تحصيل المرام في أخبار البيت الحرام والمشاعر العظام ومكة والحرم وولاتها الفخام‏ - ج2

- محمد بن أحمد المالكي المكي المزيد...
520 /
605

حتى إذا أراد اللّه أن يهلك- يعني: الدنيا- أماتهم جميعا. كذا في المثير (1).

ورد في الحديث: أنهم ثلاثمائة و سبعة و أربعون و قطب، فإذا مات القطب [أبدل‏] (2) من السبعة، فإذا مات من السبعة أبدل من الأربعين، فإذا مات من الأربعين أبدل من الثلاثمائة، فإذا مات من الثلاثمائة أبدل من صلحاء المسلمين.

و عن الحارث قال: سمعت عليا رضي اللّه عنه يقول: الأبدال بالشام، و النجباء بمصر، و العصابة بالعراق، و النقباء بخراسان، و الأوتاد بسائر الأرض، و الخضر سيد القوم.

و قد تقدم أن الخضر لم يخرج من مكة الآن.

و حكي أن الثوري قال: ما أدري أيّ البلاد أسكن؟ فقيل له: خراسان، فقال: مذاهب مختلفة و آراء فاسدة. قيل له: فالشام قال: يشار إليك بالأصابع، أراد الشهرة. قيل: فالعراق، قال: بلد الجبابرة؟ قيل: فمكة، قال: تذيب الكيس و البدن‏ (3).

و قال له رجل: عزمت على المجاورة بمكة فأوصني، قال: أوصيك بثلاثة: لا تصلين في الصف الأول، و لا تصحبن قرشيا، و لا تظهرن صدقة (4).

____________

(1) مثير الغرام (ص: 196). و انظر: محاضرة الأبرار و مسامرة الأخيار (1/ 181). و قد عزاه ابن حجر في الزهر النضر إلى إسحاق بن إبراهيم الحنبلي في كتاب الرماح ثم قال: في إسناده جهالة و متروكون.

(2) في الأصل: بدل. و التصويب من البحر العميق (1/ 17). و كذا وردت في الأمكنة التالية.

(3) انظر: إحياء علوم الدين (1/ 245)، و البحر العميق (1/ 17)، و فيض القدير (3/ 223).

(4) انظر: إحياء علوم الدين، الموضع السابق.

606

قال الغزالي في الإحياء: كره الصف الأول؛ لأنه [يشتهر] (1)، فيفتقد إذا غاب، فيختلط بعمله التزين و التصنع. انتهى‏ (2).

و قد جاور بها خلق كثيرون، و سكنها من المعوّل عليهم بشر كثيرون، و استوطن بها من الصحابة أربعة و خمسون رجلا. ذكرهم أبو الفرج في مثير الغرام‏ (3).

و مات بها أيضا من الصحابة و من كبار التابعين و من بعدهم جم غفير.

ذكره المحب الطبري في القرى‏ (4)؛ فمن أراد ذلك فلينظره ثمة. انتهى من البحر العميق للقرشي‏ (5).

ثم قال: فينبغي لكل من هو بمكة من أهلها و المجاورين بها من الحجاج و الزوار أن يقدروا قدرها و يعظموا حرمتها و حرمة البيت، و يلاحظ سرّها و يتأمل فضيلتها، و يستقيم ما أصبح به من نعمة جوار هذا البيت، و يشكر القيام بحقه، و يجتنب كثيرا من المباحات التي لا يليق عن حل لقطها، و ينزه عن اللهو و اللعب و الترفهات التي لا خير فيها، فإنها بلد عبادة لا بلد رفاهة، و مكان اجتهاد لا مكان راحة، و محل [تيقظ و فكرة] (6) لا محل سهو و غفلة.

و قد روي: أن المهدي لما ولي الخلافة أمر بنفي نفر من المغنيين، و منع ما

____________

(1) في الأصل: شهير. و التصويب من إحياء علوم الدين (1/ 245)، و البحر العميق (1/ 17).

(2) إحياء علوم الدين (1/ 245).

(3) مثير الغرام (ص: 434) في باب ذكر المجاورة بمكة.

(4) القرى (ص: 662).

(5) البحر العميق (1/ 16- 17).

(6) في الأصل: يتعضل فكره، و المثبت من البحر العميق (1/ 17).

607

فيها من المغنين، و أخرج ما فيها من الشبهات من الرجال المتشبهين بالنساء و النساء المتشبهين بالرجال، و منع [فيها] (1) لعب الشطرنج و غيره من الأمور الملاهي التي تجرّ إلى اللهو و الطرب، و طهّرها من المباحات الملهية عن الصلوات، [المشغلة] (2) عن اغتنام القرب، و ألزم الحجبة- أي: حجبة الكعبة- إجلالها و توقيرها و تطهيرها للزائرين، و فتح بابها بالسكينة و الخشوع، و الإنصات عند دخولها بحال الهيبة، و زجر النساء [عن الخروج إلى المسجد] (3) متعطرات، و كف الكافة عن الإلمام بها عن ارتكاب مكروه أو ترك مندوبات، فما ظنك بعد ذلك بما يكون من صريح الحرام و ظلمات الأنام، و أنواع الغيبة و البهتان، [و تطفيف‏] (4) المكيال و بخس الميزان، و فشيان الزنا و شرب الخمور، و الإقدام على الربا و ارتكاب الفجور.

و بالجملة: فاعلم أن الذنب بمكة عظيم، و التجرؤ عليه يورث مقت اللّه تعالى، فإن المعصية و إن كانت فاحشة في أيّ موضع لكنها في مكة أعظم، و فناء بيته و محل اختصاصه أفحش.

و كما أن المعصية تضاعف عقوبتها بالعلم، إذ ليس عقاب من يعلم كمن لا يعلم.

و بشرف الشخص في نفسه كما قال تعالى في حق أزواج النبي (صلى اللّه عليه و سلم): يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ‏ [الأحزاب: 30].

____________

(1) في الأصل: منها، و المثبت من البحر العميق (1/ 17).

(2) في الأصل: المثقلة، و المثبت من البحر العميق (1/ 17).

(3) في الأصل: عند الخروج من المسجد، و المثبت من البحر العميق (1/ 17).

(4) في الأصل: و تطفيق.

608

و بشرف الزمان؛ كالمعصية في شهر رمضان، و الرفث في مدة الإحرام، فلذلك لا يبعد أيضا أن يضاعف عقوبة المعصية ليثبت بيان شرف مكان الخير و عظيم حرمته.

و أيّ شي‏ء أعظم من مبارزة الملك الجليل في حرمه و مخالفته في محل حرمته. و اللّه أعلم. انتهى من البحر العميق للقرشي‏ (1).

____________

(1) البحر العميق (1/ 17- 18).

609

الباب السادس: في ذكر عيون مكة و البرك و الآبار و السقايات مما هو بها و بالحرم و ما قاربه، و ذكر مياضها- أي: مطاهرها-

و فيه ثلاثة فصول:

الفصل الأول: في العيون و البرك‏

أما عيون مكة؛ قال الحافظ في [الإصابة] (1) في ترجمة عبد اللّه بن عامر بن كريز ابن خال عثمان: أنه أول من اتخذ الحياض بعرفة، و أجرى إليها العيون.

قال الأزرقي‏ (2): كان معاوية رضي اللّه عنه قد أجرى في الحرم عيونا و اتخذ لها [أخيافا] (3) فكانت حوائط فيها نخل و زرع، ثم سردها الأزرقي و ذكر أنها [عشر] (4) عيون ثم قال: و قد كانت عيون مكة التي أجراها معاوية رضي اللّه عنه قد انقطعت، ثم أمر هارون الرشيد بإصلاح عيون منها فأصلحت [و أحييت‏] (5) و صرفت في عين واحدة، فكان الناس بعد قطعها في شدة من قلة الماء، و كان أهل مكة و الحجاج يرون من ذلك مشقة حتى أن البدرة- و هي القربة الصغيرة- تبلغ عشرة دراهم أو أكثر. ذكره‏

____________

(1) الإصابة في تمييز الصحابة (5/ 16- 17). و في الأصل: الإنابة. و هو خطأ.

(2) الأزرقي (2/ 227- 230)، و الفاكهي (4/ 121)، و شفاء الغرام (1/ 631).

(3) في الأصل: أقنية. و التصويب من: الأزرقي و الفاكهي و شفاء الغرام، المواضع السابقة، و البحر العميق (3/ 298).

(4) في الأصل: عشرة.

(5) في الأصل: فجيئت. و التصويب من الأزرقي و البحر العميق، و انظر الموضعين السابقين.

610

القرشي‏ (1).

و قال القطبي‏ (2): فلما بلغ ذلك أم جعفر زبيدة زوجة هارون الرشيد، و كانت من أهل الخير و كان لها مآثر عظيمة، منها: إجراء عين حنين إلى مكة، و صرفت عليها خزائن أموال إلى أن جرت إلى مكة و هي في واد قليل الأمطار، فنقبت زبيدة الجبال إلى أن أوصلت الماء من الحلّ إلى الحرم، و أنفقت عليها ألف ألف و سبعمائة ألف مثقال ذهبا، فلما أخرج المباشرون‏ (3) دفاترهم لأجل الحساب، و كانت في قصر عال على الدجلة، فأخذت الدفاتر و رمتها في الدجلة، و قالت: تركنا الحساب ليوم الحساب، و كانت هذه العين ترد مكة و ينتفع الناس بها، و منبع هذه العين في ذيل جبل شامخ يقال له: طاد- بالطاء المهملة و ألف بعدها دال مهملة- من جبال الثنية من طريق الطائف، و كان الماء يجري إلى أرض يقال لها: حنينا- و في المشارق للقاضي عياض‏ (4): حنين: واد قريب من الطائف بينه و بين مكة بضعة عشر ميلا. انتهى- يسقى بها نخل و مزارع مملوكة للناس، و إليها ينتهي جريان الماء، فاشترت زبيدة هذه المواضع، و أبطلت تلك المزارع‏

____________

(1) البحر العميق (3/ 298).

(2) الإعلام (ص: 334- 336).

(3) المباشر: هو الموظف الذي يكلف بإدارة العمل و الإشراف على تنفيذه، و إجراء المبيعات و المشتروات المتعلقة به، و كذلك استخدام عماله، و ربما أطلق على الموظفين بالدواوين اسم مباشرين، و بطبيعة الحال كانت تختلف أعمال المباشرين باختلاف الدواوين و النظار التي يعملون فيها. عرفت هذه الوظيفة في الدولة العبيدية ثم في الدولة الأيوبية، و شاعت في الدولة المملوكية، فعرف مباشر و جهات المكوس، و مباشروا الاصطبلات، و غيرها.

و لم تقتصر هذه الوظيفة في الديار المصرية، بل وجدت في الشام، فكان يضم إلى كل نظر من أنظار دمشق مباشرون (انظر: الفنون الإسلامية 3/ 982- 989).

(4) مشارق الأنوار (1/ 221).

611

و النخيل، و شقت لها قناة في الجبال، و جعلت لها الشحاحذ (1) في كل جبل يكون ذيله مظنة لاجتماع الماء عند الأمطار، و جعلت فيه قناة متصلة إلى مجرى هذه العين في محاذاتها يحصل منه المدد إلى هذه العين، فصار كل شحاذة عينا مساعدة إلى عين حنين، منها: عين مشاش‏ (2)، و عين ميمونة، و عين الزعفرانة، و عين البرود، و عين الطرفا، و عين ثقبة، و الخريبان، و كل مياه هذه العيون تنصب في [دبل عين‏] (3) حنين، و يبطل بعضها، و يزيد بعضها و ينقص بحسب الأمطار إلى أن وصلت على هذه الصورة إلى مكة.

و أمر صالح بن العباس في سنة مائتين و عشرة: أن يتخذ لهذه العين- أي: عين حنين- خمسة برك في السوق؛ لئلا [يتعنّى‏] (4) أهل أسفل مكة و الثنية و أهل أجياد، و أن يوصلها إلى بركة أم جعفر بالمعلا، و أجرى عينا من بركة أم جعفر من فضل مائها في عين تسكب في بركة البطحاء عند شعب علي أمام المولد النبوي، ثم تمضي إلى بركة عملها عند الصفا و هو بازان، ثم تمضي إلى بركة عند الحناطين- أي: عند باب الوداع- ثم تمضي‏

____________

(1) الشحاحذ: هي عبارة عن برك في كل جبل يكون ذيله مظنة لاجتماع الماء عند هطول الأمطار جعلت فيها قنوات متصلة إلى مجرى العين الأصلية بحيث يصبح كل شحاذ عينا يساعد العين الرئيسية (انظر: الأعلام ص: 335، و مرآة الحرمين 1/ 210).

(2) عين المشاش: تسمى اليوم (عين الشرائع) أو (عين حنين). و هي اليوم لا تسير إلى مكة، بل يزرع الناس عليها هناك، و تبعد عين حنين (36) كلم عن المسجد الحرام إلى الشرق (معالم مكة للبلادي ص: 88).

