هداية المسترشدين - ج3

- الشيخ محمد تقي الأصفهاني النجفي المزيد...
732 /
103

سببا لإيجابه نظرا إلى حصول المانع منه، على أنّه لو تمّ ذلك لما اختصّ بالواجبات التوصّليّة بل جرى في غير العبادات من الواجبات، إذ المقصود فيها حصول الفعل و هو حاصل بالحرام كما يحصل بغيره من غير فرق بينها و بين الواجبات التوصّليّة، فالقول بجواز الاجتماع فيه ضعيف جدّا. و كان مقصود المصنّف هو حصول الثمرة المطلوبة من الواجب من الحرام، فيسقط التكليف بأداء الحرام كما يسقط بأداء الواجب بخلاف ما يكون المقصود منه الامتثال دون مجرّد حصول الفعل.

ثانيها: أنّه هل يجوز اجتماع الوجوب النفسي و الحرمة الغيريّة أم لا؟ و الّذي يتقوّى في النظر جوازه نظرا إلى أنّ الوجوب النفسي إنّما يقتضي رجحان الفعل على الترك رجحانا مانعا من النقيض، و الحرمة الغيريّة إنّما يقتضي مرجوحيّته بالنسبة إلى الفعل الآخر الّذي هو أهمّ منه مرجوحيّة قاضية بتعيّن الإتيان بالآخر و لا تدافع بين الوصفين، إذ لا مانع من رجحان الفعل على تركه و مرجوحيّته بالنسبة إلى فعل آخر سواء لم يكن الراجحيّة و المرجوحيّة مانعة من النقيض كما في المندوبات المتعارضة أو كانت مانعة منه كما في الواجبات المتعارضة أو كانت الراجحيّة غير مانعة و المرجوحيّة مانعة كما في المندوب و المعارض للواجب.

و يرد عليه: أنّه إن اخذت الراجحيّة و المرجوحيّة في المقام بالنسبة إلى كلّ من الجهتين المفروضتين فلا مانع من اجتماعهما قطعا إلّا أنّ ثبوت الراجحيّة و المرجوحيّة حينئذ إنّما يكون على نحو القضيّة الطبيعيّة من غير أن يكون الصفتان حاصلة له في الخارج على نحو ما يلحظ في القضيّة المحصورة، و مفاد ذلك اجتماع الجهتين لا اجتماع الحكمين، و قد عرفت أنّه لا مانع منه قطعا بل هو حاصل في محلّ النزاع أيضا من غير أن يكون هناك تأمّل في جوازه، و إن لوحظ ثبوت الراجحيّة و المرجوحيّة المفروضتان‏ (1) له بحسب الواقع فيريد الشارع في الواقع بعد ملاحظة جميع جهات الفعل الحاصلة له بحسب ذاته و بحسب الخارج‏

____________

(1) كذا في الأصل و الصواب المفروضتين.

104

إيجاد الفعل و يريد أيضا عدم إيجاده فيكون ملزما لفعله و ملزما لتركه معا فهو محال- حسب ما قرّرناه في محلّ النزاع- من غير فرق، كيف و لا أقلّ من كونه تكليفا بالمحال لكونه إلزاما للمكلّف بالضدّين، و المفروض في المقام كون التكليف بالأهمّ مقدّما فيسقط التكليف بالآخر.

و يدفعه أنّه إنّما يلزم ذلك لو كان التكليفان حاصلين في مرتبة واحدة، و أمّا لو كانا مترتّبين فلا مانع منه فيكون مطلوب الآمر أوّلا هو الإتيان بالأهمّ و لا يكون طالبا في هذه المرتبة لضدّه، بل يكون الضدّ مطلوب الترك من حيث الأداء إلى الأهمّ و يكون مطلوبه ثانيا هو الإتيان بالثاني على تقدير عدم الإتيان بالأهمّ، و لا مانع من تعلّق التكليفين كذلك بالمكلّف، إذ لا مدافعة بينهما من حيث التكليف و الإلزام لملاحظة الترتيب و لا من حيث اجتماع الحسن و القبح، لما عرفت من عدم المدافعة بين الحسن و القبح المفروضين و جواز اجتماعهما في محلّ واحد، و إنّما يجي‏ء التكليف على الترتيب المفروض من ملاحظة الجهتين و الأخذ بمقتضاهما فإنّ جهة المنع من فعله بملاحظة أهمّية ضدّه إنّما تنافي إلزامه بالفعل على تقدير الإتيان بالأهمّ لا مطلقا، و ليست تلك الجهة كالجهة المقبّحة للفعل بملاحظة نفسه، فإنّه لا يمكن الجمع بينهما- حسب ما مرّ- و أمّا الجهة المفروضة الملزمة للترك من جهة لزوم الإتيان بالأهمّ إنّما تنافي الإلزام بغير الأهمّ مع الإطلاق دون الإلزام به على تقدير ترك الأهمّ- حسب ما قرّرنا- فظهر بما ذكرنا أنّ الأهمّ يتعلّق به الأمر من غير أن يتعلّق به النهي اللازم من الأمر بغير الأهمّ، إذ ليس غير الأهمّ متعلّقا للأمر في مرتبة الأهمّ حتى يكون إيجابه نهيا عن ضدّه الّذي هو الأهمّ ليلزم اجتماع الأمر و النهي بالنسبة إليه.

فإن قلت: إنّ غير الأهمّ و إن لم يكن مطلوبا في مرتبة الأهمّ إلّا أنّ الأهمّ مطلوب في مرتبة غير الأهمّ و لذا يعاقب على ترك الأهمّ عند إتيانه بغير الأهمّ من غير عكس فيلزم أيضا أن يتعلّق به النهي اللازم من الأمر بغير الأهمّ لو جاز القول به.

105

قلت: إنّما يلزم ذلك في المقام لو كان وجوب غير الأهمّ مطلقا، و أمّا لو كان مقيّدا بصورة ترك الأهمّ- كما هو قضيّة ما ذكرناه حيث إنّ المفروض ترتّب الأمرين- فلا يلزم ذلك، لأنّ وجوب غير الأهمّ حينئذ مشروط بترك الأهمّ فيكون ترك الأهمّ مقدّمة لوجوب غير الأهمّ. و من المقرّر عدم وجوب مقدّمة الواجب المشروط فلا يكون ترك الأهمّ واجبا للأداء إلى غير الأهمّ حتّى يلزم اجتماع الأمر و النهي في الأهمّ، بل ترك الأهمّ حرام محض يترتّب عليه وجوب غير الأهمّ و فعله حسب ما قرّرنا.

فإن قلت: إنّ ترك الأهمّ إن كان شرطا في وجوب غير الأهمّ كان وجوبه متوقّفا عليه، فلابدّ من حصوله أوّلا حتّى يتفرّع عليه وجوب غير الأهمّ، فينبغي أن لا يتحقّق التكليف بغير الأهمّ إلّا عند مضيّ زمان الأهمّ أو مضيّ ما يتمكّن من أداء الأهمّ فيه ليصدق معه ترك الأهمّ و ليس كذلك في المقام، إذ المفروض أداء غير الأهمّ في الزمان الّذي يجب فيه أداء الأهمّ مع التمكّن من ترك غير الأهمّ و الإتيان بالأهمّ مقامه، فليس هناك إلّا البناء على ترك الأهمّ و لا يمكن أن يكون وجوب غير الأهمّ مشروطا بالبناء المذكور، إذ هو غير الترك المفروض و لا يندفع بالتزام اشتراط الوجوب به ما ذكر من الإيراد بالنسبة إلى الأهمّ لوجوب الإتيان بالأهمّ عند البناء على تركه ضرورة أنّ البناء على عصيان الأمر لا يسقطه و وجوب تركه أيضا نظرا إلى كونه مقدّمة لفعل غير الأهمّ المفروض وجوبه على تقدير البناء على العصيان المفروض و هو عين المفسدة المذكورة.

قلت: إنّا لا نقول بكون وجوب غير الأهمّ مشروطا بالبناء على ترك الأهمّ و إنّما نقول باشتراطه بترك الأهمّ، لكن لا نقول بالتزام كون الشرط متقدّما على المشروط، بل يمكن تأخّره عنه و تقارنه لجميع المشروط فلا يكون بتمامه حاصلا حين الشروع في المشروط، بل نقول بأنّ وجود ذلك الشرط بحسب الواقع كاف في وجود المشروط به و إن كان تحقّقه بعد حصول المشروط به كما في الإجازة اللاحقة للعقد الفضولي بناءا على القول بكون الإجازة كاشفة كما هو الأظهر، فكذا

106

الحال في المقام، و العلم العادي بعد وقوع الأهمّ منه كما هو حاصل في كثير من الاحيان كاشف عن عدمه فيتعلّق الوجوب حينئذ بغير الأهمّ و يصحّ الإتيان به.

فإن قلت: إنّه يرد حينئذ لزوم المفسدة المذكورة بالنسبة إلى فعل غير الأهمّ من جهة إلزام المكلّف حينئذ بفعله و إلزامه بتركه أيضا، لكونه مانعا من فعل الأهمّ الواجب عليه حينئذ أيضا، ضرورة عدم سقوط التكليف به بالبناء على عصيانه و علم المكلّف بعدم إتيانه به و هو عين المفسدة المترتبة على اجتماع الأمر و النهي- حسب ما مرّ- فلا فائدة فيما ذكر من ترتّب التكليفين في تصحيح ذلك.

قلت: إنّه قد يدفع ذلك بأنّ ترك غير الأهمّ إنّما يجب من حيث كونه مقدّمة لفعل الأهمّ، و قضيّة ذلك وجوب خصوص الترك الموصل إلى فعل الأهمّ دون غيره- حسب ما مرّ في بحث المقدّمة من الإشارة إلى ما قد يتراءى من أنّ الواجب منها خصوص المقدّمة الموصلة دون غيرها- و الواجب بمقتضى التكليف الثانوي- على حسب ما فرض- هو الفعل الغير الموصل تركه إلى الأهمّ حيث كان وجوبه مبنيّا على ترك الأهمّ فلا يكون فعل شي‏ء واحد و تركه واجبين معا ليلزم المحذور، بل الترك الواجب هو ما يوصل إلى فعل الأهمّ و الترك الحرام هو ما لا يوصل إليه، و هما شيئان مختلفان لا اتّحاد بينهما حتّى يلزم من ذلك التدافع بين الطلبين المذكورين، فالواجب فعل و المحرّم فعل آخر. و قد مرّت الإشارة إلى ذلك في بحث اقتضاء الأمر بالشي‏ء للنهي عن ضدّه.

و فيه: ما عرفت في ذيل بحث مقدّمة الواجب من أنّ تنويع الفعل إلى النوعين و كون المقدّمة الواجبة هو خصوص الفعل الموصل دون غيره غير متّجه، بل المقدّمة الواجبة ما يتوقّف عليه فعل الواجب سواء تحقّق به الإيصال أو لم يتحقّق.

غاية الأمر: أنّه مع عدم حصول الإيصال به قد ترك نفس الواجب دون المقدّمة المفروضة فلا يكون ترك المقدّمة المفروضة مع بنائه على ترك الواجب جائزا غير ممنوع منه عند الآمر ليمكن تعلّق الأمر به منه، لوضوح كون ذي المقدّمة حين البناء المذكور ممنوعا من تركه إذ لا يقضي البناء على العصيان‏

107

بسقوط الواجب و مع حصول المنع من تركه فلا ريب في حصول المنع من ترك مقدّمته أيضا، غير أنّ منعه من تركه ليس مطلقا ليكون مطلوبا في نفسه واجبا في حدّ ذاته، بل إنّما يجب بملاحظة إيصاله إلى الفعل الآخر سواء تحقّق به الإيصال أو لا وبون بعيد بين ما ذكر و ما ذكرناه- حسب ما مرّ القول فيه في بحث المقدّمة- فاللازم حينئذ كون ذلك الترك واجبا بخصوصه بملاحظة إيصاله إلى الأهمّ و محرّما أيضا بملاحظة تعلّق الأمر بذلك الفعل في ذاته فيثبت له الحرمة و الوجوب من جهتين، و المفروض عدم إجداء تعدّد الحيثيّة مع اتّحاد الفعل- حسب ما مرّ القول فيه- فالمحذور على حاله سيّما مع تضيق الواجبين، إذ القائلون بالاكتفاء بتعدّد الجهة لا يقولون به أيضا- حسب ما مرّ-.

و التحقيق في الجواب أن يقال: إنّ متعلّق الأمر و النهي هنا على تقدير الحكم بصحّة الصلاة شي‏ء واحد كما هو ظاهر في المقام، فإنّ ما يوقعه من الصلاة عند مزاحمته لإزالة النجاسة قد ألزمه الشارع بتركها و إيصال ذلك الترك إلى فعل الإزالة، و المفروض تعلّق الأمر بها أيضا بملاحظة ذاتها و إنّما يصحّح ذلك و يجوّزه أنّ الأمر و النهي المتعلّقين به مترتّبان لا مطلقان، فإنّ المفروض أنّ ترك ذلك الفعل المطلوب في المقام إنّما هو من حيث إيصاله إلى الأهمّ، و فعله إنّما يطلب من حيث ذاته على تقدير عدم حصول ذلك الترك الموصل، إذ لو حصل منه الترك الموصل لم يرد منه إيجاد ذلك الفعل أصلا، لما عرفت من كون مطلوبيّة الثاني إنّما هو على تقدير خلوّ ذلك الزمان عن ضدّه المفروض فمع الإتيان به و إيصال ترك الثاني إلى فعله لا تكليف بالثاني أصلا، و إنّما الواجب هو ذلك الأهمّ خاصّة، فالفعل الثاني إنّما يراد على تقدير عدم حصول ذلك الترك و لا محذور فيه.

فإن قلت: إنّ إيجاب الفعل على الوجه المذكور يكون إيجابا مشروطا بعدم تركه و هو ممتنع إذ محصّله أن يكون وجوبه مشروطا بعدم تركه و هو محال، إذ لا يعقل ملاحظة الترتيب بين وجوب شي‏ء و عدم حصول تركه حسب ما فرض.

قلت: لو كان ملاحظة الفعل و الترك مطلقين كان الحال على ما ذكر، إذ لا يعقل‏

108

إيجاب الشي‏ء على تقدير عدم تركه، و أمّا لو كان الترك ملحوظا على جهة خاصة فلا مانع منه أصلا.

و توضيح الحال: أنّ الترتّب المفروض في المقام إنّما يلحظ ابتداءا بين التكليف بغير الأهمّ و التكليف بالأهمّ- حسب ما قرّرناه- و هو إنّما يأمره بالثاني على تقدير تركه للأهمّ، لكنه لمّا كان التكليف بذي المقدّمة مستتبعا للتكليف بالمقدّمة و كان الأمر بالمقدّمة من لوازم الأمر بذي المقدّمة لزم من ذلك حصول الترتيب بين ذلك التكليف و التكليف المتعلّق بمقدّمة الآخر أيضا اللازم من التكليف به، فيكون التكليف المتعلّق بذلك الفعل مترتّبا على عصيان التكليف المتعلّق بتركه لكن ليس التكليف المتعلّق بتركه مطلقا ليلزم المحذور المذكور، بل إنّما يتعلّق به من حيث إيصاله إلى الأهمّ، و كما يتحقّق عصيانه بإيجاد الفعل المذكور كذا يتحقّق بتركه مع عدم إيصال الترك إلى فعل الأهمّ لعدم إتيانه بالترك من حيث الإيصال في الصورتين، و حينئذ فليس ما ترتّب عليه التكليف بالفعل مجرّد عدم الترك ليتفرّع عليه كون وجوب الفعل مشروطا بوجوده، بل إنّما يكون مشروطا بعدم تركه على الوجه الخاصّ و هو أعمّ من فعله و من تركه لا على ذلك الوجه.

