نهاية الوصول إلى علم الأصول‏ - ج2

- العلامة الحلي المزيد...
638 /
505

و التقدير بالكعبين، غير مانع من العطف على الرءوس غير المقدّرة، كما في اليدين مع الوجوه، و أيّ دلالة في ذلك؟

و حمل قراءة النّصب بالعطف على الموضع أولى من حمل قراءة الجرّ على المجاورة، لوجوه:

الأوّل: اتّفاق أهل اللسان على التسوية بين العطف على اللّفظ و على الموضع، بخلاف الجرّ بالمجاورة، فإنّه شاذّ نادر منحصر في ألفاظ قليلة شاذّة.

الثاني: الجرّ بالمجاورة إنّما ورد لا مع الفاصل، كما في قوله:

فإنّه وصف لكبير، فيكون مرفوعا، لكن جرّ بالمجاورة، و كذا [في النثر] «جحر ضبّ خرب» و «ماء شنّ بارد» و لم يرد مع الفاصل في الشعر و النثر، فلا يجوز حمل الآية على ما لم يستعمل في اللّغة البتّة.

الثالث: منع الزجاج‏ (2) من الجرّ بالمجاورة في القرآن، و قال: إنّه لم يرد به الكتاب العزيز، و هو يدلّ على شذوذه في اللّغة.

و أجمع اللغويّون على التشريك في الحكم بين المعطوف بالواو و المعطوف عليه في الحكم الثابت للمعطوف إلّا ما خرج بدليل.

____________

(1). البيت لامرئ القيس في ديوانه: 119، و صدره:

كأنّ ثبيرا في عرانين وبله‏* * * كبير أناس في بجاد مزمّل‏

(2). هو إبراهيم بن السريّ بن سهل، أبو اسحاق الزجاج عالم بالنحو و اللّغة و له مناقشات مع ثعلب و غيره، مات في بغداد سنة 311 ه. لاحظ الأعلام للزركلي: 1/ 40.

506

على أنّا نمنع نصب «رمح» بالعطف على «سيف» و عطف «الماء» على «التّبن» بل انتصبا بعامل محذوف دلّ اللّفظ عليه، و هو «و حاملا» رمحا «و سقيتها» ماء باردا.

المسألة السادسة

قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «أيّما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليّها، فنكاحها باطل باطل باطل» (1) لو ثبت عند علمائنا، لكان متأوّلا، و به قال أبو حنيفة و تأوّلوه بأمور:

الأوّل: الصغيرة.

الثاني: الأمة و المكاتبة.

الثالث: أراد بالبطلان أنّه يئول إليه عند اعتراض الأولياء لها إذا زوّجت نفسها من غير كفو عند بعضهم.

و منعه الشافعي و أجراه على عمومه، أمّا أوّلا، فلأنّه صدّر الكلام بأيّ، و هي من كلمات الشرط العامة.

و أمّا ثانيا، فلأنّه أكّده فقال: «أيّما» و هي من المؤكّدات المستقلّة بإفادة العموم أيضا.

و أمّا ثالثا، فلأنّه قال: «فنكاحها باطل» رتّب الحكم على الشرط في معرض الجزاء، و ذلك أيضا يؤكّد قصد العموم.

____________

(1). مسند أحمد: 6/ 47 و 66 و 166.

507

و أمّا رابعا، فلأنّه أكّد البطلان بذكره «ثلاثا» (1).

و فيه نظر، إذ لا مدخل لهذا التأكيد في إرادة العموم.

قالوا: و لا يمكن حمله على الصغيرة، لأنّه حكم بالبطلان، و عقد الصغيرة من دون إذن الوليّ موقوف على إجازة الوليّ، و لا على الأمة، لقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «فإن مسّها فلها المهر بما استحلّ من فرجها» (2) و لا مهر للأمة بل لسيّدها، و لا على المكاتبة، لأنّها بالنسبة إلى جنس النساء نادرة.

و لفظ «أيّما امرأة» من أقوى صيغ العموم و من القبيح في لغة العرب إطلاق اللفظ العامّ على النّادر جدّا.

و نمنع صحّة الاستثناء بحيث لا يبقى إلّا الأقلّ النادر من المستثنى عنه.

و حمل البطلان على الضّرورة إليه بعيد أيضا، لأنّ مصير العقد إلى البطلان نادر، و التعبير باسم الشّي‏ء عمّا يؤول إليه إنّما يصحّ، إذا كان المآل إليه قطعا، كما في تسمية العصير خمرا.

و لأنّ قوله: «فإن أصابها فلها المهر بما استحلّ من فرجها» يعطي فساد العقد، فإنّه لو كان صحيحا لكان المهر بالعقد لا بالاستحلال. (3)

و فيه نظر، إذ يمكن الجواب بأنّ قوله: «بدون إذن وليّها» يعطي ثبوت الولاية عليها، و هو ظاهر في الصغيرة و الأمة و المكاتبة حينئذ، و المهر و إن كان‏

____________

(1). الاستدلال للآمدي في الإحكام: 3/ 40؛ و الغزالي في المستصفى: 2/ 57.

(2). كنز العمّال: 16/ 508، برقم 45665؛ و سنن البيهقي: 7/ 215.

(3). الاستدلال للآمدي في الإحكام: 3/ 41.

508

للسيّد، فإنّه لمّا كان بواسطة الأمة صحّ إضافته إليها، فقد يضاف الشي‏ء إلى غيره بأدنى ملابسة، كما يقال لأحد حاملي الخشبة: خذ طرفك.

و معنى البطلان‏ (1): عدم ترتّب الحكم عليه، و نكاح الصغيرة و المكاتبة و الأمة لمّا كان موقوفا على إذن الوليّ، لم يترتّب عليه بانفراده حكم، فكان كالباطل.

المسألة السابعة

قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «لا صيام لمن لم يبيّت الصّيام من الليل» (2) حمله أبو حنيفة على القضاء و النذر. (3)

و منعه الباقون، لأنّه نفي دخل على نكرة، فيكون للعموم، و لا يسبق منه إلى الفهم إلّا الصوم الأصليّ الشرعيّ، و هو الفرض أو التطوّع، و التطوّع غير مراد، فلم يبق إلّا الفرض الّذي هو ركن في الدّين، و هو صوم رمضان.

فأمّا القضاء و النذر فإنّما يجبان بأسباب عارضة فكانا كالنّادر، لا يفهم من إطلاق الصوم، كما لا يفهم من قوله: «أكرم أقربائي» أقارب السبب دون النسب لندوره.

____________

(1). في قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «فنكاحها باطل».

(2). تقدّم تخريج الحديث ص 410.

(3). نقله الآمدي في الإحكام: 3/ 41؛ و الغزّالي في المستصفى: 2/ 59.

509

المسألة الثامنة

قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «من ملك ذا رحم محرم عتق عليه» (1) قال بعض الشافعية: إنّه محمول على الأب، و أنكره الباقون، لأنّ ظهور وروده لتأسيس قاعدة، و تمهيد أصل في سياق الشرط و الجزاء، و التنبيه على حرمة الرحم، قويّ الظهور في قصد التعميم لكلّ ذي رحم محرم، و ذلك يمنع من التأويل بالحمل على الأب دون غيره، لامتيازه بكونه على عمود النسب عمن هو على حاشيته من الأرحام، و هو يوجب اختصاصه بالتنصيص عليه، إظهارا لشرف قربه، فلو كان القصد الأب دون غيره، لما عدل عن التنصيص عليه الى ما يعمّه و غيره، لما فيه من إسقاط حرمته، فإنّه لو قال لعبده: «أكرم النّاس» و قصد أبويه خاصّة، كان مستهجنا.

و لأنّه يلزم منه الالتباس.

المسألة التاسعة

قوله تعالى: وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى‏ (2) تأوّل علماؤنا ذي القربى بالإمام خاصّة القائم مقام الرسول بعده، لنقل وارد عن الأئمّة (عليهم السلام).

____________

(1). سنن ابن ماجة: 2/ 843 برقم 2524- 2525؛ و سنن الترمذي: 3/ 646 برقم 1365؛ و سنن أبي داود: 4/ 26 برقم 3949.

(2). الأنفال: 41.

510

و قال أبو حنيفة: المراد به من كان محتاجا من ذي القربى، فاعتبر الحاجة مع القرابة، ثمّ جوّز حرمان ذوي القربى مع انتفاء الحاجة. (1)

و قال أصحاب الشافعي: هذا التخصيص باطل لا يحتمله اللفظ، لأنّه أضاف المال إليهم بلام التمليك، و عرّف كلّ جهة بصفة، و عرّف هذه الجهة في الاستحقاق بالقرابة.

و أبو حنيفة ألغى القرابة المذكورة، و اعتبر الحاجة المتروكة، و هو مناقضة للفظ، لا تأويل له. (2)

و يمنع التناقض، لأنّه نوع تخصيص بالقرينة، فإنّ ذكره في إعطاء المال مقارنا للمساكين، يدلّ على اعتبار الحاجة.

المسألة العاشرة

قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «فيما سقت السماء العشر، و فيما سقي بنضح أو دالية نصف العشر» (3) ذهب بعض الفقهاء (4) إلى أنّه لا يحتجّ به في إيجاب العشر من الخضراوات، لأنّ المقصود منه الفرق بين العشر و نصفه، لا بيان ما يجب فيه العشر حتّى يتعلّق بعمومه.

____________

(1). نقله الآمدي في الإحكام: 3/ 42؛ و الغزّالي في المستصفى: 2/ 59.

(2). لاحظ المستصفى: 2/ 59.

(3). تقدم تخريج الحديث ص 290.

(4). نقله الآمدي في الإحكام عن قوم، لاحظ الإحكام: 3/ 43؛ و المستصفى: 2/ 58.