و قال ياقوت: و يتصل بجبال عرفات جبال الطائف، و فيها مياه كثيرة أو شال و عظائم قنيّ، منها المشاش، و هو الذي يجري بعرفات و يتصل إلى مكة (معجم البلدان 5/ 131).

(3) في الأصل: عين دبل. و التصويب من الإعلام (ص: 335).

(4) في الأصل: يتعب. و التصويب من الأزرقي (2/ 232)، و البحر العميق (3/ 298).

612

إلى بركة عند سكة الثنية دون دار [أوس‏] (1)، ثم تمضي إلى بركة عند سوق الحطب بأسفل مكة، ثم تمضي بسرب ذلك إلى بركة ماجن بأسفل مكة.

ذكره الأزرقي‏ (2). انتهى.

قال القطبي‏ (3): ثم أمرت زبيدة أيضا بإجراء عين نعمان إلى عرفات و منبعها ذيل جبل كرا، فعملت القناة إلى أن جرت ماء عين نعمان إلى أرض عرفة، ثم أديرت القناة بجبل الرحمة محل الموقف الشريف، و جعل منها الطرق إلى البرك التي بأرض عرفة، ثم استمر عمل القناة إلى أن خرجت من أرض عرفة إلى خلف جبل وراء المأزمين على يسار الراجع من عرفات، و يقال له: طريق ضب- بالضاد المعجمة-، ثم تصل منها إلى المزدلفة، ثم تصل إلى جبل خلف منى في [قبليّها] (4)، ثم تنصب في بئر عظيمة مطوية بأحجار كبار جدا تسمى هذه البئر: بئر زبيدة (5)، و إليه ينتهي عمل هذه القناة، و هي من الأبنية المهيلة مما يتوهم أنها من بناء الجن، و حدّ عمل زبيدة إلى هذه البئر ثم تركتها، ثم صارت عين حنين و عين عرفات تنقطع بسبب قلة الأمطار و تنهدم قنواتها، و تخربها السيول بطول الأيام.

و كانت الخلفاء و السلاطين إذا بلغهم ذلك أرسلوا و عمّروها عند انتظام سلطنتهم على هذا المنوال؛ فممن عمّرها: صاحب إربل في سنة

____________

(1) في الأصل: أويس. و التصويب من الأزرقي، الموضع السابق. و أوس التي نسبت إليه الدار رجل خزاعي. (الفاكهي 3/ 288).

(2) الأزرقي (2/ 232)، و البحر العميق (3/ 298).

(3) الإعلام (ص: 336- 338).

(4) في الأصل: قبيلها. و التصويب من الإعلام.

(5) بئر زبيدة: هي بئر عظيمة طويت بأحجار كبيرة جدا، بينها و بين المنبع 33000 م، و بينها و بين منى مسيرة ساعة ركوبا (مرآة الحرمين 1/ 212).

613

خمسمائة [و أربع‏] (1) و ستين، ثم عمّرها صاحب إربل مظفر الدين سنة ستمائة [و خمس‏] (2) و خمسين، ثم عمّرهما المنتصر العباسي في سنة ستمائة و خمس و عشرين، ثم في سنة ستمائة [و ثلاث‏] (3) و ثلاثين، ثم عمّرت في سنة سبعمائة و ست‏ (4) و عشرين عمّرها أمير العراق، ثم عمّر عين حنين شريف مكة حسن في سنة ثمانمائة و إحدى [عشرة] (5)، ثم انقطعت إلى أن لقي الناس شدة عظيمة إلى أن عمّرها صاحب مصر من الجراكسة المؤيد أبو النصر في سنة ثمانمائة و إحدى و عشرين، ثم عمّرها و عمّر عين عرفات أيضا من ملوك الجراكسة قايتباي، عمّر عين عرفات و أجراها إلى عرفات، و عمّر عين حنين إلى أن أجراها إلى مكة في سنة ثمانمائة [و خمس‏] (6) و سبعين، ثم عمّر عين حنين من الجراكسة السلطان قانصوه الغوري في سنة تسعمائة [و سبع‏] (7) و عشرين إلى أن جرت و ملأت برك الحجّاج في المعلا إلى بازان إلى بركة ماجن في درب اليمن، ثم انقطعت في أول دولة آل عثمان بهذه الأقطار الحجازية، و بطلت العيون لقلة الأمطار، و تهدمت قنواتها، و انقطعت عين حنين عن مكة المشرفة، و صار أهل مكة يستقون من الآبار التي حول مكة، و انقطعت أيضا عين عرفات، و كان الحجّاج يحملون الماء إلى عرفات من أماكن بعيدة حتى أن الفقراء لم يطلبوا في ذلك‏

____________

(1) في الأصل: و أربعة.

(2) في الأصل: و خمسة، و كذا وردت في الموضع التالي.

(3) في الأصل: و ثلاثة.

(4) في الأصل: و ستة.

(5) في الأصل: عشر.

(6) في الأصل: خمسة.

(7) في الأصل: و سبعة.

614

اليوم إلا الماء.

قال القطبي‏ (1): و قد غلا الماء جدا في يوم عرفة، و أنا إذ ذاك مراهق، فاشتريت قربة صغيرة يحملها الرجل بدينار ذهب، فشربنا جانبا و تصدقنا جانبا و الناس في كرب من العطش، ففرج اللّه على الناس بمطر حتى صاروا يشربون من تحت أرجلهم، فسبحانه ما أوسع رحمته. انتهى باختصار.

ثم قال‏ (2): و من جملة خيرات السلطان سليمان و من أعظمها: إجراء عين عرفات إلى مكة المشرفة، و سبب ذلك: أن العين التي كانت جارية بمكة و هي عين حنين قد انقطعت، و كان إذ ذاك عين عرفات لم [تصل‏] (3) إلى مكة، و إنما كان حدّها إلى البئر الذي خلف منى على ما يأتي بيانه، فبرزت الأوامر السلطانية بإصلاح عين حنين و عين عرفات، و عيّن لها ناظرا اسمه مصلح الدين مصطفى من المجاورين بمكة، فبذل جهده في عمارتها و إصلاح قناتها إلى أن جرت عين حنين إلى أسفل مكة تصب في بركة ماجن، و أجرى عين عرفات إلى أن صارت تملأ البرك بعرفات، و ذلك في سنة تسعمائة و إحدى و ثلاثين، و صار الحجّاج يشربون من ذلك الماء العذب، ثم اشترى ناظر العين عبيدا سودا من مال السلطنة و جعل لهم جرايات و علوفات من مال السلطنة برسم خدمة العين لإخراج ترابها من الدبول، و هذه خدمتهم دائما.

____________

(1) الإعلام (ص: 338- 339).

(2) الإعلام (ص: 339).

(3) في الأصل: تتصل. و الصواب ما أثبتناه.

615

قال القطبي‏ (1): و هم باقون إلى الآن طبقة بعد طبقة، و استمرت عين حنين جارية إلى مكة، لكنها تقلّ تارة و تكثر أخرى بحسب الأمطار، و عين عرفات تجري من نعمان إلى عرفة إلى أن صارت عرفات فيها بساتين و صار بها الغرس، ثم قلّت الأمطار إلى أن يبست العيون و نزحت الآبار في سنين عديدة إلى سنة تسعمائة [و تسع‏] (2) و ستين و ما بعدها، و كانت سنوات ليس فيها مطر، و انقطعت العيون إلا عين عرفات فإنها لم تنقطع إلا أنها قلّ جريانها في تلك السنوات. و لما أن عرضت العيون على الأبواب السلطانية فبرز الأمر بإجرائها بأيّ وجه كان، و أمر بالفحص على أحوال العيون و كيف يكون جريانها إلى بلد اللّه الأمين، فاجتمع المرحوم عبد الباقي بن علي قاضي مكة و الأمير [خير الدين‏] (3) صنجقدار جدة و غيرهم من الأعيان، و تفحصوا و داروا و اشتوروا، فأجمع رأيهم على أن أقوى العيون عين عرفات، و طريقها ظاهر، و دبلها مبني إلى بئر زبيدة، و هو خلف منى، و أن الذي يغلب على الظن أن دبلها من بئر زبيدة إلى مكة مبني، و أنه مخفي تحت الأرض و لكن يحتاج إلى [الكشف‏] (4) عنه و الحفر إلى أن يظهر؛ لأن زبيدة لما بنت الدبول من عرفات إلى بئرها المشهور الذي خلف منى الذي جميعه ظاهر على وجه الأرض، فالباقي من ذلك المحل إلى مكة أيضا مبني إلا أنه خفي تحت الأرض، و استغنت عن عين عرفات بعين حنين، و تركت هذه و صارت نسيا منسيا. هكذا ظنّوا، ثم إنهم إن تتبعوها

____________

(1) الإعلام (ص: 339- 350).

(2) في الأصل: و تسعة.

(3) في الأصل: خيار الدين. و التصويب من الإعلام (ص: 340).

(4) في الأصل: كشف.

616

من أولها من [الأوجر] (1) إلى نعمان، ثم إلى عرفة، ثم إلى المزدلفة، ثم إلى بئر زبيدة، و أصلحوا هذا الدبل من عرفات إلى بئرها المشهور، و أصلحوا الدبل الظاهر و كشفوا عن الباقي و بنوا ما وجدوا منه منهدما و رمموا الباقي، و احتاجوا إلى ثلاثين ألف دينار، و قاسوا و ذرعوا، فكان من الأوجر إلى بطن مكة خمسا و أربعين ألف ذراع بذراع البنّائين، و هو أكبر من الذراع الشرعي بقدر ربعه، و هذا الذي خمنوا عليه من وجود بقية الدبل من بئر زبيدة الذي خلف منى لم يجدوه في كتب التواريخ، و إنما [أدّاهم‏] (2) إلى ذلك مجرّد الظن بحسب القرائن، و عرضوا ذلك على أبواب السلطنة في سنة تسعمائة [و تسع‏] (3) و ستين، فلما وصل إلى الأبواب السلطانية التزمت هذا الأمر كريمة مولانا السلطان- أي: أخت السلطان- سليمان خان، و طلبت أن يأذن لها في عمل هذه الخيرات حيث كان أول الأمر من عمل المرحومة زبيدة بنت جعفر العباسي، و يكون الحمالة على يدي كل راجي الثواب من اللّه، فأذن لها أخوها حضرة السلطان سليمان خان، فاستشارته فيمن تقدمه على هذه الخدمة، فاتفق رأيه على الأمير إبراهيم دفتدار مصر، و أرسل إليه السلطان خمسين ألف دينار ذهبا زيادة على ما خمنوه، و توجه الأمير إبراهيم فكان وصوله إلى جدة سنة تسعمائة [و تسع‏] (4) و ستين، فلما

____________

(1) في الأصل: الأواجر. و كذا وردت في المواضع التالية، و التصويب من الإعلام (ص: 341).

و الأوجر: شعب يصب في نخلة الشامية من الضفة اليمنى (معجم معالم الحجاز 10/ 69).

(2) في الأصل: أوهم. و التصويب من الإعلام، الموضع السابق.

(3) في الأصل: و تسعة.

(4) مثل السابق.

617

أن وصل إلى مكة فأول ما بدأ بتنظيف الآبار التي تستقي منها الناس و إخراج ترابها، ثم بعد الفراغ توجه إلى الكشف على العين، و كثر تردده و الفحص عن أحوال عين عرفات و عن أحوالها، ثم بعد الكشف شرع الأمير في حفر دبولها، و ضرب و طاقه‏ (1) بالأوجر من وادي نعمان‏ (2) في علو عرفات، و شرع في حفر قعرها و تنظيف دبولها، و كانت مماليكه هم القائمون بهذه الخدمة، و هم نحو الأربعمائة، و أقام بهذا العمل من الأوجر إلى المزدلفة، و كتب نحو ألف نفر من العمّال و البنائين و المهندسين، و جلب من مصر و الشام و الروم مهندسين طوائف طوائف، و كذا جلب من خدام العيون و الآبار و الحجّارين و الحدادين إلى ما يحتاج من العمارة من مصر، و عيّن لكل طائفة قطعة من الأرض لحفرها و تنظيفها، و كان يظن أنه يخلص من هذا العمل فيما قبل السنة، و اتصل على هذا العمل إلى أن وصل إلى بئر زبيدة البئر الذي انتهى إليه عملها الذي هو خلف منى. فلما وصل إلى هذا البئر لم يجد بعده دبلا و لا أثر شي‏ء، فضاق صدره و علم أن القدر الباقي إلى مكة ما تركته زبيدة اختيارا و إنما تركته اضطرارا و عدلت عنه إلى عين حنين، و تركت العمل عند البئر لصلابة الحجر، و صعوبة قطعه، و طول مسافته، فإنه يحتاج من بئر زبيدة إلى دبل منقور في الحجر الصوان طوله ألفا ذراع حتى يصل إلى دبل عين حنين و ينصب فيه و يصل إلى مكة، و لا يمكن نقب ذلك الحجر فإنه يحتاج إلى النزول في الأرض قدر

____________

(1) الوطاق: أوطاق كلمة محرفة عن أوتاق، و تعني: المخيم و الأثاث و المحطة (انظر مقدمة حمد الجاسر في تحقيقه للبرق اليماني ص: 75، 80) فهي كلمة غير عربية، و تعني هنا حافته.

