نتائج الأفكار في الأصول‏ / تقريرات - ج3

- السيد محمد جعفر الجزائري المزيد...
392 /
53

لسان الدليل من دون خصوصية للإحراز الوجداني و المحرز عنوان كلّي كالشمس غايته أنّ للعلم فردا واحدا في الخارج و يتحقق له فرد آخر ببركة اعتبار الأمارات.

و لكن فيه ما لا يخفى، لرجوع هذه الدعوى إلى التوسعة في المعنى اللغوي بسبب دليل اعتبار الأمارة المثبت لحجيّتها، و من المعلوم عدم إمكان ثبوت المعنى اللغوي بهذه الدعوى.

و أما ثانيا: فبدعوى أعمية العلم من خصوص الوجداني بتنقيح المناط حيث إن المناط هو الإحراز الموجود في الظن أيضا، فالمراد بالعلم الذي اخذ موضوعا في لسان الدليل هو الإحراز بتنقيح المناط لا بتوسعة في المعنى اللغوي.

و فيه أيضا ما لا يخفى، لأنّ تنقيح المناط في الشرعيات بعد تسليمه إنّما يكون من الأدنى إلى الأعلى أو المساوي إلى المساوى كما هو المتداول عند العامة القائلين بحجيّة القياس، فهذا الوجه كسابقه لا يدفع الإشكال.

و أما ثالثا: فلأنّ دعوى التوسعة المزبورة تكون من مقتضيات حكومة أدلة الأمارات على الواقعيات، فإنّ أدلة اعتبار الطرق توجد فردا للعلم و المفروض أنّ الموضوع في لسان الدليل هو العلم و الأمارة فرد له أيضا.

و فيه أيضا: أنّه على مبنى تتميم الكشف لا تقوم الأمارات بنفس أدلة اعتبارها مقام القطع، لما عرفت من فساد المبنى و عدم صيرورة الأمارات بالتشريع محرزة و كاشفة حتى تقوم مقام القطع في جهة الكشف.

فإن قلت: فما تقولون في قيام الأمارات مقام القطع الموضوعي الطريقي في بعض الموارد كالظن في الاوليين من الرباعيات و في ركعات الفرائض الثنائية.

54

قلت: إنّ ذلك لأجل النص الخاص‏ (1) و الكلام في قيام الأمارات مقام القطع إنّما يكون في قيامها بنفس دليل اعتبارها لا بدليل خاص. فصار المتحصل ممّا ذكرنا عدم قيام الأمارات مقام القطع طريقيا كان أو موضوعيا بنفس دليل اعتبارها.

فإن قلت: فما الوجه في قيام الأمارات مقام القطع المأخوذ غاية في الاصول العملية كقاعدتي الحل و الطهارة و الاستصحاب، فإنّه لا ريب في بناء الأصحاب على نقض الحالة السابقة المستصحبة بقيام الأمارة على خلافها و رفع اليد عن قاعدتي الحل و الطهارة.

قلت: لا محيص عن التصرف في العلم المأخوذ غاية في قاعدتي الحل و الطهارة كقوله (عليه السّلام): «كلّ شي‏ء لك حلال حتى تعلم أنّه حرام» (2) و «كلّ ماء طاهر حتى تعلم أنّه قذر» (3)، و قوله (عليه السّلام) «الأشياء على هذا (أي على أصلها الأولي من الوجودي أو العدمي و الموضوعي أو الحكمي) حتى يستبين لك غير هذا أو تقوم به البينة»، (4) «و لا تنقض اليقين بالشك و انقضه بيقين آخر» (5) و نحو ذلك ممّا يدلّ على كون العلم غاية للاصول العملية، و حاصل التصرف في العلم و اليقين و الاستبانة هو جعل العلم أعم من الوجداني و العقلائي النظامي، بل يمكن دعوى تبادر الثاني عرفا من قوله: «حتى تعلم أو يستبين»، و لكن هذا على مبنى كون الطرق العقلائية منجعلة لإفادتها بنفسها العلم العادي و الإمضاء يكون بالنسبة إليها لا إلى كلّ أمارة و إن لم تفد العلم النظامي، فإنّ العقلاء لا يعملون بالظن بل بالعلم، إذ ليس عندهم تعبد و تنزيل للظن منزلة العلم بل يحصل لهم العلم من قول الثقة مثلا فيعملون بعلمهم، و على‏

____________

(1) وسائل الشيعة 8/ الباب الأوّل و الثاني من أبواب الخلل الواقع من الصلاة.

(2) وسائل الشيعة 17/ 89، الحديث 22053.

(3) وسائل الشيعة 1/ 142، الحديث 351.

(4) وسائل الشيعة 17/ 89، الحديث 22053.

(5) وسائل الشيعة 1/ 245، الحديث 631 و 4/ 312، الحديث 5240.

55

تقدير بنائهم على الظن لا يكون هذا البناء حجة لعدم الدليل على حجيّته بعد كون الشك في الحجيّة كافيا في القطع بعدم ترتب آثار الحجة عليه، لا لأجل كون الآيات الناهية عن العمل بغير العلم رادعة عنه حتى يستشكل فيه بعدم إمكان الردع بالظن، حيث إنّ دلالة الآيات على عدم حجيّة الظن ظنية، و لا يمكن ردع الظن بالظن كما عن المحقق القمي (قدّس سرّه)(1) بل للكفاية نفس الشك في الحجيّة في الحكم بعدمها.

و بالجملة فالعمل بالطرق العقلائية عمل بالعلم لا الظن و لذا لا يرى العقلاء توجه الآيات الناهية عن العمل بغير العلم إليهم‏ (2)، إذ لا يرون أنفسهم جاهلين بل عالمين، فعلى مبنى إمضاء الشارع للطرق العقلائية المنجعلة لا ينبغي الإشكال في قيام الأمارات مقام القطع، بل التعبير بالقيام مقام القطع مبنى على المسامحة لأنّ الأمارات تفيد العلم لا أمرا آخر يقوم مقام العلم.

[عدم الفرق بين أقسام القطع في قيام الأمارات مقامهما]

و ممّا ذكرنا ظهر عدم الفرق في قيام الأمارات مقام القطع بين أقسام القطع حتى الموضوعي الصفتي، إذ المفروض اشتمال العلم الحاصل من الأمارات على الجهات التي تكون في العلم الحاصل من غيرها و هي النورية و المنورية و الجري العملي و حكم العقل بالمنجزيّة، و على هذا فالقطع الحاصل من الأمارة يقوم مقام القطع الوجداني بأقسامه الخمسة المذكورة من الطريقي المحض و الموضوعي الصفتي و الطريقي. هذا تمام الكلام في قيام الأمارات مقام القطع.

[قيام الاصول مقام القطع‏]

و أما قيام الاصول مقام القطع فقد عرفت أنّ من جهات العلم الجري العملي و الاستصحاب يوجب الجري العملي بناء على كونه حجة من باب الأخبار لا من باب الظن، لاندراجه حينئذ في الأمارات دون الاصول- و عليه يكون مفاد قولهم (عليهم السّلام) «لا تنقض اليقين بالشك» الجري العملي على المتيقن، لانتقاض اليقين‏

____________

(1) قوانين الاصول/ 453.

(2) النساء: 157، الانعام: 116 و 148، يونس: 36، الإسراء: 36، النجم: 28.

56

تكوينا، فلا تنقض بمنزلة قوله: رتّب آثار المتيقن في ظرف الشك، فالاستصحاب و ما هو بمنزلته من الاصول في كون المجعول فيها الجري العملي تقوم مقام القطع في الجهة الثالثة و هي الجري العملي كما لا يخفى. هذا تمام الكلام في القطع.

[جريان ما للقطع من الأقسام للظن‏]

و أما الظن فيجري فيه ما تقدم في القطع، فكما أنّ العلم تارة يكون طريقا محضا و اخرى يكون موضوعا، و على تقدير الموضوعية تارة يكون مأخوذا على وجه الصفتية و اخرى مأخوذا على وجه الطريقية، و على التقديرين تارة يكون تمام الموضوع و اخرى يكون جزئه فكذلك الظن.

[لو اخذ الظن موضوعا لحكم غير متعلقه‏]

ثمّ إنّ الظن قد يؤخذ موضوعا لحكم غير متعلقه، كما إذا قيل: إذا ظننت بوجوب الصلاة فالتصدق واجب، و هذا ممّا لا إشكال فيه، و قد يؤخذ موضوعا لحكم يماثل حكم متعلقه أو يضاده كقوله: إذا ظننت بوجوب الصلاة فتجب الصلاة أو تستحبّ الصلاة، فقد يقال بالإمكان في هذه الصورة، أما إذا كان مماثلا فيؤكد الحكم الأوّل المتعلق بنفس الصلاة، و إما إذا كان مضادا له فيكون الثاني الذي اخذ الظن في موضوعه حكما ظاهريا و الأوّل واقعيا، و يجمع بينهما بتعدّد الرتبة إذ رتبة الحكم الظاهري متأخرة عن الواقعي فالحكم الواقعي ليس بعثيا بخلاف الحكم الظاهري، فإنّه فعلي فلا تضاد بينهما، و في المقام يكون الحكم الواقعي و هو وجوب الصلاة وجوبا غير فعلي أي غير بعثي و استحبابها بعنوان الظن بوجوبها يكون فعليا، فتعدّد الرتبة رافع للتضاد و وحدتها شرط في التضاد كسائر الوحدات المعتبرة في تحقق التضاد و التناقض. هذا ما نسب إلى بعض الأكابر، و لكن النسبة ليست بصحيحة لتصريحه في درسه الشريف مرارا في هذا المقام و في مبحث الترتب بعدم إجداء تعدّد الرتبة في دفع غائلة التضاد و التناقض ما لم يرجع إلى تعدّد الموضوع، كأن يقال: العالم حكمه كذا، و الظان حكمه كذا، و هذا أي تعدّد الموضوع لا يتصور هنا لأنّ ذلك مستلزم للتصويب حيث إنّ الوجوب الواقعي يتبدل بالاستحباب بسبب تعلق الظن به،

57

فالظن يغيّر الواقع لإناطة الواقع بعدم تعلق الظن به، فالظن به يرفعه، فالواقع مشروط بعدم قيام الظن على خلافه. و أما الميرزا النائيني (قدّس سرّه) فقد فصّل في أخذ الظن موضوعا لمماثل حكمه بين كون الظن حجة شرعية و بين عدم كونه كذلك بالإمكان في الثاني و عدمه في الأوّل، لأنّ الظن في الثاني لما لم يكن حجة شرعية لم يكن مثبتا للواقع فيكون الظن من الطوارئ التي يصح أن تؤخذ موضوعا لحكم مماثل لحكم متعلقه بخلاف ما إذا كان الظن حجة شرعية فإنّه مثبت للواقع.

و فيه: أنّه لا فرق بين كون الظن بالحكم حجة شرعية أو لا في لزوم المحذور و ذلك الظان باعتقاده يرى أنّ متعلق ظنه هو الواقع فإذا قال له الشارع ما دمت تظن بالواقع فالحكم على خلافه فإما أن يتغير الواقع بظنه و هو التصويب أو يكون الواقع هذا الحكم الثاني فيرتفع ظنه بالواقع و بذلك ينقض الحكم الثاني أيضا.

الجهة السادسة: «التجري»

[تحرير محل البحث في التجري‏]

قد عرفت كون القطع تمام الموضوع لحكم العقل بالحجيّة و استحقاق العقوبة عند المخالفة فهل تختص موضوعيته لهذا الحكم العقلي بالقطع المصيب فلا يكون القطع المخالف للواقع موضوعا للحجيّة في نظر العقل، أم تعم ذلك فلا فرق في حكم العقل بالحجيّة بين القطع المصيب و المخطئ.

مقتضى ظاهر كلمات الأصحاب في بعض المقامات عدم الفرق بين العلم المطابق للواقع و المخالف له و لذا حكموا بفسق من أخّر الصلاة مع ظن ضيق الوقت أو أخّر قضاء صوم شهر رمضان مع الاعتقاد بضيق الوقت، و إن انكشف بعد ذلك بقاء الوقت و سعته أو سافر بقصد غاية محرمة كقتل غريمه، و بعد الوصول إلى المحلّ انكشف أنّ وجوده في ذلك المحلّ سبب لحقن الدماء و الأعراض و الأموال عن الأعداء المهاجمين على أهل ذلك المحلّ لقتل نفوسهم و نهب أموالهم و هتك أعراضهم.

58

[الجهة الكلامية من جهات التجري‏]

و لا يخفى أنّ التجري و إن كان ذات جهات عديدة اصولية و فقهية و كلامية، و الشيخ (قدّس سرّه)(1) قد تعرض في ابتداء البحث للجهة الفقهية لاستدلاله بالإجماع و الأخبار مع تعرضه لسائر الجهات أيضا من غير تحرير و تمييز بل مع الخلط، إلّا أن المناسب هو البحث عن الجهة الكلامية و هي استحقاق العقوبة على مخالفة القطع غير المصادف للواقع كمخالفة القطع المصادف، إذ البحث عن مباحث القطع في علم الاصول يكون استطراديا لعدم كون مباحثه من علم الاصول بل ذكرها في الاصول يكون لأجل المناسبة مع الأمارات، و على هذا فالأولى التعرض للجهة الكلامية و هي كون القطع مطلقا موضوعا لحكم العقل باستحقاق العقوبة على المخالفة أو خصوص المصادف للواقع لأنّه المناسب لما ذكر في أوّل مباحث القطع من حجيّة القطع ذاتا بمعنى كونه في نظر العقل تمام الموضوع للحجيّة، فحينئذ يقع البحث في أنّ موضوعيته للحجيّة تعم القطع المصادف و غيره أو تخصّ المصادف، فالأنسب في تحرير محلّ النزاع هو البحث عن حجيّة القطع مطلقا أو خصوص المصادف، لا ما ذكره القوم من أن التجري هل يكون حراما أم لا، أم يكون موجبا لاستحقاق العقوبة أم لا؛ و ذلك لأنّ التجري و الطغيان و هتك حرمة المولى علة لاستحقاق العقوبة و هو المناط في استحقاق العقوبة على المخالفة لا نفس العلم من حيث هو بل العلم مقدمة لذلك، إذ العلم يوجب إحراز مراد المولى و العقل يحكم بأنّ وظيفة العبد الجري على طبق مراد المولى و امتثال أوامره و نواهيه و حرمة الطغيان عليه أي قبحه، لأنّه خلاف وظيفة العبودية، و ليس التجري و الطغيان و الهتك التي هي مناط استحقاق العقاب و المؤاخذة عبارة عن سوء السريرة حتى يقال: إنّه غير اختياري تقبح المؤاخذة عليه، و لا مجرد قصد الهتك حتى يقال بالعفو عنه، بل هي عبارة عن القصد المقرون بالفعل المظهر له‏

____________

(1) فرائد الاصول/ 4.

59

كقصد التجري على المولى بقتل ولده فقتل شخصا بهذا الاعتقاد ثمّ تبيّن أنّه عدوه، فحينئذ يستحق العقوبة لأنّه تجرى على مولاه.

