نتائج الأفكار في الأصول‏ / تقريرات - ج3

- السيد محمد جعفر الجزائري المزيد...
392 /
153

بقول مطلق حتى يكون الترخيص على خلافه مفوتا للمصلحة المطلوبة على كلّ حال، و التفويت القبيح موقوف على مطلوبية المصلحة على كلّ تقدير و في جميع المراتب، و الخطاب الأول لا يحفظ المصلحة في جميع المراتب حتى يكون الترخيص المؤدي إلى خلاف مقتضى تلك المصلحة موجبا لفوت المصلحة الذي يكون قبيحا على الحكيم تعالى شأنه.

فتلخص من جميع ما ذكرنا اندفاع كلا الإشكالين المتوجهين على التعبد بالأمارات غير العلمية أعني الإشكال الخطابي و هو اجتماع الحكمين المتضادين، و الإشكال الملاكي و هو تفويت الملاك و المصلحة بدون التدارك.

أما الأول: فقد اندفع بمقدمتين:

إحداهما: كون متعلق الأحكام الصور الذهنية.

ثانيتهما: طولية الذات المعروضة للحكم الظاهري للذات المعروضة للحكم الواقعي على ما تقدم بيانه.

و أما الثاني: فبمقدمتين أيضا:

إحداهما: توقف وجود المراد في الخارج على مقدمات اختيارية من قبل كلّ من الامر و المأمور و كون المقدمات التي تكون قبل الخطاب و تتمشى من المأمور كالطهور و الاستقبال تحت الخطاب، بخلاف الامور المتأخرة عن الخطاب كإرادة المأمور المتأخرة عن إحراز خطاب المولى لقصور إطلاق الخطاب عن شمولاه للامور المتأخرة عنه.

ثانيتهما: أنّه بعد أن ثبت توقف وجود المرام على مقدمات اختيارية من قبل المأمور و الامر فنقول: إنّه لا شبهة في اختلاف مراتب الاهتمام بحفظ المرام بالنسبة إلى المقدمات المتأخرة حسب اختلاف المصالح الواقعية في الأهمية، فقد تكون المصلحة بمثابة من الأهمية يتصدى المولى لحفظها في جميع المراتب المتأخرة، فلو جهل العبد

154

الخطاب الأول يوجب المولى الاحتياط عليه لئلا تفوت المصلحة في حال الجهل لقصور الخطاب الأول حينئذ عن حفظ المصلحة في حال الجهل، و قد تكون المصلحة دون تلك المرتبة بحيث لا تقتضي حفظها إلّا من ناحية الخطاب الأول، هذا بحسب مقام الثبوت.

و أما مقام الإثبات فالكاشف عن كيفية المصلحة من حيث الأهمية و عدمها ليس إلّا الخطاب، و حيث إنّ إطلاق الخطاب قاصر عن شمولاه للمراتب المتأخرة عن نفسه فلا تستكشف المصلحة عن الخطاب الأول إلّا بمقدار استعداده للحفظ من قبله و لو بتوسط وصوله إلى العبد بالأسباب العادية، فإذا لم يصل الخطاب الأول إلى المكلّف إما لقصور المكلّف عن الوصول إليه و إما لقصور الخطاب في الوصول إلى المكلّف، فلا يلزم على المولى التصدي لحفظ مرامه في المراتب المتأخرة بتوجيه خطاب آخر كإيجاب الاحتياط إلى العبد فلو سكت المولى في هذه الحال و أوكل المكلّف إلى ما يحكم به عقله من البراءة لا يكون ذلك قبيحا عليه من ناحية نقض الغرض و تفويت المصلحة.

و بالجملة فتفويت المصلحة الذي يكون قبيحا على المولى هو تفويت المصلحة التي تكون بمثابة من الأهمية يريدها على كلّ حال و في المراتب المتأخرة عن الخطاب أيضا، و أما تفويت غير هذه المصلحة فلا قبح فيه أصلا بل هي من قبيل ممّا سكت اللّه تعالى عنه.

فتلخص ممّا ذكرنا اندفاع الإشكال بكلتا شعبتيه، أعني الملاكي و الخطابي فتدبر جيدا.

[الإشكال على ما أفاده المحقق العراقي (قدّس سرّه)‏]

و يرد على ما ذكره المحقق العراقي (قدّس سرّه) أن اندفاع الإشكال المزبور على مبناه المتقدم أعني كون متعلق الأحكام هي الصور الذهنية و عدم سرايتها إلى المعنونات الخارجية في غاية المتانة، إلّا أنّ الشأن في صحة المبنى، ضرورة أنّ لازم الوقوف‏

155

الخارجية في غاية المتانة، إلّا أنّ الشأن في صحة المبنى، ضرورة أنّ لازم الوقوف على الصور الذهنية و عدم تعلق الأحكام إلّا بها هو كفاية تصور العبد لتلك الصور في مقام الامتثال و سقوط الإرادة، إذ المفروض عدم كون الصور الخارجية ممّا تعلقت بها الإرادة فهي بوجوداتها الخارجية ليست مطلوبة و مرادة حتى يؤتى بها في الخارج، بل مقتضى وقوف الحكم على الصورة الذهنية هو إيجادها في وعاء الذهن من دون ملزم لإيجادها في الخارج، مع أنّ من المعلوم قيام المصالح بوجود متعلقاتها في الخارج دون الذهن فإنّ تصور مفهوم الدينار لا يكون اجرة الدار و غيرها من لوازم تعيش الإنسان المستأجر.

و الحقّ أنّ الأحكام تتعلق بإيجاد متعلقاتها في الخارج، فمعنى «صلّ» مثلا أوجدها في الخارج و كوّنها فيه، و هذا المعنى لا يرد عليه تحصيل الحاصل، إذ مورده هو ما إذا تعلق الطلب بالشي‏ء الموجود الخارجي، فإنّ طلب تحصيل الموجود تحصيل للحاصل المحال، و أما إذا كان المطلوب إيجاده فلا يلزم طلب الحاصل.

فتلخص أنّ المبنى الذي دفع به المحقق العراقي (قدّس سرّه) إشكال التعبد بالأمارات من جهتي الملاك و الخطاب ضعيف، لا يمكن الاعتماد عليه.

السادس: ما أفاده المحقق صاحب الكفاية (قدّس سرّه)(1) و حاصله ما ذكرناه في ضمن كلام الميرزا النائيني (قدّس سرّه) و لا نعيده.

تمّ الكلام في المقام الأول و هو إمكان التعبد بالظن و الحمد لله.

المقام الثاني: فيما يمكن أن يكون مجعولا شرعا [في الأمارات‏]

. اعلم أنّه قيل بإمكان مجعولية امور:

[في إمكان جعل الطريقية]

أحدها: الطريقية المعبر عنها بالوسطية في مقام الإثبات و المحرزية.

____________

(1) كفاية الاصول/ 175.

156

ثالثها: الحكم التكليفي.

أما الطريقية فلا يعقل جعلها، ضرورة أنّ ما ليس بطريق و كاشف لا يصير طريقا بالتشريع بحيث يحرز الواقع و يحكيه و يصير الواقع منكشفا به، بل لا بدّ من التصرف التكويني فيه و جعله علما تكوينا و ليس هذا من مقتضيات التصرف التشريعي الذي هو المبحوث عنه في المقام.

و بالجملة فلا معنى لجعل ما ليس بعلم علما بالتعبد. نعم إن اريد بجعل الطريقية تنزيل مؤدى الأمارة منزلة الواقع فلا بأس به لكونه معقولا، إلّا أنّ القائلين بحجيّة الأمارات لا يلتزمون بلوازم هذه المبنى لأنّ الأمارات حينئذ تكون بمنزلة الاستصحاب في كون مفادها كمفاده ترتيب الأثر، و من لوازم هذا المبنى عدم حكومة الأمارات على الاستصحاب و عدم حجيّة مثبتاتها.

و الحاصل أنّ التنزيل أمر معقول و لكن لا يلتزمون بلوازمه، و أما جعل الطريقية فليس بمعقول.

[في إمكان جعل الحجية]

و أما الحجية فإن كان المراد بها التنجيز في صورة الموافقة و التعذير في صورة المخالفة، فهي كالطريقية لا يعقل اعتبارها و جعلها شرعا لأنهما من الأحكام العقلية المحضة المترتبة على إصابة الأمارة للواقع و مخالفتها له بعد الجعل الشرعي، نظير المعذورية في أكل مال الغير لحفظ النفس الذي جعله الشارع أهم من حرمة التصرف في مال الغير، فإنّ وجوب حفظ النفس شرعا و أهميته أوجب العذر في أكل مال الغير أو أكل لحوم الأموات إلّا لحوم الأنبياء (عليهم السّلام).

و بالجملة فالتنجيز مترتب على الإصابة و العذر على المخالفة و هما حكمان عقليان مترتبان على الجعل الشرعي و ليسا من المجعولات الشرعية.

إن كان المراد بالحجيّة جعل المنصب نظير جعل القضاوة و الولاية لشخص، فكما يصح جعل منصب القضاوة مثلا لشخص كذلك يصح جعل منصب الحجيّة لخبر

157

الواحد فلا نتعقل له معنى صحيحا، فإنّ لازمه لزوم الجري على طبق خبر العادل مثلا حتى في حال انكشاف الخلاف و عدم الواقع. إذ لازم الحجيّة هو هذا، و من المعلوم عدم التزام القائلين بطريقية الأمارات بهذا اللازم، لأنّ المقرّر في محلّه أنّ استفادة الحكم الشرعي من خبر الثقة منوط بإحراز الصدور و كون الصادر كلام المعصوم (عليه السّلام) و إحراز الظهور وجهة الصدور، و هذا شاهد على كون الملحوظ كاشفية الخبر.

[في المراد بالحجية في الأمارات الظنية]

فلا بدّ أن يكون المراد بالحجيّة هي الطريقية و الوسطية في الإثبات، و قد عرفت أن جعل الطريقية أيضا بمعنى كون الظن محرزا للواقع غير معقول، فالحجيّة سواء كانت بمعنى التنجيز و التعذير أم بمعنى الطريقية و الوسطية في الإثبات أم بمعنى المنصب لا يمكن جعلها.

و حينئذ فلا محيص عن كون أدلة اعتبار الظن إرشادا إلى ما في الطريقة العقلائية، و أنّ العقلاء كما يبنون في امورهم على خبر الثقة كذلك الشارع فإنّه أمضى ما عند العقلاء من الطرق، فلم يردع عنها إلّا القياس لما رأى فيه من المفاسد و المضار فردع منه.

و من المعلوم أنّ العقلاء لا يعملون بخبر الثقة من باب التعبد و التنزيل بحيث يأخذون به حتى مع الشك في صدق ذلك، بل يرون خبر الثقة كاشفا عن الواقع و حاكيا عنه فيعملون به و لا يعتنون باحتمال الخلاف أصلا لكونه في غاية الوهن و الضعف، فيعاملون معه معاملة العدم و يرون خبر الثقة مفيدا للعلم العادي المراد به سكون النفس لا العلم الوجداني الذي يحتمل فيه الخلاف، و على هذا تكون الطرق العقلائية منجعلة عند العقلاء و الشارع أمضى تلك الطرق.

فإن قلت: إنّه يكفي في ردع الظن ما ورد من الآيات و الروايات الناهية عن‏

158

العمل بالظن كقوله تعالى‏ وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ‏ (1) و نحوه، فإنّها بلسان العموم تنهى عن متابعة غير العلم.

قلت: بناء على ما ذكرنا من كون خبر الثقة مفيدا للعلم العادي النظامي لا يشمله ما ورد في النهي عن العمل بغير العلم لخروجه عنه موضوعا و تخصّصا، فإنّ موضوع الآيات الناهية هو غير العلم و خبر الثقة يفيد العلم.

إلّا أن يمنع عن إفادة خبر الثقة للعلم خصوصا في الأخبار مع الواسطة كما هو كذلك في رواياتنا، حيث إنّ بناء العقلاء لم يحرز استقراره على العمل بخبر الثقة في الامور الخطيرة و القضايا المهمة التي يترتب على خطأ خبر الثقة فيها تلف الأموال أو النفوس، بل لا يعتمدون على خبر الثقة حينئذ إلّا بعد الفحص و التمحيص التام عن صدق الخبر، و هذا كاشف عن عدم إفادة خبر الثقة للعلم عند العقلاء في جميع الامور، و من المعلوم أنّ الأحكام الشرعية من الامور المهمة جدا، فإنّ الإفتاء بغير العلم الموجب لدخول المفتي في النار كما هو مفاد الروايات‏ (2) من أعظم القضايا و أهمها فلا يكون خبر الثقة فيها مفيدا للعلم.

و حينئذ ينتهي الأمر إلى الانسداد، لانسداد باب العلم بالأحكام كما هو المفروض لعدم تشرفنا بحضور الإمام (عليه السّلام) لنسأل عنه الأحكام و عدم إفادة خبر الثقة أيضا للعلم بها، و انسداد باب العلمي أيضا لعدم تعقل الحجيّة ببعض المعاني للخبر، و للإشكال في حجيّته بالبعض الآخر من معانيها و نتيجة مقدمات الانسداد كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى هي التبعيض في الاحتياط.

[فيما يمكن أن يكون مجعولا في الأمارات‏]

و الحاصل أنّه صارت نتيجة البحث في المقام الثاني المعقود لبيان ما يمكن أن يكون مجعولا شرعيا في الأمارات غير العلمية: أنّ المعقول جعله في الأمارات هو

____________

(1) الأسراء: 36.

(2) وسائل الشيعة 27/ 190، الحديث 33568.

159

تنزيل المؤدى منزلة الواقع أو الحكم التكليفي الذي هو المنشأ لانتزاع الحجيّة في الأمارات، فالمجعول الشرعي يدور بين هذين الأمرين، أما التنزيل فقد عرفت ما فيه من اللوازم التي لا يلتزم بها القائلون بحجيّة الأمارات، و أما الوجوب التكليفي فقد اعترض عليه الميرزا النائيني (قدّس سرّه) بعدم تصور الوجوب التكليفي في الأمارات المصحح لانتزاع الحجيّة، إذ لا مناسبة بين الطريقيّة و بين الوجوب النفسي المولوي حتى يصح انتزاع الطريقية و الحجيّة عنه، فإنّ وجوب العمل بقول العادل كوجوب الصلاة و الزكاة و الحج في عدم تعقل انتزاع الحجيّة بمعنى المحرزية عنه، و لذا وجّه صاحب الكفاية (قدّس سرّه) كلام الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) بالوجوب الطريقي و بعض الأدلة ظاهر في الوجوب كآية النبأ (1) لدلالتها على وجوب الأخذ بقول العادل، إذ لو لم يؤخذ به و ردّ لزم أن يكون أسوأ حالا من الفاسق الذي يجب التبيّن فيه، فلا بدّ من الأخذ به فيجب القبول و العمل به بدون التبين، و كآية النفر (2) لدلالتها على وجوب الحذر عند إنذار المنذرين المتفقهين في الدين، هكذا قيل لكنه لا يخلو من التأمل كما سيظهر إن شاء اللّه تعالى.

