نتائج الأفكار في الأصول‏ / تقريرات - ج3

- السيد محمد جعفر الجزائري المزيد...
392 /
253

الإثبات هو كون الإنذار إخبارا عن الواقع فالمنذر به هو الواقع تعبدا، فلا معنى لأن يقال: إنّه مع عدم العلم بكون الإنذار تفقها في الدين و إخبارا عن الحكم الواقعي لا وجه لوجوب الحذر. و الحاصل أنّ وجوب العمل على المنذرين بالفتح منوط بإحراز مطابقة قول المنذر فتوى كان أم وعظا أم إرشادا للواقع، و مع عدم إحراز المطابقة للواقع و لكن لما كانت وسطية قول العادل لإحراز الواقع مقتضية لكون المنذر به هو الواقع فلا مسرح لهذا الإشكال.

ففيه: أنّ حجيّة قول العادل بمعنى الوسطية و المحرزية للواقع أوّل الكلام إذ المفروض الاستدلال بالآية المباركة مع الغض عن سائر الأدلة التي اقيمت على حجيّة خبر العادل و هذه الآية لا تدلّ على الوسطية، بل على وجوب العمل بقول العادل كما هو مبنى الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه)(1) من كون المستفاد من أدلة حجيّة خبر العادل هو الوجوب التكليفي، غاية الأمر أنّ هذا الوجوب طريقي شرع لحفظ الواقعيات‏ (2).

فالأولى في الجواب هو التمسك بإطلاق وجوب الحذر الشامل للعلم بمطابقة الإنذار للواقع و عدمه، و حمل الإطلاق على ما إذا أفاد الإنذار العلم بالواقع حمل للمطلق على الفرد النادر، فالمتعيّن الأخذ بالإطلاق.

و منع الإطلاق- بدعوى كون الآية في مقام وجوب العمل و مطلوبيته عقيب الإنذار في الجملة، و لا إطلاق فيها بالنسبة إلى وجوب الحذر مطلقا سواء أفاد الإنذار العلم أم لا، و المفروض أنّ المدّعى هو اعتبار خبر العادل إن لم يفد العلم و إلّا فحجيّته إن أفاد العلم ممّا لا كلام فيه- ممنوع لأنّ الآية مسوقة لبيان وجوب النفر على جماعة للتعلّم و الرجوع إلى قبائلهم لئلا يكونوا حيارى في وظائفهم الشرعية، فلو لم يكن‏

____________

(1) فرائد الاصول/ 25.

(2) نظير التوجيه الذي ذكره الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) لكلام صاحب الحاشية (قدّس سرّه) من أنّ مرجع القطعين إلى قطع واحد و هو أنّ الشارع أراد الواقعيات من هذه الطرق، فوجوب الأخذ بالأمارات يكون للوصول إلى الواقع.

254

قولهم حجة لم يكن إنذارهم رافعا لحيرة القبائل، فيكون إطلاق الآية ناظرا إلى هذه الجهة أيضا، فلا وجه لمنع الإطلاق من هذه الحيثية.

إلّا أن يقال: إنّ المنذر بالكسر بعد فرض عدالته لا يكون متعمدا للكذب قطعا فقوله موجب للعلم العادي النظامي بالواقع، فلا إطلاق في الآية بالنسبة إلى الإنذار غير المفيد للعلم و تكون الآية حينئذ إرشادا إلى طريقة العقلاء و هي اعتمادهم على ما يفيد الاطمئنان و سكون النفس، كما سيأتي في تقريب بناء العقلاء أنّ الأدلة التي اقيمت على اعتبار خبر العادل كلّها إرشاد إلى بناء العقلاء.

فالإنصاف أنّ الإطلاق المزبور لا يخلو عن المناقشة و الشك في الإطلاق كاف في عدم جواز الاستدلال بها كما لا يخفى.

و من هنا يظهر أنّ استفادة اعتبار أخبارنا التي وصلت إلينا بوسائط عديدة أشكل من استفادة اعتبار خبر ينقله الراوي بلا واسطة لجماعة، حيث إنّ احتمال مخالفته للواقع ضعيف، بخلاف ما إذا كان بوسائط، فإنّه بعدد كلّ واسطة يتطرق احتمال المخالفة، فإذا كان الوسائط خمسين يتطرق خمسون احتمالا و تراكم الاحتمالات يمنع عن شمول آية النفر له لعدم بناء العقلاء على اعتبار مثل هذا الخبر مع تراكم الاحتمالات، فتأمل جيدا.

فتلخص من جميع ما ذكرنا أنّ آية النفر لم تنهض لإثبات حجيّة خبر العادل غير المفيد للعلم كما أنّ آية النبأ لم تنهض لذلك لأجل معارضة عموم التعليل لمفهومها كما تقدم فتأمل جيدا.

[الاستدلال بآية الكتمان‏]

و من جملة الآيات التي استدلّ بها على حجيّة خبر العادل قوله تعالى‏ (1) إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَ الْهُدى‏ مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ‏.

____________

(1) البقرة: 159.

255

و حاصل تقريب الاستدلال به: أنّ وجوب الإظهار أو حرمة الكتمان يستلزم وجوب القبول و إلّا يلغو وجوب الإظهار إذ لا معنى له مع عدم وجوب القبول، فلا بدّ حفظا لجعل وجوب الإظهار عن اللغوية من الالتزام بوجوب القبول و هو المطلوب.

و الإشكال عليه نظير ما تقدم في آية النفر من عدم الإطلاق، إذ يمكن أن يكون وجوب الإظهار لأجل الالتفات حتى يجب على السامع تحصيل العلم بالواقع بكثرة السؤال.

و يؤيده مورد الآية، فإنّ المراد علماء أهل الكتاب، فإنّه يجب عليهم إظهار ما عثروا عليه في الكتب السماوية من صفات النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) مع عدم وضوح حجيّة قولهم تعبدا، لعدم جواز الاكتفاء في النبوة بالظن بل يجب على علمائهم إظهار ما عندهم من الآيات و البينات ليحصل لغيرهم العلم بالحق، فهذه الآية كسابقتها في عدم الدلالة على المدّعى، و نظير هذه الآية- أي آية الكتمان- كلّ آية تتضمّن حرمة الكتمان و وجوب الإظهار كآيتي كتمان الشهادة (1) و كتمان النساء (2) ما في أرحامهن، فيقال في هذه الآيات بأنّ وجوب الإظهار مساوق لوجوب القبول.

و يرد عليه: أنّ وجوب الإظهار يمكن أن يكون لرجاء وضوح الحقّ من تعدّد المظهرين لا حجيّة قولهم تعبدا فلا إطلاق في هذه الآية يشمل حجيّة قولهم تعبدا.

[الاستدلال بآية فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ]

و من جملة الآيات التي استدلّ بها على حجيّة خبر العادل الواحد قوله تعالى في سورة النحل‏ (3) وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ‏.

تقريب الاستدلال بها أنّ وجوب السؤال يستلزم حجيّة قول المسئول، و إلّا

____________

(1) البقرة: 283.

(2) البقرة: 228.

(3) النحل: 43.

256

يلزم لغوية وجوب السؤال و مقتضى إطلاق وجوب القبول على السائلين هو الوجوب و إن لم يفد قول المسئول العلم للسائل.

و فيه: أنّ الظاهر بقرينة السياق إرادة علماء أهل الكتاب كما عن بعض التفاسير، فلا تدلّ على حجيّة قول العادل الواحد، إذ لم يفد العلم، و مع الغض عن السياق فقد ورد في الأخبار (1) أنّ المراد بأهل الذكر هم الائمة (صلوات اللّه عليهم أجمعين) و على كلا التقديرين لا تدلّ الآية على المدّعى، و مع قطع النظر عن التفاسير الواردة في الآية كما هو كذلك ضرورة كون تلك التفاسير أخبار آحاد و لا يمكن النظر إليها في مقام الاستدلال على حجيّة أخبار الآحاد للزوم الدور، فإنّ حجيّة تلك التفاسير منوطة باعتبار خبر الواحد و هو أوّل الكلام تكون الآية إرشادا إلى أمر فطري ارتكازي و هو رجوع الجاهل إلى العالم، و من المعلوم كما سيأتي بيانه إن شاء اللّه تعالى عدم استقرار بناء العقلاء على التعبد و العمل بقول الغير مع الشك، فعلى كلّ حال لا تكون آية السؤال دالة على حجيّة خبر العادل غير العلمي فتأمل جيدا.

[الاستدلال بآية الاذن‏]

و من جملة الآيات التي استدلّ بها على حجيّة خبر العادل قوله تعالى في سورة البراءة (2) وَ مِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَ يَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ‏.

تقريب الاستدلال بها أنّه سبحانه و تعالى مدح نبيه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بأنّه يصدق المؤمنين، فإذا كان التصديق حسنا كان واجبا.

و فيه: أنّ المراد بقوله تعالى اذن خير لكم إن كان سريع التصديق و الاعتقاد فيكون التصديق لأجل حصول العلم و الاعتقاد له (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، فتصير الآية حينئذ أجنبية عن المدّعى، ضرورة كون التصديق و العمل لأجل العلم لا تعبدا كما هو

____________

(1) وسائل الشيعة 27/ 63، الحديث 33205 و كذا بعض أحاديث هذا الباب.

(2) التوبة: 61.

257

المدّعى، و لكن يبعّد هذا الاحتمال أنّه يلزم حصول العلم بالمتناقضات و المتضادات، حيث إنّ واحدا يذكر عنده (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أنّ فلانا قد تكلّم فيك بكذا و كذا، ثمّ يجي‏ء ذلك الفلان و يقول ما قلت فيك بذلك أصلا بل قلت فيك بشي‏ء آخر يضاده، فتصديق هذين الكلامين بمعنى العلم بهما يكون علما بالمتضادين فيدور الأمر بين إرادة التصديق الصوري بأن لا يكذب أحدا من المخبرين و بين التصديق الحقيقي بمعنى ترتيب الأثر، و لا وجه لإرادة الأخير لمنافاته لقوله تعالى‏ وَ يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ‏، فإنّ اللام في قوله للمؤمنين للانتفاع و لا يتحقق الانتفاع للجميع إلّا بالتصديق الصوري و عدم تكذيبهم، إذ لو كان المراد التصديق الحقيقي أعني ترتيب الأثر لا يكون ذلك نفعا للجميع بل لخصوص المخبر، فإذا أخبر زيد بأنّ عمروا ارتكب حراما يوجب الحد مثلا و أجرى (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) الحد على عمرو فيكون هذا التصديق خيرا لزيد لأجل متابعة قوله و شرا لعمرو، مع أنّ ظاهر الآية كونه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) اذن خير للجميع، فلا بدّ من إرادة التصديق الصوري من قوله تعالى: وَ يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ‏، و من المعلوم أنّ هذا المعنى أجنبي عن المدّعى الذي هو العمل بقول العادل تعبدا و ترتيب الأثر عليه خارجا فالتصديق الصوري الذي هو عدم تكذيب المخبر صورة أجنبي عن المدّعى، فالاستدلال بآية الاذن على ما نحن فيه لا وجه له.

ثمّ إنّه لا وجه لتتميم الاستدلال بهذه الآية أو تأييده بما ذكره‏ (1) الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) من قضية اسماعيل‏ (2)، و نمّ المنافق على النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)(3)، و ذلك لأنّ توضيح الاستدلال المزبور بروايات الآحاد لا تحسن إلّا بعد إثبات حجيّة خبر الواحد و هو أوّل الكلام و يكون ذلك دوريا كما لا يخفى.

____________

(1) فرائد الاصول/ 83.

(2) الكافي 5/ 299، الحديث 1.

(3) بحار الانوار 22/ 95، الحديث 48.

258

فتلخص ممّا ذكرنا أنّ آية الاذن كسائر الآيات المتقدمة لا تصلح لإثبات حجيّة خبر الواحد، نعم آية النفر أوضح دلالة و أقل إشكالا من غيرها من الآيات، و ذلك لأنّه لا خدشة فيه إلّا من ناحية إطلاق وجوب الحذر بقول مطلق بمعنى وجوبه على المنذر بالفتح على كلّ حال أفاد العلم أم لا، فإنّ الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه)(1) قد منع إطلاقها بأنّ الإمام (عليه السّلام)(2) استشهد بها على وجوب النفر إلى المدينة لتعيين الإمام اللاحق إذا ارتحل الإمام السابق (عليه السّلام)، و من المعلوم أنّ تعيين الإمام لا بدّ و أن يكون بالعلم دون الظن، فوجوب الحذر حينئذ يكون في صورة العلم فقط فلا إطلاق في الآية يشمل صورة عدم حصول العلم.

و لكن يمكن أن يقال أولا: أنّ ملاحظة الاستشهاد المزبور يخرج الاستدلال عن التمسك بالكتاب إلى السنة.

و ثانيا: أنّ صحّة تتميم الاستدلال بالرواية التي استشهد فيها الإمام (عليه السّلام) بآية النفر موقوفة على حجيّة خبر الواحد لأنّ تلك الرواية من أخبار الآحاد، و يكون ذلك دوريا كما عرفت نظيره آنفا.

فالأولى الإشكال في الإطلاق، بأنّه لم يحرز إطلاق آية النفر من حيث وجوب الحذر مطلقا لعدم إحراز البيان من هذه الجهة، بل جهة البيان هي وجوب النفر و الإنذار لئلا يكون العباد في حيرة و ضلالة و ليعلموا بوظائفهم، أما كون العمل بأخبار المنذرين تعبدا فذلك غير ثابت فلا إطلاق حتى يتمسك به.

و أما الإشكال على آية النفر بأنّ الإنذار لا بدّ و أن يكون بما تفقهوا فيه و المنذر بالفتح لا يحرز ذلك فلا يجب عليه الحذر، و لا يجوز التمسك حينئذ بالآية لإثبات وجوب الحذر لكونه من التشبث بالعام في الشبهة المصداقية.

____________

(1) فرائد الاصول/ 79.

(2) الكافي 1/ 379، الحديث 3.

259

ففيه أولا: النقض بالأمارات فإنّ الأمارة الواجبة العمل هي خصوص المطابقة للواقع و هي غير محرزة، فلا يجب العمل بها مع عدم إحراز المطابقة.

و ثانيا: بالحل و هو أنّ إطلاق وجوب العمل بقول المنذر بعد أن قيد بمنطوق آية النبأ و اختص بالعادل و من المعلوم أنّه لا يتعمد الكذب قطعا، فينحصر احتمال المخالفة في احتمال الغافلة و النسيان فتجري الاصول العقلائية، هذا تمام الكلام في الاستدلال بالكتاب، و قد عرفت أنّ الأحسن منها هو آية النفر و هي صارت محلا للتأمل و الإشكال و اللّه تعالى هو العالم. هذا تمام الكلام في الاستدلال بالكتاب العزيز.