(2) وادي نعمان: واد بين مكة و الطائف، يسكنه بنو عمرو بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل (معجم البلدان 5/ 293).

618

خمسين ذراعا في العمق، و صار لا يمكن ترك ذلك العمل بعد الشروع فيه حفظا لناموس السلطنة، فما وجد الأمير حيلة غير أنه يحفر على وجه الأرض إلى أن يصل إلى الحجر الصوان ثم يوقد عليه بالنار مقدار مائة حمل من الحطب كل ليلة، و يجعل ذلك الحطب على مقدار سبعة أذرع في عرض خمسة من وجه الأرض، و النار لا تعمل إلا في العلو، و لكن تعمل عملا يسيرا مقدار قيراطين، و صار على ذلك العمل يوقد بالحطب و يكسر إلى أن خلا الحطب مما قرب منه، و صار يجلب من بعيد إلى أن قطع من تلك المسافة قريبا من ألف ذراع في عمق خمسين ذراعا في عرض خمسة، و صرف أموالا كثيرة، و توفي إبراهيم بيك المرحوم ناظر هذه العمارة في سنة تسعمائة [و أربع‏] (1) و سبعين، ثم أقيم بعده سنجقدار جدة الأمير قاسم في هذه الخدمة و مولانا القاضي حسين، و استمر الأمير قاسم إلى أن توفي و ما أراد اللّه بإكمال هذا العمل على يديه، و كانت وفاته في سنة تسعمائة [و ست‏] (2) و سبعين، ثم توجه إلى ما بقي من عين عرفات باعتبار ما بيده من الأوامر السلطانية و النظر إلى هذه الخدمة الشريفة القاضي حسين، فأفرغ همته في تلك الخدمة، و كان من توفيق اللّه تعالى أن تم هذا العمل على يديه في أقل من خمسة أشهر بعد أن عجز عن الإتمام من قبله ممن ذكر رحمهم اللّه، و قد عملوا قريبا من نحو عشرة أعوام و ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء، و جرت عين عرفات إلى أن دخلت مكة لعشرين بقين من ذي القعدة الحرام سنة تسعمائة [و تسع‏] (3) و سبعين- بتقديم التاء على السين-.

____________

(1) في الأصل: و أربعة.

(2) في الأصل: و ستة.

(3) في الأصل: و تسعة.

619

تنبيه: أول من أمر بإجراء عين عرفة- أي: من بئر زبيدة التي خلف منى- إلى مكة السلطان سليمان خان سنة تسعمائة [و تسع‏] (1) و ستين، و توفي (رحمه اللّه تعالى) قبل أن يتم العمل، و كانت وفاته (رحمه اللّه) سنة تسعمائة [و أربع‏] (2) و سبعين، ثم تولى بعده ولده السلطان سليم خان، و كان العمل في العين في مدة سلطنته كذلك إلى أن توفي (رحمه اللّه تعالى)، ثم تولى بعده السلطان مراد خان، و كان عمل الدبل من الأبطح إلى بركة ماجن في زمانه جزاهم اللّه خيرا. انتهى.

أي: فعندما تولى وردت الأوامر السلطانية إلى القاضي حسين أن يميز دبل عين عرفات بدبل غير دبل عين حنين، فشرع في الدبل و بناه إلى أن أوصله المدعا، ثم مرّ به في عرض إلى جهة السويقة، ثم عطف إلى السوق الصغير و أكمله إلى منتهى بركة ماجن، و جعل بالأبطح عند منتهى الفم بين عين عرفة و عين حنين قبة، و ركب في الدبل بزابيز ينتفع بمائها هناك. هذا ملخص ما ذكره الأزرقي و القرشي في البحر العميق في خبر العيون، و القطبي الحنفي في الإعلام في أخبار العيون.

قلت: و ماؤها إلى الآن جار، غاية ما هناك أن في بعض الأوقات ينكسر في الدبل بعض محلات فتصلح، و قد عيّنت السلطنة ناظر إلى إصلاح العين من ذلك الزمان إلى وقتنا هذا، و هي رحمة عظيمة، جزى اللّه هذه السلطنة خيرا و أدامها علينا، و أقام بها الشرع الشريف. و اللّه الموفق.

قلت: و قد حصلت في زماننا بناء بازانات عديدة بمكة. و سيأتي ذكرها في الجزء الثالث في الحوادث فانتظره.

____________

(1) في الأصل: و تسعة.

(2) في الأصل: و أربعة.

620

الفصل الثاني: في ذكر المدارس و الأربطة و البرك بمكة و حرمها مما قاربها

قال الفاسي‏ (1): أما المدارس الموقوفة بمكة [إحدى عشرة] (2) فيما علمت: منها بالجانب الشرقي من المسجد الحرام: مدرسة الملك الأفضل عباس بن الملك المجاهد صاحب اليمن، أوقفها على الفقهاء الشافعية، و تعرف الآن بابن عباد اللّه، و هي على يمين الخارج من باب النبي، أوقفها سنة سبعمائة و سبعين.

و منها بالجانب الشامي: مدرسة العجلة على يمين الخارج من باب المسجد المعروف بباب العجلة، و تعرف الآن مدرسة عبد الباسط، أوقفها على أئمة مقام الحنفي. اه.

و منها بالجانب الغربي ثلاث مدارس: مدرسة الأمير فخر الدين نائب عدن على باب العمرة، و تعرف بدار السلسلة، أوقفها على علماء الحنفية سنة خمسمائة [و تسع و سبعين‏] (3). و مدرسة طاب الزمان الحبشية عتيقة المستنصر العباسي، و هو الموضع المعروف بدار زبيدة، وقفتها في شعبان سنة خمسمائة و ثمانين على عشرة من الفقهاء الشافعية (4).

____________

(1) شفاء الغرام (1/ 603).

(2) في الأصل: أحد عشر.

(3) في الأصل: ثمانية و تسعين. و التصويب من شفاء الغرام (1/ 603)، و إتحاف الورى (2/ 549).

و انظر الخبر في: شفاء الغرام، الموضع السابق، و إتحاف الورى (2/ 549)، و العقد الثمين (6/ 35)، طبعة مصر، و رحلة ابن جبير (ص: 146- 149).

(4) شفاء الغرام (1/ 603)، و انظر: إتحاف الورى (2/ 553)، و العقد الثمين (8/ 261)، طبعة مصر.

621

و منها: مدرسة الملك المنصور عمر بن علي صاحب اليمن- بين هاتين المدرستين- و عمارتها في سنة ستمائة [و إحدى‏] (1) و أربعين‏ (2)، و تعرف الآن بالداودية أوقفها على الفقهاء الشافعية و المحدّثين.

و منها بالجانب الجنوبي: مدرسة الملك المجاهد صاحب اليمن، على الفقهاء الشافعية، و تعرف الآن بالعينية، يسكنها قضاة مكة، و تاريخ وقفيتها في ذي القعدة سنة سبعمائة [و تسع‏] (3) و ثلاثين‏ (4).

و منها بالجانب اليماني أيضا: مدرسة الملك المنصور غياث الدين صاحب بنقالة (5)، و هي على الفقهاء من المذاهب الأربعة، و جعل الواقف المنازل التي تعلوها و هي [إحدى عشرة] (6) خلوة محلا لسكنى جماعة من الفقراء، أوقفت سنة ثمانمائة [و أربع عشرة] (7).

و منها: مدرسة أبي [علي بن أبي زكريا] (8) قرب المدرسة المجاهدية، و تاريخ وقفها سنة ستمائة [و خمس‏] (9) و ثلاثين‏ (10).

____________

(1) في الأصل: و أحد.

(2) إتحاف الورى (3/ 60)، و العقد الثمين (3/ 324- 325)، طبعة مصر.

(3) في الأصل: خمسة. و انظر: إتحاف الورى، و شفاء الغرام.

(4) شفاء الغرام (1/ 604)، و انظر: إتحاف الورى (3/ 217)، و العقد الثمين (1/ 318، 6/ 158)، طبعة مصر.

(5) بنقالة- أو بنجالة أو البنغال-: إحدى ممالك الهند، و بنجلاديش الحالية جزء منها، و قد فتحها محمد بختيار عام 599 ه، ثم استقلت عام 739 ه، ثم تعاقب عليها أسرات حاكمة حتى دخلها أكبر شاه عام 985 ه المغولي (معجم الأسرات الحاكمة 2/ 611).

(6) في الأصل: أحد عشر.

(7) في الأصل: و أربعة عشر.

و انظر الخبر في: شفاء الغرام (1/ 604)، و إتحاف الورى (3/ 485).

(8) ما بين المعكوفين زيادة من شفاء الغرام.

(9) في الأصل: خمسة.

(10) شفاء الغرام (1/ 526) طبعة دار الكتاب. و انظر: إتحاف الورى (3/ 54)، و العقد

622

و منها: مدرسة الأرسوفي‏ (1) بباب العمرة.

و منها: مدرسة [ابن‏] (2) الحداد المهدوي قرب هذه المدرسة، و تعرف الآن بمدرسة الأشراف الإدريسية، و تاريخ وقفها شهر ربيع الآخر سنة ستمائة [و ثمان‏] (3) و ثلاثين، و هي على المالكية.

و منها: مدرسة النهاوندي بقرب الموضع الذي يقال له: الدريبة. انتهى.

هذا ما ذكره الفاسي في شفاء الغرام‏ (4).

و ذكر القطب‏ (5) قال: و بجانب الحرم من الجهة الشامية استبدل السلطان سليمان هذه الأماكن [التي‏] (6) بهذه الجهة، و بنى بها أربع مدارس أوقفها على من ولي الإفتاء من الأحناف و الشافعية و المالكية و الحنابلة، [فالتي‏] (7) بجانب باب الدريبة على المالكية، [و التي‏] (8) بجانبها على الحنابلة، و التي بجانبها على الشافعية، و التي بجانبها على الأحناف، و تاريخ وقفها تسعمائة و سبعين.

و منها: أن السلطان قايتباي استبدل الأماكن التي بجانب باب السلام على يمين الخارج إلى حد باب النبي، و كانت هذه الأماكن رباطين. و سيأتي‏

____________

الثمين (1/ 118)، طبعة مصر.

(1) هو: العفيف عبد اللّه بن محمد الأرسوفي، توفي بمصر سنة 593 ه، و هو مشهور بكثرة البر و الصدقات بمصر و الحجاز (التكملة 1/ 277/ 379).

(2) في الأصل: أبي. و المثبت من شفاء الغرام (1/ 607).

(3) في الأصل: و ثمانية.

(4) شفاء الغرام (1/ 607).

(5) انظر: الإعلام (ص: 350).

(6) في الأصل: الذي.

(7) في الأصل: فالذي.

(8) في الأصل: و الذي.

623

ذكرها في الأربطة، و بنى بها مدرسة و رباطا، و أوقف بها كتبا عديدة. اه.

و منها: ما ذكره السنجاري في منائح [الكرم‏] (1) أن السلطان مراد بنى رواقا من باب الصفا إلى باب بازان جعله للفقراء ينامون به لأجل [أن‏] (2) لا يقذرون الحرم. انتهى‏ (3).

أقول: و لم يبق من المدارس إلا مدرسة محمد باشا بباب الزيادة صاحب حمام العمرة و الداوودية، و كذلك رباط وراء المدارس السلطانية من جملة المدارس، [هذه‏] (4) هي التي بقيت من المدارس يسكنها الفقراء، و ما عداها توالت عليها الأيدي. انتهى.

و أما الأربطة فكثيرة، ذكرها الفاسي؛ فمنها: الرباط المعروف برباط السّدرة بالجانب الشرقي من المسجد الحرام على يسار الداخل من باب السلام، و كان موقوفا في سنة أربعمائة، و موضعه دار القوارير التي بنيت في زمن الرشيد على ما ذكره الأزرقي‏ (5)، و دار القوارير موضعها مدرسة قايتباي.

و منها: رباط قاضي القضاة أبي بكر محمد بن عبد الرحيم المراغي الملاصق لهذا الرباط، و بابه عند باب المسجد المعروف بباب الجنائز، و يعرف الآن بباب النبي‏ (6). و فيه أنه وقفه على الصوفية الواصلين إلى مكة

____________

(1) في الأصل: الكرام.

(2) قوله: أن، زيادة على الأصل.

(3) منائح الكرم: (3/ 494).

(4) في الأصل: هذي.

(5) أخبار مكة للأزرقي (2/ 217).