[ما يستفاد من أدلة الاعتبار]

و بعض الأدلة ظاهر في كون الأخذ بخبر العدل للقطع بمطابقة مضمونه للواقع كالروايات‏ (3) الواردة في الأخذ بروايات ثقاتهم (عليهم السّلام)، و أنّ علومهم (عليهم السّلام) عند الثقات و قولهم (عليهم السّلام) في حقهم إنّ أقوالهم أقوالنا ظاهر في كون قول الرواة الثقات ممّا يوجب العلم بالواقع، و لعلّ قولهم (عليهم السّلام)(4): «لا عذر لأحد في التشكيك في ما يرويه عنا ثقاتنا» ظاهر في هذا المعنى أيضا فإنّ التشكيك هو احتمال الخلاف و إحداثه منهي عنه بقولهم (عليهم السّلام): «لا عذر ...».

____________

(1) الحجرات: 6.

(2) التوبة: 122.

(3) وسائل الشيعة 27، الباب 11 من أبواب صفات القاضي.

(4) وسائل الشيعة 27/ 150، الحديث 33455.

160

و بالجملة فمفاد أدلة الاعتبار مختلف لظهور بعضها في الحكم التكليفي و بعضها في إمضاء ما في الطريقة العقلائية، و مع عدم تمامية بناء العقلاء على حجيّة خبر العادل أو الثقة، يختل أمر حجيّة الظنون الاجتهادية لكونها ظنونا لم يثبت اعتبارها، حيث إن مدارك تلك الظنون هي الأخبار التي جلها آحاد، و المفروض عدم ثبوت حجيّتها ببناء العقلاء لعدم كون تلك الأخبار مفيدة للاطمئنان الذي يكون مبنى طريقة العقلاء في حجيّة خبر الثقة. و كذا القواعد الكليّة المنتهية إلى بناء العقلاء أو أخبار الآحاد كقاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده التي مدركها «على اليد ما أخذت» (1) بناء على كونه من أخبار الآحاد.

و بالجملة فيختل أساس الاجتهاد، و لا وجه حينئذ لحجيّة قولهم: الأقوى كذا و لا يبعد، و فيه رجحان و نحو ذلك، و ينتهي الأمر إلى انسداد باب العلم و العلمي، و لا يمكن التعدي عن المقدمة الثالثة الدالة على وجوب الاحتياط إلى غيرها من المقدمات، إذ لم يقم دليل على بطلان الامتثال الاحتياطي و الرجائي على ما سيأتي إن شاء اللّه تعالى، فلا محيص حينئذ عن الاحتياط كما لا يخفى.

و بعد أن لم يثبت بناء العقلاء على حجيّة خبر الواحد في جميع الموارد و الامور من الخطيرة و غيرها نقول: إنّ المستفاد من مجموع الأدلة التي اقيمت على اعتبار خبر الواحد على- ما سيظهر عند التعرض لتلك الأدلة هو ما نسب إلى الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) من كون المجعول الشرعي في الأخبار وجوب العمل بها وجوبا نفسيا ظاهريا، و كون المجعول مختصا بالصحاح أو مع الحسان أو هما مع الموثقات- يظهر حين التعرض لأدلة حجيّة الأخبار إن شاء اللّه تعالى.

[في اختصاص الوجوب النفسي بالمصادف للواقع‏]

و قبل التعرض لإثبات ما ادّعيناه من إمكان استفادة الحكم التكليفي من أدلة

____________

(1) مستدرك الوسائل 14/ 8، الحديث 15944.

161

اعتبار الأخبار لا بأس بالتنبيه على أمر و هو: أنّ موضوع هذا الوجوب النفسي الظاهري و هو خصوص خبر العادل أو مطلق الثقة هل يكون خصوص المصادف منه للواقع أم مطلقه و إن لم يكن مصادفا.

لا ينبغي الإشكال في كون الموضوع خصوص المصادف و خروج غير المصادف عن دائرة تلك الأدلة إلّا بناء على الموضوعية و الالتزام بكون قيام خبر العادل موجبا لحدوث المصلحة و الحكم على طبقها، و هذا ممّا لا نلتزم به، إذ المختار هو الطريقية و تبعية الأحكام لما في نفس المتعلقات من المصالح و المفاسد.

لا يقال: على هذا يلزم لغوية هذا الجعل لعدم تميز الموضوع و هو المصادف عن غيره و إثبات حجيّته بالتمسك بدليل الاعتبار تشبث بالعام في الشبهة المصداقية و هو غير جائز عند المحققين.

فإنّه يقال: يكون المقام حينئذ كغيره من موارد الشبهات الموضوعية المقرونة بالعلم الإجمالي، فإنّه كما يكون العلم الإجمالي بنجاسة أحد الإناءين موجبا لتنجز احتمال النجاسة في كلّ منهما بحيث تجب موافقته القطعية و تحرم مخالفته كذلك، و لا يمكن الترخيص في شي‏ء منهما و لو بدليل خاص، و مع قيام دليل على ذلك لا محيص عن رفع اليد عن الواقع، لما أثبتنا في محلّه تبعا للمحقق صاحب الكفاية (قدّس سرّه)(1) من التلازم بين وجوب الموافقة القطعية و حرمة المخالفة كذلك، فالاحتمال منجز قطعا و إن كان وجود الواقع في كلّ منها مشكوكا فيه.

فكذلك العلم الإجمالي في المقام، فإنّه لمّا علم بمطابقة مائة خبر من الروايات الصحيحة للواقع و اشتبه هذا المعلوم بالإجمال بين ألف خبر صحيح، فنعلم بتنجز احتمال مطابقة مضمون كلّ من تلك الأخبار للواقع، و تنجز هذا الاحتمال معلوم و إن‏

____________

(1) كفاية الاصول/ 273.

162

كان وجود الواقع في كلّ واحد من تلك الأخبار مشكوكا، فهذا العلم الإجمالي يوجب الاحتياط عقلا في جميع ما بأيدينا من الروايات الصحيحة، و توهم عدم منجزية هذا العلم الإجمالي لخروج بعض الأطراف عن الابتلاء واضح الفساد، ضرورة ابتلاء المجتهد بتمام الأطراف لأجل الفتوى، نعم ليس جميع الأطراف موردا لابتلاء غير المجتهد لعدم قدرته على الاستنباط. فقد ظهر ممّا ذكرنا أنّه لا يلزم لغوية الجعل و لا التمسك بالعام في الشبهة المصداقية.

[في كون وجوب العمل بالخبر و كذا وجوب الاحتياط متمما للواقع‏]

و أما كون الوجوب نفسيا فلأنّ المفروض وجوب العمل بخصوص المصادف، و من المعلوم أنّ المؤدى حينئذ هو الواقع، فوجوب العمل بالمؤدى هو عين المؤدى لكونه متمما له كإيجاب الاحتياط الذي يكون عين الحكم الواقعي، فإذا قال الشارع احتط في المال المردد بين كونه ملكا لك و بين كونه ملكا لغيرك يكون موضوع وجوب الاحتياط خصوص مال الغير الذي هو محتمل في ذلك المال دون مال نفسه، لوضوح عدم حرمة تصرفه في مال نفسه و لو في حال الشك، فالاحتياط المصادف موضوع لوجوب الاحتياط، و على تقدير المصادفة و كون المال للغير ليس وجوب الاحتياط غير حرمة التصرف في مال الغير، بل هو عينها و متممها و إن تعدّد إنشاء، إلّا أنّ الملاك في تعدّد الحكم و وحدته هو الاتحاد بحسب المناط دون الخطاب كما قرّر في محلّه، فوزان وجوب الاحتياط الشرعي وزان وجوب العمل بالروايات في كون كلّ منهما متمما للحكم الواقعي، و لذا يكون كلاهما نفسيين، و أما كون هذا الوجوب ظاهريا فلأنّه مجعول في ظرف الشك و كلّ حكم كان كذلك يكون ظاهريا كما لا يخفى.

و لكن الإشكال على هذا المبنى ظاهر، إذ فيه أولا: لغوية جعل وجوب الأخذ بالأخبار لكفاية العلم الإجمالي بوجود أحكام في الشريعة في وجوب الأخذ بالأخبار، فإنّ هذا العلم الإجمالي كاف في إثبات وجوب العمل بالروايات من باب الاحتياط.

163

و ثانيا: عدم جواز تخصيص العمومات الكتابية و لا تقييد المطلقات بالأخبار لأنّ الأخذ بها حينئذ يكون من باب الاحتياط و تنجيز العلم الإجمالي بوجوب الأخذ بجملة من الروايات لا من باب الحجيّة، إذ المفروض اختصاص وجوب العمل بخبر الثقة المطابق للواقع، فغيره ليس بحجة لكون اعتباره مستلزما للتصويب، و عليه فيكون العمل بكلّ خبر ثقة واجبا عقلا و ليس لأجل الحجيّة، و مع عدم ثبوت حجيّته لا يمكن تخصيص عموم الكتاب و الخبر المتواتر به، و من المعلوم كون هذا التخصيص من المسلّمات عند الفقهاء في مقام الاستنباط.

فتلخص أنّ الوجوب التكليفي ممّا لا مجال له في الأمارات، بل لا بدّ من الالتزام بأمر آخر في الأمارات و هو أن يقال: إنّ المجعول التعبدي هو وجوب الأخذ بجملة ممّا بأيدينا من الروايات كروايات العدول أو الثقات وجوبا وضعيا، بمعنى أنّ المستفاد من الأدلة التي اقيمت على حجيّة الروايات من الأخبار المتواترة الإجمالية هو اشتراط القاء احتمال الخلاف بكون الراوي عدلا أو ثقة، فالمراد بالأخذ هو القاء احتمال الخلاف و تنزيل الرواية منزلة العلم و معاملة العلم مع الرواية لا تنزيل المؤدى منزلة الواقع حتى يلزم التصويب، و وجوب الأخذ أعني وجوب القاء احتمال الخلاف تعبدا تنتزع منه الحجيّة و الوسطية في مقام الإثبات، إذ مرجع هذا الوجوب إلى تنزيل الخبر منزلة العلم تشريعا و يصح التعبير عن هذا الوجوب بالوجوب الطريقي‏ (1).

[ما يقتضيه الأصل عند الشك في حجية الأخبار]

و قبل بيان كيفية استظهار هذا الوجوب الطريقي من الأدلة لا بأس ببيان‏

____________

(1) أقول: قد يختلج بالبال ورود الإشكالين المذكورين هنا أيضا، لأنّ وجوب الأخذ لا بدّ أن يكون ثابتا لخصوص الخبر المصادف و حينئذ فالأخذ بالأخبار يكون للعلم الإجمالي بوجوب الأخذ ببعضها، و المفروض أنّ العلم الإجمالي الكبير كاف في حكم العقل بالأخذ بالروايات، فيلزم لغوية جعل وجوب الأخذ، فهذا المبنى كمبنى الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) في الضعف، فتدبر.

و قد ذكرت هذا للاستاذ مد ظله فأجاب عنه بتعميم الجعل للمصادف و غيره، فلا يلزم الإشكالان المزبوران، و في صورة المخالفة يفوت الواقع عن عذر.

164

ما يقتضيه الأصل إذا شك في حجيّة الأخبار لعدم دلالة الأدلة القطعية على حجيّتها إما لعدم قطعيتها لكونها أخبار آحاد، و إما لعدم دلالتها على ذلك، فنقول: إنّ المقام من صغريات القاعدة دون الأصل لأنّ الشك في الحجيّة يكون من صغريات التشريع كما سيتضح إن شاء اللّه تعالى.

[في الفرق بين الأصل و القاعدة، و أن المقام من صغريات القاعدة دون الأصل‏]

و الضابط في جريان الأصل و القاعدة هو: أنّ الشك إن كان تمام الموضوع لحكم العقل من دون نظر إلى الواقع أصلا فهو مجرى القاعدة، و إن كان الواقع ملحوظا و كان حكم العقل في حال الشك بمناط غير مناط حكمه بالواقع فيكون مجرى الأصل.

و في الصورة الأولى لا مجال للأصل، ضرورة أنّ الموضوع و هو الشك محرز بالوجدان و جريان الأصل فيه موجب لإحرازه بالتعبد و من المعلوم كون الإحراز التعبدي لما هو محرز بالوجدان من أردإ وجوه تحصيل الحاصل.

و في الصورة الثانية لا مجال للقاعدة و يكون الأصل حاكما على القاعدة كما أنّ القاعدة تكون في الصورة الأولى حاكمة على الأصل.

و من موارد حكومة القاعدة على الأصل قاعدة الاشتغال في موارد الشك في الامتثال و فراغ الذمة بعد العلم بالاشتغال، كما إذا شك في أداء الظهرين مع بقاء وقتهما فإنّ قاعدة الاشتغال تجري دون استصحاب الاشتغال لحكم العقل بتفريغ الذمة مع الشك في الفراغ، فموضوع حكم العقل حينئذ هو نفس الشك في الفراغ و هو حاصل بالوجدان و لا حاجة إلى إحرازه بالاستصحاب.

و من مواردها أيضا ما نحن فيه، لأنّ موضوع قبح استناد شي‏ء إلى المولى هو عدم العلم بكونه منه من دون دخل للواقع فيه، و لذا ورد أنّ من قضى بالحقّ و هو لا يعلم فهو في النار، و المقام من هذا القبيل، ضرورة أنّ استناد الحجيّة إلى المولى مع عدم العلم قبيح عقلا، و هذا هو التشريع المحرم شرعا و القبيح عقلا، فتمام الموضوع‏

165

للقبح عقلا و الحرمة شرعا هو نفس عدم العلم بكونه من الشارع و إن كان المشكوك صادرا من الشارع، فليس للواقع دخل في القبح المزبور، و على هذا فلا مجال للأصل بل يكون المقام من موارد جريان القاعدة، نعم وقع الخلاف في تمييز بعض الموارد، و أنّه هل يكون من موارد الأصل أم القاعدة كباب الضرر، فإنّ كلمات الميرزا النائيني (قدّس سرّه) في دوراته مختلفة، ففي بعضها اختار أنّ العقل يحكم في مقطوع الضرر و مشكوكه بمناط واحد، و في بعضها مال إلى أنّ للعقل في باب الضرر حكمين أحدهما طريقي و هو في حال الشك في الضرر، و الآخر نفسي و هو في الضرر الواقعي المعلوم.

