تحصيل المرام في أخبار البيت الحرام والمشاعر العظام ومكة والحرم وولاتها الفخام‏ - ج2

- محمد بن أحمد المالكي المكي المزيد...
520 /
755

فيما فعله كبيشة بأمر ابن أخيه محمد بن أحمد بن عجلان و التزم بتعمير مكة، و سأل إمارتها فأجيب إلى سؤاله.

و في مستهل ذي الحجة من هذه السنة حضر أمير مكة محمد بن أحمد إلى المحمل المصري بظاهر مكة على عادة أمراء مكة، فابتدره شخص من الجند فقتله، و زعم أن السلطان أذن له في ذلك، فجمع أمير الحج عساكره و خرج من مكة خوفا عليهم و على الحجاج، و كان الشريف عنان بن مغامس بن رميثة صحب الحج مختفيا، فلما حصل ما حصل ألبسه أمير الحج الخلعة (1) عوضا عن السلطان و أن يكون هو أمير مكة.

و في الأخبار المستفادة لصلاح الدين المكي: أن سبب غيظ السلطان على الشريف محمد بن أحمد من فعله بعمه و من معه من الأشراف، فعوجل محمد في هذه السنة المدة اليسيرة، و مدة ولايته على مكة بعد أبيه مائة يوم.

ثم تولى عنان بن مغامس، و اشترك معه في الأمر ابن عمه: [أحمد بن‏] (2) ثقبة (3)، و عقيل بن مبارك‏ (4)، [و أخوه‏] (5) علي‏ (6)، و استمر عنان‏

____________

(1) الخلعة: بدلة أو بعض لباس كالجبّة و نحوها، ترسل من السلطان إلى أمير أو وال، و هي علامة الرضا و الاستمرار في العمل (معجم الكلمات الأعجمية و الغريبة للبلادي ص: 44).

(2) قوله: أحمد بن، زيادة على الأصل. و انظر مصادر ترجمته.

(3) انظر ترجمته في: شفاء الغرام (2/ 352)، و غاية المرام (2/ 223)، و العقد الثمين (3/ 13)، و الدليل الشافي (1/ 42)، و النجوم الزاهرة (13/ 177)، و إنباء الغمر (2/ 436)، و الضوء اللامع (1/ 266)، و المنهل الصافي (1/ 258).

(4) انظر ترجمته في: شفاء الغرام (2/ 352)، و غاية المرام (2/ 224)، و العقد الثمين (5/ 225)، و الضوء اللامع (5/ 148).

(5) في الأصل: و أخيه. و هو لحن.

(6) انظر ترجمته في: شفاء الغرام (2/ 352)، و غاية المرام (2/ 225)، و العقد الثمين‏

756

في الأمر حتى عزل في رجب سنة سبعمائة [تسع‏] (1) و ثمانين.

ثم علي بن عجلان‏ (2)، و كان قبل ذلك جمع كبيش العربان و نهب جدة و أخذ منها [ثلاثة] (3) مراكب، و تقاتل هو و عنان فقتل كبيش في المعركة بعد أن كاد يتم له النصر، و لما قدم علي بن أبي عنان بن مغامس أبى [أن‏] (4) يسلم الأمر إليه، فقاتله و انتصر عليه، و رجع علي و من معه إلى وادي مرّ، و استمر عنان و من معه مقيما بمكة حتى فارقوه عند وصول الحاج المصري إليها، و قصد بجيلة، فقصدهم علي بن عجلان و طائفة من الترك فغنموا خيلا و سلاحا كثيرا، و عادوا إلى مكة في عشر ذي الحجة من السنة المذكورة، و لما رجعوا تولى السيد علي بن عجلان بمفرده حتى شاركه فيها عنان بن مغامس.

و في إنباء الغمر (5) لابن حجر و نصه: و في سنة سبعمائة و تسعين كانت الوقعة بين‏ (6) عنان بن مغامس و علي بن عجلان فانكسر عنان، و صوب عنان عزيمته إلى القاهرة فوصلها في شوال سنة سبعمائة [و ثلاث‏] (7) و تسعين.

____________

(5/ 292)، و الضوء اللامع (5/ 277).

(1) في الأصل: تسعة.

(2) انظر ترجمته في: شفاء الغرام (2/ 352)، و غاية المرام (2/ 227)، و العقد الثمين (5/ 281)، و ابن الفرات (9/ 420)، و شذرات الذهب (6/ 350)، و ابن إياس (1/ 304)، و خلاصة الكلام (ص: 36)، و الأعلام (4/ 312).

(3) في الأصل: ثلاث.

(4) قوله: أن، زيادة على الأصل.

(5) إنباء الغمر (1/ 350).

(6) في الأصل زيادة: بن. و هو خطأ.

(7) في الأصل: ثلاثة.

757

و وقعت بمصر فتنة انزعج منها السلطان، ثم انطفئت فكان أول من بشّر السلطان بإطفائها عنان بن مغامس، فشكره السلطان و أنعم عليه، و أن يكون شريكا لعلي بن عجلان في إمارة مكة، فسافر عنان من مصر ثاني عشر ربيع الآخر بعد أن استخدم عدة من الترك، و كان وصوله مكة في شعبان من هذه السنة، و استقر شريكا لعلي، و اصطلحا على أن يكون القواد مع عنان و الأشراف مع علي، و أن يقيم كل منهم بمكة ما شاء و لا يدخلها إلا لضرورة، فلم ينتظم الأمر، و نهب ركب اليمن و بعض المصريين.

و في الأخبار المستفادة: و استمر عنان شريكا لعلي حتى فارقها متخوفا من آل عجلان؛ لأنهم أرادوا الفتك به في المسعى في صفر سنة [أربع‏] (1) و تسعين و سبعمائة، و قطع ذكره في الخطبة و على زمزم بعد المغرب، ثم آل الأمر إلى أن توجها إلى مصر و اجتمعا عند السلطان، و أجلس علي فوق عنان، و أعطى الملك الظاهر عليا مالا و خيلا و من الحبوب شيئا كثيرا، و رجع إلى مكة و سار سيرة حسنة، و أقام عنان بمصر محبوسا معزولا حتى مات في ربيع الأول سنة [خمس‏] (2) و ثمانمائة، و كان شجاعا كريما، ذا رأي، له نظر إلا أنه قليل الحظ. توفي و له من العمر [ثلاث و ستون سنة] (3). انتهى.

و دخل علي بن عجلان وقت الموسم عام أربعة و تسعين و سبعمائة،

____________

(1) في الأصل: أربعة.

(2) في الأصل: خمسة.

(3) في الأصل: ثلاثة و ستين. و قوله: سنة، زيادة من ب.

758

و في آخر يوم منها قبض على سبعين [نفرا] (1) من القواد و الأشراف، و لم يزالوا به حتى خدع و أطلقهم فكمنوا له و شوشوا عليه حتى قتلوه مع بعض أقاربه في شوال سنة [سبع‏] (2) و تسعين و سبعمائة بوادي مرّ الظهران‏ (3)، و هرب الذين قتلوه، و حمل إلى مكة و دفن ليلا بالمعلا.

و كان عليا هذا شابا حسن الصورة كريما عاقلا رزين العقل. و كان أمير مكة و ما معها و ابن أميرها، و مدة إمارته ثمان سنين و شهرين لأنه ولي الأمر سنة [تسع‏] (4) و ثمانين و سبعمائة.

ثم ولي أخوه حسن بن عجلان‏ (5) بعد أن كان محاصرا بالزاهر، و كان [قد] (6) توجه إلى مصر، فلما وصل الخبر بموت أخيه فوّض إليه الملك الظاهر إمارة مكة، و جاء الخبر بولايته وقت الموسم، و كان أخوه محمد بن عجلان‏ (7) و أحمد بن عجلان و عبيد أبيه قد استولوا على مكة و حفظوها حتى وصل إلى مكة في ربيع الآخر سنة [ثمان‏] (8) و تسعين و سبعمائة و معه بلاغ الناصر في جماعة كثيرة من الترك، و لم تتم السنة حتى وقع بين السيد حسن و بين من قتل أخيه وقعة عظيمة في الخامس و العشرين من شوال من‏

____________

(1) في الأصل: نفر.

(2) في الأصل: سبعة.

(3) مرّ الظهران: موضع على مرحلة من مكة، كانت به عيون كثيرة لأسلم و هذيل و غاضرة (معجم البلدان 5/ 104).

(4) في الأصل: تسعة.

(5) انظر ترجمته في: شفاء الغرام (2/ 354)، و غاية المرام (2/ 246)، و العقد الثمين (3/ 347)، و الأعلام (2/ 198).

(6) قوله: قد، زيادة على الأصل.

(7) انظر ترجمته في: شفاء الغرام (2/ 354)، و غاية المرام (2/ 242)، و العقد الثمين (2/ 260)، و الضوء اللامع (8/ 150).

(8) في الأصل: ثمانية.

759

هذه السنة، و كان الظفر لحسن بحيث لم يقتل من جماعته إلا مملوكا واحدا، و قتل منهم من الأشراف سبع، و من أتباعهم نحو الثلاثين، و عظم بذلك أمره و استفحل حتى قهر كل من عانده، و ساس الأمور بمكة وجدة مع التجار [و روّع‏] (1) الرعية، و استمر في زيادة و هيبة في القلوب إلى أن استقر في نيابة السلطنة بالأقطار الحجازية جميعها، و استناب بالمدينة الشريف عجلان بن [نعير] (2)، و خطب له على منبر المدينة المنورة.

و في ثمانمائة و اثنين توفي بمكة الشريف محمد بن عجلان الذي كان أعماه كبيش، و كان نائبا في إمارة مكة، و استمر خاملا إلى أن توفي.

و في ثمانمائة و ثلاثة توفي بمكة محمد بن [محمود] (3) بن أحمد بن رميثة بن أبي نمي‏ (4) من بيت الملك، و كان نائبا في إمارة مكة، و كان خاله علي بن عجلان لا يقطع أمرا دونه، و كانت لديه فضيلة، و ينظم الشعر، مع كرم و عقل.

مات في شوال سنة ثمانمائة و سبعين، و قد جاوز الأربعين.

و في سنة ثمانمائة و سبعين في أيامه حدث بمكة قاضيان: حنفي و مالكي، فالحنفي: شهاب الدين أحمد بن الضياء محمد بن محمد بن سعيد الهندي.

و المالكي: المحدث تقي الدين أحمد بن علي الفاسي، ثم إن السيد حسن أرسل إلى صاحب مصر رسالة و سأله أن يكون نصف الأمر لولده أحمد فأجابه، و استمر السيد حسن و ولده إلى اثني عشر و ثمانمائة فعزله‏

____________

(1) في الأصل: وراع.

(2) في الأصل: نفير. و انظر ترجمته في: شفاء الغرام (2/ 355)، و الضوء اللامع (5/ 145).

(3) في الأصل: محمد. و انظر مصادر ترجمته.

(4) انظر ترجمته في: العقد الثمين (2/ 398)، و الضوء اللامع (10/ 42).

760

السلطان، ثم ولي الشريف علي بن مبارك بن رميثة بن أبي نمي و لم يتم أمره.

و في تاريخ الصلاح: استعد أمير الحج لمحاربة السيد حسن و أولاده، و استعد السيد حسن كذلك، و حصل لأهل مكة غاية التعب، ثم أخمد اللّه الفتنة بوصول الأمير فيروز من خواص الملك الظاهر بتشاريف للسيد حسن و ولديه، فقرأ العهد في مستهل ذي الحجة من السنة المذكورة.

و فيها: توفي السيد أحمد بن ثقبة بن رميثة أحد أمراء مكة، و كان قد اشترك مع عنان في الولاية الأولى مع كونه كان مكحولا، كحّله كبيش كما تقدم.

و في ثمانمائة و أربعة عشر قتل وبير بن بختار (1) بن محمد بن عقيل بن راجح بن إدريس بن قتادة الحسني أمير ينبع، له في إمارتها أزيد من عشرين سنة، و قتل معه [أخوه‏] (2) و ابنه علي و جملة قتلا، و استقر الشريف عقيل بن وبير.

و في خمسة عشر في جماد الآخر سنة [خمس عشرة] (3) و ثمانمائة هجم ابن [أخي‏] (4) الشريف حسن و هو رميثة بن محمد بن عجلان، دخل مكة في جمع كثير من أصحابه، و أقاموا بها إلى الظهر، و لم يحدثوا شيئا و خرجوا منها، و قام جابر بن عبد اللّه الحراشي والي جدة من طرف الحسن في الصلح، و كان جابر بمنزلة رفيعة عند الشريف حسن، ولّاه الشريف‏

____________

(1) في الدر الكمين (2/ 734) ذكر أنه: نخبار، و في إتحاف الورى (5/ 371) و العقد الثمين (4/ 144): مخبار، و في جداول أمراء مكة: محبار، مشجرة رقم 2.

(2) في الأصل: أخاه، و هو لحن.

(3) في الأصل: خمسة عشر.

(4) في الأصل: أخ.

