نهاية الوصول إلى علم الأصول‏ - ج2

- العلامة الحلي المزيد...
638 /
555

أمّا إذا قلنا: «لك اسوة في فلان» فإنّه يفيد العموم، إذ العرف إنّما يطلق ذلك إذا كان فلان قدوة لك في جميع الأشياء.

و قوله: فَاتَّبِعُوهُ‏ (1) و إن لم يفد العموم، فإنّه يفيد اتّباعه في أفعاله، لأنّ ذلك اتّباع له، و الخطاب مطلق.

و أيضا، فانّه إذا لم يكن للعموم، أفاد التأسّي به في الجملة، و هو المطلوب.

و عن الثالث: بأنّ المشهور المأثور عن الصحابة اتّفاقهم بعد اختلافهم على التمسّك بأفعاله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و الرجوع إليها، و احتجاج بعضهم على بعض بها.

احتجّ المانعون: بالأصل.

و قوله تعالى: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ (2) إنّما يفيد التأسّي به في شي‏ء واحد، لكونه نكرة، و اخبارا عن الماضي، و هو يكفي فيه وقوع التأسّي به فيما مضى.

و الجواب: ما تقدّم من ثبوت التعميم.

و الأصل مخالف لدليل، و قد بيّنّاه.

____________

(1). الأنعام: 153.

(2). الأحزاب: 21.

556

المبحث الخامس: في جهة العلم بالتأسي‏

اعلم أنّه لا دلالة عقليّة على وجوب مثل فعل النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و لا سمعيّة ما لم يعرف وجه فعله.

أمّا العقليّة، فلأنّه لو علم بالعقل لعلم وجه وجوبه، لامتناع وجوب ما لا يختصّ بوجه وجوب، و يمتنع أن يعلم بالعقل وجوب شي‏ء دون آخر، إلّا و قد علم افتراقهما فيما اقتضى وجوب أحدهما، و لا وجه يعقل لوجوب اتّباعه في أفعاله، إلّا أن يقال: ما يجب على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يجب أن يكون واجبا علينا، أو يقال: إذا لم يتّبعه في أفعاله نفّر ذلك عنه.

و الوجهان باطلان، أمّا الأوّل، فلأنّه إنّما تعبّد بالفعل، لأنّه مصلحة له، و لا يعلم وجه كونه مصلحة، ليعلم الاشتراك فيه، بخلاف المعرفة (1) لأنّ وجه وجوبها مشترك بين العقلاء.

و لأنّه، لا يجب اشتراك المكلّفين في جميع المصالح، فإنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أبيح له ما لم يبح لنا، و أوجب عليه ما لم يوجب علينا.

____________

(1). أي وجوب معرفة اللّه تعالى.

557

و أمّا الثاني، فلأنّ التنفير إن حصل بالمفارقة في فعل واحد، لزم التنفر بما فارقناه من المناكح، و وجوب صلاة الليل، و غير ذلك من خصائصه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و إن حصل بالمفارقة في جميع الأفعال، فهو باطل، لانّه لو قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «إنّي متعبّد بما في العقل، و بأداء ما أؤدّيه إليكم، و ما عدا ذلك مصلحة لكم دوني» لم يكن في ذلك تنفير، فكذا ما ذكرناه.

على أنّه لو ثبت ذلك، لم يحصل منه كوننا متعبّدين بمثل ما فعله من جهة العقل، لأنّ الّذي يقبح هو مفارقته في الجميع، لا في البعض، فلا بدّ من دليل غير العقل يميّز لنا بين ما تعبّدنا به من أفعاله، ممّا لم نتعبّد به.

لا يقال: لو لم يلزم الرجوع إلى أفعاله من جهة العقل لم يلزم الرجوع إلى أقواله، و لأنّا لو لم نتّبعه في أفعاله، كنّا قد خالفناه، و لا يجوز مخالفته (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

لأنّا نقول: الفرق ظاهر بين الأقوال، و الأفعال، فإنّ الأقوال موضوعة في اللّغة لمعانيها، من الأمر، و النهي، و الخبر و الحكمة تقتضي أنّ من خاطب قوما بلغتهم يعني بالخطاب ما عنوه، و هذه [الطريقة] ليست ثابتة في الأفعال، و لو كنّا متعبّدين بالرجوع إلى أفعاله، لكان الوجه ما تقدّم من الأمرين.

و مخالفته هي أن لا نفعل ما أوجبه علينا، أو أن نفعل ما حرّمه، و نحن نمنع دلالة أفعاله على الإيجاب علينا، و لا يوصف بكوننا مخالفين له (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فيما اختصّ به من العبادات و غيرها.

و أمّا انتفاء الدلالة السّمعيّة إلّا مع علم الوجه فلما تقدّم في المبحث الرابع.

و اعلم أنّ جماعة استدلّوا على أنّ أفعاله ليست على الوجوب بوجوه:

558

الأوّل: لا دليل على وجوب مثل فعله علينا فيكون منفيّا.

و هو غلط، فإنّه لا يلزم من نفي الدليل نفي المدلول.

الثاني: دليل اتّباعنا لأفعاله هو قوله تعالى: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ (1).

و قوله: فَاتَّبِعُوهُ‏ (2) و قد بيّنّا أنّ التأسّي [هو] إيقاع ما أوقعه على الوجه الّذي أوقعه، و اتّباعه إنّما هو مع اتّحاد الوجه.

اعترضه أبو الحسين: بأنّ دليل التأسّي و الاتّباع اقتضى إيقاع ما أوقعه، على الوجه الّذي أوقعه، فمن أين، أنّ ما لا يعلم الوجه فيه، لا يجب علينا فعله؟

فإن قلتم: لعدم دليل على الاتّباع و التأسّي سوى الآيتين.

قلنا: فإذن الدالّ على عدم وجوب فعله علينا من غير اعتبار الوجه، هو عدم الدليل، و هذا هو الدليل الأوّل. (3)

الثالث: إمّا أن يجب مثل فعله علينا باعتبار الوجه، و هو قولنا، أو من غير اعتباره، فيجب علينا، و إن علمنا أنّه أوقعه على وجه الندب، و هو باطل بالإجماع و بدليل التأسّي.

اعترضه أبو الحسين: بتجويز أن تكون مصلحتنا أن نفعل مثل فعله، إذا لم نعلم الوجه، و إذا عرفنا أنّه أوقعه لا على وجه الوجوب، كان فعلنا له واجبا

____________

(1). الأحزاب: 21.

(2). الأنعام: 153 و 155.

(3). المعتمد: 1/ 351.

559

مفسدة، و لهذا لو ورد التصريح بالتعبّد بذلك شاع.

لا يقال: إذا كنّا لو عرفنا أنّه تنفّل به، كان فعلنا لمثله واجبا مفسدة، فيجب إذا فعلناه على وجه الوجوب، و نحن لا نعلم الوجه الّذي أوقعه عليه أن نكون مقدمين على ما لا نأمن كونه مفسدة، لتجويز كونه قد تنفّل به.

لأنّا نقول: إيقاعنا الفعل على وجه الوجوب، إذا لم نعلم الوجه الّذي أوقعه هو المصلحة، و إن أوقعه على جهة الندب، و إذا علمنا ذلك من حاله، فإيقاعنا له على وجه الوجوب مفسدة (1).

و فيه نظر، فإنّ تجويز المصلحة لا يستلزم الوجوب، و كيف يصحّ الجزم بكونه مصلحة مع تجويز المخالفة الّتي هي مفسدة.

الرابع: لو دلّ فعله على وجوب مثله علينا، لدلّ عليه مطلقا، من غير اعتبار وقت، لعدم إمكان ان يدلّ على وجوب مثله في ذلك الوقت بعينه، لتعذّره، و لا يمكن أن يدلّ على وجوب مثله في مثل ذلك الوقت، لأنّه ليس بأن يدلّ على ذلك، بأولى من أن يدلّ على وجوب مثله في أقرب الأوقات إليه.

فظهر أنّه لو دلّ على وجوب مثله، لدلّ عليه مطلقا، فيجب إذا فعل (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فعلا ثمّ تركه، و فعل ضدّه، أن يدلّ فعله و فعل ضدّه على وجوبهما علينا في حالة واحدة، و هو محال.

لا يقال: ينتقض بما إذا أمرنا (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) به، و أمسك عن الأمر به، فإنّه يستلزم أن يجب علينا الفعل و ضدّه.

____________

(1). المعتمد: 1/ 351- 352.

560

لأنّا نقول: إمساكه عن الأمر، ليس مشاركا للأمر به في صيغته الموضوعة للوجوب، و ضدّ الفعل مشارك للفعل في كونه فعلا، فقد شاركه في دلالته على الوجوب.

اعترضه [أبو الحسين‏]: بأنّ فعله إمّا أن يدلّ على وجوب مثله في مثل وقته، فيجب علينا مثل فعله في مثل وقته، و فعل ضدّه في مثل وقت فعل ضدّه، و لا امتناع في إيجاب الضّدّين في وقتين.

و إمّا أن يدلّ على وجوب مثله لا في وقت معيّن، فيلزم إذا فعل فعلا و ضدّه، أن يجب علينا الفعل و ضدّه في وقتين غير معيّنين حتّى نفعل كلّا منهما في وقت، أيّ وقت شئنا.

على أنّه ينتقض بما إذا فعل فعلا. و قال: إنّه واجب، ثمّ فعل ضدّه، و نص على وجوبه أيضا. (1)

الخامس: لو دلّ فعله على وجوب مثله علينا، لدلّ على وجوب مثله عليه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

اعترضه [أبو الحسين‏]: بأنّه دعوى مجرّدة عن برهان، (2) فللخصم أن يقول: قد دلّ الدليل عندي على وجوب مشاركتنا له (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في صورة الفعل، و لم يدلّ على وجوب تكرار الفعل منه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

____________

(1). المعتمد: 1/ 352.

(2). المعتمد: 1/ 353.

561

و ينتقض بما لو نصّ على الوجوب، فإنّه يجب التأسّي علينا، لا التكرار عليه.