511

و ليس بصحيح، لأنّ الصيغة للعموم، فإن أخرج منه فلدليل آخر، و هو قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «ليس في الخضراوات صدقة» (1) لا تفصيل ما يجب، لاحتمال أن يكون كلّ منهما مقصودا، لإمكان الجمع بينهما.

***

____________

(1). لاحظ رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب: 3/ 483، قسم المتن.

512

الباب الثالث: في المنطوق و المفهوم‏

و فيه مباحث:

[المبحث‏] الأوّل: في الماهيّة

قال بعضهم: «المنطوق ما فهم من اللفظ في محلّ النطق» (1) و هو مع أنّه دائر منقوض بدلالة الاقتضاء، فإنّ الأحكام المضمرة فيها مفهومة من اللفظ في محل النطق، مع أنّه لا يقال فيها: إنّها دلالة المنطوق.

و احترز بعضهم عن الثاني بأن قال‏ (2): «المنطوق ما فهم من دلالة اللّفظ قطعا في محل النطق» كما في وجوب الزكاة المفهوم من قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): في‏

____________

(1). نقله الآمدي في الإحكام عن بعض و لم يسمّ قائله. لاحظ الإحكام: 3/ 46.

(2). القائل هو الآمدي في الإحكام: 3/ 46.

513

الغنم السائمة زكاة (1)، و كتحريم التأفيف في قوله تعالى: فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍ‏ (2).

و الوجه أن يقال: المنطوق هو ما دلّ اللّفظ عليه بصريحه دلالة أوّليّة.

و المفهوم قيل‏ (3): «هو ما فهم من اللفظ في غير محل النطق، و هو دائر، و يمكن الجواب: بأنّ المفهوم المحدود غير المأخوذ في الحدّ، فانّ المأخوذ في الحدّ هو الفهم بالمعنى المتعارف عند الناس.

المبحث الثاني: في الأقسام‏

دلالة غير المنظوم- و هو ما دلالته لا بصريح صيغته و وضعه- إمّا أن يكون مدلوله مقصودا للمتكلّم أو لا.

و الأوّل: إمّا أن يتوقّف صدق المتكلّم أو صحّة الملفوظ به، عليه، أو لا، و يسمّى الأوّل دلالة الاقتضاء.

و الثاني، إمّا أن يكون مفهوما في محلّ تناوله اللّفظ نطقا، و يسمّى دلالة

____________

(1). تقدّم تخريج الحديث ص 337.

(2). الإسراء: 23.

(3). القائل هو الآمدي في الإحكام: 3/ 46.

514

التنبيه و الإيماء، أو لا يكون فيه، و يسمّى دلالة المفهوم.

و إن كان مدلوله غير مقصود للمتكلّم، فدلالة اللّفظ عليه تسمّى دلالة الإشارة.

فالاقسام أربعة:

الأوّل: دلالة الاقتضاء

، و هي ما كان المدلول فيه مضمرا، إمّا لضرورة صدق المتكلّم، كقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «رفع عن أمّتي الخطأ و النسيان و ما استكرهوا عليه» (1) و قوله: «لا صيام لمن لم يبيّت الصّيام من الليل» (2) و قوله: «لا عمل إلّا بنية» (3) فإنّه لا بدّ من إضمار حكم يرد النفي عليه، كنفي المؤاخذة في الأوّل، و الصحّة في الثاني، و الفائدة في الثالث.

و إمّا لصحّة وقوع الملفوظ به، إمّا عقلا، مثل‏ وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ (4) أو شرعا، مثل «اعتق عبدك عنّي» (5).

الثاني: دلالة التنبيه و الايماء

، و سيأتي في باب القياس.

الثالث: دلالة الإشارة

، كقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «النساء ناقصات عقل و دين» فقيل: يا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و ما نقصان دينهنّ؟ قال: «تمكث إحداهنّ في قعر بيتها شطر

____________

(1). تقدّم تخريج الحديث ص 185.

(2). تقدّم تخريج الحديث ص 410.

(3). تقدّم تخريج الحديث ص 410.

(4). يوسف: 82.

(5). فإن العتق فرع سبق الملك، لقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «لا عتق إلّا في ملك».

515

دهرها لا تصلّي و لا تصوم» (1) فهذا الخبر سيق لبيان نقص دينهنّ، لا لبيان أكثر الحيض و أقلّ الطهر، و مع ذلك لزم منه تساوي أيّامها، فإنّه لو كان زمان الحيض يزيد على أقلّ الطهر لذكره، لأنّه ذكر شطر الدهر، مبالغة في بيان نقص دينهنّ.

و كذا قوله تعالى: وَ حَمْلُهُ وَ فِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً (2) و قال: وَ فِصالُهُ فِي عامَيْنِ‏ (3). (4)

الرابع: المفهوم، و هو قسمان:

[الأول:] مفهوم الموافقة،

و هو أن يكون الحكم في محل السكوت موافقا له في محل النطق، و يسمّى أيضا فحوى الخطاب، و لحن الخطاب، أي معناه، كقوله تعالى: وَ لَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ‏ (5) أي [في‏] معناه، كدلالة تحريم التأفيف على تحريم الضرب، و كقوله تعالى: وَ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَ مِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ

____________

(1). لاحظ صحيح البخاري، كتاب الحيض، باب ترك الحائض الصوم برقم 304؛ و صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب نقصان الإيمان بنقص الطاعات برقم 145؛ و نقله الآمدي في الإحكام: 3/ 45؛ و الغزالي في المستصفى: 2/ 194.

(2). الأحقاف: 15.

(3). لقمان: 14.

(4). فإذا كانت مدّة الحمل و الرضاع ثلاثين شهرا، و كانت مدّة الرضاع حولين كاملين، يكون أقلّ مدّة الحمل ستّة أشهر.

(5). محمّد: 30.

516

لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ‏ (1) فإنّ كلّا منهما (2) يدلّ على أولويّة حكمه في الآخر.

و الحكم هنا في محلّ السكوت أولى منه في محلّ النّطق، و إنّما يكون كذلك إن لو عرف المقصود من الحكم في محلّ النطق من سياق الكلام، و عرف أنّه أشدّ مناسبة و اقتضاء للحكم في محلّ السّكوت من اقتضائه في محلّ النطق، كما في آية تحريم التأفيف‏ (3) حيث عرف أنّ القصد كفّ الأذى عن الأبوين، و أنّ أذى الضّرب أشدّ، فكان بالتحريم أولى.

و لو قطع النظر عن ذلك لم يجب التّعدية فانّ الملك قد يأمر بقتل والده إذا عرف أنّه ينازعه في الملك، و ينهى عن التأفيف، حيث لم يندفع محذور المنازعة بالثاني بل بالأوّل، فلا يجب حينئذ من إباحة أشدّ المحذورين إباحة أضعفهما، و لا من تحريم الأضعف تحريم الأشدّ.

الثاني: مفهوم المخالفة

، و هو ما يكون الحكم في محلّ السكوت مخالفا له في محلّ النطق، و يسمّى دليل الخطاب، و أصنافه عشرة:

الأوّل: تقييد المطلق بالوصف، كقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): في الغنم السائمة زكاة. (4)

الثاني: مفهوم الشرط، مثل: إن دخل أكرمه.

____________

(1). آل عمران: 75.

(2). في «أ»: منها.

(3). قوله تعالى: فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍ‏ الإسراء: 23.

(4). تقدّم تخريج الحديث ص 337.

517

الثالث: مفهوم الغاية [كقوله تعالى‏]: وَ لا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ‏ (1).

الرابع: مفهوم «إنّما»، كقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): إنّما الأعمال بالنيات. (2)

الخامس: التخصيص بالأوصاف التي تطرأ و تزول بالذكر، كقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): في السائمة زكاة.

السادس: مفهوم اللّقب، كتخصيص الأشياء الستّة في الذكر بتحريم الربا.

السابع: مفهوم الاسم المشتق الدالّ على الجنس، كقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «لا تبيعوا الطعام بالطعام» (3)، و هو قريب من مفهوم اللّقب.

الثامن: مفهوم الاستثناء: لا عالم في البلد إلّا زيد.

التاسع: تعليق الحكم بعدد خاصّ، كتخصيص حدّ الزاني بمائة.

العاشر: مفهوم حصر المبتدأ في الخبر: العالم زيد و صديقي و عمرو.

____________

(1). البقرة: 222.

(2). تقدّم تخريج الحديث ص 411.

(3). لاحظ مستدرك الوسائل: 13/ 244، الباب 16 من أبواب عقد البيع، الحديث 1.

518

المبحث الثالث: في أنّ مفهوم الموافقة حجّة

اتّفق العلماء عليه، خلافا لداود الظاهري‏ (1) لأنّ اللّفظ يدلّ عليه دلالة ظاهرة بل قطعيّة، فإنّ السّيد لو قال لعبده: لا تظلم أحدا ب [مثقال‏] حبّة، فهم كلّ عاقل منعه عن الظلم بأزيد منها، و كذا لو قال: لا تقل له أفّ، فهم منه تحريم ضربه، و كما أنّ ذلك حجّة في تحريم الظلم بحبّة و التأفيف، لدلالة اللفظ عليه، فكونه حجّة في تحريم الظلم بأزيد و الضرب أولى، لقوّة الدلالة فيهما، و المنكر لذلك مكابر.

