نتائج الأفكار في الأصول‏ / تقريرات - ج3

- السيد محمد جعفر الجزائري المزيد...
392 /
103

و التخيير، ففيه: أنّ الدوران إن كان لأجل التشكيك في صدق الإطاعة عقلا على الاحتياط فقد عرفت ما فيه من صدق الإطاعة على الاحتياط قطعا، و إن كان لأجل مرجعية أصالة الاشتغال و الشك في التعيين و التخيير دون البراءة- حيث إنّ أعظم أركان البراءة و هو كون المشكوك فيه قابلا لأن تناله يد التشريع مفقود في المقام، لكونه من كيفيات الإطاعة التي هي من المستقلات العقلية التي لا سبيل للحكم المولوي فيها أصلا- ففيه: أنّ التصرف المولوي في كيفية الإطاعة غير عزيز، فإنّ موارد قاعدتي التجاوز و الفراغ من هذا القبيل، لأنّ العقل يحكم بلزوم تحصيل الجزم بالامتثال من باب اقتضاء الشغل اليقيني للفراغ القطعي، و الشارع تصرف في هذا الحكم و اكتفى بالامتثال الاحتمالي في موارد جريان الاصول المجعولة في وادي الفراغ، كما تصرف في ركعات الثنائيات و الاوليين من الرباعيات بلزوم إحرازها و عدم جواز المضي على الشك فيها، و أنّه لا بدّ من إحراز الاثنتين و عدم الاكتفاء باحتمال وجود الاثنتين مع تصرفه في أجزاء الاثنتين بعدم لزوم إحرازها و الاكتفاء باحتمال وجودها اعتمادا على قاعدتي التجاوز و الفراغ.

و بالجملة فيمكن التصرف التشريعي في مرحلة الإطاعة، و عليه فيكون الشك في اعتبار الجزم بالأمر تفصيلا في مقام الإطاعة كالشك في اعتبار السورة مجرى لأصالة البراءة، نعم إذا رجع الشك في اعتبار الامتثال التفصيلي إلى الشك في المحصّل بأن يقال: بوجوب تحصيل غرض المولى عقلا، و مع الاكتفاء بالامتثال الاحتياطي لا يحصل العلم بالغرض، كما عليه صاحب الكفاية (قدّس سرّه)(1) في قصد القربة، و لذا منع عن جريان البراءة فيه و بنى على جريان قاعدة الاشتغال فيه مع بنائه على جريان البراءة في الأقل و الأكثر، فله وجه، و لكن قد تقدم في محلّه تزييف هذا المبنى و كون قصد القربة كقصد الوجه و التمييز و غيرها من مجاري البراءة دون الاشتغال.

____________

(1) كفاية الاصول/ 75.

104

فتلخص من جميع ما ذكرنا أنّ الحقّ جواز الاحتياط حتى مع التمكن من العلم التفصيلي و ليس الاحتياط في طول الامتثال التفصيلي بل في عرضه من دون فرق في ذلك بين كون الاحتياط المستلزم للتكرار في العبادات للشبهة الموضوعية و بين كونه لأجل الشبهة الحكمية.

ثمّ إنّ النزاع في ترتب مراتب الإطاعة و عدمه إنّما يكون في الاوليين: و هما الإطاعة العلمية التفصيلية و الاحتياطية، و امّا في أخيرتين و هما: الإطاعة التفصيلية و الاحتمالية فلا إشكال عندهم في تقدم الامتثال الاحتياطي على الأخيرتين، لأنّ الاشتغال اليقيني يستدعى الفراغ القطعي، و من المعلوم عدم كون الإطاعة الظنيّة و لا الاحتمالية سببا للقطع بالفراغ بخلاف الإطاعة الاحتياطية، فإنّها توجب القطع بالفراغ، و الحاصل أنّ مورد النزاع في الطولية و العرضية هو المرتبتان الاوليان من الإطاعة دون غيرهما، و أما تقدم الاوليين على الأخيرتين و كذا تقدم المرتبة الثالثة أعني الإطاعة الظنيّة على الاحتمالية فلا كلام فيه.

ثمّ إنّ النزاع في تقدم الإطاعة العلمية التفصيلية على الإجمالية و عرضيتهما إنّما هو في العبادات دون الوضعيات، فإنّه لا إشكال عندهم في جواز الاحتياط المستلزم للتكرار فضلا عن غيره في الوضعيات، و إنّما الإشكال في تقدم الامتثال العلمي التفصيلي على الاحتياطي و عدمه في خصوص العبادات مع استلزام الاحتياط فيها للتكرار، فقيل بالتقدم و بطلان الاحتياط فيها مع التمكن من العلمي التفصيلي، و ما قيل أو يمكن أن يقال في وجهه وجوه:

أحدها: اعتبار قصد الوجه في العبادات و هي لا تتأتى في الاحتياط، و فيه ما عرفت فلاحظ.

ثانيها: وجوب الامتثال العلمي التفصيلي لتوقف حصول الغرض على ذلك، و فيه ما تقدم من عدم صحة المبنى.

105

ثالثها: دوران الأمر في اعتبار العلم التفصيلي في الإطاعة بين التعيين و التخيير و الأصل الاشتغال، لأنّ الشك ليس في ثبوت التكليف حتى يكون مجرى البراءة، بل في سقوط التكليف حيث إنّ الامتثال التفصيلي من مراتب الإطاعة التي هي من المستقلات العقلية التي لا تنالها يد التشريع حتى يكون الامتثال التفصيلي من قيود المأمور به شرعا كي تجرى فيه البراءة، فلا محيص عن جريان أصالة الاشتغال فيه، لأنّ التكليف يسقط بالامتثال التفصيلي يقينا إما لتعيّنه و إما لكونه عدلا للامتثال الاحتياطي.

و فيه ما عرفت من أنّه لا ينبغي الإشكال في صحة التصرف الشرعي في مرحلة الإطاعة كما في قاعدتي التجاوز و الفراغ الراجعتين إلى وادي الإطاعة و الفراغ.

و حينئذ نقول: إنّ عدم التصرف التشريعي بتعيين خصوص الامتثال التفصيلي دليل على الإطلاق و عدم التعيّن للامتثال التفصيلي، و المفروض أنّ الامتثال الاحتياطي إطاعة في نظر العقل فلا بأس بالاكتفاء به، و توهم عدم كون الاحتياط إطاعة عقلا واضح الفساد.

رابعها: اعتبار الجزم بالأمر بأن يكون الانبعاث عن البعث التفصيلي و من المعلوم أنّ كلّا من الصلاتين المأتيتين في ثوبين مشتبهين يؤتى بها بداعي الأمر الاحتمالي لا العلمي.

و فيه: أنّ هذه دعوى بلا برهان، فإن رجعت إلى اعتبار نيّة الوجه فقد تقدم ما فيه، و إلّا فلم يظهر لهذه الدعوى وجه بعد وضوح صدق الإطاعة عقلا على الاحتياط.

فقد ظهر ممّا ذكرنا كون الاحتياط في عرض الامتثال التفصيلي لا في طوله كما قيل، بل الاحتياط التام أمتن من الامتثال التفصيلي الاجتهادي أو التقليدي لكونه‏

106

موجبا للقطع بالواقع، دون الاجتهاد و التقليد لاحتمال خطأهما و عدم إصابتهما للواقع، لكن الشأن كلّه في التمكن من الاحتياط فإنّه بالنسبة إلى الشبهات الموضوعية ممكن بلا إشكال، للتمكن من تكرار الصلاة في الثوبين المشتبهين، و إلى الجهتين أو الجهات مع اشتباه القبلة، و أما بالنسبة إلى الشبهات الحكمية فالاحتياط فيها متعذر لكثرة ما احتمل دخله في الصلاة، و لا يجديه العمل بالاحتياطات المذكورة في الرسائل العملية لأنّها احتياطات في المسألة بعد إجراء البراءة في ما احتمل دخله في العبادة من الزمان و الزماني، و المفروض أنّ المحتاط لا يجري البراءة و إلّا يخرج عن كونه محتاطا.

[التمكن من الاحتياط في الشبهات الموضوعية و الحكمية]

و بالجملة فمع التمكن من الاحتياط التام لا ينبغي الإشكال في تقدمه على الاجتهاد و التقليد، و أما مع عدمه و وصول النوبة إلى التبعيض في الاحتياط الذي مرجعه إلى الإطاعة الاحتمالية التي لا دليل على جواز الاجتزاء بها، فلا ينبغي الإشكال في تقدم الإطاعة الاجتهادية و التقليدية عليها لوجود الدليل على الاكتفاء بهما دونه، فلعل مراد من حكم ببطلان عمل المحتاط التارك لطريقي الاجتهاد و التقليد هو التبعيض في الاحتياط لا الاحتياط التام، فإن كان هذا مرادهم فهو متين غايته، لما عرفت من عدم إمكان الاحتياط التام و إن كان خلاف ظاهر عباراتهم كما لا يخفى عمّن راجع كلماتهم.

و بالجملة يمكن أن يكون النزاع بين القائلين ببطلان العمل بالاحتياط بمعنى عدم جواز الاكتفاء به عن التكليف المعلوم، و بين القائلين بصحته بمعنى جواز الاكتفاء به عن الواقع لفظيا بأن يقال: إنّ مورد كلام القائلين ببطلان الاحتياط هو عمل العامي في الشبهات الحكمية دون الموضوعية كاشتباه الثوب الطاهر بالمتنجس و نحوه، لوضوح إمكان الاحتياط بتكرار العبادة في الشبهات الموضوعية، فالإشكال كلّه في إمكان الاحتياط في العبادة للعامي الذي لا يقدر على إحراز جملة ممّا يعتبر في‏

107

العبادة شطرا و شرطا، حيث إنّه لا يقدر على الاحتياط التام مع احتمال جزئية شي‏ء و شرطية غيره و دوران الأمر في شي‏ء واحد بين المانعية و الجزئية أو المانعية و الشرطية، و من المعلوم عدم إمكان الاحتياط المحرز للفراغ عمّا اشتغلت به الذمة قطعا للعامي في الشبهات الحكمية، و مورد كلام مجوزي الاحتياط هو الاحتياط بالنسبة إلى من أحرز جملة ممّا يعتبر في العبادة اجتهادا أو تقليدا في ما احتمل جزئيته أو شرطيته أو مانعيته للعبادة، فإنّه لا مانع من الاحتياط في ذلك المحتمل جزءاً و شرطا مع تمكنه من إحراز كيفية دخله اجتهادا أو تقليدا، كما إذا احتمل جزئية جلسة الاستراحة فلا مانع من الإتيان بالجلسة رجاء.

[احتمال كون النزاع في جواز العمل بالعلم الإجمالي و عدمه لفظيا]

و بهذا التوجيه يصير النزاع بين مجوزي الاحتياط و منكريه لفظيا.

و لا تنافي بين إنكار حسن الاحتياط هنا و الالتزام ببطلان عمل العامي التارك لطريقي الاجتهاد و التقليد، و بين الذهاب إلى كون نتيجة مقدمات الانسداد التي يأتي بيانها إن شاء اللّه تعالى هي التبعيض في الاحتياط المقتضي لصحة العمل الاحتياطي.

توضيح وجه عدم التنافي: هو عدم التمكن من الإطاعة العلمية التفصيلية إذ المفروض انسداد باب العلم و العلمي، فمقتضى القاعدة بعد عدم سقوط التكاليف بالجهل هو الاحتياط التام في المظنونات و المشكوكات و الموهومات، و لمّا لم يمكن ذلك لاختلال النظام و العسر و الحرج، فالعقل يحكم بتقدم المظنونات على المشكوكات و الموهومات، و هذا بخلاف المقام فإنّ المفروض هو التمكن من الإطاعة التفصيلية و معه لا يحسن الإطاعة الإجمالية.

فتلخص من جميع ما ذكرنا: أنّ الحقّ كون العلم الإجمالي بالنسبة إلى سقوط التكليف و الفراغ عنه كالعلم التفصيلي، و أنّ الاحتياط في عرض الامتثال العلمي التفصيلي في المورد الذي عرفته لا بالنسبة إلى العامي على التفصيل المتقدم. هذا تمام الكلام في المقام الثاني.

108

[ثبوت التكليف بالعلم الإجمالي‏]

و أما المقام الأوّل: و هو ثبوت التكليف بالعلم الإجمالي فوقع فيه البحث فقيل بكون العلم الإجمالي كالشك البدوي في عدم ثبوت التكليف به، و قيل بثبوته به كالعلم التفصيلي.

و يشكل ذلك بما حاصله أنّ العلم الإجمالي تعلق بفرد مردد و الاصول تجري في الأفراد و الأشخاص، و بعبارة اخرى مجرى كلّ أصل هو الشخص لا المردد، مثلا إذا علم إجمالا بنجاسة أحد الأواني فيجري في كلّ طرف بعينه الأصل لأنّه مشكوك النجاسة و قاعدة الطهارة أو استصحابها تقتضي الطهارة، فرتبة الحكم الظاهري في كلّ واحد من أطراف العلم الإجمالي و هي الشك محفوظة، فلا مانع من جريان الأصل فيه، و لا يلزم من جريانه في جميعها إلّا العلم بمخالفة المعلوم بالإجمال، و ليس ذلك مانعا لعدم دليل على حرمة تحصيل العلم بمخالفة الواقع غير المنجز، و إلّا يلزم عدم جريان الاصول في الشبهات البدوية لحصول العلم بعد جريانها بمخالفة الواقع في بعضها.

و بالجملة فليس العلم الإجمالي مانعا عن جريان الاصول في جميع الأطراف، إذ مجرى الأصل هو كلّ طرف بشخصه و المعلوم الإجمالي هو الفرد المردد و ليس مجرى الأصل ذلك المردد لينافي العلم الإجمالي بل الشخص، كما أنّ مفاد الأصل ليس منافيا للمعلوم إجمالا كما في دوران الأمر بين المحذورين، فإنّ مفاد أصل البراءة فيه ينافي المعلوم بالإجمال أعني الحكم الإلزامي.

و الحاصل أنّ ملخص الإشكال في تنجيز العلم الإجمالي للتكليف و كونه كالشك البدوي بالنسبة إلى كلّ من وجوب الموافقة القطعية و حرمة المخالفة القطعية هو: عدم كون العلم الإجمالي بالتكليف علما بالتكليف، و مع عدم كونه علما بالتكليف ليس منجزا له، فالبحث عن جريان الاصول في أطراف العلم الإجمالي و عدمه متأخر عن هذا البحث و هو كون العلم الإجمالي علما بالتكليف أو لا، و المستشكل يدّعي‏

109

عدم كون العلم الإجمالي علما بالتكليف للشك في التكليف بالنسبة إلى كلّ من الأطراف فلا علم بالتكليف بالنسبة إلى شي‏ء من الأطراف بعينه. هذا محصل الشبهة الدائرة في الألسن قديما و حديثا في تنجيز العلم الإجمالي و إثباته للتكليف. و من المعلوم أنّ لازم عدم التنجيز جريان الاصول في الأطراف بأجمعها.

و قد اندفعت هذه الشبهة بما حاصله: أن العلم الإجمالي علم بالتكليف وجدانا و بلا إشكال.