و الحاصل: أنّ مناط استحقاق العقوبة في القطع المصادف و هو الطغيان و هتك حرمة المولى بعينه موجود في القطع المخالف كما لا يخفى، و من هنا ظهر فساد ما يقال من أنّ القطع غير المصادف خارج موضوعا عمّا هو موضوع حكم العقل بالحجيّة حيث إنّ موضوع حكمه هو العلم، و الاعتقاد غير المصادف ليس علما حقيقة بل جهالة و ضلالة، فلا يكون حجة و لا تكون مخالفته موجبة لاستحقاق العقوبة،

و ذلك لما عرفت من وجود ما هو المناط في حجيّة القطع في نظر العقل في القطع غير المصادف طابق النعل بالنعل كما لا يخفى، و لعل إلى ما ذكرنا من كون المناط هو التمرد و الطغيان يرجع الدليل العقلي المعروف و هو ما إذا قطع شخصان بخمرية ما في إناءين و شرباهما فصادف قطع أحدهما الواقع و خالف الآخر ذلك، فلا سبيل إلى عدم استحقاقهما معا و لا إلى استحقاق غير المصادف فقط و لا استحقاق المصادف كذلك، لاستلزامه إناطة العقاب بأمر غير اختياري، فلا محيص عن الالتزام باستحقاق كليهما العقوبة لوجود مناط الاستحقاق و هو التمرد في كليهما، إذ لو لم يرجع هذا الدليل إلى ما ذكرناه يمكن للخصم أن يقول بعدم استحقاق من لم يصادف قطعه الواقع لأنه يخالف تكليف المولى عن عمد و علم، بخلاف من صادف قطعه الواقع فإنّ استحقاق عقابه إنّما هو لأجل المخالفة عن عمد، فهذا المناط موجود في القطع المصادف دون غيره.

ثمّ اعلم أنّ غرض كلّ من تعرض لجهة من جهات التجري أعني الجهة الفقهية و الاصولية و الكلامية هو إثبات مساواة القطع المخالف للقطع المصادف كما يظهر (إن شاء اللّه تعالى) و نحن قد قدمنا الجهة الكلامية و صار المتحصل منها أنّ القطع غير المصادف كالمصادف في استحقاق العقوبة لوحدة المناط و هو الطغيان و التمرد على‏

60

المولى و هتك حرمته في القطع المصادف و غيره.

نعم إن كان مناط استحقاق العقاب ترك الواقع عن علم و عمد فيختص ذلك بالقطع المصادف، و به يمكن الجواب عن الدليل العقلي المذكور و هو ما إذا قطع شخصان بخمرية مائعين فشرباهما و كان أحدهما خمرا دون الآخر بتقريب: أنّ عدم استحقاق المصادف و غيره للعقاب يستلزم نفي استحقاق العقاب عن العصاة و استحقاق خصوص المصادف دون غيره يوجب إناطة استحقاق العقاب بأمر غير اختياري و هو المصادفة، فلا بدّ من الالتزام باستحقاق كليهما للعقاب و هو الظاهر.

و ملخص الجواب عنه أنّ مناط استحقاق العقاب إن كان مخالفة الواقع عن علم و عمد فلا بأس بالالتزام بترتب الاستحقاق على القطع المصادف دون غيره، لعدم مخالفة الواقع كذلك، نعم كان بانيا عليه ذلك و لكن لم يتفق له ذلك، فلا بدّ في إثبات استحقاق كليهما للعقاب من جعل مناط الاستحقاق التمرد و الطغيان على المولى دون ترك الواقع، فضمّ مخالفة الواقع إلى التجري و الطغيان كالحجر في جنب الإنسان.

و قد عرفت أنّ المناط في استحقاق العقاب هو التمرد و التجري كما يشهد به الوجدان الحاكم في باب الإطاعة و العصيان، فإنّ مخالفة الواقع بما هو هو مع عدم قصد الطغيان لا توجب الاستحقاق المزبور، فإنّ مناط استحقاق العقاب في نظر العقل هو هتك المولى و الطغيان عليه.

و لا بأس بذكر بعض ما في الكفاية (1) في المقام فإنّه بعد أن أثبت كون المناط في استحقاق العقاب ما ذكرناه من التمرد و الطغيان من دون أن يكون موجبا لتغير الفعل المتجرى به عمّا هو عليه من الملاك و الحكم، أورد على نفسه بأنّه يلزم من هذا كون العقاب على القصد و الإرادة و هي ليست باختيارية، و قبح العقاب على أمر غير

____________

(1) كفاية الاصول/ 259.

61

اختياري من الحكم العقلي البديهي.

و دفعه بأنّ الإرادة و إن كانت غير اختيارية لكن يكفي في ذلك اختيارية بعض مبادئها، لأنّه بعد خطور الشي‏ء في الذهن و تصور فائدته و ميل النفس إليه لكونه ملائما لها يتمكن من الانصراف عن ذلك الشي‏ء بتصور تبعاته و ما يترتب عليه من المفاسد الاجلة، فيصير ذلك مانعا عن السعي نحوه فلا تحصل الإرادة و هذا المقدار كاف في الاختيار المصحح للعقاب‏ (1).

[اختيار رأي صاحب الكفاية (قدّس سرّه) في التجري‏]

و الحاصل أنّ ما أفاده صاحب الكفاية (قدّس سرّه) في الجهة الكلامية من كون مناط استحقاق العقاب هو الهتك الذي لا يتحقق إلّا بالعلم في غاية المتانة، من دون فرق في ذلك بين القطع المصادف و غيره، فالواقع بما هو واقع لا تكون مخالفته موجبة لاستحقاق العقوبة بل المدار في الاستحقاق هو هتك المولى و من المعلوم توقف صدق الهتك على العلم بكون المتجرى به مبغوضا للمولى.

[إشكال الميرزا النائيني (قدّس سرّه) على صاحب الكفاية (قدّس سرّه)‏]

و لكن الميرزا النائيني (قدّس سرّه) أورد على صاحب الكفاية (قدّس سرّه) بأنّ جعل الهتك و الطغيان على المولى مناطا لاستحقاق عقوبة المتجري ممّا لا إشكال فيه، و لا مجال للتأمل من أحد بل الطغيان على اللّه تبارك و تعالى موجب للارتداد و ليس هذا محلا للكلام في مبحث التجري، فلا ينبغي جعل مناط استحقاق العقوبة التجري على المولى، و محلّ الكلام في بحث التجري هو الارتكاب مع الخوف منه سبحانه و تعالى و رجاء عدم المخالفة للواقع، و الداعي إلى الارتكاب ليس الطغيان على المولى بل‏

____________

(1) ثمّ ذكر جوابا آخر بقوله: يمكن أن يقال: إنّ حسن المؤاخذة و العقوبة إنّما يكون من تبعة بعده عن سيده بتجريه عليه كما كان من تبعته بالعصيان في صورة المصادفة إلى آخر ما ذكره ممّا عدل عنه في الدورة الأخيرة الاصولية على ما نقله سيدنا الاستاذ مد ظله و لكن كان ذلك بعد طبع الكفاية و قد تركنا ذكر تمام ما أفاده (قدّس سرّه) لعدم إمكان التعويل عليه، مضافا إلى عدم ارتضائه لذلك قطعا، و كيف كان فالإرادة لا توجب ارتفاع الاختيار بل بعد تحققها يقدر الفاعل أيضا على كلّ من الفعل و الترك كما تقدم في مبحث الطلب و الإرادة (المقرّر).

62

متابعة الهوى و النفس الأمّارة كما في بعض الأدعية المأثورة، و في هذا القسم من القطع غير مصادف لا يكون مناط استحقاق العقوبة هتك المولى و التجري عليه.

لكن الحقّ أنّ ما أفاده في الكفاية متين لعدم انفكاك الفعل الذي يراه الفاعل مبغوضا للمولى عن التمرد و الطغيان فمناط استحقاق العقاب في القطع المصادف و غيره و هو الهتك واحد. هذا تمام الكلام في الحرمة الكلامية و قد عرفت أنّ المتحصل منها هو استحقاق المتجري للعقاب.

[الجهة الاصولية من جهات التجري‏]

و أما الجهة الاصولية التي يثبت لها كون المتجري مستحقا للعقاب فهي: أنّ الخطابات لا تتعلق إلّا بما هو مقدور للعبد، و من المعلوم أنّ المقدور له هو عنوان الشرب مثلا دون كونه مضافا إلى الخمر مثلا، لأنّ خمرية المائع المشروب تابعة للواقع دون القصد و اعتقاد الشارب، فالمقدور و هو نفس الشرب يتعلق به التكليف و الشرب يكون جامعا بين شرب الماء و شرب الخمر و هو المتعلق للخطاب، فمتعلق الخطاب التحريمي هو الشرب الجامع لا الشرب المضاف إلى الخمر لعدم القدرة عليه و المقدور هو نفس الشرب، فشرب مقطوع الخمرية مع كونه في الواقع ماء حرام.

و فيه ما لا يخفى: ضرورة أنّ لازمه حرمة شرب المائعات المباحة من الماء و غيره، نعم كون الشرب المضاف إلى الخمر و إن كان غير مقدور إلّا أنّ القدرة على قطعة من المتعلق كافية في صحة تعلق الخطاب به، لا أنّ عدم القدرة على تمام المتعلق يقتضي تعلق الخطاب بالجامع بين المتعلق و غيره كالشرب الجامع بين شرب الخمر و شرب الماء، فإنّ فساده غني عن البيان. و بالجملة فدعوى حرمة الفعل المتجرى به من جهة تعلق الخطاب بالجامع لأجل عدم القدرة على تمام المتعلق في غير محلّها.

و يمكن تقريب الجهة الفقهية من باب قاعدة الملازمة بأن يقال: إنّ العقل يحكم بقبح الفعل المتجرى به لكونه من مظاهر الطغيان على المولى و الخروج عن رسوم عبوديته، فالفعل و إن لم يكن بعنوانه الأولي قبيحا لكونه شرب الماء مثلا إلّا أنّه‏

63

بهذا العنوان الثانوي يصير قبيحا، و مقتضى قاعدة الملازمة بين حكمي العقل و الشرع هو كون الفعل المتجرى به حراما شرعا، لكونه قبيحا عقلا، و على هذا التقريب يكون التجري بحثا اصوليا نتيجته مسألة فقهية و هي حرمة الفعل المتجرى به‏ (1).

و الحاصل أنّ ما أفاده صاحب الكفاية (قدّس سرّه) في الجهة الاولى من كون مناط استحقاق العقوبة هو التمرد الموجود في كلّ من القطع المصادف و المخالف دون مخالفة الواقع متين جدا، لأنّ المناط في الاستحقاق إن كان ذلك (أي مخالفة الواقع) لزم كون العقاب على أمر غير اختياري و هو مخالفة الواقع، بداهة خروجها عن الاختيار كخروج عدم المصادفة في القطع غير المصادف عن الاختيار، فإنّ العلة إذا كانت مركبة من الأمر الاختياري و غيره، فلا محالة يكون المعلول تابعا لأخس أجزاء علته، فإنّ المقدور في المقام هو نفس الشرب الجامع بين شرب الخمر و شرب الماء دون كون الشرب شرب الخمر.

و من هذا الكلام ظهر أنّ ما ذكره صاحب الكفاية (قدّس سرّه)(2) في رد البرهان الذي ذكره الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه)(3) في الفرائد- من إمكان مناقشة الخصم في ذلك البرهان بالالتزام باستحقاق خصوص من صادف قطعه الواقع دون غيره، لأنّه خالف الواقع عن عمد و اختيار بخلاف من خالف قطعه الواقع فإنّه لم يخالف اختيارا، نعم كان بانيا على المخالفة و لكن لم يتفق له ذلك- غير وجيه، لأنّ المخالفة للواقع المترتبة على إصابة العلم ليست اختيارية، ضرورة أنّ المصادفة كعدمها خارجة عن الاختيار فإذا كان العقاب على مخالفة الواقع لزم أن يكون العقاب على أمر غير الاختياري، و بالجملة فجعل مناط الاستحقاق مخالفة الواقع مخدوش.

____________

(1) يمكن أن يقال: هذا تقريب للجهة الآتية من أنّها مسألة كلامية صغرى لمسألة اصولية لا أنّه بحث اصولي نتيجته مسألة فقهية.

(2) كفاية الاصول/ 260.

(3) فرائد الاصول/ 5.

64

و الحقّ ما في الكفاية من جعل مناطه التمرد و الطغيان و الخروج عن رسوم العبودية و الانقياد للمولى و من البديهي وجود هذا المناط في كلّ من القطع المصادف و المخالف كما لا يخفى. هذا تمام الكلام في الجهة الكلامية.

و أما الجهة الكلامية التي تكون صغرى لمسألة اصولية فهي أنّ في مورد التجري يكون الفاعل قبيحا و لا إشكال في وجود القبح الفاعلي نظير القبح الفاعلي فيمن صلّى في مكان مغصوب بناء على جواز اجتماع الأمر و النهي، لكون المجمع مركبا انضماميا، فإنّ الصلاة و إن لم تتحد مع الغصب إلّا أنّ الفاعل يكون قبيحا حيث إنّه أتى بالصلاة مع ثوب وسخ كالإتيان بالماء الصافي في إناء وسخ، و مع القبح الفاعلي لا تتمشى القربة مع العلم بالغصب بخلاف الجهل به لتمشي القربة فيه قطعا، لانتفاء ما يوجب القبح الفاعلي فيه، و بالجملة فهل يستكشف بقاعدة الملازمة التي هي مسألة اصولية كون الفعل المتجرى به قبيحا لقبح فاعله أم لا؟

ثمّ إنّك قد عرفت أن التجري فيه جهات من البحث ترجع نتيجتها إلى استحقاق المتجرى للعقاب و عدمه، و قد تقدمت الجهة الاولى أعنى الكلامية من كون مخالفة العلم غير المصادف موجبة لاستحقاق العقاب لوجود المناط و هو التمرد على المولى في غير المصادف أيضا، و مرّ البحث أيضا عن الجهة الثانية و هي الجهة الاصولية بوجه ينسب إلى الميرزا الكبير الشيرازي (قدّس سرّه)(1) و هو كون الخطابات الواقعية شاملة للقطع المصادف و المخالف بل القطع مصادف دائما و غير المصادف مفقود و لتوضيحه أكثر نقول: هذه الدعوى يتوقف على مقدمتين:

الاولى: قبح تعلق التكليف بغير المقدور.

الثانية: تنجّز ذلك التكليف بالعلم به و مع فقدان إحدى هاتين المقدمتين تنتفي الدعوى.

____________

(1) تقريرات آية اللّه المجدد الشيرازي 3/ 283.