[الاستدلال بالسنة على حجية الخبر الواحد]

و أما السنة: فيمكن التمسك بطوائف منها:

[تقريب الاستدلال بالأخبار]

[الطائفة] الاولى: ما دلّ على حكم الخبرين المتعارضين من الترجيح بالمرجحات‏

المنصوصة من الشهرة و مخالفة العامة و موافقة الكتاب و التخيير مع فقدها، فإنّ كلّ واحدة من روايات هذه الطائفة و إن لم تكن متواترة إلّا أنّ القطع بصدور بعضها إجمالا موجود فتكون متواترة إجمالا، فلا يرد الإشكال بأنّ الاستدلال بخبر الواحد على حجيّة أخبار الآحاد غير مستقيم لكونه دوريا.

[الطائفة] الثانية: الطائفة الدالة على إرجاع بعض الأصحاب إلى بعض الرواة

كالأمر بالرجوع إلى زرارة كقوله (عليه السّلام)(1) «إذا أردت حديثا فعليك بهذا الجالس» مشيرا إلى زرارة، و ما ورد (2) في الرجوع إلى محمّد بن مسلم و زكريا بن آدم و أبان بن تغلب و يونس بن عبد الرحمن و غيرهم.

[الطائفة] الثالثة: الطائفة الدالة على الحث على حفظ أربعين حديثا

المروية في كتب‏

____________

(1) وسائل الشيعة 27/ 143، الحديث 33434.

(2) وسائل الشيعة 27/ راجع الباب 11 من أبواب صفات القاضي.

260

الفريقين مع الاختلاف في الجار، فإنّ المروي بطرقنا (1) «من حفظ على امتي أربعين حديثا ...»، و بطرقهم‏ (2) «من حفظ من امتى أربعين حديثا»، فالاختلاف في الجار و قد استعمل كلمة على بمعنى اللام، و كيف كان فلا يبعد التواتر الإجمالي في هذه الطائفة.

[الطائفة] الرابعة: الطائفة الآمرة بتعلّم الأحاديث و تعليمها (3).

[الطائفة] الخامسة: ما دلّ‏ (4) على كون قدر الراوي و شأنه بمقدار ما حفظه و تحمله من الروايات‏

. هذا محصّل ما يستفاد من الروايات من حيث اللسان.

أما تقريب الاستدلال بالطائفة الاولى:

فهو أنّ الترجيح فرع حجيّة كلّ من ذي المرجح و المزية و فاقدها لو لا التعارض كما ينبئ عنه قول الراوي في بعض تلك الروايات: «بأيّهما نعمل» (5) لدلالته على حجيّة أحدهما في ظرف التعارض و لكن لا يدري خصوصية أحدهما من حيث الحجيّة لأجل التعارض، فالتعارض أوجب الحيرة و السؤال عن تعيين الحجة و إلّا لكان كلّ منهما مشمولا لدليل الاعتبار، و في ظرف التعارض يسأل عن تعيين الحجة إذ مع التنافي لا يمكن اعتبار كليهما، ففي الترجيح بالأصدقية و الأفقهية و نحوهما من صفات الراوي بناء على الترجيح بالصفات في الخبرين المتعارضين و عدم اختصاص الترجيح بها بالحكمين المتعارضين يكون الترجيح في غير معلوم الصدور، و كذا في الترجيح بالشهرة فإنّ الترجيح بها يكون أيضا في الخبر غير المعلوم‏

____________

(1) وسائل الشيعة 27/ أحاديث الباب 8 من أبواب صفات القاضي، الحديث 58 و 82 و بهذا المضمون روايات أخر في هذا الباب.

(2) وسائل الشيعة 27، الباب 8 من أبواب صفات القاضي، الحديث 60 و 62 و 71.

(3) وسائل الشيعة 27/ 92، الحديث 33297.

(4) وسائل الشيعة 27/ 138، الحديث 33418.

(5) وسائل الشيعة 4/ 367، الحديث 5409 و 27/ 118، الحديث 33364

261

صدوره، فيستفاد من الترجيح بصفات الراوي و الأشهرية كون خبر الواحد الذي لم يعلم بصدوره حجة، غاية الأمر أنّه في ظرف التعارض تكون الحجة خصوص المشتمل على المرجح.

و في الترجيح بمخالفة العامة يكون مضمون الخبرين غير معلوم المطابقة للواقع سواء كانا معلومي الصدور أم لا، فإنّ الترجيح بمخالفة العامة ترجيح مضموني يعم معلومي الصدور و مظنونيه، فإن كانا مقطوعي الصدور يكون السؤال عن تعيين الحجة و يصير المقام من اشتباه الحجة باللاحجة لا من باب تعارض الخبرين الجامعين لشرائط الحجيّة لو لا التعارض، و كذا الترجيح بموافقة الكتاب، فإنّ مخالف الكتاب مخالفة تباينية غير صادر كما هو مقتضى قولهم‏ (1) (صلوات اللّه عليهم)، ما خالف قول ربنا لم نقله أو زخرف و باطل و نحو ذلك، فالخبر المخالف ليس فيه اقتضاء الحجيّة حتى يكون التعارض مانعا عن حجيّته بل لو لم يبتل بالمعارض لم يكون حجة أيضا فيكون الأخذ بموافق الكتاب أجنبيا عن ترجيح أحد الخبرين المتعارضين اللذين فيهما اقتضاء الحجيّة و يكون من تشخيص الحجة عن غيرها.

و الحاصل: أنّ الترجيح بصفات الراوي و الشهرة يدلّ على حجيّة خبر الواحد غير العلمي، و أما موافقة الكتاب فهي أجنبية عن باب الترجيح، و أما مخالفة العامة فيمكن أن تكون في معلومي الصدور و أن تكون في غيرهما، فلعل الترجيح بها يكون من تشخيص الحجة عن غيرها و أنّ مورده هو الخبران المعلوم صدورهما، فلا يدلّ على اعتبار خبر الواحد غير العلمي.

و بالجملة فالاستدلال بالأخبار العلاجية على حجيّة خبر الواحد غير المعلوم الصدور متجه في خصوص الترجيح بالصفات و الشهرة الراجع إلى عدم العلم‏

____________

(1) وسائل الشيعة 27/ 58، الحديث 33188 و 27/ 110، الحديث 33343.

و 27/ 111، الحديث 33347 و 27/ 119، الحديث 33368.

262

بالصدور على إشكال في الترجيح بالشهرة، لاحتمال كون الشهرة في الرواية موجبة لتواترها فتكون حينئذ معلومة الصدور.

لكنه مندفع بأنّه مع العلم بالصدور لا وجه لترجيحه على الشاذ النادر إذ لا مقتضى لحجيّة الشاذ حينئذ فتأمل.

أما في الترجيح بمخالفة العامة فيمكن القطع بصدور الخبرين و مع ذلك يرجح ما خالف العامة على ما وافقه، إذ لا تنافي بين القطع بصدورهما بعد صدور ما وافق الجماعة تقية، فالترجيح بمخالفة العامة لا يدّل على حجيّة خبر الواحد غير العلمي كما هو واضح.

و أما في الترجيح بموافقة الكتاب، فإن كان المخالف للكتاب مخالفا له مخالفة تباينية فيخرج الخبران عن باب التعارض و يندرجان في تشخيص الحجة عن غيرها، و إن كان بالعموم و الخصوص يكون موافقة الكتاب مرجحة لأحد الخبرين، فالترجيح بموافقة الكتاب يدلّ أيضا بالإطلاق على حجيّة خبر الواحد غير المعلوم الصدور.

إذا عرفت الطوائف المزبورة يقع الكلام في دلالتها على المدّعى، و هو اعتبار خبر الواحد غير العلمي فنقول:

أما الطائفة المتكفلة للترجيح في الأخبار المتعارضة فالعمدة منها هي المقبولة (1) التي تلقاها الأصحاب بالقبول و استندوا إليها في ولاية الفقيه العادل و حرمة نقض حكمه و كون الرد عليه ردا على المعصوم (صلوات اللّه عليه)، و كذا في الترجيح في الحكمين المتعارضين و الخبرين المتنافيين، و استناد المشهور إليها يوجب العلم العادي بصدورها فتخرج المقبولة عن خبر الواحد غير العلمي، فلا يرد أنّ‏

____________

(1) وسائل الشيعة 27/ 106، الحديث 33334.

263

الاستدلال بها على حجيّة الخبر غير المعلوم الصدور مستلزم للدور.

و كيف كان فالأولى في تقريب دلالتها على اعتبار الخبر غير المعلوم الصدور هو أنّ ترجيح أحد الحكمين المختلفين الذي يكون مستنده الحديث كما يومئ به قولهم:

(حديثنا) يستلزم حجيّة الخبر، إذ المرجحية فرع الحجيّة فلا يمكن أن يكون الحكم حجة لأجل الحديث مع عدم كون الحديث الذي هو مستند الحكم حجة، فبالملازمة القطعية تثبت حجيّة الحديث، و لما كان الإمام (عليه السّلام) في مقام بيان الوظيفة و احتياج السائل إلى البيان لكونه في مقام العمل و أطلق (عليه السّلام) الحديث الذي يكون مدرك الحكم و لم يبيّن أنّ الحديث لا بدّ أن يكون صحيحا أو موثقا فمقتضى الإطلاق هو اعتبار الحديث مطلقا سواء علم بصدوره أم لا، و صحيحا كان أم غيره إلّا ما خرج بالدليل.

و أما دلالة الطائفة الدالة على الحث على حفظ أربعين حديثا، و الطائفة المرغبة في تعليم الأحاديث و تعلمها و الطائفة الدالة على كون منازل الرواة بمقدار ما تحملوه من الروايات على حجيّة خبر الواحد غير العلمي، فهي أنّ الروايات لو تكن معتبرة و كان وجودها كعدمها فما الداعي إلى الحث و الترغيب في حفظها بالكتب أو غيره، خصوصا بعد النظر إلى قوله (عليه السّلام) في بعض أخبار حفظ أربعين حديثا (من حفظ على امتي أربعين حديثا ينتفعون بها بعثه اللّه يوم القيامة فقيها عالما)، فإنّ مفاده الحفظ النافع للامة و هو ليس إلّا مع الحجيّة، و كذا التعليم و التعلم، فإنّه مع عدم حجيّتها لا داعي إلى صرف العمر في تحصيل ما لا أثر له و لا فائدة فيه، فإنّ الترغيب في مثل ذلك لا يصدر عن العاقل فضلا عن المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى. و كذا تحديد قدر الرواة و منازلهم، فإنّ تحديد الشأن و الشرف بما لا فائدة فيه لا معنى له بل لا بدّ أن تكون الأحاديث حجة و ضبطها إحياء للدين حتى يناسب تحديد الشأن و المنزلة بها.

264

فالمتحصل من هذه الروايات المنقسمة إلى طوائف ثلاث أنّ الحديث حجة و إن لم يعلم بصدوره.

و أما الأخبار الإرجاعية فهي على قسمين:

أحدهما: ما يكون لسانه عاما كقوله (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) كما في خبر الاحتجاج‏ (1): «و أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنّهم حجتي عليكم و أنا حجة اللّه» بتقريب: أنّ المراد بالحوادث هي الامور المتعلقة بالأحكام الشرعية لا الامور الراجعة إلى السلطنة، لأنّ الأعداء غصبوا جميع ما لهم (عليهم السّلام) فالسائل الذي يكون له حاجة في ما يسأله عن الإمام المنتظر (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف و صلى عليه و على آبائه الطاهرين) يسأل عن الامور المتعلقة بالدين و أجابه بلزوم الرجوع إلى رواة الأحاديث و لو كان المعتبر خصوص الحديث المتواتر أو صنفا خاصا من أصناف خبر الواحد كالخبر الصحيح لكان على الإمام (عليه السّلام) بيانه، لأنّه (عليه السّلام) في مقام البيان و يكون السائل محتاجا إلى بيانه (عليه السّلام) فعدم التعرض لحجيّة قسم خاص من خبر الواحد يدلّ على حجيّة خبر الواحد و إن لم يفد العلم و نحوه غيره من الروايات.

ثانيهما: ما يكون بلسان الخصوص كقول العسكري‏ (2) (صلوات اللّه تعالى‏ عليه) في الرجوع إلى كتب بني فضال «خذوا ما رووا و ذروا ما رأوا» فإنّ دلالته على اعتبار رواياتهم في غاية الظهور و ما ورد (3) في وجوب قبول روايات زرارة و عدم جواز ردها، و ما ورد (4) في الإرجاع إلى الثقفي يعني محمّد بن مسلم و ما ورد (5)

____________

(1) وسائل الشيعة 27/ 140، الحديث 33424.

(2) وسائل الشيعة 27/ 102، الحديث 33324 و 27/ 142، الحديث 33428.

(3) وسائل الشيعة 27/ 143، الحديث 33434.

(4) وسائل الشيعة 27/ 144، الحديث 33438.

(5) وسائل الشيعة 27/ 142، الحديث 33430.

265

في إرجاع شعيب العقرقوفي بعد السؤال عمن يرجع إليه من قوله (عليه السّلام) «عليك بالأسدي» يعني أبا بصير، و ما ورد (1) في إرجاع علي بن المسيب بعد السؤال عمن يرجع إليه في معالم الدين من قوله (عليه السّلام) له «عليك بزكريا بن آدم المأمون على الدين و الدنيا» و ما ورد (2) في الإرجاع إلى العمري من التعليل بقوله (عليه السّلام) «فإنّه الثقة المأمون» و ما ورد في الإرجاع إليه و إلى ابنه من التعليل بقوله (عليه السّلام) «فإنهما الثقتان المأمونان».

و دلالة هذه الطائفة (3) على حجيّة الخبر غير العلمي في غاية الوضوح إلّا أنّ كلّ واحدة منها لما كانت خبرا واحدا لم يصح الاستدلال بها.

لكن قد عرفت تواترها إجمالا، فلا بدّ حينئذ من الأخذ بالمتيقن الاعتبار منها و ذلك هو الخبر الذي يكون راويه في كلّ طبقة إماميا عدلا مزكى بتزكية عدلين فإنّه المتيقن الاعتبار، و حينئذ إن كان مثل هذا الخبر موجودا في الطوائف المزبورة و كان مضمونه حجيّة كلّ خبر ثقة نقول: بأنّ الحجة هو الخبر الموثوق بصدوره، و المفروض وجوده و هو خبر الإرجاع إلى العمري‏ (4) المشتمل على التعليل بقوله (عليه السّلام): «فإنّه الثقة المأمون»، فإنّ هذا التعليل من العلة المنصوصة، فتلغى خصوصية المورد و يحكم بأنّ خبر الثقة حجة سواء كان عدلا أم لا، بل و إن كان غير

____________

(1) وسائل الشيعة 27/ 146، الحديث 33442.