(6) في شفاء الغرام: و يعرف الآن بالقيلاني لسكناه به، و في إتحاف الورى: المعروف ببيت الكيلاني.

624

المقيمين بها و المجتازين من العرب و العجم. اه فاسي‏ (1).

و هذان الرباطان استبدلهما قايتباي و بنى في [محلهما] (2) رباطه و مدرسته المشهورة على ما تقدم.

و منها: رباط الأمير إقبال الشّرابي‏ (3) عند باب بني شيبة، على يمين الداخل من باب السلام، و تاريخ [عمارته‏] (4) له في سنة ستمائة و إحدى و أربعين‏ (5).

و منها: رباط أم الخليفة الناصر العباسي‏ (6)، و تاريخ وقفه سنة خمسمائة [و تسع و سبعين‏] (7) على الصوفية. اه فاسي‏ (8).

و قد استبدله السلطان سليمان و بنى في محله المدارس السلطانية على ما تقدم.

و منها: رباط الحافظ أبي عبد اللّه بن منده، ملاصق لزيادة دار الندوة،

____________

(1) شفاء الغرام (1/ 607)، و انظر: إتحاف الورى (2/ 542)، و العقد الثمين (2/ 67)، طبعة مصر.

(2) في الأصل: محلها.

(3) رباط الشرابي: هو رباط الأمير إقبال الشرابي المستنصري العباسي، و كان يقبع عند باب بني شيبة على يمين الداخل من باب السلام إلى المسجد الحرام، و تاريخ عمارته له في سنة 641 ه، و للشرابي عليه أوقاف كثيرة من الكتب و من المياه و غير ذلك بوادي مر و نخلة (العقد الثمين 1/ 281، و شفاء الغرام 1/ 608).

(4) في الأصل: عمارتها. و انظر شفاء الغرام.

(5) شفاء الغرام (1/ 608)، و انظر: إتحاف الورى (3/ 60)، و العقد الثمين (1/ 331)، طبعة مصر.

(6) رباط أم الخليفة: هو رباط أم الخليفة الناصر العباسي، و يعرف بالعطيفية؛ لأن الشريف عطيفة صاحب مكة كان يسكنه، و تاريخ وقفه سنة 579 ه (العقد الثمين 1/ 281، و شفاء الغرام 1/ 608).

(7) في الأصل: سبعة و أربعين. و انظر المصادر الآتية.

(8) شفاء الغرام (1/ 608)، و انظر: إتحاف الورى (2/ 552)، و العقد الثمين (1/ 118، 8/ 238)، طبعة مصر.

625

و بابه على [بابها] (1) الذي يخرج إلى السويقة، و يعرف الآن برباط الطبري، [وقفه‏] (2) على القادمين من أصبهان أربعين يوما، و على سائر الناس عشرة أشهر و عشرين يوما.

و منها: رباط الشيخ [أبي حفص عمر بن عبد المجيد الميانشي‏] (3) قرب هذا الرباط بينهما [داران‏] (4) في شارع الطريق الذي تؤدي على السويقة (5).

و منها: رباط عند الباب المنفرد في هذه الزيادة يقال له: رباط الفقّاعية، و تاريخ وقفه أربعمائة [و اثنتين و تسعين، أوقفته قهرمانة] (6) الخليفة العباسي على الأرامل المنقطعات‏ (7).

و منها: رباط قربه يقال له: رباط صالحة، لا أعرف من وقفه و لا متى وقف.

و منها بالجانب الشمالي أيضا: رباط القزويني، كان موجودا في القرن السابع، و بابه عند باب [السدة] (8) الذي هو باب العتيق الآن من خارج المسجد.

____________

(1) في الأصل: بابه. و انظر شفاء الغرام.

(2) في الأصل: وقفيته. و انظر شفاء الغرام.

(3) في الأصل: رباط الشيخ جعفر. و المثبت من شفاء الغرام (1/ 608). و انظر: العقد الثمين (1/ 281).

(4) في الأصل: دارين.

(5) شفاء الغرام (1/ 608).

(6) في الأصل: اثنين و أربعين أوقفه قهرمان. و المثبت من شفاء الغرام (1/ 608)، و إتحاف الورى (2/ 489).

و القهرمان: الآمر، صاحب الحكم. و الظاهر أنه مركّب من العربي (قهر) و من الفارسي (مان) أي صاحب. أي أن معناه: القاهر (معجم الكلمات الأعجمية و الغريبة للبلادي ص: 88).

(7) شفاء الغرام (1/ 608)، و انظر: إتحاف الورى (2/ 489).

(8) في الأصل: السدرة. و التصويب من شفاء الغرام (1/ 609).

626

و منها: رباط قبالته وقفته الشريفة فاطمة بنت الأمير محمد الحسيني، و تاريخ وقفه سنة سبع و سبعين و خمسمائة (1).

و منها: رباط الزنجيلي‏ (2)، قبالة مدرسته عند باب العمرة من خارج المسجد، بينه و بين المسجد دار.

و منها: رباط الخوزي- بخاء و زاي معجمتين-، بزيادة باب إبراهيم، أوقفه الأمير قرامز بن محمود الأقودي‏ (3) الفارسي، على الصوفية المتجردين الغرباء، تاريخ وقفه سبعمائة (4) [و سبع عشرة] (5).

و منها: رباط الشريف حسن بن عجلان، تاريخ وقفه ثمانمائة و ثلاثة، و هو مقابل المدرسة المقابلة للمدرسة المجاهدية (6).

و منها: رباط الجمال [محمد بن‏] (7) فرج، تاريخ وقفيته سبعمائة [و سبع‏] (8) و ثمانين‏ (9)، و قرب هذا الرباط رباط الحزورة، و هو رباط رامشت عند باب الحزورة، أوقفه على الصوفية الرجال دون النساء من سائر العراق، تاريخ وقفيته سنة خمسمائة [و تسع و عشرين‏] (10).

____________

(1) شفاء الغرام (1/ 609)، و انظر: إتحاف الورى (2/ 544)، و العقد الثمين (8/ 193).

(2) في شفاء الغرام: الزنجبيلي.

(3) في شفاء الغرام (1/ 609): قرامر بن محمود بن قرامر الأقدري. و في الدر الكمين (2/ 1177): قرامرز بن محمود بن قرامرز الأفزري.

(4) في شفاء الغرام: ستمائة.

(5) في الأصل: و سبعة عشر.

(6) شفاء الغرام (1/ 610).

(7) زيادة من شفاء الغرام (1/ 610).

(8) في الأصل: سبعة.

(9) شفاء الغرام (1/ 610).

(10) في الأصل: تسعة عشر.

و انظر الخبر في: شفاء الغرام (1/ 609)، و إتحاف الورى (2/ 504)، و العقد الثمين (4/ 385)، طبعة مصر.

627

و منها: رباط قبالة باب المسجد المعروف [بباب‏] (1) أجياد، و له باب في زقاق جياد الصغير غير بابه الذي بالشارع الأعظم، أوقفه تقي الدين عبد الوهاب المعروف بابن [أبي‏] (2) شاكر قبل أن يتولى و زارة مصر (3).

و منها: رباط السلطان شاه شجاع‏ (4)، صاحب بلاد فارس قبالة باب الصفا، تاريخ وقفيته سبعمائة [و إحدى‏] (5) و سبعين، وقف على الأعاجم من بلاد فارس دون الهنود (6).

و منها: قربه رباط [يقال له: رباط البانياسي‏] (7) على يسار الذاهب إلى الصفا، تاريخ وقفيته سنة ستمائة [و خمس‏] (8) و عشرين، وقفه الأمير فخر الدين على الفقراء (9).

و منها: [الرباط] (10) المعروف برباط العباس عند العلم الأخضر، و كان مطهرة، و الذي عمله مطهرة الملك الناصر (11) لاجين، و الذي عمله [رباطا] (12) الملك الناصر قلاوون الألفي.

____________

(1) في الأصل: باب.

(2) قوله: أبي، زيادة على الأصل. و انظر: الضوء اللامع (5/ 102/ 384).

(3) شفاء الغرام (1/ 610)، و انظر: إتحاف الورى (3/ 500).

(4) و هو: شاه شجاع بن محمد بن مظفر اليزدي، مات سنة 787 ه و قيل: 786 ه (الدرر الكامنة 2/ 338).

(5) في الأصل: و أحد.

(6) شفاء الغرام (1/ 611)، و انظر: إتحاف الورى (3/ 311).

(7) زيادة من شفاء الغرام (1/ 611).

(8) في الأصل: و خمسة.

(9) شفاء الغرام (1/ 611)، و انظر: إتحاف الورى (3/ 44).

(10) في الأصل: الرباطة. و انظر: شفاء الغرام (1/ 611).

(11) في شفاء الغرام: المنصور.

(12) في الأصل: رباط.

628

و منها: رباط الشيخ أبي القاسم بن كلالة (1)، بالمسعى قريب هذا الرباط، تاريخ وقفيته ستمائة [و أربع‏] (2) و أربعين‏ (3).

و منها بالمروة: رباط على يسار الذاهب إليها، أوقفه أبو جعفر التميمي على الفقراء من أهل الخير المتأهلين و غيرهم، عرب و عجم، سنة ستمائة و عشرين، و وقف عليه الحمّام الذي بأجياد. اه- شفاء الغرام‏ (4).

ثم قال الفاسي: و بالمعلا و المسفلة و الشبيكة عدة أربطة ثم سردها.

و بزقاق الحجر و بمكة أوقاف كثيرة على جهات القربة غالبها الآن غير معروفة. اه- شفاء الغرام‏ (5).

قلت: لم يعرف الآن مما ذكر شي‏ء، و قد توالت عليها الأيدي، إنما الموجود الآن شي‏ء قليل؛ منها: أربطة الشريف أبي نمي بزقاق باب العمرة أربعة، واحد قريب المسجد، و ثلاثة قريب السوق الصغير. و اثنان أخر، واحد في السوق الصغير و آخر بعده، و رباط الموفق بزقاق المغاربة، و رباطين في قبالة حمام باب العمرة، واحد للرجال و آخر للنساء، و رباط بالهجلة أوقفه ألماس آغا سنة ألف و مائتين [و ثلاث‏] (6) و ستين، و رباط علي الشحومي مشرف على قبور الشبيكة أوقفه على الحريم العزاب من أهل‏

____________

(1) رباط كلالة: ينسب للشيخ أبي القاسم بن كلالة الطبيبي بالمسعى، و تاريخه سنة 644 ه، قرب الرباط المعروف برباط العباس بالمسعى (العقد الثمين 1/ 283، و شفاء الغرام 1/ 611- 612).

(2) في الأصل: أربعة.

(3) شفاء الغرام (1/ 611)، و انظر: إتحاف الورى (3/ 64)، و العقد الثمين (1/ 120)، طبعة مصر.

(4) شفاء الغرام (1/ 612)، و انظر: إتحاف الورى (3/ 37).

(5) شفاء الغرام (1/ 617).

(6) في الأصل: ثلاثة.

629

مكة سنة ألف و مائتين [و تسع‏] (1) و سبعين، و رباط بالشامية أوقفه علي بن سلطان على الرجال سنة ألف و مائتين و نيف و خمسين، و رباطين كذلك بالشامية للحريم أحدهما أوقفه الدورلي، و الآخر الشريف يحيى بن سرور، و رباط بسوق الليل على يسار الذاهب إلى شعب علي في أول الزقاق أوقفه فرج يسر على السادة العلوية، و رباط مشرف على الصفا على يمين الطالع إلى أبي قبيس أوقفه رجل هندي اسمه: سيت من التجار على الفقراء سنة ألف و مائتين و سبعين، و رباط بأجياد أوقفه رجل هندي. اه.

هذا ما علمت في زماننا. و أيضا رباط الحارث قرب باب العتيق على يمين الداخل إلى الحرم، و رباط الزمامية، و رباط بالشامية بنته امرأة هندية أوقفته على فقراء الهنود. اه.

و رباطا بالمعلا بنته المرحومة زوجة عبد الرحمن شمس أحد تجار مكة.

أوقفته سنة 86 على حريم مكة.

الفصل الثالث: في المياضي التي بمكة و هي المطاهر- أي: و تسمى الحنفيات- و ذكر البرك‏

منها: مطهرة الناصر محمد [بن‏] (2) قلاوون صاحب مصر، عند باب السلام، أي: على يسار الخارج، و تاريخ عمارتها سنة سبعمائة [و ثمان‏] (3) و عشرين‏ (4).

____________

(1) في الأصل: تسعة.

(2) قوله: بن، زيادة على الأصل. (انظر: كشف الظنون 2/ 1116).

(3) في الأصل: ثمانية.

(4) شفاء الغرام (1/ 637)، و إتحاف الورى (3/ 187).

630

و منها: مطهرة نائب السلطنة بمصر، عند باب الحزورة و لعل عمارتها كانت في سنة سبعمائة [و خمس‏] (1) و أربعين‏ (2). قال القرشي‏ (3): هي الآن معطلة.