توضيحه: أنّ العلم الإجمالي مركب من قضيتين أحدهما معلومة و الاخرى مشكوكة و هي قضية منفصلة مانعة الخلو، أما المعلومة فهي قولنا النجاسة معلومة، و أما المشكوكة فهي أنّ النجس إما هذا الإناء و إما ذاك الإناء، و من المعلوم أنّ الشك في القضية الثانية لا يسري إلى القضية الأولى المعلومة، فالعلم بالنجاسة المستتبعة للعلم بالحكم لا يصير شكا بسبب اشتباه متعلقه، و لا ريب في أنّ العلم بالتكليف منجز له و مجرد اشتباه متعلقه لا يكون مانعا من التنجيز فإذا ثبت كون العلم الإجمالي منجزا للحكم، يقع الكلام في أنّه كالعلم التفصيلي بالنسبة إلى كلّ من وجوب الموافقة القطعية و حرمة المخالفة القطعية، فالشيخ الأنصاري (قدّس سرّه)(1) يرى عدم الملازمة بينهما و أن العلم الإجمالي مقتض بالنسبة إلى وجوب الموافقة القطعية و علة تامة لحرمة المخالفة القطعية، و لكن صاحب الكفاية (قدّس سرّه)(2) أورد عليه بأنّ الترخيص في بعض الأطراف كالترخيص في المعصية حيث إنّ احتمال التكليف في بعض الأطراف كاحتماله في البعض الآخر إن كان منجزا كما هو المفروض فلا وجه للترخيص في شي‏ء منها، و إن لم يكن منجزا فالمتجه هو الترخيص في جميع الأطراف، و الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) ينكر ذلك.

____________

(1) فرائد الاصول/ 242.

(2) كفاية الاصول/ 273.

110

و على هذا فيثبت التلازم بين حرمة المخالفة القطعية و بين وجوب الموافقة القطعية، فلا يجري الأصل في شي‏ء من الأطراف، و يكون العلم الإجمالي كالتفصيلي بالنسبة إلى كلّ من حرمة المخالفة القطعية و وجوب الموافقة القطعية. هذا محصل ما أفاده المحقق الخراساني (قدّس سرّه) في الكفاية.

و قد أجاب عنه الميرزا النائيني انتصارا للشيخ (قدّس سرّه) بما حاصله: أنّ العلم الإجمالي لا يزيد على العلم التفصيلي، و من المعلوم أنّ الشارع تصرف في امتثال التكليف المعلوم تفصيلا بالاكتفاء بالامتثال الاحتمالي كما في موارد قاعدتي التجاوز و الفراغ، فإنّ الأمر بالركوع معلوم تفصيلا و الشارع اكتفى بامتثاله احتمالا إذا دخل في السجود و شك في الركوع، و على هذا فيمكن الاكتفاء بالامتثال الاحتمالي في التكليف الثابت بالعلم الإجمالي فيكون العلم الإجمالي كالتفصيلي في حرمة المخالفة القطعية فقط، و أما وجوب الموافقة القطعية فلا، فيتجه حينئذ كلام الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) في كون العلم الإجمالي علة تامة لحرمة المخالفة القطعية و مقتضيا لوجوب الموافقة القطعية.

[الأقوال في العلم الإجمالي‏]

فالمتحصل ممّا ذكرنا أنّ في العلم الإجمالي أقوالا ثلاثة:

أحدها: كونه كالشك البدوي.

ثانيها: كونه كالعلم التفصيلي في حرمة المخالفة القطعية دون الموافقة القطعية، فيجوز الترخيص في بعض الأطراف لانحفاظ رتبة الحكم الظاهري، و هي الشك و عدم مانع من الجعل لما عرفت من عدم كون الأصل في كلّ طرف منافيا للمعلوم بالإجمال، و من عدم لزوم مخالفة قطعية بعد عدم جريان الاصول المرخصة في جميع الأطراف بل في بعضها.

ثالثها: كون العلم الإجمالي علة تامة بالنسبة إلى كلّ من وجوب الموافقة القطعية و حرمة المخالفة القطعية لكون العلم الإجمالي علما بالحكم، و من البديهي تنجز الحكم بالعلم به، فيكون احتمال انطباق المعلوم بالإجمال على كلّ واحد من الأطراف‏

111

منجزا، و الترخيص في جميعها ترخيصا في المعصية و هو قبيح على المولى الحكيم تعالى شأنه، بخلاف القول الثاني فإنّ العلم الإجمالي بناء عليه مقتض لوجوب الموافقة القطعية، فهي موقوفة على عدم الإذن من الشارع في ارتكاب بعض الأطراف و مع الإذن لا يؤثر المقتضي.

أما وجه القول الأوّل- أعني كون العلم الإجمالي كالشك البدوي غير منجز أصلا لا بالنسبة إلى وجوب الموافقة القطعية، و لا بالنسبة إلى حرمة المخالفة القطعية- فهو: أنّ كلّ واحد من الأطراف مشكوك الحكم لأجل الشك في انطباق الموضوع المعلوم إجمالا عليه، و من المعلوم أنّ الشك في الحكم مجرى البراءة فتجري في كلّ واحد من الأطراف و لا يترتب على جريانها في جميع الأطراف إلّا حصول العلم بارتكاب النجس الواقعي بعد ارتكاب الجميع، و تحصيل العلم بمخالفة الواقع غير المنجز لا ذليل على حرمته، و لا يتوهم أنّ جريان البراءة في جميع الأطراف يستلزم جريان أصالة الحل في ما دار أمره بين المحذورين حيث إنّ كلّا من الوجوب و الحرمة مشكوك، فتجري فيه قاعدة الحل، و ذلك لأنّ قاعدة الحل ينافي مفادها المعلوم بالإجمال، ضرورة أنّ مفادها نفي الحكم الإلزامي الذي هو المعلوم إجمالا، و هذا بخلاف أصالة البراءة الجارية في كلّ واحد من الأطراف فإنّ كلّا من الأطراف مشكوك الحكم، و أصالة البراءة تنفي الحكم عنه بالخصوص و لا ينفي المعلوم بالإجمال، إذ ليس مفادها إلّا نفي الحكم الإلزامي عن شخص هذا الطرف و لا ينافي ذلك العلم الإجمالي بالحكم الإلزامي في بعض الأطراف، و كذا الأصل الجاري في الطرف الآخر و هكذا إلى آخر الأطراف.

و بالجملة فلا يجري أصل واحد في جميع الأطراف حتى يكون ذلك منافيا للمعلوم إجمالا، ففرق واضح بين أصل البراءة الجاري في الأطراف و بين قاعدة الحل لكون مفاد الثانية جمعيّا، و لذا تنافي المعلوم بالإجمال فلا تجري، دون أصل البراءة

112

لكون مفاده شخصيا، و لذا لا ينافي المعلوم بالإجمال فيجري.

[تفصيل الكفاية بين تعلق العلم الإجمالي بالتكليف الفعلي من جميع الجهات و بين غيره‏]

و قد وجّه صاحب الكفاية (قدّس سرّه)(1) جريان الاصول في أطراف العلم الإجمالي و كون العلم الإجمالي مقتضيا لوجوب الموافقة القطعية بما حاصله: أنّ العلم لا قصور في منجزيته و إنّما القصور في المعلوم، حيث إنّ المعلوم إن كان فعليا من جميع الجهات بحيث يكون مطلوبا من العبد حتى في ظرف الجهل به لتمكنه من الاحتياط حال الجهل فيكون العلم به منجزا له لا محالة، و لا يجري في شي‏ء من أطرافه الاصول العلمية لكونها منافية للتكليف الفعلي على كلّ تقدير، و إن لم يكن فعليا من جميع الجهات بل توقفت فعليته على العلم به بحيث كان العلم دخيلا في فعليته فلا يكون العلم الإجمالي به منجزا له فتجري الاصول في أطرافه.

و لكن الإنصاف عدم إمكان المساعدة عليه، لأنّ الفعلية من بعض الجهات مجرد فرض لا واقع له، لما قرّر في محلّه من اشتراك الأحكام الفعلية بين العالم و الجاهل و لا تدور فعليتها إلّا مدار وجود موضوعها دون العلم بها.

و بالجملة فلا قصور في المعلوم لكونه فعليا من جميع الجهات على ما قام عليه الإجماع و الأخبار (2) التي ادّعي تواترها من فعلية الأحكام للكلّ من غير فرق بين العالمين و الجاهلين، و على تقدير تسليم الفعلية من بعض الجهات و توقفها من جميع الجهات على العلم بها لا حاجة إلى إجراء الاصول العملية في الأطراف للقطع بعدم الحكم، إذ المفروض دخل العلم فيه فمع عدمه نقطع بعدم الحكم، و قد ذكرنا في محلّه عدم إمكان دخل العلم في الحكم حتى بنتيجة التقييد، نعم لا مانع من دخل العلم في الموضوعات بأن يقال: إنّ الحرمة مترتبة على معلوم الخمرية و هكذا، لكنه لم يقع و مجرد الإمكان لا يكفي في الالتزام بدخل العلم، فقد ظهر ممّا ذكرنا- من عدم دخل‏

____________

(1) كفاية الاصول/ 273.

(2) منها ما روي في الأمالي للشيخ/ 9.

113

العلم في الأحكام الفعلية المشتركة بين العالم و الجاهل و أنّ فعلية الحكم بوجود موضوعه لا العلم به- أنّ المعلوم لا قصور فيه أصلا و المفروض عدم قصور في العلم الإجمالي أيضا.

[عدم جريان الاصول في أطراف العلم الإجمالي‏]

و عليه فالعلم الإجمالي بالحكم منجز له، و أنّ احتمال انطباق المعلوم بالإجمال على كلّ واحد من الأطراف منجز و يصير الاحتمال المنجز كالقطع بالحكم، فالترخيص في بعض الأطراف يكون ترخيصا في المعصية و هو قبيح على المولى كما ثبت في علم الكلام، فجريان الأصل ممنوع من هذه الجهة لا من جهة قصور الدليل عن شمولاه لأطراف العلم الإجمالي لأجل المعارضة، فعمدة الإشكال في جريان الاصول في أطراف العلم الإجمالي هو لزوم الترخيص في المعصية لو كان المرخص فيه هو المعلوم إجمالا.

و نقض ذلك بموارد قاعدتي التجاوز و الفراغ لا يدفع الإشكال بل يوسع دائرة الإشكال، لأنّ الأمر بالواقع إما باق على حاله و إما مرتفع، فعلى الأوّل: يلزم الترخيص في المعصية لأنّه يريد الواقع، و مع ذلك يأذن في تركه. و على الثاني: يلزم عدم وجوب الإعادة إذا انكشف الخلاف، و عدم الإتيان بالمشكوك فيه إذا كان من الأركان، بل لا يتصور حينئذ انكشاف الخلاف لعدم الأمر بالركوع بالفرض، مع أنّه خلاف الضرورة، و لذا وقعنا في حيص و بيص و قلنا في محلّه بأنّ الضرورة تلجئنا إلى الالتزام بجعل البدل في موارد قاعدتي التجاوز و الفراغ، و كون المأتي به ناقصا بدلا عن التام بشرط بقاء المكلّف على الشك إلى أن يموت، إذ مع ارتفاع الشك و انكشاف عدم الإتيان بالمشكوك فيه يخرج المأتي به عن البدلية.

و الحاصل أنّه بناء على منجزية العلم الإجمالي لا يتصور الإذن و الترخيص في بعض الأطراف لأنّ الترخيص إن كان رافعا للتكليف في المأذون فيه، فيكون ذلك تصويبا مجمعا على بطلانه و إلّا يلزم الترخيص في المعصية.

114

لا يقال: إنّه لا بأس بالالتزام بالتصويب هنا كالالتزام باعتبار الأصل المثبت في بعض المقامات.

فإنّه يقال: بوضوح الفرق بينهما فإنّ الالتزام باعتبار الأصل المثبت يكون في خصوص الدليل الخاص الدال على اعتبار الأصل المثبت في بعض الموارد لئلّا يلزم اللغوية، كما إذا لم يترتب أثر شرعي على أصل إلّا إذا كان مثبتا، مثل أن يكون الأثر الشرعي ثابتا لخصوص اللوازم مثلا، فإنّه لو لم يكن مثبتات ذلك الأصل حجة لزم لغوية اعتباره، فلا بدّ من الالتزام بحجيّة الأصل المثبت في هذا المقام صونا لكلام الحكيم عن اللغوية، و لذا لا نقول بحجيّة الأصل المثبت بالدليل العام الدال على اعتبار الاصول، إذ لا يلزم من عدم اعتبار الأصل المثبت لغوية ذلك الدليل العام.

و الحاصل أنّه لا يتصور الترخيص في بعض أطراف العلم الإجمالي بعد الالتزام بمنجزيته، فيكون حاله حال العلم التفصيلي في كلّ من وجوب الموافقة القطعية و حرمة المخالفة القطعية، فالقول بالتلازم بين كلتا المرحلتين في غاية المتانة.

و قد ظهر ممّا ذكرنا أنّ الوجه في عدم جريان الاصول مطلقا تنزيلية كانت أم غيرها واحد و هو تضاد مفاد الأصل للمعلوم إجمالا، خلافا للميرزا النائيني (قدّس سرّه) القائل بكون الوجه في عدم جريان الاصول التنزيلية في أطراف العلم الإجمالي بمناط التضاد للمعلوم إجمالا، و عدم جريان غير التنزيلية كالبراءة و قاعدة الحل بمناط المخالفة القطعية.

و بعبارة اخرى الوجه في عدم جريان التنزيلية هو عدم انحفاظ رتبة الجعل، و في عدم جريان غير التنزيلية عدم انحفاظ رتبة الامتثال.

ثمّ إنّ المنقول عن الميرزا الكبير الشيرازي (قدّس سرّه) أنّه قبل تشرفه بسامراء كان بانيا على كون المانع عن جريان الاصول في أطراف العلم الإجمالي هو المخالفة العملية، و لذا كان يرى جريان استصحابي النجاسة في الإناءين اللذين علم بنجاستهما سابقا

115

و انتقضت الحالة السابقة في أحدهما، لعدم لزوم المخالفة العملية من جريانهما، و إنّما اللازم من جريانهما الاجتناب عن الطاهر الواقعي مقدمة للاجتناب عن النجس الواقعي، و لا ضير في ذلك، و بعد انتقاله إلى سامراء المشرفة ذهب إلى عدم جريان الاصول التنزيلية مطلقا و إن لم يلزم منها مخالفة عملية لتضاد المجعول للمعلوم إجمالا، فإنّ البناء التعبدي على كون أحد طرفي الشك هو الواقع ينافي العلم الوجداني على خلافه، فإذا كانت نجاسة الإناءين معلومة سابقا ثمّ علم بانتقاضها في أحدهما فإنّ البناء على نجاستهما للاستصحاب ينافي العلم الوجداني بطهارة أحدهما، فالقصور يكون في نفس الجعل لا في الدليل و الإثبات كما عن الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه)(1)، فإنّه جعل المانع قصور الدليل حيث إنّ اليقين في أحدهما قد انتقض بيقين آخر قطعا، و في الآخر مشكوك الانتقاض و لم يعلم أنّه في هذا الإناء أو ذاك الإناء فيكون التمسك بالدليل لعدم الانتقاض تمسكا بالدليل في الشبهة المصداقية.

