نتائج الأفكار في الأصول‏ / تقريرات - ج3

- السيد محمد جعفر الجزائري المزيد...
392 /
203

غيرهما فلا يندرج في خبر الواحد لما سيأتي إن شاء اللّه تعالى من اختصاص دليل حجيّة خبر الواحد بالخبر الحسي و عدم شمولاه للخبر الحدسي، و أما نقل السبب فكذلك لأنّ إحراز اتفاق جميع أهل الفتوى في عصر واحد فضلا عن جميع الأعصار ممّا يستحيل عادة لانتشار الفقهاء في البلاد و الزوايا و عدم اشتهار جميعهم و عدم كتاب فتوائي لكلّ واحد منهم حتى تعرف فتواه، فلا بدّ حينئذ من إحراز اتفاق الكلّ بمعونة التعبد و ضمّه إلى ما أحرزه بالوجدان، كما إذا أحرز فتاوى المشهورين من أرباب الفتوى ثمّ أجرى الاستصحاب في عدم اجتهاد غيرهم فيكون المجتهدون منحصرين فيمن ظفر الناقل بفتاواهم، و لذا يقول اتفق علمائنا أو الفرقة أو غيرهما فنقل اتفاق الكلّ يصح بعد ضمّ الاستصحاب إلى الوجدان، و إلّا فلا يمكن عادة الإحاطة بفتاوى جميع الفقهاء فلا يكون نقل السبب بتمامه حسيا حتى يندرج في خبر الواحد و يشمله دليل اعتباره.

و الميرزا النائيني (قدّس سرّه) فرق بين كون الناقل مثل الشهيد و العلّامة (قدّس سرّهما) و بين غيرهما كالغنية، فبنى على حجيّة النقل في الأول دون الثاني.

و لكن الانصاف عدم التفاوت بين الناقلين بعد البناء على استحالة الإحاطة بفتاوى جميع العلماء في عصر واحد فضلا عن جميع الأعصار.

إلّا أن يقال: إنّ العلّامة و الشهيد لشدة ورعهما و كثرة تتبعهما بذلوا جهدهم في التتبع و ما لم يحرزوه من الفتاوى نقله لهما من كان ثقة عندهما فاطمئنّا بذلك ثمّ نقلا اتفاق الإمامية على ذلك. و يمكن أن يكون وجه نقل اتفاق الكلّ مع عدم الظفر بجميع الفتاوى هو ظفرهما بقاعدة يعتقدان صحتها و صلاحيتها للمدركية عند كلّ من ظفر بتلك القاعدة فيدعون نفي الخلاف.

و على كلّ حال فلا يكون نقل اتفاق الفرقة بتمامه حسيا بل مركبا من حس‏

204

و حدس و لا يكون من الإجماع المصطلح الذي هو اتفاق الجميع بل يكون من نقل قول المشهور، غاية الأمر أنّ الفرق بين المشهور المصطلح و بين هذا المشهور المسمى بالإجماع هو أنّ المشهور عبارة على نقل قول مشهور الفقهاء مع التعرض للقول الشاذ، و المراد بهذا المعنى هو نقل أقوال مشاهير الأصحاب مع عدم الظفر بقول غيرهم و تسميته بالإجماع لأجل التحفظ على العناوين و هي عدّ الأدلة أربعة.

و بالجملة فلم يحرز كون نقل السبب عن حس حتى يكون من صغريات خبر الواحد.

و أما نقل العلم بالحكم لأجل السبب المزبور و هو اتفاق جماعة من أهل الفتوى على حكم فغير مجد أيضا، ضرورة دوران حجيّته حينئذ مدار العلم بالمسبب فيمكن أن يكون اتفاق جماعة موجبا للعلم بالحكم عند مدّعي الإجماع و لا يكون كذلك لغيره، فتلخص ممّا ذكرنا أنّ الإجماع ليس حجة بنفسه بل حجيّته تكون لكشف قول المعصوم (عليه السّلام) أو غيره من الوجوه المزبورة.

[في الدليل على حجية الإجماع تعبدا]

و هل يمكن إقامة الدليل على حجيّته تعبدا مع عدم إفادته العلم بقول المعصوم (عليه السّلام) أم لا؟

قد يستدلّ على اعتباره بالتعليل الوارد في المقبولة (1) بقوله (عليه السّلام): «فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه» بتقريب: أنّ العلة في الأخذ بالخبر المشهور بين أصحاب الحديث بمعنى اتفاقهم على ضبطه في الاصول حتى من ضبط الشاذ النادر، فإنّه قد ضبط كلّا من الخبر المشهور و الشاذ و غيره من أصحاب الحديث لم يذكروا إلّا الخبر

____________

(1) وسائل الشيعة 27/ 106، الحديث 33334.

205

المشهور هو كون المجمع عليه لا ريب فيه، و التعليل بذلك يقتضي أن يكون كلّ مجمع عليه ممّا لا ريب فيه سواء كان رواية أم غيرها، فإنّ خصوصية المورد ملغاة في باب العلة المنصوصة، إذ مع عدم كلّيّة العلّة لا يصح التعليل بها كما هو مقرّر في محلّه، و حينئذ فيكون الخبر المجمع عليه بين أصحاب الحديث حجة لكون كلّ ما انعقد الإجماع عليه حجة، فالمستفاد من هذا التعليل- بعد ملاحظة توقف حسن التعليل على كلّية العلة- هو كون الإجماع حجة من غير فرق في ذلك بين الرواية و غيرها، و إذا ثبتت حجيّة الإجماع بهذا التعليل يثبت اعتبار الإجماع تعبدا و إن لم يفد العلم، فالمحقق و الشهيد (قدّس سرّهما) إذا نقلا الإجماع فيثبت اتفاق الكلّ بنقلهما بعد الاطمئنان بأنّ نقلهما يكون عن حس لا عن حدس، فالصغرى تصير محرزة بنقل أضراب المحقق (قدّس سرّه) و بعد إحرازها يشملها الكبرى و هي أنّ كلّ إجماع حجة.

و لكن لا يخفى: أنّ الاستدلال بالتعليل المزبور موقوف على كون المراد من الريب الريب المطلق لا الإضافي، إذ لو كان المراد بالريب الإضافي يكون ملاكا لترجيح ما يكون الريب فيه أقل على الآخر الذي فيه الريب الكثير، لا علة له بحيث يكون المدار في الحجيّة على قلة الريب، و إلّا فلا يستقر حجر على حجر، و سيأتي في محلّه توضيح ذلك و أنّ المراد بالريب هو الإضافي، و عليه يكون ملاكا لا علة مطردة كقوله: (لأنّه مسكر) تعليلا لحرمة الخمر، إذ لو كان المراد الريب المطلق و إن تمّ الاستدلال به للمقام إلّا أنّه يلزم منه خروج المورد و تخصيصه، ضرورة أنّ نفي الريب المطلق مساوق للعلم بالواقع و لازمه أن يكون الخبر المشهور مقطوع الصدور و المفروض عدمه، و أنّه لم يخرج بالشهرة عن خبر الواحد غير العلمي، فحمل نفي الريب على الريب المطلق يستلزم خروج المورد المستهجن لكون شمول العام بالنسبة إلى المورد كالنص.

206

و يترتب على ما ذكرنا من كون التعليل دليلا على حجيّة الإجماع تعبدا و عدم كونه دليلا عليها، أنّه بناء على حجيّة الإجماع تعبدا يحكم بحجيّة الإجماع الذي نقله المحقق مثلا لأنّه عدل أخبر باتفاق الكلّ، و المفروض أنّه حجة فيترتب عليه الأثر الشرعي و إن لم يفد العلم بقول المعصوم (عليه السّلام) فأدلة حجيّة خبر الواحد تشمل هذا الإجماع الذي نقله المحقق، و بناء على عدم حجيّة الإجماع إلّا من جهة كونه موجبا للعلم بقول المعصوم (عليه السّلام)، فإذا فرض عدم إفادة إجماع المحقق العلم بالحكم الواقعي فلا يجدي في حجيّته اعتبار خبر الواحد، لأنّ الأثر الشرعي على هذا الفرض مترتب على العلم لا على نفس الإجماع الذي أخبر به العادل فحجيّة خبر الواحد غير مجدية.

و الحاصل: أنّ حجيّة نقل الإجماع غير الموجب للعلم برأي المعصوم موقوفة على مقدمتين؛ إحداهما: حجيّة خبر الواحد.

ثانيتهما: قيام الدليل على حجيّة الإجماع تعبدا لا لأجل إفادته العلم، إذ بانتفاء الاولى لا يثبت الإجماع بنقل مثل المحقق لعدم حجيّة خبر الثقة بالفرض، و بانتفاء الثانية لا يترتب على هذا الإجماع أثر شرعي لترتب الأثر على العلم لا على نفس الاتفاق الذي نقله المحقق (قدّس سرّه)، و مع عدم ترتب الأثر الشرعي على نفس الإجماع لا يشمله دليل اعتبار خبر الثقة، ضرورة أنّ تشريع حجيّة خبر الثقة إنّما يكون بلحاظ الأثر الشرعي، و قد عرفت أنّ الأثر الشرعي بناء على كون حجيّة الإجماع لأجل كشفه عن قول الإمام (عليه السّلام) مترتب على العلم لا على نفس الإجماع من حيث هو حتى يشمله دليل اعتبار خبر الثقة.

فالمتحصل أنّ الإجماع المنقول إنّما يندرج في خبر الثقة و يشمله دليله إذا كان الإجماع بنفسه حجة بحيث كان الأثر الشرعي مترتبا على نفس الإجماع، و أما إذا كان الأثر مترتبا على العلم بقول المعصوم (عليه السّلام) فلا يندرج في خبر الثقة لعدم ترتب أثر

207

شرعي على نفس الإجماع حتى يشمله دليل حجيّة خبر الثقة.

نعم، إن أفاد نقل الناقل للإجماع القطع بكلّ من الاتفاق و المنكشف يكون حجة لا من جهة حجيّة الإجماع بل من جهة القطع بالمنكشف و سببه، فتظهر ثمرة حجيّة الإجماع تعبدا و عدمها في ما إذا نقل أضراب الشهيد (قدّس سرّه) إجماع الإمامية و لم يكن نقل الاتفاق كاشفا قطعيا عن قول المعصوم (عليه السّلام)، فبناء على حجيّة الإجماع تعبدا يصير النقل المزبور مندرجا تحت كبرى خبر الثقة فيصير حجة، و بناء على كون حجيّته لأجل الكشف المزبور فلا يندرج تحت حجيّة خبر الثقة، إذ المفروض عدم حجيّته تعبدا و لا يترتب عليه أثر شرعي حتى يصير النقل المزبور حجة لأجله، لما قرّر في محلّه من كون الحجيّة لأجل ترتب الأثر الشرعي و لو بوسائط.

و الميرزا النائيني (قدّس سرّه) نفى البأس عن حجيّة الإجماع في موردين:

أحدهما: نقل الاتفاق عن جميع أرباب الفتوى و أصحاب الأئمة (عليهم السّلام) بالحس، فإنّ هذا الاتفاق يكشف عادة عن رأي المعصوم (عليه السّلام) كشفا قطعيا.

و الآخر: نقل اتفاق خصوص أرباب الفتوى من الصدر الأول إلى زمان ناقل الإجماع من دون اتصاله بزمان أصحاب الأئمة (عليهم السّلام)، و هذا القسم من الإجماع مع القطع بورع الفقهاء و تقواهم و عدم إفتائهم بغير العلم يكشف عن ظفرهم برواية معتبرة عندهم، بحيث لو كنّا ظفرنا بها كانت حجة عندنا أيضا لتمامية دلالتها و صحة سندها، و هذا القسم منوط بعدم أصل أو قاعدة يحتمل استناد المجمعين إليه و إلّا فيخرج عن الإجماع التعبدي.

و أنت خبير بأنّ القسم الأول و إن كان مفيدا لكنه مجرد فرض لا واقع له لكون تحقق مثل هذا النقل عن حس من المحالات العادية.

و كذا القسم الثاني، فإنّ من المستحيل عادة كتمان أرباب الحديث و الفتوى لتلك‏

208

الرواية المعتبرة و عدم ضبطها في الجوامع و لا في الكتب الاستدلالية و الإيصاء باخفائها و عدم نشرها، فإنّ كلّ ذلك ممّا يمكن القطع بعدمه فهذا القسم كسابقه، نعم يمكن أن يقال: إنّ ذهاب العلماء طرا إلى فتوى واحدة مع شدة ورعهم و كونهم في أعلى درجات التقوى و عدم أصل في المسألة يمكن الاستناد إليه، يكشف عن الإجماع التشرفي و هو تشرف بعض الفقهاء الأجلة بزيارة الحجة المنتظر (صلوات الله عليه و عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) و جعلنا من أنصاره و الذابين عنه و أخذ الحكم عنه (عليه السّلام)، و لما كان مأمورا بإخفاء ما حباه اللّه تعالى و عدم بيانه لأحد ادّعى الإجماع فيكون الإجماع كاشفا عن قول خاتم الأوصياء الأطهار (صلوات اللّه عليهم أجمعين)، و هذا الإجماع حجة قطعا لكن إثباته من أشكل المشكلات.

و الانصاف حصول القطع بالحكم الواقعي بنقل المحقق و الشهيد (قدّس سرّهما) و أضرابهما لاتفاق الأصحاب بعد الاطمئنان بكون نقلهم عن حس و عدم إعمال رأي و حدس في نقلهم فإنّ هذا الاتفاق كاشف قطع عن رأي المعصوم (عليه السّلام)، و مع عدم القطع بالاتفاق و المفروض عدم ثبوت حجيّة خبر الواحد في الموضوعات فلا بدّ من ضمّ ناقل عادل آخر إلى المحقق ليثبت اتفاق الفقهاء بالبينة.

فتلخص من جميع ما ذكرنا أنّه لم يثبت اعتبار الإجماع في نفسه مع قطع النظر عن كشفه عن قول المعصوم (عليه السّلام).

209

(الشهرة)

الأمر الثالث:

من الأمارات غير العلمية التي توهم خروجها بالخصوص عن قاعدة عدم حجيّة الظن هي الشهرة، و قبل الخوض في بيان المقصود لا بأس بذكر أقسام الشهرة.

[أقسام الشهرة]

اعلم أنّ الشهرة على أقسام ثلاثة:

أحدها: [الشهرة الروائية]

الشهرة من حيث الرواية بمعنى كون الحديث ممّا اشتهر نقله و تدوينه في كتب الحديث فيكون المراد بالشهرة هنا الشهرة عند الرواة.

ثانيها: الشهرة العملية

بمعنى اشتهار عمل بين الفقهاء و أصحاب الأئمة (عليهم السّلام) و استنادهم في الفتوى إلى رواية، و هذا القسم ممّا يصعب تحصيلها جدا لعدم طريق إلى إحراز عمل الرواة بل الفقهاء أيضا بالرواية، إذ لا سبيل لنا إلّا فتاواهم و هي لا تكشف عن عملهم بالرواية لاحتمال كون عملهم بالاحتياط و مع هذا الاحتمال لا يمكن إحراز عملهم بها.