فالمحصّل: أنّ اللازم ممّا ذكر كون تكليفه بالفعل مترتّبا على عدم حصول الترك من حيث إيصاله إلى الأهمّ، و هو أعمّ من عدم تركه مطلقا لحصول ذلك على الوجهين المذكورين.

و من البيّن: أنّه لا مانع من ترتّب وجوب الأخصّ على البناء على إيجاد الأعمّ و لا مفسدة فيه أصلا.

فإن قلت: إنّ ذلك عين الجواب المتقدّم فإنّ انتفاء الترك الموصل إنّما يكون بالوجهين المذكورين إذ انتفاء المقيّد قد يكون بانتفاء القيدين و قد يكون بانتفاء أحدهما، فيكون الواجب من المقدّمة حينئذ هو خصوص الترك الموصل و يكون التكليف الثانوي مترتّبا على عدم حصول ذلك الترك الموصل لا ترك ذلك الفعل‏

109

مطلقا ليلزم المحذور، فيختلف الفعل المتوقّف وجوبه مع ما يتوقّف الوجوب على تركه و هو عين ما مرّ.

قلت: ليس الحال على ما ذكر، إذ الملحوظ في الوجه الأوّل اختلاف متعلّق التكليفين و تعدّدهما في الخارج، فإنّ المأمور به هو الترك الموصل إلى الأهمّ و الممنوع منه هو الترك الغير الموصل إليه، و لمّا كان الجمع بين ذينك التكليفين ممتنعا قيل بكون التكليف الثاني على فرض عصيان الأوّل على الوجه الّذي مرّ، و على هذا فلا اجتماع بين الأمر و النهي أصلا و لا يتمّ ما قرّرناه من جواز اجتماع الوجوب النفسي و الحرمة الغيريّة- حسب ما ذكرناه في ذيل ذلك الجواب- و الملحوظ في الوجه الثاني اتّحاد متعلّق التكليفين- كما هو الواقع في ذلك الفرض- فإنّ فعل غير الأهمّ مطلوب في ذاته و تركه بخصوصه مطلوب من حيث ايصاله إلى الأهمّ- حسب ما أشرنا إليه- فقد تعلّق الطلبان بشي‏ء واحد إلّا أنّهما من جهتين مختلفتين، و إنّما قرّرنا تسويغ ذلك بما عرفت من عدم لزوم اجتماع الضدّين في نفس الفعل، لعدم المدافعة بين حسن الفعل في ذاته و قبحه بالنظر إلى ما هو أحسن منه، و عدم التدافع بين نفس التكليفين لما عرفت من اعتبار الترتيب بين الأمرين فإنّ امتناع التكليف بالضدّين إنّما يجي‏ء من جهة استحالة الجمع بينهما، و إلّا فلا استحالة في ذلك التكليف من جهة اخرى، و مع كون التكليف بالثاني على تقدير إخلاء ذلك الزمان عن الضدّ الآخر فلا مانع منه بوجه، فالتكليف بفعله من حيث ذاته مترتّب على ترك ما تعلّق من التكليف بتركه من جهة إيصاله، و لا محذور في الترتيب المذكور حسب ما قرّرناه.

ثالثها: أنّه قد ظهر ممّا قرّرناه عدم جواز اجتماع الوجوب و الاستحباب و اجتماع الكراهة و التحريم، لما قرّرناه من اضمحلال جهة الاستحباب و الكراهة في جنب جهة الوجوب و التحريم، و أنّ الحكم في ذلك يتبع جهة الوجوب و التحريم لبلوغ تلك الجهة إلى الحدّ المنع من الترك و عدم وصول الجهة الاخرى إليها فالرجحان مشترك بينهما، و جهة المنع من الترك غالبة على جهة عدم المنع‏

110

من الترك إن سلّم المدافعة بينهما، و إلّا فالظاهر عدم المدافعة، حيث إنّ جهة الاستحباب إنّما يقتضي عدم المنع من الترك لعدم اقتضائه من الرجحان ما يزيد على تلك الدرجة فلا ينافي حصول ذلك الاقتضاء من جهة اخرى، و حينئذ فيتعيّن حكمه بالوجوب أو التحريم، و لا تدافع بين الجهتين و حصول الاقتضائين لكون أحدهما وجوديّا و الآخر عدميّا، و إنّما التدافع في المقام بين الحكمين المذكورين لتقوّم الوجوب و التحريم بالمنع من الخلاف القاضي بزوال الاستحباب و الكراهة المتقوّمين بعدمه، و لا يمكن القول حينئذ بقيام الاستحباب و الكراهة بالجهة المفروضة و قيام الوجوب أو التحريم بالجهة الاخرى، لما عرفت من كون ثبوت الأحكام لموضوعاتها على سبيل القضيّة المحصورة دون الطبيعة.

و من البيّن: أنّه مع اتّصاف الفرد بالوجوب أو التحريم نظرا إلى الجهة المفروضة لا يمكن اتّصافه فعلا بالاستحباب أو الكراهة، فيكون ثبوت الاستحباب أو الكراهة إنّما هو للجهة من دون ثبوته واقعا للفرد المطابق لها و هو عين مفاد القضيّة الطبيعيّة- حسب ما عرفت- و من ذلك يتبيّن عدم جواز اجتماع الوجوب و الكراهة- حسب ما مرّ تفصيل الكلام فيه- و كذا اجتماع الحرمة و الاستحباب، بل الحال فيه أظهر، و أمّا اجتماع الكراهة و الاستحباب فالّذي يقتضيه ظاهر النظر المنع منه أيضا، نظرا إلى تضادّ الأحكام فكما لا يجوز اجتماع الوجوب و التحريم- حسب ما قرّرنا- فلا يجوز اجتماع الندب و الكراهة للاشتراك في العلّة المانعة، كيف! و قضيّة الندب رجحان الفعل على الترك بحسب الواقع، و قضيّة الكراهة رجحان الترك على الفعل كذلك، و التدافع بينهما واضح، فكيف يعقل اجتماعهما. و قد يقال: إنّ رجحان الفعل على الترك واقعا من جهة لا ينافي رجحان الترك على الفعل واقعا من جهة اخرى، نعم الممتنع حصولهما من جهة واحدة فأيّ مانع من القول باجتماعهما من جهتين.

فإن قلت: إنّ اختلاف الجهتين حاصل في الحرام و الواجب، و كذا في الواجب و المندوب، و الحرام و المكروه، فكيف لا يقولون به.

111

قلت: لا ريب أنّ المنع من الترك و الفعل متضادّان لا يمكن اجتماعهما في فعل واحد و إن كان من جهتين إلّا على طريق الشأنيّة- بمعنى اجتماع جهتي الحكمين- و حصول تينك الجهتين قاض بترجيح أحدهما فيثبت الحكم التابع لها دون الآخر، أو التخيير بينهما فيرتفعان معا، و يتخيّر المكلّف في العمل، و ظاهر أنّه لا يمكن حصول المنع من ترك فعل و المنع من فعله معا بحسب الواقع، كيف و هو تكليف بالمحال لا يمكن القول به عند العدليّة، و كذا الحال في رجحان الفعل على الترك مع المنع من النقيض و رجحان الترك على الفعل مع عدم المنع من الفعل و كذا عكسه، إذ مع حصول المنع من الفعل أو الترك يتعيّن الحكم بالوجوب أو التحريم، فلا يعقل الحكم الندبي و الكراهة، إذ لا يجامع المنع من الفعل أو الترك بحسب الواقع عدم حصوله، للزوم الجمع بين النقيضين و هو واضح.

فغاية الأمر هناك أيضا جواز اجتماع الجهتين دون الحكمين- حسب ما مرّ- و أمّا رجحان الفعل على الترك من دون حصول المنع من الترك و رجحان الترك على الفعل كذلك بحسب الواقع من جهتين فلا مانع منه، إذ لا مانع من القول برجحان فعل على تركه واقعا من جهة و رجحان تركه على فعله كذلك من جهة اخرى، و إنّما يستحيل حصول الأمرين من جهة واحدة.

فإن قلت: إن لوحظ ثبوت الحكمين على نحو القضيّة الطبيعيّة بأن يثبت الحكمان للجهتين و يكون حصولهما للفرد بملاحظة الجهة من دون ثبوتها للفرد بحسب الواقع فذلك ممّا لا مانع منه في المقام و غيره من الصور المتقدّمة، لما عرفت من جواز اجتماع جهتي الوجوب و التحريم و غيرهما و ذلك غير اجتماع الحكمين. و إن لوحظ ثبوتهما بحسب الواقع على نحو القضيّة المحصورة فمن الظاهر امتناعه، فكما لا يمكن اتّصاف الفرد واقعا بالوجوب و التحريم، كذا لا يمكن اتّصافه بالاستحباب و الكراهة واقعا، إذ كما يثبت التضادّ بين المنع من الترك و المنع من الفعل، فكذا يثبت بين رجحان الفعل على الترك و مرجوحيته بالنسبة إليه و إن خليا عن المنع من الخلاف.

112

فغاية الأمر أنّ المضادّة في الواجب و الحرام من جهتين- أعني جهة الرجحانيّة و المرجوحيّة و جهة الإلزام بالفعل و الإلزام بالترك- و هنا إنّما يكون المضادّة من الجهة الاولى خاصّة.

قلت: لا ريب أنّ رجحان الفعل و الترك في الواجب و الحرام متقوّم بالمنع من النقيض كما أنّه متقوّم في المندوب و المكروه بعدمه، فالمدافعة الحاصلة بين الرجحان و المرجوحيّة فيها حاصلة بحصول المنع من النقيض، و حاصلة في المندوب و المكروه لعدم المنع منه، إلّا أنّه بعد بلوغ رجحان الفعل أو الترك إلى حدّ المنع من النقيض لا يمكن تعلّق الرجحان بالنقيض إلّا على نحو الشأنيّة و القضيّة الطبيعيّة، بل لا يمكن تعلّق إذن الشارع به فضلا عن رجحانه و طلبه من المكلّف، لوضوح عدم جواز اجتماع المنع من شي‏ء و الاذن فيه و لو من جهتين إلّا أن يكون الجهتان مميّزتين لأحدهما عن الآخر في الخارج- كضرب اليتيم على وجه التأديب أو على جهة الظلم- و هو خارج عن محلّ الكلام. و أمّا مع عدم بلوغ الرجحان إلى حدّ المنع من النقيض فالإذن في النقيض حاصل بملاحظة رجحانه من الجهة المفروضة، و لا ينافي الرجحان المفروض رجحان الخلاف أيضا من جهة اخرى، فيجتمع الرجحانان في فعل واحد من جهتين.

و الحاصل: أنّ المنع من الترك أو الفعل بحسب الواقع إنّما يكون بعد ملاحظة جميع جهات الفعل، و بحسب الواقع بأن يكون الفعل بعد ملاحظة جميع جهاته على الوجه المفروض ممنوعا من تركه أو فعله، سواء كان الباعث على الحكم المذكور جهة واحدة منها أو جهات متعددة إلّا أنّه لابدّ من عدم مزاحمة غير تلك الجهة أو الجهات لحصول المنع المفروض و إلّا لم يتحقّق المنع واقعا.

غاية الأمر أن يكون ثبوت المنع من الترك لنفس الطبيعة من حيث هي أو حيثية اخرى على النحو القضيّة الطبيعيّة من غير أن تسري الحكم إلى الفرد و هو خارج عن محلّ الكلام كما عرفت. و أمّا مع عدم تحقّق المنع من الترك و الفعل فيمكن رجحان كلّ من الجانبين من جهته بحسب الواقع، و لا يلزم في الحكم بذلك‏

113

الرجحان من ملاحظة جميع جهات الفعل، بل لو كان راجحا حينئذ بملاحظة بعض الجهات صحّ الحكم برجحانه و إن كان مرجوحا من جهة اخرى فلا مانع من تحقّق الرجحان من الجانبين بملاحظة الجهتين التقييديّتين لثبوت الرجحان في الواقع حينئذ لكلّ من الجهتين، و يكون المصداق الواحد متّصفا بكلّ منهما بحسب الواقع بملاحظة انطباقه بكلّ من الجهتين، فيكون كلّ من الفعل و الترك مطلوبا كذلك من جهته.

غاية الأمر أن يكون الفعل و الترك المفروضان نظير الفعلين إذا لم يمكن التفريق بينهما و كان أحدهما مندوبا و الآخر مكروها فإنّه إن أتى بالمندوب فقد أتى بالمكروه و إن ترك المكروه فقد ترك المندوب أيضا، فحينئذ إن تعادلا في الرجحان و المرجوحيّة تخيّر المكلّف بين الوجهين من غير ترجيح لأحد الجانبين على الآخر، و إلّا كان الأولى ترجيح الأرجح لكن ليس اختيار المرجوح في المقام إذا كان هو الفعل مكروها مطلقا، إذ المفروض رجحانه على الترك بملاحظة عنوانه المفروض و إنّما يكون مرجوحا بالنسبة إلى العنوان الآخر فيكون قد اختار الإتيان بالمندوب من جهة و المكروه من اخرى و إن كانت جهة الكراهة أقوى، و كذا الحال لو تعادلا فيكون المكلّف في كلّ من صورتي الفعل و الترك آتيا براجح و مرجوح.

فإن قلت: إنّه مع تساوي الفعل و الترك في الرجحان و المرجوحيّة عند تعادل الجهتين يكون الفعل متّصفا بالإباحة من غير أن يكون هناك مندوب و مكروه، و مع ترجيح إحدى الجهتين يكون الحكم تابعا للراجح فليس هناك اجتماع الحكمين.

قلت: تساوي الفعل و الترك على الوجه المفروض لا يقضي باندراجه في المباح، فالظاهر من المباح ما لا يكون مصلحة في فعله و تركه، و لو فرض وجود المصلحة في فعله على وجه يساوي مصلحة الترك فربما أمكن إدراجه في المباح أيضا، لتساوي الفعل و الترك في المصلحة- على حسب ما فرض- أمّا لو تحقّق‏

114

المصلحة الغير المانعة من النقيض في عنوان و المفسدة كذلك في عنوان آخر و تساويا و اتّفق اجتماعهما في مصداق واحد فإدراج ذلك في المباح غير ظاهر، بل قضيّة ظاهر الخطابين هو الأخذ بمقتضى التكليفين و ثبوت الحكم على حسبهما، فيكون ذلك المصداق مندوبا من جهة و مكروها من اخرى و لا معارضة بين الأمرين حتّى يلحظ التعادل و الترجيح بينهما، بل يثبت له الحكمان بملاحظة العنوانين، فمع تعادل الوجهين كما في هذه الصورة يتخيّر المكلّف في الإقدام على أيّ منهما، و مع رجحان أحد الوجهين كما في الصورة الاخرى ينبغي ترجيح الراجح و ذلك تخيير في الأخذ بمقتضى التكليفين و الحكمين من دون ترجيح لأحد الجانبين أو معه و هو غير ثبوت حكم واحد في المقام من الإباحة أو الاستحباب أو الكراهة كما لا يخفى.

إلى هنا جفّ قلمه الشريف و يا ليت امتدّ قلمه و من هو مثله من أوّل الدهر إلى آخره.