[كلام الميرزا الكبير الشيرازي (قدّس سرّه) في التفصيل بين الاصول التنزيلية و غيرها]

و بالجملة فالاصول التنزيلية مطلقا لا تجري لعدم إمكان جعل الاصول في الأطراف، فلذا أفتى الميرزا الكبير الشيرازي (قدّس سرّه) بعدم جريان استصحاب النجاسة في الإناءين اللذين كانت حالتهما السابقة النجاسة ثمّ علم إجمالا بطهارة أحدهما، بعد أن كان بانيا على جريانه فيهما حين مجاورته للنجف الأشرف و تبعه على ذلك جماعة منهم الميرزا النائيني (قدّس سرّه) و شدد النكير على ما أفاده الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) من كون المانع من جريان الاصول قصور الدليل.

و لا يخفى أنّ ما ذكره الميرزا الكبير و متبعوه قدس اللّه أسرارهم من التفصيل بين الاصول التنزيلية و غيرها بناء على مبناهم من كون مفاد بعض الاصول التنزيل و الإحراز في غاية المتانة، و لكن الإشكال في المبنى إذ لم يثبت كون الاستصحاب مثلا محرزا، بل لا يعقل الإحراز في الشك، و المفروض أنّ موضوع الاستصحاب و غيره‏

____________

(1) فرائد الاصول/ 429.

116

من الاصول التنزيلية هو الشك، و ليست الاصول التنزيلية من الأمارات حتى يكون فيها الإحراز، و على هذا فلا فرق بين الاستصحاب و قاعدة الحل و أصالة البراءة في كون مفاد جميعها الترخيص في ترك الواقع و مخالفته و عدم جريانها في شي‏ء من الأطراف.

فتلخص من جميع ما ذكرنا أنّ العلم الإجمالي منجز و يكون كالعلم التفصيلي بالنسبة إلى كلّ من وجوب الموافقة القطعية و حرمة المخالفة كذلك، فلا تجري الاصول المرخصة في شي‏ء من الأطراف بعد ما عرفت من فعلية الأحكام بالنسبة إلى العالمين و الجاهلين و لا يكون الجهل مانعا عن الفعلية، فإنّ الترخيص في ترك امتثال الحكم الفعلي ينافي المطالبة فعلا كما تقدم، فلو قام نص خاص على الترخيص في بعض الأطراف فيكشف ذلك عن رفع الشارع طلبه عن ذلك الطرف و يكون الحكم في باقي الأطراف مشكوكا.

فإن قلت: إنّ المنع عن جريان الاصول في أطراف العلم الإجمالي يستلزم سدّ باب البراءة في الشبهات البدوية، إذ المفروض فعلية الحكم الواقعي بالنسبة إلى الكلّ و عدم تقيده بالعلم فلا تجري فيه البراءة، مع أنّ بناء الأصحاب على جريان البراءة فيها.

قلت: فرق واضح بين أطراف العلم الإجمالي و بين الشبهات البدوية، فإنّ التكليف في المشتبهات لما كان مشكوك الوجود فلا مانع من جريان البراءة فيه، بخلاف أطراف العلم الإجمالي، فإنّ وجود التكليف فيها لما كان معلوما فلا معنى لجريان البراءة فيه.

و الحاصل أنّ العلم الإجمالي منجز كالتفصيلي، و لو لا منجزيته لم يكن وجه لوجوب الاجتناب عن غير المفقود من الأطراف مع فقد بعضها، فإذا اريق ماء أحد الإناءين المشتبهين فلا وجه لوجوب الاجتناب عن الإناء الموجود إلّا تنجيز العلم‏

117

الإجمالي، لاحتمال انطباق المعلوم إجمالا على الإناء الموجود. هذا تمام الكلام في منجزية العلم الإجمالي.

[شرائط منجزية العلم الإجمالي‏]

بقي الكلام في شرائط تنجيزه للتكليف:

و قد ذكروا امورا في منجزيته، و هي في الحقيقة امور محققة للموضوع أعني العلم بالتكليف الفعلي المتعلق بالعالم، فلو لم يكن كذلك بأن لم يكن حكما أصلا كما إذا علم إجمالا إما بنقصان خيط في ثوبه أو اجر في بناء داره، أو كان الحكم محتملا كما إذا علم بخلل في إحدى الصلوات الأربع التي صلّاها إلى الجهات الأربع احتياطا لمراعاة القبلة المرددة بين الجهات، إذ الخلل إن كان في الصلاة الواقعة إلى القبلة تجب إعادتها و إلّا فلا.

فهذا العلم الإجمالي لا أثر له إذ لو كان الخلل في غير تلك الصلاة الواقعة إلى القبلة الواقعية لا يترتب عليه أثر لعدم كونها صلاة، و لذا تجري قاعدة الفراغ في الصلاة إلى القبلة الواقعية بلا معارض، نعم إذا علم بعد الفراغ عن الظهرين بزيادة ركوع في إحداهما فالعلم الإجمالي يؤثر على كلّ تقدير، إذ لو كان الركوع الزائد في صلاة الظهر يكون له الأثر و هو وجوب الإعادة، و كذا في صلاة العصر فتتعارض قاعدة الفراغ في كلّ منهما و تسقط و تجب إعادتهما، غاية الأمر أنّه لما كانتا متوافقتين في الحكم يكتفي في سقوط التكليف بإتيان رباعية مرددة بين الظهرين.

و توهم عدم التعارض هنا بين القاعدتين للترتب و الطولية- حيث إنّ العصر مترتبة على الظهر فيعلم ببطلان العصر، على كلّ حال إذ لو كانت زيادة الركوع في الظهر فالعصر باطلة لفقد شرطها و هو تقدم الظهر الصحيحة عليها، و لو كانت الزيادة في العصر فهي باطلة لأجل الزيادة المبطلة، فقاعدة الفراغ لا تجري في العصر للعلم ببطلانها و عدم إتيانها على وفق أمرها و تجري في الظهر بلا مانع- فاسد؛ لأنّ الطولية المانعة عن التعارض إنّما تكون في ما إذا كان الأصل محققا لموضوع أحد المترتبين‏

118

و مقوما له، فإنّه لا يتصور معارضة الأصل الجاري في الآخر للأصل المحقق لموضوعه كأصالة عدم الجنابة بالنسبة إلى أصالة عدم البول في البلل المشتبه بينهما، فإنّ أصالة عدم البول لا تعارض أصالة عدم الجنابة لأنّ مؤثرية البول في الوضوء منوطة بعدم الجنابة، إذ في ظرف وجود الجنابة لا أثر للبول، ففي ظرف جريان أصالة عدم الجنابة لا تجري أصالة عدم البول حتى يقع التعارض بينهما، و هذا بخلاف الظهرين فإنّ هذه الطولية مفقودة بينهما، و لذا تجري قاعدة الفراغ في كلتيهما و تسقط بالمعارضة و بقية الكلام في هذا الفراغ في محلّه.

[شرائط منجزية العلم الإجمالي‏]

و كذا لا أثر للعلم الإجمالي بالجنابة الدائرة بين شخصين كواجدي المني في الثوب المشترك، فإنّ كلّا منهما يجري استصحاب الطهارة في حقّ نفسه لعدم علم كلّ منهما بتكليف فعلي في حقه حتى إذا أراد أحدهما الاقتداء بالآخر، و ذلك لأنّ المأموم يجري استصحاب الطهارة في نفسه فتصح صلاته. و أما صلاة أمامه فإنّ الجنابة الواقعية للإمام مع عدم علم المأموم بها ليست مانعة عن صحة الايتمام به.

نعم إذا صارا من العدد المعتبر في صحة صلاة الجمعة يترتب على هذا العلم أثر حيث إنّ الخمسة أو السبعة بمنزلة شخص واحد يلزم عليهم إحراز طهارتهم، فلو كان أحدهما جنبا واقعا تبطل صلاته و بطلان صلاته يسري إلى صلوات باقي العدد.

و كذا يترتب الأثر على هذا العلم الإجمالي إذا اقتدى ثالث بهما، كما إذا اقتدى ثالث بأحد واجدي المني في الثوب المشترك في صلاته و بعد إتيان ركعة أو أزيد معه أحدث الإمام أو طرأ عليه الجنون فاستخلف هو صاحبه فاقتدى ذلك الثالث به في بقية صلاته، فحينئذ يعلم بإتيان بعض صلاته مع إمام جنب واقعا لأنّ الإمام الأوّل أو الثاني جنب قطعا فيحكم ببطلان صلاته.

و لكن لا بدّ من تقييده بما إذا تحمل الإمام القراءة، و ذلك يتصور في الصلاة الثنائية كصلاة الصبح و الرباعيات المقصورة فإنّه إذا اقتدى في الركعة الأولى بأحد

119

واجدي المني في الثوب المشترك و اقتدى بالآخر في الركعة الثانية فإنّه لا إشكال في حصول العلم حينئذ ببطلان صلاته لاقتدائه بإمام جنب واقعا مع العلم به إجمالا، فأصالة عدم الجنابة في كلّ من هذين الإمامين الواجدين للمني في الثوب المشترك تسقط بالمعارضة.

و كذا يترتب الأثر على العلم الإجمالي بجنابة أحد واجدي المني في الثوب المشترك في استئجارهما للصلاة عن الميت، للعلم ببطلان الصلاة التي يأتي بها أحدهما فلا تفرغ ذمة الميت قطعا، لأنّ الجنابة الواقعية مانعة للصلاة، و المفروض العلم بجنابة أحدهما واقعا و بطلان صلاته فلا يجوز استئجاره للصلاة.

نعم لا بأس باستئجارهما للصوم لأنّ المانع من صحة الصوم هو تعمد البقاء على الجنابة إلى الفجر دون الجنابة الواقعية و إن كانت مجهولة كما في المقام، فإنّ كلّا من واجدي المني جاهل لجنابته فلا يتصور في حقّهما التعمد على بقاء الجنابة حتى يبطل صومهما، فلا مانع من صحة استئجارهما للصوم، ففرق واضح بين الصلاة التي تكون الجنابة واقعا مانعة عن صحتها سواء علم بها المكلّف أم لا، و بين الصوم الذي يكون الجنابة المعلومة مانعة عن صحته، و كذا لا بأس باستئجارهما لكنس المسجد لأنّ حرمة المكث في المسجد على الجنب مشروطة بإحراز الجنابة، و مع عدم إحرازها بل إحراز عدمها بالأصل لا مانع من المكث فيجوز الكنس، و يكون مالكا لكنسه فلا بأس بتمليك الكنس للغير فما يعتبر في صحة الإجارة من مالكية الأجير لعمله و صحة تمليكه و استيفاء المستأجر له موجود في المقام.

و بالجملة فالضابط في كون العلم الإجمالي بالجنابة الدائرة بين شخصين علما بالتكليف هو كون الجنابة الواقعية موضوعا للأثر كالصلاة، دون إحرازها كما في الايتمام فإنّ المانع عن جواز الايتمام هو علم المأموم بجنابة إمامه، دون جنابة الإمام واقعا، و لذا قلنا بصحة اقتداء أحد واجدي المني في الثوب المشترك، إذ المأموم‏

120

لا يحرز جنابة الإمام فيجوز له الايتمام بالآخر.

ثمّ إنّ الامور التي ذكروها شرطا لتنجيز العلم الإجمالي كلّها ترجع إلى تحقق الموضوع و هو العلم بالتكليف الفعلي، و إلّا فلا ينبغي الإشكال في منجزية العلم لما تعلق به من الحكم، فالشروط الخمسة أو الستة كلّها دخيلة في تحقق العلم بالتكليف الفعلي المتعلق بالعالم مع عدم كون الإجمال مانعا عن العلم بالتكليف لكونه موجبا لتبدل الواقع في بعض الموارد كما سيظهر إن شاء اللّه تعالى.

و الحاصل أنّه متى تحققت الشرائط المحققة للعلم بالتكليف فلا إشكال في كونه منجزا له، و تجب موافقته القطعية على الأصح كما تقدم، و تحرم مخالفته القطعية.

[ما يوهم جواز المخالفة القطعية فيها]

و لكن وقع في جملة من الموارد ما يوهم جواز المخالفة القطعية للعلم الإجمالي.

منها: ما إذا أودع شخص درهمين عند زيد مثلا و شخص آخر درهما عند زيد أيضا، و تلف أحد الدراهم الثلاثة و لم يعلم أنّ التالف من مالك الدرهم أو الدرهمين، فإنهم حكموا بتنصيف الدرهم بين مالك الدرهم و الدرهمين مع أنّه يعلم بمخالفة التنصيف للواقع، لأنّ التالف إن كان من مالك الدرهمين فلا يملك نصف الدرهم الآخر، و إن كان من مالك الدرهم فلا وجه لأن يأخذ مالك الدرهم نصف الدرهم الموجود لكون تمام الدرهم الباقي من مالك الدرهمين، و بالجملة فالحكم بتنصيف الدرهم الموجود مخالف عملا للعلم الإجمالي بكون تمام الدرهم ملكا لأحدهما.

و لكن يمكن أن يقال بعدم لزوم المخالفة القطعية في هذا المورد، و ذلك لأنّ لهذه المسألة صورتين:

إحداهما: اختلاط الدراهم الثلاثة بحيث لا يتميز أحدها عن الآخر، و حينئذ تبطل ملكية خصوصية كلّ من المالين لمالكهما، و تقع الشركة بين مالك الدرهمين و بين مالك الدرهم، و تصير الدراهم مشتركة بينهما أثلاثا لأنّ اختلاط أحد المالين بالآخر من موجبات الشركة قهرا.

121

ثانيتهما: اشتباه أحد الدرهمين الموجودين بين مالك الدرهمين و بين مالك الدرهم و تردده بينهما، و من المقرّر في محلّه أنّ المال المردد بين محصورين يقسم بينهما، فالدرهم إذا تردد بين كونه ملكا لزيد أو لعمرو يقسم بينهما نصفين، نظير ما إذا ادّعى شخصان ملكية دار تكون تحت تصرفهما، مع عدم بينة لأحدهما، فإنّه يحكم بكون الدار لهما بالمناصفة، و الحكم بالتنصيف حكم واقعي، فالملكية التي هي من الامور الاعتبارية تتبدل و تتغير بسبب التردد و الاشتباه، فلعل مورد رواية السكوني‏ (1) القاضية بتنصيف الدرهم بينهما هو صورة التردد دون صورة الخلط الرافع لملكية الخصوصية بسبب ارتفاع الميز، إذ مقتضى القاعدة حينئذ هو صيرورة الدراهم الثلاثة مشتركة بينهما أثلاثا فما توى توى منهما، و ما بقي بقي لهما، كما ذهب إليه صاحب الجواهر (قدّس سرّه)(2) في الزكاة و الخمس.

و على هذا فلا بدّ من تقسيم الدرهمين الموجودين بينهما أثلاثا لا جعل أحد الدرهمين منصفا بينهما.

و بالجملة فبعد إمكان حمل الرواية الدالة على تنصيف الدرهم بينهما على الصورة الثانية لا يحصل علم بالمخالفة كما لا يخفى.