[بعض جهات التشريع‏]

فما ذكرناه من ضابط القاعدة و الأصل هو الذي مست الحاجة إلى ذكره، و لكن تعرض بعض هنا لجملة من الجهات المتعلقة بالتشريع استطرادا و نحن نقتفي أثرهم، فنقول إنّ في التشريع جهات:

[الجهة] الأولى:

في حقيقته و أنّ التشريع هل هو ممكن أو مستحيل، و وجه استحالته هو: أنّه مع العلم بعدم كون شي‏ء من الشارع أو مع الشك فيه كيف يعقل الاعتقاد بكونه من الشارع، إذ لا يجتمع الاعتقاد بعدم كون شي‏ء من المولى مع الاعتقاد بكونه منه، و لذا يحتمل أن يكون التشريع هو الإخبار عن شخص كذبا من دون بناء و التزام نفساني منه على ذلك، أو العمل الخارجي مع الإسناد إلى الشارع، و المستفاد من قوله (عليه السّلام) في تقسيم القضاة و كونهم أربع و الناجي منهم واحد و هو قوله (عليه السّلام)(1):

«... و رجل قضى بالحقّ و هو لا يعلم»، هو الإسناد مع ترتيب الأثر، فإنّ القاضي الذي لا يعلم الحقّ يسند الحكم إلى المولى و يرتب الأثر عليه لقضائه به، فالتشريع حينئذ هو الإخبار عن الشارع كذبا مع العمل الخارجي على طبقه.

[الجهة] الثانية:

أنّ إذن الشارع في العمل بشي‏ء كالخبر يلازم الحجيّة قطعا لصحة

____________

(1) وسائل الشيعة 27/ 22، الحديث 33105.

166

احتجاج المولى على العبد بذلك و صحة احتجاج العبد على المولى أيضا به، و هل يلازم صحة الإسناد بأن يسند العبد مضمون الخبر الذي أذن الشارع في العمل به إلى الشارع أم لا؟، فيه كلام، فإنّ الميرزا النائيني (قدّس سرّه) و غيره التزموا بجواز الإسناد المزبور و ثبوت التلازم بين الإذن المذكور و بين جواز الإسناد و صاحب الكفاية (قدّس سرّه)(1) لم يلتزم بذلك، لكون الإذن ملازما للحجيّة فقط دون جواز الاستناد، فإنّ هذا الجواز ليس لازما مساويا للإذن المزبور كما في حجيّة الظن في حال الانسداد على الحكومة، فإنّ العقل يحكم حينئذ بحجيّة الظن كحجيّة العلم مع أنّه لا يجوز إسناد المظنون بهذا الظن إلى الشارع بأن يقول: «هذا ما أدى إليه ظني و كلّ ما أدى إليه ظني فهو حكم اللّه في حقّي و حقّ مقلدي»، و هذا كاشف عن عدم كون جواز الإسناد المزبور من لوازم الإذن و الحجيّة.

و لكن قد ردّه الميرزا النائيني (قدّس سرّه) بأنّ حجيّة الظن حكومة ليس معناها إثبات الظن للحكم الشرعي حتى يكون نقضا وردا للملازمة بين الحجيّة و بين جواز الإسناد إلى الشارع، بل المراد بالحجيّة عقلا هو إسقاط التكاليف التي ثبتت بالعلم الإجمالي بالظن، فالعقل يحكم بأنّ المتيقن من مراتب الإطاعة في ظرف الانسداد هي المرتبة

[الجهة] الثالثة

أعني الإطاعة الظنية من مراتب الامتثال، فالظن يقع في مقام الإسقاط دون الإثبات، و النقض إنّما يتجه بناء على كون الظن حجة في إثبات التكاليف و إحرازها و ليس الأمر كذلك‏ (2).

الثالثة: أنّ قبح التشريع هل يستتبع الحكم بالحرمة أم لا؟، فيه قولان أقواهما الأول، لكون القبح فيه واقعا في سلسلة علل الأحكام و ملاكاتها لا في‏

____________

(1) كفاية الاصول/ 280.

(2) أقول: ارتضى سيدنا الاستاذ مد ظله ما أفاده الميرزا النائيني (قدّس سرّه) من معنى الحكومة لكن التلازم الذي التزم به الميرزا النائيني بين الحجيّة و بين جواز الإسناد إلى الشارع ممّا لا بدّ من التأمل فيه، و إن كان ممّا ارتضاه في الدورات السابقة.

167

سلسلة معلولاتها كحسن الإطاعة و قبح المعصية، و الحسن و القبح المولّدان للحكم يستتبعانه و يقتضيان جعل الحكم المولوي على طبقهما بخلاف الحسن و القبح المتولدين من الحكم فإنهما لا يستتبعانه، و لو ورد فيهما أمر أو نهي يحمل على الإرشاد لما قرّر في محلّه من عدم تعقل الحكم المولوي في باب الإطاعة و العصيان، و قبح التشريع كقبح الظلم و الكذب و نحوهما من القبح الواقع في سلسلة الملاكات و العلل لعدم توقف قبح التشريع على ورود حكم من الشارع كتوقف قبح المعصية على ورود حكم من الشارع، و عليه فقبح التشريع يقتضي جعل الحرمة المولوية على طبقه كما هو واضح.

[الجهة] الرابعة:

أنّ المحرّم بسبب التشريع هو الإسناد إلى الشارع يقينا، و أما حرمة الفعل الخارجي المشرع فيه بسراية حرمة التشريع إليه بأن يكون عنوان التشريع من العناوين المغيرة للأحكام الأولية، و عدم حرمته و عدم سراية القبح و الحرمة من التشريع الذي هو الإسناد إلى الشارع و البناء القلبي على كون الحكم من الشارع لأجل عدم كون التشريع من العناوين المغيرة، فهو محلّ البحث و الكلام.

و قد مال الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه)(1) إلى الحرمة و تبعه الميرزا النائيني (قدّس سرّه) و مال صاحب الكفاية (قدّس سرّه)(2) إلى العدم و هو الأقوى لعدم دليل على كون التشريع مغيرا لما في الفعل المشرع فيه من المصلحة و المفسدة حتى يتغير بسببه الحكم الأول الثابت للفعل، فإذا كانت جلسة الاستراحة واجبة واقعا و لكن لم يعلم المفتي بوجوبها فأفتى بوجوبها من غير علم فالمحرم حينئذ هو الإسناد إلى الشارع و البناء على وجوبها واقعا، و أما الجلسة فلا تصير بسبب حرمة الإسناد حراما واقعا بل هي باقية على ما كانت عليه من الحكم واقعا و لا يتغير حكمها الواقعي بحرمة الإسناد.

____________

(1) فرائد الاصول/ 30.

(2) كفاية الاصول/ 280.

168

تكملة: [عدم جريان استصحاب عدم الحجية في الأمارة التي شك في اعتبارها]

قد عرفت في ما تقدم أنّ مقتضى الأصل في الشك في الحجيّة هو حرمة ترتيب آثار الحجة على مشكوك الحجيّة، و قد يقال بجريان استصحاب عدم الحجيّة في الأمارة التي شك في اعتبارها بتقريب: أنّ الحجيّة أو الطريقية أو الوسطية أو غيرها على اختلاف المباني في حجيّة الأمارات من الحوادث المسبوقة بالعدم فيجري استصحاب عدمها عند الشك في جعلها.

و لكن الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه)(1) منع عن جريان استصحاب عدم الحجيّة لعدم وجود أحد أركان الاستصحاب، و هو الأثر الشرعي فيه، حيث إنّ حرمة العمل من آثار نفس الشك في الحجيّة فلا تتوقف الحرمة على إحراز عدم ورود التعبد بالأمارة واقعا، حتى يجرى الاستصحاب لإحراز عدم الورود حيث إنّ الاستصحاب يجري فيما إذا كان الأثر مترتبا على الواقع المشكوك فيه لا على نفس الشك، نظير قاعدة الاشتغال الجارية في الشك في الفراغ بعد العلم بالاشتغال المانعة عن جريان استصحاب الاشتغال. هذا ملخص ما أفاده الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) في وجه عدم جريان استصحاب عدم الحجيّة.

و اعترض عليه المحقق الخراساني (قدّس سرّه)(2) بما حاصله عدم الحاجة إلى الأثر الشرعي في الاصول الجارية في الشبهات الحكمية، لكون نفس مؤدياتها أحكاما شرعية كاستصحاب وجوب الشي‏ء أو عدمه و الحجيّة أو عدمها، فإنّ قضية الاستصحاب بقاء المؤدى عملا الذي هو حكم شرعي، نعم في الاصول الموضوعية لا بدّ من الأثر الشرعي، فإنّ استصحاب الحياة مثلا لا بدّ أن يترتب عليه أثر شرعي حتى يصح جريان الاستصحاب فيها، و ما نحن فيه من قبيل الأول، إذ المفروض‏

____________

(1) فرائد الاصول/ 31.

(2) درر الفوائد في الحاشية على الفرائد/ 80 (نشر مؤسسة الطبع و النشر).

169

كون الحجيّة من الأحكام الوضعية القابلة للجعل، ثمّ أفاد (قدّس سرّه) ما حاصله: أنّه لو سلم كون الحجيّة من الموضوعات التي يتوقف جريان الأصل فيها على ترتب الأثر الشرعي عليها نظير الحياة التي يراد استصحابها فلا يكون ذلك مانعا أيضا عن جريان أصالة عدم الحجيّة، لأنّ أثر عدم الحجيّة و هو حرمة العمل كما يترتب على نفس الشك في الحجيّة كذلك يترتب على عدم الحجيّة واقعا، فحرمة العمل تترتب على كلّ من الشك و الواقع، و ما يكون من الآثار الشرعية مترتبا على الشك و الواقع فيجرى فيه كلّ من القاعدة و الاستصحاب، لكن الاستصحاب حينئذ حاكم على القاعدة نظير حكومة استصحاب الطهارة على قاعدتها كما قرّر في محلّه.

و بالجملة إن كان الأثر مترتبا على الشك فقط لا يجري فيه إلّا القاعدة، و إن كان مترتبا على الواقع يجري فيه الاستصحاب فقط، و إن كان مترتبا على كلّ من الواقع و الشك يجري فيه كلّ من القاعدة و الاستصحاب، غاية الأمر أنّ الاستصحاب يكون حاكما على القاعدة.

و اعترض الميرزا النائيني (قدّس سرّه) على صاحب الكفاية بما حاصله: أنّ تخصيص الحاجة إلى الأثر الشرعي بالاصول الموضوعية ممّا لا وجه له بعد كون الاصول وظائف عملية من غير فرق بين الاصول الموضوعية و الحكمية، غاية الأمر: أنّ مؤديات الاصول الحكمية لما كانت بنفسها أحكاما شرعية فلا حاجة في جريانها إلى إثبات أثر شرعي آخر غير مؤدياتها، و إلّا فلو فرض عدم ترتب الجري العملي على الأصل الحكمي فلا وجه لجريانه كما حقق في محلّه.

و أما الحجيّة فهي بعد تسليم كونها من الأحكام الشرعية التي تنالها يد الجعل و التشريع، إلّا أنّها بوجودها الواقعي لا يترتب عليها الأثر حتى يجري فيها الاستصحاب، فإنّ آثار الحجيّة مختلفة لترتب التنجيز و التعذير على وجودها العلمي و حرمة التعبد على نفس الشك في الحجيّة، فالحجيّة بوجودها الواقعي لا يترتب‏

170

عليها الأثر- أعني التنجيز و التعذير- حتى يصحح استصحابها، و ليس لعدم الحجيّة أثر غير حرمة التعبد و هي ثابتة بنفس الشك من دون حاجة إلى إحراز عدم الحجيّة في ترتيب حرمة العمل، بل لا يعقل إثبات هذا الأثر بالاستصحاب لكونه من أردإ وجوه تحصيل الحاصل، إذ لا سنخية بين الحاصل و المحصّل لكون الحاصل وجدانيا و المحصّل تعبديا كما لا يخفى، فليس الحجيّة كالوجوب حتى يجري فيها استصحاب عدم الحجيّة كما يجري استصحاب عدم الوجوب لأنّ عدم الوجوب لا يترتب على البراءة، إذ البراءة لا تقتضي إلّا نفي العقاب و عدم التنجز، و أما الرخصة الواقعية فلا تثبتها البراءة لا عقليّها و لا نقليّها، فعدم الوجوب واقعا لا يترتب على البراءة بل المثبت له هو استصحاب عدم الوجوب بخلاف استصحاب عدم الحجيّة، فإنّه لا يثبت ازيد ممّا كان حاصلا بنفس الشك.

و أما ما أفاده صاحب الكفاية (قدّس سرّه)(1) أخيرا من كون حرمة التعبد أثرا لكلّ من عدم الحجيّة واقعا و الشك فيها فيجري حينئذ كلّ من الاستصحاب و القاعدة، غاية الأمر أنّ الأول يقدّم على القاعدة حكومة.

ففيه أولا: عدم تعقل موضوعية الشك في الواقع للحكم في عرض الواقع بحيث يترتب على الواقع و الشك فيه أثر واحد.

و ثانيا: لغوية الاستصحاب حينئذ، ضرورة أنّ الأثر بعد أن ترتب على نفس الشك لا تصل النوبة إلى الواقع، فجريان الاستصحاب لغو لا يترتب عليه أثر إذ الثابت به ليس إلّا ما ثبت بنفس الشك، و ما اشتهر من حكومة الاستصحاب على القاعدة المضروبة في حال الشك فمورده هو: ما إذا كان الثابت بالاستصحاب غير الثابت بالقاعدة نظير قاعدتي الحل و الطهارة و استصحابهما، فإنّ الثابت بالاوليين غير

____________

(1) درر الفوائد في الحاشية على الفرائد/ 81 (نشر مؤسسة الطبع و النشر).

171

الثابت بالأخيرين، حيث أنّ الاوليين يثبتان الطهارة و الحلية الظاهرتين بخلاف الأخيرتين، فإنهما يثبتان الطهارة و الحلية الواقعيتين، و لذا نقول بجواز الصلاة في المشكوك كونه من الأرنب أو الغنم في ما إذا كان الحيوان سابقا غنما ثمّ شك في استحالته إلى الأرنب، فإنّ استصحاب غنميته يوجب جواز الصلاة في وبره بخلاف ما إذا لم يكن له حالة سابقة معلومة، فإنّ قاعدتي الحل و الطهارة تثبتان حلية أكل لحمه و طهارته، لكنهما لا تثبتان جواز الصلاة فيه لأنّ القاعدتين لا تثبتان العنوان المحلّل من الغنمية و نحوها، لما استفيد من الأدلة أنّ جواز الصلاة مترتب على عناوين خاصة من الغنم و البقر و نحوهما، و من المعلوم عدم إثبات القاعدتين للعناوين الخاصة.

