهم الطماعة، فقصدوا المجاهد و هو نازل بمنى، و كان غافلا عنهم، و فى قلة من غلمانه، فنهبوا المحطة على حين غفلة من أهلها، و أحاطوا بمخيّم السلطان، و كان عنده جماعة من أصحابه فقاتل بعضهم؛ فقتل منهم جماعة، و توقّف هو عن الحرب رعاية لحرمة الزمان و المكان، ففر إلى/ جبل بمنى، و استمر القتال، فرأى السلطان أنه إن استمر 180 القتال قتل أصحابه فاستسلم للقضاء على أنهم لا يتعرضون لغيره؛ ففعل و فعلوا. فلما لزم الجميع أيديهم نزل إليهم فنزلوا بأجمعهم مترجلين و أركبوه بغلة و ساروا بين يديه إلى محطتهم و احتفظوا به مع الكرامة و التبجيل و التعظيم، و ضربوا له خاما خاصا، ثم بعد مسكه ردوا على أهل اليمن و على المجاهد ما قدروا على رجوعه من الخيل و غيرها، و أسلموا ذلك لأمه و ولده، و أودعوهم للشريف عجلان. و سألوا المجاهد أن يستصحب معه من غلمانه من أراد؛ فاستصحب الأمير فخر الدين زياد بن أحمد الكاملى، و سافروا بالمجاهد فى اليوم الرابع عشر من ذى الحجة فى وسط النهار- و قد غلّوه و أركبوه إكديشا (1)، و رسموا عليه‏

____________

(1) الإكديش: هو الفرس المهجن غير الأصيل. (المعجم الوسيط).

250

الأمراء. فاجتمع الأشراف وقت رحيلهم و أرادوا أن ينهبوا ثقل مصر و يقتلوهم، و يخلصوا المجاهد؛ فردهم الشريف عجلان، و سلم أهل الركب، و قتل بعض من كان متأخرا فى مكة و فى طريق الحرم. و أما الأشراف ثقبة و سند و مغامس فهربوا، و ساروا إلى جهة اليمن.

و يقال إن المصريين همّوا بالقبض على السيد عجلان لأنه ربما أظهر للمجاهد أنه معه على المصريين، فلما علم بذلك السيد عجلان أخبر أصحابه فاجتمعوا إليه و صاروا فى جمع عظيم. فلما أحس بهم الأمراء هالهم ذلك و أنكروا على عجلان و سألوه أن يكفهم عنهم؛ فكفهم. و رحل الحاج من فوره، و أقام السيد عجلان بمكة.

و قيل إن المجاهد لما أراد دخول مكة لبس السيد عجلان آلة 181 الحرب، و عرف أمراء مصر ما عزم عليه صاحب اليمن بأنه قد/ تقرر الحال بينه و بين ثقبة على أن الأمير طاز إذا سار من مكة أوقعا بأمير الركب و من معه، و قبضا على عجلان، و تسلّم ثقبة مكة، و حذرهم غائلته؛ فبعثوا إليه بأن من يريد الحج إنما يدخل مكة بذلة و سكينة، و قد ابتدعت من ركوبك و السلاح حولك بدعة لا يمكنك أن تدخل [بها] (1) إلينا، و ابعث ثقبة ليكون عندنا حتى تنقضى أيام الحج ثم نرسله إليك. فأجاب إلى ذلك و بعث ثقبة رهينة، فأكرمه الأمراء، و أركبوا الأمير طقطاي فى جماعة إلى لقاء المجاهد، فتوجهوا إليه و منعوا

____________

(1) إضافة عن السلوك للمقريزى 2/ 3: 831، و النجوم الزاهرة 10:

226.