***

115

معالم الدين:

أصل‏

اختلفوا في دلالة النهي على فساد المنهيّ عنه، على أقوال. ثالثها:

يدلّ في العبادات، لا في المعاملات. و هو مختار جماعة، منهم المحقّق و العلّامة.

و اختلف القائلون بالدلالة، فقال جمع منهم المرتضى: إنّ ذلك بالشرع، لا باللّغة. و قال آخرون: بدلالة اللغة عليه أيضا، و الأقوى عندي: أنّه يدلّ في العبادات بحسب اللغة و الشرع دون غيرها مطلقا.

فهنا دعويان.

لنا على اوليهما: أنّ النهي يقتضي كون ما تعلّق به مفسدة، غير مراد للمكلّف. و الأمر يقتضي كونه مصلحة مرادا. و هما متضادّان؛ فالآتي بالمنهيّ عنه لا يكون آتيا بالمأمور به. و لازم ذلك عدم حصول الامتثال و الخروج عن العهدة. و لا نعني بالفساد إلّا هذا.

و لنا على الثانية: أنّه لو دلّ، لكانت احدى الثلاث، و كلّها منتفية. أمّا الأولى و الثانية فظاهر. و أمّا الالتزام، فلأنّها مشروطة باللزوم العقليّ، أو العرفيّ، كما هو معلوم، و كلاهما مفقودان. يدلّ على ذلك: أنّه يجوز عند العقل و في العرف أن يصرّح بالنهي عنها، و أنّها لا تفسد

116

بالمخالفة، من دون حصول تناف بين الكلامين. و ذلك دليل على عدم اللزوم بيّن.

حجّة القائلين بالدلالة مطلقا بحسب الشرع لا اللغة: أنّ علماء الأمصار في جميع الأعصار، لم يزالوا يستدلّون على الفساد بالنهي في أبوابه، كالأنكحة و البيوع و غيرها. و أيضا لو لم يفسد، لزم من نفيه حكمة يدلّ عليها النهي، و من ثبوته حكمة تدلّ عليها الصحّة و اللازم باطل؛ لأنّ الحكمتين، إن كانتا متساويتين تعارضتا و تساقطتا، و كان الفعل و عدمه متساويين، فيمتنع النهي عنه؛ لخلوّه عن الحكمة. و إن كانت حكمة النهي مرجوحة فهو أولى بالامتناع؛ لأنّه مفوّت للزائد من مصلحة الصحّة، و هو مصلحة خالصة؛ إذ لا معارض لها من جانب الفساد، كما هو المفروض. و إن كانت راجحة فالصحّة ممتنعة؛ لخلوّها عن المصلحة، بل لفوات قدر الرجحان من مصلحة النهي، و هو مصلحة خالصة لا يعارضها شي‏ء من مصلحة الصحّة.

و أمّا انتفاء الدلالة لغة، فلأنّ فساد الشي‏ء عبارة عن سلب أحكامه.

و ليس في لفظ «النهي» ما يدلّ عليه لغة قطعا.

و الجواب عن الأوّل: أنّه لا حجّة في قول العلماء بمجرّده، ما لم يبلغ حدّ الإجماع. و معلوم انتفاؤه في محلّ النزاع؛ إذ الخلاف و التشاجر فيه ظاهر جليّ.

و عن الثاني: بالمنع من دلالة الصحّة، بمعنى ترتّب الأثر على وجود الحكمة في الثبوت؛ إذ من الجائز عقلا انتفاء الحكمة في إيقاع عقد البيع وقت النداء مثلا مع ترتّب أثره- أعني انتقال الملك- عليه.

نعم، هذا في العبادات معقول؛ فإنّ الصحّة فيها باعتبار كونها عبارة عن حصول الامتثال، تدلّ على وجود الحكمة المطلوبة؛ و إلّا لم يحصل.

117

و بما قدّمناه في الاحتجاج على دلالة النهي على الفساد في العبادات يظهر جواب الاستدلال على انتفاء الدلالة لغة؛ فانّه على عمومه ممنوع. نعم هو في غير العبادات متوجّه.

و احتجّ مثبتوها كذلك لغة أيضا، بوجهين:

أحدهما: ما استدلّ به على دلالته شرعا، من أنّه لم يزل العلماء يستدلّون بالنهي على الفساد.

و أجاب عنه اولئك: بأنّه إنّما يقتضي دلالته على الفساد، و أمّا أنّ تلك الدلالة بحسب اللّغة، فلا. بل الظاهر أنّ استدلالهم به على الفساد إنّما هو لفهمهم دلالته عليه شرعا؛ لما ذكر من الدليل على عدم دلالته لغة.

و الحقّ ما قدّمناه: من عدم الحجّيّة في ذلك. و هم و إن أصابوا في القول بدلالته في العبادات لغة، لكنّهم مخطئون في هذا الدليل.

و التحقيق ما استدللنا به سابقا.

الوجه الثاني لهم: أنّ الأمر يقتضي الصحّة، لما هو الحقّ من دلالته على الأجزاء بكلا تفسيريه. و النهي نقيضه، و النقيضان مقتضاهما نقيضان. فيكون النهي مقتضيا لنقيض الصحّة، و هو الفساد.

و أجاب الأوّلون: بأنّ الأمر يقتضي الصحّة شرعا، لا لغة، و نقول بمثله في النهي. و أنتم تدّعون دلالته لغة. و مثله ممنوع في الأمر.

و الحقّ أن يقال: لا نسلّم وجوب اختلاف أحكام المتقابلات، لجواز اشتراكها في لازم واحد، فضلا عن تناقض أحكامها. سلّمنا، لكن نقيض قولنا: «يقتضي الصحّة»: أنّه «لا يقتضي الصحّة»، و لا يلزم منه أن «يقتضي الفساد». فمن أين يلزم في النهي أن يقتضي الفساد؟ نعم يلزم أن لا يقتضي الصحّة. و نحن نقول به.

118

حجّة النافين للدلالة مطلقا، لغة و شرعا: أنّه لو دلّ لكان مناقضا للتصريح بصحّة المنهي عنه. و اللازم منتف، لأنّه يصحّ أن يقول:

«نهيتك عن البيع الفلانيّ بعينه مثلا. و لو فعلت لعاقبتك. لكنّه يحصل به الملك».

و اجيب: بمنع الملازمة، فانّ قيام الدليل الظاهر على معنى لا يمنع التصريح بخلافه، و أنّ الظاهر غير مراد. و يكون التصريح قرينة صارفة عمّا يجب الحمل عليه عند التجرّد عنها.

و فيه نظر، فانّ التصريح بالنقيض يدفع ذلك الظاهر و ينافيه قطعا.

و ليس بين قوله في المثال: «و لو فعلت لعاقبتك الخ»، و بين قوله:

«نهيتك عنه» مناقضة و لا منافاة. يشهد بذلك الذوق السليم.

فالحقّ: أنّ الكلام متّجه في غير العبادات و هو الذي مثّل به. و أمّا فيها، فالحكم بانتفاء اللازم غلط بيّن؛ إذ المناقضة بين قوله: «لا تصلّ في المكان المغصوب» و «لو فعلت لكانت صحيحة مقبولة» في غاية الظهور، لا ينكرها إلّا مكابر.

119

[هل يدلّ النهي على فساد المنهيّ أم لا؟]

قوله: (اختلفوا في دلالة النهي.)

ينبغي قبل الشروع في المرام توضيح المقام برسم امور:

أحدها: أنّ الظاهر أنّ دلالة النهي على الفساد في العبادات أو مطلقا على القول بها ليس من جهة وضعه لذلك، بل لاستلزام مدلوله ذلك أو لفهمه من المقام- حسب ما يأتي القول فيه إن شاء اللّه- كيف! و ليس مدلول النهي إلّا مطلق الطلب أو خصوص التحريم و ذلك معنى غير الفساد، و لو قيل بكون الفساد جزء من معناه لزم التجوّز في كثير من النواهي الشرعيّة ممّا لا يتصوّر فيه الفساد- كالنهي عن الزنا و أكل الميتة و شرب الخمر و نحوها- بل معظم النواهي الجارية في العرف كذلك.

نعم ربما يتوهّم من كلام القائل بدلالة النهي على الفساد شرعا- حسب ما ذكر في أقوال المسألة و ذهب إليه السيّد من علمائنا- أنّه موضوع للفساد في الشريعة.

و حينئذ إمّا أن يقال: بنقله في الشريعة من الطلب أو التحريم إلى الفساد إمّا مطلقا، أو فيما إذا تعلّق بالامور القابلة للفساد. و هو واضح الفساد لا مجال لأن يتوهّمه أحد في المقام سيّما الأخير، لمخالفته لما هو المعهود في الأوضاع، و الظاهر أنّه ممّا لا قائل به.

أو يقال: بضمّ معنى الفساد في الشريعة إلى الطلب أو التحريم، فيكون منقولا من معناه الأوّلي- الّذي هو مجرّد طلب الترك أو التحريم- إلى الطلب أو التحريم مع الفساد، فيكون مدلوله الأوّلي جزء من معناه الثانوي. و هو أيضا فاسد، إذ لو ثبت النقل على الوجه الأوّل لزم التجوّز في كثير من النواهي الشرعيّة- كالنهي عن المحرّمات الغير القابلة للفساد- و هو ظاهر الفساد. و إن قيل به على الوجه الثاني.

ففيه: ما عرفت من عدم معهوديّة مثله في الأوضاع اللفظيّة، فلو ثبت الوضع له ثبت مطلقا و لزمه المفسدة المذكورة. و الأظهر أن يقال: إنّ مقصودهم من دلالته شرعا على الفساد انفهام ذلك من ملاحظة المقام في الاستعمالات الشرعيّة- حسب ما نقرّره إن شاء اللّه- و الحقّ فيه ما سنفصّله إن شاء اللّه و إن كان كلام القائل المذكور مطلقا.

120

أو يقال بكون الفساد مستفادا من غلبة استعمال الشارع النواهي الشرعيّة في مقام إرادة الفساد فيظنّ من ملاحظة تلك الغلبة كون النهي الوارد من الشارع واردا في مقام إرادة الفساد فيما إذا كان قابلا له من دون أن يكون الفساد ممّا استعمل فيه اللفظ، بل لمّا جرى طريقته على النهي عن العبادات أو العقود و الإيقاعات و نحوها من الامور القابلة للفساد- إذا كانت فاسدة- فهم منه الفساد بملاحظة تلك الغلبة، و هو كاف في استفادته من اللفظ فيكون لازما له من جهة الغلبة.

ثانيها: أنّ ما يتعلّق به النواهي قد تكون قابلة للصحّة و الفساد- كالعبادات و العقود و الإيقاعات و غيرها من الأفعال الموضوعة لترتّب آثار معيّنة كغسل الثياب و نحوها و التذكية- و قد لا تكون قابلة لذلك- كالنهي عن الزنا و السرقة و نحوهما ممّا أشرنا إليه- و الثاني ممّا لا كلام فيه و لا كلام أيضا في عدم خروجه عن حقيقة النهي، و محلّ الخلاف هو الأوّل سواء قام هناك دليل عامّ على الصحّة أولا.

و من المقرّر أنّ الأصل الأصيل في الجميع هو الفساد، لوضوح توقّف العبادة على تعلّق الأمر بها و هو خلاف الأصل، كما أنّ ترتّب الآثار على المعاملات على خلافه، لأصالة بقاء الشي‏ء على ما هو عليه، و حينئذ فالحكم بصحّتها يتبع الدليل الدالّ عليها من عموم أو خصوص، و حينئذ فإن قام دليل على صحّة العبادة أو المعاملة و تعلّق النهي به كان ذلك دليلا على فسادها و خصّ به الدليل الدالّ على الصحّة بناءا على القول بإفادته الفساد. و إن لم يقم دليل على الصحّة كان عدم الدليل كافيا في الحكم بالفساد من جهة الأصل، و النهي أيضا دليل لفظيّ دالّ على فساده، و الفرق بين الدليلين ظاهر و لا أقلّ من كونه مؤكّدا. فتخصيص النزاع بالصورة الاولى كما نصّ عليه بعض الأفاضل ممّا لا وجه له.

ثالثها: أنّ المراد بالعبادة ما يتوقّف صحته على نيّة القربة أي: يكون المطلوب إيقاعه على جهة الامتثال و الطاعة لا أن يكون المقصود منه حصول نفس الفعل، فلابدّ فيها من أمر و من كون المأمور به إيقاع الفعل على تلك الجهة، فيقابله ما لا

121

يتعلّق به أمر كما هو الحال في معظم العقود و الإيقاعات، أو يتعلّق به أمر لكن لا يتقيّد بوقوعه على جهة الامتثال، كأداء الدين و إزالة النجاسات عن الثوب و البدن و نحوهما. و قد يتوقّف صحّة العمل على مجرّد قصد الامتثال و الطاعة و إن لم يكن في الواقع أمر بذلك الواقع منه كما في الوقف و العتق، لصحّة ما يقع منهما من المخالف و الكافر، و في إدراجهما في العبادة بالمعنى المذكور إشكال، و المعروف بين الأصحاب ذكرهما في طيّ المعاملات إمّا لذلك أو لكون معظم البحث عنهما من جهة ترتّب الآثار لا من جهة ملاحظة الامتثال.

و قد يراد بالعبادة ما يقع من المكلّف على وجه الطاعة، سواء كان تشريعه على جهة تحصيل الامتثال و أداء الطاعة أو يكون أداء المكلّف له على جهة الطاعة فيما يتعلّق به الطلب على بعض الوجوه فيكون عبادة بالنيّة. و الظاهر جريان حكم العبادة فيها بالنسبة إلى وقوعها على تلك الجهة، و لحوق حكم المعاملات بالنسبة إلى نفسها على حسب ما يجي‏ء الكلام فيه إن شاء اللّه.

رابعها: أنّ الصحيح من العبادات على ما فسّرها المتكلّمون ما وافق الشريعة و عند الفقهاء ما أسقط القضاء. قالوا: و يظهر الثمرة بين التفسيرين فيمن صلّى باستصحاب الطهارة ثمّ انكشف الخلاف، فإنّها صحيحة على الأوّل، لأدائها موافقا لأمر الشارع حيث جعله متعبّدا بالعمل به، فاسدة على الثاني، لعدم إسقاطه القضاء.

أقول: إن اريد بما وافق الشريعة ما وافقها بحسب الواقع و بما أسقط القضاء ما أسقطها كذلك لم يصحّ ما ذكر من التفريع، لوضوح عدم موافقة ما أتى به من الصلاة للواقع و عدم إسقاطه القضاء كذلك. و إن اريد موافقته للشريعة بحسب ظاهر التكليف فينبغي أن يراد إسقاطه القضاء كذلك أيضا، إذ لا وجه للتفكيك بين التعبيرين. و حينئذ فكما يصدق موافقة العمل للشريعة كذلك يكون مسقطا للقضاء في ظاهر الشريعة، و بعد انكشاف الخلاف كما يتبيّن عدم إسقاطه القضاء كذا يتبيّن عدم موافقته للشريعة أيضا، فلا فرق بين التعريفين.

122

فإن قلت: إنّه إذا فسّر ما وافق الشريعة بما وافقها في ظاهر التكليف صدق الحدّ على الفعل المفروض و إن انكشف الخلاف بعد ذلك، إذ لا يرتفع به الأمر الحاصل حين الفعل. و ليس ذلك الفعل حينئذ مسقطا للقضاء في ظاهر التكليف مطلقا، غاية الأمر إسقاطه له قبل الانكشاف، و المأخوذ في الحدّ هو إسقاطه له على سبيل الإطلاق، فلا يكون صحيحا على التعريف المذكور أيضا حسب ما ذكروه.