65

توضيحه: أنّ شرب الخمر ليس مقدورا للعبد و إنّما المقدور له هو نفس الشرب فهو المتعلق للحرمة دون الشرب المضاف إلى الخمر، فإنّه غير مقدور، لأنّ كون شرب مائع شرب الخمر منوط بكون ذلك المائع خمرا واقعا و خمريته تابعة للواقع لا أنّها تابعة لقصد الشارب و إرادته كما هو واضح. و حينئذ فالمتعلق للحرمة هو نفس الشرب و المفروض العلم بحرمة هذا الشرب، فيستحق العقوبة على مخالفة حرمة الشرب المنجزة بالعلم، و عليه فنفس خطاب حرمة شرب الخمر شامل للقطع المصادف و المخالف، و بعبارة اخرى في القطع المصادف لا يكون استحقاق العقوبة إلّا على ما هو تحت قدرة العبد و ارادته و هو نفس الشرب مع العلم بحرمته و هذا المناط بعينه موجود في القطع غير المصادف.

و فيه: أنّ جعل متعلق الحرمة نفس الشرب الجامع بين شرب الماء و شرب الخمر يستلزم إنكار الضروري من إباحة شرب الماء و نحوه قطعا لا رفع اليد عن ظاهر الدليل فقط.

فالحقّ أن يقال: إنّ شرب الخمر و إن لم يكن مقدورا للعبد إلّا أنّه لا يقتضي تعلق الخطاب بالشرب الجامع بين الشرب المتعلق بالمباحات و بين الشرب المتعلق بالمحرمات، لما عرفت من كونه خلاف الضروري إذ يلزم منه حرمة شرب الماء و غيره من المباحات، بل لا مانع من كون متعلق الخطاب كما هو ظاهر الدليل شرب الخمر باعتبار القدرة على قطعة منه و هي الشرب، فالموضوع من أول الأمر مضيق من قبيل ضيّق فم الركيّة.

[كلام الميرزا الكبير الشيرازي (قدّس سرّه) في المقام‏]

و بالجملة فلا يتم ما أفاده المحقق الميرزا الشيرازي (قدّس سرّه) من دعوى شمول الخطابات الأولية للفعل المتجرى به.

و يمكن إثبات استحقاق المتجري للعقاب بدعوى كون التجري من العناوين المقبحة ككون الانقياد من العناوين المحسنة بعد البناء على كون الحسن و القبح‏

66

بالوجوه و الاعتبارات، فإنّ التجري يوجب قبح الفعل المتجرى به و إحداث مفسدة فيه، و إن لم يكن فيه مفسدة ذاتا كالماء المقطوع بكونه خمرا فإنّه يحدث فيه مفسدة بعنوان التجري، و إذا صار قبيحا يثبت بقاعدة الملازمة حرمته، و من المعلوم أنّ مخالفة الحرمة توجب استحقاق العقوبة، و لكن الميرزا (قدّس سرّه) أنكر هذا و لم يلتزم بكون التجري من العناوين المغيرة للحسن و القبح و إن كانا بالوجوه و الاعتبارات.

و التحقيق أن يقال: إنّه بعد البناء على كون الحسن و القبح بالوجوه و الاعتبارات كما هو الحقّ في الجملة لا يكفي مجرد القبح و كون التجري أو هو مع الفعل المتجرى به قبيحا في استحقاق العقوبة، بل لا بدّ فيه من استكشاف تعلق الخطاب الشرعي بالفعل المتجرى به أو نفس التجري حتى يكون استحقاق العقاب على مخالفة الحرمة الشرعية، و إلّا فنفس القبح لا يكفي في استحقاق العقوبة و لا طريق إلى استكشاف الحرمة شرعا إلّا قاعدة الملازمة بين حكم العقل و بين حكم الشرع التي هي برهان لمّي لاستكشاف الخطاب الشرعي، إذ القبح الذي حكم العقل به يكون علة لحكم الشارع لتبعية الأحكام على مذهب العدلية للمصالح و المفاسد، كما أنّ أمر الشارع بشي‏ء أو نهيه عنه يكون برهانا إنّيا على وجود المصلحة و المفسدة، خلافا لمن ينكر أصل الحسن و القبح و لمن يلتزم بهما و لكن يعزل العقل عن ادراكهما، إذ بناء على هذين القولين لا مجال لقاعدة الملازمة كما هو واضح.

و بالجملة فاستكشاف حرمة التجري أعني الطغيان و التمرد على المولى أو حرمة الفعل المتجرى به أو القبح الفاعلي شرعا (1) منوط بقاعدة الملازمة التي‏

____________

(1) أقول: إنّه بعد تسليم قاعدة الملازمة لا مجال لاستكشاف الخطاب الشرعي بهذه القاعدة في القبح الفاعلي، حيث إنّ مورد القاعدة هو ما يكون متعلقا للحكم الشرعي و ليس ذلك إلّا الأفعال و كون الفاعل قبيحا غير مرتبط بالفعل الذي هو متعلق حكم الشارع، و دعوى الملازمة بين قبح الفعل و بين قبح الفاعل غير مسموعة.

67

استدلوا عليها بجملة من الآيات، كالآية (1) الدالة على تحريم الخبائث و تحليل الطيبات و كالآية (2) الدالة على أنّه تعالى يأمر بالعدل و الإحسان و ينهى عن الفحشاء و المنكر، و غيرهما من الآيات الدالة على أنّ القبيح و الظلم منهي عنهما و العدل مأمور به.

و الحاصل أنّ هذه الجهة مركبة من جهتين: إحداهما كلامية و هي كون التجري من العناوين المغيرة و الموجبة للقبح. ثانيتهما: اصولية و هي استكشاف الخطاب بقاعدة الملازمة.

[توقف استكشاف حرمة التجري شرعا على قاعدة الملازمة]

و لكن الحقّ عدم تمامية قاعدة الملازمة و الوجوه التي استدلوا بها عليها قاصرة، إذ لا يستفاد منها إلّا كون الأمر متعلقا بالحسن و النهي متعلقا بالقبح، و أما كون كلّ حسن و قبيح متعلقا للأمر و النهي فلا يستفاد منها أصلا، إذ الجعل الشرعي منوط بالمصلحة و المفسدة مع عدم وجود مزاحمات و موانع للجعل، و العقل لا يدرك إلّا المصلحة أو المفسدة في الجملة، لعدم إحاطته بالجهات من المزاحمات و الموانع، و لعل نظر صاحب الفصول‏ (3) في كون قاعدة الملازمة ظاهرية لا واقعية إلى ما ذكرناه من قصور العقل عن الإحاطة بجميع الجهات و إلّا تكون القاعدة حينئذ واقعية، فمراده أن العقل لو أدرك المصلحة في الجملة يحكم بترتب حكم الشرع على ما أدركه العقل في مرحلة الظاهر لعدم الإحاطة بالجهات الواقعية. و كيف كان فاستكشاف الخطاب الشرعي بحرمة التجري منوط بقاعدة الملازمة.

و الحقّ عدم تماميتها لما عرفت، و مجرد القبح العقلي لا يكفي في استحقاق العقوبة، فلا يقاس قبح التجري بقبح التشريع في إيجابه استحقاق العقوبة، ضرورة

____________

(1) الأعراف: 157.

(2) النحل: 90.

(3) الفصول/ 431- 432.

68

ثبوت حرمة التشريع بالأمارات و الروايات كما سيأتي في مبحث الظن إن شاء اللّه تعالى بخلاف حرمة التجري فإنّها لم تثبت. فعنوان التجري و إن كان من الوجوه المغيرة و الموجبة للقبح إلّا أنّه ما لم يكن هناك حرمة شرعية لا يترتب عليه العقاب.

لا يقال: إنّ قبح المعصية عقلي و لا يستلزم حكما شرعيا، و مع ذلك يكون موجبا لاستحقاق العقاب.

فإنّه يقال: إنّ استحقاق العقاب هناك لأجل مخالفة الخطاب الشرعي و في المقام لا يوجد خطاب شرعي لعدم تمامية قاعدة الملازمة.

فصار المتحصل ممّا ذكرنا أنّ الجهة الكلامية التي أفادها المحقق الخراساني (قدّس سرّه)(1) من كون التمرد قبيحا لا تجدي في ترتب استحقاق العقوبة على مخالفة القطع غير المصادف، لأنّ مجرد قبح التمرد ما لم يكن حراما شرعا لا يستلزم استحقاق العقاب و قد عرفت توقف استكشاف الحرمة على قاعدة الملازمة التي قد مرّ عدم تماميتها.

و كذا لا تجدي الجهة الاصولية التي أفادها الميرزا الكبير الشيرازي (قدّس سرّه)(2) لما عرفت من عدم تماميتها، و كذا استكشاف الحرمة الشرعية بقاعدة الملازمة لما عرفت أيضا.

[الجهة الفقهية المستنتجة من الجهتين الكلامية و الاصولية من جهات التجري‏]

إذا ثبت عدم تمامية الجهات المتقدمة لإثبات استحقاق العقوبة فالاولى عطف عنان الكلام إلى الجهة الفقهية، و لا يخفى أنّ التجري و إن كان قبيحا بنفسه و من حيث الفاعل و الفعل إلّا أنّ مجرد القبح بدون الحرمة الشرعية لا يوجب استحقاق العقوبة الذي هو محلّ البحث، و قاعدة الملازمة بعد تسليم تماميتها لا تثبت حرمة التجري شرعا، لما تقرّر في محلّه من كون مورد قاعدة الملازمة الحسن و القبح الواقعين في سلسلة علل الأحكام و ملاكاتها دون ما يقع في سلسلة معلولاتها كالإطاعة

____________

(1) كفاية الاصول/ 259.

(2) تقريرات آية اللّه المجدد الشيرازي 3/ 283.

69

و العصيان، فإنّ قبح العصيان و حسن الإطاعة مترتبان على الحكم الشرعي، فإنّ العقل يدرك حسن موافقة الحكم الشرعي و قبح مخالفته، و مثل هذا الحسن و القبح لا يستتبع الحكم المولوي الذي هو المستكشف بقاعدة الملازمة، لأنّ ذلك يستلزم التسلسل الباطل على التفصيل المحرّر في محلّه من عدم قابلية الإطاعة و العصيان للحكم المولوي، و التجري يكون كالعصيان في كونه واقعا في سلسلة معلولات الأحكام فيستحيل أن يكون حراما شرعا كاستحالة حرمة العصيان كذلك، فالتجري قبيح عقلا من دون أن يكون حراما شرعا، بخلاف التشريع فإنّه قبيح عقلا و حرام شرعا لكون قبح التشريع واقعا في سلسلة علل الأحكام لا معلولاتها، فلا يقاس التجري بالتشريع.

فإن قلت: إنّ لازم ما ذكرت من استحالة استكشاف خطاب مولوي بقاعدة الملازمة متعلق بالعصيان عدم استحقاق العقاب في صورة العصيان أيضا، إذ المفروض عدم حرمته شرعا حتى يترتب عليه استحقاق العقوبة فيكون حال العصيان حال التجري في عدم ترتب العقوبة عليه و هو كما ترى.

قلت: إنّ استحقاق العقوبة في العصيان إنّما هو على ترك موافقة خطاب الشارع، مثلا إذا وجبت الصلاة و خالف العبد هذا الوجوب يكون استحقاق العقوبة مترتبا على مخالفة وجوب الصلاة لا على نفس العصيان القبيح حتى يقال: إنّ العصيان و إن كان قبيحا عقلا لكنه ليس بحرام شرعا حتى يوجب استحقاق العقاب.

فإن قلت: أنّ العقاب في صورة العصيان لا يكون إلّا على أمر غير اختياري، ضرورة اشتراك من صادف قطعه الواقع و من لم يصادف قطعه الواقع في إرادة مخالفة التكليف و إيجاد الحرام مثلا، و المصادفة و عدمها ليستا تحت القدرة فترتب العقاب على المصادفة التي هي غير مقدورة قبيح.

و الحاصل أنّ التفاوت بين القطع المصادف و بين غير المصادف ليس إلّا في‏

70

المصادفة و عدمها و هما غير مقدورين، و العقاب على غير المقدور قبيح عقلا كما لا يخفى.

قلت: إنّ العقاب في صورة العصيان يكون لأجل المخالفة عن عمد. و ليس في مورد التجرى مخالفة عن عمد، توضيحه: أنّ الفعل لا يخلو إما أن يكون إراديا و إما أن يكون غير إرادي، أما الثاني فمثل كسر الإناء في حال النوم فإنّه فعل للنائم و لكنه ليس بإرادي، و أما الأوّل فهو على قسمين:

الأوّل: أن يريد الفاعل نفس الفعل من دون قصد عنوانه القصدي المتقوم بالقصد، كما إذا أراد غسل وجهه و يديه مثلا أو تمام بدنه من دون قصد الوضوء أو الغسل، فإنّه يتحقق منه الغسل بالفتح من دون تحقق عنوان الوضوء و الغسل و كالإتيان برباعية من دون قصد الظهرية و العصرية مثلا.

الثاني: أن يريد كلّا من الفعل و العنوان كما في القتل العمدي، إذ القاتل يريد بالآلة القتالة عادة القتل و يقصد إيقاع الفعل على زيد فإذا ضرب رأس زيد بالسيف كان القتل عمديا لإرادة كلّ من الفعل و المقتول، و أما إذا أراد بالفعل المترتب عليه القتل عادة قتل غنم فقتل زيد تصادفا مثلا، يكون هذا القتل شبه العمد لأنّه و إن أراد نفس القتل إلّا أنّه لم يقصد قتل زيد، فلا يكون من القتل العمدي، فالعمد يكون بالنسبة إلى العنوان القصدي، و في المقام يكون القاطع الذي لا يكون قطعه مصادفا مريدا لنفس الفعل كالشرب من دون قصد لعنوان الفعل و هو شرب الماء، إذ المفروض أنّه قصد شرب الخمر لا شرب الماء فيكون غير متعمد في شرب الماء إذ يقصد شرب الماء بل قصد شرب الخمر، كمن يقصد بالآلة القتالة قتل زيد ثمّ تبيّن أنّه عمرو، فإنّه حينئذ لا يكون قتل عمرو عمديا لعدم قصده قتله بل قتل زيد.

و الحاصل أنّ المعصية تحتاج إلى إرادة نفس الفعل و قصد عنوانه الواقعي و مع عدم تحقق قصد العنوان لا يتحقق العصيان.

71

[الجهة الفقهية المستندة الى الأخبار التي استدل بها على حرمة التجري‏]

في كون التجري حراما شرعيا موجبا لاستحقاق العقوبة من جهة الأخبار فإنّ الروايات الواردة في المقام على طوائف.

إحداها: ما تدلّ‏ (1) على العفو عن قصد المعصية كما في الوسائل فإنّه ذكر أخبار العفو في جملة من الأبواب المتفرقة، و إن كان يعارض هذا المضمون بما دلّ من الأخبار على ترتب العقاب على القصد مثل ما دلّ‏ (2) على أنّ الراضي بعمل قوم كالداخل فيه معهم، و ما ورد (3) في تعليل خلود أهل النار في النار و أهل الجنة في الجنة من عزم كلّ من الطائفتين على إبقاء ما كان عليه من الطاعة و المعصية على تقدير خلودهم في الدنيا، فخلودهم في النار لأجل هذا القصد. و ما ورد في كون القاتل و المقتول المسلمين الملتقيين بالسيف في النار من تعليل ابتلاء المقتول بالنار بقوله (صلّى اللّه عليه و آله)(4): لأنّه أراد قتل صاحبه. و ما ورد (5) في أنّ نيّة الكافر شر من عمله، و ما ورد (6) في أنّ الناس يحشرون على نياتهم، إلى غير ذلك ممّا يكون بهذا المضمون تقريبا.