السادس: لو دلّ فعله على وجوب مثله علينا، لدلّ على أنّه كان واجبا عليه، و التالي باطل إجماعا، فكذا المقدّم.

بيان الشرطية: أنّا إنّما نفعله تبعا له، فإذا لم يدلّ على أنّه كان واجبا عليه، فأولى أن لا يدلّ على أنّه يجب علينا مثله.

اعترضه بأنّه إنّما يجب أن تكون دلالته على وجوب مثله علينا موقوفة على دلالته على أنّه كان واجبا عليه، لو ثبت أنّه لا يجوز أن يجب علينا مثل فعله إلّا إذا كان قد أوقعه على وجه الوجوب، و هو نفس المتنازع، فلا يجوز هنا (1) الدلالة عليه.

فإن قلت: إنّما كان وجوبه علينا موقوفا على وجوبه عليه، لأنّ قوله‏ لَقَدْ كانَ لَكُمْ‏ يدلّ عليه.

قلنا: هذا عدول إلى دلالة أخرى‏ (2).

و فيه نظر، للعلم القطعيّ بأن الفعل لا يجب علينا إلّا إذا كان واجبا عليه.

إذا عرفت هذا فنقول: جهة العلم بالتأسّي إنّما هو السّمع لا مطلقا، بل فيما علم الوجه فيه، على ما سبق.

____________

(1). في بعض النسخ: فلا يجوز بنا.

(2). المعتمد: 1/ 353.

562

المبحث السّادس: في طريق معرفة أفعاله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)

اعلم انّ ما يسند إليه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ممّا يتعلّق به التكليف، ممّا ليس بقول، ضربان:

فعل و ترك.

و الفعل، إمّا أن يختصّ به، كالصلاة و الصّوم، أو يتعلّق بغيره، كعقوبة الغير.

و الترك، إمّا مختصّ به، كتركه الجلسة في الركعة الثانية، أو متعلّق بغيره، كتركه عقوبة الغير، و تركه القضاء عليه.

و كلّ من هذه إمّا واجب، أو ندب، أو مباح، لامتناع صدور المعصية عنه.

و كلّ واحد من ذلك، إمّا أن يكون قد امتثل فيه طريقة معروفة لنا، أو غير معروفة، فإن كانت معروفة لنا، فإمّا أن تكون عقليّة أو سمعيّة.

و ما امتثل فيه طريقة غير معروفة لنا، فإمّا أن تكون مبتدأة لا تتعلّق بشي‏ء من الأدلّة، أو تتعلق بشي‏ء منها، و هذا الأخير إمّا أن يتعلّق به على طريق الموافقة، و هو بيان صفة المجمل، أو يتعلّق به لا على طريق الموافقة، و هو ضربان:

[أحدهما] بيان التخصيص، و [الآخر:] بيان النسخ.

و بيان التخصيص، إمّا بيان تخصيص قول أو فعل، و بيان النسخ [أيضا] إمّا بيان نسخ قول أو فعل.

563

و لمّا وجب علينا التأسّي بفعله، وجب علينا معرفة الوجه الّذي يقع عليه فعل الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فطريق معرفة الإباحة أربعة:

الأوّل: نصّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بأنّه مباح.

الثاني: وقوعه امتثالا لآية تدلّ على الإباحة.

الثالث: وقوعه بيانا لها.

الرابع: عدم دليل على الوجه، مع العلم بأنّه لا يذنب، و أصالة عدم الزائد على الحسن.

و يعرف الندب بسبعة: الثلاثة الأول، و أربعة أخرى.

الأوّل: علم قصد القربة منه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، مع أصالة عدم الوجوب.

الثاني: أن يخيّر (1) بينه و بين فعل مندوب، فيعلم أنّه ندب، لامتناع التخيير بين الندب و غيره.

الثالث: أن يقع قضاء لعبادة مندوبة، لاستحالة ترجيح الفرع على الأصل.

الرابع: أن يداوم على الفعل، ثمّ يخلّ به احيانا من غير نسخ، فالدوام دليل الطاعة، و الإخلال دليل نفي الوجوب.

و يعرف الواجب بالثلاثة الأول و بأمور خمسة أخرى.

الأوّل: التخيير بينه و بين واجب، لامتناع التخيير بين الواجب و غيره.

الثاني: أن يكون قضاء لعبادة واجبة. (2)

____________

(1). في «ج»: أن يتخيّر.

(2). ذكره الرازي في المحصول: 1/ 515 و تنظّر فيه المصنّف.

564

و فيه نظر، إذ وجوب الأداء لا يستلزم وجوب القضاء.

الثالث: أن يقترن بالفعل أمارة الوجوب، كما لو صلّى بأذان و إقامة.

الرابع: أن يكون جزاء لشرط موجب، كفعل ما وجب بالنذر.

الخامس: أن يكون فعلا لو لم يجب لم يجز، كالجمع بين ركوعين في [صلاة] الكسوف.

و يعرف أنّ فعله و تركه امتثال لدلالة نعرفها، بأن يكون مطابقا لبعض الأدلّة العقليّة أو الشرعيّة الّتي نعرفها.

و يعرف أنّ فعله بيان بأمرين:

الأوّل: أن يقول: هذا بيان ذلك.

الثاني: أن يرد خطاب مجمل من اللّه تعالى أو من رسوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، ثم فعل ما يحتمل أن يكون بيانا له، و لا يوجد بيان غيره، مع حضور الحاجة، فيعلم أنّه بيان، و إلّا لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه.

و في الترك‏ (1)، نحو أن يترك الجلسة في الركعة الثانية، فينسخ به، فلا يرجع، فيعلم أنّها غير واجبة.

و يعرف كون فعله أو تركه نسخا للقول، بأن يقول ما يدلّ على تكرار الفعل منه و من غيره، و يفعل موجبه، ثمّ يفعل ضدّه أو يتركه، فيعلم نسخه عنه.

و يعرف كون فعله أو تركه مخصّصا لقوله، بأن يصدر منه قول يعطي‏

____________

(1). عطف على قوله: «و يعرف ان فعله» أي يعرف البيان في الترك.

565

وجوب فعل عليه و علينا، ثمّ يفعل ضدّه في الحال، أو يتركه، فيعلم أنّه مخصوص من ذلك الدليل.

و يعرف كونهما مخصّصين لفعله، بأن يفعل ما يدلّ دليل على إدامته عليه و علينا، ثمّ يفعل ضدّه في الحال أو يتركه، فيعرف أنّه مخصوص.

و الأشبه، أنّ هذا الفعل مخصّص لما دلّ على وجوب فعله في المستقبل، و في التحقيق: أنّه ناسخ.

و أمّا أفعاله المتعلقة بغيره، فهي الحدود، و التعزير، و القضاء على الغير، فالحدّ و التعزير يدلّ على إقدام الغير على كبيرة ان كان على وجه النّكال، و إن كان على سبيل الامتحان لم يدلّ على أنّه الآن مقيم على كبيرة.

و أمّا قضاؤه على غيره و إن كان من قبيل الأقوال، فإنّه يقتضي لزوم ما قضى به، لأنّ القضاء هو الإلزام.

قال قاضي القضاة (1): اختلف الناس في حكمه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بأنّ زيدا فاضل، أو أنّه أفضل من غيره، هل هو على الظاهر أو على سبيل القطع؟ فقال بعضهم بالأوّل، و آخرون بالثاني، و كذا اختلفوا في نسبته (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) زيدا إلى عمرو، على القولين، و لم يختلفوا في أنّ حكمه على غيره بالدّين حكم بالظاهر لا يقطع به على الباطن، قال: فأمّا إذا قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لغيره: «هذا الحقّ عليك» فإنّ فيه الخلاف المتقدّم، و إذا ملّك غيره شيئا ملّكه في الحقيقة، لأنّ التمليك يقتضي إباحة تصرّف خاصّ، و إذا أباح إنسان النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أكل طعامه، فاستباح‏

____________

(1). نقله أبو الحسين البصري في المعتمد: 1/ 358.

566

النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أكله، فإنّه لا يدلّ على أنّه ملكه‏ (1) قطعا، للاكتفاء في استباحة الأكل بظاهر اليد.

و أمّا ترك الإنكار فيقول: إذا فعل واحد بحضرته (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و هو عالم به، قادر على إنكاره، فسكت عنه، فإن كان قد سبق منه الإنكار، و علم من الفاعل الإصرار عليه، و من النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) الإصرار على قبح ذلك و تحريمه، فالسكوت عنه لا يدلّ على جوازه إجماعا و لا يتوهّم كونه منسوخا، كاختلاف أهل الذمّة إلى كنائسهم.

و إن لم يكن قد علم الإصرار، فالسكوت يدلّ على نسخه عن ذلك الشخص، و إلّا لما ساغ السكوت، حتّى لا يتوهّم أنّه منسوخ، فيقع في محذور المخالفة.

و لا يجوز أن يقال: إنّه قبيح، و إنّما لم ينكر لأنّه ظنّ أنّ إنكاره غير مؤثّر، لأنّ إنكار النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لا بدّ و أن يؤثّر، و ليس كإنكار غيره. هكذا قاله قاضي القضاة.

و قال أبو الحسين: إنّه صحيح إذا كان فاعل القبيح يعتقد نبوّته، فامّا من يكذّبه و يطرح أمره (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فلا يمكن أن يقال: إنّ إنكاره عليه لا بدّ من أن يؤثّر على كلّ حال‏ (2).

و فيه نظر، إذ قد يرجع عن تكذيبه و ينقاد إلى قوله، فترك الإنكار يوهم‏

____________

(1). في «ب» و «ج»: مالكه.

(2). المعتمد: 1/ 358- 359.

567

النسخ و إن لم يكن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قد سبق منه النهي عن ذلك الفعل، و لا عرف تحريمه بسكوته عن فاعله، و تقريره عليه يدلّ على تسويغه خصوصا إن وجد منه استبشار و ثناء على فاعله، لاستحالة السكوت عن الإنكار مع القدرة، و الاستبشار مع تحريم الفعل.