أقول: ليس لها وجود الآن.

و منها: مطهرة الأمير [صرغتمش الناصري‏] (4)، أحد كبار الأمراء في دولة السلطان حسن صاحب مصر، و هي فيما بين رباط (5) المستنصري و رباط أم الخليفة، و ليس لها وجود الآن. ذكره القرشي‏ (6).

و منها: مطهرة بالمسعى بناها الملك الناصر سنة سبعمائة [و ثمان‏] (7) و عشرين، و جعل لها بابين، أحدهما في السوق، أي: قبالة باب النبي، و الآخر في سوق العطارين، و هو المسمى الآن بزقاق الحجر، و عليها ربع يسكنها خدمها. ذكره ابن بطوطة في رحلته‏ (8).

و منها: مطهرة الأشرف شعبان‏ (9) صاحب مصر بالمسعى، و كانت‏

____________

(1) في الأصل: خمسة.

(2) شفاء الغرام (1/ 638)، و العقد الثمين (3/ 330)، و إتحاف الورى (3/ 229).

(3) البحر العميق (3/ 299).

(4) في الأصل: صوغتمس الناصر. و التصويب من: شفاء الغرام (1/ 638)، و البحر العميق، الموضع السابق.

(5) في شفاء الغرام و البحر العميق: البيمارستان.

(6) البحر العميق (3/ 299).

(7) في الأصل: ثمانية.

(8) رحلة ابن بطوطة (1/ 162).

(9) مطهرة الأشرف شعبان: موقفها الملك الأشرف شعبان بن حسين بن محمد بن قلاوون، بالمسعى، قبالة باب المسجد الحرام المعروف بباب علي، و عمرت سنة 776 ه، و للأشرف عليها وقف بمكة، و وقف بضواحي القاهرة (العقد الثمين 1/ 289، و شفاء الغرام 1/ 638).

631

عمارتها سنة سبعمائة [و ست و سبعين‏] (1)، و للأشرف عليها أوقاف بمكة، أرباع فوقها و دكاكين.

قال القرشي‏ (2): ثم خربت و عمّرت سنة [ثمانمائة و سبع عشرة] (3).

و منها: مطهرة خلفها، عمّرتها أم سليمان المتصوفة، و فرغت من عمارتها سنة سبعمائة [و ست‏] (4) و تسعين.

و منها: مطهرة الأمير زين الدين بركة العثماني‏ (5)، و هي بسوق العطارين بقرب باب السلام، على يسار الخارج من الباب، و بابها مقابل المطهرة الناصرية (6)، و كان إنشاؤها و الرّبع الذي فوقها سنة ثمانمائة [و إحدى‏] (7) و ثمانين.

و منها: مطهرة الأمير [طنبغا] (8) الطويل، أحد الأمراء المقدمين بالديار المصرية، عمّرت في أوائل عشرة السبعين و سبعمائة بأسفل مكة عند باب‏

____________

(1) في الأصل: ستة و عشرين. و التصويب من البحر العميق (3/ 299)، و انظر: إتحاف الورى (3/ 322).

(2) البحر العميق (3/ 299).

(3) في الأصل: سبعمائة و سبعة عشر. و التصويب من البحر العميق، الموضع السابق.

(4) في الأصل: ستة.

(5) مطهرة الأمير زين الدين بركة: هي للأمير زين الدين بركة العثماني، رأس نوبة النوب، و خشداش الملك الظاهر صاحب مصر، و هي بسوق العطارين الذي يقال له: سوق النداء عند باب بني شيبة، و كان إنشاؤها سنة 781 ه، و أنشأ لها أوقافا (شفاء الغرام 1/ 638).

(6) المطهرة الناصرية: نسبة لموقفها الملك الناصر محمد بن قلاوون، صاحب مصر، و هي عند باب بني شيبة، و قد اشترى موضعها من الشريفين عطيفة و رميثة ابني أبي نمي بخمسة و عشرين ألف درهم، و كانت عمارتها سنة 827 ه (العقد الثمين 1/ 289، و شفاء الغرام 1/ 637- 638).

(7) في الأصل: إحدى.

(8) في الأصل: طبقا. و التصويب من البحر العميق (3/ 299).

632

العمرة. ذكر هذا القرشي‏ (1).

و ذكر القطبي‏ (2): أن عند باب إبراهيم مطهرة بناها قايتباي، على يسار (3) الخارج، و هي الآن معطلة.

أقول: الآن بيت بكري‏ (4).

و بأجياد مطهرة بناها الشريف زيد بن محسن بن حسين بن حسن بن أبي نمي أمير مكة. كذا في خلاصة الأثر (5).

أقول: و منها: مطهرة بالمسعى على يمين الصاعد إلى المسعى، بلصق تكية السيدة فاطمة، عمرت في زمن السلطان عبد المجيد خان، على يد حسيب باشا سنة ألف و مائتين [و ست‏] (6) و ستين. انتهى.

و أما البرك ففيها عدة برك، منها: بركتان عند باب المعلا متلاصقتان، على يسار الخارج من مكة إلى المعلا [جددتا] (7) في زمن الناصر صاحب مصر في سبعمائة [و تسع‏] (8) و أربعين. ذكره القرشي‏ (9).

قلت: لم يبق لهما أثر، و قد أدركنا واحدة منها معطلة يسمونها بركة المصري، و الآن مدفونة و كانت في مقابلة بركة الشامي و بينهما الطريق.

انتهى.

____________

(1) البحر العميق (3/ 299).

(2) الإعلام (ص: 244).

(3) في الإعلام: يمين.

(4) هو: بكري أحمدوه. انظر: بغية الراغبين (ص: 35).

(5) انظر ترجمته (2/ 176).

(6) في الأصل: ستة.

(7) في الأصل: حدثتا. و التصويب من البحر العميق (3/ 297).

(8) في الأصل: تسعة.

(9) البحر العميق (3/ 297).

633

و منها: بركتان على يمين الخارج إلى المعلا، [إحداهما] (1) بلصق سور باب المعلا ببستان الصارم‏ (2)، و كانتا معطلتين فعمّرت إحداهما في سنة ثمانمائة [و ثلاث عشرة] (3) و ملئت من العين. ذكره القرشي‏ (4).

قلت: هي الآن عمار موجودة، تسمى الآن بركة الشامي، و البستان اسمه الكمالية بجانبها. انتهى.

و منها: [بركتان‏] (5) عند مولد النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، بسوق الليل ببستان [المسلماني‏] (6) على ما ذكروهما.

و منها: بأسفل مكة بركة يقال لها: بركة الماجن.

قلت: هي الآن عمار ملآنة.

و بحرم مكة مما يلي منى و عرفة عدة برك، منها البركة المعروفة ببركة السّلم‏ (7). قال القرشي: لم يعرف من أنشأها، و جدّدها الأمير [المعروف بالملك‏] (8) نائب السلطنة بمصر، و عمّر العين التي يصل إليها الماء منها

____________

(1) في الأصل: أحدهما. و التصويب من البحر العميق، الموضع السابق.

(2) بركة الصارم: هي إحدى بركتين متلاصقتين، و كانتا بلصق سور باب المعلاة ببستان الصارم، و كانتا معطلتين، فعمرت إحداهما في النصف الثاني من سنة 813 ه، و ملئت من عين بازان- كما ذكر المصنف- بعد جريها، و الذي أمر بعمارتها هو الشهاب بركوت المكين (شفاء الغرام 1/ 621).

(3) في الأصل: ثلاثة و عشرين. و التصويب من البحر العميق، الموضع السابق. و انظر: إتحاف الورى (3/ 482).

(4) البحر العميق (3/ 297).

(5) في الأصل: بركتين. و انظر: البحر العميق، الموضع السابق.

(6) في الأصل: السليماني. و التصويب من البحر العميق، الموضع السابق.

(7) بركة السلم: تقع بحرم مكة مما يلي منى و عرفة، لا يعرف من أنشأها. جدّدها الأمير المعروف بالملك نائب السلطنة سنة 745 ه. (انظر: شفاء الغرام 1/ 621، و إتحاف الورى 3/ 228- 229).

(8) زيادة من البحر العميق (3/ 297).

634

- و هذه العين مجراها من منى- و ذلك في سنة سبعمائة [و خمس‏] (1) و أربعين. انتهى. و هي الآن عمار.

و بطريق منى مما يلي المزدلفة و طريق عرفة عدة برك معطّلة، عمّر بعضها نائب السلطنة في دولة الملك الأشرف صاحب مصر، و بعضها عمّرها إقبال الدين المستنصر (2) العباسي في سنة ستمائة [و ثلاث‏] (3) و ثلاثين، و اسم إقبال باق في البرك التي حول جبل الرحمة بعرفة. ذكره القرشي‏ (4).

و أول من اتّخذ الحياض [بعرفة و أجرى إليها] (5) العين: عبد اللّه بن عامر بن كريز. كذا في أسد الغابة (6). و قد جددها السلطان سليمان، و جددت بعده مرارا، و هي الآن عمار مملوءة من عين عرفة. انتهى.

الفصل الرابع: في الآبار التي بمكة و ما هو منها في الحرم و السقايات: أي السبل‏

قال القرشي‏ (7): ليس يعرف الآن مما ذكروه إلا النادر، و جملة ما احتوى عليه سور مكة من الآبار ثمانية و خمسون بئرا.

و من الآبار المعروفة التي ذكرها الأزرقي‏ (8): البئر التي برباط السدرة

____________

(1) في الأصل: خمسة.

(2) في البحر العميق: إقبال الرأي المنتصري.

(3) في الأصل: ثلاثة.

(4) البحر العميق (3/ 297).

(5) في الأصل: لعرفة و أجرى عليها. و التصويب من أسد الغابة (3/ 185).

(6) أسد الغابة (3/ 185).

(7) البحر العميق (3/ 297).

(8) الأزرقي (1/ 113).

635

حفرها [هاشم‏] (1) بن عبد مناف، و قيل: قصي.

قلت: رباط السّدرة كان من باب السلام إلى باب النبي.

ثم قال القرشي‏ (2): و كانت هذه البئر شارعة على المسعى.

و منها: بئر بالمدرسة الأفضلية، و بئر بالميضأة الصرغتمشية، و برباط الخليفة، و برباط الفقاعية (3)، و برباط [الميانشي‏] (4)، و بالمدرسة المنصورية (5)، و عند باب الحزورة حفرها المهدي، و في دار الملاعنة، و بمدرسة المجاهدية، و برباط كلالة بالمسعى، و بالمطهرة الناصرية عند باب بني شيبة، و بمطهرة الأشرف شعبان بالمسعى بها بئر.

و منها: عند حمام سوق الليل- لعلها بئر عبد شمس- و بقربها بئر لأبي مغامس، و عندها مسجد، و بقرب ذلك بئر، و بئران بالمعلا بشعب عامر، أحدهما في بستان هذا الشعب، و الآخر بفم الشعب، و بئر في البستان الذي عند باب المعلا، و بئر أم الفاغية عند سبيل ابن ظهيرة، و بئر عند مسجد الراية، و هي بئر جبير بن مطعم. اه شفاء الغرام‏ (6).

ثم قال الفاسي‏ (7): و بأجياد عدة آبار، ثم سردها، و بالحزامية، و بأسفل‏

____________

(1) في الأصل: شمس. و التصويب من شفاء الغرام (1/ 622)، و البحر العميق (3/ 297).

(2) البحر العميق (3/ 297).

(3) رباط الفقّاعية: تاريخ وقفه سنة 492، و فيه حجر على بابه مكتوب فيه: أن قهرمانة المقتدي الخليفة العباسي و قفته على المنقطعات الأرامل- كما ذكر المصنف- (العقد الثمين 1/ 281، و شفاء الغرام 1/ 608).

(4) في الأصل: المياشي. و انظر: شفاء الغرام (1/ 608).

(5) المدرسة المنصورية: هي مدرسة الملك المنصور عمر بن علي بن رسول صاحب اليمن، و هي على الفقهاء الشافعية، و لعل بها درس حديث من عمل ولده المظفر، و تاريخ عمارتها سنة 641 ه (العقد الثمين 1/ 280، و شفاء الغرام 1/ 604).

(6) شفاء الغرام (1/ 622- 624).

(7) شفاء الغرام (1/ 624- 625)، و أخبار مكة للأزرقي (2/ 219).

636

مكة عدة آبار، ثم سردها، ثم من جملة الآبار التي بأسفل مكة بئر يقال لها:

بئر النبي، و الناس يستشفون بماء هذا البئر. قال الفاسي: و لعلها [بئر السنبلة] (1)، بئر خلف بن وهب الجمحي [التي‏] (2) ذكرها الأزرقي‏ (3)، و قال: إن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) بصق فيها، و إن ماءها جيد يشفي من الصداع. اه.