نعم اختلف القائلون بكونه حجّة، في أنّه حجّة من باب القياس، أو من فحوى اللفظ؟

و الحقّ الثاني، لوجوه:

____________

(1). هو داود بن علي بن خلف الأصبهاني البغداديّ المعروف بالظاهري (202- 270 ه) أوّل من أظهر انتحال الظاهر، سمّي بالظاهري لأخذه بظاهر الكتاب و السنّة، فالمصدر الفقهي عندهم هو النّصوص، و إذا لم يكن النّصّ موجودا أخذوا بالإباحة الأصلية، و قد انقرض المذهب الظاهري بابن حزم الاندلسي (384- 456 ه) فهو آخر فقيه انتحل هذا المذهب. و من أراد التفصيل فعليه أن يرجع إلى بحوث في الملل و النحل: 3/ 157.

519

الأوّل: العرب وضعت هذه الألفاظ للمبالغة في تأكيد ثبوت الحكم في محلّ السكوت، و هو أفصح من التصريح، و كما أنّ دلالة اللّفظ في محلّ التصريح لفظيّة باعتبار فهمه منه، فهنا أولى، فإنّ دلالة قولنا: فلان يؤمن على ألف قنطار على أنّه يؤمن على دينار أقوى من قولنا: إنّه يؤمن على دينار.

الثاني: لا يشترط في القياس كون المعنى المناسب للحكم في الفرع، أشدّ مناسبة من حكم الأصل إجماعا، و شرط هذا النوع، الأشديّة، فلا يكون قياسا.

الثالث: الأصل في القياس يمتنع اندراجه في الفرع، و كونه جزءا منه إجماعا و هذا النوع من الاستدلال قد يكون ممّا يتوهم أنّه أصل فيه جزء مما يتوهم أنّه فرع، كما لو نهاه عن إعطاء حبّة، فإنّه يدلّ على امتناع إعطاء دينار فما زاد، و الحبّة داخلة فيه.

الرابع: كلّ من خالف في القياس أثبت هذا النوع حجّة عدا داود الظاهري، و لو كان قياسا، لوقع فيه الخلاف.

الخامس: أنّا نقطع بالتّعدية قبل شرع القياس، فلا يكون منه.

احتجّ الآخرون: بأنّا لو قطعنا النظر عن المعنى الّذي سيق له الكلام من كفّ الأذى عن الأبوين، و عن كونه في الشتم و الضرب، أشدّ منه في التأفيف، لما حكم بتحريم الشتم و الضرب إجماعا، فالتأفيف أصل، و الضرب فرع، و رفع الأذى علّة، و التحريم حكم، و لا معنى للقياس إلّا الجامع لهذه الأربعة، و سمّوه‏

520

قياسا جليّا، لأنّ الوصف الجامع بين الأصل و الفرع ثابت بالتأثير (1).

و الجواب: كون المعنى ثابتا، و كونه أولى في محل السكوت، شرط تحقّق الفحوى، فلا يجب أن يكون قياسا، و لا مناقضة بين تحقّق المعنى و الفحوى.

و اعلم أنّ هذا النوع من المفهوم، ينقسم إلى قطعيّ و إلى ظنيّ.

فالأوّل: ما علم فيه المعنى المقصود، و أولويّته في محلّ السكوت، كآية التأفيف.

و الثاني: ما كان أحد هذين ظنيّا كقوله تعالى في كفّارة قتل الخطأ:

فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ (2) فإنّه و إن دلّ على وجوب الكفّارة في قتل العمد، لأنّه أولى بالمؤاخذة، إلّا أنّه ليس قطعيّا، لإمكان أن لا تكون علّة التكفير في الخطأ المؤاخذة، و كقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): رفع عن أمّتي الخطأ و النسيان‏ (3) و المراد به رفع المؤاخذة، بل نظرا للخاطئ بإيجاب ما يكفّر ذنبه في تقصيره، و لهذا سمّيت كفّارة، و جناية العمد فوق جناية الخطأ، و لا يلزم من كون الكفّارة مسقطة لإثم أضعف الذّنبين أن تكون مسقطة لإثم أقواهما.

____________

(1). الاستدلال للآمدي في الإحكام: 3/ 48.

(2). النساء: 92.

(3). تقدّم تخريج الحديث ص 185.

521

المبحث الرابع: في مفهوم المخالفة

قد سبق الخلاف في أنّ ربط الحكم باسم عامّ مقيّد بصفة خاصّة، كقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): في الغنم السائمة زكاة، هل يدلّ على نفيها عن غير السائمة أم لا؟

و ذكرنا الحجج من الطّرفين، و كذا البحث قد سبق في مفهوم الشرط، و الغاية، و إنّما، و الأوصاف الطارئة، و مفهوم اللقب، و الاسم المشتقّ، لقربه من مفهوم اللّقب، و العدد الخاصّ، و مفهوم الاستثناء، إذ حاصله راجع إلى أنّ الاستثناء من النّفي إثبات، فإنّ بعضهم قال في قولنا: لا عالم إلّا زيد، لا يقتضي ثبوت العلم له، بل إخراجه عن نفي العلم، و قد سلف تحقيقه.

و أمّا مفهوم حصر الخبر في المبتدأ، كقولنا: العالم زيد، و صديقي عمرو، و قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): إنّما الأعمال بالنّيات، (1) فذهب جماعة من المتكلّمين و الحنفيّة و القاضي أبو بكر (2) إلى أنّه لا يدلّ على الحصر، و قال الغزّالي‏ (3) و جماعة من الفقهاء: إنّه يدلّ.

____________

(1). تقدم تخريج الحديث ص 411.

(2). التقريب و الإرشاد: 3/ 360- 362.

(3). المستصفى: 2/ 212.

522

و اختلف مثبتو الدلالة، فقال بعضهم: إنّه منطوق، و قال آخرون: إنّه مفهوم.

احتجّ الأولون: بأنّه لو أفاد الحصر لأفاده العكس، لأنّه فيهما ليس للجنس، و لا لمعهود معيّن، لعدم القرينة.

و لأنّه لو كان، لكان التقديم بغير مدلول الكلمة، و ليس كذلك، إذ ليس فيه سوى تغيير الجزء الصوري.

احتجّ الآخرون: بأنّه لو لم يكن دالّا على حصر الأعمال في المنويّة، و العالم في زيد، و الصداقة في عمرو، لكان المبتدأ أعمّ من خبره، فيكون كذبا، كما لو قال: الحيوان إنسان، لتعذّر الجنس و العهد، فوجب جعله لمعهود ذهنيّ بمعنى الكامل و المنتهى.

و اعترض: بأنّ الكذب إنّما يلزم لو كان الالف و اللام للعموم، حتّى يصير التقدير: كلّ عمل بنيّة، و هو ممنوع، بل هي ظاهرة في البعض، و التقدير: بعض الأعمال بالنية، و بعض العالم زيد، و بعض صديقي عمرو، فإذن هو لمعهود ذهنيّ، مثل: أكلت الخبز.

و أيضا، يلزمه‏ (1): زيد العالم بعين ما ذكر.

فإن زعم أنّه مخبر بالأعمّ عن الأخصّ، فغلط، لأنّ شرط جعل الأعمّ مخبرا به، التنكير (2)، لما عرف من قواعدهم أنّ الألف و اللام في المحمول يدلّ على المساواة.

____________

(1). أي يلزم الكذب.

(2). أي بأن يقال: زيد عالم.

523

و إن جعل اللام في قولنا: «زيد العالم» لزيد (1)، لقرينة تقدّمه، كان خطأ أيضا (2):

[أ] لاستقلال اللّام بالتعريف و إن لم يذكر زيد، لكونه خبر المبتدأ.

[ب‏] و وجوب استقلال الخبر بالتعريف عند كونه معرفة.

[ج] و استلزام ذلك وجوب استقلال اللام بالتعريف منقطعا عن زيد، و هذا الاستقلال يمنع كون اللّام لزيد، لتوقف تعريفه حينئذ على تقدّم قرينة زيد.

____________

(1). إنّ جعل اللّام في قولنا: «زيد العالم» لزيد يخرجه عن كونها لام التعريف، و تكون موصولة، و مع غضّ النظر عمّا ذكرنا، فقد أورد عليه المصنّف بوجوه:

1. قد ثبت في محلّه استقلال اللّام في إفادة التعريف دون حاجة إلى قرينة متقدّمة.

2. إذا كان الخبر معرفة فهو يكون مستقلّا في إفادة التعريف غير معتمد على ما قبله، و لازم ذلك أن تكون اللام منقطعا عمّا قبله (زيد).

3. انّ استقلاله يمنع عن تعلّق اللّام لما قبله (زيد).

(2). بوجوه مذكورة في المتن و قد اوضحناها في الهامش.

524

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

525

المقصد السابع: في الأفعال‏

و فيه مباحث:

المبحث الأوّل: في عصمة الأنبياء (عليهم السلام)

أمّا قبل البعثة، فذهب الإماميّة كافّة إلى وجوب عصمتهم من كلّ ذنب صغير أو كبير على سبيل العمد، أو السهو، أو التأويل، لأنّه لو وقع منهم شي‏ء من ذلك لسقط محلّهم من النّفوس و انحطّت درجتهم، و أوجب ذلك هضمهم و الاحتقار بهم، و النفرة عن اتّباعهم، و عدم الانقياد إلى أوامرهم و نواهيهم، و ذلك ينافي الغرض من البعثة، و يخالف مقتضى الحكمة.

و خالفهم في ذلك جميع الفرق.

أمّا أكثر المعتزلة، فقد جوّزوا وقوع الصغائر منهم، أمّا الكبائر فقد وافقوا الشيعة على امتناعها منهم.

526

و أمّا الاشاعرة، فقال أكثرهم و جماعة من المعتزلة: إنّه لا يمتنع عليهم المعصية كبيرة كانت أو صغيرة، بل و لا يمتنع عقلا إرسال من أسلم عن كفر (1)، لانتفاء دليل سمعيّ على عصمتهم عن ذلك، و دليل العقل مبنيّ على التحسين و التقبيح، و وجوب رعاية الحكمة في أفعاله تعالى.