761

المذكور أمور مكة و جدة، و اشتهر بالأمانة و الحزم بحسب المباشرة، حتى قرر لبني حسن الرسوم و زادهم أموالا بفرضة جدة، و هو الذي بناها ليضاهي بها فرضة عدن، ثم تغير على مخدومه الحسن و والى أصحاب ينبع و باشرهم، و عمل لهم قلعة و لمدينتهم سورا، ثم عفى عنه الحسن و رضي عنه، و أعاده إلى ولاية جدة، فلم يزل بها حتى اتهم بموالاة ابن أخيه رميثة بن محمد بن عجلان، فما أفاده قيامه بالصلح بين الحسن و رميثة لاتهامه بموالاة رميثة، فقبض الحسن عليه و شنقه على باب الشبيكة في النصف من ذي الحجة.

و في ثمانمائة و ثمانية عشر في ربيع الأول عزل الشريف حسن المذكور، ثم تولى ابن أخيه رميثة بن محمد بن عجلان، فبلغ ذلك الحسن فصادر التجار المقيمين بمكة و أخذ منهم أموالا عظيمة، و كان رميثة بمصر، فلم يتهيأ له الدخول إلى مكة مع الحاج، فدخلها في ذي الحجة و نزع عنها حسن بن عجلان و أولاده و حاشيته.

و في تسعة عشر و ثمانمائة بعث حسن بن عجلان ولده مبارك إلى مصر و معه خيل و غيرها فقدمها فقبلت منه، و نزل عند ناظر الخاص‏ (1)، و كتب تقليد أبيه الشريف حسن بعوده إلى إمارة مكة و عزل رميثة، و أرسلت الأوامر بتولية الشريف حسن و عزل رميثة، فحين وصلت بعث الشريف حسن إلى آل عمر القواد، و كانوا مع رميثة محاربين للحسن، و ركب الحسن‏

____________

(1) ناظر الخاص: من الوظائف الديوانية التي يشغلها المدنيون، و هو المتحدث فيما يخص السلطان من ماله أو إقطاعه أو نصيبه من أموال الخراج (صبح الأعشى 4/ 45، الفنون و الوظائف 3/ 1207).

762

إلى الزاهر- ظاهر مكة- في ثاني عشر شوال، و وفاه عقيل بن [بختار] (1) أمير الينبع نجدة بعسكره، و عسكر قرب مكة فوقع الحرب هناك، و اقتتلوا قتتالا شديدا، و انكشف رميثة و من معه، و دخل الشريف حسن البلد بعد أن أحرقوا الباب، و كثرت الجراحات في الفريقين، و خرج الفقهاء و الفقراء و كافة أهل البلد بالمصاحف يسألون الحسن الكف عن القتل، فأجابهم و أمّن المحاربين ثلاثة أيام، و خرج رميثة و من معه متوجهين إلى جهة اليمن، و دخل الشريف حسن مكة سادس و عشرين من شوال، و نادى بالأمان و استقرت قدماه، و أقام ولده بركات‏ (2) بالقاهرة إلى أن أشركه الملك المؤيد مع أبيه الحسن في الإمارة، و أذن له بالمسير، و كان ذلك في صفر سنة ثمانمائة [و أربع‏] (3) و عشرين.

ثم وصلت لهم تشريفات من السلطنة، ثم أشرك حسن ولده إبراهيم‏ (4) في الأمر، و دعا له الخطيب مع أبيه و أخيه و كان ذلك أثناء السنة المذكورة، ثم ترك السيد إبراهيم، و لم يزل السيد حسن إلى ثمانمائة سبعة و عشرين في إمارة مكة إلى أن صرف عنها في المحرم من التاريخ المذكور.

ثم ولي السيد علي بن عنان بن مغامس‏ (5)، و جهّز معه عساكر لمحاربة

____________

(1) في الأصل: بختيار. و قد سبقت قريبا على الصواب كما أثبتناه.

(2) انظر ترجمته في: شفاء الغرام (2/ 357)، و غاية المرام (2/ 392)، و معجم الشيوخ (ص: 352)، و الضوء اللامع (3/ 13)، و نظم العقيان (100)، و شذرات الذهب (7/ 294)، و الدر الكمين (1/ 647).

(3) في الأصل: أربعة.

(4) انظر ترجمته في: شفاء الغرام (2/ 359)، و غاية المرام (2/ 470)، و الضوء اللامع (1/ 41)، و الدر الكمين (1/ 591).

(5) انظر ترجمته في: شفاء الغرام (2/ 358)، و غاية المرام (2/ 483)، و الضوء اللامع (5/ 272)، و شذرات الذهب (7/ 203)، و الدر الكمين (2/ 1045).

763

الحسن فوصلها في جماد الأولى و دخلها بغير قتال، و نزع الشريف حسن عن مكة، [و وصل‏] (1) عند دخول علي بن مغامس إلى جدة مركبان من الهند فتوجه إلى جدة، و فرح بذلك لأنه يستعين بها على حاله.

و في أواخر هذه السنة وقع بمكة وباء بحيث يموت كل يوم أربعين نفرا، و أحصي من مات في ربيع الأول ألفا و سبعمائة (2)، و قيل: إن إمام المقام لم يصلّ معه في تلك المدة إلا اثنين.

و في ثمانمائة تسعة و عشرين قدم الشريف حسن مصر بواسطة ناظر الجيش، و قام معه إلى أن أقامه في إمارة مكة، و بذل الحسن مالا كثيرا اقترضه من التجار بالقاهرة و كتب تقليده و أرسله إلى مكة، و أقام هو بمصر لإحضار ما بقي من وعده، فأدركته المنية، و ذلك يوم الخميس سادس عشر جماد الآخرة من هذه السنة، و قد ناف‏ (3) عن الستين.

و كان أول ما ولي الأمر بعد أخيه في ذي القعدة سنة سبعمائة [و ثمان‏] (4) و تسعين، فكانت مدة إمارته [اثنتين‏] (5) و ثلاثين سنة.

ثم ولي مكانه الشريف بركات بن حسن بن عجلان بن رميثة بن أبي نمي محمد بن أبي سعيد حسن بن قتادة. قدم مصر في رمضان سنة ثمانمائة [و تسع‏] (6) و عشرين، و التزم ما بقي على والده، و أن يحمل كل سنة عشرة آلاف دينار، و أن يكون ما جرت به العادة من مكس جدة له، و ما حصل‏

____________

(1) في الأصل: و وصلت.

(2) إتحاف الورى (3/ 607)، و السلوك (4/ 2/ 663).

(3) النوف: الزيادة. (اللسان، مادة: نوف).

(4) في الأصل: ثمانية.

(5) في الأصل: اثنين.

(6) في الأصل: تسعة.

764

من طرف الهند يكون لصاحب مصر خاصة، فمضى بركات و هو واليا على مكة، و حمل معه أباه الحسن، و كان قد دفن في حوش [الأشرف‏] (1) بارسباي بالصحراء و دفنه بالمعلا.

قال الفاضل صلاح الدين في تاريخه: كان السيد حسن فيه [خير كثير، و احتمال زائد] (2)، و حياء، و مروءة عظيمة و صدقات، و له مآثر [عظيمة] (3)، منها: رباط للرجال و آخر للنساء، و استأجر أوقاف البيمارستان و عمّر أوقافه و جميع ما يحتاج إليه، و جدد رباط رامشت المدعو بناظر الجيش، و انفرد بأشياء كثيرة و خيرات عظيمة عمّن تقدمه من الأمراء. انتهى.

و لما تولى الشريف بركات حسنت سيرته في الناس، و غمر الخلق خيره و بره، و لما مات الأشرف و استقر الظاهر جقمق طلبه إلى مصر، فامتنع من التوجه إليه خوفا منه بسبب واقعة وقعت له معه لما حج و هو أمير عام سبعة و عشرين، فعند ذلك رام الظاهر أن يولي أخاه عليا، و كان عنده بالقاهرة، فلم يوافقه على ذلك بعض من كان يعتمد عليه من أركان دولته، و ما زال الشريف بركات أميرا على مكة بعد عزله عنها مرتين ثم يعاد إليها، و طلبه الظاهر مرة فتوجه و قابله الظاهر في الرميلة و أكرمه غاية الإكرام، و شرط عليه أن يبطل النزلة، و هي عادة أكابرهم: أن يستجير بهم الغريم من مطالبة حق أو غيره، فيمنع عنه غريمه، و كثر الفساد بذلك، و كان شجاعا كريما، له بمكة من المآثر، منها رباط بمكة للرجال و غير ذلك،

____________

(1) في الأصل: الأشراف.

(2) في الأصل: خيرا كثيرا و احتمالا زائدا.

(3) في: عظيم.

765

و دامت ولايته عليها إلى أن توفي سنة ثمانمائة [و تسع‏] (1) و خمسين يوم الاثنين تاسع عشر من شعبان بأرض خالد بوادي مرّ الظهران من أعمال مكة، و حمل على أعناق الرجال إلى مكة و غسل في داره، و أدخل الحرم و طيف به أسبوعا، و صلّي عليه عند باب الكعبة و دفن بالمعلا، و بنى عليه ولده السيد محمد قبة.

ثم ولي بعده السيد محمد بن بركات‏ (2)، و ذلك أنه لما كبر والده سأل الأمير جانبك نائب السلطنة أن يكون ولده المذكور شريكا له في الأمر و نائبا عنه في حياته و مستقلا بذلك بعد وفاته، ففعل الأمير، و أجابته السلطنة على ذلك، و وصل الأمر بذلك يوم الثلاثاء لعشرين من شعبان و هو اليوم الثاني من وفاة والده، فدعي له على زمزم بعد المغرب، و كان المذكور غائبا في بلاد اليمن أرسله والده لبعض مهماته، فلما علم بوفاة أبيه توجه إلى مكة، و كان وصوله إليها في السابع من رمضان، فاجتمع القضاة و الأشراف و الأمراء في صبح ذلك اليوم و قرئت المراسيم الواردة و حمدت سيرته في البلاد، و اطمأنت بوجوده العباد، ثم وصل تقليده بعد ذلك، و استمر في فعل الخيرات، و تكرر زيارة جده عليه الصلاة و السلام.

و في سبعة و سبعين و ثمانمائة أرسل حسن الطويل محملا من العراق صحبه أمير اسمه: رستم، و قاضي يقال له: أحمد بن دحنه، و معهم صناجق و أعلام، و لما وصلوا المدينة نشروا أعلامهم و أمروا الناس بالدعاء للملك العادل حسن سلطان العراق و خادم الحرمين، فأرسل صاحب‏

____________

(1) في الأصل: تسعة.

(2) انظر ترجمته في: غاية المرام (2/ 506)، و الضوء اللامع (7/ 150)، و التحفة اللطيفة (2/ 452)، و الدر الكمين (1/ 103).

766

المدينة إلى الشريف محمد بن بركات صاحب مكة يخبره ليكون على حذر، فلما قربوا دخول مكة خرج إليهم الشريف محمد بن بركات و قبض على أمير الحاج و القاضي و آخرين من أعيانهم و وضعهم في الحديد، و لم يتعرض للحاج، ثم بعث بالمقبوض عليهم إلى مصر صحبة ولده بركات و القاضي ابن ظهيرة، ففرح بذلك صاحب مصر، و أكرم بركات و من معه، و خلع عليهم، و أنعم على بركات بمركب سرجه مذهّب.

و في اثنين و ثمانين قصد صاحب مكة أخذ عدن‏ (1) لتغير الدولة على صاحبها محمد بن عبد الوهاب.

و فيها: وقع بمكة وباء كان يموت كل يوم نحو سبعين، و بالمدينة أيضا.

و في الأخبار [المستفادة] (2) للشيخ: وقع العدل في أيام محمد بن بركات حتى فوضت له السلطنة النيابة بالأقطار الحجازية و المدينة و ينبع، و صرح باسمه على منبر المدينة، و استولى على مكة و الحجاز و ما والاها، و ينبع و ما والاها، و من اليمن إلى جيزان‏ (3) و ما والاها من اليمن و البلاد الشرقية على التمام، و ما حول ذلك من بجيلة و غيرها.

و فعل بمكة الخيرات؛ كرباط بمكة مع ماء وقفه عليه، و سبل عديدة بطريق الوادي و جدة، و آبار كثيرة يحصل بها النفع للمسافرين إلى المدينة

____________

(1) عدن: مدينة مشهورة على ساحل بحر الهند من ناحية اليمن، ردئة لا ماء بها و لا مرعى، و شربهم من عين بينها و بين عدن مسيرة نحو اليوم، و هو مع ذلك ردي‏ء، إلا أن هذا الموضع هو مرفأ مراكب الهند، و التجار يجتمعون إليه لأجل ذلك، فإنها بلدة تجارة (معجم البلدان 4/ 89).

(2) في الأصل: المستفيدة.

(3) جيزان- جازان-: موضع في طريق حاج صنعاء (معجم البلدان 2/ 94). و هيي منطقة بجنوب الحجاز، و هي الآن في حدود المملكة العربية السعودية بشبه الجزيرة العربية من جهة اليمن (الجزيرة العربية ص: 79).

767

و جهة اليمن و غير ذلك.

له ترجمة طويلة في فعل الخيرات، و لم تزل دولته، و هو مبجّل عند السلطنة لا يخالفون ما يختاره في جميع أمور أقطار الحجاز إلى أن اختاره اللّه إلى دار البقاء سنة تسعمائة [و ثلاث‏] (1) بوادي الآبار (2)، و حمل على أعناق الرجال، و دفن بمكة بالمعلا بالقرب من والده، و بنى عليه ولده السيد بركات قبة عظيمة، و خلف الشريف المذكور ستة عشر ذكرا غير من توفي في حياته، و هم: بركات، و هزاع، و شرف الدين، و قايتباي، و رميثة، و جازان، و حميضة، و أبو الغيث، و هاشم، و ناهض، و راجح، و شميلة، و شقران، و أبو دعج، و سيد، و زيد. انتهى.