و قد جمع بين ما دلّ على العفو عن القصد و بين ما دلّ على عدمه بحمل الأول على القصد المجرد عن الفعل و الثاني على القصد المقرون بالفعل.

[كلام الميرزا النائيني (قدّس سرّه) في عدم استحقاق المتجري للعقاب‏]

لكن اعتراض الميرزا النائيني (قدّس سرّه) على هذا الجمع بأنّه من الجمع الذي لا شاهد له فلا عبرة به لكونه تبرعيا أو تورعيا.

لكن الانصاف عدم كون هذا الجمع تبرعيا حتى يحتاج إلى الشاهد، و ذلك لأنّ مورد أخبار عدم العفو هو صدور الفعل الجوارحي جريا على نيّة المعصية كالأفعال الصادرة من الكفار المخالدين في النار، و من الراضي بعمل قوم فإنّ الظاهر

____________

(1) وسائل الشيعة 1/ 55، الحديث 113.

(2) وسائل الشيعة 16/ 141، الحديث 21188.

(3) وسائل الشيعة 1/ 50، الحديث 96.

(4) وسائل الشيعة 15/ 148، الحديث 20184.

(5) وسائل الشيعة 1/ 50، الحديث 95.

(6) وسائل الشيعة 1/ 48، الحديث 87.

72

كون هذه الطائفة الدالة على كون الراضي بعمل كفاعله في العقاب واردة في بني امية و أعداء أهل البيت (صلوات اللّه عليهم أجمعين)، و من المعلوم أنهم (لعنهم اللّه) كانوا مرتكبين لأفعال على طبق رضاهم بما فعله آباؤهم (لعنهم اللّه) من قتل أهل البيت (عليهم السّلام) و سبيهم و نهب أموالهم و غصب حقوقهم، لأنهم كانوا في أيام عاشوراء عاملين بوظائف العيد، و لا أقل من إظهار نفس الرضا و هذا أيضا فعل من الأفعال، و كذا في التقاء المسلمين بالسيف. و حينئذ فلا يكون حمل هذه الأخبار على النيّة المقرونة بالفعل جمعا تبرعيا بل عرفيا (1).

فتلخص من البحث أنّ الميرزا النائيني (قدّس سرّه) لا يلتزم باستحقاق المتجري للعقاب لعدم تمامية الجهة الكلامية المذكورة، و لا الاصولية لعدم تمامية قاعدة الملازمة حتى تثبت حرمة الفعل المتجرى به ليترتب عليها استحقاق العقوبة، بل لا يترتب على التجري إلّا الذم و اللوم لكشفه عن سوء السريرة و خبث الطينة و أما العقاب فلا، إذ لم يصدر من المتجري إلّا فعل مباح، و كذا الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) فإنّه لم يلتزم باستحقاق العقاب على التجري بل الذم و اللوم على سوء سريرة المتجري و بعد عدم تمامية الجهات المذكورة الموجبة لاستحقاق العقاب على التجري تشبثوا بالأخبار لإثبات الحرمة التي هي الجهة الفقهية.

[الإشارة إلى مضامين الأخبار]

و ملخص الاستدلال بتلك الأخبار أنّ ترتب العقاب على نيّة السوء كاشف عن‏

____________

(1) أقول: الظاهر متانة ما أفاده الميرزا النائيني (قدّس سرّه) من كون الجمع المزبور تبرعيا لأنّ قوله (عليه السّلام) «إنّما يحشر الناس على نيّاتهم» ظاهر في نفس النيّة من حيث هي هي دون دخل الفعل فإطلاقه محكم، و كذا إطلاق الرضا بعمل قوم فإنّه أعم من صدور فعل على طبقه و عدمه و وروده في مورد الاقتران بالعمل الخارجي لا يكون دليلا على التقييد بالفعل، و عليه فحمل الأخبار الدالة على عدم العفو على تحقق الفعل الخارجي و الدالة على العفو على عدم صدور الفعل الخارجي يكون من الجمع التبرعي غير المعتبر، و لا بدّ من الفحص و التأمل في الجمع بين الأخبار، و لكن سيدنا الاستاذ مد ظله صحّح الجمع المزبور بما عرفت و بنى على تمامية الأخبار و أن مقتضاها حرمة التجري و ترتب استحقاق العقاب عليه و إن كان معفوا عنها بمقتضى الطائفة الاولى إذ الكلام في الاستحقاق لا الفعلية.

73

الحرمة، فالتجري حرام لترتب العقوبة عليه بمقتضى ما دلّ على استحقاق العقوبة على نيّة السوء و لا بأس بالإشارة إلى مضامين تلك الأخبار فنقول: إنّ منها ما يدلّ على كون نيّة المؤمن خير من عمله، و نية الكافر شر من عمله.

و منها: ما يدلّ على كون الرضا بعمل قوم كالدخول معهم في العمل في الثواب و العقاب.

و منها: ما يدلّ على أنّ نيّة السوء لا تكتب و أنّها معفو عنها.

و منها: ما يدلّ على أنّ المدار في الثواب و العقاب على النيات.

و منها: ما يدلّ على كون القاتل و المقتول من المسلمين الملتقيين بالسيف في النار معللا بأنّ المقتول أراد قتل صاحبه، فإنّ المستفاد منه كون إرادة السوء ممّا يترتب عليه العقاب.

أما ما دلّ على أنّ نيّة المؤمن خير من عمله، فظاهره الإخبار عن كون منويّ المؤمن أحسن من عمله لأنّه يريد أن يأتي بالفعل جامعا لشرائط الصحة و القبول و لا يتفق له ذلك في الخارج فالعمل الخارجي الصادر من المؤمن لا ينطبق على منويّه غالبا، كما أنّ منوى الكافر لا يطابقه العمل الخارجي، و هذا المعنى أجنبي عن مفروض البحث إذ لا يثبت هذا المعنى استحقاق العقاب على النيّة كما لا يخفى، و بعض الأخبار الواردة بهذا المضمون قد ورد في مورد عمل الفاسق و نية المؤمن، فإنّ فاسقا بنى مسجدا ضرارا و نوى مؤمن بناء مسجد أيضا ففي هذا المورد ورد أنّ نيّة هذا المؤمن خير من عمل ذلك الفاسق، و هذا المعنى أيضا غير مرتبط بما نحن فيه فالاستدلال بهذا القسم من الروايات على حرمة التجري في غير محلّه.

و أما ما ورد من أنّ الرضا بعمل قوم كالدخول معهم في الثواب و العقاب.

ففيه: أنّ الرضا غير النيّة، حيث إنّ الرضا عبارة عن السرور و الابتهاج الحاصل بعمل شخص و من المعلوم أنّ هذا فعل خارجي غير النيّة المجردة عن الفعل‏

74

الجوارحي.

و كذا ما دلّ على كون القاتل و المقتول في النار، فإنّ مورده العمل الخارجي و هو أنّ المقتول شهر سيفه ليقتل صاحبه دون النيّة المجردة عن العمل، فيمكن أن تكون الإرادة مع الفعل الخارجي علة لترتب استحقاق العقوبة دون النيّة الصرفة.

و كذا ما دلّ على ترتب استحقاق العقاب على النيّة و الهمّ بها، إذ الظاهر أنّ الهمّ بها عبارة عن الجري عملا على طبق النيّة و لو بإيجاد بعض معدات المنوي فتكون النيّة مقرونة بالفعل.

و أما ما دلّ على ترتب العقاب على النيّة و ما دلّ على العفو عنه، فالجمع بينهما بأنّ الخطرات القلبية ممّا يحسن العقاب عليها كما يظهر من بعض الأدعية المأثورة من منابع العلم و الحكمة و العصمة (صلوات اللّه عليهم أجمعين)، غايته أنّه ورد الوعد بالعفو عنها فاستحقاق العقوبة إنّما هو على الخطورات القلبية و لو مع عدم الجري على طبقها.

و لا يرد على ذلك بأنّ استحقاق العقاب على الخطورات القلبية قبيح، لأنّه يمكن أن يصل العبد بالمجاهدات و الرياضات النفسانية إلى درجة لا يخطر بباله ارتكاب المعصية، و إن كانت تلك الرياضات شاقة، لكنها ليست خارجة عن القدرة و الاختيار حتى يقبح العقاب عليها.

و بالجملة فلا بأس بالالتزام باستحقاق العقوبة على نيّة السوء كما هو مضمون جملة من الأخبار، غايته أنّه ورد العفو عنها إلّا أنّه لا يثبت الحرمة الشرعية كما هو المطلوب من عقد الجهة الفقهية، لما تقدم سابقا من عدم قابلية المورد للخطاب المولوي، ضرورة وقوع قبح التجري في سلسلة معلولات الأحكام لا ملاكاتها فتكون الروايات الواردة في ترتب استحقاق العقوبة على نيّة السوء إرشادا إلى حكم العقل بالاستحقاق المزبور من دون دلالتها على الحرمة الشرعية، فلا تدلّ تلك‏

75

الروايات على الجهة الفقهية أي حرمة التجري أصلا.

فتلخص من جميع ما ذكرنا: أنّ المختار في التجري هو استحقاق العقوبة لهتك المولى، و عدم حفظ مقام المولى الذي هو المناط في استحقاق العقاب في المعصية الحقيقية، دون مخالفة الواقع بما هي مخالفة لتحقق المخالفة أحيانا و عدم استحقاق العقوبة عليها، كما في ارتكاب الشبهة الحكمية التحريمية و الوجوبية بعد الفحص و الشبهات الموضوعية، و استحقاق العقاب على مخالفة الواقع في الشبهات الحكمية قبل الفحص إنّما هو بهذا الملاك أيضا أعني عدم حفظ مقام المولى و هتك حرمته، و ليس استحقاق العقاب على التجري لأجل حرمته شرعا كما ادّعي ذلك من ناحية الجهة الاصولية بالتقريب الذي نسب إلى الميرزا الكبير الشيرازي (قدّس سرّه)(1) و بقاعدة الملازمة، و من ناحية الجهة الفقهية التي استدلّ عليها بالأخبار التي تقدمت الإشارة إليها و بالإجماع على استحقاق العقاب في موردين:

أولهما: من ظنّ ضيق الوقت و أخّر الصلاة ثمّ تبيّن سعة الوقت فإنّ الإجماع على استحقاق العقوبة بالتأخير يكشف عن حرمة التجري.

ثانيهما: من سلك طريقا ظن الضرر فيها، فإنّ الإجماع قد ادّعي أيضا على العصيان و وجوب الإتمام عليه لكون سفره معصية و لو انكشف عدم الضرر، و هذا الإجماع كاشف أيضا عن حرمة التجري و إلّا فلا وجه للعصيان، و ذلك لما عرفت سابقا من عدم تمامية الجهة الاصولية لا بالوجه المنسوب إلى الميرزا الكبير الشيرازي (قدّس سرّه) و لا باستكشاف الحرمة بقاعدة الملازمة.

و أما الإجماع فلا مسرح له في الأحكام العقلية المستقلة الواقعة في سلسلة معلولات الأحكام كالتجري، فإنّ قبحه لأجل كونه مخالف لحرمة المولى و حكمه،

____________

(1) تقريرات آية اللّه المجدد الشيرازي 3/ 283.

76

فقبحه واقع في سلسلة المعلولات لتأخره عن الحكم لأنّ عنوان مخالفة الحكم كالعلم به و اطاعته متأخر عن نفس الحكم و لا يمكن أن يكون ملاكا و داعيا للحكم كما لا يخفى.

فالمتحصل أنّ التجري قبيح عقلا كقبح العصيان و حسن الإطاعة و الانقياد، و العقاب يترتب على التجري و الهتك دون مخالفة الواقع، و ليس العقاب لأجل حرمة التجري، فالحقّ عدم حرمة التجري شرعا و إن كان موجبا لاستحقاق العقوبة، فالجهة الكلامية و هي ترتب العقاب على هتك حرمة المولى تامة لا إشكال فيها و سائر الجهات المعقودة في التجري لإثبات حرمته مخدوشة كما عرفت.

تذنيب: [تفصيل صاحب الفصول (قدّس سرّه) في التجري‏]

لا يخفى أنّ ما ذكرناه من استحقاق العقاب على مخالفة القطع غير المصادف يجري في الأمارة المعتبرة و كلّ حجة عقلية أو شرعية، فإنّ مخالفتها مع عدم إصابتها للواقع كمخالفة العلم غير المصادف من دون تفاوت بينهما أصلا، هذا على مبنى الطريقية في الأمارات، و بناء على الموضوعية فالأمر أوضح لكون مخالفة الأمارة حينئذ مخالفة للواقع حقيقة فتندرج في المعصية الحقيقية كما لا يخفى.

بقي الكلام في ما أفاده صاحب الفصول (قدّس سرّه)(1): من أنّ قبح التجري يختلف بالوجوه و الاعتبارات، فربما يطرأ عليه ما يخرجه عن القبح كما إذا أتى بالفعل الذي اعتقد بحرمته ثمّ تبيّن أنّه من أعظم الواجبات، كالاعتقاد بكون غريق كافرا حربيا يحرم إنقاذه فتجرى و أنقذه ثمّ ظهر أنّه نبى أو وصي نبى يحفظ به بيضة الإسلام، فإنّ التجري في هذه الصورة يخرج عن القبح لمزاحمة الواجب المهم له و يصير حسنا، و ربما يطرأ عليه ما يوجب خفة قبحه كما هو الحال في العناوين الثانوية الطارئة على‏

____________

(1) الفصول/ 87 و 431- 432.

77

العناوين الأولية، إذ العنوان الثانوي يخرج العنوان الأولي عمّا كان عليه من المصلحة أو المفسدة، و إذا طرأ عليه عنوان قبيح أوجب شدة قبحه كما إذا صادف الواقع، مثلا إذا اعتقد كون المائع خمرا فشربه تجريا على المولى و ظهر كونه خمرا واقعا، فالتجري الحقيقية يشتد قبحه حينئذ لمصادفته للمعصية لكن يتداخل عقابه، هذا محصل مرام الفصول.

و فيه: أنّ اختلاف الحسن و القبح بالوجوه و الاعتبار و إن كان متينا في الجملة، و لذا قد يتصف فعل واحد بالأحكام الخمسة للوجوه و الاعتبارات، لكن مورده مختص بالأفعال المتعلقة للأحكام المولوية دون مثل الإطاعة و العصيان و الانقياد و التجري، فإنّ الحسن و القبح في هذه الامور ذاتيان و ليسا بالوجوه و الاعتبار فإنّ الإطاعة و الانقياد بنفسهما علة للحسن كعلية العصيان و التجري للقبح.