و منها: ما إذا اختلفا في الثمن و المثمن، كما إذا قال البائع بعتك وزنة من الحنطة بدينار، و قال المشتري بل بعتني وزنة من الرز بدينارين، فإنّه بعد التحالف و رجوع المالين إلى مالكيهما الأولين و انتقال كلّ من الثمن و المثمن إلى ثالث يحصل له علم بعدم انتقال أحد المالين من مالكه الواقعي إليه، و مع ذلك يحكم بمالكيته لهما و جواز تصرف ذلك الثالث فيهما.

و فيه أيضا أنّه بعد التحالف ينفسخ العقد كانفساخه بالإقالة، و من المعلوم أنّه‏

____________

(1) وسائل الشيعة 18/ 452، الحديث 24025.

(2) جواهر الكلام 26/ 226.

122

بعد التحالف و انفساخ العقد يرجع كلّ من المالين إلى مالكه الأصلي و يصير العقد كالعدم، و مع رجوع المالين إلى صاحبهما لا إشكال للثالث في التصرف فيهما بعد الانتقال إليه بناقل شرعي، نعم يرد الإشكال أعني لزوم المخالفة القطعية للتكليف المعلوم إذا لم نقل بانفساخ العقد بالتحالف، و أما مع الانفساخ فلا يلزم محذور أصلا.

و منها: ما إذا أقرّ بعين لزيد ثمّ أقر بها لعمرو، فإنّه يدفع العين للمقرّ له أوّلا و يغرم بدلها لعمرو، و من المعلوم أنّه إذا اجتمعت العين و بدلها عند ثالث يحصل له العلم بعدم انتقال مجموعهما من مالكيهما الواقعيين إليه، لأنّه إن كان الإقرار الأوّل مطابقا للواقع فبدل العين باق على ملك المقرّ، فانتقاله من المقرّ له ثانيا إلى الثالث انتقال للمال إليه من غير مالكه، فهذا الانتقال غير صحيح، و إن كان الإقرار الثاني كذلك فالعين المقرّ بها ملكه، و المفروض أنّ ناقلها إلى الثالث هو المقرّ له أولا و هو غير مالك لها ليصح له نقلها.

و الحاصل أنّه على تقدير صحة الإقرار الثاني لم تنتقل العين من مالكها الواقعي إلى الثالث، و على كلّ حال يعلم بمخالفة الواقع عملا لتصرفه في المال الذي لم ينتقل إليه من مالكه الواقعي المردد بين العين المقر بها و بين بدلها.

و فيه: أنّ النقض لا بدّ أن يكون بمورد مسلّم و ليس الحكم المزبور أعني دفع العين إلى المقرّ له أولا و بدلها إلى المقرّ له ثانيا مورد اتفاق الأصحاب، لأنّه ذكر في الشرائع‏ (1) كتاب الإقرار في المقصد الأوّل من مقاصد النظر الرابع ما لفظه: «إذا كان في يده دار على ظاهر التملك فقال هذه لفلان بل لفلان قضى بها للأول و غرم قيمتها للثاني، لأنّه حال بينه و بينها فهو كالمتلف»، انتهى.

و ليس في البين نصّ خاص، و إنّما حكموا بذلك لعموم دليل نفوذ إقرار العقلاء على أنفسهم، و لذا قيده بقوله على ظاهر التملك، و مراده بذلك كونه مالكا لأجل‏

____________

(1) شرائع الإسلام 3/ 141.

123

قاعدة اليد، فلو كان ملكا للغير و أقر به لا ينفذ، و قد ادّعى في الجواهر (1) نفي الخلاف، و عن الإيضاح‏ (2) ما يظهر منه الإجماع على ذلك.

و قد احتمل بعض سقوط الإقرار الثاني عن النفوذ و الاعتبار لاشتراط نفوذه بكونه على نفس المقرّ بأن يكون في ماله، و المفروض أنّه بمقتضى الإقرار الأوّل الجامع لشرائط النفوذ يحكم بكون العين للمقر له أولا، فيكون الإقرار الثاني واقعا في مال الغير و هو غير نافذ.

و لكن الحقّ ضعف هذا الاحتمال، حيث إنّ الإقرار الثاني إن كان منفصلا عن الإقرار الأوّل كأن يقول هذه الدار لزيد ثمّ يقول هذه الدار لعمرو، فله وجه لأنّ الإقرار الأوّل قد تمّ، و أما إن كان متصلا كما هو مفروض الشرائع فلا سبيل إلى الاحتمال المزبور أصلا، إذ للمتكلّم أن يلحق بكلامه من اللواحق ما شاء، فليس لأحد الاستظهار من الكلام إلّا بعد تماميته.

و حينئذ فيحتمل أن يكون قوله إضرابا عمّا أقرّ به أولا غلطا، فيكون المراد حينئذ أنّ الإقرار الأوّل اشتباه و الإقرار النافذ هو الثاني.

و يحتمل أن يكون إنكارا للأول و إقرارا ثانيا، فقوله بل لفلان إنكار و اقرار، حيث إنّ الإقرار له موضوعية لحكم الحاكم، فيكون الإقراران كالمتداعيين على شي‏ء واحد و استيلاء يدين دفعة على مباح، فإنّ اجتماع سببين لملكية مال واحد يقتضي تنصيف ذلك المال، و على هذا فالعين المقرّ بها للأول و الثاني تنصف بينهما، هذا بالنسبة إلى حكم الحاكم.

و أما بالنسبة إلى الواقع، فلما كان الإقرار طريقا إلى الواقع فيتساقطان كسائر الطرق المتعارضة، فيحكم ببقاء العين على ملك المقرّ و لا يدفع إلى المقرّ له أولا و ثانيا

____________

(1) جواهر الكلام 35/ 130.

(2) إيضاح الفوائد 2/ 458، كتاب الإقرار، الفصل الثالث في الإقرار بما ينافيه، المطلب الثاني فيما عدا الاستثناء.

124

شي‏ء من العين و بدلها.

و الحاصل أنّه لم يثبت إجماع على ما ذكره في الشرائع حتى يكون نقضا في المقام، و إن ذكر في محكي الإيضاح ما ربّما يوهم أو يظهر منه تسالم الأصحاب على ذلك و لكن الأمر ليس كذلك لوجود المخالف قطعا في المسألة.

و منها: ما إذا اختلفت الامّة على قولين، فإنّه يعلم إجمالا بكون أحد القولين قول المعصوم (عليه السّلام)، و مقتضاه عدم جواز إحداث قول ثالث، لكونه مخالفا لقوله (عليه السّلام) قطعا مع أنّ بناءهم على جوازه، إذ لو لم يكن جائزا لما كثرت الأقوال في المسائل الشرعية كما لا يخفى.

و فيه: منع العلم الإجمالي بكون أحد القولين قول المعصوم (عليه السّلام)، إذ لا منشأ له إلّا دعوى دخول المعصوم (عليه السّلام) في إحدى الطائفتين و هي غير ثابتة لكون الإجماع الدخولي أحد أقسام الإجماع، فلعل هذا الإجماع من اللطفي أو غيره ممّا لا يكون مبنيا على دخول المعصوم (عليه السّلام) في المجمعين.

و بالجملة لم يثبت دخول المعصوم (عليه السّلام) في المجمعين، و معه لا يحصل العلم الإجمالي بكون أحد القولين قول المعصوم (عليه السّلام) فلا يلزم من إحداث القول الثالث مخالفة الحكم المعلوم إجمالا، فتحصل من جميع ما ذكرنا أنّ العلم الإجمالي منجز و لا يلزم في شي‏ء من الموارد جواز مخالفته القطعية.

[فرع: في حكم الصلاة إذا علم إجمالا بكون ثوبه إما متنجسا و إما مغصوبا]

ثمّ إنّ الميرزا النائيني (قدّس سرّه) ذكر فرعا و هو أنّه إذا علم إجمالا بكون ثوبه إما متنجسا و إما مغصوبا و حكم ببطلان الصلاة في صورة تذكر العلم و صحتها في صورة النسيان.

لكنه لا يستقيم، و لا بدّ من الحكم بالصحة في كلتا الصورتين، ضرورة أنّه بناء على كون مسألة اجتماع الأمر و النهي من صغريات التزاحم يتوقف التزاحم على تنجز كلا الحكمين المنوط بالعلم بهما، و في المقام لا يكون حكم الغصب منجزا للشك في‏

125

موضوعه- أعني الغصبية- كما لا يكون حكم النجاسة- أعني المانعية- منجزا أيضا لاختصاص مانعية النجاسة للصلاة بحال العلم بالنجاسة كما هو قضية صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)(1)، فلا يكون شي‏ء من الحكمين منجزا، فتكون الصلاة صحيحة، نعم يمكن توجيه ما أفاده (قدّس سرّه) من التفصيل بين تذكر العلم و نسيانه بالصحة في الثاني و البطلان في الأوّل، بأنّه في صورة العلم و إن لم تكن النجاسة المشكوكة مانعة إلّا أنّ إحراز الطهارة لما كان شرطا كما هو قضية صحيحة زرارة الثالثة (2) المذكورة في الاستصحاب و كان إحرازها في صورة العلم الإجمالي غير ممكن، لمعارضة أصالة عدم نجاسة الثوب بأصالة عدم غصبيته فلا محالة تبطل الصلاة لفقدان شرطها، و هو إحراز الطهارة، هذا و لكن المختار هو ظاهر صحيحة عبد الرحمن من صحة الصلاة في حال الجهل بالنجاسة، و عليه، فلا فرق في الصحة بين صورتي تذكر العلم و نسيانه.

إيقاظ: [في كلام الميرزا النائيني (قدّس سرّه) في رواية السكوني‏]

لا يخفي أنّ الميرزا النائيني (قدّس سرّه) حمل رواية السكوني‏ (3) الدالة على تنصيف الدرهم الموجود من الدراهم الثلاثة المودعة عند شخص بين مالك الدرهم و بين مالك الدرهمين على صورة حصول الشركة و تحقق الإشاعة، و لكن التحقيق خلاف ذلك لعدم انطباق ضابط الشركة على المقام لأنّ كلّ مختلطين إما تبقى صورتهما النوعية بحدودها، و إما تفنى عن كلّ منهما، و إما تبقى في أحدهما دون الآخر، و الأوّل يكون من الاشتباه، و الثاني من الاشتراك، و الثالث من الإتلاف، و اختلاط الدراهم من‏

____________

(1) وسائل الشيعة 3/ 475، الحديث 4218.

(2) وسائل الشيعة 3/ 479، الحديث 4229.

(3) وسائل الشيعة 18/ 452، الحديث 24025.

126

قبيل الأوّل كما لا يخفى، مضافا إلى أن لزوم الشركة كون الدرهم الموجود بينهما أثلاثا لا نصفين كما هو نص الرواية.

و الحاصل أنّ العلم الإجمالي بالتكليف الفعلي منجز بلا إشكال، و في بعض الموارد كدراهم الودعي و موارد التحالف يكون عدم تنجيز العلم الإجمالي لأجل كون الإجمال مغيّرا للواقع و مبدّلا له، و مع تبدّل الواقع لا يبقى علم بالتكليف، فمن شرائط تنجيز العلم الإجمالي المحققة للعلم بالتكليف هو عدم كون الإجمال موجبا لتبدل الواقع، ففي كلّ مورد يكون الإجمال فيه مغيرا للواقع لا يكون العلم الإجمالي فيه علما بالتكليف حتى يكون منجزا له، فكون العلم الإجمالي منجزا للتكليف فرع كونه علما بالتكليف، و صيرورته علما بالتكليف منوطة بامور، و هي عدم كون الإجمال مغيرا للواقع و كون الحكم متعلقا بشخص العالم، و كون الأطراف موردا للابتلاء، فمع خروج بعضها عن محلّ الابتلاء كالاضطرار إلى بعض الأطراف معيّنا أو مخيرا لا يكون العلم الإجمالي علما بالتكليف و يأتي تفصيل الكلام في هذه الامور المعتبرة في تنجيز العلم الإجمالي في مبحث الاشتغال إن شاء اللّه تعالى.

و تلخص من جميع ما ذكرنا أنّ العلم الإجمالي إذا كان علما بالتكليف يكون منجزا كالعلم التفصيلي من دون تفاوت بين وجوب الموافقة القطعية و بين حرمة المخالفة القطعية، و الترخيص في بعض الأطراف منوط بتصوير الامتثال الاحتمالي المعبر عنه أحيانا بالقناعة في مقام الامتثال، و مع عدم تصوره كما قلنا لا يتصور الترخيص في أطراف العلم الإجمالي، فيتحقق حينئذ التلازم بين حرمة المخالفة القطعية، و بين وجوب الموافقة القطعية كالعلم التفصيلي. هذا تمام الكلام في منجزية العلم الإجمالي و ثبوت التلازم بين حرمة المخالفة القطعية و بين وجوب الموافقة القطعية.

[وجوب الموافقة الالتزامية]

و أما البحث عن وجوب الموافقة الالتزامية و عدمه، فحاصله: أن المراد

127

بالالتزام إن كان التصديق بما جاء به النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فلا إشكال في وجوب ذلك، لكنه ملازم للإيمان، و بدون هذا التصديق لا يكون مسلما، و هذا خارج عن وجوب الموافقة الالتزامية المبحوث عنها، و إن كان بمعنى آخر فلا يتصور إلّا أن يكون المراد بالالتزام التقبل و حمل الحكم على رقبته مضافا إلى علمه بكونه حقا جاء به النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) من عند اللّه تعالى، إذ قد يعلم بأنّ الحكم حقّ جاء به النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و لكنه لا يتقبل ذلك بأن يحمله على نفسه بحيث تكون نفسه حاملة لذلك، بل يأتي به عملا خوفا من اللّه سبحانه و تعالى من دون أن تقبله نفسه حتى يأتي به طوعا، فلا دليل لا عقلا و لا نقلا على وجوب الالتزام بهذا المعنى بل الواجب هو التصديق بما جاء به النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و العمل بالأركان، و لا دليل على وجوب أزيد من ذلك، إذ الحاكم في باب الإطاعة و هو العقل لا يحكم بأزيد من الموافقة عملا، و أما الموافقة التزاما بالمعنى الثاني فلا يحكم بوجوبها أصلا.

[كلام صاحب الكفاية (قدّس سرّه) في الموافقة الالتزامية]

ثمّ إنّ صاحب الكفاية (قدّس سرّه)(1) بعد أن أثبت عدم وجوب الموافقة الالتزامية بنى على وجوبها- على القول به- فيما لا تجب الموافقة العملية و لا حرمة المخالفة كذلك لامتناعهما، كما إذا علم إجمالا بوجوب شي‏ء أو حرمته فإنهما تمتنعان في دوران الأمر بين المحذورين بخلاف الموافقة الالتزامية، فإنّها بمكان من الإمكان لعدم مانع من الالتزام بالحكم الواقعي على ما هو عليه، و لا وجه لوجوبها بالنسبة إلى أحد الحكمين بالخصوص و بعنوانه لعدم إمكانه للوجوه التي ذكرها فلاحظ.

ثمّ قال (قدّس سرّه): «و من هنا قد انقدح أنّه لا يكون من قبل لزوم الالتزام مانع عن إجراء الاصول الحكمية أو الموضوعية ...» و ملخص ما أفاده أنّه على تقدير وجوب الموافقة الالتزامية لا مانع من جريان الاصول في أطراف العلم الإجمالي من ناحية

____________

(1) كفاية الاصول/ 268.