ثم ولي ابنه السيد بركات بن محمد بن بركات.

و في الأخبار المستفادة للقاضي صلاح الدين: كان والده السيد محمد جهزه إلى مصر و معه جماعة من أكابر مكة و طائفة من أعيان بني حسن فأكرمهم السلطان، و أشركه مع والده السيد محمد، و جعله نائبا عنه في حياته مستقلا بالأمر بعد وفاته، فوصل مكة سنة ثمانمائة و ثمانين.

و لم يزل الموصى إليه في الترقي حتى صار المرجع إليه في كل الأمور إلى أن توفي والده فانفرد بالأمر، و أتت إليه التشاريف من السلطنة، و حسنت سيرته بين الناس، و أمّن الطرقات، و استراحت العباد خصوصا طرق المدينة بحيث يتوجه الزائر و لم يخش إلا اللّه، و لم تزل الأمور منتظمة حتى‏

____________

(1) في الأصل: و ثلاثة.

(2) وادي الآبار: على طريق اليمن على بعد 90 كلم جنوب مكة المكرمة. و كان بعد المرحلة الأولى على طريق اليمن القديم، و سمي بذلك؛ لكثرة ما فيه من الآبار (انظر: بين مكة و اليمن للبلادي ص: 25).

768

حضر إلى الحج المقر البدري بن مزعر صاحب ديوان الإنشاء بمصر عام تسعمائة و أربعة، فحصل منه ما أوجب الفتنة، و وقعت خطوب و أهوال لا خير في ذكرها، ثم زالت بعناية اللّه، و لم يزل الأمر إلى أن وقعت كائنة سنة تسعمائة [و ست‏] (1).

ثم تولى أخوه الشريف هزاع بن محمد و ذلك بإعانة أمير الحاج، ثم عاد الشريف المشار إليه بعد توجه الحج في أثناء تسعمائة و سبعة و استولى على مكة، ثم وقعت كائنة بالينبع نهب فيها الحج المصري.

ثم تولى أخوه جازان، ثم رجع إلى ولاية مكة الشريف المشار إليه، و استقر فيها إلى أن توجه إلى القاهرة للملك الأشرف قانصوه الغوري في موسم تسعمائة و ثمانية، و حصل له خير من السلطان، ثم استولى على مكة ثانيا جازان، و لم يزل بها إلى أن قتل في رجب.

ثم حميضة، و استمر مقيما بها إلى أن وصل مولانا المشار إليه في موسم تسعمائة و تسعة و الشريف حميضة واليا على مكة و الأحوال غير منتظمة، ثم ورد الأمر بتفويض أمر مكة إلى الشريف بركات يختار نفسه أو غيره ممن يرضى لنفسه، فما رضيها لنفسه لانخرام النظام، فاختار تقديم أخيه قايتباي في أمر مكة، و جعل معه الشريف علي بن بركات نائبا عنه، و سار يدبر الأمور بنفسه، و لما توفي ولده السيد علي استقر عوضه في النيابة الشريف محمد الشافعي، و إنما قيل له الشافعي؛ لأنه ولد بمصر فسمّي بالشافعي، تبركا باسم الإمام الشافعي، و استمر الشافعي إلى أن توفي.

____________

(1) في الأصل: و ستة.

769

ثم تولى [أخوه‏] (1) الشريف [أبو] (2) نمي بن بركات بن محمد بن بركات بن حسن بن عجلان، جعل الملك في عقبه، فاستمرت الأحوال على حسن نظام إلى أن توفي الشريف قايتباي في شهر ربيع فعنّ لمولانا المشار إليه أن يقدّم نجله الشريف محمد [أبا] (3) نمي في الأمور، فجهّزه إلى مصر وافدا على الأشرف قانصوه الغوري، قدم عليه يوم الاثنين الرابع من شوال سنة تسعمائة [و ثمان عشرة] (4) فحصل له غاية الإقبال، و قضى له الملك الأشرف جميع ما أراده، و عاد إلى مكة و استقر في النيابة عن والده في أمر مكة و المدينة و ينبع و سائر أقطار الحجاز، و كان في خدمة [أبي‏] (5) نمي القاضي صلاح الدين ابن ظهيرة مؤلف تاريخ دولة الأشراف. انتهى ما في الأخبار المستفادة فيمن ولي مكة من آل قتادة لقاضي القضاة محمد صلاح الدين بن أبي السعود بن ظهيرة القرشي المكي الشافعي.

و توفي الشريف بركات بن محمد بن بركات، و دفن بالمعلا، و كان بعد ذلك استقلال أمر مكة إلى الشريف [أبي‏] (6) نمي محمد بن بركات بن محمد بن بركات بن حسن بن عجلان بن رميثة بن أبي نمي محمد بن أبي سعيد الحسن بن علي [بن‏] (7) قتادة بن إدريس إلى آخر النسب المتقدم، و عاش المذكور مدة طويلة إلى أن توفي في المحرم سنة تسعمائة [و اثنتين‏] (8) و تسعين،

____________

(1) في الأصل: أخاه، و هو لحن.

(2) في الأصل: أبا، و هو لحن.

(3) في الأصل: أبو، و هو لحن.

(4) في الأصل: و ثمانية عشر.

(5) في الأصل: أبو، و هو لحن.

(6) في الأصل: أبو، و هو لحن.

(7) قوله: بن، زيادة على الأصل.

(8) في الأصل: اثنين.

770

و هو الذي تفرّعت منه أشراف مكة و ما حولها، و جعل القوانين بين الأشراف و البادية، و شرط الشروط و رتب المرتبات من العواني‏ (1)، و استقل لسلطنة مكة الشريف حسن بن أبي نمي محمد بن بركات إلى آخر النسب المعلوم، و كان أكبر أولاده. وليها سنة تسعمائة [و اثنتين‏] (2) و ستين بعد موت أبيه.

ذكره الشلي في تاريخه‏ (3) و أثنى عليه و قال: ولد لسبع من شهر ربيع الأول سنة تسعمائة [و اثنتين‏] (4) و ثلاثين، و أمه فاطمة بنت سباط (5) بن عنقا بن وبير بن محمد بن عاطف بن أبي نمي [بن أبي سعد بن علي‏] (6) بن قتادة.

نشأ في كفالة والده رائسا (7) حميدا.

لبس الخلعة الثانية بعد وفاة أخيه أحمد، ثم فوض إليه والده الأمر فلبس الخلعة الكبرى التي لصاحب مكة، [و لبس‏] (8) أخوه ثقبة الخلعة الثانية، و استمر مشاركا لوالده إلى أن انتقل والده يوم تاسوعاء سنة تسعمائة [و اثنتين‏] (9) و تسعين فاستقل بسلطنة الحجاز، و قام بها أحسن قيام، و ضبط الأمور و الأحكام على أحسن نظام، و أمنت البلاد، و اطمأنت‏

____________

(1) العواني: جمع عانية و هي الأسير (و انظر: لسان العرب 15/ 102).

(2) في الأصل: اثنين.

(3) عقد الجواهر و الدرر (ق: 28).

(4) في الأصل: اثنين.

(5) في عقد الجواهر و الدرر: ساط.

(6) في الأصل: بن أبي سعيد علي. و التصويب من عقد الجواهر و الدرر (ق: 28). و انظر:

جداول أمراء مكة (مشجرة رقم: 2).

(7) الرائس: المشرف. (اللسان، مادة: رأس).

(8) في الأصل: و لبث. و التصويب من عقد الجواهر و الدرر (ق: 28).

(9) في الأصل: اثنين.

771

العباد، و قطع دابر أهل الفساد. فكانت القوافل و الأحمال تسير بكثرة الأموال مع آحاد الرجال و لو في المهالك و المخاوف، و خافه كل مقدم فاتك، صاحب فراسة.

حكي أنه سرق من الفرضة بجدة قماش و أموال، و لم يكسر بابها، و لا نقب جدارها، و لا أثر يحال عليه لمعرفة المطلوب و الطالب، بل حبل مسدول من بعض الجوانب، فلما عرض عليه الحبل شمه ثم قال: هذا حبل عطّار، ثم رفعه لبعض خدمه و أمره أن يدور على العطارين، فعرفه بعضهم و قال: هذا الحبل اشتراه مني فلان رجل من جماعة أمير جدة، فوجدت السرقة عنده‏ (1).

و في ثمان بعد الألف أمر أمراء الحج أن يلبسوا الخلعة الكبرى ولده أبو طالب، و هو يومئذ أكبر أولاده، و ولي عهده في بلاده، و الخلعة الثانية لولده عبد المطلب، فلبسها أياما إلى أن رمي بسهم الحمام على أنه لم يمت من بقيت مآثره و نشرت من بعده ما طوى مفاخره، فكيف بمن خلف ذكرا حسنا من أولاد كرام و ذرية فخام، فأولاده الذكور: حسين، و أبو طالب، و باز و سالم، و أبو القاسم، و مسعود و عبد المطلب، و عبد الكريم، و إدريس، و عقيل، و عبد اللّه، و عبد المحسن، و عبد المنعم، و عدنان، و فهيد، و شنبر، و المرتضى، و هزاع، و عبد العزيز، و جود اللّه، و عبيد اللّه، و بركات، و محمد الحارث، و قايتباي، و آدم، و البنات سبعة عشر.

تنبيه: أشراف مكة و ما حولها تفرعت من حسن؛ لأن ذوي حسين من حسين، و العبادلة من عبد اللّه، و ذوي عبد الكريم من عبد الكريم،

____________

(1) خلاصة الكلام (ص: 58).

772

و الشنابرة من شنبر، و المناعمة من عبد المنعم، و ذوي جود اللّه من جود اللّه، و ذوي بركات من بركات، و ذوي زيد من زيد بن محسن بن حسن، و الحارث من محمد الحارث.

و الحاصل: أن سيرته حسنة، و مدحته الأفاضل، فممن مدحه الشيخ علي في قصيدة مطلعها:

الحسن الشريف ذوي العفافة* * * فخر آل المرتضى أبي نمي‏

و هي عشرين بيتا.

و ممن مدحه: نجم الدين الطبري، مطلعها:

أمفرق جمع الخزائن إذ غدا* * * كرما لمفترق المحامد يجمع‏

و هي نحو ثمانين بيتا.

و ممن مدحه: الشيخ عبد القادر الطبري مطلعها:

بسم القنا بيض الصوارم‏* * * تنال العلا و تنال المكارم‏

و ممن مدحه: عبد الرحمن باكثير و غيره. و قد أفرد ذكره بباب مستقل عبد القادر الطبري.

و الحاصل: أنه حسن على حسن، إلا أن الرعايا استنفرت من وزيره عبد الرحمن بن عبد اللّه بن عتيق الحضرمي الأصل.

ذكره في خلاصة الأثر (1) قال: ولد بمكة و نشأ بمكة. كان أبوه عتيق، تزوج بنت الشيخ جار اللّه ابن ظهيرة و أولدها عبد الرحمن هذا، فنشأ بمكة و خدم السادة الأشراف.

و لما بلغ مبلغ الرجال لم يزل يترقى إلى أن استوزره الشريف حسن بن‏

____________

(1) خلاصة الأثر (2/ 361).

773

أبي نمي صاحب مكة سنة ألف [و ثلاث‏] (1)، و أفهمه النصح في خدمته و سحره إلى أن تمكن منه غاية التمكن، و بقي حاله معه كما قال الشاعر:

أمرك مردود إلى أمره‏* * * و أمره ليس له رد

فتسلط على جميع المملكة، و تصرف فيها كيف شاء، و بقي كل من يموت من أهل البلد أو الحجاج يستأصل ماله لا يترك لوارثه شيئا، فإذا تكلم الوارث أظهر له حجة أن مورّثه كان قد اقترض منه في الزمن الماضي‏

كذا و كذا دينار، و هذا الذي أخذته دون حقي، و بقي لي كذا و كذا. و طريق كتابته لهذه الحجّة و أمثالها أن كتبة المحكمة تحت أمره و قهره، فيأمرهم بكتابة الحجّة فيكتبونها، و عنده أكثر من مائة مهر للقضاة و النواب السابقين فيمهرها، و يأمر عبد الرحمن علي المحالبي أن يكتب إمضاء القاضي الذي قد مهر الحجة بمهره، [و يكتب خاله الشيخ علي بن جار اللّه و عبد القادر بن محمد بن جار اللّه شهادتهما] (2)، و يكتب الشيخ علي أيضا عليها ما نصه:

تأملت هذه الحجة فوجدتها مسدّدة، و شهد بذلك [محمد بن عبد المعطي الظهيري، و ابن عمه صلاح الدين بن أبي السعادات الظهيري‏] (3)، و أحمد بن عبد اللّه الظهيري و غيرهم، ثم إنه يظهر الحجّة و يقرؤها للناس، و جميعهم يعرفها أنها زور و كذب و لا أصل لها، و لا يقدرون أن يتكلموا بكلمة واحدة خوفا من شرّه و قوّة قهره، و استولى بهذا الأسلوب على ما أراد، و إذا اشتكى أحد إلى الشريف حسن يقول: هذه حجّة شرعية

____________

(1) في الأصل: و ثلاثة.

(2) ما بين المعكوفين زيادة من خلاصة الأثر.