و بالجملة فاختلاف الحسن و القبح بالوجوه و الاعتبارات يكون مورده متعلقات التكاليف لا باب الإطاعة و الانقياد و التجري و العصيان، فإنّ حسن الإطاعة و الانقياد و قبح المعصية و التجري ليس بالوجوه و الاعتبار كما عرفت، و لعل مقصود صاحب الفصول هو أنّ الفعل المتجرى به إذا كان واقعا محكوما بالوجوب فمن جهة التجري يكون قبيحا و من جهة اشتماله على المصلحة الداعية إلى الوجوب يكون حسنا، و إلّا فقبح التجري لا يكون بالاعتبار حتى يطرأ عليه ما يرفع قبحه أو يوجب خفته.

و لكن يقع الكلام في عدم تأكد قبح التجري إذا صادف القبح من جهة اخرى، و كذا لا يقع الكسر و الانكسار بين قبح الفعل للتجري و بين حسنه من جهة اخرى، ضرورة عدم كون الحسن و القبح في رتبة واحدة، لأنّ قبح التجري في طول المصلحة فإنّ مركب المصلحة هو الفعل بذاته و عنوانه و هو الداعي إلى جعل الحكم المولوي، و مركب القبح هو الفعل بعنوان كونه مخالفة للتكليف، فالحسن يكون في رتبة علة

78

الحكم و القبح في رتبة معلوله، و مع هذه الطولية كيف يقع الكسر و الانكسار بينهما فإنّ موردهما هو وحدة رتبة متعلقي الحسن و القبح، و كذا ما أفاده من تداخل العقاب إذا صادف المعصية الحقيقية ليس على ما ينبغي، إذ التجري إن كان سببا مستقلا لاستحقاق العقوبة و كذا مخالفة الواقع فيكون هناك سببان مستقلّان لاستحقاق العقاب و لا وجه للتداخل المراد به وحدة العقاب، هذا كلّه مضافا إلى عدم تصور اجتماع التجري و المعصية الحقيقية لتقوم التجري بمخالفة القطع للواقع و قوام العصيان بالموافقة فهما في طرفي النقيض.

و توجيهه بانطباق عنوان محرم آخر- غير ما قطع به- على ما علم بحرمته كما إذا اعتقد بخمرية مائع فشربه ثمّ ظهر كونه ماء مغصوبا مثلا، غير وجيه لأنّ صدق المعصية على شرب هذا المائع من حيث غصبيته منوط بكفاية العلم بجنس الإلزام في تنجيز التكليف و هو محلّ البحث و الكلام.

و لا بأس بالإشارة إلى أمرين: أولهما: أنّ التجري المبحوث عنه في المقام هو:

مخالفة القطع بحكم إلزامي مع عدم إصابته و كون ما قطع بحرمته مثلا مباحا واقعا فقصد المعصية الحقيقية، و الاهتمام بها و إيجاد بعض مقدماتها و عدم تحقق تلك المعصية لمانع منعه عن صدورها خارج عن محلّ البحث، فإذا سافر لسرقة مال زيد مثلا و بعد وصوله إلى المقصد منعه زاجر من الشرطة و غيرها عن السرقة يكون أجنبيا عن مسألة التجري المبحوث عنه في المقام، نعم إذا سافر لسرقة مال معيّن باعتقاد كونه مال زيد و لكن كان ذلك المال واقعا ملكا له لا لزيد يكون ممّا نحن فيه.

إذا عرفت كون التجري المبحوث عنه هو مخالفة القطع غير المصادف، و أنّه غير إيجاد مقدمات المعصية الحقيقية تعرف أنّ الاستدلال بما دلّ على كون المسلمين الملتقيين بالسيف في النار على حرمة التجري شرعا غير تام، لأنّ المقتول أراد قتل صاحبه أيضا مع كونه محقون الدم فأراد قتله بالآلة القتالة و أوجد بعض مقدمات‏

79

القتل، غايته أنّه لم تنته المقدمات إلى القتل، فالخبر وارد في المعصية الحقيقية دون التجري، و لا وجه للتشبث به على حرمة التجري.

نعم ما دلّ من الروايات على ترتب استحقاق العقوبة على نيّة السوء يكون مرتبطا بالتجري لعدم انفكاكه عن نيّة السوء، و لا يعارضه ما دلّ من الأخبار على العفو عن نيّة السوء، ضرورة أنّ العفو يدلّ على الاستحقاق لا أنّه يدلّ على عدم الاستحقاق حتى يقع التعارض، غاية الأمر أنّ استحقاق العقوبة على نيّة السوء ممّا وعد عليه بالعفو و لا يصير هذا الاستحقاق فعليا، فالجمع بين ما دلّ على العفو و عدم كتابة نيّة السوء و بين ما دلّ على ترتب استحقاق العقوبة على نيّة السوء في غاية السهولة، و لا وجه لحمل ما دلّ على الاستحقاق على النيّة المقرونة بالفعل و ما دلّ على العفو عن النيّة المجردة لكونه بلا شاهد، بل مورد الأخبار هو النيّة المجردة و أنّها يترتب عليها الاستحقاق مع العفو.

[الفرق بين التجري و بين نية المعصية مع وجود مانع من تحققها]

و لكن الكلام في التجري إنّما هو في القصد مع إيجاد الفعل لا النيّة المجردة، و قد عرفت أنّ مورد أخبار نيّة السوء هو النيّة فقط مع الوعد على العفو عنها، و أما النيّة مع الإظهار كما هو المقصود في المقام فهي غير مورد تلك الأخبار. نعم تدلّ عليه بالأولوية لأنّ النيّة المجردة عن الفعل الخارجي إذا كانت موجبة لاستحقاق العقوبة فكون النيّة مع الإظهار سببا للاستحقاق بطريق أولى، لكن قد تقدم سابقا عدم قابلية المورد للحكم المولوي، فدلالة الأخبار بالفحوى على ترتب استحقاق العقوبة على التجري لا تستلزم كون التجري حراما شرعيا حتى يكون التجري مندرجا في المسألة الفقهية، بل الأخبار حينئذ تكون إرشادا إلى حكم العقل بكون هتك المولى و الجرأة عليه موجبا لاستحقاق العقاب، فلو تمت قاعدة الملازمة في نفسها لا يمكن استكشاف حرمة التجري بها لعدم كونه من صغرياتها، لأنّ موردها الحسن و القبح الواقعان في سلسلة علل الأحكام لا معلولاتها، و من المعلوم أنّ التجري واقع في‏

80

سلسلة المعلولات فليس موردا لقاعدة الملازمة.

و الحاصل أنّ شيئا من جهتي الاصولية و الفقهية لا يتم في التجري لما تقدم مفصلا، و الجهة التي ينبغي الاعتماد عليها هي الجهة الكلامية و هي كون القطع غير المصادف كالمصادف موضوعا في نظر العقل لاستحقاق العقوبة على المخالفة، و أنّ المدار في الاستحقاق المزبور هو التمرد و التجري على المولى، فمناط الاستحقاق المزبور في كلّ من المعصية الحقيقية و التجري واحد و ليس المناط الاستحقاق في المعصية مخالفة الواقع من حيث هي، لترخيص المولى في ترك الواقع أحيانا بل المناط التمرد و الطغيان.

و بالجملة فلا فرق في استحقاق العقوبة بين التجري و بين المعصية الحقيقية لوحدة المناط فيهما، نعم في النيّة المجردة عن الإظهار ثبت العفو مع الاستحقاق لما عرفت من كونه مقتضى الجمع بين أخبار نيّة السوء.

[التمسك بالإجماع على حرمة التجري في موردين‏]

ثانيهما: أنّه استدلّ على حرمة التجري شرعا بالإجماع المدّعى و ذلك في موردين:

الأوّل: في ظن ضيق الوقت إذا أخر عمدا و لم يعمل على طبق ظنه فإنّه ادّعي الإجماع على كونه عاصيا و إن تبيّن كون الوقت واسعا، كما هو المفروض في التجري و التعبير بالظن من باب المثال فالعلم بالضيق أولى و العصيان يكشف عن حرمة التجري شرعا.

الثاني: في سلوك الطريق المظنون الخطر، فإنّه قد ادّعي الإجماع على العصيان و وجوب الإتمام لكون هذا السفر سفر معصية و إن انكشف عدم الضرر واقعا.

و لكن الميرزا النائيني (قدّس سرّه) ردّ هذا الإجماع بعدم كون مورده مرتبطا بالتجري فلا وجه للتمسك به على حرمة التجري.

توضيحه: أنّ الخوف اخذ موضوعا لوجوب المبادرة نفسيا في ظن ضيق‏

81

الوقت و الخوف حاصل بالظن بالضيق، فترك المبادرة يكون عصيانا حقيقيا لكونه مخالفة للوجوب النفسي و ليس من باب التجري أصلا، و كذا الظن بالضرر فإنّ الضرر الاخروي و هو العقاب و إن استقل العقل به إلّا أنّ حكمه بلزوم دفعه لا يستتبع الحكم المولوي لكونه واقعا في سلسلة المعلولات، و أما الضرر الدنيوي كما هو المفروض في المثال و هو سلوك الطريق المظنون الخطر، فحكم العقل بلزوم دفعه في صور العلم و الظن و الشك يكون بمناط واحد و هو قبح الإقدام على ما لا يؤمن من الوقوع في الضرر، و ليس حكمه في جميع هذه الصور إلّا نفسيا لا طريقيا نظير قبح التشريع، فإنّ حكم العقل بقبح إسناد شي‏ء إلى المولى في صورة العلم بعدم كونه من المولى و الظن به و الشك فيه يكون بمناط واحد، كما يستفاد أيضا ممّا ورد (1) في كون القاضي بالحقّ مع عدم علمه بكونه حقا في النار، و ليس في هذا الحكم العقلي انكشاف الخلاف حتى يكون من باب التجري.

و لكن لا يمكن المساعدة على تمام ما أفاده، إذ الخوف لم يؤخذ موضوعا في وجوب المبادرة إلى الصلاة أو قضاء صوم شهر رمضان، بل المدار على ضيق الوقت واقعا فوجوب المبادرة مترتب عليه لا على خوف الفوت الناشئ من الظن بالضيق.

نعم في بعض الموارد اخذ الخوف موضوعا للحكم كجواز الإفطار لمن خاف على عينه الرمد، و لكن في مسألة وجوب المبادرة إلى الصلاة أو قضاء الصوم لم يؤخذ الخوف موضوعا فيهما فيكون الخوف طريقا محضا إلى الموضوع و هو الضيق الواقعي فينطبق على التجري، و يصح التمسك بالإجماع المدّعى على العصيان بالتأخير مع ظن ضيق الوقت على حرمة التجري. فالأولى في ردّ الإجماع أن يقال: بأنّ المحصل منه غير حاصل و المنقول منه غير معتبر، و على تقديره يحتمل قويا أن يكون مدركيا، و مع‏

____________

(1) وسائل الشيعة 27/ 22، الحديث 33105.

82

هذا الاحتمال ليس هنا إجماع قطعي تعبدي كاشف عن فعل المعصوم أو تقريره أو رواية معتبرة لو وصلت إلينا لكانت معتبرة عندنا أيضا.

نعم ما أفاده الميرزا النائيني (قدّس سرّه) في المورد الثاني و هو الظن بالضرر تام، لما عرفت من وحدة ملاك حكم العقل في جميع صور الضرر الدنيوي من العلم و الظن و الشك فيه، و لذا يكون حكم العقل بقبح التصرف في الأموال في صورة علمه بعدم كونها ملكا له و في صورة احتمال كونها ملكا له و لغيره بمناط واحد و هو قبح التصرف فيما لا يؤمن منه من الضرر.

لكن الإشكال كلّه في تحقق الإجماع التعبدي الكاشف عن قول المعصوم (عليه السّلام) و اللّه تعالى هو العالم.

[إمعان النظر في كلام صاحب الفصول (قدّس سرّه)، و الرد عليه‏]

و لا بأس بإمعان النظر في كلام صاحب الفصول (قدّس سرّه)(1)- و إن اشتمل على شي‏ء من التكرار و التطويل، فنقول: إنّ ما أفاده صاحب الفصول مركب من دعاو ثلاث:

الاولى: أنّ قبح التجري يختلف بالوجوه و الاعتبار فيحتمل أن يكون مراده كون التجري بذاته مقتضيا للقبح كالكذب، إلّا أنّه قد يطرأ عليه ما يمنع هذا المقتضى عن الاقتضاء فيرفع قبحه بل يوجب حسنه، كما إذا اعتقد أنّ زيدا يجب قتله و تجرّى فلم يقتله ثمّ تبيّن أنّه كان سلمان الفارسي (رضوان اللّه عليه)، فإنّ حفظ سلمان يوجب حسن هذا الترك الناشئ من التجري فيصير مثل هذا التجري حسنا، و يحتمل أن يكون مراده كون الحسن و القبح مطلقا و في جميع الموارد بالوجوه و الاعتبار بأن لا يكون شي‏ء بذاته مقتضيا لحسن و لا قبح، بل لا يقتضي شيئا منهما و يتصف بالحسن أو القبح بالطوارئ و العوارض، فلاحظ كلامه و تدبر فيه.

الثانية: أنّ اتصاف فعل بالحسن أو القبح لا يتوقف على إحراز عنوانه، فمع‏

____________

(1) الفصول/ 87 التنبيه الرابع من مقدمة الواجب و/ 431 الفصل الأخير من الاجتهاد و التقليد.

83

عدم الالتفات إلى العنوان الموجب للحسن أو القبح يتصف بهما، إذ لو توقف الاتصاف بالحسن أو القبح على الالتفات إلى العنوان لم يتم ما أفاده في الفصول من ارتفاع قبح التجري أو خفته بطروّ عنوان على الفعل المتجرى به، مثلا ارتفاع قبح التجري على ترك قتل ما علم بوجوب قتله بسبب ظهور كونه نبيا، و أنّ هذا التجري صار سببا لنجاة نبي، منوط بعدم توقف اتصاف حسن هذا التجري على إحراز نجاة النبى إذ مع توقفه على إحراز هذا العنوان لا يرتفع قبح التجري كما هو واضح.

الثالثة: أنّ التجري إذا صادف المعصية الحقيقية يتداخل عقابهما فيتحد العقاب.

و الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه)(1) أبطل جميع هذه الدعاوى و أوضح الميرزا النائيني (قدّس سرّه) و نقح ما أفاده الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) ثمّ زاد عليه بيانا لتصوير مصادفة التجري للمعصية.

أما الدعوى الاولى: فيكذبها الوجدان، ضرورة أنّ قبح المعصية و التجري كحسن الطاعة و الانقياد ذاتي قطعا، فإنّ المعصية كالظلم مع حفظ عنوان المعصية لا يمكن أن تتصف بالحسن أصلا و ليس قبح التجري و المعصية كقبح الكذب، فجعل قبح التجري بالوجوه و الاعتبار ممّا لا شاهد له بل الشاهد على خلافه كما هو واضح من أن يخفى.