128

وجوب الموافقة الالتزامية على تقدير تمامية أدلة الاصول و عدم مانع من جهة اخرى غير لزوم الالتزام عن شمول أدلتها لأطراف العلم الإجمالي.

و وجه عدم مانعية وجوب الالتزام عن جريان الاصول هو أنّ وجوبه على القول به لا يقتضي الالتزام بواحد بالخصوص حتى يكون مانعا، بل الواجب هو الالتزام بالواقع على ما هو عليه، و لا بأس بجريان الأصل في كلّ طرف بالخصوص لو لم يكن مانع آخر من جريانه، و بالجملة فليس وجوب الموافقة الالتزامية بناء على القول مانعا عن جريان الاصول.

[بيان نتيجة البحث في العلم الإجمالي‏]

فصار المختار في العلم الإجمالي منجزيته بالنسبة إلى كلّ من وجوب الموافقة القطعية و حرمة المخالفة القطعية، فحاله حال العلم التفصيلي و لا يمكن الترخيص في بعض أطراف العلم الإجمالي لا بالعموم و لا بالخصوص، و على تقدير الترخيص في بعض الأطراف بدليل خاص لا بدّ من الالتزام بعدم كون المعلوم بالإجمال منجّزا على كلّ تقدير و فعليا من جميع الجهات، و أنّ المعلوم إجمالا على تقدير انطباقه على الطرف المأذون فيه ليس منجزا و فعليا حتى في ظرف انطباقه على الطرف المأذون فيه و انطباقه على سائر الأطراف مشكوك، فتجري فيها الاصول، فيرجع الأمر حينئذ إلى عدم العلم الإجمالي بحكم فعلي من جميع الجهات، و إلّا فلا يتصور الترخيص في أطراف العلم الإجمالي بحكم فعلي كذلك و الموارد المذكورة و غيرها ممّا ذكرها الشيخ (قدّس سرّه)(1) لجواز المخالفة القطعية للمعلوم بالإجمال قد عرفت عدم لزوم ذلك فيها أصلا، بل مرجع تلك الموارد إلى عدم العلم بالحكم الفعلي المنجز على كلّ تقدير، هذا تمام الكلام في مباحث المقصد الأوّل أعني القطع الذي هو حجة ذاتا في مقام إثبات التكليف و إسقاطه.

____________

(1) فرائد الاصول/ 17.

129

المقصد الثاني- في الظن‏

و الكلام فيه يقع في مقامات:

[المقام‏] الأوّل: في إمكان التعبد به ثبوتا و عدمه.

الثاني: فيما يمكن أن يكون مجعولا شرعيا.

الثالث: في مقام الإثبات و ما هو ظاهر أدلّة اعتبار الظن.

أما المقام الأوّل فالكلام فيه ثبوتي، و المراد بالإمكان المبحوث عنه في حجيّة الظن هو الإمكان الوقوعي بمعنى عدم لزوم محذور من حجيّة الظن لا شرعا و لا عقلا أو لزومه كذلك، فالبحث في المقام الأوّل متكفل لإثبات الإمكان بهذا المعنى، و قبل الخوض في بيان الإشكال المنسوب إلى ابن قبة من لزوم تحليل الحرام و عكسه من التعبد بالظن المنحل ذلك الإشكال إلى شعب أربع لا بدّ من بيان إشكال آخر و دفعه.

[الإشكال المتعلق بحجية الظن من لزوم لغويته‏]

أما الإشكال فحاصله: لغوية جعل الحجيّة لخبر الواحد أعني ما لا يفيد العلم، توضيحه: أنّ موضوع الحجيّة في دليل الاعتبار هو الخبر المصيب إلى الواقع دون مطلق الخبر و إن لم يكن مصادفا، و حينئذ فإنّ علم بمطابقة خبر للواقع فلا وجه لحجيّته تعبدا، إذ المفروض العلم بمطابقته للواقع و بعد العلم لا يبقى موضوع للحجيّة كما هو واضح، و إن شك في المطابقة فلا يمكن الرجوع إلى دليل الاعتبار في إثبات حجيّته لكون الشبهة مصداقية، و قد قرّر في محلّه عدم جواز الرجوع إلى العام في الشبهات المصداقية، و عليه يصير جعل الحجيّة لخبر الواحد لغوا و ممّا لا يترتب عليه الأثر،

[ورود نفس هذا الإشكال على الاحتياط الشرعي‏]

هذا و لا اختصاص لهذا الإشكال بخبر الواحد بل يرد ذلك على إيجاب الاحتياط الشرعي.

130

تقريبه: أنّ الاحتياط الواجب شرعا هو الاحتياط المصادف للواقع كما إذا وجب الاحتياط في المال المردد بينه و بين صاحبه، فإنّ موضوع وجوب الاجتناب عنه هو الاجتناب عن مال الغير، فإن كان المال المردد ملكا لصاحبه يكون الاجتناب عنه موضوعا للوجوب و إلّا فلا، لعدم وجوب الاجتناب عن مال نفسه قطعا، و حيث إنّه لم يعلم كونه ملكا لغيره فلا يمكن إثبات وجوب الاجتناب عنه بما دلّ على وجوب الاحتياط لكونه من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، لكون الاحتياط الواجب شرعا هو الاحتياط عن مال الغير و هو غير محرز، و إن احرز كونه مال الغير فلا حاجة إلى جعل إيجاب الاحتياط شرعا بعد حكم العقل بذلك كما لا يخفى.

[الجواب المنسوب إلى المحقق العراقي (قدّس سرّه)‏]

و أما الدفع المنسوب إلى شيخنا المحقق العراقي (قدّس سرّه) فحاصله: أنّه يمكن دفع لغوية الجعل بأنّه بعد العلم بكون جملة ممّا في أيدينا من الأخبار مطابقة للواقع فيعلم إجمالا بتنجز واقعيات مدلول عليها بتلك الأخبار المصادفة، و مقتضى تنجيز العلم الإجمالي وجوب مراعاتها، فيجب الاحتياط بالعمل بجميع ما بأيدينا من الأخبار لتنجز الواقع المدلول عليه بها، فاحتمال كون الواقع المنجز في كلّ واحد من الأخبار- منجز بمقتضى العلم الإجمالي، فالمتحصل أنّ نتيجة جعل الحجيّة للظن مثلا هي لزوم العمل بجميع الروايات فيخرج الجعل عن اللغوية.

و توضيح جواب المحقق العراقي (قدّس سرّه) عن هذا الإشكال أعني لغوية الجعل بعد وضوح البناء على الطريقية المحضة في الأمارات لا الموضوعية، و أنّ حجيّة الخبر غير المصادف للواقع لا تتصور إلّا بناء على الموضوعية التي هي خلاف الفرض- هو: أنّ جعل حجيّة الأمارة المصادفة يكشف عن تنجز الواقعيات المؤديات للأمارات، فاحتمال كون مضمون كلّ أمارة هو الواقع المنجز يوجب العمل بجميع الأمارات من باب العلم الإجمالي و حكم العقل بلزوم مراعاة الواقعيات المنجزة في تلك الأمارات،

131

فأثر جعل الحجيّة للأمارات هو لزوم الاحتياط عقلا بالعمل بجميع الأمارات، فلزوم العمل به يكون عقليا لا شرعيا، حتى يرد عليه بما اورد على إيجاب الاحتياط الشرعي: من أنّ إيجاب الاحتياط شرعا لما كان للتحفظ على الواقع فعلى تقدير عدم الاحتياط في المال المردد بينه و بين غيره و كونه ملكا له لا بدّ من عدم الالتزام باستحقاق العقاب على ترك الاحتياط، إلّا أنّ مقتضى إيجابه شرعا مولويا هو الاستحقاق، و الحاصل أنّ فائدة جعل حجيّة الأمارات هي لزوم العمل بها احتياطا بحكم العقل.

لا يقال: إنّ هذه الفائدة توجب انسداد باب البراءة في الشبهات البدوية، إذ المفروض كشف حجيّة الأمارات المصادفة عن تنجز الواقعيات و عدم رفع الشارع يده عنها، ففي كلّ مورد يحتمل الحكم الواقعي الإلزامي يكون هذا الاحتمال منجزا بمقتضى كشف دليل اعتبار الأمارات عن تنجز الواقعيات، فاحتمال الحكم الواقعي في أيّ مورد كان منجز و مع تنجز الاحتمال لا مجال للبراءة فينسد باب البراءة في الشبهات البدوية، و هذا خلاف بناء الأصحاب.

فإنّه يقال: المراد بكشف دليل اعتبار الأمارات عن تنجز الواقعيات خصوص الواقعيات التي أدت إليها الأمارات لا جميع الواقعيات، و انسداد البراءة منوط بتنجز الواقعيات كلها، و من المعلوم أنّه في الشبهات البدوية تكون قاعدة قبح العقاب من دون بيان محكمة لعدم بيان بالنسبة إلى الحكم الواقعي الثابت في الشبهات البدوية بخلاف الواقعيات التي قامت عليها الأمارات، فإنّ قاعدة قبح العقاب بلا بيان ترتفع بقيام الأمارة لكونها بيانا رافعا لموضوع القاعدة كما ثبت في محلّه.

[دفع إشكال اختصاص عدم اللغوية بما يمكن فيه الاحتياط]

و من هنا يظهر اندفاع توهم آخر و هو أنّ الاحتياط بالعمل بالأمارات الذي دفع به لغوية جعل الحجيّة للأمارات يختص بما يمكن فيه الاحتياط، و ذلك فيما إذا يحتمل الوجوب في مورد قيام الأمارة على الحرمة و لم يحتمل الحرمة في مورد قيام‏

132

الأمارة على الوجوب و إلّا فلا يمكن الاحتياط.

و الحاصل أنّ الاحتياط لا يكون في جميع الأمارات مع أنّ الغرض إثبات وجوب العمل بالأمارات طرا من باب الاحتياط العقلي.

توضيح وجه الاندفاع: أنّ الاحتمال المخالف لمؤدى الأمارة كاحتمال الوجوب مع كون الأمارة قائمة على الحرمة أو العكس ليس منجزا على تقدير التصادف لعدم قيام بيان عليه، فذلك الاحتمال المخالف للأمارة يكون مشمولا لقاعدة قبح العقاب بلا بيان فتجري فيه البراءة، و يكون البيان قائما على خصوص مؤدى الأمارة دون الاحتمال المخالف لمؤديها، و على هذا فيجب عقلا العمل بجميع الأمارات كما هو واضح.

و لكن يشكل الجواب المزبور، أعني دفع اللغوية بلزوم الاحتياط عقلا، بأنّ مقتضى الأخذ بالأمارات من باب الاحتياط عدم كونها مخصصة للعمومات الكتابية، مع أنّ بناء الأصحاب على التخصيص و التقييد بتلك الأمارات، و هذا كاشف عن عدم كون أخذهم بها من باب الاحتياط العقلي بل من باب الحجيّة و الاعتبار.

[بيان الإشكال المنسوب إلى ابن قبة (قدّس سرّه)‏]

و كيف كان فلنعطف عنان الكلام إلى بيان الإشكال المنسوب إلى ابن قبة و قد عرفت أنّه ذو شعب أربع، فمنها ما يرجع إلى المحذور الملاكي، و منها ما يرجع إلى المحذور الخطابي.

أما الأوّل: [المحذور الملاكي‏]

فهو أنّه يلزم من جعل الحجيّة للخبر مثلا، إما تفويت الملاكات بدون الجبران و التدارك و إما بقاء الحكم بلا ملاك و إما التصويب و كلّها باطلة لا سبيل إلى شي‏ء منها.

و توضيحه: أنّ الخبر لو كان مخالفا فإما أن يلتزم بأنّ ملاك الحكم الواقعي قد فات بلا جبران أو يلتزم بالتدارك، و عليه إما أن يبقى الحكم الواقعي أو يرتفع، فعلى الأوّل يلزم تفويت الملاك و هو قبيح بالبداهة، و على الثاني: يلزم بقاء الحكم‏

133

بلا ملاك، إذ المفروض أنّ ملاك الحكم الواقعي قد فات و إن تداركه الشارع و هو باطل أيضا، و قد عبّر شيخ الطائفة (قدّس سرّه)(1) عنه بخلوّ الحكم عن الصفة، و على الثالث يلزم التصويب المجمع على بطلانه.

[دفع الإشكال بالالتزام بالمصلحة التسهيلية]

و قد يدفع هذا الإشكال بأمرين، الأوّل: الالتزام بالمصلحة التسهيلية و هي سهولة الأمر على العباد التي هي من المصالح النوعية المقدمة على المصالح الشخصية، فإنّ المكلّف و إن كان باب العلم بالواقعيات مفتوحا له بمعنى تمكنه من تحصيل العلم بها إلّا أنّ التسهيل اقتضى جعل الحجيّة لقول زرارة، فالمصلحة النوعية التسهيلية توجب جبران المصلحة الفائتة الواقعية.

و فيه: أنّ الرجوع إلى الطرق الموجبة للعلم بالواقع إن كان حرجيا و الوقوع في العسر و الحرج أوجب جعل الحجيّة للأمارات لئلا يقع العباد في الحرج، فهذا عين الانسداد الذي هو خلاف الفرض، إذ المفروض هو الانفتاح، و إن لم يكن حرجيا بل كان الرجوع إلى كلّ من الطرق العلمية و الظنية على حدّ سواء فلا مصلحة تسهيلية توجب التدارك.

لا يقال: إنّ مصلحة الواقع تفوت أحيانا على كلّ تقدير سواء قلنا بحجيّة الظن أم لا، حيث إنّ العلم قد يكون جهلا مركبا فيفوت مصلحة الواقع اتفاقا في موارد العلم أيضا و مع فوتها على كلّ حال لا محذور في جعل الحجيّة للظن.

فإنّه يقال: إنّ الكلام في إمكان الجعل مع لزوم التفويت، ضرورة أنّ فوت الواقع في موارد خطأ بعض العلوم قهري و غير مستند إلى الشارع الحكيم، و أما في موارد خطأ الأمارة يكون التفويت مستندا إليه و من المعلوم قبحه، و الحاصل أنّه لا مجال لتصحيح حجيّة الأمارات بفوت مصلحة الواقع أحيانا على كلّ تقدير سواء

____________

(1) العدّة 1/ 103.

134

كانت الأمارة حجة أم لا لكون بعض العلوم خطأ أيضا.

و بالجملة فالمصلحة التسهيلية لا تتصور في ظرف الانفتاح و على تقدير تصورها يندفع إشكال التفويت فقط، و لكن يبقى الإشكال الآخر الوارد على سبيل منع الخلو و هو لزوم التصويب أو بقاء الحكم بلا ملاك، لأنّه بعد التدارك إما أن ينتفي الحكم الواقعي و إما أن يبقى، فعلى الأوّل يلزم التصويب و على الثاني يلزم أن يكون الحكم بلا ملاك و هو ممتنع على مذهب العدلية القائلين بتبعية الأحكام للمصالح و المفاسد في متعلقاتها لئلا يلزم الترجيح بلا مرجح.