ثالثها: الشهرة الفتوائية

و هي عبارة عن اشتهار فتوى بين الأصحاب بل استنادهم إلى رواية بحيث لا يتجاوز مشهور الأصحاب عن تلك الفتوى.

إذا عرفت أقسام الشهرة فاعلم: أنّ الشهرة من حيث الرواية ممّا لا إشكال في الترجيح بها في تعارض الخبرين للتصريح بمرجحيتها في النصوص. و أما الشهرة العملية فلا سبيل إلى إحرازها حتى يبحث عن حكمها من حيث الحجيّة و عدمها.

و أما الشهرة الفتوائية التي هي مورد الكلام فلا دليل على اعتبارها بحيث تكون من‏

210

أدلة الفقه كالكتاب و السنة، بل مقتضى ما تقدم في الإجماع من عدم حجيّة اتفاق الفقهاء في الفتوى عدم حجيّة اتفاق مشهور الفقهاء على فتوى بالأولوية القطعية، فإنّ عدم حجيّة اتفاق الكلّ يستلزم عدم حجيّة اتفاق الجل بالأولوية القطعية كما لا يخفى، فلا ينبغي الإشكال في عدم حجيّة الشهرة الفتوائية.

[جابرية الشهرة الفتوائية]

إنّما الكلام في جابرية الشهرة و كاسريتها (1) للروايات، فعن جماعة كصاحب الحدائق و الذخيرة و المدارك‏ (2) و غيرهم عدم العبرة بالشهرة في الكسر، فإذا وردت رواية صحيحة و أعرض عنها المشهور و لم يفتوا بمضمونها كالصحيحة الدالة (3) على صحة الصلاة المقصورة التي أتى بها المقيم جهلا، و كقوله (عليه السّلام)(4) في مسألة العدول بعد الفراغ عن الصلاة في صحيحة زرارة (فإنّما هي أربع مكان أربع) فإنّ المشهور لم يفتوا بصحة الصلاة في الأول و جواز العدول في الثاني و أعرضوا عن هاتين الجملتين من الصحيحتين، و أما غير المشهور فقد أفتوا بهما و لم يعتنوا بإعراض المشهور و لم يجعلوا إعراضهم عنهما كاسرا للصحيحتين.

لكن الإنصاف بناء على كون حجيّة خبر الثقة لأجل الوثوق و الاطمئنان تكون الشهرة كاسرة، لأنّها ترفع الوثوق عن الرواية تكوينا و تمنع عن حصول الاطمئنان بصدورها مع كون الرواية بمرأى منهم و نحن قد أخذناها عنهم، نعم إذا احتملنا عدم ظفرهم بتلك الرواية لكون الأصل المتضمّن لها في محلّ لم يتمكنوا من الوصول إليه كما كان الأمر في شطر من الزمان بهذا المنوال، فإنّ بعض الاصول كان‏

____________

(1) أي سقوطها عن الحجيّة بإعراض المشهور.

(2) هذا هو مبنى صاحب الحدائق و صاحب المدارك في كثير من الموارد،

منها: الحدائق 3/ 122 و المدارك 3/ 268.

و كذا صاحب الذخيرة بالنسبة إلى الشهرة بين المتأخرين: ذخيرة المعاد 1/ 4.

(3) وسائل الشيعة 8/ 506، الحديث 11299.

(4) وسائل الشيعة 4/ 291، الحديث 5187.

211

في مملكة مصر و لم يتمكن من لم يكن في تلك المملكة من الظفر به، فلا تكون الشهرة الفتوائية حينئذ على خلاف رواية كاسرة لها و موهنة لها.

و أما الجبر فهو منوط باستناد الفقهاء في مقام الفتوى إلى رواية ضعيفة، فحينئذ ينجبر ضعفها، إذ باستناد المشهور إليها يتحقق الوثوق و الاطمئنان بصدورها و المفروض أنّ المدار في الحجيّة هو الوثوق الحاصل تكوينا بالاستناد المزبور.

و أما مع عدم الاستناد فجبر الشهرة الفتوائية- و مجرد توافق فتوى المشهور لرواية ضعيفة مع احتمال كون مستندهم غير تلك الرواية من الوجوه التي تعرض المتأخرون لها في كتبهم الاستدلالية أو غيرها- غير ظاهر، لأنّه مع هذا الاحتمال لا يوجب الشهرة الفتوائية وثوقا و لا اطمينانا بصدور الرواية الضعيفة، و من هنا يشكل البناء على اعتبار بعض ما في الفقه الرضوي الموافق لفتوى المشهور مع عدم خبر صحيح يصح أن يستند إليه المشهور كما عليه بعض الأعاظم (قدّس سرّه)، فإنّه قد التزم باعتبار بعض ما في الرضوي بموافقة فتوى المشهور له مع عدم رواية صحيحة و عدم اعتبار بعضه الآخر ممّا لا يوافقه فتوى المشهور.

و كيف كان فالحقّ ما ذكرناه من توقف الجبر على الاستناد و مع عدم إحراز الاستناد لا يمكن الاعتماد على الرواية الضعيفة بمجرد موافقة فتوى المشهور لها.

(إيقاظ): [التفصيل بين شهرة القدماء و المتأخرين في جابرية الشهرة]

د يقال: إنّ الشهرة الفتوائية الجابرة هي شهرة القدماء دون المتأخرين، لأنهم لمكان قربهم بزمان المعصوم (عليه السّلام) كانت خصوصيات الروايات و القرائن المكتنفة بها موجودة لديهم بخلاف المتأخرين، فإنّهم لبعد زمانهم عن أعصار الرواة قد اختفيت عليهم القرائن و الخصوصيات، فشهرة القدماء على هذا تجبر ضعف الرواية أو

212

توجب وهنها لما كان عندهم من قرائن الصدق و الكذب، فإعراضهم عن خبر صحيح كان لأجل القرينة الدالة على عدم صحته، و عدم إعراضهم عن خبر مع ضعفه كان لأجل القرينة على صدقه، و على هذا فإعراضهم كاسر و عدمه جابر، و هذا بخلاف شهرة المتأخرين فإنّها لا تجبر و لا تكسر لخفاء الخصوصيات و القرائن المكتنفة بالروايات، فإعراضهم عن خبر صحيح غير كاسر له و كذا إفتاؤهم بخبر ضعيف غير جابر.

و لكن الحقّ عدم المجال لهذه الدعوى بعد فرض تأخر المتقدمين أيضا عن عصر الرواة و عدم إدراكهم إياهم و تلقي الروايات من المشايخ، و المفروض انضباط الروايات و انحفاظها في كلّ عصر مع مراعاة نهاية الاهتمام، حتى أنّ تأليف الكافي صار في زمن عشرين سنة مع أنّ نسخ مثله يمكن في سنة بل أقل، و صرف هذه المدة الطويلة كان لأجل البحث و الفحص عن صحة إسناد الاصول إلى أربابها.

و التحقيق عن كون ما وصل إليه من الأصل المسند إلى زرارة مثلا هل هو أصله أم لا؟ و بعد حصول الاطمئنان له نقل رواياته بالفاظها في الكافي، فإن كان لرواية قرينة فلم تسقط من قلم الكليني (قدّس سرّه).

و بالجملة فبعد العثور على مشاقّهم في تحمل الحديث يقطع بأنّ الروايات التي كانت عند القدماء وصلت بعينها إلى المتأخرين أيضا، بل لو لم يكن خوف لقلنا بأهمية شهرة المتأخرين من شهرة المتقدمين لكون المتأخرين أدق نظرا و أكثر تتبعا و أطول باعا من المتقدمين، لظفرهم بما لم يظفر به المتقدمون لعدم تهيؤ وسائل الظفر لهم و تهيئها للمتأخرين كما لا يخفى.

213

تكملة: [فيما استدلّ به على حجية الشهرة، و الرد عليه‏]

اعلم أنّ جملة من الاصوليين استدلوا على حجيّة الشهرة (1) فضلا عن جابريتها و كاسريتها بوجوه:

الأول: قوله تعالى في ذيل آية النبأ (2) أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ الآية، تقريب الاستدلال بها: أنّ المراد بالجهالة ليس ما يقابل العلم و إلّا يلزم التبيّن في خبر العادل أيضا لعدم إفادته العلم أيضا، و لو لأجل غفلته و نسيانه فيكون من صغريات العلة و هي إصابة القوم بالجهالة، و هذا اللازم باطل بالضرورة، إذ بناء على المفهوم يجب الأخذ بخبر العادل و إن لم يفد العلم، بل المراد بالجهالة هو السفاهة و ما يكون ارتكابه خارجا عن طريقة العقلاء، و من المعلوم عدم كون الاعتماد على قول المشهور سفهيا بل هو عقلائي، فالمستفاد من الآية بالمنطوق هو وجوب التبيّن عن خبر الفاسق لكون الاعتماد عليه سفهيا، و بالمفهوم هو جواز الاعتماد على كلّ ما لا يكون سفاهة و منه الاعتماد على المشهور.

و فيه: ما لا يخفى؛ ضرورة أنّ هذه الاستفادة أعني جواز الاعتماد على كلّ ما لا يكون سفهيا منوطة بثبوت المفهوم لقوله تعالى‏ أَنْ تُصِيبُوا ... و ليس الأمر كذلك إذ لا مفهوم له، نعم المفهوم بناء على ثبوت المفهوم للجملة الشرطية مختص بصدر الآية المباركة و هو قوله سبحانه و تعالى‏ إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا و أما ذيلها فلا مفهوم له فلا يدلّ على جواز الاعتماد على كلّ ما يكون عقلائيا و لا يكون سفهيا.

الثاني: قوله (عليه السّلام)(3) في المرفوعة الواردة في بيان حكم الخبرين المتعارضين (خذ بما اشتهر بين أصحابك) بدعوى إرادة كلّ مشهور من كلمة (ما) الموصولة

____________

(1) بحيث تعارض الروايات كالإجماع بمعنى اتفاق الامة على حكم لاشتمال الامة على الإمام (عليه السّلام) المعلوم اعتبار قوله، غايته أنّه لعدم تميزه (عليه السّلام) يعبر عنه بالإجماع.

(2) الحجرات: 6.

(3) مستدرك الوسائل 17/ 303، الحديث 21413.

214

لا خصوص الخبر المتصف بالشهرة بل كلّ ما اتصف بالشهرة يكون حجة، حيث إنّ المرجحيّة فرع الحجيّة و الشهرة المرجحة في الخبر حجة و إن لم تكن حجة لا يمكن أن تكون مرجحة، فلو لم تكن الشهرة حجة لم يتعيّن الخبر المبتلى بالمعارض للحجيّة فيستفاد أنّ الشهرة حجة في كلّ مقام من دون خصوصية للروايات، فالفتوى إن اتصفت بالشهرة تكون حجة أيضا و هو المقصود.

و فيه: أنّه لا يمكن أن يكون قوله (عليه السّلام) «خذ بما اشتهر بين أصحابك» من العلة المنصوصة لكونه بمنزلة قوله كلّ مشهور حجة و ليس كذلك. و المرجحية و إن كانت مترتبة على الحجيّة إلّا أنّ الشهرة المرجحة التي تكون حجة هي الشهرة من حيث الرواية لا كلّ شهرة، فلا مانع من اختصاص الشهرة من جهة الرواية بالحجيّة دون سائر أقسام الشهرة.

و الحاصل أنّ إرادة معنى عام من (ما) الموصولة يشمل جميع أقسام الشهرة ليست ممّا يعدّ ظاهرا له بل الظاهر كون المراد بما الموصولة خصوص الخبر دون كلّ ما هو مشهور، فتأمل جيدا.

الثالث: قوله (عليه السّلام)(1) في مقبولة ابن حنظلة (ينظر إلى ما كان من روايتهم عنّا في ذلك الذي حكما به المجمع عليه بين أصحابك فيؤخذ به و يترك الشاذ النادر الذي ليس بمشهور عند أصحابك فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه). بتقريب: أن المراد بالمجمع عليه هو المشهور فيكون المتحصل وجوب الأخذ بكلّ مشهور، لأنّ قوله (عليه السّلام) فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه علة لوجوب الأخذ بالخبر المشهور فيستفاد منه أمران:

أحدهما: كون المراد بالمجمع عليه هو المشهور إذ لو كان المراد ظاهره و هو اتفاق الكلّ لا ينطبق على المورد و هو المشهور.

____________

(1) وسائل الشيعة 27/ 106، الحديث 33334.

215

و الآخر: كلّيّته لأنّه علة- و ضابط العلة المنصوصة ينطبق عليه لصحة القاء العلة أي وجوب الأخذ بما لا ريب فيه إلى المكلّف- و إناطة صحة التعليل بعموم العلة و كلّيتها واضحة.

و على هذا فيكون كلّ مشهور سواء كان خبرا أم فتوى أم عملا حجة.

و أورد عليه الميرزا النائيني (قدّس سرّه) بأنّ الاستدلال بهذه الفقرة أعني قوله (عليه السّلام):

فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه منوط بكونها من العلة المنصوصة، و ليس الأمر كذلك لتوقف كونها من العلة المنصوصة على إرادة الريب بقول مطلق ليستفاد منه كبرى كلّية و هو وجوب الأخذ بكلّ ما لا ريب و لا شك فيه، و إلقاء هذه الكبرى إلى المكلّف ابتداء ممكن لا محذور فيه كما هو شأن العلة المنصوصة، نظير إلقاء حرمة شرب كلّ مسكر إلى المكلّف، دون الريب الإضافي الذي هو المراد هنا، لأنّ الخبر المشهور ليس فيه الريب الذي هو موجود في الخبر الشاذ و هو الريب من حيث الشذوذ، و لو كان المراد الريب بقول مطلق لم يكن لترجيح المخالف للعامة وجه، إذ الخبر المشهور سواء كان مخالفا للعامة أم موافقا لهم لا شك فيه، إذ المفروض أنّ الشهرة تنفي الريب بقول مطلق فلا تصل النوبة إلى الترجيح بمخالفة العامة، بل وصول النوبة إليه منوط بكون الريب إضافيا فينهدم أساس العلة المنصوصة و يكون المراد الريب الإضافي، فيصير ملاكا لا علة منصوصة، و المفروض أنّ الاستدلال كان مبنيا على كون قوله (عليه السّلام) «فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه» من العلة المنصوصة.

هذا كلّه مضافا إلى أنّه إن كان المراد نفى الريب المطلق يكون الترجيح بالشهرة حكما إرشاديا لأنّه في قوة أن يقال: (العلم حجة)، لأنّ نفي الريب المطلق مساوق للعلم كما لا يخفى.