(2) وسائل الشيعة 27/ 138، الحديث 33419.

(3) وسائل الشيعة 27/ الباب 11 من أبواب صفات القاضي.

(4) روى ذلك في الوسائل عن محمّد بن يعقوب عن محمّد بن عبد اللّه الحميرى و محمّد بن يحيى جميعا عن عبد اللّه بن جعفر الحميري عن أحمد بن اسحاق عن أبي الحسن (عليه السّلام) قال و سألته و قلت من اعامل و عمن اخذ و قول من أقبل؟ فقال (عليه السّلام): العمرى ثقتي فما أدى إليك عني فعنى يؤدي فاسمع له و أطع فإنّه الثقة المأمون قال: و سألت أبا محمّد (عليه السّلام) عن مثل ذلك فقال (عليه السّلام):

العمرى و ابنه ثقتان فما أديا إليك عني يؤديان ... فإنّهما الثقتان المأمونان.

و السند صحيح بحسب الاصطلاح أي الراوي في كلّ طبقة إمامي عدل.

266

إمامي لكن كان ثقة في الحديث بحيث إذا أخبر بخبر كان إخباره موجبا للقطع الوجداني أو العادي النظامي بمطابقة خبره للواقع، و من هنا نتعدى عن حجيّة خبر العدل الإمامي إلى خبر الثقة الذي لم يكن إماميا، فالمدار حينئذ على الوثوق بالصدور لا عدالة المخبر، و اللّه العالم.

و كيف كان فقد تلخص من جميع ما ذكرنا أنّ الأحسن في مقام الاستدلال على حجيّة خبر الواحد غير العلمي ممّا تقدم من الكتاب و السنة هو ما عرفت من طوائف السنة الدالة على حجيّة خبر الواحد كدلالة المقبولة بالتقريب المتقدم و غيرها.

[الاستدلال بالإجماع على حجية خبر الواحد]

و أما الإجماع فقد ادّعي اتفاق العلماء في كلّ عصر من الأعصار على العمل بما بأيدينا من الروايات أو برواياتنا المروية بطرقنا أو غيرهما من التعبيرات، بداهة أنّ كلّ فقيه يستند في مقام الاستنباط إلى هذه الروايات لعدم وفاء آيات الأحكام و الأخبار المتواترة بمعظم الفقه بالضرورة، فالعمل أعني استنباط الأحكام من هذه الروايات ممّا لا إشكال فيه.

فإن قلت: أنّ دعوى الإجماع على حجيّة الأخبار تنافي دعوى السيد المرتضى (قدّس سرّه)(1) الإجماع على كون خبر الواحد كالقياس و عدم الحجيّة.

قلت: فيه أولا: أنّ غرض السيد (قدّس سرّه) ليس نفي حجيّة أخبارنا، كيف و هو ممن يعمل بها لاستناده في مقام الاستنباط إلى رواياتنا، بل غرضه نفي اعتبار خبر الواحد المروي من غير طرقنا أو الروايات الموضوعة كالخبر الذي نسبه أبو بكر إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في منع الطاهرة الزكية (صلوات الله عليها) عن إرثها، فإنّ ذلك الخبر لم يكن ردّه ممكنا إلّا بإبراز عدم حجيّة أخبار الآحاد عندنا.

و ثانيا: أنّ الإجماع الذي ذكره السيد (قدّس سرّه) حدسي لا حسّي، لعدم إمكان كونه‏

____________

(1) وسائل الشريف المرتضى: المجموعة الاولى/ 24؛ المجموعة الثالثة/ 309.

267

حسّيا مع مخالفة المشهور، و الإجماع الحدسي لا عبرة به فدعوى الإجماع على حجيّة الأخبار لا بأس بها، لكن لا تجدينا، لأنّ الإجماع المجدي هو ما لا يكون تقييديا فإذا كان تقييديا فلا يجدي شيئا لأنّه لا يكون حينئذ من الإجماع التعبدي الكاشف قطعا عن قول المعصوم (عليه السّلام).

و من المعلوم أنّ العاملين بالأخبار بين من يعمل بها لأجل دلالة مفهوم آية النبأ على حجيّتها أو دلالة غيرها من الآيات أو الروايات عليها، و بين من يعمل بها لاحتفافها بالقرائن القطعية كما عن السيد (قدّس سرّه)، و بين من يعمل بها لأجل الانسداد كبعض الاصوليين و بعد اعتماد المجمعين على هذه الوجوه في اعتبار خبر الواحد لا يكون الإجماع تعبديا، و مع عدم تمامية هذه الوجوه التي هي مدارك حجيّة الخبر كيف يصح الاعتماد على الإجماع.

[الاستدلال على حجية خبر الواحد بالسيرة]

و قد يستدلّ على حجيّة أخبارنا بالسيرة.

و فيه: عدم ثبوت السيرة على حجيّة جميع ما بأيدينا من الأخبار، كيف يكون الأمر كذلك مع احتياج أكثر رواياتنا إلى نقد السند، و قل من يعتقد بصحة جميع روايات الكافي أو الفقيه.

[الاستدلال على حجية خبر الواحد ببناء العقلاء]

نعم لا باس ببناء العقلاء بما هم عقلاء على حجيّة خبر الثقة من دون تفاوت في ذلك بين كونهم من أرباب الأديان و غيرهم، فإنّ السيرة العقلائية قد استقرت قديما و حديثا على العمل بخبر الثقة بلا إشكال، و لم يردع عنها الشارع بل أمضاها و أرشد إليها كما عرفت في الطائفة المتضمّنة لاعتبار خبر الثقة و المعللة ذلك بكون الراوي أمينا و ثقة.

و بالجملة فلا إشكال في تحقق السيرة من الصدر الأول إلى يومنا هذا على العمل بهذه الأخبار المدوّنة في الكتب المعتبرة التي يرويها الثقات، و دعوى كون العمل بها عندهم لأجل القطع بصدورها مجازفة إن اريد بها القطع الوجداني، و من‏

268

يدّعي ذلك كالسيد المرتضى (قدّس سرّه) لا بدّ من إرادة القطع العادي النظامي المعبر عنه بالاطمئنان الذي لا تزلزل للنفس معه، و إن كان احتمال الخلاف في لوح النفس موجودا لكنه لضعفه لا يؤثر و لا يوجب التوقف عن العمل و يكون وجوده كالعدم، و لا بدّ من إرادة السيد المرتضى (قدّس سرّه) لهذا المعنى، حيث إنّ بناء العقلاء على العمل بخبر الثقة لأجل إفادته العلم العادي لا لأجل إفادته مجرد الظن لعدم بناؤهم على العمل بالظن و الشك، فوجه العمل بأخبارنا ليس إلّا لأجل الوثوق بصدورها الناشئ من وثاقة الرواة فعملهم بالروايات مع عدم حجيّة القياس عندهم- لأجل ردع الشارع عنه- يكشف عن كون العمل بالروايات مرضيا عند المعصوم و إلّا كان عليه ردعه كردعه (عليه السّلام) عن القياس.

فإن قلت: إنّه يكفي في الردع الآيات الناهية عن العمل بالظن.

قلت: إنّ تلك الآيات أجنبية عن ذلك لأنّ المفروض حصول العلم العادي بخبر الثقة الذي استقرت على العمل به سيرة المتشرعة و العقلاء، فليس خبر الثقة موجبا للظن حتى يكون العمل به عملا بالظن، فالآيات الناهية عن العمل بغير العلم غير مرتبط بخبر الثقة. فالمتحصل أنّ خبر الثقة سواء كان ذلك الثقة عدلا إماميا أم غيره يكون حجة.

فإن قلت: إنّ خبر العدل الإمامي لا بأس به أما خبر الفاسق فلا عبرة به و إن كان ثقة لمنطوق آية النبأ، فإنّه ينفي اعتبار خبره و يوجب التبيّن فيه.

قلت: إنّ خبر الثقة خارج عن المنطوق لأنّ العمل به ليس بالجهالة بل بالعلم، فهو مستبين و لا معنى للتبيّن و الفحص عنه، إذ الفحص لأجل حصول العلم و هو حاصل بنفس وثاقة المخبر.

فتلخص ممّا ذكرنا أنّه لا إشكال في بناء العقلاء على اعتبار خبر الثقة و كونه في نظرهم طريقا و كاشفا عن الواقع، و أنّ هذه السيرة العقلائية التي عليها المتشرعة ممّا

269

لم يردع عنها الشارع بل أمضاها بما تقدم من الروايات التي يظهر منها كون اعتبار خبر الثقة مفروغا عنه عندهم و كان السؤال عن وثاقة الراوي فتكون الروايات بل الآيات إرشادا إلى طريقة العقلاء لا أنّها في مقام جعل حكم من الطريقية في مقام الإثبات أو الحجيّة أو وجوب العمل بالأخبار كما عليه الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه)(1).

فتحصل من جميع ما ذكرنا أنّ خبر الثقة سواء كان ذلك الثقة إماميا أي اثنى عشريا أم غيره من فرق الشيعة من الزيدية و الفاطمية و غيرهما أم عاميا يكون حجة للوثوق بصدور مضمونه، فخبر الثقة حينئذ منجعل لا مجعول شرعي، غاية الأمر أنّ الشارع أمضاه و لم يخترع في تبليغ أحكامه طريقا آخر بل اختار ما بنى عليه العقلاء من الاعتماد على خبر الثقة لانهم يرونه طريقا إلى الواقع و كاشفا عنه.

و على ما ذكرنا لا تصل النوبة إلى دليل الانسداد، لانفتاح العلمي و هي الروايات الموثوقة الصدور المعلوم وفاؤها بمعظم الفقه من دون حاجة إلى العمل بالمراسيل و الضعاف كما لا يخفى على المستنبط.

[الوجوه العقلية التي استدلّ بها على حجية خبر الواحد:]

و أما الدليل العقلي الذي اقيم على حجيّة خبر الواحد غير العلمي فقد ذكروا في تقريبه وجوها:

الوجه الأول: الانسداد الصغير

بترتيب مقدماته و استنتاج حجيّة الظن بصدور الخبر،

[ضابط الانسداد الصغير و الكبير]

و لا بدّ أولا من بيان ضابط الانسداد الصغير و الكبير ثمّ توضيح هذا الوجه، فنقول: أما ضابط الانسداد الصغير فهو أنّه لا إشكال في توقف استنباط الحكم الفرعي الكلّي على امور أربعة و مع فقدان واحد منها يختل أساس الاستنباط:

أحدها: إحراز صدور الرواية عن المعصوم (عليه السّلام) إذ مع عدمه يكون استناد

____________

(1) فرائد الاصول/ 25.

270

الحكم إليه تشريعا محرما كما هو واضح.

ثانيها: إحراز جهة الصدور.

ثالثها: إحراز الظهور، إذ لو لم يكن للكلام ظهور فلا يستفاد منه معنى.

رابعها: أن يكون الظاهر حجة، إذ لو لم تثبت حجيّة الظاهر و أنّ المتكلّم أراد ظاهر اللفظ لا يمكن الاستنباط أيضا، فإذا احرز جميع هذه الامور الأربعة يمكن الاستنباط و إلّا فلا، ثمّ إن لم يحرز شي‏ء من تلك الامور لعدم قيام دليل عليه، أو لم يحرز ما هو دخيل في العلم بأصل الحكم كحيثية الصدور و أصل الصدور، فحينئذ تجري مقدمات الانسداد في نفس الأحكام الشرعية بأن يقال: إنّ العلم بالأحكام إجمالا حاصل و لا ريب في كوننا مكلّفين بها و أنّ الاحتياط متعذر أو متعسر، و لا طريق إلى إحرازها إلّا الظن فيكون الظن حجة على الأحكام.

و إن لم يحرز ما يكون دخيلا في موضوع الحكم أو متعلقه لا في الحكم نفسه كما إذا قال (و إن لم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا) و لم يحرز الصعيد أو قال يحرم الغناء و لم يحرز مفهوم المتعلق و هو الغناء فيجري في إحرازه مقدمات الانسداد الصغير، فمحصل الفرق بين مقدمات الانسداد الكبير و الصغير هو أنّ الانسداد الكبير يجري في الجهل بأصل الحكم، و الصغير يجري في بعض الجهات المتعلقة به كإجمال مفهوم موضوعه كالصعيد و الآنية أو متعلقه كالغناء، فيكون نتيجة مقدمات الانسداد الصغير حجيّة الظن في الجهة التي انسد فيها باب العلم، فحينئذ إن أفاد قول اللغوي بأنّ الصعيد مثلا مطلق وجه الأرض أو الغناء هو الصوت المشتمل على الترجيع مثلا الظن فيكون هذا الظن حجة.

و بالجملة فمورد الانسداد الكبير هو الشك في نفس الحكم كالشبهات البدوية و مورد الانسداد الصغير هو الشك في ما يتعلق بالحكم المعلوم المجهول من حيث الموضوع أو المتعلق.

271

[تقريب الاستدلال بالانسداد الصغير على حجية الخبر]

و أما تقريب الوجه العقلي: فهو أنّه لا ريب في العلم الإجمالي بصدور جملة ممّا بأيدينا من الروايات من الأئمة الأطهار (صلوات اللّه عليهم أجمعين) و إنكار ذلك العلم الإجمالي مساوق لإنكار الضروري، و مع العلم بصدور جملة منها يجب العمل بها لكون مفادها الأحكام الواقعية التي نحن مكلّفون بها، إذ لم يرتفع التكليف عنّا بالجهل التفصيلي بها فيجب امتثالها و لا يجب الاحتياط فيها، إما لتعذره أو تعسره.

و كذا لا يجري الأصل النافي فيها لاستلزامه ألا يعدّ المكلّف عاملا بالدين و متدينا به فيدور الأمر بين العمل بالموهومات الصدور و مشكوكاته و رفع اليد عن مظنونات الصدور و بين العمل بالمظنونات الصدور و الغاء المشكوكات و الموهومات، و لا ريب في تعيّن هذا لقبح ترجيح المرجوح على الراجح، فيتعيّن العمل بمظنون الصدور، فإذا فرضنا العلم الإجمالي بصدور عشرين رواية من الروايات و كانت هناك عشرون رواية متضمّنة للأحكام الإلزامية و ظن صدورها- و عشرون رواية كذلك و شك في صدورها- و عشرون كذلك أيضا و كان صدورها موهوما، فلا يعلم انطباق المعلوم إجمالا- و هي العشرون الصادرة قطعا- على أية عشرين من هذه العشرين الثلاثة.

فتكون نتيجة المقدمات المذكورة لزوم الأخذ بمظنونات الصدور، فيكون مظنون الصدور حجة بخلاف ما تقدم سابقا فإنّ مقتضاه اعتبار الوثوق بالصدور في الحجيّة و عدم كفاية الظن بالصدور فيها، و لازم هذا الوجه العقلي هو وجوب الأخذ بأكثر الروايات لرجحان احتمال صدورها، و المفروض الاكتفاء بأدنى مراتب رجحان الصدور في الحجيّة لصدق الظن على أدنى مراتب الرجحان. فالمتحصل من هذا التقريب اعتبار مظنون الصدور من الروايات كما هو غرض الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه)(1).

____________

(1) فرائد الاصول/ 103.

272

[الإشكال من جهة انحلال العلم الإجمالي الكبير إلى الوسيط لا إلى الصغير]

لكن اعترض عليه الميرزا النائيني (قدّس سرّه) بما حاصله عدم اختصاص الحجيّة بالأخبار بل اللازم حجيّة الإجماعات و الشهرات أيضا.

توضيحه: أنّ هناك علوما إجمالية ثلاثة، أحدها: العلم الإجمالي الصغير و هو ما تكون أطرافه خصوص ما بأيدينا من الروايات بالتقريب الذي عرفته، لأنّه بعد العلم الإجمالي بصدور جملة من الروايات لبيان الأحكام الواقعية نعلم بوجود مقدار من الأحكام في الروايات طرا من مظنونات الصدور و مشكوكاته و موهوماته، و مقتضاه وجوب الأخذ بالمظنونات شرعا بعد إثبات بطلان الاحتياط إذ لو لم يقم دليل على بطلان الاحتياط شرعا بمعنى عدم اكتفاء الشارع بالإطاعة غير التفصيلية لا يمكن إثبات وجوب الأخذ شرعا بمظنونات الصدور، و عليه فنستكشف من إبطال الاحتياط جعل طريق واصل بنفسه، و ذلك منحصر في الظن فيكون مظنون الصدور حجة شرعا، فالنتيجة حينئذ اعتبار الظن كشفا كما سيأتي تفصيله في الانسداد الكبير من أنّ استنتاج حجيّة الظن كشفا عن مقدمات الانسداد منوطة ببطلان الاحتياط شرعا و إن لم يلزم منه عسر و حرج فضلا عن اختلال النظام.

ثانيها: العلم الإجمالي الوسيط، و دائرته أوسع من دائرة العلم الإجمالي الصغير و حاصله: أنّا نعلم إجمالا بوجود أحكام إلزامية في الأخبار و الإجماعات و الشهرات، و الشاهد على وجود هذا العلم في هذه الأطراف أنّه لو عزلنا طائفة من الروايات كمظنوناتها التي هي بمقدار المعلوم بالإجمال و يحتمل انطباق المعلوم بالإجمال عليها، و ضممنا إلى باقي الأخبار الإجماعات و غيرها من الأمارات الظنية لكان العلم الإجمالي بوجود الأحكام بين باقي الروايات و سائر الأمارات الظنية على حاله، و لو كان أطراف العلم مختصة بالأخبار لما كان حاصلا في بقية الأخبار و سائر الأمارات.

ثالثها: العلم الإجمالي الكبير الذي تكون دائرته أوسع من دائرة العلم الإجمالي الوسيط، لأنّ أطرافه جميع الأمارات من الأخبار و سائر الأمارات و الشبهات‏

273

البدوية، إذ لا إشكال في العلم الإجمالي بوجود أحكام إلزامية في الأمارات من الأخبار و غيرها و الوقائع المشتبهة، إلّا أنّ هذا العلم الإجمالي ينحل إلى العلم الإجمالي الوسيط، ضرورة أنّه إذا عزلنا من الأمارات مقدار المعلوم بالإجمال كمائتين مثلا و ضممنا إلى باقي الأمارات الوقائع المشتبهة لا يحصل علم إجمالي، لأنّ المفروض عدم علم إجمالي في خصوص بقية الأمارات بعد عزل طائفة منها مساوية للمعلوم بالإجمال المحتمل انطباقه عليها، و ضم المشكوكات إلى بقية الأمارات لا يولّد علما إجماليا بينهما.

فصار المتحصل ممّا ذكرنا أنّ العلم الإجمالي الكبير ينحل بالوسيط و مقتضاه بعد بطلان الاحتياط و بطلان الرجوع إلى البراءة و غيرها من الاصول النافية للتكليف و قبح ترجيح المرجوح على الراجح، وجوب العمل بمظنونات الصدور من الروايات و مظنونات المطابقة للواقع من الإجماعات و الشهرات و غيرهما من الأمارات الظنية إلّا الأولوية الظنية التي ترجع إلى القياس الذي سدّ الشارع بابه، فلا يختص هذا الوجه العقلي بحجيّة مظنون الصدور من الروايات بل يكون مقتضاه حجيّة الإجماعات و الشهرات المظنونة المطابقة للواقع.

و يرد عليه: أنّ العلم الإجمالي في المشكوكات ثابت فإنّ الوقائع المشكوكة من أوّل الفقه إلى آخره التي يرجع فيها إلى أصل البراءة و سائر الاصول النافية يعلم إجمالا بوجود تكاليف إلزامية فيها، و إنكار ذلك مكابرة و تكذيب لما هو معلوم بالوجدان، فالعلم الإجمالي الكبير باق على حاله و لم ينحل بالعلم الإجمالي الوسيط، فيلزم على هذا الاحتياط في المشكوكات أيضا من باب العلم الإجمالي الثابت فيها، لا من باب الحجيّة حتى يقال: إنّ الشك لا يعقل أن يكون طريقا إلى الواقع لعدم قابلية الشك للإراءة و الطريقية.

274

و بالجملة فمرام الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه)(1) من بيان هذا الوجه العقلي هو إثبات حجيّة مظنون الصدور من الروايات بدعوى العلم الإجمالي بصدور جملة ممّا بأيدينا من الأخبار بالتقريب المتقدم.

و أورد عليه الميرزا النائيني (قدّس سرّه) بأنّ العلم الإجمالي إن كان مختصا بدائرة الأخبار كانت النتيجة بعد فرض تمامية مقدمات الانسداد حجيّة مظنون الصدور من الروايات، لكن الأمر ليس كذلك لوجود علوم إجمالية ثلاثة:

أحدها: العلم الإجمالي الصغير المختص أطرافه بالأخبار.

ثانيها: العلم الإجمالي الوسيط الذي تكون أطرافه مجموع الأمارات من الأخبار و الإجماعات و الشهرات و غيرها من الأمارات الظنية، و مقتضى هذا العلم الإجمالي بعد إجراء مقدمات الانسداد هو وجوب الأخذ بكلّ مظنون المطابقة للواقع سواء كان رواية أم إجماعا أم شهرة أم غيرها، فلا يكون العلم الإجمالي مقتضيا لحجيّة خصوص الخبر المظنون الصدور.

ثالثها: العلم الإجمالي الكبير الذي تكون أطرافه جميع الأمارات و المشكوكات البدوية الخالية عن النص التي تجري فيها البراءة و الشبهات الموضوعية التي تجري فيها البراءة أيضا، فإنّ هذا العلم الإجمالي و إن كان ثابتا فيها و إنكار ذلك إنكار لما هو محرز بالوجدان للعلم بوجود الواقعيات في الموارد المشكوكة من أوّل الفقه إلى آخره لكنه لا أثر له في ما نحن فيه.

توضيح وجه عدم الأثر لهذا العلم الإجمالي الكبير في ما نحن فيه هو أنّ غرض الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) إجراء المقدمات في الطرق المثبتة للأحكام الواقعية دون نفس الأحكام، فمصب مقدمات الانسداد هو الطرق، و من المعلوم أنّ الشك و إن تراكم‏

____________

(1) فرائد الاصول/ 103.

275

لا يعقل أن يكون طريقا على الواقع و حجة عليه، و حينئذ فالمدار على العلم الصغير و الوسيط، و قد عرفت أنّ مقتضى العلم الإجمالي الوسيط على تقدير تمامية مقدمات الانسداد، هو: حجيّة كلّ مظنون المطابقة للواقع لا حجيّة خصوص الخبر المظنون الصدور.

فإن قلت: إنّه لا أثر للعلم الإجمالي الوسيط الذي تكون أطرافه مجموع الأمارات الظنية من الروايات و غيرها، و المؤثر هو خصوص العلم الإجمالي الذي تكون أطرافه خصوص الأخبار.

بيانه: أنّه يعتبر في تنجيز العلم الإجمالي ألا يكون بعض أطرافه منجزا بمنجز سابق على هذا العلم، و إلّا فلا أثر للعلم الإجمالي الحادث، لما تقرّر في محلّه من أنّه يعتبر أن يكون العلم الإجمالي مؤثرا على كلّ تقدير، فإذا كان مؤثرا على تقدير لا يكون هذا العلم منجزا كما إذا علم بنجاسة أحد الإناءين المشتبهين ثمّ حدث علم إجمالي بوقوع قطرة دم إما في أحد هذين الإناءين و إما في إناء آخر، فإن وقعت في أحدهما لا أثر لها لوجوب الاجتناب عنهما بالعلم الإجمالي الأول و إن وقعت في إناء ثالث يكون هذا العلم مؤثرا، فيكون وقوع الدم في الإناء الثالث مشكوكا يجري فيه استصحاب الطهارة بلامانع.

و المقام يكون من قبيل هذا المثال، ضرورة أنّ المعلوم بالإجمال يحتمل أن يكون في بقية الأخبار بعد عزل مظنونات الصدور منها و ضم بقية الأخبار إلى الإجماعات و غيرها من الأمارات الظنية- الذي كان ضابطا لوجود العلم الإجمالي بين جميع الأمارات- إذ بعد عزل مظنونات الصدور من الروايات لا يبقى في بقية الروايات فقط علم إجمالي، و لكن إذا ضممنا إليه سائر الأمارات يكون العلم الإجمالي بمطابقة بعضها للواقع موجودا بلا إشكال، و حينئذ فيحتمل أن يكون المعلوم بالإجمال بين بقية الأخبار و بين الأمارات طرا في ضمن خصوص بقية الأخبار،

276

و يحتمل أن يكون في خصوص الإجماعات، و يحتمل أن يكون في خصوص الشهرات.

فإن كان في ضمن خصوص بقية الأخبار لا يكون لهذا العلم الإجمالي الوسيط أثر أصلا، لتنجز وجوب الأخذ ببقية الأخبار بمنجز سابق و هو العلم الإجمالي الصغير الذي تكون أطرافه خصوص الأخبار.

و إن كان في ضمن غير الأخبار من الأمارات يكون هذا العلم الإجمالي مؤثرا، و لما لم يكن هذا العلم مؤثرا على كلّ تقدير، فلا يكون منجزا و المؤثر في التنجيز هو العلم الإجمالي الصغير فقط، فالحجيّة هي الخبر المظنون الصدور لا كلّ ما ظن مطابقته للواقع.

قلت: إنّ المقام ليس من قبيل العلم الإجمالي بوقوع نجاسة إما في أحد الإناءين المشتبهين اللذين تنجز وجوب الاجتناب عنهما بمنجز سابق و إما في إناء ثالث، بل من قبيل ما إذا كان هناك آنية ستة ثلاثة منها في شرق الدار و ثلاثة منها في غربها، و علمنا بوقوع قطرة من الدم في إناء من الآنية الشرقية، و علمنا أيضا بوقوع قطرة اخرى في ذلك الآن إما في إناء آخر من الأواني الشرقية و إما في أحد الأواني الثلاثة الغربية، ففي هذه الصورة إذا عزلنا المعلوم بالإجمال من الأواني الشرقية يكون العلم الإجمالي بين الإناءين من الأواني الشرقية و بين الأواني الثلاثة الغربية موجودا، و لا ينحل هذا العلم بالعلم الأول لكون المعلومين في زمان واحد، و انحلال أحد العالمين بالآخر إنّما يكون في ما إذا تأخر أحد المعلومين عن الآخر كما في المثال المزبور و هو العلم الإجمالي الحاصل أولا بنجاسة أحد الإناءين ثمّ علم إجمالا بوقوع قطرة دم إما في أحدهما و إما في إناء ثالث، و أما مع تقارن المعلومين فلا ينحل أحدهما بل يتنجز المعلومان معا فيجب الاجتناب عن جميع الأواني الست الشرقية و الغربية، و سوف يتضح وجه عدم الانحلال في محلّه إن شاء اللّه تعالى.

277

و ما نحن فيه من هذا القبيل، لأنّ المعلوم بالإجمال في الأخبار- أعني الأحكام- مقارن للمعلوم بالإجمال و هو الأحكام في غير الروايات من سائر الأمارات، و ليس متقدما على المعلوم الإجمالي في سائر الأمارات حتى ينحل به العلم الإجمالي الوسيط الذي دائرته جميع الأمارات من الأخبار و غيرها.

فتلخص ممّا ذكرنا أنّ التقريب المزبور لإثبات حجيّة خصوص الخبر المظنون الصدور في غاية الإشكال، لأنّ مقتضاه بعد فرض تمامية مقدمات الانسداد حجيّة كلّ مظنون المطابقة للواقع لا خصوص الخبر المظنون الصدور.

[وجه آخر لتقريب الاستدلال على حجية الأخبار بالانسداد الصغير]

و هناك وجه آخر لإثبات حجيّة خصوص مظنون الصدور و هو جعل المعلوم بالإجمال و مصب مقدمات الانسداد في خصوص الأخبار، لا من حيث طريقيتها للواقع و حجيّتها على الواقع حتى يكون النتيجة حجيّة الظن بالطريق دون الواقع كما يدّعيه صاحب الفصول‏ (1)، بل يكون لأجل وجوب العمل بالأخبار الصادرة من حيث كونها أحكاما ظاهرية مع الغض عن كون مضامينها أحكاما واقعية، فلا يكون الواقع ملحوظا في هذا التقريب، و لا يكون المعلوم بالإجمال الطرق المنصوبة المجهولة ليكون الغرض من إجراء مقدمات الانسداد تعيين الطرق التي جعلها الشارع حجة على الواقعيات، بل الغرض من هذا التقريب هو أنّه هل نصب الشارع طريقا أم لا، فنقول: إنّا نعلم إجمالا بصدور جملة ممّا بأيدينا من الروايات و لا إشكال في وجوب العمل بتلك الجملة الصادرة و عدم جواز إهمالها و إجراء البراءة فيها، لاستلزام البراءة عدم كونه في نظر المتشرعة عاملا بالدين و متدينا به، و عدم وجوب الاحتياط أو عدم جوازه لكونه مخلا بالنظام أو موجبا للعسر و الحرج، فيدور الأمر بين رفع اليد عن مشكوكات الصدور و موهوماته، لارتفاع الحرج برفع اليد عنهما، و بين رفع اليد

____________

(1) الفصول/ 277.

278

عن مظنونات الصدور و العمل بالمشكوكات و الموهومات، و لا إشكال في أنّ مقتضى حكم العقل بقبح ترجيح المرجوح على الراجح هو الأخذ بالمظنونات و إلغاء المشكوكات و الموهومات دفعا للحرج، فالمتجه حينئذ وجوب الأخذ بمظنونات الصدور من الروايات.

[إشكال الميرزا النائيني (قدّس سرّه) على هذا الوجه‏]

و لا يرد على هذا التقريب ما ذكره الميرزا النائيني (قدّس سرّه) في التقريب الأول من تعدّد العلم الإجمالي و عدم انحلال الوسيط بالصغير، و ذلك لعدم العلم الإجمالي بوجوب العمل بسائر الأمارات من باب الحكم الظاهري، نعم من حيث العلم بمطابقة بعضها للأحكام الواقعية يجب العمل بها، فالعلم الإجمالي بهذا الوجه مختص بالروايات.

نعم يرد عليه: أنّ إثبات حجيّة مظنون الصدور بحيث يخصّص و يقيد به منوط بكون نتيجة المقدمات حجيّة الظن كشفا، و ذلك أي اعتبار الظن كشفا منوط بإبطال الرجوع إلى الاحتياط بدعوى قيام الدليل الشرعي على بطلان الامتثال الاحتياطي و إرادة الإطاعة التفصيلية بحيث كان ما يطاع به مميزا عمّا عداه، و لم تثبت هذه الدعوى، و عليه فالنتيجة تبعيض الاحتياط الذي هو أجنبي عن المدّعى، أعني حجيّة مظنون الصدور.

و لا يخفى أنّ الميرزا النائيني (قدّس سرّه) أورد على هذا التقريب الثاني الذي يكون العلم الإجمالي فيه مختصا بدائرة الأخبار الإشكال الذي أورده على الوجه الأول أيضا بما حاصله: أنّ وجوب العمل بالأخبار إنّما يكون لأجل كون الأحكام الظاهرية طرقا للأحكام الواقعية و كواشف عنها لا لأجل كونها أحكاما في مقابل الأحكام الواقعية، فالعبرة حينئذ بامتثال الأحكام الواقعية و إن كان الطريق الموصل إليها غير الأخبار كالإجماعات و الشهرات، و على هذا فتكون دائرة المعلوم بالإجمال جميع الأمارات من الأخبار و الإجماعات و غيرهما، و نتيجة هذا العلم بعد تعذر العلم بالواقعيات و عدم‏

279

وجوب الاحتياط هي التنزل إلى الظن بالواقع لا خصوص مظنون الصدور من الروايات كما هو المدّعى، فكلّ ما ظن بمطابقة مضمونه للواقع خبرا كان أم إجماعا أم شهرة يجب العمل به، و لا خصوصية لما صدر عنهم (صلوات اللّه عليهم أجمعين) من الروايات، إذ المدار على امتثال الواقعيات من دون خصوصية للطريق الموصل إليها.

فإن قلت: هذا العلم الإجمالي ينحل بالإجمالي الصغير الذي تكون دائرته خصوص الأخبار لانطباق ضابط الانحلال عليه.

توضيحه: أنّ العلم الإجمالي عبارة عن قضية معلومة و قضية منفصلة مانعة الخلو مثلا إذا علمنا إجمالا بنجاسة أحد إناءين، فالقضية المعلومة هي قولنا النجس معلوم في البين و القضية المنفصلة هي قولنا النجس إما هذا الإناء و إما ذاك الإناء، فإذا قامت بينة على أحدهما بالخصوص ينحل بها العلم الإجمالي إذ لا يصدق القضية المنفصلة فلا يقال النجس هذا الإناء أو ذاك الإناء.

و ببيان آخر الانحلال الحقيقي عبارة عن تبدل العلم بالحكم بالشك فيه، فإذا كان المتنجس المعلوم بالإجمال ثلاث آنية مشتبهة في عشرين آنية فقامت البينة مثلا على نجاسة ثلاث مشخصة منها، فينحل العلم حينئذ لعدم العلم بنجاسة شي‏ء من بقية الأواني و هذا الضابط ينطبق على المقام.

تقريبه: أنّ المعلوم إجمالا صدوره من الروايات إذا كان عشرين مثلا، و كان المعلوم إجمالا من الأحكام الواقعية المنتشرة في جميع الأمارات عشرين أيضا، فإذا عملنا بعشرين خبرا مظنون الصدور و احتملنا انطباق ما علمنا إجمالا في الروايات على الأحكام المعلومة المحتملة في جميع الأمارات، فلا يبقى علم إجمالي في بقية الأمارات بل تكون الأحكام فيها مشكوكة تجري فيها البراءة، نظير ما إذا علم إجمالا باشتمال أحد صناديق دنانيره بالخصوص على عشرة دنانير من المال المغضوب، و علم إجمالا أيضا باشتمال مجموع صناديقه على عشرة دنانير مغضوبة بأن‏

280

يحتمل اشتمال كلّ واحد من الصناديق على العشرة المغصوبة، مع احتمال انطباق هذا المعلوم بالإجمال على المعلوم بالإجمال أوّلا، و حينئذ إذا أخرج العشرة المغصوبة بالمصالحة مع المالك أو غيرها عن الصندوق الذي كان موردا للعلم الإجمالي الأول فلا يبقى بعد ذلك علم إجمالي باشتمال سائر الصناديق على الدنانير المحرمة، لاحتمال كون الدنانير المحرمة المعلومة إجمالا في مجموع الصناديق هي عين العشرة التي كانت في الصندوق المعيّن، فيتبدل العلم بالتكليف الذي كان في مجموع الصناديق بالشك في غير ذلك الصندوق المعيّن.

و نظير ما إذا علم باشتغال ذمته بعشرة دنانير للمرحوم المبرور الحاج الشيخ إبراهيم العطار عليه الرحمة الذي كان جليلا تقيا بارّا بأهل العلم و التقوى، و علم إجمالا أيضا باشتغال ذمته بعشرة دنانير لبعض أرباب الدكاكين من أوّل سوق القبلة إلى آخرها، و يحتمل أن تكون هذه العشرة هي تلك العشرة التي اشتغلت بها ذمته للمرحوم الحاج الشيخ إبراهيم العطار، فإذا أدى هذه العشرة إلى ورثة المرحوم الحاج الشيخ فلا يبقى في الباقي من أرباب دكاكين سوق القبلة علم إجمالي باشتغال ذمته بعشرة دنانير لهم، إلى غير ذلك من النظائر التي يعلم من ملاحظتها و التأمل فيها انحلال العلم الإجمالي الكبير.

فالنتيجة على هذا وجوب العمل بالأخبار المظنونة الصدور لا كلّ ما يظن أنّ مضمونه حكم اللّه الواقعي.

قلت: فرق بين المقام و بين المثالين المزبورين و محصله: أنّ انحلال العلم الإجمالي الكبير في ما نحن فيه منوط بالعمل بالمعلوم بالعلم الإجمالي الصغير و هو العلم بصدور عشرين رواية، و العمل بذلك موقوف على الاحتياط في جميع الأخبار من مظنونات الصدور و مشكوكاته و موهوماته حتى يحصل العلم بامتثال المعلوم بالعلم الإجمالي الصغير الموجب هذا الامتثال لأمرين:

281

أحدهما: القطع بسقوط وجوب العمل بالأخبار الصادرة للعلم بامتثال ما فيها من الأحكام الواقعية.

و الآخر: انقلاب العلم بعشرين حكما واقعيا في مجموع الأمارات من الروايات و غيرها إلى الشك، فبعد امتثال وجوب العمل بالأخبار الصادرة لا يبقى علم بوجود عشرين حكما بين غير الروايات حتى يكون العلم الإجمالي الكبير منجزا.

و المفروض عدم العلم بسقوط وجوب العمل بالأخبار الصادرة إذ الاحتياط التام في دائرة الأخبار لما كان موجبا للعسر و الحرج فيلغى العمل بالمشكوكات و الموهومات صدورا، و مع إلغائهما لا يعلم بامتثال وجوب العمل بالأخبار الصادرة حتى يستلزم هذا الامتثال تبدل العلم الإجمالي الكبير بالشك، لاحتمال كون الأخبار الصادرة في ما رفع عسره الاحتياط بتركه من المشكوكات و الموهومات، و مع عدم سقوط وجوب العمل بالأخبار الصادرة لا يرتفع العلم الصغير، بل العلمان باقيان على حالهما فلا يكون المقام نظير المثالين المزبورين حتى ينحل العلم الكبير بالصغير، بل نظير الاضطرار إلى بعض الأطراف لا بعينه، فإنّه قد قرّر في محلّه أنّ الاضطرار إلى المعيّن يرفع التكليف بخلاف الاضطرار إلى غير المعيّن، فإنّه لا يوجب ارتفاع التكليف بل يوجب التوسط في التنجز، و ذلك لأنّ الاضطرار إلى غير المعيّن لا يصادم التكليف الواقعي إذ لو كان المعلوم بالإجمال معلوما تفصيليا لكان اللازم رفع الاضطرار بغير مورد التكليف، فلا مزاحمة بين التكليف الواقعي و بين الاضطرار، و عليه فإن كانت الأخبار الصادرة المحرزة للأحكام الواقعية في ما رفع به العسر أعني المشكوكات و الموهومات فلم يؤت بالمعلوم الإجمالي، و مع عدم العلم بالامتثال و سقوط التكاليف المعلومة في العلم الإجمالي الأول يكون العلم الإجمالي الكبير بحاله و يكون منجزا و مقتضاه وجوب العمل بما ظن كونه حكم اللّه تعالى خبرا كان أو إجماعا أو شهرة. هذا توضيح ما أفاده الميرزا النائيني (قدّس سرّه).

282

و ليعلم أنّ العلم الإجمالي الكبير تارة: ينحل بالعلم الإجمالي الصغير فيعبّر عنه بالانحلال. و اخرى: يعبر عنه بعدم الأثر، و الفرق بينهما أنّ العلم الإجمالي الكبير إن حدث قبل الصغير ينحل الكبير لأنّ الصورة العلمية الحاصلة أولا تنعدم بحدوث العلم الإجمالي الصغير، كما إذا علمنا بتنجس إناءين من أواني إحدى مدارس النجف الأشرف مثلا بحيث تكون كلّ مدرسة من أطراف العلم الإجمالي، ثمّ حدث علم إجمالي آخر بتنجس إناءين من آنية خصوص المدرسة الكبرى و يحتمل انطباق المعلوم الإجمالي الأولى الذي كان أحد أطرافه المدرسة الكبرى على الإناءين اللذين علم بنجاستهما من أواني المدرسة الكبرى، و مع هذا الاحتمال إذا عزلنا المدرسة الكبرى من أطراف العلم الإجمالي الكبير لا يبقى علم في سائر المدارس و هو المراد بالانحلال، فيكون المنجز خصوص العلم الإجمالي الصغير، فاللازم هو الاجتناب عن تمام أواني المدرسة الكبرى.

و إن حدث العلم الإجمالي الكبير بعد الصغير يعبّر عنه بعدم الأثر، كما إذا علم إجمالا بتنجس إناءين من أوانى المدرسة الكبرى ثمّ علم إجمالا بوقوع قطرة دم إما في ذينك الإناءين و إما في إناءين من أوانى سائر المدارس، فهذا العلم الإجمالي الكبير لا أثر له لتنجز بعض أطرافه و هو أوانى المدرسة الكبرى بمنجز سابق، و هو العلم الإجمالي الأول الذي كانت دائرته أوانى خصوص المدرسة الكبرى.

و على كلا التقديرين أعني تقدم العلم الكبير على الصغير و تأخره عنه لا أثر للعلم الإجمالي الكبير، غاية الأمر أنّه مع تقدمه على الصغير يعبّر بالانحلال، و مع تأخره عنه يسمّى بعدم الأثر، و الأمثلة في غاية الكثرة كما إذا علمنا إجمالا بنجاسة دهن من أدهان بقاقيل سوق (القبلة) بحيث يكون كلّ دهن من أدهان السوق المزبور من أطراف العلم الإجمالي، و علمنا إجمالا أيضا بتنجس دهن من أدهان خصوص زيد بن أرقم الذي هو من بقاقيل السوق المذكور، و احتملنا بانطباق ذلك الدهن‏

283

المعلوم تنجسه إجمالا في سوق القبلة على دهن زيد بن أرقم، فحينئذ يجب الاجتناب عن أدهان خصوص زيد و تجري قاعدة الطهارة في سائر أدهان السوق لكون الشك في طهارتها بدويا، هذا ضابط انحلال العلم الإجمالي الكبير بالصغير.

و أما في المقام فلا ينحل العلم الإجمالي الكبير و هو العلم بأحكام إلزامية في الشريعة منتشرة في الأمارات من الروايات و غيرها بالعلم الصغير و هو العلم الإجمالي بصدور جملة من الروايات، و ذلك لأنّه بعد بطلان وجوب الاحتياط في جميع الأخبار من مظنوناتها و مشكوكاتها و موهوماتها و الترخيص في ترك الاحتياط في بعض الأطراف للاضطرار، بحيث كان ما يجتنب عنه أقل عددا من المعلوم الإجمالي الكبير عاد العلم الإجمالي على حاله، فإذا كانت مظنونات الصدور أقل من عدد المعلوم الإجمالي الكبير عاد العلم الإجمالي الذي مورده نفس الأحكام، فإن كان ذلك المعلوم مائة مثلا و كان ما يؤخذ به من الأخبار تسعين فلا يكون العلم الإجمالي في دائرة الروايات موجبا لانحلال العلم الكبير، فعلى تقدير كون المعلوم الإجمالي الكبير في الإجماعات و الشهرات يجب الأخذ به فيجب الاحتياط في جميع الأمارات و المفروض بطلانه للعسر و الحرج، فنستكشف من عدم جواز الإهمال و بطلان الاحتياط أنّ الشارع جعل الظن حجة.

و لكن وصول النوبة إلى هذه النتيجة أعني حجيّة الظن بالصدور أو الواقع منوطة بتمامية المقدمات، و المفروض كما سيأتي في دليل الانسداد، و المعروف عدم تمامية بطلان الاحتياط في الشريعة بمعنى عدم رضاء الشارع بالامتثال الاحتياطي للزوم امتثال الأحكام مع التمييز إذ لا دليل على ذلك، و مع عدم بطلان الاحتياط لا تصل النوبة إلى حجيّة الظن بل النتيجة هي التبعيض في الاحتياط، فيكون العمل بالأخبار المظنونة الصدور من باب الاحتياط لا الحجيّة فينسد حينئذ باب الاجتهاد و الإفتاء.