و بمسيل وادي إبراهيم بئر عند باب إبراهيم، و بئر برباط الموفق، و بئر في وسط السويقة يقال إنها من عمارة عبد اللّه بن الزبير، و بئر آخر بالسويقة، و بئر بقعيقان. اه. من شفاء الغرام باختصار (4)، إلا أن غالب الذي ذكره لم يعرف الآن.

و أما الآبار التي بين باب المعلا و منى فستة عشر بئرا فيها الماء؛ فمنها:

قرب باب المعلا لأم سليمان عند تربتها و تربة الملك المسعودي، و بئر الطواشي‏ (5) عند طرف المقبرة من أعلاها، و بئر بالبستان الذي أنشأه القائد سعد الدين، و بئر في البستان الذي أمامه جهة منى، و بئر بستان بين هذين البستانين إلى جهة شعب البياضية، و بالمعابدة بئر آدم (عليه السلام) على يمين الذاهب إلى منى و ليست على جادة الطريق، و بئر يقال لها: البياضية، و البئر المعروف ببئر ميمون الحضرمي، و هي التي [الآن بالسبيل المعروف بسبيل‏

____________

(1) في الأصل: البئر السفلية. و التصويب من شفاء الغرام، و الأزرقي، و انظر الموضعين السابقين.

(2) في الأصل: الذي.

(3) أخبار مكة للأزرقي (2/ 219).

(4) شفاء الغرام (1/ 625- 626).

(5) الطواشي: لقب عام للخصيان من الغلمان، ثم أصبح في عصر المماليك لقبا يطلق على جند الأمراء في المكاتبات إليهم بتوقيع أو نحوه مع الملاحظة بأن الجند لم يكونوا يكاتبون عن الأبواب السلطانية (الألقاب الإسلامية ص: 382).

637

الست‏] (1) بطريق منى.

قال الأزرقي‏ (2): و كانت آخر بئر [حفرت في‏] (3) الجاهلية.

قال: و عن مجاهد في قوله تعالى: فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ‏ [الملك: 30] قالوا: زمزم و بئر ميمون بن الحضرمي.

ثم قال: و منها البئر المعروفة بصلاصل.

قال الأزرقي‏ (4): و هي البئر التي بفم شعب البيعة عند العقبة- أي عقبة منى- و الناس يسمون هذه البئر: بئر مسهر، و يسمونها: بصلاصل، و هي قريبة من العقبة. و ذكر الأزرقي أنها من الآبار الإسلامية، و سميت بصلاصل بن أوس بن محاسن‏ (5). رواه الفاكهي‏ (6).

ثم قال [القرشي‏] (7): و أما الآبار التي بالمزدلفة فثلاثة. و أما الآبار التي بعرفة فهي آبار كثيرة.

قال القرشي‏ (8): و التي فيها الماء الآن ثلاثة.

و أما الآبار التي بظاهر مكة من أعلاها فيما بين بئر ميمون ابن الحضرمي و الأعلام التي هي حد الحرم في طريق وادي نخلة فهي خمسة عشر بئرا.

____________

(1) في الأصل: و هي التي بالسيل بطريق منى. و المثبت من شفاء الغرام (1/ 627).

(2) الأزرقي (2/ 222).

(3) في الأصل: حفرتها. و التصويب من البحر العميق (3/ 297). و انظر: الأزرقي، الموضع السابق.

(4) الأزرقي (2/ 226).

(5) في الفاكهي: مجاسر، و في شفاء الغرام: مخامس.

(6) الفاكهي (5/ 165)، و انظر: شفاء الغرام (1/ 627- 628).

(7) في الأصل: الأزرقي. و هو تصحيف. و انظر: البحر العميق (3/ 298).

(8) البحر العميق، الموضع السابق.

638

و أما الآبار التي بأسفل مكة من جهة التنعيم فهي ثلاثة و عشرون بئرا بجادة الطريق. و بقرب الشبيكة آبار أخر في الزاهر الصغير، و هي ثلاثة آبار، و بقرب هذه الآبار بئر ببطن ذي طوى على ما ذكره الأزرقي في تعريف [ذي‏] (1) طوى. و بأسفل مكة أيضا من جهة درب اليمن عدة آبار.

ذكر هذا القرشي‏ (2).

و أما السقايات- أي السّبل- بمكة المشرفة و حرمها؛ قال القرشي‏ (3):

بمكة المشرفة عدة سقايات؛ منها: سبيل‏ (4) عطية بن ظهيرة، و سبيل (نائب بن فاكي) (5) عند مسجد الراية، و سبيل أم الحسين بنت القاضي شهاب الدين بالمسعى، و سبيل ابن بلعجد (6) عند بازان بالمسعى، و سبيل السيد حسن بن عجلان برباطه. و منها خارج مكة من أعلاها: سبيل أم سليمان المتصوفة، و سبيل [عطية] (7) في طرف المقبرة من أعلاها، و سبيل القائد سعد الدين في بستانه، و سبيل أمامه للسيد حسن بن عجلان، و سبيل للست بطريق منى‏ (8)، و الست هي أخت الناصر حسن صاحب مصر، و بمنى عدة سبل. و فيما بين منى و عرفة عدة سبل إلا أنها تخربت‏ (9). ذكره‏

____________

(1) زيادة من البحر العميق، الموضع السابق.

(2) البحر العميق (3/ 298).

(3) البحر العميق (3/ 297).

(4) في الأصل: زيادة: ابن. و التصويب من البحر العميق، الموضع السابق، و شفاء الغرام (1/ 618).

(5) في شفاء الغرام: قاسم الزنكي. و في البحر العميق: قاسم الزانكي.

(6) في شفاء الغرام و البحر العميق: بعلجد.

(7) في الأصل: عظيم. و التصويب من البحر العميق (3/ 297).

(8) إتحاف الورى (3/ 286).

(9) انظر: شفاء الغرام (1/ 618- 619).

639

القرشي‏ (1).

قلت: لم يبق لها أثر فضلا عن الخراب.

ثم قال‏ (2): و بأسفل مكة من جهة التنعيم عدة سقايات؛ منها: سبيل الزنجي‏ (3)، و سبيل المكيين، و سبيل بنت القاضي أحمد الطبري، و سبيل الملك المنصور صاحب اليمن، و سبيل [الجوخي‏] (4)، و سبيل دون هذا السبيل من جهة مكة.

قال القرشي‏ (5): و كان بمكة سقايات أكثر مما ذكرنا.

قال الفاكهي‏ (6) لما ذكر السقايات: و بمكة في فجاجها و شعوبها من باب المسجد إلى منى و نواحيها و مسجد التنعيم نحو من مائة سقاية.

قلت: لم يوجد الآن إلا سقاية واحدة بطريق التنعيم قريبا من الشهداء، و هي لرجل هندي، و كذا سقاية لسيدنا الشريف عبد اللّه و الي مكة مما يلي طريق جدة في الزاهر الصغير على يسار الذاهب إلى جدة قريبة من الشيخ محمود (7)، و ذلك في سنة ألف و مائتين [و تسع‏] (8) و سبعين، و حفر بجانبها بئرا. و اللّه أعلم.

و في ثلاثة و ثمانين و مائتين بعد الألف: حفر رجل هندي قريبا من‏

____________

(1) البحر العميق (3/ 297).

(2) البحر العميق (3/ 297).

(3) في البحر العميق: الزنجبيلي.

(4) في الأصل: الخواجا. و التصويب من البحر العميق، الموضع السابق. و انظر: شفاء الغرام (1/ 620)، و إتحاف الورى (2/ 363)، و العقد الثمين (3/ 416 طبعة مصر).

(5) البحر العميق (3/ 297).

(6) أخبار مكة للفاكهي (3/ 97)، و انظر: شفاء الغرام (1/ 620).

(7) مكان في جرول بمكة قرب القبة، دفن فيه الشيخ محمود بن أدهم السباعي (معجم معالم الحجاز 8/ 47، و تاريخ مكة للسباعي 1/ 422).

(8) في الأصل: تسعة.

640

و في ثلاثة و ثمانين و مائتين بعد الألف: حفر رجل هندي قريبا من الشيخ محمود على يسار الذاهب إلى جدة بئرا، و بنى جنبه سبيلا. ثم في أربعة و ثمانين بنى جنبه السيد علي العطرجي من تجار مكة مسجدا يصلى فيه أثابهم اللّه على ذلك.

و في سبعة و ثمانين بنى السيد عبد اللّه ولي سبيلا بظهر بيته، جنب باب إبراهيم، على يمين الخارج، بناه باسم سلطان السواحل.

641

خاتمة: في ذكر مقابر مكة و فضلها و ذكر بعض من دفن بها و من دفن بغيرها- أي بمكة- تبركا بذكر أسمائهم‏

فمنها: المعلا.

قال الأزرقي‏ (1): كان أهل مكة في الجاهلية و في صدر الإسلام يدفنون موتاهم في شعب [أبي دب‏] (2)، و بين الحجون إلى الشعب الصفي- صفي السباب-، و في الشعب الملاصق لثنية المدنيين التي هي اليوم مقبرة أهل مكة، ثم تمضي المقبرة مصعدة لاصقة بالجبل إلى ثنية أذاخر بحائط خرمان.

و كان أهل مكة يدفنون موتاهم بجانب الوادي بيمينه و شماله في الجاهلية و صدر الإسلام، ثم حوّل الناس قبورهم في الشعب الأيسر للرواية الآتي ذكرها. و قول النبي (صلى اللّه عليه و سلم): «نعم الشّعب و نعم المقبرة» (3).

قال الأزرقي‏ (4): لا نعلم شعبا بمكة مستطيلا ناحية القبلة ليس فيه انحراف إلا شعب المقبرة، فإنه مستقبلا و جهة الكعبة.

و قال الأزرقي في محل آخر (5): و كان أهل مكة يدفنون موتاهم في جانب الوادي يمينه و شماله في الجاهلية و صدر الإسلام، ثم حوّل الناس قبورهم إلى الشعب الأيسر. ثم قال: ففيه اليوم قبور أهل مكة إلا آل عبد

____________

(1) الأزرقي (2/ 209)، و انظر: شفاء الغرام (1/ 533).

(2) في الأصل: أبي ذئب. و التصويب من الأزرقي.

و شعب أبي دب، هو الشعب المسمى اليوم (دحلة الجن).

(3) أخرجه الأزرقي (2/ 211).

(4) الأزرقي (2/ 209).

(5) أخبار مكة للأزرقي (2/ 211)، و شفاء الغرام (1/ 536).

642

اللّه بن خالد بن أسد بن العيص بن عبد شمس، و آل سفيان بن عبد الأسد بن هلال بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم، فهم يدفنون في المقبرة العليا بحائط خرمان.

قال الفاسي‏ (1): و حائط خرمان هو: الموضع المعروف بالمعابدة، و ثنية أذاخر فوق هذا المكان، و كانت تنتهي المقبرة إليها في الجاهلية.

أما فضل مقبرة المعلا؛ فعن عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنهما قال لمقبرة مكة: نعم المقبرة هذه‏ (2). أخرجه أبو الفرج في مثير الغرام‏ (3).

و عن ابن مسعود رضي اللّه عنه قال: وقف رسول (صلى اللّه عليه و سلم) على الثنية- أي ثنية المقبرة- و ليس بها يومئذ مقبرة فقال: «يبعث اللّه عز و جل من هذه البقعة أو من هذا الحرم [سبعين‏] (4) ألفا يدخلون الجنة بغير حساب، يشفع كل واحد منهم لسبعين ألفا، وجوههم كالقمر ليلة البدر». فقال أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه: من هم يا رسول اللّه؟ قال: «الغرباء» (5).

أخرجه الملا في سيرته.

و عن حاطب بن أبي بلتعة عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «من مات في أحد

____________

(1) شفاء الغرام (1/ 536).

(2) أخرجه عبد الرزاق (3/ 579 ح 6734)، و أحمد (1/ 367 ح 3472)، و الطبراني في الكبير (11/ 137 ح 11282)، و البخاري في الكبير (1/ 284 ح 916)، و الأزرقي (2/ 209)، و الفاكهي (4/ 50 ح 2369). و ذكره الهيثمي في مجمعه (3/ 397) و عزاه لأحمد، و البزار، و الطبراني في الكبير. و ذكره السيوطي في الكبير (1/ 856) و عزاه للفاكهي، و الديلمي.

و ذكره الفاسي في شفاء الغرام (1/ 533) و عزاه للأزرقي. كلهم من حديث ابن عباس مرفوعا.

(3) مثير الغرام (ص: 439).

(4) في الأصل: سبعون.

(5) أخرجه الفاكهي (4/ 51)، و ذكره الفاسي في شفاء الغرام (1/ 534) و عزاه للجندي في فضائل مكة، و المتقي الهندي في كنز العمال (12/ 262). و هو حديث إسناده متروك، فيه عبد الرحيم بن زيد العمي، كذبه ابن معين، و عليه مدار الحديث.

643

الحرمين بعث يوم القيامة من الآمنين» (1). أخرجه الدارقطني و أبو داود الطيالسي‏ (2).