و أمّا بعد النبوّة، فعند الإماميّة أنّهم معصومون عن كلّ ذنب صغير أو كبير، وقع عن عمد، أو سهو، أو تأويل، لوجوب ذلك قبلها، فبعدها أولى.

و أمّا الجمهور فقد اختلفوا، و حاصل الاختلاف يرجع إلى أقسام أربعة:

الأوّل: ما يقع في باب الاعتقاد، و قد اتّفقوا على أنّه لا يجوز منهم الكفر إلّا الفضليّة (2) من الخوارج، فإنّهم قالوا: قد وقع منهم ذنوب، و كلّ ذنب عندهم كفر و شرك، و أمّا الاعتقاد الخطأ الّذي لا يبلغ الكفر كاعتقاد عدم بقاء الأعراض، فمنهم من منعه، لكونه منفّرا و منهم من جوّزه.

الثاني: ما يرجع إلى التبليغ، و اتّفقوا على امتناع التغيير عليهم، و إلّا لزال الوثوق بما يقولونه، و جوّز بعضهم ذلك على جهة السّهو لا العمد.

الثالث: ما يتعلّق بالفتوى، و اتّفقوا على امتناع الخطأ فيه، و جوّزه قوم على سبيل السهو.

____________

(1). لاحظ الإحكام للآمدي: 1/ 119.

(2). هم فرقة من الخوارج، أتباع فضل بن عبد اللّه، و من عقائدهم: انّ من قال: لا إله الّا اللّه محمد رسول اللّه بلسانه و لم يعتقد ذلك بقلبه بل اعتقد الدهرية أو اليهودية أو النصرانيّة، فهو مسلم عند اللّه مؤمن، و لا يضرّه إذا قال الحق بلسانه ما اعتقد بقلبه. لاحظ معجم الفرق الإسلامية: 186.

527

الرابع: ما يتعلق بأفعالهم، و اختلفوا فيه على أربعة أقوال:

الأوّل: قول من جوّز عليهم الكبائر عمدا، و منهم من قال بوقوع هذا الجائز و هم الحشوية.

و قال القاضي أبو بكر: إنّه جائز عقلا غير واقع سمعا.

الثاني: قال الجبائيّ: لا يجوز أن يرتكبوا كبيرة و لا صغيرة عمدا، لكن يجوز أن يأتوا به على سبيل التأويل.

الثالث: قال بعضهم لا يجوز ذلك، لا عمدا و لا من جهة التأويل، لكن على سبيل السهو، و هم مؤاخذون بما يقع منهم على وجه السهو و إن كان موضوعا عن أمّتهم، لقوّة معرفتهم، و تمكّنهم من التحفظ بخلاف اتباعهم ...

الرابع: قول أكثر المعتزلة: لا يجوز أن يرتكبوا كبيرة، و قد وقعت منهم صغائر عمدا و خطأ و سهوا و تأويلا، إلّا ما ينفّر، كالكذب و التطفيف، و سرقة قدر بذر. (1)

و هنا قول‏ (2) آخر: أنّه لم يقع منهم ذنب صغير و لا كبير عمدا، و أمّا سهوا فقد وقع، لكن بشرط أن يتذكّروه في الحال، و يعرّفوا غيرهم أنّه سهو.

و الحقّ ما قلناه عن الإماميّة، و الاستقصاء مذكور في كتبنا الكلاميّة.

____________

(1). أي سرقة حبّة تدلّ على خسّة فاعلها و دناءة همّته.

(2). القائل هو الرازي في محصوله: 1/ 502.

528

المبحث الثاني: في معنى التأسّي و الموافقة و المخالفة

لمّا دل الإجماع و النصّ على وجوب التأسي بالنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في الجملة، وجب معرفة التأسّي، و الموافقة، و المخالفة.

فالتأسي بالنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، قد يكون في فعله و في تركه، أمّا في الفعل فبأن نفعل صورة ما فعل، على الوجه الّذي فعل، لأجل أنّه فعل.

و أمّا في الترك، فبأن نترك مثل الّذي ترك، على الوجه الّذي ترك، لأجل أنّه ترك، فاتّحاد الصّورة لا بدّ منه لتحقّق التأسّي معه، فانّه لو صلّى، و صمنا، لم نكن متأسّين به.

و أمّا الوجه، فهو الغرض، و النيّة بذلك الفعل، و لا بدّ من اتّحاده، فكلّما هو غرض في الفعل وجب اعتباره، و يدخل في ذلك نيّة الوجوب و الندب، فإنّه لو صام على وجه الوجوب، و صمنا على وجه الندب، لم يتحقّق التأسّي به، و كذا بالعكس.

و لو انتفى الغرض المخصوص في الفعل، لم يجب اعتباره، فإنّه لو أزال النجاسة لا لأجل الصلاة، لم يجب إذا تأسينا به من إزالتها أن ننوي ذلك.

و إذا عرف أنّ للمكان أو الزمان مدخلا في الغرض، وجب اعتبارهما،

529

كالوقوف بعرفة، و صوم شهر رمضان، و صلاة الجمعة، و إلّا فلا، كما لو تصدّق (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و اتّفق‏ (1) ذلك في زمان ما، فإنّه يتحقّق التأسّي به و إن تصدّقنا في غير ذلك المكان أو الزمان، إذا علمنا انتفاء تعلّق الغرض بهما.

و قولنا: «لأجل أنّه فعل» لانتفاء التأسّي بدونه، فإنّه لو اتّفق شخصان في فعل واحد، و لم يفعل أحدهما لأجل فعل الآخر، لم يكن أحدهما متأسّيا بصاحبه.

و لو صلّى (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فصلّى مثل صلاته رجلان من أمّته لأجل أنّه صلّى، لوصف كلّ منهما أنّه متأسّ بالنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و لا يوصف كلّ واحد منهما بأنّه متأسّ بالآخر.

و لا يشترط في التأسّي استفادة المتأسّي صورة الفعل و وجوبه ممن يتأسّى به، فإنّا موصوفون بالتأسّي بالنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في الصّبر على الشدائد، و الشكر على النّعم، إذا فعلنا ذلك لأجل فعله، و إن لم نستفد صورة ذلك منه، و لا وجوبه.

و لا يمتنع أن نفعل ذلك لأجل أنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فعله، و لعلمنا بوجوبه أو حسنه عقلا.

و قال أبو علي بن خلّاد (2): إنّ الفعل الّذي وقع التأسّي فيه، يجوز أن يكون حسنا من الثاني، قبيحا من الأوّل، كالنصراني لو مشى إلى بيعة للتعبّد

____________

(1). في «أ»: و أنفق.

(2). هو الحسن بن عبد الرحمن بن الخلاد الرامهرمزي الفارسي، محدث في زمانه من أدباء القضاة، توفي سنة 360 ه. لاحظ الأعلام للزركلي: 2/ 194 و كنيته فيها «أبو محمد» لا «أبو علي».

530

بدينه، فتبعه مسلم ليردّ وديعة كانت عنده، في البيعة، كان متأسّيا به، و المشي حسن من المسلم، قبيح من النصرانيّ‏ (1).

و اعترضه أبو الحسين بانتفاء التأسّي مع اختلاف الأغراض. (2)

و قال أبو عبد اللّه البصري‏ (3): ينبغي اعتبار المكان الّذي وقع الفعل فيه، إلّا أن يدلّ دليل على عدم اعتباره. (4)

و لا بأس به عندي.

و قال قاضي القضاة: إنّ اعتبار الزّمان و المكان يمنع من التأسّي لفوات الزمان، و استحالة اجتماع شخصين في مكان واحد في زمان واحد. (5)

اعترضه أبو الحسين: بأنّ هذا إنّما يمنع من اعتبار زمان معيّن، و لا يمنع من اعتبار مثل الزمان، كما في وقت صلاة الجمعة، و لا يمنع من اعتبار [ذلك‏] المكان في زمان آخر، و لا من اعتباره إذا كان [المكان‏] متّسعا، كعرفة، و الواجب اعتبار الزمان و المكان بحسب الإمكان، إذا علم دخولهما في الأغراض. (6)

و فيه نظر، فإنّ الغرض إن تعلّق بالزمان و مماثله، لم يكن للزمان المخصوص مدخل في الغرض، و كذا المكان المتّسع.

____________

(1). نقله أبو الحسين البصري في المعتمد: 1/ 344.

(2). المعتمد: 1/ 344.

(3). تقدّمت ترجمته في الجزء الأوّل: 219.

(4). نقله أبو الحسين البصري في المعتمد: 1/ 344.

(5). نقله أبو الحسين البصري في المعتمد: 1/ 344.

(6). المعتمد: 1/ 344.

531

و قال قاضي القضاة: لا اعتبار بطول الفعل و قصره، لعدم إمكان ضبطه. (1)

اعترضه أبو الحسين: بوجوب اعتباره بحسب الإمكان، إذا علم دخول ذلك في الأغراض‏ (2).

و أمّا اتّباع النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فقد يكون في القول، بأن يصير إلى مقتضاه من وجوب، أو ندب، أو حظر، لأجله.

و في الفعل و في الترك، بأن يتأسّى به.

و يمكن أن يقال: اتّباع النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) هو المصير إلى ما تعبّدنا به على الوجه الّذي تعبّدنا به، لأنّه تعبّدنا به، و يدخل فيه القول، و الفعل، و الترك.

و إنّما شرطنا في الاتّباع ما شرطناه في التأسّي، لأنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لو صلّى فصمنا، أو صام فرضا، فصمنا ندبا، أو صمنا لا لأنّه صام، لم نكن متّبعين.

