نتائج الأفكار في الأصول‏ / تقريرات - ج3

- السيد محمد جعفر الجزائري المزيد...
392 /
303

فقط.

ثمّ إنّ اختلاف مستند المقدمة الثانية يوجب اختلاف النتيجة، فإن كان مستندها الإجماع و الخروج عن الدين تكون النتيجة الكشف، بمعنى أنّ العقل يستكشف حجيّة الظن شرعا، لأنّ مرجع الإجماع على لزوم الامتثال و عدم جواز الإهمال إلى عدم ترخيص الشارع عباده في ترك التعرض، فلا بدّ حينئذ بحكم العقل ضرورة من نصب طريق لهم للوصول إلى التكاليف المجهولة حتى يتمكنوا من الامتثال، و من المعلوم أنّ ذلك الطريق لا بدّ من وصوله بنفسه أو بطريقه إلى العبد، و إلّا فيكون نصبه كعدمه، إذ لا يترتب أثر على طريق غير واصل و ليس في البين طريق يحرز الواقع عملا غير الاحتياط، و على هذا يكون الاحتياط مجعولا شرعيا و بعد إثبات بطلان الاحتياط و عدم طريقيته بما يأتي في وجوه المقدمة الثالثة من مقدمات الانسداد يتعيّن حجيّة الظن كشفا، إذ لا طريق غيره يحرز الواقع لعدم كون شي‏ء من الشك و الوهم كاشفا.

و إن كان مستند المقدمة الثانية أعني عدم جواز إهمال الوقائع العلم الإجمالي، فيمكن أن تكون نتيجة مقدمات الانسداد حجيّة الظن كشفا أو التبعيض في الاحتياط كما سيأتي تفصيل ذلك كلّه إن شاء اللّه تعالى فانتظر.

و بالجملة فبعد تسليم المقدمة الأولى أعني انسداد باب العلم و العلمي من باب الفرض و التنزيل ينتهي الأمر إلى المقدمة الثانية، و قد عرفت عدم الإشكال فيها لدلالة الوجوه الثلاثة المتقدمة من الإجماع و الخروج عن الدين و العلم الإجمالي عليها، غاية الأمر أنّ المدرك إن كان العلم الإجمالي تكون النتيجة وجوب الاحتياط عقلا كسائر موارد العلم الإجمالي. و إن كان المدرك غيره من الوجهين الأولين أعني الإجماع على عدم جواز الإهمال و الخروج عن الدين بناء على عدم منجزية العلم الإجمالي و كونه كالشك البدوي كما عليه بعض، فتكون النتيجة حينئذ حجيّة

304

الاحتياط و وجوبه شرعا، نظير الاحتياط في الشبهات البدوية التحريمية بناء على أظهرية أخبار الاحتياط سندا و دلالة- خصوصا أخبار التثليث لظهورها في كون الهلاك المحتمل في الشبهة هو العقاب الاخروي- من أدلة البراءة كما عليه المحدثون.

توضيح كون النتيجة على تقدير استناد المقدمة الثانية إلى الإجماع و الخروج عن الدين بالبرهان اللمي كما صرح به في الكفاية وجوب الاحتياط شرعا، هو: أنّ مبغوضية الإهمال عند الشارع تلازم محبوبية ضده أعني الامتثال عنده بحيث تكون مبغوضية الإهمال علة لمطلوبية الامتثال و إحراز الأحكام، و من المعلوم أنّ الطريق المحرز بنفسه للأحكام من دون إناطة محرزيته بمئونة هو الاحتياط، فإنّه بنفسه يحرز عملا أحكام الشارع بخلاف الظن فإنّ محرزيته للأحكام منوطة بعناية التعبد، فالمستكشف من عدم جواز الإهمال شرعا ببرهان اللم هو وجوب الاحتياط لأنّه الطريق الواصل بنفسه، و سيأتي توضيح المراد من الطريق الواصل بنفسه أو بطريقه.

فالمتحصل ممّا ذكرنا أنّ نتيجة المقدمة الثانية هي وجوب الاحتياط عقلا الرافع لقاعدة قبح العقاب بلا بيان إن كان مدركها العلم الإجمالي، فيجب عقلا إتيان كلّ محتمل الوجوب و ترك كلّ محتمل الحرمة فيجب ترك شرب التتن و الأثمار المستحدثة و غيرهما ممّا لم يكن في زمان صدور الروايات، و من المعلوم أنّ هذا الاحتياط يستلزم الاختلال بالنظام، و بمقتضى أنّ الضرورات تتقدر بقدرها يرفع اليد عن المقدار المخلّ و يبقى الباقي، فلا بدّ حينئذ من تقليل النوم و الأكل و غيرهما من الضروريات و صرف الوقت في الاحتياط بما لا يخل بالنظام كما لا يخفى.

و أما إن كان مدرك المقدمة الثانية الإجماع و الخروج عن الدين فتكون النتيجة وجوب الاحتياط شرعا، لأنّه بعد البناء على ثبوت الأحكام و عدم سقوطها بانسداد باب العلم و العلمي و لزوم الامتثال، فإن أراد امتثالها تفصيلا فهو غير مقدور لعدم العلم التفصيلي بالوجوب و الحرمة، و الالتزام بكون محتمل الوجوب واجبا واقعا

305

تشريع محرم فينحصر الأمر في الاحتياط، لأنّه محرز بنفسه للأحكام و واصل بنفسه من دون حاجة في وصوله إلى مئونة و عناية كالظن، فإنّ محرزيته موقوفة على مئونة التعبد، و على هذا فالاحتياط واجب شرعا و به يخرج عن قاعدة قبح العقاب بلا بيان كالخروج عنها في الشبهات البدوية التحريمية بوجوب الاحتياط شرعا عند المحدثين.

فلا يقال: إنّه بعد البناء على عدم منجزية العلم الإجمالي بم يرفع اليد عن قاعدة قبح العقاب بلا بيان؟ و ذلك لما عرفت من كون النتيجة بناء على الإجماع و الخروج عن الدين هي وجوب الاحتياط شرعا الرافع لقاعدة القبح المذكورة كما لا يخفى.

أما المقدمة الثالثة: [بطلان الرجوع إلى الطرق المقررة للجاهل‏]

؛ فينتهي الأمر إليها بعد أن ثبت بالمقدمة الثانية عدم جواز الإهمال بسبب انسداد باب العلم و العلمي و وجوب التعرض لامتثالها، و يبحث حينئذ عن الطرق المتكفلة للامتثال من التقليد و الأصل الجاري في كلّ شبهة و الاحتياط في جميع الوقائع و الظن، أما التقليد فلا مسرح له في المقام لكون المجتهد المعتقد بانفتاح باب العلمي و حجيّة الأخبار مخطئا في نظر من يرى الانسداد، و يعتقد الانسدادي بجهل ذلك المفتي و عدم اجتهاده و أنّ رجوعه إليه يكون من رجوع العالم إلى الجاهل،

[بطلان التقليد و الرجوع إلى الأصل في كلّ شبهة]

و أما الرجوع إلى الأصل في كلّ شبهة فلما سيأتي من أنّ مدرك الاصول الشرعية هي الروايات و حجيّتها غير ثابتة لانسداد باب العلمي من دون تفاوت في انسداد باب العلمي بين الأخبار المتكفلة للأحكام الواقعية و بين الأخبار المتضمّنة لوظيفة الشاك، مضافا إلى عدم جريان الاصول المثبتة في الأحكام لعدم العلم بثبوتها سابقا حتى يشك في بقائها فيستصحب، بل هو مشكوك الحدوث فلا وجه للاستصحاب و لو مع الغض عن عدم اعتبار دليله، نعم الاستصحاب المثبت يمكن جريانه في الشبهات الموضوعية لكنها خارجة عن البحث، إذ الكلام في الشبهات الحكمية دون الموضوعية فيبقى الاحتياط و الظن، و حيث إنّ الطريق الواصل بنفسه‏

306

من دون حاجة إلى عناية و تعبد هو الاحتياط دون الظن لافتقار حجيّته و عذريته حين الخطأ إلى الجعل الشرعي بخلاف الاحتياط لكونه بنفسه محرز للواقع عملا، فيتعيّن الاحتياط و يكون النتيجة حجيّة الاحتياط دون سائر الطرق المقرّرة للجاهل، و حينئذ فعلى تقدير كون مدرك المقدمة الثانية- أعني عدم جواز الإهمال- العلم الإجمالي يكون الاحتياط واجبا عقلا فإن لم يكن التام منه مخلا بالنظام فهو، و إلّا فيحكم بما لا يخل به‏

[كلام صاحب الكفاية (قدّس سرّه) في الاحتياط العقلي و الاحتياط الشرعي‏]

، و إن كان غير المخل بالنظام موجبا للعسر و الحرج فهل يرتفع وجوب الاحتياط العسر بأدلة العسر و الحرج أم لا بل يجب عقلا الاحتياط و إن كان موجبا للعسر و المشقة؟ ظاهر المحقق صاحب الكفاية (قدّس سرّه)(1) عدم ارتفاع الاحتياط العسر بدليل العسر، لأنّ دليل العسر يكون حاكما على ما يكون وضعه و رفعه بيد الشارع و الاحتياط العقلي الواقع في مقام الإطاعة التي هي من سلسلة معلولات الأحكام ليس ممّا يقبل الوضع و الرفع التشريعيين، فلا مجال لحكومة دليل العسر عليه فيجب الاحتياط عقلا و إن كان مستلزما للعسر و الحرج.

إلّا أن يقال: إنّ الملقي في الحرج هي الأحكام الشرعية، إذ لو كانت هي معلومة تفصيلا لم يكن في امتثالها حرج و الجهل بها أوجب الجمع بين المحتملات، فالمنشأ للعسر هو الحكم الشرعي و يرتفع بدليل الحرج، لكن صاحب الكفاية (قدّس سرّه) استشكل في حكم العقل بالاحتياط في ما دون العسر بعد ارتفاع مقدار العسر بدليل رفع الحرج، فيكون التبعيض في الاحتياط العقلي على هذا البيان بدون المدرك، إذ لم يعلم كون العقل حاكما بالاحتياط غير العسري فيحتمل أن يكون النتيجة التبعيض في الاحتياط أو حجيّة الظن، خلافا للميرزا النائيني (قدّس سرّه) فإنّه بنى على حكومة العقل بالاحتياط و أنّه يلزم العبد على الامتثال في كلّ حال و لو الامتثال الاحتمالي، فإذا

____________

(1) كفاية الاصول/ 313.

307

ارتفع وجوب الاحتياط العقلي في مقدار العسر يحكم بلزوم الاحتياط في غير ذلك المقدار لعدم جواز الإهمال و وجوب التعرض في أيّ حال و بأيّ نحو كان.

نعم ذكر صاحب الكفاية (قدّس سرّه) أنّ الاحتياط إذا كان شرعيا- كما إذا استندنا في المقدمة الثانية إلى غير العلم الإجمالي من الوجهين الآخرين أعني الإجماع و الخروج عن الدين، لأنّ وجوب الاحتياط حينئذ يكون شرعيا كوجوبه في الأموال و الدماء و الأعراض- يكون دليل العسر رافعا لوجوب الاحتياط العسر، و يبقى وجوبه في غير المقدار العسر على حاله ما يظهر منه في ما ذكره في المقدمة الخامسة من تعيّن الأخذ بالظن، لأنّه يكون من باب التبعيض في الاحتياط لا حجيّة الظن.

و بالجملة فما يظهر من الكفاية حكومة دليل العسر على الاحتياط العسر إذا كان وجوبه شرعيا.

لكن الميرزا النائيني (قدّس سرّه) أنكر ذلك و قال ما حاصله: أنّ دليل العسر إنّما يكون حاكما على الحكم الثابت لفعل ذي حالين العسر و غيره، فدليل العسر حينئذ يرفع الحكم الثابت لذلك الفعل مطلقا- على ما يقتضيه إطلاق دليل ذلك الحكم- عن ذلك الفعل في خصوص حالته الحرجية، و أما إذا كان الفعل المتعلق به الحكم في طبعه حرجيا كالخمس و الزكاة و الجهاد و غيرها من المضار التي جعلت لها أحكام شرعية فلا يكون دليل الحرج أو الضرر رافعا له لأنّ مقتضي الشي‏ء و معطيه لا يكون رافعا له، و الاحتياط من هذا القبيل لأنّ طبع الاحتياط فيه مشقة و حرج فلا يرتفع بدليل الحرج، بل الاحتياط الشرعي واجب و إن كان عسريا لما عرفت.

و لا بأس بزيادة توضيح لما أفاده صاحب الكفاية (قدّس سرّه)(1) في المقام فنقول: إنّ محصل ما أفاده في الاحتياط الذي يتعيّن بعد إبطال التقليد و عدم وفاء الاصول المثبتة

____________

(1) كفاية الاصول/ 313.

308

للأحكام بضميمة ما علم من التكاليف بالدليل القطعي من الخبر المتواتر و الآحاد المحفوفة بالقرائن القطعية بمعظم الفقه و عدم كون الظن طريقا و اصلا بنفسه، هو تعيّن الأخذ بالاحتياط لكونه و اصلا بنفسه و على هذا يقع الكلام في مقامين:

[المقام‏] الأوّل: في كون الاحتياط عقليا.

و الثاني: في كونه شرعيا.

أما المقام الأوّل: فحاصله: أنّ الاحتياط في المقدمة الثالثة عقلي بناء على كون مستند المقدمة الثانية- و هي عدم جواز الإهمال- العلم الإجمالي، و من المعلوم أنّ الاحتياط المخل بالنظام ممّا لا يحكم به العقل لقبحه لكن يحكم بما دونه و إن كان عسريا، و لا يرتفع عسره بدليل نفي العسر و الحرج لعدم حكومته على الأحكام‏ (1)، لأنّ الحكومة عنده عبارة عن الشرح و التفسير بكلمة أعني و أي و شبههما، و ليس دليل العسر شارحا لأدلة الأحكام الأولية، فتقدم دليل العسر عليها يكون لأجل التوفيق العرفي حيث إنّ عدم تقدمه عليها يوجب الغاء دليل العسر أصلا، إذ لا يبقى له مورد بخلاف تقدمه على أدلة الأحكام لبقاء المورد لها، ضرورة أنّ الوضوء مثلا بعد أن كان على قسمين حرجي و غيره فإذا ارتفع وجوب القسم الحرجي منه يبقى تحت الوجوب القسم الآخر منه، فدليل العسر من قبيل قاعدتي التجاوز و الفراغ بالنسبة إلى الاستصحاب الثابت في موردهما في أنّه إذا قدم الاستصحاب على قاعدتي التجاوز و الفراغ لا يبقى لهما مورد فلا محالة تتقدمان على الاستصحاب.

و مورد التوفيق العرفي هو الدليلان اللفظيان المتكفلان للحكم الشرعي دون الحكم العقلي كالاحتياط في المقام و دليل الحكم الشرعي، فلا بدّ من ملاحظة التوفيق العرفي بين دليل الحكم الشرعي الذي يجب مراعاته عقلا بالاحتياط و بين دليل العسر

____________

(1) كفاية الاصول/ 383.