و كذا الحال في قاعدة الاشتغال و استصحاب بقاء التكليف، فإنّه في مورد يجري الاستصحاب كالشك في إتيان المأمور به لا تجري القاعدة، و في مورد تجري القاعدة كالشك في خروج بعض أطراف العلم الإجمالي عن مورد الابتلاء بامتثال و نحوه لا يجري الاستصحاب.

فتلخص ممّا ذكرنا عدم جريان استصحاب عدم الحجيّة في المقام لعدم الحاجة إليه، هذا ملخص ما أفاده الميرزا النائيني (قدّس سرّه) ردا على صاحب الكفاية (قدّس سرّه).

و لكن استصحاب عدم الحجيّة لا مجال له و إن فرض له أثر شرعي غير ما يترتب على نفس الشك في الحجيّة من عدم جواز التدين و الالتزام، و ذلك لأنّ حجيّة الاستصحاب منوطة باعتبار الروايات التي هي مستند حجيّة الاستصحاب، و المفروض الشك في اعتبار تلك الروايات فاستصحاب عدم الحجيّة لا يجري لعدم الدليل على اعتبار الروايات التي يستدلّ بها على حجيّته، فلو فرض اجتماع جميع الأركان في استصحاب عدم الحجيّة من القطع السابق و الشك اللاحق و الأثر الشرعي و اتصال زمان الشك بزمان اليقين لا يجري أيضا، لعدم الدليل على اعتبار الاستصحاب بعد وضوح كون مدركه الروايات غير المتواترة.

172

ثمّ إنّه بناء على ما ذكره الميرزا النائيني (قدّس سرّه) من عدم جريان استصحاب عدم الحجيّة لأجل عدم الأثر الشرعي بعد كون الأثر مترتبا على نفس الشك في الحجيّة دون الواقع، يرد عليه: أنّ لازم هذا الإشكال عدم حجيّة الظن المانع القائم على عدم حجيّة ظن كالقياس و عدم حجيّة الآيات الناهية عن العمل بغير العلم، مع أنّ توقف التعبد بالأمارات غير العلمية على وجود الأثر الشرعي المصحح للتعبد بها و لو بألف واسطة من الواضحات التي لا يعتريها ريب، و من المعلوم أنّه لا أثر لتلك الآيات و كذا الظن المانع إلّا عدم الحجيّة فإنّ مدلول تلك الآيات و الظن المانع ليس إلّا نفي الحجيّة، و هذا المدلول يترتب على غير العلم المشكوك اعتباره بنفس الشك.

و بالجملة فنفس الشك في حجيّته كاف في عدم جواز الاستناد و التدين، فليس حرمة التدين أثرا شرعيا مترتبا على الظن المانع و الآيات الناهية عن العمل بالظن فيلزم عدم ترتب أثر شرعي عليها مع حجيّتها، و هذا بمكان من الغرابة.

فالحقّ أن يقال: إنّ حرمة التدين و إن كانت مترتبة على نفس الشك في الحجيّة إلّا أنّ المقرّر في مبحث الاستصحاب جريان الاستصحاب في العدم إذا كان لضده أثر شرعي، فإنّ الاستصحاب يجري في العدم بلحاظ الأثر المترتب على وجود ضده، فإنّ عدم الحجيّة و إن لم يترتب عليه أثر شرعي إلّا أنّه يترتب على ضده- أعني الحجيّة الأثر- و بلحاظه يصح إجراء الاستصحاب في عدم الحجيّة. فإشكال الميرزا النائيني (قدّس سرّه) في المقام على استصحاب عدم الحجيّة بعدم الأثر الشرعي لا يلائم ما التزم به في بحث الاستصحاب من حجيّة الاستصحاب في العدم إذا كان لضده أثر شرعي.

نعم يتجه الإشكال بناء على عدم الالتزام بالمبنى المزبور في باب الاستصحاب.

فتلخص ممّا ذكرنا من جريان استصحاب العدم في ما إذا ترتب الأثر على وجود

173

الضد، أنّه يصح جريان استصحاب عدم الحجيّة في المقام، فالإشكال على الاستصحاب من جهة عدم ترتب الأثر على عدم الحجيّة كما أفاده الميرزا النائيني (قدّس سرّه) بناء على المبنى المزبور في مبحث الاستصحاب لا وجه له. نعم يشكل جريان استصحاب عدم الحجيّة لما ذكرنا من الشك في اعتباره لأجل الشك في اعتبار دليله أعني الروايات.

[محصل ما تقدم من المجعول الشرعي‏]

و بالجملة فجواز الإسناد منوط بوجوب العمل بغير العلم أو الإذن في العمل به، و قد تقدم سابقا أنّ المجعول الشرعي إن كان الوجوب النفسي فيلزمه اجتماع الحكمين كما إذا كان مؤدى الخبر حراما واقعا و كان العمل بهذا الخبر واجبا أو جائزا، و المفروض دلالة الخبر على الإباحة فيلزم اجتماع الإذن في الفعل و حرمته، و إن قلنا بارتفاع الحكم الواقعي حين مخالفة الأمارة له فيلزم التصويب المجمع على بطلانه، و يلزمه أيضا عدم حكومة الأمارات على الاصول لعدم كون الأمارة كاشفة عن الواقع حتى ترفع موضوع الأصل- أعني الشك- كما لا يخفى.

و يلزمه أيضا عدم جواز تخصيص العام الكتابي بخبر الواحد، إذ المفروض كون وجوب العمل ثابتا لخصوص الأمارة المصيبة، فوجوب العمل حينئذ بتمام الأمارات يكون من باب العلم الإجمالي و حكم العقل بلزوم الأخذ بها احتياطا لا من باب الحجيّة حتى يجوز التخصيص المزبور، و من المعلوم تسلّم تخصيص العمومات الكتابية بخبر الواحد.

و يلزمه أيضا لغوية جعل الوجوب النفسي لوجوب العمل بأخبار الآحاد من جهة العلم الإجمالي الكبير بالأحكام الشرعية المنتشرة في دائرة الأخبار و غيرها من الأمارات كما لا يخفى.

و إن كان المجعول في الأخبار الوسطية في مقام الإثبات بحيث يكون الخبر محرزا للواقع و مثبتا له حتى يكون حاكما على الاصول، ففيه ما عرفت من أنّ تشريع‏

174

الوسطية لا يعقل لعدم تعقل الإحراز التكويني بالجعل التشريعي فلا بدّ أن يكون التشريع بما يقبل الوضع و الرفع تشريعا و القابل لذلك هو التنزيل، فالمجعول حينئذ هو تنزيل المؤدى منزلة الواقع، و هذا الجعل مساوق لما هو المجعول في الاستصحاب من تنزيل المشكوك منزلة المتيقن في الجري العملي، و حينئذ يبطل حديث حكومة خبر الواحد على الاصول التنزيلية.

و إن كان المجعول الوجوب الشرطي بمعنى اشتراط جواز العمل بخبر الواحد بعدالة المخبر كاشتراط جواز العمل بخبر الفاسق بالتبيّن و الفحص عن صدقه، ففيه ما عرفت من محذور اجتماع الحكمين في ما إذا كان مؤدى الخبر واقعا حراما مع دلالة الخبر على إباحته، فإنّ جواز العمل بهذا الخبر يوجب اجتماع الحكمين على تقدير الواقع على حاله و مع انتفائه بقيام الأمارة على خلافه يلزم التصويب الباطل.

اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ الحكم الواقعي المشترك بين العالم و الجاهل هو الوضع، أعني اشتغال الذمة بالعمل و كونه دينا عليه كما ورد في الروايات من كون الصلاة و الصوم و الحج دينا له سبحانه و تعالى، و من هنا يتجه الحكم بخروجها عن صلب المال كما أفتى به في العروة (1). و أما مطالبة ما في الذمة فهي موقوفة على قيام الأمارة، فإن قامت أمارة على المطالبة يصير ما في الذمة موردا للطلب و إن لم تقم على ذلك فلا مطالبة و الحكم الواقعي و هو اشتغال الذمة باق على حاله.

و يدلّ على ذلك ما في الأخبار (2) من التعبير عن الصلاة و الصوم و غيرهما بالدين و ما ورد (3) من وجوب قضاء الصلاة و الصوم عن الميت مع أنّ من المسلّم ذهاب التكليف بذهاب موضوعه كما إذا أحرق الميت، فإنّ وجوب تجهيزه يسقط

____________

(1) العروة الوثقى 1/ 671.

(2) وسائل الشيعة 8/ 282، الحديث 10672.

(3) وسائل الشيعة 8/ 278، الحديث 10652.

175

لانتفاء موضوعه، فلو كان على الميت تكليف محض دون الوضع لم يكن وجه لوجوب القضاء عنه، فوجوب القضاء كاشف عن بقاء العهدة و الاشتغال، و كون العمل عليه ككون الخياطة و النجارة مثلا على عهدة الأجير للمستأجر.

و على هذا المبنى أي كون الحكم الواقعي هو الوضع و اشتراط طلبه بالأمارة لا يلزم خلاف الإجماع القائم على بطلان التصويب و كون الأحكام مشتركة بين العالمين و الجاهلين، و لا خلاف الأخبار المتواترة (1) الدالة على عدم خلو واقعة من حكم كما لا يخفى.

و من هنا يظهر صحة أن يقال: إنّ قوله (صلّى اللّه عليه و آله)(2) في حديث الرفع (رفع ما لا يعلمون) يراد به ما اريد من سائر الفقرات من كون الرفع واقعيا، لأنّ المرفوع حينئذ هو الطلب لا الوضع، فالطلب في حال الجهل مرفوع أي غير مجعول، فإنّ الرفع هنا بمعنى الدفع كما سيأتي في محلّه بيانه إن شاء اللّه تعالى، و لا وجه مع إمكان إرادة هذا المعنى حفظا لوحدة السياق لتقدير المؤاخذة التي ليست أثرا شرعيا مع كون الرفع تشريعيا و لا لتقدير إيجاب الاحتياط ليصح رفعه تشريعا.

حجية الظواهر:

[تحقيق بناء العقلاء على الأخذ بالظواهر]

ثمّ إنّه بعد أن ثبت إناطة الإسناد إلى المولى بالإذن، و مع عدم إحراز الإذن يكون مقتضى القاعدة العقلية عدم جواز ترتيب آثار الحجيّة على مشكوك الإذن و الاعتبار، فالكلام يقع في ما خرج عن القاعدة المذكورة، فنقول: إنّه قيل بخروج امور عن القاعدة المذكورة؛

____________

(1) وسائل الشيعة 27/ 52، الحديث 33188.

(2) وسائل الشيعة 7/ 293، الحديث 9380.

176

الأول: ظواهر الألفاظ، فإنّه لا ينبغي الإشكال في استقرار بناء العقلاء على حجيّة ظواهر الألفاظ في الجملة، و لا يخفى أنّ الأنسب بمقتضى الترتب الطبعي تقديم المقام الأول و هو البحث عن تشخيص أصل الظهور على المقام الثاني و هو البحث عن حجيّة الظواهر، و لكن الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه)(1) لما قدم حجيّة الظواهر على البحث عن أصل الظهورات فقد تبعه المتأخرون عنه، و كيف كان فلا إشكال في حجيّة ظواهر الألفاظ في الجملة، إنّما الإشكال في أنّ حجيّتها مطلقة أو مقيدة.

قد يقال بحجيّتها بالنسبة إلى خصوص من قصد إفهامه دون غيره، كما قيل باختصاص حجيّة الظواهر بغير الكتاب العزيز، و أنّ ظواهر الكتاب ليست بحجة كما سيأتي تفصيله، و هنا تفصيل آخر لبعض الأعلام سيأتي ذكره و كيفما كان فلا إشكال في بناء العقلاء على حجيّة الظواهر الكاشفة عن المرادات من دون فرق في ذلك بين القضايا الخبرية و الإنشائية، فإذا قال: بعتك هذه الدار بكذا و بعد قبول المشتري أنكر البائع كون تمام الدار له و ادّعى أن نصفها فقط له و نصفها الآخر لغيره، فلا يقبل هذا الكلام منه و لمّا كان من المسلّم عدم بناء العقلاء على التعبد و البناء على الشك، بل كان دأبهم على الأخذ بالعلم و الاطمئنان فيكون أخذهم بالظواهر لأجل كشفها عن المرادات، بنحو يوجب الاطمئنان بكون المراد ما هو ظاهر الكلام لا لأجل التنزيل و التعبد، فلم يعهد منهم بناء على التشبث بالظواهر مع الشك في كونهما مرادات من غير فرق في ذلك بين من قصد إفهامه و بين من لم يقصد به، فإنّ بناء العقلاء على عدم الفرق في الأخذ بالظواهر في صورة الاطمئنان بكشفها عن المرادات بين المقصود بالإفهام و غيره.

[قول بعض الأعلام في حجية الظواهر في مقام الاحتجاج‏]

و لكن لبعض الأعلام تفصيل آخر و هو أنّ بناء العقلاء على حجيّة الظواهر و إن‏

____________

(1) فرائد الاصول/ 34.

177

لم تفد الاطمئنان بالمرادات بل و لا الظن بها، بل و مع الظن بعدم إرادتها في ما إذا وردت تلك الظواهر في مقام الإلزام و الالتزام، كالكلام الموجه من السيد إلى العبد، فإذا قال له اشتر لحم الغنم مثلا و لم يفد ظاهر هذا الكلام للعبد اطمئنانا و لا ظنا بمراد السيد، بل ظن العبد بكون مراد المولى خلاف ما هو ظاهر كلامه، فهل يعذر العبد في مخالفة هذا الظاهر بقوله أنّ هذا الظاهر لم يكن كاشفا عن مراد المولى أم لا؟، لا ينبغي الإشكال في بناء العقلاء على عدم معذورية العبد حينئذ و صحة احتجاج المولى عليه:

(بأنّك لما ذا لم تعمل بظاهر كلامي). فبناء العقلاء استقر على صحة الاحتجاج في مقام الإلزام و الالتزام بظواهر الألفاظ بالنسبة إلى كلّ من السيد و العبد سواء أفادت تلك الظواهر الاطمئنان أو الظن بالمرادات أم لا.

فغرض هذا المفصّل ليس الالتزام باستقرار بناء العقلاء على حجيّة الظواهر من باب التعبد و التنزيل أو التفصيل في ذلك، بأن يكون بناؤهم في بعض الموارد على التنزيل و الأخذ بالشك و في البعض الآخر بالاطمئنان، لتصريحه بعدم إرادة هذا المعنى، بل غرضه استقرار بنائهم على صحة الاحتجاج بالظواهر في مقام الإلزام و الالتزام فكان بناءهم على حجيّة الظواهر بنحو الموضوعية من دون نظرهم إلى جهة كشفها عن المرادات، فللظواهر موضوعية بالنسبة إلى الحجيّة في مقام الاحتجاج بالخصوص.