و عن ابن عمر رضي اللّه عنهما: أن من قبر بمكة مسلما بعث آمنا يوم القيامة. أخرجه أبو الفرج‏ (3). اه.

و روي: أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) سأل اللّه تعالى عن أهل بقيع الغرقد فقال: لهم الجنة. فقال: «يا رب فلأهل المعلا»؟ قال: يا محمد سألتني عن جيرانك فلا تسألني عن جيراني‏ (4). ذكره القرشي‏ (5).

و سئل العالم العلامة أحمد بن محمد بن أحمد بن عثمان ابن عم القطب الشيخ إبراهيم المتبولي عما ورد فيمن مات بطريق مكة أو المدينة ذاهبا أو راجعا، فأجاب: روى الأزرقي مرفوعا: من مات في طريق مكة ذاهبا أو راجعا لم يعرض و لم يحاسب، و كتبت له كل سنة حجة و عمرة إلى يوم القيامة (6).

و في البدر المنير للشعراني: الحجون و البقيع [يؤخذ] (7) بأطرافهما و ينثران في الجنة.

قال الشعراني: و هما مقبرة مكة و المدينة. أورده الزمخشري و بيّض له‏

____________

(1) أخرجه الدارقطني (2/ 278)، و الطيالسي (ص: 12).

(2) في الأصل: و الطيالسي. و الصواب ما أثبتناه.

(3) مثير الغرام (ص: 440).

(4) ذكره الفاسي في شفاء الغرام (1/ 162)، و الخوارزمي في إثارة الترغيب و التشويق (ص: 253).

(5) البحر العميق (1/ 20).

(6) ذكره المنذري في الترغيب و الترهيب (2/ 112) مختصرا، و عزاه إلى الأصبهاني. و لم أقف عليه في الأزرقي.

(7) في الأصل: يأخذان.

644

ابن حجر.

و في شفاء الغرام‏ (1): عن عبد اللّه بن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنهما: من مات بمكة فكأنما مات في سماء الدنيا. و عن الحسن البصري مثله، و سنده ضعيف. انتهى كلام الفاسي.

و عن الجنيد: من مات بمكة- أي مسلما- بعث من الآمنين‏ (2). ذكره الفاسي أيضا (3).

و في ملخص معالم دار الهجرة لأبي بكر بن [حسين‏] (4) المراغي: روى ابن النجار عن أبى هريرة: أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «أنا أول من تنشق عنه الأرض فأكون أول من يبعث، فأخرج أنا و أبو بكر و عمر- رضي اللّه عنهما- إلى البقيع فيبعثون، ثم يبعث أهل مكة فأحشر بين الحرمين.

انتهى.

و مما وجد بخط الشيخ مصطفى بن فتح اللّه قال: اتفق لي أني زرت المعلا مع الشيخ أحمد بن علي السند المصري المتوفى سنة [سبع‏] (5) و تسعين بعد الألف فتذاكرنا أنسها و عدم الوحشة فيها بالنسبة لمقابر غيرها في البلاد، و من فيها من الأولياء مما لا يحصى، فذكرت له ما نقله المرجاني في تاريخ المدينة (6) عن والده قال: سمعت أبا عبد اللّه الدلاصي يقول:

سمعت الشيخ أبا عبد اللّه الديسي يقول: كشف لي عن أهل المعلا، فقلت:

____________

(1) شفاء الغرام (1/ 161).

(2) أخرجه الفاكهي (1/ 387 ح 809) من حديث جابر بن عبد اللّه.

(3) شفاء الغرام (1/ 162).

(4) في الأصل: حسن. و انظر ترجمته في الأعلام (2/ 63).

(5) في الأصل: سبعة.

(6) بهجة النفوس (2/ 423).

645

هل تجدون نفعا بما يهدى إليكم من قراءة و نحوها؟ فقالوا: لسنا محتاجين إلى ذلك. فقلت لهم: ما منكم من أحد واقف الحال؟ فقال: لم يقف حال أحد في هذا المكان. فأعجب به، فقال: أرجو اللّه أن أموت بمكة و أن أدفن بالمعلا. اه. خلاصة الأثر (1).

و بمقبرة مكة شرفها اللّه تعالى خلق كثير من كبار الصحابة و التابعين و جم غفير. ذكرهم الطبري في القرى، و الفاسي في العقد الثمين. فمن أراد ذلك فلينظره ثمة.

فائدة: في المدخل لابن الحاج المالكي‏ (2): أما زيارة القبور فجائز، خصوصا إن كان ممن ترجى بركته أو قرابته للنبي (صلى اللّه عليه و سلم)، فيجوز التوسل بهم إلى اللّه، و أن اللّه قد اختارهم و شرفهم و كرمهم، فكما ينتفع بهم في الدنيا ففي الآخرة أكثر. فمن أراد حاجة فليذهب إليهم و يتوسل بهم، فإنهم الوسيلة إلى اللّه تعالى لخلقه، و ما زال الناس من العلماء و الأكابر [كابرا] (3) عن كابر، يتبركون بهم شرقا و غربا، يتبركون بزيارة قبورهم و يجدون بركة ذلك حسا و معنى. و قد ذكر الشيخ أبو [عبد اللّه بن‏] (4) النعمان‏ (5): أن زيارة قبور الصالحين محبوبة لأجل التبرك مع الاعتبار، فإن بركة الصالحين جارية بعد مماتهم كما كانت في حياتهم، و الدعاء عند قبور الصالحين و التوسل بهم معمول بها عند علمائنا المحققين من أئمة الدين‏ (6). انتهى.

____________

(1) خلاصة الأثر (1/ 256)، و انظر: شفاء الغرام (1/ 534).

(2) المدخل (1/ 255).

(3) في الأصل: كابر. و التصويب من المدخل (1/ 255).

(4) قوله: عبد اللّه بن، زيادة من المدخل، الموضع السابق.

(5) كتابه المسمى: سفينة النجاء لأهل الالتجاء في كرامات الشيخ أبي النجاء.

(6) إن التوسّل لا يجوز إلا للّه عز و جل بالإيمان الصحيح، و بالعمل الصالح المشروع من الكتاب و السنة، و الاستشفاع يكون بدعاء الصالحين الأحياء الذين يدعون اللّه عز و جل تضرعا و خفية، فيستجيب لهم، و التبرك يكون بما جعله اللّه مباركا ككتابه العظيم، و نبيه الكريم، و مجالس ذكره تعالى الخالية من البدع و الضلالات، و الميت لا يتوسّل به إلى اللّه عز و جل، و لا يدعى، و لا يستغاث به، و لا يطلب منه الدعاء للحي، و لا الاستشفاع له عند اللّه، حتى و لو كان نبيا، و من صنع ذلك فقد ارتكب باطلا، كما يدل ذلك على سوء فهمه، و فساد في عقيدته.

646

و قال الغزالي في الإحياء في باب أدب السفر (1): و يدخل في جملة زيارة [قبور] (2) الأنبياء و قبور الصحابة و التابعين و سائر العلماء و الأولياء، و كل من يتبرك بمشاهدته في حياته يتبرك بزيارته بعد وفاته‏ (3). انتهى باختصار.

و ناهيك بمن دفن بالمعلا خصوصا السيدة خديجة، و السيدة آمنة، و عبد الرحمن بن عوف، و عبد اللّه بن الزبير و غيرهم.

أما زيارة النساء القبور في هذا الزمان فحرام للثابت قطعا.

و لنذكر بعضا منهم تبركا بأسمائهم:

فممّن دفن بالمعلا: السابقة إلى الإسلام، و هي أول من أسلم من النساء:

السيدة خديجة الكبرى أم المؤمنين بنت خويلد بن عبد العزى بن قصي، و فضائلها مشهورة، أقامت مع النبي (صلى اللّه عليه و سلم) خمسا و عشرين عاما، و توفيت رضي اللّه عنها إحدى عشر رمضان قبل الهجرة بسبع سنين، أو خمس، أو أربع على ما قيل.

و قال أبو حاتم و أبو عمر الدولابي: ماتت بمكة قبل الهجرة بثلاث سنين و عمرها خمس و ستون سنة و ستة أشهر، و دفنت بالحجون. كذا في تاريخ الخميس‏ (4).

قال المرجاني‏ (5): و قبرها بمكة غير معروف، إلا أن بعض الصالحين رآها في المنام و كشف له بالقرب من طرف الشّعب عند قبر الفضيل بن عياض، و قد وجد عليه [حجر مكتوب‏] (6) سنة سبعمائة [و تسع‏

____________

(1) إحياء علوم الدين (2/ 247).

(2) قوله: قبور، زيادة من الإحياء.

(3) انظر تعليقنا في ص 645.

(4) تاريخ الخميس (1/ 301).

(5) بهجة النفوس (2/ 429).

(6) في الأصل: حجرا مكتوبا. و التصويب من الغازي (2/ 77).

647

و عشرين‏] (1) أن هذا قبر السيدة خديجة رضي اللّه عنها. ذكره القرشي‏ (2).

و ذكر القطبي‏ (3): أن قبرها بالمعلا و هو في محل في شعب بني هاشم- أي المدفونون به- لا الشعب الذي كانوا يسكنونه، و كان على قبرها تابوت [من‏] (4) خشب يزار، فبني على قبرها قبة من الحجر؛ أمر ببنائها محمد بن سليمان، دفتدار مصر في سنة خمسين و تسعمائة، و كسا التابوت كسوة فاخرة، و عيّن لها خادما و رتّب له النفقة في خيرات آل عثمان. انتهى كلامه.

قلت: و قد جدّدت هذه القبة في سنة ألف و مائتين [و اثنتين‏] (5) و أربعين و هي الآن عمار، و على القبر الشريف تابوت، و على التابوت كسوة خضراء أرسلت بها والدة والي مصر عباس باشا في نيف و ستين و ألف و مائتين.

و في كل ليلة إحدى عشر من كل شهر يخرج الناس إلى هذا المحل و يقرؤون القرآن و المواليد للنبي (صلى اللّه عليه و سلم) و يذكرون اللّه تعالى، و تظهر عليهم البركات و الخيرات بسببها رضي اللّه عنها (6).

و بجانب قبرها مما يلي القبلة ضريح أمير مكة المشرفة سيدنا الشريف عبد المطلب بن غالب. توفي سنة 1300، و على قبره تابوت من خشب.

و بها الدرة اليتيمة و الجوهرة الثمينة، السيدة آمنة، الأمينة والدة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و مناقبها مشهورة، توفيت رضي اللّه عنها (7) و النبي (صلى اللّه عليه و سلم) ابن خمس‏

____________

(1) في الأصل: تسعة و عشرين. و في البحر العميق و بهجة النفوس: و تسع و أربعين.

(2) البحر العميق (1/ 20).

(3) الإعلام (ص: 443- 444).

(4) زيادة من الغازي (2/ 78).

(5) في الأصل: اثنين.

(6) لم يثبت أن صحابة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و لا خلفاءه الراشدون و لا الأئمة الأربعة أن احتفلوا بمولده، و هم أولى الناس به، لذا فأمر الاحتفال بالمولد يعد بدعة، و البدعة منهي عنها.

(7) لا يصح أن يقال: رضي اللّه عنها؛ لأن آمنة والدة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من أهل الفترة.

648

سنين، و قيل: بعد مولده بأربع سنين و به صدر في المواهب، و قيل: بست سنين، و قيل: بسبع سنين، و قيل: بثمان سنين. روايات ذكرها الحلبي‏ (1).

قيل: إنها دفنت بالأبواء؛ قرية من أعمال الفرع‏ (2)، بينها و بين الجحفة (3) مما يلي المدينة ثلاثة و عشرون ميلا. ذكره القاضي عياض في المشارق‏ (4).

و قيل: بمقبرة مكة بالحجون.

و جمع بعض العلماء بأنها دفنت أولا بالأبواء، ثم نقلت و دفنت بالحجون بمعلا مكة، و يؤيد أنها دفنت بالحجون ما روي عن عائشة رضي اللّه عنها قالت: حج بنا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حجة الوداع و مرّ بي على شعبة الحجون ... الحديث، إلى أن قالت: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «ذهبت إلى قبر أمي فسألت ربي أن يحييها فأحياها ... الحديث» (5).

و قبرها معروف، و بنى عليها قبة: عيسى شيخ الحرم، و ذلك في سنة ألف و مائتين و اثنتين‏ (6) و أربعين على ما هو مكتوب في حجر على بابها، و على القبر الشريف تابوت و عليه كسوة حمراء بعث بها عباس باشا والي مصر مع كسوة تابوت السيدة خديجة رضي اللّه عنهم، و ذلك في نيف و ستين و ألف و مائتين. ثم غيرت الكسوتين بأخريين خضر مطرزتين‏

____________

(1) السيرة الحلبية (1/ 172).