(3) في الأصل: محمد بن عبد المعطي الطبري، و ابن عمه صالح الطبري، و ابن أبي السعادات الظهيري. و انظر خلاصة الأثر (2/ 361).

774

و شهودها مثل هؤلاء الأجلّة، فنفرت قلوب الناس من ابن عتيق و ضجوا و ضجروا، و كل من أمكنه السفر سافر، و ما تأخر إلا العاجز، و كان الشريف أبو طالب ابن الشريف حسن كلما سمع شيئا من هذه الأمور تألم [غاية التألم‏] (1)، فلما تولى بعد موت أبيه أرسل بمسك ابن عتيق، فمسك يوم الجمعة بعد العصر، و استمر في الحبس يوم السبت و الأحد، فلما وصل استدعاه و سأله عن جميع أحواله فقال له: قد فعلت، فردّه الحبس، فقتل نفسه بجنبية (2) أخذها من العبد الذي كان مكلفا بحفظه، و توفي يوم الثلاثاء ثاني جماد الآخر سنة ألف و عشرة، و كان يقول: الشرع ما نريده، و أبطل في أيامه عدة من المسائل الشرعية؛ كالوصايا و العتق و التدبير، و باع أمهات الأولاد بأولادهن. فلما مات رمي في درب جدة في حفرة صغيرة بلا غسل و لا صلاة و لا كفن، و رمت عليه العامة الأحجار، و عملت الفضلاء فيه التواريخ، فمنها قول بعضهم:

أشقى النفوس الباغيه‏* * * ابن عتيق الطاغيه‏

نار الجحيم استعوذت‏* * * [منه‏] (3) و قالت ماليه‏

لمّا أتى تاريخه‏* * * أجب لظى و الهاويه‏

و كانت وفاة الشريف حسن ليلة الخميس لثلاث خلت من جماد الآخر سنة ألف و عشرة في مكان يقال له: الرفاعية، و حمل إلى مكة، و دفن بالمعلا،

____________

(1) قوله: غاية التألم، زيادة من خلاصة الأثر.

(2) الجنبية: مدية لنصلها حدان، سميت بذلك؛ لأنها تثبت في حزام و توضع في الجنب، لها أشكال متنوعة، تستعمل في شبه الجزيرة العربية و الغرب الأقصى، و ألبانيا، و تركيا، و أجودها ما صنع في فارس و الهند و اليمن (انظر: الموسوعة الميسرة ص: 648).

(3) قوله: منه، زيادة من خلاصة الأثر.

775

و بني عليه قبة (1) و له من العمر [تسع‏] (2) و سبعون سنة. كذا في خلاصة الأثر في أخبار القرن الحادي عشر (3).

و استقل بعده ابنه الشريف أبو طالب بن حسن بن أبي نمي محمد بن بركات بن حسن بن عجلان بن رميثة بن أبي نمي محمد بن أبى سعيد الحسن بن علي بن قتادة بن إدريس بن مطاعن بن عبد الكريم بن عيسى بن حسين بن سليمان بن علي بن عبد اللّه بن محمد بن موسى بن عبد اللّه المحض بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه.

كان من أمر أبي طالب بن الحسن صاحب مكة و الحجاز أنه لما كبر أبوه فوّض أولا نيابة الإمارة لابنه حسن‏ (4)، فلم يطل أمره فيها فمات، فولاها شقيقه الشريف مسعود، و كان موصوفا بالشجاعة و القوة، لكن لم يسلك مسلكا مرضيا، و توفي و هو شاب، فآلت إلى أبي طالب صاحب الترجمة، و كان ذا فكر [صائب‏] (5) و شجاعة عظيمة و فضيلة باهرة، و بعد ما حكم‏

____________

(1) أخذ الفن الإسلامي في بناء القباب عن الساسانيين و الأقباط و البيزنطيين، و استعملوها كمنارة في أسقف المساجد وردهات الدور و الحمامات لإضاءتها، و كذلك لتغطية المياضي التي أقيمت في وسط صحون المساجد المكشوفة، ثم أكثروا استعمالها كغطاء للأضرحة خاصة، حتى أطلقت جزاء على الكل و صارت كلمة قبة إسما للضريح كله (انظر:

تاريخ العمارة في العصور المتوسطة الأوروبية ص: 254، 261، و القباب في العمارة الإسلامية ص: 23- 24).

(2) في الأصل: تسعة.

(3) خلاصة الأثر (2/ 361- 362)، و انظر: منائح الكرم (3/ 435- 443)، و خلاصة الكلام (ص: 63)، و سمط النجوم العوالي (4/ 383)، و إتحاف فضلاء الزمن (أحداث سنة 1010 ه).

(4) في خلاصة الأثر: حسين.

(5) قوله: صائب، زيادة من خلاصة الأثر.

776

بالنيابة عن أبيه مدة، أمر أبوه أمراء الحج‏ (1) أن يلبسوه الخلعة الكبرى، و ألبسوا ولده عبد المطلب الخلعة الثانية فلبسها، ثم جهز من أتباعه الأمير بهرام بهدية سنية إلى الأبواب السلطانية، و التمس من السلطان محمد خان بن السلطان مراد تقريرا بذلك فأجيب إلى ملتمسه، و رجع بهرام بالتقرير و صورة منشورة [مذكورة] (2) في ريحانة الخفاجة.

و استمر أبو طالب تحت رعاية والده إلى أن مات أبوه سنة ألف و عشرة، و لحقه أخوه عبد المطلب فاستقل بالملك [من‏] (3) غير شريك له، و هنأه اللّه بما صار إليه، فسار السيرة المرضية، و أصلح اللّه أموره. و بالجملة فهو من سراة الأشراف و مشاهير ولاة الحجاز.

قال الشلي‏ (4): و كانت ولادته سنة [خمس‏] (5) و ستين و تسعمائة، و توفي ليلة الاثنين لعشرين بقين من جماد الآخر سنة اثنتي عشر بعد الألف بمحل يقال له: العشة من جهة بيشة (6)، و حمل إلى مكة و دفن بالمعلا، و بني عليه قبة كبيرة يزار بها (7).

ثم وليها الشريف إدريس بن حسن بن أبي نمي- بالنسب المتقدم-.

كان من أجلّ الناس من سراة الأشراف، شهما تهابه الملوك و الأشراف، شجاعا حسن الأخلاق، ذو تؤدة و سكينة، و كان يكنى أبا

____________

(1) في خلاصة الأثر: الحجاز.

(2) في الأصل: مذكور. و التصويب من خلاصة الأثر.

(3) قوله: من، زيادة من خلاصة الأثر.

(4) ترجمته في: عقد الجواهر و الدرر (ق: 33).

(5) في الأصل: خمسة.

(6) في خلاصة الأثر: اليمن.

و بيشة: قرية غناء في واد كثير الأهل من بلاد اليمن (معجم البلدان 1/ 529).

(7) خلاصة الأثر (1/ 131- 135).

777

عون.

ولد سنة تسعمائة [و أربع‏] (1) و ثمانين‏ (2)، و أمه هناء بنت أحمد بن حميضة بن محمد بن بركات بن أبي نمي، و كان له من العبيد المولدين و الرقيق الجلب ما يزيد على أربعمائة.

ولي مكة بعد موت أخيه [أبي‏] (3) طالب و أشرك [معه أخاه السيد] (4) فهيد، ثم خلعه في واقعة، ثم أشرك معه ابن أخيه محسن بن الحسين بن حسن باتفاق من أكابر الأشراف، و تمكن من السطوة و العز، [و وفد] (5) إليه و مدح بالقصائد (6).

و وصفه السيد محمد العرضي الحلبي فقال في وصفه:

سلطان الأكياس و من سيرته سيرة ابن سيد الناس، ذو الطلعة الغراء و زهرة فاطمة الزهراء، ذو الجبين المستنير بالعرفان، إذ غدا غيره جهولا مقنعا بطيلسان‏ (7) الذل و الهوان، ماجدا اجتنى بنطاق المجد كما اجتنى بالسحائب نهلان، وجود أقسم بجوده يوم الغدير و النهروان، فاقسم برب البدن سربة النحور أنه الوارث منه وقفة الحجيج و الوفاد و سقايتهم و الرفاد، و شهوده على ذلك منى و الخيف و صم الصفا و المعروف.

____________

(1) في الأصل: أربعة.

(2) في خلاصة الأثر: و سبعين.

(3) في الأصل: أبا.

(4) ما بين المعكوفين زيادة من خلاصة الأثر.

(5) في الأصل: وفد. و التصويب من خلاصة الأثر.

(6) خلاصة الأثر (1/ 390).

(7) الطّيلسان: كساء مدور أخضر لا أسفل له، يلبسه الخواص من العلماء و المشايخ، و هو من لباس العجم. معرّب من (تالسان) و فسّر بكساء يلقى على الكتف (معجم الكلمات الأعجمية و الغريبة للبلادي ص: 74).

778

و استمر الشريف محسن مشاركا على صدق الكلمة و النصح، و المساعدة في الأحوال، و نافره بنو أخيه عبد المطلب بن حسن لأمر، فقام الشريف و لم يتم لهم ذلك‏ (1)، و دخلوا في الطاعة و طابت نفوسهم، و توغل الشريف إدريس و الشريف محسن في الشرق، [و وصلا] (2) إلى قرب الحسا، و اجتمعا و دخلا الحسا، و ضربت خيامهم قبالة الباب القبلي من سور الأحساء، و أكرمهم صاحبها علي باشا، و أقاما نحو ثمانية أيام، و لم يتفق لأحد من أشراف مكة المتولين من القتاديين دخول الأحساء كما اتفق لهذين الشريفين، ثم وقع بين الشريفين إدريس و محسن تنافر بسبب خدام الشريف إدريس و تجاوزهم في التعدي، و عمّت البلوى بما يصدر منهم من الأمور القبيحة خصوصا من وزيره أحمد، و حصل بينهم شي‏ء مما يطول شرحه مذكور في خلاصة الأثر.

ثم اتفق الحال من أهل الحال و العقد و كل من ينتظم في هذا العقد من الأشراف و العلماء و جزموا برفع الشريف إدريس، و أن يستقل الشريف محسن بالأمر، و يكون الكف عن المحاربة ستة أشهر، منها ثلاثة يكون الشريف إدريس بالبلد و ثلاثة بالبر، و اتفق الحال، و دعا الخطيب للشريف محسن يوم الجمعة بمفرده، و خرج إدريس من مكة و توفي سابع عشر جماد الآخر سنة ألف [و أربع‏] (3) و ثلاثين عند جبل شنبر (4)، و دفن في محل يقال له: يا طب، و مدة ولايته إحدى و عشرين سنة و نصف. انتهى‏ (5).

____________

(1) في خلاصة الأثر: فقام الشريف محسن في موافقتهم له فتم ذلك.

(2) في الأصل: و وصل. و المثبت من خلاصة الأثر.

(3) في الأصل: و أربعة.

(4) في خلاصة الأثر: شبر.

(5) خلاصة الأثر (1/ 392- 394).

779

ثم استقل بسلطنة مكة و الحجاز و ما والاه: الشريف محسن بن الحسين بن الحسن بن أبي نمي. كان من أمره أنه نشأ في كفالة أبيه و جده. و لما تولى عمه أبو طالب إمارة مكة أحله محل ولده إلى أن مات عمه فشاركه‏ (1) عمه إدريس في إمارة مكة، و لبس الخلعة الثانية و دعي له في الخطبة، و عقد له لواء الإمارة، و وردت الأوامر السلطانية برسمه إلى أن أذن اللّه له بالاستقلال بولاية الحجاز، و جرى بينه و بين عمه إدريس [حال‏] (2) أدى [إلى‏] (3) قيامه عليه، و بايعه جميع الأشراف على ذلك، و خلع عمه الشريف إدريس، و استقر الأمر لصاحب الترجمة سادس ربيع الأول سنة [أربع‏] (4) و ثلاثين و ألف، و أتته الأوامر السلطانية، و بقي الشريف محسن تستظل الرعايا تحت ظل أمانه، فنشر كلا في مدحه و خدمته جماعة من أهل العلم و الأدب، و نالوا عنده أعلا المنازل، منهم: الشيخ أحمد باكثير صنع له تاريخا سماه: «وسيلة المآل في عد مناقب الآل»، و منهم الشيخ عبد الرحمن المرشدي، و الشيخ عبد القادر الطبري، و تاج الدين المالكي، و الإمام زين العابدين عبد القادر الطبري.

و كانت وفاة الشريف محسن بصنعاء بسبب أمور حصلت بينه و بين قانصوه باشا اليمن، فخرج من مكة و وصل إلى صنعاء، و توفي في رمضان سنة [ثمان‏] (5) و ثلاثين و ألف، و له ترجمة طويلة مذكورة في خلاصة

____________

(1) في خلاصة الأثر: فشارك.

(2) في الأصل: حالا. و التصويب من خلاصة الأثر.

(3) في الأصل: على. و التصويب من ب.

(4) في الأصل: أربعة.

(5) في الأصل: ثمانية.

780

الأثر (1). انتهى.

ثم ولي الإمارة: الشريف أحمد بن عبد المطلب بن حسن بن أبي نمي شريف مكة.