و بعبارة اخرى الريب في العلة المزبورة هو الريب الإضافي لعدم انطباق الريب الحقيقي على المورد لكون الخبر المشهور واجدا للريب أيضا كالشاذ، غاية الأمر

216

أن ريبه أقل من ريب الشاذ، فلا بدّ من كون العلة بنحو تنطبق على المعلل و حيث إنّ المعلل يكون ريبه إضافيا فيكون التعليل ملائما له، فالكبرى هي الريب الإضافي و من المعلوم عدم صلاحية هذا التعليل لأن يكون من العلة المنصوصة، إذ البناء على كبرويتها يستلزم التوالي الفاسدة التي لا يمكن الالتزام بها أصلا فإنّ من لوازمها حجيّة الأولوية التى يكون ريبها أقل من غيرها و هكذا و هو كما ترى و على هذا يكون التعليل المزبور ملاكا لوجوب الأخذ بالخبر المشهور لا علة منصوصة أي كبرى له.

و يرد عليه: بأنّه لا مانع من إرادة الريب المطلق الحقيقي من التعليل المزبور، لأنّ الخبر المشهور عبارة عن الخبر الذي اتفق أصحاب الحديث على نقله و ضبطه، و لا ريب في أن مثله من الخبر الذي يعلم بصدوره، فالخبر المشهور لا ريب في صدوره حقيقة و ما يفرضه الراوي بعد ذلك من شهرة كلتا الروايتين يكون سؤالا عن الترجيح من حيث جهة الصدور في مقطوعى الصدور، فإشكال الميرزا النائيني (قدّس سرّه) في كلّية الكبرى من جهة كون الريب إضافيا و لا يصلح ذلك للكبروية، مندفع بما عرفت، فلا ينبغى الإشكال في انطباق ضابط العلة المنصوصة على التعليل المزبور، و مع ذلك لا يكون دليلا على حجيّة الشهرة الفتوائية أيضا، و ذلك لعدم صغروية الشهرة الفتوائية له، ضرورة أن الشهرة الفتوائية ليست ممّا لا ريب فيه بل هي ممّا فيه الريب فالتعليل المزبور لا يكون دليلا على حجيّة الشهرة سواء كان من العلة المنصوصة كما هو المختار أم من غيره كما عليه الميرزا النائيني (قدّس سرّه)، لأنّه على المختار لا يكون الشهرة صغرى للعلة المزبورة و على كلام الميرزا النائيني (قدّس سرّه) لا تكون الكبرى موجودة أي ليست هناك علة منصوصة.

الرابع: أنّ مناط حجيّة خبر الثقة و هو الظن موجود في الشهرة الفتوائية بطريق أولى، لأقوائية الظن الحاصل من الشهرة من الظن الحاصل من الخبر.

217

و الميرزا النائيني (قدّس سرّه) أجاب عن هذا الاستدلال بأنّ مناط حجيّة الخبر ليس لأجل إفادته الظن، بل لأجل الدليل الدال على حجيّته و إن كانت حكمة حجيّته إفادة الظن، فالاستدلال المزبور المبني على كون اعتبار خبر الواحد لأجل الظن في غاية الضعف.

و يرد عليه: أنّ هذا الجواب صحيح بناء على مبنى حجيّة الخبر من باب الظن النوعي الذي يجتمع مع الظن بالخلاف كما هو مذهب جماعة من الاصوليين كشيخنا الأعظم الأنصاري (قدّس سرّه)، و أما على مبنى الميرزا النائيني (قدّس سرّه) و غيره ممن يقول باعتبار خبر الثقة من باب الاطمئنان و بناء العقلاء فلا يكون الجواب المزبور إلّا إلزاميا، فلا بدّ للميرزا النائيني (قدّس سرّه) و غيره من القائلين بكون حجيّة الظن لأجل الاطمئنان من الجواب بما يلائم مبناهم لا بما يناسب مبنى غيرهم المزيّف عندهم كما لا يخفى.

فالأفضل في الرد: هو أنّ بناء العقلاء إن كان ممّا أمضاه الشارع فهو حجة و إلّا فلا، و بناء العقلاء على حجيّة الخبر ممّا أمضاه الشارع فصار حجة بخلاف بنائهم على حجيّة الشهرة، فإنّه يمكن أوّلا: منع بنائهم على حجيّة الشهرة لكون كلّ من الفتاوى خبرا حدسيا عن حكم شرعي و لم يتضح بناؤهم على ذلك نعم لا ريب في استقرار بنائهم على الحجيّة إذا كان الخبر عن حس.

و ثانيا: بعد تسليم البناء المزبور تحتاج الحجيّة إلى الإمضاء، فإنّ البناء ليس بنفسه حجة بل تتوقف حجيّته على الإمضاء المفقود في الشهرة و الموجود في الخبر كما سيتضح إن شاء اللّه تعالى‏ (1).

____________

(1) أقول: احتياج حجيّة بناء العقلاء إلى الإمضاء لا يخلو من مناقشة، فإنّ عدم الحجيّة منوط بالردع عن بناء العقلاء، و إلّا فلا وجه لحجيّة بناء العقلاء على الأخذ بظواهر الألفاظ إذ يدلّ دليل على اعتبارها شرعا و إنّما قلنا بحجيّتها لأجل عدم الردع عنها، و على هذا فلا حاجة في حجيّة خبر الواحد إذا ثبت بناء العقلاء عليها إلى إقامة الدليل عليها، فيكون حال الشهرة من حيث الفتوى كخبر الواحد في استقرار بناء العقلاء على اعتبارهما.

218

(الخبر الواحد)

الأمر الرابع:

[اهمية البحث عن حجية خبر الواحد]

من الامور التي خرجت بالخصوص عن تحت قاعدة عدم حجيّة غير العلم خبر الواحد و هو العمدة في الباب و باعتباره ينفتح باب الفتوى في الأحكام الشرعية، و بعدمه ينسد و لا يبقى مجال حينئذ لحجيّة الظنون الاجتهادية لا لأجل الآيات الناهية عن العمل بغير العلم حتى يقال: إنّ دلالتها ظنية و لا يمكن نفي حجيّة الظنون الاجتهادية بالظن الاجتهادي و هو ظهور الآيات الناهية.

[فيما استدلّ به على عدم حجية خبر الواحد و الرد عليه‏]

و كيف كان فقد ادّعى الإجماع على حجيّة ما بأيدينا من الروايات، و لكن لمّا كان مدرك المجمعين مختلفا و مسلكهم في ذلك متشتتا، لاعتقاد بعضهم حجيّتها لكونها قطعية الصدور، و استناد بعضهم فيها إلى وجوه أخر فيكون الإجماع مدركيا و لا مجال للاعتماد عليه، فالإجماع على الحجيّة غير مجد و تكون مسألة حجيّة خبر الواحد من المسائل الخلافية، فعن جماعة بل الجلّ حجيّتها و عن بعض عدمها و لا بدّ من التعرض لأدلة الطرفين حتى يظهر ما ينبغي الركون إليه، و لما كانت أدلة النافين أخصر فلذا قدمناها على أدلة المثبتين، مضافا إلى متابعة الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه)(1) في ذلك، فالكلام يقع في مقامين الأول في أدلة النافين. و الثاني في أدلة المثبتين.

أما المقام الأول: فنخبة الكلام فيه: أنّ النافين استدلوا على عدم حجيّة خبر الواحد المراد به الخبر الذي لم يعلم بصدوره و إن كان المخبر متعدّدا بالأدلة الأربعة.

أما الكتاب فبالآيات الناهية عن العمل بالظن و بغير العلم‏

كقوله تعالى‏ إِنَ‏

____________

(1) فرائد الاصول/ 67.

219

الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً (1).

و فيه: أنّ القائل بحجيّة خبر الواحد يدّعي استقرار بناء العقلاء على حجيّته، و من المعلوم أنّ السيرة العقلائية مبنية على الوثوق و الاطمئنان فلا يرى من يعمل بخبر الواحد توجه الآيات الناهية إليه، لعدم كون عمله بخبر الواحد عملا بالظن و بغير العلم بل يكون عملا بالعلم، فلا تكون الآيات رادعة للسيرة العقلائية.

و على تقدير عدم إفادة خبر الواحد للاطمئنان لا يمكن ردع السيرة العقلائية بالآيات، لاستلزامه الدور، إذ رادعية الآيات للسيرة موقوفة على عدم مخصّصية السيرة لعموم الآيات الشامل للظن في العقائد و غيرها و عدم مخصّصية السيرة للآيات موقوفة على رادعية الآيات عن السيرة.

لا يقال: إنّ ردع السيرة العقلائية بالآيات بمكان من الإمكان كما وقع ذلك في قضية إخبار الوليد بارتداد بني المصطلق، فإنّ العقلاء كان بناؤهم و طريقتهم على الأخذ بأخبار الآحاد كما ينبئ عنه تجهيز الجيش للمقاتلة معهم و مع ذلك ردعتهم الآية المباركة (2) إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا، فإذا ثبت إمكان ردع السيرة العقلائية بآية من الكتاب فلا فرق في ذلك بين السيرات العقلائية و الآيات القرآنية. فإنّه يقال: إنّ ردع هذه السيرة كان لنهي النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لا بآية النبأ (3).

هذا بالنسبة إلى السيرة القائمة على حجيّة خبر الواحد، و أما سائر أدلة حجيّة خبر الواحد فنسبتها إلى الآيات الناهية عن العمل بغير العلم نسبة الخاص إلى العام، فلا إشكال في التخصيص لو لم تكن حاكمة على الآيات الناهية على وجه يأتي في محلّه إن شاء اللّه تعالى.

____________

(1) يونس: 36.

(2) الحجرات: 6.

(3) أقول: لا بدّ في تحقيق هذا من مراجعة ما ورد في المقام من الروايات.

220

و أما السنة فبطوائف:

منها: الأخبار الناهية (1) عن العمل بخبر لم يكن له شاهد أو شاهدان من كتاب اللّه تعالى.

و منها: الأخبار الدالة (2) على طرح ما خالف الكتاب و أنّه باطل و زخرف‏ (3) و نحو ذلك.

و منها: ما يدلّ‏ (4) على طرح ما لم يعلم أنّه قولهم عليهم الصلاة و السلام إلى غير ذلك.

أما الطائفة الأولى ففيها: أنّ نفس هذه الطائفة لخلوها عن شاهد من الكتاب لا تكون حجة لإناطة الحجيّة فيها بوجود شاهد من الكتاب، فهذه الطائفة لا يمكن أن تكون حجة إلّا بعد إثبات حجيّة خبر الواحد من الخارج و هي فاقدة لما هو قوام الحجيّة، أعني وجود شاهد لها من الكتاب كما لا يخفى.

و أما الطائفة الثانية ففيها: أنّها أجنبية عن مفروض البحث، فإنّ الأخبار المخالفة التي عبر عنها بالباطل تارة و الزخرف اخرى يراد بها المخالفة التباينية دون الأعم و الأخصّ، و من المعلوم عدم حجيّة الخبر المخالف للكتاب بهذا النحو من المخالفة عند الكلّ حتى عند من يقول بحجيّة الخبر.

و أما الطائفة الثالثة: فهي أخبار آحاد يتوقف حجيّتها على حجيّة الخبر و هي أول الكلام.

و أما الإجماع فقد ادّعى بعضهم كالشيخ الطوسي (قدّس سرّه)(5) إجماع الطائفة على‏

____________

(1) وسائل الشيعة 27/ 112، الحديث 33351.

(2) وسائل الشيعة 27/ 110، الحديث 33343.

(3) وسائل الشيعة 27/ 110، الحديث 33345

(4) وسائل الشيعة 27/ 62، باب وجوب الرجوع في جميع الأحكام إلى الأئمة.

(5) العدّة 1/ 126- 129.

221

العمل بخبر الواحد لكنه معارض بإجماع السيد (قدّس سرّه)(1) على عدم حجيّة خبر الواحد، و سيأتي تحقيق حال هذا الإجماع و حال نزاع السيد و الشيخ (قدّس سرّهما) في حجيّة خبر الواحد و عدمها.

و أما الدليل العقلي‏

فهو البرهان المتقدم من ابن قبة مع تقريبه بوجوه عديدة و قد تقدم ما فيه و لا نعيده، هذا حال الأدلة التي اقيمت على عدم حجيّة خبر الواحد و يكفي النافي عدم الدليل لكون كلامه مطابقا لقاعدة عدم حجيّة غير العلم، فالنافي لا يحتاج إلى إقامة الدليل بل المحتاج إليها هو المثبت للحجيّة فينبغي صرف عنان البحث إلى المقام الثاني المتكفل للأدلة التي أقاموها على حجيّة خبر الواحد.

في الآيات التي استدلّ بها على حجية خبر الواحد:

[الاستدلال بآية النبأ]

أدلة المثبتين فنقول و به نتوكل و نستعين و بولي أمره صلى اللّه عليه و على آبائه الطاهرين و (عجّل اللّه فرجه الشريف) نتوسل و نستغيث:

إن المثبتين قد تمسكوا لإثبات حجيّة خبر الواحد بالأدلة الأربعة أيضا، و المراد بالدليل العقلي هنا هو بناء العقلاء على اعتبار خبر الثقة كما سيأتي توضيحه إن شاء اللّه تعالى.

أما الكتاب فبآيات منها: آية النبأ و هي قوله سبحانه و تعالى‏ (2) إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى‏ ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ‏ تقريب الاستدلال بها من وجهين: أحدهما مفهوم الوصف و الآخر مفهوم الشرط.

أما الأول: فتقريبه أنّ موضوع وجوب التبيّن إن كان نفس النبأ من دون دخل لفسق الجائي به لكان ذكر الفسق لغوا، فموضوع وجوب التبيّن حينئذ هو نبأ الفاسق لا ذات النبأ، فإذا انتفى فسق المخبر ينتفي وجوب التبيّن نفسيا كان أم شرطيا، و إن كان الحقّ هو الثاني.

____________

(1) رسائل الشريف المرتضى: المجموعة الاولى/ 24؛ المجموعة الثالثة/ 309.

(2) الحجرات: 6.

222

و لكن فيه ما لا يخفى، ضرورة أنّ المفهوم عبارة عن انتفاء سنخ الحكم و طبيعته عمّا عدا الموضوع و ذلك يتوقف على انحصار الموضوع، و مجرد قيدية شي‏ء للموضوع و ارتفاعه لا يوجب المفهوم لأنّ الحكم المنفي حينئذ هو الحكم الشخصي القائم بالموضوع، و من البديهي انتفاء الحكم الشخصي بانتفاء موضوعه كلّا أو جزءاً و ليس المراد بالمفهوم هذا الانتفاء، بل المقصود هو انتفاء سنخ الحكم و طبيعته عمّا عدا الموضوع المنحصر، فالقيد و إن كان احترازيا كما هو الأصل فيه لكنه أجنبي عن المفهوم، فالمتحصل أنّ الفسق و إن كان دخيلا في وجوب التبين، إلّا أنّه لم يثبت كونه علة منحصرة، و المفروض أنّ المفهوم موقوف على انحصار العلة و لا سبيل إلى إثبات الانحصار حتى يكون للوصف مفهوم، فتدبر جيدا.