هذا محصل التفصيل المنسوب إلى بعض الأعلام، و لو انفتح هذا الباب ينفتح لنا ببركته باب واسع و هو حجيّة ظواهر آيات الأحكام و الروايات و إن لم تفد الاطمئنان بالمرادات، فإذا أحرزنا سلامة الصدور وجهته فلا نحتاج في إثبات حجيّة ظواهرها إلى الكشف الاطمئناني عن المرادات، بل نأخذ حينئذ بتلك الظواهر حتى مع الظن بالخلاف.

و ربما يقال: إنّ ما ذكره بعض الأعلام من التفصيل المزبور ممّا لا ينبغي‏

178

الإشكال في صحته لما نرى من طريقة العقلاء و ديدنهم على صحة الاحتجاج المزبور على النحو المذكور.

و حيث إنّ الروايات و كذا آيات الأحكام حجة بالنسبة إلى الجميع فتكون كتصنيف المصنّفين في كون كلّ واحد من العباد مقصودا بالإفهام، و المفروض أنّ أصل المقصود هو إثبات حجيّة ظواهر آيات الأحكام و الروايات المتضمّنة للأحكام دون القصص و الحكايات، و عليه فالتفصيل بين من قصد إفهامه و غيره لا موضوع له فيما هو المهم لنا و هو الظواهر المتعلقة بالأحكام الشرعية. نعم لما كان ديدن الشارع الأقدس و بناؤه على الاعتماد على القرائن المنفصلة فلا يمكن الأخذ بظاهر كلامه إلّا بعد الفحص و اليأس عن القرينة.

و لكن الإنصاف أنّ بناء العقلاء ليس على الأخذ بالظواهر في شي‏ء من الموارد من باب التعبد و التنزيل، بل لا يعملون بالظن أيضا إلّا في مورد لا يترتب على خطائه أثر مهم، فبناء العقلاء على الأخذ بظواهر الألفاظ ليس إلّا لأجل كشفها عن المرادات بحيث يطمئنون بكون تلك الظواهر مرادات المتكلّم و إن كان احتمال إرادة خلاف تلك الظواهر موجودا عندهم، فهو موهون جدا لديهم بحيث لا يعتنون به أصلا، و لا تفاوت في البناء المزبور بين الموارد من كون الكلام واردا في مقام الإلزام و الالتزام و عدمه، فالتفصيل المزبور الذي أفاده الميرزا النائيني (قدّس سرّه) لا يمكن المساعدة عليه‏ (1).

[تفصيل المحقق القمي (قدّس سرّه) بين من قصد إفهامه و غيره‏]

و أما التفصيل المنسوب إلى المحقق القمي (قدّس سرّه)(2) من حجيّة الظواهر بالنسبة إلى‏

____________

(1) أقول: بل لا محيص عن المساعدة عليه و ما أفاده الميرزا النائيني (قدّس سرّه) من التفصيل المزبور موافق لطريقة العقلاء في مقام الاحتجاج و الإلزام و الالتزام دون ما إذا كان بنائهم على تشخيص المراد من ظاهر الكلام، فإنّ اعتمادهم على الظاهر حينئذ يكون بعد حصول الاطمئنان لهم بكون الظاهر مرادا.

(2) قوانين الاصول/ 398- 403.

179

من قصد إفهامه و عدمها بالنسبة إلى غيره، فهو وجيه، ضرورة أنّ احتمال وجود قرينة بين المتكلّم و المخاطب و التعمد في إخفائها عن غير المخاطب المقصود بالإفهام لا يندفع بالأصل العقلائي، حيث إنّ بناء العقلاء على نفي احتمال غفلة المتكلّم و نسيانه عن ذكر القيد و القرينة من غير فرق في ذلك بين كون من يحتمل الغافلة من قصد إفهامه و بين كونه غيره.

و أما إذا احتمل وجود قرينة تعمد المتكلّم في إخفائها عن غير المقصود بالإفهام فليس لغير من قصد إفهامه نفي هذا الاحتمال بالأصل العقلائي، لأنّ الأصل العقلائي- المراد به طريقة العقلاء دون ما هو ظاهر الأصل من كونه معتبرا في ظرف الشك- مختص بصورة ترك القيد و القرينة غفلة، فبناء العقلاء و طريقتهم حينئذ على عدم الاعتناء باحتمال الغافلة، و أما تعمد إخفاء القرينة فلا أصل في البين ينفي هذا الاحتمال.

و عليه فيمكن أن يكون المعنى المتحصل من الكلام الملقى إلى من قصد إفهامه بضميمة القرينة المعهودة عندهما غير المعنى المتحصل منه بالنسبة إلى غير من قصد إفهامه، مثلا إذا كان المعهود عند المتكلّم و المخاطب أنّ المتكلّم إذا أخبره بأسعار الأمتعة يكون ذلك إخبارا عن أسعارها في بلد خاص و لم تكن هذه القرينة معهودة عند غير المخاطب، و حينئذ فإذا أخبر المتكلّم في محضر جماعة بغلاء سعر متاع كالسكّر مثلا، فالمعنى المتحصل من هذا الكلام عند السامعين غير من قصد إفهامه غلاء سعر السكّر في النجف الأشرف و عند من قصد إفهامه غلاء سعره في ذلك البلد، فالمعنى المتحصل عند من قصد إفهامه مغاير للمتحصل من هذا الكلام عند غير من قصد إفهامه و مع هذا الاحتمال الذي لا دافع له لم يحرز بناء العقلاء على هذا الظاهر لعدم كشفه عن المراد.

و بالجملة فالتفصيل في حجيّة ظواهر الألفاظ بين من قصد إفهامه و بين‏

180

من يقصد إفهامه في غاية الوجاهة.

[الردّ على تفصيل المحقق القمي (قدّس سرّه)‏]

و الإشكال عليه: بأنّ من قصد إفهامه كما يجري الأصل العقلائي إذا احتمل إرادة المتكلّم نصب قرينة و لكن غفل عن بيانها كذلك يجري غير من قصد إفهامه إذا احتمل وجود القرينة، فلا فرق حينئذ في حجيّة الظواهر بين المقصود بالإفهام و بين غيره، واضح الاندفاع؛ لعدم ارتباط هذا الإشكال بكلام المفصّل، إذ دعوى المحقق القمي (قدّس سرّه) عدم جريان أصل عقلائي في احتمال تعمد عدم ذكر القرينة لغير من قصد إفهامه، و الإشكال المزبور أجنبي عن هذا الكلام، إذ لا كلام في جريان أصالة عدم الغافلة و النسيان سواء كان المجري لها المقصود بالإفهام أم غيره، فالمقصود بالإفهام و غيره مشتركان في إجراء أصالة عدم الغافلة و لكن أصالة عدم الغافلة لا ربط لها باحتمال التعمد.

و بالجملة فلا أصل عند العقلاء بمعنى عدم استقرار طريقتهم على نفي احتمال التعمد في ترك ذكر القيد و القرينة، فالتفصيل بين من قصد إفهامه و بين من لم يقصد في غاية المتانة.

نعم ما أفاده المحقق القمي (قدّس سرّه) من جعل ظواهر الروايات من قبيل الكلام الذي قصد به إفهام خصوص المخاطب، ببيان: أنّ الروايات موجهة إلى السائلين و الرواة فهم المقصودون بالإفهام دون غيرهم، فحجيّة ظواهر الروايات ببناء العقلاء مختصة بالرواة و لا تكون حجة لأجل بناء العقلاء بالنسبة إلى غيرهم بل تكون ظواهر الروايات في حقّ غير الرواة ممّا انسد فيه باب العلم و العلمي كانسداد باب العلم و العلمي بالنسبة إلى أصل الصدور أو جهته أو كليهما، و مع الانسداد يكون الأخذ بظواهر الروايات بالنسبة إلى غير الرواة من باب الظن المطلق.

ممّا لا يمكن الالتزام به، ضرورة أنّه على تقدير وجود قرينة بين الراوي و بين الإمام عليه الصلاة و السلام، و لكن ذلك الراوي كزرارة لما كان متحملا للحديث،

181

و من آداب تحمل الحديث بيان تمام الخصوصيات المكتنفة بالحديث و إلّا يلزم التدليس فيجب عليه بيان تلك القرينة، فكلام الإمام (عليه السّلام) و إن كان موجها إلى السائل إلّا أنّ المقصود جميع المكلّفين لعلمهم (عليهم التحية و السلام) بكون تلك الروايات مدارك الأحكام في عصر غيبة خاتم الأوصياء الطيبين الكرام (صلوات اللّه عليهم من الآن إلى يوم القيام).

و لذا أمروا: بضبط الروايات و كتابتها و تصحيحها و اهتم علماء الحديث و المشايخ (رضوان اللّه عليهم و شكر مساعيهم الجميلة) غاية الاهتمام في تنقيح الأحاديث و تهذيبها، فتكون الروايات كتصنيف المصنّفين بل فوق ذلك بمراتب في كون كلّ أحد يرجع إليها مقصودا بالإفهام، فما أفاده المحقق القمي (قدّس سرّه) من كون الروايات ممّا لم يقصد إفهامه لكلّ أحد ليس على ما ينبغي، نعم يتم ما ذكره في غير الروايات.

فتلخص من جميع ما ذكرنا أنّ تفصيل القمي (قدّس سرّه) وجيه و لكن الثمرة التي رتبها عليه من عدم تعلق قصد الشارع بكون الروايات ممّا قصد إفهام شخص خاص بها غير مترتبة عليه لما عرفت.

[التفصيل المنسوب إلى المحدثين في عدم حجية ظواهر الكتاب‏]

ثمّ إنّ هنا تفصيلا آخر في حجيّة ظواهر الألفاظ ينسب إلى جملة من المحدثين و هو عدم حجيّة ظواهر الكتاب العزيز بالخصوص مع البناء على حجيّة سائر الظواهر و استندوا في هذا التفصيل إلى وجوه:

أحدها: العلم الإجمالي بورود تخصيصات و تقييدات على ظواهر الكتاب، و مع هذا العلم الإجمالي لا تجري أصالة عدم التخصيص و التقييد التي هي مبنى الظهور، لأنّ حال الاصول العقلائية كحال الاصول العملية في عدم جريانها في أطراف العلم الإجمالي.

الإجمالي.

ثانيها: وقوع التحريف في القرآن، فلعل الساقط منه ما كان مرتبطا بآيات‏

182

الأحكام، و مع وجود ذلك الساقط يكون المعنى المتحصل من الآية غير ما يتحصل منها مع عدم ذلك الساقط و مع اختلاف المعنى لا يستقر للآية ظهور حتى يكون حجة.

ثالثها: الروايات الدّال‏ (1) بعضها على كون علم القرآن مخزونا عند الأئمة الأطهار (عليهم صلوات اللّه) الملك الغفار، و بعضها على كون القرآن قلب النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و أنّه الدفتر الكبير، و هذا الكتاب الذي هو ما بين الدفتين دفتر صغير. و بعضها على ردع بعض القضاة و فقهاء العامة عن الحكم بالقرآن كنهي الإمام (عليه السّلام) أبا حنيفة (2) و قتادة (3) عن القضاء بالكتاب، و قوله (عليه السّلام) لبعضهم‏ (4) «ما ورثك اللّه تعالى من علم القرآن حرفا». و بعضها (5) على النهي عن تفسير القرآن بالرأي. فلاحظ الروايات الواردة في المقام.

[الرد على التفصيل المنسوب إلى المحدثين‏]

و لكنك خبير بعدم دلالة شي‏ء من هذه الوجوه على منع الأخذ بظواهر الكتاب العزيز.

إذ يرد على الأول: أنّ العلم الإجمالي يحدث منحلّا لأنّ مراجعة الروايات و الظفر فيها بالمخصّص أو المقيد يوجب العلم بتخصيص الكتاب و تقييده، فقبل الظفر بالروايات المخصّصة و المقيدة لا علم بالتخصيص و التقييد، و على تقدير حدوثه غير منحل لكنه ينحل بعد المراجعة إلى الروايات و الظفر بجملة من المخصّصات و المقيدات و بعد العثور عليها لا يبقى علم إجمالي بورود مخصّصات و مقيدات، فتجري الاصول العقلائية من أصالتي عدم التخصيص و التقييد في ظواهر الآيات، هذا بناء على كون‏

____________

(1) بحار الأنوار 48/ 90، الحديث 106.

(2) وسائل الشيعة 27/ 47، الحديث 33177

(3) وسائل الشيعة 27/ 185، الحديث 33556.

(4) و هو أبو حنيفة.

(5) وسائل الشيعة 27/ 202، الحديث 33597.

183

العلم الإجمالي في ظواهر آيات الأحكام و إلّا فلا يكون منجزا لاحتمال كون المخصّص واردا على ظواهر آيات القصص و الحكايات، فيكون العلم الإجمالي بين ما هو داخل في محلّ الابتلاء و بين ما هو خارج عنه كالعلم الإجمالي إما بنقصان سجدة من صلاته و إما بنقصان مسمار في مداسه.

و يرد على الثاني: أنّ التحريف على تقدير وقوعه في القرآن إنّما يكون في النقص دون الزيادة، للاتفاق على عدم زيادة شي‏ء في القرآن و النقص لم يقع إلّا في الآيات الدالة على فضائل أهل البيت (صلوات اللّه عليهم أجمعين) دون آيات الأحكام التي هي مورد البحث، لأنّ حاجتهم إلى آيات الأحكام كانت في غاية الشدة لتوقف بقاء رئاستهم و سلطانهم على وجود آيات الأحكام، ضرورة أنّ بناءهم لم يكن على مراجعة المعصومين عليهم الصلاة و السلام بل على استقلالهم في الرجوع إلى القرآن، و لذا كانوا مهتمين بحفظ آيات الأحكام دون إسقاطها و تحريفها.

و بالجملة فالتحريف على تقديره لا يضر بحجيّة ظواهر القرآن لعدم انثلامها به كما لا يخفى.

و يرد على الاستدلال بالروايات أن الطوائف الثلاث منها أجنبية عن حجيّة الظواهر، لأنّ مفادها كون علم القرآن و تفسيره عندهم (عليهم السّلام)، و لا شبهة في ذلك فإنّ استفادة جميع ما للصلاة مثلا من الأجزاء و الشرائط و الموانع من الكتاب العزيز لا تتيسّر إلّا للإمام (عليه السّلام)، و أما ظاهر قوله تعالى‏ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ‏ (1) مثلا فهو ممّا يعرفه كلّ أحد، فردع القضاة عن الحكم بالقرآن إنّما هو لأجل عدم تيّسر فهم جميع ما للصلاة و غيرها كالحج و الزكاة من الأحكام من القرآن إلّا للمعصوم (عليه السّلام)، و ليس لأحد الحكم بالقرآن قبل مراجعة التفسير الوارد منهم (صلوات اللّه عليهم أجمعين)

____________

(1) البقرة: 275.