كان هذا الشريف من أدباء أهل بيته، فاضلا، نبيها، نجيبا، جيد الذكاء، و كان حسن الصورة، عظيم الهيبة، أخذ في مبدء أمره الطريق على العارف باللّه تعالى الشيخ أحمد الشناوي، و هو الذي بشّره بولاية مكة، لكنه قال له: على الشهادة، فقال: على الشهادة.

و لما تولى مكة استولى على أموال الناس و لم يرحم أحدا، و عاقب جملة من الأعيان، منهم: السيد سالم بن أحمد شيخان، و الشيخ أحمد القشاش‏ (2) و غيرهم، حبس الجميع و ثقل عليهم، حتى افتدوا منه، و استمر متوليا على مكة، و قبض على الشيخ عبد الرحمن المرشدي و حبسه.

فلما كان موسم الحج قدم الحج المصري و أميره إذ ذاك قانصوه باشا، و كان بينه و بين المرشدي مودة أكيدة، فلما صعد الحج إلى عرفة أتى حريم المرشدي إلى مخيم قانصوه مستشفعين به إلى الشريف أحمد بن عبد المطلب في إطلاقه من الحبس، فرق لهنّ رقة عظيمة، و توجه إلى الشريف أحمد يوم عرفة مستشفعا، فلم يقبل و جاهته، فلما كان ليلة النحر أمر به فخنق شهيدا، و كان ذلك سببا لوقوع ما وقع من قانصوه في الشريف أحمد ثانيا لما قدم واليا على اليمن لفتحها، و صحبته من العساكر [ثلاثون‏] (3) ألفا، و خيم بأسفل مكة، و استمال عسكر الشريف أحمد فأطاعوه، فتحرك‏

____________

(1) خلاصة الأثر (3/ 309- 311).

(2) في تاج تواريخ البشر: القشاشي (2/ 288).

(3) في الأصل: ثلاثين.

781

قانصوه إلى سفر اليمن و قدم ثقله، و لم يبق إلا مخيمه و خيام العسكر، فأشار قانصوه إلى شخص يتعاطى خدمته من أبناء الطواف يسمى محمد [المياس‏] (1) أن يحسن إلى الشريف أحمد الوصول إلى قانصوه للوداع ففعل، و ذهب إلى الشريف أحمد و حسن له ذلك، و كان ذلك يوم السبت رابع عشر صفر، فلما كانت ليلة الأحد خامس عشرة صفر سنة [تسع‏] (2) و ثلاثين بعد الألف ركب الشريف أحمد و صحبه بعض الأشراف، فلما و صلوا تحادثا مليا، فلما كانت الساعة الخامسة من الليل قبض على الجميع، و قتل الشريف أحمد، فتحركت عساكره فأظهره لهم مقتولا، و نشر العلم و نودي: المطيع إلى السلطان يدخل تحت العلم، فوقفت العساكر و خلع على الشريف مسعود بن إدريس.

و كانت ولاية الشريف أحمد سنة واحدة و أربعة أشهر و ثمانية عشر يوما. انتهى‏ (3).

ثم استولى الشريف مسعود بن إدريس بن الحسن بن أبي نمي. كان من أمره أنه نشأ في كفالة أبيه الشريف إدريس، و وقعت له حروب مع ابن عمه الشريف محسن بن حسن، و في بعضها أرسل الشريف محسن ولده [محمدا] (4) فظفر بالشريف مسعود و استولى عليه، ثم بعد ذلك خمدت الفتنة. و كان في الجملة من أجود الأشراف، و رخصت في زمنه الأسعار، و وقع السيل المشهور الذي وقع منه البيت الحرام، و بقي أمر العمارة إلى‏

____________

(1) في الأصل: إلياس. و التصويب من خلاصة الأثر.

(2) في الأصل: تسعة.

(3) خلاصة الأثر (1/ 239- 241).

(4) في الأصل: محمد. و التصويب من خلاصة الأثر.

782

سادس و عشرين ربيع الثاني من سنة أربعين كما فصلنا سابقا، و توفي الشريف مسعود ليلة الثلاثاء ثامن و عشرين من ربيع الثاني سنة أربعين ببستانه بالمعابدة بمرض الدق‏ (1)، و دفن عند السيدة خديجة الكبرى رضي اللّه عنها. و كانت مدة ولايته سنة و شهرين و ستة و عشرين يوما (2).

و ولي سلطنة مكة، و قام بعده الشريف عبد اللّه بن الحسن بن أبي نمي صاحب مكة، كان سيدا جليلا عظيما صالحا، ولي مكة بعد ابن أخيه الشريف مسعود، و هو أكبر آل أبي نمي‏ (3) بالاتفاق من الأشراف و أمراء السلطان، و كان قد تخلف عن الجنازة لذلك بعد أن امتنع من القبول، فألزموه لذلك حقنا للدماء، و ما زالوا به حتى رضي، و حصل بولايته الأمن و الأمان، و كان الاجتماع لذلك في السبيل المنسوب لمحمد بن مزهر كاتب السر (4) الكائن في جهة الصفا، و استمر إلى أن حج بالناس سنة أربعين و ألف، ثم خلع نفسه في المحرم سنة إحدى و أربعين و ألف من الولاية، و ولى ولده الشريف محمد و أشرك معه زيد بن محسن، و توجه إلى‏

____________

(1) الدق: الحمى. (اللسان، مادة: دقق).

(2) خلاصة الأثر (4/ 361- 362).

(3) آل أبي نمي: ينتسبون إلى قتادة بن إدريس بن مطاعن بن سليمان، من ولد موسى الجون بن عبد اللّه المحض بن الحسن بن الحسن ابن الحسن بن علي بن أبي طالب (انظر: معجم الأنساب و الأسرات الحاكمة في التاريخ الإسلامي ص: 31- 33).

(4) كاتب السر: و هو صاحب ديوان الإنشاء. و يطلق عليه العامة كاتم السر؛ لأنه يكتم سر الملك، و من مهماته: التوقيع على القصص على القصص بدار العدل و غيرها، و تلقي أخبار الممالك و عرضها على السلطان و تولي الإجابة عنها، و تعريف النواب في الوصايا، و عليه أيضا النظر في تجهيز البريد و النجابة، و ما يبعث فيه من المصالح، و كذلك معرفة حقوق ذوي الخدمة و النصيحة و إجرائهم في رسوم الرواتب و عوائد البر و الاحسان، و النظر في أمر الدبادب و الكشافة و النظارة و المناور و المحرقات و أبراج الحمام و صرف نظره إلى رسل الملوك الواردة، و أن يستكتب في ديوانه من علم صلاحه لذلك (انظر: صبح الأعشى 1/ 145- 165، و التعريف بمصطلحات صبح الأعشى ص: 282).

783

عبادة ربه إلى أن توفي ليلة الجمعة عاشر جماد الآخر من السنة المذكورة، و كانت ولايته تسعة أشهر و ثلاثة أيام‏ (1).

و في مدته كانت عمارة البيت الحرام، و خلف عشرة بنين و هم: محمد، و أحمد، و حمود، و حسين، و هاشم، و ثقبة، و زامل، و مبارك، و حامد، و زين العابدين. طرح اللّه البركة في هذه الذرية، لا زال مجدهم مكين و فخارهم في عز و تمكين، و هم يلقبون بالعبادلة و بذوي عبد اللّه، فأنعم بهم من سادات أجلة. انتهى.

ثم وليها الشريف محمد بن عبد اللّه بن حسن بن أبي نمي، كان سيدا شجاعا، مقدما، رئيسا، ولّاه والده الشريف عبد اللّه مكة في حياته، و أشرك معه الشريف زيد بن محسن غرة صفر سنة ألف [و إحدى‏] (2) و أربعين، و خطب لهما على المنابر إلى شعبان من السنة المذكورة، فوصلت الأتراك من اليمن- و قصتهم مذكورة ستأتي في ترجمة الشريف زيد- فوقع اللقاء بين السادة الأشراف و بين الأتراك فحصلت ملحمة عظيمة و قتال شديد، و قتل صاحب الترجمة و جماعة من الأشراف، و توجه بقية الأشراف إلى وادي مرّ، و دخلت الأتراك مكة، و نودي بالبلد للشريف نامي بن عبد المطلب، و كان دخولهم من جهة بركة ماجن، فتعبت الناس أشد تعب، و حصل الخوف الشديد، و تسلطت العساكر على الناس و أزعجوهم [نهبا و فسقا] (3) و ظلما، و حمل صاحب الترجمة ذلك اليوم و دفن بالمعلا بمقابر

____________

(1) خلاصة الأثر (3/ 38- 39).

(2) في الأصل: و أحد.

(3) في الأصل: بها فسقا. و التصويب من خلاصة الأثر.

784

آبائه و أجداده بعد أن قاتل [قتال‏] (1) من لا يخاف الموت، و كانت الواقعة المذكورة رابع عشر شعبان سنة إحدى و أربعين، و كانت مدة ولايته ستة أشهر و أربعة عشر (2) يوما. انتهى‏ (3).

ثم وليها الشريف نامي بن عبد المطلب بن حسن بن أبي نمي، أمير مكة، ولّاه الأتراك قهرا، و أشركوا معه الشريف عبد العزيز بن إدريس في الربع محصولا لا ذكرا في الخطبة، ثم أرسلوا إلى أمير جدة ليسلمها لهم، فأبى و قتل الرسول، فتجهزوا و ساروا و حاصروها يومين، ثم دخلوا جدة و نهبوها، و استمر الشريف نامي [يعسف‏] (4) أهل مكة، و نهب عسكره البلاد، و استباحوا المحرمات، و أكثروا فيها الفساد.

و لما توجه الشريف زيد في تلك الواقعة إلى وادي مرّ بعد أن دخل إلى مكة و معه السيد أحمد بن محمد الحارث، و مرّ على بيت السيد نامى بن عبد المطلب نادى السيد، فخرج إليه متجردا متلفعا في مقنع أزرق، فتكلم معه و أطال، فقال السيد أحمد: ليس الوقت وقت كلام، و كان من جملة ما قاله زيد:

تجازى الرّجال بأفعالها* * * فخير بخير و شرّ بشر

فاللّه اللّه يا نامي في الحريم و ما يقرب من هذا، ثم سار إلى المدينة. فلما وصل الخبر لصاحب مصر أرسل سبع صناجق. و كان مما يأتي في [ترجمة] (5) الشريف زيد، فقبض على الشريف نامي و عبد العزيز موثوقين‏

____________

(1) في الأصل: قتالا. و التصويب من خلاصة الأثر.

(2) في خلاصة الأثر: و أربعة و عشرين.

(3) خلاصة الأثر (4/ 27).

(4) في الأصل: يسعف. و التصويب من خلاصة الأثر. و العسف: الجور و الظلم.

(5) في الأصل: ترجمته.

785

مكتوفين، فشنقا عند المدعى، و مدة ولايته متغلبا على مكة مائة يوم و يوم، و هي عدة حروف اسمه؛ لأنه دخلها خامس و عشرين شعبان سنة إحدى و أربعين و ألف، و خرج منها عصر اليوم الخامس من ذي الحجة من السنة المذكورة، و في هذه السنة لم يرحل المحمل السلطاني من مكة إلا في العشر الأول من صفر. انتهى‏ (1).

ثم وليها الشريف زيد بن محسن بن حسين بن أبي نمي، كان من أمر زيد أنه ولد بمكة سنة ألف [و أربع عشرة] (2)، و تربى في حجر والده، و سافر معه إلى اليمن، و لما توفي أبوه بصنعاء رجع إلى مكة، و كان قام بأمر الحجاز الشريف أحمد بن عبد المطلب، فلما قتل ولي مكة الشريف مسعود بن إدريس و كان مريضا بمرض الدق، فمات بعد سنة و شهرين، فاجتمع الأشراف على الشريف عبد اللّه بن حسن- و إليه تنسب العبادلة- و ولوه الإمارة، و استمر نحو سنة، ثم خلع نفسه و قلد ولده الإمارة، و أشرك معه في الربع الشريف زيد، فبقي أمرهم على هذا الاتفاق مدة قليلة، فدخل القنفذة (3) سنة أربعين بعد الألف بعض عسكر اليمن الذين طردهم حاكمها قانصوه باشا، فأرسلوا إلى الشريف محمد بن عبد اللّه إنا نريد مصر، و قصدنا الإقامة بمكة أياما لنتهيأ للسفر، فأبى خوفا من الفتنة و الفساد، فلما وصلهم الخبر جمع رأيهم على دخول مكة قهرا، و استعدوا، و خرج إليهم الأشراف و حصل القتال بينهم إلى أن قتل الشريف محمد،

____________

(1) خلاصة الأثر (4/ 448).

(2) في الأصل: و أربعة عشر.

(3) القنفذة: هي قنونى، الميناء الحجازي المشهور، و هو واقع في جنوب مكة. قال ياقوت:

من أودية السراة يصب إلى البحر في أوائل أرض اليمن منجهة مكة قرب حلي (معجم البلدان 4/ 409).