و أما الدعوى الثانية ففيها: أنّ المراد بالحسن و القبح إن كان ملاكات الأحكام و هي الخواص المترتبة على الأشياء فلا إشكال في صحة ما ذكره الفصول، بداهة عدم تبعية خواص الأشياء و هي المصالح و المفاسد للعلم و الجهل فإنّ خاصية الشي‏ء لا تتوقف على العلم بها كما هو ظاهر. و إن كان المراد بالحسن و القبح حكم العقل بحسن فعل أو قبحه فلا إشكال في تقوم حكم العقل بهما بالعلم بعنوان ذي مصلحة أو

____________

(1) فرائد الاصول/ 6.

84

ذي مفسدة. هذا محصل ما أفاده الميرزا النائيني (قدّس سرّه).

و قد يرد الاعتراض عليه بما حاصله: أنّ ما أفاده الميرزا النائيني (قدّس سرّه) من تقوم الحسن و القبح بالعلم متين بالنسبة إلى القبح الفاعلي بحيث يقال الفاعل حسن أو قبيح، فإنّ اتصاف الفاعل بكونه حسنا أو قبيحا منوط بإحرازه للعنوان الموجب للحسن أو القبح، و أما بالنسبة إلى القبح الفعلي و حسنه فلا يمكن المساعدة عليه، ضرورة أنّ اتصاف الفعل بالحسن و القبح منوط بالمصلحة أو المفسدة الثابتة فيه، فإنّ نجاة المؤمن من التلف حسن و إن لم يلتفت إليه المنجي. و لعل مراد الميرزا النائيني (قدّس سرّه) من تقوم حسن الفعل أو قبحه بإحرازه هو أنّ نجاة المؤمن الذي هو لازم التجري على ترك قتل من اعتقد بوجوب قتله و كان في الواقع محقون الدم ليست فعلا للمتجري، لأنّه لم يقصد حفظ المؤمن أصلا بل الحفظ هو بإرادته سبحانه و حفظه لا بفعل من المتجري، فلم يصدر منه فعل حتى يتصف بالحسن و ما لا يكون فعلا للعبد لا يتصف بحسن و لا قبح أصلا فلا بدّ من مزيد التدبر و التأمل.

و أما الدعوى الثالثة: فقد ردها الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه)(1) (بأنّه لا محصل لها)، و لعل غرضه (قدّس سرّه) من قوله (لا محصل لها) أنّ التجري متقوم بمخالفة القطع للواقع و المعصية متقومة بمطابقته للواقع، فالتجري و العصيان متناقضان فكيف يجتمعان حتى يتداخل عقابهما، فإنّ الحكم بتداخل العقاب متفرع على إمكان اجتماع العصيان و التجري، و قد عرفت عدم إمكانه و لذا قد وقع الميرزا النائيني (قدّس سرّه) في كلفة توجيه ذلك.

و حاصل ما أفاده في توجيهه: هو أنّ الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه)(2) ذكر في مباحث العلم الإجمالي في أول الرسالة منجزية العلم الإجمالي مطلقا و إن كان المعلوم إجمالا

____________

(1) فرائد الاصول/ 7.

(2) فرائد الاصول/ 22.

85

جنس الإلزام دون النوع، كما إذا علم إجمالا إما بوجوب الدعاء عند رؤية الهلال و إما بحرمة الدخول في السوق، فإنّ العلم الإجمالي حينئذ منجز و لا مجال معه لأصل البراءة أصلا، و في المقام يكون خطابان متعلقان بموضوعين علم بتحقق أحدهما دون الآخر، إذ العالم بكون مائع معيّن خمرا مع عدم كونه في الواقع إلّا ماء مغصوبا يكون عالما بحرمة هذا المائع الجامعة بين حرمة شرب الخمر و بين حرمة التصرف في مال الغير، و العلم بالجامع يكون منجزا و إن لم يعلم بالخصوصية من الغصبية و نحوها، فحينئذ إذا شرب ما قطع بخمريته مع كونه ماء واقعا فقد تجرى بالنسبة إلى خطاب شرب الخمر و عصى بالنسبة إلى الخطاب الآخر و هو حرمة التصرف في مال الغير و يعاقب بأقل العقابين، فإن كان عقاب التصرف في مال الغير عشرة أسواط مثلا و عقاب شرب الخمر عشرين سوطا يعاقب بعقاب حرمة التصرف في مال الغير، لأنّ المنجز هو العلم بالجامع، فالمتيقن ثبوته من العقاب هو الأقل المتحقق مع كلّ من الخصوصيتين و الزائد مشكوك لم يثبت بشي‏ء من العلم و غيره.

هذا ما ذكرناه تحريرا لما ذكره الميرزا النائيني (قدّس سرّه) في توجيه كلام صاحب الفصول (قدّس سرّه) في اجتماع التجري و العصيان و تداخل عقابهما.

[رد المناقشات الواردة على كلام صاحب الفصول (قدّس سرّه)‏]

و لكن يمكن منع كلّ ما افيد من المناقشة في كلام صاحب الفصول، أما المناقشة في دعواه الاولى فلاحتمال أن يكون مراد الفصول كون قبح الفعل المتجرى به بالوجوه و الاعتبار لا قبح نفس عنوان التجري، فالفعل من جهة التجري يصير قبيحا و من جهة ما فيه من المصلحة بعنوانه الأولي يكون حسنا، بل لا محيص عن كون مراده هذا المعنى إذ لا يعقل إنكار قبح التجري ذاتا، و بما هو متجر على المولى نظير قبح المعصية فإنّه لا يتصور عدم قبح المعصية مع حفظ عنوان المعصية. نعم إذا خرج عن عنوان المعصية و التجري فلا بأس بصيرورته حسنا لكنه خلاف الفرض، فمراد صاحب الفصول هو اتصاف الفعل المتجرى به بالقبح من حيث التجري،

86

و بالحسن من حيث وجود المصلحة فيه بعنوانه الاولي، فالإشكال على الفصول بكون قبح التجري ذاتيا لا بالوجوه و الاعتبار مندفع بأنّ مراده بذلك الفعل المتجرى به دون نفس التجري.

و أما المناقشة في دعواه الثانية ففيها، أنّ العقل يحكم بأحكام بنحو القضية الحقيقية كحكمه بقبح المضر و المعصية و التجري و حسن الإحسان و الانقياد و الإطاعة و غير ذلك، و أما كون الفعل الكذائي إحسانا حتى يكون حسنا أو إساءة حتى يكون قبيحا فحكم العقل بأحدهما منوط بإحراز جميع الجهات المقتضية للحسن أو القبح و المانعة عنها، و لكن اتصاف الفعل بالحسن أو القبح تابع للواقع، فإن كان إحسانا حقيقة يكون حسنا و إن كان إساءة يكون قبيحا و إن لم يلتفت الفاعل إلى مصلحته أو مفسدته، نعم الحسن الفاعلي و قبحه متوقفان على علم الفاعل بصلاحه أو فساده.

و بالجملة فحسن الفعل و قبحه تابعان لما فيه من المصلحة و المفسدة و لا يناطان بالعلم بالصلاح و الفساد.

و عليه ففي المقام إذا ترك قتل من اعتقد بوجوب قتله تجريا على المولى ثمّ تبيّن أنّه نبي فيصير هذا الترك بسبب كونه منجيا للنبي حسنا، لاشتمال نجاة النبي على المصلحة المهمة و هذه المصلحة تؤثر في الحسن و يرفع قبح الترك الناشئ من التجري، فالعلم بعنوان نجاة النبي لا دخل له في حسنها حتى يقال بأنّ نجاة النبي تكن ملتفتا إليها فلا تؤثر في الحسن و لا ترفع قبح التجري.

نعم المناقشة في دعواه الثالثة في محلّها لامتناع اجتماع التجري و المعصية و اجتماعهما مساوق لاجتماع النقيضين كما عرفت، و لكن وضوح فساده يأبى عن صحة إرادة مثل الفصول له فلا بدّ في تحقيق مرامه من التدبر في كلامه، و التوجيه الذي أفاده الميرزا النائيني (قدّس سرّه) ممّا لا يرضى به الفصول، مضافا إلى كونه خلاف ظاهر عبارته‏

87

إن يكن مخالفا لصريحها.

و بالجملة فكلام صاحب الفصول راجع إلى كون قبح الفعل المتجرى به و حسنه بالوجوه و الاعتبار، و هو يدّعى أنّ الفعل من حيث كونه تجريا و طغيانا على المولى قبيح، و من حيث كونه ذا مصلحة و هي حفظ الإسلام مثلا حسن، و هذا الكلام لا إشكال في صحته، و ليس كلامه في قبح نفس التجري حتّى يورد عليه بأنّ قبح التجري كالمعصية ذاتي و ليس بالوجوه و الاعتبار، فدعواه الاولى أعني كون قبح الفعل المتجرى به و حسنه بالوجوه و الاعتبار صحيحة، و لا يرد عليها ما أورده الشيخ الأنصاري و الميرزا النائيني (قدّس سرّهما) عليه، و كذا لا يرد على دعواه الثانية و هي تأثير العنوان غير الملتفت إليه الواحد للمصلحة كنجاة نبي في الحسن، فإنّ هذه الدعوى صحيحة لكون الحسن و القبح من آثار المصلحة و المفسدة الثابتتين في الفعل، فالفعل حسن إن كان ذا مصلحة سواء علم بها أم لا، فلا يرد على هذه الدعوى ما ذكره الميرزا النائيني (قدّس سرّه) من تبعية الحسن و القبح للعلم، و تقومهما به.

و أما دعواه الثالثة فلا بدّ من توضيحها أولا، ثمّ ملاحظة ما اورد عليها ثانيا.

أما توضيحها: فهو أنّ صاحب الفصول لما جعل التجري موجبا لقبح الفعل و مخالفة الواقع المنجز موجبا له أيضا، أورد على نفسه بأنّ ذلك يستلزم تعدّد العقاب في المعصية الحقيقية، حيث إنّ التجري على المولى موجود في ضمن العصيان الحقيقي و مخالفة الواقع المنجز ثابتة أيضا و كلّ منهما سبب لاستحقاق العقوبة فيلزم تعدّد العقاب.

و أجاب صاحب الفصول عن ذلك بأنّ هذا و إن كان مستلزما لتعدّد العقاب الذي لم يلتزم به أحد، إذ من البديهي أنّ كلّ معصية لا توجب إلّا عقابا واحدا لا عقابين إلّا أنّه يتداخل العقابان، و لعل مراده بالتداخل اندكاك الاستحقاق الناشئ من التجري في الاستحقاق الناشئ من المعصية الحقيقية كاندكاك الخمسين في‏

88

المائة (1)

و لكن الحقّ عدم التداخل، إذ لا وجه له بل لا بدّ إما من الالتزام بكون المناط في استحقاق العقوبة هو التجري و الطغيان على المولى فقط من دون تفاوت في ذلك بين مخالفة القطع المصادف و غيره كما هو مذهب صاحب الكفاية (قدّس سرّه)(2)، و إما من الالتزام بكون المناط في الاستحقاق مخالفة الواقع من حيث هي دون الطغيان، و حينئذ لا محيص إلّا عن رفع اليد عن الدعوى الاولى و هي كون التجري موجبا للقبح و البناء على انحصار سبب استحقاق العقاب في مخالفة الواقع دون التجري و الطغيان، إذا عرفت مراد صاحب الفصول من اجتماع التجري و المعصية فلا يرد عليه إشكال الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) من أنّه لا محصل له، و لا إيراد الميرزا النائيني (قدّس سرّه) بأنّ اجتماعهما من اجتماع النقيضين المستحيل و لا يرتبط توجيه الميرزا النائيني (قدّس سرّه) بكلام صاحب الفصول، فلاحظ و تدبر.

و قد ظهر من جميع ما ذكرناه أنّ المختار في التجري هو استحقاق العقاب على مخالفة القطع غير المصادف كاستحقاقه على مخالفة القطع المصادف، و أنّ المناط استحقاق العقاب في القطع المصادف و غيره واحد. هذا تمام الكلام في التجري.

الجهة السابعة: القطع الحاصل من المقدمات العقلية

[قول المحدثين في عدم حجية القطع الطريقي الحاصل من المقدمات العقلية]

قد عرفت أنّ القطع الطريقي تمام الموضوع في نظر العقل للحجيّة من غير فرق في ذلك بين أسباب القطع و موجباته و لو من طيران الغراب، و لكن قد نسب إلى بعض أصحابنا المحدثين عدم حجيّة القطع الطريقي الحاصل من المقدمات العقلية و انحصار

____________

(1) و يمكن أن يكون مراده كون العقاب تابعا للفعل من حيث الوحدة و التعدّد، فإن كان الفعل واحدا اتحد عقابه و إن تعدّدت جهاته كالمقام لكون كلّ من مخالفة الواقع و التجرى مسببا لاستحقاق العقوبة و إن تعدّد الفعل تعدّد العقاب، و كذلك الأمر في الثواب فإكرام العالم الهاشمي حيث إنّه فعل واحد يكون ثوابه واحدا و إن تعدّدت جهات استحقاق الثواب.

(2) كفاية الاصول/ 259.

89

حجيّة القطع الطريقي في الأحكام الشرعية بالقطع الحاصل من الأدلة السمعية دون غيره، فما نسب إلى الأخباريين يكون تفصيلا في حجيّة القطع الطريقي بين أسبابه.

و لكن عباراتهم لا تساعد على صحة هذه النسبة لأنّ كلام السيد الصدر (1) في منع الملازمة بين حكم العقل و الشرع لعدم إدراك العقل جميع الجهات الدخيلة في الأحكام من المصالح و المفاسد و موانع جعلها حتى يستكشف من حكم العقل حكم الشرع ناظر إلى منع الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع، و ليس ناظرا إلى عدم حجيّة القطع بالحكم الشرعي إذا حصل من المقدمات العقلية. و صاحب الفصول التزم بالملازمة الظاهرية و أنكر الملازمة الواقعية و لم يظهر له وجه، فإنّ العقل إن أدرك جميع الجهات الدخيلة في الحكم حكم و إلّا فلا، فحكم العقل ظاهرا بمعنى حكمه مع الشك في وجود ملاكه لا محصل له.

و أما كلام المحدث الأمين الأسترآبادي (قدّس سرّه)(2) الذي جعله نكتة دقيقة شريفة و ذكرها الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) في الرسالة، فظاهره منع الصغرى و هي عدم حصول القطع بالحكم الشرعي من المقدمات العقلية النظرية، لعدم إحاطة العقل بجميع ما للحكم الشرعي من المصلحة و المفسدة و عدم المانع و مع عدم إحاطته بذلك كيف يحصل له العلم بالحكم الشرعي.

و الحاصل أنّه لم يظهر صحة ما نسب إلى الأخباريين من عدم حجيّة القطع الطريقي بالحكم الشرعي الحاصل من المقدمات العقلية، لأنّ كلام السيد الصدر (قدّس سرّه) ناظر إلى منع قاعدة الملازمة و كلام الأسترآبادي (قدّس سرّه) إلى منع الصغرى و هي عدم حصول القطع بالحكم الشرعي من المقدمات العقلية، لعدم إحاطة العقل بمصالح‏

____________

(1) حكاه في فرائد الاصول/ 11.