لا يقال: يحتمل أنّه لم ينكر عليه، لعلمه بأنّه لم يبلغه التحريم، فلم يكن الفعل حينئذ حراما عليه.

أو لأنّه علم بلوغ التحريم إليه، فلم يفد و أصرّ على فعله.

أو لأنّه منعه مانع من الإنكار.

لأنّا نقول: عدم بلوغ التحريم إليه غير مانع من الإنكار، بل يجب عليه إعلامه بتحريم ذلك الفعل، لئلّا يعود إليه.

و أمّا إذا علم الفاعل التحريم و أصرّ مع إسلامه، فلا بدّ من تجديد الإنكار عليه، لئلّا يتوهّم نسخه، بخلاف عدم تجديد الإنكار على أهل الذمّة في اختلافهم إلى كنائسهم، إذ هم غير متّبعين له.

و الأصل عدم المانع، خصوصا بعد ظهور دعوته و قوّة شوكته.

و اعلم أنّ الشافعي تمسّك في باب إلحاق النسب بالقيافة بما نقله عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من ترك الإنكار و الاستبشار في باب القيافة، لما قال مجزّز المدلجي‏ (1) حين نظر إلى أقدام زيد و أسامة تحت ملحفة و قد ظهرت‏

____________

(1). في أسد الغابة: مجزّز المدلجي القائف، و إنّما قيل له: مجزّز، لأنّه كان كلّما أسر أسيرا جزّ ناصيته، لاحظ أسد الغابة: 4/ 48 برقم 4680.

568

له أقدامهما: إنّ هذه الأقدام بعضها من بعض‏ (1).

و لو لا تسويغ القيافة، و ثبوت الأنساب بها، لأنكرها و لما استبشر بها.

و أورد القاضي أبو بكر عليه‏ (2): أنّ ترك الإنكار إنّما كان لأنّ قول المدلجيّ كان موافقا للحقّ، و كان المنافقون يغمزون في نسب زيد و أسامة، طلبا لأذى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و كان الشرع قد حكم بالتحاق أسامة بزيد، و كان قول المدلجيّ موافقا لقول الشارع، و كان ترك الإنكار لذلك، من حيث إنّه إلزام المنافقين على أصلهم الّذي هو القيافة، و مكذّب لهم، لأنّ المنافقين تعرّضوا للغمز، و كان أصلهم الّذي هو القيافة، مكذّبا لهم، فاستبشره لذلك، و لا يدلّ ذلك على صحّة الطريق.

و اعترض‏ (3): بأنّ موافقة الحقّ لا يمنع من الإنكار إذا كان الطريق منكرا، و إلّا كان ترك الإنكار موهما حقيّة الطريق.

و فيه نظر، لأنّها حكاية حال، فلعلّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنكر ذلك متكرّرا، و عرف عدم قبول المنافقين منه.

____________

(1). أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الفرائض، باب القائف برقم 6770- 6771؛ و أبو داود في سننه: 2/ 280 برقم 2267؛ و أحمد بن حنبل في مسنده: 6/ 82 و 226.

(2). نقله عنه الجويني في البرهان: 1/ 329.

(3). لاحظ البرهان للجويني: 1/ 330.

569

المبحث السابع: في التعارض في أقواله و أفعاله‏

الفعلان لا يتعارضان، لأنّ التعارض إنّما يتمّ مع التنافي، و إنّما يتنافى الفعلان إذا تضادّا، و كان محلّهما واحدا، و كذا وقتهما، و يستحيل وجود فعل و ضدّه في وقت واحد في محلّ واحد.

فأمّا الفعلان الضدّان في وقتين، فلا يتعارضان بأنفسهما، لعدم تنافي وجودهما، بل قد يتعارضان باعتبار غيرهما، نحو أن يفعل (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فعلا، و يعلم بالدليل أنّ غيره متعبّد به، ثمّ يراه عقيب ذلك، قد أقرّ بعض النّاس على فعل ضدّه، فيعلم أنّه خارج منه.

و كذا إذا علمنا أنّ ذلك الفعل يلزم النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في مثل تلك الأوقات ما لم يرد دليل ناسخ، ثمّ يفعل (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ضدّه في مثل ذلك الوقت، فيعلم أنّه قد نسخ عنه، غير أنّ النسخ و التخصيص إنّما لحقا ما علمنا به لزوم ذلك الفعل له (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في مستقبل الأوقات، و أنّه يلزم غيره، و إنّما يقال: إنّ ذلك الفعل قد لحقه النسخ، على معنى أنّه قد زال التعبّد بمثله، و أنّ التخصيص قد لحقه على معنى أنّ بعض المكلّفين لا يلزم مثله.

و أمّا إذا عارضه قوله، فإمّا أن يعلم تقدّم القول أو الفعل، أو لا يعلم تقدّم أحدهما؟

فالأقسام ثلاثة:

570

[القسم‏] الأوّل: أن يعلم تقدّم القول.

و الفعل المعارض إمّا أن يتعقّبه، أو يتراخى عنه.

و على التقديرين، فالقول إمّا أن يتناوله‏ (1) خاصّة، أو يتناول أمّته خاصّة، أو يعمّهما.

و على كلّ تقدير، فإمّا أن يدلّ دليل على تكرار الفعل و على وجوب التأسّي به، أو يدلّ على التكرار خاصّة، أو على التأسّي خاصّة، أو لا يدلّ دليل على أحدهما.

فالأقسام كذا:

الأوّل: أن يكون القول متقدّما على الفعل و مختصّا به، مثل أن يقول:

«يتلبّس الفعل الفلاني واجب عليّ في وقت الفلاني» ثمّ يتلبّس بضدّه في ذلك الوقت، و لا دليل على تكرّر، و لا تأسّ، و هو محال عند من منع النسخ قبل الفعل، لأنّه ليس تخصيصا، لاتّحاد المحلّ فيهما، فيكون نسخا.

و من جوّزه قال: الفعل ناسخ لحكم القول، و لا تعلّق للأمّة بهما، أمّا القول فلأنّه منسوخ و مختصّ به (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و أمّا الفعل فلعدم دليل التأسّي و التكرار.

الثاني: أن يكون الحال كذلك و يدلّ دليل على تكرّر الفعل.

الثالث: أو على التأسّي.

الرابع: أو عليهما، و حكمه ما تقدّم إلّا في حقّ الأمّة في الأخيرين، فإنّ حكم الفعل يتناولهم.

____________

(1). الضمير يرجع إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

571

الخامس: أن يكون القول خاصّا بنا، و لا دليل على تكرّر و لا تأسّ، فيجب المصير إلى القول، دون الفعل، لاختصاص الفعل به، و لا يلغو، لثبوت حكمه في حقّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و لا القول، و لو صرنا إلى الفعل لزم إلغاء القول بالكليّة.

السادس: أن يدلّ دليل على تكرّر الفعل دون التأسّي، و حكمه ما تقدّم.

السابع: أن يدلّ على التأسّي دليل.

الثامن: أن يدلّ عليه و على التكرار، و حكمهما في حقّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ما تقدّم.

و أمّا في حقّنا فكما في الأوّل، يمنع عندنا، و يجوز عند من جوّز النسخ قبل الفعل.

التاسع: أن يكون الفعل متراخيا، و القول مختصّ به، و لا دليل على تكرّر و لا تأسّ، فيكون‏ (1) مقتضى القول منسوخا عنه دوننا.

العاشر: أن يدلّ دليل على تكرّره فكذلك.

الحادي عشر: أن يدلّ دليل على التأسّي.

الثاني عشر: أو عليه و على التكرار، و حكمها في حقّه أن يكون الفعل ناسخا.

و أمّا في حقّنا فالتعبّد بالفعل، و لا يتحقّق النسخ في حقّنا، لعدم تناول القول لنا.

الثالث عشر: أن يكون القول عامّا لنا و له، و لا دليل على تكرّر و لا تأسّ،

____________

(1). في «أ»: كان.

572

و لا تراخ، فإنّ فعله مخصوص به، و هو دالّ على أنّه مخصوص من القول، و أمّته داخلة فيه قطعا.

الرابع عشر: أن يدلّ على التكرّر فكذلك.

الخامس عشر: أن يدل على التأسّي.

السادس عشر: أو عليه و على التكرار، فإنّهما جائزان عند من يجوّز النسخ قبل الفعل، لتضمّن الفعل مع دليل التأسي النسخ في حقّنا قبل حضور الوقت.

السابع عشر: أن يكون الفعل متراخيا، و القول خاصّا فينا، و لا دليل على تكرّر و لا تأسّ، فإنّ حكم القول ثابت في حقّنا، لاختصاصه بنا من غير تجدّد مزيل‏ (1) و حكم العقل ثابت في حقّه، و لا نسخ.

الثامن عشر: أن يدلّ دليل على تكرّر، و حكمه كذلك.

التاسع عشر: أن يدلّ دليل على التأسّي.

العشرون: أو عليه و على التكرار، فيجب المصير فيهما إلى الفعل، عملا بدليل التأسّي، و يكون حكم القول منسوخا في حقّنا، و لا نسخ في حقّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، لاختصاص القول بنا.

الحادي و العشرون: أن يكون القول عامّا لنا و له، و الفعل متراخ، و لا دليل على تكرّر.

____________

(1). في «ب» و «ج»: مزيد.

573

الثاني و العشرون: أو كان عليه دليل، و حكمهما (1) أن يكون الفعل ناسخا لمقتضى القول في حقّه و حقّنا.

القسم الثاني: أن يعلم تقدّم الفعل‏

فالقول إمّا أن يتعقّبه أو يتراخى عنه.

فإن كان الأوّل، فإن كان القول خاصّا به، و دلّ دليل على تكرّر الفعل و التأسّي به، كان القول مخصّصا له عن عموم إيجاب الفعل لكلّ مكلّف في المستقبل، و ناسخا للفعل عنه في المستقبل دون أمّته، لعدم تناول القول لهم.

و إن لم يدلّ دليل على تكرّره و لا على التأسّي، فلا تعارض بين القول و الفعل، فإنّ القول لم يرفع حكم ما تقدّم من الفعل في الماضي و لا في المستقبل، و قد أمكن الجمع بين حكم القول و الفعل.

و إن دلّ دليل على تكرّره في حقّه، كان القول ناسخا في حقّه.

و إن دلّ دليل على التأسّي، كان نسخا في حقّنا أيضا.

و إن كان القول متناولا لنا خاصّة، دلّ على أنّ حكم الفعل، مختصّ به، دون أمّته إن لم يدلّ دليل على التأسّي، و إلّا كان ناسخا في حقّنا.

و إن كان عامّا لنا و له، دلّ على سقوط حكم الفعل عنّا و عنه.

____________

(1). في «ب» و «ج»: حكمها.

574

و إن كان القول متراخيا، و دلّ دليل على التأسّي و التكرار، كان ناسخا لحكم الفعل عنه و عنّا.

و لو دلّ على التكرار خاصّة، كان ناسخا في حقّه دوننا، و كنّا متعبّدين بالقول.

و إن دلّ على التأسّي خاصّة، لم يكن رافعا لحكم الفعل في الماضي و لا المستقبل، على ما تقدّم.

و إن كان متناولا لأمّته خاصّة، فيكون الفعل منسوخا عنهم دونه، إن دلّ دليل على التأسّي و التكرار.

و إن تناوله خاصّة، كان منسوخا عنه دون أمّته.

القسم الثالث: أن يجهل التاريخ و لا يعلم تقدّم أحدهما

فإن دلّ دليل على التكرار و التأسّي، فإن كان القول خاصّا به، فلا معارضة بين قوله و فعله بالنّسبة إلى الأمّة، لعدم تناول قوله لهم و امّا بالنسبة إليه، فقد اختلف فيه:

فقال بعضهم: يجب العمل بالقول، لأنّه يدلّ بنفسه من غير واسطة، و الفعل إنّما يدلّ على الجواز بواسطة أنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لا يفعل المحرّم.

و لأنّ القول ممّا يمكن التعبير به عمّا ليس بمحسوس، و عن المحسوس، و الفعل لا ينبئ عن غير محسوس‏ (1) فكانت دلالة القول أتمّ.

____________

(1). في «ج»: و الفعل لا ينبئ إلّا عن المحسوس.

575

و لأنّ القول قابل للتأكيد بقول آخر، بخلاف الفعل، فكان القول أولى.

و لأنّ العمل بالقول ممّا يفضي إلى نسخ مقتضى الفعل في حقّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) دون الأمّة، و العمل بالفعل يفضي إلى إبطال مقتضى القول بالكليّة، و الجمع بينهما و لو من وجه أولى‏ (1).

و فيه نظر، لأنّ الواسطة المذكورة ثابتة في القول أيضا، كثبوتها في الفعل، فإنّ القول إنّما يدلّ بواسطة أنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لا يقول إلّا الحقّ، و عموم دلالة القول لا يدلّ على زيادة قوّته في الدلالة على دلالة الفعل الخاصّة، و كذا قبوله التأكيد.

و لأنّ جهلنا بالتاريخ لا يوجب تقدّم أحدهما و تأخّر غيره، فلا يعلم الناسخ، و هو (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إنّما يتعبّد بالناسخ و هو يعلمه دوننا، فلا يجوز لنا أن نعتقد تقديم احدهما بالنسبة اليه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

و قال آخرون: يجب العمل بالفعل، لأنّه آكد في الدلالة، لأنّه يبيّن به القول، و المبيّن لغيره آكد في الدلالة من ذلك الغير بيانه:

أنّ جبرئيل (عليه السلام) بيّن كيفيّة الصلاة للنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بالفعل، و كذا بيّنها (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لأمّته حيث قال: «صلّوا كما رأيتموني أصلّي» و بيّن الحجّ بفعله حيث قال: «خذوا عنّي مناسككم» و بيّن الشهر بأصابعه حيث قال: «الشهر هكذا و هكذا».

و لأنّ كلّ من أراد الأسهل في التعليم استعان بالإشارة بيده، و التخطيط، و وضع الأشكال، و لو لا قوّة دلالة الفعل لما كان كذلك و يرد ما تقدم.

____________

(1). الاستدلال للآمدي في الإحكام: 1/ 135.

576

و قيل‏ (1) بالوقف.

(و هو حقّ بالنسبة إلى اعتقادنا، لا بالنسبة إلى ما يعتقده (عليه السلام)) (2) و كذا إذا كان القول خاصّا بنا أو عامّا لنا و له، و هنا العمل بالقول عندي أقوى من الأوّل، لأنّا نعلم أنّ القول قد تناولنا، و أمّا الفعل فبتقدير أن يتأخّر، كان متناولا لنا، و بتقدير أن يتقدّم لا يتناولنا، فتناوله لنا مشكوك فيه، و المعلوم مقدّم على المشكوك فيه.

و اعلم أنّ كلّ واحد من الثاني و الثالث، يشمل على أقسام الأوّل، و يعرف أحكامها ممّا تقدّم.

هذا حكم قوله و فعله، إذا تعارضا من كلّ وجه، فإن تعارضا من وجه دون وجه كنهيه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عن استقبال القبلة و استدبارها للغائط و البول، و جلوسه لقضاء الحاجة في البيوت مستقبل بيت المقدس، و ذلك يحتمل أن يكون مباحا في البيوت لكلّ أحد أو له خاصّة.

و يحتمل أن يكون نهيه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عن استقبال القبلة و استدبارها عامّا لأمّته في البيوت و الصحارى، و أن يكون خاصّا في الصحارى، و قد اختلف في ذلك من غير تفصيل، فقال الشافعي: إنّ نهيه مخصوص بفعله.

و قال الكرخي‏ (3) نهيه جار على إطلاقه، و يخصّ‏ (4) فعله به (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و توقّف قاضي القضاة. (5)

____________

(1). نقله الآمدي عن بعض و لم يسمّ قائله، لاحظ الإحكام: 1/ 135.

(2). ما بين القوسين يوجد في «ب» و «ج».

(3). تقدّمت ترجمته في الجزء الأوّل: 219.

(4). في «أ» و «ب»: و يختصّ.

(5). نقله عنه أبو الحسين البصريّ في المعتمد: 1/ 361.

577

احتجّ الشافعي: بأنّ النّهي عامّ، و مجموع الدليل الدالّ على التأسّي مع كونه مستقبل القبلة في البنيان عند قضاء الحاجة، أخصّ من ذلك النهي، و الخاصّ مقدّم.

و اعترضه أبو الحسين: بأنّ فعله و إن كان أخصّ، لأنّ نهيه عامّ في البيوت و الصحارى، و فعله خاصّ بالبيوت، إلّا أنّه لا يتعدّى إلينا، و نهيه يتعدّى إلينا.

و أيضا، إذا جعلنا النّهي هو المخصّص، كنّا قد خصّصنا به وحده قوله:

لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ (1).

و إذا كان المخصوص، هو هذه الآية، و هي أعمّ من النّهي، كان تخصيصها أولى.

و لهم أن يقولوا: نحن إذا خصّصنا هذا النّهي، فإنّا نخصّه بفعل النّبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، مع ما ثبت من التأسّي، و مجموعهما أخصّ من النّهي. (2)

____________

(1). الأحزاب: 21.

(2). المعتمد: 1/ 361- 362.

578

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

579

المقصد الثامن: في النسخ‏

و فيه فصول:

[الفصل‏] الأوّل: في حقيقته‏

و فيه مباحث:

المبحث الأوّل: في ماهيّته‏

لمّا كان أصول الفقه باحثا عن طرق الفقه الّتي يرجع‏ (1) كلّها أو أكثرها إلى الكتاب و السنّة، و كان النسخ متطرّقا إليهما، و باعتباره يخرج المنسوخ عن كونه طريقا صالحا للاستدلال، و يتعين الناسخ، وجب على الأصوليّ معرفة النسخ، و شرائطه، و حسنه، و الناسخ، و المنسوخ، و الفرق بينه و بين البداء و ما يلحق به،

____________

(1). في «ج»: مرجع.

580

و هو ما أخرج منه، و ما أدخل فيه و ليس منه، و الطريق الى معرفة كون الشي‏ء ناسخا و منسوخا و لنبدأ بفائدة اسمه، ثمّ نعقّبه بحدّه ثمّ نذكر باقي أحكامه بتوفيق اللّه تعالى.

و اعلم أنّ اسم النسخ في اللّغة موضوع للإزالة، و للنقل و التحويل.

فأمّا الإزالة، ففي قولهم: نسخت الشّمس الظلّ، أي أزالته، لأنّه قد لا يحصل [الظلّ‏] في مكان آخر فيظنّ أنّه انتقل إليه، و يقال: نسخت الرّيح آثار القوم.

و أمّا النقل و التحويل، فقولهم: نسخت الكتاب، أي نقلت ما فيه إلى كتاب آخر، و منه تناسخ الأرواح‏ (1)، و تناسخ القرون قرنا بعد قرن، و تناسخ المواريث، و يراد تحويلها و نقلها من وارث إلى آخر، و منه قوله تعالى: إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ‏ (2) أي ننقله إلى الصحف.

و قد اختلف هنا فقال القاضي أبو بكر، (3) و الغزّالي‏ (4) و غيرهما: إنّه مشترك بين هذين.

____________

(1). التناسخ: عبارة عن انتقال النّفس أو الروح من البدن الدنيويّ إلى بدن مثله في هذه النشأة و هو مذهب البراهمة و الهندوس و له صور و أقسام ثلاثة، و القول بالتناسخ يضادّ القول بالمعاد الّذي أطبق عليه أصحاب الشرائع، و التفصيل في محلّه.

(2). الجاثية: 29.

(3). نقله عنه الآمدي في الإحكام: 3/ 71.

(4). المستصفى: 1/ 207.

581

و قال أبو الحسين البصري: إنّه حقيقة في الأوّل و مجاز في الثاني‏ (1).

و هو الحقّ عندي.

و قال القفّال‏ (2) من الشافعية: إنّه حقيقة في النقل و التحويل. (3)

لنا وجوه:

الأوّل: المجاز أولى من الاشتراك على ما تقدّم، و قد استعمل في هذين، و لم يقل أحد: إنّه لقدر مشترك بينهما، فيكون حقيقة في أحدهما، و جعله حقيقة في الأوّل أولى، لمشابهة الثاني له في الزوال عن الأوّل.

الثاني: إطلاق اسم النسخ على النقل في قولهم: «نسخت الكتاب» مجاز، لأنّ ما في الكتاب لم ينقل حقيقة، و إذا كان اسم النسخ مجازا في النقل، كان حقيقة في الإزالة، لعدم استعماله فيما سواهما، و هو حجّة أبي الحسين. (4)

و فيه نظر، لأنّ المجاز هنا في النقل الّذي هو مرادف للنسخ، و لا يلزم من كونه مجازا في هذه الصورة باعتبار مجازيّة النقل كونه مجازا في النقل.

و لأنّ النقل كما لم يتحقّق لما في الكتاب، كذا لا تتحقّق الإزالة، فلو منع من كونه في النقل حقيقة، منع من كونه في الإزالة حقيقة.

نعم أنّه يبطل الاستدلال بهذا المثال على كونه حقيقة في النّقل.

____________

(1). المعتمد: 1/ 364.

(2). تقدّمت ترجمته ص 85.

(3). نقله عنه الآمدي في الإحكام: 3/ 71.

(4). المعتمد: 1/ 364.

582

و اعترض‏ (1) أيضا: بأنّ إطلاق اسم النسخ في الكتاب إن كان حقيقة، بطل كلامكم، و إن كان مجازا، امتنع أن يكون التجوّز مستعارا من الإزالة لأنّه غير مزال، و لا يشبه الإزالة.

فلا بدّ من استعارته من [معنى‏] آخر، و ليس الّا النّقل، فكان مستعارا منه، و وجه استعارته منه: أنّ تحصيل مثل ما في المنسوخ في المنقول إليه، يجري مجرى نقله و تحويله، فكان منه بسبب من أسباب التجوّز، و إذا كان مستعارا من النقل، كان اسم النسخ حقيقة في النقل، لأنّ المجاز لا يتجوّز به في غيره بإجماع أهل اللغة.

سلّمنا أنّه مجاز في نسخ الكتاب، لكنّه ليس مجازا في نسخ المواريث و غيرها. (2)

الثالث: يطلق على الإزالة اسم النّسخ، كما تقدّم، و الأصل في الإطلاق الحقيقة، و إذا كان حقيقة في الإزالة، لم يكن حقيقة في النقل، دفعا للاشتراك.

اعترض‏ (3): بأنّ وصف الريح بأنّها ناسخة، و كذا الشّمس، مجاز، لأنّ المزيل هو اللّه تعالى، و إذا كان مجازا، امتنع الاستدلال به على كون اللفظ حقيقة في مدلوله.

و بالمعارضة بأنّ النسخ قد أطلق على النقل و التحويل، و الأصل الحقيقة، فلا يكون حقيقة في غيره، دفعا للاشتراك.

____________

(1). المعترض هو الآمدي.

(2). الإحكام: 3/ 71.

(3). نقله الرازي و لم يسمّ قائله. لاحظ المحصول: 1/ 525.

583

و الجواب عن الأوّل من وجهين:

الأوّل: لا يمنع أن يكون اللّه تعالى هو الناسخ لذلك من حيث إنّه فعل السّبب المؤثّر، و هو الشمس و الريح المؤثّرين في تلك الإزالة، و يكونان أيضا ناسخين، لاختصاصهما بذلك التأثير.

الثاني: أهل اللّغة إنّما أخطئوا في إضافة النسخ إلى الشّمس و الريح، و نحن إنّما تمسّكنا بإطلاقهم لفظ النسخ على الإزالة، لا بإسنادهم إلى غير اللّه تعالى.

و عن الثاني: النّقل أخصّ من الزوال، لأنّ وجود النقل يستلزم عدم صفة، و حصول أخرى عقيبهما، فإذن مطلق العدم أعمّ من عدم يحصل عقيبه شي‏ء آخر، و إذا دار اللّفظ بين العامّ و الخاصّ، كان جعله حقيقة في العامّ أولى. (1)

و اعترض: بمنع كون الإزالة أعمّ، لأنّ النقل كما استلزم إعدام صفة و تجدّد أخرى، كذا الإزالة لأنّها [هي‏] الإعدام، (2) و هو يستلزم زوال صفة الوجود و تجدّد صفة العدم، و هما [صفتان‏] متقابلتان، مهما انتفت إحداهما تحقّقت الأخرى، و إذا تساويا عموما و خصوصاً، فلا أولويّة.

و بالجملة فالبحث في ذلك راجع إلى اللّغة.

____________

(1). الاستدلال مذكور في الإحكام للآمدي، ثمّ اعترض عليه كما سيوافيك.

(2). في «ج»: لأنّها للإعدام.

584

المبحث الثاني: في حدّه‏

اختلف الناس في حدّه، فقال القاضي أبو بكر (1)، و ارتضاه الغزّالي‏ (2): إنّه الخطاب الدالّ على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدّم، على وجه لولاه لكان ثابتا مع تراخيه عنه.

فقولنا: «الخطاب» يشتمل اللّفظ و الفحوى و المفهوم، و يجوز النسخ بجميع ذلك، فهو أولى من قولنا: «النصّ».

و قولنا: «على ارتفاع الحكم» لتناول الأمر و النّهي و الخبر.

و قولنا: «بالخطاب المتقدّم» ليخرج ابتداء الأحكام، لأنّ ابتداء إيجاب العبادات في الشرع، يزيل حكم العقل من براء الذّمة، و لا يسمّى نسخا، لأنّه لم يزل حكم خطاب.

و قلنا: «لولاه لكان ثابتا» لأنّ حقيقة النسخ هو الرفع، و إنّما يكون رافعا، لو كان المتقدّم بحيث لو لا طريانه لبقي.

و قلنا: «مع تراخيه عنه» لأنّه لو اتّصل به، كان بيانا، لا نسخا.

و اعترض‏ (3) من وجوه:

الأوّل: الخطاب الدالّ على الارتفاع ناسخ للحكم، لا نسخ له، فإنّ النسخ‏

____________

(1). نقله عنه الآمدي في الإحكام: 3/ 73؛ و الرازي في محصوله: 1/ 526.

(2). المستصفى: 1/ 207.

(3). المعترض هو الآمدي في الإحكام: 3/ 73؛ و الرازي في محصوله: 1/ 527.

585

هو الارتفاع لا ما به الارتفاع، أعني الرافع، و بينهما فرق.

و قد اجيب‏ (1): بأنّ النسخ هو الرفع الّذي هو الفعل، لا الارتفاع الّذي هو الانفعال، و الرفع هو الخطاب الدالّ على الارتفاع، لأنّ الرفع الّذي هو الفعل صفة الرافع، و ذلك هو الخطاب.

و فيه نظر، فإنّ الناسخ في الحقيقة هو اللّه تعالى، و اللّفظ دليل عليه، و النسخ مغاير للفظ الّذي أسند إليه النسخ مجازا.

الثاني: الناسخ قد يكون فعلا، كما إذا فعل (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فعلا، و علمنا بالضّرورة أنّه قصد به رفع ما كان ثابتا، فإنّه نسخ و ليس بخطاب.

لا يقال: الناسخ في الحقيقة هو الخطاب الدالّ على وجوب متابعته في فعله.

لأنّا نقول: لو لم يوجد لفظ دالّ على وجوب المتابعة، ثمّ فعل، و وجدت قرائن تفيد العلم بأنّ غرضه إزالة الحكم الّذي كان ثابتا، فإنّه يكون نسخا إجماعا، مع انتفاء الخطاب في هذه الصورة.

و أجيب: بأنّ فعله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ليس ناسخا لانّه مبلّغ عنه تعالى، ففعله دليل على الخطاب الدالّ على نسخ الحكم، لا أنّ نفس الفعل هو الدالّ على الارتفاع. (2)

و فيه نظر، فإنّا نسمّي الناسخ كلّ خطاب رفع حكما، إمّا بالذات أو بالتبعيّة، و لهذا يجوز نسخ السنّة بالسنّة و بالكتاب، و بالعكس.

____________

(1). المجيب هو الآمدي في الإحكام: 3/ 74.

(2). الاستدلال للآمدي في الإحكام: 3/ 74.

586

الثالث: إذا اختلف الأمّة على قولين، سوّغت للعامّي الأخذ بأيّهما شاء، فإذا أجمعت بعد ذلك على أحد القولين، حرم تقليد الآخر فهذا الإجماع الثاني خطاب نسخ جواز الأخذ بأيّهما كان، مع أنّ الإجماع لا ينسخ و لا ينسخ به.

و يمكن الجواب: بأنّ ما ذكرناه حدّ مطلق النسخ، لا الجائز شرعا.

و أجيب‏ (1): بأنّ الحكم غير مستند إلى قول أهل الإجماع، بل إلى الدّليل السمعيّ الموجب لإجماعهم على ذلك الحكم.

و يضعّف بما تقدّم.

الرابع: كون النسخ رفعا باطل، على ما يأتي، فلا يجوز أخذه في الحدّ.

الخامس: قوله: «بالخطاب المتقدّم» خطأ، لأنّ المرتفع لو ثبت بفعله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، لكان رافعه ناسخا.

السادس: قوله: «متراخ عنه» زيادة مستغنى عنها، فإن قوله: «على وجه لولاه لكان ثابتا» يغني عنه، لأنّ ذكر التراخي‏ (2) إنّما وقع احترازا عن الخطاب المتّصل، كالاستثناء، و الشرط، و الغاية، و في الحدّ ما يدفع النقض بذلك، و هو:

ارتفاع الحكم، و الخطاب المتّصل بالخطاب الأوّل في هذه الصّور، ليس رافعا لحكم الخطاب المتقدّم في الذّكر، بل هو مبيّن أنّ الخطاب المتقدّم لم يرد الحكم‏

____________

(1). المجيب هو الآمدي في الإحكام: 3/ 74.

(2). في «أ»: المتراخي.

587

فيما استثنى، و فيما خرج عن الشرط، و الغاية، و التقيد بالرفع يدفع النقض بالخطاب الوارد بما يخالف حكم الخطاب المتقدّم إذا كان حكمه موقّتا، من حيث إنّ الخطاب الثاني لا يدلّ على ارتفاع حكم الخطاب الأوّل، لانتهائه بانتهاء وقته.

و قال الجويني: النسخ اللّفظ الدالّ على ظهور انتفاء شرط دوام الحكم الأوّل. (1)

و يضعّف بأنّ اللّفظ دليل النسخ لا نفسه، و لا يطّرد فإنّ لفظ «العدل نسخ حكم كذا»، ليس بنسخ‏ (2)، و لا ينعكس، لأنّه قد يكون بفعله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

ثمّ حاصله: اللّفظ الدالّ على النسخ، لأنّه فسّر الشرط بانتفاء النسخ، و انتفاء انتفائه حصوله.

و قالت الفقهاء: إنّه النّصّ الدالّ على انتهاء مدّة الحكم الشرعيّ مع التأخّر عن مورده. (3)

و يردّ بما تقدّم، من أنّ النصّ دليله و عدم الاطّراد و الانعكاس، كما سبق.

و اعلم أنّ القائلين بأنّ النسخ ليس هو الرفع بل ما دلّ عليه، إن هربوا من الرفع، لكون الحكم قديما، و التعلّق قديما، فانتهاء أمد الوجوب ينافي بقاءه‏

____________

(1). الموجود في البرهان للجويني هو: أنّ النسخ هو اللّفظ الدال على انتهاء أمد الحكم الشرعيّ، مع التأخير عن مورده. البرهان: 2/ 842 و المضمون واحد.

(2). الكاشف عن المحصول: 5/ 216.

(3). لاحظ منتهى الوصول و الأمل لابن الحاجب: 158.

588

عليه، و هو معنى الرفع، و إن هربوا لأنّه لا يرتفع التعلّق بالمستقبل، لزمهم منع النسخ قبل الفعل، كما هو مذهب المعتزلة.

و إن كان لأنّه بيان أمد التعلّق بالمستقبل المظنون استمراره، فلا بدّ من زواله.

و قالت المعتزلة: «النسخ اللّفظ الدالّ على أنّ مثل الحكم الثابت بالنصّ المتقدّم زائل على وجه لولاه لكان ثابتا».

و يرد ما تقدّم على حدّ القاضي، و المقيّد بمرّة واحدة مدّة العمر، ثمّ ينسخ، فإنّ اللّفظ الدالّ عليه، لا يكون دالّا على أنّ مثل الحكم الثابت بالخطاب المتقدّم زائل على وجه لولاه لكان المثل ثابتا، لأنّه يكون هو بعينه ثابتا لا مثله.

و قال قوم: «النسخ إزالة الحكم بعد استقراره».

و اعترضه أبو الحسين: بأنّ استقرار الحكم هو كونه مرادا، فإزالته بعينه بلاء (1).

و قيل: «إنّه إزالة مثل الحكم بعد استقراره» و هذا يلزم عليه أن يكون متى زال الحكم بالعجز، أن يكون زواله نسخا.

و قيل: «إنّه نقل الحكم إلى خلافه» و يلزم أن يكون نقل الحكم إلى خلافه بالشرط، و الغاية، و العجز نسخا.

و الأولى: أنّ النسخ هو: رفع الحكم الشرعيّ بطريق شرعيّ متأخّر،

____________

(1). المعتمد: 1/ 367.

589

فخرج‏ (1) المباح بالأصل، و الرفع بالنوم و الغفلة، لأنّه الرفع بالعقل، و الحكم المقيّد بوقت، مثل: صلّ إلى وقت كذا، و المخصّصات المتّصلة كالشروط، و الاستثناء.

و اعترض: بأنّ الحكم خطابه تعالى و هو قديم، فلا يصحّ رفعه.

و الجواب: أنّه غير وارد علينا، لأنّ الحكم عندنا حادث.

و اعتذر بعض الأشاعرة: بأنّ المراد بالحكم هنا ما يحصل على العبد بعد أن لم يكن، و هو تعلّق الخطاب بأفعال المكلّفين تعلّق التخيير، لا التعلّق المعنويّ، و لهذا فإنّ الوجوب المشروط بالعقل غير ثابت عند انتفائه، و لا شكّ في أنّ العقل حادث، فيكون الوجوب حادثا.

و لأنّا نقطع بأنّه إذا ثبت تحريم شي‏ء بعد أن كان واجبا، انتفى ذلك الوجوب، و هو المعنيّ من الرفع، بعد أن نعلم أنّ رفع الخطاب المتعلّق إنّما يكون برفع تعلّق الخطاب، لا برفع نفس الخطاب. (2)

و فيه نظر، فإنّ الحكم لا يعقل إلّا متعلّقا، فحدوث التعلّق الّذي هو لازم، يستدعي حدوث ملزومه.

____________

(1). أخرج ثلاثة:

1. المباح بالأصل.

2. الرفع بالنوم و الغفلة.

3. الحكم المقيّد في لسان الدليل سواء كان القيد، هو الوقت أو أمرا آخر كالشرط و الاستثناء.

(2). لاحظ الكاشف عن المحصول: 5/ 217.

590

المبحث الثالث: في أنّ النسخ رفع أو بيان‏

ذهب القاضي أبو بكر إلى أنّ النسخ رفع، و عنى بذلك أنّ خطابه تعالى تعلّق بالفعل بحيث لو لا طريان الناسخ، لبقي حكمه، لكن زال بطريان الناسخ. (1)

و قال الاستاذ أبو اسحاق‏ (2): إنّه بيان انتهاء مدّة الحكم، على معنى أنّ الخطاب الأوّل انتهى بذاته في ذلك الوقت، و حصل بعده حكم آخر، لا تأثير له في زوال الأوّل. (3)

احتجّ القاضي: بأنّ النسخ لغة الإزالة، فيكون في الشرع كذلك، لأصالة عدم التغيير.

و أيضا، الخطاب قد كان متعلّقا بالفعل، و ذلك التعلّق إن عدم لذاته، استحال وجوده، فلا بدّ من مزيل، و ليس إلّا الناسخ.

اعترض‏ (4): بأنّ التمسّك بالألفاظ، لا يعارض الأدلة العقليّة، و كلام اللّه تعالى عنده قديم، كان متعلّقا من الأزل إلى الأبد باقتضاء الفعل إلى وقت النسخ، و المشروط يعدم بعدم شرطه، فلا يفتقر في زواله إلى مزيل آخر.

____________

(1). نقله عنه الرّازي في محصوله: 1/ 528.

(2). تقدّمت ترجمته في الجزء الأوّل: 151.

(3). نقله عنه الرّازي في محصوله: 1/ 528- 529.

(4). المعترض هو الرّازي في محصوله: 1/ 532.

591

و احتج أبو اسحاق بوجوه:

الأوّل: الناسخ طارئ متضادّ للمنسوخ المتقدّم، و ليس زوال الباقي بطريان الحادث أولى من ارتفاع الطارئ، لأجل بقاء الباقي، و يستحيل وجودهما معا، و كذا عدمهما، أو سبب عدم كلّ واحد وجود صاحبه، فلو عدما معا لوجدا معا، و هو باطل بالضرورة.

لا يقال: الحادث أقوى من الباقي، لكونه متعلّق السّبب، بخلاف الباقي، لاستغنائه عن السبب، و إلّا لزم تحصيل الحاصل أو خلاف الغرض.

و لأنّ الحادث، جاز أن يكون أكثر من الباقي.

و لأنّ عدم الطارئ بالباقي، يستلزم الجمع بين النقيضين، و هو وجود الطارئ و عدمه دفعة.

لأنّا نقول: كما أنّ الحادث متعلّق السبب، فكذا الباقي، لإمكانه و هو المحوج إلى العلّة، فوجوده يستدعي وجود علّة الحاجة، و التأثير في التبعيّة، و هي حادثة يحتاج الباقي إليها.

و أيضا، الباقي إمّا أن يحصل له حالة البقاء أمر زائد على ما كان حاصلا له حالة الحدوث أو لا.

فإن كان الأوّل، كان ذلك الزائد حادثا، فهو لحدوثه يساوي الضدّ الطارئ في القوّة، و إذا استويا امتنع الترجيح من غير مرجّح، و إذا امتنع عدم كيفيّة الباقي، امتنع عدمه قطعا.

592

و إن كان الثاني، و هو: أن لا يحصل [أمر] زائد، كانت قوّته حالة البقاء مساوية لقوّة الحادث، فيمتنع الرجحان. (1)

و فيه نظر، لجواز تجدّد الضعيف، و يمنع اجتماع الأمثال، و نحن لا نقول: الطارئ يوجد و يعدم حالة وجوده، بل الباقي يمنعه من الدخول في الوجود.

و اعترض‏ (2) بمنع عدم الأولويّة، إذ العلة التامّة لعدم الشي‏ء، تنافي وجوده و بالعكس، و لو لا الأولويّة لامتنع حدوث العلّة التامّة لعدم الشي‏ء و لا لوجوده.

و فيه نظر، فإنّ أبا اسحاق إنّما حكم بعدم الرفع، لأنّ التنافي حاصل من الطّرفين، فليس تعليل أحدهما بالآخر أولى من العكس، نظرا إلى التنافي، و لا دليل غيره، للأصل، فامتنع الحكم بالرفع.

الثاني: طريان الحكم الطارئ مشروط بزوال المتقدّم، فلو كان زوال المتقدّم معلّلا بطريان الطارئ، لزم الدور.

اعترض‏ (3): بمنع أنّه مشروط، و لا يلزم من منافاة الشي‏ء لغيره كون وجوده مشروطا بزواله، كالعلّة مع عدم المعلول.

و فيه نظر، فإنّا لم نستدلّ بالمنافاة على كون الطارئ مشروطا بزوال‏

____________

(1). الاستدلال للرّازي في محصوله: 1/ 529.

(2). المعترض هو سراج الدّين الأرموي في التحصيل من المحصول: 2/ 10.

(3). المعترض هو أبو عبد اللّه محمد بن محمود العجلي الأصفهاني في الكاشف عن المحصول:

5/ 227.

593

المتقدّم، بل الطارئ مشروط بمحلّ يطرأ عليه، و ليس كلّ محلّ صالحا لأن يحلّ فيه كلّ عرض، بل لا بدّ في كلّ عرض من محلّ خاصّ به، قابل له، و إنّما يكون قابلا لو خلا عن المقابل له، فمن هذه الحيثيّة شرطنا في الطارئ زوال السابق، و المعترض توهّم الاشتراط بمجرّد المنافاة، و لم يتفطّن الوجه فيه.

الثالث: حدوث الطارئ إن كان حال كون الأوّل معدوما، لم يؤثّر في عدمه، لاستحالة إعدام المعدوم، و إن كان حال كونه موجودا، اجتمعا في الوجود، فلا يتنافيان، فلا يرفع أحدهما الآخر.

و ليس ذلك كالكسر مع الانكسار، لأنّ الانكسار عبارة عن زوال تلك التأليفات عن أجزاء الجسم، و التأليفات أعراض غير باقية، فلا يكون للكسر أثر في إزالتها.

اعترض‏ (1): بأنّ إثبات العدم ليس إعدام المعدوم، كما أنّ إثبات الوجود ليس إيجاد الموجود على‏ (2) معنى اختيار القسم الأوّل، و هو أن يوجد مع عدمه، و لا يلزم من ذلك إعدام المعدوم، و انّما يلزم لو لم يكن هو المعدوم، أمّا إذا كان هو المعدوم، و العدم المثبت للعدم، كما أنّ الموجد هو المثبت للوجود، فلا يلزم إعدام المعدوم.

و التحقيق أن نقول: إن عنيت المعيّة الذاتيّة لم تكن حدوث الطارئ حالة عدم الزائل، و لا يلزم الاجتماع في الوجود.

____________

(1). المعترض هو سراج الدّين الأرموي في التحصيل من المحصول: 2/ 10.

(2). في «أ»: و على.

594

و إن عنيت الزمانيّة لم يلزم انتفاء التأثير كالعلّة مع المعلول.

الرابع: كلامه قديم، فلا يجوز رفعه.

و الاعتذار بأنّ المرفوع تعلّق الخطاب، باطل، لأنّه إن لم يكن ثبوتيّا، استحال رفعه و إزالته، و إن كان ثبوتيّا، فإن كان حادثا كان محلّا للحوادث، و إن كان قديما لزم عدم القديم. (1)

و فيه نظر، لأنّ المرفوع لا يجب أن يكون ثبوتيّا.

و اعترض‏ (2) أيضا: بأنّ حدوث التعلّق لا يوجب كون الباري محلّا للحوادث.

و فيه نظر، فإنّ التعلّق صفة للحكم، فيقوم به لا بغيره، و الحكم صفة للّه تعالى‏ (3) عندهم، فيقوم به، و القائم بالقائم بالشي‏ء قائم بذلك الشي‏ء.

و هذه الوجوه أقوى لزوما للقاضي من غيره، لأنّه هو الّذي عوّل عليها في امتناع إعدام الضدّ بالضدّ، و القول بكون النسخ رفعا، هو نفس القول بالإعدام بالضدّ.

الخامس: علمه تعالى إن تعلّق باستمرار الحكم أبدا، استحال نسخه، و إلّا لزم انقلاب علمه تعالى جهلا، و إن تعلّق باستمراره إلى الوقت المعيّن، بطل القول بالرفع، لأنّه تعالى علم عدم بقائه إلّا إلى ذلك الوقت، فيستحيل وجوده‏

____________

(1). الاستدلال للرّازي في محصوله: 1/ 530.

(2). المعترض هو سراج الدّين الأرموي في التحصيل من المحصول: 2/ 10.

(3). في «ب» و «ج»: صفة اللّه تعالى.

595

بعده، لاستحالة انقلاب علمه، و إذا كان ممتنع الوجود بعد ذلك، استحال أن يقع [زواله‏] بمزيل، لأنّ الواجب لذاته، يمتنع أن يكون واجبا لغيره، و هذه حجّة الجويني. (1)

و اعترض‏ (2) بجواز أن يتعلّق علمه تعالى بعدم بقاء الحكم إلّا إلى ذلك الوقت، لطريان الناسخ، و إذا علم زواله بالناسخ، لم يقدح في تعليل زواله بالناسخ، كما أنّه تعالى علم بوجود العالم وقت وجوده، فيجب وجوده، و لا يقدح الوجوب في افتقاره إلى المؤثّر، لأنّه علم أنّه يوجد في ذلك الوقت بذلك المؤثّر.

المبحث الرابع: في الفرق بين النسخ و البداء

البداء هو الظهور يقال: بدا لنا سور القرية: إذا ظهر بعد خفائه، و ليس الأمر و النهي عن البداء بسبيل، لكنّهما قد يدلّان عليه، و ذلك بأن يتّحد الأمر و النهي في جميع ما يتعلّقان به، فيكون الأمر واحدا، و كذا المأمور به و الزمان و الوجه.

و لمّا كان النسخ يتضمّن الأمر بما نهي عنه، و النّهي بما أمر به، و حصل الوهم لبعض الناس بأنّ المصلحة و المفسدة لازمان، لا يتعاقبان على فعل واحد، ظنّ أنّ الأمر بعد النهي و بالعكس، إنّما يكون لخفاء المصلحة أوّلا و ظهورها ثانيا.

و لمّا خفي الفرق بين النسخ و البداء على بعض اليهود، منعوا من النسخ،

____________

(1). البرهان: 2/ 844- 845.

(2). المعترض هو الرّازي في محصوله: 1/ 531.

596

كما امتنع البداء عليه تعالى، و الفرق ظاهر، فإنّ شرائط البداء (1) إذا اختلّ بعضها انتفى البداء، دون النّسخ.

____________

(1). شرائط البداء ما مرّ في كلامه أعني «بأن يتّحد الأمر و النّهي الخ» توضيحه: أنّ لتحقّق البداء شروطا أربعة:

1. أن يكون الفعل المأمور به واحدا.

2. أن يكون المكلّف واحدا.

3. أن يكون الوجه واحدا.

4. أن يكون الوقت واحدا.

لاحظ الذريعة للسيّد المرتضى: 1/ 421.

الفرق بين البداء و النسخ أن الأوّل يستعمل في التكوين و الآخر في التشريع. و التفريق بينهما و القول بجواز الثاني دون الأوّل نابع عن عدم التصوّر الصحيح للبداء الّذي هو من صميم عقيدة الشيعة الإماميّة.

إنّ البداء عبارة عن تغيير المصير بالأعمال الصالحة أو الطالحة، و هذا يستمدّ صحّته من قوله سبحانه: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ‏ [الرعد: 11].

و قد تضافرت الروايات على أن الصدقة و برّ الوالدين يحول الشقاء سعادة و يزيد في العمر و يقي مصارع السوء. [الدر المنثور: 4/ 66].

و أمّا استخدام هذا اللفظ في هذه المسألة فقد جاء تبعا للنبيّ الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فقد روى البخاري في صحيحه أن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال في شأن ثلاثة أشخاص؛ أبرص و أقرع و أعمى: «بدا للّه عزّ و جلّ أن يبتليهم» [صحيح البخاري: 4/ 172]. و من المعلوم أن هذا النوع من الاستعمال من قبيل المشاكلة و التحدث بلسان القوم حتّى يفقهوا و يفهموا الموضوع، و إلّا فاللّه سبحانه أجلّ من أن يكون له الظهور بعد الخفاء.

و بذلك يعلم أن العجاجة الّتي أثارها الآمدي في إحكامه [3/ 76]، في هذا المورد، و استخدامه في بيان هذه المسألة العلميّة عبارات مشينة، نابعة عن عدم معرفته بحقيقة البداء عند القائلين به، و لو تدبّر لعلم أن البداء من المسائل الّتي اتّفق عليها المسلمون لبّا، و إن تحاشى البعض عن استخدام لفظ البداء.

597

و النسخ جائز على اللّه تعالى، لأنّ حكمه تابع للمصالح، و هي ممّا يتغيّر بتغيّر الأزمان، و الأشخاص، و الأحوال، فيتغيّر الحكم حينئذ، و هو معنى النسخ.

و البداء لا يجوز عليه، لأنّ أمره و نهيه إذا اتّحد متعلّقهما من كلّ وجه، دلّ على الجهل، أو على فعل القبيح، و هما محالان في حقّه تعالى.

المبحث الخامس: في الفرق بين التخصيص و النسخ‏

النسخ و التخصيص مشتركان في أنّ كلّ واحد منهما مخصّص للحكم ببعض ما تناوله اللّفظ لغة، إلّا أنّ بينهما فرقا، و قد ذكروا الفرق بينهما من وجوه عشرة. (1)

الأوّل: التخصيص يبيّن أنّ الخارج به عن العموم لم يرد المتكلّم بلفظه الدلالة عليه، و النسخ يبيّن أنّ الخارج به لم يرد التّكليف به، و إن كان قد أراد بلفظه الدلالة عليه.

و فيه نظر، لما تقدّم، من قبح الخطاب بدون ذكر ما يدلّ على نسخه إجمالا أو تفصيلا.

الثاني: التخصيص لا يرد على الأمر بمأمور واحد، و النسخ قد يرد على الأمر بمأمور واحد.

____________

(1). هذه الفروق ذكرها الآمدي في الإحكام: 3/ 77، و تنظّر المصنّف في بعضها.

598

و فيه نظر، لمنع ورود النسخ في الواحد.

الثالث: النسخ لا يكون في نفس الأمر إلّا بخطاب من الشارع، بخلاف التخصيص الجائز بالقياس و غيره من الأدلة السمعيّة.

الرابع: الناسخ لا بدّ و أن يكون متراخيا عن المنسوخ، بخلاف المخصّص، فإنّه يجوز أن يتقدّم العامّ و أن يقارنه و أن يتأخّر عنه.

الخامس: التخصيص لا يخرج العامّ عن الاحتجاج به مطلقا في مستقبل الزمان، لأنّه يبقى معمولا به فيما عدا صورة التخصيص، بخلاف النّسخ، فإنّه قد يخرج الدّليل المنسوخ حكمه عن العمل به في مستقبل الزمان بالكليّة، عند ما إذا ورد النسخ على الأمر بمأمور واحد.

و فيه ما تقدّم من النظر.

السادس: يجوز التخصيص بالقياس، و لا يجوز النّسخ به، و هو راجع إلى ما تقدّم.

السابع: النسخ رفع الحكم بعد ثبوته، بخلاف التخصيص.

الثامن: يجوز نسخ شريعة بشريعة، و لا يجوز تخصيص شريعة بأخرى.

التاسع: العامّ يجوز نسخه حتى لا يبقى منه شي‏ء، بخلاف التّخصيص.

العاشر: التخصيص أعمّ من النّسخ، فإنّ النّسخ تخصيص الحكم ببعض الأزمان، و التخصيص قد يكون بإخراج بعض الأزمان، و قد يكون بإخراج بعض الأعيان و بعض الأحوال.

599

و اعترض‏ (1) بأنّ ما ذكر من صفات التخصيص الفارقة بينه و بين النسخ إن ثبت دخولها في مفهوم التخصيص، أو كانت لازمة خارجة لا وجود لها في النسخ، فلا يكون التخصيص أعمّ من النسخ، لوجوب صدق الأعمّ مع جميع صفاته اللازمة لذاته على الأخصّ، و ذلك ممّا لا يصدق على النسخ تحقيقا، و إلّا فلقائل أن يقول: ما ذكر من الصفات الفارقة بين النسخ و التخصيص، إنّما هي فروق بين أنواع التخصيص، و ليست من لوازم مفهوم التخصيص، بل التخصيص أعمّ من النسخ، و من جميع الصّور المذكورة.

____________

(1). الآمدي في الإحكام اعترض على الفرق العاشر الّذي قال به بعض المعتزلة. لاحظ الإحكام:

3/ 78.

600

الفصل الثاني: في جواز النسخ‏

و فيه مباحث:

[المبحث‏] الأوّل: في شرائط النسخ‏

شرائط النسخ قسمان:

منها: ما هو متّفق عليه.

و منها: ما هو مختلف فيه.

و على كلا التقديرين، فإمّا أن يكون لوصف النسخ نسخا، أو لصحّته، أو لحسنه.

أمّا شرائط الوصف: فإن يكون الحكمان: الناسخ و المنسوخ شرعيّين، فإنّ العجز يزيل التعبّد الشّرعيّ، و الشرع يزيل حكم العقل، و لا توصف هاتان الإزالتان بأنّهما نسخ.

و أن يكون الناسخ منفصلا من المنسوخ إمّا في الجملة أو التفصيل، فإنّ المتصل كالغاية لا يكون ناسخا، بل المنفصل إمّا اجمالا أو تفصيلا، كقوله تعالى:

601

فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (1) فلمّا دلّ الدليل على تفصيل هذا السبيل، ثبت اسم النسخ.

و ليس من شرط اسم النسخ أن يكون الكلام المنسوخ متناولا للفظ المنسوخ، فإنّ الأمر لا يفيد التكرار، فلو أمر اللّه تعالى بالفعل، ثمّ دلّ دليل على التكرار، و دلّ دليل على رفع بعض المرّات، كان رفعه نسخا.

و أمّا شرط الصحّة، فهو: أن يكون إزالة لحكم الفعل، دون نفس الفعل و صورته، فإنّ صورة الصلاة إلى بيت المقدس، لا تصحّ إزالتها بالأدلّة الشرعيّة، و إنّما الأدلّة الشرعيّة دلّت على زوال وجوبها.

و ليس من شرط الصحّة أن يكون المنسوخ شائعا في جملة المكلّفين، بل يصحّ أن يكون الحكم المنسوخ لم يتوجّه جنسه إلّا إلى مكلّف واحد.

و أمّا شرط الحسن: فإن لا يكون إزالة لنفس ما تناوله التعبّد، على الحدّ الّذي تناوله، بل لا بدّ من أن يزيل التعبّد بمثله في وقت آخر و على وجه آخر، و لهذا لم يحسن نسخ الشي‏ء قبل وقته، و لا نسخ ما لا يجوز أن يتغيّر وجهه، كالمعرفة، لأنّ كونها لطفا لا يتغيّر، و لا نسخ قبح الجهل، لعدم تغيّره، و يحسن نسخ قبح بعض الآلام، أو حسن بعض المنافع.

و يشترط أيضا تمييز الناسخ من المنسوخ عند المكلّف، و قدرته عليه.

____________

(1). النساء: 15.

602

المبحث الثاني: في جواز النسخ‏

اتّفق المسلمون على جواز النسخ عقلا، و هو قول أرباب الشرائع إلّا بعض اليهود.

و اتّفقوا على وقوعه سمعا، إلّا ما نقل عن أبي مسلم بن بحر الأصفهاني، (1) فإنّه أنكره سمعا، و جوّزه عقلا و عن بعض اليهود أيضا، و عن بعضهم جوازه عقلا و وقوعه سمعا. (2)

لنا على الجواز: أنّ أفعاله تعالى إمّا أن تكون معلّلة بالأغراض و المصالح و الحكم أو لا، و على التقديرين، فالجواز ظاهر.

أمّا على رأي النفاة، كالاشاعرة، فإنّه يفعل ما يشاء كيف يشاء، و يغيّر و يبدّل على حسب إرادته و مشيئته، فلا استبعاد حينئذ من أن يأمر بشي‏ء، و ينهى عنه، لتساوي نسبتهما إليه تعالى.

و أمّا على رأي المعتزلة، فإنّ المصالح تتغيّر بتغيّر الأزمنة، كما تتغيّر بتغيّر الأشخاص، و كما جاز أن يأمر زيدا بشي‏ء، و ينهى عمرا عنه، في وقت واحد،

____________

(1). محمد بن بحر الأصفهاني، أبو مسلم، معتزليّ، ولي أصفهان و بلاد فارس، للمقتدر العباسي، من كتبه: «جامع التأويل» في التفسير و «الناسخ و المنسوخ» و غيرهما، ولد سنة 254، و توفّي سنة 322 ه. لاحظ الأعلام للزركلي: 6/ 50.

(2). و في الحقيقة انقسمت اليهود إلى فرق ثلاث: فذهبت طائفة إلى امتناعه عقلا و سمعا، و أخرى إلى امتناعه سمعا لا عقلا، و قالت العيسوية منهم بجوازه عقلا و وقوعه سمعا.

603

كذا جاز أن يأمر زيدا في وقت، و نهاه عنه في وقت آخر.

و أيضا، فكما جاز أن يقول: «تمسكوا بالسبت ما عشتم إلّا السبت الفلاني» جاز أن يقول: «تمسّكوا بالسبت ما عشتم ما لم أنسخه عنكم» و العلم بذلك قطعيّ، و لهذا اختلفت الأزمنة في وقوع العبادات فيها، فبعضها يجب وقوع العبادة فيه، و بعضها يجوز، و بعضها يحرم، و قد خصّ الشارع كلّ زمان بعبادة غير عبادة الزمان الآخر، كأوقات الصلوات و الحجّ و الصوم، و لو لا اختلاف المصالح باختلاف الأوقات لما كان كذلك.

و على الوقوع وجوه:

الأوّل: الأدلة القاطعة على نبوّة نبيّنا محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قائمة، و إنّما يصحّ مع القول بالنسخ.

الثاني: إجماع الأمّة على وقوع النسخ، كما في الاستقبال إلى الكعبة، الناسخ للاستقبال إلى بيت المقدس، و الاعتداد بأربعة أشهر و عشرة أيّام الناسخ للاعتداد بالحول، و غير ذلك من الآيات.

الثالث: قوله تعالى: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها (1).

وجه الاستدلال: أنّ صحّة التمسّك بالكتاب إن توقّفت على صحّة النسخ، عاد الأمر إلى أنّ نبوّة محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لا تصحّ إلّا مع القول بالنسخ، و قد صحّت‏

____________

(1). البقرة: 106.

604

نبوّته (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فصحّ النسخ، و إن لم تتوقّف تمسّكنا بالآية.

و اعترض‏ (1): بأنّ ملزوميّة الشي‏ء لغيره لا يقتضي وقوعه و لا صحّة وقوعه.

و لنا على اليهود وجوه:

الأوّل: ورد في التوراة أنّ اللّه تعالى قال لنوح (عليه السلام) عند خروجه من الفلك:

«إنّي جعلت لك كلّ دابّة مأكلا لك و لذريّتك، و أطلقت ذلك لكم كنبات العشب، ما خلا الدّم فلا تأكلوه» ثمّ حرم على موسى و على بني اسرائيل كثيرا من الحيوانات.

الثاني: ورد في التوراة أنّ اللّه تعالى أمر آدم أن يزوّج بناته من بنيه، و قد حرم ذلك في شريعة من بعده.

الثالث: لا شكّ في تجدّد إيجاب أو حظر بعد أن لم يكن، و هو ناقل عن حكم الأصل، الّذي هو الإباحة، إمّا لحكمة تجدّدت و مصلحة حضرت أو لا لذلك، على اختلاف الرأيين، فجاز أن يتجدّد ايجاب أو حظر ينقل عن حكم آخر ناقل عن حكم الأصل لأحد الاعتبارين.

الرابع: أباح السّبت ثمّ حرّمه، و جوّز الختان ثمّ أوجبه.

و اعترض‏ (2): بأنّهما ناقلان عن حكم الأصل، فلا يكونان نسخا.

____________

(1). المعترض هو سراج الدين الأرموي في التحصيل من المحصول: 2/ 11.

(2). المعترض هو الآمدي في الإحكام: 3/ 81.