و أمّا الموافقة: فقد تكون في المذهب، بأن يتشاركا فيما نسبت الموافقة إليه، فإذا قيل: وافق فلان فلانا في الرؤية، جاز أن يختلفا في السبب، بأن يعتقد أحدهما أنّه يرى بهذه الحاسّة، و الآخر أنّه يرى بحاسّة سادسة، بعد أن يتّفقا في مطلق الرؤية، لأنّ النسبة وقعت فيها.

أمّا لو وافقه في أنّه يرى بهذه الحاسّة، أفاد الاشتراك في الرؤية بهذا الحدّ.

و لا يشترط في الموافقة في المذهب أصالة أحدهما و تبعيّة الآخر.

و قد تكون في الفعل، بأن يتشاركا في صورته و وجهه، فإنّ المصلّي لا

____________

(1). نقله في المعتمد: 1/ 344.

(2). المعتمد: 1/ 344.

532

يوافق الصائم، و كذا المصلّي نفلا لا يوافق المصلّي فرضا. (1)

و فيه نظر، فإنّ الموافقة من الأمور الإضافيّة، فتصدق و إن اختلفا في الوجه، للتشارك في الصورة، كما لو قيّدت الموافقة فقيل: قد وافقه في صورة الفعل، فإنّه لا يقتضي التشارك في الوجه، فكذا في المطلق، إلّا أن يعني بالموافقة المطلقة الموافقة الكلّية بجميع الاعتبارات، لكن تلك أحد أنواع مطلق الموافقة.

و لا يشترط في الموافقة هنا أيضا أصالة أحدهما و تبعيّة الآخر.

و أمّا المخالفة، فقد يكون في القول، و هي العدول عمّا اقتضاه القول من إقدام أو إحجام، و في الفعل، و هي العدول عن امتثال مثله، إذا وجب امتثال مثله، و إذا لم يجب لم يقل للتارك: إنّه قد خالف، و لهذا لا يصدق في حقّ الحائض بترك الصلاة: أنّها مخالفة.

لا يقال: فيجب أن يكون ترك ذلك الفعل مخالفة للدليل الدالّ على وجوب المشاركة له في الفعل، و لا يكون مخالفة في الفعل.

لأنّا نقول: نمنع الوجوب، لأنّ الدليل إذا دلّ على وجوب مشاركته (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في فعله، فأيّ فعل فعله كان دليلا على وجوب مثله علينا، فصحّ أن يوصف من لم يفعله بأنّه مخالف.

____________

(1). الاستدلال لأبي الحسين البصري في المعتمد: 1/ 345.

533

المبحث الثالث: في أنّ فعله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) هل يدلّ على حكم في حقّنا أم لا؟

أمّا ما كان من أفعال الجبليّة، كالقيام، و القعود، و الأكل، و الشرب، و نحوه، فلا خلاف في أنّه على الإباحة بالنّسبة إليه و إلى أمّته.

و أمّا ما هو من خواصّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فلا يدلّ فعله على التشريك بيننا و بينه إجماعا، كاختصاصه بوجوب الوتر، و التهجد بالليل، و المشاورة، و التخيير لنسائه، و إباحة الوصال، و الاصطفاء (1) و دخول مكة بغير إحرام، و الزيادة في النكاح على أربع، إلى غير ذلك ممّا ثبت أنّه من خواصّه.

و أمّا ما وقع بيانا لنا، فهو دليل إجماعا، و ذلك إمّا تصريح كقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): صلّوا كما رأيتموني اصلّي، و خذوا عنّي مناسككم.

و إمّا بقرائن الأحوال، كما إذا ورد لفظ مجمل، أو عامّ أريد به الخصوص، أو مطلق أريد منه المقيّد، و لم يبيّنه، قبل الحاجة إليه، ثم فعل عند الحاجة فعلا صالحا للبيان، فإنّه يكون بيانا لئلّا يكون مؤخّرا للبيان عن وقت الحاجة إليه، كقطع يد السّارق بيانا لقوله تعالى: السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ (2) و البيان‏

____________

(1). المراد: صفايا المغنم.

(2). المائدة: 38.

534

تابع للمبيّن في وجوبه، و ندبه، و إباحته.

و أمّا ما عدا ذلك من أفعاله، فإمّا أن يظهر فيه قصد القربة أو لا.

و الأوّل اختلفوا فيه، فذهب قوم إلى أنّه محمول على الوجوب في حقّه و في حقّنا، و به قال ابن سريج‏ (1) و ابو سعيد الاصطخري‏ (2) و ابن أبي هريرة (3) و أبو علي بن خيران‏ (4)، و الحنابلة، و جماعة، من المعتزلة، و نقله المرتضى‏ (5) عن مالك.

و قال إمام الحرمين: إنّها للندب‏ (6) و هو محكيّ عن الشافعي.

و قال آخرون: إنّه للإباحة، و هو منقول عن مالك.

و قال الصيرفي‏ (7) و أكثر المعتزلة و السيد المرتضى‏ (8) بالوقف.

و أمّا ما لم يظهر فيه قصد القربة، فقد اختلفوا فيه على نحو اختلافهم فيما

____________

(1). تقدّمت ترجمته في الجزء الأوّل: 159.

(2). الحسن بن أحمد بن يزيد، أحد شيوخ فقهاء الشافعية، ولي قضاة قم ثم حسبة بغداد، و اصطخر من بلاد فارس، توفّي سنة 328 ه. لاحظ الأعلام للزركلي: 2/ 179؛ و طبقات الفقهاء: 4/ 133 برقم 1351.

(3). الحسن بن الحسين بن أبي هريرة، القاضي أبو علي البغدادي، و كان من أكابر الشافعيّة، توفّي سنة 345 ه. لاحظ الأعلام للزركلي: 2/ 188؛ و طبقات الفقهاء: 4/ 136 برقم 1354.

(4). الحسين بن صالح بن خيران، الفقيه الشافعي البغدادي، توفّي سنة 320 ه. لاحظ طبقات الفقهاء: 4/ 169 برقم 1382.

(5). الذريعة إلى أصول الشريعة: 2/ 578.

(6). البرهان في أصول الفقه: 1/ 324.

(7). تقدّمت ترجمته في الجزء الأوّل: 140.

(8). الذريعة إلى أصول الشريعة: 2/ 578.

535

ظهر فيه قصد القربة، إلّا أنّ القول بالوجوب و الندب فيه أبعد، و الوقف و الإباحة أقرب، و بعض من جوّز المعاصي على الأنبياء قال: إنّها على الخطر.

فالحقّ عندي: أنّ ما ظهر فيه قصد القربة فهو للقدر المشترك بين الواجب و الندب، و هو مطلق الترجيح في حقّه و حقّنا، و ما لم يظهر فيه قصد القربة فهو للقدر المشترك بينهما و بين الإباحة، و هو رفع الحرج عن الفعل.

أمّا مع ظهور القربة، فلأنّها لا ينفكّ عن أحد قيدي الوجوب أو الندب، و [القدر] المشترك بينهما هو مطلق الترجيح، و لا دلالة للأعمّ على الأخصّ، و كلّ واحد من القيدين مشكوك فيه، و ليس أحدهما أولى من الآخر.

و أمّا إذا لم يظهر قصد القربة، فلأنّه لا ينفكّ عن أحد القيود الثلاثة:

الوجوب، و الندب، و الإباحة، و المشترك هو مجرد رفع الحرج، و لا دلالة على الخصوصيّات، فالمتيقّن هو المشترك، و كلّ واحد من الخصوصيّات مشكوك فيه.

هذا في حقه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

و أمّا في حقّنا، فلأنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و إن كان قد اختصّ بأمور، لكنّها بالنسبة إلى الأحكام نادرة، و حمل المجهول على الأغلب أولى من حمله على النادر، فكانت المشاركة أظهر.

احتج القائلون بالوجوب بوجوه:

الأوّل: قوله تعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ‏ (1) و قد تقدّم‏

____________

(1). النور: 63.

536

أنّ الأمر حقيقة في الفعل، و التحذير عن مخالفة فعله يقتضي وجوب موافقة فعله.

الثاني: قوله تعالى: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَ الْيَوْمَ الْآخِرَ (1) و يلزمه بعكس النقيض من لم يتأس به لم يكن راجيا للّه و اليوم الآخر، و هذا توعّد و زجر.

الثالث: قوله تعالى: وَ اتَّبِعُوهُ‏ (2) أمر بالمتابعة، و الأمر للوجوب، و المتابعة هي الإتيان بمثل فعله.

الرابع: قوله تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي‏ (3) دلّت [الآية] على أنّ الاتّباع لازم للمحبّة، و المحبّة واجبة بالإجماع، و لازم الواجب واجب.

الخامس: قوله تعالى: وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ‏ (4) فإذا فعل فقد آتانا بالفعل، فيجب أخذه إلى العمل بمثله.

السادس: قوله تعالى: أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ‏ (5) أوجب طاعته (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و الإتيان بمثل فعله، لأجل أنّه فعله، طاعة له، فكان واجبا.

السابع: قوله تعالى: فَلَمَّا قَضى‏ زَيْدٌ إلى قوله: لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى‏

____________

(1). الأحزاب: 21.

(2). الأعراف: 158.

(3). آل عمران: 31.

(4). الحشر: 7.

(5). المائدة: 92.

537

الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ‏ (1) بيّن إنّما زوّجه بها ليكون حكم أمّته مساويا له و هو المطلوب.

الثامن: روي عن الصحابة أنّهم خلعوا نعالهم لما خلع نعله، فهموا وجوب المتابعة له في فعله، و النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أقرّهم على ذلك، ثمّ بيّن لهم علّة انفراده بذلك.