284

[تقريب الاستدلال على وجه ثالث نسب إلى صاحب الفصول (قدّس سرّه)‏]

و هنا وجه ثالث: ينسب إلى صاحب الفصول‏ (1) و حاصله: جعل المعلوم بالإجمال الطرق بأن يقال: إنّا نعلم إجمالا بجعل طرق إلى الأحكام و لا نعلمها تفصيلا و لا يجوز إهمالها و لا يمكن الاحتياط فيها بأن نأخذ بكلّ ما فيه كشف و رجحان فلا بدّ أن يجعل الشارع طريقا و اصلا إلى إحراز تلك الحجج، و الطريق الواصل المحرز لتلك الطرق منحصر في الظن إذ لا كشف للشك و الوهم، فلا بدّ أن يكون ذلك هو الظن، فالنتيجة حينئذ هي حجيّة الظن بالطريق.

و فيه ما تقدم من أنّ حجيّة الظن بالطريق منوطة ببطلان الاحتياط في الشرع و لا دليل عليه، فيكون الأخذ بالظن من باب الاحتياط لا الحجيّة التي هي مورد البحث.

هذا تمام الكلام في الوجوه الثلاثة من الدليل الأول من الأدلة العقلية التي اقيمت على حجيّة خبر الواحد.

الوجه الثاني: ما ذكره صاحب الوافية (2) لإثبات حجيّة خصوص الأخبار المودعة في الكتب الأربعة

مع عمل جمع بها. و حاصله: أنّا نقطع ببقاء التكليف إلى يوم القيامة بالنسبة إلى جميع الفروع خصوصا الضروريات كالصلاة و الصوم و الحج و الزكاة و الخمس و الأمر بالمعروف و غير ذلك، و لا إشكال في أنّ الاكتفاء في معرفتها بمالها من الأجزاء و الشرائط و الموانع بما يستفاد من الكتاب العزيز و الأخبار المتواترة يوجب عدم صدق هذه العناوين على ذلك، ضرورة أنّ غالب ما يعتبر فيها جزء و شرطا يستفاد من روايات الآحاد فلا بدّ أن تكون حجة.

و فيه أولا: أنّ مقتضى هذا البرهان حجيّة خصوص الأخبار المثبتة للأجزاء و الشرائط و الموانع دون النافية، و المدّعى أعم من ذلك، فالدليل أخصّ من المدّعى.

____________

(1) الفصول/ 277.

(2) الوافية/ 519.

285

و ثانيا: أنّ قضية العلم الإجمالي بثبوت الأجزاء و الشرائط في مطلق الأمارات هي لزوم الاحتياط في جميع الأمارات من دون خصوصية للأخبار.

و ثالثا: أنّ مرجع هذا الوجه إلى الانسداد الكبير الآتي، لأنّ المعلوم بالإجمال ليس منحصرا في خصوص الأجزاء و الشرائط، بل هو أعم منهما و من التكاليف الوجوبية و التحريمية النفسية و الغيرية المنتشرة في مطلق الأمارات، فهذا الدليل هو الانسداد المعروف مع إهمال بعض مقدماته الدخيلة في إنتاجه.

الوجه الثالث: ما ذكره المحقق صاحب الحاشية (قدّس سرّه)(1) لإثبات حجيّة الظن الحاصل من الخبر

، و محصله: أنّه لا إشكال في وجوب العمل بالكتاب و السنة، و حينئذ فإن أمكن الرجوع إليهما على وجه يحصل العلم بسببهما أو الظن الخاص بحكم فهو و إلّا فالمتبع هو الرجوع إلى الكتاب و السنة على وجه يحصل الظن منهما بالحكم، فاللازم حينئذ هو وجوب العمل بمظنون الصدور من الروايات.

و قيل: إنّ صاحب الحاشية جعل هذا الوجه أقوى الوجوه الثمانية التي أقامها على حجيّة الظن بالطريق.

و فيه: أنّ المراد بالسنة إن كان ما هو المصطلح من قول المعصوم (عليه السّلام) أو فعله أو تقريره فلا إشكال في وجوب العمل بها، إلّا أنّه مع تعذر العلم بها يرجع إلى كلّ ما ظن أنّه مدلول قول المعصوم (عليه السّلام) سواء كان ذلك رواية أم شهرة أم أولوية، إلّا إذا يظن بكون مدلول الشهرة مقول قول المعصوم (عليه السّلام) لاحتمال كونه ممّا سكت اللّه عنه، و إن كان نفس الأخبار الحاكية عنها لا نفس قول المعصوم أو فعله أو تقريره كما نسب إليه، ففيه أولا: عدم ثبوت إجماع و لا ضرورة على وجوب العمل بالأخبار لكونه محلّ الكلام بين الأصحاب.

____________

(1) هداية المسترشدين/ 397.

286

و ثانيا: أنّه يرجع إلى أحد التقريبين المذكورين في الوجه الأول إن كان الوجه في الرجوع إلى الأخبار كونها من الأحكام الظاهرية، أو كان الوجه فيه تضمّن الأخبار للأحكام الواقعية، فعلى تقدير كون الوجه في وجوب الرجوع إلى الأخبار كشفها عن الأحكام الواقعية يرد عليه أنّ مقتضاه وجوب العمل بكلّ ما ظن بأنّ مضمونه حكم اللّه تعالى و لا خصوصية للأخبار فلاحظ.

و على تقدير كون الوجه في وجوب الرجوع إلى الأخبار كونها أحكاما ظاهرية، يرد عليه أيضا أنّ العبرة بالأحكام الواقعية دون الظاهرية، لأنّها محرزة للواقعيات فلا محيص حينئذ عن اتّباع الظن بالواقع دون الظن بالصدور، و لا الظن بالطريق كما أفاده المحقق صاحب الحاشية (1) و أخوه (قدّس سرّه) في الفصول‏ (2) فلاحظ و تأمل.

هذا تمام الكلام في الوجوه العقلية التي أقاموها على حجيّة خبر الواحد، و قد عرفت عدم تماميتها و عدم وصول النوبة إلى البحث عنها بعد ما تقدم من كون الحقّ الذي لا محيص و لا معدل عنه اعتبار خبر الثقة ببناء العقلاء الثابت إمضاؤه ببعض الروايات المشار إليها في ما سبق فراجع و لاحظ متدبرا.

[حجية مطلق الظن‏]

[الوجوه العقلية التي أقاموها على حجية مطلق الظن‏]

بقي الكلام في الوجوه العقلية التي أقاموها على حجيّة مطلق الظن بالحكم الشرعي أو في الجملة على التفصيل الآتي، و هي أربعة:

[الوجه‏] الأوّل: [وجوب دفع الضرر المظنون عقلا]

إنّ الظن بالحكم ظن بالضرر عند ترك العمل به و دفع الضرر المظنون لازم عقلا، فهذا الدليل مؤلف من صغرى و كبرى، أما الصغرى فهي: ملازمة الظن بالحكم للظن بالضرر. و أما الكبرى فهي: لزوم رفع الضرر المظنون فلا بدّ من عقد مقامين:

____________

(1) هداية المسترشدين/ 391.

(2) الفصول/ 277.

287

أحدهما: في تنقيح الكبرى.

و الآخر: في تنقيح الصغرى.

أما المقام الأوّل: [البحث الكبروي: لزوم دفع الضرر العقابي المظنون‏]

فالبحث فيه يقع في امور:

الأمر الأوّل: أنّه لا ينبغي الإشكال في استقلال العقل بوجوب دفع الضرر العقابي المظنون بل الموهوم، و عليه بني وجوب شكر المنعم، و وجوب النظر في المعجزة و غير ذلك، فإنّ في ترك شكر المنعم و كذا الاقتحام في بعض أطراف العلم الإجمالي و كذا في ترك إجابة دعوة المدّعي للنبوة و عدم النظر في دعواه مظنة العقاب، فلو لم يستقل العقل الضروري بدفع العقاب المظنون لم يكن وجه في وجوب هذه الامور.

و بالجملة فلا إشكال في أنّ العقل الضروري يحكم بوجوب دفع الضرر العقابي المظنون.

الأمر الثاني: أنّ مورد الضرر المظنون الذي يجب دفعه عقلا هو ما لا يجري فيه قاعدة قبح العقاب بلا بيان، و مصب هذه القاعدة هو ما يكون الجهل فيه عذرا عقلا و هو (1) ما إذا لم يعمل العبد بوظائف العبودية و رسومها من الفحص و السؤال و الاستعلام عمّا توجه إليه من التكاليف التي الزم بها من ناحية المولى، فإذا شك العبد في حكم إلزامي من أحكام المولى و لم يتفحص عنه و ارتكب الشبهة ثمّ تبيّن كون المشتبه حكما إلزاميا يستحق العقوبة باتفاق من المحدثين و الاصوليين بالنسبة إلى الشبهات البدوية الحكمية، فإنّهم متفقون على أنّ حكم الشبهة قبل الفحص الاحتياط لا البراءة، و خلافهم يكون في حكم الشبهة بعد الفحص، فإنّ الاصولي يقول بالبراءة لتقديم أدلّة البراءة على أدلة الاحتياط، و الأخباري يقول بالاحتياط لتقديم‏

____________

(1) أي ما لا يجري فيه قاعدة القبح.

288

أدلة الاحتياط على أدلة البراءة، فمورد قاعدة دفع الضرر المظنون و المحتمل هو ما لم يكن الجهل فيه عذرا للعبد كالشبهات البدوية قبل الفحص و في الشبهات المقرونة بالعلم الإجمالي التي تنجز فيها التكليف بقيام الحجة العقلية عليه.

و أما قاعدة قبح العقاب بلا بيان فهي تجري في الجهل العذري كما إذا احتمل الحكم و تفحص عنه إلى أن اطمأن بالعدم أي عدم الحجة على الواقع، فحينئذ إذا كان في الواقع حكم إلزامي و خالفه العبد لجهله به و المفروض عدم قيام حجة عليه حتى إيجاب الاحتياط، فالعقل يستقل بقبح العقاب عليه لأنّ التكليف بوجوده الواقعي لا يصلح للمحركية و البعث، بل لا بدّ في تحريكه من وصوله إلى العبد و لو بطريقه و هو إيجاب الاحتياط الذي هو متمم لقصور محركية الخطاب الواقعي المجهول، فإذا لم يصل إلى العبد مع بذل جهده في الفحص عن ذلك فلا شبهة في قبح مؤاخذته عقلا على المخالفة على التكليف المجهول.

و الحاصل أنّ العقاب مترتب على التكليف المنجز المنوط بقيام حجة عليه، فإن كان ملاك الحكم الإلزامي مهمّا في نظر الشارع فيوجب الاحتياط في ظرف الشك لئلا يفوت الواقع كما أوجبه في الموارد الثلاثة أعني الدماء و الفروج و الأموال، و إن لم يكن بتلك المثابة من الأهمية فلا يجعل وجوب الاحتياط بل يرشد إلى عدم جعله بمثل قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)(1) رفع ما لا يعلمون، مضافا إلى حكم العقل بقبح العقاب بدون البيان.

فاتضح ممّا ذكرنا أنّ الظن بالعقاب إنّما يكون في غير مورد قاعدة قبح العقاب بلا بيان فتأمل جيدا.

الأمر الثالث: أنّ حكم العقل بلزوم دفع الضرر العقابي المظنون لا يستتبع‏

____________

(1) وسائل الشيعة 7/ 293، الحديث 9380.

289

الحكم المولوي الشرعي سواء كان في العقاب الواقعي و محتمله بملاكين كما هو الظاهر، إذ حكمه في دفع العقاب الواقعي نفسي و في محتمله طريقي إذ لا ملاك له إلّا التحرز عن العقاب الواقعي، فمع المصادفة لا يستحق إلّا عقاب الواقع و بدونها لا يستحق إلّا ما يترتب على التجري، أم بملاك واحد كما في التشريع فإنّ حكم العقل بقبحه في جميع صوره أعني العلم بعدم كون ما أسنده إلى الشارع من الدين و الظن بعدمه كذلك، و الشك فيه يكون بملاك واحد و هو قبح إسناد ما لا يعلم كونه من المولى إليه، و يشهد له قوله (عليه السّلام)(1) في تقسيم القضاة إلى أربع واحد منهم ناج و ثلاثة منهم في النار، و من الثلاثة من قضى بالحقّ و هو لا يعلم، لا يكون هذا الحكم العقلي مستتبعا للحكم المولوي و إن تمت قاعدة الملازمة، لأنّ مورد القاعدة هو الحكم العقلي الواقع في سلسلة علل الأحكام و ملاكاتها دون ما يقع في سلسلة معلولاتها، و من المعلوم أنّ حكمه بلزوم دفع العقاب المظنون واقع في سلسلة المعلولات، لأنّ العقاب من تبعات مخالفة التكليف الثابت لا من علله الداعية إلى جعله حتى يكون مستتبعا و مقتضيا له، فهذا الحكم العقلي من شئون الحكم بحسن الإطاعة و قبح المعصية، و من المعلوم أنّ حكمه بحسن الإطاعة و قبح المخالفة لا يمكن أن يستتبع حكما مولويا للزوم الدور أو التسلسل على التفصيل المحرر في محلّه، ففي المقام لا مورد لقاعدة الملازمة أصلا.

الأمر الرابع: أنّ المصالح و المفاسد التي تكون داعية لجعل الأحكام إنّما تكون في المتعلقات دون نفس الأحكام، إذ لو كان كذلك لكانت الملاكات حاصلة بمجرد جعل الأحكام من دون حاجة إلى امتثالها، بل المصلحة في الأوامر الامتحانية إنّما تكون في إظهار الإطاعة و العبودية لا في نفس الأوامر كما لا يخفى.

فصار المتحصل ممّا ذكرنا أنّ دفع الضرر و هو العقاب المحتمل فضلا عن مظنونه واجب عقلا من دون ريب و كلام.

____________

(1) وسائل الشيعة 27/ 22، الحديث 33105.

290

و أما المقام الثاني [البحث الصغروي:] و هو كون الظن بالحكم ملازما للظن بالعقاب‏

فحاصل الكلام فيه: أنّه إن كان المراد بالضرر العقاب فليس المقام من صغريات كبرى وجوب دفع الضرر المظنون للقطع بعدم العقاب على التكليف المجهول الذي لم تقم عليه حجة مع فرض قيام العبد بوظيفته من الفحص و السؤال و عدم الظفر بحجة عليه، لما عرفت من أنّ هذا المورد مجرى قاعدة قبح العقاب بلا بيان لا قاعدة دفع الضرر المحتمل، فالكبرى و إن كانت مسلمة لكن المقام ليس من صغرياتها.

[الرد على الوجه الأول الذي أقاموه على حجية الظن‏]

و بالجملة فمع عدم قيام حجة على التكليف يكون عدم العقاب معلوما، فالظن بالحكم مع عدم كون ذلك الظن معتبرا لا يوجب احتمال العقاب فضلا عن الظن به، لما عرفت من ترتب العقاب على تنجز التكليف المتوقف على وصوله إلى المكلّف، و من هنا يظهر عدم المجال لدعوى أنّ الظن بالحكم و إن لم يستلزم الظن بالعقاب لكنه يستلزم احتمال العقاب كما لا يخفى.

فتلخص ممّا ذكرنا عدم كون هذا الدليل العقلي مثبتا لحجيّة الظن بالحكم الشرعي لوجهين:

أحدهما: عدم كون المقام من صغريات وجوب دفع الضرر المظنون بمعنى العقاب المظنون لما عرفت من كون مورد البحث من مجارى قاعدة قبح العقاب بلا بيان لا قاعدة لزوم دفع الضرر المحتمل، فالعقاب في المقام معلوم العدم لقاعدة القبح المزبورة.

و هنا إشكال لا بأس بالتنبيه عليه و إن لم يكن مرتبطا بالمقام.

و حاصله: أنّ الحكم العقلي بقبح العقاب من دون بيان لا اختصاص له بهذه الامة بل هو ثابت في جميع الشرائع و الأديان، مع أنّ ظاهر قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)(1) (رفع‏

____________

(1) وسائل الشيعة 7/ 293، الحديث 9380.

291

عن امتى تسعة) اختصاص رفع هذه التسعة بهذه الامة، نعم يمكن توجيه الاختصاص بهذه الامة في النسيان و الخطأ بأن يقال: إنّ التحفظ عن عروض النسيان و الخطأ كان واجبا في الامم السابقة و قد ارتفع ذلك عن هذه الامة، و لا يمكن هذا التوجيه في ما لا يعلمون إذ لا معنى للتحفظ عن الوقوع في الجهل، لأنّ الكلام في عدم وصول البيان من المولى إلى العبد بعد الفحص التام عن مظان البيان، فإن كان المراد بالرفع حينئذ رفع المؤاخذة يكون إرشادا إلى حكم العقل الذي لا يختص بهذه الامة.

و إن كان المراد رفع إيجاب الاحتياط ففيه: أنّ المرفوع بحديث الرفع لا بدّ أن يكون ممّا تناله يد الوضع و الرفع التشريعيين، فحينئذ إن كان إيجاب الاحتياط حكما مولويا بحيث يكون المؤاخذة على ترك نفس إيجاب الاحتياط كما إذا لم يكن في الواقع حكم أصلا فهو متين كما يظهر من عبارة الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه)(1) في البراءة من كون إيجاب الاحتياط حكما نفسيا ظاهريا، و إن كان إيجاب الاحتياط طريقا إلى الواقع بحيث لو لم يكن في الواقع حكم إلزامى لما كان وجوب الاحتياط مجعولا شرعا فلا يبقى مجال للبراءة الشرعية.

إلّا أن يقال: إنّ المرفوع حقيقة هو نفس الخطاب التكليفي كما في نفي الإكراه و غيره مع عدم منافاته للتصويب و اشتراك الأحكام بين العالمين و الجاهلين لإمكان أن يقال: إنّ الحكم المشترك هو الوضع و اشتغال الذمة دون الخطاب.

ثانيهما: أنّه بعد تسليم كلّ من الصغرى و هي كون الظن بالحكم ملازما للظن بالضرر العقابي و الكبرى و هي لزوم دفع العقاب المحتمل لا يكون هذا الدليل مثبتا لحجيّة الظن بالحكم، ضرورة عدم جريان قاعدة الملازمة هنا لما تقدم من كون حكم العقل باستحقاق العقاب في سلسلة المعلولات التي لا تستتبع الحكم المولوي، و على‏

____________

(1) فرائد الاصول/ 208.

292

هذا فالنتيجة لزوم العمل بالظن بالحكم عقلا و لا يثبت حجة الظن شرعا بحيث يحكم بكون المظنون حكما مولويا كما هو المدّعى، هذا تمام الكلام في الضرر العقابي.

و إن كان المراد بالضرر المصالح و المفاسد الكامنة في متعلقات الأحكام التي تترتب على ترك متعلقاتها، من دون إناطتها بالتنجز و الوصول إلى المكلّف لكونها من الخواص و الفوائد المترتبة على المتعلقات تكوينا، فالظن بالحكم حينئذ و إن كان ظنا بالمصلحة أو المفسدة إلّا أنّ كون قوتهما من قبيل المضار الدنيوية حتى يندرج الظن في صغريات كبرى وجوب دفع الضرر المحتمل محلّ البحث.

و توضيح الكلام في ذلك أنّ الحكم المظنون تارة يكون من الواجبات و اخرى من المحرمات، فعلى الأوّل إن كان الواجب من الواجبات الكفائية النظامية التي يتوقف عليها نظام المعاش كالطبابة و الخياطة و غيرهما، فلا يعود إلى شخص الفاعل مصلحة حتى يكون ترك مظنون الوجوب موجبا لفوات منفعة منه، بل تكون المصلحة عائدة إلى النوع و فوت المصالح النوعية على تقدير كونها معدودة من الضرر، لكنه ليس من الضرر الذي يستقل العقل بقبح ارتكاب مظنونه لأنّ مورد حكم العقل بلزوم دفع الضرر المحتمل هو الضرر الشخصي لا النوعي، مضافا إلى أنّ الحقّ عدم صدق الضرر على عدم النفع فإنّ من ترك معاملة يكون ربحها ألف دينار مثلا لا يقال: إنّه تضرر و خسر، بل يقال إنّه لم يربح.

و إن كان الواجب من الواجبات العينيّة التي تعود مصالحها إلى فاعليها فالظن به و إن كان ملازما للظن بالمصلحة إلّا أنّ كون فوات المصلحة من الضرر الذي يستقل العقل بقبح الإقدام على مظنونه غير ثابت، لعدم كون فوات المصلحة من الضرر و النقص، و قياسه بحرمة الإضرار على النفس- ظاهرا كما إذا قطع رجله أو يده أو اذنه، أو باطنا كتعطيل إحدى حواسّه الخمس أو تعطيل قوته الشهوية عن التوالد و التناسل- لا وجه له، لأنّ حرمة هذه الإضرارات ثبتت بالأدلة الخاصة تعبدا

293

و لا يتوهم جوازها بقاعدة الناس مسلطون على أموالهم و أنفسهم‏ (1).

و بالجملة فلم يثبت حكم العقل بلزوم جلب المصالح و المنافع لعدم صدق الضرر على فواتها، ضرورة أنّه إذا ترك التاجر معاملة يكون ربحها ألف دينار مثلا لا يقال: إنّه تضرر و خسر بل يقال: إنّه لم ينتفع بهذه المعاملة، فعدم النفع ليس ضررا حتى يستقل العقل بوجوب دفعه.

فتلخص أنّ الظن بالوجوب و إن كان مستلزما للظن بالمصلحة إلّا أنّ فوت المصلحة لما لم يكن من الضرر فلا يحكم العقل بلزوم الإتيان بمظنون الوجوب، هذا تمام الكلام في مظنون الوجوب.

و على الثاني: أي كون المظنون الحرمة فالظن بها يلازم الظن بالمفسدة على فعل ما ظن بحرمته، و لا يبعد أن يكون العقل مستقلا بلزوم دفع المفسدة المظنونة المفروض كونها كالضرر الدنيوي الذي يكون العقل حاكما بوجوب دفعه، كما يشاهد كثيرا من دفع الإنسان اللص و قاطع الطريق و غيرهما ممن يريد نهب الأموال.

و على هذا فيكون الظن بالحرمة ملازما للظن بالضرر الذي يحكم العقل بلزوم دفعه و بقاعدة الملازمة يستكشف الحكم الشرعي، لأنّ حكم العقل بلزوم دفع المفسدة المظنونة يكون في سلسلة علل الأحكام و ملاكاتها، إذ المفروض أنّ المفسدة المظنونة علة للجعل و ملاك له لا معلولا له حتى لا تكون مصب قاعدة الملازمة.

و الحاصل أنّ هذا الدليل يثبت حجيّة الظن بالحرمة دون الظن بالوجوب لكون الظن بالحرمة صغرى لكبرى وجوب دفع الضرر المظنون دون الظن بالوجوب.

[كلام الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) في منع الصغرى، و ردّ الميرزا النائيني (قدّس سرّه) عليه‏]

و لكن الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه)(2) مع اعترافه بالملازمة بين الظن بالحكم و بين‏

____________

(1) أقول: لأنّه على تقدير وجود أنفسهم في الرواية لا يكون بمعناه ما ذكر بل له معنى آخر و هو التسلط على ذممهم فإنّهم مسلطون على إشغال ذممهم بشي‏ء، كما إذا اجر نفسه للخياطة أم اشترى شيئا بعين ذمته.

(2) فرائد الاصول/ 109.

294

الظن بالضرر الذي يجب عقلا دفعه و اعترافه بكون المفسدة الكامنة في الحرام من الضرر الذي يجب دفعه. منع الصغرى بما حاصله: أنّ الضرر أي المفسدة و إن كان مظنونا، لكنه يكون متداركا و العقل لا يستقل بلزوم دفع الضرر المتدارك، فإنّ المتدارك ليس من الضرر الذي يحكم العقل بلزوم دفعه.

بيانه: أنّ أدلة الاصول الشرعية من البراءة و الاستصحاب النافيين للحرمة إن كانت قطعية الصدور تكون موجبة لتدارك الضرر المظنون قطعا، و إن كانت ظنية الصدور فتكون المفسدة المظنونة مظنونة التدارك و لا يستقل العقل بلزوم دفع الضرر المظنون المتدارك قطعيا أو ظنيا، فالظن بالحرمة و إن كان ملازما للظن بالمفسدة إلّا أنّها تتدارك قطعا أو ظنا، و على التقديرين لا يكون الضرر المتدارك كذلك من صغريات لزوم دفع الضرر المظنون، فعلى هذا لا يكون هذا الدليل أعني وجوب دفع الضرر المحتمل عقلا دليلا على كون الظن حجة كما هو المدّعى.

و وجه عدم دليليته بالنسبة إلى الظن بالحرمة عند الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) هو كون الضرر المظنون من الضرر الذي علم بتداركه أو ظن به و لم تثبت صغروية الضرر المتدارك لكبرى لزوم دفع الضرر المحتمل.

و قد أورد عليه الميرزا النائيني (قدّس سرّه) بوجوه:

أحدها: أنّ تمامية البرهان المزبور بمعنى الاعتراف بالصغرى و هو استلزام الظن بالحكم للظن بالضرر أي المفسدة، و صحة الكبرى و هي لزوم دفع الضرر المحتمل عقلا توجب حجيّة الظن بالحرمة، و لا تصل النوبة حينئذ إلى الاصول العملية النافية للتكليف لورود أو حكومة الظن المعتبر الذي هو من الأدلة الاجتهادية المثبتة للواقع على الاصول العملية المجعولة في ظرف الشك و عدم الحجة على الواقع. و بالجملة لا تجرى الاصول في مورد الظن بالحرمة كما هو واضح.

ثانيها: أنّ العموم في كلّ مورد إنما يشمل الأفراد التي لا يتوقف شمول العام لها

295

إلى مئونة زائدة من إثبات أمر آخر فيكون العام شاملا لأفراده التي لا تتوقف على إثبات أمر خارجي، نعم إذا انحصرت افراد العام في ما يتوقف على إثبات أمر فلا محالة يثبت ذلك الأمر، إذ لو لم يثبت ذلك الأمر لكان التشريع لغوا، كما إذا فرضنا أنّ الدليل الخاص قام على جريان أصل من الاصول التي لا تكون مثبتاتها حجة في مورد و كان لذلك المورد لازم لو لم يثبت ذلك اللازم لم تجر البراءة فيه، فلا محالة يكون ذلك الأصل المثبت حجة، و في المقام يتوقف جريان البراءة على إثبات التدارك و إلّا فلا تجري فيه البراءة، إذ يلزم التفويت بدون التدارك و حيث إنّ دليل البراءة عام يشمل غير مورد الظن بالحكم و هو المشكوكات و الموهومات فلا يلزم من عدم جريانها في المقام لغوية، و على هذا فلا موجب لجريان الاصول العملية في ما نحن فيه بعد وضوح دفع لغويته بجريانها في المشكوكات و الموهومات.

ثالثها: أنّ لزوم تدارك المفسدة على الشارع إنّما يكون في ما إذا كان الموقع فيها هو الشارع كما في حال انفتاح باب العلم، و أما مع وقوع العبد في المفسدة على كلّ حال كما في حال الانسداد على ما هو المفروض فإنّ الوقوع في المفسدة ليس من ناحية الشارع حتى يكون عليه تداركها.

و بالجملة فما أفاده الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) من منع الصغرى لأجل تدارك الضرر أي المفسدة المظنونة في مظنون الحرمة بجريان البراءة و ترخيص الشارع في الترك لا يمكن المساعدة عليه، بل لا بدّ في منع الصغرى من عدم تسليم كون المفسدة من قبيل الضرر الدنيوي الذي يحكم العقل بلزوم رفعه.

فتلخص ممّا ذكرنا أنّ الميرزا النائيني (قدّس سرّه) يمنع الصغرى من ناحية منع كون المفسدة من الضرر الدنيوي اللازم الدفع فلا يكون هذا الدليل العقلي دليلا على حجيّة الظن بالحكم.

ثمّ إنّ الميرزا النائيني (قدّس سرّه) ذكر أنّه يوجد تهافت بين ما أفاده الشيخ‏

296

الأنصاري (قدّس سرّه) هنا من جريان البراءة في مظنون الحرمة، و بين ما ذكره في مبحث البراءة (1) من عدم جريان البراءة في الظن بالضرر غير العقاب، لكون الظن طريقا شرعيا إلى الضرر الواقعي و لا تجري فيه البراءة كسائر الطرق الشرعية، لأنّ المفروض اعتراف الشيخ (قدّس سرّه) في المقام باستلزام الظن بالحكم للظن بالضرر غير العقاب و قد منع عن جريان البراءة فيه في مبحث البراءة، و مقتضى ذلك المنع عدم جريانها في محلّ البحث إذ المظنون فيه هو الضرر غير العقابي.

و لا يندفع هذا التهافت بأن يقال: إنّ الظن بالحكم يلازم الظن بالمفسدة و العقاب معا، و جريان البراءة في أحد اللازمين و هو العقاب يستلزم جريانها في اللازم الآخر و هو المفسدة.