قلت: الظاهر عدم صحّتها بعد انكشاف الخلاف على التفسير الأوّل أيضا، فإنّ الأمر المتعلّق بالفعل حين الإتيان به إنّما هو من جهة الحكم بكون المأتيّ به هو الواقع و كون الطريق المذكور موصلا إلى الواقع، فليست المطلوبيّة الحاصلة هناك إلّا من جهة إيصاله إلى الواقع و كون المأتيّ به هو عين الواقع في حكم الشارع لا أمر آخر قائم مقامه ليكون واقعيّا ثانويّا مطلوبا من حيث ذاته، بل ليست مطلوبيّته إلّا من حيث كونه نفس ما هو الواقع أيضا، فيحكم حينئذ بموافقة العمل للشريعة لحكم الشارع حينئذ بالحكم به ما لم يتبيّن الخلاف، فإذا انكشف الخلاف لم يكن موافقا للشريعة في الظاهر أيضا و إن كان موافقا له قبل الانكشاف كما أنّه كان مسقطا للقضاء قبله.

و توضيح الكلام في ذلك مبنيّ على تحقيق القول في الحكم الظاهري و الواقعي و لتفصيل الكلام محلّ آخر. فالظاهر من قولهم: «ما وافق الشريعة» ما أتى به على وفق ما قرّر في الشريعة واقعا و لو بالطريق المقرّر في ظاهر الشريعة، و بعد انكشاف الخلاف لم يكن المأتيّ به ما قرّر في الشريعة واقعا و لو بحسب ظاهر الشريعة، و إنّما كان محكوما بموافقته للشريعة قبل انكشاف الخلاف- حسب ما قرّرنا- فالمناط موافقته للواقع لكن الحكم بالموافقة قد يكون من جهة العلم بالمطابقة و قد يكون من جهة الطريق المقرّر في الشريعة لكشف الواقع، فلا يكون مطابقا بعد انكشاف الخلاف.

نعم لو اريد بما وافق الشريعة ما وافقها بحسب الأمر المتعلّق به في ظاهر

123

الشريعة سواء كشف عن الواقع أو انكشف خلافه فانقطع كونه طريقا صحّ الفرق بين الحدّين، فإنّ الفعل بعد انكشاف الخلاف قد وقع على وفق الأمر المقرّر في الشريعة، و إن لم يكن حينئذ كاشفا عن الواقع كان متّجها لكنّه بعيد عن التفسير المذكور. فالأظهر- على حسب ما قرّرنا- عدم اختلاف الحدّين في ذلك فلا فارق بين الحدين من الجهة المذكورة، و ليس اختلاف الحدّين مبنيّا على اختلاف الاصطلاح في الصحّة حتّى يكون الصحيح في اصطلاح فاسدا في آخر، و إنّما اعتبر كلّ من الفريقين أمرا في التعريف خلاف ما اعتبره الآخر يوافق غرضه.

و الصحّة في المعاملات كون الفعل بحيث يترتّب عليه الآثار المطلوبة منه عقودا كانت أو إيقاعاتا أو غيرهما. و الفاسد في العبادات و المعاملات ما يقابل حدّ الصحيح المذكور فيختلف بحسب اختلاف الحدود المذكورة.

و قد يتراءى من ظاهر كلامهم كون الصحّة و الفساد مشتركا لفظيّا بين الوجهين، حيث جعلوا حدّ الصحّة في العبادات مغايرا لحدّه في المعاملات لكنّ الظاهر خلافه، فإنّ المنساق من الصحّة معنى واحد و هو أمر واحد يتّصف به العبادة و المعاملة. فلا يبعد أن يكون المناط في الحدّين أمرا واحدا و هو في الحقيقة مفاد الصحّة و إن اختلف الحال فيه بحسب اختلاف الموصوف به، و انّما لاحظوا اختلاف الحدّين من تلك الجهة. و قد نبّه على ذلك بعضهم حيث جعل مفاد الصحّة في المقامين كونه بحيث يترتّب عليه أثره، فإن كان في العبادات المطلوبة منها الانقياد كان أثرها المترتّب عليها هو الطاعة و الانقياد و أداء مطلوب الشارع و يتبعه الإجزاء و سقوط التعبّد به ثانيا، و قد لوحظ واحد من ذينك الأمرين في كلّ من التعريفين على حسب ما يلائم قصد المعرّف، و إن كان في المعاملات كان الأثر المترتّب عليها هو ما وضعت لها تلك المعاملات من الآثار المترتّبة عليها.

خامسها: أنّ النهي قد يتعلّق بذات العبادة، و قد يتعلّق بجزئها، و قد يتعلّق بشرطها، و قد يتعلّق بأمر خارج عنها لازم لها أو مفارق عنها. و النهي المتعلّق بالخارج إمّا متعلّق به لأجل العبادة أو لا لأجلها، ثمّ الخارج إمّا أن يكون أمرا

124

مباينا له أو متّحدا معه. و النهي المتعلّق بذات العبادة إمّا أن يكون متعلّقا بها لذاتها أو لغيرها سواء كان ذلك الغير جزءا لها أو لا. ثمّ النهي المتعلّق إمّا أن يكون أصليّا أو تبعيّا، نفسيّا أو غيريّا. و النهي المتعلّق بالخارج المفارق المتّحد مع العبادة هو بعينه الكلام في المسألة المتقدّمة- أعني مسألة اجتماع الأمر و النهي- و لذا نصّ بعض الأفاضل بإخراج ذلك عن محلّ البحث و خصّ البحث بالنسبة إلى العبادات في المقام بما إذا كان النسبة بين المأمور به و المنهيّ عموما مطلقا، و أمّا إذا كانت النسبة بينهما عموما من وجه- كما في الفرض المذكور- فهو المسألة المتقدّمة، و صرّح أيضا بخروج ما يكون النهي متعلّقا بأمر خارج مفارق مباين للعبادة عن محلّ النزاع، لعدم ارتباط النهي حينئذ بالعبادة كما في الأمر بالعبادة و النهي عن النظر إلى الأجنبيّة.

و فيه: أنّه إن كان النهي عن ذلك الأمر الخارج لا لأجل العبادة فالأمر كما ذكر و إن كان النهي عنه لأجل العبادة فالمتّجه إدراجه في المسألة- كالنهي عن التكفير في الصلاة، و عن قول آمين و نحوهما- و أيضا البحث المتقدّم عمّا إذا كانت النسبة بين الكليّين عموما من وجه إنّما كان من جهة حكم العقل، حيث إنّه الملحوظ بالبحث عندهم و لذا أدرج ذلك جماعة منهم في مباحث الأحكام، و البحث الواقع هنا من جهة الدلالة اللفظيّة. أو يقال: إنّ المبحوث عنه هنا هو حال النهي المتعلّق بالعبادة و إن كان من جهة خارجة عن ذات العبادة فيستدلّ هنا على دلالته على الفساد، و الملحوظ في مسألة اجتماع الأمر و النهي هو المنع من اجتماع الطبيعتين اللتين بينهما عموم من وجه إذا كان أحدهما متعلّقا للأمر و الآخر للنهي في مصداق واحد. و مرجع كلام المجوّز هناك إلى عدم تعلّق النهي بالعبادة، فإنّ كلّا من متعلّق الأمر و النهي إنّما هو الطبيعة. و كلّ من الطبيعتين مغايرة للاخرى، غاية الأمر إيجاد المكلّف لهما بسوء اختياره في فرد واحد، و ليس الفرد متعلّقا للأمر و النهي. نعم مرجع كلام المانع كما مرّ إلى كون الطبيعة من حيث الوجود متعلّقة للأمر و النهي، و هما متّحدان وجودا، فيكون النهي متعلّقا بنفس العبادة و إن كان من‏

125

جهة خارجة عن ذاتها و هو لا يقضي أيضا باتّحاد المسألتين، إذ يقع مسألتنا هذه كبرى للدليل الدالّ على المنع هناك. فلا مجال لتوهّم إدراج المسألة المتقدّمة في هذه المسألة و كونها من بعض جزئيّاتها، حتّى يلتزم بالتخصيص هنا في مورد البحث لئلّا يتّحد البحثان.

قوله: (ثالثها يدلّ في العبادات ... الخ.)

المحكيّ في المسألة أقوال عديدة:

أحدها: القول بالدلالة على الفساد في العبادات و المعاملات لغة و شرعا، حكاه الرازي عن بعض أصحابه، و حكاه في النهاية عن جمهور فقهاء الشافعيّة و مالك و أبي حنيفة و الحنابلة و أهل الظاهر كافّة و جماعة من المتكلّمين.

ثانيها: القول بعدم الدلالة مطلقا، حكاه في النهاية عن جماعة من الأشاعرة كالقفّال و الغزالي و غيرهما و جماعة من الحنفيّة و جماعة من المعتزلة كأبي عبد اللّه البصري و أبي الحسن الكرخي و القاضي عبد الجبّار.

ثالثها: الدلالة فيهما شرعا لا لغة، ذهب إليه الحاجبي و عزي إلى السيّد (رحمه اللّه).

رابعها: الدلالة في العبادات مطلقا دون المعاملات مطلقا، ذهب إليه المصنّف (رحمه اللّه) و جماعة- حسب ما أشار إليه- و اختاره الرازي و حكاه عن أبي الحسين البصري.

خامسها: الدلالة فيهما شرعا لا لغة إلّا إذا رجع النهي في المعاملة إلى أمر مقارن للعقد غير لازم كالنهي عن البيع في وقت النداء يوم الجمعة، و حكي القول به عن الشهيد الثاني و الشهيد رحمهما اللّه.

سادسها: القول بالدلالة في العبادات مطلقا و في المعاملات شرعا خاصّة، اختاره بعض متأخّري الأصحاب.

سابعها: الدلالة على الفساد لغة و شرعا في العبادات و المعاملات إن رجع النهي إلى العين أو الجزء أو اللازم وصفا كان أو غيره دون الوصف و الخارج الغير اللازم، و حكي القول به عن الرازي في المعاملة و العدي و عزاه العضدي إلى الشافعي و ربما يحكى عن الشيخ في العدّة.

126

ثامنها: القول بالدلالة في العبادات و الدلالة في المعاملات شرعا بشرط أن يكون تعلّقه بالمنهيّ عنه لعينه أو وصفه اللازم دون ما إذا كان لأمر خارج مفارق كالبيع وقت النداء و ذبح الغاصب، اختاره السيّد الاستاذ (قدّس سرّه‏) و حكاه عن الشهيد في القواعد، و المحقّق الكركي في شرح القواعد قال: و كلام الفقهاء هناك في كتب الفروع يعطي ذلك.

تاسعها: الدلالة عليه شرعا خاصّة في العبادات و المعاملات إن رجع الى العين أو الجزء أو اللازم، و حكي القول به من البيضاوي في المنهاج.

عاشرها: الدلالة عليه في العبادات مطلقا و في المعاملات إن كان مقتضى الصحّة منحصرا في ما يفيد الحلّية.

حادي عاشرها: الدلالة عليه في العبادات شرعا خاصة عزاه ذلك الى أكثر الأصحاب.

و يدلّ على المختار: أمّا على عدم دلالة النهي الغيري على الفساد في العبادات، فبما عرفت الوجه فيه إلّا فيما مرّ من الصورة المتقدمة نظرا إلى امتناع مجامعة النهي للأمر على الوجه المذكور.

و أمّا على عدم دلالته على الفساد في المعاملات، فلوضوح عدم المنافاة عقلا بين التحريم و ترتّب الآثار و لا عرفا و شرعا فيما إذا كان المنع حاصلا لأجل الغير.

و أمّا على دلالة النهي النفسي المتعلّق بالعبادات على الفساد إذا تعلّق بذات العبادة أو جزئها فلوجوه:

أحدها: وضوح المنافاة بين الأمر و النهي و الرجحانيّة و المرجوحيّة، فإذا تعلّق به النهي قضى بارتفاع الأمر، و معه يرتفع الصحّة عن العبادة، إذ الصحّة في العبادة بمعنى موافقة الأمر أو كونها بحيث يحصل بها الانقياد و الإطاعة فيها و هو فرع الأمر، و لا فرق حينئذ بين أن يتعلّق النهي بها لذاتها أو لأمر خارج عنها متّحد معها و إن كان الحال أوضح في الصورة الاولى، لوضوح أنّ ما ذكرناه من ارتفاع الأمر فرع تعلّق النهي بها و هو حاصل في الصورتين.

127

فإن قلت: إنّ النهي في الصورة الثانية إنّما يتعلّق حقيقة بالخارج و إنّما يتعلّق بالعبادة من جهة اتحاده معها، فإذا لوحظت تلك العبادة بذاتها لم يتحقّق مرجوحيّة بالنسبة إليها لينافي صحّتها.

قلت: المفروض في المقام تعلّق النهي بذات العبادة، غاية الأمر أن لا يكون النهي معلّلا بنفس الذات، و المانع من تعلّق الأمر هو تعلّق النهي بالذات لا تعليل النهي بها. و ما ذكر من تعلّق النهي حقيقة بالخارج فاسد، إذ الحيثيّة المأخوذة هنا تعليليّة لا تقييديّة. فالنهي متعلّق بنفس العبادة، على أنّك قد عرفت أنّه مع تعلّق النهي أوّلا بالخارج يرجع الأمر إلى تعلّقه بالعبادة و لو من جهة اتّحادهما بحسب الوجود، و إلّا لم يندرج في موضوع النزاع، إذ محلّ البحث إذا تعلّق النهي بالعبادة، و لو لا ذلك لرجع إلى البحث في المسألة السابقة- حسب ما تخيّله القائل بجواز الاجتماع- على أنّك قد عرفت أنّ الحقّ هناك هو المنع من الاجتماع و إرجاع الأمر في الطلبين إلى جهة الوجود. فعند التحقيق يرجع الأمر فيها إلى تعلّق النهي بالعبادة و إن لم يلتزمه القائل بالجواز حيث توهّم تعلّق كلّ من الأمر و النهي بطبيعة غير ما تعلّق به الآخر.

فإن قلت: إنّ أقصى ما يدلّ عليه الوجه المذكور- على فرض تسليمه- دلالة النهي المتعلّق بذات العبادة على الفساد دون المتعلّق بجزئها، إذ لا يتعلّق الأمر هناك إلّا بالكلّ دون كلّ من الأجزاء سيّما على القول بعدم وجوب المقدّمة، فغاية ما يلزم من تعلّق النهي بجزء العبادة عدم تعلّق الأمر بذلك الجزء، و هو لا يستدعي فساد الكلّ، إذ لا يتوقّف صحّة الكلّ على تعلّق الأمر بالأجزاء و إنّما يتوقّف على تعلّقه بالكل.

قلت: من البيّن أنّه إذا تعلّق الأمر بالكلّ كان كلّ من الأجزاء مطلوبا بمطلوبيّة الكلّ واجبا بوجوبه- سواء قلنا بوجوب المقدّمة أو لا، حسب ما مرّ بيانه عند الكلام في مقدّمة الواجب- و هو لا يجامع تحريمه بنفسه من جهة تعلّق النهي به، فمع فرض حرمة الجزء لا يعقل تعلّق الوجوب بالكلّ، فإنّه إمّا أن يقال: حينئذ

128

بكون المطلوب هو نفس الأجزاء خاصّة فيلزم خروج الجزء بعد تعلّق الوجوب بالكلّ عن الجزئية و هو خلف، و إمّا أن يقال بكون المطلوب هو الإتيان بالجميع و إن يكن كلّ منهما مطلوبا مستقلّا فهو لا يجامع حرمة البعض و المنع من الإتيان به، و مع الغضّ عن ذلك فلا ريب في استلزام الكلّ لجزئه و عدم انفكاكه عنه، فإذا فرض كون اللازم حراما امتنع الأمر بالملزوم لما عرفت من استحالة تعلّق كلّ من الأمر و النهي بالمتلازمين نظرا إلى استحالة التكليف بالمحال.