184

فردع فقهاء العامة عن الحكم و الإفتاء بالقرآن إنّما هو لأجل استقلالهم بالقرآن و عدم رجوعهم إلى الأئمة الأطهار (صلوات اللّه عليهم أجمعين)، لا لأجل عدم حجيّة ظواهر الكتاب العزيز.

و الحاصل: أنّ المدّعى هو اعتبار ظواهر القرآن بعد الرجوع إلى التفسير لاحتمال التخصيص و التقييد كسائر الظواهر التي لا بدّ في العمل بها من الفحص عن المخصّص و المقيد، فكما يلزم الفحص عن المخصّص و المقيد في عمومات السنة و مطلقاتها و ليس لأحد الأخذ و العمل بها قبل مراجعة الروايات، فكذلك يلزم الفحص عن مخصّصات عمومات الكتاب و مقيدات مطلقاته، و ليس لأحد التمسك بعموماته و مقيداته قبل الرجوع إلى الروايات، فإن أراد المحدثون من عدم حجيّة ظواهر الكتاب العزيز هذا المعنى أعني عدم جواز الأخذ بها قبل مراجعة الروايات المفسرة و المخصّصة لعمومات الكتاب، فلا ريب في صحته لما عرفت من كون ظواهر الكتاب من عموماته و مطلقاته كظواهر السنة في لزوم الفحص عن المخصّص و المقيد، و الاصوليون معترفون بذلك و استقرّ دأبهم على عدم الرجوع إلى عمومات الكتاب إلّا بعد الفحص عن المخصّصات الواردة بما في أيدينا من الروايات، و على هذا فلا نزاع بين الاصوليين و المحدثين.

و إن أراد المحدثون عدم حجيّة ظواهر الكتاب حتى بعد مراجعة الروايات، ففيه منع واضح لما ورد من الروايات المستفيضة بل المتواترة الدالة على الأمر بالرجوع إلى الكتاب العزيز، فلو لم تكن ظواهر الكتاب حجة حتى بعد الظفر بالمخصّص و المقيد فلا يبقى موضوع لتلك الأخبار، و لا يظن من أحد من المحدثين الذين يعتنى بشأنهم إرادة هذا المعنى أعني عدم حجيّة ظواهر الكتاب مطلقا حتى بعد الفحص عن المخصّص في الروايات.

و بالجملة فلم يظهر من الأخباريين أن يلتزموا بعدم حجيّة ظواهر الكتاب‏

185

حتى بعد مراجعة الروايات بل حال ظواهر الكتاب حال ظواهر السنة.

[في أن حدّ الفحص حصول القطع‏]

نعم في مقدار الفحص عن المخصّص كلام، فقيل: بأنّ مقداره الظفر بما يساوي المعلوم بالإجمال بناء على كون الوجه في وجوب الفحص هو العلم الإجمالي.

و قيل بوجوب الفحص إلى أن يحصل القطع بالعدم و هو الحقّ خصوصا بعد ملاحظة كون المتكلّم في المقام ممن يعتمد كثيرا على القرائن المنفصلة، فحينئذ يكون كلّ عام معرضا للتخصيص و لا يخرج عن المعرضية إلّا بالعلم بعدم المخصّص.

و الإشكال في ذلك: بعدم حصول العلم بعدم المخصّص بعد اضمحلال بعض الاصول كأصل ابن أبي عمير لاحتمال كون الرواية المخصّصة في ذلك الأصل المفقود و حينئذ لا يحصل العلم بعدم المخصّص.

مدفوع: بأنّ فقدان أصل من تلك الاصول يكون كفقدان نسخة من نسخ كتاب الجواهر، فكما أنّ فقدانها لا يوجب فقدان سائر نسخ الجواهر فكذلك فقدان نسخة من الاصول لا يوجب فقدان ما في تلك النسخة من الروايات، لأنّ أصحاب مولانا الصادق عليه الصلاة و السلام الذين كان عددهم أربعة آلاف كانوا ضابطين لما سمعوه من الروايات، فما كان مضبوطا في أصل ابن أبي عمير كان مضبوطا في أصل محمّد بن مسلم و زرارة و غيرهما أيضا، و احتمال وجود رواية في أصل ابن أبي عمير تضبط في أصل آخر من الاصول الموجودة فلا يكون الفحص موجبا للقطع بالعدم، في غاية الضعف و الوهن بعد كون تلك الرواية من روايات الأحكام، و على تقدير تضمّن أصل ابن أبي عمير لتلك الرواية تكون من الشاذ النادر الذي فيه جهات من الريب المسقط لها عن الحجيّة، فتلك الرواية التي نحتمل اشتمال أصل ابن أبي عمير عليها دون سائر الاصول إما من الروايات الشاذة التي لا يعتنى بها، و إما من روايات السير و السلوك و الرياضة التي لا ترتبط بالأحكام.

و كيف كان فبعد الفحص عن جميع ما بأيدينا من الروايات نقطع بعدم‏

186

المخصّص. و على تقدير عدم اندفاع الاحتمال المذكور لا محيص إلّا عن الاحتياط و عدم حجيّة شي‏ء من العمومات و المطلقات.

و أما الأخبار الناهية عن التفسير بالرأي فهي أجنبية أيضا عن المقام إذ الظاهر غير التفسير، فإنّ التفسير كما قيل استظهار المعنى من اللفظ بإعمال رأي و نظر و حدس و من المعلوم أنّ الظاهر ليس كذلك، لأنّ كلّ عالم بلغة إذا القي إليه لفظ من تلك اللغة يعلم ما هو معنى اللفظ من دون إناطته بشي‏ء غير علم السامع بوضع اللفظ للمعنى الفلاني. و من المعلوم أن أبا حنيفة و أضرابه كانوا من أهل اللسان و يفهمون معنى قوله تعالى‏ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ‏ (1) و أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (2) و نحو ذلك من الآيات الأحكامية التي لا يحتاج استظهار المعنى منها إلى الرجوع إلى اللغة.

فتلخص: أنّ ما نسب إلى المحدثين إن كان مرجعه إلى إنكار أصل الظهور في الكتاب العزيز، ففيه ما لا يخفى لكونه إنكارا للأمر الوجداني. و إن كان مرجعه إلى إنكار حجيّته، فإن اريد بذلك عدم حجيّته مطلقا فقد عرفت ما فيه أيضا، و إن اريد به عدم حجيّته قبل الفحص عن المخصّص و المقيد الموجودين في الروايات فهو متين و لا ينكره أحد من الاصوليين، فلا نزاع حينئذ بين المحدثين و الاصوليين كما لا يخفى.

[تعدد القراءات في القرآن و تفصيل المحدثين بين ظواهر الكتاب و ظواهر السنة]

و لعل نظر من فصّل من المحدثين بين ظواهر الكتاب و بين ظواهر السنة بحجيّة ظواهر السنة دون ظواهر الكتاب، إلى أنّ تعدّد القراءات في الكتاب العزيز مع معلومية وحدة ما نزل من اللّه عزّ و جل على سيد المرسلين (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و لو على تقدير تكرر نزول آية كآية مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ‏ يوجب اشتباه ما نزل فلا يحرز قرآنية شي‏ء من هذه القراءات حتى يكون ظاهرها ظاهر الكتاب، و ذلك لأنّه بعد الالتزام بوحدة الكيفية في ما نزل يكون تعدّد القراءات المنتهية بطرق مختلفة غير معتبرة عندنا إلى‏

____________

(1) البقرة: 275.

(2) المائدة: 1.

187

مولانا أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه) و ابن عباس و غيرهما من أصحاب النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و منهم إليه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) موجبا لاشتباه ما نزل، فلا يعلم قرآنية شي‏ء من هذه القراءات و مع عدم العلم بقرآنيتها لا وجه لحجيّة ظواهرها و الاستدلال بها.

فإن قلت: إنّ ما ذكرت يستلزم عدم جواز قراءة شي‏ء منها في الصلاة لأنا مكلّفون بقراءة القرآن النازل على النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و المفروض عدم العلم بما نزل، فيجب الاحتياط بقراءة الفاتحة و السورة بجميع القراءات حتى يعلم بقراءة ما نزل فيكرر قراءة «كفوا» بالوجوه الأربعة بشرط تكرير ما قبله أيضا من قوله تعالى‏ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ‏، إذ لو لم يكرر ما قبله يكون لفظ «كفوا» من كلام الآدمي المبطل، فلا بدّ من تكرير ما قبله بقصد الأمر الواقعي المتوجه إليه وجوبيا كان أم استحبابيا، و هذا هو المراد بقصد القربة المطلقة.

قلت: فرق بين جواز الاستدلال بالقرآن مع القراءات المختلفة و بين جواز تلاوة القرآن بالقراءات المختلفة، فإنّ مقتضى الروايات الدالة (1) على الأمر بقراءة القرآن كما يقرأ الناس هو جواز القراءة بالقراءات المشهورة، فنحن مأمورون في عصر الغيبة و زمان عدم بسط يد الإمام (عليه السّلام) بقراءة القرآن بإحدى القراءات المشهورة، و هذا بخلاف جواز الاستدلال بالقرآن، فإنّه منوط بإحراز القرآنية و المفروض عدم إحرازها فلا يجوز التمسك بها لعدم الظهور الناشئ من عدم إحراز قرآنيته.

إلّا أن يقال: بعدم إطلاق في الروايات الآمرة بقراءة القرآن كما يقرأ الناس بحيث يشمل القراءات، بل مورد تلك الروايات هو قراءة القرآن المعهود بين الناس الذي جمعه عثمان في مقابل القرآن الذي جمعه مولانا أمير المؤمنين (صلوات اللّه تعالى‏ عليه)

____________

(1) وسائل الشيعة 6/ 163، الحديث 7630.

188

المشتمل على زيادات سقطت عن القرآن العثماني، فإنّ الإمام (عليه السّلام) نهى بعض الأصحاب عن تلاوة ذلك القرآن العلوي بتلك الزيادات و أمره بقراءة هذا القرآن العثماني الفاقد لتلك الزيادات، فيكون المراد بقراءة الناس هو قراءة القرآن العثماني دون القرآن الحقيقي الذي لم يسقط منه شي‏ء و يكون موجودا عند مولانا صاحب الزمان (عجل اللّه تعالى فرجه)، فلا تشمل الروايات المشار إليها جواز تلاوة القرآن بالقراءات المشهورة، فلا بدّ حينئذ من الاحتياط في القراءة بتكرار الآية بتعدّد القراءات.

و كيف كان فيمكن أن يكون نظر من أنكر حجيّة ظواهر الكتاب إلى عدم انعقاد ظهور للكتاب مع تعدّد القراءات الموجب لاشتباه ما نزل.

و لكن فيه أيضا: أنّ اختلاف القراءات ليس في جميع آيات الأحكام بل في قليل منها، و على تقدير كونه في جميعها لكن الاختلاف ليس بمثابة يوجب الإجمال بل لغالب آيات الأحكام ظهور معتد به لا ينثلم بتعدّد القراءات كما هو واضح جدا.

و على كلّ حال لا مجال للتفصيل بين الكتاب و السنة بحجيّة ظواهر الثاني دون الأول، فظواهر الكتاب كظواهر السنة حجة من دون تفاوت بينهما، هذا تمام الكلام في المقام الثاني المتكفل للكبرى، أعني حجيّة الظواهر.

و أما المقام الأول المتكفل لحال الصغرى أعني تشخيص أصل الظهور، فالكلام فيه يقع في موردين، الأول في ظهور المعاني الأفرادية و الثاني في ظهور المعاني المتحصلة التركيبية.

أما المورد الأول: [تشخيص الظهور في المعاني الإفرادية]

فملخص الكلام فيه: أنّ ظهور لفظ في معنى منوط بالعلم بوضعه لذلك المعنى و مع عدم العلم به لا يحصل ظهور لذلك اللفظ في معناه الموضوع له كما هو واضح، و من المعلوم أنّ العلم بالوضع ممّا لا يتحقق لنا لفقدان تنصيص الواضع، و عدم كون أهل اللغة كصاحبي القاموس و مجمع البحرين و أضرابهما من أهل‏

189

خبرة الأوضاع، ضرورة أنهم لم يضبطوا إلّا موارد الاستعمال، فإنّ صاحب القاموس الذي قيل إنّه أكثر تتبعا في لغة العرب، حتى قيل في حقه إنّه طيلة عمره عاشر ثلاثمائة و ستين عشيرة من عشائر العرب و قبائلها لأخذ معاني الألفاظ العربية منهم، لم يضبط إلّا ما سمع منهم بالاستعمال من الألفاظ و المعاني، و لم يظهر أنّه ضبط ما قطع بكونه ممّا وضع له اللفظ بسبب التبادر و القطع بعدم قرينة عندهم فإنّه تخرص بالغيب، فالمتيقن أنّه قطع بكون المعنى الكذائي ممّا استعمل فيه اللفظ الفلاني، و أما كونه هو الموضوع له فلا سبيل إلى إحرازه،

[اعتبار قول اللغوي‏]

فالإشكال في قول اللغوي يكون من وجهين:

الأول: أنّ اللغوي ليس من أهل الخبرة بالأوضاع بل من أهل الخبرة بموارد الاستعمالات لما مرّ آنفا، فالمعاني العديدة التي يذكرها اللغوي كصاحب القاموس و غيره للفظ واحد يمكن أن تكون بتمامها حقائق لذلك اللفظ، و يمكن أن تكون مجازات كذلك، و يمكن أن يكون بعضها معنى حقيقيا و بعضها مجازيا، و على تقدير هذا الفرض الأخير يحتمل أن يكون ما يذكره أولا هو المعنى الحقيقي و غيره معنى مجازيا (1).

و الحاصل أنّ اللغوي ليس من أهل خبرة الوضع حتى يرجع إليه.

الثاني: أنّ قول اللغوي ليس من باب الشهادة لأنّه لم يسمع من الواضع التصريح بوضع اللفظ الكذائي للمعنى الفلاني و لا من باب أهل الخبرة لما عرفت، و لا تكون حجيّة قول اللغوي من باب الانسداد، لأنّه إن تمّ الانسداد الكبير يكون‏

____________

(1) لا يخفى أنّ سيدنا الاستاذ مد ظله جزم بهذا على ما أفاده بعد الدرس و إنّ المعنى الذي يذكره اللغوي أولا هو المعنى الموضوع له و غيره هو المعنى المجازي.

أقول: لم يظهر منشأ جزم الاستاذ بما أفاده و بعدم احتمال الاشتراك اللفظي مع كونه من الاحتمالات العقلائية و مع احتمال الاشتراك و المجازية لا مرجح للمجاز على الاشتراك و ما ذكر في وجه الترجيح غير وجيه كما حرر في محلّه، فتدبر.

190

كلّ ظن يتعلق بالحكم الشرعي حجة سواء حصل من قول اللغوي أم غيره و إن لم يتم فلا وجه لحجيّة قوله للانسداد الصغير.

ضرورة أنّ انسداد باب العلم في بعض ما يتوقف عليه العلم بالحكم الشرعي كانسداد باب العلم في معاني جملة من الألفاظ العربية لا يوجب انسداد باب العلم في معظم الأحكام، و المدار في حجيّة الظن في الأحكام هو انسداد باب العلم في معظم الأحكام، إذ لا يلزم من الرجوع إلى الاصول في انسداد باب العلم في جملة من معاني الألفاظ أو العمل بالاحتياط ما يلزم من الرجوع إليهما في الانسداد الكبير من الخروج عن الدين أو العسر و الحرج، لأنّ موارد الحاجة إلى قول اللغوي في روايات الأحكام في غاية القلة لعدم اشتمال غالب تلك الروايات على الفاظ يحتاج معرفة معانيها إلى قول اللغوي، بل تحصل معرفتها بأدنى مراجعة إلى اللغة الدارجة.

و بالجملة فلا وجه لاعتبار قول اللغوي بالانسداد الصغير كما عرفت.

[اعتبار قول الرجالي‏]

و نظير الإشكال في حجيّة قول اللغوي الإشكال في حجيّة قول الرجالي في الجرح و التعديل، فإنّ جواز التمسك بالروايات كما يتوقف على وجود الظهور لها كذلك يتوقف على إحراز صدورها المنوط بإحراز كون الراوي ثقة، فإنّه بعد البناء على حجيّة خبر الثقة لا بدّ في جواز الأخذ بالخبر من إحراز كونه خبر الثقة و المتكفل لإثبات كون المخبر ثقة هو قول الرجالي.

و ليس اعتبار قول أهل الرجال الذين يشاهدوا الرواة و لم يعاشروهم من باب الشهادة لاعتبار التعدّد و غيره في الشهادة، فإنّ خبر الثقة بناء على حجيّته يكون اعتباره في الأحكام دون الموضوعات، و من المعلوم فقدان شرائط الشهادة من العدالة في قول الرجالي، و ذلك لانتهاء التعديلات الرجالية طرا إلى شخصين أحدهما النجاشي و الآخر ابن عقدة الذي لم يكن إماميا فأين شرط الشهادة، فقول اللغوي و كذا الرجالي يكون حجة من باب الوثوق و الاطمئنان، و لا إشكال في أنّ الرجوع‏

191

إلى علم الرجال يوجب الاطمئنان بوثاقة الراوي، و كذا الرجوع إلى قول اللغوي يوجب الاطمئنان بكون معنى اللفظ هو ما ذكره اللغوي، و لا يمكن إنكار هذا المعنى بل يحصل الوثوق و الاطمئنان برؤية القرآن المترجم مع عدم العلم بكون المترجم خبيرا باللغة و ثقة، و مع ذلك بمجرد رؤية ترجمة كلمة يحصل له القطع بأنّ معنى تلك الكلمة هو ما ذكره ذلك المترجم و يوجب رؤيته لتلك الترجمة سروره لعلمه بمعنى تلك الكلمة.

ثمّ إنّه على تقدير عدم حصول الوثوق و الاطمئنان بقول الرجالي في ما يرجع إلى التعديل و التوثيق و بقول اللغوي في ما يرجع إلى تشخيص الظهور، فهل يمكن إثبات حجيّة كلّ من قولي اللغوي و الرجالي بدليل الانسداد.

توضيح ذلك أنّه يتوقف استنباط الأحكام من أخبار الآحاد الثقات على إثبات امور أربعة:

الأول: حجيّة خبر الثقة التي يأتي تفصيلها.

الثاني: إثبات كون خبر زرارة مثلا خبر الثقة ليكون من صغريات تلك الكبرى أعني حجيّة خبر الثقة.

الثالث: كون خبر زرارة ظاهرا في المعنى الكذائي، إذ لو لم يكن لخبر الثقة و لو بعد إثبات حجيّته ظهور فلا يمكن استنباط الحكم منه.

الرابع: إحراز الجهة و هي كون الخبر صادرا لبيان حكم اللّه الواقعي.

و المتكفل لإثبات الأمر الأول هو ما دلّ على اعتبار خبر الثقة ممّا سيأتي إن شاء اللّه تعالى. و المتكفل لإثبات الأمر الثاني علم الرجال. و الأمر الثالث قول اللغوي. و الأمر الرابع الأصل العقلائي.

و الكلام فعلا في الأمر الثاني و الثالث، و قد عرفت حصول الوثوق و الاطمئنان بقول اللغوي و الرجالي و على تقدير عدم حصول الاطمئنان بذلك و عدم إمكان‏

192

حجيّتهما من باب الشهادة لعدم كونها عن حس، إذ لم يعاشر أرباب الكتب الأربعة الرجالية رواة الأحاديث حتى يمكن اندراج تعديلاتهم في باب الشاهدة، و لا من باب أهل الخبرة لعدم حجيّة رأيهم لنا و إلّا يلزم التقليد، إذ لا بدّ من إعمال الرأي و الاجتهاد في تعديلاتهم للرواة و متابعتهم تكون من باب التقليد.

و أما اعتبارهما من باب الانسداد فقد فصّل الميرزا النائيني (قدّس سرّه) في جريان دليل الانسداد بين قول الرجالي و بين قول اللغوي بعد فرض عدم حصول الاطمئنان من قولهما بالجريان في الأول و عدمه في الثاني، و ذلك لأنّ مدارك معظم الأحكام هي أخبار الآحاد حتى الروايات الواردة في تعديل بعض الرواة و جرحها، فإنّها آحاد أيضا و لا بدّ في اعتبارها بعد إثبات الكبرى- أعني حجيّة خبر الثقة من كون رواتها ثقات- فإن بنينا على إمكان إحراز كون الرواة ثقات فلا انسداد لانفتاح باب العلمي، و إلّا فيتحقق الانسداد لعدم وفاء الأخبار المتواترة و الآحاد المحفوفة بالقرائن القطعية بمعظم الأحكام، فمع البناء على الاحتياط يلزم اختلال النظام أو العسر، و مع البناء على جريان الاصول النافية للتكليف يلزم الخروج عن الدين فينتهي الأمر إلى حجيّة الظن على التفصيل الآتي في دليل الانسداد إن شاء اللّه تعالى.

و هذا بخلاف قول اللغوي فإنّه بناء على عدم إفادته الوثوق يكون في البين غالبا قدر متيقن كالصعيد فإنّ المتيقن منه هو التراب الخالص لقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)(1): «التراب أحد الطهورين» و نحوه و إن لم يكن في البين قدر متيقن فلا مانع من الاحتياط: و لا يلزم منه محذور الاختلال و لا العسر: فمثلا إذا فرض الشك في صدق الماء المطلق على الماء الذي يخرج من العين و بعد مضي خمس دقائق من خروجه ينجمد و يصير ملحا، فإذا لاقت يده المتنجسة ذلك الماء الذي هو بمقدار

____________

(1) وسائل الشيعة 3/ 381، الحديث 3923.

193

الكرّ أو أزيد لا يحكم بانفعال الماء و نجاسة الملح الذي ينقلب إليه الماء المالح، و لكن لا يحكم أيضا بجواز الوضوء و التطهير به و لا يلزم من عدم جواز التطهير و التوضؤ به اختلال و لا حرج كما لا يخفى.

فتلخص: أنّه بناء على عدم تحقق الوثوق بقول الرجالي و اللغوي أو عدم الوثوق بقبول الرجالي وحده يتحقق الانسداد. و أما بناء على حصول الوثوق بقول الرجالي دون اللغوي لا يلزم الانسداد المنتج لحجيّة قول اللغوي.

و لكن الحقّ ما عرفته من حصول الاطمئنان بقول كلّ من الرجالي و اللغوي كما يظهر ذلك للمتتبع فتتبع. هذا تمام الكلام في تشخيص الظهور في المعاني الإفرادية المتحققة بالعلم بالوضع.

و أما المورد الثاني: [تشخيص الظهور في المعاني المتحصلة التركيبية]

و هو الظهور الجملي التركيبي فهو موقوف على تمامية الكلام و بيان المتكلّم تمام ما أراد بيانه من القيود و الملابسات، و ليس قبل فراغه عن الكلام مورد للاستظهار، بل لا بدّ في الاستظهار من فراغ المتكلّم عن كلامه، فإذا فرغ عن بيان جميع ما أراد بيانه و بيّن جميع القيود الدخيلة في مقصوده فيصح حينئذ الأخذ بظهور كلامه و نقل ظاهر كلامه بالمعنى و الإخبار عمّا قاله المتكلّم، فربما يكون المعنى المتحصل التركيبي مخالفا للمعاني الإفرادية و ربما يكون موافقا، و على كلّ حال فالمدار في صحة نقل ظاهر كلام المتكلّم هو المعنى الجملي لا الإفرادي، و بعد تحقق الظهور التركيبي يأخذ العقلاء به من باب كشفه عن المراد لا من باب التعبد لعدم التعبد و التنزيل في بناء العقلاء كما تقدم.

[انعقاد الظهور الجملي في القرائن المنفصلة و عدمها]

ثمّ إنّ ما ذكرناه من الأخذ بالظهور الجملي بعد فراغ المتكلّم عن بيان تمام ما أراد بيانه ممّا لا إشكال فيه إذا كان بناء المتكلّم على ذكر تمام ما أراده في مجلس التكلّم، و أما إذا كان بناؤه تارة على ذلك و اخرى على بيان بعض القيود في غير ذلك المجلس و احرز اعتماده كثيرا على القرائن المنفصلة فهل ينعقد لكلامه ظهور أم لا ينعقد

194

إلّا بعد بيان القرائن المنفصلة، فإن انعقد له ظهور ثمّ ظفرنا بالقيد، فإن كان مبيّنا فلا إشكال في التقييد و إن كان مجملا، فإن كان مرددا بين الأقل و الأكثر فيصير التخصيص بالأقل معلوما و بالأكثر مشكوكا فيه فيؤخذ بالظاهر و يقال: الأصل عدم التقييد و يكون الإطلاق محكما.

و إن كان مرددا بين المتباينين فيسرى إجماله إلى الكلام و لا يمكن الأخذ به و أمثلة الكلّ واضحة و قد تقدمت في الجزء الأول من هذا الكتاب فلاحظ.

و إن لم ينعقد له ظهور إلّا بعد الظفر بالقرائن المنفصلة و ضمّها إلى الكلام لكون السابق و اللاحق بمنزلة كلام واحد لبيان مقصود فارد، فيضمّ اللاحق إلى السابق ثمّ يؤخذ بالمعنى المتحصل التركيبي، فلا يؤخذ بإطلاقه بعد الظفر بمقيد مجمل مردد بين الأقل و الأكثر إذ لم ينعقد له ظهور في الإطلاق حتى يقال بخروج أحد السواءات و يشك في ارتفاع غيره فيؤخذ بالإطلاق، و المفروض أنّ قيده مجمل فلا ينعقد للكلام ظهور في الإطلاق حتى بعد الظفر بالقيد المجمل.

و بالجملة فما اشتهر من انعقاد الظهور قبل العثور على القرائن المنفصلة و بعد العثور عليها يتصرف في حجيّة الظهور لا في أصله لا يخلو من تأمل، لأنّه بعد ما عرفت من كون المدار في الظهور الكاشف عن المراد هو الظهور التصديقي المتوقف على تمامية الكلام، و المفروض كون القرائن المنفصلة من قيود الكلام أيضا، فالظهور الجملي حينئذ يتوقف قهرا على بيان تلك القيود كما لا يخفى، و لذا نقول في مقام الجمع بين الأخبار بالتخيير بين شيئين أو أشياء برفع اليد عن إطلاق كلّ من الأمرين الظاهر في التعيينية بنص الآخر، إذ الإطلاق هو عدم القيد و بعد الظفر بالقيد نستكشف أنه ينعقد لذلك الكلام ظهور في الإطلاق.

[استظهار المعنى العرفي للألفاظ الدالة على الأحكام‏]

ثمّ إنّه بعد استظهار المعاني الإفرادية و الجملية لا بدّ من استظهار المعنى العرفي للألفاظ الدالة على الأحكام كصيغ الأمر و النهي أيضا، فإنّ دلالة صيغة (افعل) على‏

195

الوجوب منوطة بكون إنشاء النسبة الذي هو مدلول الهيئة عن الجد لا عن داعي الحث و الترغيب و غير ذلك من الدواعي، و ظهور صيغة افعل عرفا في الوجوب ممّا لا ينكر بعد ملاحظة الطريقة المألوفة بين الموالي و العبيد من عدم تعذير العبد الذي أمره المولى بشراء اللحم و لم يمتثل، بأن يقول إنّه لم يظهر لي كون الأمر بداعي الجد و كنت محتملا لأن يكون ذلك بداعي الترغيب، و عدم صحة هذا الاعتذار من العبد عند العرف يكشف عن ظهور الأمر في كونه عن الجد دون الدواعي الأخر.

و بعد استظهار المعاني العرفية من الألفاظ المتكفلة للأحكام كصيغ الأمر و النهي و ما بمعناها و ضمّ تلك المعاني العرفية إلى المعاني اللغوية المستفادة من قول اللغوي كما هو دأب كلّ جاهل بلغة- فإنّ من لا يعرف اللغة الانجليزية و الفرنسية مثلا يراجع كتب هاتين اللغتين و يتعلمهما- يتمّ الظهور التصديقي الكاشف عند العقلاء عن المراد.

فتلخص من جميع ما ذكرنا حجيّة قول اللغوي من باب الوثوق و الاطمئنان دون التعبد. و كذا حجيّة ظواهر الألفاظ لما عرفت من كشفها عن المرادات كشفا يوجب الاطمئنان بالمرادات، و على هذا فلا وجه لجعل حجيّة الظواهر ممّا خرج عن القاعدة المقتضية لعدم حجيّة الظن بل خروج الظواهر يكون بالتخصّص دون التخصيص كما لا يخفى.

196

(الإجماع المنقول)

الأمر الثاني: من الامور التي قيل بخروجها عن قاعدة عدم حجيّة الأمارات غير العلمية الإجماع المنقول.

[توهم اندراج الإجماع المنقول في خبر الواحد]

اعلم أنّه لا دليل على حجيّة الإجماع المنقول إلّا توهم اندراجه في خبر الواحد و كونه من صغرياته، فيشمله ما اقيم على حجيّة خبر الواحد، فكان اللازم تقديم البحث عن حجيّة خبر الواحد على البحث عن حجيّة الإجماع المنقول إلّا أنّ الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه)(1) لمّا عكس الأمر فتبعه عليه من تأخر عنه. فنقول: إنّ ناقل الإجماع تارة ينقل السبب و هو أقوال الفقهاء في جميع الأعصار أو عصر واحد على الخلاف في معنى الإجماع من كونه اتفاق العلماء أو المسلمين طرا في جميع الأعصار أو عصر واحد، و اخرى ينقل المسبب و المنكشف و هو نفس الحكم الشرعي.

و على الأول إن كان الناقل متعدّدا يكون النقل المزبور لأجل اندراجه في البينة حجة، و إن كان واحدا فحجيّة هذا النقل منوطة باعتبار خبر الواحد في الموضوعات، و هذا من غير تفاوت فيه بين كون المنقول أقوال العلماء و بين عملهم بشرط انتهاء العمل إلى أصحاب الأئمة (عليهم السّلام)، فإذا كان الناقل عادلا و نقل اتفاق الأقوال على حكم أو اتفاقهم على عمل و قلنا باعتبار خبر العادل في الموضوعات فيكون النقل المزبور كالتحصيل.

____________

(1) فرائد الاصول/ 47.

197

و على الثاني إن كان النقل المزبور مستندا إلى الحسّ كما إذا كان الإمام حاضرا في المجلس و اتفق أهل المجلس على حكم من الأحكام فيكون حجة بعد فرض حجيّة خبر الثقة في الأحكام.

و ربما يكون من هذا القبيل أي نقل المنكشف مراسيل الكافي التي يعبّر فيها بقوله و روي بالبناء للمجهول من غير ذكر المرسل عنه على ما حكي عن الفقيه المقدس خرّيت علم الدراية السيد أبي تراب الخوانساري، فإن نقل مثل هذا المرسل يكون من نقل قول المعصوم لتشرف ثقة الإسلام الكليني (قدّس سرّه) بزيارة الإمام المنتظر الوصي الثاني عشر (صلوات الله عليه) و (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) و أخذ جملة من الأحكام عنه عليه الصلاة و السلام و كونه مأمورا بإخفاء تشرفه و مع ذلك يجب على الكليني تبليغ الحكم إلى غيره، فلا محيص حينئذ عن النقل بنحو الإرسال مثل لفظ (و روي) بالمجهول، و لذا قيل: إنّ الأخذ بمراسيل الكافي أولى من الأخذ بمسانيده.

و كيف كان فنقل المسبب إن كان عن حسّ يكون حجة لكونه من صغريات خبر الواحد، و إن كان عن حدس كما هو كذلك بناء على كون مدارك حجيّة الإجماع المحصل قاعدة اللطف أو الملازمة العادية بين اتفاق المرءوسين- البانين على عدم التجاوز عن كلام رئيسهم و بين رضا رئيسهم بما اتفق المرءوسون عليه- أو الكشف عن وجود دليل معتبر عند المجمعين، أو لتراكم الظنون الحاصل من الفتاوى الموجب للقطع بالحكم كحصوله من الخبر المتواتر.

و بالجملة لما لم يكن الإجماع بنفسه و من حيث هو حجة كالكتاب و السنة مع كونه معدودا من أدلة الفقه- بحيث قيل: إنّ أدلة الفقه هي الكتاب و السنة و الإجماع و العقل، و زاد العامة عليها القياس، معللا بعضهم له بأنّ الفروع الفقهية غير متناهية

198

و الأدلة الأربعة المذكورة متناهية، و لا تفي المتناهية بغير المتناهية بل لا بدّ أن يكون دليل غير المتناهي ممّا لا يتناهى أيضا، و القياس لا يكون متناهيا فيصلح أن يكون دليلا على الفقه- اختلفوا في وجه حجيّته.

[المباني في حجية الإجماع‏]

و كيف كان فلما لم يكن الإجماع بنفسه حجة عندنا و إن كان كذلك عند العامة فاختلف الأصحاب في وجه حجيّته، فقيل: إنّ وجهها هو الكشف عن قول المعصوم (عليه السّلام) لطفا كما هو المنسوب إلى الشيخ الطوسي (قدّس سرّه)(1) بتقريب: أنّ إجماع الامة على خلاف الحكم الإلهي يقتضي ردع الإمام (عليه السّلام) لهم عن ذلك، إذ وظيفته (عليه السّلام) بيان الأحكام و تبليغها إلى العباد و ردعهم عن البدعة و الضلال بقدر الإمكان كما كان الأمر كذلك بالنسبة إلى المولى سيد الوصيين أمير المؤمنين (عليه أفضل صلوات المصلّين) في زمان الخلفاء، فإنّه (عليه السّلام) ردع عن كثير من بدعهم كما هو مشهور في كتب التاريخ.

و الحاصل: أنّ قاعدة اللطف تقتضي تنبيه الامة على خطائهم لئلا يقع المسلمون بعد ذلك العصر في الخطأ أيضا، حيث إنّ اتفاقهم يكون مدركا للحكم الشرعي بعد ذلك العصر من الأعصار، فعلى الإمام (عليه السّلام) أن يظهر علمه و ما هو الحكم الواقعي و لو بإلقائه في ذهن بعض الفقهاء حتى لا ينعقد الإجماع على خلاف الحكم الواقعي، و لا وجه لما عن الميرزا النائيني (قدّس سرّه) من تخصيص لزوم إلقاء الحكم الواقعي على الإمام (عليه السّلام) ليكون مانعا عن انعقاد الإجماع بما إذا أمكن الإعلام و التنبيه على الخطأ بالطريق المتعارف- كحضور الإمام (عليه السّلام) في مجلس بحث العلماء و إفتائهم و تنبيههم على خطائهم- و أما مع عدم الإمكان إلّا بالطرق غير المتعارفة كالإلقاء في ذهن بعض الفقهاء خلاف ما أفتوا به ليفتي بخلاف فتواهم أو حضوره (عليه السّلام) في مجلسهم‏

____________

(1) العدّة 2/ 631 و 637.

199

بلباس واحد من طلبة العلم و تنبيههم على خطائهم بمثل البحث و المذاكرة بين الاثنين كما اتفق ذلك لبعض أعيان الفقهاء كبحر العلوم (قدّس سرّه) فلا يجب على الإمام (عليه السّلام) ردعهم بل اللطف يقتضى إظهار الإمام (عليه السّلام) علمه حتى بالطرق غير المتعارفة- فالإنصاف أنّ قاعدة اللطف التي تمسك بها الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) لا بأس بها.

و قيل: إن وجه حجيّة الإجماع هو دخول المعصوم (عليه السّلام) في المجمعين و هو متين جدا، لكن الكلام في تحققه، فإنّه ممّا لا يحصل عادة في عصر الغيبة، فهذا الوجه مفيد جدا لكنه ليس بمتحقق عادة.

و ربما يقال بكون وجه حجيّة الإجماع هو الإجماع على حجيّته، فإنّه لم ينكر أحد حجيّة الإجماع فاعتبار الإجماع اتفاقي و ممّا لم ينكره أحد.

و لكن فيه مضافا إلى عدم تسليم الإجماع على حجيّة الإجماع لأنّ المحدثين لا يقولون بذلك، أنّ الإجماع الذي هو حجة عبارة عن الإجماع غير مدركي، إذ لو كان مدركيا فلا يكون كاشفا قطعيا تعبديا عن حكم اللّه الواقعي، بل لا بدّ حينئذ من النظر إلى المدرك و التأمل في اعتباره، و قد عرفت اختلاف الأنظار في وجه اعتبار الإجماع من كونه قاعدة اللطف أو الدخول أو غيرهما فيصير الإجماع على حجيّة الإجماع مدركيا.

ثمّ إنّ الإجماع المفيد الذي يكون دليلا في قبال الكتاب و السنة هو الإجماع التعبدي غير المستند إلى قاعدة أو أصل و هو في الفقه قليل جدا، نظير الإجماع على اعتبار النقدين في المضاربة، فإنّه ليس في البين قاعدة و لا أصل و لا رواية و لو مرسلة توافق ما انعقد عليه الإجماع، بل مقتضى قاعدة وجوب الوفاء بكلّ عقد إلّا ما خرج هو عدم اعتبار كون مال المضاربة خصوص الذهب و الفضة المسكوكين لكونه قيدا في عقد المضاربة، و عليه فالإجماع الذي يكون مدركا للحكم الشرعي‏

200

هو ما لم يكن مستندا إلى أصل أو خبر و إلّا فيخرج عن الاعتبار و لا يصلح للمدركية.

ثمّ إنّ حجيّة نقل السبب و هو توافق الأقوال و الفتاوى منوطة بإحراز التوافق المزبور بالحس، و هذا ممّا يصعب تحصيله لكثرة أرباب النظر في كلّ عصر و انتشارهم في الزوايا و البوادي و عدم كتاب فتوائي لهم حتى يقف ناقل الإجماع على أقوالهم بل لا يقف الناقل له إلّا على الفتاوى المشهورة المضبوطة في الكتب الفتوائية، و مع هذا الإشكال كيف يعتمد على النقل المزبور في إثبات اتفاق الأقوال فلا بدّ من توجيه هذا النقل بأنّ ظفر الناقل على توافق الفتاوى المشهورة صار منشأ لحدسه بالاتفاق، أو أن القاعدة التي كانت في نظره أوجبت وجوب الشي‏ء الفلاني و يعتقد بصحة القاعدة عند الكلّ فيدّعي الإجماع، و على هذا يكون نقل الاتفاق على حكم حدسيا و لا دليل على اعتباره و إن قلنا بحجيّة خبر الثقة حتى في الموضوعات، إذ لو لم نقل بحجيّته فيها لأشكل الأمر في إثبات الموضوعات المسئول عنها في الروايات، إذ جواب الإمام (عليه السّلام) مترتب على سؤال الراوي و مع عدم ثبوت السؤال لا يتصور حجيّة الجواب كما هو أوضح من أن يخفى.

إلّا أن يقال: إنّ حجيّة خبر الثقة في إثبات الموضوعات المسئول عنها في الأخبار إنّما ثبتت لأجل اللغوية، ضرورة أنّ حجيّة الجواب و ثبوته بدون ثبوت السؤال لغو فمن جهة التبعية يثبت السؤال أيضا و يصير خبر الثقة حجة في السؤال لحجيّته في الجواب كطهارة بعض الأشياء بالتبعية، و هذا بخلاف سائر الموضوعات فإنّه لا دليل على اعتبار خبر الثقة فيها و لا وجه لحجيّته فيها لا من جهة التبعية و لا من غيرها لفقدان كلّ منهما في المقام.

و الحاصل: أنّه بعد تسليم حجيّة خبر الثقة في جميع الموضوعات حتى غير

201

السؤالات التي تضمّنتها الأحاديث لا يكون نقل الإجماع حجة، لكون النقل عن الكلّ حدسيا و خبر الثقة لو سلمت حجيّته في الموضوعات لاختصت حجيّته بالخبر الحسي و لا تشمل الحدسي أصلا، كما سيأتي توضيحه في حجيّة خبر الواحد إن شاء اللّه تعالى.

فاستفيد ممّا ذكرنا عدم كون الإجماع بنفسه حجة كحجيّة الكتاب و السنة بل حجيّته تكون لكشفه عن قول المعصوم (عليه السّلام) و حينئذ فإذا اتفقت الامة على حكم يكون اتفاقهم حجة لاشتماله على قول المعصوم (عليه السّلام) و ضمّ سائر الأقوال إلى قوله (عليه السّلام) كضمّ الحجر في جنب الإنسان، و تحقق هذا الإجماع منوط بإحراز عمل أصحاب الأئمة (عليهم السّلام) ثمّ موافقة عمل أرباب الفتاوى لهم في كلّ طبقة حتى يكون هذا الاتفاق كاشفا قطعيا عن قول المعصوم أو فعله أو تقريره (عليه السّلام)، لاستحالة تواطؤهم على خلاف رضاه (عليه السّلام) مع شدة ورعهم و تقواهم، فهذا الاتفاق العملي يكشف عن السنّة قطعا و لكن دون إثبات مثله خرط القتاد، إذ لا سبيل إلى إحراز عمل الرواة، ضرورة أنّه لم يصل إلينا منهم إلّا الروايات و أما عملهم فلا نعلم به أصلا، و كذا أرباب الفتاوى فإنّه لم يصل منهم إلينا غير فتاواهم و لم يعلم عملهم، فهذا القسم من الإجماع الكاشف القطعي معدوم.

و أما الكشف عن قول المعصوم (عليه السّلام) بقاعدة اللطف المنسوبة إلى الشيخ الطوسي (قدّس سرّه)(1) و إن لم تكن ملائمة لكثير من الإجماعات التي ادعاها في كتبه.

ففيه: أنّ اللطف بالمعنى الذي ذكرناه و هو وجوب بيان الحكم الواقعي على‏

____________

(1) العدّة 2/ 631 و 637.

202

الإمام في ما إذا اتفقت الامة على خلاف الحكم الواقعي في جميع الأعصار غير موجود، لتصريح بعض الأصحاب بكون المراد بالإجماع اتفاق الفقهاء في عصر واحد لتنزيل فتاوى الأموات منزلة العدم بناء منهم على أنّ الميت لا رأي له و بنوا على هذا عدم جواز تقليد الميت ابتداء، و اتفاق العلماء في عصر واحد على خلاف الحكم الواقعي لا يكشف عن قول المعصوم (عليه السّلام) بقاعدة اللطف، إذ لا يجب على الإمام (عليه السّلام) مع بيانه للحكم الواقعي في غير ذلك العصر تنبيه المجمعين على خطائهم مع كونهم موجبين لاختفائه و غيبته (عليه السّلام).

و بالجملة فاللطف المجدي غير موجود و الموجود غير مجد.

و أما الكشف من جهة دخول الإمام (عليه السّلام) في المجمعين فقد عرفت أنّه غير متحقق عادة في عصر الغيبة.

و أما الكشف عن دليل معتبر ففيه أيضا ما لا يخفى، لاستلزامه تواطؤ الكلّ على إخفاء ذلك الدليل المعتبر و عدم ضبطه في الاصول بل ينقله السابق للاحق في الخفاء مع الوصية في إخفائه فإنّ ذلك مستحيل عادة و إن قرّبه الميرزا النائيني (قدّس سرّه).

نعم يمكن أن يكون تواطؤهم على عمل كاشفا عن تقرير الإمام (عليه السّلام) بشرط إحراز اتصال العمل بزمن أصحاب الأئمة (عليهم السّلام)، و لكن قد عرفت منع تحققه لعدم طريق إلى إحراز عمل الرواة لانحصار الطريق في الروايات و هي لا تكشف عن ذلك إذ مورد الكلام هو الحكم الذي لا يدلّ عليه نص، فحينئذ يشكل الأمر في الإجماعات إذ الناقل لها إما ينقل المسبب أعني الحكم الواقعي و إما ينقل السبب و إما ينقل علمه بالحكم و لا يجدي شي‏ء من ذلك.

أما نقل نفس الحكم فلما كان حدسيا لكونه من باب اللطف أو الملازمة أو