وجه عدم الاندفاع، عدم الملازمة بين هذين اللازمين لعدم وحدة المناط فيهما، بل لكلّ منهما مناط يخصّه، فإنّ مناط جريان البراءة في العقاب هو عدم حجيّة الظن بالعقاب و عدم بيانيته للتكليف فتجري فيه قاعدة قبح العقاب بدون البيان، و مناط الضرر الغير العقابي هو استقلال العقل بلزوم دفع الضرر المظنون، فيكون الظن بيانا في نظر العقل على الحكم الشرعي و منجزا له، فلا يكون العقاب حينئذ عقابا من دون بيان.

و بالجملة فالظن بالضرر غير العقابي حجة و بيان في نظر العقل، و معه لا مسرح للبراءة، فما أفاده الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) في مبحث البراءة من عدم جريان البراءة في الظن بالضرر غير العقاب في غاية المتانة، و لا وجه لما أفاده هنا من جريانها، نعم إذا قلنا بعدم كون المفسدة المظنونة من الضرر الدنيوي الذي يحكم العقل بلزوم دفعه، فلا مانع من جريان البراءة و نفي كلّ من الضرر الدنيوي‏

____________

(1) فرائد الاصول/ 203.

297

و الاخروي بها.

و بالجملة فالبرهان الأوّل أعني لزوم دفع الضرر المظنون لا ينطبق على الظن بالحكم لعدم استلزام الظن بالضرر، إذ لو اريد من الضرر العقاب فقد عرفت عدم المجال لاحتماله فضلا عن الظن به، لكون قاعدة قبح العقاب بلا بيان جارية فيه، لما تقدم من أنّ ضابط جريانها هو لزوم ترتب العقاب على حكم لم يقصّر العبد في أداء وظيفته فيه من الفحص و السؤال فكان الاقتحام في مخالفة الواقع عن غير تقصيره، بل انحصر الموجب للوقوع في المخالفة في عدم بيان المولى و اقامة الحجة عليه، و لا إشكال في استقلال العقل حينئذ بقبح العقاب، فالضرر الاخروي العقابي مدفوع بالقاعدة و مقطوع عدمه.

و لو اريد بالضرر المصالح و المفاسد الثابتة في الأفعال الداعية إلى تشريع الأحكام على طبقها فهي لا تندفع بقاعدة قبح العقاب بلا بيان، لأنّ الوقوع فيها ليس منوطا ببيان التكليف و تنجزه، إذ الملاكات من الامور الخارجية التكوينية غير المنوطة بالبيان و الحجة.

أما بالنسبة إلى المصالح فقد عرفت المناقشة في الصغرى أعني عدم استلزام الظن بالحكم الوجوبي للظن بالضرر، لأنّ عدم النفع ليس ضررا.

و أما بالنسبة إلى المفاسد كما في الظن بالحرمة، فالصغرى و إن كانت ثابتة لأنّ المفسدة من الضرر الدنيوي الذي يحكم العقل بلزوم دفعه و لكون المفسدة المظنونة من الامور الواقعة في سلسلة علل الأحكام دون معلولاتها يكون موردا لقاعدة الملازمة الكاشفة عن حكم الشارع بما حكم به العقل، إلّا أنّ الشأن كلّه في تمامية قاعدة الملازمة، لأنّ من المعلوم كون الملاك مقتضيا للحكم لا علة له، فلا بدّ في إحراز الحكم الشرعي من الإحاطة بالمقتضي و الشرط و عدم المانع، و لا يكتفى بمجرد الظن أو العلم بالملاك في استكشاف حكم الشارع، و من الممكن ألا تكون الظروف قابلة لحكم‏

298

فلا يجعل الحكم إلّا بعد تمامية القابل.

فالأولى في ردّ البرهان العقلي المزبور هو منع قاعدة الملازمة، لا ما أفاده الشيخ (قدّس سرّه) من كون الضرر المظنون متداركا لأجل ترخيص الشارع ببركة البراءة لما تقدم مفصلا.

فتلخص من جميع ما ذكرنا أنّ الوجه العقلي المذكور لا يصلح لإثبات حجيّة الظن بالحكم الشرعي سواء اريد بالضرر العقاب أم المصالح و المفاسد فتدبر جيدا.

الوجه الثاني: ما نسب إلى السيد الطباطبائي (قدّس سرّه)

(1) من العلم بواجبات و محرمات في المشتبهات و مقتضى القاعدة و إن كان هو الاحتياط في جميع الشبهات من المظنونات و المشكوكات و الموهومات، إلّا أنّ ذلك لما كان مستلزما للعسر و الحرج المنفيين في الشريعة فلا بدّ من الأخذ بالمظنونات فقط و ترك المشكوكات و الموهومات لأجل العسر.

و فيه: أنّ هذا الدليل بعض مقدمات الانسداد الكبير الآتي و مع عدم ضمّ سائر المقدمات إليه لا يترتب عليه المقصود كما لا يخفى.

الوجه الثالث: [أنّ في تقديم غير المظنونات على المظنونات، ترجيح المرجوح على الراجح‏]

من الوجوه العقلية التي اقيمت على حجيّة الظن المطلق في الأحكام الشرعية على ما ذكره بعض من أنّ العمل بغير المظنونات من المشكوكات و الموهومات يستلزم ترجيح المرجوح على الراجح و هو قبيح عقلا فلا بدّ من العمل بالظن فيكون الظن حجة.

و فيه: أنّ وجوب العمل بالظن منوط بضم سائر المقدمات الآتية في دليل الانسداد إلى هذا الوجه الذي هو من تلك المقدمات فالوجه الثاني ملفق من جملة من مقدمات الانسداد و هذا الوجه هو المقدمة الأخيرة من تلك المقدمات و ليس وجها

____________

(1) حكاه في فرائد الاصول/ 111.

299

و فيه: أنّ وجوب العمل بالظن منوط بضم سائر المقدمات الآتية في دليل الانسداد إلى هذا الوجه الذي هو من تلك المقدمات فالوجه الثاني ملفق من جملة من مقدمات الانسداد و هذا الوجه هو المقدمة الأخيرة من تلك المقدمات و ليس وجها على حدة و برهانا برأسه.

فالأولى صرف عنان الكلام إلى:

الوجه الرابع: المعروف بدليل الانسداد

و قبل الشروع فيه لا بأس بالتنبيه على أمر و هو: أنّه قد اصطلح الاصوليون على تسمية الظن الذي ثبت اعتباره بغير دليل الانسداد بالظن الخاص، و تسمية الظن الذي يكون دليل اعتباره دليل الانسداد بالظن المطلق، فإذا ثبت حجيّة خبر العادل مثلا بالكتاب أو السنة أو الإجماع مثلا يسمى بالظن الخاص، و إذا ثبت بالدليل العقلي المعروف بدليل الانسداد يسمى بالظن المطلق و إن كان الثابت بدليل الانسداد الخبر الصحيح الأعلائي.

[مقدمات دليل الانسداد:]

ثمّ إنّه وقع البحث في عدد مقدمات دليل الانسداد، فالشيخ الأنصاري (قدّس سرّه)(1) جعلها أربعا و المحقق الخراساني (قدّس سرّه)(2) جعلها خمسا بزيادة العلم بالأحكام عليها و الميرزا النائيني (قدّس سرّه) تبع الشيخ الأنصاري في ذلك و جعلها أربعا بدعوى أنّ العلم الإجمالي بالأحكام من أدلة المقدمة الثانية و هي عدم جواز إهمال الأحكام و وجوب التعرض لامتثالها، إما لقاعدة العلم الإجمالي، و إما للإجماع على وجوب التعرض لها، و إما لاستلزام إهمالها للخروج عن الدين.

و الحقّ ما ذكره الشيخ الأنصاري و الميرزا النائيني (قدّس سرّه) من تربيع المقدمات، لأنّ العلم بوجود الشريعة مثل العلم بوجود النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و إمامة الأئمة (عليهم السّلام) من‏

____________

(1) فرائد الاصول/ 111

(2) كفاية الاصول/ 311.

300

الثانية.

و كيف كان فلا بدّ في أخذ النتيجة من مقدمات أربع:

[المقدمة] الاولى: و هي عمدتها انسداد باب العلم و العلمي في معظم الأحكام الشرعية

، بل اقتصر بعض المتقدمين على ما قيل في أخذ النتيجة على هذه المقدمة و غيرها من المقدمات قد اضافها المتأخرون.

الثانية: عدم جواز إهمال الوقائع المشتبهة و إجراء البراءة فيها.

الثالثة: بطلان الرجوع إلى الطرق المقرّرة للجاهل بالأحكام الشرعية و هي الاحتياط في جميع المشتبهات، أو الرجوع إلى الأصل المقرّر في المسألة من البراءة و الاستصحاب و التخيير و الاحتياط، أو التقليد بأخذ فتوى الغير الذي يرى انفتاح باب العلم و العلمي بها.

الرابعة: قبح ترجيح المرجوح على الراجح فإنّ ترك المظنونات و الأخذ بالمشكوكات و الموهومات يكون قبيحا، لأنّه من ترجيح المرجوح على الراجح.

و إذا تمت هذه المقدمات و لم يخدش فيها فمقتضاها لزوم العمل بالظن مطلقا أو في الجملة و كشفا و حكومة أو تبعيضا في الاحتياط على ما سيأتي تفصيله إن شاء اللّه تعالى، فلا محيص عن التعرض لكلّ مقدمة و التكلّم في تماميتها و عدمها، فنقول و به نستعين،

أما المقدمة الأولى: فملخص الكلام فيها أنّها بالإضافة إلى انسداد باب العلم قطعية، ضرورة عدم وفاء ما يوجب العلم الوجداني بالأحكام الشرعية من النص القطعي الصدور و الدلالة بمعظم الفقه، بل موارد العلم به في غاية القلة كما هو واضح للمجتهد المستنبط الخائض في الاستنباط، و بالإضافة إلى انسداد باب العلمي فهي ممنوعة أشد المنع لما عرفت من قيام الدليل على حجيّة خبر الثقة (1)، فباب العلمي‏

____________

(1) صدورا أو دلالة وجهة و حجيّة الظهور و المفروض أنّ انسداد باب العلمي منوط باختلال إحدى هذه الجهات كما تقدم.

301

مفتوح و هو واف بمعظم الفقه بحيث لو رجع إلى الاصول في غير ما قام عليه خبر الثقة لا يلزم منه محذور الخروج عن الدين أو مخالفة العلم الإجمالي أو غيرهما، و مع عدم تمامية هذه المقدمة و عدم ثبوت انسداد باب العلمي لا تصل النوبة إلى سائر المقدمات و من هنا يظهر أنّ البحث عن دليل الانسداد يكون لأجل النتائج و الفوائد العلمية فقط كما لا يخفى.

و بالجملة فانسداد باب العلمي منوط باختلال إحدى مراتب أربع و هي صدور الرواية و جهتها و ظهورها و حجيّة الظهور، و مع تماميتها بأسرها يصير باب العلمى مفتوحا و قد سبق إثبات تمامية مراتب ثلاث من هذه المراتب و هي الصدور لما عرفت من حجيّة خبر الثقة و إثبات أصل الظهورات و حجيّتها، و أما جهة الصدور فهي أيضا ثابتة كما سيأتى في محلّه إن شاء اللّه تعالى.

و عليه فيكون البحث عن دليل الانسداد فرضيا و على تقدير انسداد باب العلمي باختلال إحدى المراتب الأربع المزبورة.

و أما المقدمة الثانية: و هي عدم جواز إهمال الوقائع‏

، فهي من القطعيات، لعدم كون انسداد باب العلم و العلمي رافعا للأحكام و موجبا لصيرورة العباد كالبهائم في عدم التكليف؛ و مع ذلك قد استندوا فيها إلى وجوه ثلاثة:

أحدها: العلم الإجمالي بأحكام في الشريعة و هو منجّز فيجب امتثالها و التعرض لها.

ثانيها: أنّ الرجوع إلى أصالة العدم و البراءة يوجب الخروج عن الدين لأنّ الاقتصار على الأحكام المعلومة يوجب عدم كون المقتصر عليها ملتزما بالدين.

ثالثها: الإجماع على عدم جواز ترك التعرض للأحكام في حال الانسداد،

302

و المراد بهذا الإجماع هو التقديري لا الفعلي حتى يقال: إنّ مسألة الانسداد من المسائل المستحدثة و لم يكن منها في الأعصار السابقة عين و لا أثر، فكيف يدّعى الإجماع قديما و حديثا على عدم جواز إهمال الأحكام عند الانسداد مع عدم تعنونها في كلام القدماء، و المراد بالتقديري هو أنّ المسألة تكون بمثابة لو سئل عنها كلّ فقيه في كلّ طبقة لأجاب بلا تأمل و روية بوجوب الامتثال و عدم جواز الإهمال، فالإجماع التقديري على هذا قطعي، و لا يكون مدرك هذا الإجماع استصحاب عدم النسخ كما قد يتوهم لما فيه أولا: من عدم حجيّة استصحاب عدم النسخ كما قرّر في محلّه. و ثانيا: أنّ الكلام ليس في ثبوت الأحكام واقعا و عدمه حتى يقال بثبوتها و عدم نسخها بسبب الانسداد، بل الكلام في كون الجهل عذرا مسوغا لترك الامتثال كعذرية الجهل في الشبهات البدوية، فلا وجه لاستناد عدم جواز الإهمال إلى استصحاب عدم النسخ، أو جعل مدرك الإجماع ذلك.

كما لا يكون مدرك الإجماع العلم الإجمالي، لأنّ حجيّة العلم الإجمالي و تنجيزه محلّ الكلام، فإنّ بعض الأصحاب منع عن حجيّة رأسا حتى جعله كالشك البدوي، و بعضهم جعله كالعلم التفصيلي في حرمة المخالفة القطعية فقط، و ثالث جعله كالعلم التفصيلي في كلّ من حرمة المخالفة القطعية و وجوب موافقته القطعية، و مع هذا الخلاف كيف يجعل العلم الإجمالي مدركا للإجماع على عدم جواز الإهمال مع أنّ من المجمعين من لا يقول بحجيّة العلم الإجمالي، كما لا ينبغي جعل العلم الإجمالي مستندا للمقدمة الثانية- أعني عدم جواز إهمال الوقائع أيضا- و ذلك لأنّ دليل الانسداد لا اختصاص له بمبنى حجيّة العلم الإجمالي، بل هو أعم من ذلك فإنّ من لا يقول بحجيّة العلم الإجمالي يعترف أيضا بعدم جواز إهمال الوقائع عند الانسداد.

و بالجملة فلا ينبغي الاستناد في المقدمة الثانية إلى العلم الإجمالي و لا استناد الإجماع المزبور إليه. و حينئذ فمدرك المقدمة الثانية هو الإجماع و الخروج عن الدين‏