786

و قتل من الفريقين جمع، و انهزمت الأشراف، و نهبت العسكر البلاد، و استباحوا المحرمات، و كان الشريف زيد توجه إلى المدينة، و كتب عروضا و أرسلها إلى صاحب مصر، و لما وصل الخبر إلى صاحب مصر أرسل إليه سبعة من الأمراء، و أرسل بخلع سلطانية إلى الشريف زيد، و بلغهم أن الشريف زيد بالمدينة فدخلوا، و خلعوا عليه الخلع السلطانية بملك الحجاز في الحجرة الشريفة، و توجه بالعسكر إلى مكة، و لما وصلت العساكر إلى مرّ الظهران خرجت الخوارج إلى جهة الشرق، و حج بالناس الشريف زيد سنة إحدى و أربعين و ألف، و لما فرغ من المناسك توجهوا إلى مسك الخوارج، فقبضوا على كبيرهم محمود و علي، و قتلوا منهم خلقا كثيرين، و أتوا بمحمود و علي و حرقوهم بالنار في شعبة العفاريت‏ (1)، و لما خلصوا من الخوارج قبضوا على الشريف نامي و عبد العزيز فاستفتوا فيهما، فأفتوا بقتلهما، فقتلوهما و صلبوهما بجانب رأس الردم المسمى الآن بالمدّعى، و تمت الولاية للشريف زيد، و كان عارفا مشفقا على الرعية، و أزال في زمانه كثيرا من المنكرات، و أبطل ما خالف الكتاب و السّنة، و أمنت في أيامه الرعايا. انتهى من خلاصة الأثر باختصار (2).

قال العلامة العياشي في رحلته بعد مدحه له: إنه كان متواضعا، و هو أسمر اللون، أبيض اللحية، سمح الوجه، ضرب من الرجال، إلى النحافة أميل، و أثنى عليه العلماء و الصلحاء، و أثنى عليه العلامة أبو مهدي عيسى بن محمد الثعالبي الجعفري المغربي المجاور بحرم اللّه و حرم رسوله قال: و هذا

____________

(1) شعبة العفاريت: هو شعب أبي دب، و يسمى أيضا: شعبة الجن. و هو الشعب الذي فيه الجزارون، و أبو دب رجل من بني سواءة بن عامر (معجم معالم الحجاز 3/ 201- 202).

(2) خلاصة الأثر (2/ 176- 178).

787

الأمير أحسن أمراء عصره، و لم تزل الإمارة في أسلافه منذ أعصار متطاولة و أسلافه المشهورون بآل أبي نمي، و هم بطن من بني حسن، و إخوانهم بني حسين لهم إمارة المدينة و ولاية الحجاز الآن بأطرافه من أطراف اليمن إلى أقصى نجد مما يلي البصرة، ثم خيبر (1) مما يلي الشام ثم إلى ينبع و ما والاها كلها تحت إمارة الشريف زيد و أسلافه، و ليس لبني حسين في المدينة في هذا الزمان إلا الاسم فقط و بعض تصرفات بنظر الأمير زيد، و كان الأمر فيما مضى على معتقد أهل بيته و هو اعتقاد الزيدية (2)، ثم إنه باينهم و رجع إلى معتقد أهل السنة و الجماعة، و تمذهب بمذهب أبي حنيفة، و حسن اعتقاده في علماء أهل السنة، و بالغ في تفضيلهم، و كف أهل بيته عن كثير مما كانوا ينالون من أهل السنة في إظهار اعتقادهم، و قد اجتمعوا ذات يوم و لاموه على رجوعه عن مذهبهم فقال لهم: ألم يكفيكم مني أني أخيركم و لا أقهركم عن الرجوع عمّا أنتم عليه، إنما هو دين لا يسع المرء إلا الاعتقاد ما هو الحق و اتباع ما يغلب على ظنه أنه الحق و الهدى، و قد ظهر لي صحة ما رجعت إليه، فإن رأيتم و تبين لكم ما تبين لي فينبغي لكم إما أن ترجعوا إلى الحق و الهدى، و إن لم تروه فلكم دينكم ولي دين، فمن ذلك اليوم أيسوا منه. انتهى.

____________

(1) خيبر: ناحية على ثمانية برد من المدينة لمن يريد الشام، يطلق هذا الاسم على الولاية، و تشتمل هذه الولاية على سبعة حصون، و مزارع، و نخل كثير، و قد فتحها النبي (صلى اللّه عليه و سلم) كلها في سنة سبع للهجرة، و قيل: سنة ثمان (معجم البلدان 2/ 409).

(2) الزيدية: فرقة شيعية تنسب إلى زيد بن علي بن الحسين. توفي سنة 121 ه في خلافة هشام بن عبد الملك، و تقابل الإمامية، و هما أكبر فرق الشيعة، و لا تزالان باقيتين إلى اليوم (انظر: الموسوعة العربية الميسرة ص: 938).

788

قلت: جميع الأشراف [بمكة] (1) و ما حولها الآن أهل سنة و جماعة، و فيهم من هو على مذهب أبي حنيفة، و فيهم من هو الشافعي المذهب و للّه الحمد، و قد استفاض على ألسنة الناس أنه من أهل الخير و الصلاح و إن كان تصرف عمّاله لا يخلو عن جور كما هو شأن ولاة العصر. انتهى.

و قد مدحه فضلاء الوقت كالشيخ محمد الرقباوي بقصيدة عارض بها قصيدة ابن النحاس، و كذا مدحه السيد جعفر البيتي، و السيد جعفر البرزنجي ناظم المولد الشريف في رسالة سماها: «النقش الفرجي و الفتح المحمدي»، حاصل الرسالة: أن في أيام صاحب الترجمة قامت أهل حرب على ساق و قدم بقتل الحجاج و نهب الزوار، و كان شيخ حرب اسمه:

عيد، فتحرك عليه صاحب الترجمة و قاتله أشد قتال حتى أذاقه العذاب.

و كانت وفاة صاحب الترجمة يوم الثلاثاء لثلاث خلون من المحرم سنة ألف [و سبع‏] (2) و سبعين، و دفن بالمعلا في قبة عم والده الشريف أبي طالب، و قام بعده أصغر أولاده الشريف سعد.

و كانت مدة ولايته خمسة و ثلاثين سنة و أشهرا و أياما، و كان له من الولد سبعة من الذكور: أحمد، و حسين، و ناصر، ماتوا في حياته، و ورثه أربعة: حسن، و محمد يحيى، و أحمد، [و سعد] (3) مرتبتهم في السن كمرتبتهم في الذّكر، و من الإناث عدّة.

و صاحب الترجمة الذي تنتسب إليه ذوي زيد زادهم اللّه شرفا. انتهى‏

____________

(1) في الأصل: مكة.

(2) في الأصل: سبعة.

(3) في الأصل: و سعيد. و انظر خلاصة الأثر (2/ 186).

789

خلاصة الأثر (1).

ثم وليها الشريف سعد بن زيد، و كان من أمره لما توفي والده الشريف زيد بن محسن بن الحسين بن الحسن بن أبي نمي قام بالأمر بعد والده الشريف سعد بعد أن حصل تعب شديد، و وقعت رجّة (2) بمكة فيمن يتولى بين الشريف سعد و الشريف حمود بن عبد اللّه، فاتفق الحال على الشريف سعد، و حصلت منافرة بينهم مذكورة في خلاصة الأثر (3)، و كذلك وقعت منافرة بينه و بين حسن باشا والي جدة، و توجه صاحب الترجمة للمدينة، فلما توجه صاحب الترجمة للمدينة ولى حسن باشا الشريف أحمد بن الحارث بن الحسين بن أبي نمي، كان آية في العقل و الذكاء، مرجعا للأشراف الحسنيين ملوك مكة، و لم يتم له ذلك، و كانت وفاته برجب تاسع يوم مضى من سنة ألف [و خمس‏] (4) و ثمانين، و دفن بقبة جده حسن إلى جنب تابوته مما يلي الشرق، و خلّف أولادا أنجادا كبيرهم السيد محمد و السيد ناصر، و قد أطال في ترجمة الشريف سعد صاحب خلاصة الأثر (5)، و ذكر ما وقع له من الحروب، فانظره إن شئت. ثم صرف عن إمارة مكة، و كان قد اشترك معه [أخوه‏] (6) السيد أحمد، و ستأتي ترجمته.

و لما صرف الشريف سعد عن إمارة مكة سنة [اثنتين‏] (7) و ثمانين و ألف‏

____________

(1) خلاصة الأثر (2/ 186).

(2) رجّة القوم: اختلاط أصواتهم. (اللسان، مادة: رجج).

(3) خلاصة الأثر (1/ 436- 441).

(4) في الأصل: خمسة.

(5) خلاصة الأثر في ترجمة الشريف بركات (1/ 436).

(6) في الأصل: أخيه.

(7) في الأصل: اثنين.

790

وليها الشريف بركات بن محمد بن إبراهيم بن بركات بن أبي نمي. خرج الشريف سعد فخرج ورائه الشريف بركات بالعساكر في طلبه، فسلك [طريق‏] (1) الثنية إلى الطائف، و كان الشريف سعد قد سلكها و نزل بالطائف، ثم ارتفع عنها إلى عباسة (2)، ثم إلى تربة (3)، ثم إلى بيشة (4)، فتبعه الشريف بركات حتى قرب تربة فلم يظفر، فرجع إلى مكة فاستقر أمر مكة إلى الشريف بركات [و حظي‏] (5) عند السلطنة، و كان مقبول الكلمة عندهم؛ لما كان يكثر من مداراتهم، و كان كثير الإحسان للأشراف و التعطف بهم و تقووا في زمنه، و قويت شوكتهم و كثرت أموالهم، و بسبب ذلك صار كبار الأشراف و صغارهم تحت طوعه، و أمنت في زمنه السّبل، و لم يزل كذلك عالي الهمة إلى أن تغلب عليه غالب الأشراف، و وقعت في زمنه فتنة بين العبيد و الأتراك أحد عشر ربيع سنة ألف [و تسع‏] (6) و ثمانين، مات جمع من الفريقين ثم سكنت.

و في أيامه عمرت الخاسكية و التكية التي بين البزابيز و المدعى، و صرف عليها أموالا كثيرة، و كانت وفاته ليلة الخميس ثاني عشر ربيع الثاني، و صلى عليه عبد الواحد الشيبي سنة ألف [و ثلاث‏] (7) و تسعين، و كانت‏

____________

(1) في الأصل: الطريق. و المثبت من ب، و خلاصة الأثر.

(2) عباسة: قرية في جنوب الطائف، تبعد عن وادي سلامة (35) كيلو مترا، سكانها بنو سعد (معجم معالم الحجاز 6/ 34).

(3) تربة: بلدة عامرة في وادي تربة بالقرب من مكة على مسافة يومين منها، و لواديها ذكر في خبر عمر رضي اللّه عنه حين أنفذه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) غازيا حتى بلغ تربة (معجم البلدان 2/ 21، و معجم معالم الحجاز 2/ 20- 23).

(4) بيشة: قرية غناء في واد كثير الأهل من بلاد اليمن (معجم البلدان 1/ 529).

(5) في الأصل: و مضى. و المثبت من خلاصة الأثر.

(6) في الأصل: تسعة.

(7) في الأصل: و ثلاثة.

791

ولايته عشر سنين و أربعة أشهر و ستة عشر يوما (1).

ثم ولي بعده ولده الشريف [سعيد] (2) و لم يختلف عليه أحد، ثم بعد ذلك وقع بينه و بين الأشراف ما يطول شرحه مذكورة في خلاصة الأثر (3).

ثم عزل و ولي الشريف أحمد بن زيد بن محسن بن الحسن بن أبي نمي، كان من أمر الشريف أحمد أنه كان في دولة أخيه الشريف سعد مشاركا له في الربع، ثم لما عزل عن إمارة مكة توجه في ذي الحجة سنة [اثنتين‏] (4) و ثمانين و ألف إلى الطائف، ثم إلى بيشة، و أقام بها، ثم توجه إلى ديرة بني حسن فإن له أهلا بها و ولدا، و استمر إلى ذي القعدة من السنة، فرحل منها [قاصدا] (5) زيارة جده بالمدينة (صلى اللّه عليه و سلم)، فدخلها ليلة دخول الحج الشامي، و واجه فيها أمير الحج المذكور، و التمس منه [بعض‏] (6) مرام من شريف مكة إذ ذاك الشريف بركات، ثم خرج من المدينة و نزل على شيخ حرب: أحمد، و استمر عنده إلى عود الحاج الشامي، فواجهه أمير الحاج و أخبره بعدم تمام ذلك المرام، ثم توجه إلى الفرع في أول عام أربعة و ثمانين، و استمر به مدة يسيرة، ثم لما خرج الشريف بركات لمحاربة حرب في وسط السنة المذكورة عاد إلى حرب، و حضر الحرب، ثم بعد انتهائها توجه إلى الفرع، ثم وصل إليه أخوه الشريف سعد، و استمر بين الوارقية و الفرع و أكثر الإقامة بالفرع. و لما توعد الشريف بركات أهل الفرع في‏

____________

(1) خلاصة الأثر (1/ 445- 447).

(2) في الأصل: سعد. و المثبت من خلاصة الأثر.

(3) خلاصة الأثر (1/ 447).

(4) في الأصل: اثنين.

(5) في الأصل: قاصد. و التصويب من خلاصة الأثر.

(6) في الأصل: بعد. و التصويب من خلاصة الأثر.

792

أوائل سنة [خمس‏] (1) و ثمانين تنحوا إلى جهة وادي البقيع من بلاد حرب بين السفر و بلاد بني علي و عوف، و استمروا و من معهم بها إلى شهر رمضان، ثم عنّ لهم التوجه إلى الأبواب السلطانية فتوجهوا، و لم يمروا بحيّ من أحياء العرب إلا تلقوهم بالقبول إلى أن وصلوا الشام، فحصل لهم العز و القبول، و استأذن لهم والي الشام السلطنة في التوجه إليهم فأذنوا لهم، فتوجهوا إلى أن وصلوا «أدرنة» فحصل لهم من الدولة إكرام، ثم توجهوا إلى القسطنطينية بأمر من السلطان و استمروا بها، و تولى الشريف سعد «معرة النعمان»، فتوجه إليها و عزل، و عرضت على المترجم له ترسوس فلم يقبل، و أقام بالقسطنطينية مدة مديدة (2).