(2) الفرع: قرية من نواحي المدينة عن يسار السقيا، بينها و بين المدينة ثمانية برد على طريق مكة، بها منبر و نخل و مياه كثيرة، و هي قرية غناء كبيرة (معجم البلدان 4/ 252).

(3) الجحفة: كانت قرية كبيرة على طريق المدينة من مكة على أربع مراحل، و هي ميقات أهل مصر و الشام (معجم البلدان 2/ 111).

(4) مشارق الأنوار (1/ 57).

(5) ذكره ابن حجر في لسان الميزان (4/ 305)، و العجلوني في كشف الخفاء (1/ 63).

(6) في الأصل: اثنين.

649

بالفضة، بعثت بها والدة إسماعيل باشا والي مصر سنة ... (1) ه.

و في كل ليلة [ثمان‏] (2) من كل شهر يقرؤون عند القبر الشريف القرآن، و يذكرون اللّه تعالى، و تظهر عليهم البركة. انتهى‏ (3).

و بجانب قبرها مما يلي القبلة قبر سيدنا الشريف محمد بن عبد اللّه بن عون أمير مكة، توفي في شعبان سنة 1274.

و ممن دفن بها: عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنهما حواري رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و هو أول مولود ولد بالمدينة للمهاجرين، و حنّكه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و مناقبه مشهورة، مات شهيدا رضي اللّه عنه، قتل عند باب الكعبة، قتله الحجّاج الثقفي الخبيث لما بويع له بالخلافة، و أطاعه أهل اليمن و الحجاز و خراسان و العراق، و كان وفاته رضي اللّه عنه سنة [اثنتين‏] (4) و سبعين أو [ثلاث‏] (5) و سبعين يوم الثلاثاء النصف من جمادى الآخرة أو ستة عشر أو سبعة عشر. ذكره الحلبي و القرشي‏ (6).

و دفنت جثته بالمعلا، و أما رأسه فأرسل بها الحجّاج إلى عبد الملك بن مروان، و قصته مشهورة في كتب السير، و قبره مشهور- أي في شعبة النور-.

و على قبره حوطة دائرة قدر القامة، و بهذه الحوطة ثلاثة قبور، قبر على يمين قبره، و قبر على شماله، و الوسط هو قبر سيدنا عبد اللّه. هكذا يقولون الناس. و اللّه أعلم.

____________

(1) كذا في الأصل.

(2) في الأصل: ثمانية.

(3) انظر تعليقنا ص: 645.

(4) في الأصل: اثنتين.

(5) في الأصل: ثلاثة.

(6) السيرة الحلبية (1/ 289)، و البحر العميق (1/ 20).

650

و ممن دفن بها: سيدتنا أسماء بنت أبي بكر الصديق أخت السيدة عائشة رضي اللّه عنها، و فضلها مشهور توفيت رضي اللّه عنها بعد ولدها سيدنا عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنهم بجمعة في الشهر الذي مات فيه ولدها، فعلى هذا فتكون توفيت في جمادى الأخرى في ثلاثة و عشرين أو أربعة و عشرين خلت منه. قاله أبو عمر. انتهى. و دفنت بالمعلا.

قلت: و قبرها يعرف الآن، و هو قبالة قبر ولدها من جهة مشرق الشمس، بينهما طريق نافذ، و على قبرها بناء.

و بها: قبر سيدنا عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي اللّه عنهم، و فضله مشهور، و كان موته رضي اللّه عنه فجاءة ليلة الثاني عشر من جماد الأول سنة ثمان و خمسين في نومة نامها في جبل بأسفل مكة قريبا منها، و قيل: على نحو عشرة أميال من مكة، ثم حمل على أعناق الرجال و دفن بمكة.

و في رواية: أدخلته أخته عائشة رضي اللّه عنها الحرم و دفنته فيه. ذكره القرشي‏ (1).

قلت: و قبره الآن يعرف بالمعلا، و هو على يمين الذاهب إلى قبر السيدة خديجة متوسط بين باب المقبرة و قبر السيدة خديجة؛ و هو أقرب إلى قبر السيدة، و عليه الآن بيت مربع بني في زمن السلطان عبد المجيد خان، و كان قبل ذلك تابوت من خشب على القبر. انتهى.

قال المرجاني: و بها القاسم ابن سيدنا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و طاووس، توفي و هو ابن بضع و سبعين سنة حين جاء حاجا إلى مكة قبل يوم التروية

____________

(1) البحر العميق (1/ 20).

651

[بيوم‏] (1)، و صلّى عليه [هشام‏] (2) بن عبد الملك.

و بها: أبو محذورة مؤذن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و صاحبه، مات بمكة سنة تسع و خمسين، و بقي الأذان في أولاده و أولاد أولاده؛ أي: هم المؤذنون بمكة إلى زمن الشافعي. كما ذكره النووي‏ (3).

و بها: سهل بن حنيف، مات بمكة و دفن بالمعلا.

و بها: أبو قحافة والد سيدنا أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه، أسلم يوم الفتح و مات بها و دفن بالمعلا.

و بها: أبو عبيد القاسم بن سلام، مات بمكة و دفن بالمعلا.

و بها: عطاء بن رباح، مات بمكة و دفن بالمعلا.

و بها: سفيان بن عيينة، مات بمكة و دفن بالحجون.

و بها: الإمام أسعد اليافعي الصوفي اليمني، كان من أكابر العارفين.

ذكر هؤلاء القرشي‏ (4).

و بها: الفضيل بن عياض، و هو في حوطة فيها جماعة من الأولياء الكبار؛ منهم تقي الدين السبكي، و الشيخ عبد اللّه المعروف بالطواشي صاحب حلي، و حوطة الطواشي بالشعب الأقصى قريب من السيدة خديجة.

قال الشيخ يحيى الحباب: و تعرف بحوطة الشيخ عبد الرؤوف المناوي قريب من السيدة خديجة، و كثير من مشاهير الصالحين آخرهم الشيخ‏

____________

(1) زيادة من البحر العميق (1/ 20).

(2) في الأصل: هاشم. و التصويب من البحر العميق، الموضع السابق.

(3) شرح النووي على صحيح مسلم (4/ 80).

(4) البحر العميق (1/ 20).

652

عبد اللّه النقشبندي الرومي.

و منهم: الشيخ أبو الحسن الشولي. توفي في صفر سنة ستمائة و أربع‏ (1) و أربعين، و دفن بالمعلا بسفح الجبل مقابل الشيخ العرابي، و هو علي ابن الكرام الشولي، و الدعاء يستجاب عنده. ذكره الشيخ خليل المالكي.

[و ممن‏] (2) يستجاب الدعاء عندهم سماسرة الخير بين ضريح العرابي و البئر التي يغسل منها الموتى و هي إليها أقرب، تستقبل القبلة بحيث تكون تربة الملك المسعودي ملك اليمن بحذائك على يسارك، و قد دثرت الآن تربة الملك المسعودي؛ إلا أن محلها فوق البئر المعروفة ببئر أم سليمان الموجودة الآن مرتفعا على طريق السبيل‏ (3).

و بها: قبر الدلاصي بالقرب من الجبل.

و بها الشيخ علاء الدين الكرماني النقشبندي‏ (4)، المتوفى سنة سبع‏ (5) و عشرين و تسعمائة. اه ما ذكره القطب‏ (6).

و بها: قبر الإمام أحمد بن حجر المكي‏ (7) بقرب ضريح العرابي قبيله بقليل، على يسار الذاهب إلى المعلا، و بحذائه قبر ابن كثير (8) أحد القراء السبعة. كذا في حاشية يحيى الحباب. انتهى.

____________

(1) في الأصل: أربعة.

(2) في الأصل: و مما.

(3) إن الذي اتخذ القبور مكانا ليستجاب الدعاء عنده انتقص اللّه انتقاصا عظيما، حيث قاسه بالمخلوق، و قد أخبر اللّه عز و جل أن من يفعل ذلك هم المشركون الذين يعتقدون في أحجارهم و أشجارهم، و نحوها، و ذلك بقوله عز و جل‏ ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى‏ [الزمر: 3].

(4) في الأصل: النخشبندي. و التصويب من الإعلام.

(5) في الإعلام: تسع.

(6) الإعلام (ص: 444- 445).

(7) ترجمته في: المختصر من نشر النور و الزهر (ت: 99، ص: 122)، و النور السافر (ص: 287).

(8) ترجمته في: وفيات الأعيان (3/ 41)، و سير أعلام النبلاء (5/ 318)، و معرفة القراء الكبار (1/ 86)، و النجوم الزاهرة (1/ 283)، و الأعلام (4/ 115).

653

لطيفة: اعترض ابن حجر على السيد العيدروس نفعنا اللّه به حين دخل الحرم بالطبول و المزامير و ما يخالف الشريعة، فاعترض عليه، فسلب كل من اعترضه إلا ابن حجر، فإنه قال: وجدت بيني و بينه سورا من بولاد، فقال ابن حجر لما بلغه ذلك: إنه سور الشريعة، أي فإنه لم يكن في اعتراضه شائبة حظ نفسه بل هو لمحض الشريعة بخلاف غيره. اه.

و بها: أبو طالب المكي، و ليس هو أبو طالب صاحب قوت القلوب؛ لأن ذاك دفن ببغداد سنة 386 (1) في جمادى الآخر كما هو في وفيات الأعيان‏ (2)، و هذا كنيته أبو طالب، و اسمه: محمد بن عطية الجمحي ثم المكي، نشأ بمكة و توفي بها، و دفن بأول الحجون. و يقال: دفن بقبته الشريف أبو طالب بن حسن أمير مكة.

و بها: قبر السيد العيدروس؛ فهو أبو بكر بن حسين بن محمد بن أحمد بن حسين بن الشيخ عبد اللّه العيدروس‏ (3). نزيل مكة. ولد بتريم‏ (4) سنة تسعمائة [و سبع و تسعين‏] (5)، كف بصره و هو صغير، حفظ القرآن [و كثيرا] (6) من المتون، و برع في الحديث و الفقه، أخذ عن جماعة؛ كالشيخ عمر البصري، و الشيخ أحمد بن علان توفي لتسع خلون من صفر سنة

____________

(1) في الأصل: 236، و هو خطأ، و التصويب من مصادر ترجمته.

(2) وفيات الأعيان (4/ 303). و انظر: سير أعلام النبلاء (16/ 536)، و شذرات الذهب (2/ 120)، و معجم المؤلفين (11/ 27).

(3) ترجمته في: خلاصة الأثر (1/ 81)، و المختصر من نشر النور و الزهر (ت: 31، ص: 67)، و ملحق البدر الطالع (2/ 223).

(4) تريم: اسم إحدى مدينتي حضرموت؛ لأن حضرموت اسم للناحية بجملتها، و مدينتاها شبام و تريم، و هما قبيلتان سميت المدينتان باسميهما (معجم البلدان 2/ 28).

(5) في الأصل: سبعة و سبعين. و التصويب من مصادر الترجمة.

(6) في الأصل: و كثير.

654

ثمان‏ (1) و ستين بعد الألف بالمعلا بحوطة آل شيخان. اه.

و حوطة آل شيخان المدفون بها السيد العيدروس دفن بها المرحوم الشريف سلطان بن المرحوم الشريف محمد بن عون، و أخته الشريفة صرّة، و أخته الشريفة مصباح، و ابن عمه الشريف عبد اللّه بن ناصر و أم الشهيد الشريف حسين بن المرحوم الشريف محمد بن عون، و هذه الحوطة فيها ثلاثة قبور على دكة مرتفعة على يمين الذاهب مقابل باب السيدة خديجة بينهما الطريق.

و بها: الشيخ عبد الوهاب بن عبد الغني النهرواني الصديقي الفتني الحنفي المكي‏ (2)، فهو: عبد الوهاب بن عبد الغني بن عبد اللّه النهرواني بن عبد القادر بن عبد الغني بن آدم بن عبد اللّه بن موسى بن إلياس بن عمر بن يوسف بن عبد الملك بن عبد اللّه بن محمد بن قاسم بن نصر بن قاسم بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه. جاء من الهند و أقام بالينبع، و جاور بالمدينة عدة سنين، ثم رجع إلى مكة، و توفي يوم الثلاثاء ثاني جماد الآخر سنة ألف و مائة و سبعة عشر، و صلّي عليه بالحرم الشريف، و دفن بتربته بأعلا الحجون من أعلا المعلا بالشعب الأقصى، و كان متعبده قبل موته.

و منهم سيدنا العارف باللّه تعالى و الدال عليه: الشيخ عمر العرابي‏ (3).

توفي يوم الأربعاء رابع شهر رمضان بمكة سنة ثمانمائة و سبع و عشرين،

____________

(1) في الأصل: ثمانية.

(2) ترجمته في: المختصر من نشر النور و الزهر (ت: 359، ص: 334).

(3) ترجمته في: الضوء اللامع (7/ 131)، و إتحاف فضلاء الزمن (1/ 212- 229)، و العقد الثمين (5/ 373).