ثانيها: صريح فهم العرف في المقام، فإنّه إذا قال للمكلّفين «صلّوا و للحائض لا تصلّي» فهم التخصيص و خروج الحائض عن متعلّق الأمر، و كذا لو أمر بالصلاة المشتملة على السورة ثمّ قال: و لا يقرأ سور العزائم في الصلاة دلّ على كون المطلوب هو الصلاة الّتي لا يؤتى فيها بتلك السور و هكذا، فإذا خرج ذلك عن متعلّق الأمر في حكم العرف لزمه فساد العمل.

فإن قلت: غاية ما يفهم من العبارة المذكورة عدم كون الصلاة الّتي يقرأ أحد العزائم مكان السورة الواجبة فيها مطلوبا للشارع، فيكون النهي المتعلّق بقراءة العزيمة دالّا على عدم الاجتزاء بها في الصلاة، لا أنّ الصلاة المشتملة عليها فاسدة و إن أتى فيها بسورة اخرى حتّى يكون النهي المتعلّق به قاضيا بفساد العبادة.

قلت: المقصود في المقام من دلالة النهي المتعلّق بجزء العبادة على فسادها هو ما لو جعل المنهيّ عنه جزءا للعبادة و أتى به مكان الجزء المطلوب، كما في الصورة المفروضة. و أمّا لو تعلّق النهي حينئذ بالجزء مطلقا من غير أن يكون هناك ما يؤتى به مكانه، فإنّه يقضي بفساد أصل العبادة، كما إذا طرءه مرض في آخر النهار يضرّ معه الصوم لنهيه حينئذ عن الإمساك، فإذا صام على الوجه المذكور فسد صومه- حسب ما بيّناه- و أمّا إذا تعلّق النهي ببعض أجزاء العبادة مع التمكّن من إتيان الجزء على الوجه الغير المنهيّ عنه فأتى به على الوجهين لم يفد ما ذكرناه من دلالة النهي على الفساد على فسادها في المقام، و ذلك يشبه ما لو تعلّق النهي بأمر خارج عن العبادة الحاصلة على الوجه المطلوب كالإتيان بفعل منهيّ عنه في أثنائها.

129

توضيح ذلك: أنّ النهي المتعلّق بالجزء على الوجه المذكور يخرج الجزء المذكور من كونه جزءا للعبادة و قد خرج عن الجزئيّة بتعلّق النهي.

ثالثها: أنّه إذا تعلّق النهي بالعبادة فلابدّ هناك من مصلحة قاضية به فإن فرض تعلّق الأمر به أيضا لزم هناك من وجود مصلحة قاضية بذلك أيضا، فإمّا أن يتساوى المصلحتان أو يترجّح مصلحة الأمر أو النهي، لا سبيل إلّا إلى الثالث، إذ لا يمكن تعلّق النهي بالعبادة إلّا مع البناء عليه. و حينئذ فلا سبيل إلى تعلّق الأمر به، لاضمحلال مصلحة الأمر بالنسبة إلى مصلحة النهي، فلا يكون باعثا على الأمر و مع انتفائه يتعيّن البناء على الفساد.

و أمّا دلالته على الفساد إذا تعلّق بأمر خارج لازم لها، فلما عرفت من امتناع تعلّق الأمر و النهي بالمتلازمين. و لا فرق في اللازم بين أن يكون لازما لأصل الفعل أو لبعض من أنواعه بل و لبعض أفراده، لما عرفت من أن الفرد الملزوم للمحرّم يكون خارجا حينئذ عن مورد التكليف، فإنّ إيجاده في ضمن ذلك الفرد إذا كان مستلزما للمحرّم لم يكن ذلك الإيجاد مطلوبا للآمر، فتقيّد به الطلب المتعلّق بالطبيعة فلا يكون الإتيان به مجزيا.

و أمّا دلالته على الفساد إذا تعلّق بأمر خارج متّحد مع الماهيّة في الوجود، فبما عرفت من امتناع اجتماع الأمر و النهي و رجوع النهي في ذلك إلى نفس العبادة و إن لم يكن لذاتها، حسب ما مرّ تفصيل القول فيه.

و أمّا دلالته على الفساد إذا تعلّق بأمر خارج لأجل العبادة سواء كان وصفا عارضا للعبادة أو أمرا مباينا مساويا لها، فلقضاء ظاهر العرف حينئذ بفهم المانعيّة و كون ذلك الأمر الخارج مخلّا بأداء المطلوب، بل و قد لا يفهم منه حرمة ذلك الفعل و إنّما يراد منه مجرّد بيان كونه مانعا عن حصول ذلك الفعل أو عن ترتّب آثاره عليه، فكما أنّ أجزاء الفعل و شرائطه يعبّر عنها بالأوامر فكذا موانعه.

و يجري ذلك في التكاليف العرفيّة أيضا إذا كان للمكلّف به أجزاء و شرائط، فإنّهم يفهمون من الأوامر المتعلّقة بخصوصيّات الأفعال الواقعة و النهي عنها اعتبار تلك‏

130

الأفعال وجودا و عدما في صحّتها. و لا فرق في ذلك بين كون ذلك الأمر الخارج شرطا في العبادة أولا، إلّا أنّ الحكم بالنسبة إلى الشرط أوضح، فإنّه قد يستفاد منه أيضا عدم حصول الشرط بذلك فيفيد الفساد.

و أمّا عدم دلالته على الفساد إذا لم يكن النهي لأجل العبادة، فبانتفاء الملازمة العقليّة و الدلالة العرفيّة. و لا فرق حينئذ بين كون المنهيّ عنه شرطا أو غيره.

فإن قلت: إذا كان المنهيّ عنه شرطا دلّ النهي عنه على عدم وجوبه و هو لا يجامع وجوب المشروط، لما عرفت من كون وجوب المقدّمة من لوازم وجوب ذيها، و حينئذ فسقوط الوجوب عن ذيها يكون قاضيا بفسادها، حسب ما مرّ (1).

و أمّا دلالته على الفساد إذا تعلّق بذات المعاملة لذاتها أو لجزئها كذلك أو بأمر خارج عنها لازم لها أو مفارق عنها لأجل تلك المعاملة شرطا كان أو غيره فلوجوه:

أحدها: أنّ ذلك هو المنساق منها بحسب الاستعمال و إن لم يكن هناك ملازمة عقليّة بين التحريم و الفساد- حسب ما قرّرناه بالنسبة إلى العبادات- إذ ليست الصحّة هنا إلّا ترتّب الأثر، و لا مانع من ترتّبه على المحرّم، إلّا أنّه لمّا كان الغرض الأهمّ من المعاملة هو ترتّب الأثر و كان كمالها الذاتي يتفرّع آثارها عليها كان النهي المتعلّق بها لذاتها دالّا بحسب المقام على نقصها في حدّ ذاتها و عدم كونها مثمرة للثمرة المقصودة منها- كما يظهر ذلك من التأمّل في المقام- بل لا يبعد استفادة ذلك من النواهي الواردة في العرف أيضا من الموالي بالنسبة إلى العبيد أو الحكّام إلى الرعيّة و نحوهم في مثل هذا المقام، فانّه لا ريب في ظهوره بملاحظة المقام في عدم ترتّب الآثار المطلوبة من تلك الأفعال، بل ليس المقصود من تلك النواهي غالبا إلّا بيان ذلك، فإيرادها في صورة الطلب إنّما هو لبيان ذلك لا لإرادة التحريم، و لا يبعد القول في كثير من النواهي الشرعيّة بل في معظمها إلّا ما شذّ و ندر، فإنّ نهيه عن بيع الغرر و بيع الملامسة و الحصاة و نحوها إنّما يراد به بيان‏

____________

(1) لم يرد في النسخ جواب إن قلت.

131

فساد تلك البيوع، لا أنّ الإتيان بها من المحرّمات في الشريعة بحسب ذاتها مع قطع النظر عن حصول التفريع بها كما هو قضيّة ظاهر النهي مضافا إلى أنّ التفريع غير حاصل في جميع الصور.

الثاني: أنّ العلماء خلفا عن سلف لم يزالوا يستدلّون بالنواهي على الفساد و يستندون إليها في أبواب البيوع و الأنكحة و غيرهما من مباحث المعاملات إذا تعلّق النهي بها على أحد الوجوه المذكورة، يظهر ذلك من ملاحظة كتب الاستدلال في المباحث المتفرّقة دون ما إذا تعلّق النهي بذاتها لأمر خارج عنها كالنهي عن البيع و عن النكاح في المكان المغصوب أو الذبح المتعلّق بالحيوان المغصوب أو الآلة المغصوبة أو في المكان المغصوب و نحو ذلك فلم يحكموا بالفساد في شي‏ء منها، و اورد على ذلك بوجوه:

أحدها: أنّه لا حجّة في أقوال العلماء ما لم يصل إلى حدّ الإجماع، و دعوى وصوله في المقام إلى ذلك في حيّز المنع بل الظاهر خلافه، حيث إنّ الخلاف و التشاجر في المسألة من الامور الظاهرة الجليّة.

ثانيها: أنّ احتجاج العلماء بالنواهي على الفساد في أبواب المعاملات معارض بتصريحهم بعدم دلالة النهي على الفساد حيث اشتهر في ألسنتهم عدم دلالة النهي في المعاملات على الفساد، و إذا كان الحال على ذلك لم يصحّ الحكم بدلالتها على الفساد بمجرّد حكمهم بفساد عدّة من المعاملات الّتي ورد النهي عنها، إذ قد يكون ذلك من جهة قيام ضرورة أو إجماع أو دليل آخر على الفساد ليصحّ به الجمع بين الأمرين المذكورين.

ثالثها: أنّه قد يكون استناد الفقهاء في حكمهم بفساد المعاملات المفروضة إلى الأصل بعد انحصار دليل الصحّة فيما دلّ على حلّ نوع تلك المعاملة أو الأمر بإيقاعها و نحوهما، إذ بعد النهي عن خصوص بعض أقسامها لا يندرج ذلك فيما يفيد الصحّة لثبوت المنع منه، و قضيّة الأصل حينئذ هو الحكم بالفساد فلا يفيد ذلك دلالة النهي على الفساد كما هو المدّعى.

132

و يدفع الأوّل: أوّلا بأنّه لا حاجة إلى إثبات الإجماع عليه، فإنّ المسألة من مباحث الألفاظ و يكتفى فيها بالظنّ.

و من البيّن أنّ اشتهار ذلك في كلامهم خصوصا عند القدماء منهم من أقوى الأسباب على حصول الظنّ بالاستفادة المذكورة، إذ يبعد جدّا استناد معظم الأصحاب في المداليل اللفظيّة إلى ما لا دلالة فيه أصلا، كيف! و لا يقصر ذلك عن الاستناد إلى كلمات أهل اللغة و الرجوع إلى سائر الأمارات الظنّية في إثبات المداليل اللفظيّة فلا مانع من الاحتجاج به مع عدم البلوغ حدّ الإجماع المفيد للقطع، إذ ليست المسألة إلّا من مباحث الألفاظ و لا حاجة فيها إلى القطع.

و ثانيا: بأنّ دعوى الإجماع في المقام غير مستبعد فالّذي يظهر من تتبع كلامهم في المباحث المتفرّقة كون الاستناد إلى ذلك معروفا في كلام القدماء من عصر الصحابة و التابعين، و قد نقله علماء الفريقين في المقام، و ذكروا أنّ الاستناد إلى النواهي في الحكم بالفساد ممّا اتفق عليه علماء الأعصار في جميع الأمصار.

و الثاني بأنّ أقصى ما يلزم من ذلك وقوع الخلاف في المسألة و عدم انعقاد الإجماع عليها.

و قد عرفت أنّه غير مناف لما هو المقصود من حصول الظنّ باستفادة الفساد إلّا أن يدّعى شهرة خلافه بينهم، و هو غير ظاهر بعد ملاحظة ما قرّرناه من حمل النواهي على الفساد. و ما يدّعى من اشتهار القول بعدم دلالة النهي في المعاملات على الفساد- على فرض تسليمه- يمكن حمله على عدم دلالة مجرّد النهي على الفساد، و هو كذلك فإنّا لا نقول بدلالة مجرّد النهي على الفساد و إنّما نستفيد الفساد من كون النهي لأجل المعاملة فيكون ذلك أمارة قاضية بذلك، مضافا إلى أنّ وجود الخلاف بل و اشتهاره لا ينافي انعقاد الإجماع الكاشف عن قول الحجّة كما هو الحال في عدّة من مسائل الاصول و كثير من مسائل الفروع و هو ظاهر.

و عن الثالث بأنّ الكلام المذكور حجّة القول بالتفصيل بين الصورتين المذكورتين كما هو المحكيّ من بعض المتأخّرين و سنقرّر ضعفه.

133

الثالث: أنّ ذلك هو المستفاد من تتبّع الأخبار فقد روي‏ (1) وجه الدلالة أنّ المراد بالتعليل المذكور انّه لم يعص بالنكاح من حيث كونه نكاحا، إذ ليس العقد المذكور محرّما لأجل كونه عقدا و إنّما المنع منه من جهة عصيان السيّد و إيقاع العقد من دون إذنه و رضاه، فهو محرّم لأمر خارج، فليس المراد من نفي عصيانه تعالى نفي عصيانه له مطلقا، لوضوح كون عصيان السيّد عصيانا له تعالى بل المقصود نفي عصيانه تعالى على الوجه المذكور، كما هو واضح بعد التأمّل في الرواية، و حينئذ فالمستفاد منها أنّه لو تعلّق النهي بنفس المعاملة من حيث نفسها حتّى يتحقّق عصيانه تعالى بنفس إيقاع المعاملة كانت باطلة، و أمّا إذا لم يتعلّق بها نهي لأجل نفسها و إن تعلّق بها من جهة خارجيّة ككونها عصيانا للسيّد لم يقض ذلك بفسادها، فحينئذ ينطبق ذلك على ما اخترناه من أنّ النهي إن تعلّق بالمعاملة إمّا بنفسها أو بجزئها أو بأمر خارج عنها لازم لها أو مفارق لأجل المعاملة كان قاضيا بفسادها، لكون الإتيان بالعقد المفروض حينئذ مخالفة له تعالى و أمّا إذا تعلّق النهي بها على أحد الوجوه المذكورة لكن لا لأجل المعاملة بل من جهة خارجيّة لم يقض ذلك بالفساد.

و قد يورد عليه بوجوه:

أحدها: أنّ المستفاد من التعليل المذكور أنّه لو كان تحريم المعاملة من جهة منعه تعالى و حصول عصيانه تعالى ابتداء من جهة الإتيان بها كان ذلك قاضيا بفسادها سواء كان ذلك لأجل المعاملة أو لغيرها و أمّا إن كان تحريمها لا من جهة منعه تعالى ابتداء ... (2).