و لم يزل مقيما بها و الأحوال تنتقل به إلى أن حصل لمكة ما حصل من الاختلاف بين الأشراف، فبلغ ذلك السلطان، فأرسل إلى الشريف أحمد يطلبه، فلما أتاه و دخل عليه قام له و قابله في غاية الإجلال، و وضع كفه بكفه و صافحه من قيام قائلا: اللهم صل على محمد و آل محمد، و أول خطاب من السلطان له قال له: يا شريف أحمد، الحجاز خرب أريد إصلاحه فامتثل ذلك، فعند ذلك ألبسه ما كان عليه، ثم جلس السلطان و أمره بالجلوس، فعاد عليه ما قاله مرتين و هو يجيبه بالامتثال و القبول، [فحينئذ] (3) قال السلطان: إذا آن أوان الشي‏ء أبرزه اللّه، و أمر الوزير و الكتّاب أن يكتبوا له ملتمسة، فخرج الشريف و قدموا له مركوبا من خيل السلطان، و رحل على خيل البريد إلى دمشق، و قد خرج الحاج منها،

____________

(1) في الأصل: خمسة.

(2) خلاصة الأثر (1/ 190- 191).

(3) في الأصل: فح. و المثبت من خلاصة الأثر (1/ 196).

793

فأنشده بعضهم هذه الأبيات مهنئا له:

الحق عاد إلى محله‏* * * و الشي‏ء مرجعه لأصله‏

يا طالما وعد الزما* * * ن به و أعيانا بمطله‏

حتى تحقق أنه‏* * * في الناس مفتقر لمثله‏

و السيف عند [الاحتيا* * * ج‏] (1) إليه يعرف فضل نصله‏

و الدهر ينفر تارة* * * و يعود معتذرا لأهله‏

لا ريب قد سرّ الورى‏* * * بفعاله الحسنى و عدله‏

فالكل شاكر صنعه‏* * * و لسانهم و صاف فضله‏

و أقام بدمشق ثلاثة أيام، ثم خرج قاصدا الحج حتى لحقه و دخل المدينة الشريفة، و تلقاه أهلها و عساكرها، و لبس الخلعة السلطانية تجاه الحجرة الشريفة كما لبسها أبوه ثمة، ثم دخل مكة سابع ذي الحجة ختام سنة [خمس‏] (2) و تسعين و ألف من جهة أسفلها، و وراءه المحمل المصري و جميع عسكر مصر و الشام و جدة، و ركب بين يديه قاضي مكة و أحمد باشا والي جدة، و كان موكبا عظيما، فحجّ الناس على أحسن حال، و حصل لأهل الحرمين بقدومه غاية السرور، و استمر واليا على مكة إلى أن توفي في اليوم الحادي و العشرين من جمادى الأول سنة [تسع‏] (3) و تسعين و ألف، و ولي بعده الشريف سعيد ابن أخيه الشريف سعد، ثم عزل و ولي بعده الشريف أحمد بن غالب. انتهى خلاصة الأثر (4).

ثم عزل و تولى الشريف محسن بن حسين بن زيد، ثم عزل و عاد

____________

(1) في الأصل: الاحتجاج. و التصويب من خلاصة الأثر، الموضع السابق.

(2) في الأصل: خمسة.

(3) في الأصل: تسعة.

(4) خلاصة الأثر (1/ 196- 197).

794

الشريف سعيد، ثم جاءه الشريف سعد من الروم سنة ألف و مائة [و ثلاث‏] (1) و بقي إلى سنة خمس و مائة و ألف، ثم عزل و تولى الشريف عبد اللّه بن هاشم، ثم رجع الشريف سعد من اليمن و بقي بمكة إلى آخر ألف و ثلاثة عشر بعد المائة فنزل لولده الشريف سعيد عن ملك مكة، فبقي الشريف سعيد في ملك مكة إلى سنة ألف و مائة [و خمس عشرة] (2) و خرج منها.

ثم تولى الشريف عبد المحسن بن أحمد بن زيد، و كانت مدته تسعة أشهر، ثم وليها أخو الشريف مساعد، الشريف أحمد بن سعيد، و عاش ست سنوات و توفي، و أعقب أولادا كراما منهم: السيد فهيد والد السيد عبد اللّه بن فهيد، و منهم السيد مساعد، و السيد عامر، و السيد علي، و السيد عبد العزيز، و السيد دخيل اللّه المشهور بالعواجي، ثم وليها الشريف سرور، أخذها من عمّه أحمد بن سعيد سنة 1186، ثم تركها رغبة عنها، و تولى الشريف عبد الكريم بن [محمد] (3)، ثم عاد الشريف سعيد إلى مكة، ثم أخرج منها، ثم عزل الشريف سعيد، و عاد الشريف عبد الكريم بن محمد، و بقي بمكة سبع سنين، ثم أراد اللّه بعود الشريف سعيد إلى مكة فدخلها- بأسباب يطول شرحها ذكرها شيخنا السيد أحمد دحلان في تاريخه في أمراء مكة فانظره إن شئت- سبعة و عشرين ذي القعدة سنة ألف و مائة [و ثلاث‏] (4) و عشرين، و استمر ملكا بمكة إلى أن توفاه اللّه بعد صلاة الظهر

____________

(1) في الأصل: و ثلاثة.

(2) في الأصل: و خمسة عشر.

(3) في الأصل: أحمد. و سيأتي على الصواب لاحقا.

(4) في الأصل: ثلاثة.

795

أحد و عشرين محرم سنة ألف و مائة [و تسع‏] (1) و عشرين، ثم قام مقامه الشريف عبد اللّه بن [سعيد بن سعد] (2) بعناية الشريف عبد المحسن بن أحمد بن زيد، ثم وليها الشريف علي بن سعيد، ثم الشريف يحيى بن بركات سنة 1130، ثم وليها الشريف مبارك بن أحمد بن زيد سنة 1132، ثم وليها الشريف مسعود [بن سعيد] (3) بن سعد بن زيد، و أقام فيها إلى أن توفي سنة 1165.

ثم وليها الشريف مساعد بن [سعيد] (4) بن سعد بن زيد سنة ألف و مائة [خمس‏] (5) و ستين، فأمّن الطرق، و أظهر اللّه في أيامه البركات، و كان فيه كرم و سخاء، و امتدحته الأفاضل، ثم توفي لثلاث بقين من المحرم سنة ألف و مائة [و أربع‏] (6) و ثمانين، و كانت مدة ولايته تسعة عشر سنة، و أعقب من البنين: سيدنا الشريف سرور، و الشريف مسعود، و الشريف عبد العزيز، و الشريف عبد المعين، و سيدنا الشريف غالب، و الشريف لؤي.

ثم وليها الشريف [عبد المعين بن مساعد بعد أبيه، فمكث عدة أشهر] (7)، ثم تغلب عليه [أخوه‏] (8) الشريف سرور بن مساعد بعد حروب بالزاهر و غيرها مما يطول شرحه، و امتدحه بعض الأفاضل منهم السيد أحمد البيتي و غيره.

____________

(1) في الأصل: تسعة.

(2) في الأصل: سعد بن سعيد. و انظر جداول أمراء مكة (ملحق رقم: 5).

(3) قوله: بن سعيد، زيادة من جداول أمراء مكة، ملحق رقم 5.

(4) في الأصل: مسعود. و الصواب ما أثبتناه. انظر المرجع السابق.

(5) في الأصل: خمسة.

(6) في الأصل: أربعة.

(7) ما بين المعكوفين مشطوب في الأصل، و المثبت من ب.

(8) في الأصل: أخيه.

796

و في ألف و مائة [و ثمان‏] (1) و ثمانين جدد الشريف صاحب الترجمة الفضة التي حول الحجر.

و في ألف و مائة [و اثنتين‏] (2) و تسعين جدد منارة باب العمرة على ما هو مكتوب على بابها، و كانت له المحاسن الحسنة، أمّن الطرقات حتى أن الحمول إن طرحت بطريق جدة خالية عن أهلها لم يتعرض أحد لها، و غزى الحربية و أذلّهم غاية الذل، و كانت له فراسة تامة، و بنى بيته [الذي‏] (3) بأجياد الذي فوق الجبل.

ثم الشريف أحمد بن مساعد بعد موت الشريف سرور، و لم يمكث إلا ثلاثة أيام أو خمسة، و خلعه الشريف سيدنا غالب بن سيدنا الشريف مساعد بن سيدنا الشريف مسعود بن سيدنا الشريف سعد بن الشريف زيد ... إلى آخر نسب أبي نمي بن سعيد بن سيدنا الشريف مسعود بن سيدنا الشريف سعد بن الشريف زيد ... إلى آخر نسب أبي نمي، فسار في وقته بالقوة، و كان شجاعا. اقتنى من العبيد و العقار شيئا كثيرا لم يسبق مثله في الحزم، إلا أن في أيامه ظهرت فرقة من الشرق يقال لهم: الوهابية (4)، كبيرهم سعود، و هم من بلاد حنيفة [التي‏] (5) منها مسيلمة الكذاب، و الآن اسمها الدرعية.

و خلاصة الكلام على ما ذكره رفاعة في الجغرافيا على ظهور الوهابية، و هذا المذهب المخالف للسنة المحمدية و ما حدث له في القوة و البأس هو: أنه‏

____________

(1) في الأصل: ثمانية.

(2) في الأصل: اثنين.

(3) في الأصل: التي.

(4) انظر ص: 156.

(5) في الأصل: الذي.

797

تحدث العرب خصوصا أهل اليمن بأن فقيرا يقال له: سليمان، رأى في المنام أن شعلة نار خرجت من ظهره و انتشرت، و سارت ترعى من لقيها، فقص هذه الرؤيا على بعض المعبرين ففسّرها بأن أحد أولاده يجدّد دولة قوية، فتحققت الرؤيا في ابنه الشيخ محمد بن عبد الوهاب بن سليمان المذكور، المؤسس لهذا المذهب هو محمد بن عبد الوهاب، و لكن نسب هذا المذهب لعبد الوهاب، فلما كبر محمد احترمته أهل بلاده بسبب هذا المقام صدقا أو كذبا، و أخبرهم أنه قرشي من ذرية النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، و ألّف لهم قواعد و هي عبادة واحد قديم قادر حق، يثيب المطيع و يعاقب العاصي، و أن القرآن قديم يجب اتباعه دون الفروع، و أن محمدا هو رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، لكن لا ينبغي تعظيمه و لا وصفه بأوصاف المدح و التعظيم، إذ لا يليق ذلك إلا بالقديم، و أن اللّه حيث لم يرض بالإشراك سخره ليهدي الناس إلى الصراط المستقيم، فمن امتثله منها فنعم، و من أبى فهو جدير بأن يقتل، و أن البدع المستحسنة بعد النبي (صلى اللّه عليه و سلم) لا يجوز العمل بها، و أنه لا يجوز زيارة وليّ بعد موته و لا الشفاعة بهم عند اللّه، و أن من فعل ذلك يكون شبيها بعبدة الأوثان يستحل مالهم و يكونوا حلّ حرب مثل الكفار، إلى غير ذلك من قواعده القبيحة (1)، و أول ظهوره سرّا فقلده عدة أتباع، ثم سافر الشام لهذا الشأن فخاب سعيه و لم يتبعه أحد، فرجع لبلاده بعد ثلاث سنين و وجد بها حمي و هو ابن سعود شيخ نجد، و على رأس [خمس عشرة] (2) سنة وسع بلاده و ظن أن محمد الوهابي يجذب العرب بمذهبه و حميته، فأعان هذا المذهب فاتبع، و تبعته سائر أهل نجد، فرتب مذهبه و جعله مطردا، ثم‏

____________

(1) انظر تعليقنا (ص: 156).

(2) في الأصل: خمسة عشر.

798

أظهر الاجتهاد و أنه كبير الوهابية، و ابن سعود أميرهم و قائد عساكرهم، فصارت ذرية كلا من الاثنين يتولى رتبة سلفه، و اختاروا قاعدة بلدهم الدرعية في الجانب الشرقي، و لا زال ابن سعود مشتغلا بما في باله من توسيع ولايته، فاصطنع جيشا جيدا، و سار يزيد اجتهاده لهم و تبشيره لهم بالنصر، و جهز جيشا يفوق عن عشرين ألفا، فسلم له عرب البادية قبيلة بعد قبيلة حتى ملك الحجاز إلى قرب الشام، و دخلوا مكة إلى أن كسر شوكتهم الحاج محمد علي باشا صاحب مصر وردهم إلى محلهم، و كان دخولهم مكة سنة ألف و مائتين [و ست عشرة] (1)، و صار بين الشريف غالب صاحب مكة و بينهم حروبا و وقائع يطول شرحها.

و قد ألف الشيخ عبد اللّه عبد الشكور هندية في حروبهم مع صاحب الترجمة كتابا حافلا.

و حصروا عن مكة الطعام حتى قاسوا أهلها من الجوع أشد ما يكون.

و الحاصل أنهم يكرهون أهل السنة و الجماعة و يسمونهم المشركين، و مساجدهم من غير قبب، و يدفنون موتاهم من غير مشهد، و لأجل هذا هدموا جميع قبب الأولياء و الصحابة التي بمكة، و كذا التي بالمدينة ما عدا قبته (صلى اللّه عليه و سلم) فلم يقدروا على هدمها، لكن نهبوا ما في الحجرة الشريفة مما هو من الخزائن و الجواهر (2)، و بقوا مستولين على الحجاز و مكة و المدينة، و انقطع الحج المصري و الشامي في أيامهم إلى أن أخرجهم من مكة و المدينة و الحجاز، و قتل منهم مقتلة عظيمة.

و في ألف و مائتين [و ثمان‏] (3) و عشرين لتسع عشرة خلت من ذي‏

____________

(1) في الأصل: و ستة عشر.

(2) هذا من تجني المؤلف على الشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي يعد من الدعاة المصلحين، المشهود له بالعلم و الدين، الذي دعى إلى تجريد التوحيد و إخلاص العبادة للّه وحده، و ترك البدع و إقامة شعائر الإسلام.

(3) في الأصل: ثمانية.

799

القعدة قبض الحاج محمد علي باشا على صاحب الترجمة بحيلة و أرسله إلى سنانيك بلدة من أرض الروم، و ما زال بها حتى توفي (رحمه اللّه)، و هو الذي بنى البيت الذي بجياد، و كذا قلعة جبل الهندي، و قلعة جبل لعلع و الأبراج التي حوالي مكة، و كان شجاعا لكن قدر اللّه مقدورا. كذا بخط بعض الأفاضل.

ثم وليها الشريف يحيى بن سرور بن مساعد بن سعيد بن مسعود سنة ألف و مائتين [و ثمان‏] (1) و عشرين لعشرين خلت من ذي القعدة، و ما زال واليا حتى و شى بينه و بين أحمد باشا نائب محمد على باشا.

و في ألف و مائتين [و اثنين‏] (2) و أربعين قتل الشريف شنبر في السادس و العشرين من شعبان بعد المغرب، و كادت البلد أن تفتتن، ثم توجه الشريف يحيى إلى مصر و توفي بها.

ثم ولي إمارة مكة سيدنا الشريف عبد المطلب بن الشريف غالب، و كان مثل والده صاحب عزم و شجاعة، و كانت البلد مفتتنة، و حصل بينه و بين عساكر محمد علي باشا قتال عظيم، فوصل الخبر إلى مصر بما وقع و كان إذ ذاك سيدنا الشريف محمد بن سيدنا الشريف عبد المعين بن الشريف عون بن الشريف محسن بن عبد اللّه بن حسين بن عبد اللّه بن حسن بن أبي نمي ... إلى آخر نسب أبي نمي بالنسب المتقدم ذكره إلى أبي نمي بمصر، فولاه الحاج محمد علي باشا على مكة و المدينة و الحجاز و ما والاها لما ظهر له من شجاعته و حسن تدبيره و توفر عقله، و أرسل يطلب له الفرمان من مولانا السلطان محمود خان، فتوجه من مصر و معه العساكر

____________

(1) مثل السابق.

(2) في الأصل: اثنين.

800

و الخيل و الرجال، و كان وصوله إلى جدة يوم الخميس سلخ‏ (1) ربيع الأول سنة ألف و مائتين [و ثلاث‏] (2) و أربعين، و توجه إلى مكة، فلما وصل إلى مكة وجد الحرب بين الشريف عبد المطلب و بين العساكر المقيمين بمكة من طرف محمد علي باشا بمنى و بالخندمة، فلما وصل صاحب الترجمة انكسرت عساكر الشريف عبد المطلب، و نجا بنفسه و خواصه إلى الطائف، [و حوصر] (3) بها أياما، ثم تركها و توجه إلى الأستانة العلية على طريق الشرق لتسع و عشرين خلون من رجب، و كان ذلك يوم الجمعة. كذا بخط بعض الأفاضل.

و استقرت السلطنة بمكة و المدينة و جدة و الحجاز و ما والاها و اليمن لصاحب الترجمة، فسار مولانا المشار إليه على أحسن سيرة حاميا حول البيت المعظّم، و ذابّا عن سوحه المطهّر المفخم، حتى أنه من مزيد أمنه اختلط فيه العرب و العجم، و رعى الذئب مع الغنم، و أمّن السبل الحجازية، و مهّد الطرق الحرمية، فكانت تشدّ الرحال في سائر جهاته، و ليس معها خفير سوى الأجير لا يفقد منها صواع، و لا يختلس منها و لا قدر صاع، و ربما ترك المتاع صاحبه في الفقراء [لسبب‏] (4) ليؤتى له بما يحمل فيجده سالما من الآفات، و لما طالت الأوقات مع كثرة الطارقين لتلك المعاهد و السالكين لهذا الوطن و القاصد، و لم يعهد هذا إلا في زمن هذا الملك العادل، و لم ينقل مثله عن مثله من الملوك الأوائل، فلقد كانت هذه‏

____________

(1) السّلخ: آخر الشهر (المعجم الوسيط 1/ 442).

(2) في الأصل: ثلاثة.

(3) في الأصل: و حاصر.

(4) في الأصل: السبب.

801

الطرق في مبدأ ولايته مخوفة، و الطرق كلها غير مألوفة، فمذ بسط اللّه بساط الأمان بولايته ألزمهم بحراسة المواطن في هذه الأماكن حتى أصلح اللّه حال العباد، و نادى منادي الأمن بالبشرى و الفلاح، فاطمأنت النفوس بإقامة هذا الناموس، فشكر سعيه في هذه المآثر الحميدة، و حمد فعله في هذه المعدلة الظاهرة المجيدة، و كثرت حجاج بيت اللّه العتيق و ضربوا إليه آباط الإبل من كل فج عميق، فيرون من الأمن ما كانوا يسمعون بها عيانا، فيستخيرون اللّه أن تكون بلدا لهم سكنا و أهلها إخوانا، و كانوا بعد الحج يرحل كل إلى بلده، فلما تولى مكة و شاع ذكره رغب كل أحد في المجاورة، و صارت مصرا من الأمصار حتى امتلأت جبالها بالبناء، مع أنه كان قبل ذلك تنزل [الظباء] (1) إلى المسجد الحرام من قلة الناس، كما ذكره القطب‏ (2).

و قد ذكر رفاعة في الجغرافية: أن في مدة محمد علي باشا كانوا سكان مكة ثمانية آلاف، و أما زمن صاحب الترجمة (رحمه اللّه) و نجله سيدنا الشريف عبد اللّه أدامه اللّه فنحو مائة ألف و زيادة، و كل ذلك بسبب أمن الرعية، كما ذكره ابن خلدون في مقدمة تاريخه: أن سبب كبر الأمصار أمن الحكام. اه.

و بنى صاحب الترجمة بيته بسوق الليل، و كان ابتداء العمل سنة [ست‏] (3) و خمسين، و اقتنى من العبيد و العقار من غير ظلم أحد في ماله،

____________

(1) في الأصل: الذئاب. و التصويب من الإعلام.

(2) الإعلام (ص: 12).

(3) في الأصل: ستة.

802

و كان فارسا شجاعا، صاحب سعد و إقبال. غزا الشرق سنة [ثلاث‏] (1) و ستين، و معه نحو ألفي‏ (2) فارس من العساكر، فخضع له أمير الشرق فيصل، و رتب عليه كل سنة ستة عشر ألف ريال‏ (3) تدفع كل سنة إلى الخزينة و لم يعهد قبل هذا، و فيها يقول الأديب محمود:

بزهو ليالي الصفو جاء بشير* * * و أبدى التهاني بالسرور تسير

القصيدة مذكورة في ديوان الأديب محمود.

و كذلك غزا صاحب الترجمة اليمن و ملك الحديدة و ما والاها، و فيها يقول الأديب محمود:

بشرى بنصر بالفتوح يسير* * * [و ذوو عزيز] (4) حيث سرت يسير

و هي قصيدة طويلة فانظرها في ديوانه إن شئت، و لو لا خوف الإطالة لذكرتها و أمثالها مما مدح به.

و كان فطينا؛ قرأ بعض كتب العربية على شيخنا الشيخ حسين مفتي المالكية، فمن فطانته ما أخبرني به شيخنا المذكور أن صاحب الترجمة رأى في الليل و هو نائم هذين البيتين، [فحفظهما] (5) في النوم، فلما أصبح [قالهما] (6):

ما مات حسادك بل خلدوا* * * حتى يرو منك الذي يكمدوا

و لا خلاك اللّه من حاسد* * * فإن خيار الناس من يحسد

____________

(1) في الأصل: ثلاثة.

(2) في الأصل: ألفين.

(3) الريال: نقود فضية، و تعرف بالريال العثماني.

(4) في الأصل: و ذو عز. و التصويب لإقامة الوزن الشعري.

(5) في الأصل: فحفظها.

(6) في الأصل: قالها.

803

و رأى مرة أخرى حين كان ولده سيدنا الشريف عبد اللّه غائبا في بعض الجهات، فلما أصبح قال: أبشروا فقد جاء عبد اللّه، فإني رأيت البارحة من حفظني هذا البيت و هو:

فألقت عصاها و استقر بها النوى‏* * * كما قر عينا بالإياب المسافر

أقول: و هذا البيت قاله الخليفة المنصور العباسي لما قتل أبا مسلم الخراساني فقيل له: هذا أول يوم من خلافتك، فقال: فألقت عصاها ...

إلخ. كذا في تاريخ ابن خلكان‏ (1).

و في أيامه جدد الحجر- بكسر الحاء- و عمّر الحرم الشريف و مقامات الأولياء و المساجد، و كان مشهورا بالولاية، و لم يزل كذلك حتى طلبه مولانا السلطان عبد المجيد خان سنة [سبع‏] (2) و ستين إلى الآستانة العلية ليتحفه بأفخم التحف، فأجاب إلى ذلك، و كان ذلك في رجب، فتوجه هو و نجله سيدنا الشريف عبد اللّه، فلما و صلا صافح صاحب الترجمة مولانا السلطان و أقام بإقباله، و ولى إمارة مكة سيدنا الشريف عبد المطلب بن سيدنا الشريف غالب، و كان وصوله مكة في ذي القعدة من السنة المذكورة و صحبته طوق من الذهب لوضعه على الحجر الأسود من طرق السلطنة، فركب الطوق على الحجر، و أمرت الدولة العلية صاحب الترجمة ببناء قلاع بين مكة و المدينة، فبنى [أربع‏] (3) قلاع بالحربية: قلعة ببدر (4)، و قلعة

____________

(1) وفيات الأعيان و أنباء أبناء الزمان لابن خلكان (2/ 330).

(2) في الأصل: سبعة.

(3) في الأصل: أربعة.

(4) بدر: قرية عامرة من قرى الحجاز بأسفل وادي الصفراء، على (155) كيلا من المدينة جنوبا غربيا، عليها اليوم الطريق العامة إلى مكة و هي منها على (305) أكيال. غزاها الشريف عبد المطلب بن غالب أمير مكة سنة 1268 ه، و بنى بها قلعة، و كانت إمرة البلد قبل الحكم السعودي عند الشريف ابن نامي و لا زالت ذريته هناك (معجم معالم‏

804

بالحمراء، و قلعة بالجديدية، و قلعة ببئر عباس، و رتب فيها العساكر الشاهانية لأجل تأمين الطرق، و رتب فيها العساكر، و صاحب الترجمة من سراة الأشراف، صاحب همة عالية، واقف على حدود الشرع الشريف، لا تأخذه فيه لومة لائم ذلك فضل اللّه، إلا أنه لم ينتظم له الحال حتى حصلت بينه و بين [محمد عزت باشه منافسة بالطائف ثم كذلك بينه و بين‏] (1) كامل باشا، و وقع بينهم القتال بسبب منع بيع الرقيق في السوق، و ذلك في صفر لسبع عشرة خلت منه، و سيجي‏ء خبر ذلك في الفتن. و لم تزل الفتنة بين صاحب الترجمة و كامل باشا حتى قدم سيدنا الشريف محمد بن سيدنا الشريف عبد المعين واليا على مكة، و كان دخوله مكة في شعبان سنة ألف و مائتين [و اثنتين‏] (2) و سبعين، و كان ذلك اليوم القتال بالمعابدة، فلما وصل سيدنا الشريف محمد تفرقت الجموع، و توجه سيدنا الشريف عبد المطلب إلى الطائف، [و حوصر] (3) بها إلى شوال من التاريخ المذكور، فتوجه إليه سيدنا الشريف محمد إلى الطائف، ثم أتى سيدنا الشريف عبد المطلب صحبة سيدنا الشريف محمد حتى وصلوا مكة جميعا، ثم توجه سيدنا الشريف عبد المطلب إلى الآستانة، و وصلها مكرما معظما على أحسن حال، و ما زال سيدنا الشريف محمد بن عون واليا على مكة حتى اختاره اللّه سنة ألف و مائتين [و أربع‏] (4) و سبعين بعد صلاة الظهر لثنتي‏

____________

الحجاز 1/ 189- 190).

(1) زيادة من ب. و قد شطب عليها في الأصل.

(2) في الأصل: اثنين.

(3) في الأصل: و حاصر.

(4) في الأصل: أربعة.