[دفع الإشكال بالالتزام بالمصلحة السلوكية]

الثاني: الالتزام بالمصلحة السلوكية؛ توضيح ذلك: أنّ الأمارة قد توجب مصلحة في المؤدى تستلزم جعل الحكم على طبقها بحيث لا يكون في المؤدى مع الغض عن قيام الأمارة مصلحة و لا حكم أصلا، بل المصلحة و الحكم تابعان لقيام الأمارة، فالحكم الواقعي تابع للأمارة فمن قامت عنده الأمارة يكون في حقه حكم و من لم تقم عنده ليس في حقه حكم أصلا، و هذا هو التصويب الأشعري الباطل.

و قد يكون قيام الأمارة سببا لحدوث مصلحة أقوى في المؤدى من مصلحة الواقع، و صيرورة الحكم الفعلي على طبق الأمارة مع كون الحكم الواقعي و مصلحته غير متوقفين على قيام الأمارة، غاية الأمر أنّ قيام الأمارة على خلاف الواقع يكون كالعناوين الثانوية المغيّرة للحسن و القبح كالضرر و نحوه، فقيام الأمارة مانع عن فعلية الحكم الواقعي المشترك بين العالم و الجاهل، و الفرق بين الصورتين واضح لأنّه في الصورة الأولى يكون كلّ من الحكم الواقعي و مصلحته منوطا بقيام الأمارة بخلاف الصورة الثانية، فإنّ الحكم الواقعي و ملاكه موجودان مع الغض عن الأمارة، غاية الأمر أنّ قيام الأمارة المخالفة مانع عن فعليته.

و قد يكون قيام الأمارة سببا لحدوث مصلحة في السلوك و الاعتناء بها و الاعتماد عليها مع بقاء الواقع على ما هو عليه من الحكم و ملاكه من دون حدوث‏

135

مصلحة في المؤدى أصلا، و بمصلحة احترام الأمارة و الاستناد إليها يتدارك ما فات من مصلحة الواقع فتكون المصلحة السلوكية في طول الواقع لا عرضه و موجبة لتدارك ما فات من مصلحة الواقع، فلا يلزم إشكال تفويت المصلحة بدون التدارك، و هذه المصلحة السلوكية تتدارك بها المصلحة الفائتة بمقدار سلوك الأمارة، فإذا اعتمد على الأمارة في وقت الفضيلة بحيث فاتت مصلحة الفضيلة ثمّ انكشف الخلاف فيتدارك ما فات من مصلحة الفضيلة بالمصلحة السلوكية دون مصلحة وقت الإجزاء، و إذا اعتمد على الأمارة في تمام الوقت ثمّ انكشف الخلاف فالفائت هو المصلحة الأدائية، و سلوك الأمارة في الوقت يوجب تدارك المصلحة الأدائية فيجب القضاء في خارج الوقت، فالحكم باق على حاله و كذا مصلحته، فلا يلزم التصويب و لا التفويت بدون التدارك و لا بقاء الحكم بلا ملاك.

هذا في غير المحرمات و كذا الحال في المحرمات، فإنّه إذا قامت الأمارة على إباحة شرب الخمر مثلا فشربه ثمّ تبيّن حرمته فالمصلحة السلوكية يتدارك بها مفسدة الخمر الذي شربه، و أما سقوط حرمته فيكون لانتفاء موضوعه و هو الخمر الذي شربه فلا يلزم التصويب، لأنّه عبارة عن ارتفاع الحكم عن موضوعه الموجود فارتفاع الحكم لانتفاء موضوعه أجنبي عن التصويب كما لا يخفى.

[تصوير المصلحة السلوكية]

و لكن الكلام في تصوير المصلحة السلوكية الموجبة لتدارك المصلحة الفائتة، فإن كان المراد بها وجود المصلحة في سلوك الأمارة و الاعتماد عليها فيلزم ألا يتدارك بها مصلحة الواقع، ضرورة أنّ الأمارة إذا صادفت الواقع يستوفى منها مصلحتان إحداهما: مصلحة الواقع، و الاخرى: مصلحة سلوكها، و إذا خالفت الواقع لا يستوفي العامل بها إلّا المصلحة السلوكية، فتفوت منه مصلحة الواقع و لا تتدارك بشي‏ء.

إلّا أن يقال: إنّ المصلحة السلوكية تختص بصورة مخالفة الأمارة للواقع،

136

و أما في صورة المصادفة فليس في البين مصلحة سلوكية أصلا، نظير المصلحة في تغيير الطريق في حال الذهاب، فإنّه ورد في الأخبار (1) أنّ الذاهب إلى خير كالتشرف بزيارة الأمير عليه الصلاة و السلام يستحب له تغيير الطريق وقت الإياب لأنّه أرزق، و إن كان الطريق الأوّل الذهابي مساويا للطريق الإيابي المغاير له من حيث القرب و البعد و غيرهما إلّا أنّ نفس التغيير و مخالفة الطريق الأوّل فيه المصلحة المزبورة، أعني سعة الرزق، و نظير المصلحة في نفس الأمر لترتب استحقاق العقوبة عليه. و بالجملة فتدارك المصلحة الفائتة الواقعية بالمصلحة السلوكية منوط بمخالفة الأمارة للواقع، و هذا في غاية البعد و الوهن.

نعم يمكن أن يراد بالمصلحة السلوكية أنّ الشارع لما كان عالما بخطإ العلوم التي تحصل للعبد من أسبابها المتعارفة أكثر من خطأ الأمارات فجعل الأمارات حجة لحفظ الواقعيات التي تفوت بالعمل بالعلم، ففي جعل حجيّة الأمارات خير و هو إدراك بعض الواقعيات التي تفوت عند العمل بالعلم.

ثمّ إنّ كلمات الميرزا النائيني (قدّس سرّه) في دوراته الثلاث الاصولية قد اختلفت غاية الاختلاف، و ما اختاره في الدورة الأخيرة هو هذا الذي ذكرناه، و لا بأس به، فعلى هذا يرتفع الإشكال الملاكي و هو تفويت المصلحة بدون التدارك أو التصويب أو بقاء الحكم بلا ملاك من أصله لأنّه لا يلزم التفويت بدون التدارك، إذ المفروض تداركه بالمصلحة السلوكية بالمعنى الأخير، و لا التصويب لفرض بقاء الحكم الواقعي على حاله، و لا بقاء الحكم بلا ملاك لما عرفت من بقاء ملاكه.

و بالجملة فإشكال استحالة الجعل من حيث الملاك مندفع فصار الجعل من جهة الملاك ممكنا.

____________

(1) وسائل الشيعة 7/ 479، الحديث 9907.

137

و أما الثاني: و هو المحذور الخطابي‏

فتوضيحه أنّ الأمارة إذا أدت إلى وجوب مؤداها- و المفروض أنّ الحكم الواقعي هو الحرمة- فيلزم اجتماع الضدين أو صادفت الواقع فيلزم اجتماع المثلين، و من المعلوم عدم إمكان كون موضوع واحد محكوما بحكمين مثلين أو ضدين كما لا يخفى.

و يمكن دفعه أيضا أما بالنسبة إلى اجتماع المثلين فللتأكد، فإنّ الأمارة إذا قامت على وجوب صلاة الجمعة و كان حكمها الواقعي أيضا الوجوب فيتأكد الوجوب و يندك أحدهما في الآخر فيرتفع حدّ كلّ منهما بالاندكاك في الآخر (1)، و أما بالنسبة إلى اجتماع الضدين فلأنّه منوط بجعل المؤدى في قبال الواقع و ليس الأمر كذلك، إذ لا نقول بالجعل بل نقول بجعل الحجيّة و الطريقية و المحرزية و الوسطية و نحو ذلك من التعبيرات اللطيفة، فليس في الأمارة جعل حكم حتى يلزم اجتماع الضدين في صورة عدم المصادفة. و بالجملة فالمحذور الخطابي أيضا مندفع.

و قد ظهر من هنا أنّ ما تفصّي به في الجمع بين الحكم الظاهري و الواقعي لا موضوع له في الأمارات لما عرفت من عدم جعل المؤدى فيها حتى تكون مؤدياتها أحكاما ظاهرية، نعم يكون له موضوع في الاصول.

[ملخص المباحث السابقة]

فتلخص من البحث عدّة مطالب:

المطلب الأوّل: أنّ سلوك الأمارة إن كان فيه مصلحة كما هو المفروض فإن كانت مطابقة للواقع فيستوفي العامل بالأمارة مصلحتين أحدهما مصلحة الواقع، و الاخرى مصلحة سلوك الأمارة، و إن كانت مخالفة له فيستوفي العامل بها مصلحة السلوك فقط، فإذا فرضنا أنّ مصلحة الواقع درهمان و مصلحة السلوك درهم واحد

____________

(1) هذا على تقدير تسليم جعل المؤدي في قبال الواقع و أما بناء على عدم جعل الحكم في الأمارة فالأمر أسهل إذ لا حكم حتى يماثل الحكم الواقعي.

138

ففي صورة المطابقة يعود إلى العامل بالأمارة ثلاثة دراهم، و في صورة المخالفة درهم واحد فلا يتدارك المصلحة الفائتة في صورة المخالفة أصلا.

فإشكال تفويت مصلحة الواقع بلا تدارك باق على حاله و لم يندفع بالمصلحة السلوكية.

إلّا أن يقال: إنّه في صورة المخالفة يستفيد المعتمد على الأمارة درهما و هو مصلحة سلوك الأمارة بخلاف العلم المخالف للواقع، فإنّه لا يعود إليه شي‏ء حتى درهم واحد الدرهم الواحد الذي كان عائدا إليه عند خطأ الأمارة، فعلى هذا تكون الأمارة أحسن حالا من العلم فيحسن اعتبارها حفظا لمصلحة سلوكها.

لكن التحقيق أن إشكال التفويت و كون قبحه مسلما ممّا لا أساس له أصلا، ضرورة أنّ المصالح و الملاكات مختلفة في الاهتمام و عدمه، فإن كان الملاك مهما عند الشارع بمثابة يريده في جميع الحالات حتى في ظرف الشك، فلا بدّ حينئذ للشارع من إعلام العبد بهذا الاهتمام و لو بإيجاب الاحتياط، و إن لم يكن مهما بهذه المثابة فلا قبح في التفويت أصلا، و مع اختلاف المصالح في الاهتمام و عدمه إذا أدت الأمارة إلى خلاف الواقع يكشف خطأ الأمارة عن عدم كون المصلحة الواقعية بتلك المثابة من الاهتمام، و إلّا كان على الشارع مع علمه بخطاء الأمارة أحيانا إيجاب الاحتياط، لأنّ نفس الخطاب الواقعي لا يكون حافظا للواقع في جميع الحالات حتى حال الشك، بل فائدة الخطاب الواقعي ليست إلّا استحقاق المؤاخذة على مخالفته على تقدير العلم بذلك الخطاب، و إلّا فلا يكون مجرد الخطاب الواقعي كاشفا عن إرادة المصلحة و مطلوبيتها على كلّ حال، بل الكاشف عن المطلوبية المطلقة هو الخطاب الثانوي المتمم لمحركية الخطاب الأولي، و المراد بالخطاب المتمم للمحركية هو إيجاب الاحتياط.

فتلخص ممّا ذكرنا: أن تفويت المصلحة بدون التدارك ليس محذورا مطلقا

139

و محذوريته موقوفة على مطلوبية المصلحة على كلّ حال، و الخطاب الأولي قاصر عن كشف المطلوبية المطلقة، و مع عدم الكاشف عن ذلك لا محذور في التفويت أصلا كما يشهد به سكوته عن كثير من المصالح و عدم بيانها، فإنّه كاشف عن عدم اهتمام الشارع بها، و على هذا فليس محذور التفويت بدون التدارك برهانا على امتناع التعبد بالأمارة غير العلمية.

المطلب الثاني: أنّ عمدة الإشكال في حجيّة الأمارة هو محذور التصويب بناء على ارتفاع الحكم الواقعي في موارد خطاء الأمارة أو اجتماع الضدين أو النقيضين بناء على بقاء الحكم الواقعي على حاله.

لكنه مندفع أيضا لابتناء هذا الإشكال على جعل المؤدى، مثلا إذا قامت الأمارة على وجوب صلاة الجمعة و كان حكمها الواقعي الحرمة، فحينئذ إن قلنا بارتفاع الحرمة بقيام الأمارة على الوجوب يلزم التصويب و إلّا فيلزم اجتماع الضدين، و أما بناء على عدم جعل المؤدى بل قلنا إنّ المجعول هو الطريقية فإن طابقت الأمارة الواقع فليس في البين إلّا الحكم الواقعي، و إن أخطأ فالعامل بها معذور في ترك الواقع، فالواقع باق على حاله و ليس حكم غيره فلا يلزم تصويب، و لا اجتماع الضدين أصلا.

فصار المتحصل من جميع ما ذكرناه أنّه لا محذور في حجيّة الأمارات أصلا لا ملاكا و هو التفويت بدون التدارك و لا خطابا و هو التصويب أو اجتماع الضدين، فالتعبد بالأمارات ممكن بمعنى عدم لزوم محذور ملاكي و لا خطابي من ذلك.

المطلب الثالث: أنّ المستشكل في التعبد بالأمارات بالإشكالات المزبورة الملاكية و الخطابية يقول بأنّه إذا سلمنا اندفاع تلك الإشكالات في الأمارات و لكن الإشكالين الأخيرين أعني لزوم التصويب أو اجتماع الضدين متوجهان على حجيّة الاصول، لأنّ الطريقية غير متصورة في الاصول، و على هذا فجعل الحلية للمشكوك‏

140

إن كان رافعا للحرمة الواقعية يلزم التصويب، و إلّا يلزم اجتماع الضدين لأنّ الحكم الظاهري و إن كان في طول الواقع و غير واصل إلى ذلك إلّا أنّ الحكم الواقعي مطلق يشمل صورة الشك الذي هو موضوع الحكم الظاهري، فيكون في حال الشك حكمان و هما الحرمة الواقعية و الحلية الظاهرية، و ليس ذلك إلّا التضاد.

[وجوه الجمع بين الحكم الظاهري و الواقعي‏]

و بالجملة فلا بدّ من علاج هذا المحذور، أعني اجتماع الحكمين المتضادين في موارد الاصول و قد تفصّي عن هذا المحذور بوجوه:

الأوّل: أنّ أحدهما ظاهري و الآخر واقعي و لا تنافي بينهما.

و فيه: أنّه كيف يرتفع بالظاهرية و الواقعية محذور التضاد، مع أنّ الكلام في تصوير الحكم الظاهري و كيفية اجتماعه مع الواقعي على وجه لا يلزم منه اجتماع الضدين، و مرجع هذا الوجه إلى اختلاف المحمول و هو الحكم، و لعل مراد القائل بهذا الوجه أنّ الحلية الظاهرية يراد بها الترخيص في ترك الحرمة الواقعية لا جعل الحلية في مقابل الحرمة الواقعية، فإن كان هذا مراده فلا بأس به.

الثاني: اختلاف الموضوع في الحكم الواقعي و الظاهري، توضيحه: أنّ موضوع الحكم الواقعي ذات الشي‏ء، و موضوع الحكم الظاهري هو الشي‏ء بوصف كونه مشكوك الحكم، و هما موضوعان و مع تعدّد الموضوع لا يتحقق التضاد كما لا يخفى.

و فيه: أنّ الشك سواء كان جهة تقييدية أم تعليلية لا يدفع محذور التضاد، ضرورة أنّ الشك إن كان جهة تعليلية فيتحد الموضوع حقيقة لأنّ موضوع الحكم الواقعي هو ذات الشي‏ء بعنوانه الأولي و موضوع الحكم الظاهري أيضا هو ذلك لأجل الشك، فالشك يصير ملاكا لجعل الحلية الظاهرية لنفس الشي‏ء بعنوانه الأولي، و مع وحدة الموضوع و لو مع اختلاف الملاك يلزم التضاد كما هو واضح، و إن كان جهة تقييدية فالحكم الظاهري و إن لم يصعد إلى الواقع لتأخر موضوعه عن‏

141

الواقع إلّا أنّ الحكم الواقعي لإطلاقه و عدم تقيده بشي‏ء يكون موجودا في ظرف الشك‏ (1)، ففي حال الشك يجتمع الحكم الواقعي لإطلاقه مع الحكم الظاهري، و لا يندفع محذور التضاد بدخل الشك بنحو القيدية في موضوع الحكم الظاهري.

الثالث: منع التضاد بين الحكم الواقعي و الظاهري، بتقريب: أنّ الأحكام لا تضاد بينها إلّا في مقام المحركية إذ لا يمتنع أن يكون شي‏ء واحد في ان واحد محبوبا لشخص و مبغوضا لآخر و ليست الأحكام كالأعراض الخارجية من السواد و البياض و نحوهما ممّا لا يمكن اجتماعها و لو من شخصين، فإنّه إذا أراد شخص أنّ يبيّض جسما و أخر أن يسوّده في ان واحد فلا يمكن ذلك أصلا، و لكن مجرد الحبّ و البغض ليس كذلك إذ لا مانع من تعلق حبّ أحدهما بتبييضه و الآخر بتسويده، ففي المقام لا مانع من تعلق حبّ الشارع بالترخيص و كراهته عنه من دون الجري على مقتضى حبه و كراهته في الخارج، لعدم تضاد و تناف بين الحبّ و البغض المجردين عن الجري على طبقها.

و فيه: فساد المبنى لعدم كون الأحكام من قبيل حبّ شخص بشي‏ء و كراهة آخر له، ضرورة كون المحبّ و الكاره واحدا و هو الشارع لا متعدّدا و لا يمكن تعلق حبه و بغضه بشي‏ء واحد في ان واحد، هذا مضافا إلى عدم كون الأحكام من قبيل الحبّ و البغض بل هي إنشائية و لا يمكن إنشاء المنع و عدمه لشي‏ء واحد لشخص واحد و في زمان واحد.

____________

(1) أفاد سيدنا الاستاذ مد ظله في بعض دورات الاصول توضيح هذا المطلب، و محصل التوضيح الذي أفاده هو أنّ الحكم الواقعي و إن لم يكن بالنسبة إلى انقسامات الموضوع و المتعلق المتأخرة عن الحكم مطلقا و لا مقيدا بالإطلاق و التقييد اللحاظيين، إلّا أنّه لا بدّ من إطلاقه أو تقييده بها بنتيجة الإطلاق أو التقييد، لعدم تعقل الإهمال، إذ المولى إما تعلق غرضه بالطلب من خصوص العالم بالحكم أو أعم منه، و لا يمكن ارتفاعهما كما هو واضح، و حينئذ فإن كان الواقع مقيدا بالعلم يلزم التصويب و إلّا فيجتمع الحكمان في ظرف الشك.

142

الرابع: ما أفاده الميرزا النائيني (قدّس سرّه)- بعد نقل دفع الإشكال الخطابي الوارد على التعبد بالظن بالوجوه الثلاثة من تعدّد الموضوع، و تعدّد المحمول، و الإنشائية أو الشأنية، و الفعلية-، وردها.

أما الأولان: فقد عرفتهما مع ردّهما و عدم إجدائهما في دفع الإشكال المزبور فلا نعيدهما.

و أما الأخير: فقد نسب إلى ظاهر بعض كلمات الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه)(1) و إلى صاحب الكفاية (قدّس سرّه)(2) في مبحث اجتماع الأمر و النهي، حيث جعل المجمع واحدا وجودا و ماهية و مقتضاه بطلان الصلاة حتى في صورة الجهل بالغصب لكونه من النهي في العبادة مع أنّه من المسلّم صحتها في حال الجهل بالموضوع، فتفصّى هو (قدّس سرّه) عن هذا الإشكال بالالتزام بكون حرمة الغصب حينئذ إنشائية و كون الوجوب فعليا و لا تنافي بين الإنشائية و الفعلية و لا دافع لهذا الإشكال إلّا هذا الجواب.

لكن الظاهر عدول صاحب الكفاية (قدّس سرّه)(3) عن إنشائية الأحكام الواقعية في الجزء الثاني من الكفاية، حيث إنّه عبّر عن الإنشائي بما لو علم به لتنجز، و من المعلوم أنّ العلم بالملاك المقتضي لجعل الحكم لا يوجب التنجز لعدم حكم و جعل حتى يتنجّز بالعلم إن اريد بالإنشائي وجود المقتضي للحكم، و كذا العلم بالإنشاء إن اريد بالإنشاء الجعل لا صرف المقتضي، ضرورة أنّ مجرد الإنشاء على طبق المقتضي مع عدم العلم و الإحاطة بالجهات المزاحمة له لا يوجب التنجز، فالتعبير بقوله: (بما لو علم به لتنجز) ظاهر في إرادة الفعلية من الإنشائية.

و كيف كان فمحصل ما أفاده الميرزا النائيني (قدّس سرّه) في توضيحه و ردّه: هو أنّ المراد

____________

(1) فرائد الاصول/ 30.

(2) كفاية الاصول/ 175.

(3) كفاية الاصول/ 267.

143

بالشأنية أو الإنشائية إن كان ملاك الحكم و المقتضي له فهو ليس حكما قطعا فإنّ ملاك الحكم علة له لا نفسه، و إن كان الجعل المطابق للمقتضي حتى يلاحظ سائر ما له دخل في الحكم من الشرائط و الموانع، فإن كان جميع ما له دخل في الحكم موجودا يصير ذلك الإنشاء فعليا و إلّا فيرفع اليد عن ذلك الإنشاء، و يكون وجوده كعدمه.

ففيه: أنّ مثل هذا الإنشاء لا يعقل بالنسبة إلى الشارع الحكيم المحيط بجميع الجهات الدخيلة في الحكم لأنّه حين الإنشاء يحيط بجميع تلك الجهات و ليس له حالة توقف و انتظار.

و بالجملة فلا يندفع الإشكال الخطابي الوارد على التعبد بالأمارات غير العلمية بالوجوه الثلاثة المزبورة و لذا جعل التحقيق في دفع الإشكال الخطابي وجها آخر.

[كلام الميرزا النائيني (قدّس سرّه) في دفع إشكال الجمع في الأمارات‏]

و حاصل ما أفاده الميرزا النائيني (قدّس سرّه) في ذلك هو أنّ لكلّ من الأمارات و الاصول في دفع الإشكال وجها يخصّه، فالكلام يقع في مقامين:

[المقام‏] الأوّل: في الأمارات.

و الثاني: في الاصول.

أما المقام الأوّل: فملخص الكلام فيه أنّ تضادّ مؤدى الأمارة للواقع منوط بجعل حكم تكليفي للمؤدى حتى يكون في طرف مخالفة الأمارة للواقع حكمان متضادان، كما إذا كان مؤدى الأمارة حرمة شرب التتن و حكمه الواقعي حليته، فشرب التتن حينئذ محكوم بحكمين: أحدهما الحرمة بعنوان كونه مؤدى الأمارة و الآخر: الحلية بعنوانه الأولي، و العنوان الثاني و هو كونه مؤدى الأمارة و إن لم يصعد إلى الواقع إلّا أنّ الحكم الواقعي لما كان مطلقا- و لو بنتيجة الإطلاق بالنسبة إلى قيام الأمارة على خلافه أو وفاقه- فيكون ثابتا في حال قيام الأمارة على خلافه، فحينئذ يجتمع حكمان متضادان، و إن قيّد الواقع بعدم قيام الأمارة على خلافه يلزم التصويب المجمع على بطلانه، و قد دلت الروايات المستفيضة أو المتواترة على ما قيل على‏

144

اشتراك الأحكام بين العالمين و الجاهلين‏ (1) و إطلاقها و عدم تقيدها في الأحكام إلّا في موردين أحدهما الجهر و الإخفات‏ (2)، و الآخر القصر و الإتمام‏ (3)، و في الموضوعات في مورد واحد و هو مانعية ما لا يؤكل فإنّ للعلم بغير المأكول دخلا في مانعيته‏ (4).

و بالجملة فالتضاد بين الحكم الواقعي و الظاهري موقوف على جعل حكم تكليفي للمؤدى، و أما بناء على عدمه و كون المجعول الحكم الوضعي و هو الطريقية و الوسطية في الإثبات- على ما قرّر في محلّه من قابلية الأحكام الوضعية للجعل أصالة إلّا السببية و الشرطية و الجزئية و المانعية- و من الأحكام الوضعية الحجيّة و هي المجعولة في الأمارات و ليست من المجعولات الشرعية التأسيسية بل الإمضائية، فإنّ خبر الثقة أو العادل من الطرق العقلائية التي أمضاها الشارع و لم يردع عنها كما ردع عن القياس لما فيه من المفاسد، مع أنّه من الطرق العقلائية بخلاف الخبر فإنّه ممّا أمضاه و لم يخترع طريقا خاصا في تبليغ أحكامه.

و ليس المراد بجعل الطريقية و الكاشفية إعطاء صفة المحرزية للأمارة كما هو ظاهر بعض عبارات التقرير (5)، و ذلك لأنّ ما ليس بكاشف تام لا يعقل أن يصير تاما بالتشريع، بل إعطاؤها تشريعا للأمارة عبارة عن تنزيل ما ليس بالعلم منزلة العلم في الآثار الشرعية نظير الاستصحاب. نعم إمضاء الشارع للأمارات و الطرق العقلائية يوجب ازدياد كشفها تكوينا نظير التوثيقات الرجالية، فإنّ جلالة زرارة الذي هو من الستة الأولى صارت كالشمس من جهة كثرة التوثيقات.

و الحاصل أنّ في الأمارات ليس حكم تكليفي حتى يلزم اجتماع الضدين بل‏

____________

(1) منها ما روي في الأمالي للشيخ/ 9.

(2) وسائل الشيعة 6/ 86، الباب 26 من أبواب القراءة في الصلاة.

(3) وسائل الشيعة 8/ 505، الباب 17 من أبواب صلاة المسافر.

(4) وسائل الشيعة 3/ 475، الحديث 4218.

(5) المراد تقريرات الميرزا النائيني (قدّس سرّه).

145

المجعول حكم وضعي و هي الطريقية و إمضاء ما عليه العقلاء، فإن أصابت الواقع تنجزها و إلّا فالعامل بها معذور.

ثمّ ذكر الميرزا النائيني (قدّس سرّه): أنّ ما ذكرناه من كون المجعول في الأمارات هو الحجيّة هو الحقّ الذي لا محيص عنه دون ما ذكره الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه)(1) من كون المجعول الحكم التكليفي، و أنّ الحجيّة منتزعة عن ذلك الحكم التكليفي، نظير ما ربما يقال من انتزاع الملكية من جواز تصرف المالك في ماله و عدم جواز تصرف غيره فيه بدون إذنه، و نظير انتزاع الزوجية من جواز الوطي و وجوب الإنفاق و حرمة ترك وطئها أكثر من أربعة أشهر، و غير ذلك من الأحكام التكليفية، فإنّ منشأ انتزاع الزوجية مجموع هذه الأحكام.

نعم يمكن أن يكون منشأ انتزاع الحجيّة ما ذكره الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه)(2) في دليل الانسداد، فإنّه بعد ما نقل كلام صاحب الحاشية (قدّس سرّه)(3) في الوجه الثاني من الوجهين اللذين ذكرهما لإثبات كون نتيجة مقدمات الانسداد اعتبار الظن بالطريق لا نفس الحكم الفرعي- قال (قدّس سرّه) في ردّ هذا الوجه: فيه أنّ تفريغ الذمة عمّا اشتغلت به إما بفعل نفس ما أراده الشارع في ضمن الأوامر الواقعية و إما بفعل ما حكم حكما جعليا بأنّه نفس المراد و هو مضمون الطرق المجعولة إلى آخر كلامه، فإنّ ظاهر هذه العبارة هو جعل الهوهوية بمعنى جعل المؤدى هو الواقع، و عليه يمكن أن يكون هذا الجعل منشأ لانتزاع الحجيّة للأمارات.

لكن الكلام في صحة هذا الجعل، لأنّ الأمارة المخالفة للواقع كيف يمكن جعل مؤداها هو الواقع مع كون الهوهوية مترتبة على موافقة الأمارة للواقع، و لا يصح هذا

____________

(1) فرائد الاصول/ 25.

(2) فرائد الاصول/ 136.

(3) هداية المسترشدين/ 384.

146

الجعل إلّا بالتنزيل بجعل المؤدى منزلة الواقع نظير التنزيل في الاصول التنزيلية على القول به فيها، و نظير ما أفاده صاحب الكفاية (قدّس سرّه)(1) في قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي من تنزيل مؤدى الأمارة منزلة الواقع، و ليس الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) قائلا بالتنزيل في مؤديات الأمارات.

فالحقّ ما ذكرناه من صحة جعل الحجيّة أصالة في الأمارات و أنّ المجعول فيها هو الطريقية، فإن أصابت تنجز الواقع و إلّا فتوجب العذر، ففي صورة مخالفة الأمارة للواقع ليس في البين حكم تكليفي حتى يلزم اجتماعه مع الحكم الواقعي.

و أما المقام الثاني: [في دفع إشكال الجمع في الاصول‏]

فحاصل الكلام فيه أنّه بالنسبة إلى الاصول التنزيلية التي كان المناسب للشيخ (قدّس سرّه) ذكر الهوهوية فيها لا في الأمارات حيث إنّ ظاهر قوله (عليه السّلام)(2) «بلى قد ركع» هو تنزيل الركوع المشكوك الوجود منزلة الركوع المعلوم الوجود، و قوله (عليه السّلام)(3): «لا تنقض اليقين بالشك» هو تنزيل المشكوك منزلة المتيقن.

فنقول: إنّ المجعول فيها الجري العملي و البناء على كون الواقع ثابتا، فإن كان الواقع ثابتا فهو، و إلّا فليس في البين حكم، مثلا إذا استصحب الوضوء و صلّى فإن كان متطهرا واقعا فصلاته صحيحة، و إلّا فهي باطلة و لا يترتب أثر على هذا الاستصحاب، فتكون الاصول التنزيلية نظير الأمارات في عدم جعل حكم في مواردها.

و بالنسبة إلى الاصول غير التنزيلية كقاعدة الحل و أصالة البراءة و غيرهما ممّا كان جعل الحكم في ظرف الشك، نقول: إنّ الخطاب الواقعي لا يمكن أن يحفظ نفسه‏

____________

(1) كفاية الاصول/ 246.

(2) وسائل الشيعة 6/ 318، الحديث 8073 (باختلاف).

(3) وسائل الشيعة 1/ 245، الحديث 631 و 4/ 312، الحديث 5240.

147

في مقام الشك، بل إذا علم به المكلّف يكون العلم به محركا للعبد و حافظا له و إلّا فمع عدم تعلق العلم به لا يكون بوجوده الواقعي حافظا له، فلو أراد الشارع حفظه و تحريك العبد منه فلا بدّ من رفع جهل العبد تكوينا، و لو أراد حفظه منه تشريعا فعليه إيجاب الاحتياط المتأخر رتبة عن الخطاب الواقعي لصيرورة الخطاب الأول كالموضوع لإيجاب الاحتياط، فإيجاب الاحتياط و إن كان غير الخطاب الواقعي إنشاء، لكنه قطعة منه حقيقة لكون إيجاب الاحتياط متمما لقصور محركية الخطاب الواقعي لقصوره عن التحريك في ظرف الجهل، و المعيار في تعدّد الحكم و وحدته تعدّد الملاك لا تعدّد الإنشاء، و حيث إنّ المصلحة اقتضت إنشاء الخطاب الواقعي فكذلك اقتضت أهميتها إنشاء إيجاب الاحتياط.

و من هنا يظهر أنّ إيجاب الاحتياط خطاب نفسي لا طريقي كما في تقريرات الميرزا النائيني (قدّس سرّه)، و بالجملة، فإيجاب الاحتياط في طول الخطاب الواقعي و البراءة تكون في رتبة إيجاب الاحتياط، فتكون البراءة أيضا في طول الواقع و تختلف الرتبة حينئذ، لكن تعدّد الرتبة لا يفيد في دفع محذور اجتماع الضدين.

لا يقال: إنّ تعدّد الرتبة إن لم يكن مجديا هنا فليكن غير مجد في باب الترتب، مع أنّ أساس الترتب على تعدّد الرتبة فإن كان مجديا فلا بدّ من كونه مجديا في كلا المقامين، و إن لم يكن مجديا فليكن كذلك فيهما، و لا وجه لإجدائه هنا و عدمه هناك.

فإنّه يقال بوضوح الفرق بين الترتبين، لأنّ خطاب المهم و إن كان مترتبا على ترك متعلق الأهم إلّا أنّ خطاب الأهم ليس موجودا في ظرف إطاعته و عصيانه لما قرّر في محلّه من عدم إطلاق الخطاب في حال عصيانه، و اطاعته و عدم تقييده بهما، بل ذات الخطاب يقتضي إيجاد المتعلق لا إطلاقه بخلاف المقام، فإنّ الخطاب الواقعي يكون مطلقا و لو بنتيجة الإطلاق للعلم و الجهل، إذ لو لم يكن ثابتا في حال الجهل يلزم التصويب، ففي حال الجهل يلزم اجتماع الحكمين، و لذا لا يكون الترتب هنا

148

مجديا، و يكون في مبحث الترتب مجديا، هذا توضيح ما أفاده الميرزا النائيني (قدّس سرّه) في دفع الإشكال الخطابي في الأمارات.

و قد دفع إشكال الجمع بين الحكم الظاهري و الواقعي في الاصول استطرادا، و لكن ما أفاده في الاصول غير التنزيلية لا يدفع الإشكال، ضرورة أنّ صريح كلامه عدم إجداء تعدّد الرتبة هنا، فلعل مقصوده أنّ في موارد الاصول غير التنزيلية ليس هناك حكم مجعول، فقوله: «كلّ شي‏ء لك حلال» معناه كلّ شي‏ء لك جائز الترك من دون أن تكون الحلية حكما مجعولا شرعيا في قبال الحكم الواقعي.

هذا تمام الكلام في ما أفاده الميرزا النائيني (قدّس سرّه) في الاصول غير التنزيلية.

[كلام الميرزا النائيني (قدّس سرّه) في دفع الإشكال في الاصول التنزيلية و غير التنزيلية و المحرزة]

و أما الاصول التنزيلية فملخص ما أفاده (قدّس سرّه) فيها هو أنّ الاصول المحرزة كالأمارات في عدم جعل في موردها، فكما أنّ الأمارات ليس فيها جعل حكم أصلا بل ليس فيها إلّا الطريقية، فإن أصابت تنجز الواقع، و إلّا فهي معذرة، و يكون ترك الواقع فيها عن عذر فكذلك الاصول المحرزة، فإنّ الاستصحاب مثلا يقتضي ترتيب آثار المتيقن إن لم ينتقض، و إلّا فليس في البين حكم على خلاف الواقع، بل يترك الواقع حينئذ عن عذر و مع عدم جعل حكم في موارد الاصول المحرزة لا معنى للاجتماع أصلا، هذا و في الجميع ما لا يخفى.

أما في غير الاصول التنزيلية فلأنّ الحكم الواقعي لإطلاقه يكون موجودا في رتبة الحكم الظاهري فيجتمع في هذه الرتبة حكمان فعليان متضادان.

و أما في الاصول المحرزة فلأنّ البناء على كونها كالأمارات، و أنّ موضوع الحجيّة فيها مقيد بإصابتها للواقع و مصادفتها له يوجب عدم حجيّتها لعدم العلم بما هو المصادف، حيث إنّ المفروض عدم حجيّتها على كلّ تقدير بل على تقدير المصادفة و لا تحرز المصادفة و مع الشك في المصادفة لا يجوز التشبث بدليل الاعتبار لكونه حينئذ من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية و هو غير جائز عند المحققين.

149

فعلى هذا المبنى يندفع محذور اجتماع الضدين لكن المبنى فاسد.

[في ما أفاده المحقق العراقي (قدّس سرّه) في تعدد الموضوع المانع من اجتماع الحكمين المتضادين‏]

الخامس: ما ورد عن المحقق العراقي (قدّس سرّه) من تعدّد الموضوع المانع عن اجتماع الضدين، و ملخص ما أفاده بطوله هو: أنّ الأحكام تتعلق بالصور الذهنية الملحوظة موجودة في الخارج بمعنى اعتبار الوجود الخارجي لها نظير تخيل السراب ماء، فإنّ ضمآن يحسب السراب ماء و يعتقد كونه ماء، مع أنّه ليس في الحقيقة إلّا سرابا، فالصورة الذهنية الملحوظة خارجية لها نحو اتحاد مع الوجود الخارجي الذي يكون منشأ للآثار و ممّا يقوم به المصالح و المفاسد الداعية إلى تشريع الأحكام.

و كان المحقق العراقي (قدّس سرّه) يعبّر عن هذا المتصور الملحوظة خارجيته بالفارسية ب (ماهيت خارج ديده)، و الداعي إلى لحاظ الخارجية هو قيام المصالح و المفاسد بالخارجيات دون الصور الذهنية المجردة عن الوجود الخارجي، فغرضه (قدّس سرّه) هو أنّ متعلقات الأحكام هي الصور الذهنية المتحدة مع الخارجيات بمعنى عدم تقيد الصور بالذهنية و لا بالخارجية، إذ لا معنى لتعلق الحكم بالصورة المقيدة بالذهنية، لعدم ترتب الأثر على الصور الذهنية.

مضافا إلى أنّ لازمه كفاية تصور متعلق الحكم في مقام الامتثال، إذ المتعلق هو تصور متعلق الحكم دون وجوده الخارجي و هو كما ترى، فإنّ الصلاة لا يمتثل أمرها إلّا بإيجادها في الخارج و لا يمتثل بتصورها و إيجادها في الذهن بالضرورة، و لا يمكن تعلق الأحكام بالماهيات من حيث هي لأنّها ليست إلّا هي، و كذا الموجودات الذهنية لعدم كونها منشأ للآثار، و كذا الموجودات الخارجية لأنّ تعلق التكليف بها يستلزم طلب تحصيل الحاصل فينحصر متعلق الأحكام و إرادات الشارع بالصورة المتصورة الملحوظة خارجية، فشرب التتن مثلا ملحوظ في مقام معروضيته للحكم بالحرمة بما أنّه يرى خارجيا فذات شرب التتن الملحوظ خارجا متعلق للحرمة.

نظير سائر القضايا، فإنّ المحمولات الأولية كالوجود و العدم تعرض ذوات‏

150

الموضوعات المجردة عن الوجود و العدم، إذ لو كانت الموضوعات مقيدة بالوجود فتكون القضية منحلة إلى قوله: الإنسان الموجود موجود، أو معدومة يلزم اجتماع النقيضين لانحلال القضية إلى أنّ الإنسان المعدوم موجود، و المحمولات المترتبة كالعلم و الجهل و القيام و غيرها تعرض الذوات الموجودة عن العلم و الجهل و غيرهما من الامور الخارجية، فالأحكام الشرعية كسائر المحمولات العارضة للذوات المعرّاة عن محمولاتها، فشرب التتن مجردا عن تقيده بالوجود الذهني و الخارجي موضوع للحرمة الواقعية فالمتصور الذي هو الموجود في الذهن الملحوظ خارجيا لكن لا بنحو يكون الوجود الذهني و الخارجي قيدا له موضوع للحكم، و وجه لحاظه خارجيا هو كون الأثر مترتبا على الوجود الخارجي فيكتسب الصورة الذهنية من الخارجية الآثار المترتبة على الوجود الخارجي و يكتسب الوجود الخارجي من الصورة الذهنية الحكم.

و عليه فيكون مركب الحكم تلك الصورة و لا يتعدى الحكم عنها إلى الخارج و يكون الوجود الخارجي ملحوظا فقط، و إلّا فلا خارجية حقيقة للمتصور الذي هو مركب الحكم و خارجيته مجرد الاعتبار، و لا ضير في اعتبار الخارجية للمتصور بعد كون نفس الحكم من الامور الاعتبارية، فالحكم قائم بالعنوان و لا يسري إلى المعنون، فالشرب الخارجي ليس معروضا للحكم.

بداهة كون المعنون الخارجي ظرفا لسقوط الحكم و الإرادة لا مركزا لعروضه و إلّا يلزم طلب الحاصل المحال، فمعروض الحكم هو العنوان من دون سرايته إلى الخارج فقوام موضوعية العناوين للأحكام هو اللحاظ، فالذات الملحوظة أولا للحكم الواقعي غير الذات الملحوظة ثانيا للحكم الظاهري، و يكون كلّ من اللحاظين موجبا لتشخصه، و من المعلوم مباينة كلّ من الشخصين للآخر كمباينة زيد لعمرو، و غيرهما من الجزئيات، فالذات المعروضة للحكم الواقعي غير الذات‏

151

المعروضة للحكم الظاهري، بشرط أن يكون الشك بالنسبة إلى الحكم الظاهري جهة تعليلية لا تقييدية، إذ لو كان قيدا بأن يكون موضوع الحكم الظاهري الشي‏ء المتصف بكونه مشكوك الحكم يلزم الاجتماع، بناء على المختار من كون المطلق هي الماهية اللابشرط المقسمي المنطبقة على الأقسام الثلاثة- أعني الماهية بشرط شي‏ء و بشرط لا و لا بشرط- فإنّ المطلق حينئذ يكون منطبقا على الماهية بشرط شي‏ء و صادقا عليها حقيقة، فموضوع الحكم الواقعي لما كان هو الذات بنحو الإطلاق كان الحكم الواقعي ثابتا في حال الشك فيه، ففي رتبة الحكم الظاهري يكون الحكم الواقعي موجودا و يجتمع الحكمان في هذه الرتبة كما لا يخفى.

نعم بناء على ما نسب إلى المشهور قبل سلطان العلماء (قدّس سرّه) من كون المطلق هي الماهية بشرط شي‏ء لا ينطبق المطلق على المقيد لمباينة أقسام الماهية كمباينة أفراد الإنسان، و عدم انطباق أحدهما على الآخر لكون كلّ منها قسيما للآخر و القسيم لا ينطبق على قسيمه.

و بالجملة فلما كان المختار في المطلق مذهب السلطان‏ (1) قيّدنا تعدّد موضوع الحكم الواقعي و الظاهري بدخل الشك في الحكم الظاهري دخلا تعليليا لا تقييديا.

فإن قلت: إنّ الشرط يرجع أيضا إلى القيدية لما قيل من أنّ كلّ شرط موضوع و كلّ موضوع شرط فمرجع الشرط إلى القيد، و قد اعترفتم بانطباق المطلق على المقيد حقيقة فيلزم الاجتماع، فلا يكون الالتزام بشرطية الشك للحكم الظاهري دافعا لإشكال اجتماع الحكم الواقعي و الظاهري.

قلت: لا نسلّم رجوع الشرط إلى الموضوع و إلّا يلزم الالتزام بعدم المفهوم للقضية الشرطية، إذ مرجع الشرط حينئذ إلى الوصف فتكون الجملة الشرطية

____________

(1) معالم الدين/ 155.

152

منحلة إلى القضية الوصفية، بل الشرط يرجع إلى علة الحكم و ملاكه و من المعلوم عدم صلاحية الملاك للقيدية. فقولنا: (ان جاءك زيد فأكرمه) ينحل إلى وجوب إكرام زيد لمجيئه و ليس الموضوع زيد الجائي بحيث يكون المجي‏ء قيدا أو وصفا لزيد، و على هذا فالموضوع للحكم الواقعي هي الذات المتصورة أولا و للحكم الظاهري هي الذات أيضا لأجل الشك في حكمها الأولي، فيكون الذات الملحوظة في الحكم الظاهري لأجل الشك في حكمها الأولي في طول الذات المتصورة في الحكم الواقعي، نظير الذات المتصورة في مقام الحكم عليها كالصلاة و الذات المتصورة بعد عروض الأمر عليها لأجل الدعوة فلا يجتمع الذاتان، فإنّ المتصور أولا غير المتصور ثانيا، و الصور الذهنية كالخارجية متباينات لا يصدق أحدها على الاخرى.

فتلخص أنّ إشكال اجتماع الحكمين الذي هو الإشكال الخطابي في التعبد بالأمارات غير العلمية يندفع بما ذكره المحقق العراقي (قدّس سرّه) من وقوف الحكم على الصور و العناوين، و عدم تعديها إلى الخارج و المعنونات.

و أما الإشكال الملاكي و هو التفويت بدون التدارك فقد ذكر (قدّس سرّه) في دفعه أيضا ما حاصله: أن انحفاظ المصالح منوط بانسداد جميع أبواب عدم المتعلق، و الخطاب لا يكشف إلّا عن مقدار من المصلحة لو علم العبد بذلك الخطاب لتنجز عليه بحيث يجب عليه عقلا استيفاء ملاكه بإيجاد جميع ما يتوقف عليه وجود الملاك في الخارج.

فإذا أمر بالصلاة يجب عليه إيجاد الطهارة و الستر و غيرهما ممّا يناط به وجود الصلاة في الخارج، فإذا كانت المصلحة بمثابة لا يرضى المولى بفوتها في جميع المراتب من العلم و الجهل فلازم ذلك إيجاب الخطاب المتمم لذلك الخطاب الأول و الخطاب الثاني منحصر بإيجاب الاحتياط، و مع عدم جعل الخطاب الثاني لا يكون الخطاب الأول كاشفا عن اهتمام المولى بحفظ المصلحة في جميع الحالات و المراتب و إلّا كان عليه إيجاب الاحتياط، و مع عدم كشفه عن هذا الاهتمام لا يكون الملاك لازم التحصيل‏