____________

(1) الرواية هكذا: ما رواه ثقة الإسلام الكليني و شيخ الطائفة في التهذيب في الحسن- بابراهيم بن هاشم- و رئيس المحدّثين الصدوق فيمن لا يحضره الفقيه في الموثّق- بعبد اللّه بن بكير- عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: سألته عن مملوك تزوّج بغير إذن سيّده؟ فقال ذاك إلى سيّده إن شاء أجازه و إن شاء فرّق بينهما، قلت: أصلحك اللّه إنّ الحكم بن عتيبة و ابراهيم النخعي و أصحابهما يقولون: إنّ أصل النكاح فاسد و لا يحلّ له إجازة السيّد له فقال أبو جعفر (عليه السّلام): إنّه لم يعص اللّه بل عصى سيّده فإذا أجاز فهو له جائز. (هامش المطبوع)

(2) كذا.

134

حجّة التفصيل المذكور أمّا على عدم الدلالة مع عموم دليل الصحّة و شموله للمحرّم و غيره فبما مرّ من عدم المنافاة بين الصحّة و التحريم فلا معارضة بين الأمرين حتّى يحتاج إلى الجمع فلابدّ من العمل بهما معا، لعدم جواز تقييد الإطلاق و تخصيص العامّ من دون حصول المعارضة بينه و بين المقيّد و الخاصّ، و أمّا على استفادة الفساد منه مع اختصاص دليلها بالمحلّل فظاهر أيضا، لما عرفت من قضاء الأصل الأصيل في المعاملات بالفساد، و المفروض أنّ ما دلّ على الصحّة غير شامل للمحرّم فيكون النهي الدالّ على تحريمه مخرجا له عن الاندراج فيما يدلّ على صحّة تلك المعاملة و ترتّب الأثر عليه فيتعيّن الحكم بفساده أخذا بمقتضى الأصل المذكور هذا. و لمّا كان الشأن هنا في بيان عدم شمول الإطلاقات الدالّة على صحّة جملة من المعاملات للقسمين و كون دليل الصحّة في بعضها منحصرا في المحلّل منها تصدّى المفصّل المذكور لإثبات ذلك و بين ما يدلّ على صحّة المنع و ترتّب الأثر له امور:

الأوّل: قوله تعالى‏ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ‏ (1) فإنّ من البيّن عدم شموله للبيوع المحرّمة فلابدّ بعد ثبوت التحريم في بعض أنواعه من تقييد الإطلاق المذكور.

الثاني: قوله تعالى‏ أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (2) فإنّ مقتضاه صحّة العقد الّذي يجب الوفاء به و الحرام لا يجب الوفاء به، لأنّه يعاقب على فعله فكيف يعاقب على ترك الوفاء به، فإنّ الظاهر أنّ أهل العرف يفهمون التنافي بين هذين.

الثالث: قوله تعالى و الكلام فيه نظير الكلام في الآية السابقة.

الرابع: قوله تعالى‏ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ‏ (3) استثنى التجارة عمّا نهى عنه من أكل أموال الناس فمعناه انتفاء التحريم بالنسبة إلى التجارة فهو نصّ صريح في الحكم بالحليّة، و بما ذكر يرتفع ما يتوهّم من التناقض في كلام الفقهاء فإنّ الموضع الّذي يستدلّون به على الفساد هو الموضع الّذي يكون مقتضى الصحّة

____________

(1) سورة البقرة: 275.

(2) سورة المائدة: 1.

(3) سورة النساء: 29.

135

منحصرا في نحو ما ذكر، و ما يحكم فيه بعدم الدلالة على الفساد هو غير ذلك ممّا يعمّ فيه دليل الصحّة، أو أنّ مقصودهم من ذلك عدم دلالة النهي بنفسه على الفساد و إنّما يأتي الفساد فيما ذكر من جهة الأصل لاختصاص دليل الصحّة لا من جهة النهي.

و الجواب أمّا عن عدم المنافاة بين الصحّة و التحريم فبأنّه كذلك إلّا أنّ هناك فرقا بين النهي المتعلّق لأجل المعاملة و المتعلّق بها لأمر خارج- حسب ما بيّناه- بل قد عرفت أنّ استفادة التحريم من الأوّل محلّ تأمّل فالمنافاة بينهما على ما قرّرناه ظاهرة لابدّ من تقييد ما دلّ على الصحّة بذلك. و أمّا عمّا ذكر «من استفادة الفساد مع اختصاص دليل الصحّة بالمحلّل» فبأنّ استفادة الفساد منه حينئذ من جهة الأصل ممّا لا تأمّل فيه إلّا أنّ الشأن في بيان اختصاص أدلّة الصحّة- حسب ما ذكر- فبأنّ أقصى ما يسلّم عدم شمول الآية الاولى للبيوع المحرّمة. و أمّا عن آيات المتاجر فما ذكر من الوجه «في اختصاصها بالمحلّل» غير متّجه، أمّا الاولى منها فلأنّ مدلول الآية الشريفة وجوب الوفاء بمقتضى العقود، و غاية ما دلّ عليه النهي هو حرمة نفس العقود و لا منافاة بين الأمرين بالذات لوضوح اختلاف متعلّق التحريم و الحلّ و لا بالالتزام، فإنّه إنّما يتحقّق المنافاة إذا قلنا باستلزام حرمة العقد لحرمة الوفاء بمقتضاه- أعني الفساد- فإنّه ينافي ما يستفاد من الحلّ إلّا أنّ ذلك أوّل الدعوى، و مبنى كلام القائل على عدم المنافاة بينهما- حسب ما صرّح به في القسم الأوّل- و الظاهر أنّ قوله «فإنّ الظاهر أنّ أهل العرف يفهمون التنافي» رجوع عن حصول المنافاة العقليّة- حسب ما يقتضيه أوّل الكلام- و استناد إلى التنافي العرفي.

و أنت خبير: بأنّ المنافاة العرفيّة إنّما يتمّ على ما ذكرناه من دلالة النهي عن المعاملة على الوجه الّذي قرّرناه على الفساد عرفا، فإنّه لمّا كان مفاد النهي هنا الفساد ظهر المنافاة بين الحكمين في فهم العرف فهو حينئذ رجوع إلى ما قلناه.

و منه يظهر الكلام في الآية الثانية. و أمّا الآية الأخيرة فبأنّ استثناء أكل المال على‏

136

سبيل التجارة من الأكل المنهيّ إنّما يفيد عدم تعلّق النهي بالأكل المفروض، و عدم تحريمه القاضي بحصول الانتقال و هو لا يقضي بجواز التجارة الواقعة و إباحتها، إلّا أن يقال: إنّ جواز التصرّف في المال الحاصل بواسطتها يفيد بحسب العرف إباحتها أيضا، و هو لا يجامع القول بعدم دلالة النهي على الفساد، لوضوح بطلان القول بحرمة المعاملة و ترتّب الأثر عليه و جواز التصرّف في المال، فيكون البناء على ذلك أيضا مبنيّا على دلالة النهي على الفساد كما هو المدّعى. و ينبغي تتميم الكلام في المرام بذكر امور:

أحدها: أنّ ما عنونوه من البحث إنّما هو في غير النهي الّذي يراد به الكراهة و أمّا النهي المستعمل في الكراهة فظاهر أنّه لا يفيد الفساد في المعاملات، لما هو واضح من عدم المنافاة بين الكراهة و الصحّة، و بعد استعماله في الكراهة لا دلالة فيها على الفساد من جهة المقام أيضا، بل ربما يشير إلى الصحّة لإفادة الجواز الظاهر في الصحّة. و أمّا بالنسبة إلى العبادات فقد يقال بإفادته الفساد، لما تقرّر من اعتبار الرجحان في العبادة فالمرجوحيّة المدلول للنهي المفروضة يناقض الرجحان المعتبر في مفهومها فيجي‏ء الفساد من تلك الجهة، لكن الّذي يقتضيه النظر في المقام أنّ النهي المفروض إمّا أن يكون متعلّقا بالعبادة أو بجزئها أو بشرطها أو بغيره من الامور الخارجة عنها المتّحد بها أو غيرها، و على كلّ حال فإمّا أن يكون متعلّقا بها لأجل العبادة أو لا ثمّ المتعلّق بالعبادة إمّا أن يكون متعلّقا بها لذاتها أو لوصفها فإن تعلّق النهي بذات العبادة لذاتها اتّجه القول بفسادها و خروجها عن مفهوم العبادة و إن تعلّق بها لوصفها.

و الثاني: أنّك قد عرفت أنّ دلالة النهي في العبادة على الفساد إنّما هو من جهة قضاء النهي بارتفاع الأمر لاستحالة كون شي‏ء واحد مأمورا به و منهيّا عنه فإذا انتفى عنه الأمر قضى بفساده، إذ الصحّة فيه موافقة الأمر حسب ما مرّ فإذا كان الحال على وجه يجوز حصول التكليف بالمحال كما إذا كان ذلك بسوء اختيار المكلّف بناءا على جواز التكليف بالمحال حينئذ كما إذا توسّط المكان المغصوب،

137

فإنّه إذن مأمور بالخروج منهيّ عن التصرّف بالخروج أيضا، بل لا مانع حينئذ من تعلّق الأمر به على وجه كونه عبادة أيضا، إن لم تكن الجهة عبادة.

لا فرق في دلالة النهي على الفساد بين النهي النفسي و الغيري و الأصلي و التبعي، إذ الجهة المذكورة للدلالة عقليّة لا يختلف الحال فيها بين الوجوه المذكورة، لكن ذلك إنّما يتمّ في التكليفين المستقلّين، أمّا لو كان أحد التكليفين مترتّبا على الآخر أمكن اجتماع الأمر المترتّب مع النهي الغيري إذا كان التكليف بالأوّل مترتّبا على عصيان الثاني- حسب ما فصّلنا القول فيه في بحث اقتضاء الأمر بالشي‏ء للنهي عن ضدّه في الواجبين المضيّقين و الموسّع المعارض للمضيّق و المندوب- فإذا كان أحدهما أهمّ من الآخر صحّ المعارض للواجب، فإنّ غير الأهمّ في الأوّل منهيّ عنه من جهة الإيصال إلى الأهمّ و كذا الموسّع أو المندوب بالنسبة إلى الواجب المضيّق. و لا مانع من كونه مأمورا به على فرض العصيان بالآخر، إذ لا مانع من الأمر بالضدّين على سبيل الترتيب فلا مانع من اجتماع الأمر و النهي في الواجب المذكور فلا يكون النهي المفروض قاضيا بارتفاع الأمر كذلك، و لا فرق بين كون النهي الغيري حينئذ أصليّا أو تبعيّا، إذ المناقضة بينهما عقلية لا لفظيّة فإذا ارتفعت جاز في الصورتين و لا يجري ذلك بالنسبة إلى النهي النفسي، فإنّ حرمة الشي‏ء في نفسه لا يجامع وجوبه كذلك و لو على سبيل الترتّب.

نعم يصحّ ترتّب الوجوب على التحريم لكن بعد حصول الوجوب بحصول المترتّب عليه يرتفع عنه التحريم فيخرج عن مورد النهي، و الفرق بين النفسي و الغيري في ذلك مع اشتراكهما في مطلوبيّة الترك أنّ المنهيّ عنه لنفسه يكون تركه مطلوبا كذلك فلا يجامع ذلك فعله لا لنفسه و لا لغيره، و لا يعقل الترتّب المسوّغ في المقام إذ لا يمكن ترتّب وجوب الشي‏ء على وجوده، و أمّا لو كان التحريم غيريّا كان التحريم المتعلّق به إنّما هو لأجل الغير فإذا فرض عصيانه و تركه لذلك الغير صحّ الأمر بذلك المنهي عنه، فإنّه إنّما لا يصحّ الأمر به من جهة استحالة اجتماع الأمر بالضدّين و هو إنّما يتمّ إذا كان في مرتبة واحدة لا مرتبتين، و لا يرتفع عنه‏

138

التحريم حينئذ لظهور أنّ عصيان الأمر لا يقضي بسقوط التكليف مع بقاء التمكّن منه، فهو في حال كونه مأمورا به منهيّ عنه أيضا من جهة الأداء إلى الآخر و لا يحكم بعصيانه في تلك الحال.

فإن قلت: إنّ تحريم ذلك الفعل حينئذ إنّما هو من حيث أدائه إلى ترك الواجب فإذا فرض ترك المكلّف له و عدم أداء هذا الترك إليه لم يتّصف بالتحريم، لوضوح عدم تحريم ذلك في نفسه و إنّما كان تحريمه لأداء تركه إلى فعل الواجب، فإذا علم عدم حصول الأداء فلا تحريم له، و حينئذ يصحّ اتّصافه بالوجوب فهو متّصف بالتحريم على تقدير و حينئذ لا يتصف بالوجوب، و إنّما يتّصف بالوجوب على تقدير آخر و لا يتّصف حينئذ بالتحريم، فلا تعلّق للنهي بما هو واجب حتّى يقضى فعله. ألا ترى أنّه قد يكون الشي‏ء حراما في نفسه واجبا لغيره، كالدخول في دار الغير بغير إذنه، فإنّه محرّم في نفسه لكن لو توقّف حفظ النفس عليه وجب ذلك، غير أنّ وجوبه من الجهة المذكورة يرفع التحريم لكن من تلك الجهة خاصّة لا مطلقا، فإذا دخله حينئذ لا لأجل حفظ النفس كان ما أتى به محرّما صرفا و إن كان الإتيان به لأجل الحفظ واجبا، فكذا الحال في المقام فيكون ترك ذلك الفعل المؤدّي إلى الواجب الآخر واجبا و يكون فعله حينئذ حراما، و لا يكون تركه الغير المؤدّي إلى ذلك الواجب واجبا فلا يكون فعله حراما، فلا مانع من اتّصافه بالوجوب.

قلت: لا يخفى أنّ تركه الّذي لا يؤدّي إلى فعل الآخر واجب أيضا لوجوب ذلك الواجب بالفعل و وجوب ذلك الترك للأداء إليه، لوضوح أنّ عصيان الأمر لا يقتضي سقوطه.

غاية الأمر: عدم وجوب ذلك الترك في نفسه و من حيث إنّه لا يؤدّي إلى فعل ذلك الواجب، فعدم أدائه بالفعل مع إمكان كونه مؤدّيا لا يسقط عنه الوجوب من حيث الأداء، فغاية الأمر أن لا يجعله المكلّف مؤدّيا إلى فعل الآخر فذلك الترك حين كونه غير مؤدّ إلى الواجب واجب من حيث أدائه إليه، فما يقتضيه الحيثيّة

139

الملحوظة أن لا يكون في تلك الحال واجبا إلّا من جهة الأداء سواء تحقّق به الأداء أو لا، و ذلك لا يقضي بعدم وجوب الترك الغير المؤدّى مطلقا، و إنّما يقضي بعدم وجوبه من حيث إنّه لا يؤدّي، فلا ينافي وجوبه من حيث الأداء و إن لم يؤدّه المكلّف إليه لعدم سقوط الوجوب بعدم إتيان الواجب، فالفرق بينه و بين المثال المذكور ظاهر حيث إنّ الدخول في دار الغير بغير إذنه محرّم، و لا يستثنى منه إلّا الدخول المؤدّى إلى الواجب المفروض فغيره يندرج في الحرام. فما تحقّق به الإيصال أو كان ملحوظ الداخل إيصاله إليه و إن لم يتحقّق به الإيصال لطروّ مانع بعد ذلك متّصف بالوجوب، فيكون الإتيان به لا لأجل ذلك محرّما غير مستثنى من التحريم.