[البحث عن كون القضية الشرطية في آية النبأ ذات مفهوم‏]

و أما الثاني: فتقريبه أنّ القضية الشرطية إن كان الإناطة فيها عقلية فلا يكون لها مفهوم كقوله (إن رزقت ولدا فاختنه)، فإنّ إناطة الختان بوجود الولد تكون عقلية و إن كانت الإناطة فيها بعناية التعبد تكون الجملة ذات مفهوم كقوله (إن جاءك زيد فأكرمه)، فإنّ إناطة وجوب الإكرام بمجي‏ء زيد تعبدية لا عقلية، لعدم توقف وجوب الإكرام عقلا على المجي‏ء كما هو واضح، و لذا يكون لهذه القضية و نظائرها مفهوم بعد إثبات انحصار عليّة ما علّق عليه الحكم أعني الشرط، و من هذا القبيل آية النبأ، فإنّ توقف وجوب التبيّن على وجود النبأ عقلي، و أما توقفه على كون المخبر بالنبإ فاسقا فهو تعبدي لا عقلي، فيكون للآية مفهوم، فالمحصل حينئذ هو أنّ النبأ إن كان الجائي به فاسقا يجب التبيّن فيه و إن لم يكن الجاني به فاسقا لا يجب التبيّن فيه، فيثبت المطلوب و هو حجيّة خبر غير الفاسق.

و فيه أيضا ما لا يخفي، ضرورة أنّه لم يثبت إناطة وجوب التبيّن بفسق المخبر حتى يكون انتفاء فسق المخبر موجبا لانتفاء سنخ وجوب التبيّن عن خبر غير الفاسق، فلعل الموضوع هو خبر الفاسق لا نفس النبأ حتى يكون الفسق شرطا

223

لوجوب التبيّن فيه، و على تقدير كون الموضوع خبر الفاسق يرجع إلى الوجه الأول و هو عدم المفهوم للوصف لعدم ثبوت انحصار الموضوع فيه، بل يكون من انتفاء شخص الحكم بانتفاء الموضوع كلّا أو جزء، و قد عرفت أنّه أجنبي عن المفهوم المصطلح.

و الحاصل أنّه مع هذا الاحتمال و هو احتمال كون الموضوع لوجوب التبيّن خبر الفاسق لا يحرز كون القضية من الشرطية ذات المفهوم.

و لكن الميرزا النائيني (قدّس سرّه) جعل مورد الآية قرينة على كون فسق المخبر موجبا لوجوب التبين، فيكون الشرط في وجوب التبيّن هو كون المخبر فاسقا فينتفي وجوب التبيّن عند انتفاء الشرط، فيثبت المطلوب و هو عدم وجوب التبيّن عند كون المخبر عادلا، إذ لو كان مناط وجوب التبيّن هو العنوان الذاتي و هو كون الخبر خبر واحد لكان المتعيّن تعليق الحكم عليه دون فاسقية المخبر.

[الضابطة في كون القضية الشرطية ذات مفهوم‏]

و لا بأس بتوضيح القضية الشرطية ذات المفهوم فنقول:

اعلم أنّ القضية الشرطية على أقسام ثلاثة:

أحدها: أن يكون توقف الجزاء فيها على الشرط عقليا كقوله: (إن رزقت ولدا فاختنه) و نحوه و هذا ممّا لا يتصور له مفهوم كما لا يخفى.

ثانيها: ألا يكون توقفه على الشرط عقليا بل تعبديا، و هذا يتصور على وجهين:

الأول: أن يكون الشرط قيدا للموضوع كما إذا قلنا بكون المجي‏ء في قول المتكلّم: إن جاء زيد يجب إكرامه قيدا للموضوع، بأن ينحل هذا الكلام إلى أنّ زيدا الجائي يجب إكرامه، و هذا القسم لا يكون له أيضا مفهوم.

الثاني: أن يكون الشرط خارجا عن دائرة الموضوع و علة لترتب الحكم على الموضوع، كما إذا قلنا في المثال بأنّ الموضوع لوجوب الإكرام هو زيد من دون دخل‏

224

شي‏ء في موضوعيته، و هو تمام الموضوع و المجي‏ء علة لترتب الحكم على زيد، فعلق المحمول المنتسب و هو الإكرام الواجب على المجي‏ء، و هذه الإناطة ليست عقلية، فبانتفاء المجي‏ء و هو الشرط ينتفي سنخ الحكم عن غير زيد و هو الموضوع، فالشرط يكون جهة تعليلية لترتب الحكم على الموضوع و ليس جهة تقييدية أي دخيلة في الموضوع، و هذا القسم من القضية الشرطية له المفهوم لا محالة، هذا بحسب الثبوت.

و أما بحسب الإثبات فإحراز كون الشرط علة للحكم أو قيدا للموضوع في غاية الإشكال، فإنّ قوله (عليه السّلام)(1) إذا زالت الشمس وجب الصلاة و الطهور- و قوله تعالى‏ (2) فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ‏ إلى غير ذلك من القضايا الشرعية التي هي بلسان القضايا الشرطية، و لا سبيل إلى إحراز علية الشرط للحكم و عدم قيديته للموضوع إلّا التشبث بالفهم العرفي المتبع في استظهار المعاني من الألفاظ.

و الحاصل أنّ مجرد عدم توقف الجزاء عقلا على الشرط لا يوجب كون القضية الشرطية ذات مفهوم، بل لا بدّ من كون الشرط أيضا علة لترتب الحكم على الشرط على النحو الذي عرفته، و على كلّ حال قد تقدم تقريب مفهوم الشرط و الوصف في آية النبأ و قد ذكر الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه)(3) كلا التقريبين مع زيادة مقدمة عقلية، و هي: أنّ عدم وجوب التبيّن في خبر العادل يستلزم وجوب القبول إذ مع عدم وجوب التبيّن لا يخلو من أحد أمرين و هما الرد و عدم الاعتناء به أصلا و القبول بدون التبين، و الثاني هو المتعيّن لأنّ الأول يستلزم كون العادل أسوأ حالا من الفاسق.

و لكن هذه المقدمة العقلية إنّما يحتاج إليها المستدلّ إذا كان وجوب التبيّن نفسيا لا شرطيا أي شرطا لجواز العمل بخبر العادل و شرطا لحجيّته، إذ لو كان شرطا

____________

(1) وسائل الشيعة 1/ 261، الحديث 981 (باختلاف يسير).

(2) البقرة: 185.

(3) فرائد الاصول/ 71.

225

للحجيّة فلا حاجة إلى ضم هذه المقدمة العقلية إذ المتحصل من الآية حينئذ هو إناطة جواز العمل بخبر الفاسق بالفحص و التفتيش عن حال خبره من حيث الصدق و الكذب، و هذه الإناطة مفقودة في خبر العادل، فلا تكون حجيّته مشروطة بالفحص و التبين.

تنبيه: [إشكال على الضابط في كون القضية الشرطية ذات المفهوم‏]

قد يشكل على الضابط المذكور للقضية الشرطية ذات المفهوم بما حاصله: أنّ رجوع الشرط إلى ترتب الحكم على الموضوع و كون الشرط جهة تعليلية للحكم لا تقييدية يستلزم إهمال الموضوع و عدم تقيّده بالشرط، مع أنهم صرحوا بأنّ كلّ زمان و زماني يفرض مع الموضوع لا بدّ أن يكون الموضوع مقيدا به أو مطلقا و لو بنتيجة الإطلاق و التقييد، و لذا قالوا كلّ شرط موضوع و كلّ موضوع شرط، و هذا المبنى أعني رجوع كلّ شرط إلى الموضوع و دخله فيه ينافي ما ذكروه في ضابط كون القضية الشرطية ذات مفهوم من عدم رجوع الشرط إلى الموضوع، لأنّ لازم عدم رجوع الشرط إلى الموضوع هو تخلف الحكم عن موضوعه، إذ المفروض عدم دخل الشرط في الموضوع، فالموضوع تام و مع ذلك لا يترتب عليه الحكم، و قد قرّر في محلّه أنّ الحكم لا يتخلف عن موضوعه كما لا يتخلف المعلول عن علته، فالبناء على رجوع كلّ شرط إلى الموضوع يستلزم انهدام أساس المفهوم، و البناء على ضابط المفهوم يستلزم تخلف الحكم عن موضوعه و إهمال الموضوع ثبوتا بالنسبة إلى الشرط، و المفروض التزامهم بالمفهوم و إنكار تخلف الحكم عن موضوعه و لزوم تقيد الموضوع أو إطلاقه بالنسبة إلى ذلك الشرط و لو بنتيجة الإطلاق و التقييد.

و يمكن دفع الإشكال بأنّ ما ذكروه من رجوع كلّ شرط إلى الموضوع يرجع إلى مقام الثبوت و الواقع و أنّ كلّ شرط دخيل في الموضوع لبّا، و أما في مقام الإثبات فإن كانت القضية حملية فتكون حاكية عن دخل القيد في الموضوع كما هو كذلك لبّا،

226

و إن كانت القضية شرطية فتدلّ على التعليق و الإناطة و ظهورها العرفي هو الانتفاء عند الانتفاء، كدلالة القضية الحملية على مجرد الثبوت عند الثبوت و عدم دلالتها على الانتفاء عند الانتفاء، و الدلالة على الانتفاء عند الانتفاء من شئون اللفظ و مرحلة الإثبات، فلا منافاة بين ظهور القضية الشرطية في كون الشرط علة لترتب الحكم على الموضوع و بين كون الشرط لبّا قيدا للموضوع، فمرحلة الدلالة و الظهور العرفي غير مرحلة الثبوت و الواقع، فلا إشكال في ترتب المفهوم على القضية الشرطية في الجملة إلّا أنّ ظهور القضية في المفهوم منوط بمساعدة العرف، فإنّ في بعض الموارد يكون الشرط شرطا تعبديا لترتب الحكم، و مع ذلك ليس له ظهور عرفي في المفهوم كقوله‏ (1): «من زاد في صلاته متعمدا فعليه الإعادة»، فإن كان له مفهوم يكون ذلك نفي وجوب الإعادة عن غير الزيادة، فإذا نقص فلازمه عدم وجوب الإعادة و هو فاسد، إذ بناء على المفهوم ينحصر وجوب الإعادة في الزيادة العمدية فينتفي هذا الوجوب بانتفاء الزيادة حتى مع النقيصة العمدية و هو كما ترى، فالضابط المذكور للقضية الشرطية غير مطرد.

و هذا بخلاف بعض الموارد الأخر كقوله (عليه السّلام)(2) «من لم يدر كم صلى و لم يذهب وهمه إلى شي‏ء فليعد» فإنّ له ظهورا في المفهوم، و لذا يقال بحجيّة الظن في الثنائيات و المغرب و الاوليين من الرباعيات، لأنّ المنطوق وجوب الإعادة مع عدم ذهاب الوهم إلى طرف، و هذا منحصر في الركعات التي لا يجوز المضي فيها على الشك، و من المعلوم أنّ الأخيرتين من الرباعيات يجوز المضي فيها على الشك و البناء على الأكثر و ليس الحكم فيها وجوب الإعادة. و بالجملة فالمدار في ثبوت المفهوم للقضية الشرطية على الظهور العرفي.

____________

(1) وسائل الشيعة 8/ 231، الحديث 10509.

(2) وسائل الشيعة 8/ 225، الباب 15 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة.

227

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ الظاهر كون آية النبأ من القضايا ذات المفهوم لأنّ وجوب التبيّن لا يكون معلقا عقلا على كون الجائي بالنبإ فاسقا بل إناطته به تعبدية، نعم إن كان وجوب التبيّن في الآية المباركة معلقا على نفس النبأ كان التعليق عقليا كتعليق الختان على وجود الولد، و لكنه لم يعلق على نفس النبأ بل علّق على كون المخبر به فاسقا الذي هو عنوان عرضي للخبر، فلو كان وجوب التبيّن لأجل كون الخبر خبر واحد لكان المتعيّن التعليق به لكونه عنوانا ذاتيا، فكان اللازم حينئذ أن يقال: إن وجد عندكم خبر يجب فيه التبين، فهذه الآية نظير قولنا: إن جاءك زيد فأكرمه، فكما أنّ وجوب الإكرام معلق على المجي‏ء فكذلك يكون وجوب التبيّن معلقا على كون الجائي بالخبر فاسقا، إلّا أن يقال: إنّ ذكر الفاسق في المقام لأجل أهمية وجوب التبيّن في خبر الفاسق من غيره أو التنبيه على فسق الوليد أو لنكتة اخرى فلا يكون للآية ظهور في المفهوم، و لكن الإنصاف بعد هذا الاحتمال و عدم كونه مصادما للظهور في المفهوم.

[الإشكالات الواردة على الاستدلال بآية النبأ:]

ثمّ إنّه بعد البناء على ظهور الآية الشريفة في المفهوم اورد (1) على الاستدلال بها بوجوه:

منها: [التعارض بين المفهوم و عموم العلة]

أنّ مقتضى عموم العلة و هي قوله تعالى‏ أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً ... هو وجوب التبيّن في كلّ غير علمي لأنّ العمل به يكون إصابة بالجهالة، و من المعلوم كون خبر العادل غير علمي فيجب التبيّن فيه فيقع التعارض بين المفهوم و بين عموم العلة، إذ قضية المفهوم عدم وجوب التبيّن عن خبر العادل و مقتضى عموم العلة وجوبه، و الترجيح مع التعليل لكونه أقوى ظهورا من المفهوم، حيث إنّ حسن التعليل منوط بكلّيته و عموميته فظهوره في العموم أقوى من ظهور الصدر في المفهوم.

____________

(1) فرائد الاصول/ 72.

228

و قد اجيب عنه بأنّ المفهوم أخصّ من العلة فتخصّص به، إذ ما من عام إلّا و قد خصّ.

و لكن فيه، ما لا يخفى: ضرورة أنّ التخصيص فرع ثبوت المفهوم، و المفروض أن المنطوق يكون محفوفا بما يصلح للقرينية فلا ينعقد له ظهور في المفهوم حتى يكون المفهوم مخصّصا لعموم العلة، مضافا إلى إباء سياق العلة عن التخصيص فإنّ (إصابة القوم بجهالة) لمكان خوف ترتب الندم عليها ممّا يستقلّ العقل بقبحها فلا يمكن تخصيص العلة كعدم إمكان تخصيص قوله تعالى‏ (1): لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ‏ فإنّه لا يمكن استثناء التجارة عن تراض من الباطل فإنّ الباطل لا يقبل التخصيص بل لا بدّ من الالتزام بخروج التجارة عن تراض عن الباطل موضوعا.

و قد اجيب عنه أيضا: بأنّ المراد بالجهالة هي السفاهة لا عدم العلم، و من المعلوم أنّ الاعتماد على خبر العادل ليس سفهيا عند العقلاء كما هو أوضح من أن يخفى، فلا يكون التعليل مانعا عن المفهوم إذ ليس الاعتماد على خبر العادل سفاهة فلا يشمل التعليل خبر العادل أصلا.

فإن قلت: إنّه لا يمكن أن تكون الجهالة بمعنى السفاهة لأنّه يلزم ارتكاب العقلاء لأمر سفهي، حيث إنّ الصحابة الذين هم من العقلاء صاروا بصدد ترتيب الأثر على خبر الوليد بارتداد بني المصطلق من تجهيز الجيش للقتال معهم فلم يرتكبوا أمرا سفهيا بل ارتكبوا أمرا عقلائيا، فحينئذ يلزم خروج المورد عن التعليل، إذ مقتضى العلة وجوب التبيّن عن الخبر الذي يكون الاعتماد عليه سفهيا و في مورد الآية لمّا عزم العقلاء على ترتيب الأثر على خبر الوليد و كان عزمهم عليه عزما على أمر

____________

(1) النساء: 29.

229

عقلائي، فيخرج المورد عن السفاهة و خروج المورد مستهجن، فلا بدّ من جعل الجهالة بمعنى غير السفاهة و هو عدم العلم، و يعود حينئذ الإشكال المزبور و هو وجوب التبيّن في كلّ خبر غير علمي و إن كان المخبر به عادلا، فيبقى التعارض بين المفهوم و بين عموم العلة على حاله.

قلت أولا: إنّه لم يظهر كون ترتيب الأثر من المتدينين من الصحابة الذين لم يكن لهم غرض فاسد من نهب أموال بني المصطلق حتى يكون إقدامهم عقلائيا محضا، فلعل ترتيب الأثر و تجهيز الجيش كان من المنافقين الذين لا يعتنى بشي‏ء من شئونهم قولا و فعلا بل الرشد في خلافهم حتى في الامور العرفية و العقلائية.

و ثانيا: بعد تسليم كون تجهيز الجيش من أخيار الصحابة أنّه يحتمل أن يكون ذلك لاعتقادهم بعدالة الوليد، إما لغافلتهم عن أفعاله القبيحة التي ارتكبها سابقا، و إما لعدم معرفتهم أصلا بسوابق أعماله السيئة فكان بناؤهم على ترتيب الأثر على خبر الوليد من الامور العقلائية، فنبهّهم اللّه سبحانه و تعالى على خطائهم في اعتقادهم بعدالة الوليد، و أنّه ليس من العدول الذين يعتني العقلاء بشأنهم و يكون ترتيب الأثر على أخبارهم عقلائيا.

و ثالثا: بعد تسليم عدم اعتقاد أبرار الصحابة بعدالة الوليد- و مع ذلك رتبوا الآثار على خبره لبنائهم على كون الاعتماد على خبر الفاسق عقلائيا- أنّه لا دليل على عقلائية كلّ أمر يرتكبه العقلاء، فإنّ خطأ العقلاء كثير جدا كما هو المشاهد منهم، فانهم يرتكبون أمرا ثمّ يطلعون على خطائهم فيندمون كمال الندم فيمكن أن يكون بناؤهم على الركون إلى خبر الفاسق من الامور التي أخطئوا فيها و إن كان في نظرهم عقلائيا، فالشارع نبّههم على خطائهم في جعل الركون إلى خبر الفاسق عقلائيا.

و لكن الإنصاف أنّه لا اساس لجعل الجهالة بمعنى السفاهة، إذ لم يرد في ذلك تفسير مضافا إلى كونه غير معناه الموضوع له، فإنّ الجهالة عدم العلم دون السفاهة،

230

و هذه الأجوبة على تقدير صحتها و الغض عمّا فيها من الإشكال مبنية على ثبوت كون الجهالة بمعنى السفاهة، و قد عرفت عدم ثبوته فتأمل جيدا.

[دفع الميرزا النائيني (قدّس سرّه) عن إشكال المعارضة بين المفهوم و عموم العلة]

ثمّ إنّ الميرزا النائيني (قدّس سرّه) قد دفع إشكال المعارضة بين المفهوم و بين عموم العلة بعد فرض كون الجهالة بمعناها الظاهر أعني عدم العلم، كما كان هذا هو مبنى الإشكال بحكومة المفهوم على عموم العلة.

تقريبه: أنّ المفهوم يوجب كون خبر العادل علما، لأنّ حجيّته عبارة عن إلغاء احتمال الخلاف، فبعناية التعبد يصير خبر العادل علما تشريعيا لأنّه يعامل معه في عالم التشريع معاملة العلم، و بعد أن صار علما تعبديا يخرج عن موضوع التعليل أعني الخبر غير العلمي لا عن حكمه حتى يلزم التخصيص، فيقال: إنّ عموم العلة ينثلم بالتخصيص و يرتفع حس التعليل حينئذ.

و بعبارة أوضح لا يحفظ الدليل موضوعه بل يثبت الحكم لموضوعه على تقدير وجوده، فإذا دلّ دليل على عدم موضوع ذلك الدليل لا يكون من باب التعارض أصلا و المقام من هذا القبيل، لأنّ المفهوم بعد أنّ جعل خبر العادل علما لا يشمله التعليل موضوعا كخروج الشك الكثير عن موضوع الشك الذي جعل موضوعا في قوله من شك بين الاثنتين و الثلاث فعليه كذا.

فإن قلت: إنّ صيرورة خبر العادل علما منوطة بثبوت المفهوم للآية الشريفة و هو أوّل الكلام، لأنّ اتصال العلة بالكلام و عمومها يمنعان عن ظهور القضية في المفهوم.

قلت: لا مانع من ذلك أي ثبوت المفهوم إلّا توهم منافاته لعموم العلة و أنّ عموم التعليل يقتضي عدم المفهوم للقضية فلا مفهوم لها.

و لكن قد عرفت عدم انثلام عموم العلة من ناحية ثبوت المفهوم للقضية، لأنّ خروج نبأ العادل عن عموم العلة موضوعي لا حكمي فخروجه عنه يكون‏

231

بالحكومة دون التخصيص، و إن أمكن أن يكون خروجه بالتخصيص أيضا لأنّ عموم العلة كسائر العمومات القابلة للتخصيص، و قد ثبت في محلّه جواز تخصيص العام بالمفهوم المخالف و لا استهجان فيه، و إنّما المستهجن هو تخصيص العام بالمورد لكون العام بالنسبة إلى المورد كالنص و ذلك لا يلزم في المقام أصلا إذ الخارج خبر العادل دون الفاسق‏ (1).

و يرد على كلام الميرزا النائيني (قدّس سرّه): أن الحكومة المزبورة مبنية على إمكان جعل الحجيّة و الوسطية في الإثبات، و صيرورة غير العلم علما تعبديا و إن لم يفد الاطمئنان و لا أدنى مراتب الظن بل مع الظن بالخلاف، و هذا خلاف مبنى الميرزا النائيني (قدّس سرّه) في اعتبار جعل الأمارات غير العلمية من كونها إمضائية، فهذا الجواب لا يلائم مبناه (قدّس سرّه) في حجيّة الأمارات.

و منها: [الإشكال من جهة استلزام تخصيص المورد، و الجواب عنه‏]

أنّ البناء على المفهوم يستلزم تخصيص المورد الذي لا ريب في استهجانه لكون العام بالنسبة إلى المورد كالنص.

توضيحه: أنّ مورد الآية الشريفة هو إخبار وليد الفاسق بارتداد بني المصطلق، فالمنطوق هو خبر الفاسق بالارتداد و حكمه عدم القبول و وجوب الفحص عنه و مفهومه هو اعتبار خبر العادل في الارتداد و عدم اشتراط قبوله بالتبيّن و التفحص. و من المعلوم عدم اعتبار خبر العادل الواحد في الارتداد و خبر العادل غير العلمي في الارتداد كخبر الفاسق فيه في عدم الحجيّة و عدم الفحص عنه، و هذا ليس إلّا عبارة اخرى عن عدم المفهوم لتساوي العادل و الفاسق حينئذ في مورد الآية و هو خبر الارتداد، و لما كان تخصيص المورد في غاية الاستهجان فلا محيص عن‏

____________

(1) هذا محصل ما أفاده سيدنا الاستاذ مد ظله توضيحا لمرام الميرزا النائيني (قدّس سرّه)، و لكن لا يساعد عبارة التقرير المطبوع لبعض ما ذكره الاستاذ مد ظله من جواز التخصيص أيضا فلاحظ عبارة التقرير.

232

إنكار المفهوم رأسا.

و قد أجاب عنه الميرزا النائيني (قدّس سرّه) بما حاصله: أنّه لا دليل على اعتبار الاتحاد في المورد بين المنطوق و المفهوم، بل غاية ما ثبت اعتبار الاتحاد فيه هي وحدة المنطوق و المفهوم في الموضوع و المحمول و هذه الوحدة في المقام موجودة، ضرورة أنّ الموضوع في المنطوق هو النبأ غير العلمي و المحمول وجوب التبيّن فيه، و هما موجودان في المفهوم أيضا لوجود النبأ غير العلمي فيه، غاية الأمر أنّ وجوب التبيّن قد انتفى لاعتبار اختلاف المفهوم و المنطوق في السلب و الإيجاب، فيكون محصل المنطوق أنّ النبأ غير العلمي إن كان الجائي به فاسقا فهو ليس بحجة و إن كان الجائي به عادلا فهو حجة، فالمنطوق يشمل خبر الارتداد الذي هو مورده بالانطباق، و المفهوم يشمله أيضا بالانطباق، و ليس خبر الارتداد موردا للمفهوم إذ لم يتحقق نبأ العادل فيه.

نعم بالنسبة إلى المنطوق يكون خبر الارتداد موردا له فالمفهوم نظير العام الابتدائي الوارد لبيان الحكم و لا مانع من تقييده، نعم لا يمكن تقييد المنطوق و إخراج مورده بأن يقال: خبر الفاسق غير العلمي لا يقبل إلّا في الارتداد، اذ المفروض ورود هذه الكبرى و هي عدم قبول خبر الفاسق غير العلمي في مورد الارتداد، فإخراج هذا المورد مستهجن جدا بخلاف المفهوم، فإنّ خبر الارتداد ليس موردا له حتى يلزم من تخصيصه به استهجان، بل يكون نبأ الارتداد أحد مصاديقه التي ينطبق عليها المفهوم فلا محذور في إخراجه بالدليل الخارجي الدال على عدم ثبوت الموضوعات التي منها الارتداد بخبر العدل الواحد، بل لا بدّ من العدلين أو أكثر كما في بعض الموضوعات.

فالمتحصل: أنّه لا يلزم من عدم اعتبار خبر العادل في الارتداد تخصيص مستهجن، نعم إذا كان نبأ الارتداد قيدا للموضوع في المنطوق، بأن يكون المتحصل:

233

أن النبأ الارتدادي للفاسق لا يقبل، فلا محالة يكون المفهوم أنّ النبأ الارتدادي للعادل يقبل، و المفروض قيام الدليل الخارجي على عدم قبول خبر العادل الواحد في الارتداد، و هذا مساوق لإنكار المفهوم، إذ لازمه المساواة بين العادل و الفاسق في عدم قبول خبرهما.

و لكن من المسلم عدم كون خبر الارتداد قيدا لموضوع الخبر غير العلمي بل هو مورد له فالموضوع مطلق النبأ غير العلمي كما عرفت، و إن كان الموضوع خبر الفاسق الارتدادي بنحو التقييد لكان لازمه حجيّة خبر الفاسق في غير الارتداد و ذلك بمكان من الفساد.

و أما ما أفاده الشيخ الأعظم الأنصاري (قدّس سرّه)(1) في الجواب عن الإشكال المزبور أعني لزوم تخصيص المورد في المفهوم فحاصله: أنّه لا يلزم استهجان في التخصيص المزبور، حيث إنّ خبر العادل الواحد حجة في الموضوعات أيضا، ضرورة أنّ السؤالات التي تضمّنتها الأخبار لو لم تثبت بأخبار العدول الآحاد لا تكون الأجوبة حجة أيضا، لأنّ قوله (عليه السّلام) لا باس مثلا أو جائز أو واجب و نظائرها لا معنى لحجيّتها بدون ثبوت السؤالات التي هي من الموضوعات، نعم بالنسبة إلى بعض الموضوعات ثبت من الخارج اعتبار الضميمة و أنّ العدل الواحد لا يكفي نظير ما دلّ على احتياج اعتبار البينة إلى اليمين، كما في الدعوى على الميت، فإنّ ثبوتها منوط بضم الحلف إلى البينة فهل يتوهم عدم حجيّة البينة في مقام الدعوى على الميت.

و بالجملة فاعتبار ضم عدل إلى مثله في بعض الموضوعات غير نفي الحجيّة عن خبر العدل الواحد، و المستهجن من تخصيص المورد هو نفي الحجيّة رأسا عن خبر

____________

(1) فرائد الاصول/ 76.

234

العدل في الارتداد لا اعتبار ضم عدل آخر إليه فيه كما عرفت في البينة.

و بهذا البيان لا يرد عليه ما أفاده الميرزا النائيني (قدّس سرّه) من لزوم تخصيص المورد المستهجن، لأنّ ضم عدل آخر إلى العدل المخبر بالارتداد عبارة اخرى عن عدم حجيّة خبر العدل الواحد فيه و كون الحاجة إلى ضم عدم آخر إليه إنكار للمفهوم و التزام بالإشكال.

وجه عدم الورود: ما عرفته من أنّ ضمّ الضميمة ليس من نفي الحجيّة و تخصيص المورد المستهجن، فخبر العادل بمقتضى المفهوم حجة مطلقا في الموضوعات و الأحكام، غاية الأمر أنّه في بعض الموضوعات ثبت احتياجه إلى ضم عادل آخر إليه أو حلف أو امرأتين و الاحتياج إلى ضم شي‏ء معه لا يخرجه عن الحجيّة، فما أفاده الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) في دفع إشكال تخصيص المورد متين جدا و اللّه العالم.

نعم الإشكال كلّه في ثبوت المفهوم من جهة احتفاف القضية الشرطية بالتعليل- أعني قوله تعالى‏ أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ- لكونه صالحا للقرينية المانعة عن انعقاد الظهور للقضية في المفهوم، و دعوى كون العلة المذكورة علة للجعل و ملاكا له فتختص بخبر الفاسق لكونها حينئذ من الحكمة التي قيل بعدم اطّرادها و ليس علة للمجعول أي موضوعا للحكم حتى تكون من العلة المنصوصة، غير مسموعة؛ لانطباق ضابط منصوص العلة عليه لصحة إلقائها إلى المكلّف بأن يقال: لا تصب قوما بغير العلم.

بالجملة فالإشكال في ثبوت المفهوم لأجل اقتران هذه العلة المنصوصة بالمنطوق في محلّه، و ما ذكره الميرزا النائيني (قدّس سرّه) في دفعه فقد تقدم ما فيه فلاحظ، و لكن بعد البناء على ثبوت المفهوم و عدم مانعية العلة عنه لا يرد عليه إشكال لزوم التخصيص بالمورد حتى نلتزم لأجله بعدم ثبوت المفهوم للآية المباركة.

235

ثمّ إنّه اورد على الاستدلال بمفهوم آية النبأ بوجوه أخر ضعيفة تركنا التعرض لها.

و قد أورد على مفهوم الآية و غيره ممّا يدلّ على حجيّة خبر العادل بوجوه مشتركة بين جميع أدلة اعتبار خبر العدل الواحد إلّا بناء العقلاء:

منها: معارضة أدلة حجيّة خبر العادل لما نهى عن العمل بالظن و غير العلم من الآيات الناهية عن العمل بغير العلم و تعارض الظاهرين يوجب عدم اعتبار شي‏ء منهما فيرجع في خبر العدل إلى قاعدة عدم حجيّة غير العلم.

و فيه: مضافا إلى ما أفاده الميرزا النائيني (قدّس سرّه) من الحكومة التي عرفت تقريبها و فسادها- فلاحظ-، أن النسبة بين الآيات الناهية و بين أدلة اعتبار خبر العادل هي الأعم و الأخصّ لشمول الآيات الناهية لخبر العادل و غيره، و كون موردها الاصول أو الفروع و أدلة حجيّة خبر العادل مختصة بخبر العادل، فتخصّص الآيات الناهية كما لا يخفى، لا يقال: إنّ النسبة تنقلب إلى الأعم و الأخصّ من وجه، حيث إنّ الآيات مختصة بما عدا البينة فتعم خبر العدل الواحد و الشهرة و غيرهما من الأمارات و لا تعم البينة، و المفهوم يعم العدل الواحد و البينة لأنّها ليست إلّا ضم عدل إلى مثله و يختص بخبر العدل فيتعارضان في المجمع و هو خبر العدل الواحد، فإنّ الآيات الناهية يوجب عدم حجيّته و المفهوم يقتضي حجيّته فيسقطان عن الحجيّة و يرجع إلى قاعدة عدم حجيّة غير العلم، هذا أحد تقريبي العموم من وجه.

و يقرب بوجه آخر: و هو أنّ الآيات الناهية مختصة بحال التمكن من العلم للتسالم على حجيّة الظن في حال الانسداد و عامة لكلّ ظن سواء أ كان ناشئا من إخبار العدل الواحد أم الشهرة أم غيرهما، و المفهوم يعم الانسداد و غيره و يختص بخبر العدل فيتعارضان في المجمع و هو خبر العدل الواحد في صورة التمكن من العلم، فإنّ مقتضى الآيات الناهية عدم الحجيّة و قضية المفهوم حجيّته كما لا يخفى، و حينئذ

236

يسقطان عن الاعتبار و يرجع إلى قاعدة عدم حجيّة غير العلم.

لأنّه يقال: إنّ ما ذكر من دعوى كون النسبة بين الآيات الناهية و بين أدلة حجيّة خبر الواحد عموما من وجه مبني على انقلاب النسبة بأن يلاحظ أولا تخصيص العام بالمخصّص الأول ثمّ يلاحظ النسبة بينه و بين الخاص الثاني و الثالث و هكذا، و ليس الأمر كذلك لأنّ نسبة كلّ خاص إلى العام نسبة العموم و الخصوص فيخصّصه الخاص و لا وجه لتخصيصه أولا بمخصّص ثمّ ملاحظة العام مخصّصا بالنسبة إلى الخصوصات اللاحقة (1).

و لا يخفى أنّ من جملة التخصيصات الواردة على الآيات الناهية على ما قيل الموجبة لانقلاب النسبة، الظنون الاجتهادية، فإنّ المجتهد يعتمد على ظنه في تشخيص حكم اللّه تعالى و يرتب قياسا و يقول إنّ وجوب الشي‏ء الفلاني مثلا ما أدّى إليه ظني و كلّ ما أدّى إليه ظني فهو حكم اللّه تعالى في حقي.

و لكن الإنصاف عدم ثبوت حجيّة الظنون الاجتهادية كما تعرضنا له في محلّه من مباحث الاجتهاد و التقليد، و لا حاجة في نفي حجيّتها إلى التشبث بالآيات الناهية حتى يقال: إنّ الآيات و إن كانت من حيث السند قطعية لكنها من حيث الدلالة ظنية، فاستظهار عدم حجيّة الظن من هذه الآيات اجتهاد ظني أيضا فلا يكون حجة حتى يصح التمسك بها لإثبات عدم حجيّة الظنون الاجتهادية كما لا يخفى.

وجه عدم الحاجة كفاية نفس الشك في حجيّة الظن الاجتهادي و عدم قيام‏

____________

(1) أقول: إن عدم انقلاب النسبة متجه إذا لم نقل بكون الخاص موجبا لتعنون العام به، إذ التخصيص عبارة عن إعدام بعض أفراد الموضوع كموت بعض العلماء، فإنّ قوله: (أكرم العلماء) لا يعنون بعنوان عدم زيد أو عمرو إذا ماتا، و أما بناء على تعنون العام و تقيده بالخاص كما اختاره السيد الاستاذ حفظه اللّه في مبحث العام و الخاص مدّعيا رجوع التخصيص إلى التقييد و لا إشكال في تقييد كلّ مطلق بقيده، فلا محيص عن الالتزام بانقلاب النسبة لأنّ الخاص الأول بعد أن خصّص العام صار العام مقيدا به و النسبة تلاحظ بعد تمامية الموضوع لا قبلها، فتدبر.

237

دليل على اعتباره في عدم جواز العمل بالظنون الاجتهادية و الاعتماد عليها كما هو واضح.

و على كلّ حال فعلى تقدير ثبوت اعتبار الظنون الاجتهادية يكون ذلك خاصا بالنسبة إلى الآيات الناهية كالبينة و خبر العدل العارف بالوقت و إخبار النساء في العدة و الحيض إلى غير ذلك من الموارد التي ثبت اعتبار غير العلم فيها، فإنّ جميعها تخصّص الآيات الناهية و لا تنقلب النسبة أصلا، فإشكال معارضة أدلة حجيّة خبر العادل للآيات الناهية عن العمل بغير العلم واضح الاندفاع.

و منها: [الإشكال من جهة شمول أدلة الحجية للإجماع المنقول على عدم الحجية، و الجواب عنه‏]

أنّ أدلة حجيّة خبر العادل تشمل الإجماع الذي أخبر به السيد المرتضى (قدّس سرّه) على عدم حجيّة خبر الواحد لأنّ خبر السيد (قدّس سرّه) من مصاديق خبر العدل الواحد و مقتضى شمولها لخبر السيد (قدّس سرّه) عدم حجيّة خبر العدل الواحد، فيلزم من حجيّة الخبر عدم حجيّتها و ما يلزم من وجوده عدمه محال.

و فيه أولا: أنّه ليس إجماعا أي نقلا للاتفاق عن حس حتى يندرج في كبرى خبر العدل الواحد، بل يكون هذا النقل حدسيا لذهاب جل الأصحاب إلى حجيّة الخبر، فدعوى الإجماع حينئذ تكون ناشئة من ذهاب جمع إلى عدم حجيّته فاعتقد أن هذا مذهب جميعهم، فيكون نقل الاتفاق عن حدس و مثل هذا الإجماع ليس حجة لما ذكر في مبحث الإجماع من أنّه ليس إجماعا حقيقة.

و ثانيا: أنّ دعوى إجماع السيد معارضة بدعوى إجماع الشيخ الطوسي (قدّس سرّه) على حجيّة خبر العادل و من المعلوم تساقطهما و عدم شمول دليل الحجيّة لشي‏ء منهما، و لا يكون تعارضهما قادحا في دليل الاعتبار بل التعارض مانع خارجي عن شمول دليل الاعتبار للمتعارضين كالبينتين المتعارضتين و سائر المتعارضات، فإنّ دليل اعتبار البينة لا يشمل البينتين المتعارضتين فتسقط البينتان عن الاعتبار من دون قدح في دليل الحجيّة إذ دليل الاعتبار لا يشمل إلّا ما لم يبتل بالمعارض، و في المقام نقول:

238

إن دليل حجيّة الخبر باق على حاله و الإجماعان اللذان ادّعاهما السيد و الشيخ (قدّس سرّهما) يسقطان عن الاعتبار للمعارضة كما لا يخفى.

و ثالثا: إنّ الإجماع المنقول ليس بحجة و إن لم يكن معارضا فهذا الإشكال أيضا لا أساس له.

و منها: [الإشكالات الواردة على حجية الخبر في ما إذا تعدد الوسائط]

أنّ عمدة الغرض من إثبات حجيّة خبر العادل هي إثبات حجيّة الروايات لاستنباط الأحكام الفرعية منها، و هذا الغرض لا يترتب على اعتبار خبر العادل الواحد لوجوه، الأول: انصراف الأدلة إلى الخبر بدون الواسطة و الروايات بالنسبة إلينا أخبار مع الواسطة و الغرض من إثبات حجيّة الخبر هو إثبات السنّة به ليصح استنباط الحكم منه، و يكون بحث الاصولي عن حجيّة الخبر بحثا عن أحوال السنّة، و البحث عن حجيّة خبر الشيخ و المفيد و أمثالهما من الوسائط ليس بحثا عن أحوال السنّة فلا يشمل دليل الاعتبار الأخبار مع الواسطة.

الثاني: عدم ترتب أثر شرعي على أخبار الوسائط بيننا و بين الرواة، و المفروض أنّ وجوب تصديق العادل في خبره عبارة عن ترتيب ما للخبر به من الآثار الشرعية على إخبار العادل، مثلا إذا أخبر العادل بحياة زيد، فإنّ وجوب تصديقه عبارة عن ترتيب الآثار التي رتبها الشارع على حياة زيد من وجوب الإنفاق على زوجته و عدم جواز تقسيم ماله بين ورثته و غير ذلك من الأحكام المترتبة على إخبار العادل بحياة زيد، و أما إذا فرض عدم ترتب أثر شرعي على الموضوع الذي أخبر به العادل كما إذا أخبر بأنّ ارتفاع الجبل الفلاني فرسخان مثلا فلا أثر شرعا لمقدار ارتفاع ذلك الجبل الذي أخبر به العادل حتى يجب تصديق العادل بلحاظه، و في المقام لا يترتب على أخبار الوسائط كقول الشيخ الطوسي (قدّس سرّه) حدثني المفيد (قدّس سرّه) مثلا أثر شرعي حتى يجب بلحاظه تصديقه.

الثالث: استلزام شمول دليل اعتبار خبر الواحد لإخبار الواسطة ثبوت‏

239

الموضوع بالحكم و تأخر الموضوع عنه.

توضيحه: أنّ إخبار الشيخ (قدّس سرّه) بقوله حدثني المفيد (قدّس سرّه) خبر حسي يشمله دليل حجيّة خبر الواحد، فيجب تصديقه، فببركة وجوب تصديقه يثبت أنّ المفيد (قدّس سرّه) حدث الشيخ الطوسي (قدّس سرّه) بقوله حدثني الصدوق (قدّس سرّه)، فخبر الصدوق (قدّس سرّه) لم يكن ثابتا لنا قبل وجوب تصديق خبر الشيخ الطوسي (قدّس سرّه)، و به تولّد خبر المفيد (قدّس سرّه) بقوله حدثني الصدوق (قدّس سرّه) و هكذا في سائر السلسلة إلى أن ينتهي إلى زرارة و أضرابه ممن روى عن الإمام (عليه السّلام) بدون الواسطة، فالموضوع تولد من الحكم و لازمه تأخر الموضوع عنه لتقدم العلة على المعلول مع أنّ من الواضح تأخر الحكم، عن موضوعه.

الرابع: استلزام دليل الحجيّة اتحاد الحكم و الموضوع لما عرفت من أنّ وجوب التصديق يكون بلحاظ الأثر الشرعي المترتب على المخبر به، و المفروض أنّه لا أثر لأخبار الوسائط إلّا نفس وجوب التصديق الناشئ من صدق العادل، فوجوب التصديق موضوع لنفسه فهو موضوع و حكم، و من المعلوم مغايرة الحكم للموضوع و عدم اتحادهما كما لا يخفى.

و الخامس: اتحاد الحاكم و المحكوم، لأنّ الأمارات حاكمة على الواقعيات حكومة ظاهرية على ما قرّر في محلّه، فالأمارة تثبت الواقع ظاهرا، و من المعلوم مغايرة الحاكم للمحكوم و تعدّدهما، و في المقام لا تعدّد لما تقدم في إشكال اتحاد الموضوع و الحكم، فإنّ دليل اعتبار خبر العادل سواء كان مفهوم آية النبأ أم غيره ممّا عدا بناء العقلاء يدلّ على وجوب العمل بخبر العادل و هذا الوجوب ليس حكما واقعيا بل هو حكم ظاهري و هو اعتبار قول العادل، فلا بدّ أن يكون لخبر العادل أثر شرعي واقعي حتى يثبت بالأمارة، مثلا إذا أخبر زيد بعدالة عمرو فإنّ هناك آثارا شرعية واقعية تترتب على العدالة الواقعية بمقتضى الأدلة الاجتهادية، و اعتبار هذا

240

الخبر أي إخبار زيد العادل بالعدالة عبارة عن ترتيب أحكام العدالة الواقعية الثابتة بالأدلة الاجتهادية على عدالة عمرو التي أخبر بها زيد.

و بعبارة أوضح: وجوب تصديق خبر زيد العادل يكون مفاد دليل اعتبار خبر العادل كمفهوم آية النبأ و غيره من أدلة حجيّة خبر الواحد و يثبت بهذا الخبر ببركة حجيّته جواز الاقتداء بعمرو و غيره من آثار العدالة، فمفاد دليل اعتبار الأمارة شي‏ء و الثابت بالأمارة بعد اعتبارها شي‏ء آخر و هو الحكم الواقعي المترتب على العدالة فالحاكم و هو دليل اعتبار الأمارة مفاده وجوب التصديق و المحكوم و هو الآثار الشرعية المترتبة مع عدالة عمرو هو الواقعي فهما متغايران و متعدّدان و هذا بخلاف المقام، لأنّ خبر الشيخ الطوسي (قدّس سرّه) الذي هو من أخبار الوسائط و يكون مؤدى الأمارة لا حكم له واقعا إلّا وجوب تصديقه إذ لا يترتب عليه شي‏ء من الأحكام الخمسة إلّا وجوب التصديق فوجوب التصديق لخبر الشيخ (قدّس سرّه) حكم واقعي و المفروض أنّ هذا الوجوب هو مفاد دليل اعتبار الأمارة أيضا فيلزم أن يكون محكوما لما فرضناه من كونه حكما واقعيا لخبر الشيخ (قدّس سرّه) و أن يكون حاكما لأنّه مفاد دليل اعتبار الأمارة و هذا عبارة عن اتحاد الحاكم و المحكوم و هو محال.

و لا بأس قبل التعرض لأجوبة هذه الجهات الخمس من إشكال أخبار الوسائط بالتنبيه على أمر و هو: أنّ هذه الإشكالات إنّما تتوجه بناء على كون المجعول في الأمارات وجوب العمل بها نفسيا أو شرطيا، و بعبارة اخرى إن كان لسان أدلة حجيّة الأمارات وجوب ترتيب الأثر شرعا يتوجه عليه الإشكال المزبور بجهاته المزبورة، إذ الانصراف يكون لأجل انسباق الخبر المثبت للسنّة حتى يكون البحث عنه بحثا عن السنّة، و ذلك منحصر في الأخبار بدون الوسائط كخبر زرارة و محمّد بن مسلم و أضرابهما ممن يروى عن المعصوم (عليه السّلام) بلا واسطة، و أما مع الواسطة فالأدلة منصرفة عنه لعدم كون البحث عن حجيّة خبر الشيخ (قدّس سرّه) بحثا عن السنة و هكذا

241

سائر الوسائط، و كذا بالنسبة إلى عدم ترتب الأثر.

و أما بناء على كون المجعول في الأمارات هي الطريقية و الوسطية في الإثبات و المحرزية دون الأثر الشرعي فلا يلزم شي‏ء من الإشكالات المزبورة، لمحرزية كلّ خبر من أخبار الوسائط لما قبله من الأخبار و انتهاء أخبار الوسائط إلى خبر زرارة مثلا الذي هو أوّل السلسلة، و يكون مفاده الحكم الشرعي من الوجوب أو غيره، و كفاية مثل هذا الأثر في صحة جعل الطريقية لامور تنتهي إلى حكم شرعي، لكون مثل هذا الأثر مانعا عن لزوم لغوية جعل الطريقية لتلك الامور كما لا يخفى، و ليس مفاد أدلة حجيّة الأمارات حينئذ وجوب ترتيب الأثر حتى نحتاج فيها إلى إثبات أثر شرعي واقعي للمؤدى ليكون دليل اعتبار الأمارة محرزا له بمقتضى حكومته الظاهرية على أدلة الأحكام الواقعية كما لا يخفى.

[الرد على الإشكالات المذكورة في تعدد الوسائط]

و أنت خبير باندفاع الإشكال المذكور بجميع جهاته المتقدمة على تقدير كون المجعول في الأمارات الوجوب النفسي أو الشرطي أيضا كما هو مبنى هذا الإشكال على ما عرفت آنفا.

أما الأول: و هو الانصراف فلا وجه لها، و على تقدير الانصراف فهو بدوي لا عبرة به لزواله بأدنى تأمل بعد وضوح دخل أخبار الوسائط في ثبوت السنة، ضرورة أنّه ما لم تثبت أخبار الوسائط لا يثبت خبر زرارة الذي مفاده كلام الإمام (عليه السّلام).

و أما الثاني: و هو عدم ترتب الأثر الشرعي على أخبار الوسائط ففيه: أنّه يكفي في ذلك وجوب التصديق و البناء على ثبوته تعبدا لدخل خبر الواسطة في ثبوت قول الإمام (عليه السّلام) كما لا يخفى.

و أما الثالث: و هو ثبوت الموضوع بالحكم و لزوم تأخره عن الحكم مع بداهة تقدمه على الحكم ففيه: أنّه يلزم ذلك بناء على عدم انحلال وجوب تصديق العادل‏

242

إلى وجوبات عديدة بتعدّد موضوعاتها و هي أخبار العدول، و أما مع الانحلال فلا يلزم أصلا، ضرورة أنّ وجوب تصديق خبر الشيخ (قدّس سرّه) المولد لخبر المفيد بقوله حدثني الصدوق غير وجوب التصديق الذي يكون حكما لخبر المفيد فلا يلزم تولد الموضوع من الحكم كما لا يخفى.

و أما الرابع: و هو اتحاد الحكم و الموضوع فلا يلزم أيضا بعد البناء على كون وجوب التصديق انحلاليا، إذ وجوب التصديق الذي يكون موضوعا للحكم أعني وجوب تصديق العادل غير الحكم لمغايرة الوجوبين لأجل الانحلال كما لا يخفى.

و أما الخامس: و هو اتحاد الحاكم و المحكوم فلا يلزم أيضا للانحلال المزبور، فإنّ دليل اعتبار خبر الشيخ (قدّس سرّه) مثلا حاكم على الحكم الذي يثبت لخبر المفيد (قدّس سرّه) الذي هو متقدم على خبر الشيخ (قدّس سرّه)، فالحاكم و المحكوم متغايران و متعدّدان و لا اتحاد بينهما.

و الحاصل أنّه بعد إثبات مقدمتين إحداهما: جعل الأثر الشرعي وجوب التصديق، و ثانيتهما: انحلال قضية وجوب تصديق العادل إلى قضايا متعدّدة كسائر القضايا الشرعية التي مرجعها إلى القضايا الحقيقية، يظهر الجواب عن الإشكالات المزبورة، لاندفاع الثاني منها و هو اللغوية و عدم ترتب الأثر الشرعي على أخبار الوسائط بالمقدمة الأولى، لأنّه بعد ثبوت هذا الأثر شرعا يكتفي به في أخبار الوسائط، و اندفاع الثلاثة الأخر بالانحلال الموجب لتعدّد الأثر الشرعي و تغاير الحاكم و المحكوم و عدم تولد الموضوع من شخص الحكم الذي يثبت له حتى يكون الحكم مولدا لموضوعه و مقدما عليه، و عدم اتحاد الحكم و الموضوع كما هو أوضح من أن يخفى.

نعم يلزم اتحاد أخبار الوسائط في الآثار من حيث السنخ، و كذا يلزم وحدة الحاكم و المحكوم سنخا و لا ضير فيه بعد عدم لزوم الوحدة الشخصية.

243

فتحصل أنّ الإشكالان المتقدمان، أعني عدم الأثر و اتحاد الحكم و الموضوع مندفعان بالتزام الانحلال الذي ينطبق ضابطه على ما نحن فيه، إذ ضابط الانحلال هو أن يكون لمتعلق الخطاب موضوع خارجي، و كان لذلك الموضوع الخارجي المعبر عنه تارة بمتعلق المتعلق و اخرى بالموضوع و ثالثة بالمفعول به أفراد طولية أو عرضية أو هما معا، فإنّ الحكم حينئذ ينحل بعدد كلّ فرد من أفراد ذلك الموضوع الخارجي إلى أحكام عديدة و خطابات كثيرة كما في لا تشرب الخمر و لا تسرق مال الغير و لا تغتب مؤمنا و غير ذلك، و لو لا الانحلال لاختل الأمر في كثير من الموارد، كجريان البراءة في الشبهات الموضوعية التي اتفقت كلمة المحدثين و الاصوليين على جريان البراءة فيها مع وضوح كون مجرى البراءة هو الشك في التكليف، فإذا لم يكن لكلّ فرد من أفراد الخمر خطاب يخصّه لما جاز إجراء البراءة في المائع الذي شك في خمريته، فإنّ جريانها في المشكوك الخمرية إنّما هو لأجل الشك في توجه خطاب لا تشرب الخمر إلى المكلّف بالنسبة إلى مشكوك الخمرية، إذ بناء على عدم الانحلال يكون قضية لا تشرب الخمر من المعدولة و يكون مفادها كن لا شارب الخمر فيجب تحصيل عنوان اللاشاربية، و من المعلوم كون مثله من موارد قاعدة الاشتغال لا البراءة، إذ لا يحرز الاتصاف بهذا العنوان إلّا بترك جميع الأفراد المعلومة للخمر و المظنونة و المشكوكة و الموهومة، فينسد باب البراءة في الشبهات الموضوعية.

و التزام المشهور على ما قيل بعدم جريان البراءة في قضاء الفوائت المرددة بين الأقل و الأكثر لأجل تنجز التكليف بالأكثر على تقدير فوته على التفصيل المحرر في محلّه و إن كان مخدوشا كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى.

و كالشك السببي و المسببي في الاستصحاب، فإنّ الأصل الجاري في الشك السببي حاكم على الأصل الجاري في الشك المسببي مع أنّ الخطاب و هو لا تنقض اليقين بالشك واحد، فإنّ تعدّد الحاكم و المحكوم ممّا لا بدّ منه فلو لم ينحل خطاب‏

244

لا تنقض إلى خطابات عديدة بتعدّد أفراد اليقين و الشك لم يكن لحكومة الأصل السببي على المسببي وجه.

و بعد أن ثبت أنّه لا محيص عن الالتزام بالانحلال يتضح وجه اندفاع الإشكالين، أعني عدم الأثر و وحدة الحكم و الموضوع إذ الأثر حينئذ هو وجوب التصديق، فالأثر موجود و لا يلزم اتحاد الحكم و الموضوع لأنّ وجوب تصديق قول الشيخ (قدّس سرّه) الذي هو خبر وجداني و إن كان مولّدا لخبر المفيد إلّا أنّ شخص هذا الوجوب ليس حكما لخبر المفيد حتى يتحد الحكم و الموضوع، بل وجوب آخر يكون حكما له لأنّ خبر المفيد بعد أن تولّد من وجوب تصديق قول الشيخ (قدّس سرّه) صار موضوعا لخطاب وجوب التصديق، فوجوب تصديق الشيخ (قدّس سرّه) يولد موضوعا لوجوب تصديق آخر كما لا يخفى، فببركة الانحلال يندفع هذان الإشكالان.

ثمّ إنّ الميرزا النائيني (قدّس سرّه) ذكر أنّ إشكال أخبار الوسائط مبني على كون المجعول في خبر الواحد وجوب العمل كما عرفت توضيحه، و أما بناء على كون المجعول فيه نفس المحرزية و الطريقية فلا يلزم هذا الإشكال أصلا إذ كلّ خبر لاحق طريق إلى سابقه حتى ينتهي إلى خبر الراوي الذي يروي عن الإمام (عليه السّلام) بلا واسطة.

ثمّ إنّ استظهار جعل الطريقية من آية النبإ مشكل لأنّ مفهومها عدم وجوب التبيّن نفسيا أو شرطيا في العمل بخبر العادل، فخبر العادل لا يكون جواز العمل به مشروطا بالتبيّن سواء أفاد الظن أم لا بل و إن قام ظن على خلافه، و أين هذا من كون خبر العادل محرزا للواقع و واسطة في إثباته، نعم ربما يمكن استظهار جعل الطريقية من آية النفر و نحوها. هذا تمام الكلام في بعض الإشكالات الواردة على الاستدلال بآية النبأ، و العمدة منها هو الإشكال في ثبوت المفهوم من جهة معارضة التعليل له على ما عرفت مفصلا.

و قد اورد على الاستدلال بآية النبأ على حجيّة خبر العادل بوجوه أخر

245

ضعيفة لا يهمنا ذكرها من أراد الاطلاع عليها فليراجع المطولات.

[الاستدلال بآية النفر]

و من جملة الآيات التي استدلّ بها على حجيّة خبر العادل قوله تعالى‏ (1) في سورة البراءة فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ‏ و تقريب الاستدلال به منوط ببيان امور:

الأول: إنّ كلمة (لعل) في كلامه سبحانه و تعالى ليست بمعناها الحقيقي و منسلخة عنه قطعا و هي تدلّ على الغاية، و كون متلوها علة غائية لما قبلها سواء كان المتلو فعلا اختياريا أم قهريا.

الثاني: أنّ متلوّ (لعل) إن كان فعلا اختياريا قابلا لتعلق الطلب به فلا بدّ حينئذ من المطابقة بينه و بين ما قبل لعل في الحكم و التلازم بينهما في الحكم، إذ لا معنى لكون الغاية مستحبة و المغيى واجبا و كذا العكس، كما لا يخفى.

الثالث: أنّ تقابل الجمع مع الجمع يستلزم تقابل الآحاد مع الآحاد كقوله تعالى‏ (2) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ‏ فإنّ كلّ واحد يغسل وجهه، هذا مضافا إلى كون الأصل في الجمع هو الاستغراقية لا المجموعية، فإنّ الارتباطية و قيدية الاجتماع تحتاج ثبوتا إلى لحاظ مستقل و إثباتا إلى بيان كذلك، فمقتضى الأصل عدمه و كون الجمع استغراقيا بمعنى كون كلّ فرد بحياله موضوعا للحكم.

الرابع: أنّ الحذر تارة يراد به الخوف النفساني، و اخرى العمل الخارجي و هو المراد في الآية المباركة لوضوح كون النفر و التفقه و الإنذار لأجل العمل بالأحكام الشرعية دون مجرد إحداث الخوف النفساني، فإنّ العمل صالح لأن يكون غاية و غرضا لوجوب الإنذار و التفقه، دون الخوف المعرى عن العمل.

____________

(1) التوبة: 122.

(2) المائدة: 6.

246

إذا عرفت هذه الامور يتضح تقريب الاستدلال بالآية الشريفة، إذ المراد بصيغ الجمع من قوله تعالى‏ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا ليس تفقه جمع بهيئة الاجتماع و كذا الإنذار، فإذا نفر واحد في يوم السبت و أخر في يوم الإثنين و ثالث في يوم الأربعاء صدق نفر طائفة، و كذا في كيفية تفقههم و تعلمهم، فإذا شرع واحد منهم في التعلّم في شهر ربيع الأول و أخر في جمادي الاولى صدق أنّ جماعة تفقهوا في الدين و كذا في الإنذار، فإذا أنذر واحد في اليوم الفلاني و أخر في غير ذلك اليوم و هكذا صدق أنّ جماعة أنذروا الناس أو القبيلة.

و الحاصل أنّ الهيئة الاجتماعية لا دخل لها في شي‏ء من النفر و التعلّم و الإنذار، فإذا أنذر واحد من المتفقهين شخصا بمقتضى تقابل الجمع مع الجمع المستلزم لتقابل الفرد بالفرد، فيجب على المنذر بالفتح العمل لما تقدم من الملازمة بين الغاية إذا كانت فعلا اختياريا و بين المغيى في الحكم، و المفروض أنّ قوله تعالى (و لينذروا) يدلّ بظاهره على الوجوب، فلا بدّ أن يكون غاية وجوب الإنذار و هو الحذر أي العمل واجبا أيضا، إذ لا معنى لوجوب الإنذار و عدم حجيّته على المخاطب فلا محيص عن الالتزام بحجيّة إنذار المنذر سواء أفاد العلم للمنذر بالفتح أم لا فيثبت بهذه الآية الشريفة حجيّة قول العادل.