التاسع: روي أنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أمرهم بفسخ الحجّ إلى العمرة، و لم يفسخ، فقالوا له: ما بالك أمرتنا بفسخ الحجّ إلى العمرة و لم تفسخ؟ (2) ففهموا أنّ حكمهم حكمه، و النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لم ينكر عليهم، و لم يقل: «إنّ حكمي مخالف لحكمهم» بل بيّن عذرا يختصّ به.

العاشر: روي أنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) نهى الصحابة عن الوصال في الصوم و واصل، فقالوا: نهيتنا عن الوصال، و واصلت، فقال: «لست كأحدكم إنّي أظلّ عند ربّي يطعمني و يسقيني» (3) فأقرّهم على ما فهموه من مشاركته في الحكم، و اعتذر بعذر، يختصّ به.

الحادي عشر: روي عن أمّ سلمة أنّها سألته عن قبلة الصائم، فقال لها: «لم لم تقولي لهم: إنّي أقبّل و أنا صائم» (4) و لو لم يجب اتّباعه في أفعاله، لم يكن لذلك معنى.

____________

(1). الأحزاب: 37.

(2). تقدّم تخريج الحديث ص 350.

(3). لاحظ صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب بركة السحور من غير ايجاب برقم 1922.

(4). لاحظ صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب القبلة للصائم برقم 1929.

538

الثاني عشر: سألته أمّ سلمة عن بلّ الشعر في الاغتسال، فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): أمّا أنا فيكفيني أن أحثو على رأسي ثلاث حثيات من ماء» (1) و لو لا وجوب متابعته، لما حسن هذا الجواب.

الثالث عشر: روي أنّه أمر الصحابة بالتحلّل بالحلق و الذبح، فتوقّفوا، فشكا ذلك إلى أمّ سلمة فأشارت إليه بأن يخرج و ينحر و يحلق، ففعل ذلك، فذبحوا و حلقوا، (2) و لو لا أنّ فعله متّبع، لما كان كذلك.

الرابع عشر: الإجماع على وجوب متابعته، فإنّ الصحابة اختلفوا في الغسل من التقاء الختانين، فقالت عائشة: «فعلته أنا و رسول اللّه فاغتسلنا» (3) فرجعوا إلى ذلك، فإجماعهم إنّما كان لفعله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فقد اجمعوا هنا على أنّ مجرّد الفعل للوجوب، و خلع خاتمه فخلعوا.

و كان عمر يقبّل الحجر الأسود، و يقول: إنّي أعلم أنّك حجر لا تضرّ و لا تنفع، و لو لا أنّي رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يقبّلك لما قبّلتك. (4)

الخامس عشر: الاحتياط يقتضي حمل الشي‏ء على أعظم مراتبه، لأنّه يتضمّن رفع ضرر الخوف عن النفس بالكليّة، و دفع الخوف واجب،

____________

(1). لاحظ صحيح البخاري، كتاب الغسل، باب من أفاض على رأسه ثلاثا برقم 254.

(2). لاحظ صحيح البخاري، كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد و المصالحة مع أهل الحرب برقم 2732.

(3). لاحظ صحيح مسلم، كتاب الحيض، باب نسخ الماء من الماء و وجوب الغسل بالتقاء الختانين برقم 373.

(4). لاحظ صحيح البخاري، كتاب الحج، باب ما ذكر في الحجر الأسود برقم 1597.

539

و اعظم مراتب فعل الرّسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أن يكون واجبا عليه و على أمّته، فوجب حمله عليه.

السادس عشر: يجب تعظيم الرّسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في الجملة، و إيجاب الإتيان بمثل فعله تعظيم له، بدليل العرف، و التعظيمان يشتركان في قدر من المناسبة، فيجمع بينهما بالقدر المشترك، فيكون ورود الشرع بإيجاب ذلك التعظيم يقتضي وروده بأن يجب على الأمّة الاتيان بمثل فعله.

السابع عشر: أفعاله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) تقوم مقام أقواله في بيان المجمل، و تخصيص العموم، و تقييد المطلق من الكتاب و السنّة، فكان أفعاله محمولا على الوجوب كالقول.

الثامن عشر: ما فعله النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) حقّ و صواب، و ترك الحقّ و الصواب يكون خطأ و باطلا، و هو ممتنع.

التاسع عشر: فعله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يحتمل أن يكون واجبا، و أن لا يكون واجبا، و احتمال وجوبه أظهر من احتمال عدمه، لأنّ الظاهر من حاله أنّه لا يختار إلّا الأكمل، و الواجب أكمل، و إذا كان واجبا وجب اعتقاد مشاركة الأمّة له.

العشرون: كونه نبيّا يقتضي وجوب الاتّباع، و الّا نفّر عنه. (1)

الحادي و العشرون: الفعل آكد من القول في الدلالة عن صفة

____________

(1). يقول السيّد المرتضى في تقرير الدّليل: إنّ كونه نبيّا و متّبعا يقتضي نفي ما ينفّر عنه، و مخالفته في أفعاله تنفّر عن القبول عنه. الذريعة إلى أصول الشريعة: 2/ 581.

540

الفعل، و لهذا كان النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يحقّق أمره بفعله، كما فعله في الحج و الصّلاة، فاذا أفاد الأمر الوجوب، كان في الفعل أولى بذلك.

و الاعتراض على الأوّل: بالمنع من كون الأمر حقيقة في الفعل، و قد تقدّم.

سلّمنا، لكنّه حقيقة في القول إجماعا، فليس حمله على الفعل أولى من حمله على القول.

سلّمنا، لكن لا يمكن حمله على الفعل، لتقدّم ذكر الدعاء و المخالفة يمنع من حمله عليه، فإنّ القائل لو قال لغيره: «لا تجعل دعائي كدعاء غيري، و احذر مخالفة أمري» فهم القول دون الفعل.

و لأنّه قد يراد به القول إجماعا، فلا يجوز حمله على الفعل، لامتناع حمل المشترك على معانيه جميعا.

سلّمنا، لكن الضمير في أمره عائد إلى اللّه تعالى، لأنّه أقرب.

اعترضه‏ (1) أبو الحسين: بأنّ القصد الحثّ على اتّباع الرّسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، لأنّ قوله تعالى: لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً (2).

حثّ على الرجوع إلى أقواله و أفعاله، ثمّ عقب بقوله: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ‏ (3)، فعلم أنّ المراد أمر الرّسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

____________

(1). الاستدلال و الاعتراض مذكوران في المعتمد: 1/ 349.

(2). النور: 63.

(3). النور: 63.

541

و أجيب‏ (1) بأنّ عود الضمير إليه تعالى مؤكّد لهذا الغرض أيضا، لأنّه لمّا حثّ على الرجوع إلى أقوال الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) حذّر عن مخالفة أمر اللّه تعالى، فكان مؤكّدا للحثّ على المتابعة.

سلّمنا (2)، لكن لم قلت: إنّ عدم الإتيان بمثل فعله مخالفة لفعله؟

لا يقال: المخالفة ضدّ الموافقة، لكنّ موافقة فعل الغير أن يفعل مثل فعله، فمخالفته أن لا يفعل مثل فعله، و هو يصدق مع فعل الضدّ و عدم الفعل.

و لأنّ المعقول من المختلفين هما اللّذان لا يقوم أحدهما مقام الآخر، و هو متحقّق في الوجود و العدم، فإنّه لا يقوم أحدهما مقام الآخر البتّة.

لأنّا نقول: إنّها في الأصل و إن كانت كذلك، لكنّها في عرف الشرع ليست كذلك، و لهذا لا يسمّى إخلال الحائض بالصّلاة مخالفة للمسلمين، بل هي عبارة عن عدم الإتيان بمثل فعله، إذا كان الإتيان به واجبا.

و على هذا لا يسمّى ترك مثل فعل الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مخالفة إلّا إذا دلّ فعله على الوجوب، و إذا بيّنّا ذلك بهذا، لزم الدور (3).

و فيه نظر، فإنّه ليس من شرط المخالفة وجوب الفعل، و لهذا يصدق في المندوب، بل و في جميع الأحكام.

____________

(1). المجيب هو الرازي في محصوله: 1/ 506.

(2). أي سلّمنا عود الضمير إلى الرّسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

(3). الاستدلال للرازي في محصوله: 1/ 506- 507.

542

و إنّما لم يوصف فعل الحائض بمخالفة المسلمين، لاشتماله على وصف ذمّ، مع أنّ تركها من فعل المسلمين، لأنّ حكمه تعالى في حقّها ذلك.

بل الوجه أن يقال: الممنوع منه إنّما هو المخالفة في الواجب، لا مطلق الفعل، فالاستدلال به على الوجوب دور.

و على الثاني: أنّ التأسّي هو الإتيان بمثل فعل الغير على وجهه لا مطلقا، فليس مطلق فعل الرسول سببا للوجوب في حقّنا، فإنّ فعله قد لا يكون واجبا، فلو فعلناه واجبا لم يكن تأسّيا.

و قال أبو الحسين: إنّه ليس تهديدا، لأنّ الإنسان قد يرجو المنافع، كما يرجو دفع المضارّ، و لو كان تهديدا لدلّ على وجوب التأسّي، و قد بيّنّا أنّ التأسّي في الفعل هو إيقاعه على الوجه الّذي أوقع عليه، فالآية تدلّ على ما نقوله، قال:

و قد قيل: إنّ قوله‏ لَكُمْ‏ (1) ليس من ألفاظ الوجوب، و لو دلّ على الوجوب لقال «عليكم».

و اعترضه: بأنّه لا يصحّ الاستدلال بذلك على نفي الوجوب، لأنّ معنى قولنا: «لنا أن نفعل كذا» هو أنّه لا حظر علينا في فعله، و الواجب ليس بمحظور الفعل. (2)

و فيه نظر، فإنّ المعترض منع من الاستدلال به على الوجوب، و لم يستدلّ به على نفيه.