(2) الفوائد المدنية/ 129.

90

الأحكام و مفاسدها لما ورد من (أن دين اللّه لا يصاب بالعقول) (1)، و نحوه ممّا ورد في الأخبار التي عقد لها بابا في الوسائل‏ (2)، فلاحظ.

فالمتحصل أنّ القطع الطريقي حجة من أيّ سبب حصل و لو من طيران الغراب، و العقل لا يرى تفاوتا في تحقق العصيان بمخالفة القطع بالحكم بين موجبات القطع و مناشئه و كيف يمكن ردع القاطع عن قطعه ما دام قاطعا كما هو واضح.

[الفرق بين رأي الأخباريين و رأي الأشاعرة]

و لا باس بزيادة في التوضيح: و هو أنّ كلام الأخباريين في عدم حجيّة القطع الحاصل من المقدمات العقلية ليس في إنكار الحسن و القبح رأسا، كما ينسب إلى بعض الأشاعرة حيث أنكر بعضهم أصل وجود الحسن و القبح، و التزم بعدم دوران الأحكام مدار المصالح و المفاسد و كون الأحكام جزافية و أنّ الحسن ما حسّنه الشارع و القبيح ما قبّحه الشارع، و ذلك لكون هذا المسلك ممّا يكابر المحسوس، لعدم تساوي الإناء المملوء أحدهما من الخبيث كالعذرة، و الآخر من الطيب في المصلحة و المفسدة، و لذا أعرض عنه المحققون من الأشاعرة.

[قبح الترجيح بلا مرجّح‏]

و كذا ليس كلام الأخباريين في عزل العقل عن إدراك المصالح و المفاسد كما نسب إلى البعض الآخر من الأشاعرة من عدم إدراك العقل حسن الأشياء و قبحها بعد الاعتراف بوجود المصالح و المفاسد و قبح تشريع الأحكام جزافا لقبح الترجيح بلا مرجح، فتحريم شي‏ء دون غيره بلا مفسدة تقتضيه أو إيجابه كذلك ترجيح له على غيره من دون مرجح و هم معترفون بقبحه و إن ذهب غير واحد منهم ممن لا يميز يمينه عن يساره إلى عدم قبح الترجيح بلا مرجح.

و ردّ عليه بعض الفلاسفة من الإمامية:

____________

(1) مستدرك الوسائل 17/ 262، الحديث 21289.

(2) وسائل الشيعة 27/ 35، الباب 6 من أبواب صفات القاضي.

91

أوّلا: بالنقض بالمثال المزبور و هو أنّه إذا عرض عليه إناءان يكون في أحدهما العذرة و في الآخر طيب الثمرة، فهل يختار العذرة و يأكل منها أو يختار الثمرة؟

و ثانيا: بالبراهين، و ذلك أنّ البعض من الأشاعرة استدلّ على عدم قبح الترجيح بدون مرجح، بعدم مرجح في طلوع الشمس من المشرق لأنّ إشراقها على الموجودات و تربيتها للنباتات إلى غير ذلك من الآثار يترتب على طلوعها من نقطة المغرب أيضا، فطلوعها من المشرق يكون من الترجيح بلا مرجح، و بعدم ترجيح أحد الرغيفين و أحد الطريقين مع تساوي الرغيفين و الطريقين في جميع الجهات فإنّ الجائع يختار أحد الرغيفين، و الهارب يختار أحد الطريقين مع التساوي في تمام الجهات و الآثار فإنّ عدم المرجح في هذه الموارد كاشف عن عدم قبح الترجيح بلا مرجح.

و لكن هذا الاستدلال في غاية الوهن و السقوط.

أما النقض بطلوع الشمس من المشرق دون المغرب فهو في غاية الغرابة لعدم إحاطتنا بجميع مصالح طلوع الشمس المترتبة على طلوعها مطلقا، و عدم تفاوت في ذلك بين طلوعها من المشرق و المغرب فلعل تربية الشمس للنباتات لا تكون إلّا في ظرف طلوعها من المشرق أو يترتب أثر على طلوعها من المشرق لا يترتب على طلوعها من المغرب.

و بالجملة فلا بدّ من صحة النقض من كون مورد النقض مسلّما، و ليس ما ذكروه من النقض بطلوع الشمس من المشرق نقضا بمورد مسلّم.

و أما النقض برغيفي الجائع و طريقي الهارب فيرده النقض بما إذا فرض إمكان نصب خشب مستقيم على أرض بحيث كانت نسبة ميله إلى تمام الجهات على حد سواء، ثمّ حمل عليه شي‏ء ثقيل تكون نسبة ثقله إلى جميع الجهات متساوية نظير المنارة، و حينئذ فإذا مال ذلك الخشب مثلا إلى جهة و سقط على الأرض فهل يقال:

إن ميله إلى بعض الجهات بالخصوص دون غيرها ترجيح بلا مرجح.

92

و وجه عدم القول بذلك هو عدم الإرادة و الاختيار في الميل إلى الجهة الخاصة و كذا الهارب و الجائع، فإنهما لشدة ما يرد عليهما من الخوف و الجوع لا التفات لهما حين الفرار و الأكل حتى يكون اختيارهما بلا مرجح.

و بالجملة فلا إشكال في قبح الترجيح بلا مرجح كقبح الترجح بلا مرجح أي وجود شي‏ء بلا علة، كما لا إشكال في إدراك العقل للحسن و القبح و عدم إمكان عزله عن إدراكهما و إلّا يلزم من ذلك إفحام الأنبياء و إبطال الكتب و الشرائع، إذ لو انعزل العقل عن إدراك الحسن و القبح و لم يدرك حسن موافقة الأنبياء و قبح مخالفتهم فليس في البين ما يلزمنا بمتابعتهم و التمسك بأقوالهم و أفعالهم كما لا يخفى.

فالمتحصل أنّ ما نسب إلى بعض الأشاعرة من إنكار أصل الحسن و القبح و إلى بعضهم الآخر من عزل العقل عن إدراكهما في غاية الوهن و السخافة، بل لا يمكن المساعدة على ما أفاده بعض الأعاظم من كفاية المصلحة في الطبيعة لتشريع الحكم بنحو العموم و الإطراد و إن لم يكن بعض أفراد تلك الطبيعة واجدا لتلك المصلحة كتشريع العدّة لحفظ الأنساب و عدم اختلاط المياه، فإنّ هذه المصلحة ليست في تمام أفراد العدّة، كما إذا كان الزوج غائبا عن الزوجة في أزمنة متمادية و مات فإنّ الاعتداد في هذا المورد ليس حافظا للنسب، مع أنّه تجب العدة فيه أيضا كسائر الموارد المشتملة على حفظ النسب، و كذا تشريع استحباب غسل الجمعة فإنّ بعض أفرادها لا يشتمل على المصلحة الداعية إلى تشريعه و هي رفع أرياح الآباط مع كون الحكم الاستحبابي ثابتا في ذلك البعض الفاقد لهذه المصلحة.

وجه عدم إمكان المساعدة عليه: هو أنّه ينافي و يناقض ما بنى هو (قدّس سرّه) عليه من انحلال الأحكام، لأنّ وجه الانحلال هو اشتمال كلّ فرد من أفراد الطبيعة على المصلحة أو المفسدة الداعية إلى التشريع، فإنّ حرمة كلّ فرد من أفراد الخمر إنّما هي لأجل اشتمال كلّ فرد من أفراده على المفسدة الداعية إلى تشريع الحرمة و هذا التعليل‏

93

للانحلال ينافي اطّراد الحكم لجميع الأفراد مع خلو بعضها عن الملاك كما لا يخفى.

و الحاصل أنّ كلام الأخباريين في عدم حجيّة القطع الطريقي بالحكم الشرعي الحاصل من المقدمات العقلية ليس من جهة إنكار الحسن و القبح، و لا من جهة عزل العقل عن إدراكهما.

[الإشكال على دعوى الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع‏]

بل كلامهم إما راجع إلى منع قاعدة الملازمة بين حكم العقل و الشرع كما هو ظاهر عبارة بعضهم، بدعوى أنّ العقل و إن كان يدرك الحسن و القبح لكنه لا يدرك تمام ما هو دخيل في الحكم الشرعي من المقتضيات و عدم الموانع و إلّا فلا وجه لمنع قاعدة الملازمة، إذ مع العلم بجميع الجهات الدخيلة في الحكم الشرعي لا معنى لعدم جريان قاعدة الملازمة، فإنكارهم لقاعدة الملازمة يرجع إلى منع الصغرى كما نقول بذلك أيضا، فليس المحدثون مخالفين لنا في مسألة قاعدة الملازمة.

و الالتزام بالملازمة الظاهرية كما عن صاحب الفصول (قدّس سرّه) بعد عدم حكم العقل بشي‏ء إلّا مع العلم بجميع ما له دخل في موضوع حكمه و مع عدم علمه بذلك لا يحكم أصلا لا وجه له؛ إذ لا محصل له إلّا أنّ ترجع دعوى الملازمة الظاهرية إلى قاعدة المقتضي و المانع بتقريب: أنّ إحراز وجود المقتضي مع الشك في وجود المانع يكفي في ترتب المقتضى- بالفتح- عليه، فالعلم بوجود المقتضي للحكم مع الشك في وجود المانع يكفي في حكم العقل على طبق المقتضي- بالكسر-، و لكن يأتي في مبحث الاستصحاب إن شاء اللّه تعالى عدم حجيّة قاعدة المقتضي و المانع، و إن ادّعي دلالة الروايات عليها كما ادّعي انطباق الروايات على قاعدة اليقين، و بالجملة لم تثبت حجيّة قاعدة المقتضي و المانع في شي‏ء من المقامات، و توهم اعتبارها في بعض الموارد فاسد لأنّ اعتبارها فيه إنّما هو لأجل الاطمئنان و القطع العادي بعدم وجود المانع لا لأجل حجيّة قاعدة المقتضي و المانع، و تفصيل ذلك كلّه في محلّه من الاستصحاب.

[الإشكال على حصول القطع من المقدمات العقلية النظرية]

و إما راجع إلى منع حصول القطع من المقدمات العقلية النظرية كما هو ظاهر أو

94

صريح المحدث الأسترآبادي، لكثرة الخطأ الواقع فيها نظير الخطأ في القطع بصحة المذهب من أقوال الوالدين، فإنّ هذا القطع على تقدير حصوله ليس بحجة لحصوله من المقدمات التي يقع الخطأ فيها كثيرا، و لكن عدم الحجيّة في هذه الصورة لا يخلو من مسامحة، إذ القاطع يرى الواقع و لا يشك فيه فالردع عن قطعه يكون مناقضا في اعتقاده.

نعم لا يكون معذورا في هذا القطع و يستحق العقوبة على تقدير مخالفة الواقع و إن كان قاطعا لأجل قاعدة (أن الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار) حيث إنّه كان مكلّفا بالنظر إلى غير تلك المقدمات و قصر و لم ينظر، و حصل له القطع من قول أبويه غير الشريفين.

و إما راجع إلى التعبد الشرعي بدعوى دلالة الأخبار على عدم حجيّة القطع الحاصل من المقدمات العقلية.

[الروايات التي استدلّ بها على عدم حجيّة القطع الحاصل من المقدمات العقلية]

و لكن الحقّ عدم دلالة الأخبار على ذلك لأنّها على طوائف:

إحداها: ما تدلّ‏ (1) على انحصار العلم فيهم (صلوات اللّه عليهم أجمعين)، و أنّ المشرّق و المغرّب لا يجد العلم إلّا عندهم (عليهم السّلام) لأنهم معدنه و منبعه، و أنت خبير بعدم ارتباط هذه الطائفة بمدّعاهم، لأنّا ندّعي إمكان التوصل إلى ما عندهم (عليهم السّلام) من العلم ببركة العقل الذي هو حجة باطنة، فالعقل طريق للوصول إلى علمهم، كما أنّ السؤال عنهم (عليهم السّلام) طريق أيضا له.

ثانيتها: ما تدلّ‏ (2) على النهي عن التشبث في الأحكام الشرعية بالأقيسة و الوجوه الاعتبارية كما عليه العامة في استنباط الأحكام الإلهية، و هذه الطائفة أيضا أجنبية عن مدّعى الأخباريين الذي هو عدم حجيّة القطع بالحكم الشرعي الحاصل‏

____________

(1) وسائل الشيعة 21/ 477، الحديث 27632 و 27/ 43، الحديث 33166.

(2) وسائل الشيعة 27/ 35، الباب 6 من أبواب صفات القاضي.

95

من الدليل العقلي.

ثالثتها: ما تدلّ‏ (1) على اعتبار الولاية و معرفة إمام الزمان (عليه السّلام) في صحة الأعمال «و أن من لم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية»، و هذه الطائفة أيضا لا ربط لها بعدم حجيّة القطع الحاصل من المقدمات العقلية، فإنّ معرفة الإمام غير مرتبطة بعدم حجيّة القطع المزبور، و لا دلالة في وجوب معرفة الإمام على عدم اعتبار القطع بالحكم الشرعي الحاصل من العقل كما لا يخفى.

رابعتها: ما تدلّ‏ (2) على اعتبار كون الأعمال بدلالة ولي اللّه (عليه السّلام)، فإنّ ظاهرها عدم اعتبار الوصول إلى الأحكام بغير بيان الولي (عليه السّلام) و دلالته، فإن احرز الحكم الشرعي بطريق آخر غير دلالة الولي لا يكون ذلك الإحراز حجة.

و لكن الحقّ أجنبية هذه الطائفة عن مدّعى المحدثين أيضا، ضرورة أنّ الظاهر من دلالة ولي اللّه (عليه السّلام) هو ما يكون في مقابل الاستحسانات و الوجوه الاعتبارية دون القطع الذي هو حجة ذاتا، و الردع عنه يوجب التناقض حقيقة و اعتقادا، أو اعتقادا فقط.

و من هنا يظهر أنّ ما دلّ على النهي عن القياس لا يمكن أن يعم القياس الموجب للعلم بالحكم، فإنّ النهي عن العمل بالعلم الطريقي من المستحيل.

و أما الجواب عن هذه الطائفة الأخيرة الآمرة باعتبار كون الأعمال بدلالة ولي اللّه (عليه السّلام) بأنّ للّه تعالى وليين و رسولين أحدهما ظاهري و هو ظاهر، و الآخر باطني و هو العقل، فإذا حكم العقل بحكم يكون كحكم الرسول الظاهري من حيث كونه بدلالة ولي اللّه تعالى.

____________

(1) وسائل الشيعة 16/ 246، الحديث 21475.

(2) وسائل الشيعة 1/ 119، الحديث 298 و 27/ 66، الحديث 33213 (باختلاف يسير).