فإن قلت: إنّ مقتضى الإطلاق هو اعتبار قول المنذر مطلقا و إن كان فاسقا فتدلّ الآية على حجيّة خبر الواحد مطلقا.

قلت: نعم لكن يقيد الإطلاق بمنطوق آية النبأ الدال على عدم حجيّة خبر الفاسق، فتختص آية النفر بخبر العادل، هذا توضيح وجه الاستدلال بآية النفر على حجيّة خبر العادل ببيان لا يرد عليه الإشكال.

[بعض الإشكالات الواردة على الاستدلال بآية النفر]

و قد يستشكل في بعض مقدمات الاستدلال المزبور و هي دعوى الملازمة بين ما قبل الغاية و ما بعدها في الحكم بما حاصله: إنكار الملازمة المذكورة و عدم تسلمها

247

لوجود موارد النقض.

منها: وجوب إظهار النبوة حين البعث و وجوب دعوة الناس إلى نبوته مع عدم وجوب غايته و هي القبول و التصديق تعبدا، فمجرد وجوب المغيى لا يستلزم وجوب الغاية.

و منها: وجوب أداء الشهادة على الشاهد و حرمة كتمان الشهادة مع عدم وجوب غايته و هي حكم الحاكم إلّا بعد شهادة شاهد آخر.

و منها: وجوب بذل المال لحفظ النفس مع حرمة الأخذ على الاخذ كما إذا أراد ظالم قتله و توقف حفظه على بذل مال لذلك الظالم، فيجب عليه بذل المال مع عدم وجوب الأخذ بل حرمته، فيستكشف من هذه الموارد و نظائرها عدم الملازمة بين وجوب شي‏ء و بين وجوب غايته بل يمكن التفكيك، و مع إمكان التفكيك تكون الملازمة المزبورة التي انيط بها الاستدلال بآية النفر غير ثابتة، فينهدم أحد أركان الاستدلال بالآية الشريفة.

و لكنك خبير بما في الجميع.

أما الأول: فلأنّ الغاية فيه هي وجوب النظر على العباد لدفع الضرر المحتمل أو وجوب شكر المنعم و الفحص عن صدق دعواه و مطالبة المعجزة من مدّعي النبوة و لا إشكال في وجوب النظر و ليست غاية وجوب إظهار النبوة على النبي تصديق العباد له تعبدا حتى يقال بعدم وجوبه و بكونه دليلا على انفكاك الغاية عن المغيى في الحكم، بل الغاية و هي وجوب النظر ثابتة بلا إشكال فلم يلزم انفكاك بين الغاية و المغيّى في الوجوب كما لا يخفى.

و أما الثاني: فلأنّ الغاية في وجوب أداء الشهادة على كلّ من الشاهدين هي دخله في تحقق موضوع حكم الحاكم لا نفس الحكم حتى يقال بانفكاك وجوب المغيى عن الغاية و هي حكم الحاكم، ضرورة عدم وجوب الحكم على الحاكم بأداء

248

شهادة شاهد واحد، فالغاية لشهادة كلّ من الشاهدين هو الدخل في تحقق موضوع الحكم، و لا ريب في حصوله فلا انفكاك.

و أما الثالث: ففساده أوضح من أن يخفى، لأنّ الغاية في وجوب بذل المال هي حفظ النفس، و من المعلوم وجوبه، فيجب بذل المال لوجوب حفظ النفس، و ليست الغاية أخذ الظالم للمال الذي هو حرام بلا كلام حتى يلزم الانفكاك بين الغاية و المغيى في الحكم.

و الحاصل أنّه لا تنثلم الملازمة المزبورة بشي‏ء من الموارد المذكورة و غيرها، بل الملازمة ثابتة بحكم العقل من باب لزوم اللغوية لولاها، إذ لا معنى لوجوب شي‏ء لأجل شي‏ء مستحب أو مباح مثلا، فلا ينبغي الإشكال في ثبوت الملازمة بين الغاية و المغيّى في الحكم، و على هذا فيكون الحذر أي العمل بإنذار العادل واجبا و هو المطلوب.

فإن قلت: يمكن دفع اللغوية في مورد الآية الشريفة بأن يكون الإنذار رافعا للجهل العذري، بأن يصير موجبا للالتفات و سببا للفحص و السؤال ليحصل لهم العلم بصدق المنذرين فيعملون بعلمهم لا بقول المنذرين تعبدا، فيكون الإنذار موجبا لإعمال ما يوجب علمهم، و بالجملة فلما كانوا جاهلين بالأحكام، و الجهل يوجب العذر فوجب على المنذرين الإنذار حتى يلتفت الجاهلون فيتفحصون، فلا يقال: إنّه لو لم يجب الحذر أعني قبول قول العادل تعبدا لزم لغوية وجوب الإنذار، و ذلك لأنّ وجوب الإنذار يكون داعيا للمنذرين بالفتح على الفحص و التفتيش عن صدق الإنذار و كذبه، فلا يصير وجوب الإنذار لغوا بمجرد عدم وجوب القبول تعبدا.

قلت: لم تجعل الغاية في الآية المباركة إلّا الحذر و هو العمل و لم تجعل الفحص و النظر، فرتب الحذر على صرف الإنذار.

و ببيان أوضح: إنّ وجوب النظر من شئون وجوب النظر في المعجزة الذي‏

249

ثبت وجوبه عقلا لا سمعا حتى يترتب على إنذار المنذرين الذي هو من الأدلة السمعية، إذ المنذرون لا ينذرون إلّا بالروايات التي هي دليل سمعي و وجوب النظر يكون حكما مستقلا عقليا و لا يترتب على نقل الرواية مثلا.

فتلخص من جميع ما ذكرنا أنّه لا ينبغي الإشكال في الاستدلال بالآية الشريفة المذكورة من ناحية إنكار إحدى مقدماته و هي الملازمة بين الغاية و المغيى في الحكم.

نعم قد يناقش في الاستدلال بآية النفر من جهة اخرى و هي أنّ الآية تختص بالواعظين و لا تشمل الرواة الذين هم المقصودون بالأصالة، حيث إنّ ظاهر الآية هو الإخبار مع التخويف و الإنذار المختص بالواعظين و الناهين عن المنكر، و أما من يرشد الجاهل إلى الأحكام الشرعية بنقل الروايات فيكون خارجا عن مورد الآية الشريفة فلا تدلّ الآية على حجيّة روايات الآحاد، بل تدلّ على اعتبار الوعظ و النهي عن المنكر و الأمر بالمعروف و الفرق بين العناوين الثلاثة، أعني الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و إرشاد الجاهل و الوعظ هو أنّ الوعظ لا يقيد بشي‏ء، فإنّ الواعظ ينذر كلّ أحد جاهلا كان أم عالما و إرشاد الجاهل يكون في مورد الجهل بالوظيفة الشرعية و النهي عن المنكر يكون في ما يصح العقوبة عليه و مورده عدم كون الجهل عذرا كما إذا كان مقصرا في تعلّم الوظائف و غير مبال بارتكاب المنكر و ترك المعروف أو كان عالما بالوظيفة و مع ذلك يترك وظائفه، فإنّ النهي عن المنكر مورده هو ما إذا استحق الفاعل للمنكر و التارك للمعروف العقاب و بقية الكلام في هذا البحث في محلّه.

و كيف كان فهذه المناقشة أيضا واضحة الاندفاع، لأنّ الراوي للرواية ينذر أيضا، غاية الأمر أنّ إنذاره تارة يكون بالصراحة كما إذا روى أنّ الإمام (عليه السّلام) قال‏ (1) «من منع قيراطا من الزكاة فليمت ...»، أو من ترك الصلاة متعمدا فعليه كذا (2)،

____________

(1) وسائل الشيعة 9/ 33، الحديث 11453 «فليمت إن شاء يهوديّا و إن شاء نصرانيّا»

(2) وسائل الشيعة 4/ 42، الحديث 4466.

250

و اخرى يكون بالالتزام كما إذا روى أنّ الصلاة واجبة، فإنّ وجوب الصلاة يستلزم استحقاق العقاب على تركها عمدا، فالإنذار في الروايات و كذا في فتاوى المفتين موجود أيضا، فدعوى اختصاص آية النفر بحجيّة الوعظ و النهي عن المنكر و أخيه و عدم شمولها للروايات و الفتاوى في غير محلّها بل الآية شاملة للجميع.

و قد اورد على الاستدلال بآية النفر على حجيّة خبر العادل بوجوه أخر:

منها: أنّها أجنبية عن المدّعى و هو حجيّة روايات الآحاد، لأنّ قوله تعالى شأنه‏ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ‏ ظاهر في تعلّم الأحكام عن الأدلة الأربعة، فتكون الآية دليلا على حجيّة الفتوى، حيث إن نقل كلام الإمام (عليه السّلام) ليس بنفسه تفقها و اجتهادا في الدين، إذ من المعلوم أنّ غالب الرواة كانوا من سواد الناس و من غير أهل العلم، و لم يكن لهم قوة استنباط الأحكام من الروايات حتى يكونوا متفقهين في الدين، نعم كان بعضهم كزرارة و أضرابه فقهاء و مستنبطين للأحكام من الروايات التي سمعوها من الإمام (عليه السّلام)، و بالجملة فالآية الشريفة تختص بالفتوى و تكون دليلا على حجيّة آراء المجتهدين و جواز التقليد بل وجوبه، و أجنبية عن إثبات اعتبار الروايات.

و لكن يمكن دفعه بأنّ التفقه بمعنى التعلّم عن الأدلة اصطلاح خاص من الفقهاء، و لم يكن بهذا الاصطلاح مستعملا في زمان صدور الروايات التي منها الرواية (1) التي استشهد فيها الإمام (عليه السّلام) بهذه الآية الشريفة و هي قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) «اختلاف امتي رحمة» ثمّ سئل الراوي أنّ اختلافهم إذا كان رحمة فاتفاقهم عذاب، فأجابه الإمام (عليه السّلام) بأنّ المراد بالاختلاف اختلافهم في البلدان لتحصيل العلم، و ذكر الآية الشريفة فَلَوْ لا نَفَرَ ...، و الفقه كان في تلك الأزمنة و غيرها مستعملا في‏

____________

(1) وسائل الشيعة 27/ 141، الحديث 33425.

251

الفهم و العلم و من المعلوم أنّ تعلّم الأحكام في تلك الأعصار كان بنقل الروايات، و الأخبار المتعلقة بالأحكام وردت أكثرها بعبارات بسيطة واضحة المعاني حتى يفهمها السائل الذي كان من العوام، و من أهل اللسان، و إذا كان في كلامه (عليه السّلام) نوع خفاء و إجمال فهو (عليه السّلام) رفع إجماله و بيّن مرامه مع عدم التقية.

و الحاصل أن الآية بناء على هذا المعنى من التفقه يشمل الروايات كما لا يخفى لأنّ معنى الفقه لغة و عرفا هو الفهم و العلم، و مع الدوران بين المعنى العرفي العام و بين المعنى الاصطلاحي يقدّم ما عليه العرف العام و لا يعتنى بالعرف الخاص.

و منها: أنّ التعلّم من المقدمات، و قد تقرّر في بحث مقدمة الواجب عدم وجوب المقدمة شرعيا بل وجوبها عقلي من باب حكم العقل بلزوم الامتثال، و مع عدم وجوب التعلّم نفسيا لا يثبت وجوب القبول، فإنّ الواجب هو العمل و العلم مقدمة له و المقدمة ليست بواجبة، فليس شي‏ء من النفر الذي هو مقدمة التفقه و نفس التفقه و الإنذار و الحذر بواجب.

و فيه: أنّه لا مانع من وجوب التعلّم كما هو مقتضى ظاهر هذه الآية الشريفة و ما ذكرنا في مقدمة الواجب من عدم وجوب المقدمة شرعيا يختص بالمقدمات الوجودية التي يتوقف عليها وجود الواجب، فإنّ كلّ ما يقع في طريق وجود الواجب يجب عقلا تحصيله، لتوقف الامتثال عليه و كلّ ما يتوقف عليه الامتثال واجب عقلا بخلاف التعلم، فإنّه ليس ممّا يتوقف عليه وجود الواجب عقلا لإمكان الاحتياط و إيجاد الواجب من باب الاحتياط، فلا يتوقف وجود الواجب على التعلّم فيكون التعلّم حينئذ واجبا نفسيا فتدبر.

و منها: أنّ مبنى الاستدلال بالآية الشريفة على وجوب الحذر كان لوجوب الإنذار من باب الملازمة بين الغاية و المغيّى، و لم يثبت وجوب الإنذار لعدم كون (لينذروا) أمرا إذ اللام للغاية لا الأمر، فلا دليل على وجوب الإنذار حتى يقال‏

252

بوجوب غايته و هي الحذر.

و بالجملة فالكبرى و هي الملازمة بين الغاية إذا كانت فعلا اختياريا و المغيى في الحكم، و إن كانت مسلمة إلّا أنّ الصغرى و هي وجوب الإنذار غير ثابتة ليكون الحذر بسبب الملازمة واجبا.

و فيه: ما لا يخفى، ضرورة أنّ (لو لا) و إن كان موارد استعمالاتها كثيرة من التمني و التحضيض الذي هو الطلب بالزجر و الإزعاج و العرض الذي هو الطلب باللين، إلّا أنّ الغالب هو استعمالها في التحضيض كغلبة استعمال اللام في الملك، فحينئذ يكون النفر واجبا و التفقه و الإنذار غايتين له، فظاهر الآية الشريفة هو وجوب النفر المستلزم لوجوب غاياته من التفقه و الإنذار و الحذر، فلا يرد إشكال عدم وجوب الحذر لعدم وجوب الإنذار.

و منها: أنّ الآية لا تدلّ على حجيّة قول العادل راويا كان أو واعظا أو معلّما للأحكام بقول مطلق- أي سواء أفاد العلم بالواقع أم لا- فلعل حجيّة قول المنذر مختصة بما إذا أفاد العلم بالواقع بأن ينذر الطائفة كلّهم أو جلهم، و حينئذ يفيد قولهم العلم لأجل التواتر.

و فيه: أيضا ما عرفت من أنّ ظاهر الآية هو وجوب الحذر عند إنذار كلّ واحد من أفراد الطائفة بالانفراد، لا إنذار مجموع الطائفة، فمدلول الآية حينئذ هو وجوب الحذر على كلّ شخص عند إنذار واحد من الناظرين سواء كان قوله مفيدا للعلم بالواقع أم لا، و أيّ إطلاق أقوى من هذا الإطلاق إذ لو لم يكن الإطلاق مرادا لكان على المولى البيان بأن يقول: يحذرون إذا علموا بمطابقة قولهم للواقع، هذا كلّه مضافا إلى لغوية وجوب الحذر شرعا حينئذ إذ حجيّة الإنذار المفيد للعلم تكون عقلية لا شرعية.

و أما الجواب عن الإشكال بأنّ مقتضى حجيّة قول العادل و وسطيته في مقام‏