____________

(1). الأحزاب: 21.

(2). المعتمد: 1/ 349- 350.

543

و على الثالث: أنّه إن لم يفد قوله‏ وَ اتَّبِعُوهُ‏ (1) العموم، يسقط الاستدلال، و إن أفاده فبتقدير أن لا يكون ذلك الفعل واجبا عليه و علينا، وجب ان نعتقد فيه عدم الوجوب، فالحكم بالوجوب يناقضه، فلا يكون متحقّقا، و نمنع كون هذا الأمر للوجوب.

سلّمنا، لكن صريحه اتّباع شخصه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و ليس مرادا، لإضمار الفعل و القول معا، لزيادة خلاف الأصل، مع اندفاع الضرورة بدونه، و ليس أحدهما أولى، بل القول، للإجماع عليه، و الخلاف في الفعل، كيف و المتابعة في الفعل إنّما تجب في الفعل الواجب لا مطلق الفعل.

و على الرابع بذلك أيضا (2).

و فيه نظر، لدلالتهما على وجوب المتابعة، لما ثبت من أنّ الأمر للوجوب، و انّما يتحقّق في الجميع.

أمّا أوّلا، فلعدم دليل التخصيص ببعض الأفعال، و يلزم منه الإجمال.

و أمّا ثانيا، فلأنّ المفهوم من المتابعة المطلقة الموافقة في كلّ الأفعال.

و أمّا ثالثا، فلأنّ المراد إيجاب طاعته، و انقياد العباد إلى امتثال أمره، خرج عنه المندوب و ما ليس بواجب بدليل بيّنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فيبقى الباقي على الأصل.

____________

(1). الأعراف: 158.

(2). الجواب للرّازي في محصوله: 1/ 507.

544

و على الخامس: بالمنع من كون فعله إتيانا لنا، لمقابلة قوله‏ وَ ما نَهاكُمْ‏ (1) و الثاني بالقول فكذا الأوّل.

و لأنّ الإتيان إنّما يتأتّى في القول، لأنّا نحفظه، و امتثاله يصير كأنّنا أخذناه، و كأنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أعطاناه. (2)

و فيه نظر، لأنّ الترك كالنّهي، فصحّت المقابلة بالفعل في النّهي.

و أيضا، لا منافاة بين الأمر بالامتثال في المأتيّ به، فعلا كان أو قولا، و الانتهاء إذا نهى بالقول، و الإتيان قد يكون في الترك، و بامتثاله نصير كأنّنا أخذناه.

و على السادس: بأنّ الطاعة هي الإتيان بالمأمور [به‏] أو المراد، على اختلاف الرّأيين، و نحن لا نسلّم أنّ مجرّد فعل الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يدلّ على أنّا أمرنا بمثله، أو أريد منّا مثله، فإنّه نفس النزاع.

و على السابع: بأنّ غايتها الدلالة على أنّ حكم أمّته مساو لحكمه في الوجوب و الندب و الاباحة، و لا يلزم من ذلك أن يكون كلّ ما فعله واجبا ليكون فعلنا له واجبا.

و على الثامن: بالمنع من أنّهم فعلوا ذلك واجبا، و يمكن أن يكونوا لمّا

____________

(1). الحشر: 7.

(2). الاستدلال لأبي الحسين البصري في المعتمد: 1/ 350، و نقله الرازي في محصوله: 1/ 507- 508.

545

سمعوا قوله تعالى: خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ (1) و رأوه قد خلع نعله، ظنّوا أنّه مأمور به غير مباح، لأنّه لو كان مباحا لما ترك به المسنون في الصلاة، على أنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال لهم: «لم خلعتم»؟ فقالوا: لأنّك خلعت، فقال: «إنّ جبرئيل (عليه السلام) أخبرني أنّ فيها أذى» فدلّ ذلك على أنّه ينبغي أن يعرفوا الوجه الّذي أوقع عليه فعله ثمّ يتّبعوه، و هذا هو قولنا.

و لأنّه دليل لنا، لأنّ إنكاره عليهم يدلّ على أنّ متابعته في مطلق فعله ليست واجبة إلّا مع علم الوجوب.

و على التاسع: بأنّ فهم المتابعة إنّما كان لقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «خذوا عنّي مناسككم» فلما خالفهم سألوه عن السبب.

على أنّ فيه نظرا من وجوه:

الأوّل: الإجماع على التشارك في الحجّ بينه و بينهم، فسألوه عن المخالفة.

الثاني: اتّفقوا على الإحرام، و أمرهم بفسخ إحرامهم دونه، فسألوه عن المخالفة.

الثالث: سألوه لتجويز النّسخ أو لكونه من خواصّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

الرابع: سألوه عن سبب المخالفة، و ليس فيه دلالة على وجوب الموافقة.

و على العاشر: بأنّهم أمروا بالصّوم و صام معهم، فظنّوا أنّ فعله بيان‏

____________

(1). الأعراف: 31.

546

الواجب فتبيّن لهم الاختصاص به، و أنكر عليهم الموافقة.

و لأنّ الوصال لم يكن واجبا على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بل غايته أنّه كان مباحا، و وجوب المتابعة فيما أصله غير واجب ممتنع، بل ظنّهم أنّما كان في مشاركته في إباحة الوصال و نحن نقول به.

و على الحادي عشر: بذلك أيضا. (1)

فإنّ فيه نظرا، فإنّ عبادته (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أكمل من عبادتهم، فلمّا سألوه عن القبلة هل تثلم الصّوم و تنقضه؟ فأجاب (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بأنّه يفعلها، و لو أنقضت العبادة، كان أولى بالامتناع منهم.

و على الثاني عشر: بعدم دلالته على وجوب بلّ الشعر في حقّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و لا غيره، و لعلّه أراد بذلك الكفاية في الكمال لا في الوجوب.

و أيضا فيه نظر، فإنّ استظهاره (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في التطهير أبلغ من غيره، و إذا اكتفى فيه بما ذكر، فغيره أولى.

و على الثالث عشر: بأنّ فعله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) وقع بيانا لقوله: «خذوا عنّي مناسككم» و لا خلاف في وجوب اتّباعه فيه إذا ورد بيانا لخطاب سابق، و هو أبلغ دلالة من القول المجرّد عن الفعل، لأنّه يدلّ بالمشاهدة على المقصود.

و أيضا، فإنّ وجوب التحلّل وقع مستفادا من أمر النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لهم بذلك، غير أنّهم كانوا ينتظرون إنجاز وعد اللّه تعالى لهم بالفتح و الظهور على قريش في‏

____________

(1). الجواب للآمدي في الإحكام: 1/ 128.

547

تلك السنة، و أن ينسخ اللّه عنهم الأمر بالتحلّل و أداء ما كانوا فيه من الحجّ، فلمّا تحلّل (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) آيسوا من ذلك فتحلّلوا.

و على الرابع عشر: بالمنع من استناد الإجماع إلى فعله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، بل إلى قوله:

«إذا التقى الختانان» و سؤال عمر لعائشة إنّما كان ليعلم أنّ فعله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) هل وقع موافقا لأمره أم لا.

و خلع الخاتم مباح، فلمّا خلع أحبّوا موافقته، لا لاعتقادهم وجوبه عليهم.

و تقبيل الحجر غير واجب على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و لا على غيره، أقصى ما في الباب: أنّ فعله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يدلّ على ترجيحه من غير وجوب، و هو متّفق عليه.

و على الخامس عشر: أنّ الاحتياط ان يحمل الفعل على الوجوب إذا دلّت الدلالة عليه، فإذا لم تدلّ أمنّا ضرر تركه، و الخطر حاصل في اعتقاد وجوبه، لأنّا لا نأمن أن يكون غير واجب، فنكون معتقدين اعتقادا لا نأمن كونه جهلا.

و لأنّ الاحتياط إنّما يمكن القول به لو خلا عن احتمال الضرر قطعا، و فيما نحن فيه يحتمل أن يكون الفعل حراما على الأمّة.

اعترض‏ (1) بأنّه لو غمّ الهلال ليلة الثلاثين من رمضان، احتمل أن يكون يوم الثلاثين يوم العيد، و مع ذلك يجب صومه احتياطا، و إن احتمل تحريمه.

____________

(1). المعترض هو الآمدي في الإحكام: 1/ 129.

548

بل الحقّ أنّ أولويّة الاحتياط إنّما هي لما ثبت وجوبه، كالصلاة المنسيّ بعينها، أو كان الأصل وجوبه، كصوم ثلاثين، أمّا ما عساه أن يكون واجبا و غيره، فلا، و ما نحن فيه كذلك، حيث لم يتحقّق فيه وجوب و لا الأصل وجوبه.

و على السادس عشر: بالمنع من كون الإتيان بمثل فعل العظيم تعظيما له، و في كون تركه إهانة، بل قد يكون تعاطي الإتيان بمثل فعل الغير حطّا من قدره و استنقاصا به، فإنّه يقبح من العبد الجلوس على سرير سيّده، و الركوب على مركبه، و لو فعله استحق الذمّ.

ثمّ لو كانت متابعته في أفعاله موجبة لتعظيمه، و تركها موجبا لإهانته، لوجب متابعته عند ما إذا ترك بعض ما تعبّدنا به من العبادات، و لم يعلم سبب تركه، و هو خلاف الإجماع‏ (1).

و فيه نظر، إذ الأمر ورد باتّباعه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و ترك المخالفة له، و المشاقّة بأن يكون في شقّ و نحن في آخر، و هذا يقتضي كون الإتيان بجميع ما فعله تعظيما له، و مبالغة في الامتثال بالتبعيّة، و الانقياد إلى الطاعة، بخلاف جلوس العبد على سرير مولاه، لأنّه الّذي يمتاز به المولى عنه، و ليس البحث في الفعل الّذي تعبّدنا فيه بشي‏ء، بل فيما جهلنا حاله، بخلاف تركه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لما تعبّدنا بالإتيان به.

و على السابع عشر: بأنّه لا يلزم من كون الفعل بيانا للقول أن يكون موجبا

____________

(1). الاستدلال للآمدي في الإحكام: 1/ 129.

549

لما يوجبه القول، و لهذا فإنّ الخطاب القوليّ يستدعي وجوب الجواب، و لا كذلك الفعل.

و على الثامن عشر: بتسليم كونه حقّا و صوابا بالنسبة إليه، لا أنّ حكم أمّته حكمه.

و على التاسع عشر: بأنّ كون الواجب أكمل، لا يقتضي كون جميع أفعاله واجبة، بل أغلب أفعاله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) غير الواجب من المندوب و المباح، و ليس حمل فعله على النادر أولى من حمله على الغالب.

و على العشرين: يمنع التنفير على تقدير عدم مشاركتنا في الفعل، و لو ثبت في ذلك تنفير، لكان إنّما يحصل لو لم يجب علينا مثل ما وجب عليه، فإذا لم نعلم أنّ ما فعله واجب عليه فلا تنفير في كونه غير واجب علينا.

و على الحادي و العشرين: بأنّ الفعل آكد في الإبانة عن صفة الفعل من القول، و ليس الفعل وصفا للوجوب، حتّى يكون أدلّ عليه من الأمر.

احتجّ القائلون بالندب بوجوه:

الأوّل: قوله تعالى: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ (1) جعل التأسّي به حسنة، و أقلّ درجاتها الندب، فيحمل عليه أخذا بالمتيقّن.

الثاني: الظاهر من أفعاله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّها لا تكون إلّا حسنة، و هي لا تخرج عن الواجب و الندب، و حمله على الندب أولى، لأنّه الغالب من أفعاله.

____________

(1). الأحزاب: 21.

550

الثالث: تطابق أهل الاعصار على الاقتداء في الأفعال بالنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و هو يدلّ على انعقاد الإجماع على أنّه يفيد النّدب.

الرابع: فعله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ليس راجح العدم، لامتناع الذّنب منه، و لا مساويه، و إلّا كان عبثا، فتعيّن رجحان الوجود.

و لمّا انقسمت أفعاله إلى واجبة و مندوبة، و القدر المشترك، هو رجحان الوجود، و عدم الوجوب ثابت بمقتضى الأصل، فأثبتنا الرّجحان المطلق مع عدم الوجوب.

و الاعتراض‏ (1) على الأوّل: «بما تقدّم، من أنّ التأسّي هو إيقاع الفعل على وجهه، فلو فعله واجبا أو مباحا، و فعلناه ندبا، لما يحصل التأسّي».

و فيه نظر، فإنّ استحباب التأسّي غير استحباب الفعل، فالنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إذا فعل فعلا علمنا وجهه، استحبّ لنا الإتيان بمثله على وجهه، و ان لم نعلمه حملناه على الندب لأصالة البراءة.

و على الثاني: بالمنع من عموميّة الندب في أفعاله، بل المباح.

و على الثالث: أنّا لا نسلّم أنّهم استدلّوا بمجرّد الفعل، فلعلّهم استندوا معه إلى قرائن أخرى.

و على الرابع: بأنّ فعل المباح ليس عبثا، لاشتماله على منفعة ناجزة، و العبث، الخالي عن الغرض.

احتجّ القائلون بالإباحة: بأنّ الذنب لا يصدر عنه، فينحصر فعله في‏

____________

(1). المعترض هو الرازي في المحصول: 1/ 510 و قد تنظّر فيه المصنّف كما سيوافيك.

551

الواجب، و الندب، و المباح، و هي مشتركة في رفع الحرج، فيجب تحقّقه، و الزائد عليه مشكوك فيه، و الأصل عدمه، عملا بالاستصحاب، فقد ثبت انتفاء الحرج في فعله قطعا، و انتفاء الرجحان ظاهرا، فيكون مباحا، إلّا ما دلّ الدليل على وجوبه أو ندبه، و إذا كان مباحا ظاهرا في حقّه، كان كذلك في حقّنا، لدليل التأسّي.

و الاعتراض: ما تقدّم على آية التأسّي، مع أنّا نقول به فيما لم يظهر فيه قصد القربة.

احتج القائلون بالوقف: بأنّ فعله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) متردّد بين أن يكون خاصّا به و غير خاصّ، و الثاني متردّد بين الأحكام الثلاثة، و لا صيغة للفعل تدلّ على أحدهما بخصوصه، و ليس البعض أولى، فيجب الوقف.

و الاعتراض: إن أرادوا بالوقف أنّا لا نحكم بإيجاب و لا ندب إلّا أن يقوم دليل عليه، فهو حقّ.

و إن أرادوا به أنّ الثابت أحد هذه، لكنّا لا نعرفه بعينه، فخطأ، لأنّ ذلك يستدعي دليلا، و قد بيّنّا أنّه لا دلالة للفعل على شي‏ء سوى مطلق الترجيح، مع ظهور قصد القربة، و على نفي الحرج مطلقا، مع عدم ظهوره.

552

المبحث الرّابع: في وجوب التأسي‏

اختلف الناس في ذلك فذهب جماهير الفقهاء و المعتزلة إليه، على معنى أنّه إذا علمنا أنّ الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فعل فعلا على وجه الوجوب، فقد تعبّدنا أن نفعله على وجه الوجوب، و إن علمنا أنّه تنفّل به، كنا متعبّدين بالتنفّل به، و إن علمنا أنّه فعل على وجه الإباحة، كنا متعبّدين باعتقاد إباحته، و جاز لنا فعله.

و قال أبو علي بن خلّاد (1) تلميذ أبي هاشم من المعتزلة: إنّا متعبّدون بالتأسّي به في العبادات، دون غيرها من المناكحات و المعاملات.

و أنكر بعض النّاس ذلك كلّه.

احتجّ الأوّلون بوجوه:

الأوّل: قوله تعالى: فَلَمَّا قَضى‏ زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً (2) و لو لا أنّه متّبع في أفعاله مقتدى به، لم يكن للآية معنى.

____________

(1). تقدّمت ترجمته ص 529.

(2). الأحزاب: 37.

553

الثاني: قوله تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ‏ (1) جعل الاتّباع لازما للمحبّة الواجبة، فلو لم تجب المتابعة، لزم من عدمها عدم المحبّة الواجبة، و هو حرام بالإجماع.

و قوله تعالى: فَاتَّبِعُوهُ‏ (2) و هو يتناول أفعال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كما يتناول أقواله.

الثالث: قوله تعالى: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَ الْيَوْمَ الْآخِرَ (3) جعل التأسّي من لوازم رجاء اللّه، و يلزم من عدم التأسّي عدم الملزوم، و هو كفر، و لم يفرق اللّه تعالى بين أفعال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) المباحة و غيرها.

الرابع: أجمعت الصحابة على الرجوع إلى أفعاله، كالرجوع في الغسل من التقاء الختانين، و تقبيل الحجر، و غيرهما ممّا لا يحصى كثرة، و هو يدلّ على أنّ أفعاله لا بدّ و أن يتّبع فيها.

اعترض‏ (4) على الأوّل: بأنّ التأسّي فى التزويج لا يدلّ على المتابعة في غيره.

و على الثاني و الثالث بمنع العموم فيهما، إذ لا عموم فيهما، و لهذا يحسن أن يقال: «لفلان أسوة بفلان في كلّ شي‏ء، أو في شي‏ء معيّن، دون غيره» و لو كان‏

____________

(1). آل عمران: 31.

(2). الأنعام: 155.

(3). الأحزاب: 21.

(4). نقله الآمدي في الإحكام: 1/ 131، ثمّ أجاب عنه- كما سيوافيك-.

554

لفظ الأسوة عامّا لم يقبل القسمة إليه و إلى ما ينافيه، و إذا انتفى العموم كفى في العمل بمقتضاه التأسّي به في فعل ما، و نحن نوجب التأسّي في أقواله، و فيما دلّ الدليل على التأسّي به في أفعاله، كقوله: «صلّوا» و «خذوا».

و على الرابع: المنع من استناد أفعالهم إلى التأسّي بأفعاله، أمّا في المباح فإلى الأصل، و أمّا في غيره من الأحكام فإلى قوله الدالّ عليها.

و الجواب عن الأوّل: لا دلالة في الآية على خصوص المتابعة في ذلك، و لو لا وجوب المتابعة في الجميع و إلّا لما فهم المؤمنون من إباحة ذلك للنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إباحة ذلك لهم، و لا يمكن الاستناد إلى الإباحة الأصليّة، و إلّا لم يكن للتعليل معنى.

و فيه نظر، لأنّ التخصيص ثابت بالتنصيص على هذا الحكم، لقوله‏ لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ‏ فكيف يعتقد في مثل هذا العموم؟

و عن الثاني: أنّ المقصود من إيجاد التأسّي و الاتّباع إظهار شرفه، فإمّا أن يكون باتّباعه في جميع الأشياء، و هو المطلوب أو في فعل معيّن، و لا دلالة للفظ عليه، أو مبهم، و هو أبعد من عادة الشرع في خطابه، لأنّه موضح و كاشف.

و لأنّه لا إظهار فيه لشرف النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و قولنا: «لك أسوة في فلان في جميع الأشياء» يفيد التأكيد، و ليس تكرارا خاليا عن الفائدة.

و قولنا: «في هذا الشي‏ء» لا تناقض فيه، لأنّ عموم المتابعة إنّما يستفاد من التأسّي المطلق، و المتابعة المطلقة، و هذا ليس بمطلق، بل معيّن.