فإن قلت: إنّه قد يكون الدخول لأجل أداء ذلك الواجب واجبا، لكون الدخول مقدّمة له فيكون ذلك واجبا من حيث الأداء إليه- كما هو المفروض في محلّ البحث- و حينئذ لو أتى بذلك لا لأجل الأداء إليه كان محرّما قطعا؛ فظهر بذلك أنّ الواجب في المقام هو الدخول المؤدّي من حيث أدائه فالواجب في المقام أيضا هو الترك المؤدّي من حيث الأداء لا مطلقا من غير فرق بين المقامين.

فيظهر بذلك كون الواجب هو الفعل الموصل على حسب ما مرّ القول فيه.

قلت: الفرق بين الصورة المذكورة و ما هو المفروض في المقام ظاهر حيث إنّ الحكم هنا على عكس ما ذكرنا من المثال، فإنّ المفروض في المقام كون الفعل واجبا في نفسه محرّما من حيث أداء تركه إلى الواجب، و يكون الترتيب هناك بين وجوب الأهمّ و تحريم غير الأهمّ من جهة أداء تركه إلى الفعل الأهمّ، و هنا إنّما يتعيّن عليه الواجب الأهمّ من الحرام و يكون ذلك الحرام واجبا من جهة الأداء إليه و يكون محرّما مطلوبا تركه على تقدير ترك ذلك الأهمّ، فيكون تحريمه مترتّبا على ترك ذلك الأهمّ فهو حين ترك الأهمّ وجب عليه ترك مقدّمته المفروضة من حيث ترتّب تحريمه على ترك ذلك الواجب، فيكون ذلك الترك حراما واجبا من حيث الأداء إلى الواجب، و لا مانع من اجتماعهما من جهة الترتّب على عكس‏

140

المفروض في المقام و لا دلالة في ذلك على كون الحرام بعد الواجب، بل اجتمع الأمران على سبيل الترتّب المفروض فذلك الترك حينئذ واجب و إن كان محرّما من حيث كونه مانعا عن أداء الواجب. فظهر بذلك جواز اجتماع الوجوب الغيري و الحرمة النفسيّة أيضا على وجه الترتيب على الوجه المذكور كما أنّه يجوز اجتماع الوجوب النفسي و الحرمة الغيريّة على ذلك الوجه فتأمّل في المقام، فإنّه من مزالّ الأقدام.

***

141

معالم الدين:

المطلب الثالث في العموم و الخصوص‏

و فيه فصول:

الفصل الأوّل في الكلام على ألفاظ العموم‏

أصل‏

الحقّ: أنّ للعموم في لغة العرب صيغة تخصّه. و هو اختيار الشيخ، و المحقّق، و العلّامة، و جمهور المحقّقين. و قال السيّد (رحمه اللّه) و جماعة: إنّه ليس له لفظ موضوع إذا استعمل في غيره كان مجازا، بل كلّ ما يدّعى من ذلك مشترك بين الخصوص و العموم. و نصّ السيّد على أنّ تلك الصيغ نقلت في عرف الشرع إلى العموم، كقوله بنقل صيغة الأمر في العرف الشرعيّ إلى الوجوب. و ذهب قوم إلى أنّ جميع الصيغ الّتي يدّعى وضعها للعموم حقيقة في الخصوص، و إنّما يستعمل في العموم مجازا.

142

لنا: أنّ السيّد إذا قال لعبده: «لا تضرب أحدا» فهم من اللفظ العموم عرفا، حتّى لو ضرب واحدا عدّ مخالفا. و التبادر دليل الحقيقة؛ فيكون كذلك لغة؛ لأصالة عدم النقل، كما مرّ مرارا. فالنكرة في سياق النفي للعموم لا غير، حقيقة، و هو المطلوب.

و أيضا، لو كان نحو: «كلّ» و «جميع» من الألفاظ المدّعى عمومها، مشتركة بين العموم و الخصوص، لكان قول القائل: «رأيت الناس كلّهم أجمعين» مؤكّدا للأشتباه، و ذلك باطل بيان الملازمة: أنّ «كلا» و «أجمعين» مشتركة عند القائل باشتراك الصيغ، و اللفظ الدالّ على شي‏ء يتأكّد بتكريره؛ فيلزم أن يكون الالتباس متأكّدا عند التكرير. و امّا بطلان اللازم؛ فلأنّا نعلم ضرورة أنّ مقاصد أهل اللغة في ذلك تكثير الإيضاح و إزالة الاشتباه.

احتجّ القائلون بالاشتراك بوجهين.

الاوّل: أنّ الألفاظ التي يدّعى وضعها للعموم تستعمل فيه تارة و في الخصوص اخرى. بل استعمالها في الخصوص أكثر، و ظاهر استعمال اللفظ في شيئين أنّه حقيقة فيهما. و قد سبق مثله.

الثاني: أنّها لو كانت للعموم، لعلم ذلك إمّا بالعقل، و هو محال؛ إذ لا مجال للعقل بمجرّده في الوضع؛ و إمّا بالنقل، و الآحاد منه لا تفيد اليقين. و لو كان متواترا لاستوى الكلّ فيه.

و الجواب عن الأوّل: أنّ مطلق الاستعمال أعمّ من الحقيقة و المجاز، و العموم هو المتبادر عند الإطلاق. و ذلك آية الحقيقة؛ فيكون في الخصوص مجازا، إذ هو خير من الاشتراك حيث لا دليل عليه.

و عن الثاني: منع الحصر فيما ذكر من الأوجه؛ فانّ تبادر المعنى‏

143

من اللّفظ عند إطلاقه دليل على كونه موضوعا له، و قد بيّنا أنّ المتبادر هو العموم.

حجّة من ذهب إلى أنّ جميع الصيغ حقيقة في الخصوص: أنّ الخصوص متيقّن؛ لأنّها إن كانت له فمراد، و إن كانت للعموم فداخل في المراد، و على التقديرين، يلزم ثبوته. بخلاف العموم، فانّه مشكوك فيه؛ إذ ربّما يكون للخصوص؛ فلا يكون العموم مرادا، و لا داخلا فيه؛ فجعله حقيقة في الخصوص المتيقّن أولى من جعله للعموم المشكوك فيه.

و أيضا: اشتهر في الألسن حتّى صار مثلا أنّه: «ما من عامّ إلّا و قد خصّ منه»، و هو وارد على سبيل المبالغة و إلحاق القليل بالعدم.

و الظاهر يقتضي كونه حقيقة في الأغلب مجازا في الأقلّ، تقليلا للمجاز.

و الجواب: أمّا عن الوجه الأوّل، فبأنّه إثبات اللّغة بالترجيح، و هو غير جائز على أنّه معارض بأنّ العموم أحوط؛ إذ من المحتمل أن يكون هو مقصود المتكلّم؛ فلو حمل اللّفظ على الخصوص لضاع غيره ممّا يدخل في العموم. و هذا لا يخلو من نظر.

و أمّا عن الأخير، فبأنّ احتياج خروج البعض عنها إلى التخصيص بمخصّص ظاهر في أنّها للعموم. على أنّ ظهور كونها حقيقة في الأغلب، إنّما يكون عند عدم الدليل على أنّها حقيقة في الأقلّ، و قد بيّنا قيام الدليل عليه. هذا، مع ما في التمسّك بمثل هذه الشهرة، من الوهن.

144

[تعريف العامّ‏]

قوله: (في العموم و الخصوص.)

لمّا كان العموم و الخصوص من عوارض الأدلّة و كان متعلّقا بمباحث الألفاظ كما مرّ في بحث الأوامر و النواهي، عقّبوا البحث فيهما بالبحث عن العامّ و الخاصّ، و هو أيضا من المشتركات بين الكتاب و السنّة إلّا أنّه قد يجري في غيرهما أيضا في الجملة. و كيف كان فالاولى أوّلا تقديم تعريف العامّ و الخاصّ ثمّ الشروع في مباحث الباب. و قد اختلفوا في تعريف العامّ و عرّفوه على وجوه شتّى و ذكروا له حدودا مختلفة، و ليس ذلك مبنيّا على الاختلاف في المحدود، بل إنّما هو من جهة المناقشة فيما يرد على الحدود. فاختار كلّ منهم حدّا على حسب ما استجوده:

أحدها: ما حكي عن أبي الحسين البصري و اختاره جماعة و إن اختلفوا في زيادة بعض القيود «من أنّه اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له» و يرد عليه امور:

منها: أنّ أخذ المستغرق في الحدّ يوجب الدور، إذ هو مرادف للعامّ، نعم لو كان التعريف لفظيّا جاز ذلك لكنّه غير مقصود في المقام، إذ المراد به كشف الحقيقة. و ضعفه ظاهر، لمنع المرادفة بين العموم و الاستغراق، و مع تسليمه فليس مرادفا للعموم بالمعنى المحدود غاية الأمر أن يكون مرادفا للعموم اللغوي.

و منها: أنّه إن اريد ممّا يصلح له الجزئيّات الّتي وضع اللفظ لما يعمّها و يصدق عليها- كما هو الظاهر من العبارة- لم يكن جامعا، لخروج الجمع المحلّى باللام و المضاف من الحدّ، فإنّ المنساق منهما على المشهور المنصور هو استغراق كلّ من الآحاد دون المجموع و ليس ذلك من جزئيّات الجمع و إنّما هو من أجزائه.

و إن اريد به الأجزاء الّتي تصلح اللفظ للإطلاق عليها أجمع لم ينطبق على المحدود، إذ لا يصدق ذلك على كثير من العمومات، فإنّ عمومها من جهة استغراقها الجزئيّات دون الأجزاء، مضافا إلى عدم كونه مانعا، لشموله لسائر الألفاظ الموضوعة بإزاء المعاني المركّبة- كأسماء العدد- بل الأعلام الشخصيّة، بل و يندرج فيه المركّبات نحو ضرب زيد عمرا فإنّ المأخوذ في الحدّ مطلق اللفظ الشامل للمفرد و المركّب مع عدم صدق العامّ على شي‏ء منها.

145

و منها: أنّه إن اريد بما يصلح له إطلاق اللفظ عليه سواء كان على سبيل الحقيقة أو المجاز لزم خروج معظم الألفاظ العامّة، لعدم كونها مستغرقة لمعانيها الحقيقيّة و المجازيّة معا. و إن اريد به ما يصلح إطلاق اللفظ عليه حقيقة خرج عنه نحو رأيت كلّ أسد يرمي، مع أنّه يندرج في العامّ. و يمكن دفعه بأنّ المراد ما يستغرق جميع ما يصلح له بالنظر إلى المفهوم الّذي اريد منه، فإن كان ذلك المفهوم حقيقيّا أو مجازيّا كان الاستغراق بالنسبة إليه ملحوظا.

و منها: أنّه إن كان المراد باستغراقه لجميع ما يصلح له استغراقه له وضعا لزم خروج جملة من العمومات من الحدّ- كالنكرة في سياق النفي و الجمع المحلّى باللام و غيرهما- حسب ما يبيّن الحال فيها إن شاء اللّه، بل نقول بجريان الإشكال في غيرهما أيضا، فإنّ لفظ الرجل في قولك «كلّ رجل عادل» إن عدّ عامّا غير مستغرق لجميع جزئيّاته وضعا، و إن عدّ لفظة كلّ عامّا- كما يستفاد من ظاهر كلماتهم حيث عدّوا لفظ كلّ و جميع و نحوهما من ألفاظ العموم- فهي غير مستغرقة لجميع جزئيّاتها، إذ ليس كلّ من الآحاد من جزئيّات المفهوم الّذي وضعت بإزائه- حسب ما مرّت الإشارة إليه- في الإيراد السابق. و إن اريد مجرّد استغراقه لها و لو من جهة انضمام سائر الشواهد إليه- كدليل الحكمة و ملاحظة ترك الاستفصال و نحوهما- لزم اندراج المطلقات بل و غيرها أيضا في العموم، و ليس كذلك و لذا اعتبر بعضهم في الحدّ كون الاستغراق من جهة الوضع، حسب ما يأتي الإشارة إليه.

و منها: أنّه يندرج فيه التثنية و الجمع فإنّهما يستغرقان ما يصلحان له من الفردين أو الأفراد.

و لا يخفى وهنه، لوضوح أنّ التثنية صالحة لكلّ اثنين و ليس مستغرقا لها فغاية الأمر استغراقها لما اندرج فيه من الآحاد دون الجزئيّات.

نعم قد يشكل الحال في تثنية الأعلام بناء على الاكتفاء في بنائها على الاتّفاق في اللفظ.

146

و يدفعه- مع وهنه بفساد المبنى المذكور- أنّه ليس الاستغراق هناك بالنظر إلى الوضع الواحد بل بملاحظة الوضع المتعدّد، فلو بنى على شمول الحدّ لذلك فليس ذلك أيضا مستغرقا لجميع ما وضع له غاية الأمر أن يشتمل معنيين.

نعم لو فرض عدم وضع ذلك العلم إلّا لشخصين أمكن الإيراد بذلك، على أنّه لا يجري الإيراد بالنسبة إلى الجمع على الوجه الأوّل أيضا إلّا في جمع الأعلام على الوجه الضعيف المذكور.

نعم لو اريد به جميع الآحاد اندرج في الحدّ، و حينئذ يندرج في العامّ فلا انتقاض من جهته.

و عن قاضي القضاة اعتبار قيد آخر في الحدّ لإخراج التثنية و الجمع حيث قال «إنّه اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له في أصل اللغة من غير زيادة» و أراد بقوله من غير زيادة الاحتراز عن ذلك فإنّ الاستغراق الحاصل هناك من جهة زيادة علائم التثنية و الجمع. و فيه:- مع ضعفه بما عرفت- أنّ زيادة القيد المذكور يقتضي خروج جمع المحلّى عن الحدّ، فإنّ إفادته العموم إنّما هي من جهة ضمّ اللام إليه و كذا الحال في الجمع المضاف.

و منها: أنّه يندرج فيه المشترك إذا استعمل في جميع معانيه مع عدم اندراجه في ألفاظ العموم و لذا زاد جماعة في الحدّ منهم الرازي و العلّامة في التهذيب و الشهيد في الذكرى التقييد بوضع واحد ليخرج عنه ذلك، و ربما يحترز به أيضا عن استعمال اللفظ في حقيقته و مجازه نظرا إلى كون استعماله فيهما بملاحظة الوضع الحقيقي و الترخيصي.

و يدفعه: أنّه إن كان المشترك حينئذ مستغرقا لجميع آحاد معنييه كان مندرجا في العامّ و إلّا فلا يصدق الحدّ عليه.

ثانيها: ما حكي عن الغزالي من «أنّه اللفظ الواحد الدالّ من جهة واحدة على شيئين فصاعدا» فالتقييد بالواحد لإخراج المركّبات- كزيد قائم في الدار- الدالّ على معاني مفرداتها، و بالدالّ من جهة واحدة لإخراج المشترك، فإنّ دلالته على‏

147

المعنيين من جهة وضعين فما زاد، و بقوله على شيئين فصاعدا لإخراج سائر الألفاظ المفردة ما عدا العمومات و يرد عليه أيضا امور:

منها: أنّه يخرج عنه الجمع المضاف و الموصول بل الجمع المحلّى باللام أيضا، إذ ليس شي‏ء منها لفظا واحدا، و أيضا فقوله من جهة واحدة مغن عن ذلك فإنّ الدلالة هناك من جهة وضعين أو أوضاع متعدّدة فلا حاجة إلى التقييد به.