96

ففيه: أنّ العقل ليس شأنه الحكم كالرسول الظاهري بل وظيفته إدراك المصلحة و المفسدة الداعيتين إلى تشريع الحكم بعد بيان الرسول الظاهري، فليس العقل مثل الرسول الظاهري في تشريع الأحكام و جعلها، و هذه العبارة و هي أنّ العقل رسول باطني، و الرسول رسول ظاهري و إن تكررت و ذكرت في مقامات كثيرة، لكن ليس معناها إلّا ما عرفت.

فتلخص من جميع ما ذكرناه أنّه لا دليل على ما نسب إلى المحدثين من عدم حجيّة القطع الطريقي بالحكم الشرعي إذا حصل من المقدمات العقلية، بل يلزم من طرح العقل طرح النقل أيضا، إذ لا بدّ من انتهاء حجيّة النقل إلى العقل لانتهاء كلّ ما بالغير إلى ما بالذات، فإذا بني على طرح العقل فلا دليل على لزوم الأخذ بالنقل، فيلزم طرح كلّ من العقل و النقل، و هو كما ترى. هذا تمام الكلام في القطع التفصيلي و قد عرفت كونه حجة ذاتية من أيّ سبب حصل و التفصيل المذكور إلى الأخباريين لا وجه له.

الجهة الثامنة: [ما نسب إلى كاشف الغطاء (قدّس سرّه) فى القطع الحاصل من الأسباب غير المتعارفة]

قد عرفت حجيّة القطع الطريقي من أيّ منشأ حصل، و لكن نسب إلى الشيخ الكبير (أي كاشف الغطاء (قدّس سرّه) (1) منع حجيّة القطع الحاصل من الأسباب غير المتعارفة كطيران الغراب، و هذا هو المسمى بقطع القطاع.

و الحقّ أن يقال: إن كان ما أفاده الشيخ الكبير تفصيلا في حجيّة القطع الطريقي بين الأسباب المتعارفة و غيرها بحجيّة القطع الحاصل من الأسباب المتعارفة لمتعارف الناس، و عدم حجيّة القطع الحاصل من الأسباب غير المتعارفة فلا يمكن مساعدته، لعدم الفرق في نظر العقل في حجيّة القطع الطريقي بين أسبابه و مناشئه.

____________

(1) كشف الغطاء 1/ 64، المقصد العاشر.

97

و ان كان ما أفاده ناظر إلى القطع الموضوعي و أنّ موضوعيته لما يترتب عليه من الحكم الشرعي مختصة بالقطع الحاصل من الأسباب المتعارفة لدى العقلاء دون الحاصل من الامور التي لم يتعارف لديهم حصوله منها، فهو في غاية المتانة لانصراف الدليل الذي أخذ العلم موضوعا للحكم الشرعي إلى خصوص القطع المتعارف و هو الحاصل من الأسباب المتعارفة، دون الحاصل من غيرها كما هو الحال في الظن و الشك المأخوذين موضوعا لآثار شرعية، فإنّ الدليل منصرف إلى الظن و الشك الحاصلين من أسبابهما المتعارفة دون غيرها، و لذا يكون خروج شك كثير الشك عن الشك الموضوع للأحكام على القاعدة، فلو لم يكن قوله (عليه السّلام)(1) «من كثر عليه السهو فليمض» لكان مقتضى القاعدة أيضا عدم الاعتناء بشك كثير الشك، و اللّه العالم بحقائق الأحكام.

و الحاصل أنّ الحقّ عدم الفرق في حجيّة القطع الطريقي بين القطع الحاصل من السبب المتعارف و غيره، فإنّ القطع لا يفرق في نظر العقل في حجيّته بين أسبابه، هذا تمام الكلام في القطع التفصيلي.

____________

(1) وسائل الشيعة 8/ الباب 16 من أبواب الخلل في الصلاة (باختلاف يسير).

98

الجهة التاسعة: العلم الاجمالي‏

في حجيّة القطع الإجمالي، اعلم أنّه وقع الكلام و الخلاف في ذلك فقيل في حجيّته كالعلم التفصيلي من دون تفاوت بينهما في ذلك، بمعنى أنّ العلم الإجمالي علة تامة لحرمة المخالفة القطعية و الموافقة القطعية، فلا تجري الاصول في شي‏ء من أطراف العلم الإجمالي.

و قيل بعدم حجيّته مطلقا و أنّه كالشك البدوي.

و قيل بالتفصيل بكونه حجة بالنسبة إلى حرمة المخالفة القطعية، دون وجوب الموافقة القطعية فيجوز ارتكاب أحد الإناءين المشتبهين و اجتناب الآخر، أما ارتكاب أحدهما فلقاعدة الطهارة لانحفاظ رتبة الأصل و هو الشك فتجري قاعدة الطهارة في أحدهما، و أما اجتناب أحدهما فلعلّية العلم الإجمالي لتنجيز وجوب الاجتناب عن النجس الواقعي المعلوم إجمالا.

و كيفما كان فالبحث في حجيّة العلم الإجمالي.

و قد عقد الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه)(1) له مقامين أحدهما: في منجزيته و إثباته للتكليف. و الآخر: في سقوط التكليف به، و مقتضى الترتيب تقديم المقام الأوّل على الثاني إلّا أن الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) قدم المقام الثاني على الأوّل و تبعه من تأخر عنه على ذلك. فنقول:

أما المقام الثاني: فحاصل الكلام فيه أنّه لا إشكال في الامتثال و سقوط التكليف بالعلم الإجمالي في غير العبادات كتكرار صيغة النكاح بالعربية و الفارسية و التعدي إلى المفعول بنفس الفعل و بالجار و نحو ذلك، فإنّه بعد التكرار يعلم بترتب الغرض المقصود من ذلك العقد عليه.

[الاحتياط في العبادات‏]

و أما في العبادات فلا بأس بالاحتياط فيها إن لم يستلزم التكرار و إلّا ففيه‏

____________

(1) فرائد الاصول/ 14.

99

إشكال، بل المحكي عن بعض دعوى الإجماع على بطلان الاحتياط في العبادات‏ (1) إذا توقف على تكرار العبادة.

[الاستدلال على بطلان الاحتياط في العبادات و الرد عليه‏]

و ملخص ما يستدلّ لهم على ذلك يرجع إلى وجهين:

أحدهما: اعتبار قصد الوجه في العبادة و مع عدم إحراز الأمر تفصيلا لا يتأتى قصد الوجه، و المفروض اعتباره لأنّه إذا أتى بصلاتين من باب الاحتياط لا يحرز أنّ الواجب أيّ منهما حتى يقصد إتيانها لوجوبها، بل لا بدّ من العلم التفصيلي بالأمر حتى يتمكن من قصد الوجه، فمع التمكن من العلم التفصيلي لا تصل النوبة إلى الامتثال الاحتياطي.

ثانيهما: أنّ الامتثال الاحتياطي ليس في نظر العقل امتثالا و إطاعة مع التمكن من الامتثال التفصيلي، فالإطاعة الاحتياطية إما ليست إطاعة في نظر العقل قطعا أو احتمالا و على التقديرين لا يمكن الاكتفاء بها، إذ لا يحصل حينئذ العلم بالبراءة عن التكليف المعلوم اشتغال الذمة به، فلا بدّ حينئذ من الإطاعة العلمية التفصيلية المتوقف عليها العلم بالبراءة عن التكليف، و من هنا ظهر وجه ترتب مراتب الإطاعة الأربع، فمع التمكن من الامتثال العلمي التفصيلي لا تصل النوبة إلى الامتثال الاحتياطي، و مع التمكن من الإطاعة الاحتياطية لا تصل النوبة إلى الامتثال الظني، و مع التمكن منه لا تصل النوبة إلى الامتثال الاحتمالي.

و في كلا الوجهين ما لا يخفى.

أما الأوّل: فلأنّ اعتبار قصد الوجه ينبغي أن يكون عدم اعتباره معلوما كما ذكره الميرزا النائيني (قدّس سرّه) لكونه ممّا يكثر الابتلاء به ليلا و نهارا، و خلو الأخبار و الآثار عنه مع كثرة الفحص و البحث في ذلك حتى في الكتب المخطوطة القديمة، فلم يعثر أحد

____________

(1) حكاه الشيخ في فرائد الاصول/ 15.

100

من الباحثين و الفاحصين على ما يستشم منه اعتبار قصد الوجه، و مع هذه المقدمة يحصل العلم العادي بعدم دليل على اعتباره، و هذا المورد من أوضح مصاديق- عدم الوجدان يدلّ على عدم الوجود و عدم الدليل دليل على العدم- و مع هذا العلم بعدم اعتبار قصد الوجه لا دليل على تقدم الإطاعة العلمية التفصيلية على الاحتياطية، بل تكون الإطاعة الاحتياطية في رتبة التفصيلية.

و أما الثاني: فلأنّ دعوى عدم كون الإطاعة الاحتياطية مع التمكن من التفصيلية في نظر العقل إطاعة غير مسموعة إذ لا شاهد لها، إذ غاية وجهها عدم كون العمل الاحتياطي منبعثا عن الأمر، بل عن احتمال الأمر، لكون كلّ من الصلاتين أو الصلاة التي يؤتى بها احتياطا منبعثة عن الاحتمال و رجاء الأمر و ليست منبعثة عن نفس الأمر، و لا بدّ في العبادة من قصد امتثالها عن أمرها، لا عن احتمال الأمر.

و أنت خبير بعدم وجاهته أيضا، ضرورة أنّ الانبعاث في كلّ من الإطاعة التفصيلية و الإجمالية يكون عن الأمر، غاية الأمر: أنّه في التفصيلية يكون الانبعاث عن الأمر الجزمي و في الإجمالية يكون الانبعاث عن الأمر الاحتمالي، فالداعي في كلتا الإطاعتين هو نفس الأمر.

و بالجملة فلا ينبغي الإشكال في جواز الاكتفاء بالامتثال الاحتياطي، و لو مع التمكن من التفصيلي، فطرق الامتثال ثلاثة، العلم التفصيلي تقليدا أو اجتهادا، و الاحتياط، فدعوى بطلان عمل المحتاط التارك لطريقي الاجتهاد و التقليد كما حكي عن الشريف الرضي (قدّس سرّه) دعوى الإجماع عليه و تقرير أخيه علم الهدى (قدّس سرّه)(1) له غير ثابتة.

____________

(1) حكاه في فرائد الاصول/ 15.

101

[تقدم الامتثال التفصيلي على الاحتياطي‏]

و الحاصل أنّ الميرزا النائيني (قدّس سرّه) يدّعي تقدم الامتثال العلمي التفصيلي على الاحتياطي لدوران الأمر بين التعيينية و التخييرية، إذ الامتثال العلمي التفصيلي مجز قطعا و مبرئ للذمة جزما، إما لتعيّنه، و إما لكونه عدلا للامتثال العلمي الإجمالي، بخلاف الامتثال الإجمالي فإنّ مبرئيته مشكوكة للشك في كونه امتثالا في نظر العقل مع التمكن من العلمي التفصيلي، فالامتثال الاحتياطي إما ليس امتثالا في نظر العقل، و إما مشكوك الامتثالية، و على التقديرين لا يحكم العقل بامتثالية الاحتياط مع التمكن من الامتثال العلمي.

و الحاصل أنّه لما كان الاحتياط راجعا إلى مقام الامتثال الذي يكون المرجع فيه العقل، فلذا لا يصح الرجوع في نفي اعتبار الامتثال العلمي التفصيلي إلى البراءة، إذ لا بدّ من كون المشكوك فيه ممّا تناله يد التشريع، و إن قلنا بمرجعية البراءة في الأقل و الأكثر الارتباطيين كما هو الأصح، كما لا يصح الرجوع إلى إطلاق الدليل لنفي اعتبار الامتثال العلمي التفصيلي الذي هو المراد بما ذكره الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) في المقام من عدم كون الشك في اعتبار الامتثال التفصيلي تقييدا في إطلاق الدليل.

توضيحه: أنّ رجوع الشك إلى تقييد الإطلاق إنّما يصح في ما يرجع إلى متعلق الحكم شطرا أو شرطا دون ما يرجع إلى مرحلة الامتثال التي هي من المستقلات العقلية.

فصار المتحصل ممّا ذكرنا أنّ الوجه في تقدم الامتثال العلمي التفصيلي هو كونه من صغريات دوران الأمر بين التعيين و التخيير التي يكون المرجع فيها أصالة التعيّنية.

و لكن هذا في ما إذا استلزم الاحتياط في العبادات تكرار العمل، سواء كان التكرار للشبهة الموضوعية كالإتيان بأكثر من صلاة لاشتباه الساتر بين الطاهر و النجس، أو اشتباه القبلة في جهتين أو أزيد، و غير ذلك مع التمكن من إزالة الشبهة بالفحص و السؤال، أم كان التكرار للشبهة الحكمية كالجمع بين القصر و الإتمام في بعض‏

102

الموارد.

و أما إذا لم يستلزم الاحتياط تكرار العبادة كما إذا شك في جزئية السورة مثلا و كان متمكنا من الامتثال التفصيلي بالاجتهاد أو التقليد و احتاط بإتيان السورة، فلا يأتي فيه الوجه المتقدم في تعيّن الامتثال التفصيلي و تقدمه على الاحتياطي. و ذلك لأنّ الجزم بالأمر و الانبعاث عن البعث التفصيلي حاصل بالنسبة إلى الأجزاء المعلومة تفصيلا، غاية الأمر أنّ المشكوك جزءاً أو شرطا يؤتى به رجاء، و المفروض أنّه ليس بمانع بل هو إما واجب أو غير واجب، و على تقدير عدم وجوبه جزءاً أو شرطا ليس مانعا عن صحة العبادة، و هذا بخلاف الاحتياط المستلزم للتكرار فإنّ شيئا من أجزاء كلّ من العملين أو الأعمال المأتي بها احتياطا لا يؤتى به عن البعث التفصيلي لعدم العلم حين الإتيان بكونه مأمورا به، نعم بعد الإتيان بالعمل مكررا يعلم بتحقق المأمور به في الخارج.

فالفرق بين الاحتياط في العبادات المستلزم للتكرار و غيره في غاية الوضوح.

هذا محصل ما قيل في وجه تقدم الامتثال التفصيلي و اعتبار الجزم بالأمر حين الإتيان بالعبادة مع التمكن منه على الامتثال العلمي الإجمالي.

و لكنك خبير بعدم استقامة شي‏ء ممّا ذكره الشيخ الأنصاري و الميرزا النائيني و غيرهما قدس اللّه أسرارهم وجها لتقدم الامتثال العلمي التفصيلي على الاحتياطي، أما عدم كون الاحتياط امتثالا في نظر العقل أو تردده في امتثاليته فلا وجه له، لما قرّر في محلّه من دوران الامتثال مدار نشوء الإرادة الفاعلية عن الإرادة الآمرية و تبعية إرادة العبد لإرادة مولاه و تحركه عن تحريك المولى، و لا إشكال في تحقق هذه العناوين المقومة للامتثال في الامتثال الاحتياطي كما هو أوضح من أن يخفى، فلا وجه للتشكيك في صدق الإطاعة على الاحتياط في نظر العقل.

و أما تقدم الامتثال التفصيلي على الاحتياطي لأجل الدوران بين التعيين‏