309

و لم يذكر صاحب الكفاية (قدّس سرّه) في هذا المقام أعني الانسداد نتيجة ملاحظة دليل العسر مع دليل الحكم الواقعي، و هل تكون نتيجة هذه الملاحظة ارتفاع العسر الناشئ من الاحتياط و التبعيض في الاحتياط العقلي، أم تكون النتيجة ارتفاع التكليف رأسا و جواز إهمال الأحكام في ظرف الشك فيها، فتبطل المقدمة الثانية أعني عدم جواز الإهمال و يصير دليل الانسداد عقيما غير منتج لشي‏ء من حجيّة الظن حكومة كما عليه الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه)(1) أو كشفا أو التبعيض في الاحتياط.

و مقتضى ما بنى عليه في العلم الإجمالي هو جواز الإهمال و صيرورة دليل الانسداد عقيما، حيث إنّه قد بنى على عليته لكلّ من وجوب الموافقة القطعية و حرمة مخالفته في ما إذا كان الحكم المعلوم إجمالا فعليا من جميع الجهات و عدم منجزيته و جواز مخالفته القطعية في ما إذا لم يكن كذلك، كما إذا رخص الشارع في بعض الأطراف، فإنّ الترخيص يكشف عن عدم فعلية الحكم من جميع الجهات، و مع عدم الفعلية يجوز المخالفة القطعية لعدم إرادة الشارع امتثاله في ظرف الشك فيه، فالقصور يكون في المعلوم لا العلم و إلّا فمع فعلية المعلوم لا يجوز الترخيص حتى بدليل خاص و يكون حال العلم الإجمالي حال العلم التفصيلي في التنجيز، و لذا بنى هو (قدّس سرّه)(2) في الاضطرار إلى أحد الأطراف مطلقا سواء كان الاضطرار قبل العلم أم بعده و كان إلى المعيّن أم غيره على جواز المخالفة القطعية و ارتكاب جميع الأطراف، و ما نحن فيه من هذا القبيل حيث إنّ العسر من مراتب الضرر و يكون رافعا للحكم العسري كرافعية الضرر للحكم الضرري، فإن كانت الأحكام الواقعية في الموهومات و المشكوكات التي يرفع اليد عنها لأجل العسر فلا حكم حتى يجب امتثاله و إن كانت في المظنونات فلا يجب امتثالها لعدم فعليتها من جميع الجهات، فالترخيص في موارد العسر يوجب‏

____________

(1) فرائد الاصول/ 139.

(2) كفاية الاصول/ 360.

310

قصور المعلوم فلا يكون العلم الإجمالي حينئذ منجزا و يجوز مخالفته القطعية.

فالمتحصل أنّ الاحتياط إن كان لأجل العلم الإجمالي فيكون الترخيص في بعض الأطراف كاشفا عن عدم فعلية المعلوم فلا يكون هذا العلم منجزا و لا بأس بمخالفته، فنتيجة دليل الانسداد حينئذ جواز إهمال الأحكام و بطلان الاحتياط كالشك البدوي و عدم وصول النوبة إلى الكشف و الحكومة لعدم منجز يجب امتثاله.

و أما المقام الثاني: و هو كون الاحتياط شرعيا

لأجل الخروج عن الدين و الإجماع على عدم جواز الإهمال، فحاصله: أنّ الاحتياط حينئذ يكون كسائر الأحكام الشرعية التي يوفق بينها و بين دليل العسر بتقديم العسر عليها، فالاحتياط العسري مرفوع بدليل العسر و غيره باق على حاله، فالمقدمة الثالثة التي هي نتيجة المقدمة الثانية عبارة عن التبعيض في الاحتياط الشرعي.

فتلخص من جميع ما ذكرنا أنّه على مذهب صاحب الكفاية (قدّس سرّه) تكون النتيجة بناء على الاحتياط العقلي جواز إهمال الأحكام، و بناء على الاحتياط الشرعي تكون النتيجة التبعيض في الاحتياط الشرعي لا الحكومة و لا حجيّة الظن كشفا، هذا توضيح كلام صاحب الكفاية (قدّس سرّه) في المقام‏ (1).

[إشكال الميرزا النائيني (قدّس سرّه) على صاحب الكفاية (قدّس سرّه)‏]

و الميرزا النائيني (قدّس سرّه) قد اعترض على ذلك كلّه، أما على ضابط الحكومة فبعدم انحصار ضابطه في التفسير و الشرح بكلمة أعني و أي و نحوهما بل موارد التوفيقات العرفية طرا من التخصيص و التقييد و تقديم الأظهر و النص على الظاهر و غير ذلك تكون من الحكومة، نعم يكون التفسير بأي و نحوه من أنحاء الحكومة فإنّ هناك معاني أربعة قد اصطلح عليها باصطلاحات أربعة، لأنّ خروج شي‏ء عن دليل تارة:

يكون خروجا موضوعيا تكوينيا كخروج الجاهل عن العلماء الواجب إكرامهم،

____________

(1) كفاية الاصول/ 313.

311

و اخرى: يكون بعناية التعبد، فإن كان ذلك الخروج بلسان المعارضة يكون تخصيصا. و إن كان الخروج لا بلسان المعارضة فإن كان خروجه بنفس التعبد يسمى بالورود، كخروج ما قام عليه وجوب الاحتياط عن قاعدة قبح العقاب من دون بيان، فإنّ الشبهة بمجرد قيام الدليل على وجوب الاحتياط فيها تخرج عن قاعدة القبح المذكورة مع عدم إحراز الاحتياط لحكم الواقعة و بقائها على الشبهة و السترة، و هذا القسم يسمى بالورود، و إن كان خروجه لا بمجرد التعبد بل بإثباته للمؤدى كالأمارات فإنّها تحرز الواقع و بإحرازها للواقع تقدم على قاعدة القبح المذكورة فيسمى بالحكومة.

و إن شئت عبارة وجيزة جامعة لهذه المعاني فقل: إنّ خروج شي‏ء عن دليل إن كان تكوينيا فهو التخصّص، و إن كان تعبديا فإن كان بلسان المعارضة فهو التخصيص، و إلّا فإن كان بمجرد التعبد فهو الورود، و إن كان بإثباته أي إحرازه للمؤدى فهو الحكومة.

و بالجملة فالحكومة لا تختص بالشرح و التفسير كما أفاده صاحب الكفاية (قدّس سرّه).

و أما ما أفاده صاحب الكفاية (قدّس سرّه) من أنّه على تقدير تقدم دليل العسر على الأحكام الواقعية الموجب للترخيص في ترك بعض المحتملات، يسقط العلم الإجمالي عن التنجيز رأسا و تجوز مخالفته القطعية و إهمال الأحكام و لا يحكم العقل بالاحتياط غير العسر.

ففيه: أنّ العقل يحكم بالاحتياط جزما لحكمه بوجوب الامتثال بقدر الإمكان، و لذا يحكم بمراتب عديدة للامتثال العلمي التفصيلي و الإجمالي و الظني و الاحتمالي، فإذا تعذر مرتبة من هذه المراتب يحكم العقل بالمرتبة النازلة منها و لا يسقط عن الحكم بلزوم الإطاعة بالترخيص في بعض الأطراف لأجل العسر كما ذكره صاحب الكفاية (قدّس سرّه)، و لذا أفاد الميرزا النائيني (قدّس سرّه) في الاضطرار إلى بعض‏

312

الأطراف أنّه لا يوجب سقوط التكليف رأسا، إذ الضرورات تتقدر بقدرها بل اللازم التبعيض في الاحتياط العقلي، فمجرد الترخيص في بعض الأطراف لأجل العسر لا يوجب سقوط الاحتياط رأسا.

و أما ما أفاده صاحب الكفاية (قدّس سرّه) من أنّ الاحتياط إذا كان شرعيا كما إذا كان مدرك المقدمة الثانية الإجماع و الخروج عن الدين يكون كسائر الأحكام الشرعية التي يقدم عليها دليل العسر و يبقى منها ما لا عسر فيها، ففي المقام يرتفع ما هو عسر من الاحتياط و يبقى من الاحتياط ما لا عسر فيه، فالنتيجة حينئذ التبعيض في الاحتياط الشرعي.

ففيه: أنّ دليل العسر لا يتقدم على الاحتياط الشرعي، لأنّ طبع الاحتياط عسري فكيف يكون العسر رافعا له، إذ لا يعقل أن يكون مقتضى الشي‏ء رافعا له، بل يقدم وجوب الاحتياط على دليل العسر نظير تقدم وجوب الخمس و الزكاة- و غيرهما من التكاليف المالية الموجبة لنقص المال- على أدلة الضرر، فإنّ الحكم الثابت لشي‏ء بعنوان الضرر أو الحرج أو النسيان أو الاضطرار و نحوها لا يرتفع بما دلّ على نفي الضرر و الحرج و النسيان و غيرها كما حقق في محلّه، و على هذا فالنتيجة وجوب الاحتياط شرعا و إن كان موجبا للعسر، نعم العسر المخل بالنظام غير مجعول لقبحه عقلا.

و لا بأس في توضيح كلام صاحب الكفاية زائدا على ما تقدم فنقول: إنّ محصل مرام صاحب الكفاية (قدّس سرّه)(1) هو أنّ الاحتياط العقلي المستند إلى العلم الإجمالي إذا كان مخلا بالنظام فلا ريب في عدم حكم العقل بحسنه بل يحكم بقبحه، و بحسن ما دونه، و أما إذا كان موجبا للعسر فلا يكون دليل العسر مقدما عليه لأنّ المرفوع‏

____________

(1) كفاية الاصول/ 313.

313

بدليل الحرج لا بدّ أن يكون مجعولا شرعيا حتى يرفعه الرافع الشرعي، نعم يكون رافعا لنفس الأحكام الشرعية التي تكون بضميمة حكم العقل بامتثالها موجبة للعسر، و حينئذ يبطل الاحتياط رأسا حتى في غير المقدار الموجب للعسر، و ذلك لما ذكره (قدّس سرّه)(1) في محلّه من التلازم بين وجوب الموافقة القطعية و بين حرمة المخالفة كذلك في موارد العلم الإجمالي، و منافاة الترخيص في بعض الأطراف لفعلية الحكم المعلوم إجمالا، لأنّ فعلية الحكم من جميع الجهات حتى في حال الشك معناها مطالبة الحكم و عدم رفع اليد عنه في حال من الحالات، و هذا المعنى ينافيه الترخيص في جميع الأطراف، و في بعضها.

أما الأوّل: فواضح، و أما الثاني: فلأنّ التنجيز على كلّ تقدير معناه المطالبة و إن كان المعلوم منطبقا على مورد الترخيص، و من المعلوم منافاة الترخيص لهذه الفعلية، فالترخيص حينئذ يكشف عن عدم فعلية التكليف من جميع الجهات و مع عدم الفعلية ليس في البين حكم معلوم حتى يجب امتثاله و موافقته، بل يكون الحكم في الطرف غير المأذون فيه مشكوكا فيجوز ارتكابه كارتكاب الطرف المأذون فيه، و العلم الإجمالي المنجز عبارة عن العلم بالحكم الفعلي من تمام الجهات، و الشرائط التي ذكروها لتنجيز العلم الإجمالي ترجع إلى الموضوع أعني العلم بالحكم و إلّا فمع العلم بالتكليف الفعلي لا يكون تنجيزه مشروطا بشي‏ء.

و كيف كان فبناء على مبنى الكفاية من التلازم في العلم الإجمالي بين حرمة المخالفة القطعية و بين وجوب الموافقة القطعية، و كون الترخيص في بعض الأطراف موجبا لسقوط العلم الإجمالي عن الأثر بالكلّية و كونه كالشك فلا باس بالمخالفة القطعية، بل التعبير بالمخالفة مسامحة بعد أن كان الترخيص كاشفا عن عدم فعلية

____________

(1) كفاية الاصول/ 273 و 359.

314

الحكم فيبطل الاحتياط العقلي رأسا.

و الحاصل: أنّ تقدّم قاعدة العسر على الاحتياط العقلي يوجب بطلان الاحتياط رأسا لصيرورة العلم الإجمالي بالترخيص في بعض الأطراف لأجل العسر بلا أثر، و لذا ذكر هو (قدّس سرّه) في مسألة الاضطرار إلى بعض الأطراف أنّ الاضطرار إلى بعض الأطراف معيّن أو مخيرا سواء كان قبل العلم الإجمالي أم مقارنا له يوجب عدم الأثر للعلم الإجمالي، نعم إذا طرأ الاضطرار بعد العلم الإجمالي لا يوجب ارتفاع أثره بل يجب الموافقة في غير مورد الاضطرار، لأنّ العلم الإجمالي صار منجزا للحكم الواقعي بحيث يكون الاحتمال في كلّ واحد من الأطراف منجزا و الاضطرار يوجب الأمن من العقوبة المحتملة في ما اضطر إليه، و أما احتمال العقوبة في الطرف الآخر فلم يقم عليه مؤمّن لسقوط الاصول المؤمّنة بالعلم الإجمالي و عدم رجوعها بعد طرو الاضطرار.، فنفس الاحتمال منجّز و لا بدّ من موافقته.

و ما نحن فيه يكون من قبيل مقارنة الاضطرار للعلم الإجمالي، إذ العلم الإجمالي بالأحكام المنتشرة في جميع الوقائع المظنونة و المشكوكة و الموهومة مع العسر في ارتكابها وجدا مقارنين و العلم الإجمالي المقارن للعسر أو الاضطرار يحدث غير مؤثر و يكون كالشك البدوي في عدم العبرة به.

و الحاصل أنّ إشكال الكفاية على الاحتياط العقلي إن كان مستندا إلى العلم الإجمالي بالأحكام- من أنّ العسر الموجب للترخيص في بعض الأطراف يوجب سقوط العلم الإجمالي عن التأثير فلا تحرم مخالفته القطعية، لعدم اجتماع فعلية الحكم مع الترخيص في بعض الأطراف فيبطل الاحتياط رأسا لعدم الأثر للعلم الإجمالي بالأحكام الذي هو المنشأ للاحتياط عقلا، و مع سقوطه عن التأثير لا تصل النوبة إلى الحكومة أعني الإطاعة الظنية، لأنّ الإطاعة فرع تنجز الأحكام بالعلم الإجمالي‏

315

المفروض سقوطه و صيرورته كالشك البدوي- فهو وارد بناء على مبناه (قدّس سرّه)(1) من تصوير فعلية الحكم من جهة و من جميع الجهات، فإن كان الحكم فعليا من جهة لا يكون العلم به منجزا، و إن كان فعليا من جميع الجهات يكون العلم الإجمالي به منجزا و لا يمكن الترخيص في بعض أطرافه، فإشكال الآخوند على هذا المبنى متوجه بلا إشكال و يسقط العلم الإجمالي عن الأثر بلا كلام.

[التفصيل بين الاضطرار إلى المعين و غير المعين‏]

و الميرزا النائيني (قدّس سرّه) يعترض على هذا المبنى بما حاصله: أنّ معنى الفعلية وجود الحكم بوجود موضوعه، فإنّ تحقق جميع ما يعتبر في الموضوع شطرا أو شرطا يوجب الحكم و لا يتخلف عن موضوعه لبرهان الخلف و المناقضة على التفصيل المحرر في الجزء الأوّل من هذا الكتاب‏ (2) في مبحث الواجب المشروط، و على هذا فإن كان الاضطرار أو العسر أو غيرهما ممّا يرفع التكليف إلى بعض الأطراف معيّنا يوجب سقوط العلم الإجمالي عن الأثر لمزاحمة الاضطرار للحكم الواقعي على موضوعه إذ المفروض تقيد الحكم الواقعي بعدم الاضطرار و نحوه، فإن كان المعلوم إجمالا كالإناء المتنجس المشتبه بين إناءين أحدهما ماء و الآخر دبس، فإنّ حفظ النفس عن العطش الشديد يتوقف على شرب الماء، و لا ريب في مزاحمة هذا الاضطرار للحكم الواقعي أعني وجوب الاجتناب عن الماء المتنجس، فعلى تقدير كون المعلوم بالإجمال هو الماء فوجوب الاجتناب معدوم واقعا، و إن كان المعلوم بالإجمال منطبقا على الدبس فالحكم ثابت، فيدور الأمر حينئذ بين ثبوت الحكم على تقدير و عدمه على تقدير آخر، و حيث إنّ ثبوته مشكوك فلا موجب لوجوب الاجتناب عن الدبس، فكلام صاحب الكفاية (3) من سقوط العلم الإجمالي عن الأثر بالترخيص في بعض الأطراف وجيه في الاضطرار إلى بعض الأطراف بعينه.

____________

(1) كفاية الاصول/ 358.

(2) راجع المجلّد الأوّل/ 255- 259.

(3) كفاية الاصول/ 360.

316

و إن كان الاضطرار إلى بعض الأطراف لا بعينه فلا يسقط العلم الإجمالي عن التأثير مطلقا و إن كان الاضطرار قبل العلم، و ذلك لعدم التنافي بين الاضطرار و بين جعل الحكم المعلوم إجمالا كوجوب الاجتناب عن النجاسة، إذ لو فرض العلم التفصيلي بالإناء الطاهر و المتنجس لم يكن وجه لجواز رفع الاضطرار بالمتنجس، و مع الجهل يكون مخيرا ظاهرا في رفع الاضطرار بالطاهر أو المتنجس، و لو لا الجهل لم يجز رفع الاضطرار بغير الطاهر، فرفع الاضطرار بالطاهر يكون لأجل الجهل فهو العلة التامة في ارتكاب الحرام، فالترخيص في ارتكاب الحرام يكون حكما ظاهريا نظير الإطلاق الظاهري بالنسبة إلى الأقل المعلوم وجوبه و إثبات كونه مطلقا و لا بشرط بالنسبة إلى الأكثر، مع أنّه على تقدير كون الأكثر واجبا يكون الأقل مشروطا به إلّا أن العقاب عليه يكون بلا بيان، فلا تنجز لوجوب الأكثر على تقديره لا أن الأكثر ليس بواجب في ظرف الجهل به، و نظير الشبهات البدوية التي تجري فيها البراءة فإنّ الحكم الإلزامي و إن كان ثابتا فيها واقعا إلّا أنّ الشارع رخص في عدم امتثالها في ظرف الجهل بها، و على هذا فيكون التكليف في الاضطرار إلى بعض الأطراف مرددا بين التنجز على تقدير و عدم تنجزه على تقدير آخر، و لازمه عدم المخالفة في سائر الأطراف و قد عرفت أنّ العسر في المقام من قبيل الاضطرار إلى بعض الأطراف لا بعينه فيجب الاحتياط في غير ما يرفع به العسر، فالنتيجة حينئذ التبعيض في الاحتياط لا بطلان الاحتياط رأسا كما أفاده في الكفاية (1).

و بالجملة فبعد ما ثبت في محلّه من كون الأحكام الشرعية من القضايا الحقيقية لا القضايا الخارجية، و من أنّ التزاحم غير التعارض و لا توجب أهمية أحد المتزاحمين تقيد موضوع المزاحم المهم و إلّا يرجع الأمر إلى التعارض و التعاند في مقام‏

____________

(1) كفاية الاصول/ 313.

317

الجعل لا الامتثال، يظهر أنّ الاضطرار إلى غير المعيّن لا يرفع أثر العلم الإجمالي لأنّ موضوع الحكم بعد فرض وجوده يترتب عليه الحكم كالمتنجس المعلوم إجمالا فإنّ حكمه و هو وجوب الاجتناب عنه يترتب عليه لا محالة، فإذا زاحمه ما هو أهم منه يجوز تركه لا أنه يصير جائزا واقعا بحيث يقيد بعدم الاضطرار بل يصير جائز الترك لأجل مزاحمة الأهم كترك الصلاة الواجبة لأجل إنقاذ المؤمن الغريق، فحفظ النفس مثلا لأهميته يقدم على حرمة شرب المتنجس فيصير جائز الشرب ظاهرا، إذ المفروض أنّ الاضطرار إلى غير المعيّن لا يصادم وجوب اجتناب المتنجس إذ لو علم بالمتنجس و الطاهر تفصيلا لم يجز له شرب المتنجس للاضطرار، بل كان عليه رفع الاضطرار بالطاهر فالموقع له في الحرام و شرب المتنجس هو الجهل بالمتنجس، و لما كان حفظ النفس أهم من شرب الماء المتنجس فالعقل رخّصه ظاهرا في ارتكابه من دون أن يكون تقييد في الواقع لأنّ التقييد فرع التصادم و التنافي، و قد عرفت عدم التهافت بين الاضطرار إلى غير المعيّن و بين وجوب الاجتناب عن المتنجس واقعا و إنّما التنافي يكون لأجل الجهل.

فالترخيص ظاهري نظير الترخيص في الشبهات البدوية مع عدم منافاة هذا الترخيص للحكم الواقعي، فالاضطرار إلى غير المعيّن مطلقا لا يرفع أثر العلم الإجمالي بل يجب الاجتناب عن سائر الأطراف.

نعم في الاضطرار إلى المعيّن يفصّل الميرزا النائيني (قدّس سرّه) بين أن يكون قبل العلم و بعده فإن كان قبله أو مقارنا له لا يترتب على العلم الإجمالي أثر إذ لم يعلم بحكم فعلي، و إن كان بعد العلم الإجمالي يجب الاجتناب عن الباقي غير المضطر إليه لأنّ العلم الإجمالي ينجز الحكم الواقعي و لم يعلم كون الاضطرار رافعا له، إذ على فرض كون المضطر إليه غير المعلوم بالإجمال يكون الحكم الواقعي محفوظا فلا مؤمّن لارتكاب الباقي بعد سقوط الاصول المؤمّنة بسبب العلم الإجمالي في جميع الأطراف‏

318

و لا يعود الأصل بعد الذهاب، فالاحتمال في سائر الأطراف منجز لا رافع له، و يكون هذا الاضطرار نظير التلف بعد العلم الإجمالي فإنّ وجوب الاجتناب عن الباقي الموجود ثابت أيضا، لأنّه يكون نظير ما إذا علم إجمالا بوجوب نفقة أحد شخصين، فإن كان زيدا فقد انتهى زمان الحكم لأنّ نفقته كانت محدودة بسنة و المفروض انقضائها، و إن كان عمروا فلم تمض المدة لأنّ مدّتها سنتان فلا ينبغي الإشكال حينئذ في وجوب الانفاق على عمرو.

[في كون نتيجة المقدمات التبعيض في الاحتياط]

فالمتحصل ممّا ذكرنا أنّ المقدمة الثانية إن كان مدركها العلم الإجمالي فوجوب الاحتياط يكون عقليا، فإن كان دليل العسر مقدما عليه فعلى مبنى الكفاية يبطل الاحتياط رأسا و على مبنى الميرزا النائيني (قدّس سرّه) تكون النتيجة التبعيض في الاحتياط لأنّ الاحتياط العقلي انحلالي فبالنسبة إلى كلّ حكم يحكم العقل بالاحتياط فإذا يمكن في الكلّ لأجل العسر يحكم بما دونه لأنّ الضرورات تتقدر بقدرها.

و إن كان مدركها الإجماع و الخروج عن الدين، فعلى مبنى الكفاية من تقدم العسر على وجوب الاحتياط الشرعي تكون النتيجة التبعيض في الاحتياط و على مبنى الميرزا النائيني (قدّس سرّه) تكون النتيجة الاحتياط العسر، و لا يقدم عليه دليل العسر لأنّ وجوب الاحتياط شرعا ثبت لموضوع بعنوان العسر فيكف يرتفع بدليل العسر؟ مضافا إلى أن وجوب الاحتياط الشرعي حكم واحد ثبت لمجموع الوقائع من حيث المجموع فإذا قدم عليه دليل العسر يرتفع وجوب الاحتياط رأسا، ففرق بين الاحتياط الشرعي و بين الاحتياط العقلي، فإنّ الأوّل وحداني و الثاني انحلالي فإذا بطل الاحتياط رأسا فلا بدّ من علاج.

فقد ظهر من جميع ما ذكرنا أنّ نتيجة المقدمات سواء كان مدرك المقدمة الثانية العلم الإجمالي أم الإجماع و الخروج عن الدين هي الاحتياط، و بعد حكومة دليل العسر عليه يكون النتيجة التبعيض في الاحتياط و دفع العسر يكون بترك الموهومات‏

319

و مع عدم ارتفاع العسر بها بترك المشكوكات أيضا، و لا يدفع العسر بترك المظنونات لعدم تساوي الوقائع في نظر العقل حتى يحكم بالتخيير، بل حكمه برجحان المظنونات و تقدمها على المشكوكات و الموهومات، و أنّ رفع اليد عن المظنونات لأجل العسر يكون من ترجيح المرجوح على الراجح لمرجوحية المشكوكات و الموهومات و رجحان المظنونات، نعم إذا كان الاحتياط في المظنونات فقط موجبا للعسر أيضا يحكم العقل بالتخيير بينها لتساويها و عدم مزية لأحدها على الآخر.

و بالجملة فحكم العقل بالتخيير في رفع العسر منوط بتساوي أقدام الأطراف المحتاط فيها كالمظنونات و مع عدم التساوي كالمظنونات مع المشكوكات و الموهومات يحكم العقل بالترجيح لقبح ترجيح المرجوح على الراجح.

و كيف كان فالأخذ بالمظنونات يكون من باب التبعيض في الاحتياط و الامتثال الرجائي لا من باب الإطاعة التفصيلية الظنية، فيكون المقام نظير التبعيض في الاحتياط في الصلاة مع اشتباه القبلة في الجوانب، فإنّه يجب عليه الاحتياط بإتيان أربع صلوات إلى أربع جهات للنص، فإذا كانت القبلة في إحدى الجهات مظنونة و لم يمكن الاحتياط بإتيان أربع صلوات فيكتفى بالصلاة إلى الجهة المظنونة و لا شك في أن الإتيان إلى تلك الجهة المظنونة يكون من التبعيض في الاحتياط لا من باب الإطاعة الظنية، فلا تكون المقدمات منتجة للحكومة و هي الإطاعة الظنية، هذا كلّه على تقدير عدم بطلان الاحتياط رأسا، و أما على تقدير بطلانه لدعوى الإجماع على بطلان الاحتياط و عدم بناء الشرع على الامتثال الاحتمالي و الرجائي بل بناؤه على الامتثال التفصيلي كما حكي عن السيد الرضي (قدّس سرّه) دعواه في العبادات و تقرير أخيه له (قدّس سرّه)(1) فلا تكون النتيجة أيضا الحكومة.

____________

(1) حكاه الشهيد الأوّل في الذكرى/ 209 و الشهيد الثاني في روض الجنان/ 398.

320

و ذلك لأنّه بعد فرض بطلان الامتثال الاحتياطي و لزوم الامتثال التفصيلي و بعد فرض بطلان التقليد- لأنّ من يقول بالانفتاح و عدم انسداد باب العلم و العلمي يكون مخطئا في نظر الانسدادي و أنّه يفتي بغير علم فلا يكون فتواه حجة في حقّ من يرى خطاءه لأنّه لا يراه مجتهدا من المعلوم عدم جواز تقليد مثله- يستكشف أنّ الشارع نصب طريقا لإحراز الأحكام حتى يمكن امتثالها تفصيلا، إذ مع عدمه يكون الامتثال التفصيلي غير مقدور و المفروض عدم حجيّة الأخبار حتى يحرز بها الأحكام، لأنّ الفرض انسداد باب كلّ من العلم و العلمي، فإرادة امتثال الأحكام تفصيلا مع عدم اعتبار الامتثال عن اجتهاد و تقليد الموجب لعدم مقدورية الامتثال التفصيلي تكشف كشفا قطعيا- إن كان الإجماع على بطلان الامتثال الاحتمالي الرجائي قطعيا- و كشفا ظنيا- إن كان الإجماع ظنيا- عن نصب الشارع طريقا محرزا للأحكام موجبا للتمكن من امتثالها تفصيلا، و حيث إنّ الطريق الواصل بطريقه و هو ما يكون محرزيته موقوفة على التعبد ليس إلّا الظن لعدم محرزية شي‏ء من الشك و الوهم، فيتعيّن أن يكون الطريق الذي جعله الشارع حجة و بسبب التعبد صار محرزا للأحكام هو الظن، فالنتيجة حينئذ هي حجيّة الظن كشفا لا حكومة.

و الحاصل أنّ نتيجة مقدمات الانسداد إما التبعيض في الاحتياط و إما حجيّة الظن كشفا و أما الحكومة فلا تكون نتيجة للمقدمات أصلا، هذا بناء على عدم إهمال النتيجة و كون النتيجة حجيّة الظن طريقا شرعيا لإحراز الأحكام. و أما بناء على إهمالها و دوران الحجيّة المجعولة شرعا بين الظن و غيره من القرعة و الاستخارة و الرؤيا و الرمل و الجفر و غيرها فتجري مقدمات الانسداد في الحجة المجهولة.

و أما المقدمة الرابعة فهي قبح ترجيح المرجوح على الراجح‏

، و قد ظهر أنّ تمامية المقدمة الثالثة و وصول النوبة إلى المقدمة الرابعة منوطة ببطلان طرق الامتثال من التقليد الذي قد عرفت بطلانه، لأنّ رجوع الانسدادي إلى من يرى انفتاح باب‏

321

العلم و العلمي و يستند في الفتوى إلى الروايات غير العلمية يكون من رجوع الفاضل إلى الجاهل كما لا يخفى، و من الرجوع إلى الاصول لما عرفت من أنّ الرجوع إلى الاصول الشرعية مطلقا سواء كانت مثبتة أم نافية فرع حجيّة الأخبار التي تكون مداركها، و المفروض انسداد باب العلمي و عدم حجيّة الروايات فيبطل الرجوع إلى الاصول الشرعية بالمقدمة الأولى أعني انسداد باب العلم و العلمي، و مع الغض عن هذا الإشكال لا تجري الاصول النافية للتكليف، للعلم الإجمالي المانع عنها، و لا الاصول المثبتة لعدم أصل مثبت للتكليف إذ المتصور منه هو الاستصحاب و ذلك مفقود في المقام، إذ لم يعلم بحكم سابقا و شك في بقائه حتى يستصحب و لا يتصور الشك في بقاء الحكم الكلّي إلّا من جهة النسخ.

و قد قرّر في محلّه عدم حجيّة استصحاب عدم النسخ أيضا لكفاية إطلاق نفس دليل تشريع الحكم في استمراره لكون الشك في النسخ راجعا إلى الشك في توقيت الحكم و تقيده بوقت خاص، و مقتضى الإطلاق عدمه.

و كذا لا مجال للاستصحاب في الشك في بقاء الحكم لأجل انتفاء بعض حالات الموضوع، و ذلك لعدم إحراز بقاء الموضوع و وحدته في القضيتين المتيقنة و المشكوكة، إذ لو كان الحالة المنتفية ممّا له دخل في الموضوع فمن المعلوم ارتفاع الحكم بانتفائها، و لو لم يكن لها دخل في الموضوع فمن المعلوم بقائه و مع الشك في الدخل و عدمه يشك في بقاء الموضوع و عدمه، و من المعلوم عدم جريان الاستصحاب فيه كما قرّر في محلّه، فمورد الاستصحاب هو الشك في رافعية الموجود أو وجود الرافع دون غيرهما كما سيأتي في محلّه من الاستصحاب إن شاء اللّه تعالى.

و قد ظهر ممّا ذكرنا من عدم تصور الاستصحاب المثبت للحكم، عدم المجال لما قد يتوهم: من أنّ الاستصحاب بناء على اعتباره ببناء العقلاء يجرى و يثبت التكليف و عدم جريانه مبنى على اعتباره من باب التعبد، و ذلك لعدم تصور الاستصحاب‏

322

المثبت في الأحكام.

هذا كلّه مضافا إلى أنّ الاستصحاب المثبت بضميمة ما علم من الأحكام بالضرورة و الروايات المتواترة لا يفي بمعظم الفقه حتى لا يترتب على جريان الاصول النافية محذور، ضرورة أنّ جريان الاصول النافية منوط بانحلال العلم الإجمالي و مع عدم وفاء الاصول المثبتة بضميمة ما عرفت بمعظم الفقه لا ينحل العلم الإجمالي، فتلخص أنّه لا يجري شي‏ء من الاصول المثبتة و النافية في المقام.

و أما الاحتياط فبطلانه موقوف على قيام الدليل الشرعي على عدم إرادة الشارع امتثال الأحكام بنحو الاحتمال و الرجاء، بل إرادة امتثالها بعناوينها كما حكى ذلك عن الشريف الرضي و تقرير أخيه (قدّس سرّهما) له.

و على هذا فبعد ضم الإجماع على عدم الإهمال و وجوب التعرض لامتثال جملة ميسورة من الأحكام دون جميعها المستلزم للعسر، إلى الإجماع القائم على عدم جواز إطاعة تلك الجملة الميسورة إطاعتها بالاحتمال، يظهر أنّ الشارع نصب طريقا محرزا لتلك الأحكام ليتمكن العبد من إطاعتها بعناوينها، إذ لو لم ينصب طريقا إليها و مع ذلك أراد امتثالها التفصيلي دون الاحتمالي الاحتياطي يلزم التكليف بما لا يطاق و هو قبيح، فيستكشف من ذلك قيام حجة على تلك الأحكام، و من المعلوم أنّ الطريق المحرز لها منحصر في الظن، ضرورة عدم محرزية الشك و الوهم، فنتيجة تمامية المقدمة الثالثة و بطلان الاحتياط مطلقا حتى التبعيض منه الذي لا عسر فيه بسبب الإجماع التعبدي على ذلك؛ هي حجة الظن كشفا، فمقدمات الانسداد تكشف كشفا قطعيا عن حجيّة الظن شرعا فلا تصل النوبة إلى الحكومة بمعنى الامتثال الظني، هذا إذا لم يحتمل نصب طريق آخر غير الظن و أما مع احتماله و دوران ذلك بين الظن و غيره من الاستخارة و القرعة و الرؤيا فبناء على كون اعتبارها لأجل الظن، فلا يكون في النتيجة إهمال، لأنّ المفروض حجيّة الظن من أيّ سبب حصل و لو من‏

323

النوم و الاستخارة، و بناء على اعتبارها بعناوينها مع الغض عن إفادتها لظن بأن تكون القرعة مثلا بعنوانها حجة و إن لم تفد الظن، فيدور أمر نتيجة الانسداد بين الظن و غيره و لا تظهر النتيجة أصلا و لو بإجراء دليل الانسداد غير مرة في تلك الحجة المجهولة، فيكون دليل الانسداد عقيما.

فتلخص ممّا ذكرنا أنّ مقتضى الإجماع على بطلان الاحتياط و الامتثال الاحتمالي في الأحكام الميسورة إطاعتها هو نصب الشارع الظن محرزا للأحكام.

لكن هذا مجرد فرض لا واقع له لعدم تحقق الإجماع أولا، و على تقديره يختص بالعبادات في حال التمكن من الامتثال التفصيلي بالاجتهاد أو التقليد كما ذهب إليه الشيخ الأنصاري‏ (1) و الميرزا النائيني (قدّس سرّهما)، فإنّهما منعا عن الامتثال الاحتياطي مع التمكن من التفصيلي خصوصا إذا استلزم التكرار، و أما مع عدم التمكن من الامتثال التفصيلي فلا ينبغي الإشكال في الامتثال الاحتياطي، و من المعلوم عدم التمكن في المقام من الامتثال غير الاحتياطي.

و الحقّ جواز الاحتياط حتى مع التمكن من الاجتهاد و التقليد كما هو مختار غير واحد كصاحب العروة (2)، فالاحتياط يكون في عرض الامتثال التفصيلي و مع كونه في عرضهما و عدم قيام الإجماع على بطلانه فلا يمكن التعدي عن المقدمة الثالثة، فالنتيجة التبعيض في الاحتياط.

فصار المتحصل من جميع ما ذكرنا أنّه بناء على عدم بطلان الاحتياط شرعا كما هو الحقّ و أنّ الاحتياط في عرض الامتثال التفصيلي تكون نتيجة دليل الانسداد التبعيض في الاحتياط، غاية الأمر أنّه بناء على استناد المقدمة الثانية إلى العلم الإجمالي يجب الاحتياط غير الموجب للعسر، لأنّ المخل منه قبيح عقلا و العسري منه‏

____________

(1) فرائد الاصول/ 15.

(2) العروة الوثقى 1/ 3.

324

مرفوع بأدلة العسر، إذ الموجب للعسر هو امتثال الأحكام فدليل العسر رافع للأحكام الموجبة للعسر و العقل يدفع العسر بترك الموهومات و المشكوكات لوجوب العمل بالمظنونات تعيينا أو تخييرا، فيكون الأمر دائرا بين التعيين و التخيير، و من المعلوم حكم العقل بالتعيين فيؤخذ بالمظنونات لأقربيتها إلى الواقع الموجبة لاحتمال وجوب الأخذ بها تعيينا كما لا يخفى، و بناء على استناد المقدمة الثانية إلى الخروج عن الدين و الإجماع يجب شرعا الاحتياط العسر، لأنّ المخلّ منه ممّا لا يمكن جعله لقبح ما يوجب اختلال النظام و العسري منه لا يرتفع بدليل العسر، لما تقدم من كون الاحتياط في طبعه عسريا فالحكم ثابت لعنوان عسري فلا يرتفع بدليل العسر.

[في كون نتيجة المقدمات بناء على بطلان الاحتياط، الكشف دون الحكومة]

و أما بناء على بطلان الاحتياط شرعا كما ادّعي قيام الإجماع على أنّ الشارع لا يريد امتثال أحكامه بالاحتمال و الرجاء بل بعناوينها، فلا محالة تكون نتيجة دليل الانسداد الكشف بمعنى نصب الشارع طريقا و اصلا إلى المكلّف محرزا للأحكام حتى يتمكن من امتثالها بعناوينها، و إلّا فيلزم إما ارتفاع التكاليف، و إما عدم امتثالها رأسا مع بقائها، و إما امتثالها تفصيلا بالتشريع و كلّها باطلة بالضرورة، فيتعيّن جعل الشارع طريقا محرزا للأحكام حتى يمكن للمكلّف امتثالها بعناوينها، فالنتيجة حينئذ الكشف و لا تصل النوبة إلى الحكومة بمعنى الإطاعة الظنية التي هي المرتبة الثالثة من مراتب الإطاعة كما عليه الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه)(1)، ضرورة أنّ الاحتياط إن قام الدليل على بطلانه كما هو المفروض فلا بدّ من جعل الشارع حجة على الأحكام حتى تحرز و تمتثل بعناوينها فتكون الحجة المستكشفة طريقا إلى إحراز التكاليف و إثباتها لا واقعة في مقام الامتثال كما هو المراد بالحكومة، و ذلك لما عرفت من أنّ عدم إرادة الشارع الامتثال الاحتمالي تستلزم نصب طريق محرز للأحكام للقدرة على الامتثال‏

____________

(1) فرائد الاصول/ 127.

325

التفصيلي، ضرورة عدم التمكن من الامتثال التفصيلي إلّا بإحراز الأحكام تفصيلا، و ما لم ينصب الشارع طريقا إليها لا يمكن امتثالها بعناوينها، و الإطاعة الظنية التي ذهب إليها الشيخ (قدّس سرّه) عبارة عن تحصيل الظن بالفراغ، كما إذا كانت عليه فوائت لا يعلم عددها فتارة: يأتي بما يحصل معه العلم بالفراغ و اخرى: يأتي بمقدار يظن معه بالفراغ، و هذا يسمى الامتثال الظني، و من المعلوم أنّ هذا لا يخرج عن التبعيض في الاحتياط لأنّ الإتيان بما يظن معه بفراغ الذمة عن الفرائض في المثال يكون بعنوان الرجاء و الاحتمال من دون أن يكون بإحراز عناوينها، فالإتيان بالمظنونات إن لم يكن بعناوينها يكون من التبعيض في الاحتياط، فالحكومة التي ذكرها الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) ليست إلّا عبارة اخرى عن التبعيض في الاحتياط بعد عدم إمكان الاحتياط في جميع الوقائع من المظنونات و المشكوكات و الموهومات، فإتيان المظنونات يكون لأجل كونها من أطراف العلم الإجمالي و ليس هذا إلّا التبعيض في الاحتياط، و إن كان الإتيان بالمظنونات بعناوينها فلا يكون من التبعيض في الاحتياط، بل من الامتثال التفصيلي المترتب على إحراز الأحكام بالظن الذي جعله الشارع حجة و محرزا لعناوين الأحكام.

و الحاصل أنّ مقتضى عدم جواز امتثال الأحكام بالاحتمال هو لزوم امتثالها تفصيلا و الامتثال التفصيلي موقوف على إحراز الأحكام بما جعله الشارع طريقا و حجة عليها، هذا كلّه على تقدير تسليم بطلان الاحتياط.

و إن لم يقم دليل على بطلانه فتعيّن الاحتياط على النحو المتقدم من الاحتياط العسر بناء على كون الاحتياط شرعيا و غير العسر منه بناء على كون الاحتياط بحكم العقل ممّا لا إشكال فيه، فلا يمكن التعدي عن المقدمة الثالثة إلى الرابعة.

326

[إشكال الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) على مبنى الكشف بإهمال النتيجة]

ثمّ إنّ الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه)(1) اعترض على الكشف بإهمال النتيجة و عدم وضوحها و تردد الحجة المجعولة بين امور من الظن و القرعة و غيرهما، و الحجة المجهولة لا فائدة فيها إذ المفيد هو الواصل من الطريق دون غيره.

و يمكن دفعه أولا: بأنّ مقتضى السبر و التقسيم هو تعيّن الظن، لأنّ الصالح للطريقية و الإحراز هو الظن الذي يكون بنفسه كاشفا ناقصا.

و ثانيا: يمكن تعيينه بإجراء مقدمات الانسداد ثانيا في الطريق المجهول و المردد بين امور، بأن يقال: انسد علينا باب العلم و العلمي إلى الطرق المجعولة، و لا يمكن إهمالها لاستلزام إهمالها إهمال الأحكام، و لا يجوز الاحتياط فيها لبطلانه كما هو المفروض، إذ الاحتياط في الطرق يوجب الامتثال الاحتمالي للأحكام فيحكم العقل حينئذ بأنّ الظن بالطريق حجة، إذ يكون هناك مظنون الطريقية و مشكوكها و موهومها و العقل يستقل بتعيين مظنون الطريقية، فيكون الظن بالطريق حجة كما إذا ظن بطريقية خبر العادل و شك في طريقية القرعة و كانت طريقية الرمل و الجفر موهومة، فلا إشكال في تقدم خبر العادل على الأخيرين عقلا.

ثمّ إنّه لا يخفى أنّ مراد الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه)(2) من الحكومة في المقام هو الامتثال الظني بمعنى أنّ الأحكام لما كانت معلومة بالضرورة و لا محيص عن امتثالها و لا يمكن امتثالها بالامتثال العلمي التفصيلي و لا بالاحتياطي، لعدم إمكان التام منه لاخلاله بالنظام و عدم وجوب العسري منه لأدلة العسر، فتصل النوبة إلى ما دونه ممّا لا يوجب العسر، و حيث إنّ العقل يحكم بتقدم الظن على الشك و الوهم فيكون الامتثال واقعا في دائرة المظنونات فالإتيان بالمظنونات يكون من باب التبعيض في الاحتياط، و بعد وضوح مراده (قدّس سرّه) لا ينبغي الإشكال عليه كما عن الميرزا النائيني (قدّس سرّه)

____________

(1) فرائد الاصول/ 140.

(2) فرائد الاصول/ 127 و 139.

327

بأنّه كيف يمكن الخروج عن المقدمة الثالثة و الوصول إلى الرابعة. كما لا يرد عليه ما في حاشية الرسائل‏ (1) من أنّه بعد تسليم الإجماع على بطلان الاحتياط و امتثال الأحكام بالاحتمال تكون النتيجة الكشف لا الحكومة، و ذلك لأنّ ما في الحاشية ليس من كلام الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) بل من كلام الميرزا الكبير الشيرازي (قدّس سرّه).

و الحاصل أنّ محطّ نظر الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) في دليل الانسداد تعيين كيفية الامتثال و لا نظر له إلى مرحلة إثبات التكاليف أصلا لثبوتها بالضرورة و البداهة، فهمّ الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) إحراز فراغ الذمة عن الأحكام المعلومة بالضرورة بنحو من الأنحاء.

فتلخص من جميع ما ذكرناه أنّ مقدمات دليل الانسداد على تقدير تماميتها لا تنتج إلّا التبعيض في الاحتياط فالإتيان بالمظنونات يكون لأجل كون المظنونات من أطراف العلم الإجمالي، هذا تمام الكلام في ترتيب المقدمات و النتيجة المترتبة عليها.

[تنبيهات الانسداد:]

بقي امور ينبغي التنبيه عليها:

الأمر الأوّل: [حجية الظن بالطريق‏]

أنّ نتيجة المقدمات بناء على ما ذكرناه من مقصود الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) بالحكومة هل هو الامتثال الظني بالواقع أم بمطلق ما يكون مبرئا و إن لم يكن الظن بالواقع كما إذا كان مظنون المبرئية مؤدى طريق مظنون؟ و هذا التقريب أولى من تحرير هذا التنبيه بأنّ النتيجة هل هي حجيّة الظن بالواقع أم الطريق أم كليهما، و ذلك لأنّه على ما ذكرنا من مرام الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) بالحكومة لا يكون هناك من حجيّة الظن عين و لا أثر، إذ المفروض كون الإتيان بالمظنونات من باب‏

____________

(1) فرائد الاصول/ 125، السطر 21- 23: «قلت: مرجع الإجماع قطعيا أو ظنيا ...

و مرجع هذا إلى دعوى الإجماع على حجيّة الظنّ بعد الانسداد.» راجع فرائد الاصول/ 205 طبعة جامعة المدرسين و فرائد الاصول 1/ 424 إعداد لجنة تحقيق تراث الشيخ الأعظم (قدّس سرّه)

328

التبعيض في الاحتياط لا الإطاعة الظنّية و حجيّة الظن عقلا في مقام الامتثال.

و كيف كان فحديث كون النتيجة حجيّة الظن بالواقع أو الطريق تابع لجعل مصب مقدمات الانسداد في نفس الأحكام الواقعية أو في الطرق المنصوبة عليها.

فعلى الأوّل: تكون النتيجة حجيّة الظن بالواقع بمعنى الظن بامتثال الواقع.

و على الثاني: حجيّة الظن بالطريق كما هو مختار الفصول‏ (1) و أخيه المحقق صاحب الحاشية (قدّس سرّهما) (2).

[كلام صاحب الفصول (قدّس سرّه) في حجية الظن بالطريق‏]

و ملخص ما أفاده صاحب الفصول (قدّس سرّه) في ذلك هو أنّ لنا قطعين: أحدهما تعلق بالأحكام الواقعية، و الآخر تعلق بالطرق المنصوبة عليها إذ لا فائدة في جعل أحكام لا تصل إلى المكلّف أصلا، و مرجع هذين القطعين إلى قطع واحد و هو العلم بكوننا مكلّفين في هذه الأعصار بمؤديات الأمارات، و حيث إنّه لا سبيل لنا إلى إحراز تلك الأمارات بالعلم فلا بدّ من إحرازها بالظن، فالظن بطريقيّة شي‏ء يكون حجة لأنّه أقرب إلى الواقع من غيره.

و لا يخفى أنّ ظاهر كلامه (و مرجع القطعين ...) هو التصويب، لأنّ ظاهره انحصار التكليف في مؤديات الطرق و انقلاب الواقعيات إليها، لكن لما لم يكن مذهبه التصويب فلا بدّ من توجيه كلامه بما أفاده الميرزا النائيني (قدّس سرّه) من أنّ مراده انحلال العلم الإجمالي الكبير بالصغير، و مراده بالكبير هو العلم الإجمالي بالأحكام الواقعية المنتشرة في الأخبار و الشهرات و غيرهما من الأمارات، و مراده بالصغير هو العلم الإجمالي بصدور جملة من الروايات لبيان أحكام اللّه تعالى بمقدار المعلوم الإجمالي في دائرة العلم الإجمالي الكبير، كما إذا فرضنا أنّ المعلوم الإجمالي الكبير ألف حكم و المعلوم إجمالا صدوره من الروايات أيضا ألف رواية، فحينئذ ينحل العلم الإجمالي‏

____________

(1) الفصول/ 277.

(2) هداية المسترشدين/ 391.

329

الكبير بالصغير فيعلم بأنا مكلّفون بالعمل بالروايات الصادرة التي تكون ألفا لأنّ مضامينها هي الأحكام الواقعية، فيرجع العلمان إلى علم واحد و هو العلم بكوننا مكلّفين بالعمل بمؤديات الأمارات التي هي الطرق المنصوبة على الأحكام الواقعية، و حيث إنّ المفروض انسداد باب العلم و العلمي و عدم ظهور تلك الطرق المنصوبة لنا و أنّ هناك ما يظن كونه منصوبا كأخبار الآحاد لأنّ الأدلة التي اقيمت على حجيّة خبر الواحد إن لم تفد القطع بحجيّة فلا أقل من إفادتها الظن بالحجيّة فيصير خبر الواحد مظنون الاعتبار، و لا شك في كونه طريقا منصوبا كالأولوية الظنية و الشهرة و غيرهما و ما يكون اعتباره موهوما كالنوم و الاستخارة. و ما يقطع بعدم اعتباره كالقياس.

و المفروض بطلان الاحتياط و لزوم امتثال الأحكام بعناوينها فلا محيص عن وصول النوبة إلى تعيين الطرق المنصوبة بالظن فما ظن بطريقيته يؤخذ بمضمونه، إذ لو لم يؤخذ به مع فرض بطلان الاحتياط فلا بدّ إما من رفع اليد عن التكاليف رأسا، و إما من التشريع بأن يمتثل الأحكام بعناوينها بعد إحراز تلك العناوين بالتشريع، و إما من بقاء التكاليف بدون الامتثال، و من المعلوم بطلان الكلّ فيتعيّن الأخذ بما ظن اعتباره كخبر الواحد الذي ظن اعتباره بالوجوه التي اقيمت على حجيّة لا بما كان اعتباره مشكوكا أو موهوما لحكم العقل بتقدم المظنون الاعتبار لأقربيته إلى الواقع من غيره.

و بالجملة فبعد فرض العلم بنصب الطرق على الواقعيات و انسداد باب العلم بتلك الطرق و بطلان الاحتياط في دائرة مظنونات الطريقية و مشكوكاتها و موهوماتها فيحكم العقل لا محالة بتعيين تلك الطرق بالظن، لأنّه القائم مقام العلم بعد انسداده، لأنّه الأقرب إلى العلم من غيره، و حينئذ فإن و فى مظنون الطريقية كخبر العدل المزكّى بعدلين بمعظم الفقه بحيث لا يلزم من الرجوع إلى الاصول في غير موارد قيام‏

330

خبر العدل عليها محذور فلا إشكال، و إلّا فيتعدى إلى خبر الثقة الذي هو مظنون الاعتبار أيضا بعد خبر العدل، و لا ينبغي الإشكال حينئذ في جواز الرجوع إلى الاصول لعدم محذور فيه بعد وفاء خبر الثقة بمعظم الفقه كما لا يخفى.

فتلخص ممّا ذكرنا أنّه على هذا التقريب تكون نتيجة دليل الانسداد حجيّة الظن بالطريق دون الواقع.

[إشكالات الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) على صاحب الفصول (قدّس سرّه)، و الجواب عنها]

و لا يخفى أنّه على هذا التقريب لا يرد شي‏ء من الإشكالات التي أوردها الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) عليه من قوله‏ (1): «و فيه أولا: إمكان منع نصب الشارع طرقا خاصة للأحكام الواقعية وافية بها ...» و ذلك لأعمية النصب من التأسيسي و الإمضائي و لم يظهر من كلامه إرادة الأوّل بالخصوص حتى يرد عليه هذا الإشكال، و لا إشكال في إمضاء الطرق العقلائية.

و من قوله (قدّس سرّه)(2): «و ثانيا: سلمنا نصب الطريق لكن بقاء ذلك الطريق لنا غير معلوم بيان ذلك أنّ ما حكم بطريقيته لعله قسم من الأخبار ليس منه بأيدينا اليوم إلّا قليل، كأن يكون الطريق المنصوب هو الخبر المفيد للاطمينان الفعلي بالصدور الذي كان كثيرا في الزمان السابق لكثرة القرائن ...» و ذلك لأنّ المقصود بالطريق المنصوب هو ما يكون وافيا بالأحكام و من المعلوم ندرة الخبر المفيد للاطمينان حتى في الزمان السابق الذي كانت قرائن الصدق فيه كثيرة، فلا بدّ أن يكون المنصوب غير الخبر المفيد للاطمئنان ليكون وافيا.

و من قوله (قدّس سرّه)(3): «و ثالثا: سلمنا نصب الطريق و وجوده في جملة ما بأيدينا من الطرق الظنية من أقسام الخبر و الإجماع المنقول و الشهرة و ظهور الإجماع‏

____________

(1) فرائد الاصول/ 129.

(2) فرائد الاصول/ 131.

(3) نفس المصدر.

331

و الاستقراء و الأولوية الظنية، إلّا أنّ اللازم من ذلك هو الأخذ بما هو المتيقن من هذه، فإن و فى بغالب الأحكام اقتصر عليه، و إلّا فالمتيقن من الباقي مثلا الخبر الصحيح و الإجماع المنقول متيقن بالنسبة إلى الشهرة و ما بعدها من الأمارات ...» و ذلك لأنّ المتيقن نصبه هو الخبر كما يستفاد من كلام الفصول أنّه صرّح بأنّ الأدلة التي اقيمت على حجيّة خبر الواحد لو لم تفد القطع بالحجيّة، فلا أقل من إفادتها الظن فتكون حجيّته مظنونة بخلاف غيره، فإنّه لا دليل على اعتباره فيكون الخبر مظنون الحجيّة بالنسبة إلى غيره الدائر بين كونه مشكوك الحجيّة أو موهومها، فليس في البين متيقن الحجيّة حتى لا نحتاج إلى تعيين الطريق المنصوب بالظن كما لا يخفى.

و من قوله (قدّس سرّه)(1): «و رابعا: سلمنا عدم وجود القدر المتيقن لكن اللازم من ذلك وجوب الاحتياط لأنّه مقدم على العمل بالظن لما عرفت من تقديم الامتثال العلمي على الظني ...» و ذلك لأنّ مرجع الاحتياط في الطرق إلى الاحتياط في الأحكام، و المفروض بطلان الاحتياط في المقدمة الثالثة للإجماع على عدم وجوب الاحتياط في الأحكام، إذ لو لم يبطل الاحتياط لا تصل النوبة إلى المقدمة الرابعة الموجبة لتعيّن الطريق بالظن.

و من قوله (قدّس سرّه)(2): «و خامسا: سلمنا العلم الإجمالي بوجود الطريق المجعول و عدم المتيقن و عدم وجوب الاحتياط لكن نقول إنّ ذلك لا يوجب تعيّن العمل بالظن في مسألة تعيين الطريق فقط بل هو مجوز له كما يجوز العمل بالظن في المسألة الفرعية ...».

توضيحه: أنّ مجرّد العلم الإجمالي بنصب طريق لا يوجب انحلال العلم الإجمالي الكبير المتعلق بالأحكام الواقعية لأنّ الانحلال المزبور منوط بوصول‏

____________

(1) نفس المصدر.

(2) نفس المصدر.

332

الطريق تفصيلا إلى المكلّف لتجري فيه الاصول العقلائية المحرزة للظهور و الجهة، لأنّه الموضوع لترتب آثار الحجة من المعذورية و التنجيز عند المخالفة و المصادفة، و مع عدم الوصول لا يكون مؤثرا في الانحلال فالعلم الإجمالي بالأحكام باق على حاله فيجب الخروج عنها علما مع التمكن و ظنا مع عدمه، و لا يتفاوت حينئذ بين العمل بالظن بالواقع و بين العمل بما يظن كونه حجة لكون كلّ منهما ظنا بفراغ الذمة، فنتيجة مقدمات الانسداد على تقدير تماميتها حجيّة الظن بكلّ من الواقع و الطريق.

و ذلك لأنّ هذا الإشكال مبني على الانحلال المزبور و ليس منه في كلام الفصول عين و لا أثر، فغرضه أنّه بعد فرض الانسداد يكون تكليفنا اليوم العمل بالروايات لكونها مؤمّنة.

و بالجملة فلا يرد على صاحب الفصول شي‏ء من الإشكالات المزبورة حتى الخامس منها و إن أصرّ الميرزا النائيني (قدّس سرّه) بوروده عليه، لكن قد عرفت عدم توجهه عليه، فنتيجة مقدمات الانسداد على تقدير تماميتها على التقريب المتقدم من الفصول هي حجيّة الظن بالطريق، فالإشكال حينئذ منحصر في منع تمامية المقدمات كما هو الحق، لما عرفت من منع المقدمة الأولى و على تقدير تماميتها فيمنع المقدمة الثالثة لعدم الدليل على عدم جواز الاحتياط في الأحكام، هذا ما يرجع إلى كلام الفصول.

[كلام صاحب الحاشية (قدّس سرّه) في حجية الظن بالطريق‏]

و أما ما أفاده صاحب الحاشية (قدّس سرّه)(1) في وجه اختصاص نتيجة المقدمات بحجيّة الظن بالطريق لا الواقع فهو مركب من امور:

أحدها: أنّه بعد العلم ببقاء الأحكام و عدم سقوطها بالجهل بها يجب علينا تحصيل العلم بفراغ ذمتنا عن حكم المكلّف سواء وصل معه العلم بالواقع أم لا، و بعبارة اخرى بعد العلم ببقاء التكاليف يحكم العقل بلزوم تحصيل العلم بالمؤمن من‏

____________

(1) هداية المسترشدين/ 391.

333

تبعاتها، سواء كان ذلك المؤمّن هو الواقع أم كان مرادا للشارع بأن يكون حكما ظاهريا جعله الشارع مفرغا للذمة و حكم بأنّه هو الواقع، فالمدار على العلم بالمؤمن لا الواقع.

ثانيها: إنّ الشارع جعل طرقا و حكم بأنّ سلوكها يوجب الأمان و فراغ الذمة سواء أصابت الواقع أم لا، فيكون سلوك الطرق المنصوبة مفرغا للذمة في عرض العلم بالواقع، ففي صورة الانفتاح و التمكن من العلم بالواقع يكون المكلّف مخيرا في تفريغ ذمته بين تحصيل العلم بالواقع كالسؤال عن الإمام (عليه السّلام) و بين تحصيل العلم بما جعله الشارع مفرغا كخبر الواحد مثلا، فإنّه يكون معلوم المفرغية بعد فرض العلم بحجيّته و كونه منصوبا من الشارع مع عدم العلم بمطابقة مضمونه للواقع لاحتمال خطأ الناقل و نسيانه، و مع هذا الاحتمال لا يحصل العلم بمطابقة مضمونه للواقع، فسلوك خبر الثقة المعلوم نصبه شرعا معلوم المفرغية، و لا يخفى أنّ قوله (قدّس سرّه) سواء أصابت الواقع أم لا كالصريح في خلاف التصويب كما لا يخفى.

ثالثها: أنّه قد انسد علينا باب العلم بفراغ الذمة في حكم الشارع لعدم العلم بالواقع و لا بما جعله الشارع بمنزلة الواقع في تفريغ الذمة، فلا بدّ حينئذ من قيام الظن مقام العلم بالمفرغ، فإذا ظن بالواقع من الأولوية أو غيرها ممّا يكون مشكوك الاعتبار، فهذا الظن لا يكون ظنا بالفراغ إذ لا ملازمة بين الظن بالواقع الحاصل من الأمارة المشكوكة الحجيّة و بين عدم الظن بمفرغيته، بداهة أنّ الشك في اعتبار أمارة يوجب الشك في مفرغيتها، و المفروض أنّ الظن يقوم مقام العلم و متعلق العلم هو تفريغ الذمة فلا بدّ أن يكون الظن متعلقا بفراغ الذمة، و من هنا يظهر فساد توهم الملازمة بين الظن بالواقع و بين الظن بالفراغ بخلاف الظن بالحجيّة فإنّه ظن بالمفرغ.

فالمتحصل أنّ نتيجة مقدمات الانسداد بهذا التقريب بعد فرض تماميتها هي حجيّة الظن بالطريق لأنّه الملازم للظن بالفراغ دون الظن بالواقع كما لا يخفى.

334

حجيّة الظن بالطريق لأنّه الملازم للظن بالفراغ دون الظن بالواقع كما لا يخفى.

[إشكال الميرزا النائيني (قدّس سرّه) على صاحب الحاشية (قدّس سرّه)، و الجواب عنه‏]

و أورد الميرزا النائيني (قدّس سرّه) على جميع ما أفاده المحقق صاحب الحاشية (قدّس سرّه) أما فيما أفاده من حكم الشارع بفراغ الذمة، فبأنّ فراغ الذمة مترتب على أمر تكويني و هو انطباق المأمور به على المأتي به و ليس ممّا يقبل حكم الشارع به، و مع الانطباق المزبور يكون حكم الشارع بالفراغ من إحراز ما هو محرز بالوجدان بالتعبد، و هو من أردإ وجوه تحصيل الحاصل المحال، و أغرب من ذلك أنّ المحقق جعل مناط الامتثال مطلقا حتى في صورة العلم بالواقع حكم الشارع بالفراغ.

و أما في ما أفاده من العلم بنصب طرق يكون سلوكها موجبا للأمان و الفراغ، فبأنّ الطريق غير الواصل إلى المكف لا يجدي شيئا، لأنّ آثار الحجة من التنجيز و التعذير منوطة بوصول الحجة إلى المكلّف لافتقار آثار الحجة إلى المراتب الأربع من الصدور و جهته و الظهور و حجيّته و هذه المراتب مفقودة في الحجة المجهولة، فالعمل بمؤدى الطريق لا يكون مفرغا إلّا مع طيّ هذه المراتب كما لا يخفى.

و أما في ما أفاده من التخيير في حال انفتاح باب العلم بين العمل بالواقع المعلوم و بين العمل بمؤدى الطريق، بأنّ التخيير لا معنى له و ليس كالتخيير بين أفراد الواجب التخييري لما قرّر في محلّه من أنّ الأمارات ليست إلّا طريقا فإن أصابت و إلّا فليس فيها حكم ظاهري، فمؤدى الأمارة هو الواقع تعبدا و ليس مغايرا للواقع و في عرضه فالتخيير بين الواقع و بين العمل بالمؤدى في صورة الانفتاح يكون لأجل اتحاد أحدهما مع الآخر لا من قبيل التخيير بين أفراد الواجب المخير.

و أما في ما أفاده من التلازم بين الظن بالطرق و بين الظن بالمؤمن و عدم التلازم بين الظن بالواقع و بين الظن بالفراغ، فبأنّه لا فرق في التلازم المزبور بين الظن بالواقع و بين الظن بالطريق فإنّ الظن قائم مقام العلم، فكما أنّ العلم بالواقع يلازم العلم بالفراغ فكذلك الظن به يلازم الظن بالفراغ فإنّ العلم و الظن بأحد المتلازمين يلازم‏

335

الملازمة المزبورة.

و لكن يرد الاعتراض على الجميع؛ أما الأوّل: و هو حكم الشارع بالتفريغ، فبأنّ مورد كلام المحقق صاحب الحاشية (قدّس سرّه) هو توقف المفرغيّة على جعل الشارع في غير العلم الذي هو حجة ذاتا. و بعبارة اخرى غرضه أنّ الأمان من تبعة التكاليف في غير صورة العلم بأداء الواقع موقوف على التعبد و جعل الشارع شيئا موجبا للأمان، إذ بدونه لا يكون المكلّف مأمونا من العقاب، و ليس كلامه في صورة العلم حتى يقال: إنّ حكم الشارع بالتفريغ لا محصل له فلاحظ كلام المحقق.

و أما الثاني: و هو عدم ترتب أثر الحجيّة على الطريق غير الواصل إلى المكلّف فبأنّ كلامه في حجيّة الأخبار و جعل دليل الانسداد رابع الأدلة الدالة على حجيّة أخبار الآحاد ممّا بأيدينا من الروايات، و من المعلوم أنّ روايات الثقات وصلت إلينا كما ثبتت لها مراتب ثلاث- أعني جهة الصدور و الظهور و حجيّة الظهور- و دليل الانسداد يثبت صدورها الذي هو المظنون بالفرض و ليست روايات الثقات مجهولة حتى يقال بعدم ترتب آثار الحجيّة عليها كما لا يخفى.

و أما الثالث: و هو عدم الوجه للتخيير بين العمل بالواقع المعلوم و بين العمل بالمؤدى في حال الانفتاح- لأنّ المؤدى هو الواقع تعبدا و الإجزاء يكون بهذه العناية و بجعل الهوهوية- فبأنّ جعل مؤدى الأمارة هو الواقع لا محصل له بناء على الطريقية، فإنّ الهوهوية لا تستقيم إلّا بناء على التنزيل و جعل المؤدى منزلة الواقع نظير الاستصحاب، و من المعلوم أنّ هذا خلاف ما بنى عليه الميرزا النائيني (قدّس سرّه) في حجيّة الأمارات من الطريقية و عدم حكم ظاهري في موردها، بل غايته الالتزام بالمصلحة السلوكية بمعنى يناسب مذهب المخطئة، فمراد المحقق صاحب الحاشية (قدّس سرّه)(1) من‏

____________

(1) هداية المسترشدين/ 391.

336

التخيير كون كلّ من العلم بالواقع و العمل بمؤدى الخبر مؤمنان من العقاب.

و أما الرابع: و هو ملازمة الظن بالواقع للظن بالفراغ كالظن بالطريق، فبأنّ الظن بالطريق يكون ظنا بالفراغ لما دلّ من الوجوه التي اقيمت على حجيّة الخبر، فإنّها تفيد الظن بمفرغية الخبر بخلاف الظن بالواقع، فإنّه لم يدلّ دليل على مفرغيته فيكون مشكوك المفرغية، كما إذا قامت شهرة أو أولوية مثلا على وجوب شي‏ء و صار هذا الوجوب مظنونا، فإنّ الوجوب مظنون لكنه غير مظنون المفرغية للشك في حجيّة الأولوية الظنية و الشهرة، فلا ملازمة بين الظن بالواقع و بين الظن بمفرغيته، بل يكون الظن بالواقع ممّا قام الدليل على عدم حجيّته للآيات الناهية عن العمل بالظن كما لا يخفى.

إيقاظ: [عدم التهافت بين كلام الميرزا النائيني (قدّس سرّه) في المقام و كلامه في المقدمة الثانية]

قد يتوهم التهافت بين ما أفاده الميرزا النائيني (قدّس سرّه) اعتراضا على صاحب الحاشية (قدّس سرّه) من أنّه لا محصل لحكم الشارع بتفريغ الذمة بعد كون باب الإطاعة من المستقلات العقلية، بل حكم الشارع فيه لا بدّ و أن يكون إرشادا إلى حكم العقل و لا يكون مولويا، و بين ما أفاده في المباحث المتعلقة بالمقدمة الثانية بناء على كون مدركها العلم الإجمالي من إمكان جعل إيجاب الاحتياط شرعا مع اقتضاء حكم العقل مستقلا في أطراف العلم الإجمالي بالاحتياط أيضا، فإن كان حكم الشارع بوجوب الاحتياط هناك معقولا فليكن حكمه بوجوب التفريغ هناك معقولا أيضا، فالالتزام بإمكان تشريع وجوب الاحتياط في العلم الإجمالي مع استقلال العقل بحكمه بلزوم التفريغ و إبراء الذمة ينافي إنكار معقولية حكم الشارع بفراغ الذمة، و كذا البراءة الشرعية مع البراءة العقلية فإنّ حكم العقل بقبح العقاب بدون البيان ينافي البراءة الشرعية. و بالجملة فإنكار حكم الشارع بالتفريغ مناف للالتزام بإمكان تشريع إيجاب الاحتياط في العلم الإجمالي.

و يدفع التنافي المزبور بما حاصله: وضوح الفرق بين إيجاب الاحتياط شرعا

337

في مورد العلم الإجمالي و بين حكم الشارع بالفراغ، و كذا جعل البراءة الشرعية مع البراءة العقلية.

توضيحه: أنّ عدم إمكان جعل الاحتياط و كذا البراءة الشرعية إنّما يكون مع اتحاد المفاد كحكم العقل بحسن الإطاعة، فإنّ الشارع إذا أمر بالإطاعة يكون إرشادا إلى حكم العقل و لا يكون حكما مولويا، و أما إذا اختلفا كما إذا كان العقل مدركا لحسن الإطاعة دون وجوبها إذ ليس للعقل حكومة التشريع بل وظيفته إدراك الحسن و القبح فقط، فإيجاب الشارع الاحتياط و الجمع بين المحتملات ليس ممّا يقتضيه العقل بل العقل يدرك حسن الإطاعة و فراغ الذمة عن حكم الشارع من دون أن يحكم بوجوب الجمع بين المحتملات و إن كان منوطا بالجمع بينها، كما أنّ البراءة العقلية في الشبهات البدوية ليست إلّا حكم العقل بقبح العقاب على الواقع المجعول من دون حكمه بالحليلة و الإباحة و الترخيص، و البراءة الشرعية هي حكم الشارع بالإباحة ظاهرا، فاختلف مفاد البراءة العقلية مع مفاد البراءة الشرعية و إن كانت النتيجة واحدة.

و بالجملة فالممتنع جعله شرعا في الاحتياط في موارد العلم الإجمالي و في البراءة هو: ما إذا كان مفاد الاحتياط الشرعي و العقلي واحدا و كذا في البراءة الشرعية و العقلية، و أما مع الاختلاف فلا مانع من جعل إيجاب الاحتياط شرعا و كذا من جعل البراءة شرعا.

نعم الإشكال كلّه في معقولية إيجاب الاحتياط في نفسه، لأنّه إن كان إيجابه على تقدير وجود الحكم الواقعي كما إذا كان المال المشتبه مال غير دون ما إذا كان مال نفسه فلا يمكن التمسك بدليل وجوب الاحتياط في الموارد المشكوكة لكون التمسك به‏

338

من قبيل التشبث بالعام في الشبهة المصداقية (1).

و لا يستقيم إيجاب الاحتياط شرعا إلّا بكون وجوب الاحتياط ثابتا للمشتبه على كلّ تقدير سواء كان مال غير أم مال نفسه، بحيث يكون عنوان المحتمل من العناوين الثانوية المغيرة للحكم و إن لم يكن في الواقع حكم إلزامي كما أشار إليه الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه)(2) في مبحث البراءة بكون وجوب الاحتياط حكما نفسيا ظاهريا.

و الحاصل أنّ إشكال معقولية إيجاب الاحتياط شرعا من هذه الناحية ليس مرتبطا بالمقام و هو إشكال إيجاب الاحتياط من جهة حكم العقل بتنجيز العلم الإجمالي، و كلامنا فعلا في هذا الإشكال دون الإشكال الأوّل و قد عرفت أنّ وروده مبني على اتحاد حكم العقل و الشرع، أما مع الاختلاف فلا محذور فيه أصلا، نظير إيجاب الاحتياط بإتيان ثلاث صلوات ثنائية و ثلاثية و رباعية في ما إذا ترددت فائتة بين الصلوات الخمس و إيجاب أربع صلوات إلى أربع جهات إذا ترددت القبلة بين الجوانب الأربعة، فإنّ ما أدركه العقل في هذين الموردين هو حسن تفريغ الذمة عن التكليف المعلوم و هو لا يحصل إلّا بإتيان ثمان صلوات أو أزيد إلى الجوانب و النقاط، و لا يحصل بإتيان أربع صلوات كما لا يحصل بإتيان ثلاث صلوات، ضرورة أنّ الفائت إن كان من الظهرين يجب فيه الإخفات، و إن كان هو العشاء يجب فيه الجهر، فالعلم بفراغ الذمة يتوقف على إتيان أربع صلوات ثنائية و ثلاثية و رباعية إخفاتية مرددة بين الظهر و العصر و رباعية اخرى جهرية بنية العشاء رجاء، و قد حكم الشارع بوجوب إتيان ثلاث صلوات في الفائتة و أربع في تردد القبلة بين الجهات الأربع.

فصار محصل الكلام في دفع التهافت بين التزام الميرزا النائيني (قدّس سرّه) بإيجاب‏

____________

(1) و لا يخفى أنّ هذا الإشكال لا يرد على الأمارات لأنّ اعتبارها يكون ببناء العقلاء.

(2) فرائد الاصول/ 208.

339

الاحتياط شرعا مع حكم العقل بتنجيز العلم الإجمالي و بين إنكاره حكم الشارع بتفريغ الذمة؛ هو أنّ إيجاب الاحتياط غير إدراك العقل حسن إفراغ الذمة، و الممنوع شرعا هو حكمه بتفريغ الذمة الذي يدركه العقل و يتوقف على الجمع بين المحتملات لكن العقل لا يحكم بوجوب الجمع بينها إذ ليس شأنه الحكم بل إدراك الحسن و القبح، غايته أنّ ما أدركه العقل إن كان حسن الإطاعة أو قبح المعصية فلا يحكم الشارع بوجوبها أو حرمتها و لو حكم بذلك كان إرشادا محضا، لما قرّر في محلّه من عدم قابلية مرحلة الإطاعة و المعصية للحكم المولوي للزوم التسلسل، لكن لا مانع من جعل الحكم المولوي لغير نفس الإطاعة و المعصية كوجوب الجمع بين المحتملات فإنّه غير وجوب نفس الإطاعة و تفريغ الذمة، فلا تهافت بين التزام الميرزا النائيني (قدّس سرّه) بإمكان إيجاب الاحتياط مع حكم العقل بتنجيز العلم الإجمالي و بين إنكاره حكم الشارع بالتفريغ أصلا.

لكنك قد عرفت توجيه كلام صاحب الحاشية (قدّس سرّه)(1) و أنّ مراده جعل الشارع طريقا على الواقع ليكون مفرغا في ظرف عدم إحراز الإتيان بالواقع بالعلم الوجداني، و إن كان ظاهر كلام صاحب الحاشية (قدّس سرّه) حكم الشارع بالإفراغ لكنه ليس مراده كما يظهر من ملاحظة تمام كلامه.

بقي الكلام في اعتراض الميرزا النائيني (قدّس سرّه) على صاحب الحاشية (قدّس سرّهما) من دعوى الملازمة بين الظن بالواقع و بين الظن بالفراغ، كالملازمة بين الظن بالطريق و بين الظن بالواقع و عدم اختصاص الملازمة بالظن بالطريق، لكن قد عرفت أنّه بناء على تقريب صاحب الحاشية (قدّس سرّه) تختص النتيجة بما ذكره من اختصاص حجيّة الظن بالظن بالطريق و ليس الكلام في نفس الملازمة المزبورة، إذ لا يمكن التشكيك في‏

____________

(1) هداية المسترشدين/ 391.

340

وجود الملازمة في الظن بالواقع فإنّ الظن به يلازم قطعا الظن بالفراغ إلّا أنّ الكلام في مؤمنيّة هذا الظن المتعلق بالواقع، لأنّ الظن بالواقع لم يصر مظنون الاعتبار أصلا بخلاف الظن بالطريق و هو خبر الواحد، فإنّ أدلة حجيّته على فرض عدم تماميتها توجب الظن بحجيّته، بخلاف الأولوية و الشهرة و غيرهما فإنّه لم يقم ظن على اعتبارها، فإنّها و إن كانت موجبة للظن بالواقع إلّا أنّ هذا الظن إما مشكوك الاعتبار و إما موهوم الاعتبار، و من المعلوم أنّ العقل يستقل بتقديم مظنون الاعتبار على مشكوكه و موهومه إذ لا صلاحية و لا اقتضاء للمشكوك و الموهوم للحجيّة، فيكون مظنون الاعتبار ممّا فيه اقتضاء الحجيّة و مشكوك الاعتبار و موهومه ممّا ليس فيه اقتضاء الحجيّة، و لذا جعل صاحب الفصول و الحاشية دليل الانسداد من أدلة حجيّة خبر الواحد.

و بالجملة فصاحب الحاشية (قدّس سرّه) لا ينكر الملازمة بين الظن بالواقع و بين الظن بالفراغ، إلّا أنّ هذا الظن بالفراغ ليس موجبا لأمان المكلّف لعدم الظن بحجيّته و مؤمنيّته بخلاف الظن بالطريق فإنّ الظن بمؤمنيته مظنون الحجيّة، فالإنصاف أنّ نتيجة مقدمات الانسداد على تقريب صاحب الحاشية تختص بحجيّة الظن بالطريق.

[تقريب المقدمات على نحو ينتج حجية الظن كشفا لا حكومة]

نعم يمكن تقريب المقدمات بنحو تكون النتيجة حجيّة الظن بالواقع، بأن يقال:

إنا نعلم إجمالا بأحكام في الشريعة و قد انسد علينا باب العلم بها، و تلك الأحكام منتشرة في الوقائع المظنونة و المشكوكة و الموهومة مع فرض عدم انحلال هذا العلم الإجمالي بالعلم الإجمالي بنصب طرق إلى تلك الأحكام، و فرض بطلان الاحتياط مطلقا في الأحكام و إن لم يلزم منه عسر، فتكون النتيجة حينئذ لا محالة حجيّة الظن كشفا، لأنّه بعد بطلان الاحتياط و لزوم امتثال الأحكام تفصيلا أي بعنوانها و عدم امتثالها بالاحتمال و الرجاء- حتى يكون الإتيان بالمظنون من باب الاحتياط و الرجاء بل من باب إحراز الحكم- لا محيص عن جعل الشارع الظن محرزا للواقعيات حتى‏

341

يتمكن العبد من امتثالها تفصيلا و بعناوينها، و لذا ترى الانسداديين يعملون بالأخبار من باب الحجيّة حيث إنهم يستنبطون الأحكام منها على حذو غيرهم ممن لا يقول بالانسداد، و ليس ذلك إلّا لأجل استكشاف حجيّة الظن شرعا من مقدمات الانسداد.

و لما كان اللازم أن تكون نتيجة المقدمات الطريق الواصل لعدم الجدوى في غير الواصل منه كما أشرنا إليه سابقا و كان الطريق منحصرا في الظن، فيكون الظن بالحكم من أيّ سبب حصل و في أيّ مورد كان حجة فلا إهمال في النتيجة بالنسبة إلى السبب، و المورد و إن كان قابلا للتخصيص بسبب دون سبب و مورد دون مورد نظير القطع الموضوعي التابع في العموم و الخصوص لدليل اعتبار القطع في الموضوع كالقطع بالأحكام الشرعية من الأدلة المقرّرة بالنسبة إلى جواز التقليد، فإنّ القطع بالأحكام الناشئ من الرمل و الجفر ليس موضوعا لجواز التقليد بل لا بدّ أن يكون ناشئا من السمع، إلّا أنّ تخصيصه بمورد دون مورد مع عدم ورود دليل عليه يستلزم إهمال النتيجة و عدم وصولها إلينا، و قد عرفت أنّه لا بدّ من أن تكون النتيجة الطريق الواصل، نعم لا باس بإهمالها من حيث المرتبة لأنّ المتيقن حينئذ حجيّة الظن الاطمئناني، إذ لو كان مطلق الظن حجة فالاطمئناني منه حجة قطعا و إلّا فهو بالخصوص حجة، فحجيّة الاطمئناني قطعية على كلّ حال.

[كون النتيجة الظن بالواقع مطلقا على الكشف و الحكومة]

و الحاصل أنّ مقدمات الانسداد إن جعل مصبها الطرق بعد رجوع القطعين إلى قطع واحد كما عرفت تقريبه في كلام الفصول- و أننا مكلّفون في هذه الأعصار بمؤدى الأمارات مع الغض عن الواقعيات- فلا محالة تكون النتيجة حجيّة الظن بالطريق دون الواقع و إن جعل مصبها نفس الأحكام الواقعية فتكون النتيجة حجيّة الظن بالواقع فقط من دون فرق في ذلك بين الكشف و الحكومة.

أما تقريبها على الحكومة فهو: أنّ المقدمة الثانية إن كانت مستندة إلى العلم‏

342

الإجمالي فمقتضاها الإطاعة الاحتياطية بإتيان جميع الوقائع من المظنونات و المشكوكات و الموهومات، و لما كان الاحتياط التام مخلّا و موجبا للعسر فيرفع اليد عن المشكوكات و الموهومات دفعا للاختلال و العسر لقبح ترجيح المرجوح على الراجح الذي هو حكم عقلي، فيتعيّن الإطاعة الظنية بمعنى إتيان المظنونات، و من المعلوم أنّ الإطاعة الظنية تكون في الأحكام الواقعية لأنّ الاحتياط الذي حكم به العقل بمقتضى العلم الإجمالي هو الاحتياط في الواقعيات دون الطرق، غاية الأمر أنّ العقل تنزل عن الاحتياط التام إلى الناقص و هو الاحتياط في خصوص المظنونات فيكون الإطاعة الظنية متعيّنة بحكم العقل فيكون الظن بالواقع حجة دون الظن بالطريق.

نعم إن كان الظن بالطريق مستلزما للظن بالواقع فلا باس بالأخذ به، لكنه يكون لأجل الظن بالواقع أيضا لا لأجل الظن بالطريق، فإن كان الظن بالطريق غير مستلزم للظن بالواقع فلا يكون حجة لأنّ الأخذ به يكون من الإطاعة الشكيّة إذ المفروض عدم استلزامه للظن بالواقع، فالاعتماد عليه يكون امتثالا شكيا لا ظنيا كما لا يخفى.

و أما تقريب المقدمات على الكشف، فهو أنّ مقتضى استناد المقدمة الثانية إلى الإجماع هو الاحتياط لأنّه الطريق الواصل بنفسه المحرز للواقعيات عملا، إلّا أنّه في المقدمة الثالثة صار باطلا للإجماع على بطلانه في الأحكام الكاشف عن نصب طريق عليها لإحرازها حتى يمكن امتثالها تفصيلا، و من المعلوم أنّ الطريق منحصر في الظن إذ لا كشف في شي‏ء من الشك و الوهم، فيكون الظن حجة شرعا على الواقعيات إذ الامتثال التفصيلي موقوف على إحرازها، فالظن إن تعلق بالأحكام أو كان الظن بالطريق مستلزما للظن بها يكون في هاتين الصورتين محرزا لها، و إما إذا لم يستلزم الظن بالطريق الظن بالواقع فلا يحرز به الواقع حتى يمكن امتثاله تفصيلا، فلا يكون‏

343

الظن بالطريق غير المستلزم للظن بالواقع حجة أصلا.

فتلخص أنّه بناء على إجراء المقدمات في الطرق تكون النتيجة حجيّة الظن بالطريق لا محالة و لا وجه حينئذ لحجيّة الظن بالواقع، و بناء على إجرائها في الأحكام الواقعية تكون النتيجة حجيّة الظن بالواقع فقط من دون تفاوت في ذلك بين تقريب المقدمات بنحو تنتج الحكومة أو الكشف، فجعل النتيجة بناء على الحكومة أعم من حجيّة الظن بالواقع بعد إجراء المقدمات في الأحكام كما أفاده الشيخ الأنصاري‏ (1) و الميرزا النائيني (قدّس سرّهما) لم يظهر له، وجه فإنّ الإطاعة الظنية التي يحكم بها العقل تكون في الواقعيات دون الطرق، فالظن بالطريق إن لم يكن مستلزما للظن بالواقع لا عبرة به أصلا إذ لا يتحقق به الإطاعة الظنية في الأحكام، و كذا على الكشف فإنّه بعد إبطال الشارع الامتثال الاحتياطي و إرادة الامتثال التفصيلي نستكشف نصب طريق محرز للأحكام حتى يتمكن العبد من امتثالها، فالطريق المستكشف هو الظن بنفس الأحكام دون الطرق، فلا مجال لحجيّة الظن بالطريق أصلا، فالمقدمات إما تنتج حجيّة الظن بالطريق و إما تنتج حجيّة الظن بالواقع، و ليس هنا تقريب ثالث ينتج حجيّة الظن بكليهما.

و الحقّ هو القول بحجيّة الظن بالواقع لأنّ المقدمات موردها هو الواقع دون الطرق، هذا تمام الكلام في التنبيه الأوّل المعقود لبيان حال نتيجة مقدمات الانسداد من حيث كونها حجيّة الظن بالواقع أو الطريق أو كليهما و قد عرفت أنّ المختار هو حجيّة الظن بالواقع دون الطريق.

ثمّ إنّه يمكن تقريب المقدمات بنحو تنتج حجيّة الظن مطلقا موردا و سببا و مرتبة بحيث تكون النتيجة كلّية بدون حاجة إلى معمّم خارجي، و ذلك بأن نبطل‏

____________

(1) فرائد الاصول/ 147

344

في المقدمة الثالثة الاحتياط مطلقا، و الرجوع إلى الاصول كذلك لبطلان الشرعية منها حيث إنّ مدركها هو الأخبار المفروض عدم حجيّتها لانسداد باب العلمي بها فلا يمكن الرجوع حينئذ في موارد الظن الضعيف إلى الاصول فتكون النتيجة من أوّل الأمر حجيّة كلّ ظن في كلّ مورد.

الأمر الثاني: في إطلاق النتيجة و إهمالها.

و المراد بالإطلاق المعبر عنه بكلّية النتيجة أيضا هو حجيّة الظن مطلقا أي كونه حجة، موردا: بأن كان المظنون من حقوق اللّه تعالى أو حقوق الناس و من التعبديات أو التوصليات، و سببا: بأن كان ناشئا من الخبر أو الإجماع المنقول أو الأولوية أو غيرها، و مرتبة بأن كان موجبا للاطمئنان أو لا، و على هذا الإطلاق يكون الظن حجة حتى في الدماء و الأموال و الأعراض فإن قام دليل خاص على وجوب الاحتياط فيها يكون ذلك مخصّصا لإطلاق النتيجة.

و المراد بإهمال النتيجة حجيّة الظن في الجملة كحجيّة خصوص الظن الاطمئناني أو في بعض الموارد أو الحاصل من سبب خاص.

و قد يتوهم أنّ إهمال النتيجة مساوق لعدم إنتاج المقدمات في عدم الفائدة، لأنّ إهمال النتيجة لا يوجب وصول الحجة إلى المكلّف، و مع عدم وصولها إليه لا يتمكن من الامتثال.

و لكنه مدفوع: بأنّ عدم الفائدة يلزم بناء على بقاء النتيجة على إهمالها، و أما مع ارتفاع الإهمال و تعميم النتيجة بالمعمم الخارجي الذي سيأتي إن شاء اللّه تعالى فلا محذور في إهمالها أصلا لأنّ النتيجة لا بدّ أن تكون واصلة بنفسها أو بطريقها، و المراد بالأول هو وصول الحجة بنفس المقدمات، و المراد بوصولها بطريقها هو وصولها بالمعممات الخارجية الآتية إن شاء اللّه تعالى و بالجملة، فهذا التوهم فاسد كما عرفت.

345

[إطلاق النتيجة بالنسبة إلى الأسباب و الموارد]

إذا تبيّن المراد من إهمال النتيجة و إطلاقها، فاعلم أنّ الحقّ- بناء على كون مستند بطلان الاحتياط في المقدمة الثالثة هو الإجماع على أنّ الشارع أراد امتثال الأحكام بعناوينها، بأن ياتي العبد بالواجب بعنوان وجوبه مثلا لا بداعي احتمال الوجوب و رجائه- هو إطلاق النتيجة و حجيّة الظن مطلقا سببا و موردا و مرتبة، و ذلك لأنّ مقتضى الإجماع المزبور هو بطلان الاحتياط في كلّ مسألة بنحو الانحلال و من المعلوم بطلان غير الاحتياط أيضا كالرجوع إلى غير و إلى البراءة و إلى الاستصحاب كما هو مقتضى المقدمة الثالثة.

و لازم هذا الانحلال حجيّة الظن مطلقا، إذ مع بقاء التكليف و إرادة امتثاله بعنوانه و قبح التشريع و التكليف بما لا يطاق يثبت حجيّة الظن بنحو الإطلاق لانحصار المرجع فيه، إذ لا معنى لإرادة حجيّة خصوص الاطمئناني من الظن بداهة عدم كفايته بمعظم الفقه، فلا بدّ في الموارد الخالية عن الظن الاطمئناني من الرجوع إلى أصل من براءة أو استصحاب أو الرجوع إلى فتوى غير، و المفروض بطلان الكلّ في المقدمة الثالثة، و لا معنى للرجوع إليها بعد فرض بطلانها، و حينئذ فيدور الأمر بين امور باطلة من التشريع في الالتزام بوجوب ما لا يعلم بوجوبه أو ارتفاع التكليف أو التكليف بما لا يطاق، و بداهة بطلانها تقضي بإطلاق حجيّة الظن.

و من هنا يظهر عدم الوجه في إشكال الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه)(1) على المحقق القمي (قدّس سرّه)(2) القائل بإطلاق النتيجة سببا و موردا و مرتبة، بأنّه يمكن أن تكون النتيجة مهملة و يدّعى أنّ المتيقن حجيّة الظن الاطمئناني، وجه الظهور ما عرفت من كون الإجماع دليلا على بطلان الاحتياط بنحو الانحلال لا بطلانه في المجموع من حيث المجموع، فإنّ هذا الإشكال من الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) على مبناه من بطلان‏

____________

(1) فرائد الاصول/ 139.

(2) قوانين الاصول/ 440 و 452.

346

الاحتياط بالإجماع المزبور لا يتوجه على القمي (قدّس سرّه) أصلا كما لا يخفى.

و أما بناء على كون مستند بطلان الاحتياط الإخلال بالنظام و العسر و الحرج فلا تصل النوبة إلى حجيّة الظن أصلا حتى يقال: إنّ النتيجة مهملة أو مطلقة، و لا يمكن التعدي عن المقدمة الثالثة إلى الرابعة، بل النتيجة حينئذ التبعيض في الاحتياط لأنّ الاحتياط المخل بالنظام أو الموجب للعسر هو الاحتياط في المجموع من حيث المجموع لا في كلّ واحدة من المسائل، فيرفع اليد عن الاحتياط التام و يؤخذ بغير المخل، و هذا هو التبعيض في الاحتياط و ليس مرتبطا بحجيّة الظن.

و الحاصل أنّه لا سبيل إلى دوران النتيجة بين حجيّة الظن مطلقا أو في الجملة بل النتيجة إما التبعيض في الاحتياط و إما حجيّة الظن مطلقا فتدبر في أطراف ما ذكرناه جيدا.

و بالجملة فبعد تمامية المقدمة الثالثة ببطلان الاحتياط في كلّ مسألة، و كذا البراءة لكون مدركها الروايات المفروض عدم اعتبارها- و العياذ باللّه- و كذا الاستصحاب و غيره كالرجوع إلى الغير تصل النوبة إلى المقدمة الرابعة، و إلّا فلا تنتهي النوبة إلى المقدمة الرابعة، لأنّه بعد عدم بطلان الاحتياط في كلّ واحدة من المسائل كما إذا كان مدرك بطلانه اختلال النظام أو العسر و الحرج نبقى في التبعيض في الاحتياط إلى يوم الظهور، و بعد فرض تمامية المقدمة الثالثة نستكشف جعل الشارع طريقا محرزا للأحكام حتى تمتثل بعناوينها إذ مع عدم الجعل يلزم أحد التوالي الفاسدة التي عرفتها من التشريع أو التكليف بما لا يطاق أو ارتفاع التكليف، و من المعلوم أنّ الصالح للطريقية و الحجيّة هو الظن دون الشك و الوهم فيتعيّن الظن للحجيّة، و لكن مقتضى البرهان هو حجيّة خصوص الظنون المثبتة للتكاليف دون النافية لها، إذ البرهان لا يقتضى إلّا حجيّة الظن لأجل امتثال الأحكام بعناوينها و من المعلوم أنّ الامتثال يكون في الظنون المثبتة لا النافية، فلا تكون النتيجة حجيّة كلّ ظن سواء

347

كان مثبتا أم نافيا، كما أنّ قضية البرهان المزبور حجيّة خصوص الظن الاطمئناني مع وفائه بمعظم الفقه و إلّا فتكون النتيجة مطلقة بالنسبة إلى المراتب.

و أما بالنسبة إلى الأسباب فلا ينبغي الارتياب في إطلاق النتيجة فيها إذ الظن يقوم مقام العلم في حال الانسداد، فكما لا فرق في حجيّة العلم بين مناشئه فكذلك الظن في ظرف الانسداد.

و أما بالنسبة إلى الموارد فكذلك، لأنّ مقتضى بطلان الاحتياط في كلّ مسألة مسألة كما هو قضية الإجماع على عدم جواز امتثال الأحكام بالاحتمال و الرجاء و عدم جريان البراءة فيه و غير ذلك ممّا تقدم في المقدمة الثالثة هو حجيّة الظن في كلّ مسألة، و إن كانت من الموارد الثلاثة أعني الدماء و الأعراض و الأموال، فلو ادّعت المرأة خلوها عن موانع التزويج و حصل من قولها الظن أو غيره بصدقها جاز تزويجها و لا يجب الاحتياط، لأنّ قضية بطلان الاحتياط بنحو السلب الكلّي هي حجيّة الظن في كلّ مورد و إن كان من الموارد الثلاثة، و توهم إهمال النتيجة بالنسبة إلى الموارد بدعوى عدم استقلال العقل باستكشاف حجيّة الظن في الموارد الثلاثة التي علم باهتمام الشارع فيها لأهمية ملاكاتها، فيلزم رعايتها بالاحتياط و لا يكتفى فيها بالظن؛ فاسد: لأنّ قضية بطلان الاحتياط في كلّ مورد هي حجيّة الظن في جميع الموارد و مجرد أهمية الملاك لا يوجب الاحتياط و وقوف العقل عن استكشاف حجيّة الظن في الموارد الثلاثة، لما قرّر في محلّه من أنّ الملاك الذي لا يطالبه المولى لا يجب استيفاؤه و إنّما الواجب استيفاؤه هو الملاك المطالب به دون غيره و إن كان في غاية الأهمية، و عليه فإن قام دليل خاص على وجوب الاحتياط شرعا في الموارد الثلاثة و صار قطعيا بأن لم ينسد فيه باب العلم و العلمي يكون ذلك مخصّصا للإجماع القائم على بطلان الاحتياط في كلّ مورد، فيكون الظن حجة في غير الموارد الثلاثة كعدم حجيّة الظن الناشئ من القياس لما دلّ على عدم حجيّته كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى.

348

و إن لم يقم دليل على وجوب الاحتياط في الموارد الثلاثة فمقتضى انسداد باب العلم و العلمي فيها و بطلان الاحتياط في كلّ مورد هو حجيّة الظن فيها و عدم العبرة باحتمال إيجاب الشارع الاحتياط فيها، فتكون نتيجة مقدمات الانسداد على تقدير تماميتها حجيّة الظن في جميع الموارد و لا إهمال فيها من حيث المورد.

و الحاصل أنّه بناء على تمامية المقدمة الثالثة ببطلان الاحتياط شرعا في كلّ مسألة و بطلان الرجوع إلى البراءة عقليّها و نقليها- أما عقليّها فلمخالفته للعلم الإجمالي أو للخروج عن الدين، و أما نقليها فلعدم حجيّة الأخبار بالفرض لانسداد باب العلمي- تكون النتيجة حجيّة كلّ ظن في كلّ مورد من أيّ سبب حصل، و أما من حيث المرتبة فإن كان الظن الاطمئناني وافيا بالفقه فلا موجب لحجيّة غيره لعدم الحاجة إليه، و إن لم يكن وافيا به تكون النتيجة مطلقة بالنسبة إلى المرتبة أيضا.

و لكن الإنصاف أنّ فرض وجود الظن الاطمئناني يوجب الخروج عن دليل الانسداد إذ من مقدماته انسداد باب العلم و العلمي و من المعلوم أنّ الظن الاطمئناني ممّا استقر على اعتباره بناء العقلاء و الشارع لم يردع عنه فيكون حجة، و حينئذ لا ينسد باب العلمي فتنهدم إحدى مقدمات الانسداد، فلا بدّ من عدم وجود الظن الاطمئناني.

[في معممات النتيجة على تقدير الإهمال‏]

و كيف كان فالنتيجة مطلقة على تقدير بطلان الاحتياط في كلّ واقعة.

و لو فرض إهمال النتيجة بناء على الكشف فربما يقال بإمكان تعميم النتيجة من حيث المعمم الخارجي لوجوه ثلاثة:

[الوجه‏] الأوّل [من وجوه التعميم‏]: قبح الترجيح بلا مرجح‏

، إذ لا ترجيح بين الظنون، و المفروض بطلان التخيير بينها بحيث لا يكون العبد مخيرا في الأخذ بأيّها شاء كالتخيير بين الخبرين المتعارضين، فلا بدّ من الالتزام بحجيّة كلّ ظن من أيّ سبب و بأية مرتبة و في أيّ مورد، و لمّا كان قوام هذا المعمم بعدم المرجح فلا بدّ من ذكر ما يصلح للمرجحية

349

و إبطال الترجيح به حتى يحرز معمميّة هذا الوجه فنقول: إنّ الوجوه المرجحة ثلاثة:

أحدها: تيقن الاعتبار فإنّ تيقن اعتبار بعض الظنون يوجب تعيّنه في مقام الحجيّة، فيكون نتيجة مقدمات الانسداد حجيّة متيقن الاعتبار من الظنون دون غيره.

ثانيها: كون بعض الظنون أقوى من بعض و هذا المرجح يكون بحسب المرتبة، فإذا دار الأمر بين حجيّة الأقوى و القوي فلا ريب في أرجحية الأوّل من الثاني.

ثالثها: كون بعض الظنون مظنون الحجيّة، فإنّ الظن بالحجيّة يكون مرجحا لأنّ مظنون الحجيّة إما موصل إلى الواقع فتستوفى مصلحته، و إما غير موصل إليه لكنه يشتمل على مصلحة سلوكية يتدارك بها مصلحة الواقع نظير تردد ما في نسخة الطبيب من الدواء بين ما يكون نفس ما في النسخة و بين ما يكون مثله في اشتماله على المصلحة، فإنّه لا شبهة في رجحانه بالنسبة إلى ما يحتمل كونه نفس ما في النسخة أو غيره ممّا يترتب على استعماله الضرر كبعض أدوية المتجددين من الأطباء، فإنّه إن كان نفس ما في النسخة يكون مشتملا على المصلحة و إن كان غيره يترتب عليه غالبا ضرر لا يمكن تداركه، عصمنا اللّه تعالى عن الحاجة إليهم و إلى أدويتهم.

[رد الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) على الوجه الأول‏]

و الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه)(1) أبطل هذه الوجوه المرجحة بأنّها بين ما هو غير نافع ممّا هو مسلّم المرجحية و بين ما هو نافع و لكنه غير مسلم المرجحية.

توضيحه: أنّ تيقّن الاعتبار الذي هو المرجح الأوّل و إن كان الترجيح به مسلما للقطع بحجيّته و الشك في حجيّة غيره إلّا أنّه غير كاف، ضرورة أنّ متيقن الاعتبار هو الخبر الصحيح الأعلائي و من المعلوم عدم كفايته بمعظم الفقه لندرته في الروايات، و أما الأقوائية التي هي الوجه الثاني من وجوه الترجيح ففيها أن ضبط

____________

(1) فرائد الاصول/ 141.

350

الأقوائية متعسر أو متعذر لكون القوة و الضعف من الامور الإضافية، نعم لا باس بمرجحية خصوص مرتبة من الظن و هي الظن الاطمئناني لكنها غير وافية بالفقه فلا فائدة في الترجيح بها.

هذا كلّه مضافا إلى إمكان منع الترجيح بالقوة في مقام الجعل كما هو المشاهد في الظنون الخاصة، فيمكن جعل الشارع الظن الضعيف حجة دون ما هو القوي في نظرنا إذ الترجيح يكون في مقام الجعل دون الأخذ، و من المعلوم عدم إحاطتنا بجهات التشريع، فلعل ملاك الجعل في الظن الضعيف موجود دون القوي فأصل الترجيح بالقوة محلّ منع و لا أقل من الشك في مرجحيته، و قد قرّر في محلّه أنّه لا بدّ من حجيّة المرجح.

و أما الظن باعتبار بعض الظنون الذي هو المرجح الثالث ففيه: أنّ الترجيح به يشبه الترجيح بالقوة و الضعف في كون المدار على الأقربية إلى الواقع، فإذا فرض كون الظن الذي لم يظن بحجيّته أقوى من الظن الذي ظن بحجيّته فليس بناء العقلاء على ترجيح الثاني على الأوّل فيرجع الأمر إلى ملاحظة الموارد الخاصة، نعم الترجيح بالظن بالاعتبار متجه في صورة تساوي الظنون في الكشف عن الواقع و اتحاد رتبة حكايتها عنه، و أما مع الاختلاف فلا.

و محصل الجواب عن الوجه الثالث هو: أنّ الظن بالاعتبار يتوقف مرجحيته على كونه مرجحا عند الشارع إذ الكلام في إهمال النتيجة بناء على الكشف، فلا بدّ أن تكون المزية مرجحة عند الشارع حتى تكون داعية إلى جعل الحجيّة لخصوص ذي المزية و أنّى لنا بإثبات مرجحية الظن بالاعتبار عند الشارع.

و عليه فلم يحرز المرجح لبعض الظنون فالوجه الثالث غير ثابت، فالتعميم بقبح الترجيح بلا مرجح في محلّه لأنّ المفروض فقدان المرجح الذي يكون المعمم الزبور متقوما بعدمه، لكن يشكل التعميم بقبح الترجيح بلا مرجح بأنّه موقوف على‏

351

إحراز تساوي جميع الظنون ملاكا عند الشارع، و هذا غير ثابت لنا لعدم إحاطتنا بجهات التشريع، فيمكن أن يكون ما جعله الشارع حجة خصوص بعض الظنون لمزية فيه مجهولة لنا، و مع عدم الإحاطة بالجهات الدخيلة في تشريع الأحكام سواء كانت تكليفية، أم وضعية كجعل الحجيّة و الوسطية و غيرهما لا يمكن الحكم بتساوي الظنون في ما له دخل في الحجيّة برجحان مظنون الاعتبار في مقام الحجيّة الشرعية، فالمعمم المزبور أعني قبح الترجيح بلا مرجح لا يخلو من الإشكال.

نعم بناء على مذهب الكفاية (1) من كون النتيجة حجيّة الظن حكومة أي في مقام الإطاعة، حيث إنّه لم يبطل الاحتياط إلّا بإخلال النظام و العسر و الحرج و مقتضى ذلك بطلانه في ما يلزم منه هذان المحذوران و بقاؤه في غير ما يلزم منه ذلك، فحينئذ نرفع اليد عن الموهومات و المشكوكات لأجل المحذورين المذكورين و نعمل بالمظنونات من باب الامتثال الاحتياطي التبعيضي، كما حملنا عليه عبارة الشيخ (قدّس سرّه)(2) و إن كان هذا خلاف ظاهرها، لأنّ ظاهر عبارته من الحكومة هو الامتثال الظني دون الاحتياطي، و كيف كان فإذا كان في العمل بالمظنونات عسر أيضا و كان بعضها مظنون الاعتبار و الآخر مشكوكة و الثالث موهومة، فالعقل يستقل بتقديم مظنون الاعتبار على القسمين الآخرين لعدم تساوي الظنون حينئذ في نظره حتى يحكم بعدم الفرق بينها و جواز الامتثال بأيّ منها، فإنّ حكم العقل بعدم التفاوت بين الظنون في مقام الامتثال و تفريغ الذمة منوط بتساوي أقدام تلك الظنون و عدم مزية لبعضها، و مع المزية لا تكون متساوية الأقدام.

و بالجملة فبناء على الكشف لا يمكن الترجيح بالظن باعتبار بعض الظنون لعدم إحراز مرجحيته شرعا.

____________

(1) كفاية الاصول/ 315.

(2) فرائد الاصول/ 127 و 139.

352

و دعوى: أنّ مرجحيته و تعيين المهملة بالظن بالاعتبار ببركة ترتيب مقدمات انسداد آخر بأن يقال: إنّ نتيجة مقدمات الانسداد الأوّل هي حجيّة ظن ما، و حيث إن نتيجة مقدمات الانسداد لا بدّ أن تكون واصلة بنفسها أو بطريقها، إذ لا تجدي النتيجة غير الواصلة كذلك فتجري المقدمات ثانيا في الحجيّة المجهولة، و يقال: إنّه قد انسد علينا باب العلم و العلمي في الحجيّة المجهولة و لا يجوز إهمالها لاستلزام إهمالها إهمال الأحكام الذي لا يجوز، للعلم الإجمالي أو الإجماع أو الخروج عن الدين على التفصيل المتقدم في مستند المقدمة الثانية، و لا يجوز أو لا يجب الاحتياط في الحجة المجهولة فتصل النوبة إلى المقدمة الرابعة الموجبة لتعيّن مظنون الاعتبار من الظنون المظنونة الاعتبار و المشكوكة و الموهومة، فإنّ العقل يرجح مظنون الاعتبار على غيره فتكون الحجة كلّ ظن قام على اعتباره ظن، غير مسموعة؛ لأنّه بمجرد عدم ثبوت مزية مرجحة لبعض الظنون يحكم بعموم النتيجة من أوّل الأمر من دون حاجة إلى ترتيب مقدمات انسداد آخر فقبح الترجيح بلا مرجح يكون موجبا لعموم النتيجة من مقدمات الانسداد الأول، و بناء على الحكومة التي مرجعها إلى التبعيض في الاحتياط على ما تقدم يكون الظن بالاعتبار مرجحا في نظر العقل فيقدم على غيره في مقام الإطاعة.

فتلخص أنّ الإشكال على المعمم المزبور أعني الترجيح بلا مرجح صغروي، لأنّ الكلام في مرجحية الظن بالاعتبار عند الشارع الجاعل للحجيّة و هو غير محرز، فلا يحرز تساوي الظنون في ملاك الحجيّة عند الشارع حتى يكون تخصيص الحجيّة ببعضها ترجيحا له بلا مرجح، فهذا المعمم منوط بإحراز التساوي و هو ممّا لا يمكن لنا إحرازه فليس لقبح الترجيح بلا مرجح في ما نحن فيه صغرى، نعم يتجه التعميم بهذا المعمم بعد ضم مقدمة إليه و هي كون نتيجة مقدمات الانسداد الطريق الواصل بنفسه إذ لا فائدة في إهمال النتيجة، و حينئذ فإن كان بعض الظنون حجة دون بعض كما إذا