و قد يذبّ عن الأوّل: بأنّ العامّ في الحقيقة هو المضاف و الإضافة شرط في عمومه، و كذا العامّ هو الموصول و الصلة قيد خارج رافع لإبهام الموصول، و اللام في الجمع المحلّى بمنزلة الجزء. و قد يجاب أيضا بأنّ المراد بالواحد ما يقابل الجملة و لا شكّ أنّ الموصول مع صلته ليس بجملة تامّة بل جزء منها. و فيه:- مع ما فيه من الوهن- أنّه يلزم حينئذ اندراج المركّبات الناقصة في العامّ لاستغراقها لمعاني أجزائها، فإنّ الملحوظ في التقييد بالواحد على ما ذكر هو إخراج الجمل الدالّة على معاني مفرداتها فيبقى غيرها مندرجة في الحدّ. و عن الثاني: بأنّ إغناء القيد الآخر عن الأوّل غير مستنكر في التعريفات و إنّما المرغوب عنه عكسه.

و منها: أنّه ينتقض بالمثنّى و المجموع لدلالة الأوّل على شيئين و الثاني على أزيد منها مع عدم اندراجها في العامّ.

و قد يذبّ عن الانتقاض بالمثنّى: بأنّ المأخوذ في الحدّ دلالته على شيئين فصاعدا و المثنّى إنّما يدلّ على شيئين فقط. و أنت خبير: بأنّه مع حمل العبارة على ذلك لا وجه للتعبير المذكور بل كان ينبغي التعبير عن دلالته على الكثرة بلفظ واحد كأن يقول ما دلّ على أشياء أو امور و نحوهما.

و عن الانتقاض بالجمع: أنّه يقول بعموم الجمع المنكّر. و فيه: أنّه إنّما يقول بإفادته العموم و أمّا مع عدم إرادة العموم منه فلا ريب في عدم اندراجه في العامّ مع دخوله في الحدّ، نعم لو التزم عموميّة الجمع حينئذ مع ظهور فساده كما قد يقال بالتزامه عموميّة المثنى اندفع عنه الإيراد.

و منها: أنّه يندرج فيه أسماء العدد كعشرة و نحوها إلّا أن يلتزم أيضا بعمومها.

148

و منها: أنّه يندرج فيه العمومات المخصّصة مع عدم اندراجها في العامّ.

و منها: أنّه ينتقض بنحو قولك «كلّ مستحيل و كلّ معدوم» فإنّ كلّا منهما عامّ شامل لأفراده، مع أنّ مدلوله ليس شيئا إذ الشيئيّة تساوق الوجود.

و يدفعه: أنّ المفهوم المتصوّر شي‏ء في الذهن و إن لم يكن شيئا في الخارج، و المراد بالشي‏ء ما يعمّ الأمرين على أنّ الشيئيّة المفهوميّة يعدّ في العرف شيئا و إن لم يكن موجودا و ليس الشيئيّة منحصرة في الوجوديّة.

و منها: ما ذكره الحاجبي من «أنّه ما دلّ على مسمّيات باعتبار أمر اشتركت فيه مطلقا ضربة» فبقوله مسمّيات يخرج المفردات الّتي لا عموم فيها بالنظر إلى دلالتها على معناها الإفرادي و كذا المثنّيات بملاحظة دلالتها على التثنية، و أمّا بالنظر إلى دلالتها على آحاد كلّ منهما فبالقيد الأخير- كما سنشير إليه إن شاء اللّه- و بقوله باعتبار أمر اشتركت فيه عشرة و نحوها من أسماء العدد، فإنّ دلالتها على آحادها ليست باعتبار أمر مشترك بينهما لعدم اشتراك الأجزاء في مسمّى ذلك العدد.

و يشكل بأنّه إمّا أن يريد بالمسمّيات خصوص المسمّيات بتلك اللفظة أو مطلق المسمّيات و إن لم يكن من مسمّيات ذلك اللفظ. فعلى الأوّل يخرج أسماء العدد من التقييد بالمسمّيات إذ ليست الآحاد من مسمّيات تلك اللفظة من غير حاجة الى القيد المذكور إلّا أنّه يشكل الحال حينئذ في صدق الحدّ على ألفاظ العموم، إذ ليست الجزئيّات المندرجة تحت العامّ من مسمّيات اللفظ الموضوع للعموم، و قد يدفع ذلك بأنّ المقصود من مسمّيات تلك اللفظة ما يصحّ إطلاق ذلك اللفظ عليه و لو كان من جهة انطباقه لما وضع له اللفظ كما يدلّ عليه قوله باعتبار أمر اشتركت فيه.

و فيه: أنّه إنّما يتمّ في مثل النكرة في سياق النفي و ما دخل عليه لفظة كلّ و نحوه إذا عدّ العام خصوص مدخوله و جعل الآخر أداة للعموم، و أمّا الجمع المعرّف و المضاف و نحو كلّ و جميع فليس الحال فيها على ما ذكر. نعم لو جعل‏

149

استغراق الجمع باعتبار الجموع دون الآحاد فربما أمكن فيه ذلك إلّا انّه وجه ضعيف كما سنشير إليه إن شاء اللّه.

و على الثاني فلا يخرج من التقييد بالمسمّيات سوى المفرد الموضوع بإزاء البسيط دون الألفاظ المفردة الموضوعة بإزاء المعاني المركّبة، فإنّ لأجزائها حينئذ ألفاظا سمّيت بها و كذا الحال في مثنّياتها. و يمكن دفعه: بأنّ التعدّد غير ملحوظ في مفاهيم تلك المفردات أصلا بل لم يلحظ في أوضاعها إلّا معنى واحد و إن انحلّ ذلك إلى امور بخلاف أسماء العدد فإنّ المفهوم منها و إن كان أمرا واحدا في الاعتبار إلّا أنّ التعدّد مأخوذ في معناها و ليس اتّحادها إلّا بمجرّد الاعتبار.

و قد يقال بعدم إخراجها لأسماء العدد إذ دلالتها على كلّ من الآحاد لأمر مشترك بينهما أعني الجزئيّة من مفهومها. و قد يجاب عنه بأنّ المراد بالأمر المشترك هو مفهوم ذلك اللفظ، و الجزئيّة ليست من مفهوم أسامي الأعداد.

و فيه: أنّه خروج عن ظاهر الإطلاق فلابدّ من قيد يدلّ عليه، و خرج بقوله مطلقا المعهود إذا كان متعدّدا، فإنّه و إن دلّ على مسمّيات باعتبار أمر اشتركت فيه إلّا أنّه ليست دلالته عليها مطلقا بل مقيّدا بالمعهوديّة. و بقوله ضربة- يعني دفعة- يخرج النكرة فإنّه و إن دلّ على مسمّياته- أعني الآحاد الّتي يندرج تحته- إلّا أنّ دلالته عليها على سبيل البدليّة لا الدفعة، و كذا الحال في المثنّى بالنسبة إلى دلالته على آحاد الاثنين، فإنّ دلالته عليها على سبيل البدليّة دون الجمع. و يرد على الحدّ المذكور- مضافا إلى ما عرفت- أنّه إن اريد بالأمر المشترك المعتبر في دلالته على المسمّيات هو الكلّي الصادق على جزئيّاته لزم خروج الجمع المحلّى باللام و المضاف عن الحدّ، لعدم صدقه على الآحاد و كذا لفظة كلّ و جميع و نحوهما.

نعم قد يعدّ العامّ مدخول لفظة كلّ و نظائره و يجعل تلك الألفاظ أداة للعموم، و حينئذ فلا انتقاض إلّا أنّه مخالف لظاهر ما ذكروه و إن اريد به ما يعمّ ذلك و صدق الكلّ على أجزائه اندرج فيه الجمع المنكّر و أسماء العدد، مضافا إلى ما في الحدّ المذكور من الخفاء الغير اللائق بالحدود.

150

رابعها: ما اختاره المحقّق في المعارج من «أنّه اللفظ الدالّ على اثنين فصاعدا من غير حصر» و ينتقض بالمثنّى و الجمع المنكّر، إلّا أن يراد به الدلالة على ما يزيد على الإثنين فحينئذ يخرج عنه المثنّى، لكن يبقى السؤال في اختيار التعبير المذكور مع إمكان التعبير عن الدلالة على الكثرة بلفظ واحد- حسب ما مرّ نظيره في بعض الحدود المتقدّمة- و ينتقض أيضا بلفظ الكثير و نظائره لدلالتها على الكثرة من غير حصر، و بالعام المخصوص كأكرم العلماء إلّا زيدا.

خامسها: ما ذكره العلّامة في النهاية من «أنّه اللفظ الواحد المتناول بالفعل لما هو صالح له بالقوّة مع تعدّد موارده» و احترز بالواحد عن الجملة، و بالمتناول بالفعل عن النكرة، لصلاحيّتها بالقوّة لجميع الآحاد لكنها غير متناول لها فعلا، و باعتبار التعدّد في موارده عمّا له معنى واحد- كالأعلام الشخصيّة- و قد عدّ من ذلك الكلّيات المنحصرة في الفرد- كالشمس و القمر- و فيه تأمّل فإنّ قولك: كلّ شمس و كلّ قمر و لا شمس و لا قمر عامّ قطعا و يندرج في الحدّ. و مجرّد الأفراد الفرضيّة كاف في صدقه و إن لم يتحقّق منها في الخارج إلّا فرد واحدا و لم يوجد أصلا كما في لا شريك له.

و قد يورد على الحدّ المذكور امور:

أحدها: أنّ الفعليّة تقابل القوّة فلا يجتمعان فكيف يقيّد حصول أحدهما بحصول الآخر.

و يدفعه: أنّ عدم اجتماع الأمرين من الامور الظاهرة فهو قرينة واضحة على سبق القوّة فالمراد تناولها حين العموم لما هو صالح له قبل طروّه.

نعم يرد عليه: أنّه إنّما يشمل الألفاظ الّتي يطرؤها العموم بسبب أدواته، و أمّا ما يفيد العموم وضعا- كأسماء الاستفهام و المجازات- فلا يندرج فيه، و كذا لفظ كلّ و جميع و نحوهما مع عدّهما من ألفاظ العموم كما هو المعروف.

ثانيها: أنّه ينتقض بالأطفال، إذ ليس متناولا بالفعل لما هو صالح له بالقوّة من المشايخ و كذا الحال في العلماء و السلاطين و في غيرهما.

151

و يدفعه: أنّ لفظ الطفل و العالم و السلطان غير صالح قوّة للشيخ و الجاهل و الرعيّة، غاية الأمر أن يكون ما يطلق عليه قابلا للخروج عن ذلك العنوان إلى العنوان الآخر، و أين ذلك من صلاحيّة اللفظة المأخوذة في الحدّ.

ثالثها: أنّه ينتقض بالعشرة و نحوها من أسماء العدد إن اريد مفاهيمها.

و يدفعه: أنّ أسامي الأعداد صالحة لما لا تحصى و لا يراد منها بالفعل إلّا مصداق واحد من مصاديقها إلّا إذا اقترنت بما يفيد عمومها كقولك كلّ عشرة و حينئذ يندرج في العامّ.

رابعها: أنّه إن اريد بموارده الجزئيّات المندرجة تحته انتقض بالجمع المحلّى، فإنّه إنّما يتناول أجزاءه دون جزئيّاته من مراتب الجموع. و إن اريد ما يعمّ ذلك و الأجزاء اندرج فيه أسماء الأعداد، فإنّها و إن لم يتناول جزئيّاتها إلّا أنّها متناولة فعلا لما يصلح له من أجزائها. و يمكن دفعه بما سيجي‏ء الإشارة إليه.

سادسها: ما اختاره شيخنا البهائي من «أنّه اللفظ الموضوع لاستغراق أجزائه أو جزئيّاته» و يرد عليه تارة: أنّ عدّة من ألفاظ العموم ليست موضوعة لاستغراق أجزائها أو جزئيّاتها و إنّما يفيد العموم ظهورا أو من جهة الالتزام كما هو الحال في الجمع المحلّى باللام و النكرة في سياق النفي- حسب ما يأتي الكلام فيها إن شاء اللّه- و تارة: أنّهم عدّوا لفظة كلّ من ألفاظ العموم و ليس كلّ من الجزئيّات جزءا من الكلّ الاستغراقي و لا جزئيّا له، و لو جعل لفظة كلّ أداة للعموم و عدّ مدخوله عامّا فهو خارج عن الحدّ أيضا لعدم وضعه للاستغراق. و اخرى: أنّه يندرج فيه العامّ المخصوص و المستعمل في غير العموم من جهة المبالغة و غيرها لصدق الحدّ عليه مع عدم إندراجه إذن في العامّ هذا. و لهم أيضا حدود غير ذلك مذكورة في كلامهم لا طائل في ذكرها و بيان ما يرد عليها. و الذي ينبغي أن يقال في المقام أنّ العموم يكون على وجوه:

أحدها: أن يكون استغراقيّا بأن يراد بالعامّ جميع ما اندرج فيه على وجه يكون كلّ واحد منها مناطا للحكم المتعلّق بالعامّ.

152

ثانيها: أن يكون مجموعيّا بأن يراد بالعامّ جميع ما اندرج فيه على وجه يناط الحكم بالمجموع، و على التقديرين فإمّا أن يكون شمول اللفظ ملحوظا بالنظر إلى أجزائه أو جزئيّاته.

ثالثها: أن يكون بدليّا بأن يكون جميع الجزئيّات المندرجة تحت العامّ مرادا من اللفظ في الجملة لكن على وجه يناط الحكم بواحد منها على سبيل البدليّة.

و هذه الوجوه الثلاثة مشتركة في الدلالة على الاستغراق، و ملاحظة الآحاد المندرجة تحت العامّ اندراج الجزئي تحت الكلّي أو الجزء تحت الكلّ إلّا أنّه يلحظ تلك الآحاد تارة على نحو يكون الحكم منوطا بكلّ منها و تارة على نحو يكون منوطا بالمجموع و اخرى على نحو يكون منوطا بواحد منها. و حينئذ فنقول إنّ العامّ هو اللفظ المستغرق لما اندرج تحته من الأجزاء أو الجزئيّات فلا يندرج فيه نحو العشرة إذ ليس كلّ من الآحاد ملحوظا فيها و إنّما الملحوظ هناك هو المجموع بما هو مجموع كما هو المفهوم من معنى العشرة، فالفرق بين العشرة و العامّ المجموعي أنّ كلّا من الآحاد ملحوظ في العامّ المجموعي بالملاحظة الإجماليّة إلّا أنّ الحكم منوط بالمجموع بخلاف أسماء العدد، فإنّه لا يلاحظ فيها الكلّ بما هو كلّ، و أمّا الجمع المنكّر فهو و إن لوحظ فيه الوحدة إلّا أنّه ليس بمستغرق لآحادها.

و أمّا المثنّى فهو و إن كان مستغرقا لما اندرج فيه على الوجه المفروض إلّا أنّه ليس ما اندرج فيه مصداقا للجميع ليندرج في الحدّ. و أمّا العموم البدلي المفهوم من الإطلاق- كما في أعتق رقبة- فليس من مدلول اللفظ إذ ليس مفاد اللفظ هناك سوى فرد ما و هو معنى صادق على كلّ من الآحاد فليس كلّ من الآحاد هناك مدلولا للّفظ أصلا.

و اعلم أنّهم اختلفوا في أنّ العموم هل هو من عوارض الألفاظ خاصّة أو المعاني أيضا بعد أن حكي الاتّفاق على كونه من عوارض الألفاظ- كما في النهاية و المنية و كشف